كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِهِ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فِيهِ وَاَللَّهُ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ فَكَيْفَ يَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَوَجْهُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا مَعَ مَسْتُورِينَ مَخَافَةً أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَهُ مَعَ النَّاسِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: وَأَمَّا كَرَاهَةُ الِاغْتِسَالِ مِنْ مَائِهِ فَلِأَنَّهُ يُسَخَّنُ بِالْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ وَلِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي فَرُبَّمَا تَنَاوَلَ أَخْذُهُ بِيَدِهِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ لِدِينِهِ.
وَقَالَ قَبِلَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ وَهُوَ مَلَآنِ يُجْزِئُهُ فِي طَهَارَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ طَاهِرًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَالْمَاءِ جَمِيعًا وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ بِالشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا لَا أَنَّهُ يُبِيحُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِوَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، (وَالثَّانِي) كَرَاهَةُ الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي هُوَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ جَائِزٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ يَصِحُّ بِعَشَرَةِ شُرُوطٍ ذَكَرَهَا ابْنُ شَاسٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا بِنِيَّةِ التَّدَاوِي أَوْ التَّطَهُّرِ وَأَنْ يَقْصِدَ أَوْقَاتَ الْخَلْوَةِ وَقِلَّةِ النَّاسِ وَأَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ بِإِزَارٍ صَفِيقٍ وَأَنْ يَطْرَحَ بَصَرَهُ إلَى الْأَرْضِ أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْحَائِطَ لِئَلَّا يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَحْظُورٍ وَأَنْ يُغَيِّرَ مَا يَرَى مِنْ مُنْكَرٍ بِرِفْقٍ بِقَوْلِهِ: اسْتَتِرْ سَتَرَكَ اللَّهُ وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ عَوْرَتِهِ أَنْ يُدَلِّكَهَا وَهِيَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفَخْذَيْنِ هَلْ هُمَا عَوْرَةٌ أَمْ لَا وَأَنْ يَدْخُلَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ وَأَنْ يَصُبَّ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَأَنْ يَتَذَكَّرَ عَذَابَ جَهَنَّمَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دُخُولِهِ وَحْدَهُ اتَّفَقَ مَعَ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ أَدْيَانَهُمْ عَلَى كِرَائِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فَلْيَجْتَهِدْ فِي غَضِّ الْبَصَرِ.
وَإِنْ حَضَرَ وَقْتَ صَلَاةٍ فِيهِ اسْتَتَرَ وَصَلَّى فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ انْتَهَى هَذِهِ آدَابٌ مِنْهَا وَاجِبٌ وَمِنْهَا مَنْدُوبٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَدْخَلِ وَقَالَ فِيهِ: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ مَعَ مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ وَيَصُونُ نَظَرَهُ وَسَمْعَهُ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاغْتِسَالُ فِي النَّهْرِ وَإِنْ كَانَ يَجِدُ فِيهِ ذَلِكَ وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ وَفِيهَا مَا فِيهَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانِهِ وَأَمَّا زَمَانُنَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُجِيزَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَالْغَالِبُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ شَاطِئَ النَّهْرِ فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ مِثْلُ مَا فِي الْحَمَّامَاتِ وَكَذَلِكَ الْفَسَاقِي الَّتِي فِي الْمَيَاضِي وَالرِّبَاطَاتِ إذْ أَنَّهَا مَحِلُّ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَمَا أَتَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَلْفَاظَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُرْفِهِمْ وَزَمَانِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَخْتَصُّ كُلُّ زَمَانٍ بِعَادَتِهِ وَعُرْفِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْغُسْلِ أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي زَمَانِ الدِّفَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَمَّامِ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ وَأَمَّا زَمَنُ الْبَرْدِ فَدُخُولُ الْحَمَّامِ أَفْضَلُ خَشْيَةَ أَنْ يَضُرَّهُ الْمَاءُ الْبَارِدُ انْتَهَى، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا دُخُولُ النِّسَاءِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرِّجَالِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ وَلَا تَدْخُلُهُ امْرَأَةٌ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَقَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِهَا هَذَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَمَّامَ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَدُخُولُ النِّسَاءِ الْحَمَّامَاتِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِنَّ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَقَالَ: لَوْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِنَّ لَمَا جَازَ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ لَهُنَّ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ وَمَعَ الصِّحَّةِ مَكْرُوهٌ وَإِذَا كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ مُؤْتَزِرَاتٍ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَنَحْوُهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَرَاهَتَهُ لَهُنَّ لِغَيْرِ عِلَّةٍ إذَا كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ أَشَدُّ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهَا فِي حَقِّهِنَّ وَإِنَّمَا بَحَثَ فِي نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ وَأَمَّا فِي الرِّجَالِ فَقَالَ: تَرْكُهُ أَحْسَنُ وَفَسَّرَ
الشُّرَّاحُ قَوْلَ الرِّسَالَةِ مِنْ عِلَّتِهِ بِالْمَرَضِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَقَابَلُوهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَافَةِ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَقَدْ ذَاعَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَسْتَتِرْنَ إلَّا الْقَلِيلَ وَذَلِكَ الْقَلِيلُ يَرَى عَوْرَةَ غَيْرِهِ فَأَرَاهُ الْيَوْمَ مَجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ إلَّا أَنْ يَخْلُوَ لَهَا أَوْ تَكُونَ مَعَ مَنْ يَجُوزُ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا.
[فَرْعٌ فِيمَنْ مَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْحَمَّامِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ السُّيُورِيِّ فِيمَنْ مَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْحَمَّامِ: فَهُوَ صَوَابٌ وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَإِذَا اُضْطُرَّتْ إلَيْهِ وَكَانَ مَا يُؤَدَّى فِي إخْلَائِهِ لَا يُجْحَفُ بِهِ وَلَمْ تَكُنْ تَرَى فِي خُرُوجِهَا مَا لَا يَجُوزُ جَازَ وَلَزِمَهُ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ» لَكِنْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: مَنَعَ سَحْنُونٌ دُخُولَ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ بِزَوْجِيَّتِهِ مَعًا وَأَجَازَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَذَكَرَ ابْنُ الرَّقِيقِ فِي تَارِيخِ الْقَيْرَوَانِ أَنَّ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ أَجَابَ الْأَمِيرَ بِجَوَازِ دُخُولِ الْحَمَّامِ بِجَوَارِيهِ وَخَطَّأَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ لِحُرْمَةِ الْكَشْفِ بَيْنَهُنَّ وَالصَّوَابُ مَعَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْقَسَم وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنْ رُئِيَتْ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ عُمِلَ عَلَيْهَا)
ش قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: قَوْلُهُ رُئِيَتْ مَبْنِيٌّ مِنْ رَأَى مَقْلُوبُ رَاءٍ بِجَعْلِ اللَّامِ مَكَانَ الْعَيْنِ وَبِالْعَكْسِ وَهِيَ لُغَةٌ وَأَكْثَرُهُمْ يَنْطِقُ بِهِ هَكَذَا وَالْمَبْنِيُّ مِنْ رَأَى يُقَالُ فِيهِ رُئِيَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْقَلْبُ فِي رَأَى كَثِيرٌ مُسْتَعْمَلٌ كَمَا قَالَهُ فِي التَّسْهِيلِ وَالْمَعْنَى أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَاتِ إذَا رُئِيَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى فِيهِ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ لِلْمَاءِ أَوْ لِلطَّعَامِ عُمِلَ عَلَيْهَا فَإِنْ غَيَّرَتْ الْمَاءَ ضَرَّتْ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ إنْ كَانَ مَائِعًا وَإِنْ كَانَ جَامِدًا طُرِحَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ السَّرَيَانُ فِيهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ عَطْفًا عَلَى الْمَاءِ يَقْتَضِي مُسَاوَاةَ الطَّعَامِ لِلْمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنْ تُيُقِّنَتْ عَلَى فِيهِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ تُتَيَقَّنُ وَإِنْ لَمْ تَرَ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ قُطِعَ بِنَجَاسَةِ أَفْوَاهِهَا وَقَالَ فِيمَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ: إلَّا أَنْ تُعْلَمَ نَجَاسَةٌ فِيهِ عِنْدَ الشُّرْبِ وَلِيَدْخُلَ فِي كَلَامِهِ مَا يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْإِمَامِ هَذَا إنْ جَعَلْنَا رَأَى بَصْرِيَّةً وَإِنْ جُعِلَتْ عِلْمِيَّةً فَلَا إشْكَالَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ سُؤْرُ شَارِبِ خَمْرٍ إلَى آخِرِهِ وَتُيُقِّنَ نَجَاسَةُ يَدِهِ كَذَلِكَ فَيَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِ ظَاهِرُهُ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرُّؤْيَةِ وَقْتُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ لَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ الْحَاجِبِ زَمَنَ الرُّؤْيَةِ وَعَادَةُ الْفُقَهَاءِ تَقْيِيدُهُ فَيَقُولُونَ إنَّ رُئِيَتْ فِي أَفْوَاهِهَا وَقْتَ شُرْبِهَا نَجَاسَةٌ وَهَذَا التَّقْيِيدُ لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: مُقْتَضَى كَلَامِهِ الِاكْتِفَاءُ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ حَالَ التَّنَاوُلِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُرَ حَالَ تَنَاوُلِهِ بَعْدَ أَنْ رُئِيَ مُسْتَعْمَلًا لَهَا دُونَ غَيْبَةٍ يُمْكِنُ ذَهَابُ أَثَرِهَا مِنْ فِيهِ لَكَانَ كَمَا لَوْ رُئِيَتْ لِتَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ بِفَمِهِ وَلَيْسَ عَدَمُ رُؤْيَتِهَا مِمَّا يُنَافِي ذَلِكَ وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ مَا يَقْتَضِي هَذَا ثُمَّ قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ غَيْبَةٍ لَا يَبْقَى مَعَهَا ظَنُّ بَقَاءِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ بِفِيهَا انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا كَانَتْ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
ص (وَإِذَا مَاتَ بَرِّيٌّ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ بِرَاكِدٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ نُدِبَ نَزْحٌ بِقَدْرِهِمَا لَا إنْ وَقَعَ مَيِّتًا) ش: قَوْلُهُ بَرِّيٌّ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَعْنِي أَنَّ الْحَيَوَانَ الْبَرِّيَّ الَّذِي
لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْمَاءِ وَالْمَيْتَةِ أَيْ بِقَدْرِ الْمَاءِ كَثْرَةً وَقِلَّةً وَكِبَرِ الْمَيْتَةِ وَصِغَرِهَا فَقَوْلُهُ إذَا مَاتَ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ وَأُخْرِجَ حَيًّا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجَسَدِهِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ قَلِيلٌ فَيَكُونُ مَاءٌ يَسِيرٌ حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَوْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مُخَالَطَةَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ نُمَيْرٍ فِي قَصْرِيَّةٍ شَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَأُخْرِجَتْ حَيَّةً أَنَّهُ يُرَاقُ وَقَالَ هُوَ: بَعِيدٌ وَشُذُوذٌ لَا وَجْهَ لَهُ وَقَالَ: إنَّ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِثْلَهُ وَمَالَ ابْنُ الْإِمَامِ إلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَالَ: إنَّهُ إذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَظْهَرُ فِي الطَّعَامِ فَلَا يُرَاقُ بِالشَّكِّ وَأَمَّا فِي الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْإِمَامِ فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ قَلِيلًا فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ حَيَّةً وَأُخْرِجَتْ وَهِيَ بِالْحَيَاةِ لَمْ يَفْسُدْ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ وَأَمَّا فِي الشُّرْبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْسُدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ مَاتَ مَا إذَا وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ النَّزْحُ كَمَا يُصَرَّح بِهِ.
وَقَوْلُهُ بَرِّيٌّ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْبَحْرِيِّ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ لَمْ يُسْتَحَبَّ النَّزْحُ وَقَوْلُهُ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ السَّائِلَةِ الدَّمُ الْجَارِي لِذَلِكَ قَيَّدَ النَّفْسَ بِالسَّيَلَانِ فَإِنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الشَّيْءِ وَعَلَى الرُّوحِ وَعَلَى الدَّمِ فَقَيْدُهَا بِالسَّيَلَانِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَقَوْلُهُ بِرَاكِدٍ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْجَارِي فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ النَّزْحُ وَالرَّاكِدُ الْوَاقِفُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ كَالْبِئْرِ أَوْ لَا مَادَّةَ لَهُ كَالصِّهْرِيجِ وَالْبِرْكَةِ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّزْحُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ دَابَّةَ بَحْرٍ أَوْ دَابَّةَ بَرٍّ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَوْ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ إلَّا أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِمَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ نَجِسٌ وَغَيْرُهُ طَاهِرٌ عَلَى خِلَافٍ فِيمَا تَغَيَّرَ بِالْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَيْتَاتِ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ وَإِذَا وَجَبَ النَّزْحُ فَمَا لَهُ مَادَّةٌ يُنْزَحُ حَتَّى يَزُولَ تَغَيُّرُهُ وَمَا لَيْسَتْ لَهُ مَادَّةٌ يُطْرَحُ كُلُّهُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ ثُمَّ يَاءٍ سَاكِنَةٍ: وَيُغْسَلُ الْمَاجِلُ مِنْهُ فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ يُنْزَحُ بَعْضُهُ فَفِي طَهُورِيَّةِ الْبَاقِي الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَأَفْتَى أَبُو مُحَمَّدٍ بِتَجْهِيلِ مَنْ قَالَ فِي مَاجِلٍ قَلِيلِ الْمَاءِ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ وَغَيَّرَتْهُ أَنَّهُ يُطَيَّنُ حَتَّى يَكْثُرَ مَاؤُهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَقَوْلُهُ نُدِبَ نَزْحٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّ النَّزْحَ مَعَ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ مُسْتَحَبٌّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ يَجِبُ النَّزْحُ وَقِيلَ يَجِبُ فِيمَا لَا مَادَّةَ لَهُ وَقِيلَ يَجِبُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ.
(تَنْبِيهٌ) وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ فَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثِّيَابِ الَّتِي أَصَابَهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِمَّا يُفْسِدُهَا الْغُسْلُ قَالَهُ فِي رَسْمٍ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَقَالَ فِي رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: وَيُطْرَحُ مَا عُجِنَ بِهِ أَوْ حَلَّ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقِّي لِلْمُتَشَابِهِ انْتَهَى.
وَعَلَّلَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ فَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى بِهِ أَبَدًا وَيَحْرُمُ أَكْلُ مَا عُجِنَ بِهِ أَوْ طُبِخَ وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ عَلَى هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالْحِكْمَةُ فِي النَّزْحِ) أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الْحَيَوَانَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ تُفْتَحُ مَسَامُّهُ وَتَسِيلُ رُطُوبَاتُهُ وَيَفْتَحُ فَاهُ طَلَبًا لِلنَّجَاةِ فَيَدْخُلُ الْمَاءُ وَيَخْرُجُ بِرُطُوبَاتٍ وَذَلِكَ مِمَّا تَعَافُهُ النُّفُوسُ فَأَمَرَ بِالنَّزْحِ لِذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا نُزِحَ يُنْقَصُ الدَّلْوُ شَيْئًا يَسِيرًا لِأَنَّهُ إذَا مُلِئَ تَطْفُو الدُّهْنِيَّةُ وَتَرْجِعُ إلَى الْمَاءِ
فَلَا يَكُونُ لِلنَّزْحِ مَعْنَى.
[فَرْعٌ النَّزْحُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَيْتَةِ]
(فَرْعٌ) يَكْفِي النَّزْحُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَيْتَةِ كَمَا ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْعَطَّارِ فِي بِئْرٍ بِجِوَارِ أَفْرَانٍ اسْتَقَوْا مِنْهَا كَثِيرًا لِعَجْنِهِمْ ثُمَّ اسْتَقَى شَخْصٌ آخَرُ وَعَجَنَ ثُمَّ طَلَعَ لَهُ فَأْرٌ مَيْتَةٌ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ قَبْلَهُ قَدْ نَزَحُوهُ وَطَيَّبُوهُ وَقَوْلُهُ بِقَدْرِهِمَا يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُنْزَحُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْدُودٌ عِنْدَ مَالِكٍ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْمَاءِ وَالْمَيْتَةِ وَلِذَلِكَ ثَنَّى الضَّمِيرَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَخْتَلِفُ النَّزْحُ بِاخْتِلَافِ طُولِ إقَامَةِ الْحَيَوَانِ فِي الْمَاءِ وَقِلَّةِ ذَلِكَ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَيْسَ لِمِقْدَارِ مَا يُنْزَحُ حَدٌّ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ مَا مَاتَ مِنْ صَغِيرٍ وَطُولِ إقَامَةٍ وَقِلَّةِ الْمَاءِ وَمُقَابِلِهَا وَكَذَلِكَ لَمْ يَحُدَّهُ مَالِكٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي: كُلَّمَا كَثُرَ النَّزْحُ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِمْ وَأَوْلَى وَأَبْلَغَ وَأَحْوَطَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ تَحْدِيدِ الْمُرَاقِ بِأَرْبَعِينَ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْعَامِّيُّ الْمُوَسْوِسُ أَوْ يُقَلِّلَ الْمُتَسَاهِلَ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ اسْتَفْتَاهُ قَوْمٌ فِي مِثْلِ هَذَا فَقَالَ: انْزِعُوا مِنْهَا أَرْبَعِينَ خَمْسِينَ سِتِّينَ دَلْوًا ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا قُلْت لَهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُجْزِيهِمْ وَالْأَكْثَرُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ قُلْتُ لَهُمْ خَمْسِينَ لَأَبْطَلْتُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ وَهِيَ مِثْلُهَا وَمَنَعْتُهُمْ عَنْ سِتِّينَ وَهِيَ أَبْلَغُ وَقَوْلُهُ لَا إنْ وَقَعَ مَيْتًا أَيْ فَلَا يُسْتَحَبُّ النَّزْحُ كَمَا تَقَدَّمَ يُرِيدُ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ.
ص (وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ لَا بِكَثْرَةِ مُطْلَقٍ فَاسْتُحْسِنَ الطَّهُورِيَّةُ وَعَدَمُهَا أَرْجَحُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُكَاثِرَةِ مَاءٍ مُطْلَقٍ خَالَطَهُ أَمْ لَا فَالْأَوَّلُ طَهُورٌ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَذَلِكَ كَالْبِئْرِ يَنْزَحُ مِنْهَا حَتَّى يَزُولَ التَّغَيُّرُ وَكَالصِّهْرِيجِ يَتَغَيَّرُ بِمَيْتَةٍ فَيُتْرَكُ حَتَّى يَكْثُرَ مَاؤُهُ بِمَطَرٍ وَنَحْوِهِ وَقَدْ جَهَّلَ أَبُو مُحَمَّدٍ بَعْضَهُمْ فِي قَوْلِهِ فِي مَاجِلٍ قَلِيلِ الْمَاءِ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ يُطَيَّنُ حَتَّى يَكْثُرَ مَاؤُهُ.
ثُمَّ يُشْرَبُ قَالَ: فَإِنْ فَعَلَ شَرِبَ وَتَجْهِيلُهُ فِي تَأْخِيرِ طَرْحِهِ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ غَيْرَ الْمَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ وَمِنْهُ مَا إذَا نُزِعَ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي لَا مَادَّةَ لَهُ بَعْضُهُ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ فِي طَهُورِيَّتِهِ قَوْلَيْنِ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْقَوْلَ بِالطَّهُورِيَّةِ وَرَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ عَدَمَ الطَّهُورِيَّةِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَفِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِهِ إلَّا الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ زَوَالِ النَّجَاسَةِ إذَا زَالَ عَيْنُهَا بِالْمَاءِ الْمُضَافِ وَسَيَأْتِي.
وَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ الْمُصَنِّفَ إنْ حَمَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ عَلَى نَفْسِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَهُوَ وَهْمٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقِيسَهُ عَلَيْهِ فَبَعِيدٌ وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ شَرْحَ الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ وَفِيهِ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ نَقْلِ ابْنُ يُونُسَ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَ ابْنِ بَشِيرٍ فَقَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ فِي طَهُورِيَّةِ النَّجِسِ يَزُولُ بِغَيْرِهِ بِلَا نَزْحٍ قَوْلَانِ لَا أَعْرِفُهُ فَبَقِيَ وَجْدَانِ الْقَوْلَيْنِ مَعًا فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُجُودِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِمَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْقَابِسِيُّ مِنْ رَدِّ بَعْضِهِمْ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ يَقُولُ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ الرَّادَّ مُقَلِّدٌ لِخَلِيلٍ فِي نَقْلِهِ كَالشَّارِحِ نَعَمْ أَغْفَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِسْمَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَذَكَرَ بَعْضُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَلِنَأْتِ بِأَكْثَرِ مِمَّا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقْصُودُ.
قَالَ: وَسُئِلَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْجُبِّ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ تَمُوتُ فِيهِ الدَّابَّةُ وَتَنْشَقُّ وَالْمَاءُ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا فَلَمَّا أُخْرِجَتْ وَحُرِّكَ الْمَاءُ ذَهَبَتْ الرَّائِحَةُ هَلْ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُشْرَبُ؟ قَالَ: إذَا خَرَجَتْ الْمَيْتَةُ فَلْيَنْزَحْ مِنْهُ حَتَّى يَذْهَبَ دَسَمُهَا وَالرَّائِحَةُ وَاللَّوْنُ إنْ كَانَ بِهِ لَوْنٌ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا عَلَى مَا وَصَفْتُ طَابَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا رَخَّصَ فِيهِ قَطُّ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ
ابْنِ وَهْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ الَّذِي رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ عَنْهُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي بِئْرِ بِضَاعَةَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ فِي جِبَابٍ تُحْفَرُ بِالْمَغْرِبِ فَتَسْقُطُ فِيهَا الْمَيْتَةُ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْمَاءِ وَرِيحُهُ ثُمَّ يَطِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى، فَظَهَرَ وُجُودُ الْقَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا نُزِحَ بَعْضُهُ فَأَحْرَى إذَا لَمْ يُنْزَحْ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَهَابُ التَّغَيُّرِ مَعَ النَّزْحِ كَانَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ مَعَ النَّزْحِ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُخَالَطَةُ الْمُغَيِّرِ فَيَجِبُ بَقَاءُ حُكْمِهِ وَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ وَالثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ أَبِي أَوَيْسً وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَشَيْخُهُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ بِضَمِّ الطَّاءَيْنِ وَبَيْنَهُمَا رَاءٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَقَدْ عَايَنْتُ فِي صِهْرِيجِ دَارِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ هِرًّا قَدْ انْتَفَخَ وَتَزَلَّعَ وَتَغَيَّرَ مِنْهُ رِيحُ الْمَاءِ وَطَعْمُهُ وَلَوْنُهُ فَنَزَعَ الْهِرَّ وَتَرَكَ الصِّهْرِيجَ حَتَّى يُنْزَحَ فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمَّ رَفَعَ مِنْهُ الْمَاءَ فَإِذَا هُوَ سَالِمُ الْأَوْصَافِ فَشَرِبَ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي دَارِهِ وَفِيهَا مَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَطَلَبَتِهِ وَلَمْ يُنْزَحْ مِنْهُ دَلْوٌ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِالِاسْتِحْسَانِ ثُمَّ إنَّ كَلَامَهُمَا فِيمَا لَا مَادَّةَ لَهُ وَلَمْ يُنْزَحْ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَا لَهُ مَادَّةٌ أَوْ نُزِحَ بَعْضُهُ أَوْلَى بِالطَّهُورِيَّةِ وَانْظُرْ مَا الَّذِي أَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ هَلْ الْقَوْلُ بِالطَّهُورِيَّةِ أَوْ الْقَوْلُ بِعَدَمِهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا غَيْرَ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ إنْكَارُ الْقَوْلِ بِالطَّهُورِيَّةِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَاتَتْ فِيهِ دَابَّةٌ وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْقَوْلَيْنِ وَشَهَّرَ عَدَمَ الطَّهُورِيَّةِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُخَالِطُ نَجِسًا فَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مَا دَامَ مُتَغَيِّرًا فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بَعْدُ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالْبَوْلِ فَلَا يَنْتَقِلُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ وَكَذَلِكَ إنْ أُزِيلَ بَعْضُ الْمَاءِ فَسَلِمَتْ أَوْصَافُهُ فَالْقَوْلَانِ انْتَهَى وَأَمَّا إنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِإِلْقَاءِ تُرَابٍ فِيهِ أَوْ طِينٍ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ لَوْنُ الطِّينِ وَلَا رِيحُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَجَبَ أَنْ يَطْهُرَ لِزَوَالِ التَّغَيُّرِ وَإِنْ ظَهَرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمُلْقَى فَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ وَلَمْ يُجْزَمْ فِيهِ بِشَيْءٍ، قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ: وَالْأَظْهَرُ النَّجَاسَةُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ.
[تَنْبِيهَاتٌ فِيمَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) هَذَا فِيمَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَجَزَمَ ابْنُ الْكَرَوِيِّ بِطَهُورِيَّتِهِ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَحَكَى ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِيهِ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَمَنْشَؤُهُمَا هَلْ الْمُعْتَبَرُ سَلَامَةُ الْأَوْصَافِ أَوْ مُخَالَطَةُ الْمُغَيِّرِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ وَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ انْتَهَى وَحَكَاهُمَا الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
(قُلْتُ) : وَالْأَظْهَرُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالطَّهُورِيَّةِ أَخْذًا مِمَّا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالطُّرْطُوشِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ فِيمَا تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ، (الثَّانِي) إنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُخَالَطَةِ مَاءٍ مُطْلَقٍ قَلِيلٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَقَالَ الْبِسَاطِيّ فِي شَرْحِهِ وَلَوْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ مَحِلَّ النِّزَاعِ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ سَلِمَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالنَّقْلِ فِيمَا إذَا زَالَ بِقَلِيلِ الْمُطْلَقِ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ: وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ بِهِ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِمُطْلَقٍ يَسِيرٍ وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَكَلَامُ ابْنِ الْإِمَامِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا كَاثَرَهُ الطَّهُورُ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَزَالَ بِهِ التَّغَيُّرُ فَالْأَظْهَرُ نَفْيُ الْخِلَافِ فِيهِ إنْ انْتَهَى إلَى مَا لَوْ وَقَعَ فِيهِ جُمْلَةُ هَذَا التَّغَيُّرِ كَانَ كَثِيرًا أَوْ ثُبُوتُهُ إنْ انْتَهَى إلَى مَا لَوْ وَقَعَ فِيهِ كَانَ قَلِيلًا وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلَ بِطَهُورِيَّتِهِ عِنْدَ ذَهَابِ التَّغَيُّرِ بِالتَّكَاثُرِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَمَّا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ كَانَ نَجِسًا فَطُرُوُّ مَاءٍ عَلَيْهِ كَطُرُوِّهِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ لِذَلِكَ أَنْ يُرَاعَى كَثْرَتُهُ وَقِلَّتُهُ انْتَهَى، (الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ.
وَأَمَّا الْمَاءُ الْيَسِيرُ
فَهُوَ بَاقٍ عَلَى التَّنْجِيسِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالْخِلَافُ فِي الْبَوْلِ نَفْسِهِ إذَا زَالَتْ رَائِحَتُهُ وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْخِلَافُ فِي بَوْلِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ الْمَاءُ فِي مَعِدَتِهِ وَيَبُولُهُ بِصِفَتِهِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ نَجَاسَتُهُ وَلَوْ زَالَتْ رَائِحَتُهُ وَبِهِ الْفَتْوَى وَالْخِلَافُ فِي الْبَوْلِ الْمُتَقَطِّعِ الرَّائِحَةِ وَبَوْلِ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ الْمَاءُ فِي جَوْفِهِ غَرِيبٌ فَاعْلَمْهُ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْبَوْلِ بَعِيدٌ جِدًّا وَفِي كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ السَّابِقِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ بَيَّنَ وَجْهًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ النَّجَاسَةَ تَثْبُتُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ إذَا بَيَّنَ وَجْهَهَا سَوَاءٌ اخْتَلَفَ مَذْهَبُ السَّائِلِ وَالْمُخَبِّرِ أَوْ اتَّفَقَ يُرِيدُ وَلَوْ كَانَ الْمُخَبِّرُ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً قَالَهُ الْمَازِرِيُّ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ.
ص (أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا)
ش: يَعْنِي وَكَذَلِكَ تَثْبُتُ النَّجَاسَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا اتَّفَقَ مَذْهَبُ السَّائِلِ وَالْمُخَبِّرِ وَلَوْ لَمْ يُبَيَّنْ وَجْهَهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا كَانَ الْمُخَبِّرُ عَالِمًا بِمَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَمَا لَا يُنَجِّسُهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَاءِ مَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ أَوْ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ عَنْهُ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ.
ص (وَإِلَّا فَقَالَ يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ)
ش: يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُخَبِّرُ وَجْهَ النَّجَاسَةِ وَلَا وَافَقَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَ السَّائِلِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الْأَحْسَنُ تَرْكُهُ.
ص (وَوُرُودُ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ كَعَكْسِهِ)
ش: يَعْنِي إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَرَدَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْمَاءِ فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِالنَّجَاسَةِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا صَارَ نَجِسًا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَهُورٌ لَكِنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ وَاعْتَرَضَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ النَّجَاسَةُ وَأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ إذَا انْفَصَلَ عَلَى حَالِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(قُلْتُ) : وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُمْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَازِرِيُّ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ الِاغْتِرَاف مِنْ الْمَاء قَبْل التَّطَهُّر]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ حَوْضِ: الْحَمَّامِ وَهُوَ نَجِسٌ فَيَتَطَهَّرُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَيُدْخِلُ يَدَيْهِ فِيهِ وَيُدَلِّكُ جَسَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَصُبَّ عَلَى يَدَيْهِ الْمَاءَ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهِمَا مِنْ جَسَدِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ مَاءَ الْحَوْضِ لَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ مُحَقَّقَةً كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالدَّمِ وَإِنَّمَا هُوَ نَجِسٌ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ لِكَثْرَةِ الْمُسْتَعْمَلِينَ فِيهِ وَقَدْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ الْبَوْلِ فِي قَدْرِ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ الرَّجُلُ لَمَا تَنَجَّسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَكَيْفَ بِرَدِّ يَدَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمَحْكُومِ بِنَجَاسَتِهِ هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَالِيَ بِهِ وَأَنْ يَتَسَاهَلَ فِيهِ وَلَوْ نَجَّسَ طَهُورَهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَوَجَبَ أَنْ يَنْجُسَ الْمَاءُ الَّذِي نَقَلَهُ إلَى جِسْمِهِ لِمُلَاقَاتِهِ إيَّاهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ وَعَلَى أَنَّ الْحَوْضَ مِنْ الْيَسِيرِ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا أَصَابَ يَدَ الْمُغْتَسِلِ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا انْتَضَحَ فِي إنَاءِ الْجُنُبِ مِنْ غُسْلِهِ وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَمِثْلُهُ يَقَعُ فِيمَنْ يَكُونُ بِجَسَدِهِ نَجَاسَةٌ فَيَصُبُّ عَلَيْهَا مِنْ إنَاءٍ طَاهِرٍ وَيُدَلِّكُ يَدَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُرُودَ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا يُؤَيِّدُهُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرٌ.
[فَصْلٌ الطَّاهِرُ أَنْوَاعٌ]
ص (فَصْلٌ الطَّاهِرُ مَيِّتُ مَا لَا دَمَ لَهُ) ش: لَا خَفَاءَ فِي مُنَاسَبَةِ هَذَا الْفَصْلِ لِلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ
فِيهِ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ طَاهِرٌ، وَمَا تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ نَجِسٌ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَالْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ، وَقَدَّمَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ فَقَالَ الطَّاهِرُ مَيِّتُ مَا لَا دَمَ لَهُ يَعْنِي أَنَّ الطَّاهِرَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا مَيْتَةُ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَا دَمَ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ رُطُوبَةٌ كَالْعَنْكَبُوتِ وَالْجُدَاجُدُ وَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ وَالصِّرْصَارِ وَالْخَنَافِسِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْجَرَادِ وَالنَّحْلِ وَالدُّودِ وَالسُّوسِ وَفِي مَيْتَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً طَرِيقَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ: الْأُولَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَأَمَّا الْبَرِّيُّ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَ سَنَدٌ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهَا نَجِسَةٌ لَكِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ غَيْرَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَيْتَةُ بَرِّيٍّ ذِي نَفْسٍ سَائِلَةٍ غَيْرِ إنْسَانٍ كَالْوَزَغِ نَجِسٌ وَنَقِيضُهَا طَاهِرٌ وَفِي الْآدَمِيِّ قَوْلَانِ لِابْنِ شَعْبَانَ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَصَّارِ مَعَ سَحْنُونٍ ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ مَيْتَةُ غَيْرِ ذِي النَّفْسِ السَّائِلَةِ نَجِسَةٌ وَسَمِعَا لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا مَاتَ فِيهِ خَشَاشٌ وَيُبَيِّنُهُ إنْ بَاعَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ شَرْطِ ذَكَاتِهِ كَقَوْلِ الْقَاضِي خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْتُ: الْمُفَرَّعُ عَلَى عَدَمِ شَرْطِ ذَكَاتِهِ أَكْلُهُ لَا أَكْلُ مَا حَلَّ فِيهِ لِثُبُوتِهِ عَلَى شَرْطِ ذَكَاتِهِ إنْ بُيِّنَ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
فَصَدَّرَ بِالْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَيْتَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ نَجَاسَتَهُمَا وَأَنَّهُ يُؤْكَلُ مَا مَاتَ فِيهِ الْخَشَاشُ وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَفَرَّقْ وَيَتَقَطَّعْ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَلَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ فَلَا إشْكَالَ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا تَفَرَّقَ فِيهِ وَتَغَيَّرَ مِنْهُ الْمَاءُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُضَافِ وَهَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمَذْهَبُ أَشْهَبَ تَنْجِيسُ مَا خَالَطَهُ بِطَبْخٍ أَوْ شِبْهِهِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُنَجِّسَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً كَيْفَ كَانَ، وَأَمَّا أَكْلُ الطَّعَامِ إذَا تَحَلَّلَ فِيهِ أَوْ طُبِخَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ إذَا كَانَ مُخْتَلِطًا بِهِ وَغَالِبًا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَيَّزَ الطَّعَامُ مِنْهُ أُكِلَ دُونَهُ إذْ لَا يُؤْكَلُ الْخَشَاشُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا بِذَكَاةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ خَرَّجَ أَكْلَهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَرَادِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْخَشَاشَ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا عَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ مَيْتَةَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً نَجِسَةٌ وَأَنَّهَا تُنَجِّسُ مَا لَاقَتْهُ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ: إنَّ مَيْتَةَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً نَجِسَةٌ وَعَزَاهُ لِسَحْنُونٍ وَلَيْسَ مِنْهُ الْوَزَغُ وَالسَّحَالِي وَلَا شَحْمَةُ الْأَرْضِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْوَزَغُ مِنْ الْخَشَاشِ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَمِنْ جِنْسِ الْحَنَشِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ الثَّانِي لَا يُؤْكَلُ الْوَزَغُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْخَشَاشُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ فِيهَا الضَّمَّ أَيْضًا هُوَ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ انْتَهَى.
وَالْجَدَاجِدُ جَمْعُ جُدْجُدٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: وَالْجُدْجُدُ كَهُدْهُدٍ مِثْلُ الْجَرَادِ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: وَالْجُدْجُدُ بِالضَّمِّ صَرَّارُ اللَّيْلِ وَهُوَ قُفَّازٌ وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْجَرَادِ وَالْجَمْعُ الْجَدَاجِدُ وَالْجَدْجَدُ بِالْفَتْحِ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ انْتَهَى.
وَالصَّرَّارُ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْأُولَى هُوَ الْجُدْجُدُ سُمِّيَ بِصَوْتِهِ، يُقَالُ صَرَّ وَصَرْصَرَ إذَا صَاحَ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ وَصَرَّارُ اللَّيْلِ الْجُدْجُدُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْجُنْدُبِ وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُسَمِّيهِ الصَّرَى انْتَهَى.
وَالزُّنْبُورُ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِضَمِّ الزَّايِ مَعْلُومٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الزُّنْبُورُ الدَّبْرُ وَهُوَ يُؤَنَّثُ وَالزِّنْبَارُ لُغَةٌ فِيهِ وَالْجَمْعُ الزَّنَابِيرُ
وَأَرْضٌ مُزْبِرَةٌ كَثِيرَةُ الزَّنَابِيرِ كَمَا أَنَّهُمْ رَدُّوهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ وَحَذَفُوا الزِّيَادَاتِ كَمَا قَالُوا أَرْضٌ مُعْقِرَةٌ وَمُثْعِلَةٌ أَيْ كَثِيرَةُ الْعَقَارِبِ وَالثَّعَالِبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ الزُّنْبُورُ أَمِيرُ النَّحْلِ وَالزُّنْبُورُ الْخَفِيفُ الظَّرِيفُ انْتَهَى.
وَالْخَنَافِسُ جَمْعُ خُنْفَسٍ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْمَدُّ مَعْلُومٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ وَيُقَالُ لِهَذِهِ الدُّوَيْبَّةِ خَنْفِسَاءُ بِفَتْحِ الْخَاءِ مَمْدُودَةً وَالْأُنْثَى خُنْفَسَاءَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْخُنْفَسَةُ دُوَيْبَّةٌ سَوْدَاءُ أَصْغَرُ مِنْ الْجُعْلِ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ وَالْأُنْثَى خُنْفَسَةٌ وَخُنْفَسَاءُ وَخُنْفَسَاءَةٌ وَضَمُّ الْفَاءِ فِي كُلِّ ذَلِكَ لُغَةٌ انْتَهَى.
فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ فَتْحَ الْفَاءِ أَشْهُرُ وَاقْتَضَى أَيْضًا أَنَّ خَنْفِسَاءَ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْمُؤَنَّثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْبَحْرِيِّ)
ش: بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مَحِلِّ مَا أَيْ وَمَيْتَةُ الْبَحْرِيِّ يَعْنِي أَنَّ مَيْتَةَ الْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ طَاهِرَةٌ وَسَوَاءٌ مَاتَ بِنَفْسِهِ وَوُجِدَ طَافِيًا أَوْ بِالِاصْطِيَادِ أَوْ أُخْرِجَ حَيًّا أَوْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ أَوْ دُسَّ فِي طِينٍ أَوْ وُجِدَ فِي بَطْنِ حُوتٍ أَوْ فِي بَطْنِ طَيْرٍ مَيِّتًا لَكِنَّ هَذَا يُغْسَلُ كَمَا سَيَأْتِي وَسَوَاءٌ صَادَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ.
ص (وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِبَرٍّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَيَوَانَ الْبَحْرِيَّ إذَا كَانَ لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْبَحْرِ وَلَا تَطُولُ حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ فَلَا إشْكَالَ فِي طَهَارَةِ مَيْتَتِهِ، وَإِنْ طَالَتْ حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَيْتَتَهُ طَاهِرَةٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ دِينَارٍ مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَالِثًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ فَيَكُونَ طَاهِرًا، أَوْ فِي الْبَرِّ فَيَكُونَ نَجِسًا وَعَزَاهُ لِعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَذَلِكَ كَالضِّفْدَعِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَكَالسُّلَحْفَاةِ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَضَمِّ الْحَاءِ وَحُكِيَ فِي الْقَامُوسِ فَتْحُ اللَّامِ وَسُكُونُ الْحَاءِ وَكَالسَّرَطَانِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَاتِ، قِيلَ: وَهُوَ تُرْسُ الْمَاءِ وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ السُّلَحْفَاةُ هِيَ تُرْسُ الْمَاءِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ مَا نَصَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ مَيْتَةُ الضَّفَادِعِ الْبَرِّيَّةِ نَجِسَةٌ لَا تُؤْكَلُ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَا ذَكَّى)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَا ذُكِّيَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ مِنْ ذَبْحٍ، أَوْ نَحْرٍ، أَوْ عَقْرٍ فِيمَا يُذَكَّى بِالْعَقْرِ فَهُوَ طَاهِرٌ.
ص (وَجُزْؤُهُ إلَّا مُحَرَّمَ الْأَكْلِ)
ش: أَشَارَ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ السِّبَاعَ إذَا ذُكِّيَتْ لِأَخْذِ جُلُودِهَا فَإِنَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا تَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ لَحْمَهَا مَكْرُوهٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ وَمُبَاحِهِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ أَنَّهَا تَعْمَلُ فِي مُحَرَّمِ الْأَكْلِ أَيْضًا فَتَطْهُرُ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ بِالذَّكَاةِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يُؤْكَلُ، كَذَا أَطْلَقَ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ مِنْ الْجَوَاهِرِ اسْتَثْنَى الْخِنْزِيرَ وَأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَلَوْ ذُكِّيَ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لِغِلَظِ تَحْرِيمِهِ وَشَمِلَ قَوْلُهُ: " وَجُزْؤُهُ " الْجَنِينَ يُوجَدُ مَيِّتًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِحِلِّهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَيْتَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْإِمَامِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنِينُ فِي الْمُذَكَّى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ حَكَمَ بِأَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ، وَأَمَّا الْمَشِيمَةُ بِمِيمَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَيُقَالُ لَهَا السَّلَى بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالْقَصْرِ وَهِيَ وِقَاءُ الْمَوْلُودِ فَقَدْ حَكَمَ ابْنُ رُشْدٍ بِطَهَارَتِهَا وَأَنَّهَا كَلَحْمِ النَّاقَةِ الْمُذَكَّاةِ ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ رَادًّا عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ طَرْحِ السَّلَى عَلَى ظَهْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى أَنَّ سُقُوطَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمُصَلِّي لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْإِمَامِ وَفَهِمَ مِنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ أَكْلِهِ فَعَزَاهُ لِلسَّمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيُّ عَنْ الصَّائِغِ أَنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ بَائِنٌ مِنْ النَّعْجَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهِ ثُمَّ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ ثَالِثًا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَابْنُ جَمَاعَةَ إنَّهُ تَابِعٌ لِلْوَلَدِ إنْ أَكَلَ الْوَلَدُ أُكِلَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْمَشِيمَةَ بِالْآدَمِيِّينَ وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ حَتَّى الْأَمْعَاءُ الَّتِي فِيهَا الْفَرْثُ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ مِمَّا لَا يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ فَلَا
يُؤْكَلُ مَا اتَّصَلَ بِرَوْثِهِ حَتَّى يُغْسَلَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ لِنَجَاسَةِ رَوْثِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ص (وَصُوفٌ وَوَبَرٌ وَزَغَبُ رِيشٍ وَشَعْرٌ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الشَّعَرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا يُطْلَقُ عَلَى شَعْرِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَهُوَ عَامٌّ وَالصُّوفُ لِلشَّاةِ فَهُوَ أَخُصُّ مِنْهُ وَالْوَبَرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ صُوفُ الْإِبِلِ وَالْأَرْنَبِ وَنَحْوِهِمَا وَمَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ الشَّعْرُ مَا لَيْسَ بِصُوفٍ وَلَا وَبَرٍ وَالرِّيشُ لِلطَّائِرِ وَالزَّغَبُ مَا اكْتَنَفَ الْقَصَبَةَ.
ص (إنْ جُزَّتْ)
ش: هَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا هُوَ إذَا أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّى قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَنْفَصِلَ مَجْزُوزَةً بَلْ لَوْ نُتِفَتْ وَقُطِعَ مُبَاشِرُ اللَّحْمِ طَهُرَ.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهَا فِي حَالِ اتِّصَالِهَا بِالْمَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُجَزَّ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالطَّهَارَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ شَعْرُ الْمَيْتَةِ طَوِيلًا وَصَلَّى عَلَيْهِ مُصَلٍّ، أَوْ كَانَ الْمُصَلِّي يُبَاشِرُ رِيشَ الْقَصَبَةِ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا اتَّصَلَ بِهَا فَقَطْ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَأَنْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ الشَّعْرُ وَالرِّيشُ مَبْسُوطًا فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي الْمُصَلِّي، أَوْ مُمْسِكًا لَهُ بِيَدِهِ لَمْ تَصِحَّ كَمَا قَالَ سَنَدٌ فِيمَنْ رَبَطَ حَبْلًا فِي مَيْتَةٍ إنَّهُ إنْ كَانَ طَرَفُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْبِسَاطِ، وَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي وَسَطِهِ، أَوْ مَمْسُوكًا بِيَدِهِ لَمْ تَجُزْ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا جُزَّتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ مَيْتَةٍ فَاسْتُحِبَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ أَنْ تُغْسَلَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَا مَعْنَى لَهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ أَذًى وَأَوْجَبَ ابْنُ حَبِيبٍ غَسْلَهَا فَإِنْ تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ الصُّوفِ وَمَا مَعَهُ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَيْتَةِ، أَوْ بَيْعَ مَا نُسِجَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ أَبُو حَفْصٍ: لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ صُوفِ الْحَيِّ وَلِلْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ.
ص (وَالْجَمَادُ وَهُوَ جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ وَمُنْفَصِلٍ عَنْهُ)
ش: الْجَمَادُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهُوَ لُغَةً الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا مَطَرٌ وَالسَّنَةُ الَّتِي لَا مَطَرَ فِيهَا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهِ فَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ رَاشِدٍ: الْجَمَادُ مَا لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ انْتَهَى.
فَيَتَنَاوَلُ النَّبَاتَ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْعَالَمُ حَيَوَانٌ وَنَبَاتٌ وَجَمَادٌ فَجَعَلَ الْجَمَادَ مُقَابِلًا لِلْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا ذَكَرَ وَأَصْلُ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لِابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ.
قَالَ وَنَعْنِي بِذَلِكَ مَا لَا تَحِلُّهُ حَيَاةٌ، أَوْ يَنْفَصِلُ عَنْ ذِي حَيَاةٍ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ وَنَعْنِي بِالْجَمَادِ مَا لَيْسَ بِرُوحٍ وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْ رُوحٍ فَرَأَى الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا كَالْإِتْيَانِ بِالْجِنْسِ الْبَعِيدِ لِصِدْقِهَا عَلَى الْعَرَضِ وَالْجَوْهَرِ فَأَبْدَلَهَا بِقَوْلِهِ وَهُوَ جِسْمٌ غَيْرُ حَيٍّ إلَى آخِرِهِ فَقَوْلُهُ جِسْمٌ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ وَقَوْلُهُ غَيْرُ حَيٍّ فَصْلٌ يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ وَقَوْلُهُ وَمُنْفَصِلٍ مَعْطُوفٌ عَلَى حَيٍّ أَيْ وَغَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنْ حَيٍّ وَخَرَجَ بِهِ جَمِيعُ الْفَضَلَاتِ الْمُنْفَصِلَاتِ عَنْ الْحَيِّ الطَّاهِرِ مِنْهَا وَالنَّجِسِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إخْرَاجِهَا مِنْ حَدِّ الْجَمَادِ كَوْنُهَا نَجِسَةً وَالْأَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ نَجِسًا؛ لِأَنَّا أَخْرَجْنَا مِنْ حَدِّ الْجَمَادِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ أَجْزَاءَ الْحَيَوَانِ الْمُنْفَصِلَةَ عَنْهُ دَاخِلَةٌ فِي الْجَمَادِ فَإِنَّهُ قَالَ وَالْجَمَادَاتُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرَةٌ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَعِبَارَتُهُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْجَمَادَاتِ الْمَحْكُومَ لَهَا بِالطَّهَارَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حَيَوَانٍ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْحَيَوَانِ، أَوْ بَعْضَهَا جَمَادَاتٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْجَمَادَ مَا لَيْسَ بِذِي رُوحٍ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَمُرَادُهُ بِالْعِنَايَةِ قَوْلُهُمْ وَنَعْنِي بِكَذَا وَكَذَا وَدَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَمِيعُ الْمَائِعَاتِ مِنْ سَمْنٍ وَعَسَلٍ وَزَيْتٍ وَنَحْوِهَا وَلَا يُقَالُ: الْجَمَادُ مُقَابِلُهُ الْمَائِعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الَّذِي يُقَابِلُ الْمَائِعَ الْجَامِدُ لَا الْجَمَادُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْجَمَادِ مُفْرَدًا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْجَمَادَاتُ بِالْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْجَمَادَ اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى
الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
ص (إلَّا الْمُسْكِرَ)
ش: أَيْ فَإِنَّهُ نَجِسٌ أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَائِدَةً تَنْفَعُ الْفَقِيهَ يَعْرِفُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ وَالْمُرْقِدِ فَالْمُسْكِرُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ وَالْمُفْسِدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَعَسَلِ الْبَلَادِرِ وَالْمُرْقِدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّيْكَرَانِ.
وَيَنْبَنِي عَلَى الْإِسْكَارِ ثَلَاثَةٌ أَحْكَامٍ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ الْحَدُّ وَالنَّجَاسَةُ وَتَحْرِيمُ الْقَلِيلِ، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحَشِيشَةِ قَوْلَانِ: هَلْ هِيَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ، أَوْ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِهَا فَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهَا مِنْ الْمُخَدِّرَاتِ قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَرَهُمْ يَمِيلُونَ إلَى الْقِتَالِ وَالنُّصْرَةِ بَلْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَرُبَّمَا عَرَضَ لَهُمْ الْبُكَاءُ، وَكَانَ شَيْخُنَا الشَّهِيرُ بِعَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ يَخْتَارُ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ؛ لِأَنَّا رَأَيْنَا مَنْ يَتَعَاطَاهَا يَبِيعُ أَمْوَالَهُ لِأَجَلِهَا وَلَوْلَا أَنَّ لَهُمْ فِيهَا طَرَبًا لَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّا لَا نَجِدُ أَحَدًا يَبِيعُ دَارِهِ لِيَأْكُلَ بِهَا سَيْكَرَانًا وَهُوَ وَاضِحٌ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَلَفْظُ الْقَرَافِيِّ فِي الْحَشِيشَةِ أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لَا مُسْكِرَةٌ وَبِهَذَا الْفَرْقُ يَنْدَفِعُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ: " إلَّا الْمُسْكِرَ " مِنْ شُمُولِهِ لِلنَّبَاتِ الْمُغَيِّبِ لِلْعَقْلِ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ فَإِنَّهَا مُفْسِدَاتٌ، أَوْ مُرْقِدَاتٌ لَا مُسْكِرَاتٌ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ الْقَرَافِيِّ فِي الْحَشِيشَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تُحَمَّسَ فَتَكُونَ نَجِسَةً وَفِيهَا الْحَدُّ وَقَبْلَ أَنْ تُحَمَّسَ فَلَا حَدَّ وَلَا نَجَاسَةَ وَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْمُوفِي أَرْبَعِينَ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ عَنْ الْمُلَابَسَةِ، قَالَ: وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَفْيُونَ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ وَقَالَ مَنْ صَلَّى بِهِ، أَوْ بِالْبَنْجِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ قَالَ كَأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ مَا لَا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ وَالْحَوَاسِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِأَكْلِ الْأَفْيُونِ وَصَارَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ مِنْ تَرْكِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي عَقْلِهِ وَحَوَاسِّهِ وَيَسْعَى فِي تَقْلِيلِ ذَلِكَ وَقَطْعِهِ جَهْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَنْدَمَ عَلَى مَا مَضَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَمَّا الْعَقَاقِيرُ الْهِنْدِيَّةُ فَإِنْ أُكِلَتْ لِمَا تُؤْكَلُ لَهُ الْحَشِيشَةُ امْتَنَعَ أَكْلُهَا، وَإِنْ أُكِلَتْ لِلْهَضْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ لَمْ تُحَرَّمْ وَلَا يُحَرَّمُ مِنْهَا إلَّا مَا أَفْسَدَ الْعَقْلَ وَذَكَرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْجَوْزَةَ وَكَثِيرَ الزَّعْفَرَانِ وَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ، قَلِيلُهَا جَائِزٌ وَحُكْمُهَا الطَّهَارَةُ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ أَجَازَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا أَكْلَ الْقَلِيلِ مِنْ جَوْزَةِ الطِّيبِ لِتَسْخِينِ الدِّمَاغِ وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَخْتَلِطَ مَعَ الْأَدْوِيَةِ، وَالصَّوَابُ الْعُمُومُ انْتَهَى.
وَالشَّيْكَرَانُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْكَافِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ اللَّبَنِ نَوْعٌ يُغَطِّي الْعَقْلَ إذَا صَارَ قَارِصًا وَيُحْدِثُ نَوْعًا مِنْ السُّكْرِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ لَبَنِ الْخَيْلِ فَإِنْ شُرِبَ لِذَلِكَ حُرِّمَ وَيُحَرَّمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُغَطِّي الْعَقْلَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) أَمَّا لَبَنُ الْخَيْلِ فَيُحَرَّمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِحُرْمَةِ أَكْلِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ الْمُفْسِدَاتِ الْحَبُّ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْقَمْحِ الْمَجْلُوبِ مِنْ دَهْلَكَ الْمُسَمَّى بِالزِّيوَانِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا سُقِيَ مِنْ الْمُرْقِدِ لَقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرْقِدِ مَأْمُونٌ وَضَرَرَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَأْمُونٍ.
(فَرْعٌ) مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ بَيْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ وَالْجَوْزَةِ وَنَحْوِهَا وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمِذْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ إنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ الْأَكْلِ جَازَ بَيْعُهُ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَيُؤْمَنُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَفِي سَائِرِ الْمَعَاجِينِ الْمُغَيِّبَةِ لِلْعَقْلِ يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْهُ الْقَدْرَ الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَيُؤْمَنُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ حُكْم الشَّرَاب الْمُتَّخَذُ مِنْ قِشْرِ الْبُنِّ]
(فَائِدَةٌ) ظَهَرَ فِي هَذَا الْقَرْنِ وَقَبْلَهُ بِيَسِيرٍ شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ قِشْرِ الْبُنِّ يُسَمَّى الْقَهْوَةَ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَمِنْ مُتَغَالٍ فِيهِ يَرَى
أَنَّ شُرْبَهُ قُرْبَةٌ، وَمِنْ غَالٍ يَرَى أَنَّهُ مُسْكِرٌ كَالْخَمْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ لَا إسْكَارَ فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَنْشِيطٌ لِلنَّفْسِ وَيَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ طَرَاوَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ عِنْدَ تَرْكِهِ كَمَنْ اعْتَادَ أَكْلَ اللَّحْمِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُفْرِحَاتِ فَيَتَأَثَّرُ عِنْدَ تَرْكِهِ.
وَيَحْصُلُ لَهُ انْشِرَاحٌ بِاسْتِعْمَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ تَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهَا وَيُدِيرُونَهَا كَمَا يُدِيرُونَ الْخَمْرَ وَيُصَفِّقُونَ وَيُنْشِدُونَ أَشْعَارًا مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ فِيهَا الْقَوْلُ وَذِكْرُ الْمَحَبَّةِ وَذِكْرُ الْخَمْرِ وَشُرْبِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَسْرِي إلَى النَّفْسِ التَّشَبُّهُ بِأَصْحَابِ الْخَمْرِ خُصُوصًا مَنْ كَانَ يَتَعَاطَى مِثْلَ ذَلِكَ فَيُحَرَّمُ حِينَئِذٍ شُرْبُهَا لِذَلِكَ مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَبِيعُهَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ كَالْحَشِيشَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا قِيلَ، وَمِنْهَا أَنَّ شُرْبَهَا فِي مَجَامِعِ أَهْلِهَا يُؤَدِّي لِلِاخْتِلَاطِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَتَعَاطَيْنَ بَيْعَهَا كَثِيرًا وَلِلِاخْتِلَاطِ بِالْمُرْدِ لِمُلَازَمَتِهَا لِمَوَاضِعِهَا وَلِسَمَاعِ الْغِيبَةِ وَالْكَلَامِ الْفَاحِشِ وَالْكَذِبِ الْكَثِيرِ مِنْ الْأَرَاذِلِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لَشُرْبِهَا مِمَّا تَسْقُطُ الْمُرُوءَةُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَلْتَهُونَ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ غِيبَةً بِهَا وَلِوُجُودِ مَا يُلْهِي مِنْ الشِّطْرَنْجِ وَنَحْوِهِ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ لِذَاتِ الشَّارِبِ لَهَا كَمَا أَخْبَرَنِي وَالِدِي - حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الشَّيْخِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ الْعَلَامَةِ أَحْمَدَ زَرُّوق أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهَا فَقَالَ أَمَّا الْإِسْكَارُ فَلَيْسَتْ مُسْكِرَةً وَلَكِنْ مَنْ كَانَ طَبْعُهُ الصَّفْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ شُرْبُهَا؛ لِأَنَّهَا تَضُرُّهُ فِي بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ، وَمَنْ كَانَ طَبْعُهُ الْبَلْغَمَ فَإِنَّهَا تُوَافِقُهُ وَقَدْ كَثُرَتْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاشْتُهِرَتْ وَكَثُرَ فِيهَا الْجِدَالُ وَانْتَشَرَ فِيهَا الْقِيلُ وَالْقَالُ وَحَدَثَتْ بِسَبَبِهَا فِتَنٌ وَشُرُورٌ وَاخْتَلَفَتْ فِيهَا فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ وَتَصَانِيفُهُمْ وَنُظِمَتْ فِي مَدْحِهَا وَذَمِّهَا الْقَصَائِدُ فَاَلَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْتَنِبَهَا بِالْكُلِّيَّةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ كُلِّهَا الْمُوجِبَةِ لِلْحُرْمَةِ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ فِي حَقِّهِ إلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ عَرَضْت هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَيِّدِي الشَّيْخِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مُحَمَّدِ بْنِ عَرَّافٍ وَعَلَى سَيِّدِي الْوَالِدِ - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمَا - فَاسْتَحْسَنَاهُ وَأَمَرَا بِكِتَابَتِهِ وَإِنَّمَا أَطَلْتُ الْكَلَامَ هُنَا لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ.
ص (وَالْحَيُّ)
ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْ الْعَذِرَةِ، وَقِيلَ: إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، وَقِيلَ: وَالْمُشْرِكَ نَقَلَهُ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ مِمَّا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَا فِي بَطْنِهِ وَتَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ.
ص (وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَرَقُ الدَّوَابِّ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ أُنُوفِهَا طَاهِرٌ وَقَبِلَهُ سَنَدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا بَلْ قَالَ هُوَ كَعَرَقِ الْآدَمِيِّ وَقَبِلَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْوُضُوءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: عَرَقُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَلَبَنُهَا تَابِعٌ لِلُحُومِهَا وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِعَرَقِ الْبِرْذَوْنِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّوَقِّي مِنْهُ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي نَجَاسَتِهِ خِلَافًا فَمَا قَالَهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَلُعَابُهُ وَمُخَاطُهُ وَبَيْضُهُ)
ش: اللُّعَابُ بِضَمِّ اللَّامِ مَا سَالَ مِنْ الْفَمِ.
وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ؟ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ إنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ فَإِنْ قُلْنَا: بِنَجَاسَتِهِ وَكَانَ مُلَازِمًا لِشَخْصٍ فَهُوَ كَدَمِ الْبُرْغُوثِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ مِنْ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ الَّتِي تُشْبِهُ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِنَا إذَا تَغَيَّرَ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لَا نَجِسًا.
(قُلْتُ:) لَا وَجْهَ لِهَذَا بَلْ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ مِنْ الْفَمِ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعِدَةِ فَكَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ إنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَهُوَ طَاهِرٌ وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ
وَيُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ بِنَتْنِهِ وَصُفْرَتِهِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرَّأْسُ عَلَى مِخَدَّةٍ فَمِنْهُ وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعِدَةِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ إذَا لَازَمَ شَخْصًا عُفِيَ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا)
ش: جَعَلَهُ الشَّارِحُ رَاجَعَا لِلْبَيْضِ وَأَشَارَ بِلَوْ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَانْظُرْ لِمَ أَشَارَ لِلْخِلَافِ فِيهِ دُونَ الْعَرَقِ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَغَيْرَهُ حَكَوْا الْخِلَافَ فِيهِمَا جَمِيعًا؟ وَلَعَلَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْبَيْضِ أَقْوَى، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّبَنَ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ طَاهِرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْبَيْضِ بَلْ لَبَنُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى الْخِلَافِ فِي لَبَنِ الْجَلَّالَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْضِهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَبَنَ الْجَلَّالَةِ مُبَاحٌ، وَكَذَلِكَ النَّحْلُ إذَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً فَعَسَلُهَا طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَهُ فِي رَسْمٍ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَسَلِ النَّجِسِ: " لَا بَأْسَ أَنْ يُعْلَفَ النَّحْلُ " وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْحَيُّ إلَى آخِرِهِ إذْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا لَا اخْتِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْمَاشِيَةِ وَالطَّيْرِ الَّذِي يَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَةِ حَلَالٌ جَائِزٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَعْرَاقِ وَالْأَلْبَانِ وَالْأَبْوَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ فِي الطَّيْرِ تُصَادُ بِالْخَمْرِ تَشْرَبُهُ فَتَسْكَرُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كِتَابِ الضَّحَايَا فِي جَدْيٍ رَضَعَ خِنْزِيرَةً: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُذْبَحَ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي جَوْفِهِ مِنْ غِذَائِهِ وَلَوْ ذُبِحَ مَكَانَهُ فَأُكِلَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ تَأْكُلُ الْجِيَفَ وَتُذْبَحُ مَكَانَهَا وَأَكْلُهَا حَلَالٌ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ نَافِعٍ لَكِنْ حَكَى اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَيَوَانِ يُصِيبُ النَّجَاسَةَ هَلْ تَنْقُلُهُ عَنْ حُكْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ تِلْكَ النَّجَاسَةَ؟ فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْأَصْلِ فِي أَسْآرِهَا وَأَعْرَاقِهَا وَأَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَقِيلَ: يَنْقُلُهَا وَجَمِيعُ ذَلِكَ نَجِسٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي عَرَقِ السَّكْرَانِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَجِسٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى تَذْهَبَ مَنْفَعَةُ مَا تَغَذَّى بِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَخَرَّجَ عَلَى نَجَاسَةِ لَبَنِ الْمَيْتَةِ نَجَاسَةَ لَبَنِ الشَّاةِ تَشْرَبُ مَاءً نَجِسًا، وَبَحَثَ مَعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ فَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ الْحَيِّ إذَا أَكَلَ النَّجَاسَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ فِي اللُّحُومِ وَإِذَا جَعَلْتُمْ قَوْلَهُ وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا رَاجِعًا إلَى الْحَيِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ اقْتَضَى وُجُودَ الْخِلَافِ فِي الْحَيِّ نَفْسِهِ فَالْجَوَابُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ بِنَجَاسَةِ اللَّحْمِ إنَّ الْحَيَّ نَفْسَهُ نَجِسٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ الشَّارِبَ لِلْخَمْرِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مُدَّةَ مَا يُرَى بَقَاؤُهُ فِي بَطْنِهِ، وَأَمَّا الْعَرَقُ وَالْبَيْضُ وَكَذَا اللَّبَنُ فَالْخِلَافُ فِيهَا مَعْرُوفٌ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَالْكَرَاهَةِ حَتَّى مِنْ الْآدَمِيِّ وَالشَّارِبَ الْخَمْرِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ الطَّهَارَةُ، قَالَ وَالْخِلَافُ فِي عَرَقِ السَّكْرَانِ فِي حَالِ سُكْرِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ صَحْوِهِ، وَأَمَّا لَوْ طَالَ عَهْدُهُ فَلَا خِلَافَ فِي طَهَارَتِهِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ بِأَنَّهُ إذَا عَرِقَ وَتَخَلَّلَ الْعَرَقُ الْأَوَّلُ النَّجَسَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اغْتَسَلَ وَغَسَلَ الثَّوْبَ الَّذِي عَرِقَ فِيهِ.
(قُلْتُ:) وَهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى الْعَرَقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَنَجَاسَتُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، وَأَمَّا اللُّعَابُ وَالْمُخَاطُ وَالدَّمْعُ فَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَى فِيهَا خِلَافًا صَرِيحًا بَلْ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَمَّا الْعَرَقُ مِنْ الْحَيِّ فَنُقِلَ فِيهِ الِاتِّفَاقُ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ سَكْرَانُ مِنْ غَيْرِهِ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ: وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَمَا دَامَتْ مُسْتَصْحَبَةً لِلْحَيَاةِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَعْرَاقَهَا وَأَسْآرَهَا وَمَا يَخْرُجُ مِنْ أُنُوفِهَا إذَا لَمْ تَسْتَعْمِلْ نَجَاسَةً فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا إذَا اسْتَعْمَلَتْ النَّجَاسَةَ نَجُسَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أُنُوفِهَا فَأَحْرَى لُعَابُهَا، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَاللُّعَابُ وَالْمُخَاطُ مِنْ الْحَيِّ طَاهِرٌ ": كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: مَا لَمْ يَكُنْ الْحَيَوَانُ مِمَّا يَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ انْتَهَى.
فَهَذَا مُقْتَضَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَعْمِلِ
لِلنَّجَاسَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الدَّمْعَ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْبِسَاطِيِّ يُعَارِضُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّارِحُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْضُ مِنْ الطَّيْرِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَيْضَ الْحَشَرَاتِ مُلْحَقٌ بِلَحْمِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ بَشِيرٍ.
(قُلْتُ:) بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْحَشَرَاتِ إذَا أُمِنَ سُمُّهَا مُبَاحَةٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَمَا ذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ قَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ وَبَيْضُ الطَّيْرِ طَاهِرٌ وَسِبَاعُهُ وَالْحَشَرَاتِ كَلَحْمِهَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(وَالثَّانِي) قَالَ الْبِسَاطِيُّ هُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ شُهِرَ هُنَا أَنَّ عَرَقَ السَّكْرَانِ وَبَيْضَ الْجَلَّالَةِ طَاهِرٌ وَفِيمَا يَأْتِي أَنَّ رَمَادَ النَّجِسِ وَدُخَانَهُ نَجِسٌ وَالْقَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا تَغَيَّرَتْ أَعْرَاضُهَا هَلْ تَطْهُرُ، أَوْ لَا؟ فَانْظُرْ مَنْ فَصَّلَ.
(قُلْتُ:) أَمَّا الْمُصَنِّفُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلتَّوْضِيحِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي تَوْضِيحِهِ فِي اللَّبَنِ وَالْبَيْضِ وَالْعَرَقِ أَنَّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ كَعَبْدِ الْحَقِّ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ يُونُسَ الطَّهَارَةُ وَذَكَرَ فِي رَمَادِ الْمَيْتَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، أَمَّا وَجْهُ التَّفْصِيلِ فَظَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِانْقِلَابَ فِي اللَّبَنِ وَالْبَيْضِ وَالْعَرَقِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي رَمَادِ الْمَيْتَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الْمِذْرَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةُ أَيْ الْفَاسِدَ وَهُوَ مَا عَفِنَ، أَوْ صَارَ دَمًا، أَوْ مُضْغَةً، أَوْ فَرْخًا مَيِّتًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا اخْتَلَطَ فِيهِ الصَّفَارُ بِالْبَيَاضِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ طَاهِرٌ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ عَفَنٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ يُوجَدُ فِي وَسَطِ بَيَاضِ الْبَيْضِ أَحْيَانَا نُقْطَةُ دَمٍ فَمُقْتَضَى مُرَاعَاةِ السَّفْحِ فِي نَجَاسَةِ الدَّمِ لَا تَكُونُ نَجِسَةً وَقَدْ وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهَا مَعَ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ غَيْرُهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ يُؤْمَرُ بِغَسْلِ الْبَيْضِ قَبْلَ كَسْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ فَتَاوَى ابْنِ رُشْدٍ لِابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ التُّونُسِيِّ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ فِي الَّذِي يَجْعَلُ الْبَيْضَ فِي الطَّعَامِ لَا يَغْسِلُهُ عِنْدَ شَيِّهِ وَهِيَ مَمْلُوءَةٌ بِأَذَى الدَّجَاجِ أَنَّ غَسْلَ الْبَيْضِ حَسَنٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ الطَّعَامَ انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الطَّيْرِ جَلَّالَةً وَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ بَوْلِهَا أَوْ اسْتِقْذَارًا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْخَارِجُ بَعْدَ الْمَوْتِ)
ش: يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَاللُّعَابُ وَالْمُخَاطُ مِنْ الْحَيِّ طَاهِرٌ " يَعْنِي أَنَّهَا مِنْ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ، وَمِنْ الْمُذَكَّى طَاهِرَةٌ، وَمِنْ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ عَلَى الْخِلَافِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَالْمُخَاطُ وَالْبُصَاقُ كَمَحِلِّهِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ عِنْدِي أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ خَاصٌّ بِالْبَيْضِ قَالَ وَحَمَلَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْعَرَقِ وَاللُّعَابِ وَالْمُخَاطِ وَالدَّمْعِ وَالْبَيْضِ وَهُوَ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ مِنْ الْإِزَالَةِ إلَّا أَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) أَطْلَقَ فِي الْبَيْضِ الْخَارِجِ بَعْدَ الْمَوْتِ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا، أَوْ يَابِسًا وَهُوَ كَذَلِكَ، أَمَّا الرَّطْبُ فَبِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا الْيَابِسُ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ خِلَافًا لِابْنِ نَافِعٍ حَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الضَّحَايَا مِنْ الْبَيَانِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ وَاقْتَصَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ، وَكَذَلِكَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ فَأَوْهَمَ كَلَامُهُمَا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
ص (وَلَبَنُ آدَمِيٍّ إلَّا الْمَيِّتِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَحِلُّ اللَّبَنُ فِي ضُرُوعِ الْمَيْتَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوِعَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَبَنَ مَيْتَةِ آدَمِيٍّ فَفِيهِ خِلَافٌ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ بِالتَّنْجِيسِ، وَقِيلَ: إنَّهُ طَاهِرٌ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَا يَخْرُجُ مِنْ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ مِنْ لُعَابٍ وَمُخَاطٍ وَدَمْعٍ، وَإِنَّ حُكْمَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي طَهَارَتِهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيمَا يُبَانُ مِنْ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ ".
ص
وَلَبَنُ غَيْرِهِ تَابِعٌ)
ش: فَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ الْمُبَاحِ وَنَجِسٌ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَمَكْرُوهٌ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَكَرَاهَتُهُ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ طَاهِرًا كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ.
ص (وَبَوْلٌ وَعَذِرَةٌ مِنْ مُبَاحٍ)
ش: كَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ ظَاهِرُهُ لَا يُغْسَلُ لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا، أَمَّا وُجُوبًا فَنَعَمْ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: غَسْلُهُ أَحَبُّ إلَيَّ، نَقَلَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَالِاسْتِحْبَابُ ظَاهِرٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِمَا إذَا خَرَجَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
ص (إلَّا الْمُتَغَذِّي بِنَجَسٍ)
ش: يُرِيدُ وَلَوْ بِشُرْبِ مَاءٍ نَجِسٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ اسْتَثْنَى الْمُتَغَذِّيَ بِنَجَسِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَلَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا لَا يَصِلُ لِلنَّجَاسَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: إنْ شُوهِدَ اسْتِعْمَالُهُ لَهَا فَبَوْلُهُ وَعَذِرَتُهُ نَجِسَانِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْفَى عَنْهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَى النَّجَاسَةِ تَغْلِيبًا.
(قُلْتُ) مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَمُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَمَامِ يُصِيبُ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَوْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ مَنْ صَلَّى بِخَرِبَتِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا تَأْكُلُ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا أَكَلَتْهَا وَلَوْ تَحَقَّقَ لَقَالَ إنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ ذَرْقَ مَا يَأْكُلُ النَّجَسَ عِنْدَهُ نَجِسٌ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ إذَا صَلَّى بِهِ غَيْرَ عَامِدٍ، وَأَمَّا الْعَامِدُ فَيُعِيدُ أَبَدًا ثُمَّ قَالَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ خُرْءِ الْحَمَامِ يُصِيبُ الثَّوْبَ قَالَ هُوَ عِنْدِي خَفِيفٌ وَغَسْلُهُ أَحَبُّ إلَيَّ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ انْتَهَى.
وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ذَرْقِ الْخُطَّافِ الَّذِي عَيْشُهُ الذُّبَابُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ لَا تُؤْكَلُ الْجَرَادُ وَشِبْهُهَا إلَّا بِذَكَاةٍ، فَأَجَابَ ذَرْقُ الطَّيْرِ طَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي يَرَى الْفَضْلَتَيْنِ تَابِعَتَيْنِ لِلُّحُومِ وَقَالَ فِي رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ أَصْبَغَ إنَّ ذَرْقَ الْبَازِي نَجِسٌ، وَإِنْ أُكِلَ ذُكِّيَ إنَّ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي مَنَعَ مِنْ أَكْلِ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ السِّبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَيَوَانَ إذَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَأْكُلَ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَكْلُهُ لَهَا فَأَمْرُهُ خَفِيفٍ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ رَوْثِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْبِسَاطِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ الَّذِي يَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْغِذَاءِ مِنْهُ كَكِرْشِهِ وَأَمْعَائِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحُوتِ يُوجَدُ فِي بَطْنِ الطَّيْرِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا إذَا ذُبِحَ بِحِدْثَانِ اسْتِعْمَالِهِ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَقَيْءٌ إلَّا الْمُتَغَيِّرُ عَنْ الطَّعَامِ)
ش: هَذَا كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا خَرَجَ مِنْ الْقَيْءِ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَمَا تَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ فَنَجِسٌ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ نَجِسٌ كَيْفَمَا كَانَ التَّغَيُّرُ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهَا سَنَدٌ وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إذَا تَغَيَّرَ إلَى أَحَدِ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ إنْ شَابَهَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ، أَوْ قَارَبَهَا فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْقَيْءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَا شَابَهَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ، أَوْ قَارَبَهَا نَجِسٌ اتِّفَاقًا، وَمَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ الطَّعَامِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَاهِرٌ اتِّفَاقًا لَكِنْ أَلْزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ الصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ أَنْ يَقُولَ بِنَجَاسَةِ الْقَيْءِ مُطْلَقًا، وَمَا تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَةِ الطَّعَامِ وَلَمْ يُقَارِبْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بِأَنْ يَسْتَحِيلَ عَنْ هَيْئَةِ الطَّعَامِ وَيَسْتَعِدَّ لِلْهَضْمِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ بِأَنْ تَظْهَرَ فِيهِ حُمُوضَةٌ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ بَشِيرٍ وَعِيَاضٍ.
(فَرْعٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَيْءَ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ هَيْئَةِ الطَّعَامِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ خَرَجَ مَعَهُ بَلْغَمٌ، أَوْ صَفْرَاءُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْقَلْسُ مَاءٌ
حَامِضٌ طَاهِرٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ السَّهْوِ وَلَمْ يَحْكُوا غَيْرَهُ وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ التُّونُسِيِّ نَحْوَهُ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ رُشْدٍ وَالتُّونُسِيِّ أَنَّ الْقَيْءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا إذَا شَابَهَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ، أَوْ قَارَبَهَا، وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَيُفَصَّلُ فِيهِ كَمَا فِي الْقَيْءِ قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ كَلَامِهِ عَلَى الْقَيْءِ فَمَنْ قَلَسَ وَجَبَ أَنْ يُفَرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِهِ وَالْقَلْسُ هُوَ دُفْعَةٌ مِنْ الْمَاءِ تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ أَوْ يَقْذِفُهُ رِيحٌ مِنْ فَمِ الْمَعِدَةِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ طَعَامٌ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهُ مَا يَكُونُ مُتَغَيِّرًا عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَحِيلُ إلَيْهِ وَمَا يُخَالِطُهُ مِنْ فَضَلَاتِ الْمَعِدَةِ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ أَوْ يَتَغَيَّرُ بِطَعْمِ الْمَاءِ فَلَا يَجِدُ صَاحِبُهُ زِيَادَةً عَلَى طَعْمِ أَكْلِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَيْءِ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ مَالِكٍ يَعْنِي فِي الْمُوَطَّإِ رَأَيْتُ رَبِيعَةَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ يَقْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ مِرَارًا ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُصَلِّيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ الْقَلْسُ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ الِامْتِلَاءِ، أَوْ بِرَدِّ الْمِزَاجِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ الطَّعَامُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَهُوَ لَيْسَ بِنَجِسٍ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ وَنَصُّهُ: الْقَلْسُ مَاءٌ، أَوْ طَعَامٌ يَسِيرٌ يَخْرُجُ إلَى الْفَمِ عَلَى وَجْهٍ قَائِمٍ فِي قَوْلِهِ وَلْيَتَمَضْمَضْ لَيْسَتْ الْمَضْمَضَةُ عَلَيْهِ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمَضْمِضَ مِنْ ذَلِكَ فَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَلْسَ لَا يَكُونُ طَعَامًا يَتَغَيَّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ تَنْظِيفُ الْفَمِ وَإِزَالَةُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ رَائِحَةِ الطَّعَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي آخِرِ بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَلْسِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ فَهُوَ نَجِسٌ فَيَقْطَعُ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ الْقَيْءُ، أَوْ الْقَلْسُ مُتَغَيِّرًا وَجَبَ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَيُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَذْهَبُ بِالْبُصَاقِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَإِذَا شَابَهَ الْقَيْءُ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ فَاخْتُلِفَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ وَسَيَأْتِي وَالْقَلْسُ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمٌ وَبِسُكُونِهَا مَصْدَرُ قَلَسَ يَقْلِسُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ.
ص (وَصَفْرَاءُ وَبَلْغَمٌ)
ش: قَالَ سَنَدٌ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ صَفْرَاءَ الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ كَمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَرَائِرِ، وَالْمَرَائِرُ أَصْلُ الصَّفْرَاءِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَالْبَلْغَمُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْبُصَاقِ وَالنُّخَامِ انْتَهَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الرَّأْسِ، أَوْ مِنْ الصَّدْرِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ أَنَّ الْبَلْغَمَ وَالصَّفْرَاءَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ مِنْ وِعَاءٍ نَجِسٍ قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْقُلُ عَنْ الْقَرَافِيِّ: الْبَلْغَمُ طَاهِرٌ وَالسَّوْدَاءُ نَجِسٌ وَفِي الصَّفْرَاءِ قَوْلَانِ وَاَلَّذِي فِي الْقَوَاعِدِ وَالذَّخِيرَةِ أَنَّ الصَّفْرَاءَ كَالْبَلْغَمِ، وَالْقَوْلَانِ حَاصِلَانِ مِنْ نَقْلِ الْقَرَافِيِّ وَنَقْلِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَرَارَةُ مُبَاحٍ)
ش: كَذَا قَيَّدَ فِي الذَّخِيرَةِ الْمَرَائِرَ بِالْمُبَاحِ فَقَالَ وَالْمَعِدَةُ عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ لِعِلَّةِ الْحَيَاةِ وَالْبَلْغَمُ وَالصَّفْرَاءُ وَمَرَائِرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ نَجِسَانِ وَلَمْ يُقَيِّدْ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْمَرَائِرَ بِالْمُبَاحِ بَلْ قَالَ: الْمَذْهَبُ طَهَارَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ صَفْرَاءَ كَمَا يَحْكُمُ بِطَهَارَةِ الْمَرَائِرِ وَالْمَرَائِرُ هِيَ أَصْلُ الصَّفْرَاءِ، وَانْظُرْ مَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ فَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ عَلَى الْمَرَارَةِ حَالَ كَوْنِهَا فِي جَوْفِ الْحَيَوَانِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمُبَاحِ وَلَا لِلْمَرَارَةِ فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالثَّمَانِينَ: بَاطِنُ الْحَيَوَانِ مُشْتَمِلٌ عَلَى رُطُوبَاتٍ كَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْي وَالْبَلْغَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِنَجَاسَةٍ، فَمَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعِدَةُ طَاهِرَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ نَجِسَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيَّ طَاهِرٌ.
وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ عَلَى الْمَرَائِرِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهَا فَقَدْ قَالَ سَنَدٌ: إنَّهُ أَصْلُ الصَّفْرَاءِ وَإِنَّ الصَّفْرَاءَ الْخَارِجَةَ مِنْ الْجَوْفِ طَاهِرَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ عَلَى الْمَرَارَةِ بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَبِمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهَا إنْ انْفَصَلَتْ مِنْ مُذَكًّى تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَهِيَ طَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمُذَكَّى طَاهِرَةٌ، وَإِنْ انْفَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ نَجِسَةٌ،
وَكَانَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرَادَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهَا لِوُقُوعِهَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالذَّخِيرَةِ.
[فَرْعٌ دَخَلَ فِي دُبُرِ الْإِنْسَانِ خِرْقَةٌ وَنَحْوُهَا ثُمَّ أُخْرِجَتْ]
(فَرْعٌ) لَوْ دَخَلَ فِي دُبُرِ الْإِنْسَانِ خِرْقَةٌ وَنَحْوُهَا ثُمَّ أُخْرِجَتْ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ عَلَى نَجَاسَةِ الْقَيْءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَدَمٌ لَمْ يُسْفَحْ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَسْفُوحُ الْجَارِي، وَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ كَالْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَالْبَاقِي فِي مَحِلِّ التَّذْكِيَةِ وَفِي الْعُرُوقِ وَهُوَ طَاهِرٌ مُبَاحُ الْأَكْلِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ انْتَهَى وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ: نَجِسٌ وَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالْبَاقِي فِي مَحِلِّ التَّذْكِيَةِ هَلْ أَثَرَ الدَّمِ الَّذِي فِي مَحِلِّ ذَبْحِ الشَّاةِ، أَوْ الدَّمِ الَّذِي يَبْقَى فِي مَحِلِّ نَحْرِ الشَّاةِ وَيَخْرُجُ بَعْدَ سَلْخِهَا إذَا طُعِنَتْ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ خِلَافًا بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الرَّأْسِ إذَا شُوطِيَ بِدَمِهِ هَلْ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ أَمْ لَا وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ عَنْ بَعْضِ الْإِفْرِيقِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ نَحْرِ الشَّاةِ بَعْدَ سَلْخِهَا قَوْلَانِ قَالَ كَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَجَعَلَهُ هُنَا مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الْعُرُوقِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَهُوَ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الْبَاقِيَ فِي الْعُرُوقِ غَيْرُ مَسْفُوحٍ فَقَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ وَالْخِلَافُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ إذَا قُطِعَتْ الشَّاةُ وَظَهَرَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ شُوِيَتْ قَبْلَ تَقْطِيعِهَا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ أَكْلِهَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْإِمَامِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ ابْنُ الْحَسَنِ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ مَا تَطَايَرَ مِنْ الدَّمِ مِنْ اللَّحْمِ عِنْدَ قَطْعِهِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فَغَسْلُهُ مُسْتَحْسَنٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ: " إنَّ الْمَسْفُوحَ هُوَ الدَّمُ الْجَارِي " أَنَّ مَا لَمْ يَجْرِ مِنْ الدَّمِ دَاخِلٌ فِي غَيْرِ الْمَسْفُوحِ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ، أَوْ مَيْتَةٍ، أَوْ حَيَوَانٍ حَيٍّ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ الدَّمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَجِسٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَالْأَوَّلُ: دَمُ الْإِنْسَانِ وَدَمُ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَدَمُ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إذَا خَرَجَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، أَوْ فِي حِينِ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ مَسْفُوحٌ وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَقِيَ فِي الْجِسْمِ بَعْدَ الذَّكَاةِ وَفِي دَمِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَفِي دَمِ الْحُوتِ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ دَمَ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ وَالْمَيْتَةِ نَجِسٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَرَى، أَوْ لَمْ يَجْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ هُنَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي لَمْ يَجْرِ بَعْدَ مُوجِبِ خُرُوجِهِ شَرْعًا فَهُوَ طَاهِرٌ، فَخَرَجَ الدَّمُ الْقَائِمُ بِالْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ وَلَا بِالنَّجَاسَةِ وَالدَّمُ الْمُتَعَلِّقُ بِلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَأَنَّهُ نَجِسٌ وَمَا جَرَى عِنْدَ الذَّكَاةِ فَإِنَّهُ أَيْضًا نَجِسٌ.
(الثَّانِي) : الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ الشَّاةِ إذَا شُقَّ هَلْ هُوَ مَسْفُوحٌ، أَوْ غَيْرُ مَسْفُوحٍ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبُرْزُلِيِّ وَاللَّخْمِيِّ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ فَتَأَمُّلِهِ.
ص (وَمِسْكٌ)
ش: الْمِسْكُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فَارِسِيّ مُعَرَّبٌ كَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْمَشْمُومَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ فَإِنْ أَنَّثَهُ اللِّسَانُ فَعَلَى مَذْهَبِ الذَّهَبِ وَالْغَسْلِ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ مِسْكٌ وَمَسَكَةٌ كَمَا تَقُولُ ذَهَبَةٌ حَمْرَاءُ وَغَسْلَةٌ وَأَنْشَدَ الْجَوْهَرِيُّ فِي تَأْنِيثِهِ
وَمِنْ أَرْدَانِهَا الْمِسْكُ يَنْفَحُ
وَقَالَ أَرَادَ الرَّائِحَةَ، وَالْمَسْكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ جِلْدٌ يُقَالُ: مَسْكُ ثَوْرٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ غُلَامٌ فِي مَسْكِ شَيْخٍ.
وَجَمْعُهُ مُسُوكٌ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْجِلْدَ مَسَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ خَطَأٌ وَفِي الْحَدِيثِ أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي يَدِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالسِّينِ، الْوَاحِدَةُ مَسَكَةٌ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ سِوَارٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْقُرُونِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْ الذَّهَبِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
(قُلْتُ:) وَهُوَ الْآنَ فِي الْحِجَازِ
يُتَّخَذُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِيهِ مِسْكَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ النَّحْلُ، وَالْمُسْكُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْبُخْلُ، وَالْمُسُكُ بِضَمِّهِمَا الْبُخْلُ أَيْضًا وَالْمَسَكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ الْبُخْلُ وَفِي الْحَدِيثِ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ إنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ يَكْسِرُ الْمِيمَ وَرِوَايَةُ الْمُتْقِنِينَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، وَكَذَا هُوَ لِأَبِي بَحْرٍ وَلِلْمُسْتَمْلِي قَالَ وَبِالْوَجْهَيْنِ قَيَّدْتُهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَبِالْكَسْرِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَرِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ صَحِيحَةٌ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ انْتَهَى.
وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى طَهَارَتِهِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ قَوْلًا بِنَجَاسَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ كَاسْتِعْمَالِهِ اُنْظُرْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ كَالْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ الْمُمْسَكِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَأْرَتُهُ)
ش: هِيَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمِسْكُ وَيُسَمَّى النَّافِحَةَ وَاخْتُلِفَ فِي هَمْزِهِ فَقِيلَ الصَّوَابُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَارَ يَفُورُ لِفَوَرَانِ رِيحِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ هَمْزُهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى هَيْئَةِ الْفَأْرَةِ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فَارَةُ الْمِسْكِ مَيْتَةٌ وَيُصَلَّى بِهَا، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهَا كَخُرَّاجٍ يَحْدُثُ بِالْحَيَوَانِ تَجْتَمِعُ فِيهِ مَوَادُّ ثُمَّ تَسْتَحِيلُ مِسْكًا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَيْتَةً أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْ بِذَكَاةِ مَنْ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَإِنَّمَا حُكِمَ لَهَا بِالطَّهَارَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهَا اسْتَحَالَتْ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِ الدَّمِ وَخَرَجَتْ عَنْ اسْمِهِ إلَى صِفَاتٍ وَاسْمٍ يَخْتَصُّ بِهَا فَطَهُرَتْ لِذَلِكَ كَمَا يَسْتَحِيلُ الدَّمُ وَسَائِرُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيَوَانُ مِنْ النَّجَاسَاتِ إلَى اللَّحْمِ فَيَكُونُ طَاهِرًا انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ مَرْزُوقٍ بَعْدَ الْكَلَامِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ، وَتَتِمَّةُ كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ وَكَمَا يَسْتَحِيلُ الْخَمْرُ إلَى الْخَلِّ طَاهِرًا، وَكَمَا يَسْتَحِيلُ مَا بِهِ مِنْ الْعَذِرَةِ وَالنَّجَاسَةِ تَمْرًا، أَوْ بَقْلًا فَيَكُونُ طَاهِرًا وَإِنَّمَا لَمْ تَنْجُسْ فَأْرَةُ الْمِسْكِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وَلَا جُزْءٍ مِنْهُ فَتَنْجُسُ بِعُذْرِ الذَّكَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يَحْدُثُ فِي الْحَيَوَانِ كَمَا يَحْدُثُ الْبَيْضُ فِي الطَّيْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لَكِنَّ تَشْبِيهَهُ لَهُ بِالْبَيْضِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الطَّيْرِ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ إذَا أُخِذَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الظَّبْيَةِ فَإِنَّ الْبَيْضَ الَّذِي يَخْرُجُ بَعْدَ الْمَوْتِ نَجِسٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ.
وَيَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ كَلَامِهِمْ طَهَارَةُ الْمِسْكِ وَفَأْرَتِهِ وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْ الْحَيَوَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ انْفَصَلَتْ الْفَأْرَةُ بَعْدَ مَوْتِ الظَّبْيَةِ فَهِيَ نَجِسَةٌ.
ص (وَزَرْعٌ بِنَجَسٍ)
ش: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْقَمْحَ النَّجِسَ إذَا زُرِعَ وَنَبَتَ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا غَيْرُ الْقَمْحِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الزَّرْعَ إذَا سُقِيَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ لَا تَنْجُسُ ذَاتُهُ، وَإِنْ تَنَجَّسَ ظَاهِرُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْبَقْلُ وَالْكُرَّاثُ وَنَحْوُهُ كَالزَّرْعِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي إذَا سُقِيَ الزَّرْعُ بِمَاءٍ نَجِسٍ فَالْمَاءُ الَّذِي تَضْمَنَّهُ طَاهِرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ وَزَرْعٌ مُلَابِسٌ لِلنَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ " إنَّ الْبَقْلَ لَا يُسْقَى بِالْمَاءِ النَّجِسِ إلَّا أَنْ يُقْلَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا لَيْسَ بِنَجِسٍ " لَا وَجْهَ لَهُ، إذْ لَوْ نَجُسَ بِسَقْيِهِ لِلْمَاءِ النَّجِسِ لَكَانَتْ ذَاتُهُ نَجِسَةً وَلَمْ يَطْهُرْ بِتَغْلِيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - حُكْمُ سَقْيِهِ لِلْمَاءِ النَّجِسِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ ظَاهِرِ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ مِنْ أُصُولِ الزَّرْعِ إلَّا أَنْ يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ يَبْلُغُ إلَى مَا بَلَغَ إلَيْهِ النَّجِسُ وَالْمُنَجِّسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَخَمْرٌ تَحَجَّرَ)
ش: أَيْ صَارَ حَجَرًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالطِّرْطَارِ وَيَسْتَعْمِلُهُ الصَّبَّاغُونَ، وَهَذَا إذَا ذَهَبَ مِنْهُ الْإِسْكَارُ أَمَّا لَوْ كَانَ الْإِسْكَارُ بَاقِيًا فِيهِ بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ فَشُرِبَ أَسْكَرَ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي مَسَائِلِ الْأَشْرِبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ خُلِّلَ)
ش: أَيْ وَلَوْ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهِ كَالْخَلِّ وَالْمِلْحِ وَالْمَاءِ
وَنَحْوِهِ وَيَطْهُرُ الْخَلُّ وَمَا أُلْقِيَ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي قُلَّةِ خَمْرٍ ثَوْبٌ ثُمَّ تَخَلَّلَتْ وَالثَّوْبُ فِيهَا طَهُرَ الثَّوْبُ وَالْخَلُّ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْأَشْرِبَةِ: إذَا بَقِيَ فِي إنَاءٍ خَمْرٌ يَسِيرٌ فَصُبَّ عَلَيْهِ عَصِيرٌ، أَوْ خَلٌّ فَقَالَ أَصْبَغُ فَسَدَ الْجَمِيعُ قَالَ الْبَاجِيُّ، أَمَّا فِي الْعَصِيرِ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ لَا يُصَيِّرُ الْخَمْرَ عَصِيرًا فَهُوَ عَصِيرٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا الْخَلُّ فَلَا؛ لِأَنَّ الْخَلَّ يُصَيِّرُ الْخَمْرَ خَلًّا فَيَطْهُرُ الْجَمِيعُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ الْخَلُّ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ يُقَدَّرُ فِيهَا أَنَّ الْخَمْرَ تَخَلَّلَتْ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَإِنْ تُرِكَ الْعَصِيرُ حَتَّى صَارَ خَلًّا طَهُرَ الْجَمِيعُ.
(فَرْعٌ) وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ تَخْلِيلِهَا فَحُكِيَ فِي الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ الْإِكْمَالِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَإِنْ فَعَلَ أَكَلَ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْجَوَاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالنَّجِسُ مَا اسْتَثْنَى)
ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الطَّاهِرِ شَرَعَ يُبَيِّنُ النَّجِسَ فَقَالَ وَالنَّجِسُ مَا اسْتَثْنَى أَيْ بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ إلَّا مُحَرَّمَ الْأَكْلِ وَمَا بَعْدَهُ، أَوْ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ جُزَّتْ فَالْمُسْتَثْنَيَات ثَمَانِيَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ إلَّا مُحَرَّمَ الْأَكْلِ وَقَوْلُهُ إنْ جُزَّتْ وَقَوْلُهُ إلَّا الْمُسْكِرَ وَقَوْلُهُ إلَّا الْمِذْرَ وَالْخَارِجَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَوْلُهُ إلَّا الْمَيِّتَ وَقَوْلُهُ إلَّا الْمُتَغَذِّيَ بِنَجَسٍ وَقَوْلُهُ إلَّا الْمُتَغَيِّرَ عَنْ الطَّعَامِ وَقَوْلُهُ وَالنَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ.
ص (وَمَيِّتُ غَيْرِ مَا ذَكَرَ) أَيْ وَمِنْ النَّجَسِ مَيِّتُ غَيْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ مَيِّتُ مَا لَا دَمَ لَهُ وَمَيِّتُ الْبَحْرِ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ حَصَلَتْ فِيهِ ذَكَاةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ كَاَلَّذِي يُذْكِيهِ الْمَجُوسِيُّ وَعَابِدُ الْوَثَنِ وَالْكِتَابِيُّ لِصَنَمِهِ، أَوْ الْمُسْلِمُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا.
قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ فَإِنَّ حُكْمَ هَذِهِ حُكْمُ الْمَيْتَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الْمُحْرِمِ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مَا صَادَهُ الْكَافِرُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ.
ص (وَلَوْ قَمْلَةً)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ دَمُهُ مَنْقُولًا كَالْبُرْغُوثِ وَالْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ مَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ، وَقِيلَ: نَجِسَةٌ، وَكَذَلِكَ الْقُرَادُ وَالذُّبَابُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَشَهَرَ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ الْقَوْلَ بِنَجَاسَةِ الْقَمْلَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً وَيُفْهَمُ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقَمْلَةِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ مَا عَدَاهَا، وَكَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ قَالَ الْبُرْغُوثُ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً فَيُفْهَمُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى بِنَجَاسَةِ الْقَمْلَةِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْإِنْسَانِ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تُرَابٍ، وَلِأَنَّهُ وَثَّابٌ فَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَعُوضَ وَالذُّبَابَ وَالْبَقَّ مِثْلُ الْبُرْغُوثِ فِيمَا ذَكَرَ وَاقْتَصَرَ فِي الْجَلَّابِ عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ وَالْبَعُوضَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَجَزَمَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَيْتَاتِ بِأَنَّ الذُّبَابَ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً فَقَالَ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ السَّائِلَةِ مَا لَهُ دَمٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا وَلَيْسَ بِمَنْقُولٍ فَإِنَّ الذُّبَابَ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَقَدْ وُجِدَ فِيهِ دَمٌ وَعُدَّ فِي أَوَاخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ الْحُكْمُ فِيمَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرَادَ مِثْلُهُ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ دَمُهُ مَنْقُولًا فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهِ أَنَّهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إلَّا الْقَمْلَةَ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحُكْمَ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ مِنْ الذُّبَابِ وَشِبْهِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الْمَسْفُوحِ مِنْ السَّمَكِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى طَهَارَةِ مَيْتَتِهِ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حُكْم مَنْ حَمَلَ قِشْرَةَ الْقَمْلَةِ فِي الصَّلَاةِ]
(فَرْعٌ) اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَنْ حَمَلَ قِشْرَةَ الْقَمْلَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ يُفْتِي بِأَنَّ قِشْرَهَا نَجِسٌ وَيَنْقُلُهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَقُولُ حَامِلُ الْقِشْرَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى
بِنَجَاسَةٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَرَفَةَ يُفْتِي بِخِفَّةِ ذَلِكَ فَالْأَوَّلُ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً وَحَمَلَهَا الثَّانِي عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْمَذْهَبِ قَوْلُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ الشَّبِيبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثٍ فَأَقَلَّ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ اسْتَخَفَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَسَمِعْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرْتُهُ مِنْ الْفُضَلَاءِ الصَّالِحِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ احْتَاجَ إلَى قَتْلِ قَمْلَةٍ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا يَنْوِي بِقَتْلِهَا الذَّكَاةَ لِيَكُونَ جِلْدُهَا طَاهِرًا فَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا أَدْرِي هَلْ رَأَى ذَلِكَ مَنْقُولًا، أَوْ قَالَهُ مِنْ رَأْيِهِ إجْرَاءً عَلَى الْقَوَاعِدِ؟ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لَأَبْحَاثَ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْقَمْلَ مُبَاحٌ أَكْلُهُ، أَوْ مَكْرُوهٌ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا صَرِيحًا بَلْ رَأَيْتُ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَمْلَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ يَكُونُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ شَاسٍ فِي أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي مُحَرَّمِ الْأَكْلِ وَتُطَهِّرُهُ.
[فَرْعٌ الصِّئْبَانُ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْ الْقَمْلِ]
(فَرْعٌ) الصِّئْبَانُ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْ الْقَمْلِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَلَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَمْلَةَ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَهُوَ مَحِلُّ نَظَرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ.
[ميتة الْآدَمِيِّ هَلْ هِيَ طَاهِرَة]
ص (وَآدَمِيًّا وَالْأَظْهَرُ طَهَارَتُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَ بِطَهَارَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا قَالَ فِي أَوَائِلِ الْجَنَائِزِ مِنْ الْبَيَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَيِّتَ مِنْ بَنِي آدَمَ لَيْسَ بِنَجِسٍ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ انْتَهَى.
وَجَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِطَهَارَتِهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي تُعَضِّدُهُ الْآثَارُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا لِحُرْمَةِ الْآدَمِيَّةِ وَكَرَامَتِهَا وَتَفْضِيلِ اللَّهِ لَهَا وَذَهَبَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ أَيْضًا وَنَقَلَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ وَاسْتَظْهَرَهُ فَقَالَ: وَالظَّاهِرُ طَهَارَةُ الْآدَمِيِّ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْقَصَّارِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ شَعْبَانَ وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ الظَّاهِرُ طَهَارَةُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ لِتَقْبِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَصَلَاتِهِ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيهِ وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَصِّ أَظْفَارِهِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: الِاعْتِكَافُ لَا يُنَافِي إصْلَاحَ الرَّأْسِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَا إصْلَاحَ الظُّفْرِ وَهُوَ أَيْضًا طَاهِرٌ لَا يَنْجُسُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَيِّتَ نَجِسٌ تَكُونُ الْأَظْفَارُ نَجِسَةً انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِتَشْهِيرِ الْقَوْلِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَلَا مَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَحْكِي الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَجِّحُ الطَّهَارَةَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ اللَّخْمِيِّ أَخَذَ الْقَوْلَ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ مِنْ نَجَاسَةِ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ فَقَدْ أَخَذَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْقَوْلَ بِالطَّهَارَةِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ إدْخَالِهِ الْمَسْجِدَ
[فَرْعٌ فِي أَجْسَاد الْأَنْبِيَاء طَاهِرَة]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَهَذَا الْخِلَافُ لَا يَدْخُلُ عِنْدِي أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ يَجِبُ الِاتِّفَاقُ عَلَى طَهَارَةِ أَجْسَادِهِمْ، وَقَدْ قِيلَ: بِطَهَارَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ الْحَدَثِ فَكَيْفَ بِجَسَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي مَيْتَة الْآدَمِيِّ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا عَدَا أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى طَهَارَتِهَا لَا سِيَّمَا جَسَدَ
نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ص (وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاجٍ وَظُفْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، أَوْ مَيِّتٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَالْقَرْنُ وَالْعَظْمُ مَعْرُوفَانِ وَالظِّلْفُ بِالظَّاءِ لِلْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ وَالظُّفْرُ بِالظَّاءِ أَيْضًا لِلْبَعِيرِ وَالْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ وَالنَّعَامِ وَالْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ وَاحِدُهُ عَاجَةٌ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ عَلَى إبَانَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِبَانَةِ الْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَالْقِيَاسُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَيْتَةٍ مَا أُبِينَتْ مِنْهُ فَالطَّاهِرُ كَالسَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَاضِحٌ وَأَمَّا مَا أُبِينَ مِنْ أَعْضَاءِ الْآدَمِيِّ الْحَيِّ فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ بِنَجَاسَتِهَا وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِطَهَارَتِهَا قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ سَلَّمَ ابْنُ الْقَصَّارِ طَهَارَتَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ، وَإِبَانَةُ الْعُضْوِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْمَوْتِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ بِطَهَارَةِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ رَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ الْآدَمِيِّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ لَا يُخْتَلَفُ فِي نَجَاسَتِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَيْتَتِهِ بِلَا كَلَامٍ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي مَيْتَتِهِ وَعَلَى الطَّهَارَةِ: قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: مَا أُخِذَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ طَاهِرٌ لِمُوَافَقَةِ الْمَأْخُوذِ الْكُلَّ وَقَبْلَ مَوْتِهِ نَجِسٌ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبَحَثَ مَعَهُ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا أُبِينَ مِنْ الْآدَمِيِّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ كَالْخِلَافِ فِي مَيْتَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ حُكْمَ الْمَأْخُوذِ فِي الْحَيَاةِ مِنْ الظُّفْرِ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْأَظْهَرُ طَهَارَتُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ، وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبْتَ صَيْدًا فَأَبَنْتَهُ أَوْ أَبْقَيْتَهُ مُعَلَّقًا بِحَيْثُ لَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ أَخَذَ شَيْخُنَا مِنْهَا أَنَّ مَنْ أَبَانَ طَرَفَ ظُفْرِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَبَقِيَ مُعَلَّقًا بِالْأَصْلِ وَعَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُصَلِّيًا بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الظُّفْرَ نَجِسٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ حُكْمُ مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَمِنْ السَّمَكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ السِّنَّ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ لِدُخُولِهَا فِي الْعَظْمِ وَسَكَتَ عَنْ اللَّحْمِ لِدُخُولِهِ مِنْ بَابِ أَحْرَى إذْ لَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقَصَبَةَ رِيشٍ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْقَصَبَةِ نَجِسٌ، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَالرِّيشُ شَبِيهُ الشَّعْرِ كَالشَّعْرِ وَشَبِيهُ الْعَظْمِ كَالْعَظْمِ وَمَا بَعْدُ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْ الْقَوْلَيْنِ فِي أَطْرَافِ الْفُرُوقِ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا النَّجَاسَةُ فَيَكُونُ الْمَشْهُورُ فِي الْقَصَبَةِ كُلِّهَا النَّجَاسَةُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي رِيشِ الْمَيْتَةِ طُرُقٌ فَذَكَرَ طَرِيقَةَ ابْنِ شَاسٍ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مَا اتَّصَلَ بِالْعَظْمِ كَالْجِسْمِ، وَطَرَفُهُ كَالشَّعْرِ وَرَوَى الْبَاجِيُّ مَا لَهُ سِنْخٌ فَكَاللَّحْمِ وَمَا لَا كَالزَّغَبِ طَاهِرٌ، وَالسِّنْخُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا نُونٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ خَاءٌ مُعْجَمَةُ: الْأَصْلُ فَعَلَى مَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْجِسْمِ طَاهِرٌ يَكُونُ طَرَفُ الْقَصَبَةِ
طَاهِرًا، وَأَمَّا كَلَامُ الْبَاجِيِّ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَقْتَضِي نَجَاسَة جَمِيعِ الْقَصَبَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا بَعْدُ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَعْنِي بِالْبَعْدِ هُنَا عُلُوَّهُ عَمَّا قَارَبَ الْجِسْمَ مِنْ شِبْهِ الْعَظْمِ
ص (وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
ص (وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ مُطَهَّرٌ طَهَارَةً مُقَيَّدَةً أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ وَحْدَهُ وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ رُشْدٍ نَجِسٌ وَلَكِنْ رُخِّصَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَا يُطَهِّرُهُ الدِّبَاغُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْتُ، وَقَوْلُهُ: " وَرُخِّصَ فِيهِ مُطْلَقًا " فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَيَكُونُ عَائِدًا إلَى مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ إمَامُ الْمَذْهَبِ وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عُمُومُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي دُخُولَ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ سَلْخُهُ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْجِيسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ، وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَائِرِ الْجُلُودِ حَتَّى جِلْدِ الْخِنْزِيرِ.
(قُلْتُ) فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْحُكْمَ بِنَجَاسَةٍ وَأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَجُلُودُ الْمَيْتَاتِ كُلِّهَا نَجِسَةٌ وَلَوْ دُبِغَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ مَيْتَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّرْخِيصَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَقَدْ دَلَّ كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ بِاتِّفَاقٍ فَقَدْ حَصَلَ الْغَرَضُ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (إلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ) . ش هَذَا هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ كَغَيْرِهِ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ هَلْ الْإِهَابُ خَاصٌّ بِجِلْدِ الْأَنْعَامِ أَوْ يُطَلَّقُ عَلَى جِلْدِ غَيْرِهَا أَيْضًا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بَعْدَ دَبْغِهِ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَكَيْفِيَّةُ الدِّبَاغِ نَزْعُ الْفَضَلَاتِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُعْتَادَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَلَا يَكْفِي التَّشْمِيسُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى الْبَاجِيّ: الدَّبْغُ مَا أَزَالَ شَعْرَهُ وَرِيحَهُ وَدَسَمَهُ وَرُطُوبَتَهُ وَنَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مَا فِي اشْتِرَاطِ زَوَالِ الشَّعْرِ مِنْ النَّظَرِ لِمَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ الْأَقْرِبَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الدَّبْغَ مَا أَزَالَ الرِّيحَ وَالرُّطُوبَةَ وَحَفِظَ الْجِلْدَ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ كَمَا تَحْفَظُهُ الْحَيَاةُ، وَلَعَلَّ مَا فِي الرِّوَايَةِ فِي الْجُلُودِ الَّتِي الشَّأْنُ فِيهَا زَوَالُ الشَّعْرِ كَالَّتِي يُصْنَعُ مِنْهَا الْأَنْعِلَةُ لَا الَّتِي يُجْلَسُ عَلَيْهَا وَتُصْنَعُ مِنْهَا الْأَفْرِيَةُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ زَوَالُ الشَّعْرِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ صُوفَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ.
وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ وَاقْتَصَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الدَّبْغِ آلَةٌ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَا دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنْ دَقِيقٍ، أَوْ مِلْحٍ، أَوْ قَرَظٍ فَهُوَ لَهُ طَهُورٌ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ حِكْمَةَ الدِّبَاغِ إنَّمَا هِيَ بِأَنْ يُزِيلَ عُفُونَةَ الْجِلْدِ وَيُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ فَمَا أَفَادَ ذَلِكَ جَازَ بِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْأَبِيُّ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الدَّبْغَ يُفِيدُ حَتَّى مِنْ الْكَافِرِ وَفِي مُسْلِمٍ حَدِيثٌ نَصٌّ فِي ذَلِكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَا دَبَغُوهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا أَدْخَلُوا فِيهِ أَيْدِيَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ هَلْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْلَخَ الْمَيْتَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا يَصِلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا إلَّا بِذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَ دَبْغِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُدْبَغْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا يُفْرَشُ وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ حَتَّى يُدْبَغَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُطْحَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّبْغِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ.
ص (فِي يَابِسٍ وَمَاءٍ) ش: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رُخِّصَ أَيْ رُخِّصَ فِي اسْتِعْمَالِ جِلْدِ
الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْجَعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُؤَاجَرُ عَلَى طَرْحِ الْمَيْتَةِ بِجِلْدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ دُبِغَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُلْبَسُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَيْ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فَجَائِزٌ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا الِاسْتِقَاءُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَرْبَلَ عَلَيْهَا وَيُجْلَسَ، وَهَذَا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَزَادَ: وَتُمْتَهَنُ لِلْمَنَافِعِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ عَلَيْهَا يُؤَدِّي إلَى زَوَالِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ تَخْتَلِطَ أَجْزَاءُ الْمَيْتَةِ بِالدَّقِيقِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَانْظُرْ هَلْ أَجَازَ الِاسْتِقَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ وَعَلَى هَذَا يُتَوَضَّأُ بِهِ.
وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ سُئِلَ أَيُتَوَضَّأُ مِنْ السِّقَاءِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ قَالَ: إنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إنْ انْفَضَّ ذَلِكَ إلَى الصَّلَاةِ فِيهَا انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَقَبِلَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ أَنَّهُ قَالَ لَا يُغَرْبَلُ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا اتِّقَاءً لِمَا يَتَحَتَّتُ مِنْهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عُمُومُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ مُطْلَقًا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ يُغَرْبَلُ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنْهُ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ الْجَوَازُ وَنَصَّ فِي الْعُمْدَةِ وَالْإِرْشَادِ عَلَى أَنَّهُ يَكْرَهُ الْوُضُوءَ مِنْ آنِيَةٍ عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَجِلْدِهَا، وَإِنْ دُبِغَ.
[فَرْعٌ أستعمال النِّعَال مِنْ جلد الْمَيِّتَة]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ مَسَائِلِ بَعْضِ الْمِصْرِيِّينَ: كَانَ شَيْخُنَا يَقُولُ إذَا وَجَدَ النِّعَالَ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ: فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الرِّجْلَ إذَا تَوَضَّأَ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَاءِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) بَلْ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الرِّجْلُ إذَا بُلَّتْ وَلَاقَاهَا فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ الْيَابِسَاتِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَضَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ لَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ يُوهِمُ أَنَّ مَالِكًا كَانَ لَا يَسْتَعْمِلُهُ مُطْلَقًا بَلْ يُوهِم أَنَّ ذَلِكَ فِي جِلْدِ مَا ذُكِّيَ مِنْ السِّبَاعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا الَّذِي كَرِهَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ الِاسْتِقَاءُ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ: وَنَقْصُ تَمَامِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِي الْمَاءِ غَيْرَ مُحَرِّمٍ لَهُ بِخِلَافِ الْيَابِسَاتِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا أَتَّقِي الْمَاءَ فِيهَا يَعْنِي جُلُودَ الْمَيْتَةِ فِي خَاصَّتِي وَلَا أُحَرِّمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الصَّلَاة عَلَى جُلُود الْمَيِّتَة]
(فَرْعٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ الْمَيْتَةِ اكْتِفَاءً بِدُخُولِ ذَلِكَ فِي عُمُومِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ لَحْمُ مَيْتَةٍ أَوْ عَظْمُهَا، أَوْ جِلْدُهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ بِلَفْظِ، أَوْ جِلْدُ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ يُرِيدُ صَلَّى بِذَلِكَ نَاسِيًا ثُمَّ قَالَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلَّى عَلَى جِلْدِهَا وَإِنْ دُبِغَ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لِلْحَدِيثِ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَوَّى بَيْنَهُمَا كَتَسْوِيَتِهِ فِي الْبَيْعِ انْتَهَى.
وَعَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَدْبُوغِ وَغَيْرِهِ حَمَلَهَا سَنَدٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ قَالَ وَكَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَالصَّلَاةَ فِيهَا وَعَلَيْهَا دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرَاهَةُ عَلَى الْمَنْعِ.
(فَرْعٌ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لُبْسَهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا، وَهَذَا حُكْمُ هَذِهِ الْفِرَاءِ الَّتِي تُجْعَلُ مِنْ جُلُودِ السِّنْجَابِ وَنَحْوِهِ.
ص (وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْعَاجِ)
ش: هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ أَشَارَ فِيهِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَأَتَى بِهَا لِكَوْنِ ظَاهِرِهِ مُخَالِفًا لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ نَجَاسَةِ الْعَاجِ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ وَأَكْرَهُ الْأَدْهَانَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَالْمَشْطَ بِهَا وَالتِّجَارَةَ فِيهَا قَالَ ابْنُ نَاجِي زَادَ فِي الْأُمِّ: لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ انْتَهَى.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ أَنَّ قَبْلَهُ كَرِهَ أَخَذَ الْعَظْمِ وَالسِّنِّ وَالْقَرْنِ وَالظِّلْفِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَرَآهُ مَيْتَةً.
قَالَ ابْنُ نَاجِي الْكَرَاهَةُ عَلَى
التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ وَرَآهُ مَيْتَةً، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَرَاهَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِي الْأُمِّ كُلًّا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ مُحْتَمِلَةً فَالَّتِي فِي الْقَرْنِ وَالْعَظْمِ وَالسِّنِّ مِثْلُهَا فَلَا مَعْنَى لِاقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ لِعَزْوِ الَّتِي فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ لِلْمُدَوِّنَةِ، قَالَ: وَاَلَّذِي غَرَّهُ اخْتِصَارُ الْبَرَاذِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ فِي نَابِ الْفِيلِ أَنَّهَا مَيْتَةٌ، وَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى بَابِهَا وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: إنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ شِهَابٍ أَجَازُوا أَنْ يُمْتَشَطَ بِأَمْشَاطِهِ وَمَذْهَبُ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ شَيْخِهِ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّ مَالِكًا يَكْرَهُهُ يَعْنِي الْعَظْمَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ التَّحْرِيمُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّظَرُ ثُمَّ قَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَابِ الْفِيلِ: إنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِيهِ إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ انْتَهَى.
وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي تَنْجِيسَهُ وَهُوَ أَنَّهُ جُزْءُ مَيْتَةٍ وَمَا يَقْتَضِي الطَّهَارَةَ وَهُوَ عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَنَافَسُ فِي اتِّخَاذِهِ، وَقِيلَ: إنْ سُلِقَ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِلَّا فَلَا، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْعَاجِ بَلْ عَامٌّ، فَإِنَّ أَنْيَابَ الْفِيلِ قُرُونٌ مُنْعَكِسَةٌ كَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعَظْمِ وَالْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَالسِّنِّ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَجِسَةٌ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ طَاهِرَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَحُلُّهَا الْحَيَاةُ، وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ طَرَفِهَا وَأَصْلِهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْعَظْمِ وَحَكَى الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ فِي عِظَامِ الْمَيْتَةِ رَابِعًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُسْلَقَ، أَوْ لَا وَإِذَا حُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ عَلَى بَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْن الْمَوَّازِ يَكُونُ خَامِسًا.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) هَذَا إنْ لَمْ يُذَكَّ الْفِيلُ فَإِنْ ذُكِّيَ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ مِنْ غَيْرِ دَبْغٍ كَجُلُودِ السِّبَاعِ وَعِظَامِهَا إذَا ذُكِّيَتْ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَكْلُ لُحُومِهَا.
(الثَّانِي) اُنْظُرْ هَلْ يَتَنَجَّسُ الدُّهْنُ وَالْمَاءُ وَنَحْوُهُ بِجَعْلِهِ فِي الْعَاجِ وَنَحْوِهِ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَسَمَ فِيهِ وَلَا وَدَكَ وَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَرُطُوبَةِ فَرْجٍ: مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
ص (وَالتَّوَقُّفُ فِي الْكِيمَخْتِ)
ش: أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ، وَإِنْ ذُكِّيَ وَتَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ فِي الْكِيمَخْتِ وَرَأَيْتُ تَرْكَهُ أَحَبَّ إلَيَّ انْتَهَى.
وَتَوَقُّفُهُ لِأَجَلِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي تَرْكَهُ، وَعَمَلَ السَّلَفِ يُعَارِضُهُ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا زَالَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِالسُّيُوفِ وَفِيهَا الْكِيمَخْتُ وَمَا يَتَّقُونَ شَيْئًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَأَصْلِهِ لِابْنِ يُونُسَ فِي الْكِيمَخْتِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) : قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: " تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ " فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) : الْجَوَازُ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
(الثَّالِثُ) : الْجَوَازُ فِي السُّيُوفِ خَاصَّةً لِابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ فَمَنْ صَلَّى بِهِ فِي غَيْرِ السُّيُوفِ يَسِيرًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَعَادَ أَبَدًا انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْكِيمَخْتِ النَّجَاسَةُ وَأَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَيَكُونُ رَابِعًا، لَكِنَّ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَشْيَاخُ أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ فِي الْأَصْلِ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ لِلضَّرُورَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَمْلٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: الصَّلَاةُ فِي الْكِيمَخْتِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ اسْتَخَفَّ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَاسْتِجَازَةِ السَّلَفِ لَهُ فَرَأَى فِي الْعُتْبِيَّةِ الْمَنْعَ مِنْهُ وَالتَّشْدِيدَ فِيهِ مِنْ التَّعَمُّقِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ رَأَى الْكِيمَخْتَ مُسْتَثْنًى وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ فِيهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْكِيمَخْتِ فَقَالَ هَذَا تَعَمُّقٌ، وَقَدْ صَلَّى الصَّحَابَةُ بِأَسْيَافِهِمْ وَفِيهَا الدِّمَاءُ وَظَاهِرُ هَذَا
الْكَلَامِ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى كَالدَّمِ فِي السَّيْفِ، وَهَذَا لِأَنَّ غَيْرَ الْكِيمَخْتِ لَا يَسُدُّ مَسَدَهُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَاخْتَصَّتْ بِهِ الرُّخْصَةُ لِنَوْعِ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يُصَلَّى فِي الْكِيمَخْتِ بِمُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي النَّجَاسَةَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَقَلَ فِيهِ قَوْلًا بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ هُنَا مُخَالِفًا لِلْمَشْهُورِ، نَعَمْ نَقَصَ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ قَوْلَهُ: " وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ " وَهِيَ الَّتِي تُفِيدُ الْحُكْمَ فِيهِ، وَقَدْ تَعَقَّبَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ إسْقَاطَ ذَلِكَ وَارْتَكَبَهُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَنِيٍّ وَمَذْيٍ وَوَدْيٍ)
ش: الْمَنِيُّ بِفَتْحٍ الْمِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ وَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ فِي فَصْلِ الْغُسْلِ وَالْمَذْيُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَبِكَسْرِ الذَّالِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا حَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ ثَوْرَانِ الشَّهْوَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَمَذْيُهَا بَلَّةٌ تَعْلُو فَرْجَهَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: الْمَذْيُ يَكُونُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ قَالَ وَإِذَا هَاجَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ مِنْهَا انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ كُلُّ ذَكَرٍ يَمْذِي وَكُلُّ أُنْثَى تَمْذِي يُقَالُ: مَذَتْ الشَّاةُ أَيْ أَلْقَتْ بَيَاضًا مِنْ رَحِمِهَا انْتَهَى.
وَالْوَدْيُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَبِكَسْرِ الدَّالِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ فَهُوَ تَصْحِيفٌ وَضَبَطَهُ فِي الطِّرَازِ بِالْمُعْجَمَةِ وَقَالَ الْوَدْيُ بِالْمُهْمَلَةِ صِغَارُ النَّخْلِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ يَخْرُجُ بِأَثَرِ الْبَوْلِ، أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ.
وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ فِيهِ الْخِلَافَ عَنْ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْخِلَافُ هَلْ هُوَ نَجِسٌ لِأَصْلِهِ، أَوْ لِمَمَرِّهِ.
(قُلْتُ) وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرِ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَالْمَشْهُورُ نَجَاسَةُ مَنِيِّهِ يَعْنِي الْآدَمِيَّ وَقَالَ فِي عُمْدَتِهِ وَفِي الْمَنِيِّ قَوْلَانِ، وَأَمَّا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَلْ هُوَ نَجِسٌ لِأَصْلِهِ أَوْ لِمَمَرِّهِ عَلَى مَحِلِّ الْبَوْلِ فَمَعْلُومٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَلَيْهِمَا مَنِيُّ الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ نَجِسًا وَعَلَى الثَّانِي لَا يَكُونُ نَجِسًا مِنْ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ بَوْلَهُ طَاهِرٌ وَلَا مِنْ الْمَكْرُوهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَوْلَهُ تَابِعٌ، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ فِي الْإِرْشَادِ وَالْأَرْوَاثُ وَالْأَبْوَالُ وَالْمَنِيُّ تَوَابِعُ يَعْنِي اللُّحُومَ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ وَبِهِ فَسَّرَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَهُ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّهُ قَالَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ نَجَاسَتُهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَا فِي شَامِلِهِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ مِنْ كُتُبِهِ.
وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَبِنَقْلِ شَاسٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَتِهِمَا، فَقَالَ ابْنُ هَارُونَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْآدَمِيِّ وَالْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا إنْ أَجْرَيْنَا ذَلِكَ مُجْرَى بَوْلِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ، أَوْ مُجْرَى مَنِيِّهِ فَفِيهِ الْخِلَافُ قَالَ ابْنُ نَاجِي نَخْتَارُ أَنَّهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ، وَكَذَلِكَ وَافَقَ عَلَى نَجَاسَتِهِ مَنْ خَالَفَ فِي الْمَنِيِّ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ تَرْجِيحُ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ غَيْرَ الْآدَمِيِّ لَهُ مَذْيٌ وَوَدْيٌ وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ فَضَلَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى نَجَاسَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَغَسْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشْرِيعٌ وَفِي التَّوْضِيحِ لَا دَلَالَةَ فِي مَنِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِادِّعَاءِ أَنَّهُ مِنْهُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ نَجِسًا، وَفِي الْأَبِيِّ مَا يَقْتَضِي تَسْلِيمَ أَنَّ مَنِيَّهُ وَفَضَلَاتِهِ طَاهِرَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ بِطَهَارَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهِ وَلَهُمْ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ حُرْمَةُ أَكْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) ش: الْقَيْحُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وَكَسْرُ الْقَافِ لَحْنٌ قَالَ
ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ الْمِدَّةُ الَّتِي لَا يُخَالِطُهَا دَمٌ مِنْ قَاحَ يَقِيحُ.
وَالصَّدِيدُ مَاءُ الْجُرْحِ الرَّقِيقُ وَالْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ قَبْلَ أَنْ تُغَلَّظَ الْمِدَّةُ وَالْمُدَّةُ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ الْفُرَاتِ وَغَيْرُهُمَا، وَذَكَرَ سَنَدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ أَنَّهُ مَا سَالَ مِنْ مَوْضِعِ حَكِّ الْبَثَرَاتِ مِنْ الصَّدِيدِ وَأَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جَسَدِ الْإِنْسَانِ وَذَكَرَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَوَاسِيرِ أَنَّ الْجِلْدَ إذَا كُشِطَ وَرَشَحَ مِنْهُ بَلَلٌ فَهُوَ نَجِسٌ وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ فِي أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ: " الثَّانِي الدِّمَاءُ كُلُّهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَمَا تَوَلَّدَ عَنْهَا مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ مِنْ حَيٍّ، أَوْ مَيِّتٍ وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا " انْتَهَى.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَسِيلُ مِنْ نَفْطِ النَّارِ مِنْ الْمَاءِ وَمَا يَسِيلُ مِنْ نَفِطَاتٍ فِي الْجَسَدِ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأَثَرُ دُمَّلٍ لَمْ يُنْكَأْ.
ص (وَرُطُوبَةِ فَرْجٍ)
ش: نَكَّرَ الرُّطُوبَةَ وَالْفَرْجَ لِيَعُمَّ كُلَّ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ قَالَ فِي التَّلْقِينِ: كُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ وَذَلِكَ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالْمَنِيِّ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَلِ فَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ كُلُّ بَلَلٍ يَخْرُجُ مِنْهُمَا كَالْهَادِي الْخَارِجِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَائِعٍ مَا لَيْسَ بِمَائِعٍ كَالدُّودِ وَالْحَصَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُمَا طَاهِرَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا يَكْتَسِبَانِ النَّجَاسَةَ بِمَا يَعْلَقُ بِهِمَا مِنْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ: مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مِنْ طَاهِرٍ كَالرِّيحِ فَلَا اسْتِنْجَاءَ فِيهِ وَخُرُوجُ الْحَصَا وَالدُّودِ دُونَ شَيْءٍ إنْ أَمْكَنَ مَعَ بُعْدِهِ فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ طَاهِرٌ كَالرِّيحِ وَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ.
عَنْ الْبُرْزُلِيِّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ النَّوَاةَ وَالْحَصَا وَالذَّهَبَ وَمَا لَا يَتَحَلَّلُ إذَا بُلِعَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَطْنِ لَا يَنْجُسُ إلَّا ظَاهِرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ عِيَاضٌ مَاءُ الْفَرْجِ وَرُطُوبَتُهُ عِنْدَنَا نَجِسٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبُولُ النَّوَوِيِّ: " نَقْلَ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ إذَا أُلْقِيَ الْجَنِينُ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةُ فَرْجِ أُمِّهِ طَاهِرٌ بِإِجْمَاعٍ لَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ فِي رُطُوبَةِ الْفَرْجِ " يُرَدُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ تَنْجِيسُ مَا اتَّصَلَ بِهِ نَجَسٌ رَطْبٌ بِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي كُتُبِ الْإِجْمَاعِ وَلَقَدْ اسْتَوْعَبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ أَنَّ مَنْ رَفَعَ جَنِينَ بَقَرَةٍ حِينَ وَضَعَتْهُ وَهُوَ مَبْلُولٌ وَأَلْصَقَهُ بِثَوْبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ بَلَلُهُ دَمًا وَإِلَّا فَهُوَ كَبَلَلِ بَوْلِهَا، وَلَوْ كَانَ جَنِينَ فَرَسٍ أَلْصَقَهُ بِثَوْبِهِ كَذَلِكَ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ الْبُرْزُلِيُّ: فِي هَذَا نَظَرٌ عَلَى مَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ بَلَلَ جَنِينِ الْآدَمِيِّ حِينَ خُرُوجِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى طَهَارَتِهِ وَكَانَ شَيْخُنَا يَتَعَقَّبُهُ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا أَحْرَى لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ انْتَهَى.
فَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ قَدَّاحٍ وَابْنُ عَرَفَةَ يُسْتَثْنَى مِنْ رُطُوبَةِ فَرْجٍ رُطُوبَةُ مَا بَوْلُهُ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ الطَّاهِرُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ نَجِسٌ رَطْبٌ]
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ تَنْجِيسُ مَا اتَّصَلَ بِهِ نَجَسٌ رَطْبٌ طَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ فِيمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا طَاهِرًا يَابِسًا عَلَى ثَوْبٍ مَبْلُولٍ نَجِسٍ تَنَجَّسَ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ غَسَلَهُ وَحْدَهُ وَإِلَّا غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى بِهِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ مَنْ نَتَفَ إبِطَهُ يَغْسِلُ يَدَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ غَيْرُهُ يَجِبُ لِمَا تَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ مِنْ النَّجَاسَةِ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ أُصُولُ الشَّعْرِ تَصِلُ لِيَدِهِ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ يَمْتَخِطُ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ فِي يَدِهِ فَيَجِدُ بِالْمُخَاطِ شَعْرًا بِأُصُولِهِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهَا شَيْءٌ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ وَفِيهِ عَظْمُ مَيْتَةٍ غَطَّاهُ الْمَاءُ وَالطِّينُ فَغَسَلَ رِجْلَهُ وَجَعَلَهَا عَلَى الْعَظْمِ وَنَقَلَهَا إلَى ثِيَابِهِ أَنَّ ثَوْبَهُ لَا يَنْجُسُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إنْ كَانَ الْعَظْمُ بَالِيًا فَوَاضِحٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ التُّونُسِيُّ فِي التَّعْلِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ دَسَمٍ وَلَحْمٍ فَالصَّوَابُ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَتَعَلَّقُ بِرِجْلِهِ إلَّا أَنْ
يُوقِنَ أَنَّ رُطُوبَةَ النَّجَاسَةِ قَدْ ذَهَبَتْ جُمْلَةً وَلَمْ يَبْقَ إلَّا رُطُوبَةُ الْمَاءِ فَيَكُونَ كَالْعَظْمِ الْبَالِي وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْقَمْلَةِ مَا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُغْتَسِلِ يَتَجَفَّفُ بِالثَّوْبِ فِيهِ الدَّمُ قَالَ إنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يَخْرُجُ بِالتَّجْفِيفِ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ إنْ التَّجْفِيفُ بَلَّهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا أَصَابَ جَسَدَهُ غَسَلَهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
ص (وَدَمٍ مَسْفُوحٍ)
ش: أَيْ سَائِلٍ.
ص (وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ)
ش: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّمَكِ هَلْ لَهُ دَمٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا دَمَ لَهُ وَاَلَّذِي يَنْفَصِلُ عَنْهُ رُطُوبَةٌ تُشْبِهُ الدَّمَ لَا دَمٌ، وَلِذَلِكَ لَا تَسْوَدُّ إذَا تُرِكَتْ فِي الشَّمْسِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ بَلْ تَبْيَضُّ قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اسْوِدَادِهِ لَوْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ السَّمَكِ فَذَلِكَ لِمَا خَالَطَهُ مِنْ الرُّطُوبَةِ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ دَمَهُ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ مَسْفُوحُهُ نَجِسٌ وَغَيْرُ مَسْفُوحِهِ طَاهِرٌ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ الْقَابِسِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِمَالِكٍ فِيهِ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَشُرِعَتْ ذَكَاتُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي دَمِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا سَالَ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِإِلْقَائِهِ فِي النَّارِ حَيًّا وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَكْرَهُ ذَلِكَ كَرَاهَةً غَيْرَ شَدِيدَةٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ الْحُوتَ مُذَكًّى فَالْحَيَاةُ الَّتِي تَبْقَى فِيهِ كَالْحَيَاةِ الَّتِي تَبْقَى فِي الذَّبِيحَةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا فَيُكْرَهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يُكْرَهُ فِي الْأُخْرَى انْتَهَى.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي تُرْسِ الْمَاءِ، وَقِيلَ: لَهُ أَنَّهُ يَعِيشُ أَيَّامًا مَا أَرَاهُ إلَّا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ وَمَا أَرَى ذَبْحَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَجَّلُوا بِذَلِكَ مَوْتَهُ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إلَّا أَنْ يُشْكِلَ أَمْرُهُ عَلَى النَّاسِ انْتَهَى.
ص (وَذُبَابٍ)
ش: تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارِضُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً؛ لِأَنَّ ذَا النَّفْسِ السَّائِلَةِ هُوَ مَا لَهُ دَمٌ غَيْرُ مَنْقُولٍ وَالذُّبَابُ كَغُرَابٍ وَاحِدُ الذُّبَابِ بِالْكَسْرِ كَغِرْبَانِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْوَاحِدُ ذُبَابَةٌ بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَلَا يُقَالُ: ذُبَانَةٌ بِالنُّونِ وَمَنَعَ ابْنُ سِيدَهْ أَنْ يُقَالَ: ذُبَابَةٌ أَيْضًا قَالَ الذُّبَابُ هُوَ الْوَاحِدَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إلَّا أَنَّهُ لِيَسَارَةِ دَمِهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مِنْهُ إلَّا مَا كَثُرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسَوْدَاءَ)
ش: قَالَ سَنَدٌ هِيَ مَائِعٌ أَسْوَدُ يَكُونُ كَالدَّمِ وَهَذِهِ صِفَةُ النَّجَاسَاتِ.
ص (وَرَمَادٍ نَجِسٍ وَدُخَانِهِ)
ش: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ دُخَانُ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ قَالَ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُطْبَخُ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَلَا يُسَخَّنُ بِهَا مَاءٌ لِوُضُوءٍ، أَوْ عَجِينٍ قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَهْلًا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ أَكْلُ الطَّعَامِ وَلَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ أَيْضًا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الدُّخَانُ لَا يَنْعَكِسُ فِيمَا طُبِخَ، أَوْ سُخِّنَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَنْعَكِسُ فَإِنَّ الطَّعَامَ لَا يُؤْكَلُ وَالْمَاءَ لَا يَنْجُسُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ انْعِكَاسُ دُخَانِ مَيْتَةٍ فِي طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ يُنَجِّسُهُ انْتَهَى.
وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ خِلَافُ ذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لَا يُؤْكَلُ الْخُبْزُ الَّذِي يُوقَدُ بِأَرْوَاثِ الْحَمِيرِ، وَأَمَّا مَا طُبِخَ فِي الْقُدُورِ فَأَكْلُهُ خَفِيفٌ وَيُكْرَهُ بَدَأَ وَلَا يُوقَدُ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ لِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ الْخُبْزَ قَدْ خَالَطَهُ مِنْ عَيْنِ نَجَاسَةِ الرَّوْثِ وَسَرَى فِيهِ، وَأَمَّا مَا طُبِخَ فِي الْقُدُورِ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا كُرِهَ مِنْ أَجْلِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ دُخَانِ الرَّوْثِ النَّجِسِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ مِنْ أَجْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الدُّخَانَ نَجِسٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا نَجِسًا انْتَهَى.
فَجَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَنَقَلَهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْبُيُوعِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَاهُ وَلَمْ يُنَبِّهَا عَلَيْهِ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَبَخَّرَ بِلُحُومِ السِّبَاعِ إذَا كَانَتْ ذُكِّيَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَةً وَلَمْ يَكُنْ دُخَانُهَا يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ كَمَا يَعْلَقُ دُخَانُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَإِنْ كَانَ يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ فَلَا يُعْجِبُنِي.
ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُ دُخَانِ
الْمَيْتَةِ حُكْمُ رَمَادِهَا وَالِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ جَارٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَظْهَرُ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ الطَّهَارَةُ انْتَهَى.
وَعَزَى ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَيْسَتْ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هُنَا وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ النَّجَاسَةُ بَلْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ دُخَانُ النَّجَاسَةِ أَشَدُّ مِنْ رَمَادِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الشَّامِلِ وَرَمَادُ النَّجِسِ نَجِسٌ وَخَرَّجَ مِنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ وَبَيْضِهَا طَهَارَتَهُ وَهَلْ دُخَانُهُ كَذَلِكَ، أَوْ طَاهِرٌ خِلَافٌ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُوقَدُ بِالنَّجَاسَةِ لَا عَلَى خُبْزٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا تَسْخِينِ مَاءٍ فَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِلْ مِنْ الرَّمَادِ وَالدُّخَانِ شَيْءٌ إلَى الْمَطْبُوخِ وَالْمَخْبُوزِ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الرَّمَادِ فَهُوَ نَجِسٌ، أَوْ مِنْ الدُّخَانِ فَنَجِسٌ أَيْضًا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِابْنِ رُشْدٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْبُيُوعِ قَالَ شَيْخُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَخَّصَ فِي الْخُبْزِ بِالزِّبْلِ بِمِصْرَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَمُرَاعَاةً لِمَنْ يَرَى أَنَّ النَّارَ تُطَهِّرُ وَأَنَّ رَمَادَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ وَلِلْقَوْلِ بِطَهَارَةِ زِبْلِ الْخَيْلِ وَلِلْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهِ، وَمِنْهَا وَمِنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ قَالَ فَيُخَفَّفُ الْأَمْرُ مَعَ هَذَا الْخِلَافِ وَإِلَّا فَيَتَعَذَّرُ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ مَعِيشَتِهِمْ غَالِبًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ أَنَّ الدُّخَانَ النَّجِسَ لَا يُنَجِّسُ مَا لَاقَاهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ بَلْ إنَّمَا يُنَجِّسُ إذَا عَلِقَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُلُوقِ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الرَّائِحَةِ فَلَا.
(الثَّالِثُ) ذُكِرَ فِي الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُرْتَكِ الْمَصْنُوعِ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ لَا يُصَلَّى بِهِ وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُصَلَّى بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى الشَّيْخُ إنْ جُعِلَ مُرْتَكٌ صُنِعَ مِنْ عَظْمِ مَيْتَةٍ لِقُرْحَةٍ وَجَبَ غَسْلُهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ لَمْ يَغْسِلْهُ فَلَيْسَ بِنَجَاسَةٍ لِحَرْقِهِ بِالنَّارِ وَخَفَّفَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الصَّلَاةَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَرْهَمُ النَّجِسُ يُغْسَلُ عَلَى الْأَشْهَرِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا أَرَى أَنْ يُوقَدَ بِهَا فِي الْحَمَّامَاتِ انْتَهَى.
فَإِنْ جَعَلَ فَعَلَ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عَرَقُ الْحَمَّامِ فَقَالَ عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ خَفَّفَ أَبُو عِمْرَانَ مَا يَقْطُرُ مِنْ عَرَقِ الْحَمَّامِ، وَإِنْ أُوقِدَ تَحْتَهُ بِالنَّجَاسَةِ وَرَأَى أَنَّ رُطُوبَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَصْعَدُ إلَى ذَلِكَ الْعَرَقِ لِلْحَائِلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَمَّامِ وَخُرُوجَ أَدْخِنَتِهِ عَنْهُ خَارِجًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرَقُ مِنْ بُخَارِ الرُّطُوبَةِ وَالْمِيَاهِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ الْبُخَارُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْهَا وَعَرَقُهَا نَجِسٌ كَدُخَانٍ النَّجَاسَةِ وَبُخَارِهَا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ بَعْضُ أَجْزَائِهَا وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَرَقُ الْحَمَّامَاتِ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِهَا مِيَاهُ الْحِيَاضِ النَّجِسَةِ وَلَا يُتَحَفَّظُ دَاخِلَهَا مِنْ الْبَوْلِ وَالنَّجَاسَاتِ انْتَهَى.
وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَكَذَا الرَّجْرَاجِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ الدُّخَانُ النَّجِسُ بِالْعَرَقِ لَتَنَجَّسَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي دُخَانِ النَّجَاسَةِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق الشُّيُوخُ يَذْكُرُونَ فِي الْقَطْرَةِ مِنْ سَقْفِهِ قَوْلَيْنِ مَبْنَاهُمَا انْقِلَابُ الْأَعْيَانِ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ جَعْلِ عِيَاضٍ بُخَارَ الْمِيَاهِ الْمُتَنَجِّسَةِ نَجِسًا أَنَّ دُخَانَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ نَجِسٌ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ عَرَقَ الْحَمَّامِ مِنْ الرُّطُوبَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيهِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ فِي الْمُغْنِي إذَا اسْتَحَالَ الدُّخَانُ النَّجِسُ مَاءً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ حَائِطِ الْحَمَّامِ: إنَّهُ يُغْسَلُ وَيَحْتَاجُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إلَى جَوَابٍ عَمَّا إذَا اسْتَحَالَ الطَّاهِرُ مَاءً فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ مُطَهِّرٌ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ الْمَاءِ إنَّمَا هُوَ الدُّخَانُ فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا لَا مُطَهِّرًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْعَرَقَ إنَّمَا هُوَ مِنْ رُطُوبَاتِ الْمِيَاهِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فَهُوَ جُزْءُ مَاءٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغَيُّرٌ فَهُوَ مُطَهِّرٌ، وَكَذَلِكَ الْقِدْرُ إذَا أُوقِدَ تَحْتَهَا بِالنَّجَاسَةِ وَهِيَ مُغَطَّاةٌ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ الدُّخَانِ وَعَرِقَ غِطَاؤُهَا فَهُوَ طَاهِرٌ وَفِي الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ الصَّحِيحُ طَهَارَةُ عَرَقِ الْحَمَّامِ وَمَا سَقَطَ مِنْ سَقْفِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِهِ هُنَا لَوْ جُعِلَ فِي الْقِدْرِ مَاءٌ
نَجِسٌ، أَوْ مُتَنَجِّسٌ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ وَغُطِّيَ بِإِنَاءٍ صَقِيلٍ فَاسْتَحَالَ الدُّخَانُ مَاءً وَزَالَ تَغَيُّرُهُ فَهَلْ هُوَ مُطَهِّرٌ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نَصًّا لَكِنْ نَصُّوا عَلَى مَا تَقَاطَرَ مِنْ دُخَانِ الْحَمَّامِ إذَا وَقَدَ تَحْتَهُ بِالنَّجَاسَةِ فَحَكَى أَبُو عُمْرَانِ أَنَّهُ خَفِيفٌ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ أَضْعَفُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَاءِ نَفْسِهِ فَيَضْعُفُ الْخِلَافُ فِي بُخَارِهِ، وَصُورَتُنَا الْمَاءُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّ الْبُخَارَ إذَا كَانَ مِنْ نَجَاسَةٍ كَانَ مَا يَقْطُرُ مِنْهُ نَجِسًا فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ.
[فَرْعٌ الْفَخَّارُ الْمَطْبُوخُ بِالنَّجَاسَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَالْفَخَّارُ الْمَطْبُوخُ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَلَوْ غُسِلَ وَقَبْلَ أَنْ يُغْلَى فِيهِ مَاءٌ كَقُدُورِ الْمَجُوسِ وَصُوِّبَ، وَالْمُصَوِّبُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي عِيَاضٌ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِقُدُورِ الْمَجُوسِ الَّتِي تُطْبَخُ فِيهَا الْمَيْتَةُ فَقَوْلُ الشَّامِلِ كَقُدُورِ الْمَجُوسِ تَشْبِيهٌ فِي طَهَارَتِهَا بِالْغَلْيِ لَا فِي الْخِلَافِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوقَدَ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ عَلَى طُوبٍ، أَوْ حِجَارَةٍ فَقَالَ: ظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ اسْتِعْمَالُ الطُّوبِ وَالْجِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَطَهَارَتُهُ إذَا لَمْ يَخُصَّهُ فِي شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ مَا طُبِخَ بِهِ فَخَّارٌ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ يَقُولُ إنْ طُبِخَتْ الْقِلَالُ وَالْجِرَارُ وَهِيَ يَابِسَةٌ فَهِيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ طُبِخَتْ رَطْبَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ وَقَالَ بَعْدَهُ قَالَ: مِثْلُهُ الْآجُرُّ قَالَ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خُبْثُهُ مُطْلَقًا انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الشَّهْبَاءِ وَهِيَ رَمَادُ النَّجَاسَةِ يُخْلَطُ مَعَ الْجِيرِ وَالتُّرَابِ وَيُبْنَى فِيهِ بَيْتُ الْمَاءِ أَيْ مَخَازِنُهُ مِثْلُ الْبِئْرِ وَالْمَاجِلِ وَالْخَابِيَةِ وَطُهْرُهَا أَنَّهُ إذَا رَفَعَ مِنْ الْآبَارِ أَعْلَاهَا وَغَسَلَ ظَاهِرَ الْخَوَابِي وَنَحْوَهَا أَنَّهَا تَطْهُر وَذَلِكَ أَنَّهُ رَآهَا مُتَنَجِّسَةً يُخْلَطُ النَّجِسُ مَعَ غَيْرِهِ فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، أَوْ النَّزَحِ وَأَنَّ الشَّهْبَاءَ رَمَادُ النَّجَاسَةِ وَفِيهِ خِلَافٌ فَيُرَاعَى لِلضَّرُورَةِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَنَقَلَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي رَمَادِ نَجِسٍ يُجْعَلُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ يَمْنَعُ الْقَطْرَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَقْطُرُ نَجِسٌ ثُمَّ يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَاءِ وَأَنَّهُ صَارَ رَمَادًا وَفِيهِ خِلَافٌ فَيُغْتَفَرُ لِلضَّرُورَةِ وَالدَّوَامِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ مَنَعَ أَنْ يُوقَدَ مِنْهَا عَلَى طَعَامٍ، أَوْ مَاءٍ وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْآجُرِّ وَالْحِجَارَةِ وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْلُصَ بِهَا الْفِضَّةُ وَالْجَارِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الشَّامِلِ فِي الْفَخَّارِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِ نَجَاسَةُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَوْلٍ وَعَذِرَةٍ مِنْ آدَمِيٍّ)
ش: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّ الظَّاهِرَ طَهَارَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ لِإِقْرَارِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَارِبَةَ بَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُغْنِي حِمَارُ الْوَحْشِ إذَا دَجَنَ لَمْ يُؤْكَلْ عِنْد مَالِكٍ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي حُكْمُ بَوْلِهِ انْتَهَى.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ نَجِسًا وَيُخْتَلَفُ فِي حُكْمِ بَوْلِهِ بِتَوَحُّشِهِ وَتَأَنُّسِهِ.
[فَرْعٌ بَوْلُ الْوَطْوَاطِ وَبَعْرُهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ بَوْلُ الْوَطْوَاطِ وَبَعْرُهُ نَجِسَانِ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِنَجَاسَةِ غِذَائِهِ وَبَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطِّيَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلِدُ وَلَا يَبِيضُ فَهُوَ كَفَأْرَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْوَجِيزِ لِابْنِ غَلَّابٍ إلْحَاقُ الْوَطْوَاطِ بِالْفَأْرِ فِي اللَّحْمِ وَالْبَوْلِ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَالْوَطْوَاطِ وَبَعْرُهُمَا نَجِسٌ انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُغْسَلُ مَا أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَحَمَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْوُجُوبِ قَائِلًا؛ لِأَنَّ بَوْلَهَا نَجِسٌ وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِي الْفَأْرِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ قَالَ وَفِي مَجْهُولِ الْجَلَّابِ أَنَّ الْمَشْهُورَ التَّحْرِيمُ وَذَكَرَ عَنْ سَنَدٍ أَنَّ بَوْلَ الْفَأْرِ مَكْرُوهٌ انْتَهَى.
وَكَذَا نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ بَوْلَ الْهِرِّ وَالْفَأْرِ وَالطَّعَامَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ تَحْرِيمهَا فَبَوْلُهَا نَجِسٌ، وَكَذَا الْوَطْوَاطُ وَالْهِرُّ وَمَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ نَجِسٌ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا.
ص (وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ) ش: يَعْنِي أَنَّ الطَّعَامَ الْمَائِعَ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ
كَثِيرًا كَالزِّيرِ وَالْجُبِّ وَسَوَاءٌ حَصَلَ فِيهِ تَغَيُّرٌ أَمْ لَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ أَنَّ الْمَاءَ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ الطَّعَامُ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَهُوَ فِي غَايَةِ الشُّذُوذِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَجَاسَةِ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَسِ الْقَلِيلِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَوَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ نَجَاسَةِ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ الْمَائِعِ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ تَقَعُ فِيهِ الْقَطْرَةُ مِنْ الْبَوْلِ أَوْ الْخَمْرِ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُنَجِّسُهُ وَالطَّعَامُ وَالْوَدَكُ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فَفَهِمَهَا الْبَاجِيّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْخِلَافِ لِلْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ وَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْوَدَكِ لَا تُؤَثِّر فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ قَالَ: وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا أَيْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا يَتَغَيَّرُ بَعْضُ أَوْصَافِهِ فَيَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ وَيَنْضَافُ بِالطَّعَامِ قَائِلًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ يَسِيرَ النَّجَاسَةِ لَا يُنَجِّسُ الطَّعَامَ إلَّا دَاوُد.
وَمَنْ شَذَّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَ الْأُصُولَ قَالَ وَقَدْ سُئِلَ عُلَمَاءُ الْبِيرَةِ عَنْ فَأْرَةٍ طُحِنَتْ مَعَ قَمْحٍ فِي رَحَا الْمَاءِ فَقَالَ يُغَرْبَلُ الدَّقِيقُ وَيُؤْكَلُ فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَمْرٍ فَقَالَ عَلَيْهِمْ بِحِرْزِ الْعُجُولِ لَا يُؤْكَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنَّمَا غَلَّطَ عُلَمَاءُ الْبِيرَةِ مَنْ حَمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْعَجَبُ مِنْ الْقَرَافِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ اقْتَصَرَ فِي ذَخِيرَتِهِ عَلَى رِوَايَةِ الْعُتْبِيَّةِ هَذِهِ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهَا، وَقَدْ اسْتَبْعَدَ الْبِسَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَأْوِيلَ ابْنِ رُشْدٍ لِلرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهَا عَلَى الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّخْفِيف فِيمَا اخْتَلَفَ فِي نَجَاسَته]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ الدَّوَابِّ تَدْرُسُ الزَّرْعَ فَتَبُولُ فِيهِ فَخَفَّفَهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يُعْفَى عَنْ بَوْلِ فَرَسِ الْغَازِي بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنَّمَا خُفِّفَ ذَلِكَ مَعَ الضَّرُورَةِ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهَا، وَأَمَّا مَا لَا اخْتِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا يُخَفَّفُ مَعَ الضَّرُورَةِ وَعَدَّهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ فِي الْمَعْفُوَّاتِ.
[فَرْعٌ وَقَوْع الْقَمْلَةُ فِي الدَّقِيقِ أَوْ غَيْر ذَلِكَ]
(فَرْعٌ) ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سَالِمٍ الْكِنْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا وَقَعَتْ الْقَمْلَةُ فِي الدَّقِيقِ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ الْغِرْبَالِ لَمْ يُؤْكَلْ الْخُبْزُ، وَإِنْ مَاتَتْ فِي شَيْءٍ جَامِدٍ طُرِحَتْ كَالْفَأْرَةِ وَقَالَهُ غَيْرُهُ فِي الْبُرْغُوثِ أَيْضًا وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا أَيْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هَلْ يَنْجُسَانِ بِالْمَوْتِ أَمْ لَا ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا الْفَرْقُ إذَا كَثُرَ الْعَجِينُ؛ لِأَنَّ الْقَمْلَةَ لَا تَنْمَاعُ فِي جُمْلَةِ الْعَجِينِ فَتُنَجِّسَهُ وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِمَوْضِعِهَا مِنْهُ فَإِنَّمَا تُحَرِّمُ الْقَمْلَةُ اللُّقْمَةَ الَّتِي هِيَ فِيهَا فَلَمَّا لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْنِهَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَحْرُمَ الْيَسِيرُ مِنْهُ إذَا كَثُرَ كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ أُخْتًا بِبَلْدَةٍ مِنْ الْبِلَادِ لَا يَعْرِفُ عَيْنَهَا لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ نِسَاءِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ بِخِلَافِ اخْتِلَاطِهَا بِالْعَدَدِ الْيَسِيرِ فَإِذَا خَفَّفْنَا تَنَاوُلَ شَيْءٍ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْقَمْلَةُ فِيمَا بَقِيَ خَفَّفْنَا تَنَاوُلَ الْبَقِيَّةِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْقَمْلَةِ فِيمَا تَنَاوَلَهُ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَرَوْثِ الْفَأْرَةِ فَيُعْفَى عَنْهُ وَمَا لَا يَعْسُرُ كَبَوْلِ ابْنِ آدَمَ فَيُنَجِّسُ لِمَا بَعْدُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَكْلِ طَعَامٍ طُبِخَ فِيهِ رَوْثُ الْفَأْرَةِ وَفِي السُّؤَالِ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ وَرَوْثُهَا غَالِبٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فَفَتْوَاهُ إمَّا لِلضَّرُورَةِ كَمَسْأَلَةِ سَحْنُونٍ فِي الزَّرْعِ، أَوْ لِلْخِلَافِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي بَوْلِهَا وَفِي الطَّعَامِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ.
[فَرْعٌ وُقُوع النَّجَاسَةُ الْقَلِيلَةُ فِي الطَّعَامِ]
. (فَرْعٌ) إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الْقَلِيلَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الطَّعَامِ مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ كَالدَّمِ الْقَلِيلِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ هَلْ يُعْفَى عَنْهَا فِي الطَّعَامِ، أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْعَفْوِ كَمَا سَيَأْتِي وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَدُونَ دِرْهَمٍ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ اُخْتُلِفَ فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ هَلْ يُغْتَفَرُ مُطْلَقًا عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَائِعِ الطَّاهِرِ وَاغْتِفَارٌ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَقْطَعُ لِأَجَلِهِ إذَا ذَكَرَهُ وَلَا يُعِيدُ، وَأَمَّا قَبْلُ فَيُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ قَالَ: الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهُوَ
مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَعَزَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ لِابْنِ حَبِيبٍ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَهُوَ ظَاهِرُ خِلَافِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الصَّلَاةِ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُلَاقِيَ النَّجَاسَةُ مَائِعًا كَاللَّبَنِ، أَوْ جَامِدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَائِعًا كَالدَّقِيقِ يُعْجَنُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا اخْتَلَطَ نَجَسٌ بِأَشْيَاءَ طَاهِرَةٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَائِعَةٍ وَلَمْ يُعْلَمْ النَّجَسُ أَنَّهُ لَا يُطْرَحُ الْجَمِيعُ لِأَجَلِ الشَّكِّ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ تُفَّاحَةٌ نَجِسَةٌ، أَوْ رُطَبَةٌ، أَوْ نَحْوُهَا بِكَوْمِ تُفَّاحٍ، أَوْ رُطَبٍ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: " وَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّ نَجَاسَةً أَصَابَتْ ثَوْبَهُ لَا يَدْرِي مَوْضِعَهَا غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ عَلِمَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ غَسَلَهَا " قَالُوا: يَقُومُ مِنْهَا إذَا وَقَعَتْ قِطْعَةٌ مِنْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ فِي كُدْسِ لَحْمٍ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ تَرَكَهَا وَأَكَلَ مَا بَقِيَ، وَإِلَّا طَرَحَ كُلَّهُ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَا كَانَ كَثِيرًا جِدًّا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَا لَاقَاهُ نَجَسٌ لَا يَتَحَلَّلُ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِلطَّعَامِ بِمَا ذَكَرَ كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ بَلْ هُوَ حُكْمُ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ حَتَّى الْمَاءِ الْمُضَافِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَثِيرُ طَعَامٍ إنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ سُقُوط الْفَأْرَة فِي السَّمْن أَوْ الزَّيْت]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَارِثٍ: وَإِنْ عُلِمَ، أَوْ ظُنَّ أَنَّ السَّمْنَ، أَوْ الزَّيْتَ إنَّمَا جَمَدَ بَعْدَ سُقُوطِ الْفَأْرَةِ فِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الذَّائِبِ يَبْقَى جَمِيعُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " وَيَنْجُسُ كَثِيرُ طَعَامٍ مَائِعٍ بِنَجَسٍ قَلَّ " مَا مَاتَ فِيهِ حَيَوَانٌ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا أَوْ صُبَّ عَلَى حَيَوَانٍ مَيِّتٍ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ سَنَدٌ إذَا قُلْنَا: يُطْرَحُ الْمَائِعُ جَمِيعُهُ فَهَلْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ تَمُوتَ فِيهِ، أَوْ تَسْقُطَ فِيهِ مَيْتَةٌ؟ فَفِي النَّوَادِرِ لِسَحْنُونٍ فِي زَيْتٍ وَجَدَ فِيهِ فَأْرَةً يَابِسَةً أَنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ، وَيُبْسُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ صَبُّوا عَلَيْهَا الزَّيْتَ وَهِيَ يَابِسَةٌ وَلَمْ تَمُتْ فِيهِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ النَّجَاسَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَجْهَهُ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ يُبْسُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ صَبُّوا عَلَيْهَا الزَّيْتَ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الزَّيْتَ يُرَطِّبُهَا، أَوْ كَانَتْ مَاتَتْ فِيهِ بَلْ الزَّيْتُ يَدْبَغُ وَيَمُصُّ الرُّطُوبَاتِ وَلَكِنْ لَمَّا صُبَّ وُجِدَتْ الْفَأْرَةُ جَافَّةً فِي زَمَنٍ وَلَمْ يَطُلْ مُقَامُهَا فِي الزَّيْتِ حَتَّى تُمَصَّ فَدَلَّ جَفَافُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى صَبِّ الزَّيْتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ النَّيْسَابُورِيُّ عَمَّنْ بَاعَ زَيْتًا فَاكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَقْفِزَةٍ فَجَاءَ الْمُشْتَرِي يُفَرِّغُهُ فِي وِعَائِهِ وَالْبَائِعُ فَوَجَدَ فَأْرًا مَيِّتًا، فَأَجَابَ إنْ كَانَ يَعْرِفُ الزَّيَّاتُونَ مَا صُبَّ عَلَيْهِ الزَّيْتُ مِمَّا وَقَعَ فِي الزَّيْتِ وَكَانُوا يُمَيِّزُونَ ذَلِكَ وَلَا يَخْتَلِطُ بِمَا صُبَّ عَلَيْهِ يُبَاعُ وَيُبَيَّنُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ غُسِلَ لَكِنَّ مَنْ أَرَادَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ، أَوْ مَلَكَهُ أَنْ يَسْتَصْبِحَ بِهِ فَلْيَفْعَلْ وَيَتَحَفَّظْ مِنْهُ لِئَلَّا يُصِيبَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُنَجِّسَهُ، وَلَا يُوقِدُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ يُبَاعُ وَيُبَيَّنُ، وَيَقْرُبُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِمَّا إذَا وُجِدَ الْفَأْرُ يَابِسًا أَنَّ مَالِكًا وَسَحْنُونًا خَفَّفَاهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَفِي قَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي كَثِيرِ الطَّعَامِ الْمَائِعِ قَوْلَانِ " مَا نَصُّهُ: الْمَشْهُورُ نَجِسٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا مَاتَتْ فِيهِ دَابَّةٌ مِنْ عَسَلٍ ذَائِبٍ لِإِطْلَاقِهِ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُبَاعُ دُونَ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِ قَلِيلًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ فَرَّغَ عَشْرَ جِرَارِ سَمْنٍ فِي سِتِّينَ زِقًّا ثُمَّ وَجَدَ فِي جَرَّةٍ مِنْهَا فَأْرَةً يَابِسَةً لَا يَدْرِي فِي أَيْ الزِّقَاقِ فَرَّغَهَا أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَكْلُ جَمِيعِهَا وَبَيْعُهُ.
وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ سَمْنٌ مَائِعٌ وَزَيْتٌ وَخَلٌّ وَنَحْوُهُ يَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى نَجَاسَةِ السَّمْنِ الذَّائِبِ وَشِبْهِهِ قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، أَوْ وَقَعَتْ مَيِّتَةً قَالَ وَشَذَّ قَوْمٌ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فَجَعَلُوا الْمَائِعَ كُلَّهُ كَالْمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ
مَالِكًا قَالَ إذَا أُخْرِجَتْ الْفَارَّةُ مِنْ الزَّيْتِ حِينَ مَاتَتْ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُج مِنْهَا شَيْءٌ فِيهِ لَكِنِّي أَخَافُ فَلَا أُحِبُّ أَكْلَهُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي زَيْتٍ وُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ يَابِسَةٌ ذَلِكَ خَفِيفٌ؛ لِأَنَّ يُبْسَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ فِيهِ وَإِنَّمَا صُبَّ عَلَيْهَا وَهِيَ يَابِسَةٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا حُكِيَ عَلَى طُولِ مُقَامِهَا فِي الْحَالَيْنِ وَلَا اعْتِرَاضَ بِقَوْلِ سَحْنُونٍ عَلَى هَذَا لِدَلَالَةِ يُبْسِهَا عَلَى مَوْتِهَا قَبْلَ صَبِّهِ لِامْتِنَاعِ يُبْسِهَا مَعَ مَوْتِهَا فِيهِ وَعَلَى أَنَّهَا أُخْرِجَتْ بِقُرْبِ صَبِّهِ وَإِلَّا امْتَنَعَ كَوْنُهَا يَابِسَةً، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْعُلَمَاءِ مَنْ لَيْسَ بِمُقَلَّدٍ فَلَا اعْتِرَاضَ بِقَوْلِهِ وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ بِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ الَّذِي يَأْتِي انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ يَعْنِي مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ يَعْنِي مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْمُنْتَقَى: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا إذَا مَاتَتْ فِيهِ وَكَانَ ذَائِبًا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا فِيهِ يُنَجِّسُهُ وَذَكَرَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا أُخْرِجَتْ حِينَ مَاتَتْ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنِّي أَخَافُ فَلَا أُحِبُّ أَكْلَهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَرَى أَنَّ لِمَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي الزَّيْتِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ مَزِيَّةً فِي تَنْجِيسِهِ.
وَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ لِمَا خَافَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فِي الزَّيْتِ وَالْقَوْلَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي طَهَارَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا يُوصَفُ بِهِمَا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيَوَانِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَشَدَّ نَجَاسَةً مِنْ الْمَيْتَةِ، وَقَدْ تَنَجَّسَ الزَّيْتُ بِمُجَاوَرَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ اللَّخْمِيُّ هَلْ يَطْهُرُ الزَّيْتُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَأَجَابَ هَذَا رَاجِعٌ إلَى صِفَةِ النَّجَاسَاتِ فَإِنْ كَانَتْ دُهْنِيَّةً فَلَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلُو عَلَى الْمَاءِ وَيَنْضَافُ لِلزَّيْتِ وَلَا يُذْهِبُهُ الْمَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ بِهِ عَكْرِيَّةً يَقَعُ فِيهَا التَّطْهِيرُ بِالْمَاءِ لِاسْتِهْلَاكِهِ إيَّاهَا كَمَا أَنَّ الدَّمَ يُنْهِكُهُ الْمَاءُ وَلَا يَعْلُو عَلَى الزَّيْتِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِيمَا يَخْرُجُ عِنْد الْمَوْتِ وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ حَتَّى انْتَفَخَ فَلَا يَصِحُّ تَطْهِيرُهُ؛ لِأَنَّ دُهْنِيَّتَهُ تَخْرُجُ حِينَئِذٍ وَبِهَذَا أَخَذَ، فَإِنْ كَانَ زَمَنَ مَسْغَبَةٍ جَازَ أَكْلُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَازَ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ وَلَا بَيْعٍ وَأَجَابَ الصَّائِغُ بِأَنَّ غَسْلَ الزَّيْتِ لَا أَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَسْلِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَلَا تَزُولُ مِنْ الزَّيْتِ لِمُخَالَطَتِهَا لَهُ وَلِمُحَاوَرَتِهَا إيَّاهُ وَعَدَمِ ذَهَابِهَا وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُ الزَّيْتِ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ رِيحُهُ فَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ وَيُرَاقُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَجَازَ اسْتِعْمَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهُ مَعَ الْغَسْلِ وَبَعْضُهُمْ اجْتَنَبَهُ أَصْلًا وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُبَيَّنَ لِعَيْبِهِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْمَشْهُورُ اجْتِنَابُهُ أَصْلًا، وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي عَلَى أَصْلِ الْمُحَقِّقِينَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ، وَتَطْهِيرُهُ عِنْدَهُمْ أَحْسَنُ وَالِاحْتِيَاطُ أَفْضَلُ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكُ» انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ إنْ مَاتَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ، أَوْ صُبَّ عَلَيْهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَقْوَالٌ: قِيلَ: إنَّهُ لَا يَنْجُسُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلٍ كَمَا حَكَاهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ شِبْهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْإِمَامِ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ وَابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْجِبَابِ تَكُونُ فِي الشَّامِ لِلزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَيْسَ الزَّيْتُ كَالْمَاءِ وَبِذَلِكَ سَمِعْتُ انْتَهَى.
وَجَعَلُوهُ هُوَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقِيلَ: إنَّهُ إذَا صُبَّ عَلَى الْمَيْتَةِ لَا يَنْجُسُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَحْنُونٍ لَكِنْ يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الطِّرَازِ وَابْنِ الْإِمَامِ أَنَّهُمَا تَأَوَّلَاهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَطُلْ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ فَرْحُونٍ وَصَاحِبَ الْجَمْعِ حَكَيَا أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الزَّيْتِ مَيِّتَةً وَأُخْرِجَتْ مَكَانَهَا لَمْ تُنَجِّسْ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقِيلَ: إنَّهُ نَجِسٌ وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، وَقِيلَ: إنْ وَقَعَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً قَبِلَ التَّطْهِيرَ، وَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ يَقْبَلْ التَّطْهِيرَ
وَقِيلَ: إنْ كَانَ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا طُرِحَ، وَالْمَشْهُورُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَمُقْتَضَى فَتْوَى الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ إنْ صُبَّ عَلَى الْمَيْتَةِ فَيُبَاعُ وَيُبَيَّنُ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ وَفِي أَوَّلِ سَمَاعِ الشَّجَرَةِ تُطْعِمُ بَطْنَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَإِنْ بُيِّنَ، قَالَ هُوَ الْمَنْصُوصُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ حَاشَا ابْنَ وَهْبٍ.
وَالثَّانِي جَوَازُ بَيْعِهِ إنْ بُيِّنَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وُجُود فَأْرَة ميتة فِي زير مِنْ أزيار زَيْت]
(فَرْعٌ) إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي أَزْيَارِ زَيْتٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْأُولَى فَأْرَةً مَيِّتَةً فَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ أَنَّ الثَّلَاثَ الْقِلَالَ الْأُولَى نَجِسَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَفِي الرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُ قَوْلَانِ فَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ مِائَةً وَذَكَرَ ابْنُ مُحْرِزٍ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ أَصْبَغُ هِيَ طَاهِرَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَةَ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ مَا إذَا زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَعَلَى ذَلِكَ أَجْرَيْتُ مَسْأَلَةً عِنْدَنَا وَهِيَ أَنَّ الْكَيَّالَ اكْتَالَ جَرَّةً وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا ثُمَّ كَالَ بَعْدَهَا أَجْرَارًا وَظُرُوفًا أُخْرَى ثُمَّ فُرِّغَتْ الْأُولَى فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً فَوَقَعَتْ الْفَتْوَى أَنَّ مَا قَرَبَ مِنْ الْأُولَى نَجِسٌ لِبَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِي الْمِكْيَالِ، وَمَا بَعُدَ عَنْ الْأُولَى يُبَاعُ بَعْدَ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْمِكْيَالِ إلَّا حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا عَنْ ابْنِ الْحَارِثِ الطَّهَارَةُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ ".
ص (كَجَامِدٍ إنْ طَالَ وَأَمْكَنَ السَّرَيَانُ وَإِلَّا فَبِحَسْبِهِ)
ش: يَعْنِي أَنْ الطَّعَامَ الْجَامِدَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَأَمْكَنَ سَرَيَانُهَا فِيهِ جَمِيعِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِسًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَرَيَانُهَا فِي جَمِيعِهِ فَيَنْجُسُ مِنْهُ بِحَسَبِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ طَالَ وَأَمْكَنَ السَّرَيَانُ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: الْجَامِدُ الَّذِي إذَا أُخِذَ جُزْءٌ لَمْ يَتَرَادَّ مِنْ الْبَاقِي مَا يَمْلَأُ مَوْضِعَهُ عَنْ قُرْبٍ، وَإِنْ تَرَادَّ فَهُوَ مَائِعٌ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ صَابُونٍ لَا سَائِلٍ وَلَا جَامِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ هَلْ يُغْسَلُ بِهِ فَقَالَ إنْ كَانَ يَمِيلُ إلَى الْجُمُودِ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا وَإِلَى الِانْحِلَالِ غُسِلَ بِهِ ثُمَّ يُطَهَّرُ الثَّوْبُ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ، أَوْ مَيْتَةٌ، أَوْ تَمُوتَ فِيهِ دَابَّةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا وَقَعَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً فَإِنَّهَا تُطْرَحُ وَحْدَهَا.
[فَرْعٌ هَرْيِ زَيْتُونٍ وُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: أَفْتَى شَيْخُنَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَرْيِ زَيْتُونٍ وُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ فَإِنَّهُ نَجِسٌ كُلُّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ قَالَ وَكَانَ يَتَقَدَّمُ لَنَا أَنَّ الصَّوَابَ فِي كُلِّ مَا وُجِدَ فَوْقَ الْفَأْرِ مِنْ الْهَرْيِ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَمَا تَحْتَهُ أَنَّهُ يُلْقَى وَمَا حَوْلَهُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي رَأْسِ مُطْمَرٍ خِنْزِيرٌ وَنَحْوُهُ أُلْقِيَ وَمَا حَوْلَهُ وَأُكِلَ مَا بَقِيَ وَلَوْ تَشَرَّبَتْ الْمَطْمُورَةُ وَأَقَامَتْ مُدَّةً كَثِيرَةً مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهَا تُسْقَى مِنْ صَدِيدِهَا لَمْ تُؤْكَلْ، وَذَكَرَ عَنْ أَحْكَامِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ يُطْرَحُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَالَ وَهُوَ إغْرَاقٌ وَمُخَالِفٌ لِفَتْوَى ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَفَتْوَى ابْنِ عَرَفَةَ أَغْرُبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزَّيْتُونَ لَيْسَ بِجَافٍّ كُلَّ الْجَفَافِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ فِي زِيرِ تَمْرٍ وَجَدَ فِيهِ وَزَغَةٌ مَيِّتَةً أَنَّهَا تُلْقَى وَمَا حَوْلَهَا وَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مَوْتَهَا فِي مَوْضِعِهَا حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَإِنْ غُسِلَ كَانَ أَحْسَنَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ أَتَاهُمْ مِنْ الْفَأْرِ فِي وَقْتِ الدِّرَاسِ مَا لَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَإِذَا دَرَسُوا فَلْيَتَّقُوا مَا رَأَوْا فِيهِ جَسَدَ الْفَأْرَةِ وَمَا رَأَوْا فِيهِ دِمَاءً عَزَلُوهُ وَحَرَثُوهُ وَأَكَلُوا مَا سِوَى ذَلِكَ وَلَهُمْ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا بِالْبَرَاءَةِ أَنَّهُ دُرِسَ فِيهِ فَأْرَةٌ وَيُخْرِجُونَ زَكَاتَهُ مِنْهُ وَلَا يُخْرِجُونَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمَا كَانَ فِيهِ الدَّمُ ظَاهِرًا لَا يُبَاعُ وَلَكِنْ يُحْرَثُ.
[فَرْعٌ وُقُوع نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي غَسْلِ جَامِدٍ وَنَحْوِهِ]
(فَرْعٌ) لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْجَامِدِ مَائِعَةً، أَوْ غَيْرَ مَائِعَةٍ فِي أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى إمْكَانِ السَّرَيَانِ
قَالَ فَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي غَسْلِ جَامِدٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ أُدْرِكَتْ فِي حَالِ وُقُوعِهَا فَنُزِعَتْ وَمَا حَوْلَهَا لَمْ يَكُنْ بِبَاقِيهِ بَأْسٌ كَالْقَطْرَةِ مِنْ الدَّمِ تَقَعُ فِي اللَّبَنِ الْجَامِدِ فَتُرْفَعُ بِمَا حَوْلَهَا وَيُتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَثَرٌ، وَإِنْ طَالَ حَبِينُهَا حَتَّى سَرَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ كُلِّهِ طُرِحَ وَلَمْ يُؤْكَلْ، وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَائِعِ مَائِعَةً، أَوْ يَابِسَةً فَفِي الْبُرْزُلِيِّ عَنْ مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ إذَا وَقَعَتْ رِيشَةُ غَيْرِ الْمُذَكَّى فِي طَعَامٍ مَائِعٍ طُرِحَ.
[فَرْعٌ وَقَعَتْ دَابَّة فِي طَعَام وَأُخْرِجَتْ حَيَّةً]
(فَرْعٌ) إذَا وَقَعَتْ الدَّابَّةُ وَأُخْرِجَتْ حَيَّةً لَمْ تُفْسِدْ الطَّعَامَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَلَى جَسَدِهَا نَجَاسَةً فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَوْ كَانَ الْغَالِبُ مُخَالَطَتَهَا لِلنَّجَاسَةِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ مِنْ الْبَيَانِ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ نُمَيْرٍ فِي قَصْرِيَّةِ شَرَابِ فُقَاعٍ وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ فَأُخْرِجَتْ حَيَّةً إنَّهُ يُرَاقُ هُوَ بَعِيدٌ وَشُذُوذٌ لَا وَجْهَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ: إنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ طُرِحَ مِنْ الْجَامِدِ بِحَسَبِ مَا سَرَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ]
(فَرْعٌ) إذَا طُرِحَ مِنْ الْجَامِدِ بِحَسَبِ مَا سَرَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَإِنَّ الْبَاقِيَ طَاهِرٌ يُؤْكَلُ وَيُبَاعُ لَكِنْ قَالَ الْجُزُولِيُّ: يُبَيَّنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تُقَذِّرُهُ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِمْ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا أَيْ وَمَا قَارَبَهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا الْتَفَّ عَلَيْهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا إذَا طُرِحَتْ وَحْدَهَا لَا تُطْرَحُ إلَّا بِمَا يَلْتَفُّ عَلَيْهَا قَالَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الطِّرَازِ.
ص (وَلَا يَطْهُرُ زَيْتٌ خُولِطَ وَلَحْمٌ طُبِخَ وَزَيْتُونٌ مُلِّحَ وَبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجَسٍ وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الطَّعَامَ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فَأَخَذَ يُبَيِّنُ مَا لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ وَقَوْلُهُ بِنَجَسٍ مُتَعَلِّقٌ بِصُلِقَ وَيُقَدَّرُ ضَمِيرٌ فِيمَا قَبْلَهُ، وَتَنَازُعُ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ عَوَامِلَ نَفَاهُ أَبُو حَيَّانَ وَابْنُ هِشَامٍ وَذَكَرَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ إثْبَاتَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَالْمُصَنَّفُ يَسْتَعْمِلُهُ وَقَوْلُهُ زَيْتٌ لَا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الزَّيْتِ بَلْ.
وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَدْهَانِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعُلِمَ أَنَّ غَيْرَ الْأَدْهَانِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَاللَّبَنِ
وَالْمَرَقِ أَوْلَى بِعَدَمِ قَبُولِ التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَدْهَانِ هَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَدْهَانَ يُخَالِطُهَا الْمَاءُ ثُمَّ يَنْفَصِلُ عَنْهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُمَازِجُهَا جَمِيعَهَا وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَطْهِيرِ الزَّيْتِ الْمَخْلُوطِ بِالنَّجَسِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: أَمَّا زَيْتٌ خُلِطَ بِنَجَسٍ فَفِي تَطْهِيرِهِ بِطَبْخِهِ بِمَاءٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
ثَالِثُهَا إنْ كَثُرَ.
وَرَابِعُهَا إنْ تَنَجَّسَ بِمَا مَاتَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَا بِمَوْتِهَا فِي الزَّيْتِ، فَالْأَوَّلُ لِسَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَفُتْيَا ابْنِ اللَّبَّادِ، وَالثَّانِي لِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّالِثُ لِأَصْبَغَ، وَالرَّابِعُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّ النَّجَاسَةَ إنْ كَانَتْ دُهْنِيَّةً فَلَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ لَكِنْ إنْ كَانَ زَمَنَ مَسْغَبَةٍ جَازَ أَكْلُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْغَبَةٌ اُنْتُفِعَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ قَوْلًا رَابِعًا، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَحِلِّ الْخِلَافِ، فَإِنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ دُهْنِيَّةً فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ لِمُمَازَجَتِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ يَأْكُلُهُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَلَعَلَّهُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الطَّعَامَ لَا يَنْجُسُ بِمَا خَالَطَهُ إلَّا إذَا غَيَّرَهُ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ الْبُرْزُلِيُّ وَذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الزَّيْتَ لَا يَطْهُرُ وَبِذَلِكَ أَفْتَى الصَّائِغُ وَالْمَازِرِيُّ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ أَنَّهُ يُطْبَخُ بِالْمَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَيْفِيَّتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَنْ يُؤْخَذَ إنَاءٌ فَيُوضَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتِ وَيُوضَعَ عَلَيْهِ مَاءٌ أَكْثَرُ مِنْهُ وَيَنْقُبَ الْإِنَاءَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَيَسُدَّهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ يَمْخُضَ الْإِنَاءَ ثُمَّ يَفْتَحَ الْإِنَاءَ فَيَنْزِلَ الْمَاءُ وَيَبْقَى الزَّيْتُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَاءُ صَافِيًا انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ الصِّفَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَحْمٌ طُبِخَ بِنَجَسٍ " شَامِلٌ لِمَا نَجُسَ، أَوْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فِي حَالِ طَبْخِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ اللَّحْمِ مِنْ الْمَطْبُوخَاتِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَطْهِيرِ اللَّحْمِ يُطْبَخُ بِمَاءٍ نَجِسٍ، أَوْ تَقَعُ فِيهِ نَجَاسَةٌ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا إنْ وَقَعَتْ بَعْدَ طِيبِهِ، الْأَوَّلُ لِسَمَاعِ مُوسَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي لِسَمَاعِ أَشْهَبَ، وَالثَّالِثُ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وَهُوَ قُصُورٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْحَقِّ وَالصَّقَلِّيَّ نَقَلَاهُ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة انْتَهَى.
(قُلْتُ) كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ يَأْبَى ذَلِكَ اعْتِمَادُهُ فِي التَّوْضِيحِ تَشْهِيرُ ابْنِ بَشِيرٍ عَدَمُ الطَّهُورِيَّةِ فِي هَذَا الْأَصْلِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي اللَّحْمِ إذَا طُبِخَ بِمَاءٍ نَجِسٍ وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَسْأَلَةِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ طِيبِهِ بَلْ كَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّهُ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ وَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْحِسِّ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: اللَّحْمُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ بَعْدَ طَبْخِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَامِدِ مِنْ السَّمْنِ فَيُؤْكَلُ بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْمَرَقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " وَزَيْتُونٌ مُلِّحَ بِنَجِسٍ " بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ جُعِلَ فِيهِ مِلْحٌ نَجِسٌ إمَّا وَحْدَهُ وَإِمَّا مِلْحٌ مَعَ مَاءٍ نَجِسٍ وَمِثْلُهُ فِي الْجُبْنِ وَاللَّيْمُونِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الزَّيْتِ النَّجِسِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ التَّطْهِيرِ، وَمِنْهُ الزَّيْتُونُ يُمَلَّحُ بِمَاءٍ نَجِسٍ هَلْ يَطْهُرُ بِعَرْضِهِ عَلَى مَاءٍ طَاهِرٍ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَأَمَّا زَيْتُونٌ مُلِّحَ بِمَاءٍ نَجِسٍ فَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اللَّحْمِ وَرَأَى إسْمَاعِيلُ طَرْحَهُ لِسُقُوطِ فَأْرَةٍ فِيهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ تَنَجَّسَ زَيْتُونٌ قَبْلَ طِيبِهِ طُرِحَ وَبَعْدَهُ غُسِلَ وَأُكِلَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ عَنْ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ فِي صِفَةِ تَطْهِيرِ الْمِلْحِ وَالْمَطْبُوخِ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ بَعْد نُضْجِهِ وَطَبْخِهِ أَنَّهُ يُغْسَلُ أَوَّلًا بِمَاءٍ حَارٍّ ثُمَّ ثَانِيَةً بِمَاءٍ بَارِدٍ ثُمَّ ثَالِثَةً بِحَارٍّ ثُمَّ رَابِعَةً بِبَارِدٍ وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ لِغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " وَبَيْضٌ صُلِقَ بِنَجِسٍ " يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا وَقَعَ فِي سَمَاع يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا فِي الْبَيْضِ يُسْلَقُ فَيُوجَدُ فِي إحْدَاهُنَّ فَرْخٌ إنْ
أَكَلَهُنَّ كُلَّهُنَّ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَسْقِي بَعْضًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ صَحِيحٌ وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِسَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَلَيْسَتْ فِيهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِالنَّجِسِ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ قِشْرِ الْبَيْضِ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ النَّجَاسَةِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَيُلَاحِظُ هَذَا الْمَعْنَى.
الْخِلَافُ فِي الْبَيْضِ الطَّاهِرِ يُسْلَقُ مَعَ النَّجِسِ هَلْ يَنْجُسُ ذَلِكَ الطَّاهِرُ أَمْ لَا؟ وَهُوَ خِلَافٌ يَرْجِعُ إلَى الْحِسِّ، وَوَجْهٌ آخِرُ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْ النَّجِسِ شَيْءٌ يَدْخُلُ فِي مَسَامِّ الطَّاهِرِ فَيُنَجِّسَهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِلَّخْمِيِّ وَنَصَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ لَا تُؤْكَلُ بَيْضَةٌ طُبِخَتْ مَعَ أُخْرَى فِيهَا فَرْخٌ لِسَقْيِهَا إيَّاهَا اللَّخْمِيّ إثْرَ ذِكْرِهِ رِوَايَتَيْ تَطْهِيرِ لَحْمٍ طُبِخَ بِمَاءٍ نَجِسٍ، وَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ تُؤْكَلُ السَّلِيمَةُ وَصَوَّبَهُ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الْبَيْضِ لَا يَنْفُذُهُ مَائِعٌ انْتَهَى.
وَاعْتَرَضَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي جَمْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا هَلْ يَنْجُسُ أَمْ لَا؟ وَالْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهَا هَلْ يَطْهُرُ أَمْ لَا؟ .
(قُلْتُ) وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَنْجُسُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي السَّمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ لَا يَصْلُحُ أَكْلُهُنَّ وَلَوْ كَانَ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ لَقَالَ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا: إنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ مُوسَى: " إنَّ اللَّحْمَ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ "، فَتَأَمَّلْهُ.
وَصَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى السُّوقِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ أُلْقِيَتْ بَيْضَةٌ فِي مَاءٍ نَجِسٍ بَارِدٍ، أَوْ دَمٍ، أَوْ بَوْلٍ فَإِنَّهَا تُغْسَلُ وَتُؤْكَلُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ.
وَقَوْلُهُ: " وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ " صِفَةٌ لِمَحْذُوفِ أَيْ يُنَجِّسُ غَوَّاصٌ وَالْغَوَّاصُ الْكَثِيرُ النُّفُوذِ وَالدُّخُولِ فِي أَجْزَاءِ الْإِنَاءِ كَالْخَمْرِ وَالْخَلِّ النَّجِسِ وَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ وَفُهِمَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْغَوَّاصِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ النَّجِسُ غَوَّاصًا لَمَا أَثَّرَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْن هَارُونَ وَعِنْدِي أَنَّ الْفَخَّارَ إذَا كَانَ مَطْلِيًّا طَهُرَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي غَسْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْلِيًّا لَمْ يَطْهُرْ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ وَقَبِلَهُ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَاحْتَرَزَ بِالْفَخَّارِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَدْهُونَةِ كَالصِّينِيِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَاَلَّتِي لَا تَقْبَلُ ذَلِكَ كَالنُّحَاسِ وَالزُّجَاجِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يَكُونَ النَّجَسُ أَقَامَ فِي الْإِنَاءِ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ سَرَتْ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي جِرَارِ الْخَمْرِ هَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا أَمْ لَا؟ وَأَمَّا إذَا أَصَابَتْ نَجَاسَةٌ إنَاءَ فَخَّارٍ وَأُزِيلَتْ مِنْهُ فِي الْحَالِ وَغُسِلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَطْهُرُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَأَمَّا فَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ فَحَكَى الْبَاجِيُّ فِي تَطْهِيرِ آنِيَةِ الْخَمْرِ يُطْبَخُ مَا فِيهَا رِوَايَتَيْنِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ الْإِنَاءُ مَمْلُوءً مَاءٌ وَأَصَابَتْ النَّجَاسَةُ ظَاهِرَهُ لَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ وَيَكْفِي غَسْلُ ظَاهِرِهِ، يُؤْخَذُ مِمَّا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي قُلَّةٍ مَمْلُوءَةٍ أُقْعِدَتْ عَلَى عَذِرَةٍ رَطْبَةٍ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُرَسَّبَ إلَى أَسْفَلُ انْتَهَى.
[فُرُوع مُنَاسِبَةً]
(وَلْنَذْكُرْ هُنَا فُرُوعًا مُنَاسِبَةً الْأَوَّلُ:) يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَائِعَ الَّذِي لَيْسَ بِدُهُنٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ بِلَا خِلَافٍ وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْقَوْلَ بِتَطْهِيرِ اللَّحْمِ يُطْبَخُ بِنَجِسٍ قَالَ: وَيُرَاقُ الْمَرَقُ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ عَنْ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ.
(الثَّانِي:) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ رَأَيْتُ لِابْنِ أَبِي دُلَفَ الْقَرَوِيِّ فِي تَعْلِيقِهِ فِيمَا إذَا شَوَّطَ الرَّأْسَ بِدَمِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ لِمُتَأَخِّرِي الْقَرَوِيِّينَ: فَعَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إذَا خَرَجَ اسْتَحَالَ رُجُوعُهُ عَادَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا.
وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهَا كَمَا دَخَلَتْ تَخْرُجُ بِخِلَافِ الدَّمِ لَا يُدْرَى هَلْ يَخْرُجُ أَمْ لَا؟ وَالْأَصْلُ النَّجَاسَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ شَيْخِهِ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَحْكِي عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْقَوْلِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ
فِي آخِرِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَنَصُّهُ: وَلَوْ شَوَّطَ الرَّأْسَ وَلَمْ يَغْسِلْ الْمَذْبَحَ ثُمَّ غَسَلَ بَعْدَ التَّشْوِيطِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَغْسِلْ بَعْدَ التَّشْوِيطِ، وَقَدْ تَنَاهَى فِيهِ النَّارُ بِالتَّشْوِيطِ حَتَّى إذَا ذَهَبَ الدَّمُ الَّذِي كَانَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْبَحِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَهَابِ جَمِيعِهِ بِالتَّشْوِيطِ فَلْيَجْتَنِبْ أَكْلَ مَا فِي الْمَذْبَحِ مِنْ اللَّحْمِ وَيُؤْكَلُ بَاقِيهِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) : جَعَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ مَا سُمِطَ مِنْ الْكِبَاشِ وَالدَّجَاجِ وَالرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ قَبْلَ غَسْلِ مَا بِهَا مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ مِنْ قَبِيلِ مَا طُبِخَ بِالنَّجَاسَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي فَضْلِ خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الذَّبَائِحِ إذَا ذُبِحَتْ الشَّاةُ فَسَالَ دَمُهَا وَبَقِيَ فِي الْمَذْبَحِ مَا بَقِيَ فَلَوْلَا أَنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَكَاتَفَ مِمَّا بَقِيَ فِي مَنْحَرِهَا مِنْ بَقَايَا الدَّمِ الْجَارِي لَاخْتَرْنَا أَنْ يُطْبَخَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ وَلَكِنْ لِبَقِيَّةِ مَا اتَّقَيْنَا مِنْ هَذَا نَأْمُرُ بِغَسْلِ الْمَذْبَحِ، وَإِنْ طُبِخَ ذَلِكَ وَلَمْ يُغْسَلْ فَاَلَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ أَنْ يَغْسِلَ اللَّحْمَ وَيَأْكُلَهُ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ أَنَّ دَجَاجَةً لَمْ يُغْسَلْ مَذْبَحُهَا فَسُمِطَتْ فِي مَاءٍ حَارٍّ ثُمَّ غُسِلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ طُبِخَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ شُوِيَتْ وَإِذَا كَانَ الدَّمُ فِي الدَّجَاجَةِ لَمْ يَتَعَدَّ الْمَنْحَرَ كَانَ خَفِيفًا إنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ أَثَرٌ يَتَكَاثَفُ فَنَحْنُ نَكْرَهُهُ حَتَّى يُغْسَلَ وَيُسْتَحَبُّ إنْ لَمْ يُغْسَلْ وَطُبِخَتْ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ أَنْ يُغْسَلَ اللَّحْمُ وَيُؤْكَلَ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ فِي اللُّغَةِ الْجَارِي انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسْمُوطَ أَخَفُّ مِنْ الْمَطْبُوخِ وَهُوَ الَّذِي يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْمَسْمُوطَ لَا يُتْرَكُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ بِالنَّجَاسَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَهْمَا نَجُسَ بِالْحَرَارَةِ يَنْكَمِشُ وَيَنْقَبِضُ وَيَدْفَعُ مَا فِيهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ حَتَّى يَتَأَثَّرَ وَيَبْتَدِئَ فِي النُّضْجِ فَحِينَئِذٍ يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ فَيَكُونُ قَبُولُهُ لِلتَّطْهِيرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَنَجَّسَ ظَاهِرُهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا بُلَّ فِي مَاءٍ نَجِسٍ حَبٌّ أَوْ فُولٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَتَشَرَّبَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا يَطْهُرُ كَمَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ الْفَأْرِ تَقَعُ فِي مُطْمَرٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْقَمْحِ يُبَلَّ مِنْ بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ فَهِمَ أَنَّ الْمَاءَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ كَالْمَيْتَةِ لَا يَحِلُّ مِنْهُ إلَّا مَا يَحِلُّ مِنْ الْمَيْتَةِ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ " يُشِيرُ إلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ وَلَمْ أَرَهُ تَعَالَى عَنْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْوَانُّوغِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ لَوْ أَكَلَتْ دَابَّةٌ حَبًّا وَأَلْقَتْهُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَتُهُ بَاقِيَةً بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ لَنَبَتَ فَهُوَ طَاهِرُ الْعَيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْبُتُ فَهُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَلَا إشْكَالَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي نَجَاسَتِهِ إنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةَ الْأَكْلِ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا انْتَهَى.
وَأَمَّا إذَا بُلَّ الْحَبُّ وَنَحْوُهُ وَلَمْ يَتَشَرَّبْ بِالنَّجَاسَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ وَقَدْ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ سَأَلْتُ ابْنَ عَرَفَةَ عَمَّنْ جَعَلَ دُبَّاءَ، أَوْ بَقْلًا فِي مَاءٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْمَاءِ فَأْرَةً قَالَ يَغْسِلُهُ وَيَأْكُلُهُ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ إذَا أَخْرَجَهُ بِسُرْعَةٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ جِلْدٌ، أَوْ ثَوْبٌ فَأُخْرِجَ مَكَانَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ: إنَّ الْقَمْحَ إذَا أَصَابَ ظَاهِرَهُ الدَّمُ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ وَلَيْسَ هُوَ كَالْقَمْحِ إذَا تَشَرَّبَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا وُجِدَ حُوتٌ فِي بَطْنِ طَيْرٍ مَيِّتٍ فَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصَّيْدِ: وَالصَّوَابُ جَوَازُ أَكْلِهِ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي نَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ، وَكَالْجَدْيِ يَرْضَعُ خِنْزِيرَةً، وَالطَّيْرُ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ بِحِدْثَانِ مَا أَكَلَتْهُ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ: وَفَرَّقَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ بِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي نَجَاسَةٍ أَخَفُّ مِنْ
حُصُولِهَا فِي بَطْنِ الطَّيْرِ لِسَرَيَانِ النَّجَاسَةِ فِيهِ بِالْحَرَارَةِ فَأَشْبَهَ طَبْخَ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ النَّارَ فِي الْحَرَارَةِ أَشَدُّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَتْ فِي بَطْنِ خِنْزِيرٍ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّحْمَ وَنَحْوَهُ مِمَّا فِيهِ رُطُوبَةٌ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ قَبْلَ طَبْخِهِ، أَوْ بَعْدَ طَبْخِهِ وَلَمْ يُطْبَخْ بِهَا أَنَّهُ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَتَشَرَّبْ بِهَا وَتَسْرِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) إذَا حُمِّيَتْ السِّكِّينُ، أَوْ الْخَاتَمُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ثُمَّ طُفِئَتْ فِي مَاءِ نَجِسٍ فَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَأَنَّ لَابِسَهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ وَذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الْمَاءَ وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُهَيِّجُ الْحَرَارَةَ الَّتِي حَصَلَتْ بِالنَّارِ فِي دَاخِلِ الْحَدِيدِ فَتَدْفَعُ عَنْهَا الْمَاءَ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ ضِدَّ طَبْعِ الْحَرَارَةِ لَكِنَّهُ يُهَيِّجُهَا وَيُخْرِجُهَا إلَى خَارِجِ ذَاتِ الْحَدِيدِ فَإِذَا انْفَصَلَتْ فَلَا يَقْبَلُ الْحَدِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا بِدَاخِلِهِ لِكَوْنِهِ جَمَادًا مُتَرَاصَّ الْأَجْزَاءِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهَا تُغْسَلُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إذَا حُمِّيَا فِي النَّارِ وَطُفِئَا فِي مَاءٍ نَجِسٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ سَأَلَتْ عَنْهَا شَيْخَنَا الْإِمَامَ وَهِيَ إذَا بَلَعَ الشَّمْعَ وَذَهَبَ ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ الْمَخْرَجِ فَكَانَ شَيْخُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ يَقُولُ بِغَسْلِهَا وَتَكُونُ طَاهِرَةً كَالنَّوَاةِ وَالْحَصَاةِ إذَا أَلْقَاهَا بَعْدَ أَنْ ابْتَلَعَهَا صَحِيحَةً، وَخَالَفَهُ شَيْخُهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ: الصَّوَابُ نَجَاسَةُ الشَّمْعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَيَّعُ بِالْحَرَارَةِ وَيُدَاخِلُهُ بَعْضُ أَجْزَاءِ مَا فِي الْبَطْنِ فَيَنْجُسُ بَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ وَالصَّوَابُ نَجَاسَتُهُ كَفَضْلَةِ الْإِنْسَانِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ يُوَافِقُ عَلَى النَّوَاةِ وَالْحَصَاةِ وَالذَّهَبِ تُغْسَلُ وَتَكُونُ طَاهِرَةً وَلَوْ ابْتَلَعَ ذَلِكَ مَنْ فَضْلَتُهُ طَاهِرَةٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى غَسْلِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّامِنُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّامِلِ أَنَّ قُدُورَ الْمَجُوسِ تَطْهُرُ بِتَغْلِيَةِ الْمَاءِ فِيهَا وَنَحْوُهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سَأَلْتُ شَيْخَنَا ابْنَ عَرَفَةَ عَنْ حَمْلِ الطَّعَامِ فِي الْإِنَاءِ الْمُعَدِّ لِلنَّجَاسَةِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا فَقَالَ سُئِلْتُ عَنْهَا وَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي.
(الْعَاشِرُ) قَالَ الْمُقْرِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَّلِ قَوَاعِدِهِ: مَا يُعَافُ فِي الْعَادَاتِ يُكْرَهُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالْأَوَانِي الْمُعَدَّةِ بِصُوَرِهَا لِلنَّجَاسَاتِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْمَرَاحِيضِ، وَالْوُضُوءِ بِالْمُسْتَعْمَلِ.
ص (وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجَسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ) ش: مُرَادُهُ بِالْمُتَنَجِّسِ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْأَصْلِ وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ تَقَعُ فِيهِ فَأْرَةٌ أَوْ نَجَاسَةٌ، وَبِالنَّجَسِ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ نَجِسَةً كَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَوَّلَ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَالْآدَمِيِّ وَشَمِلَ سَائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ فَيُسْتَصْبَحُ بِالزَّيْتِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيُتَحَفَّظُ مِنْهُ وَيُعْمَلُ مِنْهُ الصَّابُونُ لَكِنْ تُغْسَلُ الثِّيَابُ مِنْهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُدْهَنُ بِهِ الْحَبْلُ وَالْعَجَلَةُ قَالَهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ وَفِي رَسْمِ الْبَزَّار مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ خَفَّفَ
دَهْنَ النِّعَالِ بِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الدِّبَاغِ: لِأَنَّ الْغَسْلَ يَأْتِي عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ تَفْسِيرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفْسِيرِ أَيْضًا لِإِجَازَتِهِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ أَنَّهُ يُدْهَنُ بِهِ الدِّلَاءُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَسَلِ النَّجِسِ لَا بَأْسَ بِعَلْفِهِ لِلنَّحْلِ قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ الَّذِي يُعْجَنُ، أَوْ يُطْبَخُ بِمَاءٍ نَجِسٍ يُطْعَمُ لِلْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ النَّجِسُ يُسْقَى لِلدَّوَابِّ وَالزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ كَرَاهَةُ سَقْيِهِ لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلِمَا يَسْرُعُ قَلْعُهُ مِنْ الْخُضَرِ رَوَى الْعُتْبِيُّ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صِفَةِ تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ طُهِّرَ مَا صُبِغَ بِبَوْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْكُ الصَّبْغِ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ أَنَّ الْبَوْلَ يُجْعَلُ فِي الصِّبْغِ لَا أَنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِبْغٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَمُقَابِلُهُ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرُهُ وَدَخَلَ فِي إطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِالْبَيْعِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ إذَا بُيِّنَ ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ كَالزَّيْتِ النَّجِسِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فِي الْبَيْعِ.
وَذَكَرَ الْوَانُّوغِيُّ عَنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي مَطْمُورٍ وَقَعَ فِيهِ خِنْزِيرٌ فَوُجِدَ مَيِّتًا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ ذَلِكَ الطَّعَامُ وَلَا يَزْرَعُهُ صَاحِبُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيُغَيِّبُهُ عَنْ النَّصَارَى حَتَّى لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدُ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي مَطْمُورٍ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ أَنَّهَا تُلْقَى وَمَا حَوْلَهَا وَيُؤْكَلُ مَا بَقِيَ، وَإِنْ طَالَ مُقَامُهَا حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهَا تُسْقَى مِنْ صَدِيدِهَا وَتَشْرَبُ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَزُرِعَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ الدَّمُ فِي ظَاهِرِهِ غُسِلَ وَأُكِلَ وَمَا شُكَّ فِي وُصُولِ الصَّدِيدِ إلَيْهِ زُرِعَ وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَبْلُغُ إلَيْهِ الصَّدِيدُ أُكِلَ وَإِذَا جَاءَ فِي وَقْتِ الدِّرَاسِ فَأْرٌ كَثِيرٌ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ.
فَقَالَ سَحْنُونٌ هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَإِذَا دَرَسُوا فَلْيُلْقُوا مَا رَأَوْا مِنْ جَسَدِ الْفَأْرَةِ، وَمَا رَأَوْا مِنْ دَمٍ فِي الْحَبِّ عَزَلُوهُ وَحَرَقُوهُ وَلَهُمْ أَكْلُ مَا سِوَاهُ وَلَهُمْ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ دُرِسَ وَفِيهِ فَأْرَةٌ وَيُخْرِجُونَ زَكَاتَهُ مِنْهُ وَلَا يُخْرِجُونَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَتَصَدَّقُونَ بِهِ تَطَوُّعًا.
وَمَا كَانَ فِيهِ الدَّمُ ظَاهِرًا لَا يُبَاعُ وَلَا يُسَلَّفُ وَلَكِنْ يُحْرَثُ، وَلَهُمْ سَلَفُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الدَّمُ وَاحْتَاجَهُ الْمُتَسَلِّفُ وَلَوْ بَاعَهُ مِنْهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ هَلْ هُوَ خِلَافٌ أَوْ لَا فَيَكُونَ الْخِنْزِيرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ وَأَنَّ مَا فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ جَارٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ " أَيْ فَلَا يُسْتَعْمَلُ الْمُتَنَجِّسُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَحْرَى النَّجِسُ فَلَا يُوقَدُ فِيهِ بِزَيْتٍ نَجِسٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يُبْنَى بِطُوبٍ نَجِسٍ وَلَا بِطِينٍ نَجِسٍ قَالَ الْبِسَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ لَا يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي أَحَادِيثِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ أَفْتَى بِأَنَّ أَلْوَاحَ الْبُتَّانِيِّ يَعْنِي الَّتِي لِلْخَمْرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقَفَ بِهَا الْمَسْجِدُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ إنَاءَ الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ لِغَوْصِهِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِطَهُورٍ مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنْ جُعِلَ مِنْهَا إنَاءٌ لِلْمَاءِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسْجِدٍ بُنِيَتْ حِيطَانُهُ بِمَاءٍ نَجِسٍ: إنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ تُلَيَّسُ حِيطَانُهُ وَيُصَلَّى فِيهِ وَلَا يُهْدَمُ هُوَ الصَّحِيحُ لَا غَيْرُهُ، وُجِدَ بِهِ رِوَايَةٌ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ صَلَاةُ الرَّجُلِ وَأَمَامَهُ جِدَارُ مِرْحَاضٍ وَمَوْضِعُهُ طَاهِرٌ جَائِزَةٌ وَأَجَازَ لِلْمَرِيضِ بَسْطَ ثَوْبٍ كَثِيفٍ عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ فَإِذَا طُيِّنَ الطِّينُ النَّجِسُ بِطِينٍ طَاهِرٍ كَثِيفٍ لَمْ يَكُنْ لِدَاخِلِهِ حُكْمٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَآدَمِيٍّ " عَلَى
حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَغَيْرِ أَكْلِ آدَمِيٍّ إذْ لَا يَصِحُّ نَفْيُ كُلِّ مَنْفَعَةٍ تُضَافُ لِلْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ وَعَمَلُهُ صَابُونًا وَعَلَفُ الطَّعَامِ النَّجِسِ لِلدَّوَابِّ وَالْعَسَلِ النَّجِسِ لِلنَّحْلِ وَهُوَ مِنْ مَنَافِعِهِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ وَالنَّوْمِ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَقْتٌ يُعْرَقُ فِيهِ فَيُكْرَهُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَأْتِي هُنَا قَرِيبًا أَنَّ التَّدَاوِيَ بِالنَّجَسِ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورِينَ فَأَحْرَى بِالْمُتَنَجِّسِ، وَعَلَى الْقَوْلِ فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ دَهْنِ النَّعْلِ وَلِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي وَقْتٍ يُعْرَقُ فِيهِ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ: " آدَمِيٍّ " الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالْعَاقِلَ وَالْمَجْنُونَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ قَالَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ مَنْعُهُمَا مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَمَّا عَبْدُهُ الْكَافِرُ وَزَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَالَ سَنَدٌ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَأْمُرُهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ عَنْهُ قَالَ سَنَدٌ: وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِخِطَابِهِمْ أَكْلُهُ حَرَامٌ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَعَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ فَإِطْعَامُهُ لَهُمْ كَإِطْعَامِهِ لِلْبَهَائِمِ.
[فَرْعٌ مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ وُجِدَ فِيهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ]
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ وُجِدَ فِيهَا فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ أَنَّهُ إنْ تُبُيِّنَ أَنَّ الْفَأْرَةَ كَانَتْ فِي الدَّوَاةِ مُنْذُ بَدَأَ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِيهِ وَيُدْفَنُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَيَقَّنُ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَلَا يَتَحَتَّمُ دَفْنُهُ بَلْ إنْ أَرَادَ مَحَاهُ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ فَيَدْفِنُهُ، أَوْ يُحْرِقُهُ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي إنْ أَمْكَنَ غَسْلُ أَوْرَاقِهِ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ فِي رَقِّ وَالْمِدَادُ لَا يَثْبُتُ مَعَ الْغَسْلِ أَنْ يَغْسِلَ وَيَنْتَفِعَ بِهِ، وَيُحْمَلَ عَلَى الطَّهَارَةِ كَمَا إذَا صَبَغَ بِمُتَنَجِّسِ وَغَسَلَ وَبَقِيَ لَوْنُ الصِّبْغِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ دَفْنِهِ، أَوْ حَرْقِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَذَلِكَ كَمَا أُجِيزَ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالِاسْتِصْبَاحُ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ وَذِكْرُ اللَّهِ طَاهِرٌ لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ مِنْ الْوَاقِعَاتِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَسْأَلَةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَوْلُهُ لَا نَجَسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالنَّجِسِ مُطْلَقًا.
أَمَّا أَكْلُهُ وَالتَّدَاوِي بِهِ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ عَنْ الْبَاجِيِّ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ نَاجِي وَالْجُزُولِيِّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنْ حَكَى الزَّنَاتِيُّ فِيمَا إذَا اُسْتُهْلِكَتْ الْخَمْرُ فِي دَوَاءٍ بِالطَّبْخِ أَوْ بِالتَّرْكِيبِ حَتَّى يَذْهَبَ عَيْنُهَا وَيَمُوتَ رِيحُهَا وَقَضَتْ التَّجْرِبَةُ بِإِنْجَاحِ ذَلِكَ الدَّوَاءِ قَوْلَيْنِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَقْضِ التَّجْرِبَةُ بِإِنْجَاحِهِ لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَالنَّجَسِ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ فَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ فِيهِ قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَأَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا بِحُرْمَتِهِ قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى غَسْلُ الْقُرْحَةِ بِالْبَوْلِ إذَا أَنْقَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ هَذَا مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَالصَّحِيحُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمَا فِيهِ خَمْرٌ وَلَا بِنَجِسٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هَذَا الْخِلَافُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ يَعْنِي وَيُمْنَعُ فِي الْبَاطِنِ اتِّفَاقًا وَمَا عَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِالصَّحِيحِ عَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ شَاسٍ بِالْمَشْهُورِ وَقَالَ ابْن عَبْدِ السَّلَامِ وَأَجَازَ مَالِكٌ لِمَنْ عَثَرَ أَنْ يَبُولَ عَلَى عَثْرَتِهِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنَّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي بَابِ الشُّرْبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَلَوْ طِلَاءً وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا بِشُرْبِ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَأَمَّا التَّدَاوِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شُرْبٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالْخَمْرِ وَمُبَاحٌ بِالنَّجَاسَاتِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ غَسْلِ الْقُرْحَةِ بِالْبَوْلِ، أَوْ بِالْخَمْرِ
قَالَ فِيهَا مَالِكٌ
إذَا أَنْقَى ذَلِكَ بِالْمَاءِ بَعْدُ فَنَعَمْ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُ الْخَمْرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ - الدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ تَعَمُّدًا إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَ نَجَاسَتَهُ - يُتَدَاوَى بِهِ وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يُدْخِلُهَا مَنْ يُرِيدُ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَالْغَمْصِ عَلَيْهِ، قِيلَ: لَهُ فَالْبَوْلُ عِنْدَكَ أَخَفُّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الْبَاجِيُّ أَيْضًا فِي جَامِعِ الْمُنْتَقَى وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافَ ذَلِكَ وَنَصَّهُ الْبَاجِيُّ الْمَشْهُورُ مَنْعُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَفِي نَجَسِ غَيْرِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ وَحَكَى الْجُزُولِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، وَبِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَمْرَ تُطْفِئُ حَرَارَةَ النَّارِ وَاقْتَصَرَ الزَّنَاتِيُّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَائِلًا: إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ التَّلَطُّخِ بِنَجَاسَةٍ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْغَرَضِ مِنْهَا وَحِكَايَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ مِمَّنْ لَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَقَدْ نَقَلَ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ شَيْخِهِ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَصْلُ مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ حَتَّى لَوْ أَرَاقَ إنْسَانٌ خَمْرًا فِي بَالُوعَةٍ فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا اجْتَمَعَ فِيهَا مِنْ كُنَاسَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُطْعِمُ الْمَيْتَةَ لِكِلَابِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَبْهَرِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ يَنْتَفِعُ بِلَحْمِهَا بِأَنْ يُطْعِمَهُ لِكِلَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ يَصُبُّهَا عَلَى نَارٍ يُطْفِئُهَا بِهَا وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِالْخَمْرِ فِي شَيْءٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: " لَا يُنْتَفَعُ بِهَا " هَلْ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ، أَوْ الْكَرَاهَةِ؟ أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلَا إشْكَالَ فِيهَا لِقَوْلِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ أَكْرَهُ الْخَمْرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ الظَّاهِرُ الْمَنْعُ إذَا قَصَدَ مُجَرَّدَ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا وَلَمْ يَأْذَنْ فِي إبْقَاءِ الْيَدِ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ إرَاقَتَهَا وَطَفْيَ النَّارِ بِهَا، أَوْ كَنْسَ الْبَالُوعَةِ بِهَا وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ فِي الطَّيْرِ يُوضَعُ بِهَا الْخَمْرُ فَتَشْرَبُ وَتَسْكَرُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ الْفِعْلِ ابْتِدَاءً وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّيْدِ وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْتُ: يُرِيدُ وَيُكْرَهُ صَيْدُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ رُشْدٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لَا الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا مُحَرَّمٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إطْعَامُ الْمَيْتَةِ لِكِلَابِهِ وَهِيَ فِي مَحِلِّهَا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا حَمْلُهَا لِكِلَابِهِ فَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَحْمِلُهَا لِكِلَابِهِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: وَلَا يُطْبَخُ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَلَا يُسَخَّنُ بِهَا الْمَاءُ لِوُضُوءٍ، أَوْ عَجِينٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوقَدَ بِهَا عَلَى طُوبٍ أَوْ حِجَارَةٍ لِلْجِيرِ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ بَعِيدٌ وَعَلَى أَنَّهُ وَجَدَهَا مُجْتَمِعَةً فَأَطْلَقَ النَّارَ فِيهَا أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ طَبْخَ الطُّوبِ وَالْجِيرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِتَرْتِيبٍ وَعَمَلٍ وَعَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَفِيهِ أَيْضًا الِانْتِفَاعُ بِالْمَيْتَةِ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ لَا نَجَسَ، وَكَذَلِكَ جَعْلُ الْعَذِرَةِ فِي الْمَاءِ لِسَقْيِ الزَّرْعِ وَتَخْلِيصُ الْفِضَّةِ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي التَّبَخُّرِ بِلُحُومِ السِّبَاعِ إذَا لَمْ تَكُنْ ذُكِّيَتْ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ دُخَانُهَا يَعْلَقُ بِالثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَقُ فَلَا يُعْجِبنِي، وَإِطْلَاقُهُ عَدَمَ الِانْتِفَاعِ بِالنَّجَسِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي الْوَقِيدِ وَلَا طِلَاءِ السُّفُنِ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْجَهْمِ وَالْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُوقِدَ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ إذَا تَحَفَّظَ مِنْهُ.
[فَرْعٌ التَّدَاوِي بِشُرْبِ بَوْلِ الْأَنْعَامِ]
(فَرْعٌ) يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ بَوْلِ الْأَنْعَامِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا بَوْلُ كُلِّ مَا يُبَاحُ لَحْمُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ وَفَرَّقَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ بَيْنَ بَوْلِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا