[بَابٌ مَسَائِلُ الرَّضَاعِ] .
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الله الخرشي
- الكتاب
- شرح مختصر خليل للخرشي
- المؤلف
- محمد بن عبد الله الخرشي المالكي أبو عبد الله (المتوفى: 1101هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة - بيروت
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وبهامشه حاشية العدوي]
وَكَذَلِكَ كُلُّ نَجْمٍ غَيْرِهِ فَقَوْلُهُ الْكَامِلَةُ مُبْتَدَأٌ وَفِي ثَلَاثٍ خَبَرٌ أَيْ كَائِنَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَيْسَ فِيهَا سِنِينَ وَقَوْلُهُ تَحِلُّ صِفَةٌ لِثَلَاثٍ (ص) وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ بِالنِّسْبَةِ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ الدِّيَةَ غَيْرَ الْكَامِلَةِ تُنَجَّمُ كَالْكَامِلَةِ فَالثُّلُثُ يُنَجَّمُ فِي سَنَةٍ وَالثُّلُثَانِ سَنَتَانِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَقَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ أَيْ إلَى الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ (ص) وَنَجْمٌ فِي النِّصْفِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ بِالتَّثْلِيثِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا بَلَغَ مُوجِبُهَا نِصْفَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا فَإِنَّهُ يُنَجَّمُ لِلثُّلُثِ سَنَةً وَلِلسُّدُسِ الْبَاقِي سَنَةً وَيُنَجَّمُ الثُّلُثَانِ فِي سَنَتَيْنِ وَيُنَجَّمُ الْبَاقِي وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ فِي سَنَةٍ ثَالِثَةٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ لِلزَّائِدِ سَنَةً) وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ
(ص) وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ (ش) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ التَّنْجِيمِ عَلَى عَوَاقِلَ مُتَعَدِّدَةٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنَايَةِ حُكْمُ التَّنْجِيمِ عَلَى الْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَوْ حَمَلَ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مَثَلًا صَخْرَةً فَسَقَطَتْ مِنْهُمْ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَتْهُ فَإِنَّ رُبُعَ الدِّيَةِ الْوَاجِبِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُنَجَّمُ عَلَيْهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَحُكْمِ الدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ كَانَ مَا يَنُوبُ كُلَّ وَاحِدَةِ دُونَ الثُّلُثِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ مُخَالِفًا لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْآخَرِ كَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَبَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ مَثَلًا وَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ تُخَصِّصُ عُمُومَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ وَمِنْ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَكُونُ مِنْ صِنْفَيْنِ (ص) كَتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ عَلَيْهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ أَوْ الرِّجَالَ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا قَتَلَ رِجَالًا خَطَأً فَإِنَّ الدِّيَاتِ تُنَجَّمُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَتَصِيرُ فِي التَّنْجِيمِ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ فَهُوَ مُشَبَّهٌ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُتَّحِدِ أَيْ تَعَدُّدُ الْجِنَايَاتِ كَالْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ فِي كَوْنِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ خَاصَّةً وَلَا يَصِحُّ تَشْبِيهُهُ بِقَوْلِهِ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَحُكْمِ الْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يُشْبِهُ تَعَدُّدُ الْجِنَايَاتِ بِالْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ (ص) وَهَلْ حَدُّهَا سَبْعُمِائَةٍ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ قَوْلَانِ (ش) أَيْ وَهَلْ حَدُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِي لَا تَنْقُصُ عَنْهُ سَبْعُمِائَةٍ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ أَيْ زِيَادَةٌ لَهَا بَالٌ كَالْعِشْرِينِ فَفَوْقُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةٌ كَمُلَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَلَى الثَّانِي لَوْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى أَلْفٍ كَمُلَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ فَأَلْ فِي الزَّائِدِ لِلْكَمَالِ أَيْ الْكَامِلِ فِي الزِّيَادَةِ كَمَا مَرَّ وَبِعِبَارَةٍ وَهَلْ حَدُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِي لَا يُضَمُّ مَنْ بَعْدَهُ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ مَثَلًا مِنْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ الْكَامِلَةُ مُبْتَدَأٌ) لَا يَخْفَى أَنَّهَا جُمْلَةُ اسْتِئْنَافٍ بَيَانِيٍّ كَأَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ تَنْجِيمِهَا فِي كَمْ مِنْ الزَّمَنِ فَقَالَ الْكَامِلَةُ (قَوْلُهُ تَحِلُّ صِفَةٌ لِثَلَاثٍ) أَيْ أَنَّ كُلَّ سَنَةٍ تَحِلُّ بِآخِرِهَا لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَظْهَرُ بَلْ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ تَحِلُّ عَائِدًا عَلَى النُّجُومِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ أَوْ أَنَّ ضَمِيرَهُ يَرْجِعُ لِلْكَامِلَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَجْزَاؤُهَا (قَوْلُهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ) وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ حُلُولُ غَيْرِ الْكَامِلَةِ (قَوْلُهُ بِالتَّثْلِيثِ) مَأْخُوذٌ مِنْ الثُّلُثِ أَيْ أَنَّ الْمُنَجَّمَ الثُّلُثُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ النِّصْفَ يُنَجَّمُ فِي سَنَتَيْنِ كُلُّ سَنَةٍ رُبُعٌ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعَ ثَلَاثُ سِنِينَ كُلُّ سَنَةٍ رُبُعٌ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا نَقْلًا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تُرَبَّعُ (قَوْلُهُ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ) أَقُولُ لَا يَشْهَدُ لِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ قَابِلَةٌ لَأَنْ يُقَالَ تُنَجَّمُ فِي ثَلَاثَةٍ كُلُّ سَنَةٍ رُبُعٌ
(قَوْلُهُ كَحُكْمِ الدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ إلَخْ) هَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ كَحُكْمِ الْوَاحِدَةِ يَجُوزُ فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ كَحُكْمِ الْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ الثَّانِي كَحُكْمِ الدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَعْنَى عَلَى الثَّانِي فَمَعْنَاهُ أَنَّ أَجْزَاءَ الدِّيَةِ الَّتِي عَلَى عَوَاقِلَ كَحُكْمِ الدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ (قَوْلُهُ وَتَصِيرُ فِي التَّنْجِيمِ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ نَبَّهَ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الدِّيَةَ الثَّانِيَةَ إنَّمَا تُنَجَّمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بَعْدَ وَفَاءِ الْأُولَى (قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُتَّحِدِ) مِنْ بِمَعْنَى فِي أَيْ مُطْلَقُ الْمُتَعَدِّدِ كَالْمُتَّحِدِ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ حُكْمُ التَّنْجِيمِ عَلَى عَوَاقِلَ حُكْمَ التَّنْجِيمِ عَلَى الْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَى الثَّانِي تَعَدُّدُ الْجِنَايَاتِ كَالْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَحُكْمِ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ (قَوْلُهُ وَلَا يُشْبِهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْبِهُ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُتَّحِدِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى مُخْتَلِفًا وَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ بِدُونِ أَنْ يُلَاحَظَ الْإِطْلَاقُ بَلْ يُلَاحَظُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ فِي الْأَمْرَيْنِ وَاحِدًا بِحَيْثُ يَقُولُ تَعَدُّدُ الْجِنَايَاتِ كَحُكْمِ الْعَاقِلَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْجِنَايَاتِ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُشَبَّهَ إلَّا بِمَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ وَهُوَ الْجِنَايَةُ لَا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَهُوَ الْعَاقِلَةُ الْوَاحِدَةُ (قَوْلُهُ أَيْ وَهَلْ حَدُّ الْعَاقِلَةِ) أَيْ حَدُّ أَقَلِّهَا أَيْ وَأَمَّا أَكْثَرُهَا فَلَا حَدَّ لَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ سَبْعُمِائَةٍ أَيْ وَلَا يُضَمُّ لَهُمْ الْأَبْعَدُ وَأَمَّا أَهْلُ الطَّبَقَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُضْرَبُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ عَشَرَةَ آلَافٍ كَمَا فِي ك (قَوْلُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ) أَيْ بِأَنْ وُجِدَ مِنْ الْإِخْوَةِ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ فَإِنَّهُ يَكْمُلُ مِنْ بَنِي الْإِخْوَةِ مَثَلًا إنْ وُجِدُوا أَوْ الْأَعْمَامِ مَثَلًا إنْ لَمْ يُوجَدُوا (قَوْلُهُ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ مَثَلًا مِنْ الْفَصِيلَةِ) اعْلَمْ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ فَخُزَيْمَةُ شَعْبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكِنَانَةُ قَبِيلَتُهُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ خُزَيْمَةَ شَعْبُهُ وَتَفَرَّقَتْ مِنْهُ قَبَائِلُ كِنَانَةَ وَتَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ وَقِيلَ: مُضَرُ شَعْبٌ وَقُرَيْشٌ الَّذِي هُوَ فِهْرٌ عِمَارَتُهُ وَقُصَيٌّ بَطْنُهُ وَهَاشِمٌ فَخْذُهُ وَبَنُو الْعَبَّاسِ فَصِيلَتُهُ وَالْعَشِيرَةُ الْإِخْوَةُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَعَمُّ مِمَّا بَعْدَهُ فَالشَّعْبُ أَعَمُّ مِمَّا بَعْدَهُ وَالْقَبِيلَةُ كَذَلِكَ
الْفَصِيلَةِ لَا يُضَمُّ إلَيْهِمْ الْفَخْذُ مَثَلًا وَإِذَا كَمُلَ مِنْ الْفَصِيلَةِ وَالْفَخْذِ لَا يُضَمُّ إلَيْهِمَا الْبَطْنُ مَثَلًا وَهَكَذَا إلَّا أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِمَنْ يُضْرَبُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إذَا قَصَرُوا عَنْهُ لَا يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ لِفَسَادِهِ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ قُوَّةُ الضَّرْبِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ بِقَدْرِ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ ثُمَّ يَكْمُلُ مِنْ غَيْرِهِ
(ص) وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إذَا قَتَلَ مِثْلَهُ مَعْصُومًا خَطَأً عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلِعَجْزِهَا شَهْرَانِ كَالظِّهَارِ (ش) هَذَا شُرُوعٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَأَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فَقَوْلُهُ وَعَلَى الْقَاتِلِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَاتِلَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ وَإِنْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ شَرِيكًا إذَا قَتَلَ مَعْصُومًا مِثْلَهُ قَتْلًا خَطَأً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ وَلَا يُجْزِئُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِتْقِ الرَّقَبَةِ وَحُكْمُ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ وَعِتْقُ الرَّقَبَةِ حُكْمُ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ وَعِتْقُ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَمَا يُطْلَبُ هُنَاكَ يُطْلَبُ هُنَا وَمَا يَمْتَنِعُ هُنَاكَ يَمْتَنِعُ هُنَا كَمَا أَشَارَ لَهُ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ سَلِيمَةً عَنْ قَطْعِ أُصْبُعٍ وَعَمًى وَبُكْمٍ وَجُنُونٍ وَإِنْ قَلَّ وَمَرَضٍ مُشْرِفٍ وَقَطْعِ أُذُنَيْنِ وَصَمَمٍ وَهَرَمٍ وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَفَلْجٍ إلَخْ ثُمَّ قَالَ صَوْمُ شَهْرَيْنِ بِالْهِلَالِ مَنْوِيَّ التَّتَابُعِ وَالْكَفَّارَةِ وَتُمِّمَ الْأَوَّلُ إنْ انْكَسَرَ مِنْ الثَّالِثِ وَخَرَجَ بِالْحُرِّ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ إذْ لَا وَلَاءَ لَهُ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ وَخَرَجَ بِالْمَعْصُومِ مَنْ كَانَ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ كَالزِّنْدِيقِ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِمْ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَقَدْ خَرَجَ بِقَوْلِهِ مِثْلُهُ وَخَرَجَ بِالْخَطَأِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ بَلْ هِيَ مَنْدُوبَةٌ كَمَا يَأْتِي وَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ كَالزَّكَاةِ وَلَوْ أَعْسَرَ كُلٌّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ لِأَجْلِ أَنْ يَصُومَا وَقَوْلُهُ أَوْ شَرِيكًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشَارِكُ لِهَذَا الْمُكَلَّفِ صَغِيرًا أَوْ مُكَلَّفًا فَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ وَلَوْ لَمْ يَخُصَّهُ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا جُزْءٌ قَلِيلٌ لِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ وَهِيَ لَا تَتَبَعَّضُ (ص) لَا صَائِلًا وَقَاتِلَ نَفْسِهِ كَدِيَتِهِ (ش) أَيْ لَا كَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ صَائِلٍ وَهُوَ الْقَاصِدُ الْوُثُوبَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِهَذَا مَعَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ خَطَأً لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَتْلٌ يَكُونُ كَالْخَطَأِ وَهُوَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مَعْصُومًا وَكَذَلِكَ لَا كَفَّارَةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ خَطَأً وَأَوْلَى عَمْدًا لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ
[حاشية العدوي]
وَهَكَذَا وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ قَبِيلَةٌ قَبْلَهَا شَعْبٌ وَبَعْدَهُمَا ... عَمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تَلَاهُ فَخْذُ وَلَيْسَ يَأْوِي الْفَتَى إلَّا فَصِيلَتُهُ ... وَلَا سِدَادَ لِسَهْمٍ مَالَهُ قُذَذُ وَالْقُذَذُ بِضَمِّ الْقَافِ وَذَالَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ أَوَّلُهُمَا مَفْتُوحَةٌ الرِّيشُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي السَّهْمِ وَالشَّعَبُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَمَارَةُ بِالْفَتْحِ وَقَدْ تُكْسَرُ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ إخْوَةُ الْقَاتِلِ عَشِيرَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ فَصِيلَتُهُ وَافْهَمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ الْفَصِيلَةِ بِأَنْ قُدِّرَ أَنَّ أَوْلَادَ عَمِّ الْجَانِي سَبْعُمِائَةٍ أَوْ أَزْيَدُ مِنْ أَلْفٍ عَلَى الْخِلَافِ فَيُحْكَمُ بِأَنَّ الدِّيَةَ تُنْقَلُ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَهَذَا عِنْدَ فَقْدِ الْعَشِيرَةِ الَّتِي هِيَ الْإِخْوَةُ وَفَقْدِ بَنِيهِمْ وَالْأَوْلَادِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لِلْجَانِي أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَكَانُوا سَبْعَمِائَةٍ لَا يَعْدِلُ إلَى أَبْنَائِهِمْ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَوْلَادِ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ طَرِيقَةٌ يُعْرَفُ مِنْهَا تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْفَصِيلَةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ مَنْ هُمْ أَقْرَبُ مِنْهُمْ مَوْجُودًا فَيَرْجِعُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مِنْ قَوْلِهِ وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ إلَخْ فَيُقَدَّمُ الْأَخُ وَابْنُهُ عَلَى الْجَدِّ دِنْيَةً كَمَا فِي ك
(قَوْلُهُ عَلَى حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ) اُنْظُرْ وَجْهَ وُجُوبِهَا مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ خَطَأٌ وَفِي الْحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» أَيْ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِمَا وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِخَطَرِ الدِّمَاءِ (قَوْلُهُ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ إلَخْ) أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ الْقَتْلُ مِنْهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ وَقَوْلُهُ مُؤْمِنًا أَيْ وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ مَعْصُومٌ (قَوْلُهُ أَوْ شَرِيكًا) وَلَوْ تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَفَّارَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَقْتُولِينَ (قَوْلُهُ إذَا قَتَلَ مِثْلَهُ) أَيْ حُرًّا مُسْلِمًا فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ عَبْدٍ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ وَقَوْلُهُ مَعْصُومًا لَا صَائِلًا وَزَانِيًا مُحْصَنًا وَمُرْتَدًّا وَزِنْدِيقًا (قَوْلُهُ إذْ لَا وَلَاءَ لَهُ) ابْنُ مَرْزُوقٍ لَا يَخْفَى عَلَيْك ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ يَصِحُّ صَوْمُهُ فَقُصَارَى أَمْرِهِ أَنْ يَكُونَ كَمَنْ لَا يَجِدُ مَا يَعْتِقُ وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ فِي الظِّهَارِ لِوُجُودِ مِثْلِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ﴾ [النساء: 92] يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ فَتَخْصِيصُهُ بِالْحُرِّ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالنَّاسِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ يَشْمَلُ الْعَبِيدَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ وَمَتْبُوعِيهِ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ جَعَلَهُ وَجِيهًا غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ طَلَبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لَيْسَ كَطَلَبِهَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ إذْ لَا يَخْرُجُ عَنْ الظِّهَارِ بِدُونِهَا مَعَ كَوْنِ الظِّهَارِ مَعْصِيَةً مُرْتَكِبُهُ آثِمٌ فَتَأَكَّدَ أَمْرُهَا (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ) قَدْ يُقَالُ الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِالْخَطَأِ الْعَمْدُ) لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ عَمْدَ الصَّبِيُّ وَنَوْمَ امْرَأَةٍ عَلَى وَلَدِهَا فَقَتَلَتْهُ وَامْتِنَاعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ لَا لِقَصْدِ قَتْلِهِ حَتَّى مَاتَ وَسُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ يَدِهَا أَوْ يَدِ أَبِيهِ عَلَيْهِ خَطَأً فَقَتَلَهُ لَا خَطَأً لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ كَسُقُوطِ وَلَدٍ مِنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ سَقْيِهِ دَوَاءً فَمَاتَ فَهَدَرٌ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ) أَيْ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فِيهِ نَظَرٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ وُجُوبَ إخْرَاجِهَا عَلَى الْوَلِيِّ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَخِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ جَعْلُ اللَّهِ جِنَايَةَ مَا ذُكِرَ سَبَبًا فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَلِيِّ
مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْقَتْلِ فَإِذَا حَصَلَ الْقَتْلُ بَطَلَ الْخِطَابُ بِهَا كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ
(ص) وَنُدِبَتْ فِي جَنِينٍ وَرَقِيقٍ وَعَمْدٍ وَعَبْدٍ وَذِمِّيٍّ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مَنْدُوبَةٌ فِي قَتْلِ الْجَنِينِ وَفِي قَتْلِ الرَّقِيقِ الْجَارِي فِي مِلْكِ غَيْرِ الْقَاتِلِ وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ إمَّا لِكَوْنِهِ عُفِيَ عَنْهُ وَإِمَّا لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ وَأَمَّا إنْ قُتِلَ بِهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ وَكَذَلِكَ تُنْدَبُ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الرَّقِيقِ الْجَارِي فِي مِلْكِ الْقَاتِلِ وَكَذَلِكَ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ سَوَاءٌ وَقَعَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا
(ص) وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ حَبْسُ سَنَةٍ وَإِنْ بِقَتْلِ مَجُوسِيٍّ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ الْبَالِغَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ عَمْدًا وَلَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ أَوْ لَهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ عَامٍ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيبٍ أَيْ حَيْثُ عُفِيَ عَنْهُ أَوْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُقَامَ عَلَيْهِ لَوْثٌ بِالْقَتْلِ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ إذَا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعِي رَعْيًا لِلَّوْثِ فَقَوْلُهُ عَلَى ذِي اللَّوْثِ أَيْ عَلَى مَنْ قَامَ عَلَيْهِ لَوْثٌ وَالْوَاوُ فِي وَحَلِفِهِ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعِي مَعَ حَلِفِهِ أَيْ حَلِفِ ذِي اللَّوْثِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَوْلَى لَوْ نَكَلَ وَبِعِبَارَةٍ أَوْ نُكُولِ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى قَتْلِ أَيْ أَوْ كَانَ الْقَتْلُ الْمُدَّعَى بِهِ مُلْتَبِسًا بِنُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ مَعَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ الْيَمِينَ تَرُدُّ مِثْلَ مَا تَجُبُّ وَسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ الْحَلِفَ لِأَجْلِ كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الْمُبَالَغَةِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْلِفْ فَلَا يُتَوَهَّمُ هَذَا الْحُكْمُ فِيهِ
(ص) وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ (ش) الْقَسَامَةُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِسْلَامِ وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هُوَ قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ أَيْ فِي مَحَلِّ التَّلَطُّخِ أَيْ فِي الِاتِّهَامِ وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي فَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا فِي الْعَبْدِ وَلَا فِي الْكَافِرِ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَفَاهِيمُ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جَرْحِ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً إلَخْ (ص) كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً أَوْ مَسْخُوطًا عَلَى وَرِعٍ أَوْ وَلَدًا عَلَى وَالِدِهِ أَنَّهُ ذَبَحَهُ أَوْ زَوْجَةً عَلَى زَوْجِهَا (ش) هَذَا أَوَّلُ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَالِغَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ الذَّكَرَ أَوْ الْأُنْثَى إذَا قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَكُونُ لَوْثًا بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ وَأَنْ يَتَمَادَى عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ قَالَ بَلْ فُلَانٌ بَطَلَ الدَّمُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَائِلُ عَدْلًا أَوْ مَسْخُوطًا ادَّعَى عَلَى أَوْرَعِ أَهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ أَوْ زَوْجَةً ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَتَلَهَا أَوْ كَانَ الْقَائِلُ وَلَدًا ادَّعَى أَنَّ أَبَوْهُ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ جَوْفَهُ أَوْ قَصَدَ إزْهَاقَ رُوحِهِ وَأَمَّا لَوْ رَمَاهُ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ بَلْ يَحْلِفُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ مُغَلَّظَةً فِي مَالِ الْأَبِ وَاحْتُرِزَ بِبَالِغٍ مِنْ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَبِالْحُرِّ مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِغَيْرِهِ وَبِالْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ قَتَلَنِي فُلَانٌ لِيَشْمَلَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ الْبَالِغَ وَغَيْرَهُ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْعَدْلَ وَالْمَسْخُوطَ وَالْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ (ص)
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ كَمَا تَسْقُطُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ كَدِيَتِهِ رَاجِعٌ لِقَاتِلِ نَفْسِهِ وَأَمَّا الصَّائِلُ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ دِيَةٌ
(قَوْلُهُ الْمَشْهُورُ إلَخْ) أَمَّا الْجَنِينُ فَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْسٍ وَظَاهِرُ بَهْرَامَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ فِي الْعَمْدِ اتِّفَاقًا وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ فَجَعَلَهَا وَاجِبَةً فِي الْعَمْدِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ بَهْرَامَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَنِينِ فَقَطْ (قَوْلُهُ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ كَفَّارَةٌ أَيْ بَلْ يَجْزِمُ بِعَدَمِهَا فَلَيْسَتْ مَطْلُوبَةً أَصْلًا
(قَوْلُهُ أَوْ نُكُولِ إلَخْ) يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا وَجَبَتْ لَهُمْ الْقَسَامَةُ بِقِيَامِ اللَّوْثِ عَلَى الْقَاتِلِ فَيَنْكُلُوا عَنْهَا فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ) أَيْ الَّذِي هُوَ جَلْدُ مِائَةٍ أَيْ لَا يُتَوَهَّمُ أَيْ بَلْ يُجْزَمُ بِهِ وَالْأَوْضَحُ أَنْ لَوْ قَالَ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ أَيْ بَلْ يُجْزَمُ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ قَتْلُ الْحُرِّ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ قَتْلُ أَيْ دَعْوَى قَتْلٍ وَالْمُرَادُ بِالْقَتْلِ الْمَوْتُ النَّاشِئُ عَنْ فِعْلِ فَاعِلٍ مِنْ جَرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سُمٍّ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَحَلُّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ قَتَلَنِي فُلَانٌ مَعَ الْجُرْحِ (قَوْلُهُ كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ) أَيْ لَا صَبِيٌّ وَلَوْ مُرَاهِقًا وَشَرْطُ الْبَالِغِ الْعَقْلُ (قَوْلُهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ) أَتَى بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا حِينَ الْقَتْلِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حِينَ الْقَوْلِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ خَطَأً وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي مَالٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ أَوْ مَسْخُوطًا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَسْخُوطِ عَلَى الْعَدْلِ لِبُعْدِ دَعْوَاهُ وَالْمَسْخُوطُ هُوَ غَيْرُ مَرَضِيِّ الْحَالِ بَلْ وَلَوْ عَدُوًّا عَلَى عَدُوِّهِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْعَدَاوَةُ هُنَا تُؤَكِّدُ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْقَتْلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى (قَوْلُهُ أَوْ زَوْجَةً عَلَى زَوْجِهَا) مُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ مُزَيْنٍ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ضَرْبِهَا (قَوْلُهُ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ) وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ فِي الْجُرْحِ وَلَوْ قِيلَ لِلْمَجْرُوحِ مَنْ ضَرَبَك فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فُلَانٌ لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ عَلَى الشَّكِّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِغَيْرِهِ) الصَّوَابُ فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْمَسْخُوطِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ جِنْسِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَأَيْضًا قَدْ يُوجَدُ مَنْ يَعْدِلُ الْمَسْخُوطَ وَأَمَّا تَعْلِيلُ هَذَا الشَّارِحِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُرَّ إذَا قَالَ قَتَلَنِي خَطَأً يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِغَيْرِهِ
إنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ قَوْلَ الْمَقْتُولِ قَتَلَنِي فُلَانٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ جُرْحٌ وَأَثَرُ الضَّرْبِ وَنَحْوُهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْجُرْحِ وَهَذِهِ هِيَ التَّدْمِيَةُ الْحَمْرَاءُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ وَالْحُكْمُ قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَأَمَّا التَّدْمِيَةُ الْبَيْضَاءُ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِهَا (ص) أَوْ أَطْلَقَ وَبَيَّنُوا (ش) هَذَا دَاخِلٌ فِي الْمُبَالَغَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَأَطْلَقَ فِي كَلَامِهِ فَلَمْ يَقُلْ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهُ يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ وَيُقْسِمُونَ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْعَمْدِ قَتَلُوا وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْخَطَأِ أَخَذُوا الدِّيَةَ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَوَاوُ وَبَيَّنُوا وَاوُ الْحَالِ (ص) لَا خَالَفُوا (ش) يَعْنِي أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ إذَا خَالَفُوا قَوْلَهُ بِأَنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ عَمْدًا فَقَالُوا بَلْ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَبَطَلَ حَقُّهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى قَوْلِ الْمَيِّتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يُجَابُوا لِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ) فَقَوْلُهُ لَا خَالَفُوا مَعْطُوفٌ عَلَى أَطْلَقَ أَيْ وَلَا إنْ خَالَفُوا وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى بَيَّنُوا لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ لَا أَطْلَقَ وَخَالَفُوا مَعَ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ مَعَ الْإِطْلَاقِ (ص) وَلَا إنْ قَالَ بَعْضٌ عَمْدًا وَبَعْضٌ لَا نَعْلَمُ أَوْ نَكَلُوا (ش) تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا خَالَفُوا وَعَطَفَ هَذَا عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ قَتَلَهُ عَمْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَعْلَمُ هَلْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَالُوا كُلُّهُمْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَنَكَلُوا عَنْ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الدَّمَ يَبْطُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ وَلِيَّهُمْ قُتِلَ عَمْدًا فَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ وَلَا عَلَى قَاتِلٍ فَيُقْسِمُونَ عَلَيْهِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِمُجَرَّدِ نُكُولِهِمْ كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَنُكُولُ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَوْ بَعْدَ وَاوٍ مِنْ قَوْلِهِ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ (ص) بِخِلَافِ ذِي الْخَطَأِ فَلَهُ الْحَلِفُ وَأَخْذُ نَصِيبِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ مُدَّعِيَ الْخَطَأِ إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَقَالُوا لَا نَعْلَمُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَلِمُدَّعِي الْخَطَأِ الْحَلِفُ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ مَالٌ أَمْكَنَ تَوْزِيعُهُ بِخِلَافِ مُدَّعِي الْعَمْدِ فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قَالُوا كُلُّهُمْ خَطَأً وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبَهُ وَلَا شَيْءَ لِمَنْ نَكَلَ وَأَمَّا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ خَطَأً وَبَعْضُهُمْ عَمْدًا فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ
(ص) وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِمَا وَاسْتَوَوْا حَلَفَ كُلٌّ وَلِلْجَمِيعِ دِيَةُ الْخَطَأِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ بِأَنْ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ فَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ قَتَلَهُ خَطَأً وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ قَتَلَهُ عَمْدًا وَالْحَالُ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ كَانُوا بَنِينَ أَوْ إخْوَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَيْ مَنْ ادَّعَى الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ يَحْلِفُونَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ وَيُقْضَى لِلْجَمِيعِ بِدِيَةِ الْخَطَأِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا كَبِنْتٍ وَعَصَبَةٍ فَإِنْ ادَّعَى الْعَصَبَةُ الْعَمْدَ وَالْبِنْتُ الْخَطَأَ فَهُوَ هَدَرٌ وَلَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا فَذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ وَلَمْ يُثْبِتْ الْمَيِّتُ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَالدِّيَةُ وَلَمْ يَثْبُتُ أَنَّهُ خَطَأٌ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَيُحْرَزُ دَمُهُ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَإِنْ ادَّعَى الْعَصَبَةُ الْخَطَأَ وَالْبِنْتُ الْعَمْدَ تَحْلِفُ الْعَصَبَةُ وَيَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْبِنْتِ لِأَنَّهُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ إنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ (قَوْلُهُ التَّدْمِيَةُ الْحَمْرَاءُ) أَيْ الْمُصَاحِبَةُ لِلْجُرْحِ الْمُحْتَوِي عَلَى الدَّمِ الْأَحْمَرِ وَالتَّدْمِيَةُ هِيَ قَوْلُهُ قَتَلَنِي فُلَانٌ (قَوْلُهُ وَأَمَّا التَّدْمِيَةُ الْبَيْضَاءُ) أَيْ قَوْلُهُ قَتَلَنِي فُلَانٌ الْخَالِي عَنْ أَثَرِ جُرْحٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ شَرْطٌ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ فَحَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ) فِي شَرْحِ شب وَسَوَاءٌ أَطْلَقَ الْمَقْتُولُ أَوْ بَيَّنَ خِلَافًا لتت اهـ. أَقُولُ إنَّهُ إذَا بَيَّنَ وَثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِلْبُطْلَانِ (قَوْلُهُ وَوَاوُ وَبَيَّنُوا وَاوُ الْحَالِ) أَيْ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ مَعَ اخْتِلَافِ فَاعِلِهَا مِنْ فَاعِلِ صَاحِبِهَا وَهُوَ فَاعِلُ أَطْلَقَ كَمَا ارْتَضَاهُ الدَّمَامِينِيُّ رَدًّا عَلَى الْمُغْنِي وَإِنْ مَنَعَهُ الشُّمُنِّيُّ (قَوْلُهُ لَا خَالَفُوا) أَيْ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُرْجِعُوا الْقَوْلَ لِلْمَيِّتِ) وَكَذَا لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِمْ وَأَمَّا رُجُوعُهُ قَبْلَ مُخَالَفَتِهِمْ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الدَّمِ (قَوْلُهُ وَلَا إنْ قَالَ إلَخْ) هَذَا مَفْهُومُ وَبَيَّنُوا لِأَنَّ عَدَمَ الْبَيَانِ صَادِقٌ بِمَا ذَكَرَهُ هُنَا (قَوْلُهُ أَوْ قَالُوا كُلُّهُمْ قَتَلَهُ عَمْدًا) أَيْ بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا كُلُّهُمْ قَتَلَهُ خَطَأً وَنَكَلُوا (قَوْلُهُ وَلَا عَلَى قَاتِلٍ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ فَلَا مُنَاسَبَةَ لَهُ هُنَا (قَوْلُهُ وَمِنْ قَوْلِهِ وَاجْتُزِئَ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَنُكُولِ إلَخْ أَيْ وَكَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَاجْتُزِئَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَاصِلَهُ إنْ وُجِدَ اثْنَانِ طَاعَا يَحْصُلُ الِاجْتِزَاءُ فَمَفْهُومُهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ اثْنَانِ فَلَا اجْتِزَاءَ أَيْ وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الدَّمُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَالٌ أَمْكَنَ تَوْزِيعُهُ) وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قَالُوا كُلُّهُمْ: خَطَأٌ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ وَلَا شَيْءَ لِمَنْ نَكَلَ إلَى آخِرِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ الْأَوْلِيَاءِ الْخَطَأَ فَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَلَمْ تَحْلِفْ الْعَاقِلَةُ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَأَمَّا إنْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ فَهُوَ وَالنَّاكِلُ لَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ إنْ حَلَفَ الْعَاقِلَةُ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فَإِنْ نَكَلَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ عَنْ الْأَيْمَانِ فَلِمَنْ نَكَلَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ حِصَّتُهُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِمَّنْ نَكَلَ مِنْ الْعَاقِلَةِ
(قَوْلُهُ وَيَحْلِفُونَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ) وَيَحْلِفُ مُدَّعِي الْعَمْدِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ كَمُدَّعِي الْخَطَأِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ كَانَ مُدَّعِي الْعَمْدِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (قَوْلُهُ وَيُقْضَى لِلْجَمِيعِ بِدِيَةِ الْخَطَأِ إلَخْ) أَيْ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي (قَوْلُهُ فَإِنْ اخْتَلَفُوا) هَذَا مُحْتَرَزُ اسْتِوَائِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ أَيْ بِأَنْ كَانَ الْمَقْتُولُ تَرَكَ بَنَاتٍ وَأَعْمَامًا مَثَلًا أَيْ لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ فَذَلِكَ لِلْعَصَبَةِ) أَيْ فَذَلِكَ الْعَمْدُ لِلْعَصَبَةِ أَيْ فَأَمْرُهُ لِلْعَصَبَةِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ خَطَأٌ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُثْبِتْ كَوْنَهُ عَمْدًا وَلَمْ يُثْبِتْ كَوْنَهُ خَطَأً أَيْ لَمْ يَدَّعِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَتْ الْعَصَبَةُ الْخَطَأَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ وَهُوَ عَدَمُ الثُّبُوتِ أَيْ عَدَمُ ادِّعَاءِ الْمَيِّتِ جَارٍ أَيْضًا فِي تِلْكَ
لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً وَتَثْنِيَةُ الْمُؤَلِّفِ الضَّمِيرَ أَوَّلًا وَجَمْعُهُ ثَانِيًا تَفَنُّنٌ أَيْ وَإِنْ اخْتَلَفَا أَيْ الصِّنْفَانِ وَاسْتَوَوْا أَيْ الْمُخَالِفُونَ
(ص) وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ بِنُكُولِ غَيْرِهِمْ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ قَتَلَهُ عَمْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ قَتَلَهُ خَطَأً وَنَكَلَ مُدَّعُو الْخَطَأِ عَنْ الْحَلِفِ فَإِنَّ حَقَّ مُدَّعِي الْعَمْدِ يَبْطُلُ وَلَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ الدِّيَةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ لِمُدَّعِي الْخَطَأِ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى الْعَمْدَ إنَّمَا يَدَّعِي الدَّمَ وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُ مُدَّعِي الْخَطَأِ فَلِمُدَّعِي الْعَمْدِ أَنْ يَدْخُلَ فِي حِصَّةِ مَنْ حَلَفَ وَيَبْطُلُ حَقُّهُمْ فِي حِصَّةِ مَنْ نَكَلَ فَقَوْلُهُ وَبَطَلَ إلَخْ أَيْ وَلَا دُخُولَ لَهُمْ فِي حِصَّةِ مَنْ نَكَلَ فَإِنْ نَكَلَ الْجَمِيعُ فَلَا دُخُولَ لَهُمْ وَإِنْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ بَطَلَ حَقُّهُمْ فِي حِصَّةِ مَنْ نَكَلَ وَدَخَلُوا فِي حِصَّةِ مَنْ حَلَفَ
(ص) وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا (ش) هَذَا هُوَ الْمِثَالُ الثَّانِي مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ عَلَى مُعَايَنَةِ الضَّرْبِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَهُوَ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا يُقْسِمُ مَعَهُ الْأَوْلِيَاءُ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ فَقَوْلُهُ وَكَشَاهِدَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلَى كَأَنْ يَقُولَ وَقَوْلُهُ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَيْ بِجُرْحِ أَوْ ضَرْبِ حُرٍّ مُسْلِمٍ (ص) أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ (ش) يَعْنِي وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا ضَرَبَهُ أَوْ جَرَحَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا يُقْسِمُ أَوْلِيَاؤُهُ مَعَ ذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ وَهَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى جُرْحٍ أَيْ وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إقْرَارِ الْمَقْتُولِ وَهُوَ وَاضِحٌ قَوْلُهُ الْمَقْتُولِ أَيْ مَنْ يَصِيرُ مَقْتُولًا (ص) ثُمَّ يَتَأَخَّرُ الْمَوْتُ يُقْسِمُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ (ش) رَجَعَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِلْأَرْبَعِ مَسَائِلَ الَّتِي قَبْلَهُ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَمَانِيَةٌ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إمَّا أَنْ يَشْهَدَا بِمُعَايَنَةِ الْجُرْحِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِمُعَايَنَةِ الضَّرْبِ كَذَلِكَ أَوْ يَشْهَدَا بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِالْجُرْحِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِالضَّرْبِ كَذَلِكَ وَالصَّوَابُ رُجُوعُهُ لِمَسْأَلَتَيْ الْجُرْحِ وَالضَّرْبِ لَا لِمَسْأَلَتَيْ الْإِقْرَارِ بِهِ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَشْهَدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْمَوْتُ أَوْ لَا فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتَيْ الْجُرْحِ وَالضَّرْبِ إذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ الْمَوْتُ فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ أَوْ الدِّيَةَ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ قَوْلُهُ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ أَيْ يُقْسِمُونَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بِتَقْدِيمِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ أَوْ يَقُولُونَ إنَّمَا مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا أَيْ يُقْسِمُونَ لَمِنْ ضَرْبِهِ أَوْ جَرْحِهِ مَاتَ أَوْ إنَّمَا مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ أَوْ جَرْحِهِ وَقَوْلُهُ يُقْسِمُ إلَخْ هَذَا مَعَ الشَّاهِدَيْنِ وَأَمَّا مَعَ الشَّاهِدِ فَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَخَّرَ قَوْلَهُ كَشَاهِدٍ بِذَلِكَ عَنْهُ وَكَلَامُهُ فِي أَنَّهُ لَوْثٌ وَالْحَلِفُ وَعَدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ وَالْمَذْهَبُ فِيهِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا يَأْتِي نَصُّهُ وَأَمَّا الْمِثَالُ الْأَوَّلُ فَيَحْلِفُونَ لَقَدْ قَتَلَهُ خَاصَّةً وَبِعِبَارَةٍ يُقْسِمُ إلَخْ صِفَةٌ لِلْيَمِينِ فِيمَا بَعْدَ الْكَافِ وَأَمَّا صِفَتُهَا مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَرْحِ فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْهُ وَأَمَّا عَلَى الْقَتْلِ
[حاشية العدوي]
الْحَالَةِ وَهِيَ دَعْوَى الْعَصَبَةِ الْخَطَأَ فَانْظُرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْمَيِّتُ وَقَالُوا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُمْ الْحَلِفُ مَعَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُثْبِتْ لَهُمْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَبَطَلَ حَقُّ ذِي الْعَمْدِ) وَتُرَدُّ أَيْمَانُ مَنْ نَكَلَ وَهُوَ مُدَّعِي الْخَطَأِ فَقَطْ لَا مُدَّعِي الْعَمْدِ فَلَا تُرَدُّ أَيْمَانُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْكُلْ (قَوْلُهُ فَلِمُدَّعِي الْعَمْدِ أَنْ يَدْخُلَ إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُدَّعِي الْخَطَأِ اثْنَيْنِ مَثَلًا وَمُدَّعِي الْعَمْدِ اثْنَيْنِ فَإِنْ نَكَلَ الِاثْنَانِ اللَّذَانِ ادَّعَيَا الْخَطَأَ فَلَا شَيْءَ لِمُدَّعِي الْعَمْدِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الثَّانِي الْحَلِفَ فَيَحْلِفُ مَعَهُ مُدَّعِي الْعَمْدِ وَيُشَارِكُونَهُ فِي نِصْفِ الدِّيَةِ الَّذِي حَلَفَ مِمَّنْ يَدَّعِي الْخَطَأَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا النِّصْفَ (وَقَوْلُهُ وَيَبْطُلُ حَقُّهُمْ فِي حِصَّةِ مَنْ نَكَلَ) أَيْ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا أَنْ لَوْ حَلَفَ وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ النُّكُولِ لَا حِصَّةَ لَهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ نَكَلَ الْجَمِيعُ إلَخْ) هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ بِجَرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ) أَيْ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَيْ عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَثَرٌ وَقَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَانَ يَقُولُ أَيْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ أَيْ كَقَوْلِ بَالِغٍ وَكَشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ هُوَ قَوْلُ الْمَقْتُولِ وَالشَّهَادَةُ لَا الشَّاهِدَانِ (قَوْلُهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا) أَيْ وَأَثَرُهُ مَوْجُودٌ وَإِلَّا لَمْ يُعْمَلْ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى إقْرَارِهِ فَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ كَأَنْ يَقُولَ بَالِغٌ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْقَتْلِ إلَخْ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ إنْ قِيلَ لِمَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ مُطْلَقًا وَهُنَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُبَيِّنُهُ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَتَرَكَ قَوْلَهُ مُطْلَقًا كَفَاهُ (قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ) وَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَايِنَا جَرْحًا وَلَا ضَرْبًا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَمْرُهُ ضَعِيفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ مُطْلَقًا تَأَخَّرَ مَوْتُهُ أَمْ لَا وَقَوْلُهُ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتَيْ الْجَرْحِ وَالضَّرْبِ أَيْ مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ فِي أَنَّهُ لَوْثٌ) أَيْ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَوْثٌ (قَوْلُهُ وَالْحَلِفُ وَعَدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي لَهُ مِنْ أَنَّ اللَّوْثَ لَيْسَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْلِ وَحَلَفَ الْوُلَاةُ مَعَ الشَّاهِدِ الْمَذْكُورِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَقَدْ ضَرَبَهُ وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَكْمِلَةُ النِّصَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا إلَخْ وَقَوْلُهُ وَالْحَلِفُ إلَخْ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْحَلِفِ وَعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ الْآتِيَ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ لَكِنْ هَلْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمُكَمِّلَةَ لِلنِّصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَحْلِفُهَا مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ (قَوْلُهُ وَالْمَذْهَبُ فِيهِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ) مِنْ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمُكَمِّلَةَ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ (قَوْلُهُ يَحْلِفُونَ لَقَدْ قَتَلَهُ خَاصَّةً) أَيْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى زِيَادَةٍ وَلَقَدْ مَاتَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجُرْحِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جُرْحِهِ مَاتَ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَقَدْ قَتَلَهُ لَقَدْ أَمَاتَهُ (قَوْلُهُ لَقَدْ جَرَحَهُ) فَتَكُونُ هَذِهِ الْيَمِينُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ
فَيَحْلِفُونَ لَقَدْ قَتَلَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَوْ نَصُّهُ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ عَلَى الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ عَنْهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ يَعْنِي حَيْثُ قَالَ فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَحْلِفُونَ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جَرْحِهِ وَلَا يَحْلِفُونَ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا لَقَدْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجَرْحِ وَأَمَّا مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ فَيَحْلِفُونَ لَقَدْ قَتَلَهُ خَاصَّةً
(ص) أَوْ بِشَاهِدٍ بِذَلِكَ مُطْلَقًا (ش) هَذَا هُوَ الْمِثَالُ الثَّالِثُ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وَفِيهِ مَسَائِلُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ إذَا شَهِدَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَهُوَ مُرَادُهُ بِالْإِطْلَاقِ وَحَلَفَ الْوُلَاةُ مَعَ الشَّاهِدِ الْمَذْكُورِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَقَدْ ضَرَبَهُ وَهَذِهِ الْيَمِينُ مُكَمِّلَةٌ لِلنِّصَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا تُقْسِمُ الْوُلَاةُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ وَسَيَأْتِي مَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِالضَّرْبِ وَالْجَرْحِ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا (ص) إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ (ش) هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْقَسَامَةِ أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيًّا وَلَا قَسَامَةَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَمْكِينُ الْأَوْلِيَاءِ حِينَئِذٍ مِنْ الْقَسَامَةِ يَسْتَلْزِمُ قَتْلَ الْجَانِي وَيَسْتَلْزِمُ تَزْوِيجَ امْرَأَةِ الْمَقْتُولِ وَقَسْمَ مَالِهِ بِشَاهِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَبِعِبَارَةٍ الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِهَذِهِ وَأَمَّا الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ وَكَشَاهِدَيْنِ بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ مُطْلَقًا إلَخْ فَالْمُؤَلِّفُ ذَكَرَ فِيهَا ثُبُوتَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ قَالَ ثَمَّ بِتَأَخُّرِ الْمَوْتِ وَمَعْرِفَةُ تَأَخُّرِ الْمَوْتِ فَرْعُ ثُبُوتِهِ وَبِهَذَا يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ ابْنِ غَازِيٍّ
(ص) أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْتُولِ عَمْدًا (ش) أَيْ وَكَذَلِكَ تَكُونُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَوْثًا بَعْدَ حَلِفِ الْوُلَاةِ يَمِينًا وَاحِدَةً مُكَمِّلَةً لِلنِّصَابِ كَمَا مَرَّ ثُمَّ تَحْلِفُ الْوُلَاةُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ وَيَفْتَرِقُ هَذَا الْمِثَالُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي هَذَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِ جَرَحَنِي فُلَانٌ خَطَأً وَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِي الْخَطَأِ تَأَمَّلْ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ قَتَلَنِي فُلَانٌ فَنَصُّ الرِّوَايَةِ فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْخَطَأِ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالشَّاهِدُ لَا يَنْقُلُ عَنْهُ إلَّا اثْنَانِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ إنَّمَا يَطْلُبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ (ص) كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا (ش) مَوْضُوعُ هَذَا الْفَرْعِ أَنَّ الْمَقْتُولَ
[حاشية العدوي]
وَأَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فَقَوْلُهُ لَقَدْ جَرَحَهُ نَاظِرٌ لِلْيَمِينِ الْمُكَمِّلَةِ لِلنِّصَابِ وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ مَاتَ إشَارَةٌ لِيَمِينِ الْقَسَامَةِ وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ هَلْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمُكَمِّلَةَ لِلنِّصَابِ أَوَّلًا ثُمَّ يَحْلِفُ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَحْلِفُهَا مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ (قَوْلُهُ رَسْمِ الْمُكَاتَبِ) أَيْ فَصْلِ الْمُكَاتَبِ وَقَوْلُهُ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى أَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ (قَوْلُهُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ وَالْمُعْتَمَدُ وُجُودُ الْقَسَامَةِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ) أَيْ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ هِيَ عَيْنُ قَوْلِهِ سَابِقًا وَأَمَّا عَلَى الْقَتْلِ أَيْ وَأَمَّا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقَتْلِ وَهَذِهِ يُفِيدُهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمِثَالِ الثَّالِثِ أَنَّهَا أَرْبَعُ صُوَرٍ وَكُلُّهَا فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْأُولَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي أَنَّهَا لَوْثٌ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ وَفِي هَذِهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا كَانَ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَوْثًا وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَا يَكُونُ لَوْثًا إلَّا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَانِ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَشْهَدَ الْوَاحِدُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَيَشْهَدَ مَعَهُ شَاهِدَانِ أَيْضًا عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فَاجْتَمَعَ شَهَادَةٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ مِنْ الْوَاحِدِ وَشَهَادَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ مِنْ اثْنَيْنِ الرَّابِعَةُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَفِي هَذِهِ تَارَةً يُقِرُّ الْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ فَيَكُونُ لَوْثًا وَأَمَّا إنْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنْ أَنْكَرَ لَوْثٌ أَيْضًا وَلَكِنْ الْمُصَنِّفُ جَعَلَ هَذَا الْمِثَالَ الرَّابِعَ لِلَّوْثِ
(قَوْلُهُ وَحَلَفَ الْوُلَاةُ مَعَ الشَّاهِدِ يَمِينًا وَاحِدَةً) لَعَلَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ مِنْ الْوُلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهَذَا يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ ابْنِ غَازِيٍّ) عِبَارَةُ ابْنِ غَازِيٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يُشْعِرُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِالْجَرْحِ أَوْ بِالضَّرْبِ وَلَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى صِحَّةِ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَضْرُوبِ لَاتُّفِقَ عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الشُّيُوخِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ وَفَاةُ الْمَجْرُوحِ فَتَمْكِينُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْقَسَامَةِ حِينَئِذٍ مُسْتَلْزِمٌ لِقَتْلِ الْجَانِي وَتَزْوِيجِ امْرَأَةِ الْمَقْتُولِ وَقَسْمِ مَالِهِ بِشَاهِدٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ عَلَى الْجَرْحِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ
(قَوْلُهُ أَوْ بِإِقْرَارٍ إلَخْ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ بَالِغًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُوحُ بَالِغًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْحِلِّ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ وَأَمَّا لَوْ قَالَ قَتَلَنِي فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ سَوَاءٌ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى قَوْلِهِ قَتَلَنِي وَاشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْعَمْدَ أَوْ الْخَطَأَ وَأَمَّا الْجَرْحُ فَهُوَ يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ حَيْثُ كَانَ خَطَأً لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ (قَوْلُهُ إنَّمَا يَطْلُبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِنَفْسِهِ) أَيْ فَلَمْ يَكُنْ شَاهِدًا عَلَى الْعَاقِلَةِ (قَوْلُهُ كَإِقْرَارِهِ إلَخْ) قَالَ عج فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَتْلِ حَيْثُ يَثْبُتُ لَوْثٌ وَثُبُوتُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَإِذَا كَانَ هَذَا لَوْثًا فَأَوْلَى إذَا انْضَمَّ لَهُ شَاهِدٌ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ قُلْت إنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ
قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عَدْلَانِ وَشَهِدَ مَعَ هَذَا الْإِقْرَارِ شَاهِدٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا تَحْلِفُ الْوُلَاةُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ أَوْ مَا قَرَّرْنَا بِهِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إثْبَاتُ أَنَّهُ لَوْثٌ وَفِيمَا سَيَأْتِي الْمَقْصُودُ أَنَّ تَعَدُّدَ اللَّوْثِ لَا يُغْنِي عَنْ وُجُوبِ الْقَسَامَةِ
(ص) أَوْ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فِي الْخَطَأِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ (ش) مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاتِلَ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ خَطَأً وَشَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ خَطَأً فَالْبَاءُ فِي بِشَاهِدٍ بِمَعْنَى مَعَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ غَيْرُ إقْرَارِ الْقَاتِلِ فَقَطْ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ مُطْلَقًا بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَبْطُلُ وَتَارَةً يَكُونُ لَوْثًا كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِشَاهِدٍ عَلَى مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَصْوِيبِ ابْنِ غَازِيٍّ
(ص) وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ (ش) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِلْقَتْلِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا إنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِخَشَبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَتْلَ يَسْقُطُ لِتَنَاقُضِ الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ أَنْ يُبَيِّنُوا صِفَةَ الْقَتْلِ لَكِنْ لَوْ بَيَّنُوهَا وَاخْتَلَفُوا فِيهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ
(ص) وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ (ش) هَذَا هُوَ الْمِثَالُ الرَّابِعُ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَدْلٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ مِنْ غَيْرِ إقْرَارِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لَوْثًا وَإِنَّمَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ إلَخْ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ كَإِقْرَارِهِ مَعَ شَاهِدٍ مُطْلَقًا فَإِنَّ مَوْضُوعَهَا أَنَّهُ قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَمَفْهُومُ الْعَدْلِ أَنَّ شَهَادَةَ غَيْرِهِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ لَا تَكُونُ لَوْثًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْقَتْلُ يَشْمَلُ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ وَالْمَرْأَتَانِ كَالْعَدْلِ فِي هَذَا وَفِي سَائِرِ مَا قُلْنَا أَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ فِيهِ لَوْثٌ
(ص) أَوْ يَرَاهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمَ قُرْبُهُ وَعَلَيْهِ آثَارُهُ (ش) هَذَا هُوَ الْمِثَالُ الْخَامِسُ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَدْلَ إذَا رَأَى الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ أَيْ يَضْطَرِبُ فِيهِ وَالشَّخْصُ الْمُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ قَرِيبٌ مِنْ مَكَانِ الْمَقْتُولِ وَعَلَى الْمُتَّهَمِ آثَارُ الْقَتْلِ بِأَنْ كَانَتْ الْآلَةُ بِيَدِهِ وَهِيَ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ أَوْ خَارِجًا مِنْ مَكَانِ الْمَقْتُولِ وَلَا وَجَدَ فِيهِ غَيْرَهُ وَشَهِدَ الْعَدْلُ بِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا يَحْلِفُ الْوُلَاةُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ فَقَوْلُهُ قُرْبَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَقَوْلُهُ أَوْ يَرَاهُ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى مُعَايَنَةِ وَيُقَدَّرُ أَنَّ فِي الْمَعْطُوفِ مِنْ عَطْفِ مَصْدَرٍ مُؤَوَّلٍ عَلَى مَصْدَرٍ صَرِيحٍ وَيَرَاهُ بَصَرِيَّةٌ وَلِذَا تَعَدَّتْ لِمَفْعُولٍ وَجُمْلَةُ يَتَشَحَّطُ حَالٌ مِنْ الْمَقْتُولِ وَفِي مِنْ قَوْلِهِ فِي دَمِهِ بِمَعْنَى عَلَى
(ص) وَوَجَبَتْ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْعَدْلُ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَقَالَ الْمَقْتُولُ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ عَدْلَانِ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ إذَا أَرَادَ الْأَوْلِيَاءُ الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَيْمَانِ أَمَّا إنْ أَرَادُوا التَّرْكَ فَلَا يُكَلَّفُونَ الْأَيْمَانَ
(ص) وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودُهُ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ (ش) يَعْنِي أَنَّ وُجُودَ الْمَقْتُولِ فِي دَارِ قَوْمٍ أَوْ فِي أَرْضِ قَوْمٍ لَا يَكُونُ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَعَلَّلَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ بِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِذَلِكَ لَمْ يَشَأْ رَجُلٌ أَنْ يُلَطِّخَ قَوْمًا بِذَلِكَ إلَّا فَعَلَ وَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ كَانَ يُخَالِطُهُمْ فِي الْقَرْيَةِ غَيْرُهُمْ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَضِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ حَيْثُ جَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ الْقَسَامَةَ لِابْنَيْ عَمِّهِ لِأَنَّ خَيْبَرَ مَا كَانَ يُخَالِطُ الْيَهُودَ فِيهَا غَيْرُهُمْ
(ص) وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ اُسْتُحْلِفَ كُلٌّ خَمْسِينَ يَمِينًا وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ نَكَلَ بِلَا قَسَامَةٍ (ش) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمْ أَنْ
[حاشية العدوي]
أَنَّ الْقَتْلَ هُنَا أَوْ أَخْذَ الدِّيَةِ لَا يَحْتَاجُ لِقَسَامَةٍ
(قَوْلُهُ وَيَشْهَدُ شَاهِدٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مُقِرًّا فَلَا حَاجَةَ لِلشَّاهِدِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اُشْتُرِطَ الشَّاهِدُ مَعَ إقْرَارِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لَوْثًا وَتُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهُ وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ فَمُحَصِّلُهُ اشْتِرَاطُ مُقَارَنَةِ الشَّاهِدِ لِأَجْلِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْإِقْرَارُ فَلَا يَكُونُ لَوْثًا وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَنَّهُ تَارَةً إلَخْ) الَّذِي مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يُتَّهَمُ عَلَى إغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ أَوْ لَا يُتَّهَمُ فَالْأَوَّلُ لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَالثَّانِي تَحْمِلُهُ وَلَكِنْ الْمُعْتَمَدُ خِلَافُ هَذَا التَّفْصِيلِ وَأَنَّ إقْرَارَ الْقَاتِلِ لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مُطْلَقًا كَانَ مَأْمُونًا ثِقَةً أَمْ لَا أَقْسَمُوا أَمْ لَا (قَوْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَصْوِيبِ ابْنِ غَازِيٍّ إلَخْ) نَصُّ ابْنِ غَازِيٍّ أَوْ إقْرَارُ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ فَقَطْ بِشَاهِدٍ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي الْعَمْدِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا الْخَطَأُ فَخَطَأٌ صُرَاحٌ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ إقْرَارَ الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ خَطَأٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ غَازِيٍّ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ بِشَاهِدٍ الْبَاءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ وَالرَّدُّ عَلَيْهِ بِجَعْلِهَا بِمَعْنَى مَعَ
(قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَ شَاهِدَاهُ بَطَلَ) أَيْ بَطَلَ الْحَقُّ فِي الْقَسَامَةِ أَوْ بَطَلَ اللَّوْثُ وَإِذَا بَطَلَ اللَّوْثُ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ
(قَوْلُهُ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ) فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ لَا يَكُونُ لَوْثًا وَهُوَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَالْمُتَّهَمُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْمُتَّهَمِ مَنْ يَتَّهِمُهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِأَنْ يَقُولُوا هَذَا قَتَلَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ أَيْ يُشَارُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ آثَارُهُ) الْجَمْعُ لَيْسَ بِشَرْطٍ (قَوْلُهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ) أَيْ وَهُوَ الْخَبَرُ وَالتَّقْدِيرُ كَائِنٌ قُرْبَهُ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ آثَارُهُ جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ) إنْ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ لَا لِرَدِّ قَوْلٍ
(قَوْلُهُ قَضِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْن سَهْلٍ) فَإِنَّهُ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي خَيْبَرَ وَلَيْسَتْ دَارَ أَهْلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ الْقَسَامَةَ (قَوْلُهُ لِابْنَيْ عَمِّهِ) أَيْ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ
(قَوْلُهُ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ)
يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ يَمِينَ الدَّمِ لَا تَكُونُ إلَّا خَمْسِينَ وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ شَخْصٍ بِمُفْرَدِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْحَلِفِ تَلْزَمُهُمْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا نَكَلُوا كُلُّهُمْ فَلَوْ حَلَفَ الْبَعْضُ وَنَكَلَ الْبَعْضُ فَمَنْ حَلَفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ نَكَلَ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الدِّيَةَ كَامِلَةً مِنْ مَالِهِ بِلَا قَسَامَةٍ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِالْقَتْلِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَيْ فِي أَمْوَالِهِمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَمْدٌ فَلَوْ كَانَ خَطَأً كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ إنْ حَلَفُوا أَوْ نَكَلُوا أَوْ إنْ حَلَفَ بَعْضٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ نَكَلَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضٌ وَمَفْهُومُ اثْنَانِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُقْسِمُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ قَتَلَهُ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْقَسَامَةُ عَلَى وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَتْلِ
(ص) وَإِنْ انْفَصَلَتْ بُغَاةٌ عَنْ قَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ لَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ أَوْ عَنْ شَاهِدٍ فَقَطْ تَأْوِيلَاتٌ (ش) الْمُرَادُ بِالْبَغْيِ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ أَوْ غَارَةٍ فَيَخْرُجُ قِتَالُ الْكُفَّارِ وَالْمُحَارِبِينَ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ انْفَصَلَتْ الْبُغَاةُ عَنْ الْقَتْلَى وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فَهَلْ يَكُونُ الْمَقْتُولُ هَدَرًا وَلَا قَسَامَةَ وَلَا قَوَدَ سَوَاءٌ ادَّعَى الْمَقْتُولُ أَنَّ دَمَهُ عِنْدَ أَحَدٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ أَمْ لَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ مَحَلُّ عَدَمِ الْقَسَامَةِ وَالْقَوَدِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ تَدْمِيَةٌ وَلَا شَاهِدٌ وَعَلَيْهِ لَوْ كَانَ هُنَاكَ تَدْمِيَةٌ أَيْ بِأَنْ قَالَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ فَالْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ ثَابِتَانِ وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ أَوْ مَحَلُّ عَدَمِ الْقَسَامَةِ وَالْقَوَدِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ تَدْمِيَةٌ إذَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ شَاهِدٌ لَوَجَبَتْ الْقَسَامَةُ وَالْقَوَدُ وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ الْمُدَوَّنَةَ فَهِيَ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ بِبَيِّنَةٍ لَاقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ (ص) وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبُغَاةَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُمْ لَوْ كَانَ قِتَالُهُمْ بِتَأْوِيلٍ مِنْهُمْ فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ يَكُونُ هَدَرًا كَدِمَاءِ زَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ فَإِنَّ دِمَاءَ الزَّاحِفَةِ هَدَرٌ بِخِلَافِ دِمَاءِ الدَّافِعَةِ فَلَيْسَ بِهَدَرٍ بَلْ فِيهِ الْقِصَاصُ وَالْمُرَادُ بِالتَّأْوِيلِ هُنَا الشُّبْهَةُ أَيْ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ شُبْهَةٌ يُعْذَرُ بِهَا بِأَنْ ظَنَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَنَّهَا يَجُوزُ لَهَا قِتَالُ الْأُخْرَى لِكَوْنِهَا أَخَذَتْ مَالَهَا وَأَوْلَادَهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَا التَّأْوِيلُ بِاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ خِلَافًا لتت
(ص) وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً بَتًّا وَإِنْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا (ش) لَمَّا قَدَّمَ سَبَبَ الْقَسَامَةِ ذَكَرَ تَفْسِيرَهَا بِأَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً لِأَنَّهَا أَرْهَبُ وَأَوْقَعُ فِي النَّفْسِ وَتَكُونُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَحْلِفُ أَعْمَى أَوْ كَانَ غَائِبًا حَالَ الْقَتْلِ إذْ الْعَمَى وَالْغَيْبَةُ لَا يَمْنَعَانِ مِنْ تَحْصِيلِ أَسْبَابِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ
[حاشية العدوي]
أَيْ مَحْصُورِينَ حَتَّى يَتَأَتَّى اسْتِحْلَافُ كُلٍّ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِلَّا فَهَدَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ فِيمَنْ هَرَبَ
(قَوْلُهُ عَنْ قَتْلَى) أَيْ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالْبَغْيِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبُغَاةِ هُنَا مَنْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَوْ كَانُوا مُلْتَزِمِينَ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ قُرَى مِصْرَ (قَوْلُهُ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ) أَيْ أَنَّ الْقِتَالَ إمَّا لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ لِأَجْلِ غَارَةٍ أَيْ غَارَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْغَارَةَ تَسْتَلْزِمُ الْعَدَاوَةَ وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ الْبُغَاةِ) وَأَمَّا مِنْ الْبُغَاةِ فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ مِنْ طَائِفَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ لِحُصُولِ الْبَغْيِ (تَنْبِيهٌ) : قَالَ اللَّقَانِيِّ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ اُقْتُصَّ مِنْ كُلٍّ لِلْأُخْرَى إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ اهـ. وَقَرَّرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَقَالَ كَانَ الْقِيَاسُ قَتْلَ الْجَمِيعِ فِي إحْدَاهُمَا بِقَتْلِ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ لَكِنْ لَمْ يُنْظَرْ لِذَلِكَ هُنَا كَمَا حَكَمَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) قَالَ مُحَشِّي تت قَوْلُهُ أَوْ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ تَدْمِيَةٍ وَشَاهِدٍ رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ الْأَخَوَانِ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِ فَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ تَأَوَّلُوا فَهَدَرٌ) أَيْ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَأَوِّلًا فَالدَّمُ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا هَدَرٌ وَأَمَّا إذَا تَأَوَّلَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَإِنَّ دَمَ الْمُتَأَوِّلَةِ قِصَاصٌ وَدَمَ الْأُخْرَى هَدَرٌ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ فَالزَّاحِفَةُ غَيْرُ مُتَأَوِّلَةٍ وَالدَّافِعَةُ مُتَأَوِّلَةٌ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ أَوْ دَفْعُهُمْ بِالْمُنَاشَدَةِ وَإِلَّا فَلَا قِصَاصَ فِي الدَّافِعَةِ أَيْضًا وَتَلَخَّصَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ لَا يَتَأَوَّلَانِ أَوْ يَتَأَوَّلَانِ أَوْ تَتَأَوَّلُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى (فَائِدَةٌ) كَانَ الْقِصَاصُ مُتَعَيِّنًا فِي زَمَنِ مُوسَى وَالدِّيَةُ مُتَعَيِّنَةً فِي زَمَنِ عِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِي شَرِيعَتِنَا شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُوزُ الْأَمْرَانِ عَلَى تَفْصِيلِهِ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ
(قَوْلُهُ مُتَوَالِيَةً) إلَّا أَنَّهُ فِي الْعَمْدِ يَحْلِفُ هَذَا يَمِينًا وَهَذَا يَمِينًا حَتَّى تَتِمُّ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْلِفُ جَمِيعَ مَا يَنْوِيهِ عَلَى حِدَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَصْحَابُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَنَّ الْعَمْدَ إذَا نَكَلَ وَاحِدٌ يَبْطُلُ الدَّمُ وَأَمَّا الْخَطَأُ إذَا نَكَلَ وَاحِدٌ لَا يَبْطُلُ عَلَى أَصْحَابِهِ أَفَادَهُ عج (قَوْلُهُ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) بِأَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَتَلَهُ غَيْرَك بَلْ يَقُولُ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَنَّك قَتَلْته وَصِفَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ) أَيْ يَحْصُلُ بِسَمَاعِ الْخَبَرِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ عَلَى حِدَتِهِ وَبِالسَّمَاعِ عَلَى حِدَتِهِ
عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ أَوْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالتَّحْدِيدُ بِالْخَمْسِينَ تَعَبُّدٌ فَالْقَسَامَةُ نَفْسُ الْأَيْمَانِ لَا الْحَلِفِ وَلَا الْقَوْمِ الْحَالِفُونَ فَالْمُؤَلِّفُ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ (ص) يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا أَوْ امْرَأَةً (ش) اعْلَمْ أَنَّ الْقَسَامَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ مُقَاسَةٌ عَلَى الْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ فَيَحْلِفُهَا فِي الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَتَوَزُّعُ هَذِهِ الْأَيْمَانُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهَا سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَطَأِ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا وَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنْ الدِّيَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْلِفُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَأْخُذُ حَظَّهُ مِنْ الدِّيَةِ وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الْجَانِي مِنْ الدِّيَةِ لِتَعَذُّرِ الْحَلِفِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
(ص) وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ (ش) يَعْنِي أَنَّ كَسْرَ الْيَمِينِ يَكْمُلُ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكُسُورِ وَلَوْ أَقَلُّهُمْ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِهِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ عَلَى الِابْنِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَمِينًا وَثُلُثٌ وَعَلَى الْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى الْبِنْتِ لِأَنَّ كَسْرِ يَمِينِهَا أَكْثَرُ مِنْ كَسْرِ يَمِينِ الِابْنِ وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ أَقَلَّ نَصِيبًا فَتَحْلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا فَلَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ عَلَى كُلٍّ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَتَكْمُلُ عَلَى كُلٍّ فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ فَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا تَنْكَسِرُ بِتَفَاوُتٍ بَلْ بِتَسَاوٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمِيعِ تَتْمِيمُ كَسْرِهِ فَقَوْلُهُ وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَسْرٌ وَإِلَّا فَتَزِيدُ
(ص) وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ إذَا غَابَ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّ غَيْرَهُ يَحْلِفُ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالدِّيَةِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّمِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ جَمِيعِ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ثُمَّ إذَا حَضَرَ مَنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ يَحْلِفُ حِصَّتَهُ فَقَطْ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَيَأْخُذُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدِّيَةِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَجَعَ الْحَالِفُ أَوَّلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفَهَا فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى مَنْ أَقْسَمَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْ الدِّيَةِ خَطَأً ثُمَّ نَزَعَتْ وَرَدَّتْ مَا أَخَذَتْ ثُمَّ أَتَتْ أُخْتٌ لَهَا فَإِنَّهَا تَحْلِفُ بِقَدْرِ حَظِّهَا لِأَنَّ يَمِينَ الْأُولَى حُكْمٌ مَضَى
(ص) وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ فَحِصَّتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا قَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ الْأَوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ قَتَلَهُ خَطَأً وَنَكَلُوا كُلُّهُمْ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ أَوْ نَكَلَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ حِينَئِذٍ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ بَرِئَ وَلَا يَلْزَمُهُ غُرْمٌ وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَوْلُهُ فَمَنْ نَكَلَ أَيْ مِنْ الْعَاقِلَةِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَتَكُونُ لِلنَّاكِلِينَ وَقَوْلُهُ حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَلَفَ الْجَانِي خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَأُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ حِصَّتَهُ وَتَكُونُ لِلنَّاكِلِينَ
(ص) وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً وَإِلَّا فَمُوَالٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ لَا يَحْلِفُ فِيهِ إلَّا الرِّجَالُ الْعَصَبَةُ أَيْ مِنْ النَّسَبِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ سَوَاءٌ وَرِثُوا أَمْ لَا بِأَنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْجُبُهُمْ وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَحْلِفْنَ فِيهِ لِعَدَمِ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ وَإِنْ انْفَرَدْنَ صَارَ الْمَقْتُولُ بِمَثَابَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ عَصَبَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَإِنَّ مَوَالِيَهُ الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ يُقْسِمُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ فَقَوْلُهُ وَإِلَّا رَاجِعٌ لِمَا قَرَرْنَاهُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ الْعَصَبَةِ وَقَرْنُهُ الْمَوَالِي بِالْعَصَبَةِ يُرَشِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْأَعْلَوْنَ وَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَكْثَرَ مَنْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَوْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ظَنٍّ قَوِيٍّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ اعْتَمَدَ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ مِمَّا تُفِيدُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ (قَوْلُهُ وَالتَّحْدِيدُ بِالْخَمْسِينَ تَعَبُّدٌ) أَيْ فَلَوْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَيَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ بِالْقُرْعَةِ وَإِنَّمَا يَحْلِفُهَا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَالصَّبِيُّ يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ (قَوْلُهُ لَا الْحَلِفِ) أَيْ لَا نَفْسُ التَّلَفُّظِ بِالْأَيْمَانِ وَقَوْلُهُ فَالْمُؤَلِّفُ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ أَيْ فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ (قَوْلُهُ مَنْ يَرِثُ) أَيْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ وَقْتَ زُهُوقِ رُوحِهِ وَفِي تَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ مَنْ يَرِثُ إشَارَةٌ بِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِ حَيْثُ كَانَ مَعَهُ مَنْ يَسْتَوْفِي الْإِرْثَ (قَوْلُهُ لِتَعَذُّرِ الْحَلِفِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ وَلَكِنْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِمَثَابَةِ نُكُولِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَلَوْ نَكَلَتْ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ فَإِنَّهَا تَغْرَمُ لِبَيْتِ الْمَالِ
(قَوْلُهُ وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ الْمَجْبُورَ إنَّمَا هُوَ كَسْرُ الْيَمِينِ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ ذِي أَكْثَرَ وَالضَّمِيرُ فِي كَسْرِهَا لِلْيَمِينِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ التَّنَازُعِ وَإِلَّا لَوْ أَطَاعَ الْأَقَلُّ أَنْ يَجْبُرَ الْكَسْرَ جَازَ
(قَوْلُهُ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا) أَيْ وَلَوْ إحْدَى جَدَّتَيْنِ لَهَا نِصْفُ السُّدُسِ (قَوْلُهُ مَنْ أَقْسَمَتْ) أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقْسَمَتْ أَيْ حَلَفَتْ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ نَزَعَتْ) بِالنُّونِ وَالزَّايِ أَيْ كَفَّتْ وَرَجَعَتْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ) هَذِهِ عِبَارَةٌ مُجْمَلَةٌ وَحَاصِلُهَا كَمَا بَيَّنَهُ عج أَنَّهُ إذَا نَكَلَ كُلُّ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَوْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ ثُمَّ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَحَلَفَ بَعْضُهُمْ أَوْ نَكَلَ جَمِيعُهُمْ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ نَكَلَ يَغْرَمُ حِصَّتَهُ وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِمَّا رُدَّ بِنُكُولِ الْعَاقِلَةِ وَيَكُونُ لِلنَّاكِلِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَمَنْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ بِمَثَابَةٍ النَّاكِلِ وَمَنْ قَالَ لَا أَدْرِي مِنْ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّاكِلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ حِصَّتَهُ) أَيْ وَهِيَ كُلُّ الدِّيَةِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ انْفَرَدْنَ صَارَ إلَخْ) أَيْ وَالْأَيْمَانُ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا حُبِسَ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَاصِبٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ الْمُعِينُ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْأَعْلَوْنَ)
يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فَلَمَّا كَانَ الْأَقَلُّ مَحْدُودًا عَيَّنَهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْأَكْثَرُ مَحْدُودًا سَكَتَ عَنْهُ
(ص) وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ (ش) الْمُرَادُ بِالْعَاصِبِ الْجِنْسُ وَاحِدًا فَأَكْثَرَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْتُولَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَاصِبٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِعَاصِبٍ يَلْقَاهُ فِي أَبٍ مَعْرُوفٍ يُوَازِيهِ وَلَوْ كَانَ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ فَقَوْلُهُ بِعَاصِبِهِ أَيْ عَاصِبِ نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَقْتُولِ كَمَا إذَا قُتِلَتْ أُمُّهُ فَاسْتَعَانَ بِعَمِّهِ مَثَلًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاصِبًا لِلْوَلِيِّ وَلِذَلِكَ أَضَافَ الْعَاصِبَ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِعَاصِبٍ أَوْ بِالْعَاصِبِ وَقَوْلُهُ بِعَاصِبِهِ وَأَوْلَى بِمُشَارِكِهِ فِي السَّهْمِ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي الْعَمْدِ وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَيَحْلِفُهَا مَنْ يَرِثُ وَإِنْ وَاحِدًا إلَخْ وَقَوْلُهُ وَلِلْوَلِيِّ وُجُوبًا إنْ كَانَ وَاحِدًا وَجَوَازًا إنْ كَانَ أَكْثَرَ
(ص) وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الْأَكْثَرِ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا اسْتَعَانَ بِعَاصِبٍ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ الْأَيْمَانُ الَّتِي يَحْلِفُهَا عَلَى نِصْفِ الْقَسَامَةِ فَإِذَا وَجَدَ الْوَلِيُّ عَاصِبًا فَقَطْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ وُجِدَ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قُسِمَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ فَإِنْ رَضَوْا أَنْ يَحْمِلُوا عَنْهُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ رَضِيَ هُوَ أَنْ يَحْمِلَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ أَيْ وَلِلْوَلِيِّ حِينَ الِاسْتِعَانَةِ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخُصُّهُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِ الْخَمْسِينَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتِعَانَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخُصُّهُ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ مِنْ الْمُسْتَعَانِ بِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخُصُّهُ يُرِيدُ مِنْ نَصِيبِ الْوَلِيِّ وَأَمَّا مِنْ نَصِيبِ الْمُسْتَعَانِ بِهِ الْآخَرِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ
(ص) وَوُزِّعَتْ (ش) يَعْنِي أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ تُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلدَّمِ إنْ كَانُوا خَمْسِينَ فَأَقَلَّ فَإِنْ زَادُوا عَلَى خَمْسِينَ اُجْتُزِئَ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ خَارِجَةٌ عَنْ سُنَّةِ الْقَسَامَةِ (ص) وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ (ش) يَعْنِي أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فَطَاعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ لِيَحْلِفَا جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فَإِنَّهُ يُجْتَزَأُ بِذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ طَاعَا بِالْحَلِفِ وَالثَّانِيَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ غَيْرَ نَاكِلٍ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ إنْ أَبَى الْأَكْثَرُ
(ص) وَنُكُولُ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ إذَا كَانَ وَاحِدًا وَاسْتَعَانَ بِعَاصِبِهِ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فَنَكَلَ الْمُعَيَّنُ عَنْ الْحَلِفِ فَإِنَّ نُكُولَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِاتِّهَامِهِ عَلَى الرِّشْوَةِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الدَّمِ فَإِنْ وَجَدَ الْوَلِيُّ غَيْرَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ يَحْلِفُ مَعَهُ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا بَطَلَ الدَّمُ لِأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الْعَصَبَةِ وَمِثْلُ النُّكُولِ التَّكْذِيبُ بِخِلَافِ نُكُولِ غَيْرِ الْمُعِينِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِي فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْإِخْوَةِ وَالْبَنِينَ مَثَلًا فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَسَقَطَ إنْ عَفَا رَجُلٌ كَالْبَاقِي إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالنُّكُولِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ بَعِدُوا) إلَى أَنَّ نُكُولَ غَيْرِ الْمُعِينِ مُعْتَبَرٌ وَلَوْ بَعُدَ فِي الدَّرَجَةِ مَعَ اسْتِوَائِهِ مَعَ غَيْرِهِ كَأَوْلَادِ عَمٍّ وَنَكَلَ بَعْضُهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بُعْدٌ فِي الدَّرَجَةِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِ أَقْرَبَ مِنْهُ كَأَبْنَاءِ عَمٍّ مَعَ عَمٍّ فَإِنَّهُ لَا كَلَامَ لَهُمْ مَعَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ نُكُولُهُمْ وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ بَعُدُوا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ فِي الْمَعْنَى (ص) فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ
[حاشية العدوي]
أَيْ وَأَمَّا الْأَسْفَلُونَ فَلَا يُقْسِمُونَ قَطْعًا
(قَوْلُهُ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتِعَانَةٌ) أَيْ بِأَنْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَصَبَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخُصُّهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَاقِي بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِهَا وَقَدْ ذَكَرَ عج أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ.
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ أَكْثَرَ مِنْ وَلِيَّيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّتِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَاقِي بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِهَا كَمَا مَرَّ مَا يُفِيدُهُ وَرُبَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا وَيَتَعَدَّدُ الْمُسْتَعَانُ بِهِ وَلَهُ فِي هَذِهِ حَلِفُ الْأَكْثَرِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى النِّصْفِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْتَعَانِ بِهِ أَنْ يَحْلِفَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَخُصُّهُ مِنْ حِصَّةِ الْوَلِيِّ وَلَهُ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْتَعَانِ بِهِمَا أَوْ بِهِمْ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى النِّصْفِ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَعَدَّدَ الْوَلِيُّ وَيَتَّحِدَ الْمُسْتَعَانُ بِهِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَلِيَّيْنِ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنُوبُهُ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعَانِ بِهِ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِمَّا نَابَهُ مِنْ قَسَمِ الْخَمْسِينَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَلِيَّيْنِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى حَلِفِ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِ الْوَلِيَّيْنِ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَعَدَّدَ الْوَلِيُّ وَالْمُسْتَعَانُ بِهِ فَلِأَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَحْلِفَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَخُصُّهُ مِنْ حِصَّةِ بَاقِي الْأَوْلِيَاءِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِ الْأَيْمَانِ وَلَهُ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ الْمُسْتَعَانِ بِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْتَعَانِ بِهِ أَنْ يَحْلِفَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَخُصُّهُ مِنْ حِصَّةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَلَهُ ذَلِكَ مِنْ حِصَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْتَعَانِ بِهِ اهـ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَوُزِّعَتْ) ظَاهِرُ حِلِّ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا فِي الْعَمْدِ وَالْمَعْنَى تُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ وَقَالَ الْفِيشِيُّ وَوُزِّعَتْ فِي الْخَطَأِ عَلَى قَدْرِ الْإِرْثِ وَفِي الْعَمْدِ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ زَادُوا عَلَى خَمْسِينَ إلَخْ أَيْ وَتَدْخُلُ الْقُرْعَةُ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ فِيمَنْ يَحْلِفُهَا مِنْهُمْ (قَوْلُهُ مِنْ أَكْثَرَ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ طَاعَا أَيْ طَاعَا فِي حَالَةِ كَوْنِهِمَا مِنْ أَكْثَرَ
(قَوْلُهُ وَنُكُولُ الْمُعِينِ) فَلَوْ رَجَعَ الْمُعِينُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْحَلِفِ فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِرِضَا الْوَلِيِّ أَوْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ك (قَوْلُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ) أَتَى بِهِ مَعَ قَوْلِهِ وَسَقَطَ إنْ عَفَا رَجُلٌ إلَخْ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الدَّمِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لِاتِّهَامِهِ عَلَى الرِّشْوَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ فِي الْمَعْنَى) أَيْ قَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّدًا (قَوْلُهُ فَتُرَدُّ إلَخْ) رُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ رَجُلًا وَاحِدًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ أَيْ أَوْ نَكَلَ الْمُعِينُ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ
(ش) يَعْنِي فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ وَهُوَ مُشَارِكٌ لِغَيْرِ النَّاكِلِ فِي الْعَدَدِ أَوْ عَفَا وَسَقَطَ الدَّمُ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَدَلِ مُرْتَهِنٌ بِالْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَلَوْ أَرَادَ النَّاكِلُ مِنْ الْمُدَّعِينَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَلِفِ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ فِي الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إنْ نَكَلَ وَمَنْ نَكَلَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ عَنْ الْحَلِفِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ أُدِّبَ وَأَطْلَقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَرِّدًا فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعُونَ لِلدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَنَكَلُوا حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ تُرِكُوا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ اهـ. (ص) وَلَا اسْتِعَانَةَ (ش) أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ أَنْ يَسْتَعِينُوا وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا لَكِنْ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا مَرَّ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَا يَسْتَعِينُونَ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ هُنَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ لِعَاصِبِ الدَّمِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ أَيْمَانَ الْعَصَبَةِ مُوجِبَةٌ وَقَدْ يَحْلِفُ فِيهَا مَنْ يُوجِبُ لِغَيْرِهِ كَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَأَيْمَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ دَافِعَةٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ مَا تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ
(ص) وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ بَطَلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ فَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ (ش) يَعْنِي أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ إذَا حَلَفُوا أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَكْذَبَ بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ فَإِنَّ الْقَتْلَ يَسْقُطُ بِخِلَافِ عَفْوِ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الْبَاقِينَ يَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ قَوْلُهُ وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ أَيْ مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ قَوْلُهُ وَإِنْ إلَخْ أَيْ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ عَفْوِهِ أَيْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَأَمَّا قَبْلَهَا فَكَالتَّكْذِيبِ
(ص) وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ بِخِلَافِ الْمُغْمَى وَالْمُبَرْسَمِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ فَيَحْلِفَ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِمْ صَغِيرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَلَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِأَحَدِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ وَلِلْكِبَارِ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا بِخِلَافِ لَوْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِقُرْبِ إفَاقَتِهِمَا لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ وَكَذَلِكَ الْبِرْسَامُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ الْكَبِيرُ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ وَانْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ وَفِي الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَالصَّغِيرُ حَاضِرٌ مَعَهُ وَقْتَ الْحَلِفِ لِأَنَّهُ أَرْهَبُ فِي النَّفْسِ وَأَبْلَغُ فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَيَقْتُلُ الْجَانِيَ أَوْ يَعْفُو عَنْهُ وَلَا يُؤَخَّرُ حَلِفُ الْكَبِيرِ لِبُلُوغِ الصَّغِيرِ لِيَحْلِفَ هُوَ وَالصَّغِيرُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِ الْكَبِيرِ أَوْ غَيْبَتِهِ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ فَيَبْطُلُ الدَّمُ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ وَإِنْ عَفَا اُعْتُبِرَ عَفْوُهُ وَلِلصَّغِيرِ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ وَالضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ رَاجِعٌ لِلْكَبِيرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ وَقَوْلُهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ يَنْبَغِي عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ لَا الْوُجُوبِ لِأَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ أَصْلِهِ فِي الْمَذْهَبِ
(ص) وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا (ش) لَمَّا ذَكَرَ الْقَسَامَةَ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ أَنَّ الْوَاجِبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا فَلَا يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنُوا وَاحِدًا وَيُقْسِمُوا عَلَى عَيْنِهِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ أَوْ عَفَا إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُهَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ كَانُوا لَا يُقْسِمُونَ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ) يَرْجِعُ لِلَّذِي قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ جَلْدُ مِائَةٍ هَذَا هُوَ الْأَدَبُ وَقَوْلُهُ وَحَبْسُ سَنَةٍ تَفْسِيرٌ لِلطُّولِ أَيْ أَنَّ الطُّولَ هُوَ سَنَةٌ ثُمَّ إنَّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ لِأَنَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ أَمْرٌ سُجِنَ بِسَبَبِهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ أَفَادَهُ تت وَبَعْضُ شُيُوخِنَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا اسْتِعَانَةَ إلَخْ ضَعِيفٌ وَالْمَشْهُورُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّ لَهُمْ الِاسْتِعَانَةَ (قَوْلُهُ كَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ الْمَحْجُورَ إذَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ مَالِيٍّ وَكَانَ الْوَلِيُّ قَدْ وَلِيَ الْمُعَامَلَةَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَثْبُتُ الْحَقُّ لِلْمَحْجُورِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْلِفْ يَغْرَمُ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ عَفْوِهِ) وَإِذَا أَكْذَبَ بَعْضَ نَفْسِهِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَالِاسْتِيفَاءِ فَحُكْمُ الْمُكَذِّبِ نَفْسَهُ حُكْمُ مَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ فَيَغْرَمُ الدِّيَةَ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْخَطَأِ وَأَكْذَبَ بَعْضَ نَفْسِهِ فَيَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِحَلِفِهِ مِقْدَارَ مَا يَنُوبُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ فَقَطْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ إلْغَاءِ الْأَيْمَانِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْمُكَذِّبِ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ. (قَوْلُهُ فَكَالتَّكْذِيبِ) أَيْ فَيُسْقِطُ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُغْمَى وَالْمُبَرْسَمِ) أَيْ إذَا أَرَادَ غَيْرُهُمَا الْقَتْلَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ الْحَلِفُ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْلِفُ أَفَادَهُ مُحَشِّي تت (قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) أَيْ وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ فَيَحْلِفَ (قَوْلُهُ وَلَا يُؤَخَّرُ حَلِفُ الْكَبِيرِ) بَلْ يُعَجَّلُ بِحَلِفِهِ فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَمْ يَجِدْ الْكَبِيرُ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ بَطَلَ الدَّمُ (قَوْلُهُ وَالضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ رَاجِعٌ لِلْكَبِيرِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ رُجُوعُهُ لِلصَّغِيرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ إلَخْ) أَيْ فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ مُنْكَرًا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً قَوْلُهُ كَذَا لَا صِحَّةَ لَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى هَذَا لَا صِحَّةَ لَهُ وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى النَّدْبِ لِأَنَّهُ لَا مُقْتَضَى لِلْوُجُوبِ
(قَوْلُهُ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ إذَا صَدَرَ قَتْلُ شَخْصٍ مِنْ جَمَاعَةٍ بِفِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةً وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ تُعْلَمْ
وَيَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ: لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ لَا مِنْ ضَرْبِهِمْ وَفُهِمَ مِنْ تَعْيِينِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ أَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْخَطَأِ تَقَعُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ وَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا مَرَّ
(ص) وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ (ش) تَكَلَّمَ الْمُؤَلِّفُ هُنَا عَلَى مَفَاهِيمِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ قَتْلِ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْجَنِينِ الْحُرِّ حُكْمُ الْجِرَاحِ فَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ عَلَى قَتْلِ كَافِرٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ عَلَى قَتْلِ جَنِينٍ حُرٍّ عَمْدًا أَوْ خَطَأً يُرِيدُ وَنَزَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ دِيَةَ ذَلِكَ وَيُقْتَصُّ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ إذْ لَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ وَبِعِبَارَةٍ عَلَى جُرْحٍ أَيْ عَمْدًا وَأَمَّا خَطَأً فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَفِيهِ دِيَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ فَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَقَوْلُهُ أَوْ عَلَى قَتْلِ كَافِرٍ أَيْ خَطَأً إنْ كَانَ الْقَاتِلُ كَافِرًا أَوْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا وَقَوْلُهُ أَوْ عَبْدٍ أَيْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا أَوْ رَقِيقًا لَكِنْ إنْ كَانَ الْقَاتِلُ لِلْعَبْدِ عَمْدًا رَقِيقًا خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ جَنِينٍ أَيْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً اسْتَهَلَّ أَمْ لَا لَكِنْ إنْ اسْتَهَلَّ فَفِيهِ الدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ فَقَوْلُهُ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ هَذَا فِي الْخَطَأِ فِي الْجَمِيعِ وَاقْتُصَّ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ وَالْمُرَادُ بِالدِّيَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيْ الْمَالُ الْمُؤَدَّى فَيَشْمَلُ الدِّيَةَ فِي الْجُرْحِ وَالْقِيمَةَ فِي الرَّقِيقِ وَالْغُرَّةَ أَوْ الدِّيَةَ فِي الْجَنِينِ إنْ اسْتَهَلَّ (ص) فَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا حُبِسَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ لِذَلِكَ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدٍ فَإِنَّ الْجَارِحَ وَمَنْ مَعَهُ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَتْلِ الْكَافِرِ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ الْجَنِينِ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَبْرَأُ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مَا عَدَا جُرْحَ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ عُوقِبَ وَأُطْلِقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَرِّدًا فَإِنَّهُ يُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ فَقَوْلُهُ بَرِئَ الْجَارِحُ وَأَوْلَى غَيْرُهُ إنْ بَرِئَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَشْمَلَ الْقَتْلَ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا حُبِسَ خَاصٌّ بِجُرْحِ الْعَمْدِ وَمَا عَدَاهُ يَغْرَمُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (ص) فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَنِينَ كَالْجُرْحِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ فَلِهَذَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ وَمَاتَتْ فَفِيهَا الْقَسَامَةُ لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ وَلِأَنَّهَا نَفْسٌ وَالْجَنِينُ لَا شَيْءَ فِيهِ لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ لَا يَثْبُتُ بِاللَّوْثِ فَلَا قَسَامَةَ وَلَوْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ فُلَانٌ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ قَالَتْ لَوْ ثَبَتَ مَوْتُهَا وَخُرُوجُ جَنِينِهَا مَيِّتًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عَدْلٍ لَكَانَ فِيهَا
[حاشية العدوي]
الضَّرْبَةُ الَّتِي مَاتَ مِنْهَا مِمَّنْ هِيَ أَوْ كَانَتْ الضَّرَبَاتُ فِي قَتْلِهِ سَوَاءٌ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ جَمِيعُهُمْ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَيُقْتَلُ الْجَمِيعُ بِوَاحِدٍ وَهَذَا إذَا مَاتَ مَكَانَهُ أَوْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ وَقَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ أَوْ رُفِعَ مَغْمُورًا وَمَاتَ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَالْقَوَدُ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا فَإِذَا قُتِلَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ بِالْقَسَامَةِ يُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً مِنْ غَيْرِ أَيْمَانٍ فَلَوْ أَقَرَّ شَخْصٌ بِالْقَتْلِ ثُمَّ عَفَا الْأَوْلِيَاءُ عَنْهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً فَلَوْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ بَطَلَ التَّعْزِيرُ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَصَارَ كَالْمُقِرِّ بِالزِّنَا فَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْوُلَاةُ فَبَعْضُهُمْ عَيَّنَ مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ الْآخَرُ مَاذَا يَفْعَلُ ك وَإِذَا وَقَعَتْ الْقَسَامَةُ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ اعْتَرَفَ آخَرُ بِالْقَتْلِ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَطْ وَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا حُبِسَ الثَّانِي عَامًا وَجُلِدَ مِائَةً (تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُحْتَمَلْ كَرَمْيِ جَمَاعَةٍ صَخْرَةً لَا يَقْدِرُ بَعْضُهُمْ عَلَى رَفْعِهَا فَإِنَّ الْقَسَامَةَ تَقَعُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَيَقْتُلُونَ أَيَّ وَاحِدٍ شَاءُوا مِنْهُمْ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِذَا قُتِلَ وَاحِدٌ مِنْ الَّذِينَ رَمَوْا الصَّخْرَةَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَقِيَ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ
(قَوْلُهُ حَلَفَ وَاحِدَةً) أَيْ إنْ اتَّحَدَ فَإِنْ تَعَدَّدَ وَلِيُّ الْكَافِرِ أَوْ الْغُرَّةِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ عَلَى جُرْحٍ أَيْ عَمْدًا إلَخْ) أَقُولُ كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْخَطَأِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ أَيْ خَطَأً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ إذْ جُرْحُ الْعَمْدِ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَى قَتْلِ كَافِرٍ أَيْ خَطَأً) إنَّمَا قُيِّدَ بِالْخَطَأِ حَتَّى تَأْتِيَ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ قَالَ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ أَقُولُ وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ لِلْكَافِرِ كَافِرًا وَأَقَامَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ شَاهِدًا وَاحِدًا يَكُونُ هَدَرًا وَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلَا قَسَامَةَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ كَلَامُ اللَّقَانِيِّ أَقُولُ وَأَمَّا عج فَعَمَّمَ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ فَقَالَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَانَ الْقَاتِلُ لَهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَقُولُ وَالظَّاهِرُ كَلَامُ اللَّقَانِيِّ (قَوْلُهُ خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ إسْلَامِهِ) وَإِذَا أَسْلَمَهُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَلَا يَقْتُلُهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ فَرْضَ الْمُصَنِّفِ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقَطْ وَلَا قَسَامَةَ فِيهِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي قَتْلِ الْحُرِّ (قَوْلُهُ وَأَوْلَى غَيْرُهُ) لَا حَاجَةَ لَهُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ مَعَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ مَعَهُ (قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَتْ دَمِي إلَخْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهَا بَلْ بِإِقْرَارِهَا فَقَطْ وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا عَدْلَانِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ (قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) أَيْ لَا قِيمَةَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّهُ كَالْعَدَمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ عَدْلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ثَبَتَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ وَقَوْلُهُ أَوْ عَدْلٍ أَيْ شَهِدَ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ عَلَى الْقَتْلِ
الْقَسَامَةُ لِأَنَّهَا نَفْسٌ وَيَحْلِفُ وَلِيُّ الْجَنِينِ وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّ دِيَتَهُ لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ وَلَوْ اسْتَهَلَّ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ (الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) وَهُوَ التَّعَدِّي، وَبَغَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتَطَالَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ الطَّلَبُ إلَّا أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى طَلَبٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يَبْغِيَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ شَرْعًا.
وَشَرْعًا: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ، وَلَوْ تَأَوُّلًا فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَنْ ثَبَتَتْ إلَخْ مَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ إمَامَةٌ، وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ إمَّا حَالٌ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِالِامْتِنَاعِ، وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ فِي مَكْرُوهٍ يَكُونُ بَغْيًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ خِلَافَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَكْرُوهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ حَتَّى الْمُبَاحِ فَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِيهِ، وَقَدْ عَرَّفَ الْمُؤَلِّفُ الْفِرْقَةَ الْبَاغِيَةَ الْمُسْتَلْزِمَةَ لِتَعْرِيفِ الْبَغْيِ بِقَوْلِهِ (ص) : الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ فَلِلْعَدْلِ قِتَالُهُمْ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبَاغِيَةَ هِيَ فِرْقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَتْ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، أَوْ نَائِبَهُ لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْعِبَادِ، أَوْ لِخَلْعِ الْإِمَامِ مِنْ مَنْصِبِهِ فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَيُوَافِقَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ سَحْنُونَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ، وَالْقِتَالُ مَعَهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا؛ دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا، وَعَبَّرَ الْمُؤَلِّفُ بِفِرْقَةٍ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، وَقَدْ يَكُونُ الْبَاغِي وَاحِدًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُغَالَبَةً فَمَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْبُغَاةِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُغَالَبَةِ إظْهَارُ الْقَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمُقَاتَلَةُ وَقَوْلُهُ: فَلِلْعَدْلِ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ: فَعَلَى الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ لَا غَيْرُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ فِسْقَهُ وَجَوْرَهُ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ تَأَوَّلُوا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ إلَخْ وَلِقَوْلِهِ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (كَالْكُفَّارِ) إلَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُدْعَوْا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَنْصِبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتِ أَيْ: الْمَجَانِيقَ خِلَافَ مَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ (ص) وَلَا يُسْتَرَقُّوا
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ وَلِيُّ الْجَنِينِ وَاحِدَةً) أَقُولُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَحْلِفُ كُلُّ وَارِثٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَالَتْ إلَخْ أَيْ وَلَا شَاهِدَ قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَهَلَّ أَيْ لِأَنَّهَا نَفْسٌ أُخْرَى وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ دَمِي وَدَمُ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يُقْسِمُ عَلَى قَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ وَيَكُونُ فِي غَيْرِهِ شَاهِدًا
[بَاب الْبَغْيَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
(بَابُ الْبَاغِيَةِ) . (قَوْلُهُ: هُوَ الطَّلَبُ) أَيْ: مُطْلَقُ الطَّلَبِ الشَّامِلِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يَبْغِيَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ شَرْعًا كَذَا فِي نُسْخَتِهِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ اصْطِلَاحِيٌّ، وَعَلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ ابْنِ عَرَفَةَ ثُمَّ اطَّلَعْتُ عَلَى بَعْضِ الشُّرَّاحِ، فَوَجَدْته ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ شَرْعًا، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَعْرِيفُهُ جَارِيًا عَلَى اللُّغَةِ، وَيَكُونُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مُطْلَقٌ، ثُمَّ خُصَّ عُرْفًا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَأَمَّلْ هَذَا مَا ظَهَرَ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ إلَخْ) قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ فَقَالَ إذَا أَمَرَك بِمَكْرُوهٍ فَالْأَظْهَرُ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ الْمُجْمَعَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْقُرْطُبِيِّ، وَغَيْرِهِ لَا فِي الْمُخْتَلَفِ فِي كَرَاهَتِهِ وَجَوَازِهِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ، وَالْحُرْمَةِ، وَكَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْآمِرِ بِهِ الْكَرَاهَةَ، وَمَذْهَبُ الْمَأْمُورِ الْحُرْمَةَ، فَهَلْ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، أَوْ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ فِيهِ نَظَرًا لِمَذْهَبِ الْمَأْمُورِ؟ . (قَوْلُهُ: الْمُسْتَلْزِمَةُ لِتَعْرِيفِ الْبَغْيِ) أَيْ: فَيُقَالُ: الْبَغْيُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ لِمَنْعِ حَقٍّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ: كَالزَّكَاةِ.
(قَوْلُهُ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَلِلْعَدْلِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ إلَخْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُغَالَبَةً إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ لِخَلْعِهِ يَتَضَمَّنُ الْمُغَالَبَةَ، فَدَعْوَى أَنَّ قَيْدَ الْمُغَالَبَةِ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمُخَالَفَتِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ.
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ) أَيْ: كَامْتِنَاعٍ مِنْ عَيْنِهِ لِجِهَادٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْخُرُوجِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَأَوَّلُوا) أَيْ: بِأَنْ امْتَنَعُوا مِنْ الزَّكَاةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَيْ: مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] قَاصِرٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ لِعَلِيٍّ لَا لِأَبِي بَكْرٍ فَخَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَحَتَّى يُدْعَوْا) أَيْ: إلَى طَاعَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْصِبُ عَلَيْهِمْ إلَخْ) أَيْ: وَيُقَاتَلُونَ بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيِ بِالنَّبْلِ وَالتَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ الذُّرِّيَّةُ.
(قَوْلُهُ: خِلَافَ مَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ) وَنَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ: يَمْتَازُ قِتَالُ الْبُغَاةِ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِمْ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ، وَيَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ، وَلَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ، وَلَا يُقَسِّمَ أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَسْبِيَ ذَرَارِيَّهُمْ، وَلَا يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ، وَلَا يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ، الرَّعَّادَاتِ، وَلَا يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنَ، وَلَا يَقْطَعَ شَجَرَهُمْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَرَقُّوا إلَخْ) الْمَعْهُودُ أَنَّ وُقُوعَ النَّهْيِ إنَّمَا يَكُونُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لَا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، بَلْ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِهِمْ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ فَيَكُونُ لَا فِي كَلَامِهِ لِلنَّهْيِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَلِذَلِكَ
وَلَا يُحَرِّقْ شَجَرَهُمْ وَلَا تُرْفَعْ رُءُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ وَلَا يَدْعُوهُمْ بِمَالٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبُغَاةَ إذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ فَإِنَّا لَا نَتْرُكُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُحَرِّقَ شَجَرَهُمْ، وَلَا أَنْ يَرْفَعَ رُءُوسَهُمْ عَلَى أَرْمَاحٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَهِيَ حَرَامٌ وَلَا مِنْ بَلَدٍ إلَى أُخْرَى، وَلَا وَالٍ إلَى آخَرَ، وَلَا فِي مَحَلِّهِمْ، وَتَقَدَّمَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَفْعِ رُءُوسِهِمْ إلَى بَلَدٍ أَوْ وَالٍ فِي مَحَلِّهِمْ فَافْتَرَقَ قِتَالُ الْبُغَاةِ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ أَنْ يَتْرُكَ قِتَالَ الْبُغَاةِ أَيَّامًا لِأَجْلِ مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ فَقَوْلُهُ: وَلَا يَدَعُوهُمْ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ (ص) وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ إنْ اُحْتِيجَ لَهُ، ثُمَّ رُدَّ كَغَيْرِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ، أَوْ غَيْرَهُ إذَا احْتَاجَ إلَى مَالِ الْبُغَاةِ كَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ أَيْ: الْخَيْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى قِتَالِهِمْ، ثُمَّ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ رَدَّهُ إلَيْهِمْ كَمَا يَرُدُّ غَيْرَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَلَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: الرَّدُّ فَرْعُ الْأَخْذِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، فَأَيْنَ الرَّدُّ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كَغَيْرِهِ؟ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِمْ صَارَ الْمَالُ كَأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْإِمَامِ فَلِذَا عَبَّرَ بِالرَّدِّ (ص) وَإِنْ أُمِنُوا لَمْ يَتْبَعْ مُنْهَزِمَهُمْ وَلَمْ يَذْفُفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ (ش) يَعْنِي أَنَّا إذَا أَمِنَّا بَغْيَهُمْ، فَإِنَّا لَا نَتْبَعُ مُنْهَزِمَهُمْ، وَلَا نُذَفِّفُ أَيْ نُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَيُذَفَّفُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْهُمْ يُتْبَعْ مُنْهَزِمَهُمْ وَيُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ (ص) وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ وَوَرِثَهُ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ أَبُوهُ فِي حَالِ قِتَالِ الْبَاغِيَةِ وَيَرِثُهُ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الْقَتْلُ مُبَارَزَةً، أَوْ غَيْرَهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الْكَرَاهَةِ، وَالْأُمُّ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَلَا يُكْرَهُ لَهُ قَتْلُ أَخِيهِ وَلَا جَدِّهِ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ
. (ص) وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا، أَوْ مَالًا (ش) يَعْنِي أَنَّ الْبَاغِيَ إذَا كَانَ مُتَأَوِّلًا فِي قِتَالِهِ وَأَتْلَفَ فِي حَالِ قِتَالِهِ نَفْسًا، أَوْ مَالًا ثُمَّ تَابَ، وَرَجَعَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَلِيئًا؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُتْلِفْهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ إلَى مَالِكِهِ (ص) وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ، وَحَدٌّ أَقَامَهُ وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ، وَضَمِنَ الْمُعَانِدُ النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ (ش) الضَّمِيرُ فِي قَاضِيهِ يَرْجِعُ لِلْبَاغِي الْمُتَأَوِّلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَاغِيَ الْمُتَأَوِّلَ إذَا أَقَامَ قَاضِيًا فَحَكَمَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحُكْمِ التَّامِّ وَبَيْنَ مَا يَحْتَاجُ إلَى التَّمَامِ، وَيُكْمِلُهُ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ قُضَاةِ الْبَغْيِ وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ قَاضِيهِ حَدًّا مِنْ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ يَمْضِي لِلضَّرُورَةِ وَلِشُبْهَةِ التَّأْوِيلِ وَلِئَلَّا يَزْهَدَ النَّاسُ فِي الْوِلَايَاتِ، فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ، وَلَا مَفْهُومَ لِحُكْمٍ، بَلْ الثُّبُوتُ وَنَحْوُهُ كَالْحُكْمِ، وَهَذَا إذَا كَانَ صَوَابًا، وَإِلَّا فَلَا يَمْضِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْحَدِّ، وَإِنْ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْحُكْمِ لِعَظَمَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ صَوَابًا لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ إمْضَائِهِ حَتَّى يَنُصَّ عَلَيْهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِمَا حَكَمَ بِهِ خُصُوصًا فِي الزَّكَوَاتِ وَالْحُدُودِ إذْ هِيَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِمَامِ، وَإِذَا اسْتَعَانَ الْمُتَأَوِّلُ بِذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ غُرْمٍ عَلَى الذِّمِّيِّ بِمَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، وَيُوضَعُ عَنْ الذِّمِّيِّ مَا وُضِعَ عَنْ الْمُتَأَوِّلِ، وَأَمَّا الْبَاغِي إذَا كَانَ قِتَالُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ وَالْعَصَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ وَطَرْفٍ وَفَرْجٍ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ، وَيَرُدُّ الْمَالَ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا، أَوْ فَائِتًا وَقِتَالُ الذِّمِّيِّ مَعَ الْمُعَانِدِ لِلْإِمَامِ نَقْضٌ لِعَهْدِهِ يُوجِبُ اسْتِحْلَالَهُ حَيْثُ خَرَجُوا طَائِعِينَ.
(ص) وَالْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ كَالرَّجُلِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُقَاتِلَةَ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ مِنْ نَفْسٍ، وَمَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَانِدَةً فَإِنَّهَا تَضْمَنُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ إذَا قَاتَلْنَ مَعَ الرَّجُلِ بِالسِّلَاحِ فَلِأَهْلِ الْقِتَالِ قَتْلُهُنَّ فِي الْقِتَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إلَّا بِالتَّحْرِيضِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ، فَلَا يُقْتَلْنَ، وَلَوْ أُسِرْنَ وَقَدْ كُنَّ يُقَاتِلْنَ قِتَالَ الرِّجَالِ لَمْ يُقْتَلْنَ إلَّا أَنْ يَكُنَّ قَدْ قَتَلْنَ بِذَلِكَ أَحَدًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ انْتَهَى، فَمُفَادُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقْتَلُ فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا بِالسِّلَاحِ، وَلَا تُقْتَلُ فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا بِالْحِجَارَةِ
[حاشية العدوي]
حُذِفَتْ النُّونُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً، وَحُذِفَتْ النُّونُ حَمْلًا عَلَى النَّاهِيَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ
«لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا» ) . (قَوْلُهُ: وَلَا يُحَرِّقْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ.
(قَوْلُهُ: فَافْتَرَقَ قِتَالُ الْبُغَاةِ إلَخْ) الَّذِي قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ وَلَوْ فِي مَحَلِّهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّمْثِيلُ بِالْكُفَّارِ.
(قَوْلُهُ: لِأَجْلِ مَالٍ إلَخْ) أَيْ: بَلْ يَتْرُكُهُمْ مَجَّانًا حَيْثُ كَفُّوا عَنْ الْبَغْيِ فَطَلَبُوا أَمَانًا حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَلَمْ يَخْشَ مِنْهُمْ التَّحَيُّلَ لِلْعُذْرِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ) أَيْ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِمَالِهِمْ الْمُرَادُ مَالٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْخَيْلُ وَآلَاتُ الْحَرْبِ لَا مُطْلَقُ مَالٍ، وَلَوْ اُحْتِيجَ لَهُ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْخَيْلِ؛ لِأَنَّهَا الْغَالِبُ فِي الْقِتَالِ، وَإِلَّا فَلَوْ قَاتَلُوا عَلَى إبِلٍ.
أَوْ فِيَلَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَلِذَا عَبَّرَ بِالرَّدِّ إلَخْ) أَيْ: فَيَكُونُ الرَّدُّ مَجَازًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ بِفِرَارِهِمْ عَنْ مَالِهِمْ فَإِذَا رَجَعُوا فَإِنَّا نَرُدُّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِهِ الْمَالُ وَصَوَّرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ أَيْ: إذَا أَخَذْنَا ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَإِنَّا نَرُدُّهُمْ لَهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ) فِي ك عَنْ تَقْرِيرٍ مَا نَصُّهُ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ بِلَا قَتْلٍ، وَإِلَّا فَلَا.
انْتَهَى، وَقَتْلُ ابْنِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى
. (قَوْلُهُ: وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ) هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ خُرُوجُ الْمُعَانِدِ عَلَى الْعَدْلِ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَيْسَ بِمُعَانِدٍ وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ غَيْرُ نَاقِضٍ.
(قَوْلُهُ: إذْ هِيَ) أَيْ: الزَّكَوَاتُ وَالْحُدُودُ أَيْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الزَّكَوَاتِ لِلْإِمَامِ، وَكَذَا الْحُدُودُ لَا يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ كُنَّ) حَالٌ
وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا بَعْدَ أَسْرِهَا، فَلَا تُقْتَلُ، وَلَوْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا، وَإِلَّا فَتُقْتَلُ بِهِ، وَلَوْ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قِتَالُهَا بِالسِّلَاحِ، أَوْ بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَأَوِّلَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فِي حَالِ قِتَالِهِ سَوَاءٌ قَاتَلَ بِالسِّلَاحِ، أَوْ بِغَيْرِهِ، وَكَذَا بَعْدَ أَسْرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجِهَادِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ إذَا قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ وَلَوْ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا أَنَّهَا تُقْتَلُ، وَلَوْ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَأَمَّا إنْ قَاتَلَتْ بِالْحِجَارَةِ، فَحُكْمُهَا فِي الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ
. (بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ (الرِّدَّةَ وَالسَّبَّ وَأَحْكَامَهُمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرِّدَّةُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ قَوْلِك: رَدَّهُ رَدًّا وَرِدَّةً، وَالرِّدَّةُ: الِاسْمُ مِنْ الِارْتِدَادِ، وَالرِّدَّةُ: إمْلَاءُ الضَّرْعِ مِنْ اللَّبَنِ، وَالِارْتِدَادُ الرُّجُوعُ وَمِنْهُ الْمُرْتَدُّ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: حَقِيقَةُ الرِّدَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُكَلَّفٍ، وَفِي غَيْرِ الْبَالِغِ خِلَافٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا، وَعَرَّفَهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ (ص) : الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ (ش) أَيْ: الْمُتَقَرِّرِ إسْلَامُهُ، فَيَشْمَلُ الْبَالِغَ وَغَيْرَهُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَلَا يَتَقَرَّرُ الْإِسْلَامُ إلَّا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى الدَّعَائِمِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ فَقَطْ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: الْمُسْلِمِ مِمَّا إذَا خَرَجَ غَيْرُهُ مِنْ مِلَّةٍ إلَى أُخْرَى كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ، أَوْ عَكْسِهِ فَلَا يَكُونُ رِدَّةً، وَيُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا، وَعَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ قَوْلِهِ: كُفْرُ الْمُؤْمِنِ إلَى قَوْلِهِ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ إنَّمَا يُقَابَلُ بِالْإِيمَانِ؛ لِكَوْنِ النَّظَرِ هُنَا مَقْصُورًا عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْحُكَّامُ، وَلَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى مَعْرِفَةِ إيمَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إنَّمَا يَعْرِفُونَ إسْلَامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَى الْكَلَامِ عَلَى الْأُمُورِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا كُفْرُ الْمُسْلِمِ فَقَالَ: (ص) بِصَرِيحٍ، أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ (ش) مِثَالُ الصَّرِيحِ كَقَوْلِهِ: الْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، وَمِثَالُ اللَّفْظِ الْمُقْتَضِي لِلْكُفْرِ أَنْ يَجْحَدَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ جُزْءًا مِنْهَا، وَكَذَا إذَا قَالَ: اللَّهُ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ، وَمِثَالُ الْفِعْلِ الْمُقْتَضِي لِلْكُفْرِ لُبْسُ الزُّنَّارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ وَشَدِّ زُنَّارٍ) مِثَالٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ وَمِثْلُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ هَذَا أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ بَعْدَ أَسْرِهَا، وَلَوْ وَقَعَ أَسْرُهَا حَالَ الْحَرْبِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ أُسِرَتْ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ تُقْتَلُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إنْ قَتَلَتْ تُقْتَلُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ تَقْتُلْ، وَظَفِرْنَا بِهَا بَعْدَ الْمُقَاتَلَةِ لَا تُقْتَلْ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ تَقْتُلْ وَظَفِرْنَا بِهَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ فَإِنْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ قُتِلَتْ وَإِلَّا فَلَا
[بَاب الرِّدَّةَ وَالسَّبَّ وَأَحْكَامَهُمَا وَمَا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ]
. (بَابٌ) . (قَوْلُهُ: ذَكَرَ فِيهِ الرِّدَّةَ) أَيْ: تَعْرِيفَهَا، وَقَوْلُهُ بَعْدُ: وَأَحْكَامَهَا أَيْ: الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالرِّدَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَالسَّبَّ إلَخْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ حَقِيقَةَ السَّبِّ وَالْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لِلسَّبِّ تَعْرِيفًا.
(قَوْلُهُ: مَصْدَرُ قَوْلِك: رَدَّهُ) أَيْ: صَرَفَهُ أَيْ: فَهِيَ مَصْدَرُ رَدَّ الْمُتَعَدِّي بِمَعْنَى صَرَفَهُ، وَقَوْلُهُ: وَالرِّدَّةُ إلَخْ الْمَعْنَى وَالرِّدَّةُ كَمَا هِيَ مَصْدَرُ رَدَّهُ تَكُونُ اسْمًا مِنْ الِارْتِدَادِ الْمُفَسَّرِ بِالرُّجُوعِ، وَقَوْلُهُ: وَالِارْتِدَادُ الرُّجُوعُ، الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَالرِّدَّةُ إمْلَاءُ الضَّرْعِ، وَقَوْلُهُ: وَالرِّدَّةُ إمْلَاءُ الضَّرْعِ، الْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِقَوْلِهِ: امْتِلَاءُ الضَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ فِي اللُّغَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرِّدَّةَ بِالْكَسْرِ تَأْتِي لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ، تَأْتِي مَصْدَرَ رَدَّهُ بِمَعْنَى صَرَفَهُ وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَتَأْتِي اسْمًا مِنْ الِارْتِدَادِ الَّذِي هُوَ الرُّجُوعُ وَهُوَ لَازِمٌ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى امْتِلَاءِ الضَّرْعِ وَهُوَ لَازِمٌ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِ الْبَالِغِ خِلَافٌ) وَالرَّاجِحُ اعْتِبَارُ رِدَّتِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ لَا يُورَثُ وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَلَا يُغَسَّلُ إنْ مَاتَ، وَبَعْدَ بُلُوغِهِ يُقْتَلُ مَا لَمْ يَتُبْ.
(فَائِدَةٌ) أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ إبْلِيسُ بِنِسْبَتِهِ الْجَوْرَ لِلْبَارِي حَيْثُ قَالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] وَلَيْسَ كُفْرُهُ بِالْمُخَالَفَةِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ السُّجُودِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى الدَّعَائِمِ) أَيْ: أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَالنَّصَارَى وَالْيَهُودُ وَاقِفُونَ عَلَى الدَّعَائِمِ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ.
(قَوْلُهُ: مَقْصُورًا عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا إلَخْ) أَيْ: الْأَحْكَامِ الظَّاهِرِيَّةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْحُكَّامُ أَيْ: وَالْإِسْلَامُ هُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرِيُّ لِلْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ، وَهُوَ خَفِيٌّ لَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّمَا يَعْرِفُونَ إسْلَامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أَيْ: الَّذِي هُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَخْ) أَيْ: وَلَيْسَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِصَرِيحٍ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ خِلَافًا لِبَهْرَامَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ تَمَّ بِدُونِهِ.
(قَوْلُهُ: لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِيَقْتَضِيهِ، أَوْ يَتَضَمَّنُهُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ لَا التَّضَمُّنُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: مِثَالُ الصَّرِيحِ كَقَوْلِهِ: الْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ) أَيْ: وَكَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ إلَخْ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: اللَّهُ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ فَمَا وَجْهُ كَوْنِ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّرِيحِ فِي الْكُفْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي إذْ كِلَاهُمَا الْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْهُ قَطْعًا؟ ، فَالْمُنَاسِبُ مَا أَفَادَهُ تت بِقَوْلِهِ: بِأَنْ يَقُولَ: كَفَرَ بِاَللَّهِ أَوْ بِمُحَمَّدٍ.
(قَوْلُهُ: وَمِثَالُ اللَّفْظِ الْمُقْتَضِي لِلْكُفْرِ إلَخْ) أَيْ: الْمُقْتَضِي لِقَطْعِ الْإِسْلَامِ وَزَوَالِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَالَ: اللَّهُ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ) أَيْ: آخِذٌ قَدْرًا مِنْ الْفَرَاغِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَالَ: جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَكْفُرُ قَائِلُهُ، أَوْ مُعْتَقِدُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ) وَمِمَّا يَرْتَدُّ بِهِ وَضْعُهُ بِالْأَرْضِ مَعَ قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ بِالْقَذَرِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا.
(قَوْلُهُ: يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ) أَيْ: قَطْعَ الْإِسْلَامِ أَيْ: زَوَالَهُ
الْمُصْحَفِ كِتَابُ الْحَدِيثِ إذَا أَلْقَاهُ بِقَذَرٍ، أَوْ حَرَقَهُ اسْتِخْفَافًا وَأَمَّا حَرْقُهُ لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا، أَوْ مَوْضُوعًا فَلَا وَفِي كَلَامِ ز نَظَرٌ، وَأَمَّا إلْقَاءُ كُتُبِ الْفِقْهِ فِي الْقَذَرِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ، وَمِثْلُ الْمُصْحَفِ الْآيَةُ، أَوْ الْحَرْفُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْقَذَرِ مَا يُسْتَقْذَرُ، وَلَوْ طَاهِرًا كَالْبُصَاقِ لَا خُصُوصُ الْعَذِرَةِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ مُرْتَدًّا إذَا شَدَّ الزُّنَّارَ فِي وَسَطِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ، وَالزُّنَّارُ بِضَمِّ الزَّايِ، وَمِثْلُهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِمَّا يَخْتَصُّ بِزِيِّ الْكُفَّارِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْمَشْيُ إلَى الْكَنِيسَةِ وَنَحْوُهُ، وَقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا فَعَلَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ
. (ص) وَسِحْرٌ (ش) هَذَا جَامِعٌ لِلَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، وَالْفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ اسْتَصْوَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامَ أَصْبَغَ وَحَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ.
اهـ.، وَحَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ السِّحْرَ بِقَوْلِهِ: هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ هَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ.
اهـ.، وَإِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهَرًا بِهِ فَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَمَالُهُ فَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ كَمَا يَأْتِي
. (ص) وَقَوْلٌ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ أَنَّ الْعَالَمَ وَهُوَ مَا سِوَى اللَّهِ قَدِيمٌ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ غَيْرُ اللَّهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: بِبَقَائِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِدَمِ الْقِدَمُ الذَّاتِيُّ لَا الزَّمَانِيُّ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي الْقِدَمِ، أَوْ الْبَقَاءِ لِلْعَالَمِ فَقَوْلُهُ: (أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ) عَطْفٌ عَلَى صَرِيحٍ أَيْ: أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ كِتَابُ الْحَدِيثِ إذَا أَلْقَاهُ بِقَذَرٍ) فِي خَطِّ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ إلْقَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ كَأَنْ يَخَافَ مِنْ الْقَطْعِ، أَوْ الْقَتْلِ فَإِذًا لَا يَكُونُ مُرْتَدًّا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا حَرْقُهُ لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ مَعَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا اشْتَدَّ ضَعْفُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مَوْضُوعًا أَيْ: مَكْذُوبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِ ز نَظَرٌ) أَيْ: فَإِنَّهُ نَظَرَ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا إلْقَاءُ كُتُبِ الْفِقْهِ فِي الْقَذَرِ) أَيْ: عَلَى فَرْضِ أَنْ لَوْ خَلَتْ مِنْ اسْمِ اللَّهِ أَوْ اسْمِ نَبِيٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِثْلَ الْمُصْحَفِ أَسْمَاءُ اللَّهِ، وَأَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ لِحُرْمَتِهَا وَتَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ كُفْرٌ إنْ قَصَدَ اسْتِهْزَاءً، وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْقَذَرِ مَا يُسْتَقْذَرُ إلَخْ) فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مَا نَصُّهُ: وَيَنْبَغِي لِمُؤَدِّبِ الْأَطْفَالِ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ مَسْحِ الْأَلْوَاحِ بِالْبُصَاقِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ يَنْبَغِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا كُفْرَ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَرَحَ الْبُصَاقَ مِنْ فَمِهِ، أَوْ أَخَذَهُ، وَلَطَّخَهُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذَرٍ أَيْ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْقَذَرُ طَاهِرًا، أَوْ يُجَابُ بِأَنَّ التَّلَطُّخَ الْمُقْتَضِي لِلْكُفْرِ مَا كَانَ تَلْطِيخًا يُشَمُّ مِنْهُ الِاسْتِخْفَافُ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ الْمَشْيِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ مُخْتَصٍّ بِهِمْ أَيْ: كَالْمَشْيِ لِزِيَارَةِ الْقِسِّيسِ وَالتَّبَرُّكِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: بِمَا إذَا فَعَلَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَمَفْهُومُهُ أَنَّ شَدَّهُ فِي بَلَدِ الْكُفْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى وَقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالسُّخْرِيَةِ
. (قَوْلُهُ: هَذَا جَامِعٌ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَحَقَّقَ بِهِ الْكُفْرُ وَقَالَ هُنَا: أَنَّ السِّحْرَ جَامِعٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ السِّحْرَ تَارَةً يَكُونُ بِالْقَوْلِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْفِعْلِ إلَّا أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعَظَّمُ بِهِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَوْلٌ لَا غَيْرُ وَوَقَعَ لِبَهْرَامَ أَنَّهُ مِنْ الْقَوْلِ، وَوَقَعَ لِلْبِسَاطِيِّ أَنَّهُ فِعْلٌ، ثُمَّ قَالَ الْبِسَاطِيُّ بَعْدُ: أَنَّهُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ انْتَهَى، وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا وَيَكُونُ مُرَادُهُ أَنَّ السِّحْرَ تَارَةً يَكُونُ قَوْلًا، وَتَارَةً يَكُونُ فِعْلًا، وَيُدْرِكُ ذَلِكَ مَنْ يَتَعَاطَاهُ.
(قَوْلُهُ: إنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ) أَقُولُ: هَذَا يَأْتِي عَلَى أَنَّهُ يُفَسَّرُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ اسْتَصْوَبَ إلَخْ) أَيْ: فَإِنَّهُ قَالَ: يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ يُرِيدُ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ فَلَا يُحْكَمُ بِهَا إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَتَحَقُّقِهِ كَسَائِرِ مَا يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ، وَيُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُوقِبَ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَشْكَلَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا إشْكَالَ إنْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ إلَخْ فَلَعَلَّ هَذَا الْمُسْتَشْكِلَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ.
(قَوْلُهُ: الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقَادِيرَ كَأَنَّهُ جَمْعُ مُقَدَّرٍ، وَالْكَائِنَاتِ جَمْعُ كَائِنَةٍ أَيْ: ذَاتُ كَائِنَةٍ أَيْ: ثَابِتَةٌ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَيُرَادُ بِالذَّاتِ نَفْسُ الشَّيْءِ، وَالْعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ: يُنْسَبُ إلَيْهِ التَّأْثِيرُ فِيهَا أَيْ: أَنَّ السِّحْرَ يُؤَثِّرُ فِي وُجُودِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ.
(فَائِدَةٌ) مَا يُؤْخَذُ عَلَى حَلِّ الْمَعْقُودِ فَإِنْ كَانَ يَرْقِيهِ بِالرُّقَى الْعَرَبِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِالرُّقَى الْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ النَّفْعُ جَازَ أَيْ: لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ
. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ غَيْرُ اللَّهِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْعَالَمَ لَا صَانِعَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَالَ بِبَقَائِهِ) أَيْ: أَنَّهُ لَا يَفْنَى؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] أَوْ الْمُرَادُ قَالَ بِوُجُوبِ الْبَقَاءِ لِذَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْقِدَمِ الْقِدَمُ الذَّاتِيُّ لَا الزَّمَانِيُّ) لَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ مِنْ اصْطِلَاحَاتِ الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْقِدَمِ الذَّاتِيِّ لِلشَّيْءِ أَنَّهُ غَيْرُ أَثَرٍ لِشَيْءٍ كَاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ أَحَدٌ، وَيُرِيدُونَ بِالْقِدَمِ الزَّمَانِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوَّلٌ، وَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ الْغَيْرُ كَالْأَفْلَاكِ، فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ بِالزَّمَانِ بِمَعْنَى لَا أَوَّلَ لَهَا، وَلَيْسَتْ قَدِيمَةً بِالذَّاتِ لِوُجُودِ تَأْثِيرِ الْغَيْرِ فِيهَا فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ الْقَوْلُ: بِأَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ بِالزَّمَانِ كُفْرٌ أَيْضًا، وَلَا يَخْتَصُّ الْكُفْرُ بِالْقِدَمِ الذَّاتِيِّ، فَالْوَجْهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْقِدَمِ الذَّاتِيِّ عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ، وَأَرَادَ بِالزَّمَانِيِّ طُولَ الزَّمَانِ فِيمَا مَضَى لِلشَّيْءِ مَعَ كَوْنِهِ لَهُ أَوَّلٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا شَكَّ فِي الْقِدَمِ، أَوْ الْبَقَاءِ) الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ.
(قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى صَرِيحٍ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلْقَاءِ مُصْحَفٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ
الشَّكِّ فِي ذَلِكَ، أَوْ حَصَلَ فِي اعْتِقَادِهِ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ أَيْ: فِي قِدَمِ الْعَالَمِ، أَوْ بَقَائِهِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ: بِصَرِيحٍ، أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ، وَعَلَيْهِ فَالْحَدُّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ هَذَا النَّوْعِ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ وَهُوَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْذَرُ فِي مُوجِبَاتِ الْكُفْرِ بِالْجَهْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الرِّسَالَةِ بِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ
(ص) أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ، أَوْ بِقَوْلِهِ: فِي كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ كُفْرٌ، وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَتْ الرُّوحُ مِنْ مُطِيعٍ فَبَعْدَ مَوْتِهِ تَنْتَقِلُ إلَى شَكْلٍ آخَرَ مُمَاثِلٍ، أَوْ أَعْلَى وَهَكَذَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عَاصٍ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى شَكْلٍ آخَرَ مُمَاثِلٍ، أَوْ أَدْنَى كَجَمَلٍ، أَوْ كَلْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَهَكَذَا، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ الْقِرَدَةِ وَالدُّودِ وَنَحْوِهِمَا نَذِيرًا أَيْ: نَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ تَكُونُ مُكَلَّفَةً، وَهَذَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ وَأَنْ تُوصَفَ أَنْبِيَاءُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بِصِفَاتِهِمْ الذَّمِيمَةِ، وَفِيهِ مِنْ الِازْدِرَاءِ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ الْمُنِيفِ مَا فِيهِ مَعَ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَتَكْذِيبِ قَائِلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ فِي: قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24] الْمُكَلَّفُونَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي الْقَتْلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ
. (ص) ، أَوْ ادَّعَى شِرْكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ، أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ لِلسَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ، أَوْ اسْتَحَلَّ كَالشُّرْبِ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ شَخْصًا مِنْ الْأَشْخَاصِ كَانَ شَرِيكًا مَعَ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُوحَى إلَيْهِمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا، وَكَذَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُنْفَرِدِينَ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَكَذَلِكَ مَنْ جَوَّزَ الْقَوْلَ بِمُحَارَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - لِأَنَّ
[حاشية العدوي]
بَعْدُ: فَهُوَ دَاخِلٌ إلَخْ أَيْ: حَيْثُ نَظَرَ إلَى قَوْلِهِ: أَيْ: أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى الشَّكِّ يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْقَوْلِ وَحَيْثُ نَظَرَ إلَى قَوْلِهِ: أَوْ حَصَلَ إلَخْ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْفِعْلِ فَيُرَادُ بِهِ وَلَوْ فِعْلَ الْقَلْبِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ) أَيْ: وَبِذَلِكَ الْجَوَابُ يَنْدَفِعُ إلَخْ أَيْ: لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ تَارَةً يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْقَوْلِ، وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَالْحَدُّ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: بِصَرِيحٍ إلَخْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ، وَأَمَّا لَوْ جَعَلَ قَوْلَهُ: بِصَرِيحٍ إلَخْ خَارِجًا عَنْ التَّعْرِيفِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ يَكُونُ بِصَرِيحٍ أَيْ: وَيَجْعَلُ قَوْلَهُ: أَوْ شَكٍّ إلَخْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِصَرِيحٍ إلَخْ لَمَا وَرَدَ إشْكَالٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ إلَخْ) أَيْ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَيْدٍ، وَهُوَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ إلَخْ
. (قَوْلُهُ: تَنْتَقِلُ إلَى شَكْلٍ آخَرَ مُمَاثِلٍ) أَيْ: تَحِلُّ فِيهِ، وَتَكُونُ رُوحًا لَهُ وَقَوْلُهُ: مُمَاثِلٍ أَيْ: فِي النَّوْعِ بِأَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا طَائِعًا، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَعْلَى أَيْ: بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْآدَمِيِّ بَلْ أَعْلَى كَالْمَلَكِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ: إلَى شَكْلٍ مُمَاثِلٍ أَيْ: آدَمِيٍّ عَاصٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنَى أَيْ: مِنْ غَيْرِ النَّوْعِ كَجَمَلٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْكُفْرَ يَحْصُلُ بِنَفْيِ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ تُوَقَّفُ الِارْتِدَادُ عَلَى مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ تَفْسِيرُ حَقِيقَةِ التَّنَاسُخِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا اعْتَقَدَ نَفْيَ الْجَنَّةِ، أَوْ النَّارِ يَكْفُرُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِالِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ تَذْهَبُ إلَى الْجَنَّةِ، أَوْ النَّارِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ أَحْمَدَ حَيْثُ قَالَ إنْ كَانَتْ مِنْ مُطِيعٍ انْتَقَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِشَكْلٍ آخَرَ مُمَاثِلٍ، أَوْ أَعْلَى، وَهَكَذَا إلَى أَنْ تَصِلَ إلَى الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عَاصٍ انْتَقَلَتْ لِشَكْلٍ مُمَاثِلٍ، أَوْ أَدْنَى كَجَمَلٍ، أَوْ كَلْبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى أَنْ تَصِلَ لِلنَّارِ.
اهـ.
يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانُهُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ: بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا ضَرُورَةً فَيَكْفُرُ قَائِلُهُ وَإِنْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ: الْمُكَلَّفُونَ) أَيْ: مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ نَبِيِّنَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ) أَيْ: الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: وَأَنْ تُوصَفَ أَنْبِيَاءٌ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَيَّنَّا مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ إذَا كَانَ بَيِّنًا يَكُونُ كُفْرًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اللَّازِمَ هُنَا بَيِّنٌ فَلْيُنْظَرْ ذَلِكَ
. (قَوْلُهُ: أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ إلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُحَارَبَةَ بِالْفِعْلِ وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي زَمَنِ عِيسَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ اعْتِقَادَهُمْ جَوَازَ مُحَارَبَةِ نَبِيٍّ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ زَمَنٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي أَقْرَبُ لِفَهْمِ أَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَهُوَ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الِاعْتِقَادُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ، وَجَوَازُ، كَذَا قَالَهُ عج.
(قَوْلُهُ: أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ) عَطْفٌ عَلَى صَرِيحٍ مِنْ قَوْلِهِ: بِصَرِيحٍ فَهُوَ عَطْفُ فِعْلٍ عَلَى اسْمٍ يُشْبِهُ الْفِعْلَ وَهُوَ صَادِقٌ بِمَا إذَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ، أَوْ قَالَهُ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَقَالَ: عج أَنَّهَا كَمَا تُكْتَسَبُ تَكُونُ وَهْبِيَّةً، وَذَكَرَ اللَّقَانِيِّ أَنَّهَا كَالنُّبُوَّةِ لَا تَكُونُ كَسَبِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ كَانَ يُوحَى إلَيْهِمَا مَعًا) أَيْ: ادَّعَى الْأُولَى، أَوْ الثَّانِيَةَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ: ادَّعَى مُشَارَكَةَ مُسَيْلِمَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النُّبُوَّةِ أَيْ: أَنَّهُ كَانَ يُوحَى إلَيْهِمَا مَعًا أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ نَبِيٌّ مُسْتَقِلٌّ جَمَعَهُمَا زَمَنُهُمَا، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ النُّبُوَّةَ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا أَيْ: أَنَّهُمَا بِمَثَابَةِ نَبِيٍّ وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الطَّرَفِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا وَحَمْلُ الطَّرَفِ الثَّانِي عَلَى مَا قُلْنَا أَوَّلًا.
(قَوْلُهُ: كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ إلَخْ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ: وَإِبْرَاهِيمَ مَعَ نُبُوَّةِ لُوطٍ فِي زَمَنِهِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي إبْرَاهِيمَ، وَاسْمُهُ هَارَانَ قِيلَ: وَنَبِيٌّ إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ ابْنَاهُ فِي زَمَنِهِ فَلْيُحَرَّرْ كَمَا فِي عب وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ كُفْرُ مَنْ ادَّعَى شَرِكَةَ نُوحٍ، وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ الْمُفِيدِ أَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ يَكْفُرُ مَنْ ادَّعَى مُكَالَمَةَ اللَّهِ، أَوْ مُجَالَسَتَهُ أَوْ قَالَ وَلِيٌّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ: أَنَا اللَّهُ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ يَرْتَدُّ إذَا ادَّعَى
مُحَارَبَتَهُمْ مُحَارَبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ حَارَبَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ وَهُوَ الْبُلُوغُ بِصَفَاءِ الْقَلْبِ إلَى مَرْتَبَتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَوْهِينِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ، أَوْ الزِّنَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ حَلَالٌ، وَلَوْ قَالَ: أَوْ جَحَدَ حُكْمًا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً لَكَانَ أَحْسَنَ إذْ مِثْلُهُ مَا إذَا جَحَدَ إبَاحَةَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَإِبَاحَةِ أَكْلِ الْعِنَبِ، وَيَخْرُجُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَلَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا، وَلَا تَكْذِيبَ قُرْآنٍ كَإِنْكَارِ وُجُودِ بَغْدَادَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَغَزْوَةِ تَبُوكَ بِخِلَافِ إنْكَارِ مَكَّةَ وَإِنْكَارِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَانْظُرْ إنْكَارَ وُجُودِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
. (ص) لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهِ كَافِرًا عَلَى الْأَصَحِّ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى شَخْصٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ قَالَ: أَمَاتَهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا بِذَلِكَ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ فِي الشَّتْمِ، وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً لَهُ، وَبِعِبَارَةِ: لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا قَالَهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ قَالَهُ لِنَفْسِهِ مَا مَقْصُودُهُ إلَّا الدُّعَاءُ
(ص) وَفُصِلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِكُفْرِ شَخْصٍ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ الْوَجْهَ الَّذِي كَفَرَ بِهِ أَيْ: يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَقُولَ: كَفَرَ بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ، وَيُبَيِّنُهُ وَلَا يُجْمِلُهُ
. (ص) وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ أَصْلِيًّا، أَوْ طَارِئًا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ عَلَى نَائِبِهِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ وَبِلَا مُعَاقَبَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَيُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ زَمَنَ رِدَّتِهِ، وَأَمَّا وَلَدُهُ وَعِيَالُهُ، فَإِنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ زَمَنَ رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ فَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ مُبَالَغَةً فِي قَوْلِهِ: بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ التَّوْبَةَ، وَلَوْ تَابَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ سَوَاءٌ تَابَ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتُبْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَتُبْ، فَيَصِحُّ جَعْلُ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَحْسِبُ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ إنَّ الثَّلَاثَةَ تُحْسَبُ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ لَا مِنْ يَوْمِ الْكُفْرِ، وَلَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ قَالَهُ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ عَنْ تَقْرِيرٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَعَلَى هَذَا لَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الثُّبُوتُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَيَّامَ هُنَا لَا تُلَفَّقُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الِاسْتِتَابَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ قَوْمَ صَالِحٍ ذَلِكَ الْقَدْرَ، فَكَوْنُهَا ثَلَاثَةً وَاجِبٌ، فَلَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مَضَى؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ
. (ص) وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ، وَكَانَتْ مُتَزَوِّجَةً، أَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا
[حاشية العدوي]
رُؤْيَةَ اللَّهِ الْبَصَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَقْلًا مُمْتَنِعٌ شَرْعًا إذْ لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ فِي الدُّنْيَا سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ إلَّا أَنَّ اللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِ جَوْهَرَتِهِ نَصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِي كُفْرِ مَنْ ادَّعَى الْمُشَاهَدَةَ فِي الدُّنْيَا، وَعَزَا الْقَوْلَ بِكُفْرِهِ لِلْكَوَاشِيِّ، وَالْمَهْدَوِيِّ، وَأَمَّا إذَا ادَّعَى رُؤْيَتَهُ بِقَلْبِهِ فَلَا يَرْتَدُّ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَذَفَ الْحُورَ الْعِينَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ مَا لَمْ يَتُبْ وَيَحْتَمِلُ وَلَوْ تَابَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ، أَوْ جَحَدَ حُكْمًا إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْقَتْلَ، أَوْ شُرْبَ الْخَمْرَ، أَوْ الزِّنَا أَوْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ انْتَهَى، فَعَمَّمَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً وَغَيْرَهُ، وَلِذَا قَيَّدَ بِالْعِلْمِ إذْ لَوْ كَانَ خَاصًّا بِالضَّرُورِيِّ مَا قَيَّدَ بِالْعِلْمِ قَالَهُ مُحَشِّي تت.
(قَوْلُهُ: وَأَبِي بَكْرٍ إلَخْ) أَيْ: أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ ذَاتَ أَبِو بَكْرٍ لَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْكَرَ صُحْبَتَهُ لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِهَا؛ لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إنْكَارِ مَكَّةَ إلَخْ) إنَّمَا كَفَرَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الْقُرْآنِ، عِبَارَةُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ بِخِلَافِ إنْكَارِ مَكَّةَ أَيْ: فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إنْكَارَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَهُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَانْظُرْ إنْكَارَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَإِنْ اسْتَلْزَمَ إنْكَارَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اسْمٌ لِلْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ نَفْسَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمَا كَانَ تَوَقَّفَ
. (قَوْلُهُ: وَإِرَادَةُ الْكُفْرِ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَهَا لِكُفْرٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ.
(قَوْلُهُ: مَا مَقْصِدُهُ إلَّا الدُّعَاءُ) الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: مَا مَقْصُودُهُ لَا التَّشْدِيدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ طَلَبَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِكَافِرٍ أَمَاتَكَ اللَّهُ عَلَى مَا تَخْتَارُ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، وَأَمَّا إذَا قَالَهُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ: يَمْنَعُ كَوْنُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرًا ضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالرِّضَا مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَصْلَحَةُ، وَهِيَ طَمَعُ إسْلَامِهِمْ وَلَوْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَالَدُ فِيهِمْ اقْتَضَتْ ذَلِكَ فَلَا يُرَدُّ انْتَهَى ك عَنْ تَقْرِيرٍ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَلَدُهُ وَعِيَالُهُ) أَيْ: وَمِنْهُمْ زَوْجَتُهُ.
(قَوْلُهُ: مُبَالَغَةٌ إلَخْ) وَظَاهِرُ الْبِسَاطِيِّ مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَا مُعَاقَبَةَ.
(فَائِدَةٌ) لَا يُقْبَلُ سَبْقُ اللِّسَانِ بِالْكُفْرِ، فَلَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ قَالَهُ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: مُبَالَغَةٌ إلَخْ) أَيْ: أَنَّهُ إذَا تَابَ أَيْ: أَنَّنَا لَا نُجَوِّعُهُ، وَلَا نُعَطِّشُهُ، وَلَا نُعَاقِبُهُ، بَلْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُتَوَهَّمُ خِلَافُهُ حَتَّى يُحْتَاجُ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ أَصْلًا.
نَعَمْ رُبَّمَا يَظْهَرُ فِي الْمُعَاقَبَةِ فَقَطْ أَيْ: أَنَّهُ إذَا تَابَ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْقَتْلُ، لَكِنْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ لِافْتِرَائِهِ أَوَّلًا فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُحْمَلَ إلَخْ أَيْ: أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَتُوبُ أَيْ: وَعَدَ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يُتْرَكُ، بَلْ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ طَلَبُ التَّوْبَةِ حَتَّى يَتُوبَ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا وَارِدٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَعْنَى وَاسْتُتِيبَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ)
رَجْعِيًّا أَوْ كَانَتْ سُرِّيَّةً، فَإِنَّهَا لَا تُقْتَلُ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا زَادَ عَنْ الْحَيْضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُرَّةِ، فَإِنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّتْ، وَهِيَ مُرْضِعٌ، فَإِنَّهَا لَا تُقْتَلُ حَتَّى يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا، وَيَقْبَلَ غَيْرَ أُمِّهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
(ص) وَمَالُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ، وَإِلَّا فَفَيْءٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ فَإِنَّ مَالَهُ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ بِمُجَرَّدِ ارْتِدَادِهِ يَأْخُذُهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ، وَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ يَرْجِعُ مَالُهُ لَهُ إذَا تَابَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ حُرًّا وَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، فَإِنَّ مَالَهُ يَكُونُ فَيْئًا مَحَلُّهُ بَيْتُ الْمَالِ لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ كُفَّارٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ارْتَدَّ فِي مَرَضِهِ وَقُتِلَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ فِيمَا إذَا قُتِلَ قَالَهُ بَعْضٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمَوْتَ فِي زَمَنِ الِاسْتِتَابَةِ كَذَلِكَ، وَإِذَا مَاتَ مَنْ يَرِثُهُ الْمُرْتَدُّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ إرْثَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ وَمَوَالِيهِ وَإِذَا أَسْلَمَ لَا يَسْتَرْجِعُ لَهُ
. (ص) وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، فَإِنَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ يَبْقَى عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي رِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ لِلْأَبِ إنَّمَا تَكُونُ فِي دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَبِعِبَارَةِ وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا أَيْ: حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا وُلِدَ قَبْلَ الرِّدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُهُ: (كَأَنْ تَرَكَ) تَشْبِيهٌ فِيمَا قَبْلَهُ أَيْ: كَمَا إذَا تَرَكَ وَلَدَ الْمُرْتَدِّ أَيْ: غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى بَلَغَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ
. (ص) وَأَخَذَ مِنْهُ مَا جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ كَأَنْ هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ (ش) أَيْ: مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا جَنَى عَمْدًا عَلَى ذِمِّيٍّ، أَوْ عَلَى عَبْدٍ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً بَعْدَ رِدَّتِهِ، أَوْ قَبْلَهَا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ وَدِيَةُ الذِّمِّيِّ، وَأَمَّا لَوْ جَنَى عَمْدًا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِذَلِكَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَدَّهُ الْقَوَدُ، وَهُوَ يَسْقُطُ بِقَتْلِهِ لِرِدَّتِهِ كَمَا إذَا هَرَبَ الْمُرْتَدُّ لِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ كَانَ قَتَلَ حُرًّا مُسْلِمًا، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ لِذَلِكَ وَإِذَا رَجَعَ قُتِلَ لِلرِّدَّةِ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَلِلْقَتْلِ إنْ أَسْلَمَ، وَإِذَا قَذَفَ الْمُرْتَدُّ شَخْصًا فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ هَرَبَ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أُسِرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ حَدَّ الْقَذْفِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْفِرْيَةِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ لِمَا يَلْحَقُ الْمَقْذُوفَ مِنْ الْمَعَرَّةِ، وَأَمَّا إذَا قَذَفَهُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أُسِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: عَمْدًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَهِيَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَمْدَ لِأَجْلِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالْمُسْلِمِ (ص) ، وَالْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ جِنَايَةَ الْمُرْتَدِّ خَطَأٌ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَعَلَى الْحَرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَنَى فَكَمَا يَغْرَمُ عَنْهُ يَأْخُذُ مَالَهُ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ، وَلَهُ مَا لَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً فَفِي مَالِ الْمُرْتَدِّ
. (ص) وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا تَابَ، وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّ مَالَهُ يَرْجِعُ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَكُونُ
[حاشية العدوي]
أَيْ: وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: يُسْتَتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ انْتَهَى.
. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تُقْتَلُ حَتَّى تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ تَحِيضُ وَلَوْ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِضَعْفٍ، أَوْ إيَاسٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ فَلَا تُسْتَبْرَأُ إلَّا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَحِيضَ فِي أَثْنَائِهَا، وَكُلُّ هَذَا فِيمَنْ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ سَيِّدٌ مُرْسَلٌ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا اسْتِبْرَاءَ إلَّا أَنْ تَدَّعِي حَمْلًا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي ذَلِكَ أَوْ شَكُّوا ذَكَرَهُ عج
. (قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ ارْتِدَادِهِ إلَخْ) ضَعِيفٌ فَقَوْلُهُ: وَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِحَ مُقَابِلُهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ، وَلَكِنَّ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ: يَكُونُ كَمَوْتِهِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ فَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ
. (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ إلَخْ) مُقَابِلُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا مَا وُلِدَ فِي حَالِ الِارْتِدَادِ فَإِنْ أَدْرَكُوا قَبْلَ أَنْ يَحْتَمِلُوا، أَوْ تَحِيضَ النِّسَاءُ، فَلْيُجْبَرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا حَتَّى كَبُرُوا وَصَارُوا رِجَالًا وَنِسَاءً رَأَيْت أَنْ يُقَرُّوا عَلَى دِينِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ كَأَنْ تَرَكَ إلَخْ) جَعَلَ الشَّارِحُ ضَمِيرَ تَرَكَ لِوَلَدِ الْمُرْتَدِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمُرْتَدِّ يَغْفُلُ عَنْهُ، وَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ
. (قَوْلُهُ: كَأَنْ هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ) أَيْ: بَعْدَ قَتْلِهِ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ أَسَرْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ قَوَدًا وَيُقْتَلُ لِرِدَّتِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ قُتِلَ قِصَاصًا.
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ) أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ، وَحَدُّ الْفِرْيَةِ الَّذِي حَكَمَ بِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ لَيْسَ مَالًا مِنْ الْأَمْوَالِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ أَوْ عَلَى عَبْدٍ) شَمَلَ الْمُكَاتَبَ وَغَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ) فِيهِ تَخْصِيصٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِالْهَارِبِ مَعَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَالْمُرَادُ بِالْفِرْيَةِ الْكَذِبُ، وَسُمِّيَ فِرْيَةً؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ عِنْدَ الشَّارِعِ، وَإِنْ احْتَمَلَ كَوْنَهُ فِي نَفْسِهِ حَقًّا.
(قَوْلُهُ: لِمَا يَلْحَقُ إلَخْ) أَيْ: فَيُحَدُّ لِلْقَذْفِ، وَيُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا) أَيْ: مُطْلَقًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
(قَوْلُهُ: وَالْخَطَأُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَيْنَ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ جَزْءٍ حِسِّيِّ، أَوْ مَعْنَوِيِّ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ إلَخْ) وَلَا يُقْتَصُّ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ، وَلَوْ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَعْصُومًا.
(قَوْلُهُ: فَفِي مَالِ الْمُرْتَدِّ) أَيْ: لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا بَيْتُ الْمَالِ لَا تَحْمِلُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيُّ وَالْعَبْدُ إنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ، فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ
. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إلَخْ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ يَكُونُ مَالُهُ لَهُ، وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْتُ النَّقْلَ عَنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ حَيْثُ قَالَ: هَذَا أَيْ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ يُنْزَعُ مِنْهُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَيُوقَفُ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ.
انْتَهَى، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَكَتَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مَا يُوَافِقُهُ حَيْثُ
بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ الْمَالُ رَقِيقًا كَانَ، أَوْ حُرًّا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي حِلِّ قَوْلِهِ: وَأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى إلَخْ (ص) وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهِمَا (ش) ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَرْجِعُ لِلْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا جَنَى فِي حَالِ رِدَّتِهِ جِنَايَةً عَمْدًا، أَوْ خِطْئًا، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهِمَا بَعْدَ تَوْبَتِهِ كَالْمُسْلِمِ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا عَلَى الْمُسْلِمِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَتْ خِطْئًا كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ فَفِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ، وَمَا مَرَّ فِي جِنَايَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ وَالْحُرِّ وَالْمُسْلِمِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فِيمَا إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ، وَأَمَّا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، فَلَا يُقَدَّرُ مُسْلِمًا، بَلْ مُرْتَدًّا فَفِيهِ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَبِعِبَارَةِ الضَّمِيرِ فِي فِيهِمَا يَرْجِعُ لِلْعَمْدِ وَالْخَطَأِ الصَّادِرَتَيْنِ مِنْهُ لَا الصَّادِرَتَيْنِ عَلَيْهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَيَحْتَمِلُ الصَّادِرَتَيْنِ مِنْهُ، أَوْ عَلَيْهِ، فِيهِ نَظَرٌ
. (ص) وَقَتْلُ الْمُسْتَسِرِّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا (ش) . الْمُسْتَسِرُّ هُوَ الزِّنْدِيقُ الْمُسَمَّى بِالْمُنَافِقِ يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَسِرَّ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ اخْتِيَارًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَسِرًّا بِكُفْرٍ، أَوْ بِسِحْرٍ فَلَوْ جَاءَ إلَيْنَا تَائِبًا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ، فَقَوْلُهُ: بِلَا اسْتِتَابَةٍ أَيْ: بِلَا قَبُولِ تَوْبَةٍ لَا بِلَا طَلَبِ تَوْبَةٍ فَالسِّينُ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ.
(ص) وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَسِرَّ إذَا قُتِلَ فَإِنَّ مَالَهُ يَكُونُ لِوَارِثِهِ إنْ مَاتَ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ تَابَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ لَا تُسْقِطُ قَتْلَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَا إذَا أَنْكَرَ مَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِهِ الْبَيِّنَةُ مِنْ الزَّنْدَقَةِ
. (ص) وَقُبِلَ عُذْرُ مَنْ أَسْلَمَ وَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ إنْ ظَهَرَ كَأَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَعَادَ مَأْمُومَهُ.
(ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَقَالَ إنَّمَا كَانَ إسْلَامِي لِأَجْلِ عُذْرٍ حَصَلَ لِي، وَظَهَرَ عُذْرُهُ بِقَرِينَةٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَقُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ ذَهَابِ الْخَوْفِ عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَظْهَرْ عُذْرُهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ، وَصَلَّى إمَامًا بِمِنْ صَحِبَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أَمِنَ أَظْهَرَ الْكُفْرَ، وَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأُحَصِّنَ نَفْسِي وَمَالِي بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَهُ، وَمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى أَبَدًا، وَفِيهِ نَوْعُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا مَرَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا إلَخْ
. (ص) وَأُدِّبَ مَنْ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلَى الدَّعَائِمِ أَيْ: لَمْ يَلْتَزِمْ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ: وَإِنَّمَا كَانَ الْتِزَامُ الدَّعَائِمِ رُكْنًا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ضَرُورَةً، وَمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ضَرُورَةً أَقْوَالُ الْإِسْلَامِ، وَأَعْمَالُهُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا لَمْ يُصَدَّقْ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا
[حاشية العدوي]
نَقَلَ عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ) نُسْخَةُ شَيْخِنَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ صَوَابٌ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذِمِّيٍّ فَفِي مَالِهِ فِي الْعَمْدِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَأِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ) أَيْ: وَأَمَّا لَوْ تَابَ وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ كَالْمُسْلِمِ فِي جِنَايَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا الصَّادِرَتَيْنِ عَلَيْهِ) أَيْ: فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَيْ: فَإِنَّ هَذِهِ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ: كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ أَيْ: فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا عَلَى حَالِهِ وَلَا يُقَدَّرُ كَالْمُسْلِمِ
. (قَوْلُهُ: هُوَ الزِّنْدِيقُ) أَيْ: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقَوْلُهُ: الْمُسَمَّى بِالْمُنَافِقِ أَيْ: فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) أَيْ: بِحَيْثُ لَا تَقْتُلُهُ، وَإِلَّا فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنْ حَيْثُ تَغْسِيلُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لَا بِلَا طَلَبٍ إلَخْ) أَيْ: لِأَنَّ نَفْيَ الطَّلَبِ لَا يَنْفِي الْقَبُولَ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةٌ حَيْثُ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَسِرَّ إذَا قُتِلَ) أَيْ: وَلَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ غَيْرُ الْحَاكِمِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ تَابَ) أَيْ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتُبْ بَلْ اسْتَمَرَّ مُصِرًّا فَلَا يَكُونُ مَالُهُ لِوَارِثِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمُرْتَدِّ يَكُونُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ) أَيْ: وَهِيَ حِينَئِذٍ تَنْفَعُهُ فِي عَدَمِ الْقَتْلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ أَيْ: وَهِيَ حِينَئِذٍ لَا تَنْفَعُهُ فِي عَدَمِ الْقَتْلِ بَلْ يُقْتَلُ وَلَا بُدَّ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ إلَخْ) أَيْ: مِثْلَ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَالَهُ يَكُونُ لِوَارِثِهِ أَيْ: وَيُقْتَلُ حِينَئِذٍ حَدًّا كَمَا يُفَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَا سَيَأْتِي
. (قَوْلُهُ: وَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ) أَيْ: خَوْفًا مِنْ غُرْمٍ، أَوْ عَذَابٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَعَادَ مَأْمُومَهُ) أَيْ: وَلَوْ أَسْلَمَ ذَلِكَ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَوْعُ تَكْرَارٍ إلَخْ) إنَّمَا قَالَ: نَوْعُ تَكْرَارٍ وَلَمْ يَقُلْ: تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَكْرَارًا حَقِيقَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ غَيْرُ الْإِعَادَةِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْإِعَادَةُ فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ اللُّزُومِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ تَكْرَارًا حَقِيقَةً بَلْ نَوْعٌ مِنْ التَّكْرَارِ
. (قَوْلُهُ: أَيْ: لَمْ يَلْتَزِمْ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ جَوَابٌ عَنْ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَحَاصِلُ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ الْوُقُوفَ هُوَ الِاطِّلَاعُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ وَلَمْ يَلْتَزِمْهَا لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ مَعَ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُقُوفِ الِالْتِزَامُ، فَمَعْنَى وَلَمْ يُوقَفْ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِغَيْرِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَهَذَا فِيمَنْ يَجْهَلُ الدَّعَائِمَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا كَمَا لَوْ تَرَبَّى بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ كَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ) وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ.
(قَوْلُهُ: بِمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ) أَيْ: تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ إجْمَالًا.
(قَوْلُهُ: أَقْوَالُ الْإِسْلَامِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرِيُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِذْعَانِ الْبَاطِنِيِّ فَمَعْنَى الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: أَقْوَالُ الْإِسْلَامِ إلَخْ أَيْ: الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُنْقَادٌ ظَاهِرًا انْقِيَادًا مَبْنِيًّا عَلَى انْقِيَادٍ بَاطِنِيٍّ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ، فَالْأَقْوَالُ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا أَيْ: أَنَّ الْإِسْلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ
وَلَا مُسْلِمًا، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِيمَانُ بِهَا إجْمَالًا بِأَنْ يُصَدِّقَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالرِّسَالَةِ تَصْدِيقٌ بِمَا جَاءَ بِهِ إجْمَالًا، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْدِيقِ بِهِ تَفْصِيلًا فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْأَدَبِ قَوْلَهُ
: (ص) كَسَاحِرٍ ذِمِّيٍّ إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ السَّاحِرَ الذِّمِّيَّ يُؤَدَّبُ إذَا سَحَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِمْ ضَرَرًا بِسِحْرِهِ، وَأَمَّا إنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ ضَرَرًا بِسِحْرِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ لِنَقْضِ عَهْدِهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ كَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَظَاهِرُهُ أَيُّ ضَرَرٍ كَانَ، قَالَ الْبَاجِيُّ وَإِنْ سَحَرَ أَهْلَ دِينِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا بِسِحْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ، وَبِعِبَارَةٍ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ، فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ كَمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْبَاجِيِّ
. (ص) وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاة وَحَجًّا تَقَدَّمَ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا فَرَّطَ فِي الْعِبَادَاتِ قَبْلَ رِدَّتِهِ مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ زَكَاةٍ، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ ذَلِكَ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ جَبَّ مَا قَبْلَهُ، وَصَارَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ يُسْلِمُ الْآنَ، وَلَمْ يَجُزْهُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ الْحَجِّ، بَلْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَبِعِبَارَةٍ: وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاةً فُعِلَتْ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهَا إنْ لَمْ تُفْعَلْ أَسْقَطَتْ قَضَاءَهَا، وَإِنْ فَعَلَتْ أَسْقَطَتْ ثَوَابَهَا، وَقَوْلُهُ: وَحَجًّا تَقَدَّمَ هَذَا فُعِلَ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَاقٍ، فَصِلَةُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ عَنْهُ وَصِلَةُ الْحَجِّ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيِّدَ هَذِهِ الْأُمُورُ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالرِّدَّةِ إسْقَاطَهَا، وَإِلَّا لَمْ تَسْقُطْ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ الْمَشَذَّالِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْإِحْصَانِ، قَوْلُهُ: وَحَجًّا إلَخْ بِخِلَافِ عِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَاسْتِيلَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا تُسْقِطُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَقْفَ كَذَلِكَ
. (ص) وَنَذْرًا وَكَفَّارَةً وَيَمِينًا بِاَللَّهِ، أَوْ بِعِتْقٍ، أَوْ ظِهَارٍ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنْ الْمُرْتَدِّ هَذِهِ الْأُمُورَ سَوَاءٌ حَنِثَ فِيهَا، أَمْ لَا، كَانَ الْعِتْقُ مُعَيَّنًا، أَمْ لَا وَالتَّفْصِيلُ ضَعِيفٌ.
(ص) وَإِحْصَانًا وَوَصِيَّةً.
(ش) يَعْنِي أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الرِّدَّةِ تُسْقِطُ الْإِحْصَانَ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَيَأْتَنِفَانِ الْإِحْصَانَ إذَا أَسْلَمَا وَمَنْ زَنَى مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ لَمْ يُرْجَمْ حَتَّى يَتَزَوَّجَ، وَإِذَا أَوْصَى بِوَصَايَا، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تُسْقِطُ مَا أَوْصَى بِهِ، قَالَ فِيهَا: إذَا قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ عَتَقَتْ أُمُّ وَلَدِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَعَتَقَ مُدَبَّرُهُ فِي
[حاشية العدوي]
وَالْأَفْعَالِ أَيْ: مُدْرَكٌ بِهَا فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: فَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا لَمْ يُصَدَّقْ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الِانْقِيَادُ الْبَاطِنِيُّ فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمْهَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ انْقِيَادٌ بَاطِنِيٌّ، وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَا مُسْلِمًا، أَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ مُؤْمِنًا فَلِانْتِفَاءِ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الِانْقِيَادُ الْبَاطِنِيُّ الرَّاجِعُ لِقَوْلٍ نَفْسَانِيٍّ كَآمَنْتُ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا أَيْ: لِفَقْدِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا الْقَدْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ، الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَهَذَا الْقَدْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَيْ: لَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِ الْإِيمَانِ مِنْ التَّصْدِيقِ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِزِيَادَةِ مَا قُلْنَاهُ فِي حَلِّهِ أَيْ: تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا، وَمُفَادُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَدَّقَ إجْمَالًا ثُمَّ لَحِقَهُ الْمَوْتُ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا وَلَا مُسْلِمًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُغَسَّلُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِمْ إذَا سُئِلَ عَنْهُمْ يَقُولُ: لَا أَدْرِي يَكُونُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْعِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إلَّا بِإِنْكَارِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ إلَخْ) أَيْ: فَقَضِيَّةُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى الدَّعَائِمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عُذْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَأَقُولُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّخْمِيِّ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَكْفِي فِي جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ أَيْ: عَقِبَ تَصْدِيقِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُوَرَّثُ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: أَنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى الدَّعَائِمِ يُقْبَلُ عُذْرُهُ وَلَا نَقْتُلُهُ.
(قَوْلُهُ: فَتَأَمَّلْ) أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِمَا فِي الْمَقَامِ مِنْ الْبَحْثِ كَمَا تَبَيَّنَ
. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَيُّ ضَرَرٍ كَانَ) أَقُولُ: إنَّ السِّحْرَ ضَرَرٌ فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا تَنَاقُضٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ فِعْلٌ مَعَهُ السِّحْرِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ، فَقُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الضَّرَرُ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَحْصُلَ عَادَةً
. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ وَقْتَهُ بَاقٍ) وَمِثْلُهُ مَنْ أَدَّى صَلَاةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ فُعِلَتْ وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيِّدَ هَذِهِ الْأُمُورُ) أَيْ: الَّتِي أَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُهَا فَيَشْمَلُ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَنَذْرًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُسْقِطُهُ) أَيْ: سَوَاءٌ أَسْلَمَ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَيَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَيَسْتَمِرُّ الْوَقْفُ مَوْقُوفًا
. (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ ظِهَارٍ) ظَاهِرُهُ الْجَرُّ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِعِتْقٍ وَيَكُونُ سَاكِتًا عَنْ تَنْجِيزِ الظِّهَارِ أَيْ: بِدُونِ يَمِينٍ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ التَّوْبَةَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الرِّدَّةَ هِيَ الْمُسْقِطَةُ لَا التَّوْبَةُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَثَرُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ أَسْنَدَ الْإِسْقَاطَ إلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ حَنِثَ فِيهَا أَمْ لَا) أَيْ: حَنِثَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ كَمَا أَفَادَهُ غَيْرُهُ أَيْ: وَأَمَّا لَوْ حَنِثَ فِي الْعِتْقِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَقَدْ تَمَّ الْعِتْقُ بِمَثَابَةِ تَنْجِيزِ عِتْقِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهَا تُسْقِطُ هَذِهِ الْأُمُورَ حَنِثَ فِيهَا أَمْ لَا، وَكَذَا تُسْقِطُ الظِّهَارَ الْمُنَجَّزَ فَهِيَ تُسْقِطُ الظِّهَارَ الْمُنَجَّزَ، وَالْيَمِينَ بِالظِّهَارِ، وَكَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّفْصِيلُ ضَعِيفٌ) أَيْ: إنَّ ابْنَ كِنَانَةَ يُفَصِّلُ أَيْ: يُقَيِّدُ الْعِتْقَ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَقٌّ لِمُعَيِّنٍ فَلَا يَسْقُطُ.
(قَوْلُهُ: تُسْقِطُ الْإِحْصَانَ) أَيْ: الْكَائِنَ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا تَحْصِينُهُ لِلزَّوْجَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِارْتِدَادِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْرِ، وَكَذَا عَكْسُهُ
الثُّلُثِ، وَبَطَلَتْ وَصَايَاهُ انْتَهَى، وَسَوَاءٌ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ مَاتَ، أَوْ تَابَ، وَأَمَّا لَوْ ارْتَدَّ الْوَاهِبُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ الْهِبَةُ إلَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ أَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ
. (ص) لَا طَلَاقًا، وَرِدَّةُ مُحَلِّلٍ بِخِلَافِ رِدَّةِ الْمَرْأَةِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الرِّدَّةِ لَا تُسْقِطُ الطَّلَاقَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مَثَلًا، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَرَجَعَ لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ فِي زَمَنِ رِدَّتِهِ حَلَّتْ لَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَرْتَدَّا مَعًا، فَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا، ثُمَّ رَجَعَا لِلْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ قَدْ بَطَلَ بِالرِّدَّةِ، وَكَذَلِكَ إذَا ارْتَدَّ الْمُحَلِّلُ لِلْمَبْتُوتَةِ، ثُمَّ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَإِنَّ تَحْلِيلَهُ لِلْمَرْأَةِ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ فِي غَيْرِهِ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمُحَلَّلَةُ، فَتَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا أَوَّلًا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَحَلَّتْ لِلْمُطَلِّقِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّ تَحْلِيلَهَا يَسْقُطُ بِتَوْبَتِهَا، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَ طَلَاقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا أَبْطَلَتْ فِعْلَهَا فِي نَفْسِهَا، وَهُوَ نِكَاحُهَا الَّذِي أَحَلَّهَا كَمَا أَبْطَلَتْ نِكَاحَهَا الَّذِي أَحْصَنَهَا
. (ص) وَأَقَرَّ كَافِرٌ انْتَقَلَ (لِكُفْرٍ) آخَرَ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا انْتَقَلَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ آخَرَ فَإِنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ، وَنُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَدِيثُ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مَحْمُولٌ عَلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الدِّينُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، وَمَفْهُومُ كَافِرٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَرُّ إذَا انْتَقَلَ لِلْكُفْرِ، وَمَفْهُومُ لِكُفْرٍ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ لِلْإِسْلَامِ يُقَرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ
. (ص) وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لِصِغَرٍ، أَوْ جُنُونٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ كَأَنْ مَيَّزَ.
(ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ بِسَبَبِ إسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ، وَعَدَمُ تَمْيِيزِ الْوَلَدِ إمَّا لِأَجْلِ صِغَرِهِ، أَوْ لِأَجْلِ جُنُونِهِ، وَلَوْ بَالِغًا، وَغَيْرُ الْأَبِ لَا يَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ بِسَبَبِ إسْلَامِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ الْمُمَيِّزِ الَّذِي لَمْ يُرَاهِقْ بِسَبَبِ إسْلَامِ أَبِيهِ فَقَطْ، وَكَذَا بِإِسْلَامِهِ اسْتِقْلَالًا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبِ دِنْيَةُ قَوْلِهِ: وَحُكِمَ إلَخْ وَيُجْبَرُ بِالْقَتْلِ إنْ امْتَنَعَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُمَيِّزْ الثَّوَابَ مِنْ الْعِقَابِ، أَوْ الْقُرْبَةَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ.
(ص) إلَّا الْمُرَاهِقَ وَالْمَتْرُوكَ لَهَا فَلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إنْ امْتَنَعَ، وَيُوقَفُ إرْثُهُ.
(ش) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: وَحُكِمَ بِإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْمُرَاهِقِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَغَفَلْنَا عَنْهُ إلَى أَنْ بَلَغَ سِنَّ الْمُرَاهَقَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ وَإِذَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِ كُلٍّ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِالْقَتْلِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَلَهُ وَلَدٌ مُرَاهِقٌ مِنْ أَبْنَاءِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَشَبَهَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وُقِفَ مَالُهُ إلَى بُلُوغِ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَرِثَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَرِثْهُ، وَكَانَ الْمَالُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ أَسْلَمَ الْوَلَدُ قَبْلَ احْتِلَامِهِ لَمْ يَتَعَجَّلْ أَخْذَ ذَلِكَ حَتَّى يَحْتَلِمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُقْتَلْ، وَلَوْ قَالَ: الْوَلَدُ لَا أُسْلِمُ إذَا بَلَغْتُ لَمْ يُنْظَرْ إلَى ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ إيقَافِ الْمَالِ إلَى احْتِلَامِهِ، فَقَوْلُهُ: إلَّا الْمُرَاهِقَ مِنْ الْمُرَاهَقَةِ، وَهِيَ الْمُقَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ قَارَبَ الْبُلُوغَ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يُجْبَرُ بِقَتْلٍ إنْ امْتَنَعَ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا مَرَّ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ كَالتَّهْدِيدِ وَالضَّرْبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(ص) وَلِإِسْلَامِ سَابِيهِ إنْ لَمْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ ارْتَدَّ الْوَاهِبُ إلَخْ) أَيْ: بَعْدَ حِيَازَةِ الْهِبَةِ كَمَا فِي خَطِّ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَالصَّوَابُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَمَعْنَاهُ لَا يُحْكَمُ بِبُطْلَانِهَا بَلْ تُوقَفُ فَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بَطَلَتْ، وَإِنْ أَسْلَمَ صَحَّتْ، وَقَوْلُهُ: إلَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ فِيهِ أَنَّ الْحَجْرَ بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ إنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ
. (قَوْلُهُ: لَا طَلَاقًا) الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ أَنَّ الظِّهَارَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فَأَشْبَهَ الْأَيْمَانَ، وَأَمَّا يَمِينُ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْلَ حِنْثِهِ، فَإِنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُهَا.
(قَوْلُهُ: وَرِدَّةُ مُحَلِّلٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى فَاعِلِ أَسْقَطَتْ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ مَعَ مُرَاعَاةِ النَّفْيِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ) أَيْ: وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَالَهُ سَيِّدِي أَحْمَدُ مَا لَمْ يَقْصِدَا بِارْتِدَادِهِمَا التَّحْلِيلَ فَلَا يُحِلَّانِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ بَقِيَ مَا إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَقَطْ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَتْ لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّ رِدَّتَهَا لَا تُسْقِطُ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ بَعْدُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إسْقَاطٌ إلَّا إذَا ارْتَدَّا مَعًا لَا إنْ حَصَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ، وَلَوْ قُلْنَا: أَنَّهُ مِلَلٌ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ لِلْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: وَأَقَرَّ إلَخْ أَيْ: وَلَوْ إلَى مَذْهَبِ الْمُعَطِّلَةِ أَوْ الدَّهْرِيَّةِ، وَلَكِنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ عَمَلًا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلُ
. (قَوْلُهُ: بِإِسْلَامِ أَبِيهِ) الْبَاءُ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِحُكْمِ صِلَةٍ لَا تَعْلِيلِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالتَّعْلِيلِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَرْفَا جَرٍّ مُتَّحِدَا اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا بِإِسْلَامِهِ اسْتِقْلَالًا) هَذَا خَارِجٌ عَنْ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: أَيْ: لَمْ يُمَيِّزْ الثَّوَابَ مِنْ الْعِقَابِ) رَدَّ ذَلِكَ عج بِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ أَنْ يُقَالَ: عَقَلَ الْإِسْلَامِ دِينًا يَتَدَيَّنُ بِهِ، وَفَائِدَةُ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ مَنْ ذُكِرَ الْحُكْمُ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ امْتَنَعَ وَذَكَرَهُ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
(قَوْلُهُ: إلَّا الْمُرَاهِقَ) أَيْ: الْمُمَيِّزَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَتْرُوكُ لَهَا إلَخْ) فِي كَلَامِ الْمَوَّاقِ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَتْرُوكِ لَهَا بَيْنَ الْمُمَيِّزِ، وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُرَاهِقُ عِنْدَ إسْلَامِ أَبِيهِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مُمَيِّزًا فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا لَيْسَ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يُحْكَمْ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَلَا يُجْبَرُ إلَخْ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ.
(قَوْلُهُ: بِإِسْلَامِ كُلٍّ) أَيْ: مِنْ الْمُرَاهِقِ وَالْمَتْرُوكِ لَهَا.
(قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إلَخْ) هَذَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إسْلَامَهُ مُعْتَبَرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ فَائِدَتِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ قَوْلَيْنِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ جُبِرَ بِالضَّرْبِ، وَلَمْ يُقْتَلْ، وَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إنْ امْتَنَعَ وَهُوَ الرَّاجِحُ
يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ.
(ش) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي صِغَارِ الْمَجُوسِ وَالْكِتَابِيِّينَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَ الْكَافِرَ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَوْ نَوَى بِهِ سَابِيَهُ الْإِسْلَامَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ لِأَجْلِ صِغَرِهِ، أَوْ لِأَجْلِ جُنُونِهِ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ الْمُسْلِمِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ، أَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ أَبُوهُ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَبَعًا لَهُ
. (ص) وَالْمُتَنَصِّرُ مِنْ كَأَسِيرٍ عَلَى الطَّوْعِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْأَسِيرَ وَمَنْ دَخَلَ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ بِتِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا إذَا تَنَصَّرَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ طَوْعًا، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ تُحْمَلُ عَلَى الطَّوْعِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، فَقَوْلُهُ: عَلَى الطَّوْعِ أَيْ: عِنْدَ الْجَهْلِ، وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ مَفْهُومُ قَوْلِنَا عِنْدَ الْجَهْلِ، فَلَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: عَلَى الطَّوْعِ
. (ص) وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا وَإِنْ عَرَّضَ، أَوْ لَعَنَهُ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ قَذَفَهُ، أَوْ اسْتَخِفَّ بِحَقِّهِ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا، وَإِنْ فِي دِينِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ، أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ، أَوْ قِيلَ: لَهُ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ، وَقَالَ: أَرَدْت الْعَقْرَبَ قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ حَدًّا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَبَّ أَيْ: شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ سَبَّ مَلَكًا كَذَلِكَ، أَوْ ذَكَرَ لَفْظَةً مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ، وَيُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا إنْ قُتِلَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ ازْدِرَائِهِ لَا لِأَجْلِ كُفْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ بِأَنْ يَقُولَ قَوْلًا فِي
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَهُوَ عَامٌّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى حِلِّ شَارِحِنَا يَكُونُ الْمُصَنِّفُ ذَاكِرًا لِلْقَوْلَيْنِ فَمَشَى فِي بَابِ الْجَنَائِزِ عَلَى قَوْلٍ، وَهُنَا عَلَى قَوْلٍ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِيهَا، فَإِذَا كَانَتْ الرِّوَايَتَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَمَا تَقَدَّمَ يَكُونُ هُوَ الرَّاجِحُ وَمَا هُنَا خِلَافُهُ، وَذَهَبَ عج إلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِيٍّ صَغِيرٌ، وَمَا هُنَا فِي مَجُوسِيٍّ صَغِيرٍ فَلَا مُعَارَضَةَ وَأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ أَيْ: الْمَجُوسِيُّ الْكَبِيرُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبُوهُ الْمَجُوسِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَكُونُ إسْلَامُهُ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ لِجَبْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ الصَّغِيرَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ اتِّفَاقًا، وَالْمَجُوسِيُّ الْكَبِيرُ يُجْبَرُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَالْكِتَابِيُّ الْكَبِيرُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ اتِّفَاقًا، وَالصَّغِيرُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّاجِحِ، ثُمَّ مَا هُنَا فِي غَيْرِ اللَّقِيطِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي اللُّقَطَةِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ مُمَيِّزًا فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ.
. (قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَصِّرُ) أَيْ: وَالْمُتَهَوِّدُ لَوْ فُرِضَ.
(قَوْلُهُ: مَنْ كَأَسِيرٍ) أُدْخِلَتْ الْكَافُ مَنْ دَخَلَ بِلَادَ الْحَرْبِ لِتِجَارَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: عَلَى الطَّوْعِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: عِنْدَ الْجَهْلِ أَيْ: لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ وَلَا طَوْعُهُ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ مَعْنَاهُ، وَلَا طَوْعُهُ فَيَكُونُ عَيْنُ قَوْلِهِ: عِنْدَ الْجَهْلِ وَقَوْلُهُ فَلَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: عَلَى الطَّوْعِ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى الطَّوْعِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَهْلِ فَالْإِغْنَاءُ حَاصِلٌ قَطْعًا، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَثْبُتْ إكْرَاهُهُ أَيْ: بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْعُمُومِ كَمَا إذَا اشْتَهَرَ عَنْ جِهَةٍ مِنْ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ يُكْرِهُونَ الْأَسِيرَ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِمْ، أَوْ يُكْثِرُونَ مِنْ الْإِسَاءَةِ إلَيْهِ فَإِذَا تَنَصَّرَ خَفَّفُوا عَنْهُ
. (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا إلَخْ) سَيَأْتِي أَنَّ السَّبَّ مَعْنَاهُ الشَّتْمُ، وَالشَّتْمُ كُلُّ كَلَامٍ قَبِيحٍ كَمَا قَالُوا فَإِذَنْ الْقَذْفُ، أَوْ الِاسْتِخْفَافُ بِالْحَقِّ، أَوْ إلْحَاقُ النَّقْصِ إلَخْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي دَاخِلٌ فِي السَّبِّ فَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ) أَيْ: كَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ نُصْرَتُهُ وَتَوْقِيرُهُ، أَوْ سَمِعَ مَنْ يُنْقِصُهُ، وَلَمْ يُغَيِّرْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فِي دِينِهِ) أَيْ: هَذَا إذَا كَانَ فِي بَدَنِهِ كَعَرَجٍ، أَوْ عَمًى بَلْ، وَإِنْ فِي دِينِهِ هَذَا مَعْنَاهُ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ أَوْلَى مِمَّا بَعْدَهَا، فَالْأَحْسَنُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ إنْ فِي ثَوْبِهِ لِمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ: إنَّ رِدَاءَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَسِخٌ، وَأَرَادَ بِهِ عَيْبَهُ قُتِلَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ: خَصْلَتِهِ) أَيْ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا، أَوْ شُجَاعًا وَهَذَا مِنْ السَّبِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ مِنْ تَغْيِيرِ الصِّفَةِ، أَوْ مِنْ الْعَيْبِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ شَتْمٍ فَهُوَ نَقْصٌ فِي مَرْتَبَتِهِ فَظَهَرَ مَا قُلْنَا مِنْ التَّكْرَارِ كَمَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ وُفُورِ عِلْمِهِ) أَيْ: زِيَادَةِ عِلْمِهِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ وُفُورِ زُهْدِهِ أَيْ: زِيَادَةِ زُهْدِهِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الزُّهْدِ بَلْ أَفْتَى الْأَنْدَلُسِيُّونَ فِي عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِالْقَتْلِ فِي نَفْيِهِ أَصْلَ الزُّهْدِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ: أَوْ أَضَافَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السَّبِّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ نَسَبَ لَهُ مَا لَا يَلِيقُ إلَخْ) كَمُدَاهَنَتِهِ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَوْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ: أَوْ غَضَّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ إلَخْ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَثَالِثُهَا قَوْلُهُ: أَوْ نَسَبَ لَهُ إلَخْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ إلَخْ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ يَحْتَمِلُ رُجُوعُهُ لِلثَّلَاثَةِ، وَلِلْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَلَا عَمَلَ عَلَى مَفْهُومِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَ بِهِ الْمَدْحَ لَا يُعْذَرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ فِي الْإِغْيَاءِ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَالَ: أَرَدْتُ الْعَقْرَبَ إلَخْ) إنَّمَا قُتِلَ لِأَنَّ دَعْوَاهُ خِلَافُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُسْتَتَبْ) لَيْسَ الْمُرَادُ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ تَوْبَةٌ، بَلْ الْمُرَادُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وَقَوْلُهُ: حَدًّا، مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَابَ، أَوْ أَنْكَرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ، وَيَمُوتُ مُسْلِمًا، وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِالسَّبِّ، وَلَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، بَلْ تُسْتَرُ عَوْرَتُهُ، وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) لِخَبَرِ «الْإِسْلَامِ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلَا يُقَالُ: لَهُ أَسْلِمْ وَلَا لَا تُسْلِمْ لَكِنْ إنْ أَسْلَمَ فَذَلِكَ لَهُ تَوْبَةٌ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا فِي مَعْنَاهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي فِي مَعْنَاهُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ لَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ كَانَ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَافِرٌ
شَخْصٍ وَهُوَ يُرِيدُ خِلَافَهُ إيجَابًا، أَوْ سَلْبًا كَقَوْلِهِ فِي الْقَذْفِ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي مَعْرُوفٌ، أَوْ لَسْت بِزَانٍ، وَالتَّلْوِيحُ الْإِشَارَةُ الْبَعِيدَةُ فِي الْكَلَامِ كَكَثِيرِ الرَّمَادِ الْمُنْتَقِلِ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ، ثُمَّ لِكَثْرَةِ الضُّيُوفِ، وَمِنْهُ لِلْكَرْمِ وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ لِلشَّيْءِ بِخَفَاءٍ كَعَرِيضِ الْقَفَا إشَارَةً لِلْبَلَادَةِ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ لَعَنَ نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ تَمَنَّى مَضَرَّتَهُ، أَوْ عَابَهُ أَيْ: نَسَبَهُ لِلْعَيْبِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، أَوْ عُرْفًا فِي خُلُقٍ، أَوْ دِينٍ، أَوْ قَذَفَهُ بِأَنْ نَسَبَهُ لِلزِّنَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ بِأَنْ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ نَهَى عَنْ الظُّلْمِ: لَا أُبَالِي بِنَهْيِهِ، وَنَحْوَهُ، أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ كَأَسْوَدَ، أَوْ قَصِيرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ أَلْحَقَ بِنَبِيٍّ، أَوْ مَلَكٍ نَقْصًا بِأَنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَدَنِهِ بِأَنْ كَانَ فِي دِينِهِ، بَلْ وَإِنْ فِي بَدَنِهِ، أَوْ خَصْلَتِهِ أَيْ: شِيمَتِهِ وَطَبِيعَتِهِ الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا، أَوْ غَضَّ أَيْ: نَقَصَ مِنْ مَرْتَبَتِهِ.
أَوْ مِنْ وُفُورِ عِلْمِهِ، أَوْ زُهْدِهِ، أَوْ أَضَافَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ، أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ كَمَا إذَا نَفَى عَنْهُ الزُّهْدَ، أَوْ قَالَ: لَيْسَ بِمَكِّيٍّ، أَوْ لَيْسَ بِحِجَازِيٍّ؛ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ نَفْيٌ لَهُ، وَتَكْذِيبٌ بِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ وَالْفَتْوَى مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ وَإِلَى هَلُمَّ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ مَنْ قِيلَ لَهُ: بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَلَعَنَ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ الْعَقْرَبَ؛ لِأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ إلَى مَنْ تَلْدَغُهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّأْوِيلُ، فَقَوْلُهُ: قُتِلَ إلَخْ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ سَبَّ إلَخْ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بَيْنَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ حَيْثُ سَبَّهُ بِغَيْرِ مَا كَفَرَ بِهِ كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَوْبَةِ الْكَافِرِ أَنَّهَا تُقْبَلُ، وَتَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ لَا تُقْبَلُ، إنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ حُدَّ، وَهُوَ زِنْدِيقٌ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ، وَالْكَافِرُ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ، فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ، وَلَا يُجْعَلُ سَبُّهُ مِنْ جُمْلَةِ كُفْرِهِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا عَلَى قَتْلِنَا، وَأَخْذِ أَمْوَالِنَا وَلَوْ قَتَلَ أَحَدَنَا قَتَلْنَاهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِ اسْتِحْلَالُهُ.
(ص) وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّهُ لِجَهْلٍ، أَوْ سُكْرٍ، أَوْ تَهَوُّرٍ.
(ش) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْقَتْلِ يَعْنِي أَنَّ السَّابَّ يُقْتَلُ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّ النَّبِيِّ لِأَجْلِ جَهْلٍ، أَوْ لِأَجْلِ سُكْرٍ، أَوْ لِأَجْلِ تَهَوُّرٍ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ كَثْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ إذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ وَلَا بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ
. (ص) وَفِيمَنْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ جَوَابًا لِصَلِّ، أَوْ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ جَوَابًا لِتَتَّهِمنِي، أَوْ جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَوْلَانِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَرْعٍ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ لَهُ مُجَاوِبًا: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، فَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَتَمَ النَّاسَ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَتَمَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَحَلُّهُمَا إذَا قَالَ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يُرِيدُ خِلَافَهُ) أَيْ: يُرِيدُ خِلَافَ مَدْلُولِهِ أَيْ: فَاسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ فِي مَدْلُولِهِ وَلَكِنَّ قَصْدَهُ خِلَافُهُ، وَقَوْلُهُ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي مَعْرُوفٌ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: إيجَابًا، وَقَوْلُهُ: أَوْ لَسْت بِزَانٍ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ سَلْبًا.
(قَوْلُهُ: وَالتَّلْوِيحُ) الْإِشَارَةُ الْبَعِيدَةُ فِي الْكَلَامِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ، أَوْ اسْمُ اللَّازِمِ فِي الْمَلْزُومِ عَلَى الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: الْمُنْتَقِلُ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالْأَصْلُ الْمُنْتَقِلُ مِنْهُ لِكَثْرَةِ الْإِحْرَاقِ، ثُمَّ لِكَثْرَةِ الطَّبْخِ، وَقَوْلُهُ: وَمِنْهُ لِلْكَرَمِ أَيْ: فَقَوْلُهُ: كَثِيرُ الرَّمَادِ مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْكَرَمِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ اسْمُ الْمَلْزُومِ، وَذَلِكَ الْمَلْزُومُ الذَّاتُ الثَّابِتُ لَهَا كَثْرَةُ الرَّمَادِ فِي اللَّازِمِ، وَهُوَ الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِكَثْرَةِ الْكَرَمِ إلَّا أَنَّهُ بِوَسَائِطَ كَمَا تَبَيَّنَ.
(قَوْلُهُ: كَعَرِيضِ الْقَفَا) أَيْ: فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ، وَأَشَارَ إلَى لَازِمِهِ، وَهُوَ الْبَلَادَةُ أَيْ: عَدَمُ الْفَهْمِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَنْفَرِدُ عَنْ الْآخَرِ، فَيَكُونُ مُسْتَحْسَنًا عَقْلًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا شَرْعًا، وَعَادَةً، فَالْعَادَاتُ قَدْ تَخْتَلِفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى اسْتَحْسَنَتْ الْعُقُولُ شَيْئًا لَا تَكُونُ الْعَادَةُ بِخِلَافِهِ وَانْظُرْهُ.
(قَوْلُهُ: فِي خُلُقٍ) إنْ قُرِئَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَهُوَ الْوَصْفُ الْبَاطِنِيُّ فَاتَهُ الْخَلْقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرِيُّ فَيُقْرَأُ بِأَحَدِهِمَا وَيُقَدَّرُ الثَّانِي مَعَ عَاطِفِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ غَيَّرَ صِفَتَهُ إلَخْ) وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ يُشْعِرُ بِنَقْصٍ لَا أَنَّ مُجَرَّدَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كُفْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ اُنْظُرْ شَرْحَ عج فِي شَرْحِ السِّيرَةِ فِي ذِكْرِ أَوْصَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (قَوْلُهُ: وَطَبِيعَتِهِ) عَطْفُ الطَّبِيعَةِ عَلَى الشِّيمَةِ تَفْسِيرٌ.
(قَوْلُهُ: لَا تُعْرَفُ لَهُ تَوْبَةٌ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّ ظَاهِرَهُ الْإِسْلَامُ، وَمَا فِي الْقَلْبِ مَغِيبٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَافِرُ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ) الظَّاهِرُ وَقَوْلُهُ: فَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ أَيْ: إسْلَامُهُ الظَّاهِرُ أَيْ: فَيَنْتَفِي مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْكُفْرِ الظَّاهِرِ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ السَّابَّ يُقْتَلُ) أَيْ: الْمُكَلَّفُ فَخَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يُقْتَلَانِ بِسَبِّهِمَا، وَأَمَّا صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ فَرِدَّتُهُ مُعْتَبَرَةٌ وَإِسْلَامُهُ كَذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ اُسْتُتِيبَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا سَبَّ، وَهُوَ صَغِيرٌ مُمَيِّزٌ، فَلَا نَقْتُلُهُ إذَا بَلَغَ وَتَابَ، أَوْ أَنْكَرَهُ فَأَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ
. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا شَتَمَ النَّاسَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مَعَ الَّذِي بَعْدَهُ مُتَعَارِضَانِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّتْمَ لِلنَّاسِ وَالْمَلَائِكَةِ مَعًا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَحْسَنُ حَيْثُ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: لِشُمُولِ لَفْظِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ إنَّمَا شَتَمَ النَّاسَ أَيْ: يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ: فِي الثَّانِي إنَّمَا شَتَمَ الْمَلَائِكَةَ أَيْ: يُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْصَدَ فَيَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْقَتْلِ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُمَا إلَخْ)
لَهُ فِي حَالَة الْغَضَبِ، وَإِلَّا قُتِلَ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّانِي إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أَتَتَّهِمُنِي مُسْتَفْهِمًا فَقَالَ لَهُ: الْأَنْبِيَاءُ يُتَّهَمُونَ، فَكَيْفَ أَنْتِ فَقِيلَ: يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ لِبَشَاعَةِ هَذَا اللَّفْظِ، وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّنْ اتَّهَمَهُ مِنْ الْكُفَّارِ، لَكِنْ يُعَاقَبُ، وَيُطْلَقُ الثَّالِثُ إذَا قَالَ: جَمِيعُ الْبَشَرِ يَلْحَقُهُمْ النَّقْصُ حَتَّى النَّبِيِّ.
- عَلَيْهِ السَّلَامُ - قِيلَ: يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ، وَقِيلَ: يُعَزَّرُ فَقَطْ، وَهَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ
. (ص) وَاسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ.
أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ، أَوْ تَنَبَّأَ.
(ش) لَمَّا فَرَّعَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الْقَتْلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ أَتْبَعهَا بِمَسَائِلَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا هَلْ هِيَ تُوجِبُ الْقَتْلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ، أَوْ لَا تُوجِبُ الْقَتْلَ؟ ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْعُقُوبَةُ فَقَطْ؟ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أَنَّهُ هُزِمَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَالْمُؤَلِّفُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْمُرَابِطِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ مَا جَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَمِثْلُهُ هُزِمَتْ جُيُوشُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا هُنَاكَ أَنَّ بَعْضَ الْأَفْرَادِ فَرُّوا هَذَا نَادِرٌ، وَكَذَلِكَ يُسْتَتَابُ مَنْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْلِنْ بِتَكْذِيبِهِ، بَلْ أَسَرَّ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ زِنْدِيقًا، فَيُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ سِرًّا، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنَا تَائِبًا، فَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُسِرَّ عَلَى الْأَظْهَرِ) قَاصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ تَنَبَّأَ لِكَوْنِ اسْتِظْهَارِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا هُوَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْرَارَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْلَنَ لَكِنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي قَوْلِهِ: أَوْ تَنَبَّأَ وَفِي قَوْلِهِ: أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَوْ هُزِمَ الْقَتْلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السَّبِّ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْرَارِ أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ سِرًّا
. (ص) وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَوْ لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْته، أَوْ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ عُيِّرَ بِالْفَقْرِ، فَقَالَ: تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ، أَوْ قَالَ لِغَضْبَانَ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ، أَوْ مَالِكٍ.
(ش) يَعْنِي إنْ طَلَبَ شَيْئًا يَأْخُذُهُ مِنْ شَخْصٍ كَمَا فِي قَضِيَّةِ الْعَشَّارِ فَقَالَ: أَشْكُوكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ: أَدِّ إلَيَّ، وَاشْكُنِي لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ ابْنِ عَتَّابٍ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا بِقَتْلِ الْعَشَّارِ فَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فَلَيْسَتْ كَكَلَامِ
[حاشية العدوي]
أَيْ: فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الدَّرَكُ فِي إسْقَاطِ هَذَا الْقَيْدِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا صَلَّى اللَّهُ إلَخْ) أَيْ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ فَيُقْتَلُ قَوْلًا وَاحِدًا كَذَا النَّصُّ.
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ يُقْتَلُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ رَأَى أَنَّ هَذَا إخْبَارٌ صَدَرَ مِنْهُ، وَفِيهِ نِسْبَةُ النَّقْصِ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ عُمُومِ جَمِيعِ الْبَشَرِ مَعَ دُخُولِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِمْ، وَمِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِغْيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ رَأَى احْتِمَالَهُ لِلْأَخْبَارِ مِمَّنْ قَالَهُ قَالَ: بَعْضُهُمْ وَفِي هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ بُعْدٌ.
قَالَ بَهْرَامُ وَالْقَوْلُ بِالْقَتْلِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ أَظْهَرُ.
اهـ. أَيْ: فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: لِبَشَاعَةِ هَذَا اللَّفْظِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مُطْلَقَ الْبَشَاعَةِ لَا يَقْتَضِي الْقَتْلَ، وَقَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ إلَخْ هَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إلَيْهِ
. (قَوْلُهُ: هَلْ هِيَ تُوجِبُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ضَعِيفًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ نَظَرَ إلَيْهِ، وَطَرَحَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْمُرَابِطِ إلَخْ) الْعَجَبُ مِنْ ابْنِ الْمُرَابِطِ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: مَنْ قَالَ: هُزِمَتْ بَعْضُ جُيُوشِهِ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَجُمَعَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى تَأْوِيلِهِ بِقَصْدِ التَّنْقِيصِ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَقْصِدْ تَنْقِيصًا، فَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ) أَيْ: مَنْ كَانَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ فَخَرَجَ جُيُوشُهُ الَّتِي يُرْسِلُهَا وَيُؤَمِّرُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ فَإِذَا نَسَبَ الْهَزْمَ إلَيْهِمْ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَايَةَ مَا هُنَاكَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَإِنَّمَا قُتِلَ لِكَذِبِهِ الْمَذْكُورِ الْمُؤَدِّي لِلتَّنْقِيضِ؛ لِأَنَّ جَيْشَهُ لَمْ يُهْزَمْ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا هُنَاكَ أَنَّ بَعْضَ الْأَفْرَادِ فَرَّ أَيْ: فَكَيْفَ يُنْسَبُ الْهَزِيمَةُ لِلْجَيْشِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا نَادِرٌ أَيْ: عَلَى أَنَّ هَذَا الَّذِي فِيهِ قَدْ وَقَعَ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْجُيُوشِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ) هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ تَنَبَّأَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ قَوْلِهِ قَبْلُ: أَوْ ادَّعَى شَرِيكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ادَّعَى أَنَّ مُعَيَّنًا كَعَلِيٍّ مُشَارِكٌ لَهُ فِي النُّبُوَّةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُسِرَّ) أَيْ: يَقُولَ ذَلِكَ سِرًّا.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا أَفَادَهُ نَقْلُ مُحَشِّي تت مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةِ أَوْ أَعْلَنَ بِتَكْذِيبِهِ أَوْ تَنَبَّأَ الِاسْتِتَابَةُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ النَّقْلَ الْمُفِيدَ لِذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّنْقِيصِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّنْقِيضَ هُوَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِرِسَالَتِهِ؛ وَيُثْبِتَ لَهُ نَقْصًا، وَأَمَّا فِي هَذَيْنِ فَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ رِسَالَةً
. (قَوْلُهُ: فَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ) أَيْ: لِأَنَّهُ قَالَ فِي الشِّفَاءِ أَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ فِي عَشَّارٍ قَالَ لِرَجُلٍ: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ وَقَالَ: إنْ سَأَلْتَ أَوْ جَهِلْتَ، فَقَدْ جَهِلَ أَوْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَتْلِ.
اهـ.، فَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَظَاهِرُ الشِّفَاءِ، أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْعَشَّارِ قَطْعًا فَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ بِالْقَتْلِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ قَطْعًا كَمَا أَفَادَهُ حُلُولُو وَلِذَا قَالَ الْأَبِيُّ: أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِالْقَتْلِ لِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ فَتْوَى ابْنِ عَتَّابٍ: مَذْهَبُنَا قَاضٍ بِذَلِكَ أَيْضًا بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَصْدِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ كُفْرٌ أَيْضًا وَأَقُولُ بَلْ إنْ سَأَلْتَ، أَوْ جَهِلْت فَقَدْ سَأَلَ النَّبِيَّ، أَوْ جَهِلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَرَ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ وَفِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا قَالَ: إنْ جَهِلْت أَوْ سَأَلْت إلَخْ فَإِنَّهُ قَالَ
الْمُؤَلِّفِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ اجْتِهَادًا مَنْ قَالَ: لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ أَيْ، أَوْ رَسُولٌ كَمَا فِي النَّقْلِ لَسَبَبْتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ السَّبُّ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَقَعْ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ اجْتِهَادًا مَنْ قَالَ: لِآخَرَ يَا ابْنَ أَلْفِ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَّا قُتِلَ؛ لِأَنَّهُ شَتَمَهُمْ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ اجْتِهَادًا مَنْ قَالَ لِآخَرَ: قَدْ عَيَّرَهُ بِالْفَقْرِ تُعَيِّرُنِي بِهِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ رَعَى الْغَنَمَ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْأَدَبِ قَدْ رَعَى فَقَطْ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ اجْتِهَادًا مَنْ قَالَ لِشَخْصٍ غَضْبَانَ أَوْ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ: كَأَنَّهُ وَجْهُ مُنْكَرٍ، أَوْ وَجْهُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى التَّحْقِيرِ، وَالتَّهْزِيلِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّبِّ لِلْمَلَكِ، وَإِنَّمَا السَّبُّ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ
. (ص) أَوْ اسْتَشْهَدَ بِبَعْضِ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا حُجَّةً لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ شَبَّهَ لِنَقْصٍ لَحِقَهُ لَا عَلَى التَّأَسِّي كَإِنْ كَذَبْتَ فَقَدْ كَذَبُوا، أَوْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ.
(ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَدَّبُ بِالِاجْتِهَادِ مَنْ اسْتَشْهَدَ بِشَيْءٍ جَائِزٍ عَلَى النَّبِيِّ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ النَّوْعُ الْبَشَرِيُّ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ حُجَّةً لِهَذَا الْقَائِلِ، أَوْ لِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ نَقْصٍ لَحِقَ هَذَا الْقَائِلَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّأَسِّي، بَلْ لِيَرْفَعَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَنْقِيصًا وَلَا عَيْبًا وَلَا سَبًّا كَقَوْلِهِ: إنْ قِيلَ فِي مَكْرُوهٌ، فَقَدْ قِيلَ فِي النَّبِيِّ الْمَكْرُوهُ، أَوْ قَالَ: إنْ أَحْبَبْتُ النِّسَاءَ فَقَدْ أَحَبَّهُنَّ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ قَالَ: أَسْلَمُ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ، أَوْ إنْ كُذِّبَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَقَدْ كُذِّبُوا، وَلَقَدْ صَبَرْتُ كَمَا صَبَرُوا، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ اجْتِهَادًا مَنْ لَعَنَ الْعَرَبَ، أَوْ لَعَنَ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّمَ الْمُسْكِرَ، وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ مَنْ حَرَّمَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَالَ: لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ إنْ عُذِرَ بِالْجَهْلِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: أَرَدْت إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ الْأَدَبُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي النَّوَادِرِ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ قُتِلَ وَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ الشِّفَاءِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَيْدَ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَأَنَّ الْأَدَبَ فِي الثَّانِيَةِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْأُولَى، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِكَلَامِ الشِّفَاءِ: وَقُوَّةُ كَلَامِهِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَدَبَ فِي الثَّانِيَةِ أَشَدُّ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا السَّابَّ لَوْ لَمْ يَدَّعِ إرَادَةَ الظَّالِمِينَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قُتِلَ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ.
اهـ.، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ز مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا، أَوْ لَمْ يُدَعِّمْهُ بِنَقْلٍ، وَكَذَا جَعْلُهُ الْقَيْدَ قَيْدًا فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ
. (ص) وَشُدِّدَ عَلَيْهِ فِي: كُلُّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانُ وَإِنْ
[حاشية العدوي]
أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ فِي عَشَّارٍ قَالَ لِرَجُلٍ: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ: إنْ جَهِلْتَ أَوْ سَأَلْتَ فَقَدْ جَهِلَ أَوْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَتْلِ، فَقَوْلُهُ: أَوْ قَالَ بِالْعَطْفِ بِأَوْ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّارِحِ) أَيْ: فَإِنَّ الشَّارِحَ قَالَ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي عَشَّارٍ طَلَبَ مِنْ شَخْصٍ شَيْئًا يَأْخُذُهُ فَقَالَ: أَشْكُوك لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ الْعَشَّارُ: أَدِّ وَاشْكُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفْتَى فِيهِ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ بِالْأَدَبِ كَمَا قَالَ، وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ فِيهِ وَوَافَقَهُ ابْنُ عَتَّابٍ عَلَى الْقَتْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: مَنْ قَالَ: لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ إلَخْ) وَمِثْلُهُ مَنْ قَالَ: لَوْ جِئْتنِي بِالنَّبِيِّ عَلَى كَتِفِك مَا قَبِلْتُكَ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى التَّنْقِيصِ وَإِلَّا قُتِلَ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: لَوْ جِئْتنِي بِالنَّبِيِّ عَلَى كَتِفِكَ مَا قَبِلْته، فَالظَّاهِرُ تَعَيُّنُ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ فِيهِ تَنْقِيصٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ كَذَا قَالَ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْصِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءَ وَإِلَّا قُتِلَ إلَخْ) أَيْ: وَلَوْ كَرَّرَ أَلْفًا إلَخْ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: لَعَنَك اللَّهُ إلَى آدَمَ فَيُقْتَلُ أَقُولُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إلَى آدَمَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ آدَمَ نَبِيٌّ فَيُشْعِرُ بِقَصْدِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَكَذَا يُقْتَلُ مَنْ يَقُولُ: يَتِيمُ أَبِي طَالِبٍ أَوْ خَتْنُ حَيْدَرَهْ أَيْ: صِهْرُهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّصَافِهِ بِشَيْءٍ جَوَازُ الْإِخْبَارِ بِهِ عَنْهُ، وَعَدَمُ كُفْرِ قَائِلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِأَنَّهُ يَتِيمُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّهُ خَتْنُ حَيْدَرَهْ مَعَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ يَكْفُرُ كَمَا قُلْنَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) أَيْ: وَأَمَّا ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ كَأَنْ يَكُونَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ، لِاقْتِضَاءِ الْحَالِ إيرَادَهُ فَلَا أَدَبَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ غَضْبَانَ إلَخْ) الَّذِي فِي الشِّفَاءِ تَشْبِيهُ الْعَبُوسِ بِمَالِكٍ، وَقَبِيحُ الْمَنْظَرِ مِثْلُهُ.
اهـ. أَقُولُ وَهُوَ ظَاهِرٌ
. (قَوْلُهُ: أَوْ شَبَّهَ) أَيْ: نَفْسَهُ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ شَبَّهَ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: أَوْ اسْتَشْهَدَ وَأَنَّ مَآلَهُمَا وَاحِدٌ وَمَا يُمَثَّلُ بِهِ لِهَذَا يُمَثَّلُ بِهِ لِهَذَا أَقُولُ: وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لَا أَدْرِي مَا وَجْهُ جَعْلِ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّشْبِيهِ مَسْأَلَتَيْنِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَاهُمَا لَأَغْنَاهُ عَنْ الْأُخْرَى وَقَدْ جَعَلَهُمَا فِي الشِّفَاءِ نَوْعًا وَاحِدًا.
اهـ.
، وَذَكَرَ فِي الشِّفَاءِ أَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ: إنَّك أُمِّيٌّ فَقَالَ: النَّبِيُّ أُمِّيٌّ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِ.
اهـ. قُلْت وَتَأَمَّلْ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى وَجْهِ التَّأَسِّي) أَيْ: وَلَا التَّحْقِيرِ، وَالتَّأَسِّي تَسْلِيَةُ نَفْسِهِ وَتَخْفِيفُ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ التَّأَلُّمِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيرِ قُتِلَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّأَسِّي فَلَا أَدَبَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ تَنْقِيصًا) أَيْ: لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ التَّنْقِيصَ أَوْ الْعَيْبَ أَيْ: قَصَدَ اتِّصَافَهُ بِالْعَيْبِ فَقَدْ قَصَدَ السَّبَّ أَيْ: الَّذِي هُوَ الشَّتْمُ وَقَصْدُ اتِّصَافِهِ بِالْعَيْبِ تَنْقِيصٌ فَهِيَ أَلْفَاظٌ مَآلُهَا وَاحِدٌ.
(قَوْلُهُ: إنْ عُذِرَ بِالْجَهْلِ إلَخْ) أَوْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّمَ الْمُسْكِرَ إلَخْ أَيْ: وَإِنَّمَا عُذِرَ بِالْجَهْلِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ حِينَئِذٍ سَبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّمَا لَعَنَ مَنْ حَرَّمَهُ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَلْ، فَمُرْتَدٌّ فِي الْأَوَّلِ وَسَابٌّ فِي الثَّانِي انْتَهَى، وَانْظُرْ ذَلِكَ مَعَ تَصْرِيحِ الْقُرْآنِ بِأَنَّ الْمُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اعْتِقَادَهُ أَنَّ الْمُحَرِّمَ النَّاسُ إنْكَارٌ لِمَا عُلِمَ ضَرُورَةً فَتَأَمَّلْ.
(تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ فِي الشِّفَاءِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أُدِّبَ مَنْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ لَعَنَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْأَنْبِيَاءَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ أَيْ: مِنْ بَنِي آدَمَ
. (قَوْلُهُ: وَشُدِّدَ) يَحْتَمِلُ أَنَّ نَائِبَ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ فِي شُدِّدَ أَيْ: شُدِّدَ الْأَدَبُ عَلَى السَّابِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ نَائِبَ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: فِي كُلٍّ أَيْ: فِي قَوْلِهِ: كُلُّ صَاحِبٍ
كَانَ نَبِيًّا، وَفِي قَبِيحٍ لِأَحَدِ ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كَأَنْ انْتَسَبَ لَهُ، أَوْ احْتَمَلَ قَوْلُهُ: أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ، أَوْ لَفِيفٌ فَعَاقَّ عَنْ الْقَتْلِ، أَوْ سَبَّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ، أَوْ صَحَابِيًّا.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ: كُلُّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ قَرْنَانُ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي التَّأْدِيبِ بِالْقُيُودِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ بِالِاجْتِهَادِ، وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي التَّعْزِيرِ مَنْ نَسَبَ قَبِيحًا مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ لِأَحَدٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعَ الْعِلْمِ بِهِ أَنَّهُ مِنْ الْآلِ، وَكَذَلِكَ مَنْ انْتَسَبَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ حَقٍّ تَصْرِيحًا، أَوْ تَلْوِيحًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أَوْ احْتَمَلَ قَوْلُهُ: أَيْ: الِانْتِسَابُ إلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ شَرِيفُ النَّفْسِ فَيَقُولُ: مَا أَحَدٌ أَشْرَفُ مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ لَا احْتَمَلَ الْكُفْرَ وَغَيْرَهُ، وَإِلَّا تَكَرَّرَ مَعَ مَسَائِلِ الْأَدَبِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ لِلْكُفْرِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يُشَدَّدُ النَّكَالُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ لَفِيفٌ مِنْ النَّاسِ بِالسَّبِّ، وَاللَّفِيفُ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، فَحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَمْرٌ عَاقٌّ عَنْ الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَى مَنْ سَبَّ نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى نُبُوَّتِهِ كَالْخَضِرِ وَلُقْمَانَ وَمَرْيَمَ، وَخَالِدَ بْنَ سِنَانٍ، أَوْ لَمْ يُجْمَعُ عَلَى مَلَكِيَّتِهِ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ، وَيُشَدَّدُ عَلَى مَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ مَنْ رَمَى عَائِشَةَ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ بِأَنْ قَالَ: زَنَتْ، أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ إسْلَامَ، أَوْ إسْلَامَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، أَوْ كَفَّرَ الْأَرْبَعَةَ، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَفَرَ
. (ص) وَسَبَّ اللَّهَ كَذَلِكَ وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ.
(ش) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سَبِّ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَتْلٍ وَغَيْرِهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَذَكَرَ أَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى كَسَبِّ النَّبِيِّ أَيْ: صَرِيحُهُ كَصَرِيحِهِ، وَمُحْتَمَلُهُ كَمُحْتَمَلِهِ، فَيُقْتَلُ فِي الصَّرِيحِ، وَيُؤَدَّبُ فِي الْمُحْتَمَلِ سَوَاءٌ كَانَ السَّابُّ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْلِمًا إلَّا أَنَّ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافًا، فَقَوْلُهُ: وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ إلَخْ بِمَثَابَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يُقَالُ: كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْأَدَبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِتَابَةِ الْمُسْلِمِ خِلَافٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ إذْ لَوْ كَانَ فِيهِ الْأَدَبُ لَمْ يَتَأَتَّ الِاسْتِتَابَةُ، وَالرَّاجِحُ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، وَقَوْلُهُ: (ص) كَمَنْ قَالَ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ.
(ش) تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إذْ هُوَ فِي الْأَوَّلِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَعَدَمِهَا، وَهَذَا فِي قَتْلِ الْقَائِلِ، وَتَنْكِيلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ هَذَا الْقَوْلَ فَهَلْ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْبَارِئَ إلَى الْجَوْرِ؟ ، وَهَلْ يُسْتَتَابُ، أَوْ لَا؟ . قَوْلَانِ كَمَا مَرَّ، أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الشَّكْوَى
. (بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ حَدَّ الزِّنَا وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) وَالزِّنَا يُمَدُّ، وَيُقْصَرُ، فَالْقَصْرُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: 32] ، وَالْمُدُّ لِأَهْلِ نَجْدٍ، وَقَدْ زَنَى يَزْنِي، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْمَقْصُورِ زَنَوِيٌّ وَإِلَى الْمَمْدُودِ زِنَائِيٌّ، وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ عَلَى لُغَةِ الْقَصْرِ، وَبِالْأَلِفِ عَلَى لُغَةِ الْمَدِّ، وَفِي التَّنْبِيهَاتِ الزِّنَا يُمَدُّ، وَيُقْصَرُ فَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ
[حاشية العدوي]
إلَخْ فَكُلُّ مَرْفُوعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ: قَرْنَانُ هُوَ الْخَبَرُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ عَلَى النُّونِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْوَصْفِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَالنُّونِ، وَالْقَرْنَانُ هُوَ مَنْ لِزَوْجَتِهِ صَاحِبٌ يُزَانِيهَا أَيْ: يَقْرِنُ الْغَيْرَ بِزَوْجَتِهِ لِأَجْلِ الزِّنَا.
(قَوْلُهُ: لِأَحَدٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ الرَّسُولِ إلَخْ) نَظَرَ بَهْرَامُ بِأَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْأَدَبِ بِذُرِّيَّتِهِ بَلْ يُؤَدَّبُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ أَيْضًا، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُزَادُ فِي الْأَدَبِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
(قَوْلُهُ تَصْرِيحًا) أَيْ: بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَلُبْسِ الْعِمَامَةِ الْخَضْرَاءِ فِي زَمَنِنَا، فَيُؤَدَّبُ لِعُمُومِ قَوْلِ مَالِكٍ مَنْ ادَّعَى الشَّرَفَ كَاذِبًا ضُرِبَ ضَرْبًا وَجِيعًا، ثُمَّ شُهِّرَ وَيُحْبَسُ مُدَّةً طَوِيلَةً حَتَّى تَظْهَرَ لَنَا تَوْبَتُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُعَظِّمُ مَنْ طَعَنَ فِي نَسَبِهِ، وَيَقُولُ: لَعَلَّهُ شَرِيفٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا أُدِّبَ وَلَمْ يُحَدَّ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ حَمْلٌ غَيْرَ أَبِيهِ عَلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِانْتِسَابِهِ لَهُ شَرَفُهُ لَا الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ احْتَمَلَ قَوْلُهُ إلَخْ) إنَّمَا كَانَ قَوْلُ هَذَا مُحْتَمَلًا لَا صَرِيحًا فِي انْتِسَابِهِ لَهُ لِاحْتِمَالِ قَصْدِ هَضْمِهِ نَفْسَهُ أَيْ: أَنَّ ذُرِّيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ شَرَفُ النَّفْسِ وَالنَّسَبِ وَلَمْ يَقْصِدْ الِانْتِسَابَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: مَا اجْتَمَعَ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِو بَكْرٍ) أَيْ: لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَفَّرَ الْأَرْبَعَةَ أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَفَرَ) كَذَا يُفِيدُهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ: لِأَنَّ إسْلَامَهُمْ وَإِيمَانَهُمْ صَارَ مَعْلُومًا مِنْ دِينِ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ قَالَ عج: فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ يَكْفُرُ مَنْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَمَّا مَنْ كَفَّرَ بَعْضَهُمْ وَلَوْ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ، فَالرَّاجِحُ عَدَمُ كُفْرِهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْإِكْمَالِ، وَهُوَ شَرْحٌ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَأَوَّلُ كَلَامِ الشَّامِلِ انْتَهَى أَقُولُ: عِلَّتُهُ الَّتِي ذَكَرَهَا تَجْرِي فِي الْأَرْبَعَةِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
. (قَوْلُهُ: كَمَنْ قَالَ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْت إلَخْ) قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِذَلِكَ انْتَهَى
[بَابٌ حَدَّ الزِّنَا وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
. (بَابُ حَدِّ الزِّنَا) . (قَوْلُهُ: حَدَّ الزِّنَا) أَيْ: حَقِيقَتَهُ وَقَوْلُهُ: وَحُكْمَهُ أَيْ: الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ: مِنْ الْمَسَائِلِ كَالْمُسَاحَقَةِ وَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ زَنَى يَزْنِي) إشَارَةٌ إلَى تَصَارِيفِ الْمَادَّةِ.
(قَوْلُهُ: فِعْلٌ مِنْ اثْنَيْنِ) أَيْ: لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَاحِدٌ بِالْخُصُوصِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ) أَيْ: وَمَا شَابَهَهُمَا مِنْ صِيغَةِ
وَمَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ.
اهـ.، وَهُوَ مُحَرَّمٌ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، وَجَاحِدُ حُرْمَتِهِ كَافِرٌ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: الزِّنَا الشَّامِلُ لِلِّوَاطِ مَغِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجٍ آخَرَ دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٍ عَمْدًا، فَقَوْلُهُ: آدَمِيٍّ أَخْرَجَ بِهِ حَشَفَةَ غَيْرِهِ كَالْبَهِيمِيِّ، وَقَوْلُهُ: فِي فَرْجٍ أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي غَيْرِ فَرَجٍ، وَأَدْخَلَ فِي الْفَرْجِ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ اللِّوَاطَ، قَوْلُهُ: آخَرَ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ أَيْ: فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ آخَرَ أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي فَرْجِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَقَوْلُهُ: دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا كَانَ لِشُبْهَةٍ فِي الْحِلِّيَّةِ إمَّا بِاعْتِقَادِ حِلِّيَّةٍ، أَوْ بِجَهْلٍ فَتَخْرُجُ الْأَمَةُ الْمُحَلَّلَةُ، وَوَطْءُ الْأَبِ أَمَةَ وَلَدِهِ لَا زَوْجَةَ وَلَدِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ زِنًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي مَالِهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي زَوْجَتِهِ، وَقَوْلُهُ: تَعَمُّدًا أَخْرَجَ بِهِ الْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ وَالْمُؤَلِّفُ حَدَّهُ بِقَوْلِهِ: (ص) الزِّنَا وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا.
(ش) فَقَوْلُهُ: وَطْءُ مُكَلَّفٍ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَمَعْنَى إضَافَةِ الْوَطْءِ لِلْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُ بِهِ أَيْ: تَعَلُّقُ الْوَطْءِ بِمُكَلَّفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاعِلِ مَنْ يَمِيلُ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَالْمَرْأَةُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَةَ، فَيَخْرُجُ بِهِ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ زِنًا لُغَةً، وَلَا يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْمُؤَلِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ مَنْ لَاطَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ؛ فَلِأَنَّهُ أَتَى بِالْفَاعِلِ نَكِرَةً، وَكَذَا بِالْمَفْعُولِ، وَقَدْ ذَكَرَ ح أَنَّ مَنْ لَاطَ بِنَفْسِهِ يُعَزَّرُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٍ أَيْ: حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ خَرَجَ بِهِ وَطْءُ الْكَافِرِ الْكَافِرَةَ، أَوْ الْمُسْلِمَةَ إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ تُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَطْءُ مُسْلِمٍ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ مُدْخَلَةً مُخْرَجَةً، وَقَوْلُهُ: فَرْجَ آدَمِيٍّ مَعْمُولُ وَطْءٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْآدَمِيُّ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَلَا حَدَّ عَلَى وَاطِئِهِ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا وَطِئَ غَيْرَهُ لِلشُّبْهَةِ وَلَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ نَائِمٍ فِي فَرْجِهَا، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جِنِّيَّةً، وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، قَوْلُهُ: لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ التَّسَلُّطُ الشَّرْعِيُّ، فَالْمَمْلُوكُ الذَّكَرُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ، وَخَرَجَ بِهِ مَنْ وَطْؤُهَا لَهُ حَلَالٌ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ أَمَةٍ، وَلَكِنْ امْتَنَعَ وَطْؤُهُمَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ مِنْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ وَطْأَهُ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا، وَخَرَجَ
[حاشية العدوي]
الْمُفَاعَلَةِ كَفِعَالٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ زِنَاءَ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ لَا عَلَى زِنَةِ مُفَاعَلَةٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِك: ضَارِبٌ فَإِنَّ مَصْدَرَهُ فِعَالٌ وَمُفَاعَلَةٌ؛ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْأَلْفِيَّةِ
لِفَاعِلٍ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَةْ
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ أَيْ: اسْمَ الْحَقِيقَةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا تَحْصُلُ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ مُتَعَدِّدٍ.
(قَوْلُهُ: فِي فَرْجِ آخَرَ) أَيْ: فِي مَحَلِّ الْبَكَارَةِ، أَوْ فِي الْبَوْلِ كَمَا قِيلَ فِي بَابِ الْغُسْلِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَهُ.
(قَوْلُهُ: كَالْبَهِيمِيِّ إلَخْ) أَيْ: فَإِذَا أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ فِي فَرْجِهَا فَلَا يُقَالُ لَهُ زِنًا.
(قَوْلُهُ: إمَّا بِاعْتِقَادِ حِلِّيَّةٍ أَوْ بِجَهْلٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِقَادَ الْحِلِّيَّةِ نَاشِئٌ عَنْ الْجَهْلِ فَالْمُقَابَلَةُ لَا تَظْهَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ بِحَسَبِ الْمُلَاحَظَةِ أَيْ: أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُلَاحِظَ اعْتِقَادَ الْحِلِّيَّةِ، أَوْ الْجَهْلَ، وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُ الْحِلِّيَّةِ نَاشِئًا مِنْ الْجَهْلِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ شُبْهَةٌ إلَخْ) أَيْ: مَسْأَلَةُ وَطْءِ الْأَبِ أَمَةَ وَلَدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالنِّسْيَانَ) لَا يَخْفَى أَنَّ النَّاسِيَ مَنْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ، وَهُوَ ذَاهِلٌ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ كَمَنْ قَامَ وَهُوَ ذَاهِلٌ عَنْ أَنَّهُ قَائِمٌ انْتَهَى أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْوَطْءِ نَادِرٌ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى فَرْضِ الْوُقُوعِ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَهْلِ) أَيْ: جَهْلِ الْحُكْمِ إذَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ) أَيْ: تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ أَوْ قَدْرِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ أَوْ مَعَ لَفِّ خِرْقَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَمْنَعُ لَذَّةً لَا كَثِيفَةٍ، أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: مُكَلَّفٌ يَشْمَلُ السَّكْرَانَ إنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ.
(قَوْلُهُ تَعَمُّدًا إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُحَلَّلَةُ فَإِنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا وَكَذَا أَمَةُ الِابْنِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْمِلْكِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ شُبْهَةِ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ تَمِيلُ) أَيْ: بَلْ هِيَ أَشَدُّ مَيْلًا.
(قَوْلُهُ: فَيَشْمَلُ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَةَ) أَيْ: فَيَصْدُقُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهَا وَطِئَتْ بِفَرْجِهَا ذَكَرَ الرَّجُلِ أَيْ: تَعَلَّقَ فَرْجُهَا بِفَرْجِ الرَّجُلِ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ عَلَى وَاطِئِهِ) أَيْ: وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إنْ زَنَى بِذَكَرِهِ، وَكَذَا بِفَرْجِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَذَهَبَ الصِّقِلِّيُونَ إلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ إنْ زَنَى بِفَرْجِهِ، وَأَمَّا لَوْ زَنَى بِهِمَا، فَالْحَدُّ اتِّفَاقًا وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى
وَأَمَّا إنْ زَنَى بِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دُبُرِهِ فَعَلَى الزَّانِي حَدُّ الزِّنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أُنْثَى لِدَرْءِ الْحَدِّ لَا تَقْدِيرُهُ ذَكَرًا مُلُوطًا بِهِ، وَأَمَّا بِفَرْجِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ كَمَا قُلْنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ) وَأَمَّا لَوْ أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجٍ فِي فَرْجِهَا، فَلَا تُحَدُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ اللَّذَّةِ كَالصَّبِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ بِذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ لَا يُوجِبُ حَدًّا فَأَوْلَى مَا لَا يُوجِبُ غُسْلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جِنِّيَّةً) لَا يَخْفَى إنْ كَانَ الْفِقْهُ هَكَذَا فَمُسْلِمٌ، وَإِلَّا فَقَضِيَّةُ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ لَهُمْ مِثْلُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ مَا عَلَيْنَا أَنْ يُحَدَّ وَاطِئُ الْجِنِّيَّةِ، ثُمَّ وَجَدْتُ مَا يُقَوِّي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ عب ذَكَرَ مَا نَصُّهُ وَبَقِيَ أَنَّ قَوْلَهُ: مُكَلَّفٍ يَشْمَلُ الْجِنِّيَّ فَإِذَا وَطِئَ جِنِّيٌّ آدَمِيَّةً فَإِنَّهُ زِنًا وَيُحَدَّانِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الزِّنَا تَغْيِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُنْزِلَ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ غُسْلُهُ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ غُسْلِهِ مِنْ وَطْءِ بَهِيمَةٍ وَمَيِّتَةٍ لِنَيْلِهِ مِنْهَا لَذَّةً، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ كَذَا فِي شَرْحِ عب.
(قَوْلُهُ: التَّسَلُّطُ الشَّرْعِيُّ) يَرِدُ عَلَيْهِ وَطْءُ الْأَبِ أَمَةَ وَلَدِهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ وَلَدَهُ وَطِئَ أَمَتَهُ، وَإِلَّا حُدَّ الْأَبُ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا مِلْكَ أَيْ: وَلَا شُبْهَةَ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْمُحَلَّلَةُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مَآلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ امْتَنَعَ وَطْؤُهُمَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ) أَيْ: فَذَلِكَ الْعَارِضُ لَمَّا كَانَ يَزُولُ صَارَ كَالْعَدَمِ فَالتَّسَلُّطُ الشَّرْعِيُّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَوْجُودٌ
بِقَوْلِهِ: بِاتِّفَاقٍ النِّكَاحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا إذْ لَا حَدَّ فِيهِ، فَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ لَا الِاتِّفَاقُ الْمَذْهَبِيُّ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: تَعَمُّدًا الْجَاهِلَ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالْحُكْمِ كَمَا يَأْتِي.
(ص) وَإِنْ لِوَاطًا.
(ش) أَيْ: وَإِنْ كَانَ وَطْءُ الْفَرْجِ لِوَاطًا؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ شَامِلٌ لِلدُّبُرِ فَيُسَمَّى زِنًا شَرْعًا
. (ص) أَوْ إتْيَانُ أَجْنَبِيَّةٍ بِدُبُرٍ، أَوْ مَيِّتَةٍ غَيْرِ زَوْجٍ، أَوْ صَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا.
(ش) مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ إتْيَانَ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا يُسَمَّى زِنًا لَا لِوَاطًا، فَيُجْلَدُ فِيهِ الْبِكْرُ، وَيُرْجَمُ فِيهِ الْمُحْصَنُ، وَاحْتَرَزَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ حَيْثُ وَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ أَتَى مَيِّتَةً غَيْرَ زَوْجَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي قُبُلِهَا، أَوْ دُبُرِهَا، فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِانْطِبَاقِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مِنْ أَتَى نَائِمَةً، أَوْ مَجْنُونَةً، وَأَمَّا الزَّوْجُ إذَا أَتَى زَوْجَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي قُبُلِهَا، أَوْ دُبُرِهَا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ، وَلَا صَدَاقَ عَلَى وَاطِئِ الْمَيِّتَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَنَى عَلَى عُضْوٍ مِنْهَا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الْمَيِّتَةَ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ زَنَى بِصَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِي قُبُلِهَا، أَوْ فِي دُبُرِهَا، وَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا إذَا وَطِئَهَا الْمُكَلَّفُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَيْ: لِلْوَاطِئِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِغَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: أَوْ صَغِيرَةٍ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ
. (ص) ، أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ لِوَطْءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مَمْلُوكَةٍ تُعْتَقُ، أَوْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا، أَوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ، أَوْ خَامِسَةٍ، أَوْ مَرْهُونَةٍ، أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ، أَوْ حَرْبِيَّةٍ، أَوْ مَبْتُوتَةٍ، وَإِنْ بِعِدَّةٍ، وَهَلْ وَإِنْ أُبِتَّتْ فِي مَرَّةٍ تَأْوِيلَانِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَمَةً لِلْوَطْءِ، أَوْ لِلْخِدْمَةِ ثُمَّ وَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يَكُونُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْأَمَةُ الْمُودَعَةُ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَهَا غَيْرُ السَّيِّدِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ مُحَلَّلَةٌ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَنَحْوِهِمَا ثُمَّ وَطِئَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَلَا، وَشَمَلَ قَوْلُهُ: تُعْتَقُ مَا إذَا اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَكَذَلِكَ، يُحَدُّ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَهِيَ مِمَّنْ لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَطِئَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ لَوْ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ وَطِئَ الْمُحَرَّمَةَ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ بِنِكَاحٍ، وَأَمَّا بِمِلْكٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إنْ كَانَتْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْتَقُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا اللَّخْمِيُّ إنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ زَوْجَتِهِ، وَدَخَلَ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِأُمِّهَا لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَوْ طَلَّقَ الْأُمَّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ حُدَّ، وَكَذَا إنْ تَزَوَّجَ أُمَّ امْرَأَتِهِ، فَإِنْ دَخَلَ بِالِابْنَةِ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ يُحَدَّ لِلْخِلَافِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ أَبِيهِ، أَوْ زَوْجَةَ وَلَدِهِ حُدَّ إنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِذَا حُدَّ بِوَطْءِ الْمُحَرَّمَةِ بِالصُّهَارَةِ فَأَوْلَى مَنْ وَطِئَ مُحَرَّمَةً بِالنَّسَبِ، أَوْ بِالرَّضَاعِ بِنِكَاحٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا مُؤَبَّدَيْنِ بِخِلَافِ الصِّهْرِ قَدْ لَا يَكُونُ مُؤَبَّدًا كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ، فَلَا تَحْرُمُ بِنْتُهَا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصِّهْرِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: مُؤَبَّدٍ
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الصِّهْرَ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدًا، وَحُرْمَةُ نِكَاحِ الْبِنْتِ عَلَى الْأُمِّ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَجْلِ الْجَمْعِ كَالْأُخْتَيْنِ لَا بِالصُّهَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَلُقَتْ الْأُمُّ حَلَّتْ الْبِنْتُ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ صَارَ صِهْرًا حِينَئِذٍ، وَلَا يَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدًا أَيْ: لِأَنَّ الصُّهَارَةَ مَتَى حَصَلَتْ لَا تَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدَةً، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَّصِفُ بِالتَّأْبِيدِ التَّحْرِيمُ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً، وَدَخَلَ بِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهَا وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ عَقْدِهِ عَلَى الْخَامِسَةِ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَ وَاحِدَةً
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: النِّكَاحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إلَخْ) أَيْ: وَخَرَجَ بِهِ أَيْضًا وَطْءُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فِي دُبُرِهَا فَإِنَّ فِيهِ قَوْلًا بِالْإِبَاحَةِ وَإِنْ كَانَ شَاذًّا أَوْ ضَعِيفًا.
(قَوْلُهُ: فَيُسَمَّى زِنًا شَرْعًا) أَيْ: وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلَوْ لِوَاطًا مُبَالَغَةً فِي قَوْلِهِ: وَطْءُ مُكَلَّفٍ بِدُونِ قَيْدِهِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي: وَإِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَذَكَرَ أَنَّ الصَّوَابَ إسْقَاطُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ
. (قَوْلُهُ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ) أَيْ: وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: هُوَ لِوَاطٌ وَثَمَرَةُ ذَلِكَ اعْتِبَارُ الْإِحْصَانِ وَعَدَمُهُ، فَلَوْ غَصَبَهَا فِي دُبُرِهَا لَزِمَهُ الْمَهْرُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي تَخْصِيصِ الْمَهْرِ بِالْقُبُلِ انْتَهَى ذَكَرَهُ الْبَدْرُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ) لِحُرْمَتِهِ لِحَدِيثِ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا»
. (قَوْلُهُ: وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَهَا غَيْرُ السَّيِّدِ) قَضِيَّتُهُ رُجُوعُهُ لِلْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) كَذَا قَالَ شَيْخُ عج وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَفَرَّقَ بَيْنَ حَدِّ وَاطِئِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُطْلَقًا وَبَيْنَ عَدَمِ حَدِّ وَاطِئِ الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ أَيْ: الَّتِي أَحَلَّهَا سَيِّدُهَا بِدُونِ عِوَضٍ بِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِحِلِّ الْمُحَلَّلَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحِلِّ الْأَمَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَبِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ تَقْوِيمُ الْمُحَلَّلَةِ عَلَى الْوَاطِئِ وَإِنْ أَبَى هُوَ وَالسَّيِّدُ فَكَأَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَهُ انْتَهَى أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلْوَطْءِ فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ فَالْمُنَاسِبُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْوَطْءِ فَتُعْطَى حُكْمَ الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْخِدْمَةِ فَلَا تُعْطَى حُكْمَهَا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَطِئَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ سَكَتَ عَنْ حَدِّهَا، وَنَقُولُ: وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهَا هِيَ وَعَدَمِهِ إنْ عَلِمَتْ بِحُرِّيَّةِ نَفْسِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ: لِاحْتِمَالِ أَنَّ سَيِّدَهَا وَكَّلَ مُزَوِّجَهَا فَيُدْرَأُ الْحَدُّ بِذَلِكَ انْتَهَى.
أَقُولُ يُقَالُ: كَمَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ لَا حَدَّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وُكِّلَ فِي بَيْعِهَا.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ) أَقُولُ يُتَصَوَّرُ فِي التَّعْلِيقِ كَأَنْ يَقُولَ: هِيَ حَرَّةٌ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُحَدَّ لِلْخِلَافِ) هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي شَرْحِ عب.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَّصِفُ بِالتَّأْبِيدِ إلَخْ) لَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ الْحَصْرِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُتَّصِفُ بِالتَّأْبِيدِ التَّحْرِيمُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً إلَخْ) أَيْ: لِأَنَّ حِلَّهَا بِعَقْدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا لَا أَثَرَ لَهُ فِي دَرْءِ الشُّبْهَةِ وَلَمْ يُحَدَّ الْوَاطِئُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ ضَعْفَهُ دُونَ ضَعْفِ الْخَامِسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَحَدَ الْأَعْلَامِ
مِنْ الْأَرْبَعِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً عِنْدَهُ مَرْهُونَةً مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الرَّاهِنُ فِي وَطْئِهَا، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقَسْمِ سَوَاءٌ حِيزَ الْمَغْنَمُ أَمْ لَا بِأَنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ وَهَزَمْنَاهُمْ سَوَاءٌ كَانَ الْجَيْشُ كَثِيرًا، أَوْ يَسِيرًا، وَتَقْيِيدُ ابْنِ يُونُسَ بِكَثِيرٍ طَرِيقٌ غَيْرُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَوَطِئَ حَرْبِيَّةً، وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ خَرَجَتْ بِنَفْسِهَا لَا إنْ خَرَجَ هُوَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ حِينَئِذٍ، وَالْحَرْبِيَّةُ تُفْهَمُ مِنْ ذَاتِ الْمَغْنَمِ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْحَدِّ فِي الْحَرْبِيَّةِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الْحَدِّ لِعَدَمِ حَوْزِهَا فِي مِلْكِ مَنْ دَمُهُ مَعْصُومٌ بِخِلَافِ ذَاتِ الْمَغْنَمِ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بِلَفْظِ أَلْبَتَّةَ، وَهِيَ الثَّلَاثُ، أَوْ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا وَوَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَأُولَى بَعْدَهَا، أَوْ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَهَلْ الْحَدُّ مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ بَتَّهَا فِي مَرَّةٍ، أَوْ مَرَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ لِضَعْفِ مَنْ قَالَ بِإِلْزَامِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبَتَّةِ، أَوْ إنَّمَا يُحَدُّ فِي الْمُفْتَرَقَاتِ لَا فِيمَا إذَا أُبِتَّتْ فِي مَرَّةٍ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْبَتَّةِ هَلْ هِيَ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا؟ . تَأْوِيلَانِ
. (ص) ، أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا، أَوْ مَجْنُونٌ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ، أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ إلَّا الْوَاضِحَ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا طَلْقَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ، وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ أَعْتَقَ أُمَّتَهُ ثُمَّ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، فَقَوْلُهُ: بِلَا عَقْدٍ رَاجِعٌ لَهُمَا وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ مُؤْتَنَفٌ كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ حِنْثِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الْبِنَاءِ طَلَاقًا بَائِنًا دُونَ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى وَاطِئِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَيُحَدُّ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ خِلَافًا لز فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَكَذَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ إذَا مَكَّنَتْ مَمْلُوكَهَا مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى وَطِئَهَا عَنْ غَيْرِ عَقْدٍ لَا إنْ كَانَ بِعَقْدٍ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَكَذَلِكَ تُحَدُّ الْمَرْأَةُ إذَا مَكَّنَتْ مَجْنُونًا مِنْ نَفْسِهَا لَا إنْ مَكَّنَتْ صَبِيًّا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ إذْ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ لَذَّةٌ كَالْكَبِيرِ الْمَجْنُونِ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ، وَهُوَ جَاهِلٌ لِعَيْنِ الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أُمَّتَهُ، وَأَمَّا إذَا قَدِمَ عَلَيْهَا، وَهُوَ شَاكٌّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْوَطْءِ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا سُقُوطُ الْحَدِّ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ، وَهُوَ جَاهِلٌ لِلْحُكْمِ أَيْ: التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ قُرْبِ عَهْدٍ مَعَ عِلْمِهِ بِعَيْنِ الْمَوْطُوءَةِ إلَّا الزِّنَا الْوَاضِحَ الَّذِي لَا يَجْهَلُهُ إلَّا النَّادِرُ فَيُحَدُّ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ كَدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ حِلَّ وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ، أَوْ الْمُسْتَعَارَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: إلَّا الْوَاضِحَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ وَلِذَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إلَى جَهْلِ مِثْلِهِ، وَلَيْسَ بِقَيْدٍ زَائِدٍ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ، أَوْ الْحُكْمَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ: فِيمَا يَأْتِي فِي بَابِ
[حاشية العدوي]
فَقِيهَ أَهْلِ مَكَّةَ فِي زَمَنِهِ أَبَاحَهُ وَتَزَوَّجَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ امْرَأَةً نِكَاحَ مُتْعَةٍ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا إلَخْ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَبَعْدَ أَنْ أَبَتَّهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ، أَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السِّتِّ بِاتِّفَاقِ التَّأْوِيلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ إنَّمَا يُحَدُّ فِي الْمُفْتَرَقَاتِ) أَيْ: مَحَلُّ الْخِلَافِ صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ، وَهِيَ مَا إذَا أَبَتَّهَا فِي مَرَّةٍ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ بِعَقْدٍ، أَوْ لَا أَوْ بَعْدَهَا بِعَقْدٍ وَهِيَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ حَرَّةً، أَوْ أَمَةً فَهِيَ سِتِّ صُوَرٍ، وَكَذَا إنْ أَبَتَّهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّةٍ، وَوَطِئَهَا بِعَقْدِ نِكَاحٍ حَرَّةً أَوْ أَمَةً فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ،
وَأَمَّا إنْ أَبَتَّهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّاتٍ ثُمَّ وَطِئَهَا بِعَقْدٍ أَوْ لَا، أَوْ فِي مَرَّةٍ وَوَطِئَهَا بِدُونِ عَقْدٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ حَرَّةً أَوْ أَمَةً فَيُحَدُّ اتِّفَاقًا فِي هَذِهِ السِّتَّةِ، وَكَذَا إنْ أَبَتَّهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّاتٍ، وَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا بِعَقْدٍ أَمْ لَا، أَوْ أَبَتَّهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فِي مَرَّةٍ وَوَطِئَ بَعْدَ الْعِدَّةِ بِدُونِ عَقْدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ حَرَّةً، أَوْ أَمَةً فَيُتَّفَقُ عَلَى حَدِّهِ فِي هَذِهِ الْعَشَرَةِ كَالسِّتِّ قَبْلَهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ يُحَدُّ اتِّفَاقًا فِي سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً وَلَا حَدَّ اتِّفَاقًا فِي سِتَّةٍ وَالتَّأْوِيلَانِ فِي ثَمَانٍ.
(تَنْبِيهٌ) : التَّأْوِيلَانِ لَيْسَا عَلَى الْمُدَوَّنَةِ بَلْ فِي كَلَامِ أَصْبَغَ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْإِطْلَاقُ كَانَ فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَنَّهُمَا فِي الثَّلَاثِ فَقَطْ وَأَمَّا الْبَتَّةُ فَقَالَ أَصْبَغُ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً عَنْ الثَّلَاثِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الثَّلَاثِ فِيهَا أَنْ تَكُونَ هِيَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَفَادَهُ مُحَشِّي تت بِاخْتِصَارٍ
. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ) أَيْ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنْ عُذِرَ بِجَهْلٍ يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يُحَدُّ مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ إلَخْ) أَيْ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ كَمَا عِنْدَ غَيْرِهِ أَيْ: وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ عَائِدًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهِ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْبِنَاءِ الْمُعْتَقَةَ بِلَا عَقْدٍ صَدَاقٌ مُؤْتَنَفٌ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ) أَيْ: إلَّا إنْ تَعَذَّرَ بِجَهْلٍ كَمَا يُسْتَفَادُ مِمَّا حَكَى عَنْ النَّوَادِرِ مِنْ أَنَّهُ رُفِعَ لِعُمَرَ امْرَأَةٌ اتَّخَذَتْ غُلَامَهَا لِوَطْئِهَا فَأَرَادَ رَجْمَهَا فَقَالَتْ: قَرَأْتُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فَقَالَ: تَأَوَّلْتِ كِتَابَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَتَرَكَهَا وَجَزَّ رَأْسَ الْغُلَامِ وَغَرَّبَهُ.
(قَوْلُهُ: إذَا مَكَّنَتْ مَجْنُونًا) أَيْ: مَا لَمْ يَجْهَلْ مِثْلُهَا وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ الْحُكْمُ أَيْ: فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا الْمَرْهُونَةِ فَلَا يُعْذَرُ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّ رَهْنَهَا يُبِيحُ لَهُ وَطْأَهَا اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا إنْ مَكَّنَتْ صَبِيًّا) وَمِثْلُهُ مَا إذَا أَدْخَلَتْ ذَكَرَ الْمَيِّتِ فِي فَرْجِهَا.
(قَوْلُهُ: كَدَعْوَى الْمُرْتَهِنِ إلَخْ) أَيْ: وَكَأَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ، أَوْ أَمَتُهُ فِي غَايَةِ النَّحَافَةِ وَاَلَّذِي اعْتَقَدَ أَنَّهَا هِيَ فِي غَايَةِ السِّمَنِ، أَوْ عَكْسُهُ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ) أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ يُفْهَمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْهَلْ مِثْلُهُ يُحَدُّ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ الْوَاضِحُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إلَى جَهْلِ مِثْلِهِ) أَيْ: يُؤْخَذُ مَعْنَاهُ مِنْهُ لَا أَنَّ مَعْنَى هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: الْحُكْمُ فَيَقُولُ: ثُمَّ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِهِ: أَوْ الْحُكْمُ
الشُّرْبِ، وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ، أَوْ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الشُّرْبِ وَوُجُوبَ الْحَدِّ مِنْ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَدْ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَفَشَا، فَلَا يُعْذَرُ جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ
. (ص) لَا مُسَاحَقَةٌ وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا كَبَهِيمَةٍ، وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الذَّبْحِ، وَالْأَكْلِ وَمَنْ حُرِّمَ لِعَارِضٍ كَحَائِضٍ، أَوْ مُشْتَرَكَةٍ، أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَا تُعْتَقُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ شِرَارَ النِّسَاءِ إذَا فَعَلَ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْفِعْلِ الْأَدَبُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا إيلَاجَ فِيهِ، وَمِثْلُهُ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ، وَكَذَا سَائِرُ مَنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُحَدُّ مِنْ مَجْبُوبٍ وَمَقْطُوعِ ذَكَرٍ، وَصَبِيٍّ، وَصَبِيَّةٍ مُمَيِّزَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فِي الْغَصْبِ، وَأُدِّبَ مُمَيِّزٌ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ تُدْخِلُ فِي فَرْجِهَا ذَكَرَ بَهِيمٍ حَيٍّ، أَوْ مَيِّتٍ، أَوْ ذَكَرَ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَلَيْسَ بِزِنًا، وَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَلَا تُقْتَلُ الْبَهِيمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تُؤْكَلُ أُكِلَتْ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِقَتْلِهَا، وَهَلْ لِخَوْفِ الْإِتْيَانِ بِوَلَدٍ مُشَوَّهٍ، أَوْ لِأَنَّ بَقَاءَهَا يُذَكِّرُ الْفَاحِشَةَ فَيُعَيَّرُ بِهَا؟ . قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا، أَوْ إحْرَامِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا عَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ أَصْلِيَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ لِعَارِضٍ وَيَزُولُ، وَلَا يَشْمَلُ ذَلِكَ حَدَّ الزِّنَا؛ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ مَنْ وَطِئَ أَمَةً مُشْتَرَكَةً مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَهُ فِي الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ مِلْكٌ قَوِيٌّ وَالشُّبْهَةُ إذَا قَوِيَتْ تَدْرَأُ الْحَدَّ أَيْ: تُسْقِطُهُ وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْمِلْكِ كَعَمَّتِهِ، وَابْنَةِ أَخِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ وَطِئَهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ لِعَدَمِ انْطِبَاقِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَتُبَاعُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعُودَ إلَى وَطْئِهَا ثَانِيَةً.
(ص) ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ.
(ش) يَحْتَمِلُ أَمَةً مُعْتَدَّةً أَيْ: أَنَّ السَّيِّدَ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ امْرَأَةً مُعْتَدَّةً أَيْ: إذَا عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَطِئَهَا عَالِمًا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مَعَ أَنَّ حَدَّ الزِّنَا صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً فَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَبْتُوتَةٍ بِأَنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، أَوْ بَائِنًا بِغَيْرِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً وَنَوَى بِوَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، أَوْ غَيْرَ رَجْعِيَّةٍ، وَنَكَحَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، فَلَا حَدَّ وَلَا أَدَبَ، وَلَا حَرَجَ، وَإِنْ وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، أَوْ الْبَائِنَ وَلَمْ يَنْوِ الرَّجْعَةَ فِي الرَّجْعِيَّةِ، وَبِغَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ فِي الْبَائِنِ فَفِي
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّ حُرْمَةَ الشُّرْبِ وَوُجُوبَ الْحَدِّ مِنْ الْوَاضِحِ) أَيْ: فَحُرْمَةُ الزِّنَا لَيْسَتْ مِنْ الْوَاضِحِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الشُّرْبِ فَمِنْ الْوَاضِحِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُعْذَرُ جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الزِّنَا أَوْ غَيْرَهُ أَيْ: وَيَكُونُ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ، وَهُوَ جَاهِلٌ لِلْحُكْمِ إلَخْ وَجَهْلُ الْحُكْمِ لَا يُفِيدُ حَيْثُ عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَارِحَنَا أَفَادَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: إنْ جَهِلَ مِثْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الزِّنَا لِمَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا الْوَاضِحَ فَرْضُهُ فِي دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَعِيرِ حِلُّ وَطْءِ الْمُرْتَهِنَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مَا ذَكَرَ، وَمُفَادُ النَّقْلِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ الْحُكْمُ أَيْ: فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ غَيْرِ الْمَرْهُونَةِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا الْوَاضِحَ هُوَ جَهْلُ تَحْرِيمِ الزِّنَا
. (قَوْلُهُ: لَا مُسَاحَقَةٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى (وَطْءُ) مِنْ قَوْلِهِ: الزِّنَا وَطْءُ مُكَلَّفٍ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مُكَلَّفٍ أَيْ: لَا وَطْءُ مُسَاحَقَةٍ، فِي الْقَامُوسِ أَسْحَقَ الضَّرْعُ ذَهَبَ لَبَنُهُ وَبَلِيَ وَلَصِقَ بِالْبَطْنِ وَفُلَانًا أَبْعَدَهُ وَأَسْحَقَ اتَّسَعَ.
اهـ.، وَحِينَئِذٍ سُمِّيَ مُسَاحَقَةً؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تُلْصِقُ فَرْجَهَا بِفَرْجِ الْأُخْرَى، أَوْ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا يُبْعِدُهُمَا عَنْ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالسِّمَاتِ الْحَسَنَةِ، أَوْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تُوَسِّعُ نَفْسَهَا لِلْأُخْرَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
(قَوْلُهُ: كَحَائِضٍ) أَيْ: وَكَذَا الْمُعْتَكِفَةُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُشْتَرَكَةٍ) وَمِثْلُهَا الْمُبَعَّضَةُ وَالْمُعْتَقَةُ لِأَجَلٍ أَيْ: وَلِذَا يُؤَدِّينَ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْمَنْعِ.
(قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ: جَمِيعُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْمُسَاحَقَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِشَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا وَلَا مَالٍ وَلَا آيِلَ إلَيْهِ، وَكَذَا فِي الثُّبُوتِ وَالْأَدَبِ مِنْ لَفِّ خِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ، أَوْ غَيْبٍ فِي هَوَاءِ الْفَرَجِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلشَّافِعِيِّ إلَخْ) أَيْ: تُقْتَلُ بِلَا ذَبْحٍ وَتُحْرَقُ.
(قَوْلُهُ: وَهَلْ لِخَوْفِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَحْصُلُ بِالذَّبْحِ وَالْأَكْلِ فَلَا مُوجِبَ لِلْقَتْلِ وَالْحَرْقِ، ثُمَّ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالنِّتَاجِ بَيْنَ جِنْسَيْنِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ فَقَطْ الْبَغْلِ، وَالسِّمْعِ بِكَسْرِ السِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ وَلَدُ الذِّئْبِ مَعَ الضَّبُعِ وَمِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْ جِنْسَيْنِ أَيْضًا الْعُقَابُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعُقَابَ جَمِيعَهُ أُنْثَى، وَأَنَّ الَّذِي يُسَافِدُهُ طَائِرٌ آخَرُ غَيْرُ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: إنَّ الثَّعْلَبَ يُسَافِدُهُ قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَهَذَا مِنْ الْعَجَائِبِ، وَأَمَّا الزَّرَافَةُ فَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ حَيَوَانَاتٍ النَّاقَةِ الْوَحْشِيَّةِ، وَالضِّبْعَانِ وَهُوَ الذَّكَرُ مِنْ الضِّبَاعِ فَيَقَعُ الضِّبْعَانُ عَلَى النَّاقَةِ فَتَأْتِي بِوَلَدٍ بَيْنَ النَّاقَةِ وَالضَّبُعِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا وَقَعَ عَلَى الْبَقَرَةِ فَتَأْتِي الزَّرَافَةُ، وَذَلِكَ فِي بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا الزَّرَافَةُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْجَمَاعَةُ فَلَمَّا تَوَلَّدَتْ مِنْ جَمَاعَةٍ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ أَقُولُ: وَكَذَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِرْذَوْنَ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبَقَرِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) أَيْ: وَالْمَرْأَةُ وَالْحَائِضُ لِزَوْجِهَا مِلْكٌ لَهُ فِيهَا أَيْ: تَسَلُّطٌ شَرْعِيٌّ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّمَتُّعُ بِدُونِ الْوَطْءِ فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ انْطِبَاقِ حَدِّ الزِّنَا عَلَيْهِ) فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا مِلْكَ لَهُ مَعْنَاهُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْعَمَّةَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ شَرْعًا وَلَا شُبْهَةَ وَهُنَا وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ صَارَ لَهُ شُبْهَةُ تَسَلُّطٍ شَرْعِيٍّ، فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ مِنْ التَّعْرِيفِ الْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ كَمَا تَخْرُجُ الْحَائِضُ.
(قَوْلُهُ: إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ) وَكَذَا أَمَتَهُ الْمُتَزَوِّجَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ حَدَّ الزِّنَا صَادِقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: فَالْمَشْهُورُ مُشْكِلٌ، وَيُجَابُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَذْفِ وَلَا شُبْهَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ عَلَيْهَا وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ
الرَّجْعِيَّةِ الْأَدَبُ، وَفِي الْبَائِنِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بَاقِيَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِفَادَتِهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ أُبِتَّتْ فِي مَرَّةٍ خِلَافًا لز
. (ص) ، أَوْ بِنْتٍ عَلَى أُمٍّ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ عَلَى أُخْتِهَا.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا عَقَدَ عَلَى ابْنَتِهَا وَدَخَلَ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ مَا دَامَتْ الْأُمُّ فِي عِصْمَتِهِ، فَإِذَا طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا حَلَّتْ لَهُ ابْنَتُهَا، أَمَّا لَوْ دَخَلَ أَيْ، أَوْ تَلَذَّذَ بِالْأُمِّ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَأَمَّا عَكْسُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، فَالْحَدُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ أُخْتًا عَلَى أُخْتِهَا، وَدَخَلَ بِهِمَا وَهَلْ لَا حَدَّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُخْتُ مِنْ نَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ تَعْمِيمَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ نَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ مَحَلَّ عَدَمِ الْحَدِّ إذَا كَانَتْ الْأُخْتُ مِنْ رَضَاعٍ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ حِينَئِذٍ بِالسُّنَّةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مِنْ نَسَبٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إذَا وَطِئَهَا لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَهَلْ إلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ؟ . تَأْوِيلَانِ) وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى عَمَّتِهَا مَثَلًا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِذَلِكَ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ
. (ص) وَكَأَمَةٍ مُحَلَّلَةٍ، وَقُوِّمَتْ، وَإِنْ أَبَيَا.
(ش) الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ أَمَةً قَدْ حَلَّلَهَا لَهُ مَالِكُهَا لِلشُّبْهَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْلِيلِ، أَوْ جَاهِلًا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَاحِقٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَتَقُومُ تِلْكَ الْأَمَةُ عَلَى وَاطِئِهَا لِتُتِمَّ لَهُ الشُّبْهَةَ، وَسَوَاءٌ رَضِيَا بِذَلِكَ أَيْ: صَاحِبُهَا، وَالْوَاطِئُ لَهَا أَمْ لَا، وَعَدَمُ الْحَدِّ مُرَاعَاةً لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ الْقَائِلِ بِجَوَازِ التَّحْلِيلِ ابْتِدَاءً، وَانْظُرْ مَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ خَاصٌّ بِالْإِمَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تُحْمَلُ الْأَمَةُ عَلَى الْقِنِّ، وَالْكَافُ أَدْخَلَتْ مَا فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ مِنْ مُدَبَّرَةٍ، وَمُعْتَقَةٍ لِأَجَلٍ، وَقَدْ يُقَالُ: أَدْخَلَتْ الْكَافُ الْحَرَائِرَ كَمَا بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْبَرْبَرِ، وَبَعْضِ بِلَادِ قزلباش أَنَّهُمْ يُحَلِّلُونَ أَزْوَاجَهُمْ لِلضِّيفَانِ يَعْتَقِدُونَهُ كَرَمًا جَهْلًا مِنْهُمْ، فَعَلَيْهِمْ الْأَدَبُ إنْ جَهِلُوا ذَلِكَ
. (ص) ، أَوْ مُكْرَهَةٍ، أَوْ مَبِيعَةٍ بِالْغَلَاءِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُكْرَهَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا أَدَبَ لِنَفْيِ التَّعَمُّدِ عَنْهَا اتِّفَاقًا، وَفِي الْمُكْرَهِ الْخِلَافُ الْآتِي وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى الْحُرَّةِ إذَا أَقَرَّتْ لِزَوْجِهَا بِالرِّقِّ فَبَاعَهَا لِأَجْلِ الْغَلَاءِ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي لِعُذْرِهَا بِالْجُوعِ، وَقَدْ بَانَتْ مِنْ عِصْمَةِ زَوْجِهَا، وَمِثْلُ الْبَيْعِ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الزَّوْجِ إنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا فَعَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ قَوْلًا، وَفِعْلًا وَبِعِبَارَةِ الْبَاءِ بِمَعْنَى فِي أَيْ: مَبِيعَةٍ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ، وَبَيْعُهَا فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا جَوْعَانَةَ فَلَا يُخَالِفُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَفِي الْبَائِنِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ: وَالْأَدَبُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى مِنْ الرَّجْعِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بَاقِيَةٌ) أَيْ: لِأَنَّ الَّذِي يَقْطَعُ الْعِصْمَةَ إنَّمَا هُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُحَدُّ إذَا وَطِئَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِفَادَتِهَا) أَيْ: إلَى اسْتِفَادَةِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ عَدَمُ الْحَدِّ أَيْ: لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَبْتُوتَةً، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِفَادَتِهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَالْمَبْتُوتَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ أُبِتَّتْ إلَخْ مِنْ تَعَلُّقَاتِ قَوْلِهِ: وَالْمَبْتُوتَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ مَعْلُومَةٌ مِنْ الْقَاعِدَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِفَادَتِهَا مِمَّا ذَكَرَ، وَقَوْلُهُ: بَاقِيَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ: فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ
. (قَوْلُهُ: فَالْحَدُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ السَّابِقُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ رَجَّحَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ حِينَئِذٍ بِالسُّنَّةِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: أَوَّلًا لِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الْأُخْتَيْنِ مُطْلَقًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْقَوْلِ الثَّانِي لَا يَقُولُ بِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأُخْتَيْنِ، بَلْ الْآيَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْأُخْتَيْنِ مِنْ النَّسَبِ كَمَا هُوَ سِيَاقُ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] . (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) حَقُّهُ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ نَصٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي نِكَاحٍ بِاعْتِبَارِ الْحَدِّ لَا وُجُوبًا وَلَا سُقُوطًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا التَّحْرِيمَ خَاصَّةً
. (قَوْلُهُ: وَقُوِّمَتْ) أَيْ: يَوْمَ الْوَطْءِ فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَلِيئًا أُخِذَتْ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَانْتَظَرَهُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَإِنَّهَا تُبَاعُ، وَالزَّائِدُ يَأْخُذُهُ الْوَاطِئُ وَهَذَا إذَا لَمْ تَحْمِلْ، وَإِلَّا اُتُّبِعَ بِالْقِيمَةِ، وَلَا تُبَاعُ.
(قَوْلُهُ: قَدْ حَلَّلَهَا لَهُ مَالِكُهَا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَالِكِ الْمُحَلِّلِ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَةَ الْوَاطِئِ، أَوْ قَرِيبَتَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا.
(قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْلِيلِ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ التَّحْلِيلِ، أَوْ جَاهِلًا، وَيَحْتَمِلُ الْبَقَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ جَاهِلًا أَيْ: التَّحْلِيلُ وَقَعَ فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ بِهِ.
(قَوْلُهُ: بِجَوَازِ التَّحْلِيلِ ابْتِدَاءً) أَيْ: فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا الِانْتِهَاءُ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَقُوِّمَتْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُدَبَّرَةٍ وَمُعْتَقَةٍ لِأَجَلٍ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ، وَيُمْنَعُ وَطْءُ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ: قَزِلْبَاشَ) رَأَيْتهَا مَضْبُوطَةً بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بِفَتْحَةٍ فَوْقَ الْقَافِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ.
(قَوْلُهُ: إنْ جَهِلُوا) وَإِنْ عَلِمُوا ارْتَدُّوا لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّ الْحَرَامِ، وَأَمَّا الْوَاطِئُ فَيُؤَدَّبُ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ وَإِلَّا حُدَّ
. (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُكْرَهِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ أَيْ: وَلَا أَدَبَ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَقَرَّتْ لِزَوْجِهَا بِالرِّقِّ) لَا مَفْهُومَ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْبَيْعِ تَزْوِيجُهَا إلَخْ) أَيْ: فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ إلَخْ أَيْ: فِي صُورَةِ الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: وَجَدَ الزَّوْجَ، وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعَلَيْهَا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَقُولُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَا إذَا وَجَدَهُ وَكَانَ مُعْدَمًا بِذَلِكَ الثَّمَنِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ قَوْلًا وَفِعْلًا) أَمَّا الْقَوْلُ فَإِقْرَارُهَا بِالرِّقِّ لَهُ، وَأَمَّا فِعْلًا فَتَمْكِينُهَا مِنْ نَفْسِهَا لَهُ، وَالْمَدَارُ عَلَى انْقِيَادِهَا لِلْبَيْعِ لَهُ وَإِظْهَارِ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُخَالِفُ إلَخْ) أَيْ: لِأَنَّهُ سَيَأْتِي يَقُولُ: وَلَكِنَّ دَرْءَ الْحَدِّ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا كَانَتْ جَوْعَانَةَ أَوْ لَا
الْقَاسِمِ مَنْ جَاعَ فَبَاعَ زَوْجَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، فَوَطِئَهَا مُشْتَرِيهَا فَعَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ رَأْيِي أَنَّهُمَا يُعْذَرَانِ، وَتَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ قُلْت: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِمَا جُوعٌ قَالَ: فَحَرِيٌّ أَنْ تُحَدَّ، وَيُنَكَّلَ زَوْجُهَا، وَلَكِنَّ دَرْءَ الْحَدِّ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى
. (ص) وَالْأَظْهَرُ كَأَنْ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ، وَنَكَلَ الْبَائِعُ وَحَلَفَ الْوَاطِئُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا فَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ، وَأَنْكَرَ الْبَيْعَ لَهُ، فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَنْ طَلَبَهَا مِنْهُ الْمُشْتَرِي فَنَكَلَ عَنْهَا، فَتَوَجَّهَتْ عَلَى الْوَاطِئِ فَحَلَفَهَا أَيْ: حَلَفَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا وَطِئَهَا، وَهِيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْوَاطِئُ يُحَدُّ مَعَ نُكُولِ الْبَائِعِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْبَائِعُ يُحَدُّ أَيْضًا.
(ص) وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ.
(ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الْوَطْءِ لَا حَدَّ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْجِمَاعِ هَلْ يُحَدُّ، أَوْ لَا؟ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ
. (ص) وَيَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا، أَوْ يَهْرُبَ وَإِنْ فِي الْحَدِّ (ش) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْرِيفِ الزِّنَا، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَثْبُتُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ الْإِقْرَارُ وَلَوْ مَرَّةً، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِهِمَا ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ إذْ رَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نُصُوصُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِحَدِّ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا طَوْعًا، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي الصَّحِيحِ: «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا، فَرُجِمَتْ» فَظَاهِرُ مَا فِي الْحَدِيثِ الِاكْتِفَاءُ بِأَقَلِّ مَا يَصْدُقُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَصْدُقُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ انْتَهَى، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْكَرَ عَقْلَهُ، وَلِذَا أَرْسَلَ لِقَوْمِهِ مَرَّتَيْنِ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عَقْلِهِ حَتَّى أَخْبَرُوهُ بِصِحَّتِهِ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ الْمُؤَلِّفُ بِلَوْ كَابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَا لِلْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَلْ الْخِلَافُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَيْسَ كَالْمُؤَلَّفِ فِيمَا ذَكَرَ، وَمَحَلُّ كَوْنِ الزَّانِي يُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ مَا لَمْ يَرْجِعْ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يُحَدُّ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ فِي الْحَدِّ، أَوْ فِي غَيْرِ الْحَدِّ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ، أَوْ لِشُبْهَةٍ كَقَوْلِهِ: وَطِئْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ، أَوْ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ زِنًا، وَمِثْلُ الرُّجُوعِ مَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَا، وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَإِنَّ إنْكَارَهُ يُعَدُّ رُجُوعًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الزَّانِي الْمُقِرِّ بِهِ إذَا هَرَبَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ، وَلَا يُتْبَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: " قَدْ «هَرَبَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ، فَاتَّبَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدُّوهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَأَمَّا الْهُرُوبُ قَبْلَ الْحَدِّ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ فِي الْحَدِّ وَاوُ الْحَالِ، وَإِنْ زَائِدَةٌ.
أَيْ: أَوْ يَهْرُبَ، وَهُوَ فِي الْحَدِّ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا كَانَ الْهُرُوبُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ مُسْقِطًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ إذَاقَةِ الْعَذَابِ دَالٌّ عَلَى الرُّجُوعِ بِخِلَافِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ
. (ص) وَبِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا، أَوْ يُحْمَلُ فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ، وَذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِهِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ أَيْضًا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحِلَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَرُؤْيَا
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ) الْفَاءُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ: بَاعَ لِكَوْنِهَا أَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ أَيْ: بِمُوجِبِ الْبَيْعِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ دَرْءَ الْحَدِّ أَحَبُّ إلَيَّ) أَيْ: لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُكْرَهَةً فِي وَطْئِهِ لَهَا إذْ لَوْ امْتَنَعَتْ لَأَكْرَهَهَا أَيْ: وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْبَيْعِ طَوْعًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الزِّنَا لَيْسَ فِيهِ إكْرَاهٌ، فَذَلِكَ فِي الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ انْتِشَارَهُ يُنَافِي إكْرَاهَهُ
. (قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيمَا يُذْكَرُ، وَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ، أَوْ بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ فَلَا حَدَّ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ حَدٌّ وَلَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَحَلَفَ الْوَاطِئُ إلَخْ) الصُّوَرُ ثَلَاثٌ: نُكُولُهُمَا، حَلِفُ الْوَاطِئِ، حَلِفُ الْبَائِعِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ حَلِفُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى حَلَفَ الْبَائِعُ ثَبَتَ قَوْلُهُ وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْوَاطِئِ يَمِينٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ) أَيْ: لَا حَدَّ وَلَا أَدَبَ إنْ زَنَى بِطَائِعَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ لِتَمَحُّضِ الْحَقِّ لِلَّهِ وَإِلَّا أَيْ: بِأَنْ زَنَى بِمُكْرَهَةٍ، أَوْ ذَاتِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ حُدَّ إذْ إكْرَاهُهُ كَلَا إكْرَاهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ: فَيُحَدُّ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُكْرِهَةُ لَهُ عَلَى الزِّنَا وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُكْرِهَةُ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُكْرِهُ غَيْرَهَا فَعَلَى الْوَاطِئِ الصَّدَاقُ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ
. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا) أَيْ: فَيَنْفَعَهُ فِي نَفْيِ الْحَدِّ وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً نَائِمَةً، ثُمَّ رَجَعَ وَلَا حَدَّ قَذْفٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَهْرُبَ) بِضَمِّ الرَّاءِ.
(قَوْلُهُ: اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَخْ) اسْمُ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ وَإِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ تَحَكُّمَ الْغَيْرِ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: فَأَمَرَ، ضَمِيرُهُ يَعُودُ عَلَى أُنَيْسٍ وَقَوْلُهُ: بِهَا أَيْ: بِرَجْمِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُقَالُ إلَخْ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَقَوْلُهُ: وَيُقَالُ إلَخْ فِيهِ شَيْءٌ.
(قَوْلُهُ: لَعَلَّهُ يَتُوبُ إلَخْ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ تَمْنَعُ الْحَدَّ، وَالْمَذْهَبُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَانِعُ لِلْحَدِّ هُوَ الرُّجُوعُ لَا التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَعْدَ إذَاقَةِ الْعَذَابِ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْأَشْبَهُ هُوَ الْعَكْسُ، وَأَمَّا هُرُوبُهُ بَعْدَ الْحَدِّ فَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ لِأَجْلِ الْعَذَابِ فَقَطْ كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَاحِدَةٍ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ بَقَاءَ بَكَارَتِهَا، وَأَنَّهَا رَتْقَاءُ، أَوْ نَظَرَ إلَيْهَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَصَدَّقْنَهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا بِشَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ قَامَ عَلَى الْعُذْرَةِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَسَقَطَ الْحَدُّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَيَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَعَمَّدُوا الشَّهَادَةَ ابْتِدَاءً كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الزِّنَا بِظُهُورِ الْحَمْلِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ أَيْ: لَمْ يُعْرَفْ لَهَا زَوْجٌ، وَفِي حَقِّ أَمَةِ سَيِّدِهَا مُنْكِرٍ لِوَطْئِهَا، وَتُحَدُّ.
قَوْلُهُ: مُتَزَوِّجَةٍ أَيْ: بِزَوْجٍ يَلْحَقُ بِهِ الْحَمْلُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْبُوبًا، أَوْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا فَتُحَدُّ.
(ص) وَلَمْ يُقْبَلْ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ بِلَا قَرِينَةٍ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً، وَلَا سَيِّدَ لَهَا، أَوْ لَهَا سَيِّدٌ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوَطْئِهَا، فَإِنَّهَا تُحَدُّ، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْغَصْبَ عَلَى ذَلِكَ بِلَا قَرِينَةٍ تَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ قَامَتْ لَهَا قَرِينَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا كَمَا إذَا جَاءَتْ تَدْمَى، وَهِيَ مُسْتَغِيثَةٌ عِنْدَ النَّازِلَةِ، أَوْ أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ ادَّعَتْ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لَائِقٍ بِلَا تَعَلُّقٍ إلَخْ
. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الزِّنَا وَأَحْكَامِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرَّجْمِ وَأَحْكَامِهِ فَقَالَ: (ص) يُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحَّ.
(ش) قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَنْوَاعَ الْحَدِّ ثَلَاثَةٌ: رَجْمٌ وَجَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ، وَجَلْدٌ مُنْفَرِدٌ وَبَدَأَ بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْحَدِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا عَقَدَ عَقْدًا صَحِيحًا لَازِمًا، وَوَطِئَ وَطْئًا مُبَاحًا بِانْتِشَارٍ مِنْ غَيْرِ مُنَاكَرَةٍ فِيهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْصِنًا، فَقَوْلُهُ: أَصَابَ أَيْ: وَطِئَ وَعَبَّرَ بِالْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَمَالُ الْوَطْءِ بَلْ يَكْفِي مَغِيبُ الْحَشَفَةِ، أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي بَعْدِهِنَّ لِلْأَوْصَافِ أَيْ: بَعْدَ الْأَوْصَافِ السَّابِقَةِ، وَالْبَاءُ فِي بِنِكَاحٍ بِمَعْنَى فِي أَيْ: فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَازِمٍ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: عَقْدٌ وَطْءُ السَّيِّدِ أَمَتَهُ وَبِقَوْلِهِ: لَازِمٍ نِكَاحُ الْمَعِيبِ، وَالْمَعِيبَةِ وَالْمَغْرُورِ، وَالْمَغْرُورَةِ، فَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا لِعَدَمِ اللُّزُومِ فَإِذَا زَنَى، فَلَا يُرْجَمُ، بَلْ يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ، وَفَاعِلٍ صَحَّ الْوَطْءُ أَيْ: حَلَّ فَإِذَا زَنَى بَعْدَ أَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي حَيْضِهَا، وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ؛ لِعَدَمِ حِلِّيَّةِ الْوَطْءِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ فَقَوْلُهُ: يُرْجَمُ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ أَسْفَلِ، وَجَوَّزَ الْبِسَاطِيُّ قِرَاءَتَهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَعَلَيْهِ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: الزِّنَا، وَهِيَ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: الزِّنَا مَصْحُوبٌ بِرَجْمِ الْمُكَلَّفِ، وَجَلْدِ الْبِكْرِ، وَتَغْرِيبِ الذَّكَرِ أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ مَصْحُوبٌ بِهَذَا الْحُكْمِ فَهَذِهِ النُّسْخَةُ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ بَقَاءَ بَكَارَتِهَا) أَيْ: أَنَّهَا عَذْرَاءُ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَتَعَمَّدُوا الشَّهَادَةَ) أَيْ: عَلَى الْعَذْرَاءِ أَيْ: يَتَعَمَّدُوا مُوجِبَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ النَّظَرُ لِبَكَارَتِهَا فَلَا يَقْدَحُ النَّظَرُ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ: كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ كَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَذْرَاءِ.
(قَوْلُهُ: سَيِّدُهَا مُنْكِرٌ إلَخْ) أَيْ: مَا لَمْ يَكُنْ السَّيِّدُ صَغِيرًا أَيْ: وَأَمَّا ظُهُورُهُ لِمُتَزَوِّجَةٍ وَذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِهِ فَلَا حَدَّ.
(قَوْلُهُ: دَعْوَاهَا الْغَصْبَ) أَيْ: لَا الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ، أَوْ الْغَلَطَ أَوْ النَّوْمَ فَتُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقَعُ كَثِيرًا
(قَوْلُهُ: بَعْدَهُنَّ) أَيْ: بَعْدَ التَّكْلِيفِ الْمُتَضَمِّنِ لِشَيْئَيْنِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مُتَقَدِّمٍ مَعْنًى.
(قَوْلُهُ: لَازِمٍ) أَيْ: ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا أَيْ: بِأَنْ لَزِمَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِأَنْ كَانَ فَاسِدًا فَاتَ بِالدُّخُولِ وَهَلْ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ الْمُفَوِّتِ يَحْصُلُ التَّحْصِينُ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ وَطْءٍ ثَانٍ قَوْلَانِ فَالْوَطْءُ الثَّانِي مُحْصَنٌ بِلَا نِزَاعٍ، فَخَرَجَ فَاسِدٌ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: لَازِمٍ نِكَاحُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي زَوْجَةٍ مُطِيقَةٍ، وَلَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً مَجْنُونَةً، أَوْ حُرَّةً كَافِرَةً مَجْنُونَةً، وَتُرْجَمُ الْمُكَلَّفَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ الْعَاقِلَةُ إنْ أُصِيبَتْ بَعْدَهُنَّ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ، وَإِنْ عَبْدًا أَوْ مَجْنُونًا، وَقَوْلُهُ: إذَا عَقَدَ عَقْدًا صَحِيحًا لَازِمًا إشَارَةً لِتَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ إلَخْ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ الْعَقْدُ لَا الْوَطْءُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ صَحَّ عَلَى قَوْلِهِ لَازِمًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اللُّزُومِ الصِّحَّةُ فَيَضِيعُ قَوْلُهُ: صَحَّ عَنْ الْفَائِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَازِمٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ اللُّزُومُ فَفِي ذِكْرِ اللُّزُومِ بَعْدَ الصِّحَّةِ فَائِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَوَطِئَ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَصَابَ أَيْ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصَابَةِ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ الَّذِي مَعَهُ انْتِشَارٌ مِنْ غَيْرِ مُنَاكَرَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ زَنَى إلَخْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الرَّجْمُ مَنُوطًا بِمُجَرَّدِ اجْتِمَاعِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الزِّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَعَبَّرَ بِالْإِصَابَةِ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِوَطْءٍ لَأَفْهَمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَطْءُ الْكَامِلُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ الْمُرَادُ مُجَرَّدُ الْوَطْءِ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالْإِصَابَةِ مَعَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْإِصَابَةَ بِالْوَطْءِ وَأَطْلَقَ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فِي) وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: عَقْدِ وَطْءٍ) أَيْ: لِأَنَّ وَطْءَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَقْدٍ بَلْ بِسَبَبِ الْمِلْكِ، وَقَوْلُهُ: فَاعِلٌ صَحَّ الْوَطْءُ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ النِّكَاحَ أَوَّلًا وَأَرَادَ بِهِ الْعَقْدَ ثُمَّ رَجَعَ ضَمِيرُ صَحَّ لَهُ لَا بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْوَطْءُ أَيْ: أَنَّ الْوَطْءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا احْتِرَازًا عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالصَّائِمَةِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمُعْتَكِفَةِ وَعَنْ وَطْئِهَا فِي مَسْلَكِ الْبَوْلِ، أَوْ دُبُرِهَا كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ، فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حِلِّهِ أَوَّلًا وَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ ذَلِكَ الِاسْتِخْدَامَ دَفْعًا لِلِاعْتِرَاضِ الَّذِي أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ مَتَى كَانَ لَازِمًا كَانَ صَحِيحًا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: صَحَّ بَعْدَ قَوْلِهِ لَازِمًا.
(قَوْلُهُ: وَجَوَّزَ الْبِسَاطِيُّ إلَخْ) كَانَ نُسْخَةُ الْبِسَاطِيِّ لَيْسَ فِيهَا نُقْطَتَانِ تَحْتَ صُورَةِ الْيَاءِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِجَلْبِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الزِّنَا) أَيْ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْبَابِ: الزِّنَا وَطْءُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ) أَيْ: هَذَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ صُورَةٌ بِأَنَّهُ وَطْءُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: مَصْحُوبٌ بِهَذَا الْحُكْمِ أَيْ: بِهَذَا الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَى الزَّانِي
مَا هِيَ فَاسِدَةٌ، بَلْ صَحِيحَةٌ، وَلَهَا مَعْنَى لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْإِعْرَابِيَّ لَا يُتَكَلَّفُ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ فَائِدَةٌ، وَشُرُوطُ الْإِحْصَانِ عَشْرَةٌ مَتَى تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا لَا يُرْجَمُ، وَهِيَ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْإِصَابَةُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَازِمٍ، وَوَطْءٌ صَحِيحٌ بِانْتِشَارٍ، وَعَدَمُ مُنَاكَرَةٍ، وَأَمَّا عِلْمُ الْخَلْوَةِ، فَذَكَرَ مَا يُغْنِي عَنْهُ، وَهُوَ الْإِصَابَةُ لِأَنَّهَا أَخَصُّ.
(ص) بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ بُدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ، ثُمَّ الْإِمَامُ.
(ش) مُتَعَلِّقٌ بِيُرْجَمُ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالْفِعْلِ وَبِرَجْمٍ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ: الرَّجْمِ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ فَلَا يُرْجَمُ بِحِجَارَةٍ كِبَارٍ خَوْفَ التَّشْوِيهِ، وَلَا بِحِجَارَةٍ صِغَارٍ خَوْفَ التَّعْذِيبِ؛ لِعَدَمِ إسْرَاعِ الْمَوْتِ فَالْمُعْتَدِلَةُ أَقْرَبُ لِلْإِجْهَازِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ حَدِيثًا صَحِيحًا، وَلَا سُنَّةً مَعْمُولًا بِهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالزِّنَا تَبْدَأُ بِالرَّجْمِ لِلزَّانِي، ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ وُجِدَ فِي النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد إلَّا أَنَّهُ مَا صَحَّ عِنْدَ مَالِكٍ.
(ص) كَلَائِطٍ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَبْدَيْنِ وَكَافِرَيْنِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ اللَّائِطَ إذَا كَانَ بَالِغًا طَائِعًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ سَوَاءٌ كَانَ مُحْصِنًا أَمْ لَا، سَوَاءٌ كَانَا عَبْدَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَعَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ الرَّجْمُ، أَحْصَنَا، أَوْ لَمْ يُحْصِنَا، وَلَا صَدَاقَ فِي ذَلِكَ فِي طَوْعٍ، أَوْ إكْرَاهٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ بِهِ مُكْرَهًا، أَوْ صَبِيًّا طَائِعًا لَمْ يُرْجَمْ، وَرُجِمَ الْفَاعِلُ، وَالشَّهَادَةُ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا.
اهـ.، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ فِي الزِّنَا رَجْمٌ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْعَذَابِ، وَلَا نِصْفَ لِلرَّجْمِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَتْلِ أَوْ الْفِرْيَةِ، أَوْ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُ كَالدَّيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا أَتَاهَا؟ ، فَكَذَلِكَ إذَا ارْتَكَبَهَا الْكَافِرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُقَامُ عَلَيْهِ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] . فَقَوْلُهُ: كَلَائِطٍ أَيْ: ذِي لِوَاطٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ النِّسْبَةِ كَتَامِرٍ أَيْ: ذِي تَمْرٍ، وَنَابِلٍ أَيْ: ذِي نُبْلٍ، وَلَيْسَ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ لَاطَ يَلُوطُ فَهُوَ لَائِطٌ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ قَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ: فَاعِلًا، أَوْ مَفْعُولًا مُحْصَنًا، أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَالِغَيْنِ، أَوْ غَيْرَ بَالِغَيْنِ طَائِعَيْنِ، أَوْ مُكْرَهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ وَالطَّوْعُ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ عَبْدَيْنِ وَكَافِرَيْنِ مَعَ دُخُولِ مَا ذَكَرَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعَبْدَ يُجْلَدُ خَمْسِينَ، وَإِنَّ الْكَافِرَ يُرَدُّ إلَى حُكَّامِ مِلَّتِهِ
. (ص) وَجَلْدُ الْبِكْرِ الْحُرِّ مِائَةٌ وَتُشْطَرُ لِلرِّقِّ، وَإِنْ قَلَّ.
(ش) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْبِكْرَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ الْبَالِغَ إذَا زَنَى، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَيُغَرَّبُ عَامًا، وَالْمُرَادُ بِالْبِكْرِ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ بِأَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ وَطْءٌ أَصْلًا، أَوْ تَقَدَّمَ لَهُ وَطْءٌ فِي أَمَتِهِ، أَوْ فِي زَوْجَتِهِ، لَكِنْ فِي حَيْضِهَا، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَمْ يَفُتْ، وَفُسِخَ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ قَلَّ جُزْءُ رِقِّهِ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسُونَ جَلْدَةً؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا عَلَى الْحُرِّ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ الْأَرِقَّاءَ لَا يُجْلَدُونَ إلَّا إذَا تَزَوَّجُوا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَمَعْنَى أُحْصِنَّ تَزَوَّجْنَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُنَّ إذَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْجَلْدُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى
[حاشية العدوي]
وَهُوَ الرَّجْمُ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ بِهِ عَلَى الزَّانِي الْمَرْجُومِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: صُورَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الزِّنَا وَطْءُ إلَخْ تَعْرِيفٌ لِلزِّنَا بِذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَعْنَى الْإِعْرَابِيَّ أَيْ: الْمَعْنَى الْمَنْسُوبَ لِلْإِعْرَابِ فَقَوْلُهُ: الْمَعْنَى إشَارَةٌ إلَى الْمُصَاحَبَةِ، وَقَوْلُهُ: الْأَعْرَابِيُّ إشَارَةٌ إلَى التَّعَلُّقِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ الْبُلُوغُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ أَوَّلٌ الْعَقْلُ شَرْطٌ ثَانٍ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطٌ ثَالِثٌ وَالْإِسْلَامُ رَابِعٌ وَالْإِصَابَةُ خَامِسٌ، وَقَوْلُهُ: فِي عَقْدِ نِكَاحٍ سَادِسٍ، وَقَوْلُهُ: لَازِمٌ سَابِعٌ، وَقَوْلُهُ: وَوَطْءٌ ثَامِنٌ، وَقَوْلُهُ: صَحِيحٌ تَاسِعٌ، وَقَوْلُهُ: بِانْتِشَارٍ هُوَ الْعَاشِرُ، وَنُسْخَةُ الشَّارِحِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا عَدَمَ الْمُنَاكَرَةِ ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ لَا يَخْفَاك أَنَّ قَوْلَهُ: وَوَطْءٌ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: الْإِصَابَةُ فَلَوْ حَذَفَهُ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِانْتِشَارٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنَاكَرَةٌ لَكَانَ أَظْهَرَ فَتَدَبَّرْ.
وَيُشْتَرَطُ فِي إحْصَانِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْ يَكُونَ وَاطِئُهَا بَالِغًا وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا أَوْ مَجْنُونًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَخَصُّ) أَيْ: لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْإِصَابَةِ عِلْمُ الْخَلْوَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ إلَخْ) أَيْ: وَلَا يَحْفِرُ لَهُ حُفْرَةً عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يَحْفِرُ لِنِصْفِهِ (تَنْبِيهٌ) : لَا يَخْتَصُّ الرَّمْيُ بِالظَّهْرِ بَلْ بِمَوَاضِعِ الْمَقَاتِلِ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ السُّرَّةِ إلَى فَوْقَ، وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ، وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ هُوَ مِنْ التَّعْذِيبِ وَلَيْسَتْ بِمَقَاتِلَ.
اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْ تت أَقُولُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الرَّأْسَ لَا يُتَّقَى قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّقَى كَالْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشَوَّهًا بِهِ إذَا ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ.
اهـ. تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْإِمَامُ) أَيْ: أَنَّ الْحَاكِمَ قَبْلَ النَّاسِ ثُمَّ النَّاسَ عَقِبَهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ النَّاسَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ لَفْظِ بُدَاءَةٍ يُغْنِي عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مُحْصِنًا أَمْ لَا) ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مُحْصَنًا وَمُسْهَبًا وَمُلْقَحًا بِالْفَتْحِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ فِيهَا عَلَى الْقِيَاسِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَافِرَيْنِ) لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ لِوَاطًا؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي بَيَانِ كَوْنِهِ زِنًا وَهَذَا فِي بَيَانِ الرَّجْمِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْفِرْيَةُ) أَيْ: الْقَذْفُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ وَالطَّوْعُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَفْعُولَ يُشْتَرَطُ فِي رَجْمِهِ تَكْلِيفُهُ وَطَوْعُهُ وَكَوْنُ وَاطِئِهِ بَالِغًا وَإِلَّا لَمْ يُرْجَمْ الْمَفْعُولُ
. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَلَّ) أَيْ: كَمُبَعَّضٍ أَيْ: وَكَذَا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ كَمُدَبَّرٍ وَمُكَاتَبٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ، وَقَوْلُهُ: وَيُغَرَّبُ إلَخْ الْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ، وَإِلَّا لَاتَّحَدَ النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: 25] إلَخْ) وَالْعَبْدُ فِي مَعْنَى الْأَمَةِ مِنْ بَابِ لَا فَارِقَ
قِرَاءَةِ ضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ أُحْصِنَّ، أَمَّا عَلَى فَتْحِهَا فَمَعْنَاهُ أَسْلَمْنَ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى فَلَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْجَلْدُ مَعَ الْإِحْصَانِ دُونَ الرَّجْمِ فِي التَّزْوِيجِ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِمْ الرَّجْمُ إذَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَالْآيَةُ سَبَقَتْ لِنَفْيِ الرَّجْمِ عَنْ الْأَرِقَّاءِ، وَذَلِكَ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ
. (ص) وَتُحُصِّنَ كُلٌّ دُونَ صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ بَعْدَهُ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ الرَّقِيقَيْنِ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ أَصَابَ صَاحِبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَحَصَّنُ دُونَ صَاحِبِهِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِتْقٌ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ ثُمَّ أَصَابَ صَاحِبَهُ فَإِنَّهُ يَتَحَصَّنُ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْوَطْءِ الَّذِي يُحْصِنُ أَنْ يَكُونَ بِانْتِشَارٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمْنُوعًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ مُنَاكَرَةٌ كَمَا فِي الْإِحْلَالِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَبِعِبَارَةِ وَتُحُصِّنَ إلَخْ قَضِيَّةٌ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَكُلٌّ فَاعِلٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ السُّوءُ فَهُوَ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا: وَقَدْ يَتَحَصَّنُ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ يَتَحَصَّنَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ يَتَحَصَّنُ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ لَا يَتَحَصَّنَانِ، وَقَدْ يَتَحَصَّنُ الزَّوْجُ دُونَ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَوْ قَالَ: بِكَالْعِتْقِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بَعْدِهِ رَاجِعًا لِكَالْعِتْقِ، وَيَكُونُ شَامِلًا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ كَانَ أَحْسَنَ لَكِنْ إنَّمَا خَصَّ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ الْمُطَّرِدُ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يَطَّرِدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ، وَلَا يَتَأَتَّى فِي حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ تَحْتَ كَافِرٍ
. (ص) وَغُرِّبَ الذَّكَرُ الْحُرُّ فَقَطْ عَامًا.
(ش) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِّ، وَهُوَ التَّغْرِيبُ مَعَ الْحَدِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحُرَّ الذَّكَرَ إذَا زَنَى فَإِنَّهُ يُحَدُّ مِائَةً، وَيُغَرَّبُ عَامًا كَامِلًا مِنْ يَوْمِ سِجْنِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ لِمَا يَلْحَقُ سَيِّدَهُ مِنْ الضَّرَرِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى، وَكَذَا الْحُرَّةُ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهَا لَمَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْ الزِّنَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَوْ رَضِيَ سَيِّدُ الْعَبْدِ، أَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: غُرِّبَ أَنَّهُ لَوْ غَرَّبَ نَفْسَهُ لَا يَكْفِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَغُرِّبَ الذَّكَرُ الْحُرُّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(ص) وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْحُرَّ الذَّكَرَ الَّذِي يُغَرَّبُ أُجْرَةُ حَمْلِهِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا الْمُحَارِبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ، أَوْ لَمْ يُتَوَصَّلْ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَوَّزَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأُجْرَةِ أَيْ: أُجْرَةِ الْحَمْلِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، وَالْغِطَاءِ وَالْوَطْءِ وَالسِّجْنِ.
(ص) كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ.
(ش) فَدَكُ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَخَيْبَرُ قَرْيَةٌ أَيْضًا فَيُنْفَى الزَّانِي وَالْمُحَارِبُ إلَى
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَظْهَرُ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ قَطْعًا أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يُحْصِنُوا لَا جَلْدَ عَلَيْهِمْ.
(تَنْبِيهٌ) : يُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ الْجَلْدُ مَعَ حُضُورِ جَمَاعَةٍ أَرْبَعَةٍ، أَوْ اثْنَيْنِ وَهُمَا لِمَالِكٍ قِيلَ: الْحُضُورُ لِلزَّجْرِ، وَقِيلَ: لِلدُّعَاءِ بِالتَّوْبَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ الْحُضُورَ فِي الْجَلْدِ دُونَ الرَّجْمِ.
اهـ. إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُ يُقَدَّمُ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَهِيَ شَاهِدَةٌ لَنَا وَتَكُونُ عَامَّةً فَلَا تَخْتَصُّ بِالْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ إنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يُنَافِي قَوْلَهُ: إنَّمَا يَتَأَتَّى إلَخْ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنَّا نَقُولُ إلَخْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قِرَاءَةَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ثَابِتَةٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهَا سَبُعِيَّةٌ فَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِيهَا أَنَّهَا مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: أَنَّ الْآيَةَ الْمُقَيَّدَةَ وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فَلَا تُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِحْلَالِ) أَيْ: إحْلَالِ الْمَبْتُوتَةِ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ فِي قُوَّةِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كُلِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ بِالْعِتْقِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ يَتَحَصَّنَانِ أَيْ: إذَا عَتَقَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَحَصَلَ الْوَطْءُ أَيْ: وَقَدْ لَا يَتَحَصَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ أَيْ: حَاصِلُ الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُهُ: كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِأَنْ تَجْتَمِعَ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ لَا يَتَحَصَّنَانِ كَمَا إذَا اخْتَلَّتْ الشُّرُوطُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ يَتَحَصَّنُ الزَّوْجُ دُونَ الزَّوْجَةِ بِأَنْ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِيهِ فَقَطْ وَكَذَا يُقَالُ فِي عَكْسِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ شَامِلًا لِجَمِيعِ الصُّوَرِ) أَيْ: فَيَشْمَلُ الْعَقْلَ وَالْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَقْلَ مُطَّرِدٌ كَالْعِتْقِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يَطَّرِدُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَكَذَا الْبُلُوغُ لَا يَطَّرِدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي بُلُوغِ الزَّوْجِ فَيَتَحَصَّنُ بِبُلُوغِهِ وَوَطْئِهِ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ وَلَا يَتَأَتَّى فِي الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ وَوَطِئَهَا زَوْجُهَا الصَّبِيُّ لَا يَتَحَصَّنُ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمُطَّرِدُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَطَّرِدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَطَّرِدُ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يَطَّرِدُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ مِثْلَهُ فَتَدَبَّرْ حَقَّ التَّدَبُّرِ
. (قَوْلُهُ: وَغُرِّبَ الذَّكَرُ إلَخْ) أَيْ: الْمُتَوَطِّنُ لَا مِنْ زِنًا بِفَوْرِ نُزُولِهِ بِبَلَدٍ فَيُجْلَدُ وَيُسْجَنُ بِهَا عَلَى مَا يَأْتِي وَإِنَّمَا غُرِّبَ عُقُوبَةً لَهُ لِيَنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَعَاشِهِ، وَتَلْحَقُهُ الْمَذَلَّةُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ رَضِيَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: بِمَا يَلْحَقُ سَيِّدَهُ مِنْ الضَّرَرِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الضَّرَرُ عَلَى ضَرَرٍ فِي الْبَدَنِ مُشْتَقٍّ.
(قَوْلُهُ: وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحُرُّ الذَّكَرُ مِنْ حَمْلِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
(قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إلَخْ) اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ إذْ الْمُرَادُ بِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَكِرَاؤُهُ فِي مَسِيرِهِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي الزَّانِي وَالْمُحَارِبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
(قَوْلُهُ: وَتَجَوَّزَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَجْرِ) أَيْ: فَأَرَادَ بِالْأَجْرِ مَا يَشْمَلُ ثَمَنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ إلَخْ فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَوْ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالْمَأْكَلِ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَمْلِ وَالْمَعْنَى وَأَجْرُ الْمَأْكَلِ أَيْ: ثَمَنُهُ.
(قَوْلُهُ: كَفَدَكَ إلَخْ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ أَسْمَاءُ الْبِقَاعِ يَجُوزُ فِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعِ وَالْبُقْعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَخَيْبَرَ) قَرْيَةٌ أَيْضًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَفَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى خَيْبَرَ فَقَوْلُهُ: وَخَيْبَرَ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ أَيْ: شَبِيهٌ بِهِ وَلَعَلَّ
إحْدَاهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَفَى مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى خَيْبَرَ، وَنَفَى عَلِيٌّ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْبَصْرَةِ.
(ص) فَيُسْجَنُ سَنَةً.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الزَّانِيَ أَوْ الْمُحَارِبَ إذَا غُرِّبَ فَإِنَّ الزَّانِيَ يُسْجَنُ سَنَةً، وَالْمُحَارِبَ يُسْجَنُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَأَوَّلُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ سِجْنِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ، فَذِكْرُ الْعَامِ قَبْلَهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ مَعَ أَنَّ سِجْنَهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ بَعْدَ دُخُولِ بَلَدِ التَّغْرِيبِ، فَيَكُونُ التَّغْرِيبُ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا هُنَا كَانَ أَنْسَبَ.
(ص) وَإِنْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِيَةً.
(ش) أَيْ: فَإِنْ عَادَ الَّذِي غُرِّبَ وَسُجِنَ قَبْلَ مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ سُجِنَ، فَإِنَّهُ يُخْرَجُ مَرَّةً ثَانِيَةً إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ بِهِ، أَوْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْجِهَاتِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بِالْخُرُوجِ دُونَ أُعِيدَ الْمُقْتَضِي لِإِعَادَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ، فَالْإِخْرَاجُ أَعَمُّ مِنْ الْعَوْدِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ: عَادَ لِلزِّنَا ثَانِيَةً، وَهُوَ فِي السِّجْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً، وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِي التَّوْضِيحِ فِيهَا وَفِي الْغَرِيبِ إذَا زَنَى، وَلَفْظُهُ: وَانْظُرْ لَوْ زَنَى فِي الْمَكَانِ الَّذِي نُفِيَ فِيهِ، أَوْ زَنَى الْغَرِيبُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ هَلْ يَكُونُ سِجْنُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي زَنَى فِيهِ تَغْرِيبًا؟ . . اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ تَأَنَّسَ فِي السِّجْنِ مِنْ الْمَسْجُونِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَوَحَّشْ بِهِ غُرِّبَ لِمَوْضِعٍ آخَرَ لِيُسْجَنَ فِيهِ، وَإِلَّا فَفِي سِجْنِهِ الْأَوَّلِ، وَالْغَرِيبُ إنْ كَانَ بِفَوْرِ نُزُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَأَنَّسَ بِأَهْلِ الْبَلَدِ الَّتِي زَنَى بِهَا سُجِنَ فِيهَا، وَإِلَّا أُخْرِجَ لِبَلَدٍ آخَرَ
. (ص) وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُتَزَوِّجَةَ إذَا لَزِمَهَا حَدُّ الزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى تَأْخِيرُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ، فَإِذَا وَضَعَتْ أُخِّرَتْ فِي الْجَلْدِ لِنِفَاسِهَا؛ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ لَا فِي الرَّجْمِ إلَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ تُرْضِعُ الطِّفْلَ.
(ص) وَبِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ.
(ش) يَعْنِي وَيَنْتَظِرُ بِالْجَلْدِ اعْتِدَالَ الْهَوَاءِ بِالْمَدِّ، فَلَا يَجْلِدُ فِي الْبَرْدِ وَالْحَرِّ الْمُفْرِطَيْنِ خَوْفَ الْهَلَاكِ وَالتَّأْخِيرُ لِلْبَرْدِ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْحَرَّ، وَأَمَّا الْهَوَى بِالْقَصْرِ فَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ
. (ص) وَأَقَامَهُ الْحَاكِمُ وَالسَّيِّدُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْحَدَّ رَجْمًا، أَوْ جَلْدًا لَا يُقِيمُهُ عَلَى الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ إلَّا السُّلْطَانَ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ خَالِيًا مِنْ الزَّوَاجِ، أَوْ مُتَزَوِّجًا بِمِلْكِ سَيِّدِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حَرَّةٌ، أَوْ أَمَةٌ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الْإِمَامُ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَا عَلَى الرَّقِيقِ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِظُهُورِ حَمْلٍ، أَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ ذُكُورٍ أَحْرَارٍ غَيْرِ السَّيِّدِ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ إذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْلِدَ بِعِلْمِهِ، فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا، أَوْ تَزَوَّجَ بِمِلْكِهِ، فَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِتَزَوَّجَ، وَالثَّانِي مُتَعَلِّقٌ بِإِقَامَةٍ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا قَيْدٌ فِي إقَامَةِ السَّيِّدِ فَقَطْ، وَالثَّانِي قَيْدٌ فِيهِ وَفِي الْحَاكِمِ، ثُمَّ إنَّ الضَّمِيرَ فِي أَقَامَهُ إنْ رَجَعَ لِلْجَلْدِ صَحَّ فِي السَّيِّدِ وَفَسَدَ فِي الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ مُطْلَقًا وَإِنْ رَجَعَ لِلْحَدِّ مُطْلَقًا صَحَّ فِي الْحَاكِمِ، وَفَسَدَ فِي السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقِيمُ الْجَلْدَ فَيُجْعَلُ مُشْتَرَكًا، فَيَرْجِعُ لِلْحَدِّ مُطْلَقًا فِي الْحَاكِمِ، وَلِلْجَلْدِ فِي السَّيِّدِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ أَيْ: وَأَقَامَ السَّيِّدُ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ لَا السَّرِقَةِ، فَلَا يُقِيمُهَا عَلَى الْعَبْدِ إلَّا الْوَالِي، فَإِنْ قَطَعَهُ السَّيِّدُ دُونَ الْوَالِي، وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَادِلَةً، وَأَصَابَ وَجْهَ الْقَطْعِ عُوقِبَ، وَوَجَّهَهُ بَعْضٌ لِئَلَّا يُمَثِّلَ النَّاسُ بِعَبِيدِهِمْ وَيَدَّعُوا سَرِقَتَهُمْ
. (ص) وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ
[حاشية العدوي]
الْمَعْنَى يُغَرَّبُ إلَى فَدَكَ بِعَيْنِهَا أَوْ خَيْبَرَ بِعَيْنِهَا أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا فَدَكًا أَوْ غَيْرَهَا.
(قَوْلُهُ: وَنَفَى عَلَى إلَخْ) وَيَجُوزُ النَّفْيُ مِنْ مِصْرَ إلَى الْحِجَازِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ.
(قَوْلُهُ: فَذِكْرُ الْعَامِّ) أَيْ: لَفْظُ عَامٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَيْهِ) وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْنِي وَيُلْغِي مَا بَيْنَ السِّجْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ إلَخْ) أَقُولُ: وَيَحْتَمِلُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ أَنَّ مَعْنَى عَادَ لِلزِّنَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، وَإِطْلَاقُهُ أَخْرَجَ بَعْدَ جَلْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ثَانِيَةً لِلسِّجْنِ فِي الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ
. (قَوْلُهُ: الْمُتَزَوِّجَةُ) أَيْ: فِي الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ، وَمِثْلُ الْمُتَزَوِّجَةِ ذَاتُ السَّيِّدِ أَيْ: وَأَمَّا مَا لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ لَا تُؤَخَّرُ لِحَيْضَةٍ إنْ لَمْ يَمْضِ لِمَاءِ الزَّانِي أَرْبَعُونَ يَوْمًا بِبَطْنِهَا، أَوْ مَضَى وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا وَإِلَّا أُخِّرَتْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهَا تُحَدُّ عَاجِلًا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، أَوْ خَلِيَّةً فَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُهَا أُخِّرَتْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، أَوْ سَيِّدٍ أَوْ خَلِيَّةً إنْ مَكَثَ مَاءُ الزَّانِي بِبَطْنِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ يَمْضِيَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مِنْ الزِّنَا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ بِهَا حَمْلٌ، وَكَذَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا وَقَامَ بِحَقِّهِ تُؤَخَّرُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ لَا إنْ اسْتَبْرَأَهَا، أَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا، وَلَمْ تَقُمْ بِحَقِّهِ فَلَا تُؤَخَّرُ وَيَقُومُ مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِيمَنْ لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ حَيْثُ لَمْ تَحِضْ فِيهَا وَكُلُّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ، وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِوَضْعِهِ.
(قَوْلُهُ: الْمُفْرِطَيْنِ) أَيْ: فِي أَيِّ فَصْلٍ كَانَ فَالْمَدَارُ عَلَى اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ فِي أَيِّ فَصْلٍ كَانَ
. (قَوْلُهُ: وَالسَّيِّدُ) أَيْ: وَإِقَامَةُ السَّيِّدِ أَيْ: جَوَازًا وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَاكِمِ عِنْدَ بَهْرَامَ وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَقَامَهُ أَيْ: حَدَّ الزِّنَا وَكَذَلِكَ حَدُّ الْخَمْرِ أَيْ: وَالْقَذْفِ، وَأَمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ فَلَا يُقِيمُهُ إلَّا السُّلْطَانُ فَإِنْ أَقَامَهُ السَّيِّدُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ بِشُرُوطِهِ أُدِّبَ لِتَعَدِّيهِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِئَلَّا يُمَثِّلَ النَّاسُ بِعَبِيدِهِمْ وَيَدَّعُونَ سَرِقَتَهُمْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا السُّلْطَانُ) أَيْ: فَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ السُّلْطَانُ أَيْ: وَمِثْلُهُ الْقَاضِي لَا كُلُّ حَاكِمٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ: لِمَا يَلْحَقُ الزَّوْجَةَ الْحُرَّةَ، أَوْ سَيِّدَ الْأَمَةِ مِنْ الْمَعَرَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي قَيْدٌ فِيهِ وَفِي الْحَاكِمِ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الشَّرْطَيْنِ بِالسَّيِّدِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَوَهَّمَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّيِّدِ لَا الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي تَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مِنْ بَابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِهِ فَتَأَمَّلْ.
بَعْد عِشْرِينَ سَنَةً، وَخَالَفَهَا الزَّوْجُ فَالْحَدُّ، وَعَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَسْقُطُ مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ، أَوْ يُولَدْ لَهُ، وَأَوَّلًا عَلَى الْخِلَافِ، أَوْ لِخِلَافِ الزَّوْجِ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوْ لِأَنَّهُ يَسْكُتُ، أَوْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ، لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ تَأْوِيلَاتٌ.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ وُجِدَتْ تَزْنِي، فَقَالَتْ: مَا جَامَعَنِي زَوْجِي فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَكَذَّبَهَا زَوْجُهَا، وَقَالَ: بَلْ وَطِئْتهَا، فَإِنَّهَا تُحَدُّ أَيْ: تُرْجَمُ؛ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهَا الْوَطْءَ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَطَالَ مُكْثُهُ مَعَهَا، ثُمَّ شَهِدَتْ الْعُدُولُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا، فَقَالَ مَا جَامَعْتُ زَوْجَتِي مُنْذُ دَخَلْت بِهَا، وَأَنَا الْآنَ غَيْرُ مُحْصِنٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَلَا يُرْجَمُ بَلْ يُجْلَدُ جَلْدَ الْبِكْرِ مَا لَمْ يُقِرَّ، أَوْ يَظْهَرُ حَمْلٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، فَقَوْلُهُ: فَالْحَدُّ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجْمُ، وَقَوْلُهُ: وَعَنْهُ أَيْ: الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ: يَسْقُطُ أَيْ: الرَّجْمُ، وَأَمَّا الْجَلْدُ فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الرَّجْمُ، ثُمَّ إنَّ الْأَشْيَاخَ تَأَوَّلُوا الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قُبِلَ قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا، وَمِمَّنْ حَمَلَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَسَحْنُونٌ وَأَبُو عِمْرَانَ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، وَالْخِلَافُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ فَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْمَذْهَبِ فِي حُكْمِ أَيِّ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَعَيَّنَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فِي حُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَعَيَّنَهُ سَحْنُونَ فِي حُكْمِ الْأُولَى، وَانْظُرْ مَا الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا انْتَهَى، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَشْيَاخِ إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ، مِنْهَا: إنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ حَيْثُ أَنْكَرَ الْوَطْءَ فَلَمْ يُرْجَمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُكَذِّبْهُ زَوْجَتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ كَذَّبَهَا فَلَوْ لَمْ يُكَذِّبْهَا فِي مَسْأَلَتِهَا، أَوْ كَذَّبَتْهُ فِي مَسْأَلَتِهِ لَاتَّفَقَا، وَمِنْهَا إنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا حَصَلَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْجِمَاعُ لِزَوْجَتِهِ يَسْكُتُ عَنْهُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ إذَا حَصَلَ لَهَا عَدَمُ الْوَطْءِ مِنْ زَوْجِهَا، فَالْعَادَةُ أَنَّهَا لَا تَسْكُتُ عَنْهُ، بَلْ تُظْهِرُهُ، وَتُبْدِيهِ وَمِنْهَا إنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَنْكَرَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا لَمْ تَبْلُغْ الْمُدَّةَ فِيهَا عِشْرِينَ سَنَةً، وَمَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ بَلَغَتْ عِشْرِينَ، فَالتَّأْوِيلَاتُ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ يَحْكِي الْخِلَافَ، وَالثَّلَاثَةُ تُوَفِّقُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ
. (ص) وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيْتُ مَعَهُ فَادَّعَى الْوَطْءَ وَالزَّوْجِيَّةَ، أَوْ وُجِدَا بِبَيْتٍ، وَأَقَرَّا بِهِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ، أَوْ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ هِيَ وَوَلِيُّهَا، وَقَالَا لَمْ نُشْهِدْ حُدَّا.
(ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ: زَنَيْت مَعَ هَذَا الرَّجُلِ، فَأَقَرَّ بِوَطْئِهَا، وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ، وَيَأْتَنِفَانِ نِكَاحًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ أَحَبَّا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَارِئَيْنِ، أَوْ حَصَلَ فُشُوٌّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ الزَّوْجَانِ غَيْرُ الطَّارِئَيْنِ إذَا وُجِدَا فِي بَيْتٍ، أَوْ طَرِيقٍ، وَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ، وَلَا بَيِّنَةَ، وَلَا فُشُوَّ يَقُومُ مَقَامَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ لِلْوَطْءِ، وَيَأْتَنِفَانِ نِكَاحًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ أَحَبَّا، فَإِنْ حَصَلَ فُشُوٌّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدَّعِيَا شَيْئًا مُخَالِفًا لِلْعُرْفِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ التَّنَازُعِ، وَكَذَلِكَ يُحَدُّ الزَّوْجَانِ إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ وَطْءَ امْرَأَةٍ، فَصَدَّقَتْهُ هِيَ وَوَلِيُّهَا، وَقَالَا أَيْ: الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا لَمْ نُشْهِدْ أَيْ: قَالَا عَقَدْنَا النِّكَاحَ بِلَا إشْهَادٍ، وَنَحْنُ الْآنَ نُشْهِدُ أَيْ: وَلَمْ يَحْصُلْ فُشُوٌّ يَقُومُ مَقَامَ الْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ، وَيَأْتَنِفَانِ نِكَاحًا جَدِيدًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ أَحَبَّا، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُمَا دَخَلَا بِلَا إشْهَادٍ، فَقَوْلُهُ: حُدَّا رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ
. (بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ (حَدَّ الْقَذْفِ وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَصْلُهُ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الرَّمْيِ بِالْمَكَارِهِ وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى رَمْيًا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وَيُسَمَّى أَيْضًا فِرْيَةً كَأَنَّهُ مِنْ الِافْتِرَاءِ، وَالْكَذِبِ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْمُوبِقَاتِ وَلِعَظَمِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ الْحَدَّ، وَلَوْ نَسَبَ شَخْصٌ غَيْرَهُ لِلْكُفْرِ لَمْ يُحَدَّ،
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ أَوْ يُولَدُ لَهُ) أَيْ: فَإِنْ ظَهَرَ وَطْؤُهُ بِوِلَادَتِهَا مِنْهُ أَوْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ، وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ، وَلَوْ بَعْدَ حَدِّهِ حَدَّ الْبِكْرِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَوْ يُولَدُ لَهُ يَشْمَلُ مَا إذَا نَفَاهُ بِلِعَانٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ يَسْكُتُ إلَخْ) يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا لَمْ يَسْكُتْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَنْسَبَ بِالتَّأَمُّلِ قَبْلَهُ أَنْ يَقُولَ: أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَسْكُتُ، وَقَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلِهِ: وَأَوَّلًا أَيْ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ لِخِلَافِ الزَّوْجِ بِمَثَابَةِ الْوِفَاقِ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِتَأْوِيلَانِ كَانَ الْمَعْنَى أَوَّلًا عَلَى الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدَادُ أَوْجُهِ الْوِفَاقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَانْظُرْ مَا الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا) الظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُمَا مَعًا
. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيْت مَعَهُ إلَخْ) ذَكَرَ الْبَدْرُ لُغْزًا فِي هَذَا الْعِلْمِ لَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ زَنَوْا بِامْرَأَةٍ فَقُتِلَ وَاحِدٌ وَرُجِمَ آخَرُ وَحُدَّ آخَرُ وَحُدَّ النِّصْفَ آخَرُ وَلَا حَدَّ عَلَى الْخَامِسِ، فَالْأَوَّلُ مُشْرِكٌ، وَالْأَخِيرُ مَجْنُونٌ، لَكِنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ، وَالْمُشْرِكِ وَالْمَجْنُونِ لَا يُسَمَّى زِنًا.
اهـ. .
[بَابٌ حَدَّ الْقَذْفِ وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
(بَابُ الْقَذْفِ) . (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى قَوْلِهِ: حُكْمَهُ أَيْ: فَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا) أَيْ: لُغَوِيًّا وَإِلَّا فَهُوَ الْآنَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ إلَخْ) كَانَ لِلتَّحْقِيقِ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَذِبِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: وَالْمُوبِقَاتِ أَيْ: الْمُهْلِكَاتِ، وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَسَبَ شَخْصٌ إلَخْ) أَيْ: فَنِسْبَتُهُ لِلزِّنَا أَشَدُّ مِنْ نِسْبَتِهِ لِلْكُفْرِ هَذَا حَاصِلُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكُفْرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ بِخِلَافِ الزِّنَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ نِسْبَتَهُ لِلْكُفْرِ لَا تَسْلَمُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا بِخِلَافِ نِسْبَتِهِ لِلزِّنَا، فَيُمْكِنُ التَّسْلِيمُ، وَتَلْحَقُهُ الْمَعَرَّةُ نَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِي سَبِّ النَّبِيِّ يُقْتَلُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى
وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَذْفُ الْأَعَمُّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ غَيْرَهُ لِزِنًا، أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ وَالْأَخَصُّ لِإِيجَابِ الْحَدِّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا، أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنًا، أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ فَقَوْلُهُ: نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ، وَغَيْرَهُ مَفْعُولُهُ أَخْرَجَ بِهِ قَذْفَ نَفْسِهِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ نِسْبَةُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ غَيْرَهُ، وَنِسْبَةُ الْعَبْدِ وَكَثِيرًا مِمَّا لَا تَتَقَرَّرُ شُرُوطُ الْقَذْفِ فِيهِ إمَّا بِاتِّفَاقٍ، أَوْ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، قَوْلُهُ: أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يَقْطَعْ نَسَبًا، أَوْ قَطَعَ نَسَبَ غَيْرِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى قَذْفًا، الْأَوَّلُ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: لَسْت ابْنًا لِفُلَانَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَذْفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ عَنْهَا، وَإِنْ قَالَ: لَيْسَ أَبُوك الْكَافِرُ مِنْ أَبِيهِ فَلَمْ يَقْطَعْ نَسَبًا أَيْضًا، وَحَدَّ الْمُؤَلِّفُ الْقَذْفَ بِقَوْلِهِ: (ص) قَذْفُ الْمُكَلَّفِ.
(ش) هُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ فَقَطْ، فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا قَذَفَا غَيْرَهُمَا، وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ.
(ص) حُرًّا مُسْلِمًا.
(ش) هَذَا هُوَ الْمَقْذُوفُ أَيْ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ حَيْثُ كَانَ الْمَقْذُوفُ بِهِ نَفْيَ النَّسَبِ، فَالْكَافِرُ وَالْعَبْدُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَإِلَّا حُدَّ لَهُمَا، وَقَوْلُهُ: حُرًّا مُسْلِمًا مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ، وَقَوْلُهُ: حُرًّا مَفْعُولُ قَذَفَ، ثُمَّ إنَّ الشُّرُوطَ عَشْرَةٌ اثْنَانِ فِي الْقَاذِفِ، وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَاثْنَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَهُمَا نَفْيُ النَّسَبِ وَالزِّنَا، وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ لَكِنْ إنْ كَانَ بِنَفْيِ نَسَبٍ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ، وَيُزَادُ عَلَيْهِمَا فِي الْقَذْفِ بِزِنًا أَرْبَعَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ.
(ص) بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ، أَوْ جَدٍّ لَا أُمٍّ.
(ش) هَذَا شَرْطٌ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ كَانَ صَرِيحًا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ فَمَنْ نَفَى إنْسَانًا عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ إذَا كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا، وَأَمَّا إنْ نَفَى نَسَبَهُ عَنْ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْأُبُوَّةُ فَثَابِتَةٌ بِالْحُكْمِ، وَالظَّنِّ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَهُ إلَى الْكُفْرِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبٍ أَيْ: دَنِيَّةٍ بِدَلِيلِ عَطْفِ الْجَدِّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا وَهُوَ كَذَلِكَ
. (ص) وَلَا إنْ نَبَذَ.
(ش) أَيْ: إذَا نَفَى نَسَبَهُ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ فَلَا يُحَدُّ، وَأَمَّا لَوْ نَفَى نَسَبَهُ مُطْلَقًا كَيَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِي، أَوْ يَا وَلَدَ زِنًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَنْبُوذًا أَنْ يَكُونَ ابْنَ الزِّنَا، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إذَا قَالَ لِلْمَنْبُوذِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَمْ تُعْرَفْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: نِسْبَةُ آدَمِيٍّ غَيْرَهُ لِزِنًا) أَيْ: لِوَطْءٍ غَيْرِ مُبَاحٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ قَطْعُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: نِسْبَةُ فَهُوَ بِالرَّفْعِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا كَانَ الْمَقْطُوعُ نَسَبُهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
(قَوْلُهُ: وَالْأَخَصُّ لِإِيجَابِ الْحَدِّ) أَيْ: الْكَائِنِ لِإِيجَابِ الْحَدِّ.
(قَوْلُهُ: حُرًّا إلَخْ) حَالٌ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ الْغَيْرِ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ إنَّمَا هُوَ فِي الذَّكَرِ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْمَفْعُولُ فَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ.
(قَوْلُهُ: لِزِنًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نِسْبَةُ، وَقَوْلِهِ: أَوْ قَطْعُ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ نِسْبَةُ.
(قَوْلُهُ: أَخْرَجَ بِهِ قَذْفَ نَفْسِهِ) كَقَوْلِهِ: أَنَا زَانٍ فَإِنَّهُ، وَإِنْ حُدَّ فَإِنَّمَا يُحَدُّ لِلزِّنَا مَا لَمْ يَرْجِعْ لَا لِلْقَذْفِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا نَغِلٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ حُدَّ فَإِنَّمَا يُحَدُّ مِنْ حَيْثُ رَمَى أُمَّهُ بِالزِّنَا لَا مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ، وَقَوْلُهُ: وَنِسْبَةُ الْعَبْدِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: نِسْبَةُ الْعَبْدِ لِزِنًا.
(قَوْلُهُ: إمَّا بِاتِّفَاقٍ) أَيْ: عَدَمُ التَّقْرِيرِ إمَّا بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِثَالُ الْأَوَّلِ مَا إذَا نَسَبَ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ لِلزِّنَا، وَمِثَالُ الثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ مَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ بِنَفْيِ النَّسَبِ حُرًّا مُسْلِمًا، وَكَانَ أَبُوهُ كَافِرًا، أَوْ عَبْدًا فَهَذَا لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَذْفِ عَلَى الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: فَلَمْ يَقْطَعْ نَسَبًا إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَقْطَعْ نَسَبَ مُسْلِمٍ.
(تَنْبِيهٌ) : يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ قَذْفُ الْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ إنْ كَانَ جُنُونُهُ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ إلَى حِينِ قَذْفِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ فِي صُدُورِ ذَلِكَ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَحَدَّ الْمُؤَلِّفُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ حَدًّا لِلْقَذْفِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
(قَوْلُهُ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ) وَلَوْ حَرْبِيًّا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ أُسِرَ، أَوْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ السَّكْرَانُ) أَيْ: بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ مَتَى أَطْلَقَ فَالْمَعْنَى سَكْرَانُ بِحَرَامٍ فَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَاءٌ فَسَكِرَ فَهَذَا غَيْرُ حَرَامٍ فَقَذْفُهُ لَا يُوجِبُ حَدًّا.
(قَوْلُهُ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا) أَيْ: بِنَفْيِ النَّسَبِ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ) أَيْ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَيُحَدُّ قَاذِفُهُمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَبُوهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأُمُّهُ أَمَةً.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ) أَيْ: وَأَمَّا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ بِنَفْيِ النَّسَبِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ وَهُمَا تَقْرِيرَانِ، وَالْآتِي هُوَ مَا لعج فَإِنَّهُ قَالَ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَذَا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُفَادُ تَقْرِيرِ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَنْبِيهٌ) شَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَذْفَ أَمَةٍ حَامِلٍ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ وَضْعِهَا بِأَنَّهَا حَامِلَةٌ مِنْ زِنًا فَيُحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ لَا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِاحْتِمَالِ انْفِشَاشِ الْحَمْلِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْحَدِّ حَيْثُ لَمْ يُنْفَشْ.
(قَوْلُهُ: الْبُلُوغُ) فَقَاذِفُ الصَّبِيِّ بِأَنَّهُ فَاعِلٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ: فِيمَا بَعْدُ فَحِينَئِذٍ مَنْ قَذَفَ مَجْنُونًا أَوْ مَجْبُوبًا بِالْفِعْلِ فِيهِ فَيُحَدُّ وَلَوْ رَقِيقًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ) كَقَوْلِهِ: لَسْتُ ابْنَهُ أَيْ: الْجَدِّ فَيُحَدُّ وَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ لَسْتُ ابْنَهُ مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَبًا فَلَا يُصَدَّقُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ) أَيْ: وَأَمَّا لَوْ نَفَاهُ عَنْ جَدِّهِ لِأُمِّهِ فَلَا حَدَّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ.
ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: وَلَا إنْ نَبَذَ أَيْ: مَا دَامَ مَنْبُوذًا فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ أَحَدٌ، وَلَحِقَ بِهِ انْتَفَى أَنَّهُ مَنْبُوذٌ وَحُدَّ قَاذِفُهُ حِينَئِذٍ
. (ص) أَوْ زِنًا إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ، وَبَلَغَ كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ.
(ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى بِنَفْيِ نَسَبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مُكَلَّفًا بِآلَةٍ حَالَةَ تَكْلِيفِهِ، فَمَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا، أَوْ حَصُورًا بِالزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَهُوَ الزِّنَا، وَاللِّوَاطُ فَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا، ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حُدَّ فِيهِ أَيْ: وَإِنْ تَابَ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ.
الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْوَطْءِ رَأْسًا، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِوَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ هُوَ فِيهَا عَفِيفٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ أَنْ يُثْبِتَ الْعَفَافَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَعَفَّ، وَلَوْ قَالَ: وَعَفَّ عَنْ زِنًا لَكَانَ أَخْصَرَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا أَنْ يَكُونَ بَالِغًا يُرِيدُ إذَا كَانَ فَاعِلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَفْعُولًا فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ، بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: إنْ كُلِّفَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، أَوْ هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: كُلِّفَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأُنْثَى الْبُلُوغُ بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ.
(ص) أَوْ مَحْمُولًا.
(ش) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ وَالْمَحْمُولُونَ هُمْ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ السُّلْطَانُ لِحِيَاطَةٍ أَيْ: حِرَاسَةٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَوْ مَجْهُولًا بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ أَيْ: مَسْبِيًّا، وَعَلَى كُلٍّ إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى نَبَذَ أَيْ: فَلَا حَدَّ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ قَذْفٌ بِنَفْيِ نَسَبٍ مُطْلَقًا، أَوْ بِزِنًا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ أَيْ: أَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ مَحْمُولًا
. (ص) وَإِنْ مُلَاعَنَةً وَابْنَهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ بِالزِّنَا، أَوْ قَذَفَ وَلَدَهَا بِنَفْيِ النَّسَبِ بِأَنْ قَالَ: لَا أَبَ لَك حُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ قَطْعُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ لَرُجِمَتْ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوِّشِ، فَقَوْلُهُ: وَإِنْ مُلَاعَنَةً رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ زِنًا وَقَوْلُهُ: وَابْنَهَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: بِنَفْيِ نَسَبٍ، وَمَحَلُّ حَدِّ قَاذِفِ الْمُلَاعَنَةِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ زَوْجٍ، أَوْ زَوْجًا، ثُمَّ قَذَفَهَا بِغَيْرِ مَا لَاعَنَهَا بِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَذَفَهَا بِهِ، فَلَا يُحَدُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.
(ص) أَوْ عَرَّضَ غَيْرُ أَبٍ إنْ أَفْهَمَ.
(ش) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيضَ الْمُفْهِمَ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَنَفْيُ النَّسَبِ عَنْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ كَالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فَإِذَا قَالَ لَهُ: مَا أَنَا بِزَانٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا زَانِي، أَوْ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَسْت بِلَائِطٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا لَائِطُ، أَوْ قَالَ لَهُ: أَمَّا أَنَا فَأَبِي مَعْرُوفٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَبُوك لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّعْرِيضِ بَيْنَ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ، وَأَمَّا الْأَبُ إذَا عَرَّضَ لِوَلَدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِذَلِكَ؛ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ وَلَا أَدَبَ، وَأَمَّا إنْ صَرَّحَ فَيُحَدُّ لِلْوَلَدِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ، وَلَوْ صَرَّحَ لِوَلَدِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبِ الْجِنْسُ الشَّامِلُ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، أَوْ الْأُمِّ
. (ص) يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَإِنْ كُرِّرَ لِوَاحِدٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ.
(ش) هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ أَيْ: قَذْفُ الْمُكَلَّفِ يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ عج ذَكَرَهُ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَكَذَا الْبَدْرُ لَكِنْ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ: بِآلَةٍ) أَيْ: وَيَشْتَهِي.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ قَذَفَ مَجْبُوبًا) أَيْ: أَوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بَعْدَ إزَالَةِ الْآلَةِ فَإِنْ قَيَّدَ زِنَاهُ بِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا حُدَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَالظَّاهِرُ لَا حَدَّ، وَإِذَا قُذِفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ بِالزِّنَا بِفَرْجِهِ الذَّكَرِ، أَوْ فِي فَرْجِهِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِمَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ رَمَاهُ بِالْفِعْلِ فِي دُبُرِهِ حُدَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِ حُدَّ حَدَّ الزِّنَا لَا حَدَّ اللِّوَاطِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَجْنَبِيَّةً، وَقَوْلُهُ: أَوْ حَصُورًا أَيْ: لَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَصُورَ لَهُ آلَةٌ، وَلَكِنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ فَلِذَلِكَ قُلْت أَوَّلًا: أَيْ: وَيَشْتَهِي.
(قَوْلُهُ: بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ) أَيْ: لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ إلَخْ أَيْ: وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ أَيْ: بِقَوْلِهِ: إنْ كُلِّفَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَيْثُ أَتَى بِهِ لِلتَّوْطِئَةِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً.
(قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ كُلِّفَ) أَيْ: تَبْيِينٌ لَهُ ثُمَّ أَقُولُ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّكْلِيفَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ لَا مُجَرَّدُ الْبُلُوغِ نَعَمْ هُوَ بَعْضُ التَّفْصِيلِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: تَفْصِيلٌ بَعْضَ تَفْصِيلٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: مَسْبِيًّا) أَيْ: حُرًّا مُسْلِمًا وَفَسَّرَهُ بِمَسْبِيًّا هُرُوبًا مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْغَرِيبِ الْمَجْهُولِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ مَنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ مَثَلًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكِ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا بَيِّنٌ لِحَمْلِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ مُحَشِّي تت كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَجْهُولَ وَالْمَسْبِيَّ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ يُحَدُّ
. (قَوْلُهُ: وَإِنْ مُلَاعَنَةً) يَصِحُّ كَسْرُ الْعَيْنِ وَفَتْحُهَا لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ لَا تَقَعُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَرَّضَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَوْ عَرَّضَ.
(قَوْلُهُ إنْ أَفْهَمَ) أَيْ: أَفْهَمَ الْقَذْفَ بِتَعْرِيضِهِ بِالْقَرَائِنِ كَخِصَامٍ وَلَوْ زَوْجًا لِزَوْجَتِهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ حَدِّهِ إنْ لَمْ يُفْهِمُ التَّعْرِيضُ قَذْفًا كَقَوْلِهِ: وَجَدْتُهَا فِي لِحَافٍ مَعَ رَجُلٍ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الزَّوْجِ حِفْظُ فِرَاشِهِ فَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ: إنْ أَفْهَمَ، نَعَمْ إنْ قَالَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ حُدَّ، وَكَذَا لَوْ عَرَّضَ لِلزَّوْجِ عَلَى وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ حُدَّ كَذَا أَفَادَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَتَأَمَّلْ قَالَ تت، وَالظَّاهِرُ لَا حَدَّ إنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ هَلْ أَرَادَ الْقَذْفَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْأَبِ الْجِنْسُ) قَالَ مُحَشِّي تت: وَانْظُرْ مَا يُسَاعِدُهُ مِنْ النَّقْلِ فَإِنَّ الَّذِي فِي عِبَارَةِ الْأَئِمَّةِ كَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ الْأَبَ ابْنٌ مُحْرِزٍ مَنْ عَرَّضَ لِوَلَدِهِ بِالْقَذْفِ لَمْ يُحَدَّ لِبُعْدِهِ مِنْ التُّهْمَةِ فِي وَلَدِهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ التَّعْرِيضُ مِنْ الْأَبِ لِوَلَدِهِ لَمْ يُحَدَّ
. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَرَّرَ) أَيْ: قَبْلَ الْحَدِّ، أَوْ أَثْنَاءَهُ وَيُبْتَدَأُ لَهُمَا الْحَدُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ