وَأما وفاؤه بالعهد
فَلَا يتمارى فِيهِ إِلَّا خسيس وغد فقد كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحفظ النَّاس بِعَهْد وأوفاهم بميثاق ووعد وَأَحْسَنهمْ جوارا وأصدقهم قولا وأخبارا روى عَن عبد الله ابْن أبي الحمساء أَنه قَالَ بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبيع قبل أَن يبْعَث وَبقيت لَهُ بَقِيَّة فوعدته أَن آتيه بهَا فِي مَكَانَهُ فنسيت ثمَّ ذكرت بعد ثَلَاث فَجئْت فَإِذا هُوَ فِي مَكَانَهُ فَقَالَ يَا فَتى لقد شققت عَليّ أَنا هَا هُنَا مُنْذُ ثَلَاث أنتظرك وَذَلِكَ لِلْمِيعَادِ الَّذِي كَانَ بَينهمَا وَكَانَ الْمَعْلُوم من سيرته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يعْقد العهود والمواثيق بَينه وَبَين عداته وَغَيرهم فيفي بهَا ويؤذنهم بإنقضائها عِنْد تَمامهَا وَلم يغدر قطّ فِي شَيْء مِنْهَا وَلَقَد كَانَ هَذَا مَعْرُوفا عِنْد أعدائه كَمَا هُوَ مَعْرُوفا عِنْد أوليائه
وَلَقَد روى أَن هِرقل ملك النَّصَارَى لما سَأَلَ كفار قُرَيْش عَن صِفَات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فَهَل يغدر قَالُوا لَهُ لَا فَقَالَ لَهُم كَذَلِك الرُّسُل لَا تغدر وَكَيف يغدر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ قَالَ ينصب لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة يعرف بِهِ يُقَال هَذِه غدرة فلَان وَلَقَد جَاءَهُ الْمُغيرَة بن شُعْبَة مُسلما وَجَاء مَعَه بِمَال قوم من الْجَاهِلِيَّة كَانَ قد صحبهم ثمَّ قَتلهمْ وَأخذ أَمْوَالهم فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أما الْإِسْلَام فَأقبل وَأما المَال فلست مِنْهُ فِي شَيْء وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد عرض لَهُ بعض أَصْحَابه بغدر الْمُشْركين دَعْنِي لَهُم ونستعين الله عَلَيْهِم وَفِي خبر الجلندي ملك عمان لما بلغه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَدعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام فَقَالَ الجلندي وَالله لقد دلَّنِي على أَن هَذَا نَبِي أَنه لَا يَأْمر بِخَير إِلَّا كَانَ أول آخذ بِهِ وَلَا ينْهَى عَن شَرّ إِلَّا كَانَ أول تَارِك لَهُ وَأَنه يغلب فَلَا يبطر ويغلب فَلَا يضجر ويفي بالعهود وينجز الْمَوْعُود أشهد أَنه نَبِي