وَأما كَثْرَة جوده وَكَرمه
فشيء مَعْرُوف من شيمه فَلَقَد تَوَاتر أَنه كَانَ أكْرم النَّاس وأجودهم حَتَّى أَنه مَا سُئِلَ قطّ شَيْئا فَمَنعه إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء الْمَسْئُول مِمَّا لَا يمْنَع شرعا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس بِالْخَيرِ وأجود مَا يكون فِي رَمَضَان وَكَانَ أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة وَلَقَد سَأَلَهُ رجل فَأعْطَاهُ غنما بَين جبلين فَرجع ذَلِك الرجل إِلَى قومه فَقَالَ أَسْلمُوا فَإِن مُحَمَّدًا يعْطى عَطاء من لَا يخْشَى فاقة وَأعْطى أُنَاسًا كثيرين مائَة مائَة من الْإِبِل وَأعْطى صَفْوَان مائَة ثمَّ مائَة وَأعْطى الْعَبَّاس من الذَّهَب مَا لم يطق حمله وسيق لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسعون ألفا فَوضعت على حَصِير ثمَّ قَامَ إِلَيْهَا يقسمها فَمَا رد سَائِلًا حَتَّى فرغ مِنْهُ وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يرد سَائِلًا جَاءَهُ وَرُبمَا كَانَ السَّائِل لَا يجد عِنْده شَيْئا فَيَأْخُذ لَهُ بِالدّينِ وَيُعْطِيه السَّائِل حَتَّى يَقْضِيه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَقَد جَاءَهُ رجل فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي شَيْء وَلَكِن أبتع على بدين فَإِذا جَاءَنَا شَيْء قضيناه فَقَالَ لَهُ عمر مَا كلفك الله مَالا تقدر عَلَيْهِ فكره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
مَا قَالَه عمر فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار يَا رَسُول الله أنْفق وَلَا تخف من ذِي الْعَرْش إقلالا فَتَبَسَّمَ وَعرف بشر ذَلِك القَوْل فِي وَجهه وَقَالَ بِهَذَا أمرت وَلَقَد كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل الْهَدِيَّة وَإِن لم يحْتَج إِلَيْهَا ويثيب عَلَيْهَا بأضعافها روى أَن معَاذ بن عفراء أهْدى للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طبقًا فِيهِ رطب وقثاء فَأعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ملْء كَفه ذَهَبا وحليا وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يدّخر شَيْئا لغده لنَفسِهِ وَقد ثَبت عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد ذَهَبا يمْضِي على ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارا إِلَّا شَيْئا أرصده لدين وَمَا سيق لَهُ قطّ شَيْء يقسم ذَهَبا كَانَ أَو غَيره إِلَّا أَمر بقسمه وَلم يبت عِنْده وَهَكَذَا كَانَ الْمَعْرُوف من خلقه قبل مبعثه وَكَانَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد قومه الَّذين نَشأ فيهم حَتَّى لقد قَالَ لَهُ ورقة بن نَوْفَل وَكَانَ امْرَءًا تنصر وَقَرَأَ الْكتب العبرانية وَكَانَ قد تفطن واستشعر بنبوته عَلَيْهِ السَّلَام لما رأى من العلامات الَّتِي علمهَا من الْكتب الْمُتَقَدّم فَقَالَ لَهُ إِنَّك لتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وتكسب الْمَعْدُوم وَتعين على نَوَائِب الْحق وَهَذَا كُله من أخلاقه مَعْرُوف حَاصِل لَا يتمارى فِيهِ منصف عَاقل