كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مفلح، شمس الدين
- الكتاب
- كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي
- المؤلف
- محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
- المحقق
- عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى 1424 هـ - 2003 مـ
- عدد الأجزاء
- 11 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] «الفروع لابن مفلح» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «تصحيح الفروع» للمرداوي
وَهُنَّ مَوَاقِيتُ لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا, كَالشَّامِّي يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ مِنْهَا, نُصَّ عَلَيْهِ, قَالَ النَّوَاوِيُّ: بِلَا خِلَافٍ, كَذَا قَالَ, وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ وَمَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ: لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ, وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُهُ, فَإِنَّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ, وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ, حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ, يَعُمُّ مِنْ مِيقَاتِهِ بَيْنِ يَدِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي مَرَّ بِهَا وَمَنْ لَا وَقَوْلُهُ: لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ1, يَعُمُّ مَنْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ آخَرَ أَوْ لَا, وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ, وَعِنْدَ دَاوُد: لَا حَجَّ لَهُ, وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُحْرِمُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ شَامِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَلَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ الْجُحْفَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ دَمٌ, وَلِلشَّافِعِيِّ2 أَنْبَأْنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنْ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ, مَرَّةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَرَّةً مِنْ الْجُحْفَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا أَرَادَتْ الْحَجَّ أَحْرَمَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ, وَإِذَا أَرَادَتْ الْعُمْرَةَ مِنْ الْجُحْفَةِ3, قَالَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجُحْفَةُ مِيقَاتًا لِذَلِكَ لَمَا جَازَ تَأْخِيرُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ للآفاقي.
وفي كلام بعضهم هنا نظر.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
وَقَوْلُهُ آفَاقِيُّ, وَصَوَابُهُ أُفُقِيُّ, قِيلَ بِفَتْحَتَيْنِ وَقِيلَ بِضَمَّتَيْنِ "م 1" نِسْبَةً إلَى الْمُفْرَدِ, وَالْآفَاقُ الْجَمْعُ.
فأما إن مر الشامي أَوْ الْمَدَنِيُّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَمِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ, لِلْخَبَرِ1.
وَمَنْ عَرَجَ عَنْ الْمَوَاقِيتِ أَحْرَمَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَاذَى أَقْرَبَهَا مِنْهُ, وَيُسْتَحَبُّ "لَهُ" الِاحْتِيَاطُ, فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ فَمِنْ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ, وَأَطْلَقَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ مِيقَاتَ مَنْ عَرَجَ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ, قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ: وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ مِثْلَهُ إنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُحَاذَاةِ.
وَهَذَا مُتَّجِهٌ, وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَهَا فَمِنْهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَيَجُوزُ مِنْ أَقْرَبِهِ إلَى الْبَيْتِ, وَالْبَعِيدُ أَوْلَى, وَقِيلَ: سَوَاءٌ, وَكُلُّ مِيقَاتٍ فَحَذْوُهُ مِثْلُهُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَهَا لَهُ تَأْخِيرُ إحْرَامِهِ إلى الحرم,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
"مَسْأَلَةٌ 1" قَوْلُهُ: وَصَوَابُهُ أُفُقِيٌّ قِيلَ بِفَتْحَتَيْنِ وَقِيلَ بِضَمَّتَيْنِ, انْتَهَى.
لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْخُطْبَةِ, وَلَكِنْ لِعُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِيهِ قَوْلَانِ, وَلَمَّا كَانَ أَحَدُهُمَا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ أَتَى بِهَذِهِ الصِّيغَةِ, وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُقَدَّمَةِ2, وَالْأَفْصَحُ الضَّمُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا فَتَحُوا ذلك تخفيفا, قاله ابن خطيب الدهشة
وَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ إلَّا مُحْرِمًا لِمَنْ قَصَدَ النُّسُكَ, وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْ الْخَبَرِ السَّابِقِ1.
وَمِيقَاتُ مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيٌّ أَوْ لَا مِنْهَا.
وَظَاهِرُهُ: وَلَا تَرْجِيحَ, وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ: مِنْ بَابِ دَارِهِ.
وَيَأْتِي الْمَسْجِدَ مُحْرِمًا وَالثَّانِي: مِنْهُ, كَالْحَنَفِيَّةِ, نَقَلَهُ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ, وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ خِلَافَهُ, وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ إلَّا فِي الْإِيضَاحِ, قَالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِنْ الْمِيزَابِ, وَيَجُوزُ مِنْ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ, نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ, وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ "وم" كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ, وَكَالْعُمْرَةِ, وَمَنَعُوا وُجُوبَ إحْرَامِهِ مِنْ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ.
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ, وَعَنْهُ: إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ, وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ, لِإِحْرَامِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ, قَالَ: وَإِنْ مَرَّ فِي الْحَرَمِ يَعْنِي قَبْلَ مُضِيِّهِ إلَى عَرَفَةَ فَلَا دَمَ, لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ, كَمُحْرِمٍ.
قَبْلَ الْمَوَاقِيتِ "وهـ ش" إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ كَرِوَايَتِنَا قَبْلَ هَذِهِ نَفْسُ مَكَّةَ, فَيَلْزَمُ لِدَمِ مَنْ أَحْرَمَ مُفَارِقًا بُنْيَانَهَا إنْ لَمْ يَعُدْ.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ1.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ مُرُورَهُ فِي الْحَرَمِ مُلَبِّيًا.
وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ صَاحِبَاهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: الْمُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا قَضَى نُسُكَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا, أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ إنْسَانٍ ثُمَّ عَنْ آخَرَ, يَخْرُجُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ, اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ, وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا خِلَافَ فِيهِ, كَذَا قَالَ; لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَأَحْرَمَ "مِنْ" دُونِهِ, وَإِحْرَامُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ, وَاخْتَارَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ خِلَافَ هَذَا, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ, وَكَذَا أَحْمَدَ, لَكِنْ أَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ كَالْمَكِّيِّ, كَمَا سَبَقَ, وَكَالنُّسُكَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ, وَفَرَّقَ الْقَاضِي بِأَنَّ الثَّانِيَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ, فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا مِنْ الْمِيقَاتِ, كَذَا قَالَ, وَعَنْهُ: مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَطْلَقَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَزَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ, وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ, وَهِيَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
وَأَوَّلهَا.
بَعْضُهُمْ بِسُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنْ الْآفَاقِيِّ بِخُرُوجِهِ إلَى الْمِيقَاتِ, وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَنْ "كَانَ" بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا إنْ أَرَادَ عُمْرَةً وَاجِبَةً فَمِنْ الْمِيقَاتِ وَإِلَّا لَزِمَهُ دَمٌ, كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ.
وَإِنْ أَرَادَ نَفْلًا فَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ, وَالْأَصَحُّ أَنَّ مِيقَاتَ مَنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ, لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَبْدَ الرحمن بن أبي بكر أن
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
يَخْرُجَ مَعَ عَائِشَةَ إلَى التَّنْعِيمِ لِتَعْتَمِرَ1 وَلِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ; لِأَنَّ أَفْعَالَهَا فِي الْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ, قِيلَ2 التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ "وهـ" وفي المستوعب وغيره: الجعرانة, لاعتماره صلى الله عليه وسلم منها, ثم منه, ثم من الحديبية3 "وش", وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ سَوَاءٌ.
"م 2" وَعَيَّنَ مَالِكٌ التنعيم لمن بمكة, والعلماء بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ فِي الْمَكِّيِّ: أَفْضَلُهُ الْبَعْدُ, هِيَ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا قَالَ فِي الْخِلَافِ: مُرَادُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ, بَيْنَهُ فِي رواية بكر بن محمد: يخرج
[تصحيح الفروع للمرداوي]
"مَسْأَلَةٌ 2" قَوْلُهُ فِي أَحْكَامِ الْعُمْرَةِ: قِيلَ التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: الْجِعْرَانَةُ يَعْنِي أَفْضَلَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ سَوَاءٌ, انْتَهَى.
أَحَدُهُمَا التَّنْعِيمُ أَفْضَلُ, وَهُوَ الصَّحِيحُ, جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ ومسبوك الذهب والخلاصة والشرح4 و"5شرح ابن منجا5" وَالْمُقْنِعِ4, رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَابْنِ مُنَجَّى.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ.
"تَنْبِيهَاتٌ"
الْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: "وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ سَوَاءٌ" الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي الْمُغْنِي وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نُسْخَةِ الْمُقْنِعِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ, مَعَ أَنَّ كِتَابَ الْمُصَنِّفِ المقنع وهو من حافظيه, والله أعلم13
إلَى الْمَوَاقِيتِ أَحَبُّ إلَيَّ; لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ, وَمِنْ أَدْنَى الْحِلِّ رُخْصَةٌ لِلْمَكِّيِّ, وَمُرَادُهُ فِي الْوَاجِبَةِ.
كَمَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى, كَذَا قَالَ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَائِشَةَ "هِيَ عَلَى قَدْرِ سَفَرِك وَنَفَقَتِك" وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مُسْلِمٍ1, وَقَوْلُ عَلِيٍّ: أَحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ2.
مُحْتَجًّا بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ هَذِهِ الْعُمْرَةِ أَيُّ شَيْءٍ فِيهَا؟ إنَّمَا الْعُمْرَةُ الَّتِي تَعْتَمِرُ مِنْ مَنْزِلِك, وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الَّتِي يُنْشِئُ لَهَا السَّفَرَ, وَإِحْرَامُهَا مِنْ الْمِيقَاتِ, كَقَوْلِهِ فِي الْحَجِّ: وَمَا الْفَرْقُ؟ وَكَفِعْلِهِ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, وَحَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا يَتَّجِهُ, وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ, وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ, وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا بَأْسَ قَبْلَهُ, وَنَقَلَ "ابْنُ" إبْرَاهِيمَ: كُلَّمَا تَبَاعَدْت فَلَكَ أَجْرٌ, وَمُرَادُهُ الْمَكِّيُّ.
وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ دَمٌ, خِلَافًا لِعَطَاءٍ, وَيُجَزِّئُهُ إنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِهَا, وَكَذَا بَعْدَهُ, كَإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِ الْحَجِّ بِهِ "وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" ولنا وللشافعي قول: لا3 "وم"; لأنه نسك فاعتبر فيه
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ, كَالْحَجِّ, فَيَخْرُجُ1 ثُمَّ يَعُودُ يَأْتِي بِهَا, وَلَا عِبْرَةَ بِفِعْلِهِ قَبْلَهُ.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
وَإِنْ حَلَقَ أَوْ أَتَى مَحْظُورًا فَدَى.
وَإِنْ وَطِئَ فَدَى وَمَضَى فِي فَاسِدِهَا وَقَضَاهَا بِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ وَيُجَزِّئُهُ عَنْهَا, وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ بِخُرُوجِهِ, وَالْمُرَادُ عَلَى الرَّاجِحِ "ش" وَلِلْحَنَفِيَّةِ الخلاف.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ: إذَا أَرَادَ حُرٌّ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ نُسُكًا أَوْ مَكَّةَ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ الْحَرَمَ
لَزِمَهُ إحْرَامٌ مِنْ مِيقَاتِهِ "وهـ م" إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ لِمَنْ مَنْزِلُهُ الْمِيقَاتُ أَوْ دَاخِلُهُ مِنْ أُفُقِيٍّ وَغَيْرِهِ دُخُولَ الْحَرَمِ وَمَكَّةَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ نُسُكًا, وَلَا وَجْهَ لِلتَّفْرِقَةِ, وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مُطْلَقًا لَا أَنْ يُرِيدَ نُسُكًا, وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ, ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ, وَصَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ, وَهِيَ أَظْهَرُ, لِلْخَبَرِ السَّابِقِ1.
وَيَنْبَنِي عَلَى عُمُومِ الْمَفْهُومِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ.
وَجْهِ الْأَوَّلِ: رَوَى حَرْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَدْخُلَن إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابُ مَنَافِعِهَا2, احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: يَدْخُلُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ3, وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ مِنْ أهلها وغيرهم" 4 فيه حجاج ضعيف
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
مُدَلِّسٌ, وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ, وَابْنُ عَدِيٍّ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ مُسْنَدًا إلَّا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ عَلَى لُزُومِ الْإِحْرَامِ بِنَذْرِ دُخُولِهَا, وَفِيهِ الْخِلَافُ, ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ, وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
ثُمَّ النَّذْرُ قَرِينَةٌ فِي إرَادَةِ النُّسُكِ الْمُخْتَصِّ بِهَا كَالسَّبَبِ الدَّالِّ عَلَى النِّيَّةِ, وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَكَّةَ, وَذَا فِي الْقِتَالِ, قَالَ فِي الِانْتِصَارِ وَمَعْنَاهُ فِي الخلاف: الإحرام شرط إباحة دخوله ولا توجيه1 لِدُخُولِهِ, لِئَلَّا يُقَالَ لَا يَنُوبُ عَنْهُ إحْرَامٌ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ, كَمَا لَمْ يَنُبْ عَنْ مَنْذُورَةٍ, أَيْ كَمَا قَالَهُ زُفَرُ.
وَمِنْ تَجَاوَزَهُ بِلَا إحْرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ, ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ, وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ "وم ش" كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ رَاتِبَةً وَلَا تُقْضَى, احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ وَغَيْرُهُمَا, وَالْمُرَادُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مُطْلَقًا, وَسَبَقَ دُخُولُهُ في خطبة الجمعة2, وكما لو لم
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
يَدْخُلْ الْحَرَمَ.
وَذَكَر الْقَاضِي أَيْضًا وَأَصْحَابُهُ: يَقْضِيه وَأَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ كَنَذْرِ الْإِحْرَامِ, فَإِنْ أَدَّى بِهِ نُسُكًا مِنْ سَنَتِهِ سَقَطَ عَنْهُ, وَإِنْ أَخَّرَهُ فَدَخَلَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ يُجَزِّئْهُ وَلَزِمَهُ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ, لِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ "وهـ".
وَمَنْ أَرَادَ مَكَّةَ لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَاجَةٍ تُكَرَّرُ, وَتَرَدَّدَ الْمَكِّيُّ إلَى قَرِيبِهِ بِالْحِلِّ لَمْ يَلْزَمْهُ, لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِلَا إحْرَامٍ1, قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ, وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقٍّ قَيَّمَهُ لِمَا تَكَرَّرَ لِلْمَشَقَّةِ, وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَنْعُ لِمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِيقَاتِ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ أَوْ لَمْ يُرِدْ الْحَرَمَ إنْ بَدَا لَهُ أَحْرَمَ حَيْثُ بَدَا لَهُ "وم ش" لِلْخَبَرِ السَّابِقِ2; وَلِأَنَّ مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَعَنْ أَحْمَدَ: يَلْزَمُهُ كَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ, وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُحْرِمُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْحِلِّ, وَكَذَا تَجَدُّدُ إسْلَامٍ وَعِتْقٌ وَبُلُوغٌ نُصَّ عليهن,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ; لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ "مِنْهُ" كَالْقِسْمِ قَبْلَهُ, وَكَالْمَجْنُونِ, قَالَ الْقَاضِي: وَلِهَذَا نَقُولُ: لَوْ أَذِنَ لَهُمَا الْوَلِيُّ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمَا لَزِمَهُمَا دَمٌ, كَذَا قَالَ, وَكَلَامُ غَيْرِهِ خِلَافُهُ.
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ, كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: يَلْزَمُ مَنْ أَسْلَمَ, نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ; لِأَنَّهُ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ, كَالْمُسْلِمِ, وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ; وَلِهَذَا مَنْ لَمْ يَصِلْ مَعَ حَدَثِهِ كَتَرْكِهَا مُتَطَهِّرًا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: عَلَى الْعَبْدِ دَمٌ, وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَى الْكَافِرِ, وَفِيهِمَا قَوْلَانِ, وَمَنْ جَاوَزَهُ مَرِيدًا لِلنُّسُكِ أَوْ كَانَ فَرْضُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيُحْرِمَ مِنْهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ أَوْ غَيْرَهُ, وَأُطْلِقَ فِي الرِّعَايَةِ وَجْهَيْنِ, وَظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُمَا بَعْدَ إحْرَامِهِ, وَكُلٌّ مِنْهُمَا
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ضَعِيفٌ, فَإِنْ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ, وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ.
وَإِنْ أَحْرَمَ دُونَهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ وَلَزِمَهُ دَمٌ "و".
وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ: لَا يَلْزَمُهُ, وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالظَّاهِرِيَّةِ: لَا يَصِحُّ نُسُكُهُ, وَلَمْ أَجِدْ لِمَنْ احْتَجَّ لِلصِّحَّةِ دَلِيلًا صَحِيحًا, ثُمَّ لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ, نَصَّ عَلَيْهِ "وم" لِظَاهِرِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ" 1 وَلِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِ إحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ; وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ, وَكَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ أَوْ لَمْ يَطُفْ أَوْ لَمْ يُلَبِّ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَ: وَعَنْ أَحْمَدَ:.
يَسْقُطُ: وَكَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ, وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ: إنْ رَجَعَ قَبْلَ طَوَافِ قُدُومٍ أَوْ عَرَفَةَ سَقَطَ, وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ, وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ مُلَبِّيًا, وَالْجَاهِلُ وَالنَّاسِي كَالْعَالَمِ الْعَامِدِ, وَلَا يَأْثَمُ نَاسٍ.
وَسَبَقَ حُكْمُ الْجَاهِلِ آخَرَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ2, وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ لَا يَأْثَم, وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا دَمَ عَلَى مُكْرَهٍ, أَوْ أَنَّهُ كَإِتْلَافٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَلْزَمُهُ, وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ, وَلَوْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا لَمْ يَسْقُطُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ, نَصَّ عَلَيْهِ, وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ, كَدَمٍ مَحْظُورٍ; وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ, وَنَقَلَ مُهَنَّا يَسْقُطُ بِقَضَائِهِ "وهـ" لِفِعْلِ الْمَتْرُوكِ وَهُوَ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ, وَأُجِيبُ لم يفعله لدليل المسألة قبلها..
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
فَصْلٌ: يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ
وَيَصِحُّ, قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ, وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالْمُغْنِي1 وَالْمُسْتَوْعِبُ وَغَيْرُهُمْ "وم" لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ, وَحَجَّ مَرَّةً وَاعْتَمَرَ مِرَارًا, وَكَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِهِ, وَأَنْكَرَهُ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ, وَعُثْمَانُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ, رَوَاهُمَا سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ2, قَالَ الْبُخَارِيُّ, كَرِهَهُ عُثْمَانُ3, وَكَإِحْرَامِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ, وَلِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ مَحْظُورٍ, وَفِيهِ مَشَقَّةٌ, كَوِصَالِ الصَّوْمِ, وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَمْنُ مَعَ احْتِمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأْنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ قَالَ: "يَسْتَمْتِعُ الْمَرْءُ بِأَهْلِهِ وَثِيَابِهِ حَتَّى يَأْتِيَ كَذَا وَكَذَا" لِلْمَوَاقِيتِ, وَرَوَاهُ.
أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ4.
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْجَوَازَ, وَالْمُسْتَحَبُّ الْمِيقَاتُ, هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ.
وَنَقَلَ صَالِحٌ.
إنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَفْضَلُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إنْ أَمِنَ مَحْظُورًا, وَلِلشَّافِعِيِّ خِلَافٌ فِي الْأَفْضَلِ, وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي التَّرْجِيحِ, وبعض أصحابه:
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
يَكْرَهُ, وَبَعْضُهُمْ: يَسْتَحِبُّ إنْ أَمِنَ مَحْظُورًا, لِخَبَرِ "1أم حكيم عن1" أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا "مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ2 مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ مُدَلِّسِ "الْحَدِيثِ" وَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ وَلِأَحْمَدَ3 مِنْ رِوَايَتِهِ وَصَرَّحَ بِالسَّمَاعِ "مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" فَرَكِبَتْ أُمُّ حَكِيمٍ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حَتَّى أَهَلَّتْ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ4 مِنْ رِوَايَةٍ ابْنِ لَهِيعَةَ "مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غَفَرَ لَهُ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" وَفِي لَفْظِ "مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" 5 أَوْ "وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتَهمَا قَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ, لَيْسَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ, وَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِيهِ مِنْ قِبَلِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ, فَإِنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ, وَانْفَرَدَ ابْنُ سَعْدٍ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ, فالجواب عن هذا الخبر.
بِتَضْعِيفِهِ نَظَرٌ, وَكَذَا جَوَابُ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: "مَنْ أَهَلَّ" مَعْنَاهُ: مَنْ قَصْدَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَيَكُونُ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ هَذَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ, وَلِذَلِكَ أَحْرَمَ ابْنُ عمر منه6 ولم
[تصحيح الفروع للمرداوي]
"الثَّانِي" قَوْلُهُ, رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ مُدَلِّسٍ, كَذَا فِي النُّسَخِ, وَصَوَابُهُ: وهو مدلس, أو وابن إسحاق مدلس.123456
يَكُنْ يُحْرِمُ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ: لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ, وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الصِّحَّةَ إجْمَاعًا; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ, وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَبْلَ الْمُخَالِفِ: لَا يَصِحُّ.
فَصْلٌ: يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ
,
وَيَصِحُّ حَجُّهُ "وهـ م" نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَشِنْدِيّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ فَسْخَهُ بِعُمْرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ, وَعَنْ أَحْمَدَ: تَنْعَقِدُ عُمْرَةً, اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ حَامِدٍ "وش" وَدَاوُد, وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: يَجْعَلُهُ عُمْرَةً, ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُوَافِقًا لِلْأَوَّلِ, وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إنْ صَرَفَهُ إلَى عُمْرَةٍ1 أَجْزَأَ عَنْهَا وَإِلَّا تَحَلَّلَ بِعَمَلِهَا وَلَا يُجَزِّئُ عَنْهَا.
وَقَوْلُ: يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِهَا وَلَا يُجَزِّئُ عَنْهَا.
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: يُكْرَهُ, قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ, وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ رِوَايَةً: لَا يَجُوزُ, وَجْهُ الْأَوَّلِ ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] وكلها مواقيت.
للناس, فكذا للحج,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
وَأَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ, وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ مُعْظَمُهُ فِيهَا, كَقَوْلِهِ: "الْحَجُّ عَرَفَةَ" 1, أَوْ أَرَادَ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ.
وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ.
وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ, وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ, وَقَوْلُ الْخَصْمِ: الْحَجُّ مُجْمَلٌ فِي الْقُرْآنِ بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِفِعْلِهِ وَقَالَ: "خُذُوا عَنِي مَنَاسِكَكُمْ" 2 أَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: بَيْنَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ, وَيَجِبُ عَلَيْنَا أَخْذُ الْمُسِنُّونَ مِنْهُ كَالْوَاجِبِ, وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَّا فِي شَهْرِ الْحَجِّ3, عَلَى الِاسْتِحْبَابِ, وَالْإِحْرَامُ تَتَرَاخَى الْأَفْعَالُ عَنْهُ, فَهُوَ كالطهارة ونية الصوم, بخلاف الصلاة والصوم,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .234
وَأَمَّا أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ: الْإِحْرَامُ عِنْدَنَا شَرْطٌ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ, وَهِيَ مُجَرَّدُ الْعَزْمِ أَوْ الْقَصْدِ إلَى فِعْلِ الْحَجِّ, وَالْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ غَيْرُ الْفِعْلِ, فَلَمْ يَكُنْ مِنْ جُمْلَةِ الْفِعْلِ, وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رُكْنٌ, فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَى وَقْتِ العبادة كبقية الأركان.
فصل: أشهر الحج شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرُ "ذِي", الْحِجَّةِ. مِنْهُ يَوْمُ النَّحْرِ
,
وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ, نَصَّ عَلَى ذَلِكَ "أَحْمَدُ", "وهـ" وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: آخِرُهُ لَيْلَةُ النَّحْرِ, وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: جَمِيعُ الْحِجَّةُ مِنْهَا.
وَجْهُ الْأَوَّلِ: رَوَى الْبُخَارِيُّ1 عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ "يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ" , وَالْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ "أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ" 2 وَلِلنَّجَّادِ وَالدَّارَقُطْنِيّ3 مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ خِلَافِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْعَشْرُ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ شَرْعًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234] وقال هو والشيخ وغيرهما:
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لَسَبَقَ اللَّيَالِي فَتَقُولُ: سِرْنَا1 عَشْرًا: وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فِي أَكْثَرِهِنَّ, وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْم النَّحْرِ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ لَا لِخُرُوجِ وَقْتِ الْحَجِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فِي بَعْضِهَا, كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] ثُمَّ الْجَمْعُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى بَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَات الْقُرُوءِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ, وَاخْتَارَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَعَلُّقُ الْحِنْثِ بِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْإِحْرَامِ فِيهَا, وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ, على خلاف سبق2.
وعند
[تصحيح الفروع للمرداوي]
"الثَّالِثُ" قَوْلُهُ: ثُمَّ الْجَمْعُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى بَعْضٍ آخَرَ.
كَذَا فِي النُّسَخِ وَصَوَابُهُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْضٍ آخَرَ.
بِإِسْقَاطِ "عَلَى" نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا, فَفِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ.
والله أعلم.45
مَالِكٍ: تَعَلُّقُ الدَّمِ بِتَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْهَا.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا فِي كَرَاهَةِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِيهَا.
وَحُجَّةُ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّة, عِنْدَ أَحْمَدَ, وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ أُنَادِي يَوْم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ1, قَالَ أَحْمَدُ: فَهَلْ هَذَا إلَّا فِي ذِي الْحِجَّةِ, رواه البيهقي في مناقب أَحْمَدَ.
وَالْأَشْهَرُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ, وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا اتِّفَاقًا, فَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْخِلَافِ: مَنْ حَجَّ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ, فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحُجَّ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ بِهِ الْإِجْزَاءُ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ, وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ احْتَجَّ مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ" 2 فَأَجَابَ: يَحْتَمِلُ.
أَنَّهُ قَالَهُ لِمَنْ حَجَّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ, كَذَا قَالَ, وَهَذَا اللَّفْظُ لَا نُسَلِّمُ صِحَّتَهُ, وَالْمَعْرُوفُ "مَنْ أَحَبَّ أن يحرم في عمرة فليفعل" 3.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
فصل: الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ
, فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حِجَّةً" أَوْ قَالَ: "حِجَّةً مَعِي" وَرَوَوْا أَيْضًا "تَعْدِلُ" 4, وَلِأَبِي دَاوُد5 "تَعْدِلُ حِجَّةً مَعِي عمرة في رمضان" ,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الثَّوَابِ.
وَقَالَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ لِزَوْجِهَا: قَدْ عَلِمْت أَنَّ عَلَيَّ حِجَّةٌ, إلَى أَنْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ قَدْ سَقِمْت وَكَبِرْت, فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حِجَّتِي؟ فَقَالَ: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تُجْزِئُ حِجَّةً" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد1.
وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ عِنْدَنَا, ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ, قَالَ: لِأَنَّهُ يَكْثُرُ الْقَصْدُ إلَى الْبَيْتِ فِي كُلِّ السَّنَةِ وَيَتَّسِعُ الْخَيْرُ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ, وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ, نَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ "هِيَ" فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ, وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِ.
الْحَجِّ أَفْضَلُ, وَكَذَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ, قَالَ: لِأَنَّهَا أَتَمُّ; لِأَنَّهُ يُنْشِئُ لَهَا سَفَرًا, وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ2 وَعُثْمَانَ3 وَعَلِيٍّ, قَالَ فِي الْخِلَافِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: إنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ ذَلِكَ فِي عُمْرَةٍ لَا تَمَتُّعَ بِهَا, بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ مِنْ الْقَوْلِ, وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةِ التَّسْوِيَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَكُونُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِهَا أَفْضَلُ; لِأَنَّ التَّشَاغُلَ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ الْعُمْرَةِ, وَلِأَبِي دَاوُد4 بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين:
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .4567
عُمْرَةً فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ.
وَلِلشَّافِعِيِّ1 بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ: فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ, وَسَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي عَنْ مَالِكٍ2.
وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَالنَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ, نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: يَعْتَمِرُ مَتَى شَاءَ "وم ش" وَدَاوُد, كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ, وَكَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ, وَكَبَقِيَّةِ الْأَيَّامِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا دَلِيلَ, وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً: يُكْرَهُ "وهـ" رَوَاهُ النِّجَادُ عَنْ عَائِشَةَ, وَلِلْأَثْرَمِ عَنْهَا: يَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ مِنْ التَّشْرِيقِ3, فَقَدْ اخْتَلَفَ وَهُوَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إحْرَامِهَا وَلَيْسَ مِنْهَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً: يُكْرَهُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ, وَنَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ فِيمَنْ وَاقَعَ قَبْلَ الزِّيَارَةِ: يَعْتَمِرُ إذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُهُ لَمْ يَرَ الْعُمْرَةَ فِيهَا, وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ, لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: الْعُمْرَةُ بَعْدَ الْحَجِّ لَا بَأْسَ بِهَا, كَذَا قَالَ, وَإِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَدُ لَا يُحْرِمُ بِهَا مَعَ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ, كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ مِنًى فِي الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ المذكورة, ويجوز لغيرهم, والاختيار تركه..
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
باب الإحرام
مدخل
...
باب الإحرام
وَهُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ, لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِنِيَّةٍ, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ضَعِيفٌ: يَنْعَقِدُ بِالتَّلْبِيَةِ.
وَنِيَّةُ النُّسُكُ كَافِيَةٌ, نَصَّ عَلَيْهِ "وم ش" وَفِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةٌ: مَعَ تَلْبِيَةٍ أَوْ سَوْقِ هَدْيٍ "وهـ" اخْتَارَهَا شَيْخُنَا, وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ, وَحَكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ, وَبَعْضُهُمْ حَكَى قَوْلًا: يَجِبُ, وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ, وَابْنُ حَبِيبٍ1 الْمَالِكِيُّ اعْتَبَرَ مَعَ النِّيَّةِ التَّلْبِيَةِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَيْسَ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ, فَكَذَا أَوَّلُهَا, كَصَوْمٍ, بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَبِخِلَافِ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ فَإِنَّهُ إيجَابُ مَالٍ, كَالنَّذْرِ.
وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ تَابِعُهُ, ثُمَّ للندب, لما سبق,
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَجِبُ التَّلْبِيَةُ, وَالِاعْتِبَارُ بِمَا نَوَاهُ لَا بِمَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ "و" قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الِاعْتِبَارُ بِالْعَقْدِ دُونَ النِّيَّةِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَهُ التَّنَظُّفُ لَهُ بِأَخْذِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَنَحْوِهِمَا وَقَطْعِ رَائِحَةٍ, قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ.
ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَسَبَقَ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ لَهُ1.
وَهَلْ يَتَيَمَّمُ لِعَدَمٍ أَمْ لَا؟ وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ.
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ لِلْحَنَفِيَّةِ: لَمْ يَنَلْ فَضْلَهُ, كَالْجُمُعَةِ, كَذَا فِي كَلَامِهِمْ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّطَيُّبُ, سَوَاءً بَقِيَ عَيْنُهُ.
كَالْمِسْكِ, أَوْ أَثَرُهُ كَالْبَخُورِ "وهـ ش" وَلَفْظُ أَحْمَدَ, لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ, وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ2.
ولمسلم3: كأني أنظر إلى وبيص
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
الطِّيبِ فِي مَفْرِقِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ, وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ1, وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ اسْتَدَامَهُ فَلَا كَفَّارَةَ, لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ رَجُلًا أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ, مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ.
وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَمَّا الطَّيِّبُ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَأَمَّا الْجُبَّةَ فَانْزَعْهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ2, وَهَذَا عَامَ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ, قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ, مَعَ أَنَّ التَّزَعْفُرَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلرَّجُلِ مُطْلَقًا.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ ابْتِدَائِهِ مَنْعُ اسْتِدَامَتِهِ, كَالنِّكَاحِ.
وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ.
عَنْ عَائِشَةَ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ3 الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ, فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا, فَيَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَانَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد4.
وَالْمَذْهَبُ: يُكْرَهُ تَطْيِيبُ ثَوْبِهِ.
وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ.
وَقِيلَ: هُوَ كَبَدَنِهِ, وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ نَقَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ أَوْ نَقَلَهُ عَنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ أَوْ نَزَعَهُ ثُمَّ لبسه فدى, بخلاف سيلان بعرق وشمس.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
وَيُسْتَحَبُّ لُبْسُهُ1 إزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ2 نَظِيفِينَ, وَنَعْلَيْنِ, بَعْدَ تَجَرُّدِ الرَّجُلِ عَنْ الْمَخِيطِ, لَفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ3, وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا "لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ4, قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ.
وَفِي تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ: إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى, وَيَجُوزُ إحْرَامُهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ: بَعْضُهُ على عاتقه.
فَصْلٌ: ثُمَّ يُحْرِمُ عَقِيبَ مَكْتُوبَةٍ أَوْ نَفْلٍ
,
نَصَّ عَلَيْهِ "وهـ" قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ5: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ, وَعَنْهُ: عَقِيبَهَا, وَإِذَا رَكِبَ وَإِذَا سَارَ سَوَاءٌ, وَاخْتَارَ شَيْخُنَا عَقِبَ فَرْضٍ إنْ كَانَ وَقْتُهُ, وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ, وَعِنْدَ مَالِكٍ: إذَا رَكِبَ; لِأَنَّهُ أَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ; لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ6 مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَلِلْبُخَارِيِّ7 مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ: رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ8 عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا: كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ, فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ, وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ أَظُنُّهُ من حديث ابن عمر.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345678
وَإِنَّ اسْتِحْبَابَ الرَّكْعَتَيْنِ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ, وَلَا يَرْكَعُهُمَا وَقْتَ نَهْيٍ.
وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ خِلَافُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ, وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا, وَأَظْهَرُهُمَا إذَا سَارَ, رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ1 عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي خُصَيْفٌ الْجَزَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: عَجَبًا "2لِاخْتِلَافِ أَصْحَابُ2" رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إهْلَالِهِ, فَقَالَ: إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ, خَرَجَ حَاجًّا, فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا, فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوا عَنْهُ, فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ, فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظُوا عَنْهُ, وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا, فَقَالُوا: إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ, فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ, فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ3 أَقْوَامٌ4 فَقَالُوا إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد5.
وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.
رواه جماعة
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .910111213
مِنْهُمْ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ1 مِنْ رِوَايَةِ خُصَيْفٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُحْرِمَ دُبُرَ الصَّلَاةِ, وَأَكْثَرُهُمْ يُوَثِّقُ ابْنَ إِسْحَاقَ وَيَخْشَى مِنْهُ التَّدْلِيسَ.
وَقَدْ زَالَ.
وَخُصَيْفٌ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ سَعْدٍ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: صَالِحٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: إذَا حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: كُنَّا نَجْتَنِبهُ.
وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ, وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَجَمَعَ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَأَحْوَطُ وَأَسْرَعُ إلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ أَوْلَى, وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ إنْ كَانَ لِلْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ اُسْتُحِبَّ صَلَاةُ.
الرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ, وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ إحْرَامِهِ, صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ2.
وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا.
وَيُسْتَحَبُّ تَعْيِينُ النُّسُكِ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِعْلِ مَنْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ3, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: إطْلَاقُ الْإِحْرَامِ أَفْضَلُ.
وَيُسْتَحَبُّ "وهـ ش"4 قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ نُسُكَ كَذَا فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ "مِنِّي".
وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا وَتَيَسُّرِهَا5 عَادَةً وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِيهَا, وَكَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ هُنَا فِيهِ نَظَرٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْتَرِطَ: وَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَوْ مَعْنَاهُ, نَحْوُ أريد كذا
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345
إنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ, أَوْ قَوْلُ عَائِشَةَ لِعُرْوَةِ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ "وش" لِقَوْلِ ضُبَاعَةَ1: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَجِدُنِي وَجِعَةً, فَقَالَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي, وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ2, زَادَ النَّسَائِيُّ3 فِي رِوَايَةٍ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ "فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت" , وَلِأَحْمَدَ4 بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ "فَإِنْ حُبِسْت أَوْ مَرِضْت فَقَدْ حَلَلْت مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطِك عَلَى رَبِّك" , فَمَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ وَخَطَإِ طَرِيقٍ وَغَيْرِهِ حَلَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ, نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ فَيَلْزَمُهُ نَحْرُهُ, وَلَوْ قَالَ: فَلِي أَنْ أَحِلَّ خَيْرٌ, وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ أَوْ إنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ لَمْ يَصِحَّ, ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ; لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ بِقَلْبِهِ5, لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِحْرَامِ, وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ, فَكَذَا هُوَ, وَاسْتَحَبَّ شَيْخُنَا الِاشْتِرَاطَ لِلْخَائِفِ6 خَاصَّةً, جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: إنْ اشْتَرَطَ فَلَا بَأْسَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: لَا فَائِدَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ, لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كان ينكر
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123456
الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يشترط؟ رواه النسائي, وصححه الترمذي1.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1
فصل: يخير بين التمتع والإفراد والقران ذكره جماعة إجماعا,
...
فَصْلٌ: يُخَيَّرُ بَيْنِ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ "و" ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ إجْمَاعًا,
قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: "مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ, وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهْلِلْ, وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ" قَالَتْ: وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ, وَأَهَلَّ مَعَهُ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ, وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ, وَكُنْت فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ2.
وَفِي مُسْلِمٍ3 عَنْهَا لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ.
وَفِيهِ أَيْضًا4 خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ, وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ عَنْهَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ5: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ, فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْت لَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ" وَفِي الصَّحِيحَيْنِ6 عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهَا بِعُمْرَةٍ, وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ: لَا يَجُوزُ إلَّا التَّمَتُّعُ, وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ7 وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ, وَطَائِفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ نَهَوْا عَنْ التَّمَتُّعِ وعاقبوا من تمتع.
وكره التمتع عمر
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123456
وَعُثْمَانُ.
وَمُعَاوِيَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ1 وَغَيْرُهُمْ.
وَبَعْضُهُمْ: وَالْقِرَانَ, رَوَى الشَّافِعِيُّ2 عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهُ, وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا, فَمِنْ مُوجِبٍ لِذَلِكَ, وَمِنْ مَانِعٍ, وَمِنْ كَارِهٍ, وَمِنْ مُسْتَحِبٍّ وَمِنْ مُبِيحٍ.
وَأَفْضَلُ الْأَنْسَاكِ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ, قَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ "وَعَبْدِ اللَّهِ" الَّذِي يَخْتَارُ الْمُتْعَةَ; لِأَنَّهُ آخَرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ يَعْمَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْته يَقُولُ: نَرَى التَّمَتُّعَ أَفْضَلَ, وَسَمِعْته قَالَ لِرَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أُمِّهِ: تَمَتُّعٌ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْت مَعَكُمْ" 3, وَسَمِعْته يَقُولُ: الْعُمْرَةُ كَانَتْ آخَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا4 مِنْ طُرُقٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا, وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ وَتَأَسَّفَ, كَمَا سَبَقَ, وَلَا يَنْقُلُهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ, وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ, فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْفَسْخِ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ, بَلْ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ, رد: لم يعتقدوه.
ثم لو كان
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .78910
لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ؟ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ, ثُمَّ لَوْ كَانَ, لَمْ يَتَأَسَّفْ لِاعْتِقَادِهِ جَوَازَهَا فِيهَا وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ؟ وَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ فِي الْكِتَابِ دُونَ غَيْرِهِ.
قَالَ عِمْرَانُ: نَزَلَتْ آيَةُ التَّمَتُّعِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ, لَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رواه مسلم وغيره1, وللبخاري2 معناه, ولإتيانه بأفعالهما3 كَامِلَةً عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ, وَصَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا4, وَقَوْلُهُ: "إنَّ هَذَا الدَّيْنَ يُسْرٌ" 5 وَقَوْلُهُ: "بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" 6.
وَتُجَزِّئُ عُمْرَةُ التَّمَتُّعِ, بِلَا خِلَافٍ, وَفِي عُمْرَةِ الْإِفْرَادِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَعُمْرَةُ الْقِرَانِ الْخِلَافُ; وَلِأَنَّ عَمَلَ الْمُفْرَدِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَارِنِ, فَكَانَ أَوْلَى; وَلِأَنَّ فِي التَّمَتُّعِ زِيَادَةٌ عَلَى الْإِفْرَادِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوَازِيه7 وَهُوَ الدَّمُ, وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ لَا جُبْرَانَ, وَإِلَّا لَمَا أُبِيحَ لَهُ التَّمَتُّعُ بِلَا عُذْرٍ, لِعَدَمِ جَوَازِ إحْرَامٍ نَاقِصٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَجْبُرَهُ8 بِدَمٍ قَالَ فِي رِوَايَةِ أبي طالب: إذا دخل بعمرة
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345678
يَكُونُ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَدَمًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ دَمُ نُسُكٍ لَمْ يَدْخُلْهُ الصَّوْمُ كَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ, وَلَا يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمَنَاسِكِ, قِيلَ: دُخُولُ الصَّوْمِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نُسُكًا; وَلِأَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ وَالْقُرَبُ يَدْخُلُهَا الْإِبْدَالَ, وَاخْتِصَاصُهُ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نُسُكًا, كَالْقِرَانِ نُسُكٌ وَيَقْتَصِرُ عَلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ; وَلِأَنَّ سَبَبَ التَّمَتُّعِ مِنْ جِهَتِهِ, كَمَنْ نَذْرَ حِجَّةً يُهْدِي فِيهَا هَدْيًا, ثُمَّ إنَّمَا اخْتَصَّ لِوُجُودِ1 سَبَبِهِ, وَهُوَ التَّرَفُّه بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ, فَإِنْ قِيلَ: نُسُكٌ لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلُ كَإِفْرَادٍ لَا دَمَ فِيهِ, رُدَّ: تَمَتُّعُ الْمَكِّيِّ وَتَمَتُّعُ غَيْرِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّمُ سَوَاءٌ عِنْدَك.
وَإِنَّمَا كَانَ إفْرَادُ لَا دَمَ فِيهِ أَفْضَلَ; لِأَنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ دَمُ2 جِنَايَةٍ; وَلِهَذَا إفْرَادٌ فِيهِ دَمُ2 تَطَوُّعٍ.
أَفْضَلُ, فَإِنْ قِيلَ: فِي الْقِرَانِ مُسَارَعَةٌ إلَى فِعْلِ الْعِبَادَتَيْنِ, وَهُوَ أَوْلَى لِلْآيَةِ وَكَالصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا, قِيلَ: الْعِبْرَةُ بمسارعة
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
شَرْعِيَّةٍ; وَلِهَذَا تَخْتَلِفُ الصَّلَاةُ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَآخِرَهُ, وَتُؤَخَّرُ لِطَلَبِ الْمَاءِ أَوْ الْجَمَاعَةِ.
وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: إنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ; لِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ1 عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" اخْتَارَهُ شَيْخُنَا, قَالَ: وَإِنْ اعْتَمَرَ وَحَجَّ فِي سُفْرَتَيْنِ أَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْإِفْرَادُ2 أَفْضَلُ, بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ, وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى, وَذُكِرَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ, وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِيَةِ, نَصَّ عَلَيْهِ, وَسَبَقَتْ الثَّانِيَةُ آخِرَ الْبَابِ قَبْلَهُ3.
وَقَالَ شَيْخُنَا: وَمَنْ أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ بِسُفْرَةٍ ثُمَّ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ مُتَمَتِّعٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عَنْهُمْ اعْتَمَرُوا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ثُمَّ تَمَتَّعُوا.
وَعِنْدَ 4أَبِي حَنِيفَةَ4 الْقِرَانُ أَفْضَلُ, وَعِنْدَ مَالِكٍ الْإِفْرَادُ, وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ ثم التمتع ثم القران, وله قول:
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
التَّمَتُّعُ, وَقَوْلٌ: الْقِرَانُ, وَمَذْهَبُهُ: شَرْطُ أَفْضَلِيَّةِ الْإِفْرَادِ أَنْ يَعْتَمِرَ تِلْكَ السَّنَةَ, فَلَوْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَتِهِ فَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ أَفْضَلُ مِنْهُ, لِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ, أَمَّا حَجَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتُلِفَ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَذَاهِبِ, حَتَّى اخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هَلْ حَلَّ.
مِنْ عُمْرَتِهِ؟ وَفِيهِ1 وَجْهَانِ, وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ أَحْمَدَ: لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَعَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِهِ2 وَهُوَ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ, كَذَا قَالَ.
وَجْهٌ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ, وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ, وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ, فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ, فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ تَمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلِيُهْدِ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ وَأَمَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمُتْعَةِ3 وَقَالَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ4.
وَقَالَ نَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ:
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234