الْفَصْل الأول فِي إنشقاق الْقَمَر
آيَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَقُول نقل خلفنا عَن سلفنا النَّقْل الَّذِي لَا يشك فِيهِ أَن كفار قُرَيْش سَأَلُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَة وَهُوَ بمنى فَأَرَاهُم إنشقاق الْقَمَر فَصَارَ فرْقَتَيْن حَتَّى رَأَوْا حُبْلَى حراء بَينهمَا وَقَالَ ابْن مَسْعُود صَار فرْقَتَيْن فرقة فَوق الْجَبَل وَفرْقَة تَحْتَهُ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْهَدُوا فَآمن وَصدق من أَرَادَ الله نجاته وَقَالَ كفار قُرَيْش هَذَا سحر مُسْتَمر فَقَالَ أَبُو جهل هَذَا سحر فَابْعَثُوا إِلَى أهل الْآفَاق حَتَّى نَنْظُر أرأوا ذَلِك أم لَا فَأخْبر أهل مَكَّة أَنهم رَأَوْهُ منشقا
فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر﴾ وَهَذَا الحَدِيث قد نَقله الجم الْغَفِير وَالْعدَد الْكثير مِنْهُم من الصَّحَابَة عبد الله بن مَسْعُود وَأنس وَابْن عَبَّاس وأبن عمر وَحُذَيْفَة وعَلى وَجبير بن مطعم وَغَيرهم رَضِي الله عَنْهُم وَقد نقل إِلَيْنَا فِي الْقُرْآن نقلا متواترا محصلا للْعلم يخبر عَن ذَلِك الْمَعْنى من الإنشقاق كَمَا تلوناه آنِفا فَصحت الْآيَة وَعلمت المعجزة والحمدلله فَإِن قَالَ غبي جَاهِل أَو معاند مجادل كَيفَ يَصح هَذَا وَلَو كَانَ هَذَا لم يخف على أهل الأَرْض إذه هُوَ شَيْء ظَاهر لجميعه وَلَو ظهر إِلَيْهِم انْتقل عَنْهُم ولكان مَشْهُورا مَنْقُولًا على التَّوَاتُر فَالْجَوَاب أَن نقُول هَذَا الإستبعاد الوهمي ينْدَفع بأيسر أَمر وَذَلِكَ أَن هَذِه الْآيَة كَانَت آيَة ليلية وَالنَّاس على عَادَتهم المستمرة الْغَالِب عَلَيْهِم النّوم وَمن كَانَ مِنْهُم منتبها كَانَ مِنْهُم من قد انْصَرف عَن ذَلِك بِبَعْض أشغالهم وَكَانَ مِنْهُم أَيْضا من رَآهُ على مَا حكيناه عَن أهل آفَاق مَكَّة وَأَيْضًا فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول طُلُوع الْقَمَر وَلَا شكّ أَن النَّاس تخْتَلف رُؤْيَتهمْ للقمر وَغَيره من الْكَوَاكِب بِحَسب اخْتِلَاف ارْتِفَاع الْبِلَاد والأقاليم وإنخفاضها فَلَيْسَ كل من فِي معمور الأَرْض يرَاهُ فِي وَقت وَاحِد بل يخْتَلف ذَلِك فِي حَقهم فقد يطلع على قوم قبل أَن يطلع على آخَرين وَقد يطلع على قوم لَا يُشَاهِدهُ الْآخرُونَ وَقد يحول بَين قوم وَبَينه سَحَاب أَو جبال وَلِهَذَا تَجِد الكسوفات فِي بعض الْبِلَاد دون بعض وَيكون فِي بَعْضهَا جزئية وَفِي بَعْضهَا كُلية وَفِي بَعْضهَا لَا يعرفهَا إِلَّا المشتغلون بِعلم ذَلِك وَلَا يحس بهَا غَيرهم لَا سِيمَا وَهَذِه آيَة كَانَت بِاللَّيْلِ وَالْعَادَة من النَّاس مَا تقدم من الهدوء والسكون وإيجاق الْأَبْوَاب وَقطع التَّصَرُّف وَلَا يكَاد يعرف شَيْئا من آيَات السَّمَاء إِلَّا من رصد وأهتبل
وَكَثِيرًا مَا يحدث الثِّقَات بعجائب يشاهدونها من أنوار وشهب ونجوم طوالع عِظَام تظهر فِي أحيان من السَّمَاء وَلَا علم عِنْد أحد غَيرهم مِنْهَا وإنشقاق الْقَمَر من هَذَا الْقَبِيل إِذْ لم يكن دَائِما وَإِنَّمَا كَانَ يَسِيرا فِي زمن قريب ثمَّ لَا يبعد أَن يكون الله تَعَالَى صرف النَّاس فِي تِلْكَ السَّاعَة عَن النّظر إِلَيْهِ لتختص هَذِه الْآيَة بمشاهدة أهل مَكَّة وَمن جاورها من أهل آفاقها فَيكون صرف النَّاس عَن ذَلِك من قبيل خوارق الْعَادَات وَذَلِكَ أوضح فِي المعجزات فقد صَحَّ مَا رمناه وانفصلنا عَمَّا ألزمناه والحمدلله وَعند الْوُقُوف على هَذِه المعجزة الطاهرة وَالْآيَة الباهرة تعلم أَنَّهَا أعظم من إنشقاق الْبَحْر الَّذِي خص الله تَعَالَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وان كَانَ عَظِيما اذ انْشِقَاق الْبَحْر لم يكن قطعا فِي مُعظم الْبَحْر من احدى ضفتيه إِلَى الْأُخْرَى وَإِنَّمَا كَانَ قطع طَرِيق من بَحر القلزم إِلَى مفارشود وَالْقَمَر انقسم فرْقَتَيْن وَصَارَ شطرين