الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي مَا أخبر بِهِ مِمَّا أطلعه الله من الْغَيْب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
هَذَا الْمَوْضُوع بَحر لَا يدْرك قَعْره وَلَا ينزف غمره وَهُوَ من جملَة آيَاته الْمَعْلُومَة على الْقطع الْوَاصِلَة إِلَيْنَا من طَرِيق التَّوَاتُر لِكَثْرَة الحكايات وإنتشار الرِّوَايَات مَعَ اتفاقها على أَنه مطلع على كثير من الْغَيْب فَهَذَا تَوَاتر معنوي يحصل بِهِ الْعلم الْقطعِي وَهَكَذَا أَكثر الْفُصُول الْمُتَقَدّمَة وَالْأَخْبَار المتلقاة عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْمَوْضُوع قِسْمَانِ قسم وَقع وَوجد كَمَا أخبر بِهِ وَقسم آخر لم يَقع لكَونه لم يبلغ وقته وسيقع وَلَا بُد وَلذَلِك هُوَ منتظر الْوُقُوع وَنحن إِنَّمَا نذْكر فِي هَذَا الْفَصْل مَا وَقع وَوجد حسب مَا أخبر بِهِ إِذْ بِهِ تقع الْحجَّة وَعِنْده يظْهر الإعجاز من ذَلِك حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقَاما فَمَا ترك شَيْئا فِي مقَامه ذَلِك يكون إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حَدثهُ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه قد علمه أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَأَنه ليَكُون مِنْهُ الشَّيْء فأعرفه فأذكره كَمَا يذكر الرجل وَجه الرجل إِذا غَابَ عَنهُ ثمَّ إِذا رَآهُ عرفه ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي أنسى أَصْحَابِي أم تناسوه وَالله مَا ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَائِد فتْنَة إِلَى أَن تَنْقَضِي الدُّنْيَا يبلغ من مَعَه ثَلَاث مائَة فَصَاعِدا إِلَّا وَقد سَمَّاهُ لنا بإسمه وَاسم أَبِيه وقبيلته وَقَالَ أَبُو ذَر لقد تركنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا من طَائِر يُحَرك جناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكر لنا مِنْهُ علما
وَقد خرج أهل الصَّحِيح فِي كتبهمْ واشتهر عَن الْأَئِمَّة مَا أعلم بِهِ أَصْحَابه مِمَّا وعدهم بِهِ من الظُّهُور على أعدائه وَفتح مَكَّة وَبَيت الْمُقَدّس واليمن وَالشَّام وَالْعراق وَظُهُور الْأَمْن حَتَّى تظعن الْمَرْأَة من الْحيرَة إِلَى مَكَّة لَا تخَاف إِلَّا الله وَأَن الْمَدِينَة لَا تغزى وَكَذَلِكَ أعلم بِفَتْح خَيْبَر على يَد عَليّ بن أبي طَالب فِي غَد يَوْمه وَبِمَا فتح الله على أمته من الدُّنْيَا وَيُؤْتونَ من زهرتها وقسمتهم كنوز كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا يحدث بَينهم من الْفِتَن والإختلاف والأهواء وسلوك سَبِيل من قَتلهمْ وإفتراقهم على ثَلَاث وَسبعين فرقة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة وَأَنَّهَا سَتَكُون لَهُم أنماط وَيَغْدُو أحدهم فِي حلَّة وَيروح فِي أُخْرَى وتوضع على يَدَيْهِ صحيفَة وترفع أُخْرَى ويسترون بُيُوتهم كَمَا تستر الْكَعْبَة وَأَنَّهُمْ إِذا مَشوا المطيطا وجد مِنْهُم بَنَات فَارس وَالروم رد الله بأسهم بَينهم وسلط شرارهم على خيارهم وإخباره على قتال التّرْك والخزر وَالروم وَذَهَاب كسْرَى وَفَارِس حَتَّى لَا كسْرَى بعده وَذَهَاب قَيْصر حَتَّى لَا قَيْصر بعده وإخباره عَن الرّوم لَا تزَال ذَات أَقْرَان حَتَّى تقوم السَّاعَة وإخباره بِملك بني أُميَّة وَولَايَة مُعَاوِيَة ووصاه وإتخاذ بني أُميَّة ملك الله دولا وإخباره عَن خُرُوج ولد الْعَبَّاس بالرايات السود وملكهم أَضْعَاف مَا ملكوا وَخُرُوج الْمهْدي وإخباره بِمَا ينَال أهل بَيته من الْقَتْل والشدائد وإخباره عَن قتل عَليّ وَقَوله إِن أشقاها الَّذِي يخضب هَذِه من هَذِه يُرِيد لحيته من رَأسه وإخباره بقتل عُثْمَان وَهُوَ يقْرَأ الْمُصحف وَأَنه سيقطر دَمه على قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَسى الله أَن يلبسك قَمِيصًا فَإِن أرادوك على خلعه فَلَا تخلعه يُرِيد بذلك مَا ولاه من الْخلَافَة وَمَا أَرَادوا من خلعه وَمن ذَلِك خبر حَاطِب بن أبي بلتعة وَذَلِكَ أَنه كتب كتابا لأهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ فِيهِ بغزو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم وإخفاء ذَلِك الْكتاب وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا وَدفعه إِلَى إمرأة فَجَعَلته فِي عقاصها
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه انْطَلقُوا إِلَى مَوضِع كَذَا فَإِن بِهِ ظَعِينَة عِنْدهَا كتاب من حَاطِب إِلَى مُشْركي قُرَيْش فَانْطَلقُوا ففتشوا فَلم يَجدوا عِنْدهَا شَيْئا فَقَالُوا لَهَا لتخْرجن الْكتاب أَو لَنُجَرِّدَنَّكِ فَأَخْرَجته من عقاصها وإخباره لبَعض زَوْجَاته أَنَّهَا ستنبحها كلاب من الْحُوب وَأَنَّهَا تقتل حولهَا قَتْلَى كثير فَكَانَ ذَلِك كُله كَمَا ذكر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقتله أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَقَوله يكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير فرأوهما الْحجَّاج وَالْمُخْتَار وإخباره بِأَن مُسَيْلمَة يعقره الله فَكَانَ ذَلِك وَمن ذَلِك أَن نَاقَته ضلت فَلم يدر أَيْن هِيَ فَقَالَت قُرَيْش يزْعم مُحَمَّدًا أَنه يعرف خبر السَّمَاء وَهُوَ لَا يعرف نَاقَته فَنزل الْوَحْي على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أما أَنا فَلَا أعلم إِلَّا مَا أعلمني الله بِهِ وَأَن الله قد أَخْبرنِي أَنَّهَا بِموضع كَذَا فَانْطَلقُوا فَوجدت حَيْثُ ذكر قد حبستها هُنَاكَ شَجَرَة وَقَوله لفاطمة الزهراء رَضِي الله عَنْهَا ابْنَته أَنَّك أول أهل بَيْتِي لُحُوقا بِي فَكَانَت أول من مَاتَ من أهل بَيته وَأخْبر بِأَهْل الرِّدَّة والخوارج وَعرف بعلاماتهم فَوجدَ ذَلِك كَمَا أخبر وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى يضْطَر الْوَاقِف عَلَيْهَا إِلَى الْعلم بنبوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم