(فَصْلٌ صَلَاةُ الْخَوْفِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الله الخرشي
- الكتاب
- شرح مختصر خليل للخرشي
- المؤلف
- محمد بن عبد الله الخرشي المالكي أبو عبد الله (المتوفى: 1101هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة - بيروت
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وبهامشه حاشية العدوي]
وَقَدَرَ عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ كُشِفَ عَنْهُ وَإِلَّا صُدِّقَ، وَإِنْ كَانَ طَارِئًا صُدِّقَ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِيَسَارٍ كُلِّفَ بَيَانَ ذَهَابِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ صِنَاعَةٌ فِيهَا كِفَايَةٌ فَادَّعَى كَسَادَهَا صُدِّقَ، وَيُكَلَّفُ مُدَّعِي دَيْنٍ إثْبَاتَهُ وَالْعَجْزَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَنْ مُبَايَعَةٍ لَا عَنْ طَعَامٍ أَكَلَهُ
(ص) إنْ أَسْلَمَ وَتَحَرَّرَ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا حُرًّا فَلَا يُعْطَى كَافِرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا، أَوْ مُؤَلَّفًا، وَلَا يُعْطَى عَبْدٌ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِسَيِّدِهِ كَالزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا وَالْوَلَدِ بِوَالِدِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ الْقِنِّ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَلَا يَرِدُ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ كَأَنَّهَا اُشْتُرِطَتْ عَلَيْهِ بِمُكَاتَبَتِهِ فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى سَيِّدِهِ أَسْقَطَ عَنْهُ فِي مُقَابَلَتِهَا جَانِبًا مِنْ الْكِتَابَةِ.
وَتُعْطَى لِذِي هَوًى خَفِيفٍ كَمُفَضِّلِ عَلِيٍّ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَتُجْزِئُ لِلْخَارِجِيِّ وَالْقَدَرِيِّ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْفِيرِهِمْ، وَيُعْطَى أَهْلُ الْمَعَاصِي مَا يَصْرِفُونَهُ فِي ضَرُورِيَّاتِهِمْ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَهَا فِي الْمَعَاصِي فَلَا يُعْطَوْا وَلَا تُجْزِئُ إنْ وَقَعَتْ
(ص) وَعَدَمُ كِفَايَةٍ بِقَلِيلٍ، أَوْ إنْفَاقٍ، أَوْ صَنْعَةٍ (ش) أَيْ: وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَادِمًا لِلْكِفَايَةِ إمَّا بِسَبَبِ مَالٍ قَلِيلٍ مَعَهُ لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ، أَوْ إنْفَاقٍ أَيْ: عَلَيْهِ لَا يَكْفِيهِ، أَوْ صَنْعَةٍ لَا تَكْفِيهِ
[حاشية العدوي]
وَدَعْوَى الْوَلَدِ الْعُدْمَ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ، وَانْظُرْ هَلْ يَحْلِفُ مَعَهُمَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَوْ لَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ؟ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا صُدِّقَ) ظَاهِرُهُ بِلَا يَمِينٍ وَكَذَا قَوْلُهُ: صُدِّقَ (قَوْلُهُ: كُلِّفَ بَيَانَ ذَهَابِ مَالِهِ) وَهَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؟ (قَوْلُهُ: فَادَّعَى كَسَادَهَا صُدِّقَ) وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ فِيهَا كِفَايَةٌ، أَوْ لَا صُدِّقَ، هَذَا تَمَامُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ قَالَ عج: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الصَّنْعَةُ تُزْرِي بِهِ، وَتَعْبِيرُهُ بِصُدِّقَ أَوَّلًا، وَثَانِيًا يَقْتَضِي أَنَّهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ (قَوْلُهُ: إثْبَاتُهُ إلَخْ) إثْبَاتُهُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِثْبَاتُ عَجْزِهِ إنَّمَا يَكُونُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ (قَوْلُهُ: عَنْ مُبَايَعَةٍ لَا عَنْ طَعَامٍ) أَيْ: لِأَنَّ شَأْنَهَا أَنْ تَظْهَرَ، وَقَوْلُهُ: لَا عَنْ طَعَامٍ أَكَلَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يَخْفَى كَذَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللَّهِ أَيْ: فَلَا يُكَلَّفُ إثْبَاتَهُ فَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ لَمْ يَكُنْ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ وَأَكَلَهُ فَلَزِمَهُ، أَوْ افْتَرَضَهُ ثُمَّ يُقَالُ: وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ فِي التَّعَدِّي وَالْقَرْضِ حَتَّى قَالَ: لَا عَنْ طَعَامٍ أَكَلَهُ، وَبَعْدُ فَأَقُولُ: لَعَلَّ الْعِبَارَةَ عَنْ مُبَايَعَةٍ فِي غَيْرِ طَعَامٍ لَا عَنْ طَعَامٍ مُتَّخَذٍ لِلْأَكْلِ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ أَنَّ الطَّعَامَ الْمُتَّخَذَ لِلْأَكْلِ ضَرُورِيٌّ لَا يَسْتَغْنِي الْإِنْسَانُ عَنْهُ كُلَّ وَقْتٍ فَلَا يَتَعَرَّضُ فِيهِ لِلْإِشْهَادِ لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَسْلَمَ وَتَحَرَّرَ) الْأَوْلَى ذِكْرُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ بَعْدَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ لِيَعُودَ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ مَا عَدَا الْمُؤَلَفَّةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي شَرْطِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ذِكْرِهِ الْأَصْنَافَ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَافِرًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا ذَكَرَ فِي قِسْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ اهـ. لَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ تَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَعَادَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَصْنَافِ، وَكَذَا يُؤَخِّرُ قَوْلَهُ: وَعَدَمُ بُنُوَّةٍ كَمَا أَخَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيُشْتَرَطُ خُرُوجُهُمْ عَنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: وَالضَّمِيرُ فِي خُرُوجِهِمْ لِقَوْلِهِ: فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ مُحَشِّي تت
(قَوْلُهُ: كَالزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا) قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ: وَالْمَرْأَةُ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْبَةً بَعِيدَةً وَلَا تَجِدُ مُسَلِّفًا تُعْطَى مَا تَحْتَاجُ أَيْ: مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ بَعْضٌ: مَعْنَاهُ زَوْجُهَا مُوسِرٌ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا أُعْطِيت، وَلَوْ وَجَدَتْ مُسَلِّفًا؛؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَلَا يُعْطِي مِنْهَا فِي شُوَارِ يَتِيمَةٍ؛ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ بِوَالِدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْوَالِدُ فَقِيرًا وَيَعْجِزُ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَنْهُ، كَذَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ الْمُكَاتَبُ) أَيْ: عَلَى قَوْلِهِ:؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِسَيِّدِهِ، أَيْ: بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُكَاتَبَ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى سَيِّدِهِ؛؛ لِأَنَّهُ مَا كَاتَبَهُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا مَثَلًا إلَّا لِكَوْنِهِ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْلَاهَا لَكَاتَبَهُ بِأَرْبَعِينَ، فَالْعَشَرَةُ الَّتِي أَسْقَطَهَا السَّيِّدُ فِي مُقَابَلَةِ النَّفَقَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ تت: فَإِنْ عَجَزَ سَادَاتُهُمْ بِيعَ مِنْهُمْ مَنْ يُبَاعُ وَعُجِّلَ عِتْقُ غَيْرِهِ اهـ.، وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ سَادَاتُهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ تت أَنَّهُ لَا يُؤَجَّرُ مِنْهُمْ مَنْ تَجُوزُ إجَارَتُهُ وَلَوْ كَانَ فِي أُجْرَتِهِ مَا يَفِي بِنَفَقَتِهِ، وَأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تُعْتَقُ وَلَا تُزَوَّجُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُؤَجَّرُ مَنْ يُؤَجَّرُ إنْ كَانَ فِي أُجْرَتِهِ مَا يَفِي بِنَفَقَتِهِ وَأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تُزَوَّجُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِيعَ مَا يُبَاعُ وَعَتَقَ أُمُّ الْوَلَدِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِذِي هَوًى خَفِيفٍ) أَيْ: بِدْعَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَقْتَضِي الْكُفْرَ، وَلَا يُعْطَى إجْمَاعًا مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ اتِّفَاقًا كَالْقَائِلِ بِنُبُوَّةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَلِطَ،، وَالْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ وَالْأَنْبِيَاءَ يَعْلَمُونَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَهَلْ الْإِعْطَاءُ لِذِي الْهَوَى الْخَفِيفِ خِلَافُ الْأَوْلَى، أَوْ مَكْرُوهٌ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَوْلُهُ: وَتُجْزِئُ لِخَارِجِيٍّ وَقَدَرِيٍّ، وَهَلْ يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ؟ .
(قَوْلُهُ: فِي ضَرُورِيَّاتِهِمْ) أَيْ: فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُضْطَرُّونَ إلَيْهَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا، وَهَلْ الْمُرَادُ مَا يَلِيقُ بِحَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا أَوْ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَائِقًا بِهِ؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ) أَيْ: زَادَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ، أَيْ: إدْرَاكُ أَنَّهُمْ، أَيْ: بِأَنْ تَقَوَّى الظَّنُّ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّكِّ، أَوْ الظَّنِّ الضَّعِيفِ يُعْطَوْنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظَّنَّ وَحْدَهُ كَافٍ فِي عَدَمِ الْإِعْطَاءِ
. (قَوْلُهُ: إمَّا بِسَبَبِ مَالٍ قَلِيلٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ بِقَلِيلٍ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَدَمُ الْكِفَايَةِ بِسَبَبِ الْمَالِ الْقَلِيلِ فَيُنَافِي قَوْلَهُ بَعْدُ، وَقَوْلُهُ: وَعَدَمُ كِفَايَةٍ بِقَلِيلٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْبَاءَ لَيْسَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ، بَلْ لِلتَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ كِفَايَةٍ فَيَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ: بِأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَهُوَ الْمِسْكِينُ، أَوْ عِنْدَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ لِبَقِيَّةِ عَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْكِفَايَةُ بِالْقَلِيلِ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فَيَصْدُقُ بِالصُّورَتَيْنِ، فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَنَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِصُورَتَيْهِ لِحَقِيقَةِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، فَعَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ أَصْلًا يَرْجِعُ لِحَقِيقَةِ الْمِسْكِينِ، وَعَدَمُ وُجُودِ مَا يَكْفِيهِ الْعَامَ يَرْجِعُ لِحَقِيقَةِ الْفَقِيرِ؛ إذْ الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ شَيْءٌ لَا يَكْفِيهِ الْعَامَ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ صِدْقِهِ بِالصُّورَتَيْنِ؟ قُلْت: لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ إنْفَاقٍ لَا يَكْفِيهِ)
وَقَوْلُهُ: وَعَدَمُ كِفَايَةٍ بِقَلِيلٍ يَصْدُقُ بِعَدَمِ الْقَلِيلِ مِنْ أَصْلِهِ وَبِوُجُودِهِ مَعَ عَدَمِ الْكِفَايَةِ لَكِنْ فِي الْأُولَى يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ وَفِي الثَّانِيَةِ يُعْطَى تَمَامَ مَا يَكْفِيهِ
(ص) وَعَدَمُ بُنُوَّةٍ لِهَاشِمٍ لَا الْمُطَّلِبِ (ش) هَكَذَا الصَّوَابُ بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ آلَهُ مَنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبُ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُطَّلِبَ أَخُو هَاشِمٍ وَلَهُمَا أَيْضًا أَخَوَانِ عَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ، فَفَرْعُ كُلٍّ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ لَيْسَ بِآلٍ قَطْعًا، وَفَرْعُ هَاشِمٍ آلٌ قَطْعًا، وَفَرْعُ الْمُطَّلِبِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِآلٍ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَابْنُ هَاشِمٍ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لِهَاشِمٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُطَّلِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ شَيْبَةُ وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُطَّلِبِ لَا عَبْدُهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي لَوْنِهِ السُّمْرَةُ سُمِّيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ وَعَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْأَرْبَعَةُ إخْوَةٌ لِأَبٍ، وَالْمُطَّلِبُ وَهَاشِمٌ شَقِيقَانِ وَأُمُّهُمَا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَعَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ شَقِيقَانِ وَأُمُّهُمَا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِبُنُوَّةِ هَاشِمٍ مَنْ لِهَاشِمٍ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ غَيْرِ أُنْثَى فَلَا يَدْخُلُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَلَدُ بَنَاتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ الْغَيْرِ.
وَقَوْلُهُ (كَحَسَبٍ عَلَى عَدِيمٍ) مُشَبَّهٌ فِي الْمَفْهُومِ، أَيْ: فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لَمْ تَجُزْ كَحَسَبٍ لِدَيْنِهِ الْكَائِنِ عَلَى عَدِيمٍ مِنْ زَكَاتِهِ، كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَسْقَطْته عَنْك مِنْ زَكَاةِ مَالِي وَإِذَا
[حاشية العدوي]
كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مُنْفِقٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا دِرْهَمًا وَلَا يَكْفِيهِ وَالْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ مَا يَشْمَلُ الْكُسْوَةَ فَمَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيئًا لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَوْ لَمْ يُجْرِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِالْحُكْمِ فَلَمْ يَعْدَمْ الْكِفَايَةَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا إذَا كَانَ الْمَلِيءُ لَا يُمْكِنُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، أَوْ يَتَعَذَّرُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ خِلَافَهُ وَذَكَرَ الْحَطَّابُ أَيْضًا مَا نَصُّهُ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّ مَنْ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْسُوهُ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ احْتَاجَ إلَى ضَرُورِيَّاتٍ أُخَرَ لَا يَقُومُ بِهَا الْمُنْفِقُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا يَسُدُّ ضَرُورِيَّاتِهِ الشَّرْعِيَّةَ كَذَا فِي عج.
(فَائِدَةٌ) جَرَتْ الْعَادَةُ بِذَهَابِ النَّاسِ لِلْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَقِيلَ: لَا يُعْطَوْنَ وَأَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ أَحَقُّ وَقِيلَ: بِالتَّفْصِيلِ إنْ أَقَامُوا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَيُعْطَوْنَ وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّوَابُ الْإِعْطَاءُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ وَكُلُّ هَذَا إذَا كَانُوا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لِهَاشِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِهَاشِمٍ غَيْرَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: نُظِرَ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ خَارِجًا أَنَّهُ لَمْ يَعْقُبْ مِنْ هَاشِمٍ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي لَوْنِهِ السُّمْرَةُ) أَيْ: الْحُمْرَةُ أَيْ: وَيُرْدِفُهُ خَلْفَهُ وَبِذَلِكَ ظَهَرَ عِلَّةُ التَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ: أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ) فِي شب خِلَافُهُ وَنَصُّهُ وَهَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ أَبْنَاءُ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُمَا أَخَوَانِ لِأَبٍ وَعَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ إخْوَةٌ لِأُمٍّ وَكَانَ عَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٌ فِي كَفَالَةِ عَبْدِ مَنَافٍ وَلَيْسَا ابْنَيْهِ، وَإِنَّمَا هُمَا ابْنَا زَوْجَتِهِ وَأُمُّهُمَا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ.
(تَنْبِيهٌ) : مَحَلُّ عَدَمِ إعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ إذَا أُعْطُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُعْطُوهُ وَأَضَرَّ بِهِمْ الْفَقْرُ أُعْطُوا مِنْهَا، وَإِعْطَاؤُهُمْ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ قَالَهُ ح فِي الْخَصَائِصِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَصِلُوا إلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَقَيَّدَ الْبَاجِيُّ إعْطَاءَهُمْ بِوُصُولِهِمْ لَهَا وَلَعَلَّهُ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ الثَّابِتِ بِالْخَبَرِ إنَّمَا يَكُونُ بِحِلِّ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي عب.
(أَقُولُ) : قَدْ ضَعُفَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ فَإِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لَهُمْ أَسْهَلُ مِنْ تَعَاطِيهِمْ خِدْمَةِ الذِّمِّيِّ وَالْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ، وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لِآلِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت نَصًّا فِي كِتَابٍ لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ يَذْكُرُ فِيهِ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُوَافِقُ مَا قُلْته وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَنَصُّهُ هَذَا أَيْضًا مِمَّا شَاعَ الْعَمَلُ بِهِ لِضَرُورَةِ الْوَقْتِ وَهُوَ التَّصَدُّقُ عَلَى الشُّرَفَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَأَخْذِهِمْ مِنْ صَدَقَةِ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ غَازِيٍّ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ مَا نَصُّهُ: الرَّابِعُ يَحِلُّ لَهُمْ التَّطَوُّعُ وَالْفَرِيضَةُ وَبِهِ الْقَضَاءُ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ الْوَضْعِ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّيْعَةِ لِمَنْعِهِمْ مِنْ حَقِّ ذِي الْقُرْبَى، فَأَمَّا الْفُقَرَاءُ مِنْهُمْ فَتَحِلُّ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْفُتْيَا الصَّدَقَاتُ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَا تَحِلُّ لَهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بِوَجْهٍ وَلَا تَحِلُّ لَهُ أَيْضًا صَدَقَةُ الْفَرِيضَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ صِفَةٌ مِنْ بَقَايَا صِفَةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَارِئِ وَالْأُمِّيِّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ اهـ. بِلَفْظِهِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِبُنُوَّةِ هَاشِمٍ) تَفْسِيرٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لَا الْبُنُوَّةِ بِقَيْدِ هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ بِلَا وَاسِطَةٍ لَا يَأْتِي هُنَا (قَوْلُهُ: كَحَسَبٍ عَلَى عَدِيمٍ) لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ عَلَى عَدِيمٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ تَأَوُّلًا قِيمَةٌ لَهُ، أَوْ لَهُ قِيمَةٌ دُونَ، وَدَائِمًا الدَّيْنُ قِيمَتُهُ دُونَ وَلَوْ عَلَى مَلِيءٍ وَهُوَ حَالٌّ؛؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقُومُ بِدُونٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسَاوِي النَّقْدَ فَقَدْ يَكُونُ قِيمَةُ الْعَشَرَةِ مَثَلًا خَمْسَةً فَيَكُونُ قَدْ أَخْرَجَ أَقَلَّ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ كَحَسَبٍ عَلَى مَدِينٍ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَهُ فِيمَا سَبَقَ وَإِلَّا زَكَّى دَيْنَهُ النَّقْدَ حَيْثُ اُعْتُبِرَ عَدَدُهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُنَاكَ مُخْرَجٌ عَنْهُ وَهُنَا مُخْرَجٌ ك وَفِي شَرْحِ شب خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ: وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ " عَدِيمٍ " أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ، أَوْ كَانَ لِلْمَدِينِ دَارٌ، أَوْ خَادِمٌ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ حَسَبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ إنْ كَانَ مِمَّا يُسَوَّغُ لَهُ قَبُولُهَا وَكَذَا فِي شَرْحِ عب إلَّا أَنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّ شَارِحَنَا قَدْ نَسَبَ مَا قَالَهُ لِأَبِي الْحَسَنِ وَقَالَ أَشْهَبُ بِالْإِجْزَاءِ فِي مَوْضُوعِ الْمُصَنِّفِ قَالَ الْحَطَّابُ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ مِنْ حَالِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْسُبْ مَا عَلَى الْعَدِيمِ مِنْ زَكَاتِهِ لَمْ يُزَكِّ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِمَا قَالَ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلٍ أَحْسَنُ مِنْ لُزُومِهَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ
قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِيمَا يَحْسُبُهُ عَلَى الْمُعْدِمِ، فَهَلْ يَسْقُطُ مَا حَسَبَهُ عَلَى الْعَدِيمِ مِنْ الدَّيْنِ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَاسْتَظْهَرَ (هـ) فِي شَرْحِهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَحْصُلْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ لِلرَّاهِنِ وَتَلِفَ الرَّهْنُ كَمَا سَيَأْتِي
(ص) وَجَازَ لِمَوْلَاهُمْ (ش) أَيْ لِمَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَلِذَا جَمَعَ الضَّمِيرَ أَيْ وَجَازَ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِعَتِيقِ بَنِي هَاشِمٍ
(ص) وَقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ (ش) أَيْ وَجَازَ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِقَادِرٍ عَلَى كَسْبِ مَا يَكْفِيهِ بِصَنْعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا لَوْ تَكَلَّفَهُ لِوُجُودِ مَا يَحْتَرِفُ بِهِ بِالْمَوْضِعِ مَعَ الرَّوَاجِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى خِلَافُهُ
(ص) وَمَالِكِ نِصَابٍ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِمَنْ مَلَكَ نِصَابًا لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ الْخَادِمُ وَالدَّارُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْفِيَهُ الَّذِي مَعَهُ حَوْلًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَكِفَايَةِ سَنَةٍ
(ص) وَدَفْعِ أَكْثَرِ مِنْهُ (ش) أَيْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَدْفَعَ مِنْ زَكَاتِهِ لِلْفَقِيرِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ وَلَوْ صَارَ بِهِ غَنِيًّا؛؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ لَهُ بِوَصْفٍ جَائِزٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَدَفْعِ أَكْثَرِ مِنْهُ - وَلَوْ كَانَ النِّصَابُ يَكْفِيهِ سِنِينَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَكِفَايَةِ سَنَةٍ، أَنَّهُ لَا يُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كَلَامِهِ تَدَافُعٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَدْفَعُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كِفَايَةَ سَنَةٍ لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَوْلُهُ: وَكِفَايَةِ سَنَةٍ، يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ: وَدَفْعِ أَكْثَرِ مِنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ، فَلِمَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: دَفَعَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ لِأَجْلِ وُجُودِ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَرُدُّ هَذَا مَا يَأْتِي لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ قَدْرَ الْمُعْطَى
(ص) وَكِفَايَةِ سَنَةٍ (ش) أَيْ وَيَجُوزُ دَفْعُ كِفَايَةِ سَنَةٍ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْفَقِيرِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَدْفُوعُ فَوْقَ النِّصَابِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ لَا تُدْفَعُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِلَّا أَعْطَى مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يُبَلِّغَهُ لِلْأُخْرَى
(ص) وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا مِنْهُ تَرَدُّدٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ دَفَعَ زَكَاتَهُ لِمَدِينِهِ الْمُعْدِمِ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ تَرَدُّدٌ لِلْأَشْيَاخِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ أَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطَهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُؤَلِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ إنَّ إتْيَانَ الْمُؤَلِّفِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي يُرْشِدُ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَرَاخٍ بِأَنْ أَخَذَهَا عَقِبَ دَفْعِهَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَيْ: وَالْحُكْمُ الْمَنْعُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِحَمْلِهِمَا حِينَئِذٍ عَلَى التَّوَاطُؤِ
(ص) وَجَابٍ وَمُفَرِّقٌ (ش) مَرْفُوعَانِ عَطْفٌ عَلَى فَقِيرٍ وَالْأَوَّلُ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ: وَهُمَا الْيَاءُ وَالتَّنْوِينُ، وَالثَّانِي بِضَمَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْجَابِي مَنْ لَهُ مَدْخَلِيَّةٌ فِي الزَّكَاةِ فَدَخَلَ الْكَاتِبُ وَالْحَاشِرُ، وَأَمَّا الْقَاسِمُ فَيَدْخُلُ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرُوهُ إلَخْ) أَيْ: فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ رَهْنِهِ فَلْيَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَ الدَّيْنَ لِيُسْقِطَ عَنْهُ الضَّمَانَ هَكَذَا قَالَ أَشْهَبُ وَارْتَضَى النَّاسُ كَلَامَهُ
(قَوْلُهُ: وَلِذَا جَمَعَ الضَّمِيرَ) أَيْ: وَلَوْ رَجَعَ لِهَاشِمٍ لَمْ يَجْمَعْ، بَلْ لَا يَتَأَتَّى
(قَوْلُهُ: قَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ) أَيْ: وَلَمْ يَكْتَسِبْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ لَوْ تَكَلَّفَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهَا كُلْفَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَوَّاقِ وَظَاهِرُ الْحَطَّابِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهَا كُلْفَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الشَّأْنَ فِي ذَلِكَ الْكُلْفَةُ فَلَا خَوْفَ (قَوْلُهُ: الْأَوْلَى خِلَافُهُ) أَيْ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُعْطَى لِذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ) وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ إلَخْ) أَيْ: فَيُعْطَى مَا يُكْمِلُ بِهِ السَّنَةَ
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كِفَايَةَ سَنَةٍ إلَخْ) فَحِينَئِذٍ لَا يُعْطَى مَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ وَلَوْ بِدُونِ نِصَابٍ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ نَشَأَ مِمَّا قَبْلُ (قَوْلُهُ فَالْجَوَابُ) انْتِقَالٌ لِوَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانَ بِصَدَدِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ هَذَا مَا يَأْتِي إلَخْ) أَيْ: لَا يَرُدُّ هَذَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِيَ وَمَدِينٍ أَيْ: عَنْ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِأَجْلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا رَدَّ؛ لِأَنَّ الْمُبَيَّنَ هُنَا لَمْ يُبَيَّنْ فِيمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ قَالَ هُنَا وَدَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَهَذَا الْجَوَابُ بَعِيدٌ
. (قَوْلُهُ: وَكِفَايَةِ سَنَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ وَلَا يُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَةِ عَامٍ حَيْثُ كَانَ يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ وَإِلَّا أُعْطِيَ مَا يُغْنِيهِ حَيْثُ كَانَ حَالَ الْأَخْذِ فَقِيرًا اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ إلَخْ) يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ حَقِيقَتَهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا إعْطَاؤُهُ بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُعْطَى فِيهِ، ثُمَّ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ السَّاعِيَ لَا يُخْرِجُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَيُجَابُ بِفَرْضِ ذَلِكَ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْحَرْثِ كَالْقَمْحِ لَهُ أَوَانٌ، وَالذُّرَةِ لَهَا أَوَانٌ، وَالْأُرْزِ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَخَذَهَا) فَلَوْ أَخَذَ غَيْرَهَا لَأَجْزَأَ، أَوْ أَخَذَ دَيْنَهُ، ثُمَّ دَفَعَهَا لَأَجْزَأَ.
(قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ لِلْأَشْيَاخِ إلَخْ) فَالْجَوَازُ رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَنْعُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ) الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ أَيْ: مَعَ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ (قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ إلَخْ) أَيْ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّ أَخْذَهُ بَعْدَ إعْطَائِهِ بِتَطَوُّعِ الْفَقِيرِ دُونَ تَقَدُّمِ شَرْطٍ أَجْزَأَهُ وَبِشَرْطٍ كَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ اهـ. أَيْ: الْجَزْمُ مَعَ تَعْبِيرِهِ بِالْأَظْهَرِ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَتَرَدَّدَ وَنَصَّهُ فِي تَوْضِيحِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَيْنِهِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ: لَوْ دَفَعَ هَلْ هُوَ عَلَى التَّوَاطُؤِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ،.
وَأَمَّا عَلَى التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِ شَيْئًا فَهُوَ قَدْ تَرَدَّدَ وَلَمْ يَجْزِمْ بِشَيْءٍ قَالَ مُحَشِّي تت: وَتَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ بِثُمَّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ حِينِهِ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ شَرَطَ التَّرَاخِيَ اهـ. مُحَشِّي تت
(. قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْجَابِي إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ وَمُفَرِّقٌ (قَوْلُهُ: وَالْحَاشِرُ) هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ لِأَخْذِ مَا عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْقَاسِمُ فَيَدْخُلُ
فِي الْمُفَرِّقِ وَيَخْرُجُ الرَّاعِي وَالسَّاقِي وَالْقَاضِي وَالْعَالِمُ وَالْمُفْتِي؛ لِأَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلِذَا لَوْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهُ أُعْطُوا (ص) حُرٌّ عَدْلٌ عَالِمٌ بِحُكْمِهَا (ش) أَيْ: وَكُلُّ حُرٍّ أَيْ: يُشْتَرَطُ فِي الْجَابِي وَالْمُفَرِّقِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمَا: الْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ بِحُكْمِ الزَّكَاةِ فِيمَنْ تُدْفَعُ لَهُ، وَمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَقَدْرِ مَا يُؤْخَذُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الذُّكُورِيَّةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَذْكِيرِ الْأَوْصَافِ، وَالْبُلُوغُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ فِي بَابِ الْمَفْقُودِ فِي السَّاعِي إذْ جَعَلَهُ حَاكِمًا وَالْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ: عَدَالَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِيمَا يَفْعَلُهُ فَعَدَالَةُ الْمُفَرِّقِ فِي تَفْرِقَتِهَا، وَالْجَابِي فِي جِبَايَتِهَا، وَهَكَذَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَالَةَ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ: حُرٌّ وَغَيْرُ كَافِرٍ مُكَرَّرًا وَاقْتَضَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ذَا مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ إلَى آخِرِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْ: مَعَ أَنَّ ذَا لَا يُعْتَبَرُ، وَلَا عَدْلَ رِوَايَةٍ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ: وَغَيْرُ كَافِرٍ مُكَرَّرًا أَيْضًا، وَلَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَدْلُ رِوَايَةٍ
(ص) غَيْرُ هَاشِمِيٍّ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَحَدٍ مِنْ آلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الزَّكَاةِ وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُوهُمْ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَيْهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَوْسَاخَ النَّاسِ وَعَنْ الْإِذْلَالِ فِي الْخِدْمَةِ لَهَا وَفِي سَبِّهَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُجَاهِدِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ وَكَذَا فِي الْجَاسُوسِ حَيْثُ كَانَ مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يُعْطَى وَلَوْ هَاشِمِيًّا لِخِسَّتِهِ بِالْكُفْرِ
(ص) وَكَافِرٌ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى جِبَايَةِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِقَتِهَا، وَيُعْطَى الْعَامِلُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ غَنِيًّا) ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَتُهُ فَلَا تُنَافِي الْغِنَى وَكَوْنُهَا أَوْسَاخًا يُنَافِي نَفَاسَةَ آلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
(ص) وَبُدِئَ بِهِ (ش) أَيْ: بِالْعَامِلِ قَبْلَ كُلِّ الْأَصْنَافِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَصِّلُ حَتَّى لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ وَجَاءَ بِيَسِيرٍ لَا يُسَاوِي مِقْدَارَ أُجْرَتِهِ أَخَذَ جَمِيعَهُ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي عِبَارَةٍ وَبُدِئَ بِهِ أَيْ: حَتَّى عَلَى الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ سَدَّ الْخَلَّةِ أَفْضَلُ، وَتُقَدَّمُ الْمُؤَلَّفَةُ إنْ وُجِدُوا؛ لِأَنَّ الصَّوْنَ عَنْ النَّارِ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّوْنِ عَنْ الْجُوعِ، كَمَا يَبْدَأُ بِالْغَزْوِ إذَا خَشِيَ عَلَى النَّاسِ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ السَّبِيلِ إذَا لَحِقَهُ الضَّرَرُ عَلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ فِي وَطَنِهِ اهـ. قَوْلُهُ: تُقَدَّمُ الْمُؤَلَّفَةُ إنْ وُجِدُوا أَيْ: عَلَى الْفُقَرَاءِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ وَقَوْلُهُ: كَمَا يُبْدَأُ بِالْغَزْوِ إلَخْ الظَّاهِرُ حِينَئِذٍ يُبْدَأُ حَتَّى عَلَى الْعَامِلِ (ص) وَأَخَذَ الْفَقِيرُ بِوَصْفَيْهِ (ش) : وَصْفِ الْفَقْرِ
[حاشية العدوي]
فِي الْمُفَرِّقِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُفَرِّقَ كُلِّيٌّ وَالْقَاسِمَ مِنْ أَفْرَادِهِ مَعَ أَنَّهُ هُوَ (قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ الرَّاعِي) وَمِثْلُهُ: الْحَارِسُ إلَخْ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ شَأْنَ الزَّكَاةِ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْجَابِي وَالْكَاتِبِ وَالْحَاشِرِ وَالْمُفَرِّقِ بِخِلَافِ الرَّاعِي وَالسَّاقِي وَالْحَارِسِ فَالشَّأْنُ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِمْ؛ لِكَوْنِهَا تُفَرَّقُ عِنْدَ أَخْذِهَا غَالِبًا (قَوْلُهُ: وَالسَّاقِي) مِنْ السَّقْيِ كَمَا قَالَهُ مُحَشِّي تت.
(قَوْلُهُ وَالْقَاضِي وَالْعَالِمُ إلَخْ) أَيْ: قَاضِي الْمُسْلِمِينَ وَعَالِمُهُمْ وَمُفْتِيهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْقَاضِيَ فِي الزَّكَاةِ وَالْعَالِمَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي شُرُوطِ السَّاعِي عَدْلٌ عَالِمٌ، (قَوْلُهُ: وَلِذَا إذَا لَمْ يُعْطَوْا مِنْهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ فَقَدْ أَجَابَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الصَّالِحُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَوْجَلِيُّ حِينَ سُئِلَ عَنْ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلْعَالِمِ الْغَنِيِّ وَالْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ نَفْعُهُ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَجُوزُ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْقَارِئِ وَالْعَالِمِ وَالْمُعَلِّمِ وَمَنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ لِعُمُومِ نَفْعِهِمْ وَلِبَقَاءِ الدَّيْنِ كَمَا نَصَّ عَلَى جَوَازِهَا ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ وَقَدْ عَدَّهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي تُعْطَى لَهُمْ الزَّكَاةُ حَيْثُ قَالَ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] يَعْنِي: الْمُجَاهِدَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِعُمُومِ نَفْعِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُعْطَى الْمُجَاهِدُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي عُمُومِ النَّفْعِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى الْعَالِمُ وَالْقَارِئُ وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُؤَذِّنُونَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بَقَاءَ الْإِسْلَامِ وَشُهْرَتَهُ وَتَعْظِيمَهُ وَإِرَاحَةَ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ فَيَنْخَرِطُ ذَلِكَ فِي سِلْكِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] قَالَهُ مُحَمَّدٌ الصَّالِحُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَوْجَلِيُّ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَوْلَى بِالزَّكَاةِ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْفَاسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ قَالَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ: هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَاتِبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي أَسْئِلَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ الْفُقَرَاءِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ اهـ. أَيْ: فَقَيَّدَ بِالْفُقَرَاءِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَانْظُرْهُ (قَوْلُهُ: عَدْلٌ) فِي تَفْرِقَتِهَا لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذًا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ عَدْلَ الشَّهَادَةِ وَلَا عَدْلَ الرِّوَايَةِ، بَلْ الْمُرَادُ الْعَدَالَةُ فِي التَّفْرِقَةِ يَشْمَلُ الْفَاسِقَ فَلَوْ قَالَ: غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَفَاسِقٍ لَكَانَ أَوْلَى لِخُرُوجِ الْكَافِرِ مِنْ بَابٍ أَحْرَى قَالَ السَّنْهُورِيُّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا فَاسِقٌ إذْ لَا أَمَانَةَ لَهُ قَالَ فِي ك فَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ وَلَا الْكَافِرُ وَلَا الْمَرْأَةُ وَلَا الصَّبِيُّ وَلَا الْفَاسِقُ فَإِنْ اُسْتُعْمِلُوا اُعْطُوا أَجْرَ مِثْلِهِمْ مِنْ غَيْرِهَا أَيْ: مِنْ حَيْثُ يُعْطَى الْعُمَّالُ وَالْوُلَاةُ، وَذَلِكَ مِنْ الْفَيْءِ قَالَ بَعْضٌ: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ لِصِحَّةِ إعْطَاءِ الْجَابِي مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ جَابِيًا كَالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَعَدَمِ الْهَاشِمِيَّةِ شَرْطَانِ فِي صِحَّةِ إعْطَائِهِ مِنْهَا ك
(قَوْلُهُ: غَيْرُ هَاشِمِيٍّ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ جَابِيًا، أَوْ مُفَرِّقًا أَوْ نَحْوَهُمَا مِمَّا يُعَدُّ بِهِ عَامِلًا عَلَيْهَا أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْبَاجِيُّ يُجَوِّزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْحِرَاسَةِ وَالسُّوقِ الْهَاشِمِيُّ وَالذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَحْضَةٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَفِي سَبَبِهَا) عَيَّنَ قَوْلَهُ لَهَا
(لَا يُسَاوِي مِقْدَارَ أُجْرَتِهِ) ، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَدْرَ أُجْرَتِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي عِبَارَةٍ وَبُدِئَ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ بُدِئَ الْعَامِلُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ سَدَّ الْخَلَّةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ إلَّا تَقْدِيمَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَى الْعِتْقِ (قَوْلُهُ: وَتُقَدَّمُ الْمُؤَلَّفَةُ) أَيْ: عَلَى الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْفَقِيرِ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمِسْكِينَ، وَالْخَلَّةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ (قَوْلُهُ وَأَخَذَ الْفَقِيرُ بِوَصْفَيْهِ) لَكِنْ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِإِعْطَاءِ الْإِمَامِ وَكَذَا لَا يَأْخُذُ بِوَصْفِ الْغُرْمِ إذَا كَانَ مِدْيَانًا إلَّا بِإِعْطَاءِ إمَامٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْسِمُهَا فَلَا يُحْكَمُ لِنَفْسِهِ
وَالْعَمَلِ إنْ لَمْ يَفُتْهُ حَظُّ الْعَمَلِ وَكَذَا كُلُّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ أَوْ أَوْصَافٍ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ سَعَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا يَأْخُذُهُ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ أَوْ الْأَوْصَافِ مَا يَكْفِيهِ وَلَا يَقْصُرُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ عَلَى الْعَامِلِ
(ص) وَلَا يُعْطَى حَارِسُ الْفِطْرَةِ (ش) بَلْ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا، أَمَّا بِوَصْفِ الْفَقْرِ فَيُعْطَى مِنْهَا، وَكَذَا جُبَاتُهَا أَيْ: وَلَا يُعْطَى أُجْرَةَ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا مَفْهُومَ لِلْفِطْرَةِ
(ص) وَمُؤَلَّفٌ كَافِرٌ لِيُسْلِمَ وَحُكْمُهُ بَاقٍ (ش) الصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ بَاقٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ لَكِنْ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ اهـ. وَانْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ الْحَاجَةُ إلَى دُخُولِهِمْ الْإِسْلَامَ لِإِنْقَاذِهِمْ مِنْ الْكُفْرِ، أَوْ إلَى إعَانَتِهِمْ لَنَا فَعَلَى الثَّانِي لَا يُعْطَوْنَ إلَّا إنْ اُحْتِيجَ لِإِعَانَتِهِمْ فِي الْخِدْمَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَوْنَ إنْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْمُعْطَى التَّأَلُّفُ لِلْإِسْلَامِ بِالْإِعْطَاءِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّارِحِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِجَعْلِهِ شَرْطًا
(ص) وَرَقِيقٌ مُؤْمِنٌ وَلَوْ بِعَيْبٍ يُعْتَقُ مِنْهَا (ش) هَذَا هُوَ الصِّنْفُ الْخَامِسُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَهُوَ الرَّقِيقُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُشْتَرَى مِنْ الزَّكَاةِ لِأَجْلِ الْعِتْقِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ السَّلَامَةُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا عَيْبًا خَفِيفًا، أَوْ ثَقِيلًا كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إلَى الْإِعَانَةِ بِخِلَافِ الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ وَفِي عِبَارَةِ التَّنْوِينِ فِي بِعَيْبٍ لِلتَّعْظِيمِ إذْ هُوَ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَبَاؤُهُ لِلْمَعِيَّةِ وَفِي كَلَامِ تت نَظَرٌ: حَيْثُ عَمَّمَ فِي الْعَيْبِ فَإِنَّ الْخَفِيفَ لَا يُنَاسِبُ الْمُبَالَغَةَ، وَغَايَرَ الْمُؤَلِّفَ فِي التَّعْبِيرِ حَيْثُ عَبَّرَ هُنَا بِمُؤْمِنٍ وَفِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: إنْ أَسْلَمَ تَفَنُّنًا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنُ، وَبَنَى يُعْتَقُ لِلْمَجْهُولِ إشَارَةً إلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَهُ الْإِمَامُ، أَوْ الْمُتَصَدِّقُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ
(ص) لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ (ش) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي تُعْتَقُ مِنْ الزَّكَاةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ، وَيَكُونَ وَلَاءُ ذَلِكَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مُدَبَّرِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ وَعَلَى الْآخَرِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُجْزِئُهُ (ص) وَإِنْ اشْتَرَطَهُ لَهُ (ش) إنْ جُعِلَ مُبَالَغَةً فِيمَا قَبْلَهُ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْوَلَاءِ، وَإِنْ جُعِلَ مُسْتَأْنَفًا وَجَوَابُهُ لَمْ يُجْزِهِ الْآتِي كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْعِتْقِ بِأَنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُك لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ فَقَوْلُهُ: (أَوْ فَكَّ أَسِيرًا) عَلَى
[حاشية العدوي]
وَقَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ كَأَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَمِدْيَانًا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا جُبَاتُهَا) أَيْ: يُعْطَوْنَ بِوَصْفِ الْفَقْرِ (قَوْلُهُ: فَلَا مَفْهُومَ لِلْفِطْرَةِ) بَلْ كَذَلِكَ حَارِسُ الزَّكَاةِ لَا يُعْطَى مِنْهَا
(قَوْلُهُ: وَمُؤَلَّفٌ كَافِرٌ إلَخْ) وَقِيلَ الْمُؤَلَّفَةُ مُسْلِمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يُعْطَى لِيَتَمَكَّنَ إسْلَامُهُ وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمُقْتَضَى عَزْوِهِ أَنَّهُ رَاجِحٌ (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ بَاقٍ) تَبِعَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَالصَّحِيحُ بَقَاءُ حُكْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُ نَصَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبِعَ ابْنَ بَشِيرٍ فِي تَعْبِيرِهِ بِالصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ عَلَى مَا أَفَادَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (قَوْلُهُ: إلَّا وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَّا وَقْتَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِمْ أَيْ: أَنَّ الْمُؤَلَّفَ الْكَافِرَ لَا يُعْطَى لِعِلَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا وَقْتَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ: الْحَاجَةُ إلَى دُخُولِهِمْ الْإِسْلَامَ أَيْ: احْتِيَاجُنَا إلَى دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ: اتِّصَافُنَا بِالِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ إلَى إعَانَتِهِمْ لَنَا، أَوْ الْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِمْ احْتِيَاجُنَا لَهُمْ فِي الْخِدْمَةِ وَقَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَوْنَ إنْ عُلِمَ أَيْ: أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وَقَوْلُهُ: وَهَذَا الثَّانِي أَيْ: فِي التَّفْرِيعِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ أَيْ: الْمُنَاسِبُ لِجَعْلِهِ شَرْطًا أَيْ: لِجَعْلِ الِاحْتِيَاجِ شَرْطًا فِي الْإِعْطَاءِ لِلْمُؤَلَّفِ لِعِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْطَوْنَ إلَّا بِشَرْطِ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مُنَاسِبًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إعْطَاءُ الْمُؤَلَّفِ لِعِلَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فِيهِ إلَّا اتِّصَافَنَا بِاحْتِيَاجِنَا لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَعَلِمْنَا بِتَأْلِيفِهِ فَإِذَا لَمْ نَعْلَمْ بِالتَّأْلِيفِ فَلَا نَتَّصِفُ بِالِاحْتِيَاجِ لِدُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَصَارَ الْمَنْظُورُ لَهُ الْعِلْمَ بِالتَّأْلِيفِ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤَلَّفَ الْكَافِرَ لَا يُعْطَى لِعِلَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِعِلْمِنَا أَنَّنَا إذَا أَعْطَيْنَاهُ يُسْلِمُ فَإِذَا لَمْ نَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا يُعْطَى وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فِيهِ احْتِيَاجَنَا لَهُ فِي الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ لِلْخِدْمَةِ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِإِسْلَامٍ وَلَا عَدَمِهِ.
(ثُمَّ أَقُولُ) وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَاجَةِ إلَى الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْإِنْقَاذُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا لَوْ نُظِرَ لِلْإِنْقَاذِ فَهُوَ أَمْرٌ دَائِمٌ لَا يُعْقَلُ جَعْلُهُ شَرْطًا
(قَوْلُهُ: يُعْتَقُ مِنْهَا) أَيْ: يُعْتَقُ بِثَمَنٍ يُشْتَرَى مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَهُ مَالِكُهُ بِغَيْرِ شِرَائِهِ مِنْهَا إلَّا أَنَّ اللَّخْمِيَّ سَوَّى بَيْنَ شِرَائِهِ مِنْهَا، وَعِتْقِ الْمَالِكِ بِقِيمَتِهِ عَنْ زَكَاتِهِ وَارْتَضَاهُ مُحَشِّي تت وَاسْتَظْهَرَ الْإِجْزَاءَ إذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ زَكَاتِي، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ خِلَافَهُ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَلَا يُجْزِئُ وَإِنْ دَفَعَهَا لِلْحَاكِمِ فَاشْتَرَى بِهَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الدَّافِعِ بِالشِّرَاءِ وَأَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ جَازَ وَيُعْتَقُ فِي الْمُصَنَّفِ صِفَةٌ، أَوْ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ وَأَصْلُهُ أَنْ يُعْتَقَ فَحُذِفَ النَّاصِبُ فَارْتَفَعَ الْفِعْلُ، وَالشَّاذُّ هُوَ بَقَاءُ النَّصْبِ مَعَ حَذْفِ النَّاصِبِ قَالَهُ الْبَدْرُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ) وَمُقَابِلُهُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إعَانَةُ الْمُكَاتَبِينَ فِي آخِرِ كِتَابَتِهِمْ بِمَا يُعْتَقُونَ بِهِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ) أَيْ: أَنَّ ذَا الْعَيْبِ أَشَدُّ احْتِيَاجًا إلَى الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا صَارَ حُرًّا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَمِنْ غَيْرِهَا وَلَا يُوكَلُ أَمْرُهُ إلَى سَيِّدِهِ
(قَوْلُهُ: لَا يَرِدُ وَلَا يُجْزِئُهُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُعْتَمَدَ (قَوْلُهُ: كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْعِتْقِ) وَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَا إنْ اُشْتُرِطَ الْعِتْقُ لَهُ وَقَوْلُهُ وَوَلَاؤُك إلَخْ ذِكْرُهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ قَالَ مُحَشِّي تت: وَالْحَاصِلُ إنْ أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُجْزِئُ سَوَاءٌ
الْأَوَّلِ يُقَدَّرُ لَهُ عَامِلٌ أَيْ: أَوَانَ فَكَّ أَسِيرًا، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى اشْتَرَطَهُ وَقَوْلُهُ: (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ: وَالْعِتْقُ وَالْفَكُّ مَاضٍ فِيهِمَا
(ص) وَمَدِينٌ وَلَوْ مَاتَ يُحْبَسُ فِيهِ (ش) هَذَا هُوَ الصِّنْفُ السَّادِسُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] وَالْمُرَادُ بِالْمَدِينِ هُنَا الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ لِلْغُرَمَاءِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ فِي الْفَلَسِ فَخَرَجَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَدِينِ بَيْنَ كَوْنِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَيَأْخُذُ مِنْهَا السُّلْطَانُ لِيَقْضِيَ بِهَا دَيْنَ الْمَيِّتِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: دَيْنُ الْمَيِّتِ أَحَقُّ مِنْ دَيْنِ الْحَيِّ فِي أَخْذِهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْمَدِينِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ مِمَّا يُحْبَسُ فِيهِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِمَّا لَا يُحْبَسُ فِيهِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا؛ لِوَفَاءِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ بِدَيْنِ الْآدَمِيِّينَ (ص) لَا فِي فَسَادٍ (ش) مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: قَدْ اسْتَدَانَهُ وَوَضَعَهُ فِي مَصَالِحِهِ لَا فِي فَسَادٍ: كَزِنًا وَخَمْرٍ وَقِمَارٍ وَغَصْبٍ فَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ (ص) وَلَا لِأَخْذِهَا (ش) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ: وَلَا إنْ اسْتَدَانَ لِأَخْذِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَدَايَنَ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ فَاتَّسَعَ فِي الْإِنْفَاقِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَلَا يُعْطَى، وَأَمَّا إذَا اسْتَدَانَ لِلضَّرُورَةِ نَاوِيًا أَدَاءَ ذَلِكَ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا مَنْعَ وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتُوبَ عَلَى الْأَحْسَنِ) رَجَّعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ: لَا فِي فَسَادٍ
(ص) إنْ أَعْطَى مَا بِيَدِهِ مِنْ عَيْنٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَدِينَ لَا يُعْطَى شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ لِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ دَفْعِ مَا مَعَهُ مِنْ الْعَيْنِ لِلْغُرَمَاءِ، مَثَلًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَبِيَدِهِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ إلَّا بَعْدَ إعْطَاءِ الْعِشْرِينَ الَّتِي بِيَدِهِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ عِشْرُونَ فَحِينَئِذٍ يُعْطَى وَيَكُونُ مِنْ الْغَارِمِينَ (ص) وَفَضَلَ غَيْرُهَا (ش) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِلْعَيْنِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمِدْيَانَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْفَاضِلِ مِمَّا بِيَدِهِ غَيْرَ الْعَيْنِ لِلْغُرَمَاءِ، مَثَلًا لَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ تُسَاوِي خَمْسِينَ دِينَارًا وَيُنَاسِبُهُ دَارٌ بِثَلَاثِينَ فَإِنَّ تِلْكَ الدَّارَ تُبَاعُ عَلَيْهِ وَيُشْتَرَى لَهُ دَارٌ تُنَاسِبُهُ وَيَدْفَعُ الْفَاضِلَ: وَهُوَ عِشْرُونَ دِينَارًا لِلْغُرَمَاءِ ثُمَّ يُوَفِّي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَاضِلُ يُسَاوِي مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ لِلْغُرَمَاءِ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا إذْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَصِيرُ فَقِيرًا لَا غَارِمًا
(ص) وَمُجَاهِدٌ وَآلَتُهُ وَلَوْ غَنِيًّا (ش) هَذَا هُوَ الصِّنْفُ السَّابِعُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَهُوَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ
[حاشية العدوي]
أَطْلَقَ، أَوْ قَالَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِأَشْهَبَ فِيهِمَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَرَطَ وَلَاءَهُ لَهُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَيُجْزِئُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ: أَوْ إنْ فَكَّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِأَوْ يُبْعِدُ جَعْلَهُ مُسْتَأْنَفًا وَجَعْلَ أَوْ إنْ مُبَالَغَةً، بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ " وَإِنْ أَيْ " شَرْطِيَّةٌ، وَقَوْلَهُ أَوْ فَكَّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فَكَّ أَسِيرًا أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا لِمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْكُفَّارِ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّةِ الْأَسِيرِ، أَوْ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لَأَجْزَأَ فَالْمُرَادُ: فَكُّ أَسِيرٍ مِنْ الْعَدُوِّ بِالزَّكَاةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَكَّ لِغَيْرِهِ وَبِهِ قَرَّرَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَأَمَّا فَكُّهُ بِزَكَاةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(قَوْلُهُ: يُحْبَسُ فِيهِ) أَيْ: شَأْنُهُ أَنْ يُحْبَسَ فِيهِ فَدَخَلَ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فَيَدْفَعُ الزَّكَاةَ لِلْوَالِدِ يَقْضِي بِهَا دَيْنَ ابْنِهِ وَفِي الْفِيشِيِّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ لَا يُعْطَى وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَدَخَلَ أَيْضًا: الدَّيْنُ عَلَى الْمُعْدِمِ فَإِنَّ شَأْنَ كُلِّ الْحَبْسِ فِيهِ وَعَرَضَ عَلَى الْحَبْسِ عَارِضُ الْأُبُوَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْعُدْمِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ دَيْنُ الْمَيِّتِ إلَخْ) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الْحَيِّ (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ إلَخْ) أَيْ: أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كِفَايَتُهُ إلَّا أَنَّهُ اسْتَدَانَ زِيَادَةً عَلَى مَا بِهِ الْحَاجَةُ فَالزَّائِدُ لَا يُعْطَى لِأَجْلِ قَضَائِهِ، وَكَذَا لَا يُعْطَى مِنْهَا مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي مِثْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يُخَافَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِضَرُورَةٍ نَاوِيًا إلَخْ) فِي ك، وَوَجْهُ ذَلِكَ بَيِّنٌ وَهُوَ أَنَّ الْأَوَّلَ غَنِيٌّ وَاحْتَالَ لِيَكُونَ مِدْيَانًا فَهَذَا قَصْدٌ ذَمِيمٌ فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِهِ، وَالثَّانِي مَقْصِدُهُ صَحِيحٌ فَيُوَفَّى لَهُ بِقَصْدِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَيَضُرُّ بِهِ أَكْلُ اللَّحْمِ الْخَشِنِ أَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ لِأَكْلِ الضَّأْنِ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ لَا غَيْرُهُ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: رَجَّعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ) قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَانْظُرْ هَلْ يُجْزِئُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ يُقَالُ التَّدَايُنُ لِأَخْذِهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا حَتَّى يَحْتَاجَ لِلتَّوْبَةِ اهـ. وَعَلَيْهِ فَمَنْ تَدَايَنَ لِأَجْلِ أَخْذِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يُعْطَى بِحَالٍ كَذَا فِي عب (أَقُولُ) : وَالظَّاهِرُ الْجَرَيَانُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْمُحَرَّمِ وَمَنْدُوبَةٌ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ لَمْ أَرَهُ مُصَرَّحًا وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت فِيمَا نُقِلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ أَنَّهُ يُمْكِنُ رُجُوحُهُ لِلثَّانِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَدَايَنَ وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ كَانَ سَفِيهًا وَالسَّفَهُ حَرَامٌ اهـ.
(إنْ أَعْطَى مَا بِيَدِهِ) فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ لَيْسَ إعْطَاءُ الْعَيْنِ وَفَضْلُ غَيْرِهَا بِالْفِعْلِ شَرْطًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا بَلْ يَكْفِي أَنْ يُقَدَّرَ إنْ لَوْ أَعْطَى مَا بِيَدِهِ مِنْ الْعَيْنِ وَفَضَلَ غَيْرُهَا مِنْ دَارٍ وَنَحْوِهِ يُوَفِّي مَا عَلَيْهِ فَلَا يُعْطَى إلَّا مِنْ حَيْثُ الْفَقْرُ، وَإِنْ لَمْ يُوَفِّ فَيُعْطَى تَمَامَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ (قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَى لَهُ دَارٌ تُنَاسِبُهُ) فِي عب وَيَكْفِي الِاسْتِبْدَالُ بِمَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ، وَكَذَا الْمَرْكُوبُ وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَكَذَا عِبَارَةُ غَيْرِهِ حَيْثُ قَالَ: وَيَكْفِيهِ دَارٌ إلَخْ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْكِفَايَةِ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا قَالَهُ شَارِحُنَا وَفِي شَرْحِ شب، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدِينَ يُعْطَى مِنْهَا وَلَوْ كَانَ هَاشِمِيًّا إذْ لَا مَذَلَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ مَذَلَّةَ الدَّيْنِ أَعْظَمُ مِنْ مَذَلَّةِ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ فِي دَيْنِهِ وَنُظِرَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ وَمِنْ الْمَدِينِ الْمُصَادَرُ مِنْ ظَالِمٍ إنْ فَكَّهُ مِنْهُ شَخْصٌ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْمُصَادَرِ بِالْفَتْحِ
قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ: الْمُتَلَبِّسَ بِهِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُعْطَى أَيْضًا لِأَجْلِ آلَةِ الْجِهَادِ: مِنْ سِلَاحٍ وَرُمْحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آلَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجَاهِدِ هُنَا مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا ذَكَرًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا قَادِرًا كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ
(ص) كَجَاسُوسٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْجَاسُوسَ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ: وَهُوَ شَخْصٌ يُرْسِلُهُ الْإِمَامُ لِيَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِ الْعَدُوِّ وَيَعْلَمَ حَالَهُمْ، ثُمَّ يُعْلِمَنَا بِذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ
(ص) لَا سُورٍ وَمَرْكَبٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ عَمَلُ سُورٍ مِنْهَا وَلَا مَرْكَبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمِثْلُ السُّورِ وَالْمَرْكَبِ: الْفَقِيهُ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ فِي غَيْرِ الْوُجُوهِ الْمُبَيَّنَةِ: مِنْ عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ أَوْ بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ أَوْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى أَوْ فَكِّ الْأَسَارَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ
(ص) وَغَرِيبٍ مُحْتَاجٍ لِمَا يُوَصِّلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا وَهُوَ مَلِيءٌ بِبَلَدِهِ (ش) أَشَارَ بِهَذَا إلَى الصِّنْفِ الثَّامِنِ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَهُوَ آخِرُهَا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ؛ الْغَرِيبُ الْمُنْقَطِعُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ إلَى مَا يُوَصِّلُهُ إلَى وَطَنِهِ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِمَا يُوَصِّلُهُ فَلَا يُعْطَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ إيصَالُهُ إلَى بَلَدِهِ بِخِلَافِ الْمُجَاهِدِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْمَوْضِعِ الْمُقِيمِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْإِرْهَابُ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَمَّا لَوْ كَانَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ كَمَنْ خَرَجَ لِقَتْلِ نَفْسٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
الثَّالِثُ أَنْ لَا يَجِدَ مُسَلِّفًا لَهُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَهُوَ شَرْطٌ عَدَمِيٌّ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِيٍّ يَعْنِي إنَّمَا يُعْطَى إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُسَلِّفُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، فَإِنْ وُجِدَ وَهُوَ غَنِيٌّ انْتَفَى أَحَدُهُمَا فَانْتَفَى لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنْ، وُجِدَ وَهُوَ فَقِيرٌ كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ ضِدِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَهُوَ فَقِيرٌ فَهُوَ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَلَوْ قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا مُطْلَقًا أَوْ وَجَدَهُ وَهُوَ عَدِيمٌ بِبَلَدِهِ لَكَانَ أَظْهَرَ فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَصُدِّقَ) إلَى أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ الْفُقَرَاءِ إذْ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْرِفُهُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَالَ مَالِكٌ: وَأَيْنَ يَجِدُ مَنْ يَعْرِفُهُ وَظَاهِرُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
(ص) وَإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ كَغَازٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ كُلًّا مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ وَالْغَازِي إذَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ لِيَغْزُوَ بِهِ أَوْ لِيُسَافِرَ إلَى بَلَدِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَلَسَ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَتُرَدُّ إلَى مَحَلِّهَا إلَّا أَنْ يُسَوَّغَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ بِوَصْفِ الْفَقْرِ، أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمِدْيَانُ إذَا أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ لِأَجْلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَلَبِّسَ بِهِ) أَيْ: فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَتَى بِاسْمِ الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِهِ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، أَوْ فِي السَّفَرِ لَهُ حَيْثُ اُحْتِيجَ لَهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُرَابِطُ الْمُتَلَبِّسُ بِالرِّبَاطِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي غَزْوِهِ مَا يُغْنِيهِ وَهُوَ غَنِيٌّ بِبَلَدِهِ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آلَتِهِ) كَالْخَيْلِ إلَخْ وَيَبْقَى ذَلِكَ لِلْمُجَاهِدِينَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا إلَخْ) أَيْ: وَلَوْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا جَاسُوسًا
(قَوْلُهُ: لَا سُورٍ) يَتَحَفَّظُ بِهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَلَا مَرْكَبٍ يُقَاتِلُونَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا أَعَمُّ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْآنَ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ أَنَّهُ يُنْشَأُ مِنْهَا الْمَرَاكِبُ لِلْغَزْوِ وَيُعْطَى مِنْهَا كِرَاءُ النَّوَاتِيَّةِ وَيُبْنَى مِنْهَا حِصْنٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: الْفَقِيهُ) أَيْ: يُدَرِّسُ، أَوْ يُفْتِي أَيْ: إذَا كَانُوا يُعْطَوْنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَيُعْطَوْنَ، وَيُعْطَى الْفَقِيهُ وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ وَقَوْلُهُ، وَالْإِمَامُ أَيْ: إمَامُ مَسْجِدٍ أَيْ: حَيْثُ أُجْرِيَ رِزْقُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا أُعْطُوهَا كَمَا فِي عب
(قَوْلُهُ: وَغَرِيبٌ) مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ (قَوْلُهُ: لِمَا يُوَصِّلُهُ) أَفْهَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لِمَا يُنْفِقُهُ فَإِنْ احْتَاجَ لِمَا يُنْفِقُهُ أُعْطِيَ لَهُ أَيْضًا وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ يُجْزِي فِيهِ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا؟ .
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِغَرِيبٍ لِمَا فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مَلِيءٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ ضَمِيرِ " يَجِدْ " وَهُوَ جُزْءُ شَرْطٍ لَا شَرْطٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، الْمَشْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ الْغَازِي وَضَعُفَ بِعَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْآيَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْإِرْهَابُ) أَيْ: وَبِدَفْعِ الزَّكَاةِ لَهُ بِتَقَوِّي بَأْسِهِ فَيَحْصُلُ لِلْعَدُوِّ إرْهَابٌ (قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ سَفَرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ) أَيْ: بِأَنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، وَأَمَّا الْعَاصِي فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ إعْطَاؤُهُ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَالْقَصْرِ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ) أَيْ: وَإِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ حُصُولَ التَّوْبَةِ مِنْهُ مُسَوِّغٌ لِإِعْطَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَذَا يَنْبَغِي، وَالْأَحْسَنُ مَا فِي شَرْحِ شب مِنْ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَقَطْ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَوْبَةٌ لَا يُعْطَى حَيْثُ خَرَجَ لِقَتْلٍ، أَوْ هَتْكِ حُرْمَةٍ (قَوْلُهُ: فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ) الْمُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْأَخْذِ وَإِذَا انْتَفَى عَدَمُ الْأَخْذِ ثَبَتَ الْأَخْذُ فَالْحُكْمُ هُنَا غَيْرُ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَوْ قَالَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ وَهُوَ الْأَخْذُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْفَقْرُ لَكَانَ أَحْسَنَ (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ شَرْطِ ضِدِّهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِوُجُودِ شَرْطِ ضِدِّهِ أَيْ: لِوُجُودِ شَرْطِ الْأَخْذِ وَهُوَ الْفَقْرُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: أَنْ لَا يَجِدَ مُسَلِّفًا مُطْلَقًا، أَوْ وَجَدَ وَهُوَ عَدِيمٌ بِبَلَدِهِ فَلَوْ وَجَدَهُ وَهُوَ مَلِيءٌ بِهَا لَمْ يُعْطَ (قَوْلُهُ: إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ: مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، وَقَوْلُهُ كَغَازٍ أُعْطِيَ بِرَسْمِ الْغَزْوِ وَلَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءً.
قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْغُرَمَاءِ فِي دَيْنِهِ فَهَلْ يُنْتَزَعُ مِنْهُ ذَلِكَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلَّخْمِيِّ وَحْدَهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (ص) وَفِي غَارِمٍ يَسْتَغْنِي تَرَدُّدٌ (ش) وَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ التَّرَدُّدِ، وَالْمُنَاسِبُ لِاصْطِلَاحِهِ أَنْ يَقُولَ: وَاخْتَارَ أَخْذَهَا مِنْ غَارِمٍ اسْتَغْنَى ثُمَّ إنَّ التَّعْبِيرَ بِنُزِعَتْ يَقْتَضِي أَنَّهَا بَاقِيَةٌ، فَلَوْ ذَهَبَتْ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَازِي فَإِنَّهَا تُنْزَعُ مِنْهُ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، وَتَكُونُ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَتْ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْأَصْنَافِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى كَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (ص) وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُتَوَلِّي تَفْرِقَةُ الزَّكَاةِ إمَامًا أَوْ مَالِكًا إيثَارُ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْأَصْنَافِ عَلَى بَعْضِهَا وَإِفْرَادُ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى بَقِيَّتِهَا بِأَنْ يُزَادَ فِي إعْطَائِهِ، وَأَمَّا عُمُومُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَعُمَّهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يُنْدَبُ أَيْضًا فَيَجُوزُ دَفْعُ جَمِيعِهَا الصِّنْفُ وَاحِدٌ مَعَ إمْكَانِ تَعْمِيمِهِمْ، وَلَوْ الْعَامِلُ إذَا أَتَى بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُسَاوِي تَعَبَهُ، وَلِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ وَالِاسْتِحْقَاقِ أَيْ: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ إلَخْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ الْإِعْطَاءُ بِالْفِعْلِ لَا لِلْمِلْكِ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ شَخْصٌ مِنْهُ أَجْزَأَ الْإِعْطَاءُ لَهُ إجْمَاعًا وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ إذَا وُجِدُوا، وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُ آحَادِهِمْ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْبَغُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا يُوجِبُهُ مِنْ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَقَةِ وَلِيٍّ فِيهِ.
(ص) وَالِاسْتِنَابَةُ وَقَدْ تَجِبُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ فِي تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ تُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ أَنْ يَلِيَهَا بِنَفْسِهِ خَوْفَ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ وَقَدْ تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِأَحْكَامِهَا وَمَصْرِفِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ إنْ طَلَبَ فَقَالَ قَدْ أَخْرَجْتهَا فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَمِنْ آدَابِهَا دَفْعُهَا بِالْيَمِينِ، وَدُعَاءُ الْمُصَدِّقِ وَالْإِمَامِ لِدَافِعِهَا وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَأَوْجَبَهُ دَاوُد وَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ آدَابِ الزَّكَاةِ أَنْ يَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَقَدْ قِيلَ: الْإِظْهَارُ فِي الْفَضَائِلِ أَفْضَلُ وَنَحْوُهُ لِسَيِّدِي زَرُّوقٍ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ تَرْكَهَا فَيُسْتَحَبُّ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ لِلَّخْمِيِّ وَحْدَهُ) فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي الْغَارِمِ يَأْخُذُ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْنِي قَبْلَ أَدَائِهِ إشْكَالٌ، وَلَوْ قِيلَ يُنْزَعُ مِنْهُ لَكَانَ وَجْهًا، وَتَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ كَمَا هُنَا، وَتَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهَا تُنْزَعُ فَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ التَّرَدُّدِ؛ فَلِذَا قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ التَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّهُ مَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى النِّزَاعِ
(قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِهَا) بِأَنْ يُقَدِّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهَا، بِأَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ الْبَلَدَ عَلَى هَذِهِ الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ: فُقَرَاءَ، أَوْ مَسَاكِينَ، وَيُقَدِّمَ صِنْفَ الْمَسَاكِينِ عَلَى صِنْفِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالِاضْطِرَارِ شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ إلَخْ فَإِنَّ الْمَسْكَنَةَ مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ، وَكَذَا الْفَقْرُ، وَقَوْلُهُ وَأَفْرَادُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْبُلْدَانِ وَقَوْلُهُ: عَلَى بَقِيَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: بِأَنْ يُقَدِّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَقِيَّتِهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْدَبُ أَيْضًا إلَخْ) إلَّا أَنْ يَقْصِدَ رَعْيَ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَيَعُمُّ لِنَدْبِ مُرَاعَاتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يُسَاوِي تَعَبَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُسَاوِي تَعَبَهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ قَالَ فِي ك مَا نَصُّهُ قَالَ الْحَطَّابُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَوْ دُفِعَتْ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ أَيْ: وَيَجُوزُ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ اهـ. قُلْت الَّذِي فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا: إنَّهَا لَا تُدْفَعُ إلَّا إذَا كَانَتْ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُسَاوِي عَمَلَهُ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا مَا فِي ك، وَالظَّاهِرُ مَا لِلْحَطَّابِ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا كَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ) أَيْ: يَذْهَبَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ آيَةَ الْقُرْآنِ نَاطِقَةٌ بِالْمَصَارِفِ فَكَيْفَ يَأْتِي النِّسْيَانُ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَنْسَى وَلَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَى بِاعْتِبَارِ أَهْلِ الْقُرْآنِ، أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ.
(قَوْلُهُ: خَوْفَ الْمَحْمَدَةِ) أَيْ: الْحَمْدِ وَقَوْلُهُ: " وَالثَّنَاءِ " عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ: خَوْفَ حُبِّ الْمَحْمَدَةِ (قَوْلُهُ: وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ) أَيْ:؛ وَلِأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ، وَالِاسْتِنَابَةُ نَوْعٌ مِنْ السِّرِّ، وَإِنْ كَانَ النَّائِبُ قَدْ يَجْهَرُ بِهَا لَكِنْ سَيَأْتِي، يَقُولُ: وَمِنْ آدَابِهَا سَتْرُهَا عَنْ النَّاسِ (قَوْلُهُ: إذَا جَزَمَ بِقَصْدِ الْمَحْمَدَةِ) أَيْ: جَزَمَ الْآنَ بِأَنَّهُ مَتَى تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ يَقْصِدُ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ أَيْ: يُحِبُّ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ، وَإِنَّمَا أَوْ لَنَا قَصْدُهُ بِحُبٍّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ أَيْ: جَزَمَ بِحُبِّ حَمْدِ النَّاسِ لَهُ بِحَيْثُ يَصْرِفُهُ عَلَى الْعَمَلِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَفْرَحَ بِالْمَدْحِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: 188] فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُمْدَحَ بِمَا فَعَلَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ لِلْحَدِيثِ «إذَا مُدِحَ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِهِ رَبَا الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ» وَيُفْهَمُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى الْجَوَازُ إذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ إذَا تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ لَا يَقْصِدُ مَدْحَ النَّاسِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: الْمُصَدِّقِ) هُوَ السَّاعِي (قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ) عَطْفٌ عَلَى الدُّعَاءِ مُرَادِفٌ (قَوْلُهُ: وَأَوْجَبَهُ دَاوُد) أَيْ: أَوْجَبَ دُعَاءَ السَّاعِي وَمَنْ مَعَهُ لِدَافِعِهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ الْإِظْهَارُ إلَخْ) الْفَضَائِلُ مُقَابِلُ الْفَرَائِضِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ إظْهَارُ الْفَضَائِلِ أَوْلَى فَلْيَكُنْ إظْهَارُ الْفَرَائِضِ أَوْلَى وَأَوْلَى، وَقَوْلُهُ وَنَحْوُهُ أَيْ: وَنَحْوُ مَا قَالَهُ عِيَاضٌ
الْإِظْهَارُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ.
(ص) وَكُرِهَ لَهُ حِينَئِذٍ تَخْصِيصُ قَرِيبِهِ (ش) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ يَرْجِعُ لِلنَّائِبِ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْمُضَافِ يَرْجِعُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّائِبَ يُكْرَهُ لَهُ حِينَ الِاسْتِنَابَةِ أَنْ يُخَصِّصَ قَرَابَةَ رَبِّ الْمَالِ بِالزَّكَاةِ، وَكَذَا إيثَارُهُ، وَأَمَّا إعْطَاؤُهُمْ مِثْلَ غَيْرِهِمْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَلِلنَّائِبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخَصِّصَ قَرِيبَهُ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِالزَّكَاةِ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِثْلَ غَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ
. (ص) وَهَلْ يُمْنَعُ إعْطَاءُ زَوْجَةٍ زَوْجًا أَوْ يُكْرَهُ؟ تَأْوِيلَانِ (ش) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا، اخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ فِي ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَنْعِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهَا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَمَلَهَا ابْنُ زَرْقُونٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ لَهَا فِي نَفَقَتِهَا أَوْ لَا، وَأَمَّا إعْطَاءُ الزَّوْجِ زَكَاتَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ لِمَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ بِلَا إشْكَالٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ دَيْنٌ فَيَكُونُ مِنْ الْغَارِمِينَ
. (ص) وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ الذَّهَبِ زَكَاةً عَنْ الْوَرِقِ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَوْلَوِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَقَوْلُهُ: وَجَازَ إلَخْ وُجِدَ مَسْكُوكٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(ص) بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا (ش) الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِخْرَاجِ أَيْ: الْإِخْرَاجُ مُقَدَّرٌ بِصَرْفِ وَقْتِهِ وَافَقَ الصَّرْفَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ عَنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِينَارٌ، أَوْ خَالَفَهُ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ دِينَارٌ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ فِضَّةً فَلْيُخْرِجْ صَرْفَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَوَاءٌ أَزَادَ عَنْ الصَّرْفِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ نَقَصَ
(ص) بِقِيمَةِ السِّكَّةِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْوَرِقَ عَنْ الذَّهَبِ، أَوْ عَكْسَهُ فَإِنَّهُ يُرَاعِي السِّكَّةَ فَيُخْرِجُ قِيمَتَهَا فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ مَثَلًا فِي عِشْرِينَ دِينَارًا مَسْكُوكَةٍ فَإِنْ وَجَدَهُ كَذَلِكَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ مَسْكُوكًا وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ وَرِقًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ صَرْفَهُ مَعَ قِيمَةِ السِّكَّةِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ فِي نَوْعٍ) إلَى أَنَّ السِّكَّةَ تُعْتَبَرُ وَيُخْرِجُ قِيمَتَهَا وَلَوْ فِي نَوْعٍ (وَاحِدٍ) أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمُخْرَجُ فِي نَوْعِهِ فَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنْ الضَّمِيرِ كَمَا إذَا أَخْرَجَ تِبْرَ ذَهَبٍ عَنْ جُزْءِ دِينَارٍ مَسْكُوكٍ وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ فِي نَوْعَيْنِ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ وَيُخْرِجُ قِيمَتَهَا كَمَا إذَا أَخْرَجَ الْوَرِقَ الْمَسْكُوكَ عَنْ جُزْءِ الدِّينَارِ الْمَسْكُوكِ مَثَلًا
(ص) لَا صِيَاغَةٍ فِيهِ (ش) صِيَاغَةٌ بِالْجَرِّ مُنَوَّنٌ عَطْفٌ عَلَى السِّكَّةِ أَيْ: لَا لِقِيمَةِ الصِّيَاغَةِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَصُوغٌ وَزْنُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَلِصِيَاغَتِهِ يُسَاوِي مِائَةً وَعَشَرَةً فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْمِائَةِ فَقَطْ، وَفِي كِتَابَةٍ بِجَرِّ صِيَاغَةٍ وَتَنْوِينِهِ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ السِّكَّةِ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: أَنْ يُخَصِّصَ قَرَابَةَ رَبِّ الْمَالِ) ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّائِبِ قَرِيبَ نَفْسِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اسْتَنَابَهُ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ عب، وَاَلَّذِي فِي الْبَدْرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ مِثْلُ قَرِيبِ رَبِّ الْمَالِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْقَصَّارِ) وَهُوَ الظَّاهِرُ
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِسَحْنُونٍ إلَخْ) أَيْ: الْقَائِلِ بِأَنَّ إخْرَاجَ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ أَجْوَزُ مِنْ عَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْوَرِقَ أَيْسَرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ أَيْ:؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدِّدٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ) وَمُقَابَلَةُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ، (قَوْلُهُ: الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِخْرَاجِ) وَهِيَ بَاءُ الْمُلَابَسَةِ أَيْ: مُتَلَبِّسًا بِصَرْفِ وَقْتِهِ (قَوْلُهُ: بِقِيمَةِ السِّكَّةِ) أَيْ: فِي الْمُخْرَجِ عَنْهُ، وَأَمَّا قِيمَةُ السِّكَّةِ فِي الْمُخْرَجِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيمَا إذَا أَخْرَجَ عَنْ غَيْرِ مَسْكُوكٍ قَالَ فِي ك: وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِقِيمَةِ السِّكَّةِ أَنَّ السِّكَّةَ لَهَا قِيمَةٌ فَلَوْ كَانَتْ مِنْ السِّكَكِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا لَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا وَقْتَهُ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: بِقِيمَةِ السِّكَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ وَجَازَ إلَخْ، وَالتَّقْدِيرُ وَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ مُطْلَقًا بِقِيمَةِ السِّكَّةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ فِي نَوْعٍ، (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُخْرِجُ صَرْفَهُ مَعَ قِيمَةِ السِّكَّةِ) لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ مَعَ قِيمَةِ السِّكَّةِ؛ لِأَنَّ صَرْفَ الدِّينَارِ الْمَسْكُوكِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ كَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ قِيمَةِ السِّكَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِقِيمَةِ السِّكَّةِ بِمَعْنَى مَعَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي نَوْعٍ) أَيْ: خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (قَوْلُهُ: أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُخْرَجُ فِي نَوْعِهِ) أَيْ: مِنْ نَوْعِهِ (قَوْلُهُ: كَمَا إذَا أَخْرَجَ الْوَرِقَ الْمَسْكُوكَ إلَخْ) الْمَدَارُ عَلَى إخْرَاجِ صَرْفِهِ مَسْكُوكًا أَمْ لَا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ صَرْفُهُ بِغَيْرِ الْمَسْكُوكِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَسْكُوكِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ الْمَسْكُوكَةَ عَنْ الدِّينَارِ الْمَسْكُوكِ أَنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَةً غَيْرَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى صَرْفِهَا بِهَا كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْعِبَارَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: مَعَ قِيمَةِ السِّكَّةِ لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِصَرْفِ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ أُرِيدَ صَرْفُ الدِّينَارِ الْمَسْكُوكِ بِوَصْفِ سِكَّتِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْفَ مُتَضَمِّنٌ لِاعْتِبَارِ قِيمَةِ السِّكَّةِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ إنْ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمُخْرَجِ وَالْمُخْرَجُ عَنْهُ صِنْفًا كَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَسْكُوكًا فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْكُوكُ هُوَ الْمُخْرَجَ عَنْهُ اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ سِكَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ اُعْتُبِرَ وَزْنُ الْمُخْرَجِ عَنْهُ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْقَالُ تِبْرٍ فَلَا يُخْرِجُ عَنْهُ دِينَارًا مَسْكُوكًا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ مِثْقَالِ التِّبْرِ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الدِّينَارِ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِ مِثْقَالِ التِّبْرِ، بَلْ يُخْرِجُ عَنْهُ وَزْنَهُ مِنْ الْمَسْكُوكِ وَلَا يَعْتَبِرُ زِيَادَةَ قِيمَةِ سِكَّتِهِ وَكَذَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ رُبُعُ عُشْرِ قِطَعِ فِضَّةٍ عِنْدَهُ وَزْنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيَّةٍ فَيُخْرِجُ عَنْهَا مِنْ الْفِضَّةِ الْمَسْكُوكَةِ وَزْنَهَا وَلَا تُعْتَبَرُ زِيَادَةُ قِيمَةِ سِكَّتِهَا اهـ.
، وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِ، بَلْ يُخْرِجُ عَنْهُ وَزْنَهُ مِنْ الْمَسْكُوكِ أَيْ: إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مَسْكُوكًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَزْنِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ غَيْرَ مَسْكُوكٍ لَصَحَّ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْمِائَةَ فَقَطْ) وَلَوْ ذَهَبًا مَكْسُورًا أَيْ:
وَالْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَا بِقِيمَةِ الصِّيَاغَةِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ لَا مِنْ بَابِ لَا النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، وَصِيَاغَةٌ اسْمُهَا وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُهَا وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ خِلَافًا لِلشَّارِحِ أَيْ: وَلَوْ فِي نَوْعٍ مَوْصُوفٍ بِأَنَّهُ لَا صِيَاغَةَ فِيهِ، أَوْ بِكَوْنِهِ لَا صِيَاغَةَ فِيهِ وَهَذَا إعْرَابٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِيَاغَةٌ فَأَيُّ شَيْءٍ يُعْتَبَرُ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ (ص) وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ (ش) أَيْ: وَفِي الْمَصُوغِ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ أَيْ: وَفِي اعْتِبَارِ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ الْجَائِزَةِ كَالْحُلِيِّ، أَوْ الْمُحَرَّمَةِ كَالْأَوَانِي فِي غَيْرِهِ أَيْ: فِي غَيْرِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ كَإِخْرَاجِ فِضَّةٍ عَنْ ذَهَبٍ مَصُوغٍ جَائِزٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ ذَهَبٍ عَنْ فِضَّةٍ مَصُوغَةٍ كَذَلِكَ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْوَزْنُ كَمَا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ، تَرَدُّدٌ بَيْنَ ابْنِ الْكَاتِبِ وَأَبِي عِمْرَانَ (ص) لَا كَسْرِ مَسْكُوكٍ إلَّا لِسَبْكٍ (ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى إخْرَاجٍ أَيْ: وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ لَا كَذَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَسْكُوكَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كَامِلًا، أَوْ غَيْرَ كَامِلٍ لَا يَجُوزُ كَسْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَسَادِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ نَعَمْ يَجُوزُ كَسْرُ الْمَسْكُوكِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ حُلِيًّا لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ كَزَوْجَتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى السَّبْكِ الْجَوْهَرِيُّ: سَبَكْت الْفِضَّةَ وَغَيْرَهَا أَسْبِكُهَا سَبْكًا أَذَبْتهَا، وَالْفِضَّةُ سَبِيكَةٌ وَالْجَمْعُ سَبَائِكُ وَقَوْلُهُ: إلَّا لِسَبْكٍ أَيْ: فَيَجُوزُ وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى السَّبْكِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ: فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ بَيَانٌ لِلْعِلَّةِ لَا لِلِاحْتِرَازِ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا لِعِلَّةٍ.
(ص) وَوَجَبَ نِيَّتُهَا (ش) أَيْ: عِنْدَ عَزْلِهَا، أَوْ تَفْرِقَتِهَا فَأَحَدُهُمَا كَافٍ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَتَمَّ.
سَنَدٌ يَنْوِي إخْرَاجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ أَجْزَأَتْ وَتَجِبُ بِالتَّعْيِينِ فَلَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ عَزْلِهَا أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ نَاوِيًا أَجْزَأَتْ، وَلَوْ عَزَلَهَا نَاوِيًا لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ عِنْدَ دَفْعِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْزِلْهَا أَيْ: أَوْ عَزَلَهَا وَوَجَبَتْ النِّيَّةُ عِنْدَ تَسْلِيمِهَا اهـ، وَإِنَّمَا احْتَاجَتْ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ فَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا، وَيَنْوِي عَنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ وَلِيُّهُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ فِيمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ جَهِلَهَا تَأَمَّلْ فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يُقَيِّدْ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ.
(ص) وَتَفْرِقَتُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ نِيَّةَ الزَّكَاةِ وَاجِبَةٌ
[حاشية العدوي]
لَهُ أَنْ يُخْرِجَ رُبُعَ الْعُشْرِ ذَهَبًا مَكْسُورًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَصُوغِ وَالْمَسْكُوكِ بَعْدَ أَنْ نَقُولَ: إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا زِيَادَةٌ أَنَّ الْمَصُوغَ لِصَاحِبِهِ كَسْرُهُ وَإِعْطَاءُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ بَعْدَ الْكَسْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْفَقِيرِ حَقٌّ فِي الصِّيغَةِ، وَالسِّكَّةُ لَيْسَ لَهُ كَسْرُهَا فَلَمْ يَأْخُذْ الْفَقِيرُ مَا نَابَهُ، بَلْ دُونَهُ قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ فَإِنْ قُلْت قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ السِّكَّةَ وَالصِّيَاغَةَ وَالْجَوْدَةَ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ قِيمَةِ السِّكَّةِ مُطْلَقًا وَقِيمَةِ الصِّيَاغَةِ فِيمَا إذَا أَخْرَجَ ذَهَبًا عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَبْلَهُ قُلْت: مُرَادُهُ مَنْ تَقَدَّمَ بِزَكَاةِ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُكْمِلُ بِقِيمَتِهَا النِّصَابَ وَلَا يُزَادُ رُبُعُ الْعُشْرِ بِهَا فَمَنْ عِنْدَهُ وَزْنُ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ الذَّهَبِ وَقِيمَتُهَا بِمَا فِيهِ مِنْ السِّكَّةِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النِّصَابِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ الْوَزْنُ لَا الْقِيمَةُ، وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَزْنًا وَسِكَّتُهَا تُسَاوِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ رُبُعَ عُشْرِ عِشْرِينَ مَثَلًا، وَهُوَ نِصْفُ دِينَارٍ لَا رُبُعُ عُشْرِ قِيمَتِهَا وَهُوَ دِينَارٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمَسْكُوكِ وَغَيْرِهِ إخْرَاجُ رُبُعِ عُشْرِ وَزْنِهِ لَا إخْرَاجُ رُبُعِ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَالْفُقَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ شُرَكَاءُ رَبِّ الْمَالِ بِرُبُعِ الْعُشْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إنْ تِبْرًا فَتِبْرًا، وَإِنْ مَسْكُوكًا فَمَسْكُوكًا وَيَأْخُذُونَهُ بِصَنْعَتِهِ أَوْ يَأْخُذُونَ قِيمَتَهُ بِصَنْعَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِيَاغَةٌ فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ يُعْتَبَرُ إلَخْ) أَيْ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ وَعَدَمَهُ فِي الشَّيْءِ فَرْعُ وُجُودِهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الصِّيَاغَةَ مُنْتَفِيَةٌ.
(أَقُولُ) عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ لَيْسَ الِاعْتِبَارُ مُتَعَلِّقًا بِالصِّيَاغَةِ، بَلْ بِالسِّكَّةِ نَعَمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السِّكَّةَ تُجَامِعُ الصِّيَاغَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ) يَعْنِي: إذَا كَانَ لَهُ حُلِيٌّ وَزْنُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَقِيمَتُهُ مَصُوغًا ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ذَلِكَ وَرِقًا فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يُخْرِجُ عَنْ الْوَزْنِ لَا عَنْ الْقِيمَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْكَاتِبِ وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَجْعَلَهُ حُلِيًّا) لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي عب، بَلْ يَجُوزُ جَعْلُهَا سَبِيكَةً، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ: وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى السَّبْكِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَبَكْت الْفِضَّةَ مِنْ بَابِ قَتَلَ، وَالسَّبِيكَةُ الْقِطْعَةُ الْمُسْتَطِيلَةُ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ عَزْلِهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ عَزْلَهَا بِوَصْفِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ تَكْفِي (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ) أَيْ: لَاحَظَ الزَّكَاةَ بِعُنْوَانِ زَكَاةٍ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الْوُجُوبُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ بِمَرْجُوحِيَّةٍ (قَوْلُهُ: وَتَجِبُ بِالتَّعْيِينِ) فَإِذَا عَيَّنَ لِلْفُقَرَاءِ دَرَاهِمَ فَإِنَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ يَجِبُ إخْرَاجُهَا بِحَيْثُ لَوْ أَخْرَجَ غَيْرَهَا أَثِمَ، هَذَا ظَاهِرُهُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، بَلْ أَرَادَ بِالْوُجُوبِ التَّحَقُّقَ وَثَمَرَةُ ذَلِكَ مَا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ تَلِفَتْ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ نَاوِيًا) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَاجِبٍ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ كَدَفْعِهَا بِالْيَمِينِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي ذَلِكَ اشْتِمَالَ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الزَّكَاةِ الْكَامِلَةِ، وَيُجْعَلُ الِاشْتِمَالُ مِنْ اشْتِمَالِ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَيُلَاحَظُ فِي الْمُشْتَمَلِ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ وَفِي الْمُشْتَمِلِ الْإِجْمَالُ (قَوْلُهُ: نَسِيَ النِّيَّةَ) أَيْ: بِأَنْ أَخْرَجَ جُزْءًا مِنْ الْمَالِ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ حَتَّى دَفَعَ ذَلِكَ الْجُزْءَ لِنَحْوِ فَقِيرٍ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهَا مُلَاحِظًا كَوْنَ هَذَا زَكَاةً فَهُوَ نِيَّةٌ وَتَكْفِي، وَلَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ لِنِسْيَانٍ، أَوْ جَهْلٍ، وَنَقْلُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: تَأَمَّلْ خَبَرٌ أَيْ: وَهَذَا النَّقْلُ تَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُهُ فَاحْتَاجَتْ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ عِبَادَةٌ وَقَوْلُهُ: وَالْقُدْرَةِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْعِلْمِ
وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَفْرِقَتُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَالُ وَفِيهِ الْمَالِكُ وَالْمُسْتَحَقُّونَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ قُرْبِهِ) إلَى قَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ إلَّا لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُنْقَلَ إلَى مَا يَقْرُبُ مِمَّا هُوَ فِي حُكْمِ مَوْضِعِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَخُصَّ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ، وَجِيرَانَهُ بَلْ يَجُوزُ إيثَارُ أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ بَلَدِهِ فَكَذَا مَا قَرُبَ مِنْهَا اهـ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْمُرَادُ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ مَوْضِعُ الْمَالِكِ وَهَذَا فِي الْعَيْنِ كَالْحَرْثِ، وَالْمَاشِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِمَوْضِعِهَا وَكَلَامُ الْإِرْشَادِ ضَعِيفٌ، وَأَوْ فِي أَوْ قُرْبِهِ تَنْوِيعِيَّةٌ أَيْ: أَنَّ تَفْرِقَتَهَا عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٍ هُوَ مَوْضِعُ الْوُجُوبِ، وَنَوْعٍ هُوَ قُرْبُهُ وَالْمُرَادُ بِقُرْبِهِ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، سَوَاءٌ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ الْوُجُوبِ مُسْتَحِقٌّ أَوْ كَانَ وَفَضَلَ عَنْهُ أَوْ أَعْدَمَ، أَوْ مِثْلُ أَوْ دُونَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَيْهِ وَلَا تُجْزِئُ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ مُسْتَحِقٌّ أَوْ كَانَ أَعْدَمَ، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ دُونَ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا عَنْهُ لَكِنْ فِي الْمُسَاوِي تُجْزِئُ وَفِي دُونَ، لَا تُجْزِئُ وَانْظُرْ رَدَّ تَأْوِيلِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ لِكَلَامِ سَحْنُونَ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ (ص) إلَّا لِأَعْدَمَ فَأَكْثَرُهَا لَهُ (ش) هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ مُقَدَّرٍ فُهِمَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَيْ: بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا لِأَعْدَمَ فَيُنْقَلُ أَكْثَرُهَا لَهُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ بَعْدَ صَرْفِ أَقَلِّهَا فِي مَحَلِّهَا فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَقَوْلُهُ: " أَعْدَمَ " لَهُ مَفْهُومَانِ: مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ وَسَيَأْتِيَانِ الثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ: أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُهُ: أَوْ نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَكْثَرُهَا لَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِقَةِ الْأَقَلِّ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ (ص) بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ وَإِلَّا بِيعَتْ وَاشْتَرَى مِثْلَهَا (ش) يَعْنِي أَنَّا إذَا قُلْنَا بِنَقْلِ الزَّكَاةِ إلَى الْبَلَدِ الْمُحْتَاجِ وَاحْتَاجَتْ إلَى كِرَاءٍ يَكُونُ مِنْ الْفَيْءِ أَيْ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنْ عِنْدِ مَخْرَجِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيْءٌ أَوْ كَانَ وَلَا أَمْكَنَ نَقْلُهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ الْآنَ أَيْ: فِي بَلَدِ الْوُجُوبِ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا مِثْلُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُنْقَلُ إلَيْهِ إنْ كَانَ خَيْرًا، وَلَا يَضْمَنُ إنْ تَلِفَتْ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ ثَمَنَهَا (ص) كَعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ (ش) تَشْبِيهٌ فِي النَّقْلِ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ وَإِلَّا بِيعَتْ وَاشْتُرِيَ مِثْلُهَا
(ص) وَقُدِّمَ لِيَصِلَ عِنْدَ الْحَوْلِ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ إذَا نُقِلَتْ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ وُجُوبًا قَبْلَ مُرُورِ الْحَوْلِ أَيْ: يُقَدِّمُهَا الْإِمَامُ بِحَيْثُ إنَّهَا تَصِلُ إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ الَّتِي نُقِلَتْ إلَيْهَا فِي آخِرِ حَوْلِهَا فَقَوْلُهُ: وَقُدِّمَ أَيْ: وُجُوبًا وَهَذَا فِي الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاعٍ، وَأَمَّا الْحَرْثُ فَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَقَدَّمَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ: الْمُزَكِّي، أَوْ الْإِمَامُ، وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: الْمَالُ الْمَنْقُولُ لِلزَّكَاةِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَيْ: دَفَعَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ أَيْ:
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: عَلَى الْفَوْرِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُبْقِيَ زَكَاتَهُ عِنْدَهُ يُعْطِيهَا عَلَى التَّدْرِيجِ لِمَنْ يَجْتَمِعُ بِهِ مِمَّنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا (قَوْلُهُ: يُجْبَى فِيهِ الْمَالُ وَفِيهِ الْمَالِكُ وَالْمُسْتَحَقُّونَ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا لَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْضِعُ كَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي مَوْضِعٍ وَالْمَالِكُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى) هَذِهِ أَحْسَنُ مِنْ الْعِبَارَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: فَالْعِبْرَةُ بِمَوْضِعِهَا) أَيْ: الَّتِي جُبِيَتْ فِيهِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مُوَافِقَةٌ لِعِبَارَةِ عب (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْإِرْشَادِ ضَعِيفٌ إلَخْ) ، عِبَارَةُ الْإِرْشَادِ: وَلَا تُنْقَلُ عَنْ بَلَدِهَا مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ وَأَجْزَأَتْ وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ أَيْ:؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ عَامَّةٌ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ فَصَلَ بَيْنَ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ وَقُرْبِهِ وَالْبَعِيدِ وَأَنَّ مَوْضِعَ الْوُجُوبِ وَقُرْبَهُ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ دُونَ الْبَعِيدِ، وَكَلَامُ الْإِرْشَادِ جَعَلَ حُكْمَ الْكُلِّ وَاحِدًا، (قَوْلُهُ: أَوْ أَعْدَمَ، أَوْ مِثْلَ) أَيْ: أَوْ كَانَ الْقَرِيبُ أَعْدَمَ مِنْ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ، أَوْ مِثْلَ، أَوْ دُونَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَانْظُرْ رَدَّ تَأْوِيلِ) رَاجَعْت ك فَوَجَدْت عِبَارَةَ س مُوفِيَةً بِالْمُرَادِ وَنَصُّهُ: أَوْ قُرْبُهُ وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَلَى الرَّاجِحِ وَقَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ فِي قَوْلِ سَحْنُونَ: إنَّ الْقَرِيبَ مِقْدَارُ مَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ اهـ.
الْمُرَادُ مَا لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزَهُ كَالْبُيُوتِ وَالْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ اهـ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ لِلْعِبَارَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَيْهِ، وَفِي كَلَامِهِمْ مَا يُنَافِيهِ (قَوْلُهُ: إلَّا لِأَعْدَمَ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ أَيْ: مِنْ غَيْرِهِ فَمِنْ مُقَدَّرَةٌ قَالَهُ الْبَدْرُ (قَوْلُهُ: فَيُنْقَلُ أَكْثَرُهَا) وُجُوبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَانْظُرْ هَلْ قَوْلُهُ: الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَفِي الْعَجْمَاوِيِّ فَأَكْثَرُهَا يُنْقَلُ جَوَازًا لَهُ اهـ. فَإِنْ نُقِلَ كُلُّهَا لَهُ، أَوْ فُرِّقَ الْكُلُّ بِمَوْضِعِ وُجُوبِهَا مَعَ وُجُوبِ نَقْلِ أَكْثَرِهَا فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا عب (قَوْلُهُ: بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ) هَذَا إذَا نُقِلَتْ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَأَمَّا إنْ نُقِلَتْ مِنْ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ إلَى قُرْبِهِ فَبِأُجْرَةٍ مِنْهَا اهـ.
وَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مِثْلَهَا) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا حَقِيقَتَهَا، بَلْ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ الْجِنْسِيَّةُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ ثَمَنَهَا) هَذَا إذَا اسْتَوَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِمَا وَإِلَّا تَعَيَّنَ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي نَقْلِهَا، أَوْ شِرَاءِ مِثْلِهَا، أَوْ بَيْعِهَا وَتَفْرِيقِ ثَمَنِهَا تَعَيَّنَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْمَصْلَحَةِ فِي النَّقْلِ بِالْأُجْرَةِ وَفِي الْبَيْعِ بِوَجْهَيْهِ يُخَيَّرُ فِيهِمَا كَمَا يُخَيَّرُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْمَصْلَحَةِ فِي تَفْرِيقِهِ الثَّمَنَ، وَفِي شِرَاءِ مِثْلِهَا وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ التَّقْرِيرِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ ثَمَنَهَا أَيْ: إنْ كَانَ خَيْرًا
(قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ إلَخْ) مُقَابِلُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ لَا تُقَدَّمُ قَبْلَ الْحَوْلِ وَلَا يُرْسِلُهَا إلَّا بَعْدَ وُجُوبِهَا، (قَوْلُهُ: إذَا نُقِلَتْ) أَيْ: أُرِيدَ نَقْلُهَا (قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ أَيْ: وُجُوبًا) وَهُوَ لِلْعَلَمِيِّ وَقَالَ اللَّقَانِيِّ: جَوَازًا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْحَرْثُ فَهُوَ قَوْلُهُ: إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا اتَّحَدَ التَّقْدِيمُ وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ هُنَا تَقْدِيمُ نَقْلٍ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا تَقْدِيمُ إخْرَاجٍ (قَوْلُهُ: الْمَنْقُولُ) أَيْ: الَّذِي أُرِيدَ نَقْلُهُ
دُفِعَتْ لِمُسْتَحِقِّهَا وَمَفْهُومُ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرْثًا فَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا فَالتَّقْدِيمُ هُنَا، وَفِي قَوْلِهِ وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا تَقْدِيمُ إخْرَاجٍ، وَفِي قَوْلِهِ وَقُدِّمَ لِيَصِلَ عِنْدَ الْحَوْلِ تَقْدِيمُ نَقْلٍ
(ص) وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَوْ دَيْنًا أَوْ، عَرْضًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ، أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَّا الْإِمَامَ، أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا أَوْ بِقِيمَةٍ لَمْ تَجُزْ (ش) ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ سَبْعَ مَسَائِلَ وَأَجَابَ عَنْهَا بِجَوَابٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَمْ تَجُزْ مِنْهَا إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ حَبِّهِ وَثَمَرِهِ قَبْلَ إفْرَاكِهِ وَطَيِّبِهِ بِكَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ الْإِفْرَاكِ وَقَبْلَ التَّصْفِيَةِ أَجْزَأَتْ، وَمِنْهَا إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَبَعْدَ حَوْلِهِ وَهَذَا فِي دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يُزَكِّي حَتَّى يَقْبِضَ، وَمِثْلُ الْمُحْتَكِرِ: دَيْنُ الْمُدِيرِ عَلَى الْمُعْسِرِ وَكَذَلِكَ دَيْنُ الْقَرْضِ، وَأَمَّا دَيْنُ الْمُدِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَرْضًا وَهُوَ مَرْجُوٌّ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ يُزَكِّي عَيْنَهُ أَوْ قِيمَتَهُ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي دَيْنٍ يَتَوَقَّفُ زَكَاتُهُ عَلَى الْقَبْضِ اهـ.
وَمِنْهَا إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَأَمَّا الْمُدِيرُ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ، وَمِنْهَا إذَا نُقِلَتْ الزَّكَاةُ لِدُونِ بَلَدِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ فِي الْحَاجَةِ وَلِمِثْلِهِمْ سَيَأْتِي أَنَّهَا تُجْزِئُ وَهَذَا إذَا نَقَلَهَا لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا دُونَهَا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَمِنْهَا إذَا اجْتَهَدَ وَدَفَعَ زَكَاتَهُ لِشَخْصٍ مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقِّهَا: كَعَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ، أَوْ غَنِيٍّ وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا، أَمَّا إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ رَدُّهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ وَتُصْرَفُ فِي أَهْلِهَا، وَأَمَّا الْإِمَامُ إذَا اجْتَهَدَ فَدَفَعَهَا لِمَنْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ نَافِذٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يُتَعَقَّبُ، وَظَاهِرُ هَذَا التَّعْلِيلِ وَلَوْ أَمْكَنَ رَدُّهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ س فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لتت وَمِنْهَا إذَا طَاعَ بِدَفْعِهَا لِإِمَامٍ جَائِرٍ فِي صَرْفِهَا أَيْ: وَجَارَ وَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْوَاجِبُ جَحْدُهَا وَالْهُرُوبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا الْجَائِرُ فِي أَخْذِهَا بِأَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَكِنْ يَصْرِفُهَا فِي مَصْرِفِهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ كَمَا لَوْ كَانَ جَائِرًا فِي صَرْفِهَا، لَكِنْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ عَدَلَ فِيهِ، وَمِنْهَا إذَا طَاعَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ: حَبٍّ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ عَيْنٍ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ مُوَافِقٌ لِمَا شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ اعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالَ: إنَّ الْمَشْهُورَ إجْزَاءُ إخْرَاجِ الْعَيْنِ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: لَمْ تَجُزْ: جَوَابٌ عَنْ السَّبْعِ مَسَائِلَ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَةُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِأَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: لَمْ تَجُزْ جَوَابًا عَنْ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ الْمَجْمُوعِ لَا يَجُوزُ وَيُجْزِئُ
(ص) لَا إنْ أُكْرِهَ أَوْ نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ (ش) الْأَوَّلُ مَفْهُومُ قَوْلِهِ أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِزٍ أَوْ بِقِيمَةٍ أَيْ: فَإِنْ أُكْرِهَ فِي الْحَالَتَيْنِ أَجْزَأَهُ وَلَا فَرْقَ فِي الْإِكْرَاهِ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ كَخَوْفِ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ لِدُونِهِمْ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ مَفْهُومُ شَرْطٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُسْتَغْنَى بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ هَذَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا قُلْنَاهُ
(ص) أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سُعَاةٌ إذَا قُدِّمَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ لِأَرْبَابِهَا أَوْ وَكِيلٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِخِلَافِ الْحَرْثِ كَمَا أَشَارَ لَهُ قَبْلُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا إلَخْ وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ: زَكَاةُ عَرْضِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ الدَّيْنِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَالتَّقْدِيمُ هُنَا) أَيْ: فِي قَوْلِهِ، أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ، أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ يَأْتِي فَلَا يُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِهِ هُنَا (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ: قَبْضِ الدَّيْنِ وَقَبْضِ ثَمَنِ الْعَرْضِ أَيْ: وَبَعْدَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّقْدِيمُ فِيهِمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطُولَ فَيَكُونُ مِمَّا قُدِّمَ عَلَى الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ (قَوْلُهُ: وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا تَعَذَّرَ رَدُّهَا أَمْ لَا.
اعْلَمْ أَنَّهُ تَارَةً تَتْلَفُ بِسَمَاوِيٍّ، وَتَارَةً بِأَكْلِهِمْ أَوْ صَرْفِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فَيَرُدُّوا عِوَضَهَا إنْ فَاتَتْ بِأَكْلِهِمْ أَوْ صَرْفِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَكَذَا إنْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ إنْ غَرُّوا فَتُؤْخَذُ وَتُصْرَفُ لِمُسْتَحِقِّيهَا لَا إنْ لَمْ يَغِرُّوا وَهَلْ يَغْرَمُهَا رَبُّهَا لِلْفُقَرَاءِ أَمْ لَا؟ خِلَافٌ، وَأَمَّا عَكْسُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مَا إذَا دُفِعَتْ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ غَنِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فَقِيرٌ، أَوْ حُرٌّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ وَيَأْثَمُ (قَوْلُهُ: إلَّا الْإِمَامَ) وَالْوَصِيَّ وَمُقَدِّمَ الْقَاضِي تُجْزِي إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا وَإِلَّا لَمْ تُجْزِئْ، فَأَقْسَامُ الدَّافِعِ ثَلَاثَةٌ: الْمُزَكِّي لَا تُجْزِئُ تَعَذَّرَ رَدُّهَا أَمْ لَا، وَالْإِمَامُ تُجْزِئُ مُطْلَقًا، وَمُقَدِّمُ الْقَاضِي فِيهِ التَّفْصِيلُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ) أَيْ: زَكَاةَ ثَمَنِ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ بَيْعِهِ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ عَاطِفٍ وَمَعْطُوفٍ أَيْ: وَقَبْلَ الْبَيْعِ مَعَ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ ثَمَنِ الْعَرْضِ (قَوْلُهُ: الْعَيْنِ إلَخْ) ، وَأَمَّا إعْطَاءُ الْعَرْضِ عَنْ عَيْنٍ، أَوْ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ فَلَا يُجْزِئُ وَكَذَا حَرْثٌ، أَوْ أَنْعَامٌ عَنْ عَيْنٍ، وَلَا حَرْثٌ عَنْ أَنْعَامٍ أَوْ عَكْسُهُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ تَمْشِيَةُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ) ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُجْزِ رَاجِعٌ لِلْكُلِّ لَكِنْ عَلَى تَفْصِيلٍ وَجَوَابُ الشَّارِحِ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ جَعْلُ قَوْلِهِ، أَوْ بِقِيمَةٍ لَا مَعْنَى لَهُ (قَوْلُهُ: فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا قُلْنَاهُ) فِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّوْطِئَةِ يَقُولُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ لِمَا قُلْنَاهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ قُدِّمَتْ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ) كَذَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ: أَوْ وَكِيلٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى لِأَرْبَابِهَا أَيْ: وَكِيلٍ يُفَرِّقُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُجْزِئُ) أَيْ: مَعَ كَرَاهَةِ التَّقْدِيمِ خِلَافًا لِتَشْهِيرِ ابْنِ هَارُونَ جَوَازَهُ بِخِلَافِ مَا لَهَا سَاعٍ فَكَالْحَرْثِ لَا تُجْزِئُ.
(تَنْبِيهٌ) : إنَّمَا أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَهُوَ لَا يَعْتَبِرُهُ
وَفِي مِنْ قَوْلِهِ: فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ سَبَبِيَّةٌ أَوْ ظَرْفِيَّةٌ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فِي بِمَعْنَى عَنْ، أَوْ ظَرْفِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: فِي زَكَاةِ عَيْنٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَشَهْرٍ وَهِيَ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ بِهَا يُعْلَمُ التَّقْيِيدُ بِالْيَسِيرِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ مِنْ أَقْوَالٍ سِتَّةٍ
(ص) فَإِنْ ضَاعَ الْمُقَدَّمُ فَعَنْ الْبَاقِي (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى حَوْلِهِ إذَا ضَاعَ مِنْ يَدِ الرَّسُولِ الَّذِي يَحْمِلُهُ لِلْأَعْدَمِ، أَوْ السَّاعِي، أَوْ الْوَكِيلِ الَّذِي دُفِعَتْ لَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، أَوْ الْكَثِيرِ الْمَمْنُوعِ تَقْدِيمُهَا بِهِ قَبْلَ إنْفَاذِهَا لِأَهْلِهَا فَيُخْرِجُ عَنْ الْبَاقِي إنْ كَانَ نِصَابًا، وَضَمَانُ مَا ضَاعَ سَاقِطٌ عَنْهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا تَوْسِعَةٌ وَرُخْصَةٌ فَإِذَا هَلَكَتْ وَلَمْ تَصِلْ إلَى أَرْبَابِهَا، وَلَا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا زَكَّى مَا بَقِيَ عِنْدَ حَوْلِهِ، وَقَيَّدَ ابْنُ الْمَوَّازِ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ التَّقْدِيمُ بِالْأَمَدِ الْكَثِيرِ قَالَ: وَأَمَّا لَوْ قَدَّمَهَا بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخْرَجَهَا فِيهِ لَأَجْزَأَتْهُ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ وَلَا يَلْزَمُ غَيْرُهَا، لَكِنْ قَالَ س وَتَقْيِيدُ ابْنِ الْمَوَّازِ ضَعِيفٌ
. (ص) وَإِنْ تَلِفَ جُزْءُ نِصَابٍ وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ سَقَطَتْ (ش) أَيْ: وَإِنْ تَلِفَ جُزْءُ نِصَابٍ بَعْدَ الْحَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ سَقَطَتْ إذْ هُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ قَدْ خُوطِبَ، وَتَلَفُ الْمَالِ كُلِّهِ كَتَلَفِ جُزْئِهِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَيْنَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَيَنْظُرُ لِمَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ زَكَّاهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يُعْطِي مَا تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ مِمَّا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا فِيهِ حُكْمُ مَا تَلِفَ بَعْدَهُ، وَلَوْ تَلِفَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ فِيهِ كَانَ بَعْدَ طَلَبِهِ بِهَا أَوْ قَبْلَهُ، إذْ هُوَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بِالْإِخْرَاجِ قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ بِإِخْرَاجِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا قَبْلَهُ بِالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا تَلِفَ جُزْءُ النِّصَابِ أَوْ مَا عُزِلَ مِنْ الزَّكَاةِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ مَعَ الْإِمْكَانِ ضَمِنَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ (ص) كَعَزْلِهَا فَضَاعَتْ (ش) أَيْ: عَزْلِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ نَاوِيًا بِهَا الزَّكَاةَ فَضَاعَتْ أَيْ: فَإِنَّهَا تَسْقُطُ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ، وَضَاعَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهَا وَإِلَّا ضَمِنَهَا، وَلَوْ قَالَ: فَتَلِفَتْ كَمَا فِي النَّقْلِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الضَّيَاعَ لَا يُطْلَقُ عَلَى التَّلَفِ، وَرُبَّمَا يُطْلَقُ التَّلَفُ عَلَى الضَّيَاعِ فَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا، وَلَوْ كَانَ حِينَئِذٍ فَقِيرًا مَدِينًا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَضَاعَتْ ضَمِنَهَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِمَا سَبَقَ لَهُ بِمَا إذَا عَزَلَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ، وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهَا قَبْلَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: سَبَبِيَّةٌ) لَا تَظْهَرُ السَّبَبِيَّةُ (قَوْلُهُ: أَوْ ظَرْفِيَّةٌ) مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْكُلِّيِّ فِي الْجُزْئِيِّ، وَالْمَقْصُودُ ذَلِكَ الْجُزْئِيُّ وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوْ قُدِّمَتْ زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ عِيسَى إلَخْ) لَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ إجْزَاءِ التَّقْدِيمِ بِالشَّهْرِ، فَإِمَّا أَنْ تَسْقُطَ الْكَافُ أَوْ هَذِهِ النُّسْخَةُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَصِيرُ مُجْمَلًا مُحْتَمِلًا لِكُلِّ قَوْلٍ، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ فِي ك: وَالْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ التَّقْدِيمِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَرْكُهُ ابْتِدَاءً، فَفِي سَمَاعِ عِيسَى وَأَرَى الشَّهْرَ قَرِيبًا عَلَى زَحْفٍ وَكُرْهٍ، وَزَحْفٌ بِالزَّايِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: اسْتِثْقَالٍ قَالَ بَعْضٌ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا قُدِّمَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ (قَوْلُهُ: مِنْ أَقْوَالٍ سِتَّةٍ) بَقِيَّةُ الْأَقْوَالِ وَهِيَ: الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا، أَوْ الْيَوْمُ، أَوْ الْيَوْمَانِ، أَوْ الْعَشَرَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوُهَا، أَوْ خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ التَّقْدِيمِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ إلَخْ
. (قَوْلُهُ: إذَا ضَاعَ مِنْ يَدِ الرَّسُولِ الَّذِي يَحْمِلُهُ لِلْأَعْدَمِ) فِيهِ أَنَّهُ فِعْلٌ وَاجِبٌ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْبَاقِي فَهَذَا التَّقْرِيرُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ كَمَا أَفَادَهُ عج، وَقَوْلُهُ: أَوْ السَّاعِي مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِلْأَعْدَمِ لَا أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهَا إذَا ضَاعَتْ مِنْ يَدِ السَّاعِي لَا يَلْزَمُ رَبَّهَا شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ الْوَكِيلِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ يَدِ الرَّسُولِ أَيْ: الْوَكِيلِ فِي التَّفْرِقَةِ وَقَوْلُهُ: بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَهُوَ الشَّهْرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: أَوْ الْكَثِيرِ وَهُوَ مَا زَادَ عَنْ الشَّهْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَالْوَقْتِ الَّذِي إلَخْ) وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا أَكْثَرُ، وَهَذَا عَلَى نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْهُ فَلَيْسَ إلَّا الْيَوْمَانِ، كَذَا قَالَ عج
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ) لِعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، أَوْ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ، أَوْ لِغَيْبَةِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يُجْزِئُ إلَخْ) بَيَانٌ لِمَا، وَالْمَعْنَى: مِنْ الزَّكَاةِ الَّتِي يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْقَبْلِيَّةَ مُجْمَلَةٌ لَفْظًا بَالَغَ عَلَى أَحَدِ فَرْدَيْهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ تَلِفَ فِي الزَّمَنِ إلَخْ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ الزَّمَنِ الَّذِي يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا فِيهِ، بَلْ وَلَوْ تَلِفَتْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا فِيهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا يُقَالُ: إنَّ الْمُبَالَغَةَ عَيْنُ قَوْلِهِ وَلَا يُعْطَى مَا تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ مِمَّا يُجْزِئُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: إنَّهُ لَوْ تَلِفَ مَعَ الْإِمْكَانِ ضَمِنَهَا) الْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ تَلِفَ جُزْءُ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا ضَمَانَ وَلَا زَكَاةَ مُطْلَقًا أَيْ: فَرَّطَ أَمْ لَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ، أَوْ يَسِيرٍ وَلَوْ كَانَ فِي زَمَنٍ بِحَيْثُ لَوْ أَخْرَجَ يُجْزِئُهُ الْإِخْرَاجُ وَيَنْظُرُ لِمَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ نِصَابًا زَكَّاهُ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ ضَمِنَ مُطْلَقًا وَيُطْلَبُ بِالزَّكَاةِ سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْ الْإِخْرَاجِ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَإِنْ كَانَ مَعَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ (قَوْلُهُ: أَيْ عَزَلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ) أَيْ: أَوْ قَبْلَهُ حَيْثُ يُطْلَبُ بِالتَّقْدِيمِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَضَاعَتْ ضَمِنَهَا) قَالَ فِي ك: مُرَادُهُ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَيَنْظُرُ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ الضَّيَاعِ هَلْ هُوَ نِصَابٌ أَوْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ ضَاعَ الْمُقَدَّمُ وَلَا يَنْظُرُ لِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ وَلَا لِعَدَمِ إمْكَانِهِ حَيْثُ كَانَ ضَيَاعُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا فِيهِ وَلَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا فِيهِ
الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخْرَجَهَا فِيهِ لَأَجْزَأَتْهُ فَلَا ضَمَانَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
(ص) لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا (ش) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عَزَلَ زَكَاةَ مَالِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ لِمُسْتَحِقِّهَا وَقَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهَا ضَاعَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْمَالُ الْمُزَكَّى فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَيُخْرِجُهَا لِأَرْبَابِهَا، وَسَوَاءٌ ضَاعَ الْأَصْلُ لِتَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهَا أَوْ فِي عَدَمِ إخْرَاجِهَا بِأَنْ يُمْكِنَهُ الْأَدَاءُ وَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْأَدَاءُ وَتَلِفَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهَا، وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَلِفَ أَصْلُهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَوَاهِرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا
(ص) وَضَمِنَ إنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْحَوْلِ (ش) أَيْ: وَضَمِنَ الزَّكَاةَ إذَا ضَاعَتْ بَعْدَ عَزْلِهَا أَوْ قَبْلَهُ مَعَ الْمَالِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ: بِأَنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْحَوْلِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِهَا عِنْدَهُ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ وَضَمِنَ إنْ أَخَّرَهَا إلَخْ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ أَيَّامًا فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَنَحْوَهُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا أَنْ يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَلِفَ جُزْءُ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ أَوْ تَلِفَ مَا عَزَلَهُ مِنْ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَمَا فِي حُكْمِهِ فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ فِي حِفْظِهَا ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ تَأْخِيرِهَا مَعَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ ضَمِنَ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا إذَا أَخَّرَهَا أَيَّامًا لَا فِيمَا إذَا أَخَّرَهَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
(ص) أَوْ أَدْخَلَ عُشْرَهُ مُفَرِّطًا لَا مُحَصِّنًا (ش) يَعْنِي إذَا عَزَلَ عُشْرَهُ أَوْ نِصْفَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي بَيْتِهِ مُفَرِّطًا فِي عَدَمِ دَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ ثُمَّ ضَاعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَإِنْ أَدْخَلَهُ مُحَصِّنًا لَهُ حَتَّى يُفَرِّقَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ فَضَاعَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَجْهَ الَّذِي أَدْخَلَ عُشْرَهُ فِيهِ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ ضَاعَ فَهَلْ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ التَّحْصِينَ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ إدْخَالِ الْبَيْتِ أَوْ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الضَّمَانِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَصْدُهُ فِي الْإِدْخَالِ وَادَّعَى التَّحْصِينَ فَهَلْ يُصَدَّقُ أَوْ لَا؟ تَرَدُّدٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إدْخَالِ عُشْرِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جُمْلَةِ زَرْعِهِ بَعْدَ حَصْدِهِ وَذَرْوِهِ
. (ص) وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ (ش) أَيْ: وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ زَكَاةٌ أَوْصَى بِهَا إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُلُولِهَا وَيُوصِيَ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ.
(ص) وَكَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ (ش) أَيْ: وَأُخِذَتْ كَرْهًا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عِنَادًا أَوْ تَأْوِيلًا وَإِنْ بِقِتَالٍ سَنَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُمْتَنِعِ مَالٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْمَالِ فَلِلْإِمَامِ سَجْنُهُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ فِيهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْضُ الْمَالِ وَاتُّهِمَ بِإِخْفَاءِ غَيْرِهِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا يَحْلِفُ مَالِكٌ أَخْطَأَ مَنْ يُحَلِّفُ النَّاسَ مِنْ السُّعَاةِ وَلْيُصَدَّقُوا بِغَيْرِ يَمِينٍ اهـ.
وَنِيَّةُ الْإِمَامِ نَائِبَةٌ عَنْ نِيَّتِهِ وَقَوْلُهُ: (وَأُدِّبَ) مُتَعَلِّقٌ بِكَرْهًا وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا
. (ص) وَدُفِعَتْ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ وَإِنْ عَيْنًا (ش) يَعْنِي أَنَّ صَاحِبَ الزَّكَاةِ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا فِي أَخْذِهَا وَصَرْفِهَا أَنْ يَدْفَعَهَا لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَيْنًا أَوْ مَاشِيَةً أَوْ حَرْثًا
. (ص) وَإِنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَجِنَايَةٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا غَرَّ مُفَرِّقَهَا: إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ بِحُرِّيَّةٍ وَأَخَذَهَا ثُمَّ ظَهَرَ رِقُّهُ وَهِيَ مَعَهُ أُخِذَتْ أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَوْ بَعْضَهَا فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ لَا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (عَلَى الْأَرْجَحِ) . فَلِلسَّيِّدِ حِينَئِذٍ أَنْ يَفْدِيَهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ لِرَبِّهَا وَيُبَاعَ فِيهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَبْدِ مِمَّا لَا يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ لِقِيَامِ مَانِعٍ مِنْ غِنًى أَوْ كُفْرٍ أَوْ كَوْنِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: لَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ: وَلَا يُطَالَبُ بِزَكَاةِ الْبَاقِي لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ
(قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ ضَاعَ الْأَصْلُ بِتَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهَا) كَلَامٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ ضَاعَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ بِتَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهِ، فَالْكَلَامُ فِي ضَيَاعِ الْأَصْلِ وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ إلَّا ضَيَاعَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ فِي عَدَمِ إخْرَاجِهَا) ظَاهِرُهُ ضَاعَ الْأَصْلُ بِتَقْصِيرٍ فِي عَدَمِ إخْرَاجِهَا مَعَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لَهُ إنَّمَا هُوَ ضَيَاعُهَا لَا ضَيَاعُ أَصْلِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فِي إخْرَاجِهَا لَا فِي عَدَمِ إخْرَاجِهَا، وَعِبَارَةُ عب أَحْسَنُ وَنَصُّهُ ضَاعَ أَصْلُهَا بِتَقْصِيرٍ أَمْ لَا أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا قَبْلَ ضَيَاعِهِ أَمْ لَا فَلَا تَسْقُطُ وَيَجِبُ إنْفَاذُهَا، (قَوْلُهُ: بِأَنْ أَخَّرَهَا) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِضَمِنَ.
(قَوْلُهُ: وَمَا فِي حُكْمِهِ) هَذِهِ عِبَارَةُ عج وَقَدْ قَالَ أَرَدْت بِهِ الْعَزْلَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ: أَوْ أَدْخَلَ عُشْرَهُ) ، وَأَمَّا لَوْ ضَاعَ فِي الْجَرِينِ فَلَا يَضْمَنُهُ (قَوْلُهُ: مُفَرِّطًا) بِأَنْ يُمْكِنَهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ إدْخَالِهِ، أَوْ لَا يُمْكِنَهُ وَقَصَّرَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى تَلِفَ (قَوْلُهُ: لَا مُحَصِّنًا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ وَتَلِفَ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ فِي حِفْظِهِ فَلَا ضَمَانَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَتَرَدُّدٌ) ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى التَّحْصِينِ وَالتَّفْرِيطِ فَلَا يُعْلَمُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْإِدْخَالِ لِلتَّحْصِينِ أَوْ عَدَمِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) هَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ زَكَاةٌ أَوْصَى بِهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكَرْهًا) قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ أَيْ: إكْرَاهًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَهُوَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ نَصْبٌ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ ضَمِيرٌ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ نَصْبُهُ فِي الْفَصِيحِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَبَ حَالًا؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، لَغْوٌ تَأَمَّلْ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَإِنْ بِقِتَالٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَإِنْ بِقَتْلٍ اهـ. إلَّا أَنَّ نَصْبَ كَرْهًا إمَّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: أَخْذًا كَرْهًا، أَوْ حَالٌ فَلَمْ يَحْصُلْ تَنَاسُبٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ ظَرْفٌ - لَغْوٌ - إلَّا أَنْ يُقَالَ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَأُدِّبَ) أَيْ: إذَا امْتَنَعَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَأَمَّا إذَا أُخِذَتْ بِالْقِتَالِ كَفَى بِالْقِتَالِ أَدَبًا قَالَهُ اللَّقَانِيِّ، وَلِذَلِكَ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِكَرْهًا أَيْ: مُرْتَبِطٌ بِهِ لَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِقِتَالٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَدُفِعَتْ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ) طَلَبَهَا، أَوْ لَا أَيْ: الْمُحَقَّقِ عَدَالَتُهُ (قَوْلُهُ: فِي أَخْذِهَا وَصَرْفِهَا) كَذَا قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَإِنْ جَازَ فِي غَيْرِهَا
(قَوْلُهُ: لَا فِي ذِمَّتِهِ) وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ
كَانَ الدَّافِعُ لَهُمْ الْإِمَامَ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ لَهُمْ الْوَصِيَّ أَوْ مُقَدِّمَ الْقَاضِي فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا أَجْزَأَتْ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّافِعُ لَهَا رَبَّهَا أَوْ وَكِيلَهُ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ غَرَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَخَذَهُ، وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ وَإِنْ لَمْ يَغُرَّ فَإِنْ أَكَلَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً وَإِلَّا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ رَبُّهَا بِحَالِهِ وَيَدْفَعُ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهَا، وَلَوْ قَائِمَةً وَلَا تُجْزِئُهُ
. (ص) وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ وَمَا غَابَ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا حَالَ عَلَى مَالِهِ حَوْلٌ وَبَعْضُهُ مَعَهُ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ فِي بَلَدِهِ فَإِنَّهُ يُزَكِّي مَا مَعَهُ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ وَرَبِّهِ، وَيُزَكِّي أَيْضًا مَا غَابَ عَنْهُ فِي بَلَدِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَيْضًا وَلَا يُؤَخِّرُ الْإِخْرَاجَ إلَى أَنْ يَرْجِعَ اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِكِ قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْمَالِكِ أَوْ الْمَالِ: لَوْ مَاتَ شَخْصٌ لَا وَارِثَ لَهُ إلَّا السُّلْطَانَ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ وَمَالُهُ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ آخَرَ فَاَلَّذِي فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ: مَالُهُ لِمَنْ مَاتَ بِبَلَدِهِ وَالْخِلَافُ فِي تَزْكِيَةِ الْغَائِبِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا: خَاصٌّ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ) عَنْهُ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ إمَامٍ يُخْرِجُ عَمَّا بِبَلَدِهِ وَإِلَّا فَلَا لِئَلَّا يُزَكِّيَ مَرَّتَيْنِ وَيُخْرِجُ عَمَّا مَعَهُ فَقَطْ وَالثَّانِي: عَامٌّ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ضَرُورَةَ) أَيْ: أَنَّ مَحَلَّ إخْرَاجِ الْمُسَافِرِ عَمَّا مَعَهُ وَمَا غَابَ عَنْهُ إنْ لَمْ تَدْعُهُ الضَّرُورَةُ إلَى عَدَمِ الْإِخْرَاجِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا لِمَا يُوَصِّلُهُ فِي عَوْدِهِ إلَى وَطَنِهِ فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ حِينَئِذٍ لَا عَمَّا مَعَهُ وَلَا عَمَّا غَابَ عَنْهُ، وَيُؤَخِّرُ الْإِخْرَاجَ عَنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ لِوَطَنِهِ فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَمَا غَابَ وَقَوْلُهُ: وَلَا ضَرُورَةَ رَاجِعٌ لِمَا غَابَ وَمَا حَضَرَ وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ مَا يَشْمَلُ حَاجَتَهُ لِمَا يُنْفِقُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : أَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِمَا غَابَ: الْمَالَ الَّذِي خَلَّفَهُ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ، وَأَمَّا مَا دَفَعَهُ قِرَاضًا أَوْ بِضَاعَةً أَوْ وَدِيعَةً فَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَتَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِهِ فِي مُودَعَةٍ وَمُتَّجَرٍ فِيهَا بِأَجْرٍ، وَفِي قَوْلِهِ: وَمَدْفُوعَةٍ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ بِلَا ضَمَانٍ، وَفِي قَوْلِهِ: وَالْقِرَاضُ الْحَاضِرُ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ إنْ أَدَارَا إلَى أَنْ قَالَ وَصَبَرَ إنْ غَابَ إلَخْ فَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبْدَانِ وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إضَافَتِهَا لِلْفِطْرِ فَقِيلَ: مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَبْدَانِ وَقِيلَ: لِوُجُوبِهَا بِالْفِطْرِ فَقِيلَ: الْفِطْرُ الْجَائِزُ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ وَقِيلَ الْوَاجِبُ بِفَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَبَنَى عَلَيْهِ الْخِلَافَ الْآتِي فِي وَقْتِ الْخِطَابِ بِهَا، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرِجُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرَجُ بِالْفَتْحِ، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ، وَالْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ وَالْمُؤَلِّفُ أَشَارَ إلَى هَذِهِ فَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: عَنْهُ إلَخْ، وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: مِنْ مُعَشَّرٍ إلَخْ، وَإِلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ إلَخْ، وَإِلَى الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ:، وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ إلَخْ، وَلَا يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى مَنْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ،
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ أَكَلَهُ، أَوْ أَتْلَفَهُ فَكَذَلِكَ) أَيْ: يَضْمَنُهُ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ أَيْ: فِي صُورَةِ الْغُرُورِ وَعَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَائِمَةً وَلَا تُجْزِئُهُ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ بِحَالِهِ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ لَهُ كَأَنَّهُ دَفَعَ لَهُ مَا وَهَبَهُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ وَمَا غَابَ) يَشْمَلُ الْمَاشِيَةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا بَقِيَ مِنْهَا ولعج فَتْوَى بِصَبْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهَا فِي غَيْبَتِهِ عب (قَوْلُهُ: مَا مَعَهُ فِي بَلَدِهِ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ، وَالْمُنَاسِبُ مَالُهُ فِي بَلَدِهِ، (قَوْلُهُ: فَاَلَّذِي فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ) ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَسْتَوْطِنْ بَلَدًا لَهُ سُلْطَانٌ وَالْحَالُ أَنَّهُ مَاتَ بِغَيْرِهِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الْبَلَدُ الَّذِي مَاتَ بِهِ، أَوْ الَّذِي بِهِ الْمَالُ؟ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: مِنْ وَكِيلٍ إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِخْرَاجِ يَجْرِي عَلَى مَا فِي الْأُضْحِيَّةِ وَعَلَيْهِ، فَالْمُرَادُ بِالْوَكِيلِ وَلَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ: وَلَا ضَرُورَةَ) " ضَرُورَةَ " اسْمُ لَا وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ: حَاصِلُهُ أَوْ مَوْجُودَةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَخْ) وَإِذَا وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ فَهَلْ يُؤَخِّرُ إلَى أَنْ يَجِدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيُزَكِّي، أَوْ إلَى بَلَدِهِ؟ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمَوَّاقِ عَنْهَا تَرْجِيحُ الثَّانِي وَفِي اللَّخْمِيِّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الضَّرُورَةَ أَخَصُّ مِنْ الْحَاجَةِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ الْحَاجَةُ
[فَصْلٌ زَكَاةِ الْأَبْدَانِ]
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ فَقِيلَ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَبْدَانِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِطْرَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ فَظَهَرَتْ الْعِلَّةُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُشْتَقًّا اشْتِقَاقًا أَكْبَرَ مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ وَفِي ك وَالْفِطْرَةُ بِالْكَسْرِ لَفْظَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ حَيْثُ كَانَتْ بِمَعْنَى زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ) بِتَأَمُّلِ وَجْهِ ذَلِكَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ إمَّا اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ، أَوْ إخْرَاجُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ، وَقَدْ جُعِلَ الْمُخْرَجُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ هُنَا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَأَرَادَ بِالْأَرْكَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْإِخْرَاجَ الْمَوْصُوفَ بِالْوُجُوبِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُقَاتَلُ إلَخْ) زَادَ فِي ك وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَعْضِ السُّنَنِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا، أَوْ لَا يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ مَشْرُوعِيَّتَهَا فَيَكْفُرُ وَبَيْنَ مَنْ يَجْحَدُ وُجُوبَهَا فَلَا يَكْفُرُ؛؛ لِأَنَّهُ قِيلَ قَوْلٌ بِالسُّنِّيَّةِ اهـ. وَكَذَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِمَا، وَقِيلَ فِي الْأَذَانِ: إنَّمَا قُوتِلَ عَلَى تَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَيَتَوَقَّفُ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ
عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُهَا أَشْرَفَ مِنْ مُتَعَلِّقِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ: وَهُوَ الْأَبْدَانُ فَإِنَّهَا أَشْرَفُ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ دِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا وَسُنِّيَّتِهَا وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَصْلٌ) يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ (ش) أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وُجُوبًا ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ صَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ عَلَى الْمَعْرُوفِ لِخَبَرِ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» اهـ.
وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ كُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرِّطْلَ الْمَذْكُورَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا مَكِّيًّا
(ص) أَوْ جُزْؤُهُ (ش) إنْ حَمَلَ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ فَاتَهُ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ، وَإِنْ حَمَلَ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ فَاتَهُ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ، وَالْأَوْلَى كَلَامُ الْحَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ، وَلَفْظُهُ يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قَدْرُ صَاعٍ بِصَاعِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ جُزْءُ صَاعٍ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا الصَّاعُ فَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْقَادِرِ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ، وَأَمَّا جُزْءُ الصَّاعِ فَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا جُزْءَ صَاعٍ، وَعَلَى حَمْلِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ لَا يَتَكَرَّرُ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا فِي الْوُجُوبِ، وَفِيمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ أَيْ: هَلْ هُوَ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَى الْحِصَصِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى الْحِصَصِ، وَعَلَى حَمْلِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ أَيْ: يَجِبُ الْإِخْرَاجُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ.
(ص) عَنْهُ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ (ش) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: عَنْهُ يَرْجِعُ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ كَمَا قَرَّرْنَا، إذْ لَا بُدَّ لِلْوُجُوبِ مِنْ مُكَلَّفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَوْلُهُ: فَضَلَ صِفَةُ صَاعٍ وَمَعْطُوفِهِ أَيْ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فَضَلَ عِنْدَهُ مَا ذَكَرَ مِنْ الصَّاعِ، أَوْ جُزْئِهِ عَنْ قُوتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوْ خَشِيَ الْجُوعَ فِيمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ اللَّازِمِ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ.
(ص) وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ (ش) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ أَيْ: وَإِنْ كَانَ الصَّاعُ أَوْ جُزْؤُهُ الْفَاضِلُ عَنْ قُوتِهِ أَوْ قُوتِ عِيَالِهِ حَاصِلًا بِتَسَلُّفٍ أَيْ: وَهُوَ يَرْجُو قَضَاءَهُ أَوْ يَعْلَمُ مَنْ يَتَسَلَّفُ مِنْهُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ التَّسَلُّفُ، فَلَوْ أَتَى بِلَوْ الْمُشِيرَةِ لِلْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ لَكَانَ أَجْوَدَ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا هُنَا عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّا إذَا كُنَّا نَتَسَلَّفُ لَهَا فَلَا يَكُونُ الدَّيْنُ السَّابِقُ عَلَيْهَا مُسْقِطًا لَهَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى وَهُوَ الْمَذْهَبُ
. (ص) وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ؟ خِلَافٌ (ش) التَّتَّائِيُّ أَيْ: وَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَمْتَدُّ بَعْدَهُ أَصْلًا؟ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ هُوَ الْفِطْرُ الْجَائِزُ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ بِفَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَانِ عَنْ مَالِكٍ، وَشَهَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ هُوَ الْفِطْرُ الْوَاجِبُ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، خِلَافٌ وَلَا يَمْتَدُّ
[حاشية العدوي]
(قَوْلُهُ: دِعَامَةٌ) أَيْ: رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ) أَيْ: صَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ يُؤَدِّي مِنْ الْبُرِّ مُدَّيْنِ وَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ بَهْرَامَ الْكَبِيرِ (قَوْلُهُ: أَوْ صَاعًا إلَخْ) اقْتَصَرَ عَلَى هَذَيْنِ مَعَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي غَيْرِهِمَا لِكَوْنِهِ الْمَوْجُودَ إذْ ذَاكَ (قَوْلُهُ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ الصَّاعِ كَائِنًا عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، (قَوْلُهُ: كُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ) كُلُّ مُدٍّ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَتَيْنِ وَقَدْ حُرِّرَ الصَّاعُ فَوُجِدَ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ بِحَفْنَةِ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا، وَذَلِكَ قَدَحٌ وَثُلُثٌ (قَوْلُهُ: إنْ حُمِلَ عَلَى مَسْأَلَةِ سَنَدٍ) هِيَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كُلِّ الصَّاعِ بَلْ عَلَى جُزْئِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ مَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ) فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ فِي بَيَانِ الْوُجُوبِ مَعَ بَيَانِ كَوْنِهِ بِقَدْرِ الْحِصَصِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَشِيَ الْجُوعَ فِيمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ) ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ يُخْرِجُهَا إذَا كَانَ لَا يَلْحَقُهُ فِي إخْرَاجِهَا مَضَرَّةٌ مِنْ فَسَادِ مَعَاشِهِ، أَوْ جُوعِهِ، أَوْ جُوعِ عِيَالِهِ يُرِيدُ وَلَوْ فَضَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ إذَا خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَرْجُو قَضَاءَهُ، أَوْ يَعْلَمُ إلَخْ) أَيْ: أَوْ كَانَ لَا يَرْجُو قَضَاءَهُ لَكِنْ يُعْلِمُ مَنْ أَعْلَمَ مَنْ يَتَسَلَّفُ مِنْهُ أَيْ: يُعْلِمُهُ بِأَنَّهُ يُخْرِجُهَا زَكَاةً فَإِذَا بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا زَكَاةً فَيَجِبُ السَّلَفُ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ الْقَضَاءَ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِعْلَامَ وَاجِبٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الدُّيُونِ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَتَى بِلَوْ إلَخْ) وَأَجَابَ عَنْهُ تت بِأَنَّهُ قَدْ يُشِيرُ بِأَنَّ لِلْمَذْهَبِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ قَالَ: وَبِلَوْ إلَخْ أَيْ: أَنِّي إذَا أَتَيْت بِلَوْ يَكُونُ إشَارَةً إلَى الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ لَا أَنَّهُ مَتَى كَانَ خِلَافًا مَذْهَبِيًّا أُشِيرَ لَهُ بِلَوْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ) وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَبِي الْحَسَنِ مِنْ سُقُوطِهَا بِالدَّيْنِ
(قَوْلُهُ: وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ) أَيْ: عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إذْ بِهِ تَحْصُلُ فَرْحَةُ الْفِطْرِ فَنَاسَبَ الصَّدَقَةَ، أَوْ بِفَجْرِهِ لِخَبَرِ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَنْ السُّؤَالِ» ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ قَارَنَتْ وِلَادَتُهُ وَقْتَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَمَاتَ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ وَقْتَهُمَا وَمَاتَ بَعْدَهُ لَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُمَا وَأَنَّ مَنْ فُقِدَ وَقْتَهُمَا كَمَنْ فُقِدَ قَبْلُ، (قَوْلُهُ: الْفِطْرُ الْجَائِزُ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ كَوْنِ الْفِطْرِ عِنْدَ الْغُرُوبِ جَائِزًا وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَاجِبًا فَإِنْ أُرِيدَ الْفِطْرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالنِّيَّةِ فَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ،
الْوَقْتُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَمَنْ قَدَّرَ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَهَلْ مَبْدَأُ الْوُجُوبِ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ؟ خِلَافٌ فَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لِإِيهَامِ الْمَبْدَأِ بِالِامْتِدَادِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ وَصَارَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَقْتَ الْفَجْرِ: كَالزَّوْجَةِ تَطْلُقُ، وَالْعَبْدُ يُبَاعُ أَوْ يُعْتَقُ وَعَكْسُهُ: كَمَنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَيْ: وَبَقِيَتْ لِلْفَجْرِ إذْ لَوْ طَلُقَتْ أَوْ بِيعَتْ قَبْلَهُ لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَقْتَ الْغُرُوبِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ وَقْتَ الْفَجْرِ عَلَى الثَّانِي سَقَطَتْ عَنْهُ، وَلَوْ صَارَ مِنْ أَهْلِهَا بَعْدُ فَمَنْ مَاتَ، أَوْ بِيعَ، أَوْ طَلُقَتْ بَائِنًا أَوْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَعَنْ الْبَائِعِ، وَالْمُطَلِّقِ وَالْمُعْتِقِ اتِّفَاقًا، وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ اتِّفَاقًا وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ فَتَجِبُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَعَلَى الْمَالِكِ وَالْمُعْتِقِ وَالْبَائِعِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي وَالْعَتِيقِ وَالْمُطَلَّقَةِ، وَتَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ وُلِدَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ اتِّفَاقًا، وَبَعْدَ الْفَجْرِ سَقَطَتْ اتِّفَاقًا، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا الْقَوْلَانِ الْوُجُوبُ عَلَى الثَّانِي لَا عَلَى الْأَوَّلِ
. (ص) مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ (ش) يَعْنِي أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تُخْرَجُ مِنْ أَغْلَبِ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قُوتِ الْمُخْرِجِ.
وَلَمَّا كَانَ الصَّاعُ هُنَا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ عَامٍ أَتَى بِأَغْلَبِ بِالْهَمْزِ بِخِلَافِ الصَّاعِ الْمُخْرَجِ عَنْ الْمُصَرَّاةِ إنَّمَا يَقَعُ لِأَفْرَادِ النَّاسِ فَعَبَّرَ عَنْهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ " بِغَالِبِ " وَقِيلَ: تَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِ " يَجِبُ " وَبِ " صَاعٌ "؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَامِدًا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُشْتَقِّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مِقْدَارٍ أَوْ مِكْيَالٍ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الِاعْتِبَارُ بِالْأَغْلَبِ مُطْلَقًا بَلْ بِكَوْنِهِ مِنْ أَصْنَافٍ مَخْصُوصَةٍ تِسْعَةٍ إذَا وُجِدَتْ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا، وَلَوْ كَانَ الْغَيْرُ أَغْلَبَ أَشَارَ إلَى ثَمَانِيَةٍ بِقَوْلِهِ: (مِنْ مُعَشَّرٍ) وَلَا يُرِيدُ كُلَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ بَلْ: الْقَمْحَ، وَالشَّعِيرَ، وَالسَّلْتَ، وَالزَّبِيبَ، وَالتَّمْرَ، وَالذُّرَةَ، وَالْأُرْزَ، وَالدُّخْنَ وَإِلَى التَّاسِعِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَتُكْسَرُ الْقَافُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَتُسَكَّنُ عَلَى الثَّانِي: خَاثِرُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجُ زُبْدُهُ، وَالْقَمْحُ أَفْضَلُهَا.
وَلَمَّا أَرَادَ بِالْمُعَشَّرِ الثَّمَانِيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَتَمَّمَ التَّاسِعَ فَبِهَذَا الْمُرَادِ خَرَجَ غَيْرُهَا فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ مَتَى وُجِدَتْ، وَلَوْ غَلَبَ اقْتِيَاتُ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَخَالَفَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْعَلَسِ خَاصَّةً فَأَجَازَ الْإِخْرَاجَ مِنْهُ إذَا غَلَبَ اقْتِيَاتُهُ، وَلَوْ وُجِدَتْ التِّسْعَةُ رَوَاهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ مَالِكٍ خَصَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِالرَّدِّ فَقَالَ: (غَيْرِ عَلَسٍ) وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ الْمُعَشَّرِ وَالْأَقِطِ مِنْ عَلَسٍ وَلَحْمٍ وَلَبَنٍ وَغَيْرِهِمْ فَيُخْرِجُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ الْأَنْوَاعِ التِّسْعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقُوتُ وَاحِدًا مِنْ التِّسْعَةِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا غَلَبَ اقْتِيَاتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُقْتَتْ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ وَاقْتِيتَ غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا غَلَبَ اقْتِيَاتُهُ مِنْ غَيْرِ التِّسْعَةِ، أَوْ مِمَّا انْفَرَدَ بِالِاقْتِيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا أَخْرَجَ مِنْهُ إنْ كَانَ الْمَوْجُودُ مِنْهَا وَاحِدًا، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْهَا، وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أُمُورٌ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ
. (ص) وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ (ش)
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: مِنْ أَغْلِبْ الْقُوتِ إلَخْ) نَقَلَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْغَالِبِ، الْغَالِبُ فِيمَا يُخْرِجُهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لَا فِيمَا قَبْلَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَغْلِبُ اقْتِيَاتُهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَأَمَّا الْقَطَانِيُّ فَلَا تُقْتَاتُ إلَّا فِي أَوْقَاتِ الضَّرُورَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَفْتَى الشَّبِيبِيُّ بِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ مِقْدَارَ عَيْشِ الصَّاعِ أَيْ: غَدَاؤُهُمْ وَعَشَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَمْ يَرْتَضِ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ الشَّبِيبِيِّ وَقَالَ الصَّوَابُ: أَنَّهُ يُكَالُ أَيْ: يُوزَنُ قَالَ الْحَطَّابُ: وَمَا قَالَهُ الشَّبِيبِيُّ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا يَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَفَنُّنًا) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ دُونَ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبِيَّةَ وَالْغَلَبَةَ مُضَافَةٌ لِلْقُوتِ الْغَالِبِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِتَكَرُّرِ الصَّاعِ كُلَّ عَامٍ وَعَدَمِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُشْتَقِّ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِصَاعٍ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمَجْرُورَاتِ بَعْدَ النَّكِرَاتِ الْمَحْضَةِ صِفَاتٌ (قَوْلُهُ: أَقِطٍ) جَمْعُهُ أَقْطَانٌ إلَخْ حَاصِلُهُ يُخْرِجُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ التِّسْعَةِ إنْ انْفَرَدَ، وَمِنْ غَالِبِهِ إنْ تَعَدَّدَ وَغَلَبَ وَاحِدٌ وَمِنْ أَيِّ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يَغْلِبْ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: خَاثِرُ اللَّبَنِ) جَامِدُهُ (قَوْلُهُ: وَالْقَمْحُ أَفْضَلُهَا) أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَدِّيَ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَدَاءُ السُّلْتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْأَقِطِ اهـ.
ك (قَوْلُهُ: فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ مَتَى وُجِدَتْ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ظَاهِرُ النُّصُوصِ كَمَا يُعْلَمُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مُحَشِّي تت أَنَّهُمْ مَتَى اقْتَاتُوا غَيْرَ التِّسْعَةِ يُعْطِي مِنْهُ إذَا كَانَ عَيْشَهُمْ، وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، أَوْ بَعْضُهَا وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُ تَبِعُوا الْحَطَّابَ (قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أُمُورٌ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي ك، ثُمَّ إنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ ظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمُعَشَّرِ الشَّامِلِ لِلْقَطَانِيِّ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا غَلَبَ اقْتِيَاتُهُ، وَلَوْ وُجِدَتْ الْأَصْنَافُ التِّسْعَةُ، أَوْ أَحَدُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ خَصَّصْنَاهُ بِالْمُرَادِ وَهُوَ فِي تَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ تَابِعٌ لِصَاحِبِ الْحَاوِي،، وَمِنْهَا أَنَّهُ أَخْرَجَ الْعَلَسَ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِالْإِخْرَاجِ عَمَّا سِوَاهُ، وَقَدْ الْتَمَسْنَا لَهُ وَجْهًا وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ وَمِنْهَا الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَقْتَاتُوا غَيْرَهُ فَظَاهِرُهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ الْمُعَشَّرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
، ثُمَّ إنَّ عب جَعَلَ الصُّوَرَ خَمْسًا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِمَّا اعْتَرَضَهُ مُحَشِّي تت فَقَالَ فَعُلِمَ: أَنَّ هُنَا خَمْسَ صُوَرٍ إحْدَاهَا: وُجُودُ التِّسْعَةِ مَعَ اقْتِيَاتِ جَمِيعِهَا سَوِيَّةً فَيُخَيَّرُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ، ثَانِيهَا وُجُودُهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ، ثَالِثُهَا وُجُودُهَا، أَوْ بَعْضُهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا فَيَجِبُ مِنْهَا تَخْيِيرًا إنْ تَعَدَّدَ، وَلَا يَنْظُرُ لِمَا كَانَ غَالِبًا قَبْلَ تَرْكِهَا، وَوَاحِدٌ إنْ انْفَرَدَ وَلَوْ اُقْتِيتَ نَادِرًا، رَابِعُهَا فَقَدَ جَمِيعَهَا مَعَ غَلَبَةِ اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا فَمَا غَلَبَ، خَامِسُهَا فَقَدَ جَمِيعَهَا مَعَ
هَذَا عَطْفٌ عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مِنْ قَوْلِهِ: عَنْهُ أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ صَاعٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَصَاعٌ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ أَيْ: تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ شَرْعًا بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ الْآتِيَةِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالصَّاعِ الْجِنْسَ، لَا يَرِدُ أَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ الصَّاعَ الْوَاحِدَ يُخْرِجُهُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْلِمِ عَمَّنْ يَمُونُهُ مِنْ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ: كَزَوْجَةٍ، أَوْ أَبٍ، أَوْ وَلَدٍ، أَوْ عَبِيدٍ كُفَّارٍ وَانْظُرْ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ عَمَّنْ يَمُونُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ مِثْلَ: أَنْ يَمْلِكَ عَبْدًا مُسْلِمًا فَيَهُلُّ شَوَّالٌ قَبْلَ نَزْعِهِ مِنْهُ، أَوْ تُسْلِمُ أُمُّ وَلَدِهِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرَابَةٌ مُسْلِمُونَ فِي نَفَقَتِهِ كَأَبَوَيْهِ قَالَ سَنَدٌ: وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يُوَافِقُ مَا لِأَحْمَدَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
ثُمَّ عَدَّدَ جِهَاتِ النَّفَقَةِ الثَّلَاثِ لِإِخْرَاجِ مَا عَدَاهَا مُشِيرًا لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (بِقَرَابَةٍ) وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمُونُهُ فَدَخَلَ الْأَبَوَانِ وَالْأَوْلَادُ الذُّكُورُ حَتَّى يَحْتَلِمُوا قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ وَالْإِنَاثُ حَتَّى يَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ أَوْ يَدْعُوا إلَى الدُّخُولِ، وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ زَوْجِيَّةٍ) أَيْ:، وَلَوْ أَمَةً دَخَلَ بِهَا، أَوْ دَعَا إلَى الدُّخُولِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً أَوْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيَّةً لَا بَائِنًا، وَلَوْ حَامِلًا وَلِهَذَا جَعَلَهَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا وَلَمْ يُلْحِقْهَا بِالْقَرَابَةِ وَإِلَّا لَسَقَطَتْ بِيُسْرِهَا، ثُمَّ إنَّ الْمُؤَلِّفَ بَالَغَ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَقَالَ: (وَإِنْ لِأَبٍ) يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَخَادِمِهَا) لِلْجِهَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِهَا النَّفَقَةُ فَيَشْمَلُ: الْقَرَابَةَ، وَالزَّوْجِيَّةَ وَلَا تَتَعَدَّدُ نَفَقَةُ خَادِمِ الزَّوْجَةِ، وَكَذَا فِطْرَتُهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ قَدْرٍ، وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ رِقٍّ وَلَوْ مُكَاتَبًا) يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرَةِ عَنْ عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِنِّ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ: كَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ رَجَعَ رِقًّا لِسَيِّدِهِ، وَلَا بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِلْقِنْيَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ كَانَتْ قِيمَتُهُمْ نِصَابًا أَوْ دُونَهُ أَصِحَّاءَ أَوْ مَرْضَى أَوْ زَمْنَى أَوْ ذَوِي شَائِبَةٍ، وَخَصَّ الْمُكَاتَبَ بِالذِّكْرِ لِلْخِلَافِ فِيهِ قَالَ فِيهَا: وَلَا زَكَاةَ عَلَى عَبِيدِ الْعَبِيدِ أَيْ: لَا يُزَكِّي عَنْهُمْ سَيِّدُهُمْ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا سَيِّدُ سَيِّدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَبِيدًا لَهُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُمْ بِالِانْتِزَاعِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ.
(ص) وَآبِقًا رُجِيَ (ش) هَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ لَوْ مُشَارِكَهُ فِي الْخِلَافِ فَإِنْ لَمْ يُرْجَ لَمْ تَجِبْ، وَحُكْمُ الْمَغْصُوبِ كَذَلِكَ أَيْ: فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يُرْجَى وَمَنْ لَا يُرْجَى قَالَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَمَّا فِي حَالَةِ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ
[حاشية العدوي]
اقْتِيَاتِ غَيْرِهَا مُتَعَدِّدًا مِنْ غَيْرِ غَلَبَةِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخَيَّرُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِالْمُعَشَّرِ خُصُوصُ الثَّمَانِيَةِ
(قَوْلُهُ: عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ) مِنْ بَابِ الْكُلِّ الْجَمِيعِيِّ أَيْ: عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ لَا مِنْ بَابِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: يَمُونُهُ) صِفَةٌ لِمُسْلِمٍ أَيْ: مُسْلِمٍ مَمُونٍ لَهُ وَكَانَ الْوَاجِبُ إبْرَازَ الضَّمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ فَلَعَلَّهُ مَشَى عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَاللَّبْسُ مَأْمُونٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِي يَمُونُ أَيْ: يَقُومُ بِالْإِنْفَاقِ إنَّمَا هُوَ الْمُخْرِجُ لَا الْمُخْرَجُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: قَالَ سَنَدٌ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عَدَمُ وُجُوبِهَا) أَيْ: بِالنَّظَرِ لِعِبَارَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى خِطَابِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَدَمَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَ الْوُجُوبَ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ) كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ إلَخْ، كَانَ ظَاهِرُهُ عَدَمَ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: وَلَا يُنَافِيهِ إلَخْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ تَوَهُّمِ الْمُنَافَاةِ وَأَيْنَ تُتَوَهَّمُ الْمُنَافَاةُ مَعَ انْضِمَامِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُنَافِيهِ إلَخْ) كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ الْمُنَافَاةَ مِنْ كَوْنِ الْكَافِرِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَتَأَمَّلْ، (قَوْلُهُ: بِقَرَابَةٍ إلَخْ) كَالْأَوْلَادِ وَالْآبَاءِ الْفُقَرَاءِ وَخَرَجَ الْمُسْتَأْجِرُ بِنَفَقَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ بِالْتِزَامٍ أَوْ بِحَمْلٍ كَمَنْ طَلُقَتْ بَائِنًا وَهِيَ حَامِلٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، (قَوْلُهُ: أَوْ زَوْجِيَّةٍ) وَكَلَامُهُ يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ الْأَمَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِلزَّوْجِ الْعَبْدِ فَفِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَلَوْ حُرَّةً عَلَيْهِ لِوُجُوبِ إنْفَاقِهِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ وَكَسْبٍ، وَلَيْسَتْ عَلَى سَيِّدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ: وَلِهَذَا التَّعْمِيمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَشْمَلُ الْقَرَابَةَ إلَخْ) أَيْ: فَيَشْمَلُ كَلَامُهُ خَادِمَ الْأَوْلَادِ وَالْأَبَ وَالْأُمَّ وَخَادِمَ زَوْجَةِ الْأَبِ، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ: فِي التَّبْصِرَةِ لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْ أَبَوَيْهِ خَادِمٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا وَهُمَا فَقِيرَانِ أَدَّى عَنْهُمَا وَعَنْ خَادِمِهِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ فِي عِصْمَةِ الْأَبِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَكَانَا يَسْتَغْنِيَانِ بِخَادِمِ الْأَبِ عَنْ خَادِمِ الْأُمِّ أَدَّاهَا عَنْ الْجَمِيعِ لَا خَادِمِ الْأُمِّ، وَإِنْ اسْتَغْنَيَا بِخَادِمِ الْأُمِّ لَمْ يُؤَدِّ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيُسْرِ الْأَبِ بِخَادِمِهِ فَعَلَيْهِ بَيْعُهَا وَيُؤَدِّي مِنْ ثَمَنِهَا عَنْهُ وَعَنْ زَوْجَتِهِ وَعَنْ خَادِمِهَا، وَالْوَلَدُ يَكُونُ لَهُ الْخَادِمُ كَذَلِكَ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) : يُخْرِجُ الْأَبُ عَنْ ابْنِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا إنْ صَغُرَ فَإِنْ بَلَغَ أَيْ: قَادِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الزَّكَاةِ مِنْ النِّيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَإِعْلَامُهُ قَائِمٌ مَقَامَهَا (قَوْلُهُ: وَلَا تَتَعَدَّدُ نَفَقَةُ إلَخْ) يُوَافِقُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ وَيُخْرِجُ عَنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ لِزَوْجَتِهِ إذَا كَانَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَخْرَجَ عَنْ ذَلِكَ اهـ.
وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِذَلِكَ بِخَادِمِ الزَّوْجَةِ بَلْ خَادِمِ الْقَرَابَةِ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُكَاتَبًا) اسْمُ كَانَ عَائِدٌ عَلَى الرَّقِيقِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ يَمُونُهُ، وَفِي كِتَابَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ النَّفَقَةَ وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْهُ حَالًا فَهِيَ مُتَوَقَّعَةٌ مَآلًا قُلْت: وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ) أَيْ: مُبَاشَرَةً
فَكَمَا قَالَ، وَأَمَّا إنْ قَبَضَهُ بَعْدَ سِنِينَ فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا قَبَضَهَا بَعْدَ سِنِينَ مِنْ الْغَاصِبِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ، صَحَّ تَهْذِيبٌ انْتَهَى
. (ص) وَمَبِيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيَارٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ بَاعَ أَمَةً فِيهَا مُوَاضَعَةٌ بِأَنْ كَانَتْ مِنْ عَلَى الرَّقِيقِ أَوْ مِنْ وَضِيعِهِ وَأَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا فَإِنَّ نَفَقَتَهَا وَزَكَاةَ فِطْرِهَا عَلَى بَائِعِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا عَلَى الْخِيَارِ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّ نَفَقَتَهُ وَزَكَاةَ فِطْرِهِ عَلَى بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ
. (ص) أَوْ مُخْدِمًا (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ لِشَخْصٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً فَإِنَّ زَكَاةَ فِطْرِهِ عَلَى مَالِكِ رَقَبَتِهِ لَا عَلَى مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ كَنَفَقَتِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخْدِمِهِ) إلَى أَنَّ مَنْ أَخْدَمَ عَبْدَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَهَا فَإِنَّ نَفَقَتَهُ وَزَكَاةَ فِطْرِهِ عَلَى مَنْ لَهُ خِدْمَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا لَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْمُخْدِمِ - بِالْكَسْرِ - كَانَ مَرْجِعُ الرَّقَبَةِ لَهُ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا؛ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَفْهُومُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِحُرِّيَّةٍ فَلَا يَكُونُ عَلَى مُخْدِمِهِ وَيُفَصَّلُ، فَإِنْ كَانَ مَرْجِعُ الرَّقَبَةِ لِلْمُخْدِمِ - بِالْكَسْرِ - فَعَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا فَعَلَيْهِ
. (ص) وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ زَكَاةُ فِطْرِهِ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ فِيهِ فَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: بِقَدْرِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُبَعَّضُ وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ يُخْرِجُ زَكَاةَ فِطْرِهِ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ يَعْنِي: أَنَّ صَاحِبَ الْجُزْءِ الرَّقِيقِ يُخْرِجُ عَنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَأَمَّا الْجُزْءُ الْحُرُّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فَإِنَّ الْحُرَّ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ حِصَّتِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي حِصَّتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ وَكَذَا لَا تَلْزَمُ الْعَبْدَ زَكَاةُ فِطْرِ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لِسَيِّدِهِ وَلَنَا عَبْدٌ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ عَنْهُ وَهُوَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ عَلَى مَسْجِدٍ
. (ص) وَالْمُشْتَرَى فَاسِدًا عَلَى مُشْتَرِيهِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا زَكَاةُ فِطْرِهِ وَنَفَقَتُهُ عَلَى مُشْتَرِيهِ حَيْثُ قَبَضَهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْهُ وَأَحْرَى مِنْهُ الْمَعِيبُ
. (ص) وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يُنْدَبُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يُخْرِجَهَا يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَوْ بَعْدَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى أَبُو الْحَسَنِ مَحَلُّ الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ انْتَهَى فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهَا الْمُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَبَعْدَ الْفَجْرِ فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَكَمَا قَالَ) أَيْ: ابْنُ الْقَصَّارِ (قَوْلُهُ: فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ) أَيْ: اعْتِبَارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ يُرْجَى وَمَنْ لَا يُرْجَى بَعْدَ الْقَبْضِ فِيهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْ:؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ زَكَاةً أَيْ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ إذَا قُبِضَتْ بَعْدَ أَعْوَامٍ وَهُوَ أَنَّهَا تُزَكَّى كُلَّ عَامٍ، أَوْ عَامًا عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ فَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ: أَنَّ النَّعَمَ الْمَغْصُوبَةَ تُزَكَّى لِكُلِّ عَامٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ يُزَكِّي لِعَامٍ وَاحِدٍ فَلْتَكُنْ زَكَاةُ فِطْرَةِ الْآبِقِ إذَا قَبَضَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: صَحَّ تَهْذِيبٌ) اُنْظُرْ هَذَا التَّرْكِيبَ فَهَلْ فَاعِلُ صَحَّ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَالْمَعْنَى: صَحَّ هَذَا مِنْ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: انْتَهَى أَيْ: انْتَهَى كَلَامُ النَّاقِلِ لِكَلَامِ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْحَقِّ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا) فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا فَيُقَالُ لَهَا مُسْتَبْرَأَةٌ فَنَفَقَتُهَا وَزَكَاةُ فِطْرِهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْمَبِيعِ بِخِيَارٍ كَمَا يُفِيدُهُ بَهْرَامُ فِي وَسَطِهِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِالْعَقْدِ فَيَجْعَلُ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ) الْمُرَادُ حَتَّى تَرَى الدَّمَ لَا أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِبْرَاءُ الْحَقِيقِيُّ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْمُتَوَاضِعَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ، وَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إنْ طَالَتْ فَهِيَ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُقَالَ مَفْهُومُهُ إلَخْ) فِيهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَنْطُوقٌ لَا مَفْهُومٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ بَابِ الْمَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْطُوقِ فَفِي الْكَلَامِ مَنْطُوقَانِ، وَأَقُولُ: وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ فِي صُورَةِ مَا إذَا قُلْنَا كَانَ الْمَرْجِعُ لِشَخْصٍ آخَرَ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ لَا الْمُخْدِمُ - بِكَسْرِ الدَّالِ - إلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي الْمَرْجِعُ لَهُ لَا يُقَالُ لَهُ الْآنَ يَمُونُهُ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ إلَخْ) وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةً كَامِلَةً، وَقِيلَ: عَلَى الْعَدَدِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُنْفِقُ إلَخْ) هَذَا لَا يُنْتِجُ عَدَمَ لُزُومِ زَكَاةِ فِطْرِ زَوْجَتِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَكَذَا لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ زَكَاةُ فِطْرِ زَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِهِ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ فَضْلَةٌ فَيُخْرِجُ، (قَوْلُهُ: مِنْ خَرَاجِهِ إلَخْ) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَرَاجِ مَا يُجْعَلُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ دِرْهَمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَبِالْكَسْبِ مَا يَحْصُلُ مِنْ رِبْحٍ فِي تِجَارَةٍ، كَأَنْ يُعْطِيَهُ السَّيِّدُ دَرَاهِمَ يَتَّجِرُ بِهَا وَرِبْحُهَا لِلسَّيِّدِ (قَوْلُهُ: وَلَنَا عَبْدٌ إلَخْ) قَالَ عج مَا مَعْنَاهُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ لَيْسَ لِلْوَاقِفِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ فَزَكَاةُ الْعَبْدِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ عَلَى وَاقِفِهِ هَذَا هُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى فَحِينَئِذٍ يُقَالُ ذَلِكَ فِي عَبِيدِ الْعَبِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: فَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهَا إلَخْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ مَعَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ فَالتَّنَاقُضُ إنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَمَّا قَوْلُهَا فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَنَصُّهَا: وَيُسْتَحَبُّ
فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهَا قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إلَى الْمُصَلَّى؛ لِيَأْكُلَ مِنْهَا الْفَقِيرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَبْلَ غُدُوِّهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ عَنْ السُّؤَالِ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] أَيْ: يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ يَغْدُو ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى إلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى
(ص) وَمِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ كَانَ يَقْتَاتُ أَحْسَنَ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ، فَإِذَا كَانَ غَالِبُ الْقُوتِ الشَّعِيرَ وَهُوَ يَقْتَاتُ الْقَمْحَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ فَقَوْلُهُ: الْأَحْسَنِ أَيْ: مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ غَالِبِ قُوتِهِمْ
. (ص) وَغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إلَّا الْغَلَثَ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ الَّذِي يُخْرِجُهُ زَكَاةً عَنْ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَمْحُ غَلَثًا فَتَجِبُ غَرْبَلَتُهُ حَيْثُ كَانَ غَلَثُهُ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَيُسْتَحَبُّ حَيْثُ كَانَ غَلَثُهُ الثُّلُثَ فَمَا قَارَبَهُ بِيَسِيرٍ كَمَا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ، ثُمَّ إنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْقَمْحِ بَلْ كُلُّ مُخْرَجٍ كَذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا يُجْزِئُ الْمُسَوَّسُ الْفَارِغُ بِخِلَافِ الْقَدِيمِ الْمُتَغَيِّرِ الطَّعْمُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
(ص) وَدَفْعُهَا لِزَوَالِ فَقْرٍ وَرِقٍّ يَوْمَهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ يَوْمَ الْعِيدِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ وَإِنْ زَالَ فَقْرُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ زَالَ رِقُّهُ بِأَنْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَقَوْلُهُ: وَدَفْعُهَا إلَخْ عَطْفٌ عَلَى فَاعِلِ نُدِبَ وَقَوْلُهُ: " لِزَوَالِ " أَيْ: لِأَجْلِ زَوَالِ فَقْرِهِ أَوْ رِقِّهِ فَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَتْ عَلَى الْمُعْتَقِ - بِالْفَتْحِ - وَنُدِبَتْ عَلَى سَيِّدِهِ
. (ص) وَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ دَفْعُهَا لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْوُجُوبُ وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ حَمَلَهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهَا لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ مَشَقَّةَ دَفْعِ الْمَالِ عَلَى النَّفْسِ بِخِلَافِ الْفِطْرِ، وَلَوْ أَخَذَهَا الْفَقِيرُ ثُمَّ اسْتَغْنَى بِهَا فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لَكِنْ إنْ مَلَكَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِخْرَاجُ
. (ص) وَعَدَمُ زِيَادَةٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَهُوَ الصَّاعُ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ بِدْعَةٌ أَيْ: الزَّائِدُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيُؤَدِّي بِالْمُدِّ الْأَكْبَرِ قَالَ لَا بَلْ بِمُدِّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنْ أَرَادَ خَيْرًا فَعَلَى حِدَةٍ الْقَرَافِيُّ سَدًّا لِتَغَيُّرِ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ
. (ص) وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ إخْرَاجُ الْمُسَافِرِ أَيْ: يَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ غَالِبِ قُوتِ مَحَلِّهِ وَلَا يُوَكِّلُهُ إلَى أَهْلِهِ لِقَوْلِهَا وَيُؤَدِّيهَا الْمُسَافِرُ حَيْثُ هُوَ، وَإِنْ أَدَّاهَا عَنْهُ أَهْلُهُ أَجْزَأَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَجَازَ إخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ) إذَا تَرَكَ عِنْدَهُمْ مَا يُخْرَجُ مِنْهُ، وَوَثِقَ بِهِمْ وَأَوْصَاهُمْ زَادَ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِفَقْدِ النِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ أَهْلِهِ أَخْرَجَ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ، وَإِنْ أَخْرَجُوا عَنْهُ أَخْرَجُوا مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَأْكُلُهُ انْتَهَى
. (ص) وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ صَاعٍ وَاحِدٍ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرَةِ لِجَمَاعَةِ مَسَاكِينَ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ دَفْعُ آصُعَ مِنْهَا لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ
. (ص) وَمِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ (ش) عَطْفٌ عَلَى صَاعٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَدَفْعُ صَاعٍ أَيْ: وَجَازَ دَفْعُ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ أَيْ: مِنْ قُوتِهِ الْآخَرِ وَهُوَ مُسَاوٍ لِقُوتِ الْبَلَدِ، كَمَا إذَا كَانَ لَهُ قُوتَانِ أَحَدُهُمَا: مُسَاوٍ لِقُوتِ الْبَلَدِ، وَالْآخَرُ أَحْسَنُ لَا الْأَدْوَنُ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْأَغْلَبِ وَلَيْسَ لَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ إلَّا لِعَجْزٍ عَنْ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْأَغْلَبِ
[حاشية العدوي]
أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى، فَإِنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَوَاسِعٌ اهـ.
وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِأَدَائِهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى» ، وَيُوَافِقُهُ نَصُّ الْمَوَّاقِ وَنَصُّهُ فِيهَا اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] إلَى فَصَلَّى أَيْ: مَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، ثُمَّ غَدَا ذَاكِرًا لِلَّهِ إلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهَا إلَخْ) هَذَا مِمَّا يُقَوِّي مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَيْ، يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقٌّ فِي الْوَقْتِ الْمَنْدُوبِ فَعَزْلُهَا كَإِخْرَاجِهَا.
(قَوْلُهُ: فَمَا قَارَبَهُ بِيَسِيرٍ) لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ وَقَوْلُهُ: كَمَا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ أَيْ: أُرِيدَ أَنْ يُقَسَّمَ شَيْءٌ مِنْ الْقَمْحِ فِيهِ غَلَثٌ فَيَجْرِي فِيهِ مَا هُنَا (قَوْلُهُ: كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ) أَيْ: فَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلنَّقْلِ وَإِلَّا فَقَدْ قَرَّرَ الْمُصَنِّفُ بِتَقْرِيرٍ آخَرَ وَنَصُّهُ أَيْ: وَنُدِبَ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ الَّذِي يُخْرِجُهُ زَكَاةً عَنْ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَمْحُ غَلَثًا فَيَجِبُ غَرْبَلَتُهُ حَيْثُ كَانَ غَلَثُهُ يَنْقُصُهُ مِنْ النِّصَابِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالثُّلُثِ وَلَا بِغَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِزَوَالِ فَقْرٍ) وَيَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ إخْرَاجُهَا عَنْهُ وَيُلْغِزُ بِهَا فَيُقَالُ زَكَاةُ فِطْرٍ أُخْرِجَتْ عَنْ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِالْفَجْرِ (قَوْلُهُ: وَجَبَتْ عَلَى الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِالْفَجْرِ
(قَوْلُهُ: أَيْ، الزَّائِدُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ) أَيْ: حَيْثُ تَحَقَّقَ الزَّائِدُ لَا إنْ شَكَّ، (قَوْلُهُ: أَيُؤَدِّي بِالْمُدِّ الْأَكْبَرِ) الَّذِي هُوَ مُدُّ هِشَامٍ وَهُوَ مُدٌّ وَثُلُثَانِ؟
(قَوْلُهُ: إخْرَاجُ الْمُسَافِرِ) فِي الْحَالَةِ الَّتِي يُخْرِجُ عَنْهُ أَهْلُهُ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، وَإِنَّمَا نُدِبَ الْإِخْرَاجُ لِلِاحْتِيَاطِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُخْرِجَ أَهْلُهُ عَنْهُ، (قَوْلُهُ: إذَا تَرَكَ عِنْدَهُمْ مَا يُخْرَجُ مِنْهُ) لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ حَيْثُ أَوْصَاهُمْ وَوَثِقَ بِهِمْ يَكْفِي (قَوْلُهُ: أَخْرَجَ مِنْ الصِّنْفِ إلَخْ) ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُخْرِجُ - بِالْكَسْرِ - صِنْفَ مَا يَأْكُلُهُ الْمُخْرَجُ عَنْهُ أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ حَتَّى يَعْلَمَ، كَذَا يَنْبَغِي.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ إلَخْ) بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: أَيْ: وَجَازَ دَفْعُ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ: وَجَازَ الدَّفْعُ مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ إلَّا لِعَجْزٍ)
وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْحَطَّابِ نَظَرٌ اُنْظُرْ شَرْحَنَا الْكَبِيرَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَجَازَ إخْرَاجُهَا مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ إنْ كَانَ يَقْتَاتُ ذَلِكَ لِفَقْرِهِ اتِّفَاقًا، أَوْ لِعَادَةٍ كَالْبَدْوِيِّ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ بِالْحَاضِرَةِ وَهُوَ مَلِيءٌ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي تَوْضِيحِهِ لَا لِشُحٍّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِشُحٍّ) عَلَى نَفْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى قُوتِ الْبَلَدِ فَلَا يُجْزِيهِ، وَانْظُرْ لَوْ اقْتَاتَهُ لِكَسْرِ نَفْسِهِ
. (ص) وَإِخْرَاجُهُ قَبْلَهُ بِكَالْيَوْمَيْنِ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ لِمُفَرِّقٍ؟ تَأْوِيلَانِ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ فِطْرِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْعِيدِ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْجَلَّابِ، وَهَلْ هَذَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا؟ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَفْرِقَتِهَا صَاحِبَهَا أَوْ الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُمَا وَهُوَ فَهْمُ اللَّخْمِيِّ وَشُهِرَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ الْجَوَازُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ إذَا دَفَعَهَا لِمَنْ يَتَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فَهْمُ ابْنِ يُونُسَ، وَعَلَيْهِ لَوْ تَوَلَّى صَاحِبُهَا تَفْرِقَتَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا تُجْزِئُهُ تَأْوِيلَانِ، وَمَحَلُّهُمَا إذَا أَتْلَفَهَا الْفَقِيرُ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا إنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ لَأَجْزَأَتْ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لِدَافِعِهَا إنْ كَانَتْ لَا تُجْزِئُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا، فَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ كَمَنْ ابْتَدَأَ دَفْعَهَا حِينَئِذٍ
. (ص) وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا (ش) أَيْ: وَلَا تَسْقُطُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ بِمُضِيِّ زَمَنِ وُجُوبِهَا وَهُوَ أَوَّلُ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ فَجْرُهُ، بَلْ يُخْرِجُهَا لِمَاضِي السِّنِينَ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا لَوْ مَضَى زَمَنُ وُجُوبِهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا يُخَاطَبُ بِهَا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِطْرَ لِسَدِّ الْخَلَّةِ وَهُوَ حَاصِلٌ كُلَّ وَقْتٍ، وَالْأُضْحِيَّةُ لِلتَّظَافُرِ عَلَى إظْهَارِ الشَّعَائِرِ وَقَدْ فَاتَتْ
. (ص) وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تُدْفَعُ لِلْحُرِّ لَا لِلْقِنِّ - وَلَوْ مُكَاتَبًا -: الْمُسْلِمِ لَا الْكَافِرِ، وَلَوْ مُؤَلَّفًا، أَوْ جَاسُوسًا، الْفَقِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَلِيهَا وَلَا لِمَنْ يَحْرُسُهَا وَلَا تُعْطَى لِمُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَلَا يُشْتَرَى لَهُ بِهَا آلَةٌ وَلَا لِلْمُؤَلَّفَةِ، وَلَا لِابْنِ السَّبِيلِ إلَّا إذَا كَانَ فَقِيرًا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَيُعْطَى مِنْهَا بِوَصْفِ الْفَقْرِ، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ يُعْتَقُ، وَلَا لِغَارِمٍ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَقَعَا فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَقْرُونَيْنِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ (بَابُ الصَّوْمِ) وَهُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْفَمِ وَالْفَرْجِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا
[حاشية العدوي]
لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ (قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَح نَظَرٌ) عِبَارَةُ بَهْرَامَ أَيْ: إذَا كَانَ يَقْتَاتُ أَدْنَى مِنْ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِشُحٍّ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِضِيقٍ وَعَدَمِ قُدْرَةٍ عَلَى اقْتِيَاتِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ غَيْرِهِ لَكَانَ مِنْ بَابِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَفْعَلُهُ شُحًّا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى اقْتِيَاتِ الْأَعْلَى فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ اهـ. إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ قَالَ مُحَشِّي تت إذْ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ هَكَذَا فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ أَيْ: إذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ غَالِبِ الْقُوتِ فَإِنْ أَعْطَى الْأَدْوَنَ لِشُحٍّ فَلَا يَجُوزُ وَلِعُسْرٍ أَوْ عَادَةٍ أَجْزَأَ، وَعَلَى هَذَا شَرَحَهُ شُرَّاحُهُ وَأَقَرُّوهُ وَتَبِعَ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ قُوتُهُ دُونَهُمْ لَا لِشُحٍّ فَقَوْلَانِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ مَنْ اعْتَبَرَ الْغَالِبَ لَا يُجْزِي الْإِخْرَاجُ مِنْ الْأَدْوَنِ إلَّا لِعَجْزٍ كَمَا فِي ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا فَالْقَوْلُ بِإِجْزَاءِ الْأَدْوَنِ لِغَيْرِ شُحٍّ مُقَابِلٌ لِلْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ لَا مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَجَازَ إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُغَايِرَةٌ لِلْعِبَارَةِ الْأُولَى وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا لِشُحٍّ مِمَّا يُؤَدِّي هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِعَادَةٍ كَالْبَدْوِيِّ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ لَا يُجْزِي (قَوْلُهُ: وَانْظُرْ لَوْ اقْتَاتَهُ لِكَسْرِ نَفْسِهِ) فِي ك الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ نَقْلًا عَنْ عج
(قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ) كَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِزِيَادَةِ الْجَلَّابِ الثَّالِثَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ
(قَوْلُهُ: عَمَّنْ لَزِمَتْهُ) قَصْرُ الْكَلَامِ عَلَى حَالَةِ الْوُجُوبِ فِي شَرْحِ عب التَّعْمِيمَ فَقَالَ أَيْ: لَا يَسْقُطُ طَلَبُهَا وُجُوبًا فِيمَا يَجِبُ وَنَدْبًا فِيمَا يُنْدَبُ سَنَدٌ وَلَا يَأْثَمُ مَا دَامَ يَوْمُ الْفِطْرِ بَاقِيًا فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَيْ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَثِمَ مَعَ الْقُدْرَةِ، (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ إلَخْ) وَلَا يَقْدَحُ فِي الْفَرْقِ خَبَرُ «أَغْنُوهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ» لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْخِطَابَ بِهَا يُعَدُّ جَبْرًا لِمَا حَصَلَ لَهُمْ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ يَوْمَهَا بِعَدَمِ دَفْعِهِ عَلَيْهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِسَدِّ الْخَلَّةِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ: الْحَاجَةِ (قَوْلُهُ: لِلتَّظَافُرِ) أَيْ: لِلتَّعَاوُنِ وَقَوْلُهُ: وَقَدْ فَاتَتْ أَيْ: الشَّعَائِرُ
(قَوْلُهُ: فَقِيرٍ) أَيْ: فَقِيرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتُدْفَعُ لِمَالِكِ نِصَابٍ لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا تُدْفَعُ لَهُ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» وَتُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ بِالْأَوْلَى أَيْ: فَالْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِمَنْ يَلِيهَا وَغَيْرِهِ مِمَّا عَدَا الْمَسَاكِينَ.
(تَنْبِيهٌ) : لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا يَطْلُبُ غَيْرَهَا وَلَا يَأْخُذَهَا كَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ (قَوْلُهُ: إلَّا مَقْرُونَيْنِ) هُنَا صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْ: اللَّذَيْنِ هُمَا الرُّكْنَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الثَّالِثِ إلَخْ.
[بَابُ الصَّوْمِ]
(بَابُ الصَّوْمِ) شُرِعَ الصَّوْمُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ: الْإِمْسَاكُ) أَيْ: مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَالْكَفِّ عَنْ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أَيْ: صَمْتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا هُوَ الْإِمْسَاكُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ
مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا أَيْ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ فَيَقُومُ مَقَامَ الْفَمِ الْأَنْفُ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّ الْوَاصِلَ مِنْهُ لِلْجَوْفِ أَوْ لِلْحَلْقِ مُفَطِّرٌ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْفَرْجِ اللَّمْسُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ.
(ص) يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ (ش) أَيْ: تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ وَتُوجَدُ فِي الْخَارِجِ بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ: مَعَ الْغَيْمِ أَيْ: إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مُغَيِّمَةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُصْحِيَةً فَلَا يَثْبُتُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ وَيُكَذَّبَانِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَقَوْلُهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ أَيْ: إذَا ثَبَتَ أَوَّلُهُ وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ غَيْرَ مُضَافٍ إلَى شَهْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ لِخَبَرِ «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» ، وَثَالِثُهَا يَجُوزُ بِقَرِينَةٍ كَصُمْنَا رَمَضَانَ، وَيُكْرَهُ بِدُونِهَا كَجَاءَ رَمَضَانُ؛ لِمَا قِيلَ إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، فَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُثْبِتُوهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ
. (ص) أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ (ش) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَحَذْفِ مَفْعُولِهِ أَيْ: أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ هِلَالَهُ وَهُمَا الذَّاكِرَانِ الْمُكَلَّفَانِ الْحُرَّانِ الْمُسْلِمَانِ، فَلَا يُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ، وَلَا عَدْلٍ وَامْرَأَةٍ، وَلَا عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ خِلَافًا لِزَاعِمِيهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاسِمِ، وَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ، وَنِصْفِ شَعْبَانَ وَكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَتِهِ
[حاشية العدوي]
لَا عَدَمِيَّةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَنَا بِهِ كَالصَّلَاةِ وَأَمَرَنَا بِهِمَا فَهُوَ عِبَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَهِيَ، وَقَدْ عُلِمَ بِالْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فَعَلَ أَمْرًا كَانَ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ نَهْيًا عَلَى الْمُخْتَارِ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ اهـ. إلَّا أَنْ يُقَالَ مَنْ قَالَ عَدَمِيَّةٌ أَرَادَ أَنَّهُ لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ حِسِّيَّةٌ كَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: مُخَالَفَةً) أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ الْإِمْسَاكِ ذَا مُخَالَفَةٍ لِلْهَوَى وَأَرَادَ بِذَلِكَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لِلصَّائِمِ لَا أَنَّ الصَّوْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَوْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ لَصَحَّ صَوْمُهُ (قَوْلُهُ: اللَّمْسُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْفِطْرَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إلَّا الْمَذْيُ، أَوْ الْمَنِيُّ فَلَمْ يَكُنْ اللَّمْسُ هُوَ الْمُوجِبُ لِذَاتِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَائِمًا مَقَامَ الْفَرْجِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِبًا لِقَوْلٍ ضَعِيفٍ (قَوْلُهُ: أَيْ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ وَتُوجَدُ) أَيْ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ الثُّبُوتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ نَعَمْ الثُّبُوتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مُسَهِّلٌ لِتَعْمِيمِهِ كَذَا قَرَّرَ، ثُمَّ أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ فِي الْخَارِجِ أَيْ: بِحَسَبِنَا لَا بِحَسَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَإِلَّا فَعِنْدَ اللَّهِ قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ قَمَرٌ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ تَتَقَرَّرُ حَقِيقَتُهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يُرَادُ يَثْبُتُ عِنْدَنَا أَيْ: يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الصَّوْمِ عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ) ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا مُتَعَدِّدَةً وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ تت، وَذَكَرَ عج أَنَّهُ يُقَيِّدُ قَوْلَهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَوَالَ قَبْلَهُ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْكَمَالِ وَإِلَّا جُعِلَ شَعْبَانُ نَاقِصًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَالَى خَمْسَةُ أَشْهُرٍ عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يَتَوَالَى أَرْبَعَةٌ عَلَى النَّقْصِ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَرَدَّهُ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِكَلَامِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَمَالِ شَعْبَانَ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ شُهُورًا، وَكَذَا مُحَشِّي تت اعْتَرَضَ عَلَى عج (قَوْلُهُ: وَيُكَذَّبَانِ) أَيْ: الشَّاهِدَانِ بِهِلَالِ شَعْبَانَ (قَوْلُهُ: لِمَا قِيلَ) تَعْلِيلٌ لِلْقَوْلَيْنِ: عَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلِ فَقَدْ حُذِفَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ قَطْعًا لِدَلَالَةِ الْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لِلْقَوْلِ بِالْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا وَجْهُ دَلَالَتِهِ لِلْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ فَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ تُفِيدُ عَدَمَ إرَادَةِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَإِرَادَةِ الشَّهْرِ فَلَا ضَرَرَ فِي عَدَمِ ذِكْرِ الشَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَائِهِ) قَالَ فِي ك، وَرَمَضَانُ إنْ صَحَّ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، وَرَاجِعٌ إلَى مَعْنَى الْغَافِرِ أَيْ: يَمْحُو الذُّنُوبَ وَيَمْحَقُهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي قُوَّةِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: وَالْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ وَالتَّقْدِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
. (قَوْلُهُ: مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْفَاعِلِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَفْعُولَ رُؤْيَةٍ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلتَّتَّائِيِّ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: إضَافَةُ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَحَذْفُ مَفْعُولِهِ وَهُوَ الْهِلَالُ لِوُضُوحِهِ، وَأَرَادَ بِالْعَدْلَيْنِ مَا قَابَلَ الْمُسْتَفِيضَةَ وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ: الْحُرَّانِ الْمُسْلِمَانِ إلَى آخِرِ مَا يَذْكُرُ فِي تَعْرِيفِهِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ فَاسِقٍ تَارِكًا مَا لَا يَلِيقُ بِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: أَيْ أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ هِلَالَهُ) أَيْ: لِصَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَا وَلَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَلَوْ ادَّعَيَا رُؤْيَتَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ الطَّلَبُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يَرَ رُؤْيَتَهُمَا (قَوْلُهُ: فَلَا يُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ) أَيْ: لَا يَصُومُ النَّاسُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ أَيْ: خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَأَمَّا هُوَ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ (قَوْلُهُ: وَلَا عَدْلٍ وَامْرَأَةٍ) أَيْ: خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ، قَالَ بَهْرَامُ: وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهَا فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، أَوْ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ (قَوْلُهُ: وَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ) هَذِهِ الْمَوَاسِمُ الْمُشَارُ بِقَوْلِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاسِمِ، وَعَاشُورَاءُ وَنِصْفُ شَعْبَانَ مَوْسِمٌ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُطْلَبُ فِيهِ، وَالْمَوَاسِمُ جَمْعُ مَوْسِمٍ الزَّمَنُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَلَمْ يُرِدْ بِعَرَفَةَ مَوْضِعَ الْوُقُوفِ بَلْ أَرَادَ بِهِ زَمَنَهُ وَهُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ بِعَاشُورَاءَ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَقَوْلُهُ: كَحُلُولِ دَيْنٍ أَيْ: كَزَمَنِ حُلُولِ دَيْنٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ أَيْ: زَمَنِ إكْمَالِ الْعِدَّةِ فَزَمَنُ حُلُولِ الدَّيْنِ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَزَمَنُ إكْمَالِ الْعِدَّةِ تَعَلَّقَ بِهِ حِلِّيَّةُ النِّكَاحِ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْهِلَالِ عِلْمُ التَّوَارِيخِ أَيْ: هَذَا إذَا أُرِيدَ بِالْهِلَالِ الزَّمَانُ الْمُتَقَدِّمُ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ الزَّمَانُ الْمُتَعَلِّقُ بِحُلُولِ حَادِثَةٍ كَوِلَادَةٍ، أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي عِلْمِ التَّوَارِيخِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك الْمُسَامَحَةُ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْهِلَالِ نَفْسَ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ، وَعِلْمُ التَّوَارِيخِ هُوَ الْعِلْمُ الْمُبَيَّنُ فِيهِ حُدُوثُ مَا يَحْدُثُ فِي الْأَزْمِنَةِ كَمَا قُلْنَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ التَّارِيخُ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ مِنْ حَيْثُ
حُكْمٌ شَرْعِيٌّ: كَحُلُولِ دَيْنٍ أَوْ إكْمَالِ عِدَّةٍ، وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِالْهِلَالِ عِلْمُ التَّوَارِيخِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ، وَيَثْبُتُ بِالْعَدْلَيْنِ فِي الْغَيْمِ وَالْبَلَدِ الصَّغِيرِ اتِّفَاقًا، وَفِي الصَّحْوِ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ بِصَحْوِ مِصْرٍ) خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى قَوْلُهُ: بِكَمَالِ شَعْبَانَ وَيَعُمُّ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَلَا يَعُمُّ إلَّا إذَا نُقِلَ عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ: أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ فَكُلُّ مَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ سَمِعَهُمَا يُخْبِرَانِ بِرُؤْيَتِهِ وَصَدَّقَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا أَوْ بِالْحُكْمِ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي النَّقْلِ عَنْهُمَا كَمَا يَأْتِي
. (ص) فَإِنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبَا (ش) يَعْنِي: إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَمَضَى ثَلَاثُونَ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ غَيْرُهُمَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ فَقَدْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِتَبَيُّنِ كَذِبِهِمَا، وَهَذَا الْحُكْمُ أَعَمُّ مِنْ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ فِي الْمِصْرِ مَعَ الصَّحْوِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا كُذِّبَا فَلَا يَصُومُ النَّاسُ إنْ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ وَلَا يُفْطِرُوا إنْ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ فَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَرَ إلَخْ مُفَرَّعٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهُمَا مَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فَلَا تُكَذَّبُ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرَ أَيْ: يَرَهُ غَيْرُهُمَا، وَأَمَّا هُمَا فَلَا يُقْبَلَانِ لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى تَرْوِيجِ شَهَادَتِهِمَا.
(ص) أَوْ مُسْتَفِيضَةٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ رَمَضَانَ يَتَحَقَّقُ صَوْمُهُ أَيْضًا بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَيْ: الْمُنْتَشِرَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ خَبَرِ مَنْ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ (ص)
[حاشية العدوي]
هُوَ وَقْتٌ وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ تَوْقِيتُ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ لِيُعْلَمَ مِقْدَارُ مَا بَيْنَ ابْتِدَائِهِ وَبَيْنَ أَيِّ غَايَةٍ فُرِضَتْ لَهُ، فَإِذَا قُلْت: كَتَبْت مِنْ يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَقُرِئَ بَعْدَ مَا كَتَبْته بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ عُلِمَ أَنَّ مَا بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَقِرَاءَتِهِ سَنَةٌ، وَاخْتَصَّتْ الْعَرَبُ بِأَنَّهَا تُؤَرِّخُ السَّنَةَ الْقَمَرِيَّةَ دُونَ الشَّمْسِيَّةِ فَلِذَلِكَ تُقَدَّمُ اللَّيَالِي فِي التَّارِيخِ عَلَى الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي اللَّيْلِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ) أَيْ: الْعَدْلُ الَّذِي لَيْسَ بِفَاسِقٍ الَّذِي هُوَ عَدْلُ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ خَبَرٌ أَيْ: ذُو خَبَرٍ أَيْ: كَلَامٌ خَبَرِيٌّ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ أَيْ:؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، بَلْ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ كَلَامٌ خَبَرِيٌّ: كَمَاتَ فُلَانٌ فِي الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: ابْنُ فَرْحُونٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِسَحْنُونٍ) فِيهِ حَمْلٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِمِصْرٍ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَأَنَّ خِلَافَ سَحْنُونَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَبِيرَةِ فَإِنْ قُلْت أَيُّ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمِصْرُ الْكَبِيرَةُ قُلْت: إنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ الْمِصْرَ إنَّمَا يَكُونُ كَبِيرًا فَاسْتَغْنَى عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ وَبِأَنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ وَالْمِصْرَ مَا احْتَوَتْ عَلَى قَاضٍ وَحَوَانِيتَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْأَذَانِ بِوَاحِدٍ وَالْهِلَالِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اثْنَيْنِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يُشَارِكُهُ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ غَيْرُهُ بِحَيْثُ لَوْ أَذَّنَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ لَقِيمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مُدَّعِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ك (قَوْلُهُ: وَيَعُمُّ) أَيْ: كُلَّ مَنْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ كَمَالُ شَعْبَانَ،.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَعُمُّ أَيْ: وَلَا يَعُمُّ كُلَّ مَنْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ رُؤْيَةُ الْعَدْلَيْنِ أَيْ: بِدُونِ سَمَاعٍ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ: إلَّا إذَا نَقَلَ عَنْهُمَا أَيْ: وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ ثَلَاثَةٌ: إمَّا رَاءٍ، أَوْ سَامِعٌ مِنْ الرَّائِي، أَوْ سَامِعٌ مِنْ السَّامِعِ مِنْ الرَّائِي فَالْأَوَّلَانِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّوْمُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الثَّالِثِ إلَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ (قَوْلُهُ: وَصَدَّقَهُمَا) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّصْدِيقُ حَيْثُ كَانَتْ عَدَالَتُهُمَا ثَابِتَةً (قَوْلُهُ: لَا، أَوْ بِالْحُكْمِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ نَقُولُ فِي مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ بِنَفْسِ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ لَا نَقُولُ أَوْ بِالْحُكْمِ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ
. (قَوْلُهُ: صَحْوًا) حَالٌ مِنْ بَعْدَ أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْبَعْدِ صَحْوًا أَيْ: ذَا صَحْوٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَقَعُ حَالًا إلَّا بِتَأْوِيلٍ لَا حَالًا مِنْ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنْ يَعْتَبِرَ فِي الثَّلَاثِينَ أَنْ تَكُونَ مُصْحِيَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت يُقَدِّرُ مُصْحِيًا آخِرَهَا قُلْت لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْمُصْحِيَ إنَّمَا هُوَ الْمُجَاوِرُ لِلْآخِرِ وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ لَا الْآخِرُ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ (قَوْلُهُ: كُذِّبَا) أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا هُمَا فَيَعْمَلَانِ عَلَى اعْتِقَادِهِمَا قَالَ الزَّرْقَانِيُّ اُنْظُرْ لَوْ وَقَعَ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَحَكَمْنَا بِتَكْذِيبِهِمَا هَلْ يُجْزِئُ الصَّوْمُ الْوَاقِعُ بِالنِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا وَأَجَابَ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِالْإِجْزَاءِ لِلْمَشَقَّةِ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ النَّاصِرُ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ مَا نَصُّهُ: أَمَّا الْهِلَالُ إذَا رُئِيَ لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ كَبِيرًا وَلَمْ يَغِبْ إلَّا عِنْدَ الْعِشَاءِ، وَقَدْ كَانَ لَمْ يُرَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ فَهُوَ وُلِدَ لَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا يُعْتَبَرُ كِبَرُهُ وَلَا صِغَرُهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: لِتَبَيُّنِ كَذِبِهِمَا) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ الْهِلَالَ لَا يَخْفَى مَعَ إكْمَالِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَإِنَّمَا يَخْفَى وَيُدْرِكُهُ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ مَعَ نُقْصَانِ الْأَشْهُرِ اهـ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ النَّاسُ يَوْمًا إذَا كَانَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ، وَعَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ هِلَالُ ذِي الْقِعْدَةِ وَكَذَلِكَ يَفْسُدُ الْحَجُّ إذَا شَهِدَا بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ ك (قَوْلُهُ: وَإِذَا كُذِّبَا) أَيْ: حُكِمَ بِتَكْذِيبِهِمَا أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ أَيْ: لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمَا شُهَدَاءَ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ (قَوْلُهُ: أَيْ يَرَهُ غَيْرُهُمَا) هَذَا الْقَيْدُ يُحْتَاجُ لَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا جَرَّتْ لِلشَّاهِدِ نَفْعًا، أَوْ دَفَعَتْ عَنْهُ ضُرًّا مُنِعَتْ (قَوْلُهُ الْحَاصِلَةِ مِنْ خَبَرِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: الْحَاصِلَةِ مِنْ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا جَعَلَ الِاسْتِفَاضَةَ صِفَةً لِلرُّؤْيَةِ أَفَادَ أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ بِالْإِخْبَارِ بِأَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا أَنَّهُ رُئِيَ الْهِلَالُ لَيْسَتْ مُرَادَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْخَبَرِ خَبَرَ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ خَبَرِ مَنْ يَسْتَحِيلُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ هُوَ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ وَهُوَ مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ هُوَ الْخَبَرُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ الْقَرِيبِ مِنْهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَشُهُودُ الْمُسْتَفِيضَةِ لَيْسَ لَهُمْ عَدَدٌ مَحْصُورٌ لَكِنَّهُمْ لَا يَنْقُصُونَ عَنْ خَمْسَةٍ فَقَدْ تَكُونُ الْخَمْسَةُ مُسْتَفِيضَةً إذَا أَفَادَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَقَدْ لَا يَكُونُ إذَا لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ)
وَعَمَّ إنْ نُقِلَ بِهِمَا عَنْهُمَا (ش) أَيْ: وَعَمَّ الْحُكْمُ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ إنْ نُقِلَ بِالْعَدْلَيْنِ أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الِاسْتِفَاضَةِ، وَالْحُكْمِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ لَا عَنْ رُؤْيَتِهِمَا وَإِلَّا كَانَ نَقْلُ شَهَادَتِهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ النَّقْلِ وَلَا يَعُمُّ.
(ص) لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ (ش) مُخْرَجٌ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إلَّا كَأَهْلِهِ أَيْ: لَا بِرُؤْيَةِ مُنْفَرِدٍ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا كَأَهْلِهِ فَيَلْزَمُهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَنٍ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعَلَى جَعْلِهِ مُخْرَجًا مِنْ النَّقْلِ يَكُونُ مَاشِيًا عَلَى ضَعِيفٍ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ وَهُوَ أَنَّ نَقْلَ الْمُنْفَرِدِ يَعُمُّ سَائِرَ النَّاسِ: أَهْلَهُ وَغَيْرَهُمْ
. (ص) وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفَعَ رُؤْيَتَهُ وَالْمُخْتَارِ وَغَيْرِهِمَا (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ وَاَلَّذِي يُرْجَى قَبُولُ شَهَادَتِهِ أَوْ يُرْجَى أَنَّ غَيْرَهُ يُزَكِّيهِ، وَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ جُرْحَةَ نَفْسِهِ إذَا رَأَى أَحَدُهُمْ الْهِلَالَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ شَهَادَتَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَيَشْهَدَ عِنْدَهُ لَعَلَّ أَنْ يَرْفَعَ غَيْرُهُ فَتَكْمُلُ الشَّهَادَةُ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْجُوِّ مَنْ حَالُهُ مَسْتُورٌ لَيْسَ مُنْكَشِفَ الْفِسْقِ، وَأَمَّا مَنْ حَالُهُ مُنْكَشِفٌ فَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ أَشْهَبَ بِاسْتِحْبَابِ رَفْعِهِ، فَعَلَى الْمُؤَلِّفِ مُؤَاخَذَةٌ مِنْ جِهَةِ إيهَامِهِ وُجُوبَ الرَّفْعِ عَلَى غَيْرِهِمَا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى يَصِحُّ فِي غَيْرِهِمَا الْجَرُّ أَيْ: وَعَلَى غَيْرِهِمَا وَالرَّفْعُ أَيْ: وَغَيْرُهُمَا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمَا أَيْ: وَالْمُخْتَارُ طَلَبُ عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَالطَّلَبُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ فَهُوَ مِنْ بَابِ صَرْفِ الْكَلَامِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ " عَلَى " فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ أَيْ: وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ وُجُوبًا، وَعَلَى غَيْرِهِمَا اسْتِحْبَابًا، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ.
(ص) وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ (ش) أَيْ: وَإِنْ أَفْطَرَ الْعَدْلُ وَالْمَرْجُوُّ وَغَيْرُهُمَا الْمُنْفَرِدُونَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَوْ مُتَأَوِّلِينَ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُمْ بَعِيدٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ عِنْدَ عَدِّهِ لِأَصْحَابِ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ حَيْثُ قَالَ: كِرَاءٍ وَلَمْ يُقْبَلْ، فَذِكْرُهُ هُنَا التَّأْوِيلُ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ ضَعِيفٌ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هَذَا غَيْرُ مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ ذَاكَ رَفْعٌ وَلَمْ يُقْبَلْ، وَرَدَّهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ مُوجِبٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا وَهَذَا لَمْ يُرْفَعْ فَلِذَلِكَ جَرَى فِيهِ قَوْلٌ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ
. (ص) لَا بِمُنَجِّمٍ (ش) يَعْنِي:
[حاشية العدوي]
أَيْ: فَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَبِيدًا وَنِسَاءً فَلَا يُكْتَفَى بِهِمْ كَمَا فِي الْحَطَّابِ (قَوْلُهُ: وَعَمَّ الْحُكْمُ) أَيْ: وَعَمَّ الْحُكْمُ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ كُلَّ مَنْقُولٍ إلَيْهِ أَيْ: مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا وَلَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمَطَالِعِ وَلَا عَدَمُهُ وَلَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: عَنْ الِاسْتِفَاضَةِ) وَالْحُكْمِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ، وَمِثْلُهُ الثُّبُوتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ عَامًّا كَالْخَلِيفَةِ، أَوْ خَاصًّا بِنَاحِيَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ النَّقْلِ) أَيْ: لِصِحَّةِ الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا فَإِذَا نُقِلَ عَنْ الْعَدْلَيْنِ فَيَنْقُلُ عَنْهُمَا اثْنَانِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا، وَيَكْفِي نَقْلُ اثْنَيْنِ عَنْ وَاحِدٍ، ثُمَّ هُمَا عَنْ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَعُمُّ) أَيْ: قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِذَا نَقَلَ اثْنَانِ لِقَاضِي بَلَدٍ آخَرَ وَحَكَمَ فَيَعُمُّ، وَلَيْسَ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ وَلَا يَعُمُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى الْهِلَالَ اثْنَانِ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا حَكَمَ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ نَقَلَ عَنْ الِاثْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ اثْنَانِ آخَرَانِ لِبَلَدٍ أُخْرَى وَأَخْبَرَا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الصِّيَامُ، نَعَمْ إذَا أُخْبِرَ الْحَاكِمُ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ الَّتِي نَقَلَا فِيهَا عَنْ الشَّاهِدَيْنِ الرَّائِيَيْنِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَيَعُمُّ فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا كَأَهْلِهِ) الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبِيبَتَهُ كَابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا أَتَى بِالْكَافِ وَذَلِكَ؛ لِيَدْخُلَ مَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَالْخَادِمِ وَالْأَجِيرِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَنٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَهْلُ مُعْتَنِيًا (قَوْلُهُ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ) أَيْ: فَالْمُرَادُ بِكَأَهْلِهِ مَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ كَانُوا أَهْلَهُ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَخُلَاصَتُهُ أَنْ لَا يَثْبُتَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ اعْتِنَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ أَمْ لَا، وَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ اعْتِنَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ لَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ: كَأَهْلِهِ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَلَا مَعْنَى لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَّا لِمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الْوَاحِدِ كَافِيَةٌ فِي مَحَلٍّ لَا اعْتِنَاءَ فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ، وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَثِقُ النَّفْسُ بِخَبَرِهِمَا وَتَسْكُنُ بِهِ لِعَدَالَةِ الْمَرْأَةِ وَحُسْنِ سِيرَةِ الْعَبْدِ كَمَا أَفَادَهُ عج.
(قَوْلُهُ: ابْنُ مُيَسَّرٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ إسْكَنْدَرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنَّ نَقْلَ الْمُنْفَرِدِ يَعُمُّ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَحَلُّ لَا يُعْتَنَى فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ اتِّفَاقًا، أَوْ يُعْتَنَى عَلَى مَا عَلَيْهِ جَمٌّ غَفِيرٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُنْقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ، أَوْ عَنْ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَلَا يُعْتَبَرُ نَقْلُهُ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ أَنْفُسِهِمَا.
(قَوْلُهُ: الْجَرُّ) أَيْ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلٍ أَيْ: فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ وَقَوْلُهُ: وَالرَّفْعُ أَيْ: فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ أَفَادَ ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ (قَوْلُهُ: أَيْ وَالْمُخْتَارُ طَلَبُ إلَخْ) أَيْ: فَقَدْ اسْتَعْمَلَ عَلَى فِي مُطْلَقِ الطَّلَبِ فَهُوَ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ،.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَعْدُ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ إلَخْ فَقَدْ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَعَبَّرَ بِالِاسْمِ؛ لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ اخْتَارَ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ نَدْبِ الرَّفْعِ وَلَمْ يَخْتَرْ مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ وُجُوبِهِ، فَإِنْ قُلْت: أَيُّ ثَمَرَةٍ فِي رَفْعِ الْغَيْرِ مِنْ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ قَطْعًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا فِي تَنْشِيطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ (قَوْلُهُ أَيْ: وَإِنْ أَفْطَرَ الْعَدْلُ إلَخْ) أَيْ: وَأَمَّا إنْ أَفْطَرَ أَهْلُ الْمُنْفَرِدِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ فَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ تَأَوَّلُوا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ عَدْلَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَاكَ فِي رَفْعٍ وَلَمْ يُقْبَلْ) أَيْ: وَمَا رُفِعَ إلَّا لِكَوْنِهِ عِنْدَهُ شِدَّةُ جَزْمٍ.
(قَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ جَرَى فِيهِ قَوْلٌ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
(قَوْلُهُ: لَا بِمُنَجِّمٍ)
أَنَّ الصَّوْمَ يَثْبُتُ بِمَا تَقَدَّمَ لَا بِقَوْلِ مُنَجِّمٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا فِي حَقِّهِ هُوَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ حَصَرَ الثُّبُوتَ فِي: الرُّؤْيَةِ، أَوْ الشَّهَادَةِ، أَوْ إكْمَالِ الْعَدَدِ فَلَمْ يُخْبِرْ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ فَإِذَا قَالَ الْمُنَجِّمُ مَثَلًا: الشَّهْرُ نَاقِصٌ أَوْ زَائِدٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، وَلَا إلَى حِسَابِهِ، وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ أَمْ لَا
. (ص) وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ، وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ لَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الظَّاهِرِ، وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْأَذَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِقَادِهِ فِي نَفْسِهِ عَدَمُ الظُّهُورِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الظُّهُورِ، وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالنِّيَّةِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ وَصَوْمُ الْعِيدِ حَرَامٌ.
(ص) إلَّا بِمُبِيحٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ الْفِطْرِ لِلْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ مِنْ: مَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ سَفَرٍ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِفْطَارُ ظَاهِرًا، كَمَا يَجِبُ بِالنِّيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ لِلْعُذْرِ
. (ص) وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أَوَّلَهُ لِآخَرَ آخِرَهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَدْلٌ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَشَهِدَ عَدْلٌ آخَرُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ فَهَلْ تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الْأَفْعَالِ؟ فَإِنْ كَانَ رُؤْيَةُ الثَّانِي بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَشَهَادَتُهُ مُصَدَّقَةٌ لِلْأَوَّلِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَقَدْ اتَّفَقَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْهُ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَلَا يُفْطِرُونَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ لَا تُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شَوَّالٍ لِجَوَازِ كَوْنِ الشَّهْرِ كَامِلًا، وَإِنْ شَهِدَ الثَّانِي بَعْدَ ثَلَاثِينَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي فَيَجِبُ الْفِطْرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ لَا تُلَفَّقُ وَعَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الصَّوْمُ شَرْعًا؛ إذْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِي الرُّؤْيَةِ كَالْعَدَمِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ التَّلْفِيقِ
. (ص) وَلُزُومُهُ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ تَرَدُّدٌ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْمُخَالِفَ إذَا حَكَمَ بِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ بِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إفْتَاءٌ لَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ مِنْ: صَلَاةٍ، وَنَحْوِهَا فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ صَلَاةٍ وَلَا بُطْلَانِهَا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ حُقُوقَ الْعِبَادِ وَجَزَمَ بِهِ تِلْمِيذُهُ الْقَرَافِيُّ وَتَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَسَنَدٌ وَقَوْلُهُ: تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
. (ص) وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْهِلَالَ إذَا رَآهُ النَّاسُ فِي النَّهَارِ فَإِنَّهُ يَكُونُ
[حاشية العدوي]
هُوَ الْحَاسِبُ الَّذِي يَحْسُبُ قَوْسَ الْهِلَالِ وَنُورَهُ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَالْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ، أَوْ الْمَسْرُوقِ، أَوْ الضَّالِّ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الظَّاهِرِ) قَالَ فِي ك: الْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ مَا قَابَلَ النِّيَّةَ فَيَشْمَلُ مَا لَوْ اخْتَفَى عَنْ النَّاسِ بِدَلِيلِ الْمُبَالَغَةِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّهِ كَذَلِكَ) أَيْ: بِحَسَبِ مَا يُقَدَّرُ مِنْ الظُّهُورِ عِنْدَ النَّاسِ (قَوْلُهُ: وَصَوْمُ الْعِيدِ حَرَامٌ) أَيْ: تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِيهِ حَرَامٌ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِمُبِيحٍ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا قَبْلَهُ أَيْ: وَلَا بُدَّ أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ الْمُبِيحِ وَقَوْلُهُ: أَوْ سَفَرٍ أَيْ: وَلَوْ أَنْشَأَهُ لِقَصْدِ السَّفَرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّائِي فَلَا يَجُوزُ لَهُ إنْشَاؤُهُ لِقَصْدِ فِطْرِهِ فَإِنْ تَلَبَّسَ بِهِ أُبِيحَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ الْإِفْطَارُ ظَاهِرًا) فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ قَرَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ صَوَابَهُ الْجَوَازُ قَائِلًا؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَجِبُ، بَلْ لَوْ أَمْسَكَ عَنْ الْأَكْلِ يَوْمَ الْعِيدِ فَلَا يَحْرُمُ إنْ كَانَ قَدْ بَيَّتَ الْفِطْرَ وَعَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ فَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْعِيدِ لَا وُجُوبِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : مِثْلُ الْمُبِيحِ فِطْرُ الرَّائِي فِي وَقْتٍ يَلْتَبِسُ بِالْغُرُوبِ، أَوْ الْفَجْرِ بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى أَنَّ فِطْرَهُ لِظَنِّ ذَلِكَ لَقُبِلَ مِنْهُ، وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ نَسِيَ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَوْ لَا إذْ قَبُولُ قَوْلِهِ لَا يُسَوِّغُ لَهُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِطْرِ
(قَوْلُهُ: أَوَّلَهُ إلَخْ) أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: بِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَإِطْلَاقُ الْآخِرِ عَلَى مُجَاوِرِهِ وَهُوَ هِلَالُ شَوَّالٍ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ
(قَوْلُهُ: بِشَاهِدٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ عِنْدَنَا كَأَمَةٍ وَعَبْدٍ مَقْبُولَتَيْنِ عِنْدَ حَنْبَلِيٍّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَّفِقَ عِنْدَنَا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الصَّوْمِ بِحُكْمِهِ بِغَيْرِ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ) أَيْ: مَحَلًّا يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ إفْتَاءٌ لَا حُكْمٌ) قَالَ اللَّقَانِيِّ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ: مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ فِيهَا بِصِحَّةٍ وَلَا بُطْلَانٍ، وَانْظُرْ إذَا قِيلَ بِلُزُومِ الصَّوْمِ فِي الثَّانِيَةِ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ وَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ الْفِطْرُ.
(تَنْبِيهٌ) : أَوْرَدَ عَلَى الْقَرَافِيِّ فِي قَوْلِهِ الْحُكْمُ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ الْقَضَاءَ بِتَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ وَقَالَ الرَّصَّاعُ فِي شَرْحِ ابْنِ عَرَفَةَ لِلصَّوْمِ إنَّ كُلَّ مَا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهِ كَانَ عِبَادَةً وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا: إذَا تَنَازَعَ الزَّوْجُ مَعَ عَصَبَةِ الْمَيِّتَةِ فِي مَحَلِّ الدَّفْنِ قَالَ فِي الطِّرَازِ يُقْضَى لِأَهْلِهَا (أَقُولُ) : وَأَيْضًا هَذَا يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا أَيْ: عَنْ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ إلَخْ فِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِثُبُوتِ الشَّهْرِ لَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ ثُبُوتِ الشَّهْرِ وُجُوبُ الصَّوْمِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلُزُومُهُ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ أَنَّ حُكْمَ الْمُخَالِفِ بِأَكْثَرَ مِنْ شَاهِدٍ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ، وَظَاهِرُ تَعْلِيلِ الْقَرَافِيِّ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِفْتَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ فُتْيَا مَعَ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مُعْتَبَرٌ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُدْرِكَ هَذَا الْحُكْمِ لَمَّا كَانَ ضَعِيفًا لِكَوْنِهِ حَكَمًا فِي الْعِبَادَاتِ لَمْ يُعْتَبَرْ حُكْمُهُ (قَوْلُهُ: تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ)
لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ لَا لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي رُؤْيَتِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْفِطْرِ إنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ، وَعَلَى الصَّوْمِ إنْ وَقَعَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ وَقَوْلُهُ: وَرُؤْيَتُهُ أَيْ: فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّصَهُ بِهِلَالِ شَوَّالٍ.
(ص) ، وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ وَإِلَّا كَفَّرَ إنْ انْتَهَكَ (ش) يَعْنِي: أَنَّ رَمَضَانَ إذَا ثَبَتَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ رُئِيَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْكَفُّ عَنْ الْأَكْلِ فِي حَقِّ مَنْ أَكَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ فِيهِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْ وَأَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا بِأَكْلٍ أَوْ جِمَاعٍ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ إنْ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ بِعِلْمِهِ الْحُكْمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَهِكٍ بِأَنْ تَأَوَّلَ جَوَازَ الْفِطْرِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّوْمِ فَلَا كَفَّارَةَ
(ص) وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ (ش) غَيَّمَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ يُقَالُ غَيَّمَتْ السَّمَاءُ تَغْيِيمًا وَأَغَامَتْ السَّمَاءُ تُغَيِّمُ إغْيَامًا إذَا عَلَاهَا الْغَيْمُ وَقَوْلُهُ: غَيَّمَتْ أَيْ: لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ لَا لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ كَمُلَتْ وَقَوْلُهُ: فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْبَعْضِ وَهُوَ الصَّبِيحَةُ بِاسْمِ الْكُلِّ وَهُوَ الْيَوْمُ، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: فَصَبِيحَةُ صَبِيحَةِ يَوْمِ الشَّكِّ أَيْ: الْيَوْمِ الْمُسَمَّى بِيَوْمِ الشَّكِّ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ، وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ مَنْهِيًّا عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ بَيَّنَ وُجُوهَ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ:.
(ص) وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وَقَضَاءً وَكَفَّارَةً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ (ش) أَيْ: جَازَ صَوْمُهُ عَادَةً لِمَنْ عَادَتُهُ سَرْدُ الصَّوْمِ أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَوَافَقَهُ وَتَطَوُّعًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَضَاءً عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَفَّارَةً عَنْ هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ وَنَذْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَضَى يَوْمًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ وَيَوْمًا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَيَجِبُ صَوْمُهُ لِنَذْرٍ صَادَفَ كَمَنْ نَذَرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ فَيَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ لِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلنَّذْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَفَاتَ قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: صَادَفَ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَوْمُ الشَّكِّ لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَطَوُّعًا جَوَازُ صَوْمِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلَا يَرِدُ حَدِيثُ «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصِلْهُ» ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا قَالَ النَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى تَحَرِّي التَّقْدِيمِ تَعْظِيمًا لِلشَّهْرِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ قَبْلَهُ عَادَةً أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَنَحْوِهَا فَوَافَقَهُ وَقَوْلُهُ: (لَا احْتِيَاطًا) أَيْ: لَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ فَمَنْ صَامَهُ كَذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُهُ إذَا صَادَفَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لِتَزَلْزُلِ النِّيَّةِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَعَلَيْهِ حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ وَأَبُو إِسْحَاقَ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَنْبَغِي صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَفِي الْجَلَّابِ يُكْرَهُ، ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
(ص) وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ لِيَتَحَقَّقَ
[حاشية العدوي]
أَيْ: فَحُذِفَ مِنْ إحْدَاهُمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ أَوْ حُذِفَ مِنْ أَوَّلِهِمَا لِدَلَالَةِ الثَّانِي وَهُوَ أَظْهَرُ
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ) اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ فَإِنَّهُ لَا مَوْقِعَ لَهُ فَلَوْ قَالَ بَيَّتَ النِّيَّةَ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهَا لَكَانَ أَحْسَنَ بَقِيَ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْقَصْدُ وَالْجَزْمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا مُتَعَلِّقُهُ الْأَمْرُ الْمَجْزُومُ بِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنِّيَّةِ الْمَنْوِيُّ أَيْ: لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالْمَنْوِيِّ أَيْ: وَالْجَزْمُ بِهِ يَرْجِعُ إلَى النِّيَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِعَكْسِ ذَلِكَ يَوْمُ الشَّكِّ صَبِيحَةُ الثَّلَاثِينَ إذَا كَانَ صَحْوًا حَيْثُ تَحَدَّثَ فِيهَا بِالرُّؤْيَةِ مَنْ لَا تَثْبُتُ بِهِ: كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ لَا صَبِيحَةَ الْغَيْمِ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ لِلشَّكِّ (قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ إلَخْ) لَا تَسْمِيَةَ إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ عَلَى الْبَعْضِ بِالْكُلِّ، وَالْحُكْمُ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ نَعَمْ لَوْ قَالَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ لَصَحَّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى) وَجْهُهَا كَوْنُ ذَلِكَ أَوْضَحَ مَعْنًى (قَوْلُهُ: وَصِيمَ) أَيْ: أُذِنَ فِي صَوْمِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَادَةً وَتَطَوُّعًا؛ أَوْ الْوُجُوبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَقَضَاءً (قَوْلُهُ: وَتَطَوُّعًا) أَيْ: لَا لِعَادَةٍ وَلَا لِسَرْدٍ (قَوْلُهُ: وَقَضَاءً) وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ فَهَلْ يَقْضِيهِ، أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَصَوَّبَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهُ ظَنًّا أَنَّهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَتَطَوُّعًا عَلَى الْمَشْهُورِ) مُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ مَسْلَمَةَ مِنْ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةً عَنْ هَدْيٍ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَكَفَّارَةً عَنْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ فِدْيَةٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْفِدْيَةِ وَالْهَدْيِ لَا أَنَّهُ كَفَّارَةٌ عَنْهُمْ (قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ نَذَرَ مَعْصِيَةً) هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَذْرُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ يَوْمَ الشَّكِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ أَيْ: أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَهُ الْفِطْرُ إنْ نَذَرَ صِيَامَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ أَيْ: عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ احْتَسَبَ بِهِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ تَطَوُّعًا كَمَا فِي شَرْحِ شب قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ لَا إنْ نَذَرَهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ بِجَوَازِ التَّطَوُّعِ بِهِ فَيَلْزَمُهُ نَذْرُهُ (قَوْلُهُ: لَا تُقَدِّمُوا) فِي نُسْخَةِ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِالشَّكْلِ بِضَمَّةٍ عَلَى التَّاءِ (قَوْلُهُ: إلَّا رَجُلٌ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ فِي تُقَدِّمُوا (قَوْلُهُ: فَلْيَصِلْهُ) كَذَا فِي نُسْخَتِهِ أَيْ: فَلْيَصِلْ ذَلِكَ الصَّوْمَ (قَوْلُهُ: الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ إلَخْ) أَيْ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ عَصَى اللَّهَ غَيْرُ مُرَادٍ ظَاهِرُهُ بَلْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ شِدَّةِ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: إمْسَاكُهُ) ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى يَوْمِ الشَّكِّ، وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَاسْتَقَرَّ بِهِ بَعْضٌ
(ش) يَعْنِي: أَنَّ الْمُكَلَّفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ لِأَجْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرَ فِيهِ بِارْتِفَاعِ النَّهَارِ وَخَبَرِ الْمُسَافِرِينَ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فَقَوْلُهُ: إمْسَاكُهُ أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ أَيْ: إمْسَاكُ أَوَّلِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لِيَتَحَقَّقَ فَإِنَّ التَّحَقُّقَ يَحْصُلُ بِالْبَعْضِ.
(ص) لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ (ش) يَعْنِي: لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَاحْتَاجَ الْأَمْرُ فِيهِمَا إلَى التَّزْكِيَةِ لَهُمَا وَفِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ حِينَئِذٍ أَيْ: إمْسَاكٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ الْأَمْرُ فِيهِ، فَلَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ الْإِمْسَاكِ فِيهِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لَا لِأَجْلِ تَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي نَهَارًا بِرُؤْيَتِهِ وَاحْتَاجَ إلَى الْكَشْفِ عَنْهُمَا، وَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ صِيَامٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنْ زُكِّيَا بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَامُوا وَمِنْ تَقْدِيرِ اللَّامِ لِلتَّعْلِيلِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يُفْهَمُ التَّقْيِيدُ بِأَنَّ فِي التَّزْكِيَةِ تَأْخِيرًا وَزِيَادَةً عَلَى الْإِمْسَاكِ السَّابِقِ لِلتَّحَقُّقِ أَيْ: لَا يُسْتَحَبُّ إمْسَاكٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ لِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، فَلَمْ يُهْمِلْ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ الْقَيْدَ كَمَا قِيلَ.
(ص) أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبَاحٌ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ (ش) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: تَزْكِيَةِ أَيْ: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ وَلَا لِزَوَالِ عُذْرٍ إذَا كَانَ عُذْرًا يُبَاحُ مَعَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ: كَالْحَيْضِ يَزُولُ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ السَّفَرِ، أَوْ الصِّبَا، وَيُبَاحُ لَهُمْ التَّمَادِي عَلَى الْفِطْرِ وَقَوْلُهُ: (كَمُضْطَرٍّ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِلْعُذْرِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْ: كَمُضْطَرٍّ لِجُوعٍ أَوْ لِعَطَشٍ زَالَ بِالْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ: وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَا، وَمُرْضِعٍ مَاتَ وَلَدُهَا، وَمَرِيضٍ قَوِيَ، وَصَبِيٍّ بَلَغَ، وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَا فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَمَادَوْنَ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَوْ بِالْجِمَاعِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ عَمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ لَا مَعَ الْعِلْمِ بِهِ كَالْأَكْلِ نَاسِيًا يَتَذَكَّرُ، أَوْ فِي يَوْمِ شَكٍّ ثُمَّ يَثْبُتُ فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ، وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أُمُورٌ اُنْظُرْهَا فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.
(ص) فَلِقَادِمٍ وَطْءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ (ش) هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ جَوَازِ التَّمَادِي عَلَى الْفِطْرِ أَيْ: فَبِسَبَبِ ذَلِكَ يُبَاحُ لِمَنْ قَدِمَ نَهَارًا مِنْ سَفَرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَقَدْ بَيَّتَهُ فِيهِ؛ وَطْءُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَاغْتَسَلَتْ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُبَيِّتْ الصَّوْمَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ قَادِمَةً مِثْلَهُ، أَوْ كِتَابِيَّةً وَلَوْ غَيْرَ مَعْذُورَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ صَائِمَةٍ قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ
. (ص) وَكَفُّ لِسَانٍ (ش) هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ لِيَتَحَقَّقَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا عَنْ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَوَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ وَيَتَأَكَّدُ فِي الصَّوْمِ وَلَا يُبْطِلُهُ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ كَلَامِ الرِّسَالَةِ، وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ إلَخْ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا حَمَلَهُ ابْنُ نَاجِي، وَحَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ ظَاهِرٍ
. (ص) وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ (ش) أَيْ: يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: لِأَجْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ) أَفَادَ أَنَّ اللَّامَ فِي لِيَتَحَقَّقَ لِلتَّعْلِيلِ وَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ: يَثْبُتَ مِنْ حَقٍّ ثَبَتَ، وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: يُتَصَوَّرُ أَيْ: يُدْرَكُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْغَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ (قَوْلُهُ: شَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي نَهَارًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عِنْدَ الْقَاضِي لَيْلًا وَتَزْكِيَتُهُمَا تَتَأَخَّرُ إلَى النَّهَارِ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، بَلْ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ الْعُمُومُ الْمُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُبَيِّتُ الصَّوْمَ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُسْتَحَبُّ إمْسَاكٌ زَائِدٌ إلَخْ) فِي ك لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَيَتَأَكَّدُ لِأَجْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ فِيهِ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَثَّرَتْ فِيهِ رِيبَةً فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَزْكِيَةِ) لَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ فِي الشَّكِّ؛ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِيَتَحَقَّقَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَمُضْطَرٍّ إلَخْ) فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ وَيَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَتَعَاطَى أَوَّلًا مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِطْرُ لِأَجْلِهِ كَمُضْطَرٍّ لِشُرْبٍ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ لَكِنْ قَالَ الْمَوَّاقُ: إنَّهُ إذَا بَدَأَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: تَشْبِيهًا إلَخْ) مِنْ تَشْبِيهِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ بِمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ فَرْدًا مُغَايِرًا لِلْعَامِّ (قَوْلُهُ: وَصَبِيٍّ بَلَغَ) أَيْ: بَيَّتَ الْفِطْرَ أَوْ الصَّوْمَ وَأَفْطَرَ عَمْدًا قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَوْ لَمْ يَنْوِ صَوْمًا وَلَا فِطْرًا، وَأَمَّا لَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ وَاسْتَمَرَّ صَائِمًا حَتَّى بَلَغَ، أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْإِمْسَاكُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ كَالصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ (قَوْلُهُ: وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ إلَخْ) هَذَانِ يَرِدَانِ عَلَى مَفْهُومِهِ وَيَرِدُ عَلَى مَنْطُوقِهِ الْمُكْرَهُ فَإِنَّ مَنْ أَفْطَرَ لِإِكْرَاهٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ مَعَ زَوَالِ عُذْرِهِ مَعَ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ فِيهِ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَيُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَفِعْلُهُ لَا يَتَّصِفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَكَذَا فِعْلُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ وَفِي شب التَّصْرِيحُ بِأَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: لَمْ تُبَيِّتْ الصَّوْمَ) أَيْ: أَوْ بَيَّتَتْ وَأَفْطَرَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي شَرْحِ عب وَانْظُرْ لَوْ بَيَّتَتْهُ هَلْ لَهُ إبْطَالُهُ نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ بَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ غَيْرَ مَعْذُورَةٍ) أَيْ: هَذَا إذَا كَانَتْ مَعْذُورَةً بِأَنْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ، بَلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ صَائِمَةٍ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً لَا يُبَاحُ لَهُ مُجَامَعَتُهَا وَفِي شَرْحِ شب وَلَوْ صَائِمَةً فِي دِينِهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ بِأَنْ كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِالصَّوْمِ الْمَطْلُوبِ فِي دِينِهِمْ اهـ. وَلَا يُعَارِضُ هَذَا عَدَمَ مَنْعِهِ لَهَا مِنْ كَنِيسَةٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَطْءِ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ، ثُمَّ وَجَدْت الْحَطَّابَ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا يُوَافِقُ شَارِحَنَا نَاقِلًا لَهُ عَنْ أَصْبَغَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ) قَالَ مَالِكٌ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَفِي الْحَدِيثِ بَعْدَهَا وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى الْفِطْرِ الْخَفِيفِ كَثَلَاثِ
الْفِطْرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِمْسَاكُ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ السُّنَّةُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ الطَّرِيقَةُ فَلَا مُنَافَاةَ وَتَعْيِينُ الْحُكْمِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَنَسٍ «كَانَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ التَّمْرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحَلَاوَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ لِلْبَصَرِ مَا زَاغَ مِنْهُ بِالصَّوْمِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ وَهْبٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ طَهُورٌ قَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ اُسْتُحِبَّ فِطْرُهُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ.
(ص) وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ (ش) أَيْ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَقَدْ «كَانَ الْمُصْطَفَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُؤَخِّرُ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ السُّحُورِ وَالْفَجْرِ مِقْدَارُ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً» كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ
. (ص) وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ لِلشَّخْصِ الْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي سَفَرِهِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ وَسَيَأْتِي شُرُوطُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] أَيْ: وَيُكْرَهُ الْفِطْرُ، وَأَمَّا قَصْرُ الصَّلَاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إتْمَامِهَا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْقَصْرِ وَلِسُهُولَةِ الصَّوْمِ مَعَ النَّاسِ غَالِبًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّوْمُ لِلْمُسَافِرِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ بَيْتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا بَالَغَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ وَطَنَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ فَدَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ
. (ص) وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَحُجَّ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ (ش) يُرِيدُ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا هُوَ فَيُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ وَقَدْ «أَفْطَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ» وَأَنَّ صِيَامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مُسْتَحَبٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَعْدِلُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ سَنَةً؟ وَهَذَا مَا عَدَا الثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَعْدِلُ سَنَةً، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْدِلُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ إذْ الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ: التِّسْعَةُ الْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ
[حاشية العدوي]
تَمَرَاتٍ، أَوْ زَبِيبَاتٍ، أَوْ حَسَيَاتٍ مِنْ الْمَاءِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى الْعِشَاءِ (قَوْلُهُ: فَلَا مُنَافَاةَ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَةَ تَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ (قَوْلُهُ: وَتَعْيِينُ الْحُكْمِ) أَيْ: الْحُكْمِ الظَّاهِرِيِّ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ مُقَابَلَةُ الْمَنْدُوبِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
(تَنْبِيهٌ) : يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ كَالْيَهُودِ الْمُؤَخِّرِينَ وَقْتَ فِطْرِهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ عَرَضَ، أَوْ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ كَمَالِ صَوْمِهِ فَلَا يُكْرَهُ كَذَا قَالُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي فِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ) يُطْلَقُ الْمَذْهَبُ وَيُرَادُ بِهِ الرَّاجِحُ وَهُوَ الْمُرَادُ، وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ وَنَصَّ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَقَرَّرَ الْجُزُولِيُّ كَلَامَ الرِّسَالَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ تَعْجِيلَ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرَ السُّحُورِ سُنَّتَانِ وَمِثْلُهُ لِلْقَبَّابِ (قَوْلُهُ: «عَلَى رُطَبَاتٍ» ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ جَمْعُ رُطَبَةٍ كَذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ» إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ بَعْدَ التَّمْرِ مِنْ الْحُلْوِ وَإِلَّا اسْتَعْمَلَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ التَّمْرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالْمُنَاسِبُ لِتَقْدِيمِ الرُّطَبِ أَنْ يَقُولَ: وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الرُّطَبُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: «حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» ) فِي الْمِصْبَاحِ الْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ مِلْءُ الْفَمِ مِمَّا يُحْسَى وَالْجَمْعُ حُسًا وَحَسَوَاتٌ مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدًى وَمَدَيَاتٌ، وَالْحَسْوَةُ بِالْفَتْحِ قِيلَ: لُغَةٌ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ اهـ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ حَسَوَاتٍ يَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَبِضَمِّهَا، وَالْمَسْمُوعُ الْفَتْحُ، وَلْتُحَرِّرْ الرِّوَايَةَ (قَوْلُهُ: مَا زَاغَ مِنْهُ بِالصَّوْمِ) أَيْ: مَا كَلَّ وَضَعُفَ مِنْهُ بِسَبَبِ الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ) فِي شَرْحِ عب وَلَعَلَّ الرُّطَبَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عِنْدَنَا خِلَافُهُ فِي عِلْمِي.
(أَقُولُ) : قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِهِ النَّدْبُ، وَالظَّاهِرُ الْحُصُولُ بِالْأَقَلِّ وَالْأَوْلَى الثَّلَاثُ، وَكَلَامُ عب رُبَّمَا يُفِيدُهُ (قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّ الْجَمْعَ أَحْسَنُ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَمْ يَظْهَرْ (قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ) هُوَ بِالْفَتْحِ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَبِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِالْفِطْرِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَهُوَ الْأَكْلُ وَقْتَ السَّحَرِ وَيَدْخُلُ وَقْتُ السُّحُورِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ وَكُلَّمَا تَأَخَّرَ كَانَ أَفْضَلَ، وَأَشْعَرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِنَدْبِ أَصْلِ السُّحُورِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي خَبَرِ «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةِ مَاءٍ» قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَمَا أَنَّ السُّنَّةَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَذَلِكَ السُّنَّةُ تَقْدِيمُ الْإِمْسَاكِ إذَا قَرُبَ الْفَجْرُ عَنْ مَحْظُورَاتِ الصِّيَامِ (قَوْلُهُ: خَمْسِينَ آيَةً) اُنْظُرْ فَإِنَّ الْآيَاتِ فِيهَا الْقَصِيرُ وَفِيهَا الطَّوِيلُ وَلَكِنَّ الْقَصْدَ التَّقْرِيبُ
(قَوْلُهُ: لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْقَصْرِ) أَيْ: وَلَمْ تَبْرَأْ الذِّمَّةُ بِالْفِطْرِ وَهَذَا فَرْقٌ وَقَوْلُهُ: وَلِسُهُولَةِ إلَخْ فَرْقٌ آخَرُ وَصُعُوبَةِ الْإِتْمَامِ فِي السَّفَرِ وَفَرْقٌ آخَرُ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الصَّوْمِ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْقَصْرِ
(قَوْلُهُ: وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ) وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَكُرِهَ لِحَاجٍّ صَوْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْفِطْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَنُدِبَ صَوْمُ غَيْرِ عَرَفَةَ وَالتَّرْوِيَةِ وَلَوْ لِحَاجٍّ (قَوْلُهُ: هَلْ يَعْدِلُ شَهْرًا) وَهُوَ لِلشَّارِحِ بَهْرَامَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَهْرَيْنِ) وَهُوَ لِلْحَطَّابِ (قَوْلُهُ: أَوْ سَنَةً) أَيْ: كَمَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْدِلُ سَنَتَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ مَعْنَاهُ إنْ وَجَدَ شَيْئًا فِي الَّتِي بَعْدَهُ يُكَفِّرُهُ وَإِلَّا حَصَلَ الثَّوَابُ.
وَقَالَ فِي ك: ظَاهِرُهُ حُصُولُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الثَّوَابِ وَلَوْ صَامَ مَا ذُكِرَ قَضَاءً لَكِنْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ يَعْنِي: تَطَوُّعًا، وَأَمَّا قَضَاءً فَلَا لِفَوَاتِ الْمَنْدُوبِ وَإِنْ لَمْ يُنَافِ الْوَاجِبَ (قَوْلُهُ: مِنْ تَغْلِيبِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ) الْمُنَاسِبُ
ص) وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ (ش) عَاشُورَاءُ وَتَاسُوعَاءُ أَيْضًا مَمْدُودَانِ: الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَعْنَى: أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَوْمِ تَاسُوعَاءَ مُسْتَحَبٌّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا اتِّخَاذِ ذَلِكَ سُنَّةً لَا بُدَّ مِنْهَا وَإِلَّا كُرِهَ لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً: الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاكْتِحَالُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَزِيَارَةُ عَالِمٍ، وَعِيَادَةُ مَرِيضٍ، وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ أَيْ: وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الصَّوْمُ وَالتَّوْسِعَةُ، وَبَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهَا يَوْمُ ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ فِيهِ دَعَا زَكَرِيَّا فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَسَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ فِيهِ بُعِثَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَخَامِسَ عَشَرَ ذِي الْقِعْدَةِ فِيهِ أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ، وَنِصْفُ شَعْبَانَ لِنَسْخِ الْآجَالِ، وَالْخَمِيسُ وَالِاثْنَيْنُ لِلتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ فِيهِمَا وَعَدَّ عِيَاضٌ مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صَوْمُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الْمُحَرَّمِ، وَكَرِهَ بَعْضٌ صَوْمَ يَوْمِ الْمَوْلِدِ أَيْ:؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ
. (ص) وَالْمُحَرَّمِ وَرَجَبٍ وَشَعْبَانَ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَوَّلُ الشُّهُورِ الْحُرُمِ، وَرَجَبٍ وَهُوَ الشَّهْرُ الْفَرْدُ عَنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَشَعْبَانَ لِخَبَرِ «عَائِشَةَ مَا رَأَيْت الْمُصْطَفَى أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» وَعَنْهَا «مَا رَأَيْت الرَّسُولَ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي
[حاشية العدوي]
أَنْ يَقُولَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: مَمْدُودَانِ) خَبَرُ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ أَيْضًا: وَقَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ عِشْت إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» فَلَمْ يَأْتِ الْقَابِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ فَلَمْ يَصُمْ التَّاسِعَ قَطُّ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَصُومُهُ» فَالِاحْتِيَاطُ صَوْمُهُ ك (قَوْلُهُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ) أَيْ: أَنَّ الْمُرَادَ بِعَاشُورَاءَ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ عَرَفَةَ مُحَمَّدِيٌّ وَعَاشُورَاءَ مُوسَوِيٌّ (قَوْلُهُ: الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ) أَيْ: الْإِخْوَانِ.
(قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ: طَرِيقَةً لَا بُدَّ مِنْهَا أَيْ: كَالْأَمْرِ الْوَاجِبِ، أَوْ سُنَّةً اصْطِلَاحِيَّةً مُؤَكَّدَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ فَلَا هَذَا ظَاهِرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ اعْتِقَادٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ مُؤَكَّدَةً (قَوْلُهُ: وَالِاكْتِحَالُ) هَذَا يَأْتِي عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ جَوَازِهِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ الْحُرْمَةُ إذَا كَانَ غَيْرَ ضَرُورَةٍ (قَوْلُهُ: وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ) ذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ رَأْسَ الْيَتِيمِ يُمْسَحُ مِنْ وَسَطِهِ إلَى نَاصِيَتِهِ وَمَنْ لَهُ أَبٌ يُمْسَحُ مِنْ نَاصِيَتِهِ إلَى وَسَطِهِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ: لَمْ يُرِدْ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الصَّوْمَ وَالتَّوْسِعَةَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ» اهـ.
وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ وَقَالَ «إذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ صُمْنَا التَّاسِعَ» اهـ. أَيْ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَاسْتِحْسَانٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ: دَعَا زَكَرِيَّا) أَيْ: يَرْزُقُهُ اللَّهُ غُلَامًا كَمَا فِي الْآيَةِ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ) .
اعْلَمْ أَنَّ آدَمَ لَمَّا وَصَلَ إلَى مَكَانِ الْبَيْتِ نَزَلَ إلَيْهِ جَبْرَائِيلُ بِيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ تَلْتَهِبُ نُورًا لَهَا بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ مُقَابِلُهُ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ تِبْرِ الْجَنَّةِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ قَنَادِيلَ مِنْ تِبْرِ الْجَنَّةِ تَلْتَهِبُ نُورًا بَابُهَا مَنْظُومٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَبْيَضَ وَالْحَجَرُ فِي الرُّكْنِ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَيْتِ بِقَدْرِهِ وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ أَلْفُ سَنَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ وَدُفِنَ بِخَيْفِ مِنًى كَمَا قِيلَ وَرُفِعَتْ الصَّخْرَةُ بَعْدَهُ وَقِيلَ إنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ عَلَى حُدُودِهَا، ثُمَّ رُفِعَتْ وَقِيلَ اسْتَمَرَّتْ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ حَتَّى رُفِعَتْ فِي زَمَنِ طُوفَانِ نُوحٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النُّبْذَةِ اللَّطِيفَةِ لِلشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَلْيُوبِيِّ وَقَوْلُهُ: فَوَضَعَهَا عَلَى الْبَيْتِ أَيْ: مَكَانَهُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: أُنْزِلَتْ الْكَعْبَةُ أَيْ: صُورَتُهَا وَفِي تَقْرِيرٍ مَعْنَى أُنْزِلَتْ هُدِيَ إلَى بِنَائِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ) الْمَعِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ أَيْ: وَمَعَهَا الْوَعْدُ بِالرَّحْمَةِ لِزَائِرِيهَا (قَوْلُهُ: وَنِصْفِ شَعْبَانَ لِنَسْخِ الْآجَالِ) أَيْ: فَيَكْتُبُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِذَلِكَ مِنْ اللَّوْحِ الْوَقْتَ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الشَّخْصُ وَالْعَامَ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ وَيُسَلِّمُهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ (قَوْلُهُ: بِحَدِيثِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ» وَقَالَ «إنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمَا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِمَا وَأَنَا صَائِمٌ» .
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَدْرُ اُنْظُرْ لَوْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَنْ قَضَاءٍ عَلَيْهِ وَنَوَى بِهِ الْقَضَاءَ وَعَرَفَةَ مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا مَعًا قِيَاسًا عَلَى مَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا مَعًا وَقِيَاسًا عَلَى مَنْ صَلَّى الْفَرْضَ وَنَوَى التَّحِيَّةَ وَانْظُرْ النَّقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ وَنَحْوِهِمَا تَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُ الْبَدْرِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ) يَنْتَقِضُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُحَرَّمِ) مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوَازُ إضَافَةِ جَمِيعِ أَعْلَامِ الشُّهُورِ إلَى شَهْرٍ قَالَهُ السُّيُوطِيّ وَقَالَ: بَعْضُهُمْ تُجَرَّدُ كُلُّهَا إلَّا رَمَضَانَ وَالرَّبِيعَيْنِ أَمَّا رَمَضَانُ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الرَّبِيعَانِ فَلِالْتِبَاسِهِ بِفَصْلِ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّيهِ رَبِيعًا أَوَّلًا وَالْخَرِيفَ رَبِيعًا ثَانِيًا (قَوْلُهُ: وَرَجَبٍ) ، بَلْ يُنْدَبُ صَوْمُ بَقِيَّةِ الْحُرُمِ الْأَرْبَعَةِ وَأَفْضَلُهَا الْمُحَرَّمُ فَرَجَبٌ فَذُو الْقِعْدَةِ فَالْحِجَّةُ (إنْ قُلْت) هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا صَامَ شَهْرًا مِثْلَ شَعْبَانَ، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ، أَوْ إلَّا قَلِيلًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَالْجَوَابُ لِاحْتِمَالِ اشْتِغَالِهِ فِي مُحَرَّمٍ، أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِفَضْلِ مُحَرَّمٍ (قَوْلُهُ: مَا رَأَيْت الْمُصْطَفَى إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ: مَا رَأَيْت الْمُصْطَفَى إذَا كَانَ فِي غَيْرِ شَعْبَانَ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْ نَفْسِهِ إذَا
شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا» زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ وَخَبَرُ «أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا رَأَيْت الرَّسُولَ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» وَجَمَعَ بَعْضٌ بَيْنَ رِوَايَةِ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا وَكَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ بِأَنَّ لَفْظَ كُلَّهُ تَأْكِيدٌ، أَوْ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي سِنِينَ بِأَنْ يَصُومَ فِي سَنَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَفِي أُخْرَى مِنْ وَسَطِهِ، وَفِي أُخْرَى مِنْ آخِرِهِ
. (ص) وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ وَقَضَاؤُهُ (ش) يُرِيدُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِيَظْهَرَ عَلَيْهِ صِفَاتُ الْإِسْلَامِ بِسُرْعَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا قَضَاؤُهُ
. (ص) وَتَعْجِيلُ الْقَضَاءِ (ش) أَيْ: وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ؛ لِمَا تَرَتَّبَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ صَوْمٍ مُوَسَّعٍ فِي قَضَائِهِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ لِمُبَادَرَتِهِ لِلطَّاعَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، أَمَّا مَا ضُيِّقَ فِي وَقْتِهِ كَقَضَاءِ مَا فَاتَ لِعُذْرٍ مِنْ كَفَّارَةٍ مُتَتَابِعَةٍ كَظِهَارٍ فَوَاجِبٌ تَعْجِيلُهُ وَوَصْلُهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَتَتَابُعُهُ) أَيْ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا؛ لِأَنَّ فِي الْقَضَاءِ مُتَفَرِّقًا خِلَافَ مَا نَدَبْنَا إلَيْهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْقَضَاءِ لِتَرَاخِي الْآخَرِ عَنْ الْأَوَّلِ.
(ص) كَكُلِّ صَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْ تَتَابُعُهُ (ش) يُرِيدُ أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْ تَتَابُعُهُ يُسْتَحَبُّ تَتَابُعُهُ: كَصِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَصِيَامِ الْجَزَاءِ، وَالْمُتْعَةِ فَإِنْ فَرَّقَهَا أَجْزَأَهُ وَبِئْسَ مَا فَعَلَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ الَّذِي يَلْزَمُ تَتَابُعُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ تَتَابُعُ قَضَائِهِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: " كَكُلِّ " إلَخْ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْمُؤَلِّفُ قَدْ نَصَّ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي بَحْثِ الْكَفَّارَةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّتَابُعِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ إذَا كَفَّرَ بِهَا فَهُوَ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَلَيْسَ هُنَا أَيْ: فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ
. (ص) وَبَدْءٌ بِكَصَوْمِ تَمَتُّعٍ إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ (ش) مَعْطُوفٌ عَلَى مَرْفُوعِ نُدِبَ أَيْ: أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ عَلَيْهِ كَصَوْمِ تَمَتُّعٍ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ أَنْ يَبْدَأَ بِفِعْلِ صَوْمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ صَوْمِ الْقَضَاءِ إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ صَوْمِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ.
(ص) وَفِدْيَةٌ لِهَرَمٍ وَعَطَشٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ بِوَجْهٍ لِهَرَمٍ أَوْ عَطَشٍ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يُفْطِرُهُ مُدًّا وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا فِدْيَةَ حَمَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ وَاجِبَةٌ
[حاشية العدوي]
كَانَ فِي شَعْبَانَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ أَيْ: فَهُوَ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرُ صِيَامًا (قَوْلُهُ: كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا) مِنْهُ فَلَا يَصُومُهُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يَصُومُ أَغْلَبَهُ (قَوْلُهُ: زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إلَخْ) قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كَانَ أَحَبُّ الشُّهُورِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَصُومَ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» (قَوْلُهُ تَأْكِيدٌ) أَيْ: زَائِدٌ وَعَبَّرَ بِهِ دُونَ زَائِدٍ تَأَدُّبًا، إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنَّ الْمُرَادَ، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَهُوَ إضْرَابُ انْتِقَالٍ، قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا وَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ مَحْمُولًا عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى أَيْ: إلَّا قَلِيلًا مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا» (قَوْلُهُ: أَوْ يَصُومُهُ كُلَّهُ) كَذَا بِأَوْ فِي نُسْخَتِهِ جَمْعٌ ثَانٍ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا: قَضَاؤُهُ) وَهَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَا إذَا أَمْسَكَ بَقِيَّتَهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْسِكْ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ؟ أَوْ فِيهِ وَفِيمَا إذَا أَفْطَرَ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ أَيْ: مَعَ أَنَّ الْوُجُوبَ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبَاحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَنُدِبَ قَضَاؤُهُ
(قَوْلُهُ: وَبِئْسَ مَا فَعَلَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهَا صِيغَةُ ذَمٍّ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُحَرَّمِ لَا فِي خِلَافِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى (قُلْت) : لَعَلَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْكَرَاهَةِ أَيْ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَا خِلَافُ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الصَّوْمُ الَّذِي يَلْزَمُ تَتَابُعُهُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَلْزَمْ تَتَابُعُهُ وَقَوْلُهُ: يَلْزَمُ تَتَابُعُ قَضَائِهِ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ مُقْتَضَى الِاحْتِرَازِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ) الْوَاوُ لِلْحَالِ (قَوْلُهُ: جُزْئِيٌّ) أَيْ: فَرْعٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ إنَّمَا تُنْسَبُ لِلْكُلِّيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تَكْرَارٌ) أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ لَازِمَهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ أَيْ: لَا يُسْتَغْنَى بِمَا يَأْتِي عَمَّا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا هُنَا أَعَمُّ وَلَا يُسْتَغْنَى بِالْخَاصِّ عَنْ الْعَامِّ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ التَّكْرَارَ إنَّمَا يُنْسَبُ لِلثَّانِي لَا لِلْأَوَّلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ أَيْ: فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ خِلَافُهُ وَحَاصِلُهُ كَمَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِالْآتِي عَمَّا هُنَا فَلَيْسَ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِالْخَاصِّ وَهُوَ الْآتِي عَنْ الْعَامِّ وَهُوَ مَا هُنَا
(قَوْلُهُ: وَبَدْءٌ بِكَصَوْمِ تَمَتُّعٍ) أَيْ: أَوْ قِرَانٍ وَكُلِّ نَقْصٍ فِي حَجٍّ، أَوْ ظِهَارٍ أَصَابَ فِيهِ فَالْكَافُ دَاخِلَةٌ عَلَى تَمَتُّعٍ وَإِنَّمَا قَدَّمَ التَّمَتُّعَ لِأَنَّهُ مُضَيَّقٌ وَالْقَضَاءَ مُوَسَّعٌ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي، وَالْقَاعِدَةُ تَقْدِيمُ الْمُضَيَّقِ عَلَى الْمُوَسَّعِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ تَقْدِيمُهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرَادًا لَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدًا بِمَا إذَا لَمْ يُؤَخِّرْ صَوْمَ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنْ أَخَّرَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ عَلَى صَوْمِ التَّمَتُّعِ ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ (قَوْلُهُ: لِهَرَمٍ، أَوْ عَطَشٍ) ظَاهِرُهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالطَّاءِ، وَالْأَحْسَنُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالطَّاءِ؛ لِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْهَرَمَ وَالْعَطَشَ مُلَازِمٌ لَهُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا فِدْيَةَ) كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْهَرَمِ لَا فِي الْهَرَمِ وَالْعَطَشِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ،.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ نَصَّ فِي الرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْفِدْيَةِ لِلْهَرَمِ، وَحَمَلَ
أَمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ فِي زَمَنٍ أَخَّرَ إلَيْهِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا
(ص) وَصَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (ش) أَيْ: زِيَادَةً عَلَى الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ مُسْتَقِلَّانِ أَيْ: يُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِخَبَرِ «أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثَةٍ لَا أَدَعُهُنَّ: بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» وَكَانَ صِيَامُ مَالِكٍ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ وَحَادِي عَشَرِهِ وَحَادِي عَشَرَيْهِ (ص) وَكُرِهَ كَوْنُهَا الْبِيضَ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يُكْرَهُ صِيَامُ أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ: ثَالِثَ عَشَرَ الشَّهْرِ وَتَالِيَاهُ وُصِفَتْ اللَّيَالِي بِذَلِكَ لِبَيَاضِهَا بِالْقَمَرِ وَإِنَّمَا كُرِهَ صِيَامُهَا مَخَافَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا وَفِرَارًا مِنْ التَّحْدِيدِ، وَهَذَا إذَا قَصَدَ تَعْيِينَهَا أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ فَلَا، ثَمَّ شَبَهٌ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ: (كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) خَوْفَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهَا، وَهَذَا إذَا صَامَهَا مُتَّصِلَةً بِرَمَضَانَ مُتَوَالِيَةً مُظْهِرًا لَهَا مُعْتَقِدًا سُنِّيَّةَ اتِّصَالِهَا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ وَيُكْرَهُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَصُومَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَنْزِلِ وَمِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّوْمِ: الْوِصَالُ وَالدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ، وَالنَّظَرُ إلَيْهِنَّ، وَفُضُولُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَإِدْخَالُ الْفَمِ كُلَّ رَطْبٍ لَهُ طَعْمٌ، وَإِكْثَارُ النَّوْمِ نَهَارًا قَالَهُ عِيَاضٌ وَابْنُ جُزَيٍّ
. (ص) وَذَوْقُ مِلْحٍ وَعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ (ش) ذَوْقُ الطَّعَامِ اخْتِبَارُ طَيِّبِهِ، وَالْعِلْكُ اسْمٌ يَعُمُّ كُلَّ صَمْغٍ يُمْضَغُ جَمْعُهُ عُلُوكٌ وَبَائِعُهُ عَلَّاكٌ وَقَدْ عَلَكَ يَعْلُكُ - بِضَمِّ اللَّامِ - عَلْكًا - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - أَيْ: مَضَغَهُ وَلَاكَهُ، وَمَجَّ الرَّجُلُ الشَّرَابَ مِنْ فِيهِ إذَا رَمَى بِهِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَنْ يَذُوقَ الْمِلْحَ لِلطَّعَامِ ثُمَّ يَمُجَّهُ خَوْفَ السَّبْقِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ ذَوْقُ الْعَسَلِ وَالْخَلِّ أَوْ مَضْغُ الطَّعَامِ لِلصَّبِيِّ أَوْ مَضْغُ اللِّبَانِ أَوْ الْعِلْكِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَمُجُّهُ فَقَوْلُهُ: وَذَوْقُ مِلْحٍ أَيْ: وَتَنَاوُلُ مِلْحٍ لِيَصِحَّ تَسَلُّطُهُ عَلَى عِلْكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذَاقُ وَإِنَّمَا يُمْضَغُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا أَيْ: أَنَلْتهَا وَتَقْدِيرُ مَضْغٍ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ
. (ص) وَمُدَاوَاةُ حَفَرٍ زَمَنَهُ (ش) الْحَفَرُ بِفَتْحِ الْفَاءِ مَرَضٌ بِالْأَسْنَانِ وَهُوَ فَسَادُ أُصُولِهَا يَعْنِي: أَنَّهُ يُكْرَهُ مُدَاوَاةُ الْحُفَرِ زَمَنَ الصَّوْمِ وَهُوَ النَّهَارُ أَشْهَبُ إلَّا إذَا كَانَ فِي صَبْرِهِ إلَى اللَّيْلِ ضَرَرٌ، كَمَا أَشَارَ
[حاشية العدوي]
أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْمَوَّاقِ، وَأَمَّا الْعَطَشُ فَنَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْفِدْيَةِ لَهُ، قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَحُكِيَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ اهـ. فَسَقَطَ تَوَرُّكُ الْمَوَّاقِ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّ اللَّخْمِيَّ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَاعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فَقَالَ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَكَلَامِ الْمَوَّاقِ أَنَّ الرَّاجِحَ لَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُتَعَطِّشِ بِحَالٍ اهـ
(قَوْلُهُ: خَلِيلِي) أَيْ: الَّذِي امْتَلَأَ قَلْبِي مِنْ حُبِّهِ (قَوْلُهُ: «وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» ) أَيْ: لِكَوْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ مَشْغُولًا بِدَرْسِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ صِيَامُ مَالِكٍ إلَخْ) إنَّمَا كَانَ مَالِكٌ يَصُومُ تِلْكَ الْأَيَّامَ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ بِحَسَنَةٍ وَهِيَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَالْحَادِيَ عَشَرَ أَوَّلُ الْعَشَرَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ أَوَّلُ الثَّالِثَةِ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، ثُمَّ يُقَالُ: لَا يَخْفَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَحْدِيدًا فَيُؤَدِّي إلَى اعْتِقَادِ الْعَامِّيِّ الْوُجُوبَ وَهُوَ إمَامٌ (قَوْلُهُ: صِيَامُ أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ) أَيْ: فَقَدْ حُذِفَ الْمُضَافُ إلَى الْمَوْصُوفِ وَالْمَوْصُوفُ (قَوْلُهُ: كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) فِي خَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ فَشَهْرُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ تَمَامُ السَّنَةِ» الْقَرَافِيُّ الْمُرَادُ بِالدَّهْرِ عُمُرُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلتَّخْفِيفِ بِاعْتِبَارِ الصَّوْمِ لَا تَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِعْلَهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مَعَ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الصِّيَامِ فِيهِ أَحْسَنُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضْلِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ، بَلْ فِعْلُهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ حَسَنٌ أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا بَعُدَ زَمَنُهُ كَثُرَ ثَوَابُهُ لِشِدَّةِ الْمَشَقَّةِ.
(قَوْلُهُ: خَوْفَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا) أَيْ: أَوْ كَانَ مُقْتَدًى بِهِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا إلَخْ) أَيْ: وَإِلَّا بِأَنْ انْتَفَى كُلُّهَا، أَوْ بَعْضُهَا فَلَا كَرَاهَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ سُنِّيَّةَ اتِّصَالِهَا يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لَهَا فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَالدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ إلَخْ) أَرَادَ بِهِ الزَّوْجَةَ وَالسُّرِّيَّةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ السُّنِّيَّةَ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدَ النَّدْبَ لَا يُكْرَهُ وَأَقَلُّ مَا هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مُطْلَقَ الطَّلَبِ وَحُرِّرَ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَمُجُّهُ) مِنْ تَتِمَّةِ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ: فَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ كَمَا هُوَ مُفَادُ الشَّارِحِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا فَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ أَيْ: يَمُجُّهُ وُجُوبًا فِيمَا يَظْهَرُ وَعَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ وَلَمْ يَبْتَلِعْ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْغُرُوبِ هَلْ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ وُصُولِ شَيْءٍ مِنْهُ إلَى حَلْقِهِ أَمْ لَا؟ وَعَلَكَ مِنْ بَابِ قَتَلَ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: كُلَّ صَمْغٍ يُمْضَغُ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالْعِلْكُ وِزَانُ حِمْلٍ كُلُّ صَمْغٍ يُعْلَكُ مِنْ لِبَانٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يَسِيلُ، وَالْجَمْعُ عُلُوكٌ وَأَعْلَاكٌ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْعِلْكِ كُلَّ شَيْءٍ وُضِعَ تَحْتَ الْأَضْرَاسِ لَا يَذُوبُ، بَلْ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
(قَوْلُهُ: إذَا رَمَى بِهِ) أَيْ: رَمَاهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ عَلَى الشَّارِحِ فِي تَعْبِيرِهِ بِصَمْغٍ؛ لِأَنَّ الصَّمْغَ لَا يَتَنَاوَلُ اللِّبَانَ وَنَحْوَهُ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا أَنْ يَذُوقَ الْمِلْحَ لِلطَّعَامِ ثُمَّ يَمُجَّهُ) أَيْ: وَلَوْ لِصَانِعٍ يَحْتَاجُ لِذَوْقِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ الْعِلْكِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلْكَ عَامٌّ فَلَا يُنَاسِبُ عَطْفَهُ عَلَى اللِّبَانِ (قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) لَا حَاجَةَ؛ لِأَنَّ الْعِلْكَ يَعُمُّ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَتَقْدِيرُ مَضْغٍ لَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِخُصُوصِهِ قَدْ يُقَالُ: عَدَمُ صِحَّةِ التَّسَلُّطِ قَرِينَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ مَضْغٍ.
(قَوْلُهُ: زَمَنَهُ) مَفْهُومُ زَمَنَهُ جَوَازُ مُدَاوَاتِهِ لَيْلًا فَإِنْ وَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ نَهَارًا فَهَلْ يَكُونُ كَهُبُوطِ الْكُحْلِ نَهَارًا أَمْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هُبُوطَ الْكُحْلِ لَيْسَ فِيهِ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الْجَوْفِ بِخِلَافِ دَوَاءِ الْحَفَرِ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ) أَيْ: وَسُكُونِهَا
إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ) فِي الصَّبْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَهَارًا ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ سَلِمَ، فَإِنْ ابْتَلَعَ الدَّوَاءَ غَلَبَةً قَضَى وَفِي الْعَمْدِ الْكَفَّارَةُ، وَالْمُرَادُ بِالضَّرَرِ خَوْفُ حُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ وَمِنْهُ التَّأَلُّمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ زِيَادَةُ غَيْرِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا خَافَ الضَّرَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَهَارًا مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَخَفْ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَإِلَّا وَجَبَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي
. (ص) وَنَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ (ش) أَيْ: وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَيْضًا نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ كَالْخَمِيسِ وَغَيْرِهِ يُوَقِّتُهُ عَلَى نَفْسِهِ كَالْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عَلَى كَسَلٍ فَيَكُونُ لِغَيْرِ الطَّاعَةِ أَقْرَبَ وَأَيْضًا التَّكْرَارُ مَظِنَّةُ التَّرْكِ وَلَا مَفْهُومَ لِيَوْمٍ أَيْ: أَوْ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ، وَأَمَّا يَوْمٌ أَوْ أُسْبُوعٌ أَوْ عَامٌ مُعَيَّنٌ فَلَا كَرَاهَةَ
. (ص) وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ (ش) يَعْنِي: أَنْ يُكْرَهَ لِلشَّابِّ وَالشَّيْخِ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ أَوْ أُمَّتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ أَوْ يُبَاشِرَ أَوْ يُلَاعِبَ أَوْ يَنْظُرَ أَوْ يُفَكِّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ مِنْ مَذْيٍ وَمَنِيٍّ وَإِنْعَاظٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَمَعَ الْمُؤَلِّفُ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقُبْلَةِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْفِكْرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ عَلَى الْفِكْرِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْقُبْلَةَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا أَشَدُّ (ص) وَإِلَّا حَرُمَتْ (ش) أَيْ: بِأَنْ عَلِمَ عَدَمَ السَّلَامَةِ أَوْ شَكَّ فِيهَا حَرُمَتْ وَنَحْوُهُ فِي الشَّارِحِ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ مَعَ الشَّكِّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنْ حَصَلَ فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْمَنِيِّ وَالْقَضَاءُ فَقَطْ فِي الْمَذْيِ أَدَامَ أَمْ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ
. (ص) وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ (ش) أَيْ: وَمِمَّا يُكْرَهُ أَيْضًا الْحِجَامَةُ وَالْفِصَادَةُ فِي حَقِّ الصَّائِمِ مَخَافَةَ التَّغْرِيرِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى فِطْرِهِ وَهَذَا إذَا شَكَّ فِي السَّلَامَةِ وَإِنْ عُلِمَتْ جَازَتْ وَإِنْ عُلِمَ الْعَطَبُ حَرُمَتْ وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمَشْهُورُ
. (ص)
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ: وَمِنْ الزِّيَادَةِ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ التَّأَلُّمُ بِالْمَرَضِ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ زِيَادَةٌ، غَيْرُهُ أَيْ: غَيْرُ ذَلِكَ الْمَرَضِ (قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِهِ نَهَارًا) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّدْبُ قَالَ فِي ك فَإِنْ قُلْت سَيَذْكُرُ فِي الْحِجَامَةِ أَنَّهَا تُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ خَافَ ضَرَرًا مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا أَنَّ مُدَاوَاةَ الْحُفَرِ جَائِزَةٌ مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ حِجَامَةَ الْمَرِيضِ مَظِنَّةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْوَهْنِ مَا لَا يَحْصُلُ مِنْ مُدَاوَاةِ الْحَفَرِ بِخِلَافِ مُدَاوَاةِ الْحَفَرِ هَذَا مَا لَمْ يَخَفْ بِتَرْكِ الْحِجَامَةِ هَلَاكًا، أَوْ شَدِيدَ أَذًى فَتَجِبُ اهـ. فَلِذَا كُرِهَ هُنَاكَ، وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ
(قَوْلُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِيَوْمٍ) الْمُصَنِّفُ يُقَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى أَقَلِّ الْقَلِيلِ فَكُلَّمَا كَثُرَ الْمُكَرَّرُ كَانَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ أُسْبُوعٍ) أَيْ: كَأَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ صَوْمُ كُلِّ أُسْبُوعٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ شَهْرٍ كَأَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ صَوْمُ كُلِّ شَهْرِ رَجَبٍ (قَوْلُهُ: أَوْ عَامٍ) كَأَنْ يَقُولَ: كُلَّ عَامٍ فِيهِ خِصْبٌ فَعَلَيَّ صَوْمُهُ
(قَوْلُهُ: إنْ عَلِمْت السَّلَامَةَ) أَرَادَ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ.
(قَوْلُهُ: وَالشَّيْخِ) أَيْ: الشَّخْصِ الشَّيْخِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ (قَوْلُهُ: أَنْ يُقَبِّلَ زَوْجَتَهُ) أَيْ: لِقَصْدِهِ لَذَّةً، أَوْ وُجُودِهَا لَا لِوَدَاعٍ، أَوْ رَحْمَةٍ أَيْ: بِدُونِ قَصْدٍ، أَوْ وُجُودٍ فَلَا كَرَاهَةَ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ قَيْدِ الِاعْتِيَادِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْإِمْسَاكُ عَنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَلَوْ لَمْ يُمْسِكْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا (قَوْلُهُ: أَوْ يُبَاشِرَ) قَالَ أَشْهَبُ لَمْسُ الْيَدِ أَخَفُّ مِنْ الْقُبْلَةِ، وَالْقُبْلَةُ أَخَفُّ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَالْمُبَاشَرَةُ أَخَفُّ مِنْ الْعَبَثِ بِالْفَرْجِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ، وَتَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ كَوْنُهُ يَحْضُنُهَا مَثَلًا، وَالْمُلَاعَبَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعَ لَمْسٍ، أَوْ حَضْنٍ (قَوْلُهُ: أَوْ يَنْظُرَ، أَوْ يُفَكِّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ) لَفْظَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ، أَوْ يَنْظُرَ، أَوْ يُفَكِّرَ، وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَكْرُوهَيْنِ بِتَخْصِيصِ الْكَرَاهَةِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ، أَفَادَهُ تت (قَوْلُهُ: وَإِنْعَاظٍ إلَخْ) أَيْ: ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْقَضَاءِ فِي الْإِنْعَاظِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ سُقُوطُ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ،.
(قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ فِيهَا حَرُمَتْ) أَيْ: وَأَمَّا إنْ تَوَهَّمَ عَدَمَ السَّلَامَةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عب (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ مَعَ الشَّكِّ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْإِنْزَالِ، أَوْ يَسْلَمُ مَرَّةً وَلَا يَسْلَمُ أُخْرَى كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَنْهُ إنْزَالٌ وَلَا مَذْيٌ كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا اهـ.
اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحُرْمَةَ مَعَ الشَّكِّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَلَامُهُ يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ مَعَ عِلْمِهِ السَّلَامَةَ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ قَدَّمَهَا فِي قَوْلِهِ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقًا اهـ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ) وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي فَكَّرَ، أَوْ نَظَرَ وَلَمْ يَسْتَدِمْ فَلَا قَضَاءَ أَنْعَظَ أَوْ أَمْذَى لِلْمَشَقَّةِ اهـ. أَيْ: وَأَمَّا إذَا اسْتَدَامَ فَالْقَضَاءُ
(قَوْلُهُ وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ) احْتِرَازًا عَنْ الصَّحِيحِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ إنْ شَكَّ فِي السَّلَامَةِ، وَأَوْلَى إنْ عَلِمَهَا فَإِنْ عَلِمَ عَدَمَهَا حَرُمَتْ فَيَتَّفِقُ مَعَ الْمَرِيضِ فِي حَالَتَيْ عِلْمِ السَّلَامَةِ، وَعِلْمِ عَدَمِهَا وَيَخْتَلِفَانِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ فَيُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ دُونَ الصَّحِيحِ كَذَا يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ، ثُمَّ مَحَلُّ الْمَنْعِ فِيهَا إنْ لَمْ يَخْشَ بِتَأْخِيرِهَا هَلَاكًا، أَوْ شَدِيدَ أَذًى وَإِلَّا وَجَبَ فِعْلُهَا، وَإِنْ أَدَّتْ إلَى الْفِطْرِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَالْفِصَادَةُ كَالْحِجَامَةِ فَتُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ دُونَ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ الْإِرْشَادِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَشَدُّ؛ لِأَنَّهَا تُسْحَبُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْحِجَامَةِ فَمِنْ الرَّأْسِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمَشْهُورُ) وَبَحْثُ عج بِمَا حَاصِلُهُ الْمَرِيضُ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ سَلَامَةً فَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ فَيُكْرَهُ لَهُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ كَرَاهَةُ الْحِجَامَةِ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ أَمْ لَا، وَفِي شَرْحِ شب خِلَافُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ وَعِلْمِ السَّلَامَةِ، وَتَحْرُمُ فِي حَالَةِ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَتُكْرَهُ لَهُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ، وَتَحْرُمُ فِي حَالَةِ عِلْمِ عَدَمِ السَّلَامَةِ، وَتَجُوزُ فِي عِلْمِ السَّلَامَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ (ش) أَيْ: وَمِمَّا هُوَ مَكْرُوهٌ التَّطَوُّعُ بِعِبَادَةٍ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا قَبْلَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ مِنْ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ قَضَاءٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْهَا لِارْتِهَانِ الذِّمَّةِ بِذَلِكَ فَيَسْعَى فِي بَرَاءَتِهَا فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ تَطَوُّعُهُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الزَّمَنِ لِشَيْءٍ مِنْهَا ثُمَّ يَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ الْمُعَيَّنُ فَلَا يَجُوزُ فِي زَمَنِهِ غَيْرُهُ وَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ وَانْظُرْ هَلْ تَطَوُّعُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا لِتَعَيُّنِ الزَّمَنِ لِغَيْرِهِ وَلَا كَرَاهَةَ فِي التَّطَوُّعِ قَبْلَهُ لِعَدَمِ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِهِ قَبْلَ زَمَنِهِ
. (ص) وَمَنْ لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيَةٌ وَلَا غَيْرُهَا كَأَسِيرٍ كَمَّلَ الشُّهُورَ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الَّذِي لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ غَيْرَهُ كَأَسِيرٍ وَمَحْبُوسٍ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُكْمِلَ الشُّهُورَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا كَمَا لَوْ غُمَّ الْهِلَالُ أَشْهُرًا كَثِيرَةً فَإِنَّهُ يُكْمِلُ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهَذَا إذَا عَلِمَ الْأَشْهُرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَعْدُ وَإِنْ الْتَبَسَتْ وَظَنَّ شَهْرًا صَامَهُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيَةٌ وَلَا غَيْرُهَا مِنْ الَّذِي يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَطْلُوقِينَ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ.
(ص) وَإِنْ الْتَبَسَتْ وَظَنَّ شَهْرًا صَامَهُ وَإِلَّا تَخَيَّرَ (ش) يَعْنِي: فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُ الشُّهُورِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَعْرِفْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْأَهِلَّةِ أَوْ الْتِبَاسِهَا فَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ شَهْرٌ أَنَّهُ رَمَضَانُ بَنَى عَلَى ظَنِّهِ وَصَامَهُ وَإِنْ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الِاحْتِمَالَاتُ تَخَيَّرَ شَهْرًا وَصَامَهُ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُ الظَّنُّ مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الِالْتِبَاسِ وَهُوَ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَلَا لَبْسَ مَعَ الظَّنِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالِالْتِبَاسِ عَدَمَ التَّحَقُّقِ أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ وَعَدَمُ التَّحَقُّقِ شَامِلٌ لِلظَّنِّ.
(ص) وَأَجْزَأَ مَا بَعْدَهُ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا عَمِلَ عَلَى ظَنِّهِ أَوْ تَخَيَّرَ ثُمَّ زَالَ الِالْتِبَاسُ بِوَجْهٍ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِهَذَا أَيْ وَأَجْزَأَ الشَّهْرُ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَهُ بَعْدَ رَمَضَانَ اتِّفَاقًا وَيَكُونُ قَضَاءً عَنْهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بِالْعَدَدِ) إلَى أَنَّهُ إذَا صَامَ شَهْرًا مُتَأَخِّرًا عَنْ رَمَضَانَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ أَيَّامُهُ كَأَيَّامِ رَمَضَانَ فِي الْعَدَدِ فَلَوْ صَامَ شَوَّالًا وَهُمَا كَامِلَانِ أَوْ نَاقِصَانِ قَضَى يَوْمًا وَالْكَامِلُ رَمَضَانُ فَيَوْمَيْنِ وَبِالْعَكْسِ لَا قَضَاءَ وَكَذَلِكَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ لَا يَعْتَدُّ بِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَا بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَعْتَبِرُ مَا بَقِيَ وَإِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ: هُنَا بِالْعَدَدِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَضَاءُ بِالْعَدَدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ لِهَذَا حُكْمًا يَخُصُّهُ غَيْرَ مَا يَأْتِي فَيُجْزِئُ مَا تَبَيَّنَ، وَلَوْ نَاقِصًا لِعُذْرِهِ وَعَدَمِ تَعَمُّدِهِ وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي صَامَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: عَطْفًا عَلَى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الْمَنْفِيِّ.
(ص) أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ (ش) أَيْ: أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ بَلْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ وَلَا طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ غَيْرُهُ فَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ قَبْلَهُ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ إلَّا بِيَقِينٍ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ وَقَدْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ حَتَّى يَنْكَشِفَ خِلَافُهُ وَحَمْلُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلَى الْمُثْبَتِ بَعِيدٌ وَلِرَابِعِهَا
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: التَّطَوُّعُ بِعِبَادَةٍ مِنْ صَوْمٍ) أَيْ: صِيَامٍ غَيْرِ مُؤَكَّدٍ، وَأَمَّا الْمُؤَكَّدُ كَعَاشُورَاءَ فَفِي ابْنِ عَرَفَةَ ابْنِ رُشْدٍ فِي تَرْجِيحِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً ثَالِثُهَا سَوَاءٌ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: أَوْ صَلَاةٍ) أَيْ: مَنْذُورَةٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّنَفُّلُ، وَفِي شَرْحِ شب أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ، أَوْ قَضَائِهِ خَاصٌّ بِالصَّوْمِ، وَأَمَّا الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ عَامٌّ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ فِي زَمَنِهِ غَيْرُهُ وَإِنْ فَعَلَ إلَخْ) عِبَارَةُ شب تُفِيدُ جَرَيَانَ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَمْ لَا) وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(قَوْلُهُ: تَخَيَّرَ شَهْرًا وَصَامَهُ) هَذَا إذَا تَسَاوَتْ جَمِيعُ الشُّهُورِ عِنْدَهُ فِي الشَّكِّ فِيهَا فَلَوْ شَكَّ فِي شَهْرٍ قَبْلَ صَوْمِهِ هَلْ هُوَ شَعْبَانُ، أَوْ رَمَضَانُ وَقَطَعَ فِيمَا عَدَاهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ رَمَضَانَ؟ صَامَ شَهْرَيْنِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ شَعْبَانُ، أَوْ رَمَضَانُ، أَوْ شَوَّالٌ؟ فَإِنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ أَيْضًا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ رَمَضَانُ، أَوْ شَوَّالٌ وَقَطَعَ فِيمَا عَدَاهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ رَمَضَانَ؟ صَامَ شَهْرًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَمَضَانَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ شَوَّالًا كَانَ قَضَاءً قَالَهُ ح.
اُنْظُرْ ح وَانْظُرْ لَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ رَجَبٌ، أَوْ شَعْبَانُ، أَوْ رَمَضَانُ هَلْ يُطَالَبُ بِالثَّلَاثَةِ؟ وَكَذَا يُقَالُ فِي أَكْثَرَ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالِالْتِبَاسِ) أَيْ: وَالْمُرَادُ يُدْفَعُ الْإِيرَادُ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ وَلَا قَرِينَةَ قُلْت: هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ وُجُودَ الْقَرِينَةِ، فَإِنْ قُلْت مَا عَلَاقَةُ الْمَجَازِ قُلْت: مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ التَّقْيِيدُ؛ لِأَنَّ الِالْتِبَاسَ هُوَ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ، (قَوْلُهُ: لَا قَبْلَهُ) أَيْ: وَلَوْ تَعَدَّدَتْ السُّنُونَ فَلَا يُجْزِئُ شَعْبَانُ الثَّانِيَةِ عَنْ رَمَضَانَ الْأُولَى وَلَا شَعْبَانُ الثَّالِثَةِ عَنْ رَمَضَانَ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا، وَظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ حَيْثُ قَدَّرَ: تَبَيَّنَ، وَالْأَوْلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَا مَا قَبْلَهُ مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَوْصُوفَةٌ (قَوْلُهُ: عَطْفًا عَلَى مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الْمَنْفِيِّ) وَهُوَ لَا إنْ تَبَيَّنَ، وَمُرَادُهُ مُطْلَقُ الِارْتِبَاطِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ بِحَسَبِ تَقْدِيرِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ كَائِنٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي صَامَهُ كَائِنٌ قَبْلَ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ) أَيْ: فِي الظَّانِّ وَالْمُتَخَيِّرِ؛ لِأَنَّ الظَّانَّ شَاكٌّ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَجْزَأَ مَا بَعْدَهُ لَا مَا قَبْلَهُ جَارٍ فِيهِمَا كَمَا يُفِيدُهُ ابْنُ رُشْدٍ، ثُمَّ هَلْ فِيمَا إذَا بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ يُطَالَبُ بِالصَّوْمِ، أَوْ يَصْبِرُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْأَمْرَ؟ وَمَالَ إلَيْهِ الْبَدْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَقْلٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْأَمْرَ أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَجْزِمُ بِمُضِيِّ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْت هُوَ فِي الشَّكِّ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا وَلَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافَهُ قُلْت: إنَّمَا طُلِبَ مِنْهُ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَائِمًا عِنْدَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَهَابُ وَقْتِهِ فَطُلِبَ مِنْهُ أَوَّلًا؛ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ وَقْتِهِ، وَثَانِيًا لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ وَقْتِهِ عَنْ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَسَلْسَلْ لِلْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَهُوَ عَلَى الْإِجْزَاءِ (قَوْلُهُ: مَعْطُوفًا عَلَى الْمُثْبَتِ) أَيْ: الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ: وَأَجْزَأَ مَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَجْزَأَ
بِقَوْلِهِ: (وَفِي مُصَادَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا تَخَيَّرَ شَهْرًا وَصَامَهُ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ رَمَضَانُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا تَرَدُّدٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَحَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى الْمُتَخَيِّرِ، وَأَمَّا الظَّانُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ التَّرَدُّدُ بَلْ يُقْطَعُ فِيهِ بِالْإِجْزَاءِ تَبَعًا لِبَعْضٍ وَعَلَى إجْزَاءِ الْمُصَادَفَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ حَدَثَ لَهُ شَكٌّ هَلْ كَانَ مَا صَامَهُ رَمَضَانَ أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ شَكَّ هَلْ كَانَ هُوَ أَوْ مَا قَبْلَهُ قَضَاهُ اهـ. وَعَنْ هَذَا احْتَرَزْت بِقَوْلِي وَلَا طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ
. (ص) وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّوْمِ فَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ النِّيَّةُ الْمُبَيَّتَةُ وَأَوَّلُ وَقْتِهَا الْغُرُوبُ حَتَّى الْفَجْرِ وَلَا يَضُرُّ مَا حَدَثَ بَعْدَهَا مِنْ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَالنَّوْمِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ كَمَا يَأْتِي فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ قَبْلَ الْغُرُوبِ عِنْدَ الْكَافَّةِ وَلَا بَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْقَصْدُ وَقَصْدُ الْمَاضِي مُحَالٌ عَقْلًا وَنَصَّ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ مَعَ الْفَجْرِ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ أَنْ تُقَارِنَ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَهَا لِمَشَقَّةِ تَحْرِيرِ الِاقْتِرَانِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ جَازِمَةً لَا تَرَدُّدَ فِيهَا فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ صَوْمِ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بِشَهَادَةٍ أَوْ اسْتِصْحَابٍ كَآخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ بِاجْتِهَادٍ كَأَسِيرٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا إلَى الْفَجْرِ بَلْ أَنْ لَا يَحْدُثَ مَا يَقْطَعُهَا قَبْلَهُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ اُعْتُبِرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ أَوْ فِطْرٍ
(ص) وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ (ش) الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ تَكْفِي فِي الصَّوْمِ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَكَفَّارَتِهِ وَهِيَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ فِي حَقِّ مَنْ أَبْطَلَ صَوْمَهُ مُتَعَمِّدًا كَمَا يَأْتِي وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالنَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ يَجِبُ تَتَابُعُهَا يَكْفِي فِيهَا النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِ الْحَجِّ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: كَفَتْ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّبْيِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ أَمَّا مَا كَانَ مِنْ الصِّيَامِ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى فَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فَقَوْلُهُ:
[حاشية العدوي]
مَا ثَبَتَ أَنَّهُ بَعْدَهُ، أَوْ مَا بَقِيَ عَلَى الشَّكِّ (قَوْلُهُ: وَفِي مُصَادَفَتِهِ) أَيْ: وَفِي عَدَمِ إجْزَائِهِ عِنْدَ مُصَادَفَتِهِ لَهُ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ مَعَ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَعْدَهُ يُجْزِئُ أَجَابَ تت بِأَنَّ مَا صَادَفَ مِنْ الْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَيُغْتَفَرُ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَإِجْزَائِهِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ اللَّخْمِيُّ، وَفِي النَّوَادِرِ الْإِجْزَاءُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ وَلِبَعْضٍ وَفِي إجْزَاءِ إلَخْ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ تَقْرِيرِ شَارِحِنَا، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْقَرِيبِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ لَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَحَمَلْنَا إلَخْ) الْمُنَاسِبُ الْعُمُومُ مِنْ الظَّنِّ وَالشَّكِّ كَمَا هُوَ مُفَادُ الْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا (قَوْلُهُ: وَعَلَى إجْزَاءِ الْمُصَادَفَةِ) أَيْ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ الْمُصَادَفَةِ أَيْ: أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُشَارِ لَهُمَا بِقَوْلِهِ وَفِي مُصَادَفَتِهِ (قَوْلُهُ: إنْ حَدَثَ لَهُ شَكٌّ إلَخْ) لَيْسَ الْمُرَادُ إنْ حَدَثَ شَكٌّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَادَفَةِ، بَلْ الْمُرَادُ إنْ حَدَثَ شَكٌّ لِمَنْ كَانَ شَكَّ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ شَكَّ وَصَامَ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ السِّجْنِ مَثَلًا طَرَأَ لَهُ شَكٌّ آخَرُ، فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي قَالَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ إجْزَاءِ الْمُصَادَفَةِ فَلَا يُجْزِئُهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ الْمُصَادَفَةِ فَيُجْزِئُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: وَعَنْ هَذَا احْتَرَزْت) وَوَجْهُ تَغَيُّرِ الشَّكِّ أَنَّ الشَّكَّ الْأَوَّلَ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَهَذَا فِي بَعْضِهَا.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) جَوَّزَ بَعْضُهُمْ نَصْبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ لَكِنَّ مَجِيءَ الْمَصْدَرِ حَالًا سَمَاعِيٌّ (قَوْلُهُ: نِيَّةٍ) أَيْ: نِيَّةِ الصَّوْمِ هَذِهِ أَصْلُ النِّيَّةِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ فَأَنْ يَنْوِيَ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِغْرَاقِ طَرَفَيْ النَّهَارِ لِلْإِمْسَاكِ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَ الْبَدْرُ فَرْقٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ التَّلَفُّظِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ إلَخْ) فِي عب بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ فَيُبْطِلَانِ النِّيَّةَ السَّابِقَةَ عَلَيْهِمَا إنْ اسْتَمَرَّا لِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ كَمَا سَيَأْتِي اهـ. وَسَيَأْتِي مَا يُثْبِتُ صِحَّتَهُ (قَوْلُهُ: وَقَصْدُ الْمَاضِي) أَيْ: وَقَصْدُ صَوْمِ الْمَاضِي وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي مَضَى مِنْ الْيَوْمِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُحَالُ لَيْسَ الْقَصْدَ، بَلْ الْمَقْصُودَ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْفَجْرِ) أَيْ: وَقْتَ مُصَاحَبَتِهِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَقْتَهُ فِي الْجُزْءِ مِنْ اللَّيْلِ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْفَجْرُ، بَلْ الْمُرَادُ وَقْتُ مُقَارَنَتِهِ لِطُلُوعِهِ، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: كَنَزْعِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ قَالَهُ عج عِنْدَ قَوْلِهِ: وَوَجَبَ إنْ طَهُرَتْ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّ تَقَدُّمَ النِّيَّةِ جَائِزٌ، وَأَمَّا الْمُقَارَنَةُ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ، وَكَذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ النَّقْلِ إلَّا الْإِجْزَاءُ (قَوْلُهُ: جَازِمَةً) أَيْ: مَجْزُومٌ بِهَا أَيْ: بِمُتَعَلِّقِهَا مِنْ الصَّوْمِ (قَوْلُهُ: شَهَادَةٍ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِهِلَالِ الشَّهْرِ تُوجِبُ الظَّنَّ بِحُصُولِهِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا.
(قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ الْوَاحِدَةَ إلَخْ) خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ كَالْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ اعْتِبَارًا بِرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِ الْحَجِّ، أَوْ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِعَدَمِ فَسَادِ مَا مَضَى مِنْهُ؟ (قَوْلُهُ: كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ) وَلَا يُقَالُ حَيْثُ كَانَ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ بُطْلَانُ جَمِيعِهِ بِبُطْلَانِ يَوْمٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي تَوَقَّفَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا، وَأَمَّا الَّتِي لَا يَتَوَقَّفُ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ لَك أَنْ تَصُومَ بَعْضًا مِنْ رَمَضَانَ وَتُفْطِرَ بَعْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُك قَضَاءُ مَا صُمْته وَلَوْ مَعَ تَعَمُّدِ الْفِطْرِ فِي الْبَاقِي، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَيَتَوَقَّفُ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا وَلَا يُقَالُ: يَرِدُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ كَفَّارَةُ نَحْوُ الظِّهَارِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ فَشُدِّدَ فِيهَا مَا لَمْ يُشَدَّدْ فِي غَيْرِهَا
لِمَا أَيْ: لِصَوْمٍ أَوْ الَّذِي وَقَوْلُهُ: يَجِبُ تَتَابُعُهُ صِفَةٌ أَوْ صِلَةٌ وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِالْحَاضِرِ لِيَخْرُجَ الْمُسَافِرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَرِيضُ يُلْحَقُ بِالْمُسَافِرِ
. (ص) لَا مَسْرُودٍ وَيَوْمٍ مُعَيَّنٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ دَائِمًا أَوْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا يَصُومُهُ فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهِ كَالِاثْنَيْنِ أَوْ الْخَمِيسِ دَائِمًا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَحَكَى ذَلِكَ فِي الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بَلْ تَكْفِي النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ أَوَّلِهِ فِي الْمَسْرُودِ وَالْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَرُوِيَتْ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا) أَمَّا الْمَسْرُودُ فَلِأَنَّ بِالتَّتَابُعِ يَحْصُلُ لَهُ الشَّبَهُ بِرَمَضَانَ لِدَوَامِهِ، وَأَمَّا الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ فَلِوُجُوبِهِ وَتَكَرُّرِهِ وَتَعَيُّنِ زَمَانِهِ.
(ص) لَا إنْ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِكَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ (ش) تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّيَامَ إذَا كَانَ يَجِبُ تَتَابُعُهُ فَإِنَّهُ تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ وَذَكَرَ هُنَا إذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ بِالْفِطْرِ لِأَجْلِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِبَقِيَّةِ ذَلِكَ الصَّوْمِ لِعَدَمِ تَوَالِيهِ فَلَوْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى تَبْيِيتِ نِيَّةٍ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلَوْ اسْتَمَرَّ عَلَى الصَّوْمِ.
(ص) وَبِنَقَاءٍ (ش) عَطْفُهُ عَلَى النِّيَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ صِحَّةٍ لَا يُنَافِي أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ وَوُجُوبٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدَّمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ فَالنَّقَاءُ شَرْطٌ فِيهِمَا فَالِاعْتِرَاضُ غَفْلَةٌ عَمَّا مَرَّ فِي بَابِ الْحَيْضِ.
(ص) وَوَجَبَ إنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ لَحْظَةً (ش) أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِلَحْظَةٍ، وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ بَلْ، وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ أَصْلًا فَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فَاغْتَسَلَتْ لَا مَفْهُومَ لَهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: قَبْلَ الْفَجْرِ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا رَأَتْ الْعَلَامَةَ مَعَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ.
(ص) وَمَعَ الْقَضَاءِ إنْ شَكَّتْ (ش) يَعْنِي: أَنَّ مَنْ شَكَّتْ هَلْ رَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا قَبْلَهُ وَالْقَضَاءُ لِاحْتِمَالِهِ بَعْدَهُ، وَلَا يُزَالُ فَرْضٌ بِغَيْرِ يَقِينٍ، وَسَوَاءٌ شَكَّتْ حَالَ النِّيَّةِ أَوْ طَرَأَ الشَّكُّ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءِ مَا شَكَّتْ فِي وَقْتِهِ هَلْ كَانَ الطُّهْرُ فِيهِ أَمْ لَا فَإِذَا شَكَّتْ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِالْحَاضِرِ) لَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّقْيِيدِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي إخْرَاجِهِ
(قَوْلُهُ: لَا مَسْرُودٍ) أَيْ: لَا مَسْرُودٍ غَيْرِ وَاجِبِ التَّتَابُعِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " مَا " مِنْ قَوْلِهِ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا هَذَا النَّعْتَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَطْفِ بِلَا أَنْ لَا يَصْدُقَ أَحَدُ مُتَعَاطِفَيْهَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَصِحُّ جَاءَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ قَالَهُ السُّبْكِيُّ فِي نَيْلِ الْعُلَا فِي الْعَطْفِ بِلَا، وَالْمَسْرُودُ يَصْدُقُ بِوَاجِبِ التَّتَابُعِ فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ هَذَا النَّعْتُ صَدَقَ أَحَدُ مُتَعَاطِفَيْهَا عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ: أَوْ نَذَرَ يَوْمًا إلَخْ) أَيْ: أَوْ نَوَاهُ (قَوْلُهُ: الْأَبْهَرِيُّ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ هَذِهِ النِّسْبَةُ إلَى أَبْهَرَ بَلْدَةٌ بِالْقُرْبِ مِنْ زَنْجَانَ (قَوْلُهُ فَلِوُجُوبِهِ وَتَكَرُّرِهِ) أَيْ: فَأَشْبَهَ رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: لَا إنْ انْقَطَعَ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكَفَتْ أَيْ: وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ وَاسْتَمَرَّ لَا إنْ انْقَطَعَ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا يُقَالُ، كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: وَلَا إنْ انْقَطَعَ بِوَاوِ الْعَطْفِ، ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَعْطُوفَ مَحْذُوفٌ وَإِنْ شَرَطَ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِأَجْلِ مَرَضٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي بِكَمَرَضٍ سَبَبِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: أَوْ سَفَرٍ إلَخْ إشَارَةٌ لِمَا دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ، وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ أَيْضًا الْفِطْرُ نَاسِيًا أَيْ: تَبْيِيتُ فِطْرٍ أَثْنَاءَ صَوْمٍ نَاسِيًا فَيَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا فَطَرَ نَاسِيًا مَعَ تَبْيِيتٍ فَلَا يَقْطَعُ تَتَابُعَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَمَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا يَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُ التَّتَابُعِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْحَطَّابِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ، وَذَكَرَ هُنَا إلَخْ أَنَّ الشَّارِحَ حَمَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا إنْ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ عَلَى الِانْقِطَاعِ بِالْفِعْلِ فَيَقْتَضِي الذَّهَابَ لِكَلَامِ الْمَبْسُوطِ مَعَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا إنْ انْقَطَعَ وُجُوبُ التَّتَابُعِ صَحَّ، بَلْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، أَوْ لَا لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ وَقَوْلُهُ: سَابِقًا فِي الْحَيْضِ وُجُوبُهُمَا جَعَلَ الْحَيْضَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ نَاسِيًا فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ ظَانًّا مِنْهُ تَمَامَهُ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ مَعَ أَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ لَمْ يَنْقَطِعْ (قَوْلُهُ: وَفِي الْعُتْبِيَّةِ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَلَامُ الْمَبْسُوطِ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَحُكْمُهُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ حُكْمُ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا، وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ حُكْمُ الْمَرَضِ
(قَوْلُهُ: فَالنَّقَاءُ شَرْطٌ) عَدَّهُ شَرْطًا تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَدَمُ مَانِعٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ الشَّرْطَ فِي عَدَمِ الْمَانِعِ (قَوْلُهُ فَالِاعْتِرَاضُ غَفْلَةٌ عَمَّا مَرَّ فِي بَابِ الْحَيْضِ) حَاصِلُ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ الصَّوْمُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا حَصَلَ النَّقَاءُ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ عَطْفَهُ عَلَى شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ كَمَا أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ كَمَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ فَيَكُونُ النَّقَاءُ شَرْطًا فِيهِمَا (قَوْلُهُ إنْ طَهُرَتْ) أَيْ: رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ، وَمُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ لَا تَنْتَظِرُ هَاهُنَا بَلْ مَنْ رَأَتْ الْعَلَامَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعْتَادَةَ الْجُفُوفِ، أَوْ الْقَصَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّوْمُ (قَوْلُهُ: وَمَعَ الْقَضَاءِ إنْ شَكَّتْ) الْمُرَادُ مِنْ الشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ، وَهَلْ تَرْكُ اللَّفْظِ بِالنِّيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْلَى مِنْ اللَّفْظِ كَالصَّلَاةِ:، وَالظَّاهِرُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ اهـ. (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ شَكَّتْ حَالَ) أَيْ: وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الشَّكُّ الْمَذْكُورُ حَالَ النِّيَّةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا نِيَّةُ الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهَا بِمَعْنَى أَنَّهَا أَوَّلًا نَوَتْ الصَّوْمَ مُعْتَقِدَةً أَنَّهَا طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ شَكَّتْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ بِمَعْنَى الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهَا نَاوِيَةٌ قَبْلُ
أَوْ بَعْدَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصُّبْحِ مَا تُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً بَعْدَ الطُّهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا قَالَهُ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَقَضَائِهَا وَهُوَ حَاصِلٌ وَمُوجِبُ الْقَضَاءِ وَهُوَ الطُّهْرُ فِي الْوَقْتِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْأَدَاءَ خَاصَّةً وَلَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ
. (ص) وَبِعَقْلٍ (ش) هَذَا شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْوُجُوبِ بِاتِّفَاقٍ فَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي الْإِغْمَاءِ وَلَمَّا أَفْهَمَ قَوْلُهُ: وَمَعَ الْقَضَاءِ إنْ شَكَّتْ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْحَائِضِ أَفَادَ قَضَاءَ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ نَصًّا بِقَوْلِهِ: (ص) وَإِنْ جُنَّ، وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً (ش) يَعْنِي: أَنَّ صِحَّةَ الصَّوْمِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْلِ فَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ مِنْ مَجْنُونٍ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا جُنَّ فِيهِ، وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً كَعَشَرَةٍ، وَلَوْ أَبْدَلَ الْوَاوَ بِالْفَاءِ لَكَانَ أَوْلَى وَلَمَّا كَانَ لِلْإِغْمَاءِ سِتُّ حَالَاتٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:.
(ص) أَوْ أُغْمِيَ يَوْمًا أَوْ جُلَّهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ فَالْقَضَاءُ لَا إنْ سَلِمَ، وَلَوْ نِصْفَهُ (ش) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ كُلَّهُ مِنْ فَجْرِهِ لِغُرُوبِهِ فَالْقَضَاءُ وَكَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جُلَّ الْيَوْمِ سَلِمَ أَوَّلَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ الْيَوْمِ وَهُوَ مَا دُونَ الْجُلِّ الشَّامِلِ لِلنِّصْفِ فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ مُغْمًى عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا وَنَوَى لَمَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَالْقَضَاءُ أَيْضًا وَإِنْ سَلِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَ بِحَيْثُ لَوْ نَوَى لَصَحَّتْ نِيَّتُهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَأَشْعَرَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ بِوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَكْرَانُ بِالْأَوْلَى لِتَسَبُّبِهِ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِطْرُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ كَمَا قَالَ تت وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى النَّائِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَلَوْ نُبِّهَ لَانْتَبَهَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَفِيهِ إشَارَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ كَثِيرَةً بَعْدَ قَوْلِهِ: سِنِينَ لِأَنَّ جَمْعَ التَّصْحِيحِ مَعَ التَّنْكِيرِ لِلْقِلَّةِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ عَرَّفَ سِنِينَ لَأَبْطَلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ
. (ص) وَبِتَرْكِ جِمَاعٍ وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ وَقَيْءٍ (ش) أَيْ: شَرْطُ الصَّوْمِ تَرْكُ الْجِمَاعِ أَيْ: مَغِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ بَالِغٍ لَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ صَوْمَهُ وَلَا صَوْمَ مَوْطُوءَتِهِ الْبَالِغَةِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهَا مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إخْرَاجِ عَنْ الِاحْتِلَامِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ الْمُسْتَنْكَحِ وَالْقَيْءِ الْغَالِبِ مَا لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ إمْكَانِ طَرْحِهِ وَفِي الْمُسْتَدْعَى الْقَضَاءُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَالْكَفَّارَةُ وَتَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي عَدِّ تَرْكِ مَا ذَكَرَ وَمَا بَعْدَهُ شَرْطٌ وَصَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِأَنَّهُ رُكْنٌ فَقَالَ وَرُكْنُهُ إمْسَاكٌ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلْغُرُوبِ عَنْ إيلَاجِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ) تَقَدَّمَ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ لَا صَلَاةِ النَّهَارِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ حَاصِلُ أَيْ: اسْتِصْحَابُ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ أَيْ: وَأَمَّا الْحَيْضُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ (فَإِنْ قُلْت) : قَدْ اشْتَرَكَا فِي حُصُولِ مَانِعِ الْأَدَاءِ فَلِمَ وَجَبَ أَدَاءُ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جُنَّ إلَخْ) فَالْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَا يُنَافِي عَدَّ الْعَقْلِ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ: سِنِينَ كَثِيرَةً) هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ: إنْ قَلَّتْ السُّنُونَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَذَلِكَ كَالْخَمْسَةِ الْأَعْوَامِ وَإِنْ كَثُرَتْ فَلَا قَضَاءَ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَبْدَلَ الْوَاوَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ مَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَى مَا ذَكَرَ إلَّا عَدُّهُ الصِّحَّةَ لَا الْقَضَاءَ (قَوْلُهُ: سِتُّ حَالَاتٍ) فِي أَرْبَعٍ الْقَضَاءُ، وَثِنْتَانِ لَا قَضَاءَ فِيهِمَا، الْأُولَى قَوْلُهُ: يَوْمًا، الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: أَوْ جُلَّهُ، الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: أَوْ أَقَلَّهُ تَحْتَهُ اثْنَتَانِ مَا كَانَ دُونَ النِّصْفِ وَمَا كَانَ النِّصْفَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لَا إنْ سَلِمَ وَلَوْ نِصْفَهُ فِيهِ صُورَتَانِ: فِي أَرْبَعٍ الْقَضَاءُ، وَاثْنَتَانِ لَا قَضَاءَ فِيهِمَا وَهُمَا الْمُشَارُ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: وَلَوْ نِصْفَهُ هَذَا مَا أَفَادَهُ تت (قَوْلُهُ: أَوْ أُغْمِيَ إلَخْ) وَالسُّكْرُ بِحَرَامٍ كَالْإِغْمَاءِ فِي تَفْصِيلِهِ، بَلْ أَوْلَى، وَالْحَلَالُ كَالنَّوْمِ كَمَا فِي شب (قَوْلُهُ: فَالْقَضَاءُ) وَلَوْ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ نِيَّةُ الصَّوْمِ، أَمَّا بِخُصُوصِ الْيَوْمِ أَوْ بِانْدِرَاجِهَا فِي نِيَّةِ الشَّهْرِ لِبُطْلَانِهَا بِإِغْمَائِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتِمْرَارِهِ لِطُلُوعِهِ (قَوْلُهُ: لَا إنْ سَلِمَ) أَيْ: مِنْ الْإِغْمَاءِ وَقْتَ النِّيَّةِ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَوْ نِصْفَهُ فَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيمَا قَبْلَ وَقْتِ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ لِبَقَائِهَا حَيْثُ سَلِمَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ إيقَاعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَيْثُ تَقَدَّمَتْ لَهُ نِيَّةُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَهُ، أَوْ بِانْدِرَاجِهَا فِي نِيَّةِ الشَّهْرِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْهَا لِعَدَمِ صِحَّتِهِ بِدُونِ نِيَّةٍ، ثُمَّ الرَّاجِحُ أَنَّ الْجُنُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يُفَصَّلُ فِيهِ كَالْإِغْمَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَكْرَانُ بِالْأَوْلَى) أَيْ: بِحَرَامٍ، وَأَمَّا بِالْحَلَالِ فَكَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَيُفَصَّلُ فِيهِ تَفْصِيلَهُمَا، وَلَيْسَ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ كَالنَّائِمِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ عج، وَمِمَّنْ جَعَلَهُ كَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ عج فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكَسُكْرِهِ لَيْلًا فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ تَسَاوِي حَالَتَيْ السُّكْرِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ) أَيْ: بِصَدَدِ التَّكْلِيفِ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ نُبِّهَ كَالتَّعْلِيلِ وَقَوْلُهُ: لِلْفَرْقِ أَيْ: لِوَجْهِ الْفَرْقِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ جَمْعَ إلَخْ) أَيْ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ سِنِينَ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَصْدُقُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) فِيهِ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ (قَوْلُهُ: لَأَبْطَلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إلَخْ) أَيْ: وَيُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ كَثِيرَةً، هَذَا ظَاهِرٌ إذَا جُعِلَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ فَيُحْتَاجُ لِقَوْلِهِ كَثِيرَةً
(قَوْلُهُ: وَبِتَرْكِ جِمَاعٍ) أَيْ: بِغَيْرِ سَاتِرٍ، وَانْظُرْ لَوْ جَامَعَ لَيْلًا وَنَزَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنِيُّهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ اكْتَحَلَ لَيْلًا، ثُمَّ هَبَطَ نَهَارًا ك (قَوْلُهُ: مَذْيٍ) عَنْ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ وَلَوْ غَيْرَ مُسْتَدَامٍ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَرْجِعْ إلَخْ) فَإِنْ رَجَعَ فَالْقَضَاءُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَإِلَّا فَالْكَفَّارَةُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فَالْكَفَّارَةُ) وَلَوْ غَلَبَةً (قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِأَنَّهُ رُكْنٌ) يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالرُّكْنِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحَقِيقَةُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الْمَاهِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَرُكْنُهُ
حَشَفَةٍ وَمِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا، وَلَوْ بِدُبُرِ أَوْ فَرْجِ مَيْتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَلَا أَثَرَ لِمُسْتَنْكَحٍ مِنْهُ وَمِنْ الْمَذْيِ
. (ص) وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَعِدَةٍ بِحُقْنَةٍ بِمَائِعٍ أَوْ حَلْقٍ (ش) أَيْ: وَصِحَّتُهُ بِتَرْكِ إيصَالِ مُتَحَلِّلٍ وَهُوَ كُلُّ مَا يَنْمَاعُ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ أَوْ سَافِلٍ غَيْرَ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ أَوْ غَيْرِ مُتَحَلِّلٍ كَدِرْهَمٍ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ كَمَا يَأْتِي عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَقَوْلُهُ: لِمَعِدَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَإِيصَالِ أَيْ وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِمَعِدَتِهِ وَالْبَاءُ فِي بِحُقْنَةٍ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي مَائِعٍ بِمَعْنَى مِنْ وَالتَّقْدِيرُ وَإِيصَالُ مُتَحَلِّلٍ لِمَعِدَتِهِ وَهِيَ مَا انْخَسَفَ مِنْ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ بِسَبَبِ حُقْنَةٍ مِنْ دُبُرِ أَوْ فَرْجِ امْرَأَةٍ لَا إحْلِيلٍ مِنْ مَائِعٍ فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ وَالْحُقْنَةُ مَا يُعَالَجُ بِهِ الْأَرْيَاحُ الْغِلَاظُ أَوْ دَاءٌ فِي الْأَمْعَاءِ يُصَبُّ إلَيْهِ الدَّوَاءُ مِنْ الدُّبُرِ بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَصِلُ الدَّوَاءُ لِلْأَمْعَاءِ وَمَا وَصَلَ لِلْأَمْعَاءِ مِنْ طَعَامٍ حَصَلَ بِهِ فَائِدَةُ الْغِذَاءِ فَإِنَّ الْكَبِدَ يَجْذِبُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَمِنْ سَائِرِ الْأَمْعَاءِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْأَكْلِ قَالَهُ سَنَدٌ وَاحْتَرَزَ بِالْمَائِعِ مِنْ الْجَامِدِ فَلَا قَضَاءَ فِيهِ، وَلَوْ فَتَائِلَ عَلَيْهَا دُهْنٌ وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُهُ مَا يَصِلُ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقَهَا لِلْمَعِدَةِ أَوْ يَجْرِي عَلَى مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: أَوْ حَلْقٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعِدَةٍ وَعَطْفُهُ عَلَى حُقْنَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاصِلَ مِنْ الْأَعْلَى يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يُجَاوِرَ الْحَلْقَ وَهُوَ قَوْلٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ.
(ص) وَإِنْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا يَصِلُ إلَى الْمَنْفَذِ الْأَعْلَى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَ مِنْ مَنْفَذٍ وَاسِعٍ كَالْفَمِ أَوْ غَيْرِ وَاسِعٍ كَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا يَصِلُ إلَى الْمَنْفَذِ الْأَسْفَلِ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَاسِعًا كَالدُّبُرِ لَا كَإِحْلِيلٍ أَوْ جَائِفَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ الْقَضَاءُ مُنْكَرٌ.
(ص) وَبَخُورٍ (ش) كَصَبُورٍ مَا يَتَبَخَّرُ بِهِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُتَحَلِّلٍ وَالتَّقْدِيرُ وَتَرْكُ إيصَالِ مُتَحَلِّلٍ وَبَخُورٍ، قَالَ فِي السُّلَيْمَانِيَّة مَنْ تَبَخَّرَ بِالدَّوَاءِ فَوَجَدَ طَعْمَ الدُّخَانِ فِي حَلْقِهِ قَضَى صَوْمَهُ اهـ.
فَقَوْلُ ابْنِ لُبَابَةَ يُكْرَهُ اسْتِنْشَاقُهُ وَلَا يُفْطِرُ خِلَافٌ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ وَاسْتِنْشَاقُ قِدْرِ الطَّعَامِ بِمَثَابَةِ الْبَخُورِ؛ لِأَنَّ رِيحَ الطَّعَامِ لَهُ جِسْمٌ يَتَقَوَّى بِهِ الدِّمَاغُ فَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ
[حاشية العدوي]
وَلِي إلَخْ (أَقُولُ) : إنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مَعَ النِّيَّةِ فَهُوَ رُكْنٌ.
(قَوْلُهُ: إيصَالِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْإِيصَالِ الْوُصُولُ لَا حَقِيقَتُهُ الْمُقْتَضِيَةُ لِفِعْلِ ذَلِكَ عَمْدًا فَيَقْتَضِي أَنَّ وُصُولَهُ نِسْيَانًا لَا يَضُرُّ مَعَ أَنَّهُ يَضُرُّ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ الَّذِي نَسَبَ الْمُصَنِّفُ لَهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ حَلْقٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِمَخَارِجِهِ كُلِّهَا أَدْنَاهَا وَأَوْسَطِهَا لَمْ نَرَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا أَيْ: أَوْ وَصَلَ الْمُتَحَلِّلُ فَقَطْ إلَى حَلْقٍ، وَأَمَّا وُصُولُ غَيْرِهِ لَهُ وَرَدَّهُ فَلَا يَجِبُ الْفِطْرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا وَصَلَ لِلْحَلْقِ وَرَجَعَ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ إلَّا إنْ كَانَ مَائِعًا لَا جَامِدًا وَرُدَّ بَعْدَ وُصُولِهِ لِحَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ مَا يَنْمَاعُ إلَخْ) وَلَوْ فِي الْمَعِدَةِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ) مِنْ نَحْوِ حَبَّةٍ فَلَا تُوجِبُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ) عِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ فِي الْحَصَاةِ وَالدِّرْهَمِ فَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطَةِ أَنَّ لَهُ فِي الْحَصَاةِ وَالدِّرْهَمِ حُكْمَ الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ فِي السَّهْوِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا فَيَقْضِي لِتَهَاوُنِهِ بِصَوْمِهِ فَجَعَلَ الْقَضَاءَ مَعَ الْعَمْدِ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْحَصَاةَ تَشْغَلُ الْمَعِدَةَ إشْغَالًا مَا، وَتَنْقُصُ كَلَبَ الْجُوعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: مَا انْخَسَفَ) أَيْ: مَا كَانَ تَحْتَ الْمُنْخَسِفِ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ بِمَنْزِلَةِ الْكَرِشِ لِلْحَيَوَانِ (قَوْلُهُ بِسَبَبِ حُقْنَةٍ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحُقْنَةَ تُفَسَّرُ بِصَبِّ الدَّوَاءِ فَقَوْلُهُ: بَعْدَمَا يُعَالِجُ بِهِ الْأَرْيَاحَ أَيْ: صَبُّ دَوَاءٍ وَقَوْلُهُ: بِمَعْنَى مِنْ لَا يَظْهَرُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ: وَصَبِّ مُلْتَبِسٍ بِمَائِعٍ وَفِي الْعِبَارَةِ تَجْرِيدٌ وَقَوْلُهُ: مِنْ دُبُرٍ مِنْ بِمَعْنَى فِي وَحِينَئِذٍ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَذْفٌ أَيْ: وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ إلَخْ بِسَبَبِ حُقْنَةٍ أَيْ: أَوْ غَيْرِهَا وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: بِحُقْنَةٍ شَامِلًا لِلِالْتِبَاسِ بِالْمَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ قَالَ بِمَائِعٍ وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَكِنْ لَا بِكُلِّ مَا ذَكَرَ، بَلْ بِمَائِعٍ (قَوْلُهُ: أَوْ دَاءً) مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَرْيَاحِ وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ شب بِحُقْنَةٍ، الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، أَوْ بَاءُ الْآلَةِ وَهِيَ صَبُّ الدَّوَاءِ مِنْ الدُّبُرِ بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِمَنْ بِهِ أَرْيَاحٌ، أَوْ دَاءٌ فِي الْأَمْعَاءِ اهـ. (قَوْلُهُ: الْأَمْعَاءِ) أَيْ: الْمَصَارِينِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ فَتَائِلَ عَلَيْهَا دُهْنٌ) أَيْ: لِخِفَّتِهَا كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ وَعِبَارَتُهُ فِي ك وَلَوْ فَتَائِلَ عَلَيْهَا دُهْنٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ غِذَاءٌ، إنَّمَا يُفْعَلُ لِجَذْبٍ، ثُمَّ يُخْرِجُهَا فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَمُقَابِلُ ذَلِكَ مَا فِي الْجَلَّابِ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ (قَوْلُهُ: وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُهُ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ، وَقَرَّرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ النَّفْرَاوِيُّ وَلَا يَجْرِي عَلَى مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الْوُصُولِ لِلْجَوْفِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ) مُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ نَكَشَ الْأُذُنَ بِكَعُودٍ لَا شَيْءَ فِيهِ وَهُوَ خُرُوجُ خُرْئِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ بِهِ شَيْءٌ لِلْأُذُنِ وَلَا لِلْحَلْقِ، وَاَلَّذِي يَصِلُ مِنْ كُحْلٍ نَهَارًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ وَلْيَتَمَادَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ حِنَّاءٍ، أَوْ دُهْنِ الشَّيْخِ، وَيَخْتَبِرُ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِيمَا يَصِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِذِ إنْ فَعَلَهُ نَهَارًا فَإِنْ فَعَلَهُ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي هُبُوطِ ذَلِكَ نَهَارًا لِلْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ غَاصَ فِي أَعْمَاقِ الْبَدَنِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَنْحَدِرُ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الْبَدَنِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَائِفَةٍ) هُوَ الْخَرْقُ الْوَاصِلُ لِلْجَوْفِ (قَوْلُهُ: مَنْ تَبَخَّرَ إلَخْ) قَالَ فِي ك بَعْدَ ذَلِكَ فَلَوْ وَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ يُفْطِرْ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ رَائِحَةَ غَيْرِ الْبَخُورِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ لَا تُفْطِرُ وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا اهـ. (فَائِدَةٌ) يُكْرَهُ شَمُّ الرَّيَاحِينِ بَدْرٌ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ اسْتِنْشَاقُهُ وَلَا يُفْطِرُ) أَيْ: اسْتِنْشَاقُ الدُّخَانِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ رِيحَ إلَخْ)
وَقَوْلُهُ: وَبَخُورٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ صَانِعِهِ وَغَيْرِهِ
. (ص) وَقَيْءٍ وَبَلْغَمٍ إنْ أَمْكَنَ طَرْحُهُ (ش) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ يَعْنِي: أَنَّ صِحَّةَ الصَّوْمِ بِتَرْكِ إيصَالِ قَيْءٍ وَبَلْغَمٍ أَوْ قَلْسٍ إنْ أَمْكَنَ طَرْحُهُ أَيْ: طَرْحُ مَا ذَكَرَ وَقَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَمَعْنَاهُ فِي الْقَيْءِ كَانَ مِنْ عِلَّةٍ أَوْ امْتِلَاءٍ تَغَيَّرَ عَنْ الطَّعَامِ أَمْ لَا رَجَعَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، زَادَ بَعْضٌ: أَوْ غَلَبَةً وَهُوَ صَحِيحٌ حُكْمًا لَا لَفْظًا إذْ لَا إمْكَانَ مَعَ الْغَلَبَةِ وَمَعْنَاهُ فِي الْبَلْغَمِ كَانَ مِنْ الصَّدْرِ أَمْ مِنْ الرَّأْسِ، وَسَوَاءٌ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ أَوْ اللَّهَوَاتِ أَمْ لَا لَكِنْ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي الْبَلْغَمِ، وَلَوْ أَمْكَنَ طَرْحُهُ، وَلَوْ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى طَرَفِ لِسَانِهِ.
(ص) أَوْ غَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ أَوْ سِوَاكٍ (ش) هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَيْءٍ وَبَلْغَمٍ مُشَارِكٌ لَهُ فِي شَرْطِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَلَمَّا طَلَبَ الشَّارِعُ الْمَضْمَضَةَ وَالسِّوَاكَ مِنْ الصَّائِمِ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ اغْتِفَارُ مَا سَبَقَ لِلْحَلْقِ مِنْهُمَا رَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ وُصُولِ غَالِبٍ لِحَلْقِهِ مِنْ أَثَرِ مَاءِ مَضْمَضَةٍ أَوْ مُجْتَمِعٍ فِي فِيهِ مِنْ سِوَاكٍ وَهَذَا خَاصٌّ بِالْفَرْضِ وَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ وُصُولٌ لَا إيصَالٌ، الْمَذْكُورُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ تُنَافِي الْإِيصَالَ الْمُشْعِرَ بِالِاخْتِيَارِ وَالْمَصْدَرُ الْمَزِيدُ فَرْعُ الْمُجَرَّدِ فَلَا بُعْدَ فِي الْإِدْلَالِ بِهِ عَلَيْهِ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ
. (ص) وَقَضَى فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا (ش) يَعْنِي: أَنَّهُ يَقْضِي فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِكُلِّ مُفْطِرٍ مِنْ كُلِّ مَنْفَذٍ عَلَى أَيْ وَجْهٍ مِنْ: عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ غَلَبَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَمْ لَا وَلَا فَرْقَ فِي الْفَرْضِ بَيْنَ كَوْنِهِ أَصْلًا أَوْ عُرُوضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ إلَخْ ثُمَّ إنْ كَانَ عَامِدًا فَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي إمْسَاكِ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا: كَرَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ كَانَ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَامِدٍ فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَمْسَكَ وَإِنْ كَانَ فِي قَضَائِهِ كَانَ بِالْخِيَارِ فِي إمْسَاكِهِ وَالِاسْتِحْسَانُ الْإِمْسَاكُ، وَإِنْ كَانَ كَالظِّهَارِ وَقَتْلِ النَّفْسِ مِمَّا يَجِبُ تَتَابُعُهُ فَأَفْطَرَ أَوَّلَ يَوْمٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ أَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَمَنْ قَالَ الْفِطْرُ يُسْقِطُ حُكْمَ الْمَاضِي فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَإِنْ كَانَ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مِمَّا لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ
. (ص) وَإِنْ بِصَبٍّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا (ش) يَعْنِي: أَنَّ الصَّائِمَ إذَا صَبَّ إنْسَانٌ فِي حَلْقِهِ مَاءً أَيْ: سَكَبَهُ؛ لِأَنَّ الصَّبَّ هُوَ السَّكْبُ فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ إلَى حَلْقِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى فَاعِلِهِ.
(ص) كَمُجَامَعَةِ نَائِمَةٍ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ النَّائِمَةَ إذَا جُومِعَتْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَالْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَطْ بِلَا كَفَّارَةٍ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى فَاعِلِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِخِلَافِ مَنْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَالِمَةً لَزِمَهُ التَّكْفِيرُ عَنْهَا.
(ص) وَكَأَكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ (ش) أَيْ: فَإِنَّهُ يَقْضِي مَعَ
[حاشية العدوي]
وَأَمَّا مَا لَا يَحْصُلُ بِهِ غِذَاءٌ لِلْجَوْفِ كَدُخَانِ الْحَطَبِ فَلَا قَضَاءَ فِي وُصُولِهِ لِحَلْقِهِ كَذَا فِي فَتَاوَى عج وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اسْتَنْشَقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَيَّفُ فَالدُّخَانُ الَّذِي يُشْرَبُ مُفْطِرٌ إذْ هُوَ مُتَكَيِّفٌ وَيَصِلُ إلَى الْحَلْقِ، بَلْ إلَى الْجَوْفِ أَحْيَانًا وَيَقْصِدُ عب
(قَوْلُهُ: وَقَيْءٍ وَبَلْغَمٍ إلَخْ) .
(تَنْبِيهٌ) : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ابْتِلَاعِهِ رِيقَهُ وَلَوْ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ خِلَافًا لعب (قَوْلُهُ: مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ) أَيْ: عَلَى مُتَحَلِّلٍ مِنْ قَوْلِهِ وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ صَحِيحٌ حُكْمًا إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي الرُّجُوعِ وَالْإِمْكَانِ صِفَةٌ.
اُنْظُرْ ح نَعَمْ قَوْلُهُ: رَجَعَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْفَرْضِ، وَأَمَّا الرُّجُوعُ سَهْوًا فِي النَّفْلِ فَلَا يُوجِبُ شَيْئًا كَمَا أَفَادَهُ فِي ك (قَوْلُهُ: أَوْ اللَّهَوَاتِ) فِي الْمِصْبَاحِ وَاللَّهَاةُ اللَّحْمَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْحَلْقِ فِي أَقْصَى الْفَمِ، وَالْجَمْعُ لَهًى وَلَهَيَاتٌ مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصًى وَحَصَيَاتٌ وَلَهَوَاتٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي الْبَلْغَمِ) بِأَنْ يَبْلُغَ النُّخَامَةَ ابْنُ رُشْدٍ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي النُّخَامَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ابْتِلَاعِهِ إيَّاهَا عَامِدًا اهـ.
(قَوْلُهُ وَبَلْغَمٍ مُشَارِكٍ لَهُ فِي شَرْطِهِ) أَيْ: الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: أَمْكَنَ طَرْحُهُ وَقَوْلُهُ: وَإِطْلَاقِهِ أَيْ: الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: خَاصٌّ بِالْفَرْضِ) أَيْ: وَأَمَّا النَّفَلُ إذَا وَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ غَلَبَةً فِيهِ فَلَا قَضَاءَ (قَوْلُهُ: فَلَا بُعْدَ فِي الْإِدْلَالِ بِهِ) أَيْ: بِالْمَزِيدِ عَلَى الْمُجَرَّدِ (قَوْلُهُ: وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ) وَهُوَ أَنَّ الْغَلَبَةَ تُنَافِي الِاخْتِيَارَ
(قَوْلُهُ: عَلَى أَيِّ وَجْهٍ مِنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ فِي الْفَرْضِ بَيْنَ كَوْنِهِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا عَيْنُ قَوْلِهِ رَمَضَانَ، أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) وَهُوَ التَّطَوُّعُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ أَيْ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ بَدَلُهُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا أَيْ: لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَلَا يُنْدَبُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى لَا تَقْضِي إلَّا بِنَفْيِ الْوُجُوبِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَمْسَكَ) أَيْ: لِحُرْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ يَقْضِي وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَالتَّطَوُّعُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي قَضَائِهِ) أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّ الْفِطْرَ نِسْيَانٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ كَالظِّهَارِ) أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّهُ نَاسٍ (قَوْلُهُ: فَمَنْ قَالَ الْفِطْرُ يُسْقِطُ حُكْمَ الْمَاضِي فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ) التَّعْبِيرُ " بِلَهُ " يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْلَى الْإِمْسَاكُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْفِطْرَ نِسْيَانًا لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ وَهُوَ الرَّاجِحُ فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ كَالْفِطْرِ نِسْيَانًا فَفِي النَّقْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْفِطْرِ الْعَمْدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ إلَّا إذَا كَانَ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا كَرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالتَّطَوُّعِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمَا عَدَا هَذَيْنِ لَا يَجِبُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ) أَيْ: وَالْفَرْضُ أَنَّ الْفِطْرَ نِسْيَانًا (قَوْلُهُ: مِمَّا لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ وَقَوْلُهُ: فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَالظَّاهِرُ نَدْبُ الْإِمْسَاكِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: بِلَا كَفَّارَةٍ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى فَاعِلِهِ عَنْهَا إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَلَى الْمُجَامِعِ لِلنَّائِمَةِ الْكَفَّارَةَ،، وَأَمَّا هِيَ فَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْقَضَاءُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَكَأَكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ)
حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ مَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْغُرُوبِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهَذَا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْغُرُوبِ وَإِلَّا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ وَقَوْلُهُ: (أَوْ طَرَأَ الشَّكُّ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: شَاكًّا وَيُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلَى مَعْنَى أَكْلِهِ أَيْ: وَإِنْ كَانَ أَكَلَ شَاكًّا أَوْ طَرَأَ الشَّكُّ.
(ص) وَمَنْ لَمْ يَنْظُرْ دَلِيلَهُ اقْتَدَى بِالْمُسْتَدِلِّ وَإِلَّا احْتَاطَ (ش) الضَّمِيرُ فِي دَلِيلِهِ يَرْجِعُ لِلْفَجْرِ وَالْغُرُوبِ أَوْ لِلصَّوْمِ وَهُوَ أَوْلَى وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ دَلِيلَ الْفَجْرِ أَوْ الْغُرُوبِ أَوْ دَلِيلَ الصَّوْمِ أَيْ: الدَّلِيلَ الْمُتَعَلِّقَ بِالصَّوْمِ مِنْ فَجْرٍ وَغُرُوبٍ لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْتَدِي بِمَنْ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ أَيْ: يُقَلِّدُهُ حَيْثُ كَانَ عَدْلًا عَارِفًا أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى عَارِفٍ عَدْلٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ فِي الْقِبْلَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَأَوَّلَ كَلَامُهُمْ عَلَى الْعَاجِزِ انْتَهَى فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُسْتَدِلَّ أَوْ وَجَدَهُ فَاقِدًا بَعْضَ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ احْتَاطَ بِتَأْخِيرِ الْفِطْرِ وَتَقْدِيمِ السُّحُورِ.
وَقَالَ ق بِنَظَرٍ يُعْرَفُ أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَلِيلَهُ وَكَذَا لَوْ عَرَفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النَّظَرُ بِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَنْظُرْ وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدَّلِيلِ فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي كَلَامِهِ مَوْصُولَةٌ لَا شَرْطِيَّةٌ وَهُوَ لَا يَعْتَبِرُ غَيْرَ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَحِينَئِذٍ فَيُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ
. (ص) إلَّا الْمُعَيَّنَ: لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِسْيَانٍ (ش) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: وَقَضَى فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ لِعُذْرٍ: كَمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ، إغْمَاءٍ، أَوْ إكْرَاهٍ فَإِنَّهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ زَمَنِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَالشَّيْخُ تَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي النِّسْيَانِ، وَالْفَرْقُ عَلَى مَذْهَبِهَا بَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْمَرَضِ أَنَّ النَّاسِيَ مَعَهُ ضَرْبٌ مِنْ التَّفْرِيطِ، وَجَعَلَ سَنَدٌ خَطَأَ الْوَقْتِ كَالنِّسْيَانِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِفِطْرِ السَّفَرِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ
. (ص) وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الصَّوْمَ النَّفَلَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ عَمْدًا حَرَامًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَخَرَجَ بِالْعَمْدِ النِّسْيَانُ وَبِالْحَرَامِ غَيْرُهُ: كَالْفِطْرِ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا ثُمَّ بَالَغَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتٍّ) أَيْ: وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ مُسْتَنِدًا لِطَلَاقٍ
[حاشية العدوي]
الْمُرَادُ بِالشَّكِّ عَدَمُ التَّيَقُّنِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَكَلْت بَعْدَ الْفَجْرِ، وَقَالَ لَهُ آخَرُ: أَكَلْت قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: مَعَ حُرْمَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) ، وَمُقَابِلُهُ الْكَرَاهَةُ (قَوْلُهُ: وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ إلَخْ) ، بَلْ الْحُرْمَةُ اتِّفَاقًا كَمَا أَفَادَهُ بَهْرَامُ (قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ) ، وَمُقَابِلُهُ الْكَفَّارَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْفَجْرِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَفِي الْغُرُوبِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَعَدَمُ الْكَفَّارَةِ فِي الْفَجْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي ك، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْغُرُوبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ (قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ شَاكًّا) وَالتَّقْدِيرُ وَكَأَكْلِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ وَكَأَكْلِهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ طَارِئًا لَهُ الشَّكُّ فَهِيَ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ (قَوْلُهُ أَيْ: وَإِنْ كَانَ أَكَلَ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لِلْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: وَكَأَنْ أَكَلَ شَاكًّا، أَوْ طَرَأَ الشَّكُّ.
(تَنْبِيهٌ) : النَّفَلُ مُخَالِفٌ لِلْفَرْضِ فِي هَذَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ قَضَاءٌ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: أَوْ لِلصَّوْمِ وَهُوَ أَوْلَى) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوجُ إلَى تَكْلِيفٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَحُوجُ إلَى اعْتِبَارِ مَا ذَكَرَ وَإِلَّا لَكَانَ الْوَاجِبُ دَلِيلَهُمَا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَقْتَدِي بِمَنْ) أَيْ: بِشَخْصٍ، يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ الشَّخْصِ أَيْ: يَسْتَنِدُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ كَانَ أَيْ: الشَّخْصُ الَّذِي اسْتَنَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ مُقَلِّدًا، أَوْ مُجْتَهِدًا فَصَحَّ.
قَوْلُهُ: حَيْثُ إلَخْ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَجِدُ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُجْتَهِدُ (قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: الصَّوْمِ وَالدَّلِيلُ هُوَ الْفَجْرُ وَالْغُرُوبُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ فِي الْقِبْلَةِ) أَيْ: أَنَّ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، وَالْفَرْقُ كَثْرَةُ الْخَطَأِ فِي الْقِبْلَةِ لِخَفَائِهَا دُونَ دَلِيلِ الصَّوْمِ، فَتَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ تَقْلِيدِ مِحْرَابِ مِصْرٍ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ النَّظَرُ بِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّظَرِ حَقِيقَتَهُ، فَيُخَالِفُ تَفْسِيرَ يَنْظُرُ بِيَعْرِفُ فَإِذَنْ الْأَوْلَى أَنْ يَبْقَى الْمَتْنُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ عَارِفًا بِالدَّلِيلِ وَلَمْ يَنْظُرْ مَعَ الْقُدْرَةِ اسْتَدَلَّ، وَأَوْلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ) أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ يُنَافِي كَلَامَهُ الْأَوَّلَ (قَوْلُهُ: فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَكَذَا لَوْ عَرَفَ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: فَيُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ) مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ
(قَوْلُهُ: النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ النَّذْرِ الْمَضْمُونِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَيَجِبُ فِعْلُهُ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ وَقْتِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ (قَوْلُهُ: أَوْ إكْرَاهٍ) رَجَّحَ الْحَطَّابُ وَتَبِعَهُ عج أَنَّ الْإِكْرَاهَ كَالنِّسْيَانِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ) ، ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يُبَيِّتُ الصَّوْمَ فَيَكُونُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي شَرْحِ عب مَا نَصُّهُ: وَشَمَلَ الْمُصَنِّفُ نَاسِي تَبْيِيتِ الصَّوْمِ فِي الْمُعَيَّنِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَثْنَاءَهُ وَالْمُفْطِرَ فِيهِ نَاسِيًا بَعْدَ تَبْيِيتِ الصَّوْمِ وَتَارِكَ التَّبْيِيتِ فِيهِ عَمْدًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ الَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ الْمُعَيَّنُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالرَّاجِحُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ اُنْظُرْ عب (قَوْلُهُ: كَالنِّسْيَانِ) أَيْ: فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ) وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْعَمْدِ النِّسْيَانُ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَبْطُلْ وَكَذَا مَنْ أَفْطَرَ فِي النَّفْلِ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، أَوْ لِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَهُوَ غَيْرُ حَرَامٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِطَلَاقٍ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُلَابَسَةِ وَهَذَا حَلٌّ بِحَسَبِ الْمَعْنَى
بَتٍّ وَقَوْلُهُ: (إلَّا لِوَجْهٍ) مُخْرَجٌ مِنْ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ فِي النَّفْلِ الْمُقَدَّرِ فِي الْكَلَامِ وَيَكُونُ سَاكِتًا عَنْ الْقَضَاءِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ عَلَى مَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَخَالَفَهُ الْحَطَّابُ وَأَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُسْتَنِدًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ التَّادَلِيُّ مِنْ نَفْيِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِفِطْرٍ حَرَامٍ، وَكَلَامُ عِيَاضٍ ضَعِيفٌ.
(ص) كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا (ش) هُنَا حُذِفَ مُضَافٌ أَيْ: كَأَمْرِ شَيْخٍ وَوَالِدٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ لِإِدَامَتِهِ، وَمِثْلُ الْوَالِدِ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ وَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ دَنِيُّهُ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كَوَالِدٍ إلَخْ تَمْثِيلًا لِلْوَجْهِ، وَالْكَافُ لِإِدْخَالِ الْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ وَإِنْ انْحَصَرَتْ فِي الْخَارِجِ فِيمَا ذَكَرَ كَشَمْسٍ، وَالْأُمِّ كَالْأَبِ فَقَوْلُهُ: كَوَالِدٍ أَيْ: كَشَخْصِ وَالِدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَمَا قَالَهُ ق، وَلَوْ تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ قَوْلَهُ إلَّا لِوَجْهٍ إلَخْ لَكَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ مَعَ الْوَجْهِ غَيْرُ حَرَامٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ بِأَنْ يَحْلِفَ شَخْصٌ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ، أَوْ عِتْقِ أَمَتِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُبِّهَا فَيُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ،
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ وَاجِبٍ بَيَّنَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِهِ بِقَوْلِهِ: (ص) وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ وَجَهْلٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْكُبْرَى تَجِبُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ أَوَّلُهَا: الْعَمْدُ، وَثَانِيهَا الِاخْتِيَارُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ، وَلَا عَلَى مُكْرَهٍ، وَثَالِثُهَا الِانْتِهَاكُ لِلْحُرْمَةِ فَالْمُتَأَوَّلُ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَرَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى جَاهِلٍ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَسْتَنِدْ لِشَيْءٍ: كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَظُنُّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُحَرِّمُ الْجِمَاعَ وَجَامَعَ فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْجَهْلِ جَهْلُ حُرْمَةِ الْمُوجِبِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَأَمَّا جَهْلُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ مَعَ عِلْمِ حُرْمَتِهِ فَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ، وَأَمَّا جَهْلُ رَمَضَانَ فَيُسْقِطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ اتِّفَاقًا كَمَا إذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ قَبْلَ ثُبُوتِ الصَّوْمِ، وَخَامِسُهَا كَوْنُهُ صَوْمَ رَمَضَانَ فَلَا كَفَّارَةَ فِي غَيْرِهِ مِنْ قَضَائِهِ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ ظِهَارٍ أَوْ نَحْوِهِمْ إمَّا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَدْخُلُ بَابَ الْكَفَّارَاتِ، أَوْ يَدْخُلُهُ وَلَكِنْ لِرَمَضَانَ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، وَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَكَلَاتِ، أَوْ الْوَطَآتِ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَ كَفَّارَةَ الْأَوْلَى أَمْ لَا.
(ص) جِمَاعًا، أَوْ رَفْعَ نِيَّةٍ نَهَارًا، أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا (ش) هَذَا مَعْمُولُ تَعَمَّدَ أَيْ وَكَفَرَ إنْ تَعَمَّدَ جِمَاعًا يُوجِبُ الْغُسْلَ، أَوْ رَفَعَ نِيَّتَهُ نَهَارًا وَأَوْلَى لَيْلًا حَيْثُ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ رَافِعًا لَهَا، وَسَوَاءٌ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا، أَوْ أَكْلًا لِمَا يَقَعُ بِهِ الْإِفْطَارُ، وَلَوْ حَصَاةً
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: الْمُقَدَّرِ) صِفَةٌ لِفِطْرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ مَعْنَاهُ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ مُخْرَجٌ مِنْ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ فِي كُلِّ حَالَةٍ إلَّا لِوَجْهٍ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِفِطْرٍ حَرَامٍ) فِيهِ أَنَّ عِيَاضًا يُسَلِّمُ تِلْكَ الْعِلَّةَ (قَوْلُهُ: وَشَيْخٍ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ قَالَهُ ابْنُ عَلَاقٍ وَبَحَثَ فِيهِ الْبَدْرُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أُخِذَ عَلَيْهِ الْعَهْدُ فِي فِعْلِ الْعِبَادَةِ لَا فِي تَرْكِهَا اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّ تَرْكَ الصَّوْمِ عِبَادَةٌ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ ابْنُ نَاجِي، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ شَيْخُهُ الْمُعَلِّمُ لِلْعِلْمِ وَأَلْحَقَهُ بِهِ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، وَالظَّاهِرُ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ كَذَا فِي عب، وَالظَّاهِرُ أَنَّ آلَتَهُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَوَالِدٍ) أَيْ: كَأَمْرِ وَالِدٍ فَإِنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ نَفْسَ الْوَالِدِ، بَلْ أَمْرُ الْوَالِدِ (قَوْلُهُ: وَالْكَافُ لِإِدْخَالِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِدُخُولِ السَّيِّدِ تَحْتَ الْكَافِ (قَوْلُهُ: وَالْأُمُّ كَالْأَبِ) أَيْ: وَيُرَادُ بِالْوَالِدِ مَا يَشْمَلُهُمَا فَلِذَلِكَ قَالَ أَيْ: كَشَخْصِ وَالِدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُسْلِمُ إلَخْ هَذَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَرَكَ إلَخْ) هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ مُخْرَجٌ مِنْ تَحْرِيمٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِنَاءٌ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ (قَوْلُهُ: لَكَانَ حَسَنًا إلَخْ) أَيْ: فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ إلَّا أَنَّ الشَّارِحَ أَجَابَ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا) هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُحَشِّي تت.
(قَوْلُهُ: وَثَانِيهَا الِاخْتِيَارُ) مُفَادُهُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَمَّدًا وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ قَيْدَ التَّعَمُّدِ مُحْرَزٌ لِلِاخْتِيَارِ فَقَالَ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ مُخْتَارٍ كَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مُوجِبَاتِهَا مُكْرَهًا، أَوْ غَلَبَةً لِعَدَمِ وَصْفِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالتَّعَمُّدِ حَقِيقَةً إلَّا مَنْ اسْتَاكَ بِجَوْزَاءَ نَهَارًا عَمْدًا وَابْتَلَعَهَا غَلَبَةً عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (قَوْلُهُ: الِانْتِهَاكُ لِلْحُرْمَةِ) أَيْ: عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِهَا (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ) أَيْ: قَرِيبِ اتِّصَافٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ قَرِيبِ عِلْمٍ بِالْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَافُ بِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَدْخُلُ بَابُ إلَخْ) أَيْ: لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ يَدْخُلُهُ أَيْ: يَصِحُّ دُخُولُهُ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لِرَمَضَانَ حُرْمَةٌ) أَيْ: فَلَوْ قِسْنَا لَكَانَ قِيَاسًا مَعَ الْفَارِقِ (قَوْلُهُ: هَذَا مَعْمُولُ تَعَمَّدَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ، أَوْ رَفَعَ مَعْطُوفٌ عَلَى جِمَاعًا فَهُوَ يُقْرَأُ اسْمًا وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّافِعَ مُتَعَمِّدٌ لِأَنَّ الرَّفْعَ قَدْ يَكُونُ سَهْوًا اهـ.، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ النِّيَّةِ نَهَارًا لَا يَكُونُ إلَّا عَمْدًا (قَوْلُهُ: جِمَاعًا يُوجِبُ الْغُسْلَ) أَيْ: لَا مِنْ غَيْرِ بَالِغٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَوْطُوءَتِهِ الْبَالِغَةِ حَيْثُ لَمْ تُنْزِلْ وَلَا فِيمَنْ لَا تُطِيقُهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْبَالِغِ الَّذِي وَطِئَهَا ثُمَّ يُعْتَبَرُ الِانْتِهَاكُ حَالَةَ الْفِعْلِ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ فَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمِ الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا قَضَاءَ (قَوْلُهُ: أَوْ رَفَعَ نَهَارًا) هَذَا إذَا رَفَعَ رَفْعًا مُطْلَقًا، أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى أَكْلٍ، أَوْ شُرْبٍ وَحَصَلَ نَهَارًا لَا فِي مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا كَفَّارَةَ وَكَذَا لَا قَضَاءَ كَمَا صَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ (قَوْلُهُ وَأَوْلَى لَيْلًا) إنَّمَا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَفَعَهَا فِي مَحَلِّهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ أَيْ: فَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا أَوْقَعَهَا فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ اللَّيْلُ وَأَصْبَحَ صَائِمًا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرَفْعِهَا فِي النَّهَارِ.
(تَنْبِيهٌ) : يُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ