فتح الأرض عنوة حدثنا حميد
٢١٧ - قال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والخلفاء بعده، قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها، فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره.
وأرض افتتحت صلحا على خراج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه.
وأرض أخذت عنوة، فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة، فتخمس وتقسم فيكون أربعة أخماسها خططا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله.
وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر، فذلك له وإن رأى أن يجعلها فيئا، فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا، كما صنع عمر بالسواد - فعل ذلك.
فهذه أحكام الأرضين التي افتتحت فتحا ⦗١٨٨⦘. فأما الأرضون التي أقطعها الإمام إقطاعا أو يستخرجها المسلمون بالأحياء، واحتجرها الناس بعضهم دون بعض بالحمى فليست من الفتوح، ولها حكم سوى تلك.
وبكل هذا قد جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
فأما الحكم في أرض العنوة
حدثنا حميد
٢١٨ - قال فإن عبد الله بن صالح أنا، عن ليث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت مما أفاء الله على رسوله فخمسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال فدعاهم رسول الله فقال: «إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها، ويكون ثمرها بيننا وبينكم، وأقركم ما أقركم الله» قال: فقبلوا الأموال على ذلك
حدثنا حميد
٢١٩ - أنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، أن بشير بن يسار أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، وعزل نصفها ⦗١٨٩⦘ لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومما قسم الشق ونطاة وما حيز معهما، وكان فيما وقف الكتيبة والوطيحة وسلالم.
فلما صارت الأموال في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له من العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياة أبي بكر حتى كان عمر فكثر العمال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم
٢٢٠ - أنا حميد أنا ابن أبي أويس، حدثني المجمع بن يعقوب، عن أبيه ⦗١٩٠⦘، أنه قال: قسمت خيبر لمن شهد الحديبية، ولم يقسم منها لأحد شهد خيبر ولم يشهد الحديبية.
قال مجمع: وقال أبي: قسمت خيبر على ثمانية عشر سهما، كل سهم مائة سهم، وكان أصحاب الحديبية ألفا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس
٢٢١ - قال ابن أبي أويس: وهكذا تقسم الغنائم تجعل كل مائة سهم سهما، ويدفع ذلك إلى رجل منهم فيقسمه عليهم قال: وفي هذا الحديث ما يدل على أن للفرس سهما واحدا؛ لأن ألفا وخمسمائة رجل وثلاثمائة فرس تكون ثمانية عشر سهما، كل سهم مائة سهم
حدثنا حميد
٢٢٢ - ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، أنه سمع عمر بن الخطاب، يقول: «أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء، ما فتحت علي ⦗١٩١⦘ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، ولم أتركها خزانة لهم يقتسمونها»
٢٢٣ - قال أبو عبيد: فهذا ما جاء في القسم.
وأما ما جاء في ترك القسم
فإن هشيم بن بشير أنا قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي، قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا؛ فإنا فتحناه عنوة، فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تتحاسدوا بينكم في المياه.
قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رءوسهم الجزية وعلى أرضهم الطسق ولم يقسمه بينهم
٢٢٤ - قال أبو عبيد: ثنا سعيد بن سليمان، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ثنا الماجشون، قال: قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحوها عنوة: اقسمها بيننا، وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا غير المال، ولكن احبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه.
قال: فما جاء الحول ومنهم عين تطرف
⦗١٩٢⦘
٢٢٥ - قال عبد العزيز: وأخبرني زيد بن أسلم، قال: قال عمر: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء
حدثنا حميد
٢٢٦ - أنا ابن أبي أويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: لولا آخر الناس ما افتتحت علي قرية إلا قسمتها
حدثنا حميد
٢٢٧ - أنا عبد الله بن صالح، أنا ابن لهيعة، عن عبيد بن المغيرة، عن أبي بردة، أو ابن أبي بردة أنه سمع سفيان بن وهب الخولاني، يقول: افتتحنا مصر بغير عهد، فقام الزبير بن العوام فقال ⦗١٩٣⦘: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال عمرو: لا أقسمها، فقال الزبير: لتقسمنها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، فقال لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه، فكتب عمر بن الخطاب أن «أقررها حتى يغزو منها حبل الحبلة»
حدثنا حميد
٢٢٨ - أنا سليمان بن حرب، أنا مرحوم العطار، عن أبيه، عن شويس العدوي، قال: أتينا الأبلة مع أميرنا فظهرنا بهم، ثم عبرنا ⦗١٩٤⦘ الفرات، فاستقبلونا بالمساحي فظفرنا بهم، ثم أتينا الأهواز فقاتلونا قتالا شديدا فظفرنا بهم وأصبنا سبيا كثيرا فاقتسمناهم فأصاب الرجل الرأس والرأسان، قال: وأصبنا من النساء، فكتب أميرنا في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر أنه «لا طاقة لكم بعمل الأرض فلا يبقان في أيديكم رأس واحد، وضعوا عليهم الخراج على قدر ما بقي في أيديهم من الأرض» قال: فكم من ولد لنا في أيديهم، عليهم الهمايين
٢٢٩ - قال حميد قال أبو عبيد: وحدثني أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمر، كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: «أما بعد، فقد بلغني كتابكم أن الناس قد سألوك أن تقسم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها، ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنا لو قسمناها بين من حضر، لم يكن لمن بعدهم شيء»
حدثنا حميد
٢٣٠ - أنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، أن عمر، أراد أن يقسم أهل السواد بين المسلمين فأمرهم أن يحصوا، فوجد الرجل المسلم يصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور فيه، فقال له علي: دعهم يكونوا مادة للمسلمين.
فبعث عليهم عثمان بن حنيف، فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر
٢٣١ - قال أبو عبيد: حدثني هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، حدثني تميم بن عطية، أخبرني عبد الله بن أبي قيس الهمداني، أو عبد الله بن قيس الهمداني قال: قدم عمر الجابية فأراد قسم الأرض بين المسلمين، فقال له معاذ: «والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم، صار الربع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يحدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم»
⦗١٩٦⦘
٢٣٢ - قال هشام: وحدثني الوليد بن مسلم، عن تميم بن عطية، عن عبد الله بن قيس، أو ابن أبي قيس أنه سمع عمر، يكلم الناس في قسم الأرض، ثم ذكر كلام معاذ إياه، قال: فصار عمر إلى قول معاذ
٢٣٣ - قال أبو عبيد: فقد توالت الأخبار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين، أما الأول منهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام، وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس، كذلك يروى عنه وأما الحكم الآخر، فحكم عمر في السواد وغيره، وذلك أنه جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا، لم يخمسه ولم يقسمه، وهو الذي أشار عليه علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد، وهو معروف من قوله، إلا أنه كان يقول: الخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين، ولم يخمس ولم يقسم.
قال أبو عبيد: وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء إلا أن الذي اختار من ذلك أن يكون النظر فيه إلى الإمام، وليس فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رادا لفعل عمر.
ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم اتبع آية من كتاب الله فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان ⦗١٩٧⦘ محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة، أو فيئا.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١] فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس وبها عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال الله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ [الحشر: ٨] . ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ . ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها.
قال: فاستوعبت هذه الآية الناس، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ حين أشار على عمر بما أشارا - فيما نرى - والله أعلم.
وقد قال بعض الناس: إن عمر إنما فعل ما فعل بهم برضى من الذين افتتحوا الأرض واستطابت به أنفسهم، لما كان عمر كلم به جرير بن عبد الله في أمر السواد، وقد علمنا ما كان من كلامه إياه
حدثنا حميد
٢٣٤ - قال: قرأت على أبي عبيد القاسم بن سلام - وكل شيء أحدثه في هذا الكتاب عنه فهو قراءة عليه -. حدثنا حميد قال أبو عبيد: أنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد، فأخذوا سنتين أو ثلاثا، قال: فوفد عمار بن ⦗١٩٨⦘ ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله فقال عمر لجرير: يا جرير «لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم، فأرى الناس قد كثروا، فأرى أن ترده عليهم»، ففعل جرير ذلك، فأجازه عمر ثمانين دينارا
أنا حميد
٢٣٥ - قال أبو عبيد: أنا هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز لعمر: يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلم، فقال لها: قد صنع قومك ما قد علمت، قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا، قال: ففعل عمر ذلك وكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارا
٢٣٦ - قال أبو عبيد: فاحتج قوم بفعل عمر هذا وقالوا: ألا ترى أنه أرضى جريرا والبجيلة، وعوضهما؟ ⦗١٩٩⦘ وإنما وجه هذا الحديث عندي أن عمر كان نفل جريرا قومه ذلك نفلا قبل القتال وقبل خروجه إلى العراق، فأمضى له نفله.
وكذلك يحدثه عنه الشعبي
أنا حميد
٢٣٧ - قال أبو عبيد: حدثني عفان، حدثني مسلمة بن علقمة، أنا داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي، أن عمر، كان أول من وجه إلى الكوفة جرير بن عبد الله قبل أبي عبيد: فقال: «هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس»، قال: فبعثه.
قال عفان: وقد سمعته من حماد بن سلمة إلا أنى لحديث مسلمة أحفظ.
٢٣٨ - قال أبو عبيد: فنرى أن عمر إنما خص جريرا وقومه بما أعطاهم، للنفل المتقدم الذي كان جعله لهم، ولو لم يكن نفلا، ما خصه وقومه بالقسمة دون الناس ⦗٢٠٠⦘. ألا تراه لم يقسم لأحد سواهم، وإنما استطاب أنفسهم خاصة؛ لأنهم قد كانوا أحرزوا ذلك وملكوه بالنفل، فلا حجة في هذا لمن زعم أنه لا بد للإمام من استرضائهم، وكيف يسترضيهم وهو يدعو على بلال وأصحابه ويقول: اللهم اكفنيهم؟ فأي طيب نفس هاهنا؟ وليس الأمر عندي إلا ما قال سفيان، إن الإمام مخير في العنوة بالنظر للمسلمين والحيطة عليهم بين أن يجعلها غنيمة أو فيئا.
ومما يبين ذلك أن عمر نفسه يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قسم خيبر، ثم يقول مع هذا لولا آخر الناس لفعلت ذلك.
فقد بين لك هذا أن الحكمين إليه، ولولا ذلك ما تعدى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد زعم بعض من يقول إن للإمام في العنوة حكما ثالثا: قال: إن شاء لم يجعلها غنيمة ولا فيئا وردها على أهلها الذين أخذت منهم، ويحتج في ذلك بما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مكة حين افتتحها، ثم ردها عليهم ومن عليهم بها
٢٣٩ - وقد جاءت الأخبار بذلك، فذكر ما حدثناه هاشم بن القاسم أنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنه قال: يا معشر الأنصار ألا أعللكم بحديث، فذكر فتح مكة ⦗٢٠١⦘ ثم قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر، فأخذ بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة، قال: فنظر فرآني فقال: «يا أبا هريرة»، فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: «اهتف بالأنصار، لا يأتيني إلا أنصاري»، قال: فهتفت بهم فجاءوا حتى أطافوا به قال: وقد وبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء، كنا معهم وإلا أعطيناهم ما سألونا، قال: فلما أطافت الأنصار برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: «أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، «احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا» فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم من شاء إلا قتل فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، قال: فغلق الناس أبوابهم
حدثنا حميد
٢٤٠ - ثنا مسلم بن إبراهيم، أنا سلام بن مسكين، أنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل مكة سرح الزبير بن العوام وأبا عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على الخيل، وقال: «يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار»، فنادى: يا معشر الأنصار أجيبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ⦗٢٠٢⦘: فكأنما كانوا على ميعاد، ثم قال لهم: «اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفن أحد، إلا أنمتموه» فنادى مناد: لا قريش بعد اليوم.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من دخل دارا فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن» . فلم يصب منهم يومئذ إلا أربعة، وهزم الله المشركين، فدخل الحرم، وعمد صناديد قريش، فدخلوا الكعبة، فغص بهم البيت، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فطاف بالبيت وركع ركعتين خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فقال: «يا قريش، ما تقولون وتظنون؟» قالوا: نقول ونظن أنك أخ وابن عم حليم رحيم.
قال: «وما تقولون وما تظنون؟» قالوا: نقول إنك أخ وابن عم حليم رحيم.
قال: «ما تقولون وتظنون؟» قالوا: نقول: أخ وابن عم حليم رحيم.
قال: " أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] ". قال: فخرجوا فبايعوه على الإسلام، ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الباب الذي يلي الصفا، فحمد الله وأثنى عليه بنصره وعونه.
قال: فبينا هو كذلك قالت الأنصار بعضها لبعض: أما الرجل فأخذته رأفة بقومه، وأدركته الرغبة في قرابته.
قال: وأنزل الله تعالى القرآن على نبيه عليه السلام بما قالت الأنصار.
فقال: " يا معشر الأنصار، وتقولون: أما الرجل، فأخذته الرأفة بقومه وأدركته الرغبة في قرابته، فمن أنا إذا؟ كلا والله، إني لرسول الله حقا.
وإن المحيا لمحياكم، وإن الممات لمماتكم ". قالوا: يا نبي الله بأبينا أنت وأمنا، ما قلنا ذلك إلا مخافة أن تفارقنا وتدعنا فقال لهم: «أنتم صادقون عند الله وعند رسوله» . قال: والله ما بقي منهم إنسان إلا بل نحره بدموع عينيه ⦗٢٠٣⦘. حدثنا حميد
٢٤١ - قال قرأت على أبي عبيد: فقد صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه افتتح مكة عنوة، وأنه من على أهلها، فردها عليهم ولم يقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يجعلها فيئا.
فرأى بعض الناس أن هذا الفعل جائز للأئمة بعده ولا نرى مكة يشبهها شيء من البلاد من جهتين: إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الله تعالى قد خصه من الأنفال والغنائم، بما لم يجعله لغيره، فنرى هذا كان خالصا له.
والجهة الأخرى: أنه قد سن بمكة سننا، لم يسنها لشيء من سائر البلاد.
وذكر حديث عائشة
حدثنا حميد
٢٤٢ - أنبأنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، مسيكة، وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا نجعل عليك بناء أو نبني عليك بناء يظلك من الشمس؟ تعني بمكة.
فقال: «لا إنما هذا مناخ من سبق» . قال: فسألت مسيكة مكانها بعدما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن تعطيها إياه.
فقالت لها عائشة: إني لا أحل لك ولا ⦗٢٠٤⦘ لأحد من أهلي أن تستحل هذا المكان بي
حدثنا حميد
٢٤٣ - قال أبو عبيد: ثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن مكة حرام، حرمها الله، لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها»
حدثنا حميد
٢٤٤ - أنبأنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا عيسى بن يونس، أنبأنا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة، قال: «توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن»
حدثنا حميد
٢٤٥ - أنبأنا ابن أبي خداش، أنبأنا عيسى بن يونس، أنبأنا عبيد الله بن أبي زياد، قال: سمعت أبا عبد الله بن أبي نجيح يذكر عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «أن الذي يأكل كراء بيوت مكة، إنما يأكل في بطنه نارا»
حدثنا حميد
٢٤٦ - أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا وهيب بن خالد، أنبأنا ⦗٢٠٦⦘ منصور بن المعتمر، عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطاب: «يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء»
حدثنا حميد
٢٤٧ - أنبأنا محمد بن عبيد، أنبأنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن أبي عمر، أن عمر، نهى أن تغلق، أبواب مكة ⦗٢٠٧⦘. وأن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون فساطيهم في الدور
أنا حميد
٢٤٨ - حدثنا ابن أبي عباد، أنبأنا مسلم بن خالد، عن منصور بن عبد الرحمن، قال: كتب عمر بن عبد العزيز وقرئ علينا كتابه «ينهى عن كراء، بيوت مكة»
٢٤٩ - حدثنا حميد حدثنا محمد بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «الحرم كله مسجد»
٢٥٠ - حدثنا حميد حدثنا أبو نعيم، حدثنا طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه كان يقول: «الحرم كله حمى المسجد الحرام»
أنا حميد
٢٥١ - أنبأنا أبو نعيم، أنبأنا حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه كان يقول: «الحرم كله مقام إبراهيم»
أنا حميد
٢٥٢ - حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «الحرم كله مقام إبراهيم، والحرم كله المسجد الحرام»
ثنا حميد
٢٥٣ - حدثنا محمد بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن أبي الربيع، عن مجاهد، قال: «الحرم كله مسجد»
حدثنا حميد
٢٥٤ - أنا النضر بن شميل، أنا الربيع بن صبيح، عن عطاء بن أبي رباح، قال: «الحرم كله مسجد»
حدثنا حميد
٢٥٥ - أنا أبو نعيم، أنا إسرائيل، عن ثوير، قال: سمعت مجاهدا، يقول: «الحرم كله المسجد» قال أبو عبيد: فإذا كانت مكة هذه سنتها، أنها مناخ لمن سبق، وأنها لا تباع رباعها، ولا يطيب كراء بيوتها، وأنها مسجد لجماعة الناس، فكيف تكون هذه غنيمة، فتقسم بين قوم يحوزونها دون الناس، أو تكون فيئا تصير أرض خراج، وهي أرض من أرض العرب الأميين الذين كان الحكم عليهم الإسلام أو القتل، فإذا أسلموا كانت أرضهم أرض عشر، ولا تكون خراجا أبدا؟ فليست مكة تشبه شيئا من البلاد، لما خصت به.
فلا حجة لمن زعم أن الحكم عليها حكم غيرها.
وليست تخلو بلاد العنوة، سوى مكة من أن تكون غنيمة، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر أو فيئا، كما فعل عمر بالسواد وغيره من أرض الشام ومصر
باب: أرض العنوة تقر بأيدي أهلها ويوضع عليها الطسق والخراج
حدثنا حميد
٢٥٦ - بن زنجويه قال: قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال حميد: ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم، إلا قد حدثناه أيضا، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، أن عمر بن الخطاب، بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة، على صلاتهم وجيوشهم وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض.
ثم فرض لهم كل يوم شاة: شطرها وسواقطها لعمار والشطر الآخر بين هذين.
ثم قال: «ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة، إلا سريعا إلى خرابها» . قال: فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب البر أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين.
وجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون بها في كل عشرين درهما درهما، وجعل على رءوسهم - وعطل النساء والصبيان من ذلك - أربعة وعشرين كل سنة.
ثم كتب بذلك إلى عمر، فأجازه ورضي به قال: فقيل لعمر تجار الحرب، كم نأخذ منهم إذا قدموا علينا؟ فقال: «كم يأخذون منكم إذا قدمتم عليهم؟» قالوا: العشر.
قال: «فخذوا منهم العشر»
أنا حميد
٢٥٧ - قال أبو عبيد: وحدثني عفان، عن مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، أن عمر، بعث ابن حنيف إلى السواد فطرز الخراج، فوضع على جريب الشعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب القصب ستة، وعلى جريب النخل ثمانية، وعلى جريب الكرم عشرة، وعلى جريب الزيتون اثنى عشر.
ووضع على الرجال الدرهم في الشهر، والدرهمين في الشهر
٢٥٨ - قال أبو عبيد: وأنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، قال: وضع عمر على أهل السواد على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، وعلى جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة.
قال: ولم ⦗٢١١⦘ يذكر النخل.
وعلى رءوس الرجال ثمانية وأربعين درهما، وأربعة وعشرين درهما، واثنى عشر درهما
ثنا حميد
٢٥٩ - أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا سفيان، عن الشيباني، عن بعض، أصحابه، أن عمر، كان يأخذ من أهل الذمة حين بعث عثمان بن حنيف من كل جريب عنب عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ومن جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة، ومن جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزة، ومن جريب الحنطة درهما وقفيزا، ومن الخراب من كل جريبين درهما وقفيزا، وكان لا يحسب النخل
حدثنا حميد
٢٦٠ - أنا الهيثم بن عدي، قال: أنبأني عبد الله بن عياش، عن الشعبي، قال: وحدثنا ببعضه ابن أبي ليلى، عن الحكم، قال: وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، قالوا: لما كثر المسلمون استشار عمر بن الخطاب في السواد فاختلفوا عليه، فقال قائلهم: اقسمهم وأرضيهم، وقال قائل: دعهم على حالهم.
فقال عمر: «قد اختلفتم، فأنا أرى غير ذلك، إنكم إن اتكلتم على الأرض والزرع تركتم الجهاد» فبعث عمر عثمان بن حنيف الأنصاري، وبعث معه حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وعبد الله بن عويم بن ساعدة الأنصاري، فأما ابن عياش فذكر أنه أبو جبيرة بن الضحاك الأنصاري مكان عبد الله ⦗٢١٢⦘ بن عويم، وأمره عمر أن يستعين بهم.
فوجه عثمان حذيفة وسلمان على ما خلف دجلة، وجعل حق جريبهما وجعل عبد الله بن عويم خليفته، وعلى صلاة الكوفة يومئذ عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود على بيت المال وتعليم المسلمين.
وعثمان بن حنيف على الخراج فأجرى عليهم عمر شاة في كل يوم، فنصفها وبطنها وأكارعها وجلدها لعمار، لأنه صاحب الصلاة والحرب.
وربعها لعثمان بن حنيف والربع الباقي لعبد الله بن مسعود.
وأجرى عليهم جريبا من دقيق في كل يوم على.
. . . . . مع أعطياتهم، وكانت خمسة آلاف.
وأجرى على عثمان خمسة دراهم في كل يوم.
وأمره عمر أن يمسح السواد عامره وغامره، فمسح عثمان كل شيء دون الجبل يعني دون حلوان إلى أرض العرب وهو أسفل الفرات
٢٦١ - قال الهيثم: وأنبأنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، أن عمر كتب إلى عثمان بن حنيف، أن «لا يمسح تلا، ولا أجمة، ولا سبخة، ولا مستنقع ماء، ولا مالا تبلغه المياه» قال الهيثم: وأنبأنا ابن أبي ليلى عن الحكم قال: كان ذراع عمر بن الخطاب في المساحة ذراعا وقبضة.
قال الهيثم: وقبض ابن أبي ليلى أصابعه الأربع، ورفع صدر الإبهام.
فكتب عثمان إلى عمر إني وجدت كل شيء بلغه الماء، من عامر وغامر ستة وثلاثين ألف ألف جريب.
فكتب عمر أن افرض عليه الخراج على كل جريب عامر أو غامر بلغه الماء، عمله صاحبه أو لم يعمله، درهما وقفيزا وافرض على الكروم، على كل جريب عشرة دراهم، وعلى الرطاب خمسة دراهم.
وأطعمهم النخل والشجر كله.
وقال: هذا قوة لهم على عمارات بلادهم.
وفرض على رقابهم، على الموسر ثمانية وأربعين درهما وعلى من دون ذلك أربعة وعشرين درهما، وعلى من لم يجد شيئا اثني عشر درهما، وقال: درهم لا يعوز رجلا في كل شهر.
ورفع عنهم عمر بن الخطاب الرق بالخراج الذي وضعه على رقابهم، وجعلهم أكرة في الأرض، فحمل من خراج سواد الكوفة في أول سنة ثمانون ألف ألف درهم، ثم حمل من قابل عشرون ومائة ألف ألف درهم، فلم يزل الخراج على ذلك