الفروع وتصحيح الفروعصفحات 5-39
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المناسك

صفحات 5-39
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مفلح، شمس الدين
الكتاب
كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي
المؤلف
محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
المحقق
عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر
مؤسسة الرسالة
الطبعة
الأولى 1424 هـ - 2003 مـ
عدد الأجزاء
11 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] «الفروع لابن مفلح» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «تصحيح الفروع» للمرداوي

المجلد السادس

تابع لكتاب الحج

بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ

مدخل

... بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِهِ1 عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُحِلِّ, قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ: وَعَلَى دَالٍّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ, وَمَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ, فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ, قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْ مَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا وَلَمْ تَزَلْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ, لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتَحَ مَكَّةَ: "إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ, فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي, وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا, وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا" فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: "إلَّا الْإِذْخِرَ" وَفِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ نَحْوُهُ, وَفِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ "وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ" وَفِيهِ: "لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا" وَفِيهِ: "وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا, وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ2.
الْقَيْنُ: الْحِدَادُ وَلِلْأَثْرَمِ فِي

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا" 1 وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ2 مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ أَيْ أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا وَبَيَّنَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا حُرِّمَتْ بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ, وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْجَزَاءُ, نَصَّ عَلَيْهِ "و" كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ, لِمَا سَبَقَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ مِنْهُمْ ; وَلِأَنَّهُ مُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ, كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ, وَالْحُرْمَتَانِ تَسَاوَتَا فِي الْمَنْعِ مِنْهُ, وَعَنْ دَاوُد: لَا يَضْمَنُهُ, لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ, وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُهُ صَغِيرٌ وَكَافِرٌ, وَلَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِيهِ.
وَلَهُ فِي إجْزَاءِ الْهَدْيِ فِيهِ رِوَايَتَانِ, وَلَنَا أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ, فَدَخَلَهُ الصَّوْمُ, كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ ; وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ عَامَّةٌ, فَضَمِنَهُ الصَّغِيرُ وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِمَا, قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلِأَنَّ ضَمَانَهُ كَالْمَالِ, وَهُمَا يَضْمَنَانِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ: هُوَ آكَدُ مِنْ الْمَالِ ; لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ مُؤَبَّدَةٌ فَلَزِمَ الْجَزَاءُ, بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ ; وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ.
وَحُكْمُ صَيْدِهِ حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا, وَنَصَّ عَلَيْهِ, حَتَّى فِي تَمَلُّكِهِ, نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ, وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ جَزَاءَانِ, نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يلزمه

وَإِنْ دَلَّ مُحِلٌّ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَاهُ بِجَزَاءٍ وَاحِدٍ, نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ, وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الْجَزَاءُ عَلَى الْمَدْلُولِ وَحْدَهُ, إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ, كَصَبِيٍّ وَكَافِرٍ, فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ, لَنَا أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْجَزَاءِ, فَضَمِنَ بِالدَّلَالَةِ, كَصَيْدِ الْمُحْرِمِ, وَلَا يَلْزَمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ, فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ كَصَيْدِ الْحَرَمِ, قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ, وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ, وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ طَرْدُهُ صَيْدَ الْمَدِينَةِ ; وَلِأَنَّهَا حُرْمَةٌ تُوجِبُ رَفَعَ يَدِهِ عَنْ الصَّيْدِ كَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ, فَلَا يَلْزَمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ, وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ: لَا جَزَاءَ عَلَى دَالٍّ فِي حِلٍّ بَلْ عَلَى الْمَدْلُولِ وَحْدَهُ, كَحَلَالٍ دَلَّ مُحْرِمًا, وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ, وَالْأَوَّلُ نَصُّ أَحْمَدَ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ اشْتَرَكَ حَلَالَانِ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَجَزَاءٌ وَاحِدٌ, بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ بَدَلٌ عَنْ الْمَحَلِّ لَا جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ, وَالْمَحَلُّ مُتَّحِدٌ, كَقَتْلِهِمَا رَجُلًا خَطَأً, الدِّيَةُ وَاحِدَةٌ, وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ وَلَنَا مَا سَبَقَ, وَمَا قَالُوهُ مَمْنُوعٌ.
وَإِنْ قَتَلَ الْمُحِلُّ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ قَتَلَهُ عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ "و" لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ ; وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ بِالْحَرَمِ1 كَالْمُلْتَجِئِ, وَعَنْهُ: لَا يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّ الْقَاتِلَ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِي الْحِلِّ فَتَلِفَ فَرْخُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ, عَلَى الْأَصَحِّ, وَلَا يَضْمَنُ الْأُمَّ, وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ, أَوْ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ, أَوْ يُمْسِكَ طَائِرًا فِي الْحَرَمِ فَيَتْلَفَ فرخه

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1

فِي الْحِلِّ, لَا يَضْمَنُ "و" لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ, وَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَا الْمُحْرِمِ وَعَنْهُ: يَضْمَنُ, اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا, اعْتِبَارًا بِالْقَاتِلِ, وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي الطَّائِرِ عَلَى الْغُصْنِ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ, وَيَتَوَجَّهُ ضَمَانُ الْفَرْخِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ تَلَفِهِ, وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
وَإِنْ فَرَّخَ فِي مَكَان يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ عَنْهُ فَالْوَجْهَانِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُمَا فِي الْحَرَمِ حُرِّمَ تَغْلِيبًا, وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ رِوَايَةٌ: لَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ, وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ, وَلَوْ كَانَ رَأْسُهُ فَقَطْ فِيهِ فَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْهُ, نَصَّ عَلَيْهِ "وش" لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ, بَلْ دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ, كَاسْتِرْسَالِهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ, كَسَهْمِهِ "و" وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو ثَوْرٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَطَأِ كَالْعَمْدِ, وَعَنْهُ: فِي كَلْبِهِ يَضْمَنُهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ بِتَفْرِيطِهِ وَإِلَّا فَلَا, اختاره ابن أبي موسى1

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1

وابن عقيل "وم" فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ صَيْدًا غَيْرَهُ "و" وَعَنْهُ: بَلَى, لِتَفْرِيطِهِ, وَإِنْ قَتَلَ السَّهْمُ صَيْدًا غَيْرَ الَّذِي قَصَدَهُ فَكَالْكَلْبِ, وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ الرَّامِي.
وَيَحْرُمُ الصَّيْدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ, ضَمِنَهُ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ فِي الْحَرَمِ وَلِأَنَّهُ سَبَبُ تَلَفِهِ.
أَوْ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ, وَإِنْ دَخَلَ سَهْمُهُ أَوْ كَلْبُهُ الْحَرَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ "و" قَالَ الْقَاضِي: كَعَدْوِهِ بِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ الْحَرَمَ ثُمَّ يَقْتُلُهُ فِي الْحِلِّ وَلَوْ جَرَحَ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِيهِ فَمَاتَ فِي حَرَمٍ حَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ, كَمَا لَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ فَمَاتَ, وَذَكَرَ الشَّيْخُ: يُكْرَهُ, لِمَوْتِهِ في الحرم, كذا قال

فصل: يحرم قلع شجر الحرم ونباته

... فصل: يَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ "ع" وَنَبَاتِهِ1 حَتَّى الشَّوْكِ2 وَالْوَرَقِ3 إلَّا الْيَابِسَ ; لِأَنَّهُ كَمَيِّتٍ, وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ4.
وَمَا انْكَسَرَ وَلَمْ يَبِنْ

كَظُفْرٍ مُنْكَسِرٍ.
وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِمَا زَالَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا, لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْقَطْعِ1, قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحْرُمُ عُودٌ وَوَرَقٌ زَالَا مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ زَالَتْ هِيَ, وَلَا نِزَاعَ فِيهِ, وَلَا يَحْرُمُ الْإِذْخِرُ وَالْكَمْأَةُ وَالثَّمَرَةُ وَمَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزَرْعٍ "ع" نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَلَا يَحْرُمُ مَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ مِنْ شَجَرٍ, نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَابْنُ إبْرَاهِيمَ وَأَبُو طَالِبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرِّيحَانِ وَالْبُقُولِ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ مَا زَرَعْتَهُ أَنْتَ فَلَا بَأْسَ, وَمَا نَبَتَ فَلَا, قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَظَاهِرُهُ لَهُ أَخْذُ جَمِيعِ مَا يَزْرَعُهُ, وَجَزَمَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ بِهَذَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ; لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ, كَزَرْعٍ وَعَوْسَجٍ2 ; وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ, وَجَزَمَ ابْنُ الْبَنَّا فِي خِصَالِهِ بِالْجَزَاءِ فِيهِ "وش" لِلنَّهْيِ عَنْ قَطْعِ شَجَرِهَا, وَكَمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ, وَأُجِيبَ: النَّهْيُ عَنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ, وَهَذَا مُضَافٌ إلَى مَالِكِهِ فَلَا يَعُمُّهُ الْخَبَرُ وَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ فهو3 كَالزَّرْعِ, وَعَنْ الْقَاضِي: إنْ أَنْبَتَهُ فِي الْحَرَمِ أولا ففيه الجزاء, وإن أنبته في

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .567

الْحِلِّ ثُمَّ غَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا وَاخْتَارَ فِي الْمُغْنِي1 أَنَّ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ لَا يَحْرُمُ, كَجَوْزٍ وَنَخْلٍ, قِيَاسًا عَلَى مَا أَنْبَتُوهُ مِنْ الزَّرْعِ وَحَيَوَانٍ أَهْلِيٍّ, فَإِنَّا إنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنْ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إنْسِيًّا دُونَ مَا تَأَنَّسَ مِنْ الْوَحْشِيِّ, كَذَا هُنَا, كَذَا قَالَ, وَهُوَ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الزَّرْعِ, وَلَمْ يَجْعَلُوا الشَّجَرَ كَالصَّيْدِ, فَلَمْ يَقُولُوا فِيمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِشَجَرَةٍ كَالصَّيْدِ, وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ قَطْعُ الشَّجَرِ إلَّا مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَكَانَ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ, كَالدَّوْحِ وَنَحْوِهِ لَنَا ظَاهِرُ الْخَبَرِ2 ; وَلِأَنَّهُ شَجَرٌ نَامٍ غَيْرُ مُؤْذٍ, نَبَتَ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ, لَمْ يُنْبِتْهُ آدَمِيٌّ, كَمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ, وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ يَحْرُمُ قَطْعُهُ عِنْدَ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ, لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ3, وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ القاضي وأصحابه: لا يحرم, "م 1" "وش" لأنه مؤذ بطبعه كالسباع

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 1" قَوْلُهُ: "وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ يَحْرُمُ قَطْعُهُ عِنْدَ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ, لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ, وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا يحرم", انتهى.
"أحدهما" يحرم قطعه, وَهُوَ الصَّحِيحُ, اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَالشَّارِحُ, وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَشَجَرُ الْحَرَمِ وَنَبَاتُهُ يَحْرُمُ إلَّا الْيَابِسَ وَالْإِذْخِرَ وَمَا زَرَعَهُ الْإِنْسَانُ أَوْ غَرَسَهُ, فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ "قُلْتُ": ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ "وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ" أَيْ لَا يُقْطَعُ.
"وَالْقَوْلُ الثَّانِي" لَا يَحْرُمُ, وعليه الأكثر, قال الزركشي: عليه جمهور الْأَصْحَابِ "قُلْت": وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ والنظم23

وَفِي جَوَازِ رَعْي حَشِيشِهِ وَجْهَانِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَجَمَاعَةٌ رِوَايَتَيْنِ, وَجَزَمَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرُهُمَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ بِالْمَنْعِ, وَنَصَرَهُ القاضي وابنه وغيرهما "م 2" وأخذه الْقَاضِي مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ لِلْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ وَسَأَلَهُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا" 1 فَقَالَ: "لَا يُحْتَشُّ مِنْ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ: فقيل له: يأخذ الْمِقْرَعَةُ2 مِنْ الشَّجَرَةِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ يَابِسًا ; فلهذا قال ابن البنا: أومئ إليه "وهـ م" لِأَنَّ مَا حَرُمَ إتْلَافُهُ بِنَفْسِهِ حَرُمَ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ, كَالصَّيْدِ, وَعَكْسُهُ الإذخر,

[تصحيح الفروع للمرداوي]

وَغَيْرِهِمْ, وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِ, وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ, كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ "مَسْأَلَةٌ 2" قَوْلُهُ: وَفِي جَوَازِ رَعْيِ حَشِيشِهِ وَجْهَانِ, وَذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَجَمَاعَةٌ رِوَايَتَيْنِ, وَجَزَمَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرُهُمَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ بِالْمَنْعِ, وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمَا, انْتَهَى.
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذَهَّبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي3 وَالْكَافِي4 وَالْمُقْنِعِ5 وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ5 وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ.
"أَحَدُهُمَا": عَدَمُ الْجَوَازِ, جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرُهُمَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ, وَنَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَابْنُهُ وَغَيْرُهُمَا, كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ, وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّنْبِيهِ وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَالْآدَمِيُّ في منتخبه وغيرهم, وصححه في1

والثانية يجوز "وش" وَأَبُو يُوسُفَ ; لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ فَلَمْ يُنْقَلْ شَدُّ أَفْوَاهِهَا, وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ, اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ, وَاحْتَجَّ بِرِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَشَّ الْمُحْرِمُ, وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ.
وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْخِلَافَ إنْ أَدْخَلَ بَهَائِمَهُ لِرَعْيِهِ وَإِنْ أَدْخَلَهَا لِحَاجَةٍ لَمْ يَضْمَنْهُ, كَمَا لَوْ أَدْخَلَ كَلْبَهُ فَأَخَذَ صَيْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ, وَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ وَأَغْرَاهُ ضَمِنَهُ, كَذَا الْحَشِيشُ, قَالَ: وَلِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِقَطْعِهِ, كَذَا بِرَعْيِهِ, وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ احْتَشَّهُ لَهَا فَكَرَعْيِهِ.
وَيَضْمَنُ شَجَرَ الحرم وحشيشه, نقله الجماعة "وهـ ش" خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ, لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ, كَالصَّيْدِ ; وَلِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِقَطْعِ شَجَرٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّوَافِ وَفَدَى1 قَالَ الرَّاوِي وَذَكَرَ الْبَقَرَ رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي الْمَنَاسِكِ: وَيَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَدَنَةٍ, فِي رِوَايَةٍ, وَعَنْهُ: بِبَقَرَةٍ, كَالْمُتَوَسِّطَةِ, وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ, وَالنَّبَاتَ والورق بقيمته, نص على ذلك "وش" وَقِيلَ: فِي الْغُصْنِ قِيمَتُهُ, وَقِيلَ: نَقْصُ قِيمَةِ الشَّجَرَةِ.
وَجَزَمَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ فِي الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ, وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ, وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ2, وكالصيد

[تصحيح الفروع للمرداوي]

تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ, وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمَا.
"وَالْوَجْهُ الثَّانِي" الْجَوَازُ, اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا, وَصَحَّحَهُ فِي التصحيح "قلت": وهو الصواب12

يُضْمَنُ بِمُقَدَّرٍ, وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ بِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ, وَعَنْ أَحْمَدَ: يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِقِيمَتِهِ "م 3" "*" "وهـ". وَعَنْهُ أَيْضًا: فِي الْغُصْنِ الْكَبِيرِ شَاةٌ, وَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَوَّمَهُ ثُمَّ صَامَ, نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ فِي الْفُصُولِ: مَنْ لَمْ يَجِدْ قَوَّمَ الْجَزَاءَ طَعَامًا كَالصَّيْدِ, وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِيهِ, كَالصَّيْدِ عِنْدَهُ, وَيَسْقُطُ الضَّمَانُ بِاسْتِخْلَافِهِ, فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ, كَنَبَاتِ شَعْرِ آدمي قطعه,

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 3" قَوْلُهُ: "وَيَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَدَنَةٍ, فِي رِوَايَةٍ, وَعَنْهُ: بِبَقَرَةٍ وَجَزَمَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ فِي الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ, وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ, وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ... " وَعَنْهُ: "يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِقِيمَتِهِ", انْتَهَى.
"إحْدَاهُمَا": تُضْمَنُ بِبَقَرَةٍ, وَهُوَ الصَّحِيحُ, نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي1 وَالْمُقْنِعِ2 وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ وَالنَّظْمِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ, وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي3 وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ, وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ أَيْضًا.
"وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ" تُضْمَنُ بِبَدَنَةٍ, جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْإِفَادَاتِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرُهُمْ, وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْفَائِقِ.
"*" تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: "وَعَنْهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ بِقِيمَتِهِ" أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ دَاخِلَةٌ فِي الْخِلَافِ الَّذِي أَطْلَقَهُ, وَهِيَ لَا تُقَاوِمُ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا4, فَفِي إدْخَالِهَا5 في الخلاف

وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ, كَحَلْقِ الْمُحْرِمِ شَعْرًا فَعَادَ, وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَقْطُوعِ نَصَّ عَلَيْهِ, كَالصَّيْدِ, وَقِيلَ: يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ قَاطِعِهِ ; لأنه لا فعل له فيه, كَقَلْعِ الرِّيحِ لَهُ, وَذَكَاةُ الصَّيْدِ يُعْتَبَرُ لَهَا الْأَهْلِيَّةُ, بِخِلَافِ هَذَا, وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَمْلِكُهُ بِصَدَقَتِهِ بِقِيمَتِهِ, كَحُقُوقِ الْعِبَادِ, وَلَهُ بَيْعُهُ, وَيُكْرَهُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ وَوَافَقُوا عَلَى الصَّيْدِ.
وَمَنْ غَرَسَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي الْحِلِّ رَدَّهُ لِإِزَالَتِهِ حُرْمَتَهُ, فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ يَبِسَ ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ, وَلَوْ قَلَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ فَقَدْ أَتْلَفَهُ, فَيَضْمَنُهُ وَحْدَهُ, لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ, بِخِلَافِ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَخَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ضَمِنَهُ الْمُنَفِّرُ لَا1 قَاتِلُهُ, لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ, وَيَحْتَمِلُ فِيمَنْ قَلَعَهُ كَدَالٍّ مَعَ قَاتِلٍ, وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْهُ, وَأَنَّهُ2 يَلْزَمُهُ رَدُّهُ, وَإِلَّا ضَمِنَهُ, فإن فداه ثم ولد لم يضمن ولده, وَإِنْ وَلَدَ قَبْلَهُ فَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: لَا يَضْمَنُهُ, ويحتمل: أن يضمنه "وهـ" لِبَقَاءِ أَمْنِ الصَّيْدِ, وَلِهَذَا يَلْزَمُ رَدُّهُ فَيَسْرِي إلى الولد "م 4"

[تصحيح الفروع للمرداوي]

الْمُطْلَقِ نَظَرٌ, لِأَنَّ التَّرْجِيحَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا مع غيرها, والله أعلم.
"مَسْأَلَةٌ 4" قَوْلُهُ: فَإِنْ فِدَاهُ ثُمَّ وَلَدَ لَمْ يَضْمَنْ وَلَدَهُ, وَإِنْ وَلَدَ قَبْلَهُ فَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: لَا يَضْمَنُهُ, وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَضْمَنَهُ, لِبَقَاءِ أَمْنِ الصَّيْدِ, وَلِهَذَا يَلْزَمُ رَدُّهُ فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ, انْتَهَى.
"أَحَدُهُمَا" يَضْمَنُهُ "قُلْتُ": وَهُوَ الصَّوَابُ.
"وَالِاحْتِمَالُ الثاني" لا يضمنه.12

ومن قطع غصنا أصله أو بعضه في الحرم ضمنه "وش" لِأَنَّهُ لِأَصْلِهِ, وَفِي عَكْسِهِ وَجْهَانِ.
لِأَنَّهُ تَابِعٌ لأصله, أو لأنه في الحرم "م 5".

فصل: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا يُدْخِلُ مِنْ الْحِلِّ

كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ, وَلَا يُخْرِجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ1 وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ, وَاقْتَصَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى كَرَاهَةِ إخْرَاجِهِ, وَجَزَمَ فِي مَكَان آخَرَ بِكَرَاهَتِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ إخْرَاجُهُ إلَى الْحِلِّ, وَفِي إدْخَالِهِ إلَى الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْفُصُولِ: لَا يَجُوزُ فِي تُرَابِ الْحِلِّ, نَصَّ عَلَيْهِ, قَالَ أَحْمَدُ: وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ, لِكَرَاهَةِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ, وَفِيهَا2 أَيْضًا فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ, كَتُرَابِ الْحَرَمِ.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 5" قَوْلُهُ: وَمَنْ قَطَعَ غُصْنًا أَصْلَهُ أَوْ بَعْضَهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ, لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ.
وَفِي عَكْسِهِ وَجْهَانِ, لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ ; أَوْ لأنه في الحرم, انتهى وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُقْنِعِ3 وَالْهَادِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ3 وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ.
"أَحَدُهُمَا" لَا يَضْمَنُهُ, وَهُوَ الصَّحِيحُ, اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِمْ, وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ.
"وَالْوَجْهُ الثَّانِي" يَضْمَنُهُ, اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ, وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ12

قَالَ: وَنَحْنُ لِأَخْذِ تُرَابِ الْقُبُورِ لِلتَّبَرُّكِ أَوْ النَّبْشِ أَكْرَهُ ; لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ, وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا فَعَلَهُ, كَذَا قَالَ, وَالْأَوْلَى أَنَّ تُرَابَ الْمَسْجِدِ أَكْرَهُ, وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: يَحْرُمُ وَهُوَ أَظْهَرُ, وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ للتبرك وَغَيْرِهِ, وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ: يَحْرُمُ, وَفِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَرِهَ النَّاسُ إخْرَاجَ تُرَابِ الْمَسْجِدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ, فَكَذَا هُنَا, كَذَا قَالَ: وَأَحْمَدُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى مَا قَالَ بَلْ عَلَى مَا سَبَقَ, وَلَعَلَّهُ بِدْعَةٌ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا تُرَابُ الْمَسْجِدِ فَانْتِفَاعٌ بِالْمَوْقِفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ, وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَلْزَقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ, وَذَكَرَهُ عنه جماعة في طيب1 الْحَرَمِ, مِنْهُمْ الْمُسْتَوْعِبُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ أَلْصَقَهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِلتَّبَرُّكِ جَازَ إخْرَاجُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ, كَذَا قَالَ, وَسَبَقَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابِ الْمَسْجِدِ2 وَمَنَعَ الشَّافِعِيَّةُ لَهُ, ثُمَّ لَوْ جَازَ لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ هُنَا ; لِأَنَّهُ يَسِيرٌ جِدًّا لَا أَثَرَ لَهُ, وَقَدْ سَبَقَ.
وَلَا يُكْرَهُ وَضْعُ حَصًى فِي الْمَسْجِدِ, كَمَا فِي مَسْجِدِهِ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَعْدَهُ, قَالَ فِي الْفُنُونِ فِي الِاسْتِشْفَاءِ بِالطِّيبِ, وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِشْفَاءِ بِمَا يُوضَعُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ مِنْ شَمْعٍ وَنَحْوِهِ, قِيَاسًا عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ, وَلِتَبَرُّكِ الصَّحَابَةِ بِفَضَلَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ, كَذَا قَالَ.
وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرَى فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِشْفَاءِ بِالطِّيبِ وَنَحْوِهِ نَظَرًا, وَأَنَّهُ لَيْسَ كماء زمزم ولا كفضلاته

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .45

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ قَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ1, لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ, قَالَ الشَّيْخُ: وَلِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ كَالثَّمَرَةِ, وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْمِلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ2 وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ, وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ3.
فَذَكَرَ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي الْقَوَارِيرِ وَقَالَتْ: حَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَدَاوَى وَالْقِرَبِ فَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ ثُمَّ قَالَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ, وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ في الثقات: ربما أخطأ.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123

فصل: حَدُّ الْحَرَمِ

مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا, وَمِنْ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ أَضَاءَةِ لِبْنٍ4 وَمِنْ الْعِرَاقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عَلَى ثَنِيَّةِ زُحَلٍ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمُنْقَطَعِ.
وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ فِي شِعْبٍ يُنْسَبُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ, وَمِنْ جُدَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْأَعْشَاشِ.
وَمِنْ الطَّائِفِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَةَ, وَمِنْ بطن عرنة

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1

أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقِيلَ عِنْدَ إضَاءَةِ لِبْنٍ, وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ, وَالْأَوَّلُ ذكره في الهداية

فصل: تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْمِيَةُ بَلَدِهِ بِالْمَدِينَةِ

قَالَ قَوْمٌ: سُمِّيَتْ مَدِينَةً ; لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الدِّينِ, وَالدِّينُ الطَّاعَةُ, وَيُقَامُ بِهَا طَاعَةٌ وَإِلَيْهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: لِأَنَّهَا دِينَ أَهْلُهَا أَيْ مُلِكُوا.
يُقَالُ: دَانَ فُلَانٌ بَنِي فُلَانٍ أَيْ مَلَكَهُمْ, وَفُلَانٌ فِي دِينِ فُلَانٍ: فِي طَاعَتِهِ, وَفِي الصَّحِيحَيْنِ1 مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ".
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ" وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا "إنَّهَا طَيْبَةُ - يَعْنِي الْمَدِينَةَ - وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ2.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا طَهُرَتْ مِنْ الشِّرْكِ.
وَرَوَى أَحْمَدُ3 خَبَرَ جَابِرٍ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَالْمَدِينَةُ.
وَذَكَرَهُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا "أُمِرْت بَقَرِيَّةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى, يَقُولُونَ: يَثْرِبُ, وَهِيَ الْمَدِينَةُ, تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ4, فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى بِيَثْرِبَ.
وَهَلْ يُكْرَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ, وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ "م 6"

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 6" قَوْلُهُ بَعْدَ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ: فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى يَثْرِبَ, وَهَلْ يُكْرَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ, وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ.
لِحَدِيثٍ ذَكَرَهُ رَوَاهُ الإمام أحمد1234

لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ1 عَنْ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا "مَنْ سمى المدينة بِيَثْرِبَ فَلِيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ, هِيَ طَابَةُ, هِيَ طَابَةُ" فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ, ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ سَبَقَ أَوَّلَ الْمَوَاقِيتِ2.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: كُرِهَ ذِكْرُ الثَّرْبِ ; لِأَنَّهُ فَسَادٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَثْرِبُ اسْمُ أَرْضٍ, وَمَدِينَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا, قَالَ الْفَرَّاءُ: نَصْلٌ يَثْرِبِيٌّ وَأَثْرِبِيٌّ, مَنْسُوبٌ إلَى يَثْرِبَ, وَإِنَّمَا فَتَحُوا الرَّاءَ اسْتِيحَاشًا لِتَوَالِي الْكَسَرَاتِ وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةٍ, نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ, وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا, لِخَبَرِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إلَى كَذَا" وَفِي لَفْظٍ آخَرَ "حَرَمٌ مِنْ عِيرٍ إلَى كَذَا" رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ3.
وَلِمُسْلِمٍ4.
"حَرَمٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إلَى ثَوْرٍ" وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا, لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ5, وَلَفْظُهُ "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" ولهما6 عنه مرفوعا

[تصحيح الفروع للمرداوي]

.قَالَ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: فَهِمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ يَثْرِبَ, وَقَالُوا: مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ, انْتَهَى.
"قُلْتُ": الصَّوَابُ الْكَرَاهَةُ.
للحديث الذي ذكره المصنف.5678910

"اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتهَا وَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ1 وَزَادَ "وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى" وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا, وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَدَعَوْت فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ2, وَعَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا "إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهَهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ3 وَرَوَاهُ4 عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا, وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: "تَحْرِيمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا" , وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "تَحْرِيمُ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا, أَلَّا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ, وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ, وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إلَّا لِعَلَفٍ".
وَعَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا "إنِّي حَرَّمْت مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرَ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ" , وَلَهُ5 أَيْضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا: "إنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ".
وَعَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لقطتها إلا لمن

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345

أَشَادَ بِهَا, وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ, وَلَا يُصْلَحُ أَنْ تُقْطَعَ فِيهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ" إسْنَادُهُ جَيِّدٌ, رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد1.
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: حَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ لَا يُخْبَطُ شَجَرُهُ وَلَا يُعْضَدُ, إلَّا مَا يُسَاقُ بِهِ الْجَمَلُ.
فِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ كِنَانَةَ, رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا, رَوَاهُ أَبُو دَاوُد2 وَفِي تَحْرِيمِهَا أَخْبَارٌ سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ3 قَالُوا: لَمْ4 يُبَيِّنْهُ بَيَانًا عَامًّا, رُدَّ لَا يُعْتَبَرُ.
ثُمَّ بُيِّنَ وَنُقِلَ عَامًّا أَوْ نُقِلَ خَاصًّا, كَحَجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ, وَرَجْمِهِ لِمَاعِزٍ5, وَصِفَةِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ.
قَالُوا ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] قُلْنَا: مِمَّا حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ.
ثُمَّ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ, كَغَيْرِ مَكَّةَ, قَالَ الْقَاضِي: تَحْرِيمُ صَيْدِ الْمَدِينَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ, وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ, فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ ملك الصيد, نص عليه, ثم

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345

ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ "م 7".
وَيَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ شَجَرِهَا وَحَشِيشِهَا لِحَاجَةِ الْمُسَانَدِ وَالْحَرْثِ وَالرَّحْلِ وَالْعَلَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ, لِمَا سَبَقَ ; وَلِأَنَّ ذَلِكَ بِقُرْبِهَا, فَالْمَنْعُ مِنْهُ ضَرَرٌ, بِخِلَافِ مَكَّةَ.
وَمَنْ أَدْخَلَهَا صَيْدًا فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ, نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا, وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ: أَحْسَبُهُ قَالَ كَانَ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ "يَا أَبَا عُمَيْرٍ, مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ" نُغَيْرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ1.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: حُكْمُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ حُكْمُ حَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا سَبَقَ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حُرِّمَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ, وَاخْتَارَهُ غير واحد "وهـ م ش" وأكثر العلماء ; لأنه يجوز

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 7" قَوْلُهُ: قَالَ الْقَاضِي: تَحْرِيمُ صَيْدِ الْمَدِينَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ, وَإِنْ قُلْنَا تَصِحُّ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ, نَصَّ عَلَيْهِ, ثُمَّ ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ, انْتَهَى.
"قُلْتُ": الصَّوَابُ صِحَّةُ التَّذْكِيَةِ, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ, وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ الْمَنْعُ.
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمَا: حُكْمُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ حُكْمُ حَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا سَبَقَ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَدْخَلَ صَيْدًا أَوْ أَخَذَ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إليه من الشجر والحشيش.1

دُخُولُهُ بِلَا إحْرَامٍ, أَوَ لَا يَصْلُحُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ أَوْ لَذَبَحَ الْهَدَايَا كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ, وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ, وَلَا مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ, وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ وَحَنْبَلٌ: فِيهِ الْجَزَاءُ, سَلَبُهُ لِمَنْ وَجَدَهُ, وَهُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِهَا كَمَكَّةَ وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ, فَسَلَبَهُ, فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ, فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ1, وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ, فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ وَقَالَ مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيْئًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا, وَلَكِنْ إنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْتُكُمْ ثَمَنَهُ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد2 وَقَالَ "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ" قَالَ الْبُخَارِيُّ: سُلَيْمَانُ أَدْرَكَ الْمُهَاجِرِينَ, سَمِعَهُ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ, وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَتَفَرَّدَ عَنْهُ يَعْلَى.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِمَشْهُورٍ فَيُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ ; وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ كَحَرَمِ مَكَّةَ وَالْإِحْرَامِ, وَسَلَبُهُ: ثِيَابُهُ, قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالسَّرَاوِيلُ, قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: وزينة, كمنطقة وسوار

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

وَخَاتَمٍ وَجُبَّةٍ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْهُ آلَةَ الِاصْطِيَادِ ; لِأَنَّهَا آلَةُ الْفِعْلِ الْمَحْظُورِ, كَمَا قُلْنَا فِي سَلَبِ الْمَقْتُولِ, قَالَ غَيْرُهُ: وَلَيْسَتْ الدَّابَّةُ مِنْهُ, وَأَخَذَهَا قَاتِلُ الْكَافِرِ لِئَلَّا يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ, فَإِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ أَحَدٌ تَابَ فَقَطْ, وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ: فِيهِ الْجَزَاءُ, وَهَلْ هُوَ مَا قُلْنَا أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ لِمَسَاكِينِ الْمَدِينَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَفِي صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْحَرَمَيْنِ رِوَايَتَانِ, وَقَدْ سَبَقَتَا "م 8".
وَحَرَمُهَا مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ, نَصَّ عَلَيْهِ, لِمَا سَبَقَ1 وَاللَّابَةُ: الْحَرَّةُ, وَهِيَ أَرْضٌ بِهَا حجارة سود.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

مَسْأَلَةٌ 8" قَوْلُهُ: وَفِي صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْحَرَمَيْنِ رِوَايَتَانِ.
وَقَدْ سَبَقَتَا, انْتَهَى.
"قُلْتُ": إنَّمَا سَبَقَ ذِكْرُ حَرَمِ مَكَّةَ.
فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وَذَكَرَ الْجَوَازَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ.
قَالَ: وَفِي حِلِّهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ2 وَأَمَّا صَيْدُ السَّمَكِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ إذَا كَانَ مَثَلًا فِي بِرْكَةٍ أَوْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ, أَوْ نَقُولُ: دَخَلَ حَرَمَ الْمَدِينَةِ فِي قَوْلِهِ الْحَرَمُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ, وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ هُنَا: "وَقَدْ سَبَقَتَا" وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ الْحُكْمُ وَاحِدٌ, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ, فَهَذِهِ ثمان مسائل في هذا الباب.1

فصل: وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ

نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ, وَأَخَذَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْجِوَارِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: كَيْفَ لَنَا بِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إنَّك لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ, وَإِنَّك لأحب البقاع إلي" 2

[تصحيح الفروع للمرداوي]

2 أورده بهذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية في "أحاديث القصاص".
83 من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء.

"وهـ ش" وَعَنْهُ: الْمَدِينَةُ, اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَسُئِلَ عَنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ أَحَبُّ إلَيْك أَمْ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: بِالْمَدِينَةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ, لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْمُقَامَ فِيهَا "وم".
لَنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: "وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ, وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ, وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ, وَالتِّرْمِذِيُّ1 وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ, وَهُوَ كَمَا قَالَ, وَأَرْسَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ, وَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ كَمَا سَبَقَ وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَاخْتُلِفَ عَنْ يُونُسَ وَرَوَاهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ, وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو ضَمْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا, وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ, ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرَوَاهُ محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أَبِي هُرَيْرَةَ, وَحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ أَصَحُّ, وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ2, وَأَمَّا قَوْلُهُ "وَهِيَ أَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ" فَرَوَاهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ مِنْ حَدِيثِ عَنْبَسَةَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وَابْنُ سمعان عن الزهري عن عروة عن

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

عَائِشَةَ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْحَمْرَاءِ السَّابِقِ, وَلَا أَحْسَبُهُمَا يَصِحَّانِ, وَلِلتِّرْمِذِيِّ1 مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ "مَا أَطْيَبَك مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّك إلَيَّ, وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك مَا سَكَنْت غَيْرَك" وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَابْنُ الْبَنَّا وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ بِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرَ, قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ نَصٌّ ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَفْضَلُ وَلِمَا سَبَقَ, قَالُوا عَنْ رَافِعٍ مَرْفُوعًا "الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ" 2 رُدَّ: لَا يُعْرَفُ, وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى وَقْتِ كَوْنِ مَكَّةَ دَارَ حَرْبٍ, أَوْ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهَا وَالشَّرْعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ, وَكَذَا لَا يُعْرَفُ "اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك" 3 وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ بَعْدَ مَكَّةَ, وَلِمَالِكٍ4 عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: "مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا, ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" وَلَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ5, أَنَّ عُمَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِك, وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِك".
وَالْجَوَابُ لِأَنَّهُمَا هَاجَرَا مِنْ مَكَّةَ فَأَحَبَّا الْمَوْتَ فِي أَفْضَلِ الْبِقَاعِ بَعْدَهَا, وَلِهَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ قَالَ: "اللَّهُمَّ

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345

لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا حَتَّى تُخْرِجَنَا مِنْهَا" 1 وَاحْتَجُّوا بِأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ2 تَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا لَا فَضِيلَتِهَا عَلَى مَكَّةَ وَبِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خُلِقَ3 مِنْهَا4 وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ, وَتُرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ, وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ فَضْلَ الْخِلْقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التُّرْبَةِ ; لِأَنَّ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ, وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ تُرْبَتَهُ أَفْضَلُ, وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ, وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ التُّرْبَةَ أَفْضَلُ, قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ, فَأَمَّا, وَهُوَ فِيهَا فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَالْجَنَّةُ ; لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ.
فَدَلَّ كَلَامُ الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التُّرْبَةَ عَلَى الْخِلَافِ, وَقَالَ شَيْخُنَا: لَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا فَضَّلَ التُّرْبَةَ عَلَى الْكَعْبَةِ غَيْرَ الْقَاضِي عِيَاضٍ, وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ, وَلَا وَافَقَهُ أَحَدٌ.
وَفِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ الْخِلَافُ فِي الْمُجَاوَرَةِ فَقَطْ.
وَجَزَمُوا بِأَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا, وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ, وَهُوَ أَظْهَرُ, وَقَالَ: الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ أَفْضَلُ حَيْثُ كَانَ, وَمَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي5 وَغَيْرِهِ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ, وَأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ, وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ: الْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لمن قوي عليه ; لأنها مهاجر المسلمين.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345

وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ1 مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ, وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ, وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَفِيهِنَّ "أَوْ شَهِيدًا" وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ "وَلَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ, وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ" 2 وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا "مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ, فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ, وَالتِّرْمِذِيُّ3 وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ, وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ, فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ, لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ4.
وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ, وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ, وَفِي كَلَامِ أَصْحَابِهِ الْمَنْعُ.
لَنَا مَا سَبَقَ, قَالُوا: يُفْضِي إلَى الْمَلَلِ وَلَا يَأْمَنُ الْمَحْظُورَ فَيَتَضَاعَفُ الْعَذَابُ عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ يَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ.
وَأَبْطَلَ الْقَاضِي الْمَلَلَ بِمَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالنَّظَرَ إلَى قَبْرِهِ وَوَجْهِهِ فِي حَيَاتِهِ وَوُجُوهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يستحب

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234

وَإِنْ أَدَّى إلَى الْمَلَلِ, وَيُقَابِلُ مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ مُضَاعَفَةُ الثَّوَابِ, عَلَى أَنَا نَمْنَعُ مَنْ عَلِمَ وُقُوعَ الْمَحْظُورِ, وَلَا يُفْضِي إلَى الضِّيقِ, كَذَا قَالَ, وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ, وَلِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا الْمُجَاوَرَةُ بِهَا, وَذَكَرَ الشَّيْخُ رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ: كَيْفَ لَنَا بِالْجِوَارِ بِمَكَّةَ؟ وَابْنُ عُمَرَ كَانَ يُقِيمُ بِهَا.
وَمَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ وَجَمِيعِ الْبِلَادِ لَيْسَ1 هُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْرُجُ وَيُهَاجِرُ, أَيْ لَا بَأْسَ بِهِ, وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ الْجِوَارَ بِمَكَّةَ لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَكَاهُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ, وَيَحْتَمِلُ الْقَوْلَ بِهِ, فَيَكُونُ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٍ, ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَشَيْخُنَا وَابْنُ الْجَوْزِيِّ, وَذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ: سُئِلَ أَحْمَدُ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا, إلَّا بِمَكَّةَ, لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ, وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ وَهَمَّ أَنْ يَقْتُلَ عِنْدَ الْبَيْتِ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ, وَلَمْ يَذْكُرْ السَّيِّئَاتِ.
وَسَبَقَ فِي آخَرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي مضاعفة الصلاة2.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

فصل: لَا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ وَشَجَرُهُ

وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ "ش" وَلَهُ فِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ, لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد1 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا "أَنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ" , وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ ثَقِيفًا صَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ.
لَنَا لَا دَلِيلَ, وَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ مَعَ ظَاهِرِ مَا سَبَقَ, وَالْخَبَرُ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ, وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ فِي مُحَمَّدٍ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَفِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ, وَتَفَرَّدَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ ; فَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ: لَا يُعْرَفُ, وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ, وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ, لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ2.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12

باب صفة الحج والعمرة

مدخل

... بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ, نَهَارًا, وَقِيلَ: وَلَيْلًا وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ بِهِ, وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ السُّرَّاقِ.
وَخُرُوجُهُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى كُدًى, وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ.
وَفِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: لِيَقُلْ حِينِ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ, وَبِاَللَّهِ, وَمِنْ اللَّهِ, وَإِلَى اللَّهِ, اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك.
فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَدَعَا.
وَمِنْهُ: "اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا ومهابة وبرا.
وزد من عظمه وشرفه مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وبرا"1, "اللهم أَنْتَ السَّلَامُ, وَمِنْك السَّلَامُ, حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ"2.
وَقِيلَ: يَجْهَرُ بِهِ.
وَاقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ, وَقِيلَ: وَيُكَبِّرُ, وَقِيلَ: وَيُهَلِّلُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ".
وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" 3 ثُمَّ يُضْطَبَعُ بِرِدَائِهِ فِي طَوَافِهِ, نَصَّ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّرْغِيبِ4 رِوَايَةٌ: فِي رَمْلِهِ, وَقَالَهُ الْأَثْرَمُ: يَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ فَوْقَ الْأَيْسَرِ.
وَيَطُوفُ الْمُتَمَتِّعُ لِلْعُمْرَةِ, وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ لِلْقُدُومِ, وَهُوَ الْوُرُودُ.

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234

وَفِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرِهَا بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ, وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ, نَقَلَ حَنْبَلٌ نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ ; لِأَنَّهُ صَلَاةٌ, وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ, وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ, وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ1.
وَكَذَا عَطَاءٌ.
وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُ اتِّفَاقًا, بِخِلَافِ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, لِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ, وَعِنْدَ شَيْخِنَا2: لَا يَشْتَغِلُ بِدُعَاءٍ2, فَيُحَاذِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ2 أَوْ بَعْضَهُ وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ2 بِبَدَنِهِ, وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ: يُجْزِئُهُ بِبَعْضِهِ, وَفِي الْمُجَرَّدِ احْتِمَالٌ: لَا يُجْزِئْهُ إلَّا بِكُلِّ بَدَنِهِ3, قَالَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: وَلْيَمُرَّ بِكُلِّ الْحَجَرِ بِكُلِّ بَدَنِهِ4, فَيَسْتَلِمْهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيُقَبِّلْهُ نَقَلَ الْأَثْرَمُ: وَيَسْجُدْ عَلَيْهِ, وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَعَلَاهُ.
وَإِنْ شَقَّ قَبَّلَ يَدَهُ.
نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ, وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ.
وَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ, قَالَهُ الْقَاضِي.
وَفِي الرَّوْضَةِ: هَلْ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا: وَإِلَّا اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ.
وَفِي الرَّوْضَةِ: فِي تَقْبِيلِهِ الْخِلَافُ فِي الْيَدِ, وَيُقَبِّلُهُ وَإِلَّا أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أو بشيء.
ولا يقبله في الأصح

وَلَا يُزَاحِمُ فَيُؤْذِي أَحَدًا, لِمَا رَوَى أَحْمَدُ1 عَنْ شَيْخٍ مَجْهُولٍ عَنْ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: "إنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ, إنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ" وَفِي اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ وَجْهَانِ "م 1" وَعِنْدَ شَيْخِنَا هُوَ السُّنَّةُ, وَفِي الْخِلَافِ: 2لَا يَجُوزُ أَنْ2 يَبْتَدِئَهُ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لَهُ فِي الطَّوَافِ مُحْدِثًا, قَالَ جَمَاعَةٌ وَإِنْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ احْتَسَبَ مِنْ الْحَجَرِ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ, وَاَللَّهُ أَكْبَرُ, وَإِيمَانًا بِك, وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك, وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ3.
ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ, فَيُقَرِّبُ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ إلَيْهِ, قَالَ شَيْخُنَا: لِكَوْنِ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى, فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ جَعَلَ لِلْيُمْنَى, فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيَّ وَالْعِرَاقِيَّ4, وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ, ثُمَّ يَلِيه الرُّكْنُ الغربي والشامي, وهو جهة

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"مَسْأَلَةٌ 1" قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ وَجْهَانِ, انْتَهَى, وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ.
"أَحَدُهُمَا" يُسْتَحَبُّ, وَهُوَ الصَّحِيحُ, قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ السُّنَّةُ, وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ, وَظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي5 وَالشَّرْحِ6 فَإِنَّهُمَا قَالَا: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ قَامَ بِحِذَائِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ, لَكِنَّ هَذِهِ صُورَةٌ مَخْصُوصَةٌ, وَجَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرُهُ, وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شرحه أيضا234

الْمَغْرِبِ, ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةُ الْيَمَنِ.
ثُمَّ يَرْمُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْوَاطٍ, وَلَا يَقْضِيهِ وَلَا بَعْضَهُ في غيرها, فيسرع الْمَشْيَ وَيُقَارِبُ الْخُطَا, وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ1 وَالتَّأْخِيرِ لَهُ أَوْ لِلدُّنُوِّ أَوْلَى.
وَفِي الْفُصُولِ: لَا يَنْتَظِرُ لِلرَّمَلِ, كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لِتَعَذُّرِ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ.
وَفِيهِ فِي فُصُولِ اللِّبَاسِ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ: الْعَدْوُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْوَجْهِ مَكْرُوهٌ جِدًّا, كَذَا قَالَ, وَيَتَوَجَّهُ: تَرْكُ الْأَوْلَى, ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعًا, يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ, وَكَذَا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ, نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ يُقَبِّلُ يَدَهُ.
وَفِي الْخِرَقِيِّ وَالْإِرْشَادِ2: يُقَبِّلُهُ, وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ, نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُمَا لَمْ يتما على قواعد إبراهيم,

[تصحيح الفروع للمرداوي]

"والوجه الثاني" لا يستحب.12

وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ فِي رَمَلِهِ كَبَّرَ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَهَلَّلَ.
وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: وَرَفَعَ يَدَيْهِ, وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ: وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ, وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ.
وَفِي الْمُحَرَّرِ: آخِرُ طَوَافِهِ بَيْنَهُمَا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] وَيُكْثِرُ فِي بَقِيَّةِ رَمَلِهِ وَطَوَافِهِ1 مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ, وَمِنْهُ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ, وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي سَعْيِهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ, وَأَنَّهُ يَقِفُ فِي كُلِّ طَوَافِهِ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ وَالْمِيزَابِ وَكُلِّ رُكْنٍ وَيَدْعُو, وَلَهُ الْقِرَاءَةُ, نَصَّ عَلَيْهِ, فَتُسْتَحَبُّ.
وَقَالَهُ الْآجُرِّيُّ, وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك فِيهِ؟ قَالَ: كُلٌّ, وَعَنْهُ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ, قَالَ فِي التَّرْغِيبِ لِتَغْلِيطِهِ مُصَلِّينَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَيْسَ لَهُ إذًا, وَقَالَ شَيْخُنَا: تُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ فِيهِ لَا الْجَهْرُ بِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ, وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ, فَيَجِبُ كَوْنُهُ مِثْلَهَا.
وقال شيخنا: وجنس القراءة أفضل من2 الطَّوَافِ, قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِالتَّزَاحُمِ فِيهِ, وَلَا يُعْجِبُنِي التَّخَطِّي.
وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ وَاضْطِبَاعٌ لِامْرَأَةٍ أَوْ مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ حَامِلِ مَعْذُورٍ, نَصَّ عَلَيْهِ, وَلَا فِي غَيْرِهِ, وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: يَرْمُلُ بِالْمَحْمُولِ, وَقِيلَ: مَنْ تَرَكَهُمَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَسْعَ3 عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ, وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي مَنْسَكِهِ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ إلا في

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123

طَوَافِ الزِّيَارَةِ, وَنَفَاهُمَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ, وَيُجْزِئُ الطَّوَافُ رَاكِبًا لِعُذْرٍ, نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ, وَعَنْهُ: وَلِغَيْرِهِ, اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ, وَعَنْهُ: مَعَ دَمٍ, وَكَذَا الْمَحْمُولُ مَعَ نِيَّتِهِ.
وَصِحَّةُ أَخْذِ الْحَامِلِ مِنْهُ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهَا عَمَّا يَفْعَلُهُ عَنْ نَفْسِهِ, وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَيَأْتِي فِي الْحَلْقِ: لَا يُشَارِطُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ نُسُكٌ, وَقِيلَ: مَعَ نِيَّتِهِمَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا, وَقِيلَ عَكْسُهُ, وَكَذَا السَّعْيُ رَاكِبًا, نَصَّ عَلَيْهِ, وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا, وَذَكَرَ الشَّيْخُ: يُجْزِئُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا طَافَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَاكِبًا لِيَرَاهُ النَّاسُ, قَالَ جَمَاعَةٌ: فَيَجِيءُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِيَرَى الْجُهَّالَ.
وَإِنْ طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ أَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ وَلَوْ الْأَقَلَّ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ نَصَّ عَلَى الْكُلِّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ أَوْ وَرَاءَ حَائِلٍ وَقِيلَ: وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ.
جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لَمْ يجزئه, وكذا

[تصحيح الفروع للمرداوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

طوافه على الشاذروان1 وعند شَيْخِنَا: لَيْسَ هُوَ مِنْهُ بَلْ جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ وَفِي الْفُصُولِ: إنْ طَافَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ, وَلَمْ يَزِدْ.
وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ كَصَلَاتِهِ إلَيْهَا.
وَإِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ.
وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً.
وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ القراءة وجهان "م 2 و 3" وفي الانتصار

[تصحيح الفروع للمرداوي]

تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ2: قَوْلُهُ: "بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ" فالحقيقة: نِيَّةُ الطَّوَافِ حَقِيقَةً وَالْحُكْمِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ حُكْمُهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ أَنْ لَا يَقْطَعَهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا.
مَسْأَلَةٌ 2, 3" قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ, فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ, وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً, وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ, انْتَهَى.
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَتَيْنِ: "الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 2" وَهِيَ الْأَصْلُ: إذَا قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ فَهَلْ يُجَزِّئُهُ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ؟ أو هو كعاطس قصد بحمده قراءة؟1

فِي الضَّرُورَةِ: أَفْعَالُ الْحَجِّ لَا تَتْبَعُ إحْرَامَهُ فَتَتَرَاخَى عَنْهُ, وَتَنْفَرِدُ بِمَكَانٍ وَزَمَنٍ وَنِيَّةٍ, فَلَوْ مر بعرفة أو عدا حَوْلَ الْبَيْتِ بِنِيَّةِ طَلَبِ غَرِيمٍ أَوْ صَيْدٍ لَمْ يُجْزِئْهُ, وَصَحَّحَهُ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ فِي الْوُقُوفِ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ1, وَقِيلَ لَهُ فِي الِانْتِصَارِ فِي مَسْأَلَةِ النِّيَّةِ: الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ1؟ فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ, فَإِنَّهُ لَوْ عَدَا خَلْفَ غَرِيمِهِ أَوْ رَجَمَ إنْسَانًا بِالْحَصَى وَهُوَ عَلَى الْجَمْرَةِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْتُوتَةِ بِمُزْدَلِفَةَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ فِي حَجِّهِ, وَلَكِنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ تَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ, كَمَا تَشْتَمِلُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى جَمِيعِ أَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا, وَهَذِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ, وَقَدْ شَمَلَتْهَا نِيَّةُ الْحَجِّ, وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَدَلِ عَنْ ذَلِكَ وهو

[تصحيح الفروع للمرداوي]

يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْمُصَلِّي الشُّرُوعَ فِي الْفَاتِحَةِ فَعَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ, يَنْوِي بِذَلِكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَعَنْ الْعُطَاسِ, وَجْهٌ فِي الْمَسْأَلَةِ تَوْجِيهَيْنِ مِنْ عِنْدِهِ, أَحَدُ التَّوْجِيهَيْنِ أَنَّهُ يُجْزِئُ, فِي قِيَاسٍ لَهُمْ, وَهُوَ الصَّوَابُ, وَالتَّوْجِيهُ الثَّانِي حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَاطِسِ إذَا حَمِدَ يَنْوِيهِمَا, وَهِيَ: "الْمَسْأَلَةُ 3 الثَّانِيَةُ" وَقَدْ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ: أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُ, وَهُوَ الصَّحِيحُ, وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ, وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ وابن حمدان وصاحب الفائق وغيرهم.
"وَالْوَجْهُ الثَّانِي" يُجْزِئُهُ, اخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ, وَحَمَلَ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ, فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ, عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ, وَعَنْهُ: تَبْطُلُ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَى التَّوْجِيهِ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَة الْأُولَى وَجْهَانِ مُطْلَقَانِ, وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ, قِيَاسًا على مسألة العاطس.
والله أعلم1

فصول الكتاب · 27 فصل · 551 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفروع وتصحيح الفروع · 551 صفحة
مقدمة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب البيع
كتاب الشركة
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب العتق
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب العدد
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الجهاد
كتاب الأطعمةكتاب الصيد
كتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل