كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مَثَلًا جَمَعَ مَا عِنْدَهُ مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا وَيَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا كَانَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ ثُمَّ بِمَا كَانَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ.
ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ زُونَانٍ وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ أَصْبَغَ ثُمَّ بِمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ فِي سَمَاعِ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَةً تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ أَسْقَطَ ذَلِكَ السَّمَاعَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ سَمَاعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ فِي أَجْزَاءٍ وَدَفَاتِرَ فَإِذَا نَقَلَ مَسْأَلَةً مِنْ دَفْتَرٍ عَيَّنَ ذَلِكَ الدَّفْتَرَ الَّذِي
نَقَلَهَا مِنْهُ لِيَعْلَمَ مِنْ أَيِّ دَفْتَرٍ نَقَلَهَا إذَا أَرَادَ مُرَاجَعَتَهَا وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْهَا فِي مَحِلِّهَا فَيَقْصِدُ الدَّفْتَرَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَيُعَلِّمَهُ بِتَرْجَمَتِهِ.
نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ سَيِّدِي الشَّيْخِ عُمَرَ الْبِسَاطِيِّ قَالَ: نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّكْرُورِيِّ قَالَ: نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ بَعْضِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ مَكْتُوبًا أَثَرُهُ نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْت هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ شَيْخِنَا الْقَلْشَانِيِّ نَاقِلًا لَهُ عَنْ شَيْخِهِ عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكُنْت أَسْمَعُ مِنْ وَالِدِي قَرِيبًا مِنْهُ، وَيَقُولُ: فَتَكُونُ الْأَسْمِعَةُ كَالْأَبْوَابِ لِلْكِتَابِ وَالرُّسُومُ الَّتِي هِيَ التَّرَاجِمُ بِمَنْزِلَةِ الْفُصُولِ لِلْأَبْوَابِ وَأُقَرِّبُ إلَى الْعَزْوِ وَإِلَى الْكَشْفِ مَا عُيِّنَ فِيهِ الرَّسْمُ وَفِي أَيْ سَمَاعٍ هُوَ مِنْ أَيِّ كِتَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ أَوْ قَرَأَهُ أَوْ حَصَّلَهُ أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا مِنْ الزَّلَلِ وَيُوَفِّقُنَا لِصَالِحِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ)
ش: قَدَّمَ الِاسْمَ الْكَرِيمَ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْمَعْمُولِ يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ أَيْ لَا أَسْأَلُ إلَّا اللَّهَ وَكَرَّرَ الِاسْمَ الْكَرِيمَ وَالسُّؤَالَ ثَانِيًا تَلَذُّذًا بِذِكْرِهِ وَرَغْبَةً فِي إجَابَةِ دُعَائِهِ وَأَتَى بِلَفْظِ الْخَبَرِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِجَابَتِهِ وَالْعِصْمَةُ بِكَسْرِ الْعِينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَنْعُ وَالْحِفْظُ وَقَالَ الْأَبِيُّ: الْعِصْمَةُ عَدَمُ خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهَا مُقَيَّدَةً انْتَهَى.
فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الزَّلَلِ وَالزَّلَلُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَاللَّامِ الْخَطَأُ وَالتَّوْفِيقُ التَّيْسِيرُ لِلْخَيْرِ وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَضِدُّهُ الْخِذْلَانُ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ
ص (ثُمَّ اعْتَذَرَ لِذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ) ش: يَقُولُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أُبْدِي عُذْرِي وَأُظْهِرُهُ لِأَصْحَابِ الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَفْهَامِ السَّلِيمَةِ مِنْ التَّقْصِيرِ الَّذِي وَقَعَ مِنِّي فِي هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَخَطْبٌ جَسِيمٌ لَا يُقْدَرُ عَلَى مِثْلِهِ إلَّا بِإِمْدَادٍ إلَهِيٍّ وَتَوْفِيقٍ رَبَّانِيٍّ فَيَغْتَفِرُونَ لِي مَا لَعَلَّهُ يُوجَدُ فِيهِ مِنْ الْهَفَوَاتِ لِمَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْغَرِيبَةِ وَالْمَسَائِلِ الْمُهِمَّاتِ فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ.
ص (وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ أَنْ يَنْظُرُوا بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ، وَمِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنْ الْهَفَوَاتِ أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنْ الْعَثَرَاتِ) ش: بَالَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّوَاضُعِ وَالتَّلَطُّفِ وَأَتَى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى فَإِنَّ التَّضَرُّعَ هُوَ التَّذَلُّلُ وَالْخُشُوعُ هُوَ الْخُضُوعُ وَأَضَافَ اللِّسَانَ إلَى التَّضَرُّعِ وَالْخُضُوعِ لِكَوْنِهِمَا يَنْشَآنِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ خِطَابُ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَقَوْلُهُ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ أَيْ لَا بِعَيْنِ الْغَضَبِ وَالسُّخْطِ وَالتَّعَصُّبِ وَلَا بِعَيْنِ الْمَحَبَّةِ الْمُخْرِجَةِ عَنْ الصَّوَابِ ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَتَأَمَّلَ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ أَنْ يُكْمِلُوا مَا فِيهِ مِنْ نَقْصٍ وَيُصْلِحُوا مَا فِيهِ مِنْ خَطَأٍ بَعْدَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ وَالْفَحْصِ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ أَوْ مِنْ جِهَةِ التَّرَاكِيبِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ يَسْتَعْمِلُ لِشِدَّةِ الِاخْتِصَارِ مَا لَا يَجُوزُ إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَقَوْلُهُ: كَمَّلُوهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقَوْلُهُ: أَصْلَحُوهُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْهَفَوَاتُ الزَّلَّاتُ وَكَذَا الْعَثَرَاتُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَلَقَدْ صَدَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَهُمْ الْعُذْرُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَوَادَ قَدْ يَكْبُو وَالصَّارِمَ قَدْ يَنْبُو ، وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْجَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا ... كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ وَاقْتَضَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْكَلَامَ مِنْ آخِرِ وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ وَنَصِّ مَا حُكِيَ عَنْهُ ثُمَّ اعْتَذَرَ لِذَوِي الْأَلْبَابِ مِنْ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَقُولُ مَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَنْشَدَهُ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ فَعَفْوًا جَمِيلًا عَنْ خَطَئِي فَإِنَّنِي ... أَقُولُ كَمَا قَدْ قَالَ مَنْ كَانَ شَاكِيًا فَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا
وَنَحْنُ نَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُضُوعِ وَخِطَابِ الِاعْتِرَافِ وَالْخُشُوعِ لِلْمُتَصَفِّحِينَ هَذَا الْكِتَابَ أَنْ يَنْظُرُوهُ بِعَيْنِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ وَجَوَّدُوهُ وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَحْكَمُوهُ وَصَوَّبُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنْ الْهَفَوَاتِ وَيَنْجُو نَاظِمٌ أَوْ مُؤَلِّفٌ مِنْ الْعَثَرَاتِ خُصُوصًا مَعَ الْبَاحِثِينَ عَلَى الْعَوْرَاتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ طَلَبَ عَثْرَةَ أَخِيهِ لِيَهْتِكَهُ طَلَبَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ فَيَهْتِكَهُ» . وَأَنْشَدُوا: لَا تَلْتَمِسْ مِنْ عُيُوبِ النَّاسِ مَا سَتَرُوا ... فَيَهْتِكَ اللَّهُ سِتْرًا عَنْ مَسَاوِيكَ وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إذَا ذُكِرُوا ... وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
[بَابٌ يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ]
ص (بَابٌ يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ)
ش: الْبَابُ فِي اللُّغَةِ الْمَدْخَلُ وَفِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مُشْتَرَكَةٍ فِي حُكْمٍ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالْفَصْلِ وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَيُقَدَّمُ الْكِتَابُ ثُمَّ الْبَابُ فَيُزَادُ فِي تَعْرِيفِ الْكِتَابِ ذَاتِ أَبْوَابٍ وَفِي تَعْرِيفِ الْبَابِ ذَاتِ فُصُولٍ أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْهَا بِحَسْبِ الِاصْطِلَاحِ وَالْكِتَابُ يُفْصَلُ بِالْأَبْوَابِ أَوْ بِالْفُصُولِ وَالْبَابُ بِالْفُصُولِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا تَفْصِيلَ الْبَابِ بِالْكُتُبِ وَالْفَصْلُ بِالْأَبْوَابِ وَالْكِتَابُ فِي اللُّغَةِ الْمَكْتُوبُ كَالرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْكُتُبِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ،.
وَالْفَصْلُ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا بَابُ كَذَا وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُ الْأَبْوَابَ مَكَانَ الْكُتُبِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَيَحْذِفُ فِي التَّرَاجِمِ الَّتِي تُضَافُ إلَيْهَا الْأَبْوَابُ اخْتِصَارًا وَاكْتِفَاءً بِفَهْمِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ، وَحِكْمَةُ تَفْصِيلِ الْمُصَنَّفَاتِ بِالْكُتُبِ وَالْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ تَنْشِيطُ النَّفْسِ وَبَعْثِهَا عَلَى الْحِفْظِ وَالتَّحْصِيلِ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ السُّرُورِ بِالْخَتْمِ وَالِابْتِدَاءِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ سُوَرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَسْهِيلٌ لِلْمُرَاجَعَةِ وَالْكَشْفِ عَنْ الْمَسَائِلِ وَكَذَا فَصْلُ صَاحِبِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا كَثُرَتْ مَسَائِلُهُ وَتَوَسَّطَتْ إلَى كِتَابَيْنِ وَمَا طَالَتْ إلَى ثَلَاثَةِ كُتُبٍ وَالتَّرْجَمَةُ الْمُضَافُ إلَيْهَا الْبَابُ هُنَا الطَّهَارَةُ وَهِيَ بِالْفَتْحِ لُغَةً النَّزَاهَةُ وَالنَّظَافَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَالْأَوْسَاخِ.
وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي التَّنْزِيهِ عَنْ الْعُيُوبِ وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ الْقَائِمَةُ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوَّلُهُ كَمَا يُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ طَاهِرٌ وَتِلْكَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ الطَّهَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ تُبَاحُ مُلَابَسَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْغِذَاءِ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: الطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ وَفِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ فَذَلِكَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوَّلُهُ فَالْأَوَّلِيَّانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ انْتَهَى، وَيُقَابِلُهَا بِهَذَا الْمَعْنَى النَّجَاسَةُ وَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ: بِأَنَّهَا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ انْتَهَى، فَتِلْكَ الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ النَّجَاسَةُ شَرْعًا هِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ تُمْنَعُ مُلَابَسَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْغِذَاءِ.
فَإِذَا أَطْلَقْنَا عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَنَّهُ نَجَسٌ فَذَلِكَ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ جِنْسِهَا عَلَيْهَا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ ثُمَّ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ عَرَّفَ الطَّهَارَةَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَقَالَ: وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ: الطَّهَارَةُ إزَالَةُ النَّجَسِ
أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ بِالْمَاءِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ التَّطْهِيرُ وَالطَّهَارَةُ غَيْرُهُ لِثُبُوتِهَا دُونَهُ فِيمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ وَفِي الْمُطَهَّرِ بَعْدَ الْإِزَالَةِ،.
(قُلْتُ) : قَدْ يُقَالُ إنَّ تَعْرِيفَ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ الطَّهَارَةَ بِحَسْبِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ الْمُكَلَّفِ بِهَا وَالْمُكَلَّفُ بِهِ إنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَفِي قَوْلِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ مَجَازُ نَظَرٍ.
بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَيْضًا فَلَفْظُ الطَّهَارَةِ مُشْتَرَكٌ فِي الشَّرْعِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَالْأَحْسَنُ التَّعَرُّضُ لِبَيَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُكَلَّفُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ حُكْمِيَّةٌ أَنَّهَا يُحْكَمُ بِهَا وَيُقَدَّرُ قِيَامُهَا بِمَحِلِّهَا وَلَيْسَتْ مَعْنَى وُجُودِيًّا قَائِمًا بِمَحِلِّهِ كَالْعِلْمِ لِلْعَالَمِ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِمُلَابَسَتِهِ فَيَشْمَلُ الثَّوْبَ وَبَدَنَ الْمُصَلِّي وَالْمَاءَ وَكُلَّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُلَابِسَهُ الْمُصَلِّي وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُلَابَسَتِهِ إيَّاهُ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ طَهَارَةَ الْمَاءِ الْمُضَافِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ يُرِيدُ بِهِ الْمَكَانَ، وَقَوْلُهُ لَهُ يُرِيدُ بِهِ الْمُصَلِّي وَهُوَ شَامِلٌ بِظَاهِرِهِ لِطَهَارَةِ الْمُصَلِّي مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ يَخُصُّهُ بِهِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِّ النَّجَاسَةِ تُوجِبُ لَهُ مَنْعَ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ أَوْلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ كَمَا يَمْنَعُ الْحَدَثُ الصَّلَاةَ فَكَذَلِكَ الْخَبَثُ وَإِدْخَالُ الْبَدَنِ فِي قَوْلِهِ بِهِ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالطَّهُورِيَّةُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا، وَأَمَّا الطُّهَارَةُ بِالضَّمِّ فَهِيَ فَضْلَةُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ الْعِبَادَاتِ عَلَى غَيْرِهَا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَوْكَدُ الْعِبَادَاتِ وَأَفْضَلُهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ وَلِتَقَدُّمِهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْقَوَاعِدِ فِي حَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مَا عَدَا الشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا أُفْرِدَتَا بِعِلْمٍ مُسْتَقِلٍّ وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا أَوْكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُطْلَبُ الْمُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهَا لِسُقُوطِ الصَّلَاةِ مَعَ فَقْدِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ وَصَعِيدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْمَاءِ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمَائِيَّةَ هِيَ الْأَصْلُ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَاحْتَاجَ إلَى تَمْيِيزِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْحَدَثُ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ وُجُودُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَيُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: عَلَى الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي فَصْلِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَعَلَى نَفْسِ الْخُرُوجِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ آدَابُ الْحَدَثِ، وَعَلَى الْوَصْفِ الْحُكْمِيِّ الْمُقَدَّرِ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ يَمْنَعُ الْحَدَثُ كَذَا وَكَذَا، وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُرَتِّبِ عَلَى الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ هُنَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ أَيْ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ هُنَا بِالْحَدَثِ الْمَعْنَى الثَّابِتُ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا ارْتَفَعَ الْآخَرُ وَلَا يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْمَنْعَ لِأَنَّهُ تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا وَلَا يَرْفَعُ الْوَصْفَ الْقَائِمَ بِالْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّا نَقُولُ: التَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْمَنْعَ رَفْعًا مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ فَيَرْفَعُ الْمَنْعَ عَمَّا يُسْتَبَاحُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ عَدَمُ الْمَاءِ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ إلَّا فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَوْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ فِعْلِ ذَلِكَ الْمُسْتَبَاحِ عَادَ الْمَنْعُ وَلَمْ يُسْتَبَحْ بِهِ شَيْئًا فَالتَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَمْنَعُهَا الْحَدَثُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَالْوَصْفُ وَالْمَنْعُ بَاقِيَانِ.
وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَى هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمَعْنَى الثَّالِثَ مِنْ مَعَانِي الْحَدَثِ وَقَالَ: إنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ مَنْفِيٌّ بِالْحَقِيقَةِ وَالْأَصْلُ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ لَهَا وَيَبْعُدُ أَنْ يَأْتُوا بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ وَأَقْرَبُ مَا يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَانِعُ كَمَا يُقَالُ ثُمَّ رَدَّ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انْتِقَالُ مَانِعٍ إلَيْهِ انْتَهَى مِنْ
شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَأَمَّا الْمَعْنَيَانِ الْأَوَّلَانِ فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُمَا هَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُمَا وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ حُكْمِ الْحَدَث كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ فَفِيهِ تَعَسُّفٌ وَتَكَلُّفٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَالْخَبَثُ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا وَهُوَ النَّجَاسَةُ وَإِنَّمَا قَالَ: حُكْمُ الْخَبَثِ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ تَزُولُ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَأَمَّا حُكْمُهَا وَهُوَ كَوْنُ الشَّيْءِ نَجَسًا فِي الشَّرْعِ لَا تُبَاحُ مُلَابَسَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْغِذَاءِ فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَأَمَّا مَوْضِعُ الِاسْتِجْمَارِ وَالسَّيْفُ الصَّقِيلُ وَنَحْوُهُ إذَا مُسِحَ وَالْخُفُّ وَالنَّعْلُ إذَا دُلِّكَا مِنْ أَبْوَالِ الدَّوَابِّ وَأَرْوَاثِهَا فَالْمَحِلُّ مَحْكُومٌ لَهُ بِالنَّجَاسَةِ.
وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ خِلَافًا لِمَا قَدْ تُعْطِيهِ عِبَارَةُ الْبِسَاطِيِّ وَقَدْ عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ مَوْضِعَ الِاسْتِجْمَارِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَعْفُوَّاتِ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَرَافِيِّ أَعْنِي قَوْلَهُ أَنَّ إطْلَاقَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَعْفُوِّ مُجَازٌ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ إطْلَاقَ اسْمِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَعْفُوَّاتِ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيِّ فِي الشَّرْعِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي إطْلَاقَ النَّجَاسَةِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا شَرْعًا فَتَأَمَّلَتْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ رَافِعَ الْحَدَثِ وَحُكْمَ الْخَبَثِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الرَّفْعِ لِلْمَاءِ مُجَازٌ وَتَصْدِيرَ الْبَابِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَسِيَاقِهَا مَسَاقُ الْحَدِّ لِمَا يُرْفَعُ بِهِ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ أَدَاةُ حَصْرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ.
وَحُكْمُ الْخَبَثِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَأَمَّا رَفْعُ الْحَدَثِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ حَكَى الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ نُوزِعَ فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا حُكْمُ الْخَبَثِ فَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَالْأَوْضِيَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ مِنْ حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْمَسْنُونَاتِ وَالْقُرْبِ بِمَائِعٍ سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ انْتَهَى، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ إلَى تَعْرِيفِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَالْمُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ مَا أُزِيلُ مِنْهُ الْقَيْدُ الْحِسِّيُّ وَالْمَعْنَوِيُّ وَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا أَوْ حَقِيقَةٌ فِيمَا أُزِيلَ مِنْهُ الْحِسِّيُّ مَجَازٌ فِيمَا أُزِيلَ مِنْهُ الْقَيْدُ الْمَعْنَوِيُّ؟ طَرِيقَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْجَمْعِ وَعُزَّى الْأُولَى لِابْنِ رَاشِدٍ وَشَيْخِهِ الْقَرَافِيِّ وَالثَّانِيَةُ لِابْنِ هَارُونَ وَأَبِي عَلِيٍّ قَالَ: وَاسْتَعْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي اللَّفْظِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ انْتَهَى.
وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا مَجَازًا لُغَوِيًّا وَعُرْفِيًّا قَالَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَهُوَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَاخْتَلَفَ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي تَعْرِيفٍ فَعَرَّفَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّهُ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ أَيْ لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ وَجَعَلُوا مَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ أَوْ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَوْ بِالْمُجَاوِرَةِ مُلْحَقًا بِالْمُطْلَقِ فِي كَوْنِهِ طَهُورًا فَالْمُطْلَقُ عِنْدَهُمْ أَخُصُّ مِنْ الطَّهُورِ وَجَعَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ عَسْكَرٍ وَغَيْرُهُمَا الْمُطْلَقَ مُرَادِفًا لِلطَّهُورِ فَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا مِمَّا لَيْسَ بِقَرَارِهِ وَلَا مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ فَجَعَلُوا مَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ أَوْ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَوْ بِالْمُجَاوَرَةِ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ فَأَدْخَلَهَا كُلَّهَا فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ اسْمُ مَاءٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِضَافَةٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَيْ يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَاءً.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ هُوَ الَّذِي يَكْتَفِي بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ مَعْنَاهُ مَا صَحَّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ جُزْئِيَّاتُ الْمُطْلَقِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعَرَّفُ بِمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا أَوْرَدَهُ الْبِسَاطِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قَدَّمَ التَّصْدِيقَ عَلَى التَّصَوُّرِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْمُطْلَقِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بِأَنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ بِالْمُطْلَقِ فَلَمَّا جَرَى فِي كَلَامِهِ
ذِكْرُ الْمُطْلَقِ احْتَاجَ إلَى تَعْرِيفِهِ
وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ اسْمُ مَاءٍ بَيَانِيَّةٌ أَيْ اسْمٌ هُوَ مَاءٌ وَقَوْلُهُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ كَالْجِنْسِ وَقَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ كَالْفَصْلِ خَرَجَ بِهِ مَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ إلَّا مُقَيَّدًا بِإِضَافَةٍ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ أَوْ صِفَةٍ كَالْمَاءِ الْمُضَافِ وَالْمَاءِ النَّجَسِ أَوْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي لِلْعَهْدِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» يَعْنِي الْمَنِيَّ وَدَخَلَ فِي حَدِّهِ مَا كَانَتْ إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةً كَمَاءِ الْمَطَرِ وَمَاءِ النَّدَى وَمَا قُيِّدَ بِإِضَافَةٍ لِمَحِلِّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِدْقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ وَيَكْتَفِي بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اسْمِ الْمَاءِ كَمَاءِ السَّمَاءِ وَكَذَا مَا قُيِّدَ بِإِضَافَةٍ لِمَحِلِّهِ كَمَاءِ الْبَحْرِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَرَاهَةَ الْوُضُوءِ بِهِ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَمَاءِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَشْرَفُ الْمِيَاهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَنْ غَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حَيْثُ نَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ فِي الْقَبَسِ وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ خِصِّيصَةٌ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَضَائِلِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّبْعِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيَّرَهُ أَحَدُهُمَا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْمَازِرِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهَا قَالُوا وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ نَبْعِهِ مِنْ حَجَرٍ الثَّانِي أَنَّ اللَّهَ كَثَّرَ الْمَاءَ فِي ذَاتِهِ فَصَارَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَشْرَفُ مِيَاهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ عَنْ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ أَفْضَلُ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ لِغَسْلِ قَلْبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فَكَيْفَ بِمَا خَرَجَ مِنْ ذَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَ فِي مَاءِ الْآبَارِ مَاءُ زَمْزَمَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ لَا يُغَسَّلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ مَيِّتٌ وَلَا نَجَاسَةٌ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مَا ذَكَرَهُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ قَوْلِهِ وَلَا يُغَسَّلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ مَيِّتٌ وَلَا نَجَاسَةٌ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَبْعَدُ مِنْهُ سَمَاعِي ابْتِدَاءَ قِرَاءَتِي فَتْوَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ انْتَهَى وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْآبَارِ وَمَاءُ الْعُيُونِ وَمَاءُ الْبَحْرِ طَيِّبٌ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ هَذَا عَامٌ يَدْخُلُ فِيهِ بِئْرُ زَمْزَمَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يُتَوَضَّأُ بِهِ وَتُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ مِنْ أَنَّهُ قَالَ لَا تُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ تَشْرِيفًا لَهُ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ.
(قُلْتُ) : أَمَّا الْوُضُوءُ بِهِ لِمَنْ كَانَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ فَلَا أَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا بَلْ صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ نَقْلًا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَكَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْغُسْلِ بِهِ لِمَنْ كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ خِلَافًا بَلْ صَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا بِاسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ بِهِ قَالَ فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي اخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ تَبَرُّكًا بِبَرَكَتِهِ يَكُونُ مِنْهُ شُرْبُهُ وَوُضُوءُهُ وَاغْتِسَالُهُ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ شُرْبِهِ انْتَهَى، وَيُؤْخَذُ اسْتِحْبَابُ الْغُسْلِ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِكَرَاهِيَتِهِ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ زَمْزَمَ: لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ وَهُوَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبَلٌّ قَالَ: وَدَلِيلُنَا النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْمِيَاهِ بِلَا فَرْقٍ وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْوُضُوءِ بِهِ بِلَا إنْكَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ الْعَبَّاسِ بَلْ حُكِيَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ الْعَبَّاسِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ النُّصُوصِ بِهِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا
بِأَنَّهُ قَالَهُ فِي وَقْتِ ضِيقِ الْمَاءِ لِكَثْرَةِ الشَّارِبِينَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْبَابِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْقَرْنِ أَثَرَ الْعَبَّاسِ وَقَالَ: لَا أُحِلُّهَا الْمُغْتَسِلَ وَهِيَ لِلشَّارِبِ حِلٌّ وَبَلٌّ قَالَ: وَالْبَلُّ الْحِلُّ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ لِمَكَانِ تَحْرِيمِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَإِنَّمَا أَسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَاءَ بِحِيَازَتِهِ فِي حِيَاضٍ كَانَ يَجْعَلُهَا هُنَاكَ فَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ ارْتَكَبَ التَّحْرِيمَ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْ جِهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَمْلُوكِ دُونَ إذْنِ مَالِكِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ مَوْضِعَ زَمْزَمَ وَحَرِيمَهَا سَابِقٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَدْخُلُ فِي تَحْبِيسِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبَيْتَ إذَا كَانَتْ سَابِقَةً عَلَى الْمَسْجِدِ لَا يَدْخُلُ حَرِيمُهَا فِي تَحْبِيسِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ حَدَّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَانَ إلَى جِدَارِ زَمْزَمَ وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ تَأْلِيفًا صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ مَوْضِعَ زَمْزَمَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي تَحْبِيسِ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَعَمْ مُرُورُ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً فَإِنْ أُزِيلَتْ بِهِ طَهُرَ الْمَحِلُّ وَيُخْتَلَفُ فِي كَرَاهَةِ غَسْلِ الْمَيِّتِ بِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي طَهَارَةِ الْمَيِّتِ وَنَجَاسَتِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ الصَّحِيحُ جَازَ غُسْلُهُ بِهِ بَلْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ أَوْلَى لِمَا يُرْجَى مِنْ بَرَكَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كَلَامِهِ الْآتِي كُرِهَ غُسْلُهُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ: وَاخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ غُسْلِهِ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَسَبَبُ الْخِلَافِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ فَإِنْ حَكَمْنَا بِهَا كَرَّهْنَا غُسْلَهُ بِهِ لِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ هَذَا الْمَاءِ فِي النَّجَاسَاتِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَحْكُونَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَنْجَى بِهِ فَحَصَلَ لَهُ الْبَاسُورُ وَإِنْ حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الْمَيِّتِ أَجَزْنَا غُسْلَهُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَرَاهَةِ غُسْلِهِ بِمَاءِ زَمْزَمَ قَوْلَانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ انْتَهَى وَقَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ لَا يُغْسَلُ بِهِ مَيِّتٌ وَلَا نَجَاسَةٌ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْمَيِّتَ نَجَسٌ وَلَا يَقْرَبُ ذَلِكَ الْمَاءَ النَّجَاسَةُ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ اسْتَنْجَى بِهِ فَحَدَثَ بِهِ الْبَاسُورُ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَّقُونَ الِاسْتِنْجَاءَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَيِّتَ طَاهِرٌ يَجُوزُ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِمَا يُرْجَى مِنْ بَرَكَتِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا كَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْمَوْعُودُ بِهِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الْغُسْلِ بِهِ لِمَنْ كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غُسْلُ الْمَيِّتِ بِهِ أَوْلَى لِرَجَاءِ بَرَكَتِهِ فَالْحَيُّ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْكَرَوِيِّ فِي كِتَابِ الْوَافِي لَهُ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي النَّجَاسَاتِ احْتِرَامًا لَهُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنْسَكِهِ لَمَّا ذَكَرَ فِي فَضْلِ زَمْزَمَ حَدِيثَ النَّظَرِ إلَيْهَا عِبَادَةٌ وَالطَّهُورِ مِنْهَا يُحْبِطُ الْخَطَايَا مَا نَصَّهُ (تَنْبِيهٌ) الطَّهُورُ مِنْهَا يُحْبِطُ الْخَطَايَا يُرِيدُ الْوُضُوءَ خَاصَّةً إذَا كَانَتْ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ طَاهِرَةً وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ فَقَدْ شَدَّدَ فِي الْكَرَاهَةِ فِيهِ وَجَاءَ أَنَّهُ يُحْدِثُ الْبَوَاسِيرَ وَكَذَا غَسْلُ النَّجَاسَاتِ الَّتِي عَلَى الْبَدَنِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا يُغْسَلُ بِهِ نَجَسٌ انْتَهَى وَقَوْلُهُ يُرِيدُ الْوُضُوءَ خَاصَّةً يَعْنِي أَوْ الْغُسْلَ إذَا كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ وَسَلِمَ مِنْ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ وَإِنَّمَا خَصَّ الْوُضُوءَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَصَوَّرُ غَالِبًا قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِهِ يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَنْبَغِي تَوَقِّي النَّجَاسَةَ بِهِ خُصُوصًا فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَاسُورَ وَجَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِتَحْرِيمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَإِنْ حَصَلَ التَّطْهِيرُ بِهِ إذَا عُلِمَ هَذَا فَقَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ لَا يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ وَلَا نَجَاسَةٌ إنْ حُمِلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ فَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِلَفْظِ الْكَرَاهَةِ فَقَالَ: وَكَرِهَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ
أَصْحَابِنَا أَنْ تُغْسَلَ بِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ كَرَاهَةِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِهِ لِعَزْوِهِمْ ذَلِكَ لِابْنِ شَعْبَانَ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ الَّذِي عَزَوْهُ لِابْنِ شَعْبَانَ فَقَطْ هُوَ عَدَمُ غَسْلِ الْمَيِّتِ بِهِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْمَنْعِ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُمَا فَسَّرَا الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِكَلَامِ ابْنِ شَعْبَانَ وَكَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَأَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَاءٌ مُبَارَكٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُمْنَعُ أَنْ يُصْرَفَ فِيمَا تُصْرَفُ فِيهِ أَنْوَاعُ الْمِيَاهِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَاجَرَ لَمْ تَكُنْ تَسْتَعْمِلُ هِيَ وَابْنُهَا إسْمَاعِيلُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْعَرَبِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ سِوَاهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ غَيْرُهُ وَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ عَائِدًا إلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ مَسْأَلَةِ غَسْلِهِ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَنْ شَيْخِهِ أَيْضًا قَالَ: وَكَأَنَّهُمَا فَرَّا مِنْ إعَادَتِهِ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّهُ لَوْ أُعِيدَ عَلَيْهِ لَفُهِمَ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا إنَّمَا يُشْكِلُ إذَا حُمِلَ كَلَامُ ابْنِ شَعْبَانَ عَلَى الْمَنْعِ أَمَّا إذَا حُمِلَ كَلَامُ ابْنِ شَعْبَانَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَفُسِّرَ الْقَوْلَانِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِهِ وَبِمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِذَلِكَ وَنَحْوُهُ لِلْبِسَاطِيِّ فِي الْمُغْنِي قَالَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يُكْرَهُ تَغْسِيلُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مَنْصُوصُ ابْنِ شَعْبَانَ أَوَّلًا وَشَهَرَهُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمَيِّتَ نَجَسٌ.
(قُلْتُ) : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا أَنَّهُ يُزِيلُهَا أَوَّلًا مَحَلُّ نَظَرٍ انْتَهَى كَلَامُ الْبِسَاطِيِّ وَقَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَشْهُورُ مَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَعْنِي لِأَنَّ الشَّيْخَ خَلِيلًا شَهَرَ الْقَوْلَ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالْفَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الْجَنَائِزِ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ كَمَا يَقُولُ ابْنُ شَعْبَانَ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَاءٌ مُبَارَكٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ أَنْ يُصْرَفَ فِيمَا يُصْرَفُ فِيهِ غَيْرُهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ.
إذْ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مُقَابِلَةِ كَلَامِ ابْنِ شَعْبَانَ حَيْثُ فَهِمَاهُ عَلَى الْمَنْعِ وَلَمْ يُرِيدَا نَفْيَ الْكَرَاهَةِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمَيِّتَ نَجَسٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي كَرَاهَةِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهَا فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ الْكَرَوِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَقُوَّةُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهَا وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي نَفْيِهَا إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ شَعْبَانَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا رُدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَهِمَ كَلَامَهُ عَلَى الْمَنْعِ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي ثَوْبٍ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا تُزَالُ النَّجَاسَةُ إلَّا بِالْمَاءِ يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ مَاءُ زَمْزَمَ وَهُوَ خَارِجٌ وَلَا تُزَالُ بِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْبَدَنِ وَلَا مِنْ الثَّوْبِ انْتَهَى.
قُلْتُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِلَّا كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ وَنَقَلَ سَيِّدِي الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُتَطَهَّرُ بِمَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّهُ طَعَامٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
«هُوَ طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ» وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ خِلَافُهُ لَا فِي النَّجَاسَاتِ فَيُحْمَلُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) : كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ شَعْبَانَ مَنَعَ التَّطْهِيرَ بِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ طَعَامًا إلَّا فِي كَلَامِهِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ مَا تَقَدَّمَ فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهِ ثُمَّ وَقَفَتْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي وَنَصُّهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَاءُ زَمْزَمَ فِي الْمَرَاحِيضِ وَلَا يُخْلَطُ بِهِ نَجَسٌ وَلَا يُزَالُ بِهِ وَلَا يُغْسَلُ بِهِ فِي حَمَّامٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ مَنْ سَلِمَتْ أَعْضَاءُ وُضُوئِهِ مِنْ النَّجَسِ وَكَذَلِكَ يَغْتَسِلُ بِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ مَنْ لَيْسَ بِظَاهِرِ جَسَدِهِ أَذًى وَإِنْ أَصَابَ الْفَرْجَيْنِ إذَا كَانَا طَاهِرَيْنِ انْتَهَى.
قَالَ فِي بَابِ الْحَجِّ: وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَلَا يُغْسَلُ بِهِ نَجَسٌ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِنَّمَا أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) لِاضْطِرَابِ النُّقُولِ فِيهَا فَأَرَدْتُ تَحْرِيرَ مَا ظَهَرَ لِي مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيهَا وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِهَا وَفَضْلِ الشُّرْبِ مِنْهَا فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْآبَارِ آبَارُ ثَمُودَ فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَائِهَا وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَلِكَ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حِين مَرُّوا بِهَا أَنْ يَشْرَبُوا إلَّا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا مَا عَجَنُوهُ مِنْ تِلْكَ الْآبَارِ وَيُهْرِيقُوا الْمَاءَ» وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَاخِرِ صَحِيحِهِ بَعْدَ كِتَابِ الزُّهْدِ وَفِيهِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِرَاقَةِ مَا سَقَوْا وَعَلْفَ الْعَجِينِ لِلدَّوَابِّ حُكْمٌ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ إذْ ذَلِكَ حُكْمُ مَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ أَوْ كَانَ نَجِسًا وَلَوْلَا نَجَاسَةُ الْمَاءِ لِمَا أُتْلِفَ الطَّعَامُ الْمُحْتَرَمُ شَرْعًا، وَأَمْرُهُ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ دَلِيلٌ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَإِنْ تَقَادَمَتْ أَعْصَارُهُمْ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: (فَإِنْ قُلْتَ) : مَاءٌ كَثِيرٌ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ.
(قُلْتُ) : هُوَ مَاءُ الْآبَارِ الَّتِي فِي أَرْضِ ثَمُودَ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، قَالُوا: قَدْ اسْتَقَيْنَا وَعَجَنَّا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُرِيقُوا الْمَاءَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ وَذَلِكَ لِأَجَلِ أَنَّهُ مَاءُ سَخَطٍ فَلَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِرَارًا مِنْ سَخَطِ اللَّهِ اُنْظُرْ أَحْكَامَ الْقُرْآنِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: 80] وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلنَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مَاءُ سَخَطٍ وَغَضَبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: 80] مَنْعَ الْوُضُوءِ مِنْ بِئْرِ ثَمُودَ لَأَنَّهَا بِئْرُ غَضَبٍ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِطَرْحِ مَا عُجِنَ مِنْهَا وَبِالتَّيَمُّمِ وَتَرْكِ اسْتِعْمَالِهَا فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْآبَارِ وَهُوَ خِلَافُ مَا هُنَا مِنْ الْعُمُومِ يَعْنِي قَوْلَ الرِّسَالَةِ وَمَاءَ الْآبَارِ.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالشَّيْخُ زَرُّوق أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فَقَطْ لِأَنَّهُ مَاءُ سَخَطٍ وَغَضَبٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَوْعِيَتِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ مِنْهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ثِيَابِهِمْ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ لِمَا دَلَّ عَلَى النَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي اجْتِنَابِ ذَلِكَ الْمَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْآبَارَ قَالَ: إلَّا مِيَاهَ أَبْيَارِ الْحِجْرِ فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ شُرْبِهَا وَالطَّهَارَةِ بِهَا إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ وَلَا إشْكَالَ فِي مَنْعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَأَمْرُهُمْ بِالتَّيَمُّمِ وَتَرْكُ اسْتِعْمَالِهَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ
مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَنَصُّهُ: فَإِنْ قُلْتَ: أَرْضٌ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ مَسِيرَةُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْهَا.
(قُلْتُ) : هِيَ أَرْضُ دِيَارِ ثَمُودَ نَصَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْهَا.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ أَيْنَ عُلِمَتْ الْبِئْرُ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ فَقَالَ بِالتَّوَاتُرِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ انْتَهَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَهَا بِالْوَحْيِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَنْ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ: اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْآبَارِ فِي طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا اضْطَرَّ لِلْوُضُوءِ بِهَا جَازَ وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْآبَارِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الزَّرْكَشِيّ فِي الْخَادِمِ: وَيَلْحَقُ بِهَا كُلُّ مَاءٍ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِ كَمَاءِ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ وَمَاءِ دِيَارِ بَابِلَ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهَا أَرْضٌ مَلْعُونَةٌ» وَمَاءِ بِئْرِ ذَرْوَانَ الَّتِي وُضِعَ فِيهَا السِّحْرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاءِ بِئْرِ بَرَهُوتَ وَهِيَ بِئْرٌ بِالْيَمَنِ لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ شَرُّ بِئْرٍ فِي الْأَرْضِ بَرَهُوتَ انْتَهَى وَبَابِلُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ بِالْعِرَاقِ وَبِئْرُ ذَرْوَانَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هِيَ بِالْمَدِينَةِ وَبِئْرُ بَرَهُوتَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهِيَ بِئْرٌ عَمِيقَةٌ بِحَضْرَمَوْتَ لَا يُسْتَطَاعُ النُّزُولُ إلَى قَعْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ الْمَاءُ الْعَذْبُ وَلَا أَعْلَمُ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ.
(قُلْتُ) : تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ مَطْعُومٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْعَذْبَ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَكَلَامُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا نُبِيحُ الْيَوْمَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تُرِكَ وَجَرَى الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَامِلٌ لِلْعَذْبِ وَغَيْرِهِ نَعَمْ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَكَتَبَ قَبْلَهُ ضَادًا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهَا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ وَاَلَّذِي فِي الْإِكْمَالِ وَأَصْلِهِ لِلْمَازِرِيِّ فِي الْمُعْلِمِ مَا نَصُّهُ: وَشَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يَرَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ طَعَامٌ عِنْدَهُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالطَّعَامِ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْتُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ مَنْعُهُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَيَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وَقَوْلُهُ ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ عَذْبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَصِحُّ التَّحْرِيمُ أَيْضًا إذْ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ امْتَنَعَ التَّطَهُّرُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ أَيْضًا جَمِيعُ الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ.
ص (وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى) ش: لَمَّا عَرَّفَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ بِمَا تَقَدَّمَ نَبَّهَ عَلَى قُيُودٍ وَأَحْوَالٍ تَعْرِضُ لِلْمُطْلَقِ لَا تَسْلُبُهُ وَصْفَ الْإِطْلَاقِ أَعْنِي الطَّهُورَ لَكِنَّ مِنْهَا مَا لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَلَكِنَّهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ اسْتِعْمَالِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ يَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ إلَى آخِرِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَلَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ اسْتِعْمَالِهِ وَهِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ وَإِنْ جُمِعَ مِنْ نَدًى إلَى قَوْلِهِ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا وَلَمَّا كَانَ فِي صِدْقِ حَدِّ الْمُطْلَقِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا نَوْعُ خَفَاءٍ كَالْمَاءِ الْمَشْكُوكِ فِي مُغَيِّرِهِ وَمَا بَعْدَهُ أَتَى بِهَا بِلَفْظِ الْإِغْيَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى بُعْدِهَا مِنْ حَدِّ الْمُطْلَقِ وَإِنْ سَاوَتْهُ فِي الْحُكْمِ وَالضَّمِيرُ فِي جُمِعَ وَذَابَ وَمَا بَعْدَهُمَا عَائِدٌ عَلَى الْمُطْلَقِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ عَوْدَهُ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَقَوْلُهُ مِنْ نَدًى بِالْقَصْرِ وَالتَّنْوِينِ وَالنَّدَى فِي اللُّغَةِ الْمَطَرُ وَالْبَلَلُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ مِنْ اللَّيْلِ وَقَدْ نَصّ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِمَا يَجْتَمِعُ مِنْ النَّدَى وَلَا يَتَيَمَّمُ إنْ وَجَدَ ذَلِكَ قَالَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ أَيَتَوَضَّأُ بِالنَّدَى أَمْ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ يَتَيَمَّمُ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ مِنْ النَّدَى مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَا يَجْتَمِعُ مِنْ النَّدَى أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مَاءٍ بَيَانِيَّةٌ فَلَا يَرِدُ عَلَى حَدِّ الْمُطْلَقِ.
ص (أَوَذَابَ بَعْدَ جُمُودِهِ)
ش: الْجُمُودُ بِضَمِّ الْجِيمِ مَصْدَرُ جَمَدَ الشَّيْءُ ضِدَّ ذَابَ وَيَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَائِعًا مِنْ أَصْلِهِ أَوْ يَكُونَ جَامِدًا ثُمَّ ذَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ ذُوِّبَ قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ ثَلْجًا أَوْ بَرَدًا ذَابَ بِمَوْضِعِهِ أَوْ بِغَيْرِ مَوْضِعِهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ نَقْلًا عَنْ التِّلِمْسَانِيِّ قَالَ: لَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الذَّائِبِ فِي مَحِلِّهِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ إذَا ذَابَ بِمَوْضِعِهِ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
وَحَكَى فِيهَا أَنَّ الْمِلْحَ إذَا ذَابَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَفَرَّقَ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُمُودُهُ بِصَنْعَةٍ فَلَا يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ بِلَا صَنْعَةٍ فَيُتَطَهَّرُ بِهِ وَنَصُّهُ: الْأَصْلُ فِي الْمِيَاهِ كُلِّهَا الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ عَذْبَةً كَانَتْ أَوْ مَالِحَةً كَانَتْ عَلَى أَصْلِ مَيَاعَتِهَا أَوْ ذَابَتْ بَعْدَ جُمُودِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ جَامِدَةً فَتَذُوبُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مِلْحًا فَانْتَقَلَتْ عَنْهُ فَلِأَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ عَلَى الْأَصْلِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا جُمُودُهَا، وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّعَامِ فَلَا يُتَطَهَّرُ بِهَا وَيَنْضَافُ بِهَا مَا غَيَّرَتْهُ فِي سَائِرِ الْمِيَاهِ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ جُمُودُهَا بِصَنْعَةِ أَثَرٍ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فَإِنَّ حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْعُمُومِ فَيَكُونُ قَدْ شُهِرَ الْقَوْلُ بِالطَّهُورِيَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمِلْحَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الظَّاهِرُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمِلْحِ أَنَّهُ طَهُورٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ سَوَّى فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ صَدَّرَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: أَوْ جَامِدًا فَذَابَ وَلَوْ مِلْحًا فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ وَثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِغَيْرِ عِلَاجٍ وَإِلَّا فَكَالطَّعَامِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ
[فَرْعٌ إذَا ذَابَ الْبَرَدُ وَنَحْوُهُ فَوُجِدَ فِي دَاخِلِهِ شَيْءٌ طَاهِرٌ أَوْ نَجَسٌ مِنْ لَوَاحِقِ الْأَرْضِ]
(فَرْعٌ) إذَا ذَابَ الْبَرَدُ وَنَحْوُهُ فَوُجِدَ فِي دَاخِلِهِ شَيْءٌ طَاهِرٌ أَوْ نَجَسٌ مِنْ لَوَاحِقِ الْأَرْضِ فَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ انْتَهَى (قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ كَانَ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ)
ش: السُّؤْرُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ بَقِيَّةُ شُرْبِ الدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا وَيُقَالُ أَيْضًا فِي بَقِيَّةِ الطَّعَامِ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْمُحَدِّثُونَ وَالْفُقَهَاءُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: سُؤْرُ الْحَيَوَانِ مَهْمُوزٌ وَمَا بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ شُرْبِهِ أَوْ أَكْلِهِ وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِمْ سُؤْرُ الْحَيَوَانِ طَاهِرٌ أَوْ نَجَسُ لُعَابِهِ أَوْ رُطُوبَةُ فَمِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ أَنَّ السُّؤْرَ بَقِيَّةُ شُرْبِ الْحَيَوَانِ أَوْ نَجَاسَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ لَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ سُؤْرَ بَهِيمَةٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ فَأَمَّا سُؤْرُ الْبَهِيمَةِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِ الدَّوَابِّ وَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّوَابِّ: غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ بِالْمُبَالَغَةِ لِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ سُؤْرَ الْبَهِيمَةِ طَاهِرٌ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ أَرْوَاثَهَا، قَالَ
سَنَدٌ: وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ تَعْبَثُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَوْ تَكُونَ جَلَّالَةً فَالْأُولَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَكْثَرُ الدَّوَابِّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُرَ فِي أَفْوَاهِهَا ذَلِكَ عِنْدَ شُرْبِهَا وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ كَرِهَهُ، وَأَمَّا الْجَلَّالَةُ فَهِيَ كَالدَّجَاجِ الْمُخَلَّاةِ أَيْ فَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي فَأَمَّا الْأُولَى فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا جَرْيًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ رَجَّحَهُ ابْنُ الْإِمَامِ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا سُؤْرُ الْجَلَّالَةِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي كَلَامِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ كَمَا سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَهُ حُكْمٌ يَخُصُّهُ وَهُوَ الْكَرَاهَةُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَأَمَّا سُؤْرُ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فَلَا خِلَافَ فِي طَهَارَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَفْوَاهِهِمَا نَجَاسَةٌ وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ طَهَارَتِهِ كَمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي فَضْلَةِ طَهَارَةِ الْحَائِضِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ
ص (أَوْ فَضْلَةَ طَهَارَتِهِمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَفْضُلُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ قَالَهُ فِي الْأُمِّ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَذْكُرُ الْبَرَاذِعِيُّ فَضْلَةَ طَهَارَةِ الْحَائِضِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يُتَطَهَّرُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْحَائِضِ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ جَرْيُهُ فِي فَضْلِ طَهَارَةِ الْجُنُبِ.
(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِهِ وَرَدُّوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِخَلْوَتِهَا بِهِ وَنَصَّ الْإِرْشَادُ عَلَى أَنَّهُ يُتَطَهَّرُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْحَائِضِ وَلَوْ خَلَتْ بِهِ وَحَمَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُضُوءِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الرَّجُلِ وَعَكْسُهُ سَوَاءٌ شَرَعَا جَمِيعًا أَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ فَضْلَةَ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ وُضُوءُ الرَّجُلِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُهُمَا بِفَضْلِ صَاحِبِهِ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ تَتَوَضَّأُ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ لَا عَكْسُهُ، وَالرَّابِعُ يَتَوَضَّأُ أَحَدُهُمَا بِفَضْلِ صَاحِبِهِ إذَا شَرَعَا جَمِيعًا، الْخَامِسُ يَتَوَضَّأُ أَحَدُهُمَا بِفَضْلِ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ جُنُبًا وَالْمَرْأَةُ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا انْتَهَى بِاقْتِصَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ تَطْهِيرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي تَطْهِيرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ، قَالَ: وَكَذَا تَطْهِيرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ.
(قُلْتُ) : وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا.
[فَرْعٌ انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ فِي إنَائِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ الِامْتِنَاعَ مِنْ هَذَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِمَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ فِي إنَائِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ الِامْتِنَاعَ مِنْ هَذَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ مَا يُنْتَضَحُ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ النَّاسُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَكَانُ طَاهِرًا أَوْ مُنْحَدِرًا لَا تَثْبُتُ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ يُبَالُ فِيهِ وَيُسْتَنْقَعُ الْمَاءُ فَهُوَ نَجِسٌ وَيَنْجُسُ مَا طَارَ مِنْهُ مِنْ رَشِّ الْمَاءِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ عِيَاضٍ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا عَلَّلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ ضَرُورَةٌ فَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَتُحْمَلُ الضَّرُورَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى كَوْنِهِ مَاءً مُسْتَعْمَلًا فِي حَدَثٍ خَالَطَ الْمَاءَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْمَاءُ الَّذِي يَنْتَضِحُ فِي إنَاءِ الْمُغْتَسِلِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَا يَتَطَايَرُ مِنْ جَسَدِهِ وَمَا يَتَطَايَرُ مِنْ الْأَرْضِ وَكِلَاهُمَا لَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ تَطَايُرُ نَجَاسَةٍ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: يُحْمَلُ قَوْلُهَا عِنْدِي بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ مَا يَكُونُ فِي بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ فَإِنَّ إمْرَارَ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ لِلتَّدَلُّكِ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْإِنَاءِ عَفْوٌ وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدَيْهِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ نَاجِي وَعَادَتُهُ إذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ بِهِ إلَى ابْنِ عَرَفَةَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي
آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ وَفِي فَصْلِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ.
[فَرْعٌ تَوَضَّأَ عَلَى بَلَاطٍ نَجِسٍ وَطَارَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ الْبَلَاطِ]
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْد أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى بَلَاطٍ نَجِسٍ وَطَارَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ الْبَلَاطِ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً غَسَلَ مَا تَطَايَرَ عَلَيْهِ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَتَوَالَى الْبَلَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا إنَّمَا نَمَتْ وَذَهَبَتْ.
ص (أَوْ كَثِيرًا خُلِطَ بِنَجَسٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ إذَا خَالَطَهُ شَيْءٌ نَجِسٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَإِنَّهُ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ وَيُعْلَمُ قَدْرُ الْكَثِيرِ مِنْ تَحْدِيدِ الْقَلِيلِ الْآتِي ثُمَّ أَنَّ هَذَا الْكَثِيرَ إنْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ كَثِيرٌ فَلَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّتِهِ سَوَاءٌ خُلِطَ بِنَجَسٍ أَوْ طَاهِرٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي كَوْنِهِ كَثِيرًا فَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ طُرُقًا الْأُولَى أَنَّهُ طَهُورٌ وَلَوْ خُلِطَ بِنَجَسٍ اتِّفَاقًا وَعَزَّاهَا لِلْأَكْثَرِ، الثَّانِيَةُ أَنَّهُ طَهُورٌ وَشَذَّتْ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ يَعْنِي فِي أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَعَزَّاهَا لِابْنِ رُشْدٍ، الثَّالِثَةُ كَرَاهَتُهُ وَعَزَّاهَا لِابْنِ زَرْقُونٍ وَأَشَارَ لَهَا التُّونُسِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الطُّرُقَ جَارِيَةٌ فِي الْكَثِيرِ مُطْلَقًا وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كَثْرَتِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ التَّوْضِيحِ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ نَاقِضَةً لِلِاتِّفَاقِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: هَذِهِ رِوَايَةٌ مَائِلَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْأُصُولِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ بِحُكْمِ النَّجِسِ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْأَحْرَوِيَّةِ أَنَّ الْمُخَالَطَ الطَّاهِرَ لَا أَثَرَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ وَشُكَّ فِي الَّذِي غَيَّرَهُ هَلْ هُوَ مِمَّا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ أَوْ مِمَّا لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ؟ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ وَعَزَّ الشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْفَرْعَ لِلْمَازِرِيِّ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّهُ أَخَلَّ بِهِ الْبَرَاذِعِيُّ بَلْ كَلَامُهُ فِيهِ يُوهِمُ غَيْرَ الْمَقْصُودِ وَهِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَعَقَّبَهَا عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ بِلَفْظٍ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِمَاءِ الْبِئْرِ تَنْتُنُ مِنْ الْحَمْأَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ مَا وُجِدَ فِي الْفَلَوَاتِ مِنْ بِئْرٍ أَوْ غَدِيرٍ قَدْ أَنْتَنَا وَلَا أَدْرِي لِمَ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ أَنَّ الشَّيْءَ مَتَى شَكَّ فِي حُكْمِهِ رَدَّ إلَى أَصْلِهِ وَالْأَصْلُ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ وَقَالَ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَوْضِ يَتَغَيَّرُ رِيحُهُ وَلَمْ يُرَ فِيهِ أَثَرُ مَيْتَةٍ وَلَا جِيفَةٍ وَالدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ تَشْرَبُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يُرَ فِيهِ شَيْءٌ يُعْلَمُ أَنَّ فَسَادَ الْمَاءِ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الرُّشْدِ هُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْمِيَاهَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ حَيْثُ يَتَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ وَأَحْرَى إذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ الطَّهَارَةِ وَأَمَّا إذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ النَّجَاسَةِ أَوْ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ فَيُعْمَلُ عَلَيْهِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَإِذَا لَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْ شَيْءٍ تَغَيَّرَ الْمَاءُ نَظَرَ لِظَاهِرِ أَمْرِهِ فَيُقْضَى بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَاهِرٌ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْ شَيْءٍ هُوَ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا آبَارُ الْمُدُنِ إذَا أَنْتَنَتْ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَتْ هُنَا حَالَةَ تَرَيُّبٍ كَالْآبَارِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمَرَاحِيضِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ تُتْرَكُ الْيَوْمَيْنِ فَإِنْ طَابَتْ وَإِلَّا لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهَا انْتَهَى، وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمَازِرِيُّ أَوَاخِرَ سَمَاعِ أَشْهَبَ مُكَرَّرَةٌ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الْأُخَرِ.
وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ نَتْنَهَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ بَأْسًا أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ حَمْلُ الْمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَنْتَنَ مِنْ نَجَاسَةِ قَنَوَاتِ الْمَرَاحِيضِ الَّتِي تَتَخَلَّلُ الدُّورَ فِي الْقُرَى بِخِلَافِ الْبِئْرِ فِي الصَّحْرَاءِ إذَا أَنْتَنَ وَلَمْ يَدْرِ بِمَاذَا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا أَنْتَنَ مِنْ رُكُودِهِ وَسُكُونِهِ فِي مَوْضِعِهِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ لِنَجَاسَتِهِ سَبَبٌ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ نَتْنَ الْبِئْرِ لَيْسَ مِنْ قَنَوَاتِ الْمَرَاحِيضِ الَّتِي بِجَانِبِهَا لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ زَادَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي وَيُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ كَالْغَدِيرِ وَقَالَ قَبْلُهُ فِي خَلِيجِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ فَإِذَا جَرَى النِّيلُ كَانَ صَافِيًا وَإِذَا ذَهَبَ النِّيلُ
تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ وَالسُّفُنُ تَجْرِي فِيهِ عَلَى حَالِهَا وَالْمَرَاحِيضُ تَصُبُّ فِيهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لَوْنَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ صَبِّ الْمَرَاحِيضِ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ نَجِسًا بِإِجْمَاعٍ فَلَمَّا لَمْ يُعْلَمْ كَانَ الِاحْتِيَاطُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَوْ وُجِدَ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ وَلَمْ يُعْلَمْ لِتَغَيُّرِهِ سَبَبٌ مِنْ نَجَاسَةٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ مِنْهَا حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ: فَحُكْمُهُ بِالظَّاهِرِ مِنْ أَمْرِهَا لِقُرْبِ الْمَرَاحِيضِ مِنْ آبَارِ الدُّورِ وَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ رُبَّ بِئْرٍ فِي الصَّفَا وَالْحِجْرِ لَا يَصِلُ إلَيْهَا شَيْءٌ وَرُبَّ أَرْضٍ رَخْوَةٍ يَصِلُ مِنْهَا فَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى فِي مِثْلِ وَهَذَا ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَلِيجِ ثُمَّ قَالَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْهُ كَرَاهَةً وَاسْتِظْهَارًا إلَّا لِلْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ عَظِيمٌ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّجَاسَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَلِيجِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فَتَاوَى أَهْلِ مِصْرَ فِي بِرْكَةِ الْفِيلِ وَبِرْكَةِ النَّاصِرِيَّةِ وَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَصْفِ.
ص (أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ وَإِنْ بِدُهْنٍ لَاصِقٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرَةِ شَيْءٍ لَهُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُجَاوِرَةِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَاءِ أَوْ مُلَاصِقًا لَهُ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ إلَى جَانِبِ الْمَاءِ جِيفَةٌ أَوْ عُذْرَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَنَقَلَتْ الرِّيحُ رَائِحَةَ ذَلِكَ إلَى الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْهُ إذَا سُدَّ فَمُ الْإِنَاءِ بِشَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَتَغَيَّرَ مِنْهُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الْمُجَاوِرُ الْمُلَاصِقُ فَمَثَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالدُّهْنِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ وَقَيَّدَهُ بِالْمُلَاصِقِ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْمُمَازِجِ الْمُخَالِطِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: وَأَمَّا الدُّهْنُ فَقَدْ أَنْكَرَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الدُّهْنَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُجَاوِرًا لِسَطْحِ الْمَاءِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَابْنُ رَاشِدٍ وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ وَكَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِالْمُجَاوَرَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُجَاوِرَةَ الَّتِي لَا تَضُرُّ قِسْمَانِ قِسْمٌ غَيْرُ مُلَاصِقٍ وَقِسْمٌ مُلَاصِقٌ انْتَهَى وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُتَغَيِّرُ بِالدُّهْنِ طَهُورٌ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حَقُّهُ أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِالْمُجَاوِرِ لِأَنَّهُ يُجَاوِرُ وَلَا يُمَازِجُ يَرُدُّ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِهِمْ كُلُّ تَغَيُّرٍ بِحَالٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْ وَنَصُّ ابْنُ بَشِيرٍ: التَّغَيُّرُ بِمُخَالَطَةِ الْأَدْهَانِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّيْخِ وَالْقَابِسِيِّ مَا اسْتَقَى بِدَلْوٍ دُهِنَ بِزَيْتٍ غَيْرُ طَهُورٍ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ وَافَقَ ابْنَ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَلَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ دُهْنٌ أَوْ عُودٌ لَا يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ فَغَيَّرَهُ لَمْ يَضُرَّ قَالَ: وَلَا إشْكَالَ وَارِدٌ عَلَى ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَا عَنْ الْأُمَّهَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الدُّهْنَ إذَا لَاصَقَ سَطْحَ الْمَاءِ وَلَمْ يُمَازِجْهُ لَا يَضُرُّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: الْمُتَغَيِّرُ بِمُخَالَطَةِ الْأَدْهَانِ وَالْمُخَالَطَةِ الْمُمَازِجَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الدُّهْنَ الْمُخَالِطَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ وَقَدْ فَرَّقَ صَاحِبُ الْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلْوِ وَالدُّهْنِ الْوَاقِعِ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ بِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ مَازَجَهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدُّهْنِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّلْوِ لِأَنَّ الدُّهْنَ يَنْشَغُ مِنْ قَعْرِ الدَّلْوِ وَأَجْنَابِهِ بِخِلَافِ الدُّهْنِ الْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَطْفُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَبْقَى مَا تَحْتَهُ سَالِمًا وَصَاحِبُ الْجَمْعُ هَذَا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَرَأَيْتُ مِنْهُ جُزْءًا يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَبْحَثُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ يَنْشَغُ بِالنُّونِ وَالشِّينِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ يَرْتَفِعُ وَأَصْلُ النُّشُوغِ الشَّهِيقُ حِينَ يَكَادُ يَبْلُغُ الْغَشْيَ وَلَاصَقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِعْلٌ مَاضٍ لَا اسْمُ فَاعِلٍ وَيُقَالُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَالزَّايِ
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الدُّهْنِ الْمُلَاصِقِ فَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ حَتَّى يَلْقُطَ الدُّهْنَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ قَالَ هَذَا وَيَصِحُّ فِي الْكَثِيرِ وَأَمَّا الْقَلِيلُ كَنُقْطَةٍ فِي آنِيَةِ الْوُضُوءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى لَقْطِهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ لَمْ أَرَ مَنْ قَيَّدَ تَغَيُّرَ الْمُجَاوَرَةِ بِالرَّائِحَةِ فَقَطْ وَلَا يُمْكِنُ بِاللَّوْنِ لِامْتِنَاعِ الِانْتِقَالِ عَلَيْهِ وَفِي إمْكَانِهِ بِالطَّعْمِ نَظَرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: وَأَكْثَرُ مَا تُغَيِّرُ الْمُجَاوِرَةُ الرِّيحَ وَقَدْ تُؤَثِّرُ فِي اللَّوْنِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) وَالظَّاهِرُ عَدَمُ إمْكَانِ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ وَكَذَا الطَّعْمُ وَإِنْ قَدْ يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ غَلَطِ الْحِسِّ فَإِنْ تَحَقَّقَ تَغَيُّرُ الطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ لِطُولِ إقَامَةِ الدُّهْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الدُّهْنَ قَدْ مَازَجَ الْمَاءَ وَخَالَطَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالدُّهْنِ مَا يَصْعَدُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بِطُولِ الْمُكْثِ مِمَّا يُشْبِهُ الدُّهْنَ وَقَالَ آخَرُ: أَرَادَ بِالدُّهْنِ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْمَطَرَ الْقَلِيلَ.
وَالدُّهْنُ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ لُغَةً وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِمَا مِنْ الضَّعْفِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى مَا يَصْعَدُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ مِنْ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُؤْكَلُ فِيهَا وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْمَاءِ لِأَنَّهُ صَارَ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ نَوْعُ الْمَاءِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ أَوَانِيَهُمْ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّهْنِ وَقِلَّتِهِ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَا يُوجَدُ لَهُ طَعْمٌ فِي الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ الَّتِي فِي وِعَاءِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ التَّغَيُّرُ بِالرَّائِحَةِ الْبَاقِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ جِرْمِ الْقَطِرَانِ فِي الْوِعَاءِ شَيْءٌ أَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِرَائِحَةِ قَطِرَانٍ بَاقٍ فِي الْوِعَاءِ فَأَمَّا إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الرَّائِحَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْوِعَاءِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ جِرْمِ الْقَطِرَانِ فِي الْوِعَاءِ شَيْءٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ فَلَا يَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ حَصَلَ التَّغَيُّرُ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ مَعَ وُجُودِ جِرْمِهِ فِي الْوِعَاءِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْآتِي أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَكَأَنَّهُ يَجْعَلُهُ مِنْ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ الْمُلَاصِقِ وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الدُّهْنِ الْمُلَاصِقِ فَإِنْ حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَوْ بِرَائِحَةِ قَطِرَانِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ بِدُهْنٍ لَاصِقٍ وَيَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسَافِرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الْمُسَافِرُ غَالِبًا فَلَا مَفْهُومَ لَهُ وَإِذَا لَمْ يَضُرَّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِرَائِحَةِ الْقَطِرَانِ الْمَوْجُودِ فِي الْوِعَاءِ فَأَحْرَى إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ التَّغَيُّرُ فِي لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّ رَائِحَةَ الْقَطِرَانِ إذَا بَقِيَتْ فِي الْوِعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي وَأَمَّا إذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَاعَيْنَا مُطْلَقَ الِاسْمِ قُلْنَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَهُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَتَثْبُتَ لَهُ صِفَةُ الْإِضَافَةِ.
وَإِنْ رَاعَيْنَا مُجَرَّدَ التَّغَيُّرِ مَنَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَرْجَحُ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِتَغَيُّرِ الرِّيحِ مِنْ النَّجَاسَةِ بَأْسًا وَهَذَا الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ ظَاهِرٌ انْتَهَى.
فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ الْقَطِرَانُ لَوْنَ الْمَاءِ أَوْ طَعْمَهُ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ وَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ الْمَاءِ فَقَطْ فَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّائِحَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْوِعَاءِ فَقَطْ أَوْ مِنْ قَطِرَانٍ بَاقٍ فِي الْوِعَاءِ فَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مِنْ الرَّائِحَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْوِعَاءِ فَقَطْ فَيُجْزَمُ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَقَوْلُهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي لَا يُرِيدُ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الضَّرُورَةَ إلَيْهِ عِنْدَ مَنْ ذَكَرَ أَشَدُّ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مِنْ قَطِرَانٍ أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ فَرَدَّدَ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَيْضًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مُمَازَجَتُهُ لِلْمَاءِ بِأَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ
يُرِيدُ أَوْ طَعْمُهُ وَأَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْضَ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ فَصَارَ كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّهُ رَجَّحَ الْوُضُوءَ بِهِ وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ أَوْ طَعْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حِلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ رَأَى فِي الْقِرَبِ الَّتِي يُسَافَرُ بِهَا إلَى الْحَجِّ وَفِيهَا الْقَطِرَانُ فَيَتَغَيَّرُ الْمَاءُ أَنَّ الْوُضُوءَ بِهِ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي الرَّائِحَةِ أَوْ فِي الطَّعْمِ أَوْ فِي اللَّوْنِ فَلَوْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ لَفَظَّةَ رَائِحَةٍ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ إنَّمَا أَشَارَ إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ فَقَطْ مِنْ الْقَطِرَانِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ وَلَا بِالسَّفَرِ وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي السَّفَرِ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَتَقَيَّدُ حِينَئِذٍ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وِعَاءِ مُسَافِرٍ يُرِيدُ وَكَذَا أَهْلُ الْبَادِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَبَّرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ وَالْقَطِرَانُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهِمَا وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَهُوَ عُصَارَةُ شَجَرَةِ الْأَبْهَلِ وَهُوَ الْعَرْعَرُ وَشَجَرُ الْأَرْزِ يُطْبَخُ فَيَتَحَلَّلُ مِنْهُ الْقَطِرَانُ وَيُقَالُ فِي الْمَطْلِيِّ بِهِ مَقْطُورٌ وَمُقَطْرَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ كَالطُّحْلُبِ بِضَمِّ الطَّاءِ وَاللَّامِ وَبِفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا وَهُوَ الْخُضْرَةُ الَّتِي تَعْلُو الْمَاءَ وَالْخَزِّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ فِي جَوَانِبِ الْجُدُرِ الْمُلَاصِقَةِ لِلْمَاءِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالضَّرِيعُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَعْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَالزُّغْلَانُ قَالَ وَهُوَ حَيَوَانٌ صَغِيرٌ يَتَوَلَّدُ فِي الْمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَوْلًا بِكَرَاهَةِ الْمُتَغَيِّرِ بِالطُّحْلُبِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَغَيَّرَ لِطُولِ مُكْثِهِ سَوَاءٌ كَانَ تَغَيُّرُهُ فِي لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ أَوْ فِي الْجَمِيعِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ طُولِ مُكْثِهِ كَاصْفِرَارِهِ وَغِلَظِ قَوَامِهِ وَدُهْنِيَّةٍ تَعْلُوهُ مِنْ ذَاتِهِ وَالْمُكْثُ مُثَلَّثُ الْمِيمِ طُولُ الْإِقَامَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا أُلْقِيَ الطُّحْلُبُ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الْمَاءِ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْ جِنْسِهِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَنَقَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَعَبْدِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: إذَا طُبِخَ الْمَاءُ وَفِيهِ الطُّحْلُبُ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّ حَالَةَ الطَّبْخِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مُخَالَطَتِهِ فِي مُسْتَقَرِّهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَقَبِلَهُ.
(قُلْتُ) : وَلَا يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ الطُّرْطُوشِيُّ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِيمَا إذَا أُلْقِيَ فِيهِ الطُّحْلُبُ قَصْدًا أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْ جِنْسِهِ وَلِأَنَّا نَقُولُ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِطَبْخِ الطُّحْلُبِ فِيهِ أَخَصُّ مِنْ تَغَيُّرِهِ بِهِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ وَأَقْوَى فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اغْتِفَارِ الثَّانِي اغْتِفَارُ الْأَوَّلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ مِنْ السَّمَكِ أَوْ رَوْثِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ تَوَلَّدَ مِنْ الْمَاءِ كَالطَّيْرِ لَمْ يَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ سَلَبَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إمَّا مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ وَغَيَّرَ الْمَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي هُوَ بِهَا أَوْ يَمُرُّ عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ إلَّا مَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ
بِهَا مِنْ سَبْخَةٍ أَوْ حَمْأَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَالسَّبْخَةُ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَالِحَةُ فَإِنْ وُصِفَتْ بِهَا الْأَرْضُ كُسِرَتْ الْمُوَحَّدَةُ وَالْحَمْأَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا أَلْفٌ مَهْمُوزَةٌ وَهِيَ طِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْكِبْرِيتُ وَالزِّرْنِيخُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالشَّبُّ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ وَالْمُغْرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَيُقَالُ لَهَا الْمَشْقُ وَبِفَتْحِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ تُرَابٌ أَحْمَرُ وَالْكُحْلُ وَالزَّاجُّ وَالنُّورَةُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ بِذَلِكَ الْمَاءُ وَهُوَ فِي قَرَارِهِ أَوْ صُنِعَ مِنْهُ إنَاءٌ فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ مِنْهُ وَلَمْ يَكْرَهْ أَحَدٌ الْوُضُوءَ مِنْ إنَاءِ الْحَدِيدِ عَلَى سُرْعَةِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ فِيهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءِ صُفْرٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يُغَيِّرُ طَعْمَ الْمَاءِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسَخَّنُ لَهُ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ مِنْ صُفْرٍ انْتَهَى.
وَفِي الطِّرَازِ مَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ مِنْ نَفْسِ الْآنِيَةِ فَلَا يَضُرُّ وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَزَادَ وَلَمْ تَزَلْ الْأُمَّةُ تَسْتَعْمِلُ الْمُسَخَّنَ عَلَى النَّارِ وَمَاءَ الْحَمَّامَاتِ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ مِنْ طَعْمِ الْقُدُورِ مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ هَارُونَ وَالْبَرْزَلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَالْبِسَاطِيُّ فِي مُغْنِيهِ وَالزُّهْرِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَقَالَ: وَلَوْ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ مِنْ إنَاءِ النُّحَاسِ لِأَنَّهُ مَعْدِنٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَإِنْ كَانَ يُضِيفُ الْمَاءَ انْتَهَى.
(فَإِنْ قُلْتَ) : نُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي أَسْئِلَةِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْإِنَاءِ الْجَدِيدِ وَالْحَبْلِ الْجَدِيدِ إذَا كَانَ التَّغَيُّرُ يَسِيرًا جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرًا بَيِّنًا لَمْ يَجُزْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ فِي الْإِنَاءِ تَغَيُّرًا بَيِّنًا لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ فَخَّارٍ وَنَحْوِهِ.
(قُلْتُ) : لَيْسَ لَفْظُ الْإِنَاءِ فِي أَسْئِلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَلَّذِي فِي أَسْئِلَتِهِ فِي الْمَاءِ يَسْتَقِي بِالْكُوبِ الْجَدِيدِ وَالْحَبْلِ الْجَدِيدِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ وَالْكُوبُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ إنَاءٌ يُجْعَلُ مِنْ الْخَشَبِ وَفِي لَفْظِ السُّؤَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فَرَجَعَ طَعْمُ الْمَاءِ طَيِّبًا مِنْ الْأُرْزِ أَوْ نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَجَعَلَ بَدَلَ الْكُوبِ الْجَدِيدِ الدَّلْوَ الْجَدِيدَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَنَصُّهُ: وَيَلْحَقُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْبِئْرُ الْمُتَغَيِّرَةُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْعُشْبِ الَّذِي تُطْوَى بِهِ الْآبَارُ فِي الصَّحَارِي لِلضَّرُورَةِ لِذَلِكَ الْمَاءِ وَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالدَّلْوِ الْجَدِيدِ فَهَذَا كُلُّهُ يَلْحَقُ بِالْمُطْلَقِ إلَّا أَنْ تَطُولَ إقَامَةُ الْمَاءِ فِي الدَّلْوِ الْجَدِيدِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ مِنْهُ تَغَيُّرًا فَاحِشًا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ فِي أَسْئِلَتِهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِشَيْءٍ طُرِحَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَطْرُوحُ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مِنْ قَرَارِ الْمَاءِ كَالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَلَوْ كَانَ الطَّرْحُ قَصْدًا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إذَا كَانَ الطَّرْحُ قَصْدًا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَاءَ مُنْفَكٌّ عَنْ هَذَا الطَّارِئِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ قَصْدًا عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا طُرِحَ قَصْدًا وَأَمَّا مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَوْ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِالْكَافِ فَقَالَ مِنْ كَتُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ لَكَانَ أَشْمَلَ كَمَا قَالَ فِي الشَّامِلِ وَأَنَّ بِمَطْرُوحٍ وَلَوْ قَصْدًا مِنْ كَتُرَابٍ أَوْ مُغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَكِنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْمَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ وَأَبْعَدِهَا عَنْهُ وَهُوَ الْمِلْحُ فَعُلِمَ بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِمَا أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيمَا بَيْنَهُمَا كَالْكِبْرِيتِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمُغْرَةِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْجَمِيعِ عَدَمُ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ كَمَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ مَجْهُولِ الْجَلَّابِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِلْحِ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَمُقَابِلُهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَعْدِنِيِّ فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ وَالْمَصْنُوعِ فَيَسْلُبُ وَنَسَبُهُ سَنَدٌ لِلْبَاجِيِّ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَمْ يَجْزِمْ الْبَاجِيُّ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ قَالَ
سَنَدٌ: الْأَوْلَى عَكْسُهُ يُرِيدُ أَنَّ الْمَعْدِنِيَّ يَضُرُّ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَالْمَصْنُوعَ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ أَصْلَهُ تُرَابٌ (تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ لَوْ كَانَ التُّرَابُ مَصْنُوعًا كَالْجِبْسِ وَالنُّورَةِ فَالظَّاهِرُ التَّأْثِيرُ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالصَّنْعَةِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَاءِ يَتَغَيَّرُ فِي الْإِنَاءِ مِثْلِ الْفَخَّارِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الصَّنْعَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ الْبُرْزُلِيُّ بِأَنَّ صُفْرَةَ الْمَاءِ مِنْ الْجِيرِ لَا تَضُرُّ قَالَ كَمَا إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ بِالْفَخَّارِ الْجَدِيدِ وَالتُّرَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِنَا عَنْ الْمِلْحِ إذَا طُبِخَ فِي الْمَاءِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى سُقُوطِ الطَّعَامِ فِيهِ؟ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُضَافِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ: لَا يَجْرِي الطَّعَامُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي الطُّحْلُبِ إذَا طُبِخَ فِي الْمَاءِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَطْبُوخِ أَقْوَى
ص (وَالْأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ ابْنَ يُونُسَ رَجَّحَ الْقَوْلَ بِسَلْبِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ بِالْمِلْحِ الْمَطْرُوحِ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمِلْحِ: وَالصَّوَابُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ الْأَرْضَ صَارَ طَعَامًا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ فَهُوَ بِخِلَافِ التُّرَابِ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ وَلَا تَخْلُو بُقْعَةٌ فِيهَا الْمَاءُ مِنْهُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌ) هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ جَرَى فِيهِ ذِكْرُ التَّرَدُّدِ وَهُوَ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطُّرُقِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ الْمِلْحُ كَالتُّرَابِ فَلَا يَنْقُلُ حُكْمَ الْمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ كَالطَّعَامِ فَيَنْقُلُهُ إلَى غَيْرِهِ أَوْ الْمَعْدِنِيُّ كَالتُّرَابِ وَالْمَصْنُوعُ كَالطَّعَامِ وَاخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ هَلْ تَرْجِعُ هَذِهِ الْأَقْوَالُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ مَنْ جَعَلَهُ كَالتُّرَابِ يُرِيدُ الْمَعْدِنِيَّ وَمَنْ جَعَلَهُ كَالطَّعَامِ يُرِيدُ الْمَصْنُوعَ أَوْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّرَدُّدِ إلَى الِاخْتِلَافِ الثَّانِي وَالْمَعْنَى اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْمِلْحِ هَلْ يَتَّفِقُ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ كَانَ مَصْنُوعًا أَوْ لَا يَتَّفِقُ عَلَى ذَلِكَ طَرِيقَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
(فَإِنْ قُلْتَ) : الطَّرِيقُ الَّتِي تَقُولُ يَتَّفِقُ عَلَى السَّلْبِ بِالْمَعْدِنِيِّ لِأَنَّهَا تَدْعُو أَنَّ الْخِلَافَ يَرْجِعُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِالتَّفْصِيلِ فَلِمَ لَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ مَثَلًا وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صُنِعَ وَعَلَى عَدَمِ السَّلْبِ بِهِ إنْ لَمْ يُصْنَعْ تَرَدُّدٌ وَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ لِأَنَّا نَقُولُ الَّذِي أَفَادَهُ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ غَيْرَ الْمَصْنُوعِ لَمْ يَحْصُلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ بِهِ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ السَّلْبِ بِهِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ (وَالْجَوَابُ) : أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ السَّلْبِ بِالْمَعْدِنِيِّ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ كَالتُّرَابِ وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِي التُّرَابِ نَفْسِهِ فَلَوْ قَالَ وَفِي الِاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إنْ صُنِعَ وَعَلَى عَدَمِ السَّلْبِ إنْ لَمْ يُصْنَعْ لَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ السَّلْبِ بِالْمَعْدِنِيِّ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ الِاتِّفَاقُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَصَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَدُهْنٍ خَالَطَهُ أَوْ بُخَارٍ مُصْطَكَى وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ) ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمُطْلَقِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخُبْثِ يَرْتَفِعُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَلَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ سَوَاءٌ كَانَ تَغَيُّرُهُ فِي اللَّوْنِ أَوْ فِي الطَّعْمِ أَوْ فِي الرِّيحِ إذَا كَانَ الْمُغَيِّرُ لِلْمَاءِ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُغَيِّرُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا وَذَلِكَ كَالدُّهْنِ الَّذِي يُخَالِطُ الْمَاءَ أَيْ يُمَازِجُهُ وَكَاللَّبَنِ
وَالزَّعْفَرَانِ وَالْخَلِّ وَغَيْر ذَلِكَ وَكَالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا وَذَلِكَ كَالدُّهْنِ الَّذِي يُخَالَطُ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى وَنَحْوِهَا وَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِمَا ذَكَرْنَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّيْءِ الَّذِي غَيَّرَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ كَالشُّرْبِ وَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ مِنْ الْوَسَخِ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا حُكْمَ الْخُبْثِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي غَيَّرَ الْمَاءَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ لَا يُسْتَعْمَلُ لَا فِي الْعَادَاتِ وَلَا فِي الْعِبَادَاتِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسْقَى بِهِ الزَّرْعُ وَأَنْ يُسْقَى لِلْمَاشِيَةِ وَيَصِيرُ بَوْلُهَا وَرَوْثُهَا نَجِسًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ لَا نَجِسٍ وَقَوْلُهُ أَوْ نَجِسٌ يَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِكَسْرِهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْءَ الْمُتَنَجِّسَ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَخُصِّصَ الْمُتَغَيِّرُ بِالدُّهْنِ الْمُخَالِطِ وَالْمُتَغَيِّرِ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى بِالذِّكْرِ لِنُكْتَةٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَإِنْ بِدُهْنٍ لَاصِقٍ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِمُخَالَطَةِ الْأَدْهَانِ غَيْرُ طَهُورٍ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ يُوهِمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادُ الشَّارِحِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ طَهُورٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ لَهُ عَلَى الدُّهْنِ الْمُلَاصِقِ وَعِبَارَاتُ الشَّارِحِ فِي الصَّغِيرِ أَحْسَنُ مِنْهُ قَالَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى فَلِيُنَبِّهَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِي الْمُبَخَّرِ بِالْمَصْطَكَى وَغَيْرِهَا قَوْلَيْنِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ مُجَاوِرٌ فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ أَوْ مُخَالِطٌ فَيَسْلُبُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخَالِطٌ وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ غَيْرَهُ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: جَزْمُ اللَّخْمِيُّ بِإِضَافَتِهِ صَوَابٌ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْمُبَخَّرِ بِالْعُودِ وَغَيْرِهِ حَكَاهُ الْأَشْيَاخُ الْمُتَأَخِّرُونَ انْتَهَى.
وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَقَيَّدَهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي بِالتَّغْيِيرِ الْبَيِّنِ فَقَالَ إذَا بُخِّرَ الْإِنَاءُ وَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الْإِنَاءِ ظُهُورًا بَيِّنًا فَإِنَّهُ يَسْلُبُ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ الْإِطْلَاقُ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالْبَيِّنِ أَنْ يُدْرَكَ التَّغَيُّرُ فِيهِ وَالْمَصْطَكَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَبِمَدٍّ مَعَ الْفَتْحِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَلَوْ قَالَ أَوْ بُخَارٌ كَمُصْطَكَى لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَشْمَلَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ بِمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ سَلَبَهُ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ الطَّهُورِيَّةَ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا مَا نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَضُرُّ فِيهِ التَّغَيُّرُ الْبَيِّنُ كَمَا سَيَأْتِي وَذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ فِي كَلَامِهِ هُنَا وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ قَوْلًا بِاغْتِفَارِ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ إنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ ذَكَرَ الْإِبْيَانِيُّ فِي سَفِينَتِهِ أَنَّ خَفِيَّ التَّغَيُّرِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَذَلِكَ أَنَّ أَوَانِي الْعَرَبِ لَا تَنْفَكُّ مِنْ طَعْمٍ يَسِيرٍ أَوْ رَائِحَةٍ يَسِيرَةٍ وَكَانُوا لَا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا انْتَهَى وَحَكَى صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّ بَعْضَهُمْ عَزَى الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ لِلْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَهَذَا يُحْمَلُ عِنْدِي عَلَى مَا تَغَيَّرَ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا لَا عَلَى أَنَّ التَّغَيُّرَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ.
(قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَنْقُلْ صَاحِبُ الطِّرَازِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَّا عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِبْيَانِيُّ مِنْ مَسْأَلَةِ أَوَانِي الْعَرَبِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَفِي كَلَامِ ابْنِ هَارُونَ الْمُتَقَدِّمِ هُنَا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ الْوَانُّوغِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْإِنَاءِ يُصَبُّ مِنْهُ الْوَدَكُ أَوْ الزَّيْتُ ثُمَّ يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ فَتَعْلُوهُ شِيَابَةٌ هَلْ يُتَوَضَّأُ بِهِ؟
فَقَالَ: أَمَّا الْيَسِيرُ فَلَا يَضُرُّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ وَأَمَّا مَا تَغَيَّرَ بِنَجَسٍ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ وَسَوَاءٌ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ.
(قُلْتُ) : فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا تَغَيَّرَ رِيحُهُ فَقَطْ نُظِرَ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، (الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُخَالَطِ أَوْ عَكْسُ ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمُخَالَطِ الطَّاهِرِ الْمُغَيِّرِ لِلْمَاءِ أَقَلَّ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ وَإِنَّ تَرْكَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ اسْتِحْسَانٌ وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِيرِ بِتَغَيُّرٍ بِرَوْثِ الْمَاشِيَةِ وَمِثْلُهُ الْبِئْرُ إذَا تَغَيَّرَ بِوَرَقِ الشَّجَرِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ فَاسِدٌ وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِيهِ مَالِكٌ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ فِيهِ هَلْ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ أَمْ لَا وَنَحْوُهُ الْبَاجِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَتَبِعَ ابْنَ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ اللَّخْمِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ مَا انْضَافَ إلَى الْمَاءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ لَيْسَ هُوَ الْغَالِبُ إلَّا أَنَّهُ غَيَّرَ أَوْصَافَ الْمَاءِ أَوْ بَعْضَهَا فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَلَا يَجُوزُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا يَرْفَعُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ وَلَا بَدَنٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُتَوَضَّأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُحَرِّمَهُ فَاتَّقَاهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ بِعِبَارَةٍ تُوهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْغَدِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا هُوَ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِ الْمَاءِ لَا مُجَرَّدُ مُخَالَطَةِ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ فَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ جِلْدٌ أَوْ ثَوْبٌ وَأُخْرِجَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ لَمْ يَضُرَّهُ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الطِّرَازِ وَكَذَلِكَ لَوْ غُمِسَ فِيهِ خُبْزٌ وَأُخْرِجَ فِي الْحِينِ أَوْ بُلَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ قَالَ: وَالْعِلَّةُ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِ الْمَاءِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَحُكِيَ فِي الطِّرَازِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءِ بُلَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ أَوْ تُوُضِّئَ بِهِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ الْمَاءُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا ذَكَرَهُ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
(الرَّابِعُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اعْتِبَارِ تَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ تَغَيُّرَ الرِّيحِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَغَيُّرَ الرِّيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَغَيُّرَ الرِّيحِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلًا ثَالِثًا يُفَرِّقُ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الشَّدِيدِ وَالْخَفِيفِ وَعَزَّاهُ لِسَحْنُونٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ تَغَيَّرَ بِمَا حَلَّ فِيهِ تَغَيُّرًا شَدِيدًا أَعَادَ أَبَدًا قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَنَاوَلُ الطَّعْمَ وَاللَّوْنَ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ سَحْنُونٍ مَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الرِّيحِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ أَلْغَى تَغَيُّرَ الرِّيحِ مُطْلَقًا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا أَنْتَنَ الْمَاءُ وَاشْتَدَّتْ رَائِحَتُهُ فَنَجَسٌ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(قُلْتُ) : كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الثَّانِي فِي أَوَاخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ عِيَاضٍ أَجْمَعُوا عَلَى نَجَاسَةِ مَا غَيَّرَ رِيحَهُ نَجَاسَةٌ بَعِيدٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا نَحْوُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ أَشْيَاخِ ابْنِ بَشِيرٍ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ حَتَّى حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَى التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوَرَةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَلَعَلَّهُ قَصَدَ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ: وَهَذِهِ غَلْطَةٌ عَظِيمَةٌ فَقَدْ حَكَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ فِي الثَّمَانِيَةِ أَنَّ وُقُوعَ الْمَيْتَةِ فِي الْبِئْرِ لَا يَضُرُّ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ بِأَنَّ خِلَافَهُ مَعَ تَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ بِمَا حَلَّ فِي الْمَاءِ وَخَالَطَهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَ هَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ
تُغَيِّرْهُ ثُمَّ حَلَّ فِيهِ مَا هُوَ طَاهِرٌ كَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِ فَغَيَّرَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الْمُسْتَحْسَنِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الْإِضَافَةُ ثُمَّ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ كَانَ نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ وَالْمَائِعَاتِ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي وَالشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَلِذَلِكَ قَالَ عَلَى الْمُسْتَحْسَنِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَإِنَّهُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ حُكْمُ مَا غَيَّرَهُ فَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ وَإِنْ كَانَ الْمُغَيِّرُ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ مَا نَصَّهُ وَانْظُرْ إذَا خَالَطَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَنْضَحُ فَيَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ بِمَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُشَكُّ أَيْضًا فِي الْمُغَيِّرِ هَلْ هُوَ مِمَّا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ أَمْ لَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ حَتَّى اسْتَنْقَعَ مِنْ الْمَطَرِ شَيْءٌ قَلِيلٌ فَلْيَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَإِنْ جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ وَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ زِبْلٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي هَذَا فِي الْفَلَوَاتِ وَأَمَّا فِي طُرُقِ الْمُدُنِ فَلَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا النَّجَاسَةُ انْتَهَى
ص (وَيَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ)
ش: لَمَّا دَلَّ كَلَامُهُ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ التَّغَيُّرِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ كَمَا ذَكَرْنَا نَبَّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ حَبْلَ السَّانِيَةِ لَا يَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ مِنْهُ تَغَيُّرًا بَيِّنًا وَالسَّانِيَةُ الْحَبْلُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ وَفِي الْمَثَلِ سَيْرُ السَّوَانِي سَفَرٌ لَا يَنْقَطِعُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِمَا ذَكَرَهُ إلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَمَّا الْمَاءُ يُسْتَقَى بِالْكُوبِ الْجَدِيدِ فَلَا يَجِبُ الِامْتِنَاعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الطَّهَارَةِ إلَّا أَنْ يَطُولَ مُكْثُ الْمَاءِ فِي الْكُوبِ أَوْ طَرْحُ الْحَبْلِ فِيهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ تَغَيُّرًا بَيِّنًا فَاحِشًا انْتَهَى.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ أَنَّ السَّانِيَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّهُ فَرَضَ ذَلِكَ فِي حَبْلِ الِاسْتِقَاءِ وَهُوَ أَعَمُّ ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَ الْأَجْوِبَةِ السَّابِقِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَكَذَا فَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَامًّا فَقَالَ: وَفِي طَهُورِيَّةِ الْمُتَغَيِّرِ بِحَبْلِ اسْتِقَائِهِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَغَيُّرًا فَاحِشًا الْأَوَّلُ لِابْنِ زَرْقُونٍ وَالثَّانِي لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالثَّالِثُ لِفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُغَيَّرِ بِهِ وَبِالْكُوبِ انْتَهَى.
فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِحَبْلِ السَّانِيَةِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِحَبْلِ اسْتِقَائِهِ كَانَ أَحْسَنَ وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ حَبْلِ السَّانِيَةِ وَحَبْلِ الْبِئْرِ وَجَعَلَ الصَّحِيحَ فِي حَبْلِ السَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ قَالَ: بِخِلَافِ حَبْلِ الْبِئْرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ فِي حَبْلِ الْبِئْرِ بَلْ يُرْبَطُ فِي الدَّلْوِ مِقْدَارُ مَا يَحِلُّ فِي الْمَاءِ مِنْ حَبْلٍ قَدِيمٍ.
وَأَمَّا حَبْلُ السَّانِيَةِ فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لِحُلُولِهِ كُلِّهِ فِي الْمَاءِ، قَالَ: وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَنْعِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَهَذَا فِي السَّانِيَةِ الَّتِي تَدُورُ بِالْقَوَادِيسِ وَأَمَّا الَّتِي تَذْهَبُ بِالدَّوَابِّ وَتَجِيءُ فَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ أَيْضًا بِرَبْطِ حَبْلٍ فِي طَرَفِ الْحَبْلِ الْجَدِيدِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَفِيهِ تَضْيِيقٌ وَحَرَجٌ وَالظَّاهِرُ مَا تَقَدَّمَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بِالْحَبْلِ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ أَوْ بِالدَّلْوِ أَوْ بِالْكُوبِ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ إلَّا إذَا طَالَ مُكْثُهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا فَاحِشًا وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْإِنَاءُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنْ قَرَارِ الْأَرْضِ كَالْإِنَاءِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالْفَخَّارِ فَهَذَا لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِهِ وَلَوْ كَانَ فَاحِشًا كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّبِيبِيُّ فِي مَاءِ الْقِرْبَةِ وَالْبِئْرِ يَتَغَيَّرُ بِمَا يُصْلِحُهُ مِنْ الدِّبَاغِ وَالطَّرْفَاءِ أَوْ نَحْوِهِ أَنَّهُ طَهُورٌ وَغَيْرُهُ أَحْسَنُ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ فِي مَاءِ الْقِرْبَةِ بِتَغَيُّرٍ مِنْ الدِّبَاغِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ فِيهِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الدَّلْوِ لِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا ضَرُورَةُ الِاسْتِقَاءِ وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّرْفَاءِ وَنَحْوِهِ فَسَيَأْتِي
عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ طَهُورٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ مَا يُطْوَى بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ أَوْ بِئْرٍ بِوَرِقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ وَالْأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَازُ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لَا يَضُرُّ فِيهِمَا إلَّا التَّغَيُّرُ الْبَيِّنُ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ رَاجِعًا لِمُجَرَّدِ التَّغَيُّرِ لَا لِقَيْدِ كَوْنِهِ بَيِّنًا كَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُسَاعِدُ لِلنُّقُولِ أَلَا تَرَاهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا قَوْلًا بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(قُلْتُ) : أَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَدِيرِ تَرِدُهُ الْمَاشِيَةُ فَتَبُولُ فِيهِ وَتَرُوثُ فِيهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ فَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ: الْأُولَى ذَلِكَ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَيَكُونُ الْمَاءُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ يَتَيَمَّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَعَادَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُحَرِّمَهُ فَحَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ، قَالَ: فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ وَتُسْتَحْسَنُ الْإِعَادَةُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، قَالَ: وَإِنْ عُدِمَ غَيْرُهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى التَّيَمُّمِ وَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لَكِنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمُخَالِطِ أَقَلَّ مِنْ الْمَاءِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَالَ: وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِيهِ مَالِكٌ لِاشْتِبَاهِ أَمْرِهِ هَلْ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ أَمْ لَا وَهَكَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَقَيْ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَمَعْنَى ذَلِكَ لَهُ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَاخْتَصَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَرَوَى ابْنُ غَانِمٍ فِيمَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ بِبَوْلِ مَاشِيَةٍ تَرَدُّدٌ وَرَوْثِهَا لَا يُعْجِبُنِي الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا أُحَرِّمُهُ الْبَاجِيُّ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا اللَّخْمِيُّ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ قَلِيلٍ وَجَعَلَ فِي سَلْبِ طَهُورِيَّتِهِ وَطَهَارَتِهِ قَوْلَيْنِ وَتَبِعَهُ ابْنُ رُشْدٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَا الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُهُمَا فِي ذَلِكَ فَانْظُرْ آفَةَ الِاخْتِصَارِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِيرِ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا أَمْ لَا عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَقَبِلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبِئْرِ تَتَغَيَّرُ بِوَرِقِ الشَّجَرِ وَالتِّبْنِ الَّذِي أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِيهَا فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّ التَّغَيُّرَ الْبَيِّنَ يَضُرُّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْبَيِّنِ لَا يَضُرُّ، وَالثَّانِي وَعَزَاهُ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِهِمَا أَيْ بِوَرِقِ الشَّجَرِ وَالتِّبْنِ لَا يَضُرُّ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ بَيِّنًا أَوْ غَيْرَ بَيِّنٍ مَفْهُومُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ فِي بِئْرِ الْحَاضِرَةِ بَيِّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَيِّنٍ هَذَا حَلُّ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلْتُ عَنْ آبَارِ الصَّحَارِي الَّتِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى طَيِّهَا بِالْخَشَبِ لِعَدَمِ مَا تُطْوَى بِهِ سِوَى ذَلِكَ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْمَاءِ وَرِيحُهُ وَطَعْمُهُ مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ الْغُسْلُ وَالْوُضُوءُ بِهِ؟ فَأَجَبْتُ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ثُمَّ سُئِلْتُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا أَجَبْتُ بِهِ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ فَذَكَرَ احْتِجَاجَهُ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ آبَارَ الصَّحَارِي لَمَّا كَانَتْ لَا يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ الْخَشَبِ وَالْعُشْبِ اللَّذَيْنِ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى طَيِّهَا بِهِمَا صَارَ ذَلِكَ كَتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ مِنْ الطُّحْلُبِ وَالْحَمْأَةِ وَنَحْوِهِمَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ لَا يَصِحُّ بِذَلِكَ هَذَا بَعِيدٌ كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْغُدْرَانِ بِمَا يَسْقُطُ فِيهِ مِنْ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ النَّابِتَةِ عَلَيْهِ وَاَلَّتِي جَلَبَتْهَا الرِّيحُ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الْغُسْلُ بِهِ وَهَذَا مِنْ الشُّذُوذِ الْخَارِجِ عَنْ أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمِيَاهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِبْيَانِيَّ فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا إذَا
سَقَطَ وَرَقُ الشَّجَرِ أَوْ الْحَشِيشُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ فَإِنَّ مَذْهَبَ شُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْوُضُوءُ بِهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيِّ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا وَلَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ وَيَشُقُّ تَرْكُ اسْتِعْمَالِهِ كَالطُّحْلُبِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة فِي الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا سَعَفُ النَّخْلِ وَوَرَقُ الزَّيْتُونِ وَالتِّبْنُ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُ الْمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ إلَّا وَقَدْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَصَلَّى أَعَادَ مَا لَمْ يَذْهَبْ الْوَقْتُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهَذَا نَحْوُ الْأَوَّلِ وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَدِيرِ وَإِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ أَقَلَّ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا وَكَانَ تَرْكُهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاعْتَمَدَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ عَلَى هَذَا فَذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ قَالَ: وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَنَحْوُهُ فِي الصَّغِيرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَلِهَذَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ بِنَاءَ اللَّخْمِيِّ وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَلَمَّا تَكَلَّمَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ مَا نَصُّهُ: أَمَّا الْحَشِيشُ وَأَوْرَاقُ الشَّجَرِ تَسْقُطُ فِي الْمَاءِ فَتُغَيِّرُهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَنَعَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيُّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ إنْ وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُهُ انْتَهَى.
يُشِيرُ بِهِ إلَى مَسْأَلَةِ السُّلَيْمَانِيَّة وَأَنَّ مَالِكًا إنَّمَا تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ لِاشْتِبَاهِ أَمْرِهِ هَلْ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ وَتَبِعَ ابْنَ عَرَفَةَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: وَفِيمَا غَيَّرَ لَوْنَهُ وَرَقٌ أَوْ حَشِيشٌ غَالِبٌ، ثَالِثُهَا يُكْرَهُ لِلْعِرَاقِيِّينَ الْإِبْيَانِيُّ وَقَوْلُ السُّلَيْمَانِيَّة تُعَادُ الصَّلَاةُ بِوُضُوئِهِ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْمُخْتَصَرِ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ حَكَى اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَا تَغَيَّرَ مِنْ وَرِقِ شَجَرٍ نَبَتَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مَاءِ الْبِئْرِ الْمُتَغَيِّرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ طُرُقًا: الْأُولَى لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَهُوَ قَوْلُ الْإِبْيَانِيِّ
وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِشُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَابْنِ رُشْدٍ لِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَجُعِلَ مِثْلُ ذَلِكَ الْمُتَغَيِّرِ بِمَا تُطْوَى بِهِ الْبِئْرُ مِنْ الْخَشَبِ وَالْعُشْبِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَوْلُ مَنْ خَالَفَهُ، الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِلَّخْمِيِّ أَنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ وَمُقَابِلُهُ بِالْكَرَاهَةِ، الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَوْلُ الْإِبْيَانِيِّ وَالثَّالِثَ مَا فِي السُّلَيْمَانِيَّة، الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ وَرَقَ الشَّجَرِ النَّابِتِ لَا يَضُرُّ اتِّفَاقًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَيْهِ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَنُقُولِهِمْ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّهُ قَوْلُ شُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَقَدَّمَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ وَيُقَدِّمَهُ فَإِنَّ الْقَوْلَ الَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ قَوْلُ الْإِبْيَانِيِّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي غَايَةِ الشُّذُوذِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنَّمَا اعْتَمَدَ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَصَّلَهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ ضَعِيفٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْبَيِّنِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَدَلَّ آخِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى أَنْ فَتْوَاهُ غَيْرُ
قَاصِرَةٍ عَلَى مَا تُطْوَى بِهِ الْبِئْرُ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ صَوَابٌ انْتَهَى.
لَكِنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ بِبِئْرِ الْبَادِيَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ مَا يُعْسَرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ السُّقُوطِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْمُطْلَقِ وَإِنْ كَانَ السُّقُوطُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمُضَافِ
[فَرْعٌ تغير الْمَاء بِمَا هُوَ مُتَأَصِّل فِيهِ]
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْمَاءِ شَجَرَةٌ فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ بِعُرُوقِهَا فَنَقَلَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ إلَّا إذَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ بِهَا عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مُثْمِرَةً فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً فَالْمَاءُ مُضَافٌ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ قَالَهُ الْأَشْيَاخُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا خَالَطَ الْمَاءَ شَيْءٌ أَجْنَبِيٌّ يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا وَلَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِأَوْصَافِ الْمَاءِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ وَالرِّيحَ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَهَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ الْمُخَالِطُ الْمُوَافِقُ لِأَوْصَافِ الْمَاءِ كَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَاءِ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَوْجُودَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إنَّمَا هِيَ أَوْصَافٌ لِلْمَاءِ وَالْمُخَالِطِ وَأَدْنَى الْأُمُورِ فِي ذَلِكَ الشَّكُّ فِيهِ أَوْ لَا يَجْعَلُهُ مُخَالِفًا لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى الْمَاءِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِعْمَالَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَالنَّظَرُ فِي الْجَعْلِ وَعَدَمِ الْجَعْلِ وَعُدِلَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي تَقْدِيرِ مُوَافِقِ صِفَةِ الْمَاءِ مُخَالِفًا نَظَرٌ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُودِ التَّقْدِيرِ وَعَدَمِهِ أَيْ هَلْ نُقَدِّرُهُ مُخَالِفًا أَوْ لَا نُقَدِّرُهُ مُخَالِفًا لَا فِي كَيْفِيَّةِ التَّقْدِيرِ بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَدْرِي بِأَيِّ نَوْعٍ نُلْحِقُهُ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ فَعَدَلَ إلَى لَفْظِ الْجَعْلِ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَى هَذَا لَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى شَيْءٍ قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ وَتَيَمَّمَ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ عَطَاءٍ اللَّهِ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ: وَقَدْ تَرَدَّدَ سَنَدٌ فِيمَنْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ دُونَ كِفَايَتِهِ فَخَلَطَهُ بِمَاءِ الزَّرْجُونِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ هَلْ يَتَطَهَّرُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ بِهِ لِأَنَّهُ تَطَهَّرَ بِغَيْرِ الْمَاءِ جَزْمًا قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَطَهَّرُ بِهِ ثُمَّ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ فَيَنْظُرُ فِي الْوَاقِعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَجْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِصُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُخَالِطَ الْمَاءَ مَا هُوَ مُوَافِقٌ بِصِفَتِهِ كَالرَّيَاحِينِ الْمَقْطُوعَةِ الرَّائِحَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُتَغَيِّرًا بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَيُخَالِطُهُ مَائِعٌ مُخَالِطٌ لِصِفَتِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ التَّمَسُّكُ بِبَقَاءِ أَوْصَافِ الْمَاءِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُهَا أَوْ يُظَنُّ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُخَالِطُ لِلْمَاءِ هُوَ الْأَكْثَرُ قَالَ: وَلَا تُقَدَّرُ الْأَوْصَافُ الْمُوَافِقَةُ مُخَالِفَةً لِعَدَمِ الِانْضِبَاطِ مَعَ التَّقْدِيرِ إذْ يَلْزَمُ إذَا وَقَعَتْ نُقْطَةٌ أَوْ نُقْطَتَانِ مِنْ مَاءِ الزَّهْرِ أَنْ لَا تُؤَثِّرَ لِأَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ لَأَثَّرَتْ لِأَنَّهَا تُغَيِّرُهُ.
وَكَذَلِكَ رُبَّمَا غَيَّرَهُ مِقْدَارٌ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ مِنْ مَاءٍ آخَرَ مِنْ مِيَاهِ الْوَرْدِ لِرَدَاءَتِهِ فَلَوْ رُوعِيَ مِثْلُ هَذَا لَمَا انْضَبَطَ وَالشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ تَقْتَضِي طَرَحَ ذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّرْنَاهُ بِالْوَسَطِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجَعَلْنَا الْمَاءَ كَأَنَّهُ غَيْرُ مُغَيَّرٍ فِي صُورَةٍ مَا إذَا كَانَ مُغَيَّرًا بِقَرَارِهِ لَمْ يَلْزَمْ مَا ذَكَرَهُ هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجَعَلَ ابْنُ رَاشِدٍ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْبَوْلَ إذَا ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ حَتَّى صَارَ كَالْمَاءِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهَذَا مُشْكِلٌ وَذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ نَاصِرِ الدِّينِ أَنَّ الْمُخَالِطَ إذَا كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ مُطْلَقًا.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ النَّظَرَ فِي
جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْمُخَالِطَ لَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَوْصَافِهِ لِغَيْرِ الْمَاءِ وَهَذَا مُشْكِلٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَفْصِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ الْمُخَالِطِ هَلْ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَوْصَافِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ إنَّهُ إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ اسْتَعْمَلَهُ وَتَيَمَّمَ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ وَقَدْ يُقَالُ: الْأَصْلُ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِيَّةُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ مَا يَسْلُبُهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَعْنِي مَسْأَلَةَ الرِّيقِ وَأَمَّا حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ شَيْءٌ فِي أَمْرِ الْمُخَالِطِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَالْمُخَالِطُ يَسِيرًا بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى صِفَاتِهِ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مَوْجُودًا وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَيَنْظُرُ إلَى كَثْرَةِ الْمَاءِ وَقِلَّتِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا أَكْثَرَ مِنْ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَهُوَ طَهُورٌ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَالْمُخَالِطُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ.
كَانَ بَاقِيًا عَلَى أَوْصَافِهِ لَغَيَّرَ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ طَاهِرًا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ فِي مَسْأَلَةِ مَاءِ الزَّرْجُونِ إشَارَةٌ إلَى هَذِهِ وَكَذَا فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي تَقْدِيرِهِ مُوَافِقَ صِفَةَ الْمَاءِ مُخَالِفًا نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُوَافِقَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي قَلِيلِ أَوْ كَثِيرِ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالُ وَاضِحَةٌ بِبَيَانِ حُكْمِ صُوَرِهِ وَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى التَّغْيِيرِ الْمَحْسُوسِ وَلِذَا قِيلَ مَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَابِسِيِّ وَتَقْدِيرُ الْمُوَافِقُ مُخَالِفًا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ كَالْمُتَحَرِّكِ سَاكِنًا انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قَدْرِ الْمُخَالِطِ وَالْمُخَالِفِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَدْرِ مَا يَضُرُّ وَمَا لَا يَضُرُّ وَإِلَى هَذَا مَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ أَنَّ الطَّهُورَ إذَا خَالَطَهُ مَائِعٌ لَا يُخَالِفُ لَوْنَهُ وَطَعْمَهُ وَرِيحَهُ كَالْعَرَقِ وَمَاءِ الشَّجَرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَهُورٌ بَعِيدٌ لِإِطْلَاقِهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ كَوْنِ الْمُخَالِطِ أَكْثَرَ غَيْرَ مُرَادَةٍ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَإِذَا كَانَ الْمُخَالِطُ أَكْثَرَ تَبِعَهُ الْمَاءُ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ مَانِعَةٌ مِنْ التَّبَعِيَّةِ وَلِاسْتِلْزَامِهِ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ فِيمَا قَالَ سَنَدٌ إنَّهُ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلَانِ)
ش: قَوْلُهُ بِمَاءِ الظَّاهِرِ فِيهِ أَنَّهُ بِالْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَيَكُونُ مَا اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي وَفِيهِ بُعْدٌ وَتَكَلُّفٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أَيْ وَفِي التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ الَّذِي جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْقَوْلَانِ رَاجِعَانِ إلَى خِلَافٍ فِي حَالِ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَكَّ الْمَاءُ عَمَّا يُضِيفُهُ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَازُ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَنْعُ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ التَّغَيُّرُ لِأَثَرٍ انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ حَصَلَ مِنْ الرِّيقِ قَدْرٌ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الرِّيقِ لَغَيَّرَ الْمَاءَ وَلِأَنَّ الرِّيقَ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ جِدًّا حَتَّى يَظْهَرَ لُعَابُهُ فِي الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ مَا ذَكَرْنَا وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ إنَّهُ لَوْ طَالَ مُكْثُ الْمَاءِ فِي فَمِهِ أَوْ حَصَلَ مِنْهُ مَضْمَضَةٌ لَانْتَفَى الْخِلَافُ لِغَلَبَةِ الرِّيقِ وَقَيَّدَ غَيْرُهُ أَيْضًا الْخِلَافَ بِأَنْ لَا يَكُونُ فِي الْفَمِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ مَعَ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ وَنَقَلَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ الطَّهُورِيَّةُ لِأَنَّهَا أَصْلٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِي تَطْهِيرِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَلَمْعَةٍ ذَكَرهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ إلَّا بِفِيهِ لِقَطْعِ يَدَيْهِ أَوْ نَجَاسَتِهِمَا وَتَقْيِيدُ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ الْخِلَافَ بِتَطْهِيرِ الْخَبَثِ إنْ كَانَ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي الرِّوَايَاتِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ لِأَنَّهُ مُضَافٌ فَغَيْرُ صَحِيحٍ انْتَهَى وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِ سَمَاعِهِ وَرِوَايَةُ مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ
وَكِلَاهُمَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِمَا الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا رِوَايَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) دَلَّ كَلَامُ التَّوْضِيحِ السَّابِقُ وَكَلَامُ ابْنِ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا الشَّكُّ فِي حُصُولِ الْقَدْرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَأْثِيرُهُ مِنْ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا احْتِمَالُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ هُنَا وَهُنَاكَ فَرْضَ وُقُوعِهِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْتُ: هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَإِنْ كَانَ خِلَافًا حَقِيقِيًّا وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُخَالِطِ لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَعْتَبِرُ بَقَاءَ صِدْقِ اسْمِ الْمَاءِ وَأَشْهَبُ يَنْظُرُ إلَى أَنَّهُ خُولِطَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ لَا نَصَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمُوَافِقَ وَقَعَ مِنْهُ فِي الْمَاءِ قَدْرُ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا أَوْ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِهِ لَأَثَّرَ فِي الْمَاءِ فَافْتَرَقَتْ الْمَسْأَلَتَانِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فَرْضُهُ أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشُّيُوخِ السَّابِقِ وَدَلَّ آخِرُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ هُنَا عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَنَقْلُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا خُولِطَ بِطَاهِرٍ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ طَهُورٌ؟ .
(قُلْتُ) : كَأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُخَالِطِ أَنْ يَطْهُرَ تَغَيُّرُهُ كَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ فَلَمَّا لَمْ يُغَيِّرْ دَلَّ عَلَى قِلَّتِهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِصِفَةِ الْمَاءِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى قِلَّتِهِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ هُوَ أَحَدُ الطُّرُقِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ)
ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ وَالْمَاءِ الَّذِي لَا يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ ذَكَرَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهِيَ الْمِيَاهُ الَّتِي يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهَا مَعَ الْحُكْمِ بِطَهُورِيَّتِهَا فَبَدَأَ مِنْهَا ب الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ طَهُورٌ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ يُرِيدُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَطَهَّرَ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَهَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْكَرَاهَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ الْآتِيَةِ، وَالْكَرَاهَةُ لَا تَقْتَضِي الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ هِيَ الَّتِي تَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ كَمَا أَخَذَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ السُّلَيْمَانِيَّة فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ يَتَغَيَّرُ بِوَرَقِ الشَّجَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ فَيَتْرُكُهُ وَيَتَيَمَّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا وَالثَّانِي أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَعَزَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ لِلْأَبْهَرِيِّ وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ مَرَّةً وَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِيهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْمَنْعِ فَيَكُونُ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَمَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ قَوْلَ مَالِكٍ عَلَى مَعْنَى لَا خَيْرَ فِيهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ وِفَاقًا لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ عِيَاضٌ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُخْتَصِرِينَ انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ قَوْلَ مَالِكٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَجَعَلُوا قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَفْسِيرًا وَرَدَّ بِأَنَّ مَالِكًا مَنَعَ الْمُتَوَضِّئَ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَنْعِ لِقِلَّتِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وِفَاقٌ وَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ إسْقَاطُ لَفْظِهِ أَحَبُّ إلَيَّ كَمَا اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَحَمَلَهَا عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا قَالَ
صَاحِبُ الِاسْتِيعَابِ انْتَهَى.
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ كَرَاهِيَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ عَلَى أَقْوَالٍ فَقِيلَ لِأَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَقِيلَ أَزَالَ الْمَانِعَ وَقِيلَ لِكَوْنِهِ لَا يُعْلَمُ سَلَامَتُهُ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَقِيلَ إنَّهُ قَدْ ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ فِي عِبَادَةٍ فَلَا يَقْوَى لِعِبَادَةٍ أُخْرَى وَقِيلَ إنَّهُ مَاءُ الذُّنُوبِ وَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ جَمْعُ ذَلِكَ وَاسْتِعْمَالُهُ وَالرَّاجِحُ فِي تَعْلِيلِ الْكَرَاهَةِ كَوْنُهُ مُخْتَلِفًا فِي طَهُورِيَّتِهِ وَاقْتَصَرَ فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَالَ: فَإِنْ انْتَفَيَا كَمَا فِي الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا مَنْعَ وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَفِي الْأَوْضِيَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَفِي غَسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ اُحْتُمِلَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ صُورَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنْ يَسِيلَ الْمَاءُ فِي صَحْفَةٍ أَوْ طَسْتٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ أَوْ يَغْتَسِلُ فِي قَصْرِيَّةٍ وَهُوَ نَقِيُّ الْجِسْمِ انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ هُوَ مَا قُطِرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ أَوْ اتَّصَلَ بِهَا فِي وُضُوءٍ أَوْ جَنَابَةٍ بِشَرْطِ سَلَامَتِهَا مِنْ النَّجَسِ وَالْوَسَخِ وَإِلَّا فَهُوَ مَاءٌ حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ مَاءٌ مُضَافٌ فَلَهُ حُكْمُ ذَلِكَ وَهَذَا الْأَخِيرُ نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ بِمُجَرَّدِ اتِّصَالِهِ بِالْعُضْوِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ لَهُمْ فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْمَاءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ هُوَ الْمَجْمُوعُ عَنْ الْأَعْضَاءِ لَا مَا يَفْضُلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَلَا الْمُسْتَعْمَلُ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ إذَا جَرَى لِلْبَعْضِ الْآخَرِ وَقَالَ فِي فُرُوقِهِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ فِي الْعُضْوِ طَهُورٌ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ وَاتَّصَلَ بِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا وَضَعَ الْمُتَوَضِّئُ أَوْ الْمُغْتَسِلُ أَعْضَاءَهُ فِي الْمَاءِ وَغَسَلَهَا فِيهِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ هَلْ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الْيَسَارَةِ فِي كَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ اشْتِرَاطُهَا فَهَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِتَكْثِيرِهِ بِمَاءِ أَوْضِيَةٍ أُخْرَى وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ لَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ؟ وَإِذَا زَالَتْ الْكَرَاهَةُ عَنْ هَذَا الْكَثِيرِ ثُمَّ فُرِّقَ حَتَّى كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ يَسِيرًا هَلْ تَعُودُ الْكَرَاهَةُ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ بِزَوَالِهَا وَلَا مُوجِبَ لِعَوْدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْيَسَارَةِ فِي الْحُكْمِ بِكَرَاهَةِ الْمُسْتَعْمَلِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَهُ صُورَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَقَاطَرَ الْمَاءُ عَنْ الْأَعْضَاءِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَعْضَاءِ كَأَنْ يَغْتَسِلَ فِي قَصْرِيَّةٍ وَنَحْوِهَا فَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَقَاطِرَ عَنْ الْأَعْضَاءِ يَسِيرٌ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ كَثِيرًا وَقَدْ يَكُونُ يَسِيرًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ بِالْكَرَاهَةِ هُوَ الْيَسِيرُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا إنْ اغْتَسَلَ فِي مَاءِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ حَيْثُ غَسَلَ أَذَاهُ قَبْلَ دُخُولِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ اغْتَسَلَ فِي قَصْرِيَّةٍ فَلَا خَيْرَ فِي مَائِهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جُنُبٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي مِثْلِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ: لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ لِكَثْرَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُرَادًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِوُضُوحِهِ وَلِذَلِكَ لَوْ صُبَّ عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ مَاءٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا فَلَا يُشَكُّ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَرَضَهَا وَهِيَ مَا إذَا جُمِعَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَوْضِيَةٍ أَوْ اغْتِسَالٍ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا فَهَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ عَنْهُ أَمْ لَا فَاخْتَارَ انْتِفَاءَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ وَجُمِعَ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَعْمَلِ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ كَرَاهَةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ حَالَ الِانْفِرَادِ كَانَ لِلْمَجْمُوعِ حُكْمُ أَجْزَائِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِاشْتِرَاطِ الْيَسَارَةِ فِي كَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثُ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا قَدْرَ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى جَمْعِ مَا يَسْقُطُ مِنْ أَعْضَائِهِ فَعَلَ وَغَسَلَ بِذَلِكَ الْمَاءِ بَاقِي أَعْضَائِهِ وَيَصِيرُ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا تَوَضَّأَ بِهِ مَرَّةً نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ وَجَعَلَهُ
ابْنُ يُونُسَ مِنْ بَابِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ابْنُ هَارُونَ فَقَالَ هَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ كُلَّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْجَمِيعِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ الشَّيْخُ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا قَدْرَ وُضُوئِهِ بِمُسْتَعْمِلِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ تَعَيَّنَ خَرَّجَهُ الصَّقَلِّيُّ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِ كُلِّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ لَمْ يَظْهَرْ لِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ كُلُّ عُضْوٍ يَطْهُرُ بِانْفِرَادِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَإِنْ قِيلَ إنَّ طَهَارَةَ الْأَوَّلِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْأَخِيرِ فَيَكُونُ مَا أُخِذَ مِنْ الْعُضْوِ الْأَوَّلِ وَاسْتَعْمَلَهُ غَيْرُ هَذَا التَّوَضِّي فِي طَهَارَةٍ قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَةِ الْمُتَوَضِّئِ بِهِ أَوَّلًا عَارِيًّا عَنْ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ لَهُ بِهَا بِشَرْطِ التَّمَامِ وَلَمْ يَحْصُلْ إلَى الْآنَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ عَنْهُ حَتَّى يُنْظَرَ مَآلَ أَمْرِ الْمُتَوَضِّئِ بِهِ هَلْ تُتِمُّ طَهَارَتُهُ أَمْ لَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فَيَظْهَرُ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا تَمَّتْ الطَّهَارَةُ حَكَمَ لِمَا أُخِذَ أَوَّلًا بِالْكَرَاهَةِ وَلَوْ كَانَ قَدْ اُسْتُعْمِلَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَظْهَرُ لِكَلَامِ ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّيْخ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَجْهٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَمَّتْ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَالْحَاصِلُ) أَنَّ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَغْتَرُّ بِقَوْلِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْبَحْثُ أَنَّهُ يَجْمَعُهُ وَلَكِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَقَبِلَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ.
(الرَّابِعُ) مَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَلَفٍ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِرَاعَيْهِ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْمَسْحُ قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَلُ لِحْيَتِهِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمُسْتَعْمَلِ لَا يَجُوزُ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِإِجَازَتِهِ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَمْلِهِ كَلَامَ مَالِكٍ عَلَى الْمَنْعِ وَأَمَّا عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إذَا وَجَدَ مَاءً غَيْرَهُ يَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ، (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إدْخَالَ الْمُحْدِثِ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إذَا انْفَصَلَتْ الْيَدُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى أَصْلِنَا وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الِاغْتِرَافَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ كَالصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَقْدِهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ هَلْ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ جَمِيعًا لِغَسْلِ وَجْهِهِ وَبَقِيَّةِ أَعْضَائِهِ أَوْ الِاخْتِيَارُ أَنْ يُدْخِلَ الْيُمْنَى فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) وَلَا بَأْسَ بِمَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ فِي إنَائِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ الِامْتِنَاعَ مِنْ هَذَا قَالَ فِي الطِّرَازِ: الْمَاءُ الَّذِي يَنْتَضِحُ فِي إنَاءِ الْمُغْتَسِلِ عَلَى وَجْهَيْنِ: مَا تَطَايَرَ مِنْ جَسَدِهِ: وَمَا تَطَايَرَ مِنْ الْأَرْضِ وَكِلَاهُمَا لَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ تَطَايُرُ نَجَاسَةٍ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ عِيَاضٌ ظَاهِرُهُ مَا يَنْتَضِحُ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ النَّاسُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَكَانُ ظَاهِرًا أَوْ مُنْحَدِرًا لَا تَثْبُتُ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ يُبَالُ فِيهِ وَيَسْتَنْقِعُ الْمَاءُ فَهُوَ نَجِسٌ وَيَنْجُسُ مَا طَارَ مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضِ شُيُوخنَا: يُحْمَلُ قَوْلُهَا عِنْدِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا انْتَضَحَ مِنْ غُسْلِ الْجُنُبِ مَا يَكُونُ فِي بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ فَإِنَّ إمْرَارَ يَدَيْهِ مَعَ الْمَاءِ لِلتَّدَلُّكِ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْإِنَاءِ عَفْوٌ وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدَيْهِ وَهُوَ
تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ وَمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ مِنْ أَنَّ الْمَكَانَ مُنْحَدِرٌ نَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ بَيِّنٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : عَادَتُهُ إذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ بِهِ إلَى ابْنِ عَرَفَةَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ بِإِدْخَالِ يَدَيْهِ فِيهِ بَعْدَ دَلْكِ جَسَدِهِ بِهِمَا وَلَوْ كَانَ فِي جَسَدِهِ نَجَاسَةٌ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عِيَاضٍ السَّابِقَ فِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ ضَرُورَةٌ فَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، (السَّابِعُ) لَا إشْكَالَ فِي كَرَاهَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأَمَّا فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ فَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمُسْتَعْمَلِ لِأَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى قَالَ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ إشَارَةٌ إلَيْهِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الْوُضُوءِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَانْظُرْ هَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَوْضِيَةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ أَمْ لَا لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ فِيهِ كَوْنُهُ غَيْرَ طَهُورٍ وَإِطْلَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَشْتَمِلُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَا يُنَجِّسُ مَا أَصَابَهُ.
مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الَّذِي تَطَهَّرَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يُكْرَهُ التَّيَمُّمُ عَلَى التُّرَابِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ أَنَّ الْمَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْأَوْضِيَةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةِ وَالْمُسْتَحَبُّ فِيهِ تَرَدُّدٌ أَيْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي حُكْمِهِ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ أَوْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ نَجَسٌ وَلَا وَسَخٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَاَلَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِالْمُسْتَعْمَلِ فِي الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ ابْنُ بَشِيرٍ وَصَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَغَيْرُهُمَا كَرَاهَةَ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ الْأَشْيَاخِ مَنْ أَطْلَقَ كَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْتُ) : وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ لِأَنِّي لَمْ أَقِفْ لَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَلَى حَمْلِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) كَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ السَّابِقُ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ رَفْعِ الْحَدَثِ بِالْأُولَى يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْأَوْضِيَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَنَصُّهُ تَحْرِيرٌ إذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ الطَّهَارَةِ بِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: سَبَبُهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَالثَّانِي إزَالَتُهُ لِلْمَانِعِ فَإِنْ انْتَفَيَا مَعًا كَالرَّابِعَةِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا مَنْعَ وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ اُحْتُمِلَ الْخِلَافُ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَوْ فِي التَّجْدِيدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَانِعًا وَإِنْ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ وَغُسْلُ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ أَزَالَ مَانِعَ وَطْئِهَا لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ وَلَمْ تُؤَدِّ بِهِ عِبَادَةً وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصْرِيحٌ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ لَا يَتَوَضَّأُ بِمَا قَدْ تَوَضَّأَ بِهِ مَرَّةً إشَارَةٌ لِلْعِبَادَةِ وَإِزَالَةِ الْمَانِعِ مَعًا وَنَقَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالتَّجْدِيدِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : أَوَّلُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ بِسُقُوطِ طَهُورِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلِ وَآخِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّعْلِيلَ بِمَا ذَكَرَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ سَنَدٍ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَاءَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مُسَاوٍ لِوُضُوءِ التَّجْدِيدِ فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّرَدُّدُ وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي وُضُوءِ التَّجْدِيدِ وَقَالَ وَلَوْ جُمِعَ مَاءُ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَهَلْ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ مَاءٌ رُفِعَ بِهِ حَدَثٌ الظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ فَإِنَّ الْحَادِثَ مَا لَهُ بِالْمَاءِ
تَعَلُّقُ حُصُولٍ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأُولَى وَغَيْرِهَا فَالْجَمْعُ لَهُ حُكْمُ الطَّهَارَةِ الْوَاحِدَةِ انْتَهَى.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَاءَ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَكْرُوهٌ وَبِلَا تَرَدُّدٍ لِأَنَّ صَاحِبَ الطِّرَازِ هُوَ الْمُرَجَّحُ لِعَدَمِ كَرَاهَةِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ.
(الثَّانِي) الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ وَفِي غَسْلِ التَّبَرُّدِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ السَّالِمِ مِنْ النَّجَسِ وَالْوَسَخِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ السَّابِقِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْبَغُ يَتْرُكُهُ وَيَتَيَمَّمُ فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا قَالَ: وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ تَوَضَّأَ بِهِ الْأَوَّلُ مُحْدِثًا أَوْ مُجَدِّدًا أَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا وَأَمَّا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ فَظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَقَطْ انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ اغْتِسَالِ الْجُنُبِ فِي الْقَصْرِيَّةِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ وَفِي كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يَقْتَضِي دُخُولَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ طَهُورٌ وَالثَّانِي قَوْلُ أَصْبَغَ أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَرَدَّهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَضَعَّفَهُ.
وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ إشَارَةٌ إلَى خُرُوجِهِ مِنْ الْخِلَافِ (الثَّالِثُ) مَاءُ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ نَقَلَ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَصَّ فِيهِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ وَالْأَشْبَهُ الْمَنْعُ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَتَخَرَّجُ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا عَلَى مَسْأَلَةِ مَا أَدْخَلَ الْكَافِرُ يَدَهُ فِيهِ؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِطَهَارَتِهِ وَسَحْنُونٌ بِنَجَاسَتِهِ.
(قُلْتُ) : لَا يَتَخَرَّجُ لِأَنَّ هَذَا أَشَدُّ، وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ لِلْقَرَافِيِّ وَذَكَرَ كَلَامَهُ فِي الذَّخِيرَةِ السَّابِقَ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِنَجَسٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ الَّذِي رَوَاهُ الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا تُفْسِدُهُ النَّجَاسَةُ إلَّا أَنْ تُغَيِّرَ وَصَفًّا مِنْ أَوْصَافِهِ فَسُؤْرُ النَّصْرَانِيِّ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَإِنْ أَيْقَنَ بِنَجَاسَةِ يَدَيْهِ وَفَمِهِ مَكْرُوه مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ ابْتِدَاءً وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ عَدَمِ سِوَاهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَيْ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَمُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ الطَّاهِرُ.
وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ إنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ بِهِ وَالتَّيَمُّمِ حَكَى الثَّلَاثَةَ ابْنُ بَشِيرٍ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ رَابِعًا أَنَّهُ طَهُورٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَعَزَاهُ لِرِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَقَالَ: لَا يُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ مُعَوَّلَ الْبَغْدَادِيِّينَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَقَدْ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَاهُ وَلَمْ يَعْزِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمَاءُ كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ إلَّا مَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِنَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَعَلَى هَذَا يَتَوَضَّأُ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَاهُ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ رَدُّ ابْنِ بَشِيرٍ بِشَيْءٍ لِأَنَّ حَاصِلَهُ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : كَلَامُ اللَّخْمِيِّ صَرِيحٌ فِي عَزْوِهِ لِأَبِي مُصْعَبٍ لِأَنَّهُ قَالَ: اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ
أَقْوَالٍ فَقِيلَ هُوَ عَلَى أَصْلِهِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ نَجِسٌ، وَقِيلَ مَشْكُوكٌ فِي حُكْمِهِ ثُمَّ أَخَذَ يَعْزُو هَذِهِ الْأَقْوَالَ لِقَائِلِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ وَعَزَا الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِرِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ وَكَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى كَلَامِ اللَّخْمِيّ بِأَنْ يَجْعَلَ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ فِي كَلَامِهِ أَوَّلًا رِوَايَةَ أَبِي مُصْعَبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّهُ طَهُورٌ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَتَتَوَضَّأُ بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَلِطَ مِنْ رَوَاهُ بِالنُّونِ فِي أَوَّلِهِ وَبُضَاعَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ وَقِيلَ: لِمَوْضِعِهَا وَالْحِيَضُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ هِيَ الْخِرَقُ الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الْحَيْضُ وَالْمُلْقِي لِذَلِكَ السُّيُولُ لِأَنَّ الْبِئْرَ كَانَتْ فِي مَحِلٍّ مُنْحَدِرٍ وَقِيلَ الرِّيحُ وَقِيلَ الْمُنَافِقُونَ وَأَمَّا حَدِيثُ «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» . قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقِيلَ إنَّهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ لَكِنْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْعَمَلِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِيهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَإِذَا عُلِمَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ فَيَتَعَيَّنُ الِاحْتِجَاجُ عَلَى ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَوَجْهُ كَرَاهَةِ هَذَا الْمَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَدَّ الْمُصَنِّفُ الْيَسِيرَ بِأَنَّهُ قَدْرُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ وَآنِيَةِ الْغُسْلِ فَآنِيَةُ الْغُسْلِ قَلِيلٌ وَلَوْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْوُضُوءِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى آنِيَةِ الْوُضُوءِ لَتَوَهَّمَ أَنَّ آنِيَةَ الْغُسْلِ مِنْ الْكَثِيرِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى آنِيَةِ الْغُسْلِ لَتَوَهَّمَ أَنَّ آنِيَةَ الْوُضُوءِ نَجِسَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْدِيدِ الْيَسِيرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُوَ لِمَالِكٍ.
(قُلْتُ) : وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ الْحُبُّ وَالْجَرَّةُ وَالْحُبُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الزِّيرُ وَلَيْسَ هُوَ بِالْجِيمِ لِأَنَّ الْجُبُّ كَثِيرٌ بِلَا خِلَافٍ وَالْمُرَادُ بِالْحُبِّ الصَّغِيرِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الْجَرَّةِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي الْجَرَّةِ وَالزِّيرِ بِخِلَافِ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْجُبِّ وَالْمَاجِلُ لَا تُفْسِدُهَا النَّجَاسَةُ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ إلَّا أَنْ تُغَيِّرَهَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَدْرِهِ أَيْ التَّيْسِيرِ طَرِيقَانِ: الْأُولَى لِلْمُقَدِّمَاتِ وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الثَّانِيَةُ لِلْإِبْيَانِيِّ فِي كَوْنِ مَاءِ الْجَرَّةِ وَالزِّيرِ يُحِلُّهُ مَا فَوْقَ الْقَطْرَةِ مِنْ النَّجَسِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ مِنْ الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إلَّا مَا غَيَّرَهُ مَعْرُوفٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَتِهِ وَسَمَاعِ مُوسَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى، فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ النَّجَسِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْجَرَّةِ وَالزِّيرِ وَلَا تَقْتَضِي كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْيَسِيرَ هُوَ الْقُلَّتَانِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَهُوَ الرَّطْلُ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفُ جِدًّا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ.
وَهَذَا الْقَائِلُ حَكَمَ بِأَنَّهُ قَلِيلٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ أَسَانِيدَهُ مَعْلُولَةٌ وَلَكِنَّهُ صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهُ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ الْمُتَقَدِّمَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ وَالْمَفْهُومُ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ أَرْجَحُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
فِي الْإِحْيَاءِ لَمَّا ذَكَرَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ مَا نَصُّهُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكُنْتُ أَوَدُّ أَنَّ مَذْهَبَهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمَاءَ وَإِنْ قَلَّ فَلَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ إذْ الْحَاجَةُ مَاسَةٌ إلَيْهِ وَمَثَارُ الْوَسْوَاسِ اشْتِرَاطُ الْقُلَّتَيْنِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُلَّتَيْنِ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَبِإِصْغَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ وَبِوُضُوءِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ هُوَ يَعْنِي حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ تَمَسُّكٌ بِالْمَفْهُومِ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ وَتَرْكُ الْمَفْهُومِ بِأَقَلِّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مُمْكِنٌ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا قَوْلًا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ بِمِقْدَارٍ بَلْ بِالْعَادَةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْيَسِيرَ هُوَ الَّذِي إذَا حَرَّكَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ تَحَرَّكَ الْآخَرُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُخَالِطُ نَجِسًا فَإِنْ غَيَّرَ لَوْنَ الْمَاءِ أَوْ طَعْمَهُ كَانَ نَجِسًا بِإِجْمَاعٍ وَإِنْ غَيَّرَ رِيحَهُ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَالْمَاءُ كَثِيرٌ بِحَيْثُ إذَا حَرَّكَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّك فِي الْحَالِ الطَّرَفُ الثَّانِي فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَهَذَا غَرِيبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهَاتٌ]
[الْمَاءُ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ ثُمَّ فُرِّقَ أَوْ اُسْتُعْمِلَ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا فَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي.
(الثَّانِي) لَوْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ وَقُلْنَا إنَّهُ مَكْرُوهٌ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ مُطْلَقٌ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا فَلَا إشْكَالَ فِي طَهُورِيَّتِهِ، وَنُصُوصُهُمْ كَالصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا لَوْ جَمَعَ إلَيْهِ مِيَاهً قَلِيلَةً كُلٌّ مِنْهَا قَدْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ حَتَّى صَارَ الْمَجْمُوعُ كَثِيرًا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ انْتِفَاءُ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَصِيرُ طَهُورًا وَهُوَ مِمَّا يَقْوَى فِيهِ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا جُمِعَ حَتَّى صَارَ كَثِيرًا.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ عَنْ بَعْضِ الْمِصْرِيِّينَ فِي إنَاءِ وُضُوءٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَصُبَّ فِيهِ الْمَاءُ حَتَّى فَاضَ وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا وَالنَّجَاسَةُ يَسِيرَةٌ وَصُبَّ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ كَثِيرٌ حَتَّى تَحَقَّقَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَصُبَّ الْمَاءُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْإِنَاءُ صَغِيرًا وَالنَّجَاسَةُ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ النَّجَسُ كَثِيرًا فِي الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ وَصُبَّ الْمَاءُ حَتَّى فَاضَ فَالْغَالِبُ عَدَمُ طَهَارَتِهِ انْتَهَى، يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.
(الرَّابِعُ) مَنْ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَانْظُرْ عَلَى الْمَشْهُورِ هَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَا فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ أَيْ لَا فِي وَقْتٍ وَلَا بَعْدَهُ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ النَّصْرَانِيِّ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَيُعِيدُ الْوُضُوءَ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ.
وَالثَّالِثُ مَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِ فَكَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَكَالْقَوْلِ الثَّانِي وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَذْهَبِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ كَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا فَقِيلَ إنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ قَالَ بِتَرْكِهِ وَيَتَيَمَّمُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
[الْمَاءُ الْجَارِي حُكْمُهُ كَالْكَثِيرِ]
(الْخَامِسُ) أَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي فَحُكْمُهُ كَالْكَثِيرِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَأَطْلَقَ وَهَكَذَا نَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي اللُّبَابِ: وَأَمَّا الْمَاءُ الْجَارِي فَحُكْمُهُ كَالْكَثِيرِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ كَثِيرًا وَالْجِرْيَةُ لَا انْفِكَاكَ لَهَا وَمُرَادُهُ جَمِيعُ مَا فِي الْجِرْيَةِ وَاحْتُرِزَ بِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ عَنْ مِيزَابِ السَّانِيَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فِي عَزْوِهِ لِلْمُدَوَّنَةِ نَظَرٌ لِأَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا عَلَى مَنْ عَزَاهُ لَهَا وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا لِلْمَازِرِيِّ
كَمَا تَقَدَّمَ وَلِصَاحِبِ الْكَافِي وَلَهُ عَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ كَمَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْمَجْمُوعِ جَمِيعُ مَا فِي الْجِرْيَةِ كَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَكِنَّهُ اعْتَرَضَهُ وَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ مَحِلِّ سُقُوطِ النَّجَاسَةِ إلَى مُنْتَهَى الْجِرْيَةِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ مَحَلِّ السُّقُوطِ غَيْرُ مُخَالِطٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ دَعْوَاهُ أَنَّ عَزْوَ ابْنِ الْحَاجِبِ يَعْنِي مِنْ أَصْلِ الْجَرْيِ وَهْمٌ لِمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِطٍ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَهُمَا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى مَا نَصُّهُ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْنِيَ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَصْلِ الْجَرْي لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْتَبِرُهُ مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلتَّكْثِيرِ بِهِ وَيَصْدُقُ عَلَى الْجَمِيعِ أَنَّهُ مُخَالِطٌ إذَا لَيْسَ مِنْ الْكَثِيرِ الْمُخَالِطِ بِمَا لَا يُغَيِّرُهُ أَنْ يُمَازِجَ الْمُخَالِطُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ إذْ ذَاكَ مُحَالٌ كَغَدِيرٍ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ بِطَرَفٍ مِنْهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّ مَا فَوْقَ مَحِلِّ السُّقُوطِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْوَاقِعُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ فَوْقَ الْوَاقِعِ لَمْ تَضُرَّهُ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَسِيرًا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: إلَّا أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ جِدًّا انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ قَرُبَ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ جَارٍ فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَى مَا فَوْقَ مَحِلِّ السُّقُوطِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْمَاءِ تُصِيبُهُ نَجَاسَةٌ فَتُغَيِّرُهُ: إذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ الْجَارِي نَجَاسَةٌ فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً مَعَ الْمَاءِ فَمَا فَوْقَهَا طَاهِرٌ إجْمَاعًا وَأَمَّا الْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا وَهِيَ مَا بَيْنَ حَافَّتَيْ النَّهْرِ عَرْضًا فَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ تَقِرُّ فِيهِ الْمَيْتَةُ لِأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ مَعَهَا بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا الْجِرْيَةُ الَّتِي تَحْتَهَا فَطَاهِرَةُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يَلِيهَا لِأَنَّ الْمَاءَ رُبَّمَا يَسْبِقُ جَرْيُهُ جَرْيَهَا سِيَّمَا إذَا قَوِيَتْ الْأَرْيَاحُ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ قَائِمَةً وَالْمَاءُ يَجْرِي عَلَيْهَا فَقَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي بِئْرِ السَّانِيَةِ وَشَبَهُهَا مِمَّا مَاؤُهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَالْمَيْتَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَالنَّهْرُ الْجَارِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يَتَوَقَّى مَا قَرُبَ مِنْ النَّجَاسَةِ مِنْ تَحْتِ جَرْيِهَا انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا فَوْقَ النَّجَاسَةِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنَّجَاسَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ بَعْدَ مَحِلِّ السُّقُوطِ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْرِيَ الْمَاءُ بِذَلِكَ الْحَالِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِهِ فِي مَحِلِّ الْوُقُوعِ فَيَنْظُرُ إلَى مَا بَيْنَ مَحِلِّ الْوُقُوعِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَقَدْ يَكُونُ يَسِيرًا وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا وَالْمَحِلُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَجِسًا أَوْ طَاهِرًا أَجْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا يُعْتَبَرُ هُنَا الْمَجْمُوعُ مِنْ مَحِلِّ النَّجَاسَةِ إلَى آخِرِ الْجِرْيَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَنْحَلَّ الْمُغَيِّرُ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يُنْظَرُ إلَى مَجْمُوعِ مَا بَيْنَ مَحِلِّ الْوُقُوعِ وَمَحِلِّ تَأْثِيرِ ذَلِكَ الْحَالِّ الْمُغَيِّرِ فَلَوْ كَانَ مَجْمُوعُ الْجِرْيَةِ كَثِيرًا وَمِنْ مَحِلِّ الْوُقُوعِ إلَى مَحِلِّ الِاسْتِعْمَالِ يَسِيرًا جَازَ الِاسْتِعْمَالُ لِكَوْنِ الْمُغَيِّرِ قَدْ ذَهَبَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهَى، وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَيُنْظَرُ إلَى مَجْمُوعِ مَا بَيْنَ مَحِلِّ الْوُقُوعِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَلِمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْأَبِيِّ وَكَذَلِكَ يُنْظَرُ لِقَوْلِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مَا بَيْنَ مَحِلِّ الْوُقُوعِ وَمَحِلِّ تَأْثِيرِ ذَلِكَ الْمُغَيِّرِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْأَبِيِّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ مَحِلِّ النَّجَاسَةِ إلَى مُنْتَهَى الْجَرْيِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا مَا ظَهَرَ مِنْ الْبَحْثِ فِي كَلَامِهِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَلَمْ أَرَهَا مَنْصُوصَةً لِلْمُتَقَدِّمِينَ هَكَذَا، نَعَمْ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ إنَّ الْمَاءَ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَرَى بِهَا فَمَا بَعْدَهَا مِنْهُ طَاهِرٌ وَأَشَارَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» إلَى أَنَّ الْجَارِيَ كَالْكَثِيرِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ ظَاهِرَةً فَيُعْتَبَرُ الْمَحِلُّ الَّذِي هِيَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كُرِهَ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي
شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبُولَن أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» الَّذِي لَا يَجْرِي قَالَ عِيَاضٌ: التَّقْيِيدُ بِلَا يَجْرِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْجَارِي وَأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ لِأَنَّ الْجَارِيَ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ وَيَخْلُفُهَا طَاهِرٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَارِيَ كَالْكَثِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا يَغْلِبُهُ الْبَوْلُ وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ تَسْقُطَ النَّجَاسَةُ وَيَمُرَّ الْمَاءُ بِهَا وَبَعْضُهَا بَاقٍ بِمَحِلِّ السُّقُوطِ، فَالْمَجْمُوعُ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخَانِ فِيمَنْ تَطْهُرُ فِي خَلَلِ مَا بَيْنَهُمَا فَيَنْظُرُ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِنْهُ مَا يُتَّفَقُ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بِطَرَفِ السَّطْحِ فَيَنْزِلُ الْمَطَرُ فَيَمُرُّ مَاءُ السَّطْحِ بِتِلْكَ النَّجَاسَةِ وَيَجْتَمِعُ جَمِيعُهَا فِي قَصْرِيَّةٍ أَوْ زِيرٍ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَوَقَعَتْ الْفُتْيَا بِأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْجَارِي كَالْكَثِيرِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا تَبْقَى النَّجَاسَةُ بِمَحِلِّ السُّقُوطِ فَالْمَجْمُوعُ بَيْنَ أَجْزَاءِ مَا خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ وَمُنْتَهَى الْجَرْيِ وَقَوْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ مِيزَابِ السَّانِيَةِ أَيْ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ قَلِيلٌ وَإِذَا وَقَفَتْ الدَّابَّةُ انْقَطَعَ.
(السَّادِسُ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ إذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ طَهُورٌ فَأَحْرَى إذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَخَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ.
وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا إذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ طَهُورٌ بِلَا كَرَاهَةٍ خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ يَقَعُ فِيهِ الْبُصَاقُ وَالْمُخَاطُ وَشَبَهُهُ قَالَ سَنَدٌ: وَغَيْرُهُ يُرِيدُ مَا لَمْ يَكْثُرْ حَتَّى يُغَيِّرَهُ فَيَكُونُ مُضَافًا.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى فِي لُعَابِ الْكَلْبِ وَالدَّابَّةِ وَالْحِمَارِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَوْلِهِ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهَا انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ سُؤْرِ الْكَلْبِ الْقَلِيلِ فَيُكْرَهُ وَبَيْنَ مَا أَصَابَهُ لُعَابُهُ فَلَا يُكْرَهُ.
ص (أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذَّكَرِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَمَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ لِأَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ أَخَفُّ مِنْ سُؤْرِ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ: لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ.
وَنَقَلَهُ سَنَدٌ بِلَفْظِ وَالْكَلْبُ أَيْسَرُ مُؤْنَةً مِنْ السِّبَاعِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ بِفَضْلَةِ سُؤْرِهِ وَصَلَّى عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ قَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ: وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ وَقَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ بِهِ إنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْكَثِيرِ كَالْحَوْضِ وَنَحْوِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: قَوْلُهُ أَجْزَأَهُ يُرِيدُ وَإِنْ عَلِمَ وَتَوَضَّأَ بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ سُؤْرُ كَلْبٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَطْرَحُهُ وَيَتَيَمَّمُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلِابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُعِيدُ الْمُتَوَضِّئُ بِهِ فِي الْوَقْتِ.
ص (وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ)
ش: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ يُغْتَسَلُ فِيهِ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ كَمَا قَدْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ يُغْتَسَلُ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ مُعَدٍّ لِلْغُسْلِ.
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَانَ مَنْ يَغْتَسِلُ فِيهِ نَجِسُ الْأَعْضَاءِ أَوْ طَاهِرُهَا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُغَيِّرَ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ عَمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَبْحِرًا أَوْ كَالْقَصْرِيَّةِ وَنَحْوِهَا أَوْ بَيْنَ ذَلِكَ كَالْحَوْضِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا الْمُسْتَبْحِرُ وَالْمَاءُ الْمُعَيَّنُ كَالْغَدِيرِ الْكَبِيرِ وَالْبِرْكَةِ الْكَبِيرَةِ وَالْبِئْرِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ كَالْقَصْرِيَّةِ وَهِيَ الْمِرْكَنُ فَلَا إشْكَالَ فِي كَرَاهِيَتِهِ إنْ كَانَ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ نَجَسُ الْأَعْضَاءِ أَوْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَإِنْ كَانَ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ غَيْرُ جُنُبٍ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِهِ قَالَ سَنَدٌ: قَوْلُهُ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى أَيْ وَجْهٍ قُدِّرَ لِأَنَّهُ إنْ اغْتَسَلَ بِنَجَاسَةٍ فَقَدْ أَفْسَدَهَا عَلَى
مَا عُرِفَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَدَثٍ وَقَدْ عَظُمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُ الْجُنُبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَا يُغْسَلُ فِيهِ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ وَشَبَهُهُ مِنْ الطَّهَارَاتِ وَمَذْهَبُهُ خَارِجٌ عَنْ الْجَمَاعَةِ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْجَنَابَةِ وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرِ فَإِنَّ أَدِيمَ الْجِلْدِ إذَا كَانَ طَاهِرًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْمَاءِ كَانَ مُرُورُ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَمُرُورِهِ عَلَى أَدِيمِ الْقِرَبِ انْتَهَى، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي نَحْوَهُ وَأَمَّا الْحَوْضُ وَنَحْوُهُ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ فَإِنْ فَعَلَ أَفْسَدَهُ إذَا كَانَ مِثْلَ حِيَاضِ الدَّوَابِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسْلُ مَوْضِعِ الْأَذَى قَبْلَ دُخُولِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ أَفْسَدَهَا يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَالتَّنْجِيسَ وَالصَّوَابُ حَمْلُهَا عَلَى التَّنْجِيسِ وَعَلَيْهِ يَقُومُ مِنْهُ مِثْلُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ آنِيَةَ الْغُسْلِ لَا تُنَجِّسُهَا الْقَطْرَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ بَلْ مَالَهُ بَالٌ كَاَلَّذِي عَلَى جَسَدِ الْجُنُبِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ نَاجِي إنَّمَا يَأْتِي عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْيَسِيرَ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ أَفْسَدَتْهُ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَعَلِيٍّ أَنَّ نَحْوَ الْجَرَّةِ وَالزِّيرِ وَالْحَوْضِ يَسِيرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَيُكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي مَاءٍ وَاقِفٍ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَوَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ جَازَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ وَيَصِيرَ مُسْتَعْمَلًا وَيُكْرَه لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي بِئْرٍ قَلِيلَةِ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَلَا بَأْسَ انْتَهَى، بَلْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ الْجَرَّةَ وَالزِّيرَ وَالْحَوْضَ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَفِي الْعُمْدَةِ لِابْنِ عَسْكَرٍ نَحْوِ مَا فِي الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ وَانْغَمَسَ فِيهِ جُنُبٌ انْتَهَى.
(فَإِنْ قُلْتَ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ (قُلْتُ) : أَمَّا الْمُسْتَبْحِرُ الْكَبِيرُ فَلَا إشْكَالَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ كَلَامِهِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ كَلَامِهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّا إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ يُغْتَسَلُ فِيهِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ فِي الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَلَا يَفْطِنُ بِهِ وَلَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ اغْتِسَالِ جُنُبٍ أَوْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَيَانِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ لِكَوْنِهِ يُسَخَّنُ بِالْأَقْذَارِ وَالنَّجَاسَاتِ وَلِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِيهِ فَرُبَّمَا يَتَنَاوَلُ أَخْذُهُ بِيَدِهِ مَنْ لَا يَتَحَفَّظُ لِدِينِهِ فَإِذَا كُرِهَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي فَمَا بَالُكَ بِمَا يَكْثُرُ فِيهِ الِاغْتِسَالُ وَلِمَا يُخْشَى مِنْ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ بَلْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فِي حِيَاضِ الرِّيفِ الَّتِي يَغْتَسِلُ فِيهَا النَّصَارَى وَالْجُنُبُ: لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا وَلَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ الْغُسْلُ فِيهَا لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ تَغَيُّرُ أَحَدِ أَوْصَافِهِ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمِثْلُ هَذَا فِي الْوَاضِحَةِ وَلِمَالِكٍ فِي رَسْمٍ حَلَفَ لَا يَبِيعُ سِلْعَةً سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَالَ قَبْلَهُ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِنَجَاسَةٍ لِكَثْرَةِ الْمُنْغَمِسِينَ فِيهِ إذْ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ أَجْسَامُهُمْ جَمِيعُهَا طَاهِرَةً وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (قُلْتُ) : وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ وَعَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا أَنَّ مِثْلَ الْحَوْضِ يَسِيرٌ وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ أَيْ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَيُنْظَرُ إلَى الْمَاءِ فَإِنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَهُوَ غَيْرُ طَهُورٍ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ فَهُوَ طَهُورٌ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِكَثْرَةِ الْمُغْتَسِلِينَ فِيهِ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بَيَانُ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُغْتَسِلِينَ فِي الْمَاءِ تُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِنَجَاسَةٍ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالنَّجَاسَةِ.
وَالظَّاهِرُ
أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى
هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ يَتَكَرَّرُ فِيهِ الِاغْتِسَالُ وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مَنْصُوصًا فَيُقَيِّدُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ لَا يَكْثُرُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ جِدًّا وَبِأَنْ يَكُونَ مَنْ يَغْتَسِلُ فِيهِ غَيْرَ نَجِسِ الْأَعْضَاءِ وَإِلَّا أَفْسَدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ تغير الْمَاء فِي الْبَرْك الْمَعِدَة للوضوء]
(فَرْعٌ) الْبِرَكُ الْمُعَدَّةُ لِلْوُضُوءِ فِي الْمَيَاضِي مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْهَا لِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ فِيهَا النَّجَاسَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَ غَسْلُهُمْ النَّجَاسَةَ فِيهَا وَكَثْرَتُهُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ مِنْهَا وَهَذَا فِيمَا تَطُولُ إقَامَةُ الْمَاءِ فِيهِ وَأَمَّا مَا يَفْرُغُ بِسُرْعَةٍ وَيُجَدَّدُ لَهُ مَاءٌ آخَرُ فَأَمْرُهُ خَفِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَعْنَى الثَّانِي وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُسْتَبْحِرُ فَلَا إشْكَالَ فِي خُرُوجِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِكْمَالِ وَصَرَّحَ بِهِ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ بَابِ الْغُسْلِ: حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى خُرُوجِهِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَكَرِهَ مَالِكٌ الِاغْتِسَالَ فِيهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ الْأَذَى أَمْ لَا وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ الْأَذَى أَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ الْأَذَى أَوْ لَمْ يَغْسِلْهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالْغُسْلِ فِيهِ دُونَ الْوُضُوءِ فِيهِ وَيُعْطَى بِظَاهِرِهِ أَنَّ التَّنَاوُلَ مِنْهُ لِلتَّطْهِيرِ خَارِجَهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَتَى الْجُنُبُ بِئْرًا قَلِيلَةَ الْمَاءِ وَبِيَدِهِ قَذِرٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْرِفُ بِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَتَى الْجُنُبُ بِئْرًا قَلِيلَةَ الْمَاءِ وَبِيَدِهِ قَذِرٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْرِفُ بِهِ قَالَ مَالِكٌ: يَحْتَالُ حَتَّى يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَيَغْرِفَ وَيَغْتَسِلَ وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ يَغْتَسِلُ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ اغْتَسَلَ فِيهَا أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُنَجِّسْهَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مُعَيَّنًا، قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ: إنَّمَا كُرِهَ لَهُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ إذَا وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَحْمِلُ ذَلِكَ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ يَحْتَالُ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَأْخُذُهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَفِي سَمَاعِ مُوسَى بِفِيهِ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَلَا يَكُونُ مُضَافًا إذَا مَجَّهُ مَكَانَهُ وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَطُولَ مَقَامَهُ وَيُمَضْمِضَهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ أَوْ بِفِيهِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُضَافًا يُرِقْهُ فَلَا تَطْهُرُ يَدُهُ وَلَا يَزُولُ عَنْهَا حُكْمُ النَّجَاسَةِ فَإِنْ عَيَّنَهَا تَزُولُ مِنْ يَدِهِ وَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ الَّذِي أَدْخَلَهَا فِيهِ وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَفِي الطِّرَازِ يَحْتَالُ بِرَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ أَوْ بِغَرْفٍ أَوْ عُشْبٍ قَالَ: وَقَوْلُ عَلِيٍّ تَفْسِيرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ عَلِيٍّ هُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الِاخْتِيَارِ وَأَمَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَيَتَعَيَّنُ وَقَالَ سَنَدٌ: قَوْلُهُ وَيَحْتَالُ وَيَغْرِفُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْبِرَكِ وَأَمَّا الْبِئْرُ إذَا نَزَلَ ثُمَّ اغْتَرَفَ رَجَعَ الْمَاءُ إلَى الْبِئْرِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَلَطَّفَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ يَدِهِ وَتَقْلِيلِهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَرْفَعُ بِهِ الْمَاءَ فِي فِيهِ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَى أَعْلَى الْبِئْرِ فَيَبِلُّ يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِالْأَرْضِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِرَارًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَلِّلُ النَّجَاسَةَ مِنْ يَدِهِ فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ الطُّلُوعِ وَالنُّزُولِ فَعَلَ مَا يُمْكِنُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا أَنْ يَبُلَّ يَدَيْهِ بِفِيهِ وَيَمْسَحَ فِي حَائِطِ الْبِئْرِ يَفْعَلْهُ مِرَارًا حَتَّى لَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ فِي يَدِهِ عَيْنٌ تَطْهُرُ وَلَا تُحَسُّ فَلَا يُؤَثِّرُ مَا يُقَدَّرُ بَقَاؤُهُ بِيَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ رَفْعِهِ الْمَاءَ بِيَدِهِ إلَى جَسَدِهِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَيْهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْرِفَ أَوْ يَنْغَمِسَ قُلْنَا بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّهُ إذَا اغْتَرَفَ وَقَلَّلَ الْمَاءَ وَبَالَغَ فِي التَّدَلُّكِ لَا يَكَادُ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْبِئْرِ مِنْهُ كَبِيرُ طَائِلٍ وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ قَوْلَ مَنْ قَالَ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى سَالَ أَوْ قَطَرَ مِنْ عَلَى جَسَدِهِ بِشَيْءٍ إلَى الْبِئْرِ أَمْكَنَ أَنْ يَمُدَّ يَدَيْهِ فَيَغْتَرِفَ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ وَمُرَاعَاةٌ لِلظَّاهِرِ انْتَهَى.
يَعْنِي ظَاهِرَ النَّهْيِ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الرَّاكِدِ
[فَرْعٌ الْغُسْل فِي الْحِيَاض قَبْل غَسَلَ الْأَذَى]
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ إنْ اغْتَسَلَ بِهِ فِي الْحِيَاضِ أَوْ فِي الْقَصْرِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمَاءِ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ فَإِنْ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لَمْ يُجْزِهِ غَسْلُهُ وَحُكْمُ الْجَنَابَةِ بَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَغُسْلُهُ يُجْزِيهِ
وَلَكِنْ يُغْتَسَلُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأَجَلِ النَّجَاسَةِ وَقَالَ بَعْدَهُ: إنْ تَغَيَّرَ أَفْسَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ الْمَشْكُوكُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَإِنَاءِ الْمَاءِ يُشْرَبُ مِنْهُ مَا لَا يَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَاتِ تَدْخُلُهُ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِي تِلْكَ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنْ صَلَّى بِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْبَاجِيُّ يَغْسِلُ جَسَدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَا يَنْوِي بِالْغُسْلِ الثَّانِي رَفْعَ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهَا وَقَدْ ارْتَفَعَتْ وَلَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَرَّدَ إلَّا جُزْأَهُ مِنْ طَهَارَةِ أَعْضَائِهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ جَارٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ تُحِلُّهُ النَّجَاسَةُ.
ص (وَسُؤْرُ شَارِبِ خَمْرٍ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَمَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا مِنْ مَاءٍ) ش: تَقَدَّمَ ضَبْطُ السُّؤْرِ وَبَيَانُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ سُؤْرَ شَارِبِ الْخَمْرِ مِنْ الْمَاءِ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَسُؤْرُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةُ مِنْ الْمَاءِ أَيْضًا إذَا كَانَ يَسِيرًا كَآنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَمَا تَقَدَّمَ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ اسْتَعْمَلَهُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلَمْ يُصَرِّحْ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِ وَصَرَّحَ بِهَا ابْنُ الْجَلَّابِ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَكَرِ شَارِبِ الْخَمْرِ عَنْ النَّصْرَانِيِّ مَعَ ذِكْرِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ مِنْ شَرْبَةِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ مَا لَا يَتَوَقَّى نَجِسًا عَنْ قَوْلِهِ شَارِبِ خَمْرٍ لِأَنَّهُ لَمَّا أَتَى بِمَا وَهِيَ لِمَا لَا يَعْقِلُ لَمْ تُصَدَّقْ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ وَقَوْلُهُ شَارِبِ خَمْرٍ يَقْتَضِي الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كَثْرَةِ شُرْبِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهَذَا إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ طَهَارَةُ الْيَدِ وَالْفَمِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُمَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
ص (لَا إنْ عَسُرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ أَوْ كَانَ طَعَامًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ إذَا عَسُرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْهِرِّ وَالْفَأْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ سُؤْرِهِ مِنْ الْمَاءِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَلِمَا وُرِدَ فِي الْهِرَّةِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بِأَوْ فِي بَابِ الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ بِالْوَاوِ وَبِحَذْفِ عَلَيْكُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ: يُحْتَمَلُ أَوْ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلنَّوْعَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَاتِ الْوَاوِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةُ الطَّوَّافُونَ الْخَدَمُ وَالْمَمَالِيكُ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ يَخْدُمُونَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّوَّافِينَ مِنْ الْخَدَمِ وَالصِّغَارِ الَّذِينَ سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ الْحِجَابُ وَالِاسْتِئْذَانُ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ إنَّمَا سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ لِلضَّرُورَةِ وَكَثْرَةِ مُدَاخَلَتِهِمْ بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ فَلِذَا يُعْفَى عَنْ الْهِرَّةِ لِلْحَاجَةِ أَشَارَ إلَى نَحْوِ هَذَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَدِيثُ يَتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِخَدَمِ الْبَيْتِ وَمَنْ يَطَّوَّفُ عَلَى أَهْلِهِ لِلْخِدْمَةِ، وَالثَّانِي شَبَّهَهَا بِمَنْ يَطَّوَّفُ لِلْحَاجَةِ وَالْمَسْأَلَةِ وَمَعْنَاهُ الْأَجْرُ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطَّوَّفُ لِلْحَاجَةِ وَالْمَسْأَلَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي قَدْ يَأْبَاهُ سِيَاقُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ سُؤْرِ مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ مِنْ الطَّعَامِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَسُرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ سُؤْرُ شَارِبِ الْخَمْرِ مِنْ الطَّعَامِ وَمَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَالطَّيْرُ
وَالْأَوِزُّ وَالدَّجَاجُ الْمُخَلَّاةُ وَالسِّبَاعُ الَّتِي تَصِلُ إلَى النَّتْنِ إنْ شَرِبَتْ مِنْ طَعَامِ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِ أُكِلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَفْوَاهِهَا وَقْتَ شُرْبِهَا أَذًى فَلَا يُؤْكَلُ انْتَهَى وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ الْحَمْلُ عَلَى النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ فَيُرَاقَانِ نَظَرًا إلَى الْغَالِبِ، وَالثَّانِي الْحَمْلُ عَلَى الطَّهَارَةِ فِيهَا نَظَرٌ إلَى الْأَصْلِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَالثَّالِثُ الْمَشْهُورُ يُطْرَحُ الْمَاءُ دُونَ الطَّعَامِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْهَا لِاسْتِجَازَةِ طَرْحِ الْمَاءِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لِاسْتِجَازَةِ طَرْحِ الْمَاءِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ لِأَنَّ الْمَاءَ يُسْتَجَازُ طَرْحُهُ عَلَى النُّفُوسِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَمَعْنَى اسْتِجَازَةِ الطَّرْحِ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الطَّعَامِ فَيَجُوزُ طَرْحُهُ عَلَى الْأَرْضِ انْتَهَى، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: ظَاهِرُهُ جَوَازُ طَرْحِهِ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ: وَالسَّرْفُ فِيهِ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ مُقَيَّدًا بِمَا حَصَلَ فِيهِ شُبْهَةٌ كَشُرْبِ مَا عَادَتُهُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ وَالْمَنْعُ لِغَيْرِ سَبَبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا كَانَ السَّرْفُ فِيهِ بِدْعَةً فِيمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ فِي عِبَادَةٍ جَاءَ مِنْ الشَّرْعِ التَّقْلِيلُ فِي ذَلِكَ أَمَّا إرَاقَةُ الْمَاءِ لَا فِي عِبَادَةِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اخْتِيَارًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِلَيْهِ كَانَ يَذْهَبُ شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْبُرْزُلِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْإِسْرَافُ حَرَامٌ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِلَّةُ مَاءٍ بِلَا حَدٍّ.
(فَائِدَةٌ) أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ «الْهِرَّةِ أَنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» وَقَالَ: لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[فَرْعٌ سُؤْر الْكَافِر وَالنَّصْرَانِيّ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِ النَّصْرَانِيِّ يَقُومُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاهَدْتُ شَيْخَنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يُفْتِي بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا أَخْرَجَ الدِّرْهَمَ مِنْ فِيهِ وَدَفَعَهُ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ انْتَهَى.
ص (كَمُشَمَّسٍ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُشَبَّهُ بِالْمُخْرَجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُشَمَّسِ وَهُوَ الْمُسَخَّنُ بِالشَّمْسِ لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الْمُسَخَّنَ بِالشَّمْسِ لِلطِّبِّ وَاقْتَصَرَ عِيَاضٌ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَسَنَدٌ فِي الْمُشَمَّسِ عَلَى الْكَرَاهَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ هُوَ فِي قَوَاعِدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا خِلَافًا بَلْ قَالَ: لَعَلَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ طِبًّا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ الْآتِي وَكَلَامَ سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ كَرَاهَتُهُ وَنَصَّهُ فَرْعٌ وَكُرِهَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ لَا تَفْعَلِي هَذَا يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى.
وَصَدَّرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ بِكَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَخْرُجُ مِنْ الْإِنَاءِ مِثْلُ الْهَبَاءِ بِسَبَبِ التَّشْمِيسِ فِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ فَيَعْلَقُ بِالْأَجْسَامِ فَيُوَرِّثُ الْبَرَصَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِصَفَائِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ نَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ كَرَاهَةَ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ
عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ ابْنُ الْإِمَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَنْبَغِي كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ الْمُشَمَّسِ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَبِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَوْ شُمِّسَ فِي أَوَانِي الصُّفْرِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ لَمَا يَحْدُثُ مِنْ الْبَرَصِ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ وَأَطْلَقَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ إنْ قَضَتْ بِضَرَرِ اسْتِعْمَالِهِ فَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مَا رَوَى لِمَا عُلِمَ شَرْعًا مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ عَمَّا يَضُرُّ عَاجِلًا.
وَلَمْ يَلْزَمْ بِمَا قِيلَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَسْتَلْزِمُ الضَّرَرَ إلَّا نَادِرًا لَا يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ بِخِلَافِ مَا اسْتَلْزَمَهُ غَالِبًا فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الظَّنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَفِي كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ أَعْنِي قَوْلَهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا كُلَّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَهُ أَنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ وَهَذَا ضَعِيفُ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشَمَّسَ لَا أَصْلَ لِكَرَاهَتِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ بِكَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَقَوْلُهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فِيهِ شَيْءٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ النَّفِيسِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ إنَّ مُقْتَضَى الطِّبِّ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُكْرَهُ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ وَهِيَ الْمُطْرَقَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: جَمِيعُ مَا يُطْرَقُ وَقِيلَ كُلُّ مَا يُطْرَقُ إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِصَفَائِهِمَا وَقِيلَ إنَّهَا مِنْ النُّحَاسِ خَاصَّةً وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ قَوِيٌّ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ نَقَلَهُ ابْنُ الْفَرَسِ عَنْ مَالِكٍ وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ كَوْنِهِ فِي أَوَانِي الصُّفْرِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَجَوَّزَ ابْنُ الْفُرَاتِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمُشَمَّسٍ رَاجِعًا إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ
(قُلْتُ) : وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، (تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ إنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ قَالَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى رَفْعِهِ الْحَدَثَ بَلْ لِمُنْفَصِلٍ عَنْهُ قَالَ وَيَتَعَيَّنُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمَكْرُوهَةِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَالظَّوَاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ إرْشَادٍ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ وَلَيْسَتْ كَرَاهَةً شَرْعِيَّةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ الشَّرْعِيَّةَ يُثَابُ تَارِكُهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ حَيْثُ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ شَيْءٍ أُثِيبَ عَلَى تَرْكِهِ كَمَنْ تَرَكَ أَكْلَ السُّمِّ امْتِثَالًا لِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْ التَّسَبُّبِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ ابْنِ الْإِمَامِ السَّابِقُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ نَحْوَ مَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ: هَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ، (الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَانْظُرْ هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ أَوْ لَا أَوْ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لِلْأَطِبَّاءِ أَمَّا إنْ قِيلَ إنَّ الْعِلَّةَ تُحَلِّلُ أَجْزَاءً مِنْ الْإِنَاءِ فَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَبْرِيدِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، (الرَّابِعُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْمُشَمَّسِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ تَبَرُّدٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَفِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ بِهِ مِنْ الْبَدَنِ وَأَمَّا غُسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْبَدَنِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ
بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ شُرْبُهُ وَأَكْلُ طَعَامٍ طُبِخَ فِيهِ إنْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَضُرُّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، (الْخَامِسُ) أَمَّا الْمُشَمَّسُ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَتِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ: لِعَدَمِ إمْكَانِ الصِّيَانَةِ وَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ انْتَهَى،.
(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ وَقَوْلُهُ وَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ أَيْ وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ الشَّمْسِ، (السَّادِسُ) الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ ابْنُ الْكَرَوِيِّ بِأَنْ لَا يَكُونَ شَدِيدَ التَّسْخِينِ فَإِنْ كَانَ شَدِيدَ التَّسْخِينِ كُرِهَ وَمِثْلُهُ شَدِيدُ الْبُرُودَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِسْبَاغَ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّ الْمُسَخَّنَ يُسْتَعْمَلُ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْقِدْرِ
[فَرْعٌ الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ]
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْكَرَوِيِّ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا وَقَعَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ تَفْضِيلِ الْبَارِدِ عَلَى الْمُسَخَّنِ إنَّمَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَلِنَشَاطِ النَّفْسِ بَعْدَهُ فِي إقْلِيمِ الْحِجَازِ وَحَرَارَةِ الْبِلَادِ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَأَنَا أَفْعَلُهُ كَثِيرًا وَنَقَلَ فِي الْبَيَانِ كَرَاهَتَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فَإِنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنَعُّمِ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ لِلْحَدِيثِ فَقَدْ أَصَابَ.
(تَنْبِيهٌ وَفَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْإِمَامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ: هَذَا وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْبَارِدِ مَعَ وُجُودِ الْمُسَخَّنِ أَفْضَلُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَطْلُبْ مِنْ عِبَادِهِ الْمَشَاقَّ وَلِأَنَّ الْقُرَبَ كُلَّهَا تَعْظِيمٌ وَتَوْقِيرٌ وَلَيْسَ عَيْنُ الْمَشَاقِّ تَعْظِيمًا وَلَا تَوْقِيرًا وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُمْ تَحْصِيلَ الْمَصَالِحِ فَإِنْ لَمْ تُحَصَّلْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظُمَ الْأَجْرُ لِقُرْبِ الْإِخْلَاصِ فَلِذَلِكَ كَانَ ثَوَابُ أَشَقِّ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَّحِدَيْنِ وَالْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا أَعْظَمَ كَالْوُضُوءِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ فِي الصَّيْفِ وَهَذَا مِنْ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَالصَّوْمِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَشِدَّةِ الْقَيْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ أَوْ فَصْلِ الْبَرْدِ وَإِنْ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَصَالِحِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ وَأَرَادَ أَحَدٌ فِعْلَ الْأَشَقِّ طَلَبًا لِمَزِيدِ الثَّوَابِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِالْبَارِدِ مَعَ وُجُودِ الْمُسَخَّنِ وَكَسَلْوِكِ الطَّرِيقِ الْأَبْعَدِ إلَى الْجَامِعِ وَالْحَجِّ دُونَ الْأَقْرَبِ مَعَ إمْكَانِ سُلُوكِهِ قَصْدًا لِمَا ذُكِرَ كَانَ غَالِطًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرُبَّمَا كَانَ فِي فِعْلِهِ الْعِقَابُ عَلَى قَدْرِ الْمَفْسَدَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَتَسْخِينُ الْمَاءِ لِدَفْعِ بَرْدِهِ لِيَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ لَا يَمْنَعُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي كَثْرَةِ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْإِمَامِ وَقَبِلَهُ وَأَيَّدَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي عَنْ الْبُرْزُلِيِّ.
[فَرْعٌ دُخُولُ الْحَمَّامِ]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فَوَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي الرِّوَايَاتِ وَفَتَاوَى الشُّيُوخِ وَاَلَّذِي حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَامِعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ نَاجِي وَالْقَلْشَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ دُخُولَهُ لِلرَّجُلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ إذَا كَانَ خَالِيًا قَالَ ابْنُ نَاجِي أَوْ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ.
الثَّانِي إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ أَوْ مَعَهُ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ وَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي دِينِهِ وَقَدْحٌ فِي شَهَادَتِهِ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ دُخُولِهِ مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ بَلْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدْ سِوَى مَائِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ وَمَنْ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ غَاضًّا بَصَرَهُ لِإِخْرَاجِهِ لَا لِمُقَامِهِ فِيهِ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَعَلَى قَوْلِهِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ صَارَ عَادِمًا لِلْمَاءِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا كَانَ مَسْتُورًا مَعَ مَسْتُورِينَ