ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
دُونَ بَعْضٍ وَفِي إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ وَمَرَّةً لَمْ يُجِزْهُ وَمَرَّةٌ فَرَّقَ فَأَجَازَ الرَّهْنَ وَالْقَضَاءَ وَلَمْ يُجِزْ الْإِقْرَارَ وَمَرَّةٌ أَجَازَ الْقَضَاءَ خَاصَّةً وَلَمْ يُجِزْ الرَّهْنَ وَلَا الْإِقْرَارَ وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ اسْتَنْفَقَ اللُّقَطَةَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ جَازَ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ فَإِنْ كَانَ يُورَثُ بِوَلَدٍ جَازَ إقْرَارُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ صَاحِبِهَا أَوْ تُوقَفَ لَهُ وَاخْتَلَفَ إنْ كَانَ يُورَثُ بِكَلَالَةٍ فَقِيلَ إنَّهُ إنْ أَوْصَى أَنْ تُوقَفَ وَتُحْبَسَ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا جَازَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَمْ تُخْرَجْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ وَقِيلَ إنَّهُ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَقِيلَ إنَّهُ إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً جَازَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَمْ تَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا ثُلُثٍ، انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: سَأَلْت ابْنَ وَهْبٍ عَنْ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فَيَسْتَنْفِقُهَا بَعْدَ السَّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا أَتَرَى أَنْ يُحَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءُ، قَالَ: نَعَمْ أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُحَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءَ وَسَأَلْت أَشْهَبَ، فَقَالَ لِي مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ السُّلْطَانَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ سُكُوتُ أَشْهَبَ عَنْ ذِكْرِ السُّلْطَانِ فِي هَذَا مُخَالِفًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُوَ النَّاظِرُ فِيهَا لِصَاحِبِ اللُّقَطَةِ لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَةِ الْغَائِبِ إذْ لَا يُعْرَفُ وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا عَلِمَ إقْرَارَهُ بِاسْتِنْفَاقِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُفْلِسِ بَعْدَ التَّفْلِيسِ لِمُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ فَكَيْفَ لِغَائِبٍ مَجْهُولٍ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَة قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْته فِي مَكَانك بَعْدَ خُرُوجك]
(مَسْأَلَةٌ) مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ حَانُوتَ رَجُلٍ بَزَّازٍ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ ثَوْبًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَاتَّبَعَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا دِينَارٌ وَجَدْته فِي حَانُوتِي وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ غَيْرُك فَعَمِدَ الرَّجُلُ فَافْتَقَدَ دِينَارًا مِنْهَا أَتَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي هُوَ أَعْلَمُ بِيَقِينِهِ إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ دِينَارُهُ فَلْيَأْخُذْهُ قِيلَ لَهُ التَّاجِرُ يَقُولُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ غَيْرُك وَقَدْ افْتَقَدَ الرَّجُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ دِينَارًا، قَالَ: إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَهُ فَلْيَأْخُذْهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي قَوْلِهِ إنْ اسْتَيْقَنَ فَلْيَأْخُذْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا إنْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا الْيَقِينُ أَنَّهُ لَهُ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَرُّعِ، وَالنِّهَايَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ شَكٌّ فِي أَنَّهُ لَهُ فَأَخَذَهُ لَهُ سَائِغٌ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَهُ إذْ قَدْ افْتَقَدَ دِينَارًا وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ نَفَقَتِهِ لَسَاغَ لَهُ عِنْدِي أَنْ يَأْخُذَهُ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْحَانُوتِ إنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ غَيْرُك وَإِنْ كَانَ التَّوَرُّعُ مِنْ أَخْذِهِ أَوْلَى وَأَحْسَنُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ: هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْتُهُ فِي مَكَانِكَ بَعْدَ خُرُوجِك وَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ لَكَ أَوْ لِغَيْرِك مِمَّنْ دَخَلَ الْحَانُوتَ فَعَدَّ الرَّجُلُ نَفَقَتَهُ فَافْتَقَدَ دِينَارًا وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: هَذَا الدِّينَارُ وَجَدْتُهُ فِي مَكَانِكَ بَعْدَ خُرُوجِك وَلَا أَدْرِي هَلْ هُوَ لَك أَوْ لِغَيْرِك مِمَّنْ دَخَلَ الْحَانُوتَ وَالرَّجُلُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَ نَفَقَتِهِ لَمَا سَاغَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشَّكِّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ص (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) ش، قَالَ الشَّارِحُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ: يَعْنِي أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا نَوَى قَبْلَ السَّنَةِ أَكْلَ اللُّقَطَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا يُرِيدُ إذَا ضَاعَتْ عِنْدَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ، قَالَ: الْمَشْهُورُ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ، انْتَهَى.
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فَلَيْسَ هُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا بِمَوْضِعِهَا أَوْ بِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا فَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ سَاعَتَهُ كَمَنْ مَرَّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكَ فَيَقُولُ لَا فَتَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ بِأَثَرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ لِيُعَرِّفْهَا اُنْظُرْ هَلْ تَعْرِيفًا عَامًّا الَّذِي هُوَ السَّنَةُ أَوْ تَعْرِيفًا خَاصًّا
كَوَاجِدِ الْكِسَاءِ عِيَاضٌ اخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقِيلَ إنَّ الثَّانِيَةَ بِخِلَافِ الْأُولَى وَإِنَّهُ ضَمِنَهُ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا وَالثَّانِيَةُ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَالْقُرْبُ وَالْبَعْدُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَحَكَى ذَلِكَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ يَعْنِي إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ وَإِلَيْهِ نَحَا اللَّخْمِيُّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ مَنْ أَخَذَ لُقَطَةَ الْمَسْأَلَةُ، وَقَوْلُهُ فَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ فَذَهَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهَا فِي الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَرُدَّهَا بِالْقُرْبِ لِقَوْلِهَا فَبَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِالْقُرْبِ وَهَذَا تَأْوِيلُ اللَّخْمِيِّ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا ضَمِنَهُ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَأْخُذْهَا بِنِيَّةِ تَعْرِيفِ الْعَامِّ وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ الشَّيْخُ.
وَهَلْ تُوجِبُ النِّيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا أَمْ لَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُوجِبُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فَمَنْ نَوَى قُرْبَةٌ فَلَا تَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَارِنَهَا قَوْلٌ كَالنَّذْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ثُمَّ هَذَا الْعَمَلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ فَهَذَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ كَالْجِوَارِ وَقِرَاءَةِ أَحْزَابٍ أَوْ نَوَى إطَالَةَ الْقِيَامِ فِي الرُّكُوعِ بَدَا لَهُ فِيمَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَ وَمَا لَمْ يَأْتِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَالتَّعْرِيفُ مِمَّا يَتَجَزَّأُ فَلَيْسَ فِيمَا يَأْتِي إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَانْظُرْ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ، أَيْ: وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الرَّجُلُ إذَا نَوَى لَمَّا وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَنْ يَأْخُذَهَا تَمَلُّكًا وَكَانَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ قَبْلَ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ كَالْغَاصِبِ، انْتَهَى.
وَإِنْ (قُلْتُ) حَمَلْت اللَّفْظَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ (قُلْتُ) بَلْ يُحْمَلُ وَغَايَةُ مَا يُورَدُ أَنِّي غَيَّرْت الْأَخْذَ حَتَّى يَصِحَّ الْمَعْنَى الْمَنْصُوصَ وَقَدَّرْت مُضَافًا مَحْذُوفًا بَعْدَ قَبْلُ، أَيْ: قَبْلَ قَبْضِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ وَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ أَوَّلًا لَا يَصِحُّ مَعْنًى وَلَا نَقْلًا، انْتَهَى.
فَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرِهِ إلَى آخِرِهِ وَاحْتِجَاجَهُ بِكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقًا فَيَبْقَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْبِسَاطِيُّ فَأَوَّلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لِيُوَافِقَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ، قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ ظَاهِرٌ تَصَوُّرًا وَتَصْدِيقًا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ اللُّقَطَةَ بِيَدِ مُلْتَقَطِهَا عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ بِمُقْتَضَى حُكْمِ الشَّرْعِ وَإِنْ قَبَضَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا مَا لَمْ يَنْوِ اغْتِيَالًا وَغَصْبًا فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ ضَمِنَهَا كَمَا يَضْمَنُ الْغَاصِبُ وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا كَانَتْ هَذِهِ نِيَّتُهُ حِينَ الْتَقَطَهَا وَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ هَذِهِ النِّيَّةُ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ جَرَى ذَلِكَ عَلَى تَبَدُّلِ النِّيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: (قُلْتُ) يُرَدُّ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِلَغْوِ أَثَرِ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ كَمَا كَانَتْ لَا مَعَ تَغَيُّرِ بَقَائِهَا عَمَّا كَانَتْ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لِتَأْثِيرِ النِّيَّةِ، وَيَدُ الْمُلْتَقِطِ السَّابِقَةُ عَنْ نِيَّةِ الِاغْتِيَالِ كَانَتْ مَقْرُونَةً بِالتَّعْرِيفِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ وَهِيَ بَعْدَهَا مَقْرُونَةٌ بِنَقِيضِ ذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْفِعْلِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْتُ) الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ لِحَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ، انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيحٌ فِي عِبَارَةِ الشَّامِلِ وَنَصُّهُ وَلَوْ نَوَى أَكْلَهُ قَبْلَ الْعَامِ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا فَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ
[فَرْعٌ مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ هَلْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ إمْسَاكَهَا لِنَفْسِهِ وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ ضَمَانِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، الْمَجْمُوعَةُ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ ضَمِنَهُ بِلَا خِلَافٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ
وَنَصُّهُ: وَفِي صَيْرُورَتِهَا دَيْنًا عَلَى مُلْتَقِطِهَا لِإِرَادَةِ أَكْلِهَا أَوْ بِتَحْرِيكِهِ نَقْلَا الشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ الْأَوَّلَ لِرِوَايَتَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ قَالَ لَهُ صَاحِب اللُّقَطَة أَخَذَتْهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ هُوَ بَلْ لِأُعَرِّفَهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ادَّعَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لِيَذْهَبَ بِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا لِيُعَرِّفَ بِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، انْتَهَى.
وَمَا عَزَاهُ لِأَشْهَبَ هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقَطِ لَمْ يَضْمَنْ، ابْنُ يُونُسَ، قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَمَذْهَبُ الْكِتَابِ فِي هَذَا لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى.
مِنْ أَبِي الْحَسَنِ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا: أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا، وَقَالَ هُوَ: بَلْ لِأُعَرِّفَهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ، ابْنُ يُونُسَ، قَالَ أَشْهَبُ: بِلَا يَمِينٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَلَا يُعَرَّفُ الْوَجْهُ الَّذِي الْتَقَطَهَا عَلَيْهِ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ أَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لَيُحْرِزَهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ دُونَ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ حِينَ الْتِقَاطِهَا أَوْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ مُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا حَالَ الْتِقَاطِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، انْتَهَى.
ص (وَرَدُّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا تَتَفَرَّعُ عَلَى الْقِسْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، انْتَهَى.
يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ الِالْتِقَاطِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الِالْتِقَاطُ هُوَ مَأْمُورٌ بِالرَّدِّ وَالْقِسْمَ الَّذِي يَجِبُ يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا وَقَدْ عَلِمْت كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَالتَّأْوِيلَيْنِ عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعَادَةِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا أَخَذَهَا لَا بِنِيَّةِ الْحِفْظِ وَلَا بِنِيَّةِ اغْتِيَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ بِلَا خِلَافٍ وَيَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بَعْدَ الْبُعْدِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: لَا خِلَافَ إذَا أَخَذَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّعْرِيفِ كَأَخْذِ الْكِسَاءِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ إذَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا فِي الْحِينِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاجِدُ اللُّقَطَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا يُرِيدُ الْتِقَاطَهَا وَلَا اغْتِيَالَهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَأْخُذَهَا مُلْتَقِطًا لَهَا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَأْخُذَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ ثَوْبًا وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فَهَذَا إنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ فِي يَدِهِ وَلَا تَعَدَّى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَعْلَمَ بِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِيهِ حُكْمَ اللُّقَطَةِ وَهَذَا إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا بَعْدَ طُولٍ فَهُوَ ضَامِنٌ، انْتَهَى.
وَالْقِسْمَانِ الْبَاقِيَانِ تَقَدَّمَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ)
ش: يَعْنِي: ذُو الرِّقِّ إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا سَنَةً فَبَعْدَ السَّنَةِ إنْ أَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ضَمِنَهَا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ: وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ وَاضِحٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ يَصِحُّ حِينَ تَصَرُّفِهِ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ ذَلِكَ عَنْ بَيْعِهِ لِسَيِّدِهِ وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَهَا وَيُوقِفَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِئَلَّا يَخَافَ عَلَيْهَا أَنْ تَتْلَفَ أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ كَانَ أَبْيَنُ أَنْ تُوقَفَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسْقِطَهَا، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا قَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ قَبْلَ السَّنَةِ إنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
وَأَصْبَغُ: سَوَاءٌ أَكَلَهَا أَوْ أَكَلَ ثَمَنَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا، قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمُغِيرَةِ: وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ فَإِنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ خِدْمَتَهُ فِيهَا أَخْدَمَهُ فِيهَا ثُمَّ عَادَ إلَى رَبِّهِ فَإِنْ مَاتَ رَبُّهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ رَبِّهَا قِيمَتَهَا مِنْ خِدْمَتِهِ عَتَقَ فِي ثُلُثِ سَيِّدِهِ وَاتُّبِعَ بِمَا بَقِيَ، قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِيمَتَهَا وَإِلَّا عَجَزَ ثُمَّ خُيِّرَ رَبُّهُ فِي إسْلَامِهِ بِهَا عَبْدًا أَوْ افْتِدَائِهِ وَيَبْقَى لَهُ عَبْدًا وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَتْ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ السَّنَةِ فَكَالْجِنَايَةِ يَضْمَنُ سَيِّدُهَا الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قِيمَةِ اللُّقَطَةِ، انْتَهَى.
ص (وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) ش ظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْرِيفِ وَنَصُّهُ: وَمَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَلَمْ يُؤَقِّتْ مَالِكٌ فِي التَّعْرِيفِ بِهِ وَقْتًا فَإِنْ أَكَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ لِرَبِّهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَوْلَى وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ وَثَالِثُهَا إنْ تَصَدَّقَ بِهِ لَا أَكَلَهُ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الضَّحَايَا وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ فِي الضَّحَايَا فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَشَاةٌ بِفَيْفَاءَ)
ش: عَطَفَ الشَّاةَ عَلَى مَا يَفْسُدُ وَلَمْ يُشَبِّهْ الشَّاةَ بِهِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا شَبَهَهُ بِالشَّاةِ كَمَا فَعَلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ وَرَدَّ فِيهِ حَدِيثَ أَمَّا الشَّاةُ فَالْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ فَجَرَى ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ بِفَيْفَاءَ يَعْنِي لَا عِمَارَةَ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ السِّبَاعَ وَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ شَرْطًا آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ كَوْنُهُ يَعْسُرُ حَمْلُهَا وَأَقَرَّهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْسُرْ حَمْلُهَا لَلَزِمَهُ حَمْلُهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، انْتَهَى.
وَإِذَا أَكَلَهَا بِالْفَيْفَاءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ بِفَيْفَاءَ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا لَوْ وَجَدَهَا فِي الْقَرْيَةِ أَوْ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَجَدَ ضَالَّةَ غَنَمٍ بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا يُرِيدُ بَعْدَ السَّنَةِ فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا لَهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَلَوْ ذَبَحَهَا فِي الْفَلَاةِ ثُمَّ أَتَى بِلَحْمِهَا أَكَلَهُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا أَصْبَغُ وَيَصِيرُ لَحْمُهَا وَجِلْدُهَا مَالًا مِنْ مَالِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهَا وَهِيَ فِي يَدَيْهِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا وَإِنْ أَتَى بِالشَّاةِ مِنْ الْفَلَاةِ إلَى الْعِمَارَةِ فَلَهَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا وَإِنْ أَتَى رَبُّهَا أَخَذَهَا اللَّخْمِيُّ.
يُرِيدُ وَيُعْطِيهِ أُجْرَةَ نَقْلِهَا، انْتَهَى.
ص (كَإِبِلٍ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّة وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ
النَّاسِ وَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَسَدَ فِيهِ النَّاسُ فَالْحُكْمُ أَنْ تُؤْخَذَ فَتُعَرَّفَ فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ لَمَّا دَاخَلَ النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَصَحِيحُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَدَمُ الْتِقَاطِهَا مُطْلَقًا، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاخْتَلَفَ إنْ كَانَتْ الْإِبِلُ بَعِيدَةً مِنْ الْعُمْرَانِ بِحَيْثُ يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ فَقِيلَ إنَّهَا فِي حُكْمِ الْغَنَمِ، لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا وَقِيلَ إنَّهَا تُؤْخَذُ فَتُعَرَّفُ إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي جَلْبِهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَاخْتَلَفَ هَلْ تُلْتَقَطُ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا السِّبَاعُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ لِإِطْلَاقِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُلْتَقَطُ الْإِبِلُ فِي الصَّحْرَاءِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَفْهُومٌ ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ لِلْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْتِقَاطُهَا حَيْثُ يُتَوَهَّمُ ضَيَاعُهَا فَامْتِنَاعُهُ حَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ أَوْلَى وَمُحْتَمَلٌ لِلْمُخَالَفَةِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ فِي الْعُمْرَانِ لِسُهُولَةِ وُجْدَانِ رَبِّهَا لَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا نَقَلَهَا مِنْ الصَّحْرَاءِ إلَى الْعِمَارَةِ فَلَا تَتَأَتَّى مَعْرِفَةُ رَبِّهَا؛ وَلِأَنَّهَا فِي الْعُمْرَانِ لَا تَجِدُ مَا تَأْكُلُ فَتَهْلَكُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَوَّلُ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ، انْتَهَى قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حِذَاؤُهَا أَخْفَافُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَابَةِ وَسِقَاؤُهَا كِرْشَهَا لِكَثْرَةِ مَا تَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَتَكْتَفِي بِهِ الْأَيَّامُ وَكِلَاهُمَا مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَغَلَّتِهَا دُونَ نَسْلِهَا) ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ
وَأَمَّا مَنَافِعُ اللُّقَطَةِ وَغَلَّاتُهَا وَلَبَنُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: لِلْمُلْتَقِطِ وَلَا يُتْبَعُ بِذَلِكَ وَيُتْبَعُ بِهَا وَبِنَسْلِهَا خَاصَّةً وَقِيلَ يُتْبَعُ بِالْجَمِيعِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ وَلَهُ أَنْ يَكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهُ فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا وَلَهُ الرُّكُوبُ وَلَهُ بَيْعُ مَا يَخَافُ ضَيَاعَهُ وَتَلَفَهُ، انْتَهَى.
ص (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: اللَّقِيطُ طِفْلٌ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَوَاءٌ عُلِمَ نَسَبُهُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وَالْكَافِلُ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْقَرِيبُ وَإِلَّا فَالْمُلْتَقِطُ كَافِلٌ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: كِفَايَةً، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَكُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَمَنْ وَجَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ إنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ أَخْذُهُ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ تَرْكُهُ، انْتَهَى.
ص (وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَخْ) ش لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُنْتَهَى النَّفَقَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى مُلْتَقَطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَغْنِيَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ إمَّا بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاس بِهِ وَيَسْتَمِرُّ إنْفَاقُهُ عَلَيْهِ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ يَسْتَغْنِي قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْبَاجِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا عَطَفَ يَسْتَغْنِي عَلَى مَا قَبْلَهُ بِالْوَاوِ وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ الْوَلَدِ تَسْتَمِرُّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الذَّكَرُ صَحِيحًا أَوْ تَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى وَيَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَمَا أَظُنُّهُ يُرِيدُ مِثْلَ هَذَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَفَقَتُهُ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ هَكَذَا نَقَلَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِالْوَاوِ خِلَافَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يَسْتَغْنِيَ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَفِي الشَّامِلِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ بِالْوَاوِ وَكَنَقْلِ الْبَاجِيِّ.
ص (وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا)
ش: تَصَوُّرُهُ
وَاقِعٌ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِالْبَيِّنَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ ثَبَتَ لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَلَدُهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْبَاجِيُّ وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْبَيِّنَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي التَّصْدِيقِ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ التَّهْذِيبِ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَنَبَّهَ عَلَيْهَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ أَبٌ بِالْبَيِّنَةِ طَرَحَهُ عَمْدًا لَزِمَتْهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَطْرَحْهُ أَوْ طَرَحَهُ بِلَا عَمْدٍ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ إنَّمَا تَكَلَّمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُؤَلِّفُ عَلَى الْمَفْهُومِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يَطْرَحْهُ وَكَذَا الشَّارِحُ بَهْرَامُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنَهُ فَلَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِي حِينِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي صَبِيٍّ ضَلَّ عَنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَتَعَمَّدْ طَرْحَهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتِك فِي الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَوَجَبَ لِلْمُنْفِقِ الرُّجُوعُ عَلَى أَبِي اللَّقِيطِ إذَا طَرَحَهُ عَمْدًا أَمَّا إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلِأَنَّ النَّفَقَةَ بِالْأَصَالَةِ عَلَى الْأَبِ وَطَرْحَهُ لَا يُسْقِطُهَا وَأَمَّا إنَّهُ إذَا لَمْ يَطْرَحْهُ أَوْ طَرَحَهُ بِوَجْهٍ كَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ مَنْ طَرَحَ ابْنَهُ يَعِيشُ لَهُ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَلِأَنَّ أَخْذَ الْمُلْتَقِطِ لَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَنْعٌ مِنْ إنْفَاقِ الْأَبِ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا طَرَحَهُ بِوَجْهٍ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ قَيْدَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ، الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ حِينَ الْإِنْفَاقِ مُوسِرًا وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ.
الْقَيْدُ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُنْفِقُ أَنْفَقَ حِسْبَةً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً) ش يَعْنِي إذَا طَرَحَهُ أَبُوهُ عَمْدًا وَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ فَادَّعَى عَلَى الْمُنْفِقِ أَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ حِسْبَةً وَادَّعَى الْمُنْفِقُ عَدَمَ الْحِسْبَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَعَ يَمِينِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِيَمِينٍ، انْتَهَى.
يَظْهَرُ أَنَّهُ بَحْثٌ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ كَمَا عَلِمْت وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ لَوْ اخْتَلَفَا فِي طَرْحِهِ فَادَّعَى الْمُلْتَقِطُ أَنَّ أَبَاهُ طَرَحَهُ عَمْدًا وَأَنْكَرَهُ الْأَبُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَشْبَهَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي عُسْرِ الْأَبِ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ أَوْ يُسْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُلْتَقِطُ إلَّا بِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَأَرْشُ خَطَئِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَالْأَرْشُ لَهُ، انْتَهَى.
ص (كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ)
ش: قَالَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ فَمَفْهُومُهُ أَنْ لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيُفْهَمُ مِنْ تَعْيِينِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ هَذِهِ الصُّورَةَ لِلْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسَاوِينَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ التَّسَاوِي أَنْ يُحْمَلَ اللَّقِيطُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ مُشْرِكٌ، انْتَهَى.
وَمَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْ التَّسَاوِي لَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ وَانْظُرْ قَوْلَهُمْ الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا إلَّا وَاحِدٌ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ مُتَّحِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) ش نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَسَوَاءٌ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَفِي قُرَى الْكُفْرِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَا يَعْرِضُ لَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَى دِينِهِ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ إلَخْ) ش، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى ضَيَاعِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ: وَلَوْ ازْدَحَمَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ السَّابِقُ فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مِنْهُ فَرَافَعَهُ إلَى الْإِمَامِ نَظَرَ الْإِمَامُ لِلصَّبِيِّ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَكَانَ مَأْمُونًا دَفَعَهُ إلَيْهِ، انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَكْفَأَ مِنْهُ وَأَحْرَزَ الشَّيْخُ وَهُوَ مَعْنَى الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ مَأْمُونًا، أَيْ: أَنْ يَبِيعَهُ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَشَارِحِهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْأَكْفَأِ ثُمَّ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ هَلْ يُرَجَّحُ هُنَا بِالصَّلَاحِ وَعَدَمِهِ فَيُقَدَّمُ غَيْرُ الْفَاسِقِ عَلَى الْفَاسِقِ وَقَدْ يُتَلَمَّحُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ مَأْمُونًا، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِتَرْبِيَتِهِ وَنَفَقَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَإِنَّمَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّقِيطَ يَحْتَاجُ إلَى حَضَانَةٍ وَالْحَضَانَةُ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَانْظُرْ الْمَرْأَةَ هَلْ يَصِحُّ الْتِقَاطُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؟ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ)
ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْإِبَاقُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْمٌ لِلذَّهَابِ فِي اسْتِتَارٍ وَهُوَ الْهُرُوبُ وَالْأَبْقُ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا اسْمُ الْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ وَالْأُبَّاقُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ جَمْعُ آبِقٍ، انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ هِيَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ وَهُوَ مِنْ أَخْذِهِ فِي سَعَةٍ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَلَا يَأْخُذُهُ هُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: أَمَّا أَخْذُ الْآبِقِ فَقَدْ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ، انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ هُوَ الضَّابِطُ وَلَا يُقَالُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْقَرَابَةِ، انْتَهَى.
وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَقَيَّدَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ مِنْ أَخْذِهِ فِي سَعَةٍ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَبَقَ مِنْهُ فَلَا سَعَةَ فِي تَرْكِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَلَفٌ لَهُ، انْتَهَى.
ص (فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَيُوقِفُهُ سَنَةً وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَمَرَ مَالِكٌ بِبَيْعِ الْإِبَاقِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْبِقُونَ ثَانِيَةً، انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَالرَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ أَوْلَى وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ، انْتَهَى.
وَقَالَ: قَوْلُهُ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّفْعُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَإِنْ أَخْذَهُ فَلَا يَخْلُو السُّلْطَانُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَوْ جَائِرًا فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَإِنْ شَاءَ عَرَّفَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ جَائِرًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُ سَنَةً وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حُكْمَ السُّلْطَانِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ وَلَا يُهْمَلُ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُوقِفُهُ سَنَةً إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ وَفِيهِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُحْبَسُ سَنَةً، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يُمْهَلُ، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى أَنْ يُوقِفَهُ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرَهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَاتِهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ لَهُ طَالِبٌ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ سَنَةً رُبَمَا ذَهَبَتْ بِثَمَنِهِ، انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّأْنُ وَالسَّنَةُ فِي الْآبِقِ أَنْ يُحْبَسَ سَنَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ الضَّيْعَةَ فَيُبَاعُ (قُلْتُ) أَرَأَيْت إذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَخَفْ ضَيْعَةً أَيُبَاعُ، قَالَ: نَعَمْ وَلَا يُحْبَسُ بَعْدَ السَّنَةِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ هُوَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ إذَا خُشِيَتْ الضَّيْعَةُ عَلَيْهِ بِيعَ قَبْلَ السَّنَةِ هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا خُشِيَتْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ خُلِّيَ سَبِيلَهُ وَلَمْ يُبَعْ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ هُنَالِكَ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ، انْتَهَى.
فَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا كَلَامُ سَحْنُونٍ فَإِنَّهُ خِلَافٌ لِلْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرَى حَبْسَهُ سَنَةً أَصْلًا، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ سَنَةً وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَحْصِيلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةُ فِي هَذَا الْأَمَدِ أَمْ لَا فَإِنْ خِيفَ بِيعَ قَبْلَ السَّنَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ هَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ سَنَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُوقَفُ سَنَةً وَإِنَّمَا يُوقَفُ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ ضَرَرَهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُهُ يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَا يُمْهَلُ، فَقَالَ فِي سَمَاعِ
أَشْهَبُ: إنَّهُ إذَا عَرَّفَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ يُخَلِّيهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَهْلَكَ ثَمَنُهُ وَيُؤْكَلَ أَوْ يُطْرَحَ فِي السِّجْنِ فَيُقِيمُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُطْعِمُهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الْإِبَاقُ فَسَوَّى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ضَوَالِّ الْإِبِلِ فِي أَنَّهُمْ يُرْسَلُونَ إذَا عُرِّفُوا فَلَمْ يُعْرَفُوا، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُمْ يُحْبَسُونَ ثُمَّ يُبَاعُونَ فَتُحْبَسُ أَثْمَانُهُمْ لِأَرْبَابِهِمْ وَلَا يُرْسَلُونَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ وَعَلَى ذَلِكَ يَحْمِلُهُ الشُّيُوخُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فَيَكُونُ الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَأَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إنْ بِيعَ كَانَ إرْسَالُهُ أَوْلَى مِنْ حَبْسِهِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا يَتْلَفُ ثَمَنُهُ إنْ بِيعَ كَانَ حَبْسُهُ سَنَةً ثُمَّ بَيْعُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَإِمْسَاكُ ثَمَنِهِ أَوْلَى مِنْ إرْسَالِهِ.
، وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ عِنْدَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ إذَا خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَأَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إذَا بِيعَ فَمَرَّةً رَأَى أَنْ إرْسَالَهُ أَوْلَى لِئَلَّا يَضِيعَ أَوْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ، وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ حَبْسَهُ وَبَيْعَهُ وَإِمْسَاكَ ثَمَنِهِ أَوْلَى لِئَلَّا يَأْبِقَ ثَانِيَةً، وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ، أَيُّ الْخَوْفَيْنِ أَشَدُّ؟ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَلَا أَنْ يَتْلَفَ ثَمَنُهُ إذَا بِيعَ فَلَا يُرْسَلُ؛ لِئَلَّا يَأْبِقَ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ أَنْ يَضِيعَ فِي السِّجْنِ وَخُشِيَ عَلَى ثَمَنِهِ أَنْ يَضِيعَ لَوَجَبَ أَنْ يُسْجَنَ سَنَةً يُعَرَّفُ فِيهَا ثُمَّ يُسَرَّحُ وَلَا يُحْبَسُ أَكْثَرَ مِنْهَا الَّتِي هِيَ حَدُّ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَلَوْ لَمْ يُخْشَ عَلَى ثَمَنِهِ ضَيَاعٌ وَخُشِيَ عَلَيْهِ إنْ سُجِنَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَاعَ وَيُوقَفَ ثَمَنُهُ وَلَا يُسْجَنُ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.
(وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ)
ش: فَاعِلُ أَخَذَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمُنْفِقِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَمَضَى بَيْعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أَعْتَقْته)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ: كُنْتُ أَعْتَقْته أَوْ دَبَّرْته بَعْدَ مَا أَبَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَأْبِقَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ بَعْدَ السَّنَةِ، الشَّيْخُ وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ قَبْلَ السَّنَةِ
لِمَا
رَأَى مِنْ وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الَّذِي يَقُولُ لَا يُوقَفُ سَنَةً فَلَا إشْكَالَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: أَمَّا الْعِتْقُ وَالتَّدْبِيرُ وَسَائِرُ عُقُودِ الْعِتْقِ غَيْرِ الْإِيلَادِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نَقْضِ الْعِتْقِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَبَاعَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهَا، فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي وَوَلَدُهَا قَائِمٌ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، وَقَالَهُ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَوَلَدَهَا ثُمَّ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ بَعْدَ مَا بَاعَهَا: كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي، قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا وَلَدٌ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ فَهَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ سَوَاءٌ اُتُّهِمَ أَوْ لَمْ يُتَّهَمْ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ وَإِنْ اُتُّهِمَ فِيهَا لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ فِيهَا لَمْ تَرُدَّ إلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ فَهَلْ تُرَدُّ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ قَائِمَيْنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ اللَّبَّادِ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَكْثَرِ الْقَرَوِيِّينَ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَالْبَرَاذِعِيُّ وَحَكَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: إنَّمَا قَالَ فِي الْعِتْقِ: لَا يُصَدَّقُ وَفِي الِاسْتِيلَادِ يُصَدَّقُ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعِتْقَ سَبِيلُهُ أَنْ يَتَوَثَّقَ فِيهِ وَيُشْهِدُ، هَذِهِ عَادَةُ النَّاسِ فَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ اُتُّهِمَ، وَوِلَادَةُ الْأَمَةِ لَيْسَ شَأْنُ النَّاسِ فِيهِ الْإِشْهَادَ وَالِاشْتِهَارَ لَهُ فَإِذَا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ صُدِّقَ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُتَّهَمُ، قَالَ عِيَاضٌ
يَعْنِي: بِصَبَابَةٍ إلَيْهَا، انْتَهَى.
مِنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ)
ش: أَبُو الْحَسَنِ وَجَمِيعُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ جَائِزٌ ابْنُ يُونُسَ، وَهُوَ لَازِمٌ وَكَذَلِكَ عِتْقُهُ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ أَبَقَ ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ كَانَ حُرًّا، انْتَهَى.
ص (إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ)
ش: قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَرْسَلَهُ لِعُذْرٍ كَمَا إذَا خَافَ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ أَوْ يَذْهَبَ بِحَوَائِجِ بَيْتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِيمَا قَالَهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الْخَوْفُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ ظَوَاهِرِ حَالِ الْعَبْدِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ شِدَّةُ النَّفَقَةِ بِعُذْرٍ مُسْقِطٍ عَنْهُ الضَّمَانَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَإِلَّا فَلَا يُرْسِلُهُ وَلْيَرْفَعْهُ إلَى الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
(لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ) ش يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَبَقَ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ بَالَغَ، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَخَذَهُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ لَكِنْ يَحْلِفُ، فَقَوْلُهُ وَحَلَفَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبَقَ مِنْهُ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ الدَّارِ أَوْ يُرْسِلَهُ إلَى بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَإِنْ أَبَقَ مِنْ دَارِهِ فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ وَاشْتَهَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ قَوْلًا وَاحِدًا كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ هَلْ يَحْلِفُ أَمْ لَا؟ الْمَذْهَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ انْفَلَتَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ خَفِيفَةٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ يَأْبِقُ فِي مِثْلِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي كِتَابِهِ، انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى الثَّانِي فَانْظُرْهُ فِيهِ.
ص (وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ)
ش: نَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْآبِقَ عَبْدُهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ دُفِعَ إلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَيُضَمِّنُهُ إيَّاهُ، قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مُدَّعِيهِ: ثُمَّ إنْ جَاءَ لَهُ طَالِبٌ لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ الْعَبْدُ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ لِلْأَوَّلِ مِنْ الرِّقِّ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ ادَّعَاهُ يَعْنِي الْآبِقَ أَحَدٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا فَلَا يَخْلُو الْعَبْدُ مِنْ أَنْ يُقِرَّ لَهُ أَمْ لَا فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ أَخَذَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِهِ وَيُضَمِّنُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي لَا يُدْفَعُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا قَالَ: يُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ إذَا وَصَفَهُ وَلَمْ يَعْتَرِفْ لِغَيْرِهِ بِالرِّقِّ وَنَصُّهُ بَعْدَ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدَ وَوَصَفَهُ وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَأَرَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمَتَاعِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ قِيلَ وَلَا يُلْتَفَتُ هَهُنَا إلَى الْعَبْدِ إنْ أَنْكَرَ أَنَّ هَذَا مَوْلَاهُ إلَّا أَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ، قَالَ: يَكْتُبُ
السُّلْطَانُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَنْظُرُ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا ضَمَّنَهُ هَذَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ كَالْأَمْتِعَةِ، انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ اعْتَرَفَ الْآبِقُ لِأَحَدٍ بِالرِّقِّ كَانَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ دُونَ مَنْ وَصَفَهُ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنْ اعْتَرَفَ لِغَائِبٍ كَتَبَ إلَيْهِ فَإِنْ ادَّعَاهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَاخْتَلَفَ إذَا أَنْكَرَ الْعَبْدُ هَذَا الْمُدَّعِيَ وَلَمْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْعُبُودِيَّةِ أَوْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالرِّقِّ هَلْ يَكُونُ لِمَنْ ادَّعَاهُ فَإِمَّا بِالصِّفَةِ فَأَرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ إذَا وَصَفَهُ صِفَةً تَخْفَى وَلَيْسَتْ ظَاهِرَةً، انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ إنْ صَدَّقَهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ وَكَذَلِكَ يُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إذَا وَصَفَهُ وَلَمْ يُقِرَّ لِغَيْرِهِ أَوْ أَقَرَّ وَأَكْذَبَهُ الْغَيْرُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْقَضَاءِ]
(أَهْلُ الْقَضَاءِ عَدْلٌ)
ش: هَذَا الْبَابُ يُتَرْجَمُ بِكِتَابِ الْقَضَاءِ وَكِتَابِ الْأَقْضِيَةِ.
وَالْأَقْضِيَةُ جَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَيُقْصَرُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْحُكْمِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] أَيْ: حَكَمَ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْإِيجَابِ، قَالَ النَّوَوِيُّ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ، قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ: قَضَى هُنَا بِمَعْنَى أَمَرَ وَقَالَ غَيْرُهُ: بِمَعْنَى أَوْجَبَ وَقِيلَ وَصَّى وَبِهَا قَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْتَصَقَتْ إحْدَى الْوَاوَيْنِ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا، انْتَهَى.
وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِلْزَامِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: 14] أَيْ: حَتَّمْنَاهُ وَأَلْزَمْنَاهُ بِهِ.
هَذِهِ الْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ وَيُطْلَقُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَرَاغِ مِنْ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ: قَضَيْت حَاجَتِي وَضَرَبَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ أَيْ: قَتَلَهُ كَأَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ وَسُمٌّ، قَاضٍ أَيْ: قَاتِلٌ، وَقَضَى نَحْبَهُ أَيْ: مَاتَ وَفَرَغَ مِنْ الدُّنْيَا، وَأَصْلُ النَّحْبِ النَّذْرُ وَاسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ كَنَذْرٍ لَازِمٍ فِي رَقَبَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ تَقُولُ قَضَيْت دَيْنِي وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر: 66] أَيْ: أَنْهَيْنَاهُ إلَيْهِ وَأَبْلَغْنَاهُ ذَلِكَ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: 71] أَيْ: امْضُوا إلَيَّ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 12] وَمِنْهُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، وَيُقَالُ اسْتَقْضَى فُلَانٌ إذَا صُيِّرَ قَاضِيًا وَقَضَى الْأَمِيرُ قَاضِيًا كَمَا تَقُولُ أَمَرَ أَمِيرًا وَانْقَضَى الشَّيْءُ وَتَقَضَّى بِمَعْنًى، وَاقْتَضَى بِهِ دَيْنَهُ وَتَقَاضَاهُ بِمَعْنًى، انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إلَى انْقِضَاءِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ، انْتَهَى.
هَذَا مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ: حَقِيقَةُ الْقَضَاءِ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَضَاءُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ، تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ وَوِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَأَخَوَاتُهَا وَالْإِمَامَةُ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَاضِحٌ قُصُورُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ وَلِيَ الْقَضَاءَ أَيْ: حَصَلَتْ لَهُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: قَضَى الْقَاضِي بِكَذَا وَقَوْلِهِمْ: قَضَاءُ الْقَاضِي حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ، غَيْرَ أَنَّ فِي تَعْرِيفِ ابْنِ رُشْدٍ مُسَامَحَةً مِنْ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) ذِكْرُ لَفْظِ الْإِخْبَارِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَمْرُ الْإِخْبَارِ الْمُحْتَمِلِ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمُقَابِلِ لِلْإِنْشَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَمْرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ.
(الثَّانِي) أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الْحَكَمَيْنِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِي شِقَاقِ الزَّوْجَيْنِ وَحُكْمُ الْمُحَكِّمِ فِي التَّحْكِيمِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ الْمُحْتَسِبِ وَالْوَالِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا حَكَمُوا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: إنَّ التَّحْكِيمَ يَخْرُجُ مِنْ تَعْرِيفِهِ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ خُرُوجِهِ فَإِنَّ الْمُحَكِّمَ لَا يَحْكُمُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْحَكَمَيْنِ وَلَا يَحْكُمُ فِي الْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِهِمَا قَالُوا فَإِنْ حَكَمَ فِيهَا بِغَيْرِ جَوْرٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْدِيلَ وَالتَّجْرِيحَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ حَالُ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَقِيهٌ: كَحَالِ عَالِمٍ بِكُبْرَى قِيَاسِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَحَالُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَحَالِ عَالِمٍ بِهِمَا مَعَ عِلْمِهِ بِصُغْرَاهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهِمَا أَشَقُّ وَأَخْصَرُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْكُبْرَى فَقَطْ وَأَيْضًا فَإِنَّ فِقْهَ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا مَبْنِيَّانِ عَلَى إعْمَالِ النَّظَرِ فِي الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ وَإِدْرَاكِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الْكَائِنَةِ فِيهَا فَيُلْغَى طَرْدُهَا وَيُعْمَلُ مُعْتَبَرُهَا، انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِلْمُ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ، أَنْوَاعِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَلَكِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ بِأُمُورٍ لَا يُحْسِنُهَا كُلُّ الْفُقَهَاءِ وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ عَارِفًا بِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَاعٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ كَذَلِكَ وَكَمَا أَنَّ عِلْمَ التَّصْرِيفِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَكْثَرُ أَهْلُ زَمَانِنَا لَا يُحْسِنُونَهُ وَقَدْ يُحْسِنُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي بَقِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَابَةُ فِي اسْتِعْمَالِ كُلِّيَّاتِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَانْطِبَاقِهَا عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ عَسِيرٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَنَجِدُ الرَّجُلَ يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْ الْعِلْمِ وَيَفْهَمُ وَيُعَلِّمُ غَيْرَهُ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ بِبَعْضِ الْعَوَامّ مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ لَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ بَلْ لَا يَفْهَمُ مُرَادَ السَّائِلِ عَنْهَا إلَّا بَعْدَ عُسْرٍ.
وَلِلشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ نَبَّهَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ عَلَى بَعْضِهَا، انْتَهَى.
وَمِنْهَا مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فَطِنَ، وَبِعَصْرِنَا الْآنَ شَخْصٌ يَتَعَاطَى الدِّقَّةَ فِي الْعِلْمِ وَيُنْهَى عَنْ جُزْئِيَّةٍ فَيَتَجَنَّبُهَا بِشَخْصِهَا ثُمَّ يَقَعُ فِي أُخْرَى مِثْلِهَا، فَإِذَا قِيلَ لَهُ هَذِهِ مِثْلُ تِلْكَ تَجَنَّبَهَا وَيَقَعُ فِي ثَالِثَةٍ وَعَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِفَاتِ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَةَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْأَوَّلُ) شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ وَعَدَمُهُ يُوجِبُ الْفَسْخَ (وَالثَّانِي) مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ (الثَّالِثُ) مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فَأَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ أَهْلُ الْقَضَاءِ عَدْلٌ إلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَنَفَذَ حُكْمُ، أَعْمَى إلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ عَزْلُهُ وَإِلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ كَوَرِعٍ إلَى آخِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَمِلَ قَوْلُهُ: عَدْلٌ، الْحُرَّ الْمُسْلِمَ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ بِلَا فِسْقٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِمَارَةِ: وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُرًّا، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ وَالْحَرْبِ فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّهَا مَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْفِيذُ أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يَصْلُحُ لَهَا الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَسْلُوبُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّنْفِيذِ وَلَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَلَا لِلْإِمَارَةِ وَأَظُنُّ جُمْهُورَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ جَوَازُ وِلَايَةِ الْمُعْتَقِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْجُمْهُورِ، قَالَا: وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ خَوْفًا مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ وَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى رَدِّ أَحْكَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لَمْ يُوَافِقْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَقَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَصْبَغُ: الْفِسْقُ مُوجِبٌ لِلْعَزْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى الْفَاسِقُ وَيَمْضِي مِنْ أَحْكَامِهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ بِالْمَعْنَى.
وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أَمْ يَجِبُ عَزْلُهُ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
ص (ذَكَرَ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازَ وِلَايَةِ الْمَرْأَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: أَظُنُّهُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّأْوِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ
قَالَ كَقَوْلِ الْحَسَنِ وَالطَّبَرِيِّ بِإِجَازَةِ وِلَايَتِهَا الْقَضَاءَ مُطْلَقًا (قُلْتُ) الْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ زَرْقُونٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ شَذَّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالَ الْفِسْقُ لَا يُنَافِي الْقَضَاءَ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْهَا.
(قُلْتُ) فَجُعِلَ مَا هُوَ مُنَافٍ لِلشَّهَادَةِ مُنَافٍ لِلْقَضَاءِ فَكَمَا أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَالْحُدُودَ لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَتُهَا فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِيهَا قَضَاؤُهَا، انْتَهَى.
ص (فَطِنٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْمُرَادُ مِنْ الْفَطَانَةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَزِلُّ فِي رَأْيِهِ وَلَا تَتَمَشَّى عَلَيْهِ حِيَلُ الشُّهُودِ وَأَكْثَرِ الْخُصُومِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ فِي كُلِّ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَكَلَامُ الطُّرْطُوشِيِّ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، انْتَهَى.
وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْفِطْنَةَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ فَقَالَ: وَأَنْ يَكُونَ فَطِنًا غَيْرَ مَخْدُوعٍ لِعَقْلِهِ، انْتَهَى.
وَكَذَا جَعَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ كَوْنَهُ فَطِنًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطُّرْطُوشِيِّ لَا يُكْتَفَى بِالْعَقْلِ التَّكْلِيفِيِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيِّنَ الْفِطْنَةِ بَعِيدًا مِنْ الْغَفْلَةِ وَعَدَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَاسٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ مُطْلَقَ الْفِطْنَةِ الْمَانِعَ مِنْ كَثْرَةِ التَّغَفُّلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالْفِطْنَةُ الْمُوجِبَةُ لِلشُّهْرَةِ بِهَا غَيْرُ النَّادِرَةِ يَنْبَغِي كَوْنُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ، فَعَلَى هَذَا طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ فَطِنًا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَحَذِرٍ، وَالْمُبَالَغَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ، انْتَهَى.
فَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ذَا فِطْنَةٍ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(لَطِيفَةٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيَّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ أَنْ اجْمَعْ بَيْنَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَلِّ الْقَضَاءَ أَنْفَذَهُمَا فَجَمَعَ عَدِيٌّ بَيْنَهُمَا وَقَالَ لَهُمَا: مَا عَهِدَ بِهِ عُمَرُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إيَاسٌ: سَلْ عَنِّي وَعَنْ الْقَاسِمِ فَقِيهَيْ الْبَصْرَةِ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ وَكَانَ الْقَاسِمُ يَأْتِي الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ وَإِيَاسُ لَا يَأْتِيهِمَا فَعَلِمَ الْقَاسِمُ أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُمَا أَشَارَا بِهِ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: لَا تَسْأَلْ عَنِّي وَلَا عَنْهُ فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّ إيَاسًا أَفْقَهُ مِنِّي وَأَعْلَمُ بِالْقَضَاءِ فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَمَا عَلَيْكَ أَنْ تُوَلِّيَنِي وَأَنَا كَاذِبٌ وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقْبَلَ قَوْلِي فَقَالَ لَهُ إيَاسٌ: إنَّك جِئْت بِرَجُلٍ وَأَوْقَفْته عَلَى شَفَا جَهَنَّمَ فَنَجَّى نَفْسَهُ مِنْهَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا وَيَنْجُو مِمَّا يَخَافُ فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: أَمَا إنَّك إذْ فَهِمْتهَا فَأَنْتَ لَهَا فَاسْتَقْضَاهُ، انْتَهَى.
ص (مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ)
ش: يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، انْتَهَى.
وَكَذَا عَدَّهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ
فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ وَيَجِبُ عَزْلُهُ وَأَحْكَامُهُ مَرْدُودَةٌ مَا وَافَقَ الْحَقَّ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُوَافِقْهُ.
وَسَيُصَرِّحُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهَا مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ يُشَاوِرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ إذَا وُجِدَ مُجْتَهِدٌ وَجَبَ تَوْلِيَتُهُ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَوَلَّى، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَإِنْ تَقَلَّدَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ جَائِرٌ، انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الِاجْتِهَادَ إذَا وُجِدَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَا كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ أَنَّهُ شَرْطٌ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ بَلْ الشَّرْطُ الْعِلْمُ وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ إذَا وُجِدَ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَجَعَلَ ابْنُ مَرْزُوقٍ كَوْنَهُ عَالِمًا مِنْ الْقِسْمِ الْمُسْتَحَبِّ وَكَذَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا يَسُوغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ عِيَاضٌ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيُّ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا حُرًّا ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ وَمَعَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ جَائِزٌ ثُمَّ قَالَ: فَفِي صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ لِابْنِ زَرْقُونٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيِّ قَائِلًا هُوَ مَحْكَى أَئِمَّتِنَا عَنْ الْمَذْهَبِ وَمَعَ فَقْدِهِ جَائِزٌ وَمَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ أَوْ لَا اتِّفَاقًا فِيهِمَا، انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَيْفَ عَزَا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ عَدَمَ صِحَّةِ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ قَبْلَ هَذَا قَوْلَهُ: قَبُولُ الْمُقَلِّدِ الْوِلَايَةَ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فَيَصِحُّ كَلَامُهُ إلَّا أَنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ: جَوْرٌ وَتَعَدٍّ، أَنَّهَا تَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ مُتَعَدٍّ فَقَطْ وَعَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ السَّابِقُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ وَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ فَهِمَهُ عَلَى ذَلِكَ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ مَاشٍ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِعِيَاضٍ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: أَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ مِمَّنْ لَهُ فِقْهٌ نَفِيسٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقَاوِيلِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ مَا هُوَ أَجْرَى عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشُّيُوخِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ.
هَلْ يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ الْقَضَاءَ أَوْ لَا؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُفَرَّعَةٌ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا: (قُلْتُ) قَوْلُهُ اخْتِلَافٌ فِي جَوَازِ تَوْلِيَتِهِ إنْ أَرَادَ مَعَ وُجُودِ ذِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَصَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ مَعَ فَقْدِهِ فَظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ صِحَّةُ تَوْلِيَتِهِ خَوْفَ تَعْطِيلِ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ دُونَ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ: نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَهْلِ الْأُصُولِ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا، وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ يُؤْذِنُ بِصِحَّةِ وِلَايَةِ هَذَا الَّذِي قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ، قَالَ الْبِسَاطِيُّ: يَقْتَضِي أَنَّهُ مُمْكِنٌ فَإِنْ عَنَى بِهِ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فَقَدْ يُدَّعَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ وَإِنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَدِلَّةِ فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْمَازِرِيَّ وَصَلَ إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ كَلَامٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ مَبْدَؤُهُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٌ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْلِيدِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ إنَّهُ مُمْكِنٌ كَالْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، انْتَهَى.
وَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ هَذَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الِاجْتِهَادَ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْخِلَافُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ إنَّمَا هُوَ هَلْ يُمْكِنُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ أَمْ لَا؟ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَشْهَدُ لِإِمْكَانِهِ لِقَوْلِهِ وَمَا أَظُنُّهُ انْقَطَعَ بِجِهَةِ الْمَشْرِقِ فَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُنْسَبُ إلَى ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ فِي حَيَاةِ أَشْيَاخِنَا وَأَشْيَاخِ أَشْيَاخِنَا.
وَمَوَادُّ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا أَيْسَرُ مِنْهَا فِي زَمَانِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِنَّا الْهِدَايَةَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالتَّفَاسِيرَ قَدْ دُوِّنَتْ وَكَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فَإِنْ
قِيلَ يَحْتَاجُ الْمُجْتَهِدُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي زَمَانِنَا لِكَثْرَةِ الْمَذَاهِبِ وَتَشَعُّبِهَا قِيلَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ التَّقْلِيدِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ إمْكَانِ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا يَقْدَحُ فِي الِاجْتِهَادِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ يُسْرِ الِاجْتِهَادِ هُوَ مَا سَمِعْته يَحْكِيهِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ أَنَّ قِرَاءَةَ مِثْلِ هَذِهِ الْجُزُولِيَّةِ وَالْمَعَالِمِ الْفِقْهِيَّةِ وَالِاطِّلَاعَ عَلَى أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ الْكُبْرَى لِعَبْدِ الْحَقِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَكْفِي فِي تَحْصِيلِ أَدِلَّةِ الِاجْتِهَادِ يُرِيدُ مَعَ يُسْرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى فَهْمِ مُشْكِلِ اللُّغَةِ بِمُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَالصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ نَظَرِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَتَحْقِيقِهِ أَحَادِيثَ الْأَحْكَامِ وَبُلُوغِ دَرَجَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ مَا قَارَبَهَا فِي الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ الِاجْتِهَادَ إجْمَاعًا وَقَالَ الْفَخْرُ فِي الْمَحْصُولِ وَتَبِعَهُ السَّرَّاجُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالتَّاجِ فِي حَاصِلِهِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - وَاحِدٌ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً فَاسْتِعَاذَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِمَا، وَالْفَخْرُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ وَلَكِنْ قَالُوا فِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ إذْ لَا مُجْتَهِدَ فِيهِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) بَقِيَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ شَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَاحِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَصُّهُ: فَأَمَّا الْخِصَالُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا بَالِغًا ذَكَرًا وَاحِدًا فَهَذِهِ السِّتُّ الْخِصَالُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءُ عَلَى مَذْهَبِنَا إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، فَإِنْ وُلِّيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ سَقَطَتْ الْوِلَايَةُ، انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْعَدَالَةَ وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَأَمَّا الْعِلْمُ وَالْفِطْنَةُ فَعَدَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِمَّنْ نَقَلَ هَذَا الشَّرْطَ ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ وَاسْتَوْفَى ابْنُ غَازِيٍّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَجَازَ تَعَدُّدٌ مُسْتَقِلٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْقَضَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يُوَكَّلَ إلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ، انْتَهَى.
وَيُرِيدُ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ السُّؤَالُ وَهَذَا فِي السُّؤَالِ بِغَيْرِ بَذْلِ مَالٍ فَكَيْفَ مَعَ بَذْلِ الْمَالِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا طَلَبَ فَوُلِّيَ لَا يَجِبُ عَزْلُهُ إذَا كَانَ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ مَسْأَلَةِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ قِسْمٌ رَابِعٌ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ التَّوْلِيَةُ أَوَّلًا فَإِذَا وُلِّيَ لَا يَنْعَزِلُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ.» هُوَ نَهْيٌ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ بَعْدُ: «إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ.» انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ السُّيُورِيِّ: إذَا تَجَرَّحَ النَّاسُ لِعَدَمِ الْقُضَاةِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عُدُولٍ فَجَمَاعَتُهُمْ كَافِيَةٌ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْته وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ فَيَقُومُونَ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ فِي ضَرْبِ الْآجَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا، انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْمَشَذَّالِيَّ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي فِي مَسَائِلَ وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ وَقَدْ ذَكَرْت كَلَامَ الْمَشَذَّالِيِّ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ بِالنَّفَقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وِلَايَةِ الظَّالِمِ: نَصَّ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ عَلَى أَنَّا إذَا لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ وَمَا أَظُنُّهُ يُخَالِفُهُ أَحَدٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ
وَإِذَا جَازَ نَصْبُ الشُّهُودِ فَسَقَةً لِأَجَلِ عُمُومِ الْفَسَادِ جَازَ التَّوَسُّعُ فِي أَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، انْتَهَى.
ص (فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلِّدِهِ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَصْلُ يَلْزَمُ الْقَاضِي الْمُقَلِّدَ إذَا وَجَدَ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ وَذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَا أَفْتَى قَطُّ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَعَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَكَفَى بِهِ قُدْوَةً فِي هَذَا فَإِنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ التَّشَهِّي وَالْحُكْمُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَتَرْجِيحٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ أَدَبِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ فِي فُتْيَاهُ أَوْ عِلْمِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ أَوْ يَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الَّذِي حَكَى أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ عَنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ إنَّهُ كَانَ يَقُولُ الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ إذَا وَقَعَتْ لَهُ حُكُومَةٌ أَنْ أُفْتِيهِ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى فِيهَا وَهُوَ غَائِبٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ يَعْنِي الْمَالِكِيَّةَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِمَا يَضُرُّهُ فَلَمَّا عَادَ سَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَكَ وَأَفْتَوْهُ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُهُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فَإِذَا وُجِدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَوْرَعِ وَالْأَعْلَمِ فَإِذَا اخْتَصَّ أَحَدُهُمْ بِصِفَةٍ أُخْرَى قُدِّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ فَالْأَعْلَمُ الْوَرِعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْرَعِ الْعَالِمِ وَكَذَا إذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِي أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ وَقَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ يَسِيرَةٍ: وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعْتَبَرَةٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي أَوَّلِ النَّوَادِرِ: إنَّ كِتَابَهُ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَالِكِيِّينَ، قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي الِاخْتِيَارُ مِنْ الِاخْتِلَافِ لِلْمُتَعَلِّمِ وَلَا لِلْمُقَصِّرِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحَلٌّ لِاخْتِيَارِ الْقَوْلِ فَلَهُ فِي اخْتِيَارِ الْمُفْتِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ نُقَّادِهِمْ مُقْنِعٌ مِثْلُ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَابْنِ سَحْنُونٍ، وَابْنُ الْمَوَّازِ أَكْثَرُهُمْ تَكَلُّفًا لِلِاخْتِيَارَاتِ وَابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْلُغُ فِي اخْتِيَارَاتِهِ وَقُوَّةِ رِوَايَاتِهِ مَبْلَغَ مَنْ ذَكَرْنَا، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْقَرَافِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ مَا نَصُّهُ: الْحَاكِمُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ إلَّا بِالرَّاجِحِ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ مُقَلِّدًا فِي رُجْحَانِ الْقَوْلِ الْمَحْكُومِ بِهِ أَمَامَهُ وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فَحَرَامٌ إجْمَاعًا نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ هَلْ يَتَسَاقَطَانِ أَوْ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا يُفْتِي بِهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فَعَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ لَلْفُتْيَا فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا يَحْكُمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِحٍ عِنْدَهُ وَهَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ وَالْقَوَاعِدِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالرَّاجِحِ وَغَيْرِ الرَّاجِحِ وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى بَلْ ذَلِكَ بَعْدَ بَذْلِ الْجُهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ وَحُصُولِ التَّسَاوِي أَمَّا الْفُتْيَا وَالْحُكْمُ بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَقَالَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ: إنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَلَا مَعْرِفَةٍ بِأَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ إجْمَاعًا فَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجُهْدِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّرْجِيحِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ فَتَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَسَاوَى الْقَوْلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ عَجَزَ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَوْجُهِ التَّرْجِيحِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ أَوْ يُفْتِيَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمِنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَيْضًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي
الْفَتْوَى وَمَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَفْتَى، وَالتَّسَاهُلُ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ لَا يَتَثَبَّتَ وَيُسْرِعَ بِالْفَتْوَى أَوْ الْحُكْمِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ وَالْإِبْطَاءَ عَجْزٌ وَلَأَنْ يُبْطِئَ وَلَا يُخْطِئَ أَجْمَلُ بِهِ مِنْ أَنْ يُعَجِّلَ فَيَضِلَّ وَيُضِلَّ وَقَدْ يَكُونُ تَسَاهُلُهُ بِأَنْ تَحْمِلَهُ الْأَغْرَاضُ الْفَاسِدَةُ عَلَى تَتَبُّعِ الْحِيَلِ الْمَحْذُورَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ بِالتَّمَسُّكِ بِالشُّبَهِ طَلَبًا لِلْحِرْصِ عَلَى مَنْ يَرُومُ نَفْعُهُ أَوْ التَّغْلِيطَ عَلَى مَنْ يَرُومُ ضَرَرُهُ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ هَانَ عَلَيْهِ دِينُهُ، قَالَ:
وَأَمَّا إذَا صَحَّ قَصْدُ الْمُفْتِي وَاحْتَسَبَ فِي طَلَبِ حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا وَلَا تَجُرُّ إلَى مَفْسَدَةٍ لِيَخْلُصَ بِهَا الْمُفْتِي مِنْ وَرْطَةِ يَمِينٍ أَوْ نَحْوِهَا فَذَلِكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ وَالْآخَرُ فِيهِ تَسْهِيلٌ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ الْعَامَّةَ بِالتَّشْدِيدِ وَالْخَوَاصَّ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ بِالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْفُسُوقِ وَالْخِيَانَةِ فِي الدِّينِ وَالتَّلَاعُبِ بِالْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ دَلِيلُ فَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَتَقْوَاهُ وَعِمَارَتِهِ بِاللَّعِبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى الْخَلْقَ دُونَ الْخَالِقِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْغَافِلِينَ، وَالْحَاكِمُ كَالْمُفْتِي فِي هَذَا، انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَرَافِيِّ إنَّمَا هُوَ إذَا وَجَدَ فِي النَّازِلَةِ نَصًّا فَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ فَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَا نَصُّهُ: وَيَقْضِي حِينَئِذٍ بِفَتْوَى مُقَلِّدِهِ بِنَصِّ النَّازِلَةِ فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ قَالَ: يَجِيءُ مِنْ كَذَا كَذَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ جَوَازُهُ لِلْمُطَّلِعِ عَلَى مَدَارِكِ إمَامِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ (قُلْتُ) يُرَدُّ كَلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْمُجْتَهِدِ لِامْتِنَاعِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِهِ فَإِذَا كَانَ حُكْمُ النَّازِلَةِ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُقَلِّدِ الْمُوَلَّى الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ فِي نَازِلَةٍ أُخْرَى تَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ وَبِأَنَّهُ خِلَافُ عَمَلِ مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قِيَاسِهِ عَلَى أَقْوَالِ مَالِكٍ وَمُتَأَخِّرِيهِمْ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالتُّونُسِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بَلْ مَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَدَهُ يَعُدُّ اخْتِيَارَاتِهِ بِتَخْرِيجَاتِهِ فِي تَحْصِيلِهِ الْأَقْوَالَ أَقْوَالًا، انْتَهَى.
وَقَدْ عَدَّ هُوَ أَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ فَتْوَى ابْنِ عَبْدِ الرَّءُوفِ وَابْنِ السَّبَّاقِ وَابْنِ دَحُونٍ وَنَحْوِهِمْ أَقْوَالًا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ فِي شَرْطِ كَوْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَمِ وَنَقَلَ لِابْنِ الطَّلَّاعِ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ نَقَلَهُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ وَجَعَلَهُ مُقَابِلًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ وَكَانَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ وَبَحَثَهُ مَعَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ فَإِنْ قَاسَ عَلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُقَلِّدُ قِسْمَانِ، مُحِيطٌ بِأُصُولِ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ وَقَوَاعِدِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ وَالْقِيَاسُ بِشَرَائِطِهِ كَمَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، وَغَيْرُ مُحِيطٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي فَيُتَّجَهُ وَإِلَّا فَمُشْكِلٌ، انْتَهَى مِنْ الْبَابِ الثَّانِي، وَقَالَ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ: الْمُقَلِّدُ لَهُ حَالَانِ تَارَةً يُحِيطُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَجُوزُ لَهُ تَخْرِيجُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الْفَرْقِ وَمَعَ إمْكَانِهِ يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَى إمَامِهِ وَقَوَاعِدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَشَرِيعَتِهِ حُكْمًا فَكَمَا لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ التَّخْرِيجُ عِنْدَ عَدَمِ الْفَارِقِ وَيَمْتَنِعُ عِنْدَ الْفَارِقِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُقَلِّدُ، وَتَارَةً لَا يُحِيطُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ وَإِنْ بَعُدَ الْفَارِقُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ لَأَوْجَبَ لَهُ الِاطِّلَاعُ الْفَرْقَ، وَنِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ مَنْ دُونَ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إلَى حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ فَكَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُقَلِّدِ التَّخْرِيجُ فِيمَا لَيْسَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ إلَّا بِقَوْلِ عَالِمٍ وَإِنْ
لَمْ يُظْهِرْ لَهُ دَلِيلَهُ لِقُصُورِهِ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِالْمَنْصُوصِ فَافْهَمْ هَذَا التَّخْرِيجَ فَإِنَّهُ يُطَّرَدُ فِي الْفُتْيَا أَيْضًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَجْوِبَتِهِ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ: سُئِلَ عَنْهُ وَالسُّؤَالُ عَنْ الْحُكْمِ فِي أَمْرِ الْقَاضِي إذَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِلْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ وَلَيْسَ فِي نَظَرِهِ مَنْ نَالَ دَرَجَةَ الْفَتْوَى وَلَا هُوَ فِي نَفْسِهِ أَهْلٌ لِذَلِكَ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِ فِيمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ حَالِ الطَّائِفَةِ الَّتِي عَرَفَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ إلَّا بِمَا بَانَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ فَسَبِيلُ هَذَا الْقَاضِي فِيمَا يَمُرُّ بِهِ مِنْ نَوَازِلِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا نَصَّ عِنْدَهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّتِي قَدْ بَانَتْ لَهُ صِحَّةُ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِيهَا إلَّا بِفَتْوَى مَنْ يَسُوغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ وَيَعْرِفُ وَجْهَ الْقِيَاسِ إنْ وَجَدَهُ فِي بَلَدِهِ وَإِلَّا طَلَبَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَإِنْ قَضَى فِيهِ بِرَأْيِهِ وَلَا رَأْيَ لَهُ أَوْ بِرَأْيِ مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ كَانَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا عَلَى النَّظَرِ وَيَأْمُرُ الْإِمَامُ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَا كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يَسُوغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ لَا يَقْضِي فِيمَا سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ إلَّا بَعْدَ مَشُورَةِ مَنْ يَسُوغُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي أَحَالَ عَلَيْهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُفْتِي وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ فَيَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلِّدِهِ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا بِاجْتِهَادِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي إنْ وَلِيَ مُقَلِّدٌ لِعَدَمِ الْمُجْتَهِدِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ إمَامِهِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ وَالْأَصْلُ عَدَمُ اللُّزُومِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى عَادَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَحْجُرُونَ عَلَى الْعَوَامّ اتِّبَاعَ عَالِمٍ وَاحِدٍ وَلَا يَأْمُرُونَ مَنْ سَأَلَ أَحَدَهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَنْ لَا يَسْأَلَ غَيْرَهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى عِنْدِي فِي حَقِّ الْقَاضِي لُزُومُ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهُ إذَا قَلَّدَ إمَامًا لَا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اتِّهَامِهِ بِالْمَيْلِ مَعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلِمَا جَاءَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّةٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ لَهُ (قُلْتُ) حَمْلُهُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ عَلَى أَنَّ فِي لُزُومِ الْمُقَلِّدِ اتِّبَاعَ قَوْلِ إمَامِهِ وَجَوَازَ انْتِقَالِهِ عَنْهُ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ قَوْلَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَا بِمَوْجُودَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ فِيمَا أَدْرَكْت، وَالصَّوَابُ تَفْسِيرُ الْقَوْلَيْنِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بِنَصِّ قَوْلِ مُقَلِّدِهِ فَإِنْ قَاسَ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ: يَجِيءُ مِنْ كَذَا فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَبِقَوْلِ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْبَاجِيِّ وَأَكْثَرِ الشُّيُوخِ بِالتَّخْرِيجِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِمَا حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُمْ، انْتَهَى.
بَلْ فِي نَظَرِهِ نَظَرٌ وَلَا أَرْجَحِيَّةَ لِحَمْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِهِمَا كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ مَوْجُودَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: يُحْكَمُ بِفَتْوَى مُقَلِّدٍ بِنَصِّ النَّازِلَةِ، وَالثَّانِي حَكَاهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ وَنَصُّهُ: وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَلِّدَ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ مَنْ يَعْتَزِي إلَى مَذْهَبِهِ فَمَنْ كَانَ مَالِكِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَصِيرُ فِي أَحْكَامِهِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْمَذَاهِبِ بَلْ أَيْنَمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ صَارَ إلَيْهِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ كَانَ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ الْمُشْتَرِطِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِهَادٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ أَلْبَتَّةَ وَيَرَى هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ مَوْجُودَةٌ لِزَمَنِ انْقِطَاعِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا كَانَتْ الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةً عَلَى الْخَطَأِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: حَمْلُهُ عَلَى عَدَمِ تَوْلِيَةِ الْمُقَلِّدِ مُطْلَقًا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ وَقَبُولُهُ إيَّاهُ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَا أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا مَا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْبَاجِيِّ فِي تَعْلِيلِهِ: مَنْعُ تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا دُونَ
الْآخَرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّعْطِيلَ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الْمُجْتَهِدِينَ الْخِلَافُ وَالْمُقَلِّدَانِ تَوْلِيَتُهُمَا مَمْنُوعَةٌ كَذَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْبَاجِيِّ وَلَمْ أَجِدْهُ لَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَلَا فِي كِتَابِ ابْنِ زَرْقُونٍ، انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ يُسْرِ الِاجْتِهَادِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ تَفْسِيرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِجَعْلِ الضَّمِيرِ الْمَخْفُوضِ فِي قَوْلِهِ بِاجْتِهَادِهِ عَائِدًا عَلَى مُقَلَّدِهِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْمُقَلِّدِ لِمَالِكٍ مَثَلًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا بِاجْتِهَادِ إمَامِهِ أَيْ: بِقَوَاعِدِهِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ فِي طُرُقِ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ كَقَاعِدَتِهِ فِي تَقْدِيمِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَعَلَى الْقِيَاسِ وَكَقَوْلِهِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَوَاعِدِهِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ اجْتِهَادًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ فَيَتَحَصَّلُ مِنْ نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي اجْتِهَادِ الْمُقَلِّدِ فِيمَا لَا نَصَّ لِمُقَلِّدِهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ، أَقْوَالٍ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَهُوَ نَصُّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ الْبَاجِيِّ وَلَا يُفْتِي إلَّا مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ سَمِعَهُ، وَالثَّانِي جَوَازُ الْقِيَاسِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَفِعْلُهُ؛ وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ اخْتِيَارَاتٍ لَهُ خَرَجَ بِكَثِيرٍ مِنْهَا عَنْ الْمَذْهَبِ
الثَّالِثُ جَوَازُ اجْتِهَادِهِ بَعْدَ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ إمَامِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ وَهَذَا هُوَ مَسْلَكُ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ وَالتُّونُسِيِّ وَأَكْثَرِ الْإِفْرِيقِيِّينَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَأَمَّا الْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا كَانَتْ الْأُمَّةُ مُجْتَمَعَةً عَلَى الْخَطَأِ فَفِي صِدْقِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهَا إنْ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ مُجْتَهِدٍ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ وَهَذِهِ مُصَادَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهَا مُخْطِئَةً إلَّا إذَا ثَبَتَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَائِزًا فَلَا وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ زَادَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مُفْتَقِرٌ إلَى حِفْظٍ وَاسِعٍ وَاطِّلَاعٍ بَارِعٍ وَإِدْرَاكٍ جَيِّدٍ نَافِعٍ وَخُصُوصًا الْمُدَوَّنَةَ فَإِنَّ فِيهَا أَزِمَّةً وَافِرَةً فَلِمَا يُرْجَعُ إلَى اقْتِنَاصِ الْأَحْكَامِ وَمِنْ كُتُبِ الْأَحْكَامِ الْمُتَيْطِيَّةُ فَإِنَّ فِيهَا جُمْلَةً صَالِحَةً وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ.
الثَّانِي وَأَمَّا شَرْطُ الْفَتْوَى فَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْفَتْوَى وَصِفَةِ الْمُفْتِي فَقَالَ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ إنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى الْعُلُومِ وَتَتَمَيَّزُ عَنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ بِالْمَحْفُوظِ وَالْمَفْهُومِ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثِ طَوَائِفَ، طَائِفَةٌ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَقْلِيدًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ دُونَ التَّفَقُّهِ فِي مَعَانِيهَا بِتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْهَا وَالسَّقِيمِ، وَطَائِفَةٌ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِهِ بِمَا بَانَ لَهَا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ الَّتِي بَنَاهُ عَلَيْهَا فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَتَفَقَّهَتْ فِي مَعَانِيهَا فَعَلِمَتْ الصَّحِيحَ مِنْهَا الْجَارِيَ عَلَى أُصُولِهِ مِنْ السَّقِيمِ الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ، وَطَائِفَةٌ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبٍ بِمَا بَانَ لَهَا أَيْضًا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ لِكَوْنِهَا عَالِمَةً بِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَارِفَةً بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْمُجْمَلِ وَالْخَاصِّ مِنْ الْعَامِّ عَالِمَةً بِالسُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحْكَامِ مُمَيِّزَةً بَيْنَ صَحِيحِهَا مِنْ مَعْلُولِهَا عَالِمَةً بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَالِمَةً مِنْ عِلْمِ اللِّسَانِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ مَعَانِي الْكَلَامِ عَالِمَةً بِوَضْعِ الْأَدِلَّةِ فِي مَوَاضِعِهَا، فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَلَا يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى بِمَا عَلِمَتْهُ وَحَفِظَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَا يَصِحُّ الْفَتْوَى بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَيَصِحُّ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَصِحُّ لَهَا أَنْ تَسْتَفْتِيَهُ أَوْ تُقَلِّدَ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَفِظَتْهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ
وَأَصْحَابِهِ فَيَجُوزُ لِلَّذِي نَزَلَتْ بِهِ النَّازِلَةُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيمَا حَكَاهُ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي نَازِلَتِهِ وَيُقَلِّدُ مَالِكًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِهِ فِيهَا وَذَلِكَ أَيْضًا إذَا لَمْ يَجِدْ فِي عَصْرِهِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ فِي نَازِلَتِهِ فَيُقَلِّدُهُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَتْ النَّازِلَةُ قَدْ عَلِمَ فِيهَا اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْعَامِّيِّ إذَا اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي نَازِلَتِهِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِيهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ فَيَأْخُذُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَغْلَظِ الْأَقْوَالِ وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيَصْلُحُ لَهَا إذَا اُسْتُفْتِيَتْ أَنْ تُفْتِيَ بِمَا عَلِمَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إذَا كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ كَمَا يَجُوزُ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ إذَا بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُفْتِيَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا تَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ إذْ لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ لَهَا آلَاتُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَصِحُّ لَهَا بِهَا قِيَاسُ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ الَّتِي يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى عُمُومًا بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّازِلَةِ، وَعَلَى مَا قِيسَ عَلَيْهَا إنْ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا، وَمِنْ الْقِيَاسِ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَدْ يُعْلَمُ قَطْعًا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَقَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ، فَلَا يُوجِبُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ وَلَا يُرْجَعُ إلَى الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهَذَا كُلُّهُ يَتَفَاوَتُ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْقِيقِ بِالْمَعْرِفَةِ بِهِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا وَتَفْتَرِقُ أَحْوَالُهُمْ أَيْضًا فِي جَوْدَةِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ وَجَوْدَةِ الذِّهْنِ فِيهِ افْتِرَاقًا بَعِيدًا إذْ لَيْسَ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَمَنْ اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمَا آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْمَحْفُوظِ الْمَعْلُومِ جَازَ لَهُ إنْ اُسْتُفْتِيَ أَنْ يُفْتِيَ
وَإِذَا اعْتَقَدَ النَّاسُ فِيهِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فَمِنْ الْحَقِّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُفْتِيَ حَتَّى يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لَهُ عَلَى مَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ أَنَّ ابْنَ هُرْمُزَ أَشَارَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَشَارَهُ السُّلْطَانُ فَاسْتَشَارَهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَتَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ بَيَانِ صِفَاتِ الْمُفْتِي الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ إذْ لَا تَخْتَلِفُ صِفَاتُ الْمُفْتِي الَّتِي تَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ.
وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ بَيَانِ مَا يَلْزَمُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَنْ أَرَادَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ مُفْتِيًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ سُؤَالٌ فَاسِدٌ إذْ لَيْسَ أَحَدٌ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يُفْتِيَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا قَامَ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَا يَصِحُّ لَهُ إنْ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ وَالسُّؤَالُ عَنْ الْحُكْمِ فِي أَمْرِ الْقَاضِي إذَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِلْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ وَلَيْسَ فِي نَظَرِهِ مَنْ نَالَ دَرَجَةَ الْفَتْوَى وَلَا هُوَ فِي نَفْسِهِ أَهْلٌ لِذَلِكَ قَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهِ فِيمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ حَالِ الطَّائِفَةِ الَّتِي عَرَفَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا شَرْطُ الْفَتْوَى فَفِيهَا لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفَتْوَى وَقَالَ سَحْنُونٌ: النَّاسُ هُنَا الْعُلَمَاءُ، قَالَ ابْنُ هُرْمُزَ: وَيَرَى هُوَ نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ: وَمَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا؛ لِأَنَّ الْحَنَكَ وَهُوَ اللِّثَامُ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْ شِعَارِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ حَنَكٍ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى تَأْكِيدِ التَّحْنِيكِ وَهَذَا شَأْنُ الْفُتْيَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ خُرِقَ هَذَا السِّيَاجُ وَهَانَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ دِينِهِمْ فَتَحَدَّثُوا فِيهِ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَعَسُرَ عَلَيْهِمْ اعْتِرَافُهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ لَا أَدْرِي فَلَا جَرَمَ آلَى الْحَالُ بِالنَّاسِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْجُهَّالِ وَالْمُتَجَرِّئِينَ عَلَى
دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَعَ هَذَا فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّة لِابْنِ هُرْمُزَ فِيمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهِ وَيَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ زَادَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَيَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ نَفْسَهُ أَنَّهُ كَمُلَتْ لَهُ آلَاتُ الِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ عِلْمُهُ بِالْقُرْآنِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَمُفَصَّلِهِ مِنْ مُجْمَلِهِ وَعَامِّهِ مِنْ خَاصِّهِ وَبِالسُّنَّةِ مُمَيِّزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا عَالِمًا بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ وَوَضْعِ الْأَدِلَّةِ مَوَاضِعَهَا وَعِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اللِّسَانِ مَا يُفْهَمُ بِهِ مَعَانِي الْكَلَامِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ الْمُسْتَعْمَلَةَ مِثْلَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ دُونَ رِوَايَةٍ أَوْ الْكُتُبَ الْمُتَأَخِّرَةَ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِيهَا رِوَايَةٌ هَلْ يَسْتَفْتِي.
وَإِنْ أَفْتَى وَقَدْ قَرَأَهَا دُونَ رِوَايَةٍ هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا فَأَجَابَ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْكُتُبَ وَتَفَقَّهَ فِيهَا عَلَى الشُّيُوخِ وَفَهِمَ مَعْنَاهَا وَأُصُولَ مَسَائِلِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي الْبَيَانِ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا يَنْزِلُ وَلَا نَصَّ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُسْتَفْتَى فِي الْمُجْتَهَدَاتِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِرِوَايَةٍ عَنْ عَالِمٍ فَيُقَلِّدَهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا اخْتِلَافٌ أَخْبَرَ بِاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدَهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ فَهْمٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالتَّرْجِيحِ (قُلْتُ) وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُ وَأُخْبِرْنَا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ وَلَا قِرَاءَةَ لَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَضْلًا عَمَّا سِوَاهَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ وَلِيَ خُطَّتَيْ قَضَاءِ الْأَنْكِحَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِتُونُسَ مَنْ قَالَ: مَا فَتَحْتُ كِتَابًا فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَحَدٍ وَمِثْلُهُ وَلِيَ الْقَضَاءَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ بِبِجَّايَةَ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ التَّفْسِيرَ وَأُخْبِرْت أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ مَنَعَهُ قَاضِي وَقْتِهِ فَلَمَّا مَاتَ أَقْرَأَهُ وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِوُجُوبِ مَنْعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ إقْرَاءِ التَّفْسِيرِ ثُمَّ كَانَ فِي حَضْرَتِهِ مَنْ يَقْرَأُهُ بَلْ وَلَّاهُ مَحَلَّ إقْرَائِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْعَرَبِيَّةِ كِتَابًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِحَالِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتِلَافِ مَعَانِي الْعِبَارَاتِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي بِاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: مَا حَاصِلُهُ يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ رِوَايَةَ الْمَذْهَبِ وَعَلِمَ مُطْلَقَهَا وَمُقَيَّدَهَا وَعَامَّهَا وَخَاصَّهَا أَنْ يُفْتِيَ بِمَحْفُوظِهِ مِنْهَا وَمَا لَيْسَ مَحْفُوظًا لَهُ مِنْهَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا هُوَ مَحْفُوظٌ لَهُ مِنْهَا إلَّا إنْ حَصَّلَ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَكِتَابِ الْقِيَاسِ وَأَحْكَامِهِ وَتَرْجِيحَاتِهِ وَشَرَائِطِهِ وَمَوَانِعِهِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّخْرِيجُ، قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقْدُمُونَ عَلَى التَّخْرِيجِ دُونَ هَذِهِ الشَّرَائِطِ بَلْ صَارَ يُفْتِي مَنْ لَمْ يُحِطْ بِالتَّقْيِيدَاتِ وَلَا التَّخْصِيصَاتِ مِنْ مَنْقُولِ إمَامِهِ وَذَلِكَ فِسْقٌ وَلَعِبٌ وَشَرْطُ التَّخْرِيجِ عَلَى قَوْلِ إمَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ عَلَيْهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا لِنَصٍّ وَلَا لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَعْصِيَةٌ، وَقَوْلَ إمَامِهِ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِاجْتِهَادٍ أَخْطَأَ فِيهِ فَلَا يَأْثَمُ وَتَحْصِيلُ حِفْظِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِأُصُولِهَا، وَأُصُولُ الْفِقْهِ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ وَلِذَا أَلِفْت هَذَا الْكِتَابَ الْمُسَمَّى بِالْقَوَاعِدِ قُلْت قَوْلُهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، لَا لِنَصٍّ.
أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمُسَلَّمٌ وَأَمَّا النَّصُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِنَصِّ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْعُتْبِيَّة وَغَيْرِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ نَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ هَذَا فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالتِّسْعِينَ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: وَعَلِمَ مُطْلَقَهَا وَمُقَيَّدَهَا وَعَامَّهَا وَخَاصَّهَا أَنْ يُفْتِيَ بِمَحْفُوظِهِ، عِبَارَةُ الْقَرَافِيِّ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِجَمِيعِ مَا يَحْفَظُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ اتِّبَاعًا لِمَشْهُورِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ بِشُرُوطِ الْفُتْيَا، انْتَهَى.
وَاخْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ فِيهِ جِدًّا، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ: وَكُلُّ شَيْءٍ أَفْتَى بِهِ الْمُجْتَهِدُ فَوَقَعَتْ فُتْيَاهُ فِيهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالْقَوَاعِدِ وَالْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ
السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارَضِ، الرَّاجِحُ لَا يَجُوزُ لِمُقَلِّدِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُفْتِي بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ وَمَا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا بَعْدَ تَقَرُّرِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ وَهَذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ فَلَا نُقِرُّهُ وَالْفُتْيَا بِغَيْرِ شَرْعٍ حَرَامٌ فَالْفُتْيَا بِهَذَا حَرَامٌ.
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ غَيْرَ عَاصٍ فَعَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ تَفَقُّدُ مَذَاهِبِهِمْ فَكُلُّ مَا وَجَدُوهُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا يَعْرَى مَذْهَبٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ عَنْهُ لَكِنَّهُ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ إلَّا إنْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَالنَّصَّ الصَّرِيحَ وَعِلَّةَ الْمُعَارِضِ لِذَلِكَ وَذَلِكَ يَعْتَمِدُ تَحْصِيلَ الْفِقْهِ وَالتَّبَحُّرِ فِي الْفِقْهِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ لَيْسَتْ مُسْتَوْعَبَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ لِلشَّرِيعَةِ قَوَاعِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا وَذَلِكَ هُوَ الْبَاعِثُ لِي عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ لِضَبْطِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ بِحَسَبِ طَاقَتِي وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ يَحْرُمُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ الْفُتْيَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَازِمٌ وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَتَوَقَّفُونَ فِي الْفُتْيَا تَوَقُّفًا شَدِيدًا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْقَرَافِيِّ: وَعَلِمَ مُطْلَقَهَا وَمُقَيَّدَهَا وَعَامَّهَا وَخَاصَّهَا، يَعْنِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُطْلَقَةٌ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً فَبَعِيدٌ وَيَكْفِي الْآنَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ، قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: الَّذِي يُفْتَى بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْحَرَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ وَتَأْوِيلِ الشُّيُوخِ لَهَا وَتَوْجِيهِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ ظَوَاهِرَ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبَ وَتَشْبِيهِهِمْ مَسَائِلَ بِمَسَائِلَ قَدْ يَسْبِقُ إلَى النَّفْسِ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَسَائِلَ وَمَسَائِلَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ تَقَارُبُهَا وَتَشَابُهُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ فَهَذَا لِعَدَمِ النِّظَارِ يُقْتَصَرُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
وَفِي آخِرِ خُطْبَةِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِابْنِ رُشْدٍ، قَالَ: إذَا جَمَعَ الطَّالِبُ الْمُقَدِّمَاتِ إلَى هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي الْبَيَانَ وَالتَّحْصِيلَ حَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلَهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعَرَفَ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ بَابِهِ وَسَبِيلِهِ وَأَحْكَمَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ وَاسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَحَصَلَ فِي دَرَجَةِ مَنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ فِي النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَوَعَدَهُمْ فِيهِ بِتَرْفِيعِ الدَّرَجَاتِ، انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى فِي الْكَلَامِ عَلَى الدِّيبَاجَةِ بَعْضُ هَذِهِ النُّصُوصِ وَشَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِلَايَةُ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّحْرِيرِ: لِانْعِقَادِ الْوِلَايَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، الْعِلْمُ بِشَرَائِطِ الْوِلَايَةِ فِي الْمُوَلَّى فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا إلَّا بَعْدَ التَّقْلِيدِ اسْتَأْنَفَهُ، الثَّانِي ذِكْرُ الْمُوَلَّى لَهُ كَالْقَضَاءِ أَوْ الْإِمَارَةِ فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ فَسَدَتْ، الثَّالِثُ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي عُقِدَتْ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ لِيَمْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ الْأَمِينِ (الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْأَمِينِ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَاتُ أَرْبَعَةٌ، صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ وَهِيَ وَلَّيْتُك وَقَلَّدْتُك وَاسْتَخْلَفْتُك وَاسْتَنَبْتُكَ، وَالْكِنَايَةُ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ وَهِيَ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ وَرَدَدْتُ إلَيْكَ وَجَعَلْت إلَيْكَ وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ إلَيْكَ، قَالَ غَيْرُهُ: وَعَهِدْتُ إلَيْكَ وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ مِثْلُ اُحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ فِيهِ وَشِبْهُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّحْرِيرِ (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَوْلِيَةُ الْإِمَامِ قَاضِيَهُ تَثْبُتُ بِإِشْهَادِهِ بِهَا نَصًّا وَإِلَّا صَحَّ ثُبُوتُهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ وَالْقَرَائِنِ
عَلَى عِلْمِ ذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَهَا بِكِتَابٍ يُقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَنْظُرْ الشُّهُودُ فِي الْكِتَابِ الْمَقْرُوءِ لِجَوَازِ أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَلَوْ قَرَأَهُ الْإِمَامُ صَحَّتْ (قُلْتُ) سَمَاعُ الْإِمَامِ الْمَقْرُوءَ عَلَيْهِ مَعَ سَمَاعِهِ وَسُكُوتِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ ضَرُورَةً بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ ثُبُوتَ وِلَايَتِهِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ يَقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ كَذَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بَحْثُهُ وَاَلَّذِي فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ (السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إذَا كَانَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى غَائِبًا وَقْتَ الْوِلَايَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ بُلُوغِ التَّقْلِيدِ إلَيْهِ وَعَلَامَةُ الْقَبُولِ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى وَقْتِنَا هَذَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: فَرْعٌ، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ انْعِقَادُ وِلَايَةِ الْقَاضِي بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ كَالْوَكَالَةِ، وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ قَالُوا فَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ بِاللَّفْظِ مُشَافَهَةً فَالْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا كَالْإِيجَابِ وَفِي الْمُرَاسَلَةِ يَجُوزُ عَلَى التَّرَاخِي بِالْقَبُولِ قَالُوا وَفِي الْقَبُولِ بِالشُّرُوعِ فِي النَّظَرِ خِلَافٌ وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ، انْتَهَى.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إذَا انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَلِّي النَّظَرُ حَتَّى تَشِيعَ وِلَايَتُهُ فِي عَمَلِهِ لِيُذْعِنُوا لَهُ وَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِي مَا قَالُوهُ فَإِنَّ التَّمَكُّنَ وَالْعِلْمَ شَرْطَانِ فِي التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ غَيْرِنَا فَالشِّيَاعُ يُوجِبُ لَهُ الْمُكْنَةَ وَالْعِلْمَ لَهُمْ، انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَأْيِهِ فِي الِاجْتِهَادِ أَوْ التَّقْلِيدِ وَلَوْ شَرَطَ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا وَالتَّوْلِيَةُ صَحِيحَةً، قَالَ الْبَاجِيُّ كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَأْيِهِ كَالْمَالِكِيِّ يُوَلِّي شَافِعِيًّا أَوْ حَنَفِيًّا وَلَوْ شَرَطَ أَيْ: الْإِمَامُ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ اجْتِهَادٍ لَهُ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا وَصَحَّ الْعَقْدُ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَقْدُ غَيْرُ جَائِزٍ وَيَنْبَغِي فَسْخُهُ وَرَدُّهُ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا، وَهَكَذَا فَرَضَ الْمَازِرِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقَلِّدًا وَكَانَ مُتَّبِعًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَاضْطُرَّ إلَى وِلَايَةِ قَاضٍ مُقَلِّدٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَيَأْمُرَهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي قَضَائِهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ
لِمَا
يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِقْلِيمِ وَالْبَلَدِ الَّذِي هَذَا الْقَاضِي مِنْهُ وُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ وَلَّى سَحْنُونٌ رَجُلًا سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: كَانَ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، مَا وَجَدَهُ، هَكَذَا نَقَلَهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ الْبَاجِيِّ وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَا نُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ وِلَايَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ قَوْلَهُمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي نَائِبًا: وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ عَلَى مُسْتَخْلِفِهِ الْحُكْمُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ خَالَفَ مُعْتَقَدَ الْمُسْتَخْلِفِ اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا فَخَرَجَ عَلَى شَرْطِ ذَلِكَ الْإِمَامِ فِي تَوْلِيَتِهِ قَاضِيَهُ عَلَيْهِ فِي صِحَّتِهِ وَبُطْلَانِ تَوْلِيَتِهِ بِذَلِكَ، ثَالِثُهَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ فَقَطْ لِظَاهِرِ نَقْلِهِمْ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ وَلَّى رَجُلًا سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمَازِرِيُّ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِ الرَّجُلِ مُجْتَهِدًا مَعَ نَقْلِ الْبَاجِيِّ كَانَ الْوُلَاةُ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ يَشْتَرِطُونَ عَلَى مَنْ وَلَّوْهُ الْقَضَاءَ فِي سِجِلِّهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَهُ وَالطُّرْطُوشِيِّ لِقَوْلِهِ فِيمَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ هَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مَعَ تَخْرِيجِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ بِإِبْطَالِ فَاسِدِ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَعَ صِحَّةِ
الْبَيْعِ، قَالَ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنْ كَانَ الْقَاضِي عَلَى مَذْهَبٍ مَشْهُورٍ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ بَلَدِهِ نُهِيَ عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ لِتُهْمَتِهِ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ حَيْفًا أَوْ هَوًى وَهَذَا الْقَوْلُ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى السِّيَاسَةِ، وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ خِلَافُهُ، وَالْمَشْرُوعُ اتِّبَاعُ الْمُجْتَهِدِ مُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ اهـ
(التَّاسِعُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ الْأَمِيرِ غَيْرِ الْعَادِلِ فَفِي رِيَاضِ النُّفُوسِ فِي طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيِّ، قَالَ سَحْنُونٌ اخْتَلَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ وَابْنُ غَانِمٍ قَاضِي إفْرِيقِيَّةَ وَهُمَا رُوَاةُ مَالِكٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَقَالَ ابْنُ فَرُّوخَ: لَا يَنْبَغِي لِقَاضٍ إذَا وَلَّاهُ أَمِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ: يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ غَيْرَ عَدْلٍ فَكَتَبَ بِهَا إلَى مَالِكٍ فَقَالَ مَالِكٌ: أَصَابَ الْفَارِسِيُّ يَعْنِي ابْنَ فَرُّوخَ وَأَخْطَأَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَعْنِي ابْنَ غَانِمٍ.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوِلَايَةِ الْخَامِسَةِ الَّتِي هِيَ وَظِيفَةُ الْقَضَاءِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: إقَامَةُ الْحُكْمِ لِلنَّاسِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْضِعِ وَلِيُّ أَمْرٍ كَانَ ذَلِكَ لِذَوِي الرَّأْيِ وَالثِّقَةِ فَمَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يَصْلُحَ أَقَامُوهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: الْقَضَاءُ يَنْعَقِدُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَقْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ أَحَدِ أُمَرَائِهِ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ الْعَقْدُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، الثَّانِي عَقْدُ ذَوِي الرَّأْيِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقَضَاءِ وَهَذَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهُمْ مُطَالَعَةُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَسْتَدْعُوا مِنْهُ وِلَايَتَهُ وَيَكُونُ عَقْدُهُمْ لَهُ نِيَابَةً عَنْ عَقْدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ نِيَابَةً عَمَّنْ جَعَلَ الْإِمَامُ لَهُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ اهـ، مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَتَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: مُجْتَهِدٌ، شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ سَهْلٍ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: خُطَّةُ الْقَضَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْخُطَطِ قَدْرًا وَأَجَلِّهَا خَطَرًا لَا سِيَّمَا إذَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهَا الصَّلَاةُ (قُلْتُ) يُرِيدُ إمَامَةَ الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَاهُ حُسْنُ اجْتِمَاعِهِمَا وَالْمَعْرُوفُ بِبَلَدِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَنْعُ إقَامَةِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِهَا أَوْ الْأَنْكِحَةِ إمَامَةَ الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ بِهَا وَسَمِعْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يُعَلِّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ طِيبِ نَفْسِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِهِ مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ فِي الْآحَادِ فَيُؤَدِّي إلَى إمَامَةِ مَنْ هُوَ لَهُ كَارِهٌ وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ مَالِكٌ: أَوَّلُ مَنْ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُثْمَانَ قَاضٍ بَلْ الْوُلَاةُ يَقْضُونَ وَأَنْكَرَ قَوْلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَرُ اسْتَقْضَى شُرَيْحًا وَقَالَ: كَيْفَ يُسْتَقْضَى بِالْعِرَاقِ دُونَ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، انْتَهَى.
ص (وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ)
ش: هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُتَّصِفًا بِهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرُ شَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَلَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِهَا وَعَدَمُهَا مُوجِبٌ لِلْعَزْلِ وَيَنْفُذُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُ الشَّيْخِ بَهْرَامُ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ تُوجِبُ الْعَزْلَ وَلَيْسَ عَدَمُهَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ بَلْ وُجُودُهَا مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: (فَإِنْ قُلْت) لِمَ خُصَّتْ الصِّفَةُ الْأُولَى بِالشَّرْطِيَّةِ (قُلْت) ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهَا وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَإِنْ وَجَبَ الْعَزْلُ إذَا انْعَدَمَتْ وَهَذَا كَمَا يُفَرِّقُونَ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي
شُرِطَ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا، انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ هَذَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الثَّانِي السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَالْكَلَامُ يَعْنِي أَنَّ النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنْ صِفَاتِ الْقَاضِي وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْعَزْلِ إذَا عُدِمَ أَوْ عُدِمَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ إلَّا أَنَّ وَحْدَةَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَجَعْلَ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْقُيُودِ كَالْأَجْزَاءِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ إذَا عُدِمَ مَنَعَ الْوِلَايَةَ وَلِأَنَّ جُزْءَ الشَّرْطِ يَنْعَدِمُ الْمَشْرُوطُ بِانْعِدَامِهِ وَأَمَّا وَحْدَةُ هَذَا النَّوْعِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ جُزْءًا لَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَذَلِكَ، أَنَّ الْمُؤَلِّفَ جَعَلَ أَثَرَ هَذَا النَّوْعِ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْعَزْلِ لَا فِي انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا إذَا انْعَدَمَ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَأَمَّا إذَا انْعَدَمَ اثْنَانِ مِنْهَا فَأَكْثَرُ فَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ أَصْلًا، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ (سُؤَالٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْت) إمَّا أَنْ يَجْعَلَ الْعَمَى مَثَلًا مَانِعًا مِنْ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ أَوْ لَا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَجِبُ عَزْلُهُ (قُلْت) كُلٌّ مِنْ الشِّقَّيْنِ مَمْنُوعٌ وَسَنَدُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَانِعَ إذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْت، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا طَرَأَ وَقَدْ كَانَ وَلِيَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ لَا تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ فَمَنْ وَلِيَ صَحِيحًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَانِعُ هُوَ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ وَسَنَدُ الثَّانِي أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ نُفُوذِ الْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مَعَهُ دَوَامُ التَّوْلِيَةِ؛ لِأَنَّ النُّفُوذَ مُسْتَنِدٌ إلَى التَّوْلِيَةِ الصَّحِيحَةِ وَوُجُوبَ الْعَزْلِ مُسْتَنِدٌ إلَى الطَّارِئِ، انْتَهَى.
وَفِي جَوَابِهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ نُفُوذَ حُكْمِ الْقَاضِي الْأَعْمَى إنَّمَا هُوَ إذَا وَلِيَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَأَمَّا الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ الْوِلَايَةِ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا عَدْلًا فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ خِصَالٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يُعْزَلَ مَتَى عُثِرَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا إلَّا الْفَاسِقَ فَاخْتُلِفَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّهَا جَائِزَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ وَعَلَيْهِ فَالْعَدَالَةُ مَشْرُوطَةٌ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ كَالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ سَوَاءٌ وَلِيَ كَذَلِكَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُكَ الْعَمَى مَثَلًا مَانِعٌ مَا تَعْنِي بِهِ، مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ أَوْ مِنْ جَوَازِهَا، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ مُرَادًا لَنَا وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ مَا ذَكَرْت، وَالثَّانِي مُرَادُنَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْت، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ]
(تَنْبِيهٌ) تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الْكِتَابَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ لَا نَصَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ وَعَنْ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرَجَّحَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ الْوِلَايَةِ مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الْمَنْعُ، انْتَهَى.
ص (وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) ش: كَأَنَّهُ سَقَطَ عِنْدَ الشَّارِحِ
بَهْرَامَ لَفْظٌ وَالطَّلَبُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَقَالَ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلطَّلَبِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللُّزُومَ مَشْرُوطٌ بِعَرْضِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ طَلَبُهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ قَاضٍ أَوْ يَكُونُ وَلَكِنْ تَحْرُمُ وِلَايَتُهُ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَوَلَّ تَضِيعُ الْحُقُوقُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ فَقَدْ قَالُوا إنَّهُ إذَا خَافَ ضَيَاعَ الْحُقُوقِ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، انْتَهَى.
وَأَمَّا فِي الْوَسَطِ وَالصَّغِيرِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ ثُبُوتُهَا وَانْظُرْ إذَا قِيلَ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فَطَلَبَ فَمُنِعَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا كَمَا سَيَأْتِي إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ إذَا كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحُقُوقِ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَقَدْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْفَرْعِ الْآتِي لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ أَيْ: الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا انْفَرَدَ بِشَرَائِطَ تَعَيَّنَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قِيلَ إنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا عِلْمَ الْقَضَاءِ أَوْ لَازِمًا لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْبِ إنْسَانٍ يَرْفَعُ النِّزَاعَ الْوَاقِعَ بَيْنَ النَّاسِ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ الظَّالِمِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ فِي الْبَلَدِ مِنْ وَاحِدٍ وَمِنْ عَدَدٍ قَلِيلٍ كَانَ هَذَا الْفَرْضُ فِيهِ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا تَعَدَّدَ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ فَإِنْ اتَّحَدَ تَعَيَّنَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَرْتَبَةُ الْقَاضِي فِي الدِّينِ حِينَ كَانَ الْقَاضِي يُعَانُ عَلَى مَا وَلِيَهُ حَتَّى رُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْكُمُ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ إنْ شَهِدَ عِنْدَهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ وَأَمَّا إذَا صَارَ الْقَاضِي لَا يُعَانُ بَلْ مَنْ وَلَّاهُ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَيْهِ مَنْ مَقْصُودُهُ بُلُوغُ هَوَاهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبَ يَنْقَلِبُ مُحَرَّمًا نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ أَكْثَرَ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا أَسْمَاءٌ شَرِيفَةٌ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ خَسِيسَةٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا (قُلْتُ) وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَبِصِحَّةِ خَبَرِهِ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْقَاضِي بِتُونُسَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ فَدَّاحٍ تَكَلَّمَ أَهْلُ مَجْلِسِ السُّلْطَانِ فِي وِلَايَةِ قَاضٍ فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ بَعْضُ كِبَار أَهْلِ الْمَجْلِسِ: إنَّهُ شَدِيدُ الْأَمْرِ وَلَا تُطِيقُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَسْتَخْبِرُ أَمْرَهُ فَدَسُّوا عَلَيْهِ رَجُلًا مِنْ الْمُوَحِّدِينَ كَانَ جَارًا لَهُ يُعْرَفُ بِابْنِ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ امْتَنَعُوا مِنْ تَوْلِيَتِك؛ لِأَنَّك شَدِيدٌ فِي الْحُكْمِ فَقَالَ: أَنَا أَعْرِفُ الْعَوَائِدَ وَأَمْشِيهَا فَحِينَئِذٍ وَلَّوْهُ مِنْ عَامِ أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَامَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّهُ خَافَ أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْوِلَايَةِ فَتَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ فِي تَسَبُّبِهِ بِوِلَايَتِهِ لِقَضَاءِ الْأَنْكِحَةِ تَسَبُّبًا ظَاهِرًا عَلِمَهُ الْقَرِيبُ مِنْهُ وَالْبَعِيدُ، قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالصَّلَاحِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ غَازِيٍّ إلَى هَذَا فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الْقِسْمِ الْوَاجِبِ صَارَ مُحَرَّمًا فَكَيْفَ بِبَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْهَرَبُ مِنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْهُ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَاجِبٌ لَازِمٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعَا رَجُلًا لِيُوَلِّيَهُ فَأَبَى فَجَعَلَ يُدِيرُهُ عَلَى الرِّضَا فَأَبَى ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْشُدُك اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّ ذَلِكَ تَعْلَمُ خَيْرًا لِي، قَالَ: أَنْ لَا تَلِيَ، قَالَ: فَأَعْفِنِي، قَالَ: قَدْ فَعَلْت ثُمَّ قَالَ: وَطَلَبُ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَ الْفَاطِمَةُ فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ»
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوَكَّلْ إلَيْهَا» ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْهُ عَسِرٌ فَالْهُرُوبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَطَلَبُهُ نُوكٌ وَإِنْ كَانَ حِسْبَةً، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ لِلْحِسْبَةِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، انْتَهَى.
وَالنُّوكُ بِالضَّمِّ الْحُمْقُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ
وَالنَّوَاكَةُ الْحَمَاقَةُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُقَدِّمَاتِ الْمَذْكُورَ (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إنْ خَافَ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ أَنْ يُوَلَّى مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ أَنَّ لَهُ طَلَبُهُ وَقَدْ تَحَقَّقْت بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِنَا وَكَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالصَّلَاحِ لَمَّا وَقَعَ النَّظَرُ بِتُونِسَ فِي وِلَايَةِ قَاضِي الْأَنْكِحَةِ تَسَبَّبَ فِي وِلَايَتِهَا تَسَبُّبًا ظَاهِرًا عَلِمَهُ الْقَرِيبُ مِنْهُ وَالْبَعِيدُ وَمَا أَظُنُّهُ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا لَمَّا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتْ الْحُقُوقُ أَوْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى، وَكَذَلِكَ إنْ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلَّا بِطَلَبِهِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ شُرَيْحٍ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِهِ أَدَبِ الْقَضَاءِ: مَنْ تَقَبَّلَ الْقَضَاءَ بِقَبَالَةٍ وَأَعْطَى عَلَيْهِ الرِّشْوَةَ فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ، قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى هُوَ مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اسْتَقْضَى هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نَظَرَ فِي الْمَعْزُولِ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِعْطَاءُ الرِّشْوَةِ عَلَى عَزْلِهِ حَرَامٌ وَالْمَعْزُولُ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ تَابَ فَرَدَّ الرِّشْوَةَ قَبْلَ عَزْلِهِ وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ أَيْضًا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَابَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا لَمْ يَبْطُلْ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ أَبُو الْعَبَّاسِ (قُلْتُ) هَذَا تَخْرِيجًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ، انْتَهَى.
ص (وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ وَطَالِبِ دُنْيَا)
ش: لَوْ قَالَ عِوَضُ قَوْلِهِ لِجَاهِلٍ لِغَيْرِ أَهْلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَحْرُمُ طَلَبُهُ عَلَى فَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ، انْتَهَى.
لَكَانَ أَتَمَّ (فَائِدَةٌ) وَيَحْرُمُ السَّعْيُ عَلَى مَنْ قَصَدَ بِالسَّعْيِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ، قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ.
ص (وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ)
ش: نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَزَادَ مَعَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا وَلَهُ عِيَالٌ وَيَسْعَى فِي تَحْصِيلِهِ لِسَدِّ خُلَّتِهِ وَنَصُّهُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ بِوِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ لِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ الْمَازِرِيُّ وَلَا يُقْتَصَرُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى هَذَيْنِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَعَبَّرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ بِهِ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ يُوَلَّاهُ وَهُوَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْلِيَةَ وَلَكِنَّهُ مُقَصِّرٌ عَنْ هَذَا، انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْقِسْمِ الْمُبَاحِ، قَالَ: وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ فِي الْوَجْهِ الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَلِكَ عَدَّ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْقِسْمِ الْمُبَاحِ مَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَطَلَبَهُ لِسَدِّ خُلَّتِهِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَعَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا مَشْهُورًا يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَخَافَ إنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَفِي كَوْنِهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُورِ عِلْمُهُ الْغَنِيِّ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا نَظَرٌ، قَالَ: وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنْهُ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ:
وَمِنْ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ السَّعْيُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَحْرُمُ لَكَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] ، انْتَهَى.
وَأَمَّا إبَاحَةُ السَّعْيِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيَبْعُدُ عِنْدِي تَصَوُّرُ الْإِبَاحَةِ إلَّا عِنْدَ تَقَابُلِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِلْفَهْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ فَرْحُونٍ جَعَلَ مِنْهُ مَسْأَلَةَ مَنْ سَعَى فِيهِ لِسَدِّ خُلَّتِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْأَقْسَامَ (قُلْتُ) هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَتُهُ مَلْزُومَةً لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَكْلِيفِهِ تَقْدِيمَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ تَقْدِيمُهُ لِلشَّهَادَةِ وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي كَتْبِهِ هُنَا، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَوَرَعٍ نَزِهٍ)
ش: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرِعِ وَالنَّزِهِ أَنَّ الْوَرِعَ هُوَ التَّارِكُ لِلشُّبُهَاتِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ وَرِعًا ظَاهِرَةٌ وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ وَالنَّزِهُ هُوَ الَّذِي لَا يَطْمَعُ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صِفَاتِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ، انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا يَأْتِي بِمَا نُصِبَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَابَةٍ لِيُفَارِقَ بِالنَّزَاهَةِ التَّشَوُّفَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَبِالنَّصِيحَةِ لِيُفَارِقَ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الظُّلْمَ وَلَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْغِشِّ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَإِ وَبِالرَّحْمَةِ حَالَ الْقَاسِي الَّذِي لَا يَرْحَمُ الصَّغِيرَ وَالْيَتِيمَ وَالْمَظْلُومَ وَبِالصَّلَابَةِ حَالَ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ، انْتَهَى.
ص (غَنِيٍّ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالْغَنِيِّ عَنْ عَدَمِ الدَّيْنِ فَإِنَّ وُجُودَ الدَّيْنِ مَعَ الْغِنَى رُبَّمَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ لَا أَثَرَ لَهُ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ فِي الْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يَغْنَى وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا مِنْ
الْمَصْلَحَةِ
؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ فَإِذَا كَانَ غَنِيًّا بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنْ يَكُونَ بَلَدِيًّا وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا تَرَكَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَا: إنَّ الْوُلَاةَ الْيَوْمَ يُرَجِّحُونَ غَيْرَ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ وَتَرَكَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوْمَةِ اللَّائِمِ رَاجِعٌ إلَى الْفِسْقِ، انْتَهَى.
ص (نَسِيبٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا بَأْسَ بِوِلَايَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يَحْكُمُ فِي حَدٍّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ فَلَا يَلِيهَا وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ الصَّقَلِّيُّ عَنْ أَصْبَغَ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ حُدَّ فِي الزِّنَا إذَا تَابَ وَرُضِيَتْ حَالُهُ أَوْ كَانَ عَالِمًا وَيَجُوزُ حُكْمُهُ فِي الزِّنَا وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحْوِطَ يَجُوزُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِجَوْرٍ أَوْ خَطَإٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِأَصْبَغَ، انْتَهَى.
ص (بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ) ش، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَجَوَّزَ أَصْبَغُ حُكْمَهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ، انْتَهَى.
ص (وَزَائِد فِي الدَّهَاءِ) الدَّهَاءُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَالْمَدِّ كَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكِتَابِ كَالذَّكَاءِ وَالْعَطَاءِ وَكَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَخْفِيفِ الْأَعْوَانِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ
اسْتَغْنَى عَنْ الْأَعْوَانِ أَصْلًا لَكَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا انْتَهَى.
ص (وَتَأْدِيبِ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّبَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا أَسَاءَ عَلَى الْآخَرِ وَيَنْبَغِي ذَلِكَ أَيْضًا إذَا أَسَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ مُغَايِرَةِ الْمُؤَلِّفِ اللَّفْظَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي فَوْقَهَا أَنَّ إسَاءَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِلْآخَرِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَشَدُّ مِنْ إسَاءَتِهِ عَلَى الْقَاضِي.
، وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْوُجُوبِ، قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ: ظَلَمْتَنِي فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَذَى الْقَاضِي وَكَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فَلْيُعَاقِبْهُ وَقَدْ أَشَارَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا، قَالَا: إذَا شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ بِقَوْلِهِ يَا فَاجِرُ يَا ظَالِمُ فَلْيَزْجُرْهُ وَلْيَضْرِبْهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ قَائِلُهُ ذَا مُرُوءَةٍ فَلْيَتَجَافَ عَنْ ضَرْبِهِ وَقَالَ: إنْ لَمَزَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْقَاضِيَ بِمَا يَكْرَهُ أَدَّبَهُ، وَالْأَدَبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَمْثَلُ مِنْ الْعَفْوِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْأَدَبُ فِي مِثْلِ هَذَا أَمْثَلَ مِنْ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِيذَاءِ الْقَاضِي وَشَتْمِهِ وَإِنَّمَا لَمَزَهُ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ سُوِّغَ لَهُ حُكْمُ الْعَفْوِ وَرُجِّحَ عَدَمُهُ وَصَرَّحَ لِخَصْمِهِ بِالشَّتْمِ فَأَلْزَمَهُ الْعُقُوبَةَ وَلَمْ يُسَوَّغُ الْعَفْوُ فِيهَا وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ فِي لَفْظَةِ يَنْبَغِي هُوَ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: إنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلُ قَوْلِهِ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ، انْتَهَى.
فَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى أَنَّ تَأْدِيبَهُ يَجِبُ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ مَيْلٌ إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَمَنْ رَاعَى أَنَّ فِي ذَلِكَ انْتِصَارًا لِلشَّرْعِ، قَالَ بِالْوُجُوبِ وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ كَالْمُنْتَقِمِ لِنَفْسِهِ، قَالَ بِعَدَمِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت مَنْ يَقُولُ لِلْقَاضِي ظَلَمْتَنِي، قَالَ مَالِكٌ: يَخْتَلِفُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ تَفْسِيرًا إلَّا أَنَّ وَجْهَ مَا قَالَهُ إنْ أَرَادَ أَذَاهُ وَالْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ عَاقَبَهُ وَمَا تَرَكَ ذَلِكَ حَتَّى خَاصَمَ أَهْلَ الشَّرَفِ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الْإِلْدَادِ ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَآذَاهُ بِأَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ مُوَاجَهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ بِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مُوَاجَهَتَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ وَلَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ وَإِذَا كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ كَالْحُكْمِ بِهِ لِغَيْرِهِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي عَرْضِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي عَرْضِ غَيْرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ بِمِثْلِ هَذَا تَوْهِينٌ لَهُمْ فَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ التَّجَافِي، انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ، وَقَالَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ فَيُعَاقِبُهُ بِهِ أَيْ: بِالْإِقْرَارِ وَيَتَمَوَّلُ الْمَالَ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَطْعُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ زَوْجَتِهِ، انْتَهَى.
فَرَاجِعْهُ فَإِنَّهُ مُفِيدٌ، وَقَوْلُهُ فِي السَّمَاعِ: وَمَا تَرَكَ ذَلِكَ، إلَى آخِرِهِ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَيَانِ وَلَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَسَيَأْتِي أَيْضًا شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي، مِثْلُ اُذْكُرْ وُقُوفَك لِلْحِسَابِ وَاَلَّذِي عَمِلْته مَعِي مَكْتُوبٌ عَلَيْك وَنَحْوُهُ مِمَّا هُوَ وَعْظٌ وَفِيهِ إشَارَةٌ فَيُعْرِضُ الْقَاضِي عَنْ الْإِشَارَةِ وَيَرْفُقُ بِهِ وَقَوْلُهُ فَلْيَرْفُقْ بِهِ الرِّفْقُ بِهِ مِثْل أَنْ يَقُولَ لَهُ رَزَقَنِي اللَّهُ تَقْوَاهُ أَوْ يَقُولَ مَا أَمَرْتُ إلَّا بِخَيْرٍ وَعَلَيْنَا وَعَلَيْك أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ أَوْ ذَكَّرَنِي وَإِيَّاكَ الْوُقُوفَ لِلْحِسَابِ وَالْأَعْمَالُ كُلُّهَا مَكْتُوبَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنْ أَذِنَ لَهُ فِي
الِاسْتِخْلَافِ أَوْ نَصَّ لَهُ عَلَى عَدَمِهِ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ اهـ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إذَا نَهَى عَنْ الِاسْتِخْلَافِ فَيُتَّفَقُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ وَيُتَّفَقُ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْ وَلَّاهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ اسْتَخْلَفَ عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّة: وَإِذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ فَلَا تُبَالِي كَانَ الْقَاضِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ، أَحَدُهُمَا فَوْقَ صَاحِبِهِ، انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ فِي النَّوَادِرِ، انْتَهَى.
وَإِنْ تَجَرَّدَ الْعَقْدُ عَنْ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَإِنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ ذَلِكَ إذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ، انْتَهَى.
لِكَوْنِهِ صَدَّرَ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُتَّفَقُ مَعَ عَدَمِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ: إنَّ هَذَا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَمَّا إنْ كَانَ عَمَلُ الْقَاضِي الْجَوَازُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَخْلِفُ وَإِنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، قَالَا: فَإِنْ فَعَلَ فَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلَفِ لَا يَنْفُذُ إلَّا إذَا أَنْفَذَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّبْصِرَةِ لِابْنِ فَرْحُونٍ (فَرْعٌ) مِنْهَا، قَالَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَلَا يُسَجِّلُ نَائِبُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَجُوزُ تَسْجِيلُهُ وَيَبْطُلُ وَلَا يَقُومُ بِهِ الْقَائِمُ حُجَّةً إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ أَوْ يَمُوتَ وَإِنْ كَانَ اسْتِنَابَةُ الْقَاضِي لِنَائِبِهِ عَنْ إذْنِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا مَعْرُوفًا مَشْهُورًا كَاشْتِهَارِ وِلَايَةِ الْقَاضِي فَلِلنَّائِبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُسَجِّلَ وَيَنْفُذُ تَسْجِيلُهُ دُونَ إجَازَةِ الْقَاضِي وَلَيْسَ لِأَحَدٍ رَدُّهُ وَلَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِذَا قُلْنَا النَّائِبُ لَا يُسَجِّلُ فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَ الْبَيِّنَةَ وَيَشْهَدُ عِنْدَهُ الشُّهُودُ فِيمَا فِيهِ التَّنَازُعُ وَلَهُ قَبُولُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِعَدَالَةٍ وَيَعْدِلُ عِنْدَهُ الْمَقَالَاتِ ثُمَّ يَرْفَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَى الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ وَيُخْبِرُهُ بِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ لِيَثْبُتَ بِهِ مَا عِنْدَ الْقَاضِي إخْبَارُهُ لَهُ وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يُجِيزَ حِينَئِذٍ فِعْلَ نَائِبِهِ وَيَنْفُذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَيُسَجِّلُ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ عَنْ إذْنِ الْإِمَامِ هَلْ مُرَادُهُ الْإِذْنُ الْعَامُّ فِي التَّوْلِيَةِ أَوْ إذْنٌ خَاصٌّ فِي عَيْنِ الْمُسْتَخْلِفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ إلَّا أَنَّ الْمُتَيْطِيَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إثْرَ ذِكْرِهِ صِفَةَ الْوَثِيقَةِ، وَالْوَثِيقَةُ فِيهَا اسْتِئْذَانُ الْأَمِيرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ رُفِعَ هَذَا الْمُسْتَخْلِفُ إلَى وَظِيفَةِ الْقَضَاءِ فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ثُمَّ يُكْمِلُهَا بَعْدُ بِالتَّسْجِيلِ فِيهَا أَمْ يَصِلُ نَظَرَهُ فِيهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْحُكْمِ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ الْحُكُومَةِ وَلَا يَبْتَدِئُهَا مِنْ أَوَّلِهَا، قَالَ: وَبِذَلِكَ أَفْتَيْت أَبَا عَلِيٍّ حَسَنَ بْنَ ذَكْوَانَ حِينَ ارْتَفَعَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسُّوقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَوَافَقَنِي أَبُو الْمُطَرِّفِ بْنُ فَرَجٍ وَغَيْرُهُ عَلَى جَوَابِي وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يَبْتَدِئُ
النَّظَرَ فِيمَا كَانَ جَرَى بَعْضُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ كَمُلَ نَظَرُهُ فِيهِ، انْتَهَى.
مِنْ الْمُتَيْطِيَّةَ
[فَرْعٌ عُزِلَ الْقَاضِي ثُمَّ وُلِّيَ بَعْدَ مَا عُزِلَ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ الْقَاضِي مِنْ رِوَايَتِهِ: إذَا عُزِلَ الْقَاضِي ثُمَّ وُلِّيَ بَعْدَ مَا عُزِلَ فَهُوَ كَالْمُحْدَثِ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ فِيمَا لَمْ يَتِمَّ الْحُكْمُ فِيهِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِهِ عِنْدَهُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَكَانَ شَجَرَةٌ وَلِيَ قَضَاءَ بَلْدَةٍ قَبْلَ وِلَايَةِ سَحْنُونٍ ثُمَّ عُزِلَ ثُمَّ وَلَّاهُ سَحْنُونٌ فَكَتَبَ إلَيْهِ مَا تَرَى فِيمَا وَقَعَ عِنْدِي مِنْ الْبَيِّنَاتِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَمَا كُنْتُ عَقِلْته يَوْمَئِذٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ طَالَ الزَّمَانُ جِدًّا وَأَخَافُ حَوَالَةَ الْبَيِّنَاتِ فَمَا لَمْ تَخَفْ مِنْ هَذَا وَصَحَّ عِنْدَك مَا كُنْتَ عَقِلْته وَلَمْ تَسْتَرِبْ مِنْهُ أَمْرًا فَامْضِهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ الْقَوْلِ الَّذِي قَدَّمَهُ، قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَةُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتِهَا لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ الْمَعْزُولُ: مَا فِي دِيوَانِي قَدْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا أَرَاهُ شَاهِدًا فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَمَرَهُمْ الْقَاضِي الْمُحْدَثُ بِإِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ وَلِلطَّالِبِ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَطْلُوبَ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ الَّتِي فِي دِيوَانِ الْقَاضِي مَا شَهِدَ بِهَا أَحَدٌ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الطَّالِبُ وَثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ ثُمَّ نَظَرَ فِيهَا الَّذِي وَلِيَ بِمَا كَانَ يَنْظُرُ الْمَعْزُولُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عِيَاضٌ: أَفَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِنَاءَ الْقَاضِي عَلَى حُكْمِ مَنْ قَبْلَهُ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ وَالِابْتِدَاءُ النَّظَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَلَ مِنْ خُطَّةِ حُكْمٍ إلَى خُطَّةِ حُكْمٍ وَقَدْ كَانَ نَظَرَ فِي صَدْرِ الْخُصُومَةِ فِي الْخُطَّةِ الْأُولَى وَبِهَذَا أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْقُرْطُبِيِّينَ وَرَأَى غَيْرُهُمْ اسْتِئْنَافَ النَّظَرِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا وَنَصُّهُ إثْرَ قَوْلِ الْعُتْبِيَّة: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي بِكِتَابٍ مِنْ وَالِي مَكَّةَ إلَى وَالِي الْمَدِينَةِ مِثْلُ الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَصِلُ إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَمُوتَ الَّذِي كَتَبَ لَهُ الْكِتَابَ وَقَضَى لَهُ بِالْحَقِّ، قَالَ مَالِكٌ: فَأَرَى لِصَاحِبِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُنَفِّذَ ذَلِكَ الْكِتَابَ وَيَقْضِي لَهُ بِمَا فِيهِ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَاضِيًا قَضَى لِرَجُلٍ ثُمَّ هَلَكَ فَجَاءَ آخَرُ بَعْدَهُ أَكَانَ يَنْقُضُ مَا قَضَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى الْأُصُولِ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهِمَا لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَلَا إشْكَالَ فِي مَعْنَاهَا.
؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُنَفِّذَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ قَضَاءِ حُكَّامِ الْبَلَدِ وَإِنْ قَدْ كَانُوا مَاتُوا أَوْ عُزِلُوا كَمَا يَعْتَقِدُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ قَضَاءِ الْحَاكِمِ قَبْلَهُ بِبَلَدِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمَعْزُولِ وَجَبَ أَنْ تُنَفَّذَ كُتُبُهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ مَاتُوا أَوْ عُزِلُوا قَبْلَ وُصُولِ كُتُبِهِمْ إلَيْهِ وَقَبْلَ انْفِصَالِهَا عَنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيَصِلُ حُكْمَهُ بِحُكْمِهِمْ وَيُبَيِّنُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُنَفِّذُ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَضَى مِنْ عَمَلِ الْحَاكِمِ قَبْلَهُ الْمَعْزُولِ أَوْ الْمَيِّتِ فَيَصِلُ حُكْمَهُ بِحُكْمِهِ وَيَبْنِيهِ عَلَيْهِ وَلَا يَأْمُرُ الْخَصْمَيْنِ بِاسْتِئْنَافِ الْخِصَامِ عِنْدَهُ إنْ كَانَ الشُّهُودُ قَدْ شَهِدُوا عِنْدَ الْمَيِّتِ أَوْ الْمَعْزُولِ بِمَا شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَتَبَ بِهِ إلَى حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ نَظَرَ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ أَوْ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ كَمَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ الْمَيِّتُ أَوْ الْمَعْزُولُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَهِدُوا عِنْدَهُ فَقَبِلَهُمْ أَعْذَرَ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ شَهِدُوا عِنْدَهُ فَأَعْذَرَ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِيهَا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْإِعْذَارَ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى وَهَذَا بَيِّنٌ، انْتَهَى.
وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ حَيْثُ، قَالَ: فَيُنَفِّذُهُ الثَّانِي وَبَنَى كَأَنْ نُقِلَ لِخُطَّةٍ أُخْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ قُضَاة الْكَوْر إذَا غابو عَنْهَا هَلْ يستنبون بِغَيْرِ إِذْن مِنْ وَلَّاهُمْ]
(فَرْعٌ) يَتَضَمَّنُ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ قُضَاةِ الْكَوْرِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا السُّؤَالُ الْعَاشِرُ فَهُوَ فِي قُضَاةِ الْكَوْرِ كَغُدَّةَ وَجَيَّانَ وَوَادِي آشٍ وَأَشْبَاهِهَا يَغِيبُونَ عَنْهَا أَوْ يَمْرَضُونَ أَوْ يَشْتَغِلُونَ هَلْ يَسْتَنِيبُونَ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ وَلَّاهُمْ مِنْ قُضَاةِ
الْقَوَاعِدِ وَكَيْفَ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا مَغِيبٍ إلَّا تَخْفِيفًا عَنْ شُعُوبِ النَّاسِ فَهَلْ تَجُوزُ أَحْكَامُهُمْ وَمُخَاطَبَتُهُمْ غَيْرَهُمْ مِنْ قُضَاةِ الْبَلَدِ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ ضَرْبُ الْآجَالِ أَوْ التَّعْجِيزِ فِي الْمَطَالِبِ وَهَلْ يُقِيمُونَ الْحَدَّ فِي الْخَمْرِ وَفِي الزِّنَا عَلَى الْبِكْرِ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ قُضَاةِ الْقَوَاعِدِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فَكَيْفَ يُعْرَفُ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ بِإِذْنِ قَاضِي الْكُورَةِ أَمْ بِإِعْلَامِ الَّذِي وَلَّاهُ وَهَذَا قَدْ تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَتُهُ بَيِّنْ لَنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بَيَانًا شَافِيًا الْجَوَابُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهُوَ حَاضِرٌ غَيْرُ مَرِيضٍ وَأَمَّا إنْ غَابَ أَوْ مَرِضَ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي قَدَّمَهُ قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ لَهُ فِي تَقْدِيمِهِ إيَّاهُ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ سِيرَةِ أَحْكَامِهِ فِي الْكَوْرِ وَيَنْزِلُ مُسْتَخْلِفُهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ مَنْزِلَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ كِتَابَ تَقْدِيمِهِ إيَّاهُ وَلَا كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا مِنْ سِيرَةِ أَحْكَامِهِ فِي الْكَوْرِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ صُدِّقَ فِي قَوْلِهِ وَجَازَتْ أَحْكَامُ مُسْتَخْلِفِهِ إذْ قَدْ قِيلَ إنَّهُ يَسْتَخْلِفُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ دُونَ إذْنِ الَّذِي قَدَّمَهُ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ وَقَبِلَهُ (قُلْتُ) قُضَاةُ الْكَوْرِ هُمْ النُّوَّابُ الَّذِينَ يَسْتَخْلِفُهُمْ قُضَاةُ الْقَوَاعِدِ فِي الْقُرَى وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ غَيْرُ مَرِيضٍ يُرِيدُ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاضِي الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُسَافِرْ جَازَتْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَوَّلَ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ وَمَنَعَهَا عَلَى إذْنِ الْقَاضِي الَّذِي قَدَّمَهُ دُونَ ضَرُورَةِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ فَأَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَعَ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْ وَلَّاهُ وَمُنِعَ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِذْنِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ حُكْمُ النُّوَّابِ مَعَ مَنْ اسْتَنَابَهُمْ حُكْمَ الْقُضَاةِ مَعَ السُّلْطَانِ فَإِنْ مَنَعَهُمْ الَّذِي قَدَّمَهُمْ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الِاسْتِنَابَةُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَجَازَ لَهُمْ الِاسْتِنَابَةَ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ فَإِنْ كَانَ الْإِذْنُ مُطْلَقًا جَازَتْ الِاسْتِنَابَةُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ جَازَتْ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَإِنْ عَرِيَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الِاسْتِنَابَةُ مُطْلَقًا وَقِيلَ تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ عِنْدَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة شَخْصٌ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ بَلَدًا وَأَعْمَالَهَا وَصَرَّحَ لَهُ بِالْإِذْنِ فِي الِاسْتِخْلَافِ]
(مَسْأَلَةٌ) ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ: لَفْظُ الِاسْتِنَابَةِ وَالِاسْتِخْلَافِ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا مَا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا وَالْأَحْبَاسِ وَالطَّلَاقِ وَالتَّحْجِيرِ وَالْقَسْمِ وَالْمَوَارِيثِ إلَّا أَنْ يَقْصُرَهُ الْقَاضِي عَلَى نَوْعٍ فَلَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ شَخْصٌ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ بَلَدًا وَأَعْمَالَهَا وَصَرَّحَ لَهُ بِالْإِذْنِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فَعَرَضَ لِلْقَاضِي الْمُشَاوَرُ إلَيْهِ سَفَرٌ إلَى بَلَدِ السُّلْطَانِ فَفَوَّضَ جَمِيعَ مَا فَوَّضَهُ لَهُ السُّلْطَانُ لِإِنْسَانٍ وَأَسْنَدَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي وِلَايَتِهِ وَمَشْمُولٌ بِعُمُومِهَا وَصَرَّحَ لَهُ بِالتَّفْوِيضِ وَنَصَبَ النُّوَّابَ وَالْعَزْلَ فَأَقَامَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ قَاضِيًا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ الْمَشْرُوحِ، فَهَلْ اسْتِنَابَةُ الْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ الْمُفَوَّضِ لَهُ لِهَذَا الْقَاضِي صَحِيحَةٌ أَمْ لَا؟ .
وَإِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِنَقْضِ أَحْكَامِ هَذَا الْقَاضِي الْمُشَارِ إلَيْهِ أَمْ لَا فَأَجَابَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ بِمَا نَصُّهُ: قَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الْقَضَاءَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ جَازَ ذَلِكَ وَعُمِلَ بِهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ تَجَرَّدَ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ عَنْ إذْنِ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِخْلَافٌ فَقَالَ شَارِحُهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ أَوْ نَصَّ لَهُ عَلَى عَدَمِهِ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقَاضِي: إنْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْلَافِهِ جَازَ اسْتِخْلَافُهُ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ
لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ اسْتِخْلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِخْلَافًا عَلَى نَفْسِ الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ أَوْ اسْتِخْلَافًا عَلَى تَوْلِيَةِ وَظِيفَةِ الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْغَالِبُ فِي الْفِعْلِ عُرْفًا وَكَوْنُهُ هُوَ الْغَالِبُ فِي الْفِعْلِ عُرْفًا لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ؛ لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ لِلْعَامِّ هُوَ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ عُمُومُهُ فَحَيْثُ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى الْقَاضِي الْقَضَاءَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ كَانَ الْإِذْنُ الْمَذْكُورُ إذْنًا لَهُ فِي اسْتِخْلَافِ مَنْ يُبَاشِرُ الْقَضَاءَ وَالْحُكْمَ لِمَنْ يَصْلُحُ شَرْعًا فَإِذَا فَوَّضَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ لِإِنْسَانٍ مَا فَوَّضَهُ لَهُ السُّلْطَانُ مِنْ الْقَضَاءِ وَمِنْ الِاسْتِخْلَافِ الْمَذْكُورِ كَانَ هَذَا التَّفْوِيضُ مِنْ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ فِي الْقَضَاءِ وَالِاسْتِخْلَافِ صَحِيحًا مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ مِنْ السُّلْطَانِ فَإِذَا اسْتَخْلَفَ هَذَا الْإِنْسَانُ فِي وَظِيفَةِ الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ شَرْعًا كَانَ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا مَعْمُولًا بِهِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ فَأَقْضِيَةُ هَذَا الْمُسْتَخْلَفِ الْأَخِيرِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ صَحِيحَةٌ وَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهَا بِنَقْضٍ وَلَا تَعَقُّبٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، انْتَهَى جَوَابُهُ، وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ.
[فَرْعٌ اسْتِنَابَةِ الْقَاضِي بِغَيْرِ عَمَلِهِ]
(فَرْعٌ) فِي اسْتِنَابَةِ الْقَاضِي بِغَيْرِ عَمَلِهِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سَأَلْت شَيْخَنَا الْإِمَامَ عَنْ مَسْأَلَةٍ نَصُّهَا جَوَابُكُمْ فِي قَاضِي عِمَالَةٍ سَافَرَ إلَى غَيْرِهَا وَقَدْ كَانَ الْمَقَامُ الْعَالِي - أَسْمَاهُ اللَّهُ - أَذِنَ لَهُ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي عِمَالَتِهِ بِخِلَالِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهَا فَسَافَرَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ وَلَمْ يَسْتَنِبْ وَقَدْ كَانَ بَدَأَ الْحُكْمَ فِي قَضِيَّةِ تَدْمِيَةٍ بِشَهَادَةِ عُدُولٍ وَلَمْ يُكْمِلْهَا فَرَغِبَهُ بَعْدَ سَفَرِهِ الْمَذْكُورِ أَهْلُ الْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِاسْتِنَابَةِ فِيهَا حَتَّى يُكْمِلَ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ بِغَيْرِ عِمَالَتِهِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِيهَا مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ أَمْ لَا يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَحُكْمِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، وَكَيْفَ إنْ سَوَّغْتُمْ لَهُ الْإِذْنَ فَهَلْ يَكْفِي خَطُّهُ لِمَنْ اسْتَنَابَهُ وَعَيَّنَهُ لِذَلِكَ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِنَابَةِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ عِمَالَتِهِ؟ فَإِنْ اسْتَنَابَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ كَانَ شَهِدَ عِنْدَهُ الْعُدُولُ فِي التَّدْمِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمِنْ فُصُولِهَا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْمَيِّتَ الْمَذْكُورَ بَرِئَ مِنْ الْجُرْحِ الْمَذْكُورِ إلَى أَنْ مَاتَ فَشَهِدَ عِنْدَ النَّائِبِ عَنْهُ شُهُودُ اسْتِرْعَاءٍ زَكَّاهُمْ عُدُولٌ بِأَنَّ الْمَيِّتَ الْمَذْكُورَ مَاتَ عَنْ صِحَّةٍ بَيِّنَةٍ لَيْسَ مِنْ جُرْحٍ بِحَالٍ فَهَلْ يُعْمَلُ عَلَى هَذِهِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِهَا أَثْبَتَتْ غَيْرَ مَا ذَكَرَتْهُ الْأُولَى وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَعْدَلَ أَمْ لَا فَإِنْ عَمِلَ عَلَى الثَّانِيَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَدَبٌ أَوْ يُسَرَّحُ وَإِنْ حُكِمَ بِأَدَبِهِ فَهَلْ يَكْفِي مَا مَضَى مِنْ سَجْنِهِ وَلَهُ الْيَوْمُ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَسْجُونٌ مُصَفَّدٌ فِي الْحَدِيدِ أَمْ لَا أَفْتِنَا بِالْجَوَابِ فِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ: الِاسْتِنَابَةُ الْمَذْكُورَةُ صَحِيحَةٌ عَامِلَةٌ وَلَا يَدْخُلُهَا الْخِلَافُ الْحَاصِلُ مِنْ نَقْلِ ابْنِ سَهْلٍ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ أَقْرَبُ لِلْحُكْمِ مِنْ مُجَرَّدِ الِاسْتِنَابَةِ وَيَقُومُ جَوَازُهَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعَرِيشِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَثُبُوتِ الْبَيِّنَةِ لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَسْقُطُ حَدُّ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَتَقَدُّمُ حَبْسِهِ الْمَذْكُورِ يُسْقِطُ اسْتِئْنَافَ أَدَبِهِ وَيَكْفِي فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى جَوَابُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ أَخَفُّ مِنْ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ يَشْهَدُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهَا خَطُّ الْقَاضِي وَقَبُولُ قَوْلِهِ إنْ وَقَعَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَقُومُ جَوَازُهَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعَرِيشِ هِيَ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا دُهْنًا مِنْ مِصْرَ إلَى فِلَسْطِينَ فَغَرَّهُ مِنْهَا فَعَثَرَتْ بِالْعَرِيشِ ضَمِنَ قِيمَةَ الدُّهْنِ بِالْعَرِيشِ وَقَالَ غَيْرُهُ: قِيمَتُهُ بِمِصْرَ إنْ أَرَادَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا تَعَدَّى (قُلْتُ) فَإِذَا اُعْتُبِرَ عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ مَحَلُّ الْإِذْنِ فَهَلْ مَحَلُّ الْقَاضِي هُنَا فَلَا يَسْتَنِيبُهَا؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَمَنْ اعْتَبَرَ مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَهُوَ وُقُوعُ الْعُثُورِ فَيُنْظَرُ تَحْصِيلُهُ فَمَتَى مَا حَصَلَ رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا خِلَافًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إعْمَالِ شَهَادَةِ الصِّحَّةِ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ مِنْ مَسَائِلَ، مِنْهَا شَهَادَةُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَيَلِيهَا الْحُكْمُ لِلْأَعْدَلِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَا مَضَى يَكْفِي فِي أَدَبِهِ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِّ عَلَى مَا يَأْتِي إذَا سَقَطَ الدَّمُ بِأَيِّ وَجْهٍ سَقَطَ فَيُؤَدَّبُ بِحَسَبِ
الِاجْتِهَادِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ السَّنَةَ خِلَافَ اخْتِيَارِ ابْنِ رُشْدٍ إذَا قَوِيَ طَلَبُ الدَّمِ ثُمَّ سَقَطَ الْمُوجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ ضَرْبِ مِائَةٍ وَحَبْسِ سَنَةٍ، انْتَهَى.
كَلَامُ الْبُرْزُلِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ هُوَ مَا نَصَّهُ وَسُئِلَ عَمَّنْ يَسْتَنِيبُهُ الْقَاضِي فِي الْمَسْأَلَةِ هَلْ يَكْتَفِي الْمُسْتَنَابُ بِخَطِّهِ إلَى أَمِيرِ الْمِصْرِ أَوْ جَمَاعَتِهِ كَمَا يَكْتَفِي بِخَطِّ السُّلْطَانِ فِي التَّقْلِيدَاتِ كُلِّهَا حَسْبَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ إذْ هِيَ اسْتِنَابَةٌ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ بِشَاهِدَيْنِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِأَيْسَرِ الْأَشْيَاءِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَشَبَهِهِ إذْ لَمْ يَقْتَضِ حُكْمًا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ وَلَوْ نَهَضَ الْمُسْتَنَابُ لِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ لَمَضَى الْأَمْرُ كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ (قُلْتُ) شِبْهُ مَا لَوْ حَكَّمَا رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى.
وَيَقَعُ فِي نُسَخِ الْبُرْزُلِيِّ كَمَا يَكْتَفِي بِخَطِّ السُّلْطَانِ فِي الشَّهَادَاتِ وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي التَّقْلِيدَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَسْأَلَةُ الْعَرِيشِ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِهِ وَفِلَسْطِينُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْعَرِيشُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعٌ، قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ اسْتِعَانَةُ الْقَاضِي بِمِنْ يُخَفِّفُ عَنْهُ النَّظَرَ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَصَايَا وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: وَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِمِنْ يُخَفِّفُ عَنْهُ النَّظَرَ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَصَايَا وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهِ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنُوبُهُ وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ كَالنَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَصَايَا وَالْقِسْمَةِ وَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِهِمْ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَمُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الْمَنَاكِحِ نَاظِرًا يَنْظُرُ فِيهَا وَيَتَوَلَّى عَقْدَ فُصُولِهَا وَمَعَانِيهَا وَيَجُوزُ لَلْمُقَدَّمِ النَّظَرُ فِيمَا قُدِّمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ دُونَ مُطَالَعَةِ مَنْ وَلَّاهُ وَمُشَاوِرَتِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ، ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ، قَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا الْمُقَدَّمِ عِنْدِي فِي الْعَقْدِ عَلَى مَنْ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ يَعْضُلُهَا عَنْ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ عَضْلِهَا وَالْحُكْمِ بِالنِّكَاحِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِعَضْلِهِ وَجْهٌ يُعْرَفُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ هَذِهِ الْخُطَّةِ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي تَقْدِيمِهِ نَصًّا وَمِنْهُ وَلِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى الْحِسْبَةِ نَاظِرًا يَنْظُرُ فِيهَا وَلِلْقَاضِي تَقْدِيمُ صَاحِبِ الْأَحْبَاسِ لِيَنْظُرَ فِي حَبَسَاتِ جَامِعِ حَضْرَتِهِ وَمَسَاجِدِهَا وَإِصْلَاحِ مَا هِيَ مِنْهَا وَكِرَائِهَا وَقَبْضِ غَلَّاتِهَا وَيَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِهَا وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا غِنَى عَنْهَا وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ مَا يُنْظَرُ فِيهِ وَيُقَدَّمُ لَهُ وَتَجُوزُ أَفْعَالُ الْمُقَدَّمِ بِذَلِكَ مَا وَافَقَ السَّدَادَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالْقَضَاءِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِغَيْرِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالْقَضَاءِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَالْإِمَامِ الْأَكْبَرِ، وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَهُ فَلَهُ أَنْ يُوَصِّيَ بِهِ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِ كَالْخَلِيفَةِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُجْبَرِ يَعْنِي فِي النِّكَاحِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِمَامِ الصَّلَاةِ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَهُ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ كَالْقَاضِي وَالْوَكِيلِ وَلَوْ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ أَوْ خَلِيفَةَ الْقَاضِي لِلْأَيْتَامِ وَشِبْهَ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْوَاضِحَةِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ: وَإِمَامِ الصَّلَاةِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ عَزْلَهُ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ فِي الْعَزْلِ مَا نَصُّهُ: الْفَرْعُ السَّابِعُ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْوِلَايَةِ كَالْقَضَاءِ وَالْوَكَالَةِ وَالْخِلَافَةِ وَمِنْهَا مَا يَصِحُّ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ كَالْخَطَابَةِ وَالْإِمَامَةِ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَقْبَلُ الْعَزْلَ مِنْ جِهَةِ الْمُوَلِّي وَالْمُتَوَلِّي، وَالْقِسْمُ الثَّانِي لَا يَقْبَلُ الْعَزْلَ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُتَوَلِّي بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمُوَلِّي؛ لِأَنَّ الْخَطَابَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْمُتَّصِفِ بِهَا حَتَّى تَذْهَبَ أَهْلِيَّتُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ لَا تَكْفِي فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ فَلِعَزْلِهِ نَفْسَهُ أَثَرٌ فَكَانَ مُتَمَكِّنًا وَأَمَّا مَا يُطْلَقُ لِلْخَطِيبِ فَتَرْكُهُ إيَّاهُ
لَيْسَ عَزْلًا وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلْخَلِيفَةِ فِي نَصْبِ الْخَطِيبِ إلَّا تَسْوِيغُهُ الْمُطْلَقُ لِلْخَطَابَةِ لَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَمَنْعَ الْمُزَاحَمَةِ لِلْخَطِيبِ وَالْإِمَامِ بَعْدَ الْوِلَايَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ وِلَايَةً إنَّمَا هُوَ مِنْ صَوْنِ الْأَئِمَّةِ عَنْ أَسْبَابِ الْفِتَنِ وَالْفَسَادِ وَيَظْهَرُ لِهَذَا الْبَحْثِ أَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْخَطِيبِ سَبَبُ الْوِلَايَةِ وَفِي الْقَاضِي وَنَحْوِهِ الْوِلَايَةُ سَبَبُهُ فَبَيْنَ الْبَابَيْنِ فَرْقٌ عَظِيمٌ فَلِذَلِكَ يَقْبَلُ أَحَدُهُمَا الْعَزْلَ مُطْلَقًا دُونَ الْآخَرِ، انْتَهَى.
وَفِي أَسْئِلَةِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَقُولُ فِي الِائْتِمَامِ بِالْمُسْتَخْلِفِ فِي الْإِمَامَةِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ، هَلْ يَجُوزُ (فَأَجَابَ) الِائْتِمَامُ بِالْمُسْتَخْلِفِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ لَا يَتَوَقَّفُ إلَّا عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ فَجَازَ الِائْتِمَامُ بِهِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ بِمَا إلَيْهِ وَأَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي حَيَاتِهِ، قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ لِمُقَدَّمِ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ أَنْ يُوَكِّلَ - مَا جُعِلَ إلَيْهِ - أَحَدًا غَيْرَهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ وَلَا أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَى أَحَدٍ وَهُوَ خِلَافُ: وَصِيّ الْأَبِ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَحَكَى بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ أَنَّ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ إنَّ حُكْمَ مُقَدَّمِ الْقَاضِي عَلَى مَنْ قُدِّمَ عَلَيْهِ كَحُكْمِ الْوَصِيِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَقَامَهُ مَقَامَ الْوَصِيِّ، قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِمُقَدَّمِ الْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَيَاتِهِ مَنْ يَقُومُ عَلَى الْمَحْجُورِ مَقَامَهُ، انْتَهَى.
ص (وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلَفُهُ وَلَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُسْتَخْلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَمُسْتَخْلَفٍ
بِفَتْحِهَا وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فَيَتَنَاوَلُ الْإِمَامَ وَالْأَمِيرَ وَالْقَاضِيَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا عَدَا الْقَاضِي وَنَائِبِهِ فَإِنَّ نَائِبَ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَصَّ عَلَيْهِ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْعَطَّارِ الْخِلَافَ عَنْ فُقَهَاءِ زَمَانِهِ فِي مَوْتِ الْإِمَامِ وَجَعَلُوا مِثْلَهُ مُقَدَّمَ الْقَاضِي لِلنَّظَرِ عَلَى الْأَيْتَامِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَعَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَنَصُّهُ: الْمُتَيْطِيِّ وَلَا يَنْعَزِلُ مُقَدَّمُ الْقَاضِي عَنْ يَتِيمٍ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ابْنُ الْعَطَّارِ اخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاؤُنَا وَلِذَا اسْتَحْسَنُوا ذِكْرَ إمْضَاءِ الثَّانِي تَقْدِيمَهُ، انْتَهَى.
وَنَصُّ الْمُتَيْطِيَّةِ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى تَقْدِيمِ الْقَاضِي نَاظِرُ الْأَحْبَاسِ وَإِذَا مَاتَ الْقَاضِي الْمُقَدَّمُ لَهُ أَوْ عُزِلَ فَتَقْدِيمُهُ تَامُّ حَتَّى يَنْقُضَهُ الْوَالِي الَّذِي بَعْدَهُ لِعِلَّةٍ مَا إمَّا لِاسْتِغْنَاءٍ أَوْ لِرِيبَةٍ تَظْهَرُ مِنْ الْمُقَدَّمِ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ فِيمَا يَدْفَعُهُ مِنْ النَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَعْزِلَ الْوَالِي الثَّانِي أَنَّ الْوَالِيَ أَمْضَاهُ إذْ لَيْسَ يَنْفَسِخُ تَقْدِيمُ قَاضٍ بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ حَتَّى يَنْقُضَهُ الْوَالِي بَعْدَهُ وَبِهِ صَرَّحَ عَنْ فَسْخِهِ وَعَزْلِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمُفْتِيَ أَوْ الْمَعْزُولَ قَدَّمَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ التَّقْدِيمُ فَذَلِكَ عَلَى التَّمَامِ حَتَّى يَنْقُضَهُ الْوَالِي بَعْدَهُ لِعِلَّةٍ مَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَتَقْدِيمُهُ مِنْ نَظَرِ أَحْكَامِهِ الَّتِي لَا تُنْقَضُ بِمَوْتِهِ وَلَا بِعَزْلِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ وَقَدْ قَدَّمَ قُضَاةً وَحُكَّامًا، فَأَقْضَيْتُهُمْ نَافِذَةٌ وَأَحْكَامُهُمْ جَائِزَةٌ فِيمَا بَيْنَ مَوْتِ الْأَوَّلِ وَقِيَامِ الثَّانِي وَكَذَا بَعْدَ قِيَامِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُنَفِّذَ لَهُمْ الْوِلَايَةَ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وُلَاةِ الْأَيْتَامِ يُقَدِّمُهُمْ الْقَاضِي ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُعْزَلُ، فَتَقْدِيمُهُ لَهُمْ مَاضٍ وَفِعْلُهُمْ جَائِزٌ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُمْضِيَهُ الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا وَاخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاؤُنَا وَفِيهَا اخْتِلَافٌ، قَدْ قِيلَ إنَّ أَحْكَامَهُمْ فِي الْفَتْرَةِ غَيْرُ نَافِذَةٍ وَيُنْقَضُ مَا حَكَمُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْضِيَ الْإِمَامُ الْقَائِمُ تَقْدِيمَهُمْ وَوِلَايَتَهُمْ، قَالَ: وَتَنْعَقِدُ عِنْدَهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فِي أَمْرِ الْمُقَدَّمِينَ لِلْأَيْتَامِ أَنْ يَذْكُرَ إمْضَاءَ الْقَاضِي الثَّانِي لِلتَّقْدِيمِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَيُوجَدُ هَذَا الْعَقْدُ فِي الْوَثَائِقِ الْقَدِيمَةِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ الشُّيُوخُ قَدِيمًا عَقْدَهُ إلَّا لِلِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهِ فَيَخْرُجُ بِذِكْرِهِ مِنْ الْخِلَافِ، قَالَ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّ أَحْكَامَ الْحُكَّامِ نَافِذَةٌ قَبْلَ إمْضَاءِ الْإِمَامِ الْوَالِي لِوِلَايَتِهِمْ أَحْسَنُ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ انْعِزَالِ نَائِبِ الْقَاضِي بِمَوْتِ الْقَاضِي صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْقَاضِي اسْتَنَابَهُ بِمُقْتَضَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ اسْتَنَابَ رَجُلًا مُعَيَّنًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ الْأَمِيرِ أَوْ الْخَلِيفَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَزِلَ ذَلِكَ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّيَابَةِ إذْنًا مُطْلَقًا فَاخْتَارَ الْقَاضِي رَجُلًا فَفِي انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَظَرٌ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ نَائِبِ الْقَاضِي فِي انْعِزَالِهِ وَبَيْنَ نَائِبِ الْأَمِيرِ فِي عَدَمِ انْعِزَالِهِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ فَضْلٌ وَغَيْرُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ: وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَمِيرِ مَدِينَةٍ كَتَبَ إلَى الْأَمِيرِ الْأَعْلَى فِي تَقْدِيمِ قَاضٍ وَعَيَّنَ رَجُلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ فَفَعَلَ وَكَتَبَ لَهُ صَكًّا بِتَقْدِيمِهِ عَلَى أَمْرِ الْأَمِيرِ الْأَعْلَى فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ وَلَّى صَاحِبَ مُنَاكِحٍ فَحَكَمَ بِطُولِ حَيَاةِ الْقَاضِي وَهُوَ يَعْلَمُ الْأَمِيرَ فَمَاتَ الْقَاضِي وَبَقِيَ صَاحِبُ الْمَنَاكِحِ عَلَى خُطَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَهُ وَالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ لِلنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ فَهَلْ تُحْتَرَمُ أَحْكَامُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْقَاضِي أَوْ تُفْسَخُ فَأَجَابَ لَا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى خُطَّتِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ مَنْ وَلِي بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَفِعْلُهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ (قُلْتُ) ؛ لِأَنَّ مَنْ وَلَّى الْقَاضِي الْأَوَّلُ مُطَّلِعٌ عَلَى تَقْدِيمِ هَذَا فَكَأَنَّهُ قَدَّمَهُ، وَمِثْلُهُ مُقَدَّمُ الْقَاضِي عَلَى مَحْجُورِهِ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي فَالْمُقَدَّمُ عَلَى حَالِهِ لَا يُغَيَّرُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ الْقَاضِي فِي غَيْرِهِ وَتَقَرَّرَ حُكْمُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ مَاضٍ لَا يُغَيِّرُهُ عَزْلُهُ وَلَا مَوْتُهُ، انْتَهَى.
وَفِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَمِنْ حَقِّ الْوَصِيِّ إذَا عَزَلَهُ غَيْرُ الَّذِي قَدَّمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْقَاضِي الَّذِي عَزَلَهُ الْوَجْهَ
الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ عَزَلَهُ وَأَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ عَزْلَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ إلَّا بِأَمْرٍ يَثْبُتُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الَّذِي وَلَّاهُ فَإِنْ كَانَ عَزْلُهُ بِأَمْرٍ رَآهُ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَزْلُهُ لِجُرْحَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَعْتَذِرَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ عَزَلَ الْوَصِيُّ نَفْسَهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْيَتِيمِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْأَقْضِيَةِ عَزَلَ الْقَاضِي مَنْ قَدَّمَهُ غَيْرَهُ مِنْ قَاضٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَعَزَلَ نَفْسَهُ.
ص (وَتَحْكِيمِ غَيْرِ خَصْمِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَهُ فَثَالِثُهَا يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ صَحِيحَةٌ حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ مَاضٍ وَحَكَى بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَمْضِي لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى نَفْيِ الْخِلَافِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَجَزَمَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ بِالْجَوَازِ فَقَالَ: مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا جَازَ وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا وَلَيْسَ تَحْكِيمُ الشَّخْصِ خَصْمَهُ كَتَحْكِيمِ خَصْمِ الْقَاضِي، قَالَ أَصْبَغُ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَلْيَذْكُرْ فِي حُكْمِهِ رِضَاهُ بِالتَّحَاكُمِ إلَيْهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ فَرْحُونٍ جَازَ وَمَضَى هَلْ مَعْنَاهُ جَازَ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ فَتَأَمَّلْهُ
ص (وَجَاهِلٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ وَاللَّخْمِيُّ إلَى أَنَّ الْجَاهِلَ يَتَّفِقُ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ تَحْكِيمَهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حُكْمُ الْمُحَكِّمِ إذَا كَانَ مَالِكِيًّا وَالْخَصْمَانِ كَذَلِكَ إذَا خَرَجَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِاجْتِهَادِهِ عَنْ ذَلِكَ لَزِمَ، انْتَهَى.
وَفِي التَّبْصِرَةِ لِابْنِ فَرْحُونٍ إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ إذَا كَانَ الْمُحَكِّمُ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ عَامِّيًّا وَاسْتَرْشَدَ الْعُلَمَاءُ فَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يَسْتَرْشِدْ رُدَّ وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ قَائِلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخَاطُرٌ مِنْهُمَا وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يُحَكَّمُ إلَّا مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ الْمُحَكِّمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ مَالِكِيًّا وَلَمْ يَخْرُجْ بِاجْتِهَادِهِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَزِمَ حُكْمُهُ وَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَلْزَمْ إذَا كَانَ الْخَصْمَانِ مَالِكِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُحَكِّمَاهُ عَلَى أَنْ يُخَرِّجَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَا شَافِعِيَّيْنِ أَوْ حَنَفِيَّيْنِ وَحَكَّمَاهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ إنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ آخِرَ كَلَامِهِ مَعَ أَوَّلِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَخِيرَ مُقَيِّدٌ لِلْأَوَّلِ وَظَاهِرُهُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مَالِكِيًّا وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ لَزِمَ حُكْمُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إذَا كَانَ الْخَصْمَانِ مَالِكِيَّيْنِ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا شَافِعِيَّيْنِ وَحَكَمَ
بَيْنَهُمَا بِمَذْهَبِهِمَا وَتَرَكَ مَذْهَبَهُ لَزِمَ حُكْمُهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَ مَا نَقَلَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاجْتِهَادِ الِاجْتِهَادُ فِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَا الِاجْتِهَادُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، انْتَهَى.
وَفِي الْعُمْدَةِ وَإِذَا حَكَّمَا رَجُلًا وَرَضِيَا بِحُكْمِهِ لَزِمَهُمَا حُكْمُهُ إذَا كَانَ جَائِزًا شَرْعًا وَإِنْ خَالَفَ حُكْمَ الْبَلَدِ بِخِلَافِ التَّحْكِيمِ فِي الشَّهَادَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، انْتَهَى.
يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا قَالَ: مَا شَهِدَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ حَقٌّ.
ص (وَمَضَى إنْ حَكَمَ صَوَابًا وَأُدِّبَ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ سَوَاءٌ أَنَفَّذَ الْحُكْمَ أَمْ لَمْ يُنَفِّذْهُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَرَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي يُنَفِّذُهُ وَاَلَّذِي حَكَمَ بِهِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّ الْأَدَبَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا أَنْفَذَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ أَمَّا إذَا حَكَمَ وَلَمْ يَنْفُذْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ وَنَصُّ مَا فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ أَصْبَغُ: إذَا حَكَمَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ فَعَلَ الْمُحَكِّمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أَوْ اقْتَصَّ أَوْ حَدَّ ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ أَدَبَهُ السُّلْطَانُ وَزَجَرَهُ وَأَمْضَى مَا كَانَ صَوَابًا مِنْ حُكْمِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَحْنُونٍ وَزَادَ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ وَبَقِيَ الْمَحْدُودُ مَحْدُودًا وَالتَّدَاعِي مَاضِيًا اهـ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي صَبِيٍّ وَعَبْدٍ إلَخْ) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ ابْنُ رُشْدٍ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا رَجُلًا وَالْمُسْتَثْنَى فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى حَالِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَضَرْبِ خَصْمٍ لَدَّ)
ش: قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَ الْخَصْمَ إذَا تَبَيَّنَ لَدَدُهُ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إذَا تَبَيَّنَ لَدَدُهُ مَعْنَاهُ إذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ إذْ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلَيْنِ إذَا اخْتَصَمَا وَلَدَّ أَحَدُهُمَا فَعَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُ الْقَاضِي أَتَرَى أَنْ يُعَاقِبَهُ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْهُ وَنَهَاهُ فَأَرَى أَنْ يُعَاقِبَهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا، قَالَ: لِأَنَّ لَدَدَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ إذَايَةٌ لَهُ وَإِضْرَارٌ بِهِ وَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُفَّ أَذَى بَعْضِ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ وَيُعَاقِبَ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ، فَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَنْعُ الْخُصُومِ مِنْهَا: إنَّ الْغَرِيمَ إذَا دَعَا غَرِيمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ أَدَّبَهُ وَجَرَّحَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنْ تَغَيَّبَ شَدَّدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ، وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ فَإِنْ تَغَيَّبَ الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، اللَّخْمِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْفَخَارِ: وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَهُمْ الْأَوَّلُ وَانْظُرْ أَحْكَامَ ابْنَ سَهْلٍ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْرِمُهُ وَيُضْجِرُهُ وَيُحَيِّرُهُ، انْتَهَى.
ص (وَعَزْلِهِ لِمَصْلَحَةٍ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَيَجِبُ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ حَالَ قُضَاتِهِ فَيَعْزِلُ مَنْ فِي بَقَائِهِ مَفْسَدَةٌ وُجُوبًا فَوْرًا وَمَنْ يُخْشَى مَفْسَدَتُهُ اسْتِحْبَابًا وَمَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَزْلُهُ رَاجِحٌ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا كَانَ فِي الْعَزْلِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَامَّةِ أَمَرَ الْإِمَامُ بِالْمُنَادَاةِ إلَيْهِ وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامُ أَفْضَلَ مِمَّنْ وَلِي فَلَهُ عَزْلُهُ لِتَوَلِّيَةِ الْأَفْضَلِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ هُوَ دُونَهُ فَلَا يَعْزِلُهُ فَإِنْ عَزَلَهُ فَلَا يَنْفُذُ عَزْلُهُ (قُلْتُ) فِي عَدَمِ نُفُوذِ عَزْلِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لَغْوِ تَوْلِيَتِهِ غَيْرَهُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ
الْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى.
ص (وَلَمْ يَنْبَغِ إنْ شَهَرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ)
ش: مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ شَهَرَ عَدْلًا أَنَّ غَيْرَ الْمَشْهُورِ عَدَالَتَهُ يُعْزَلُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَنَصُّهُ: وَعَزْلُهُ بِالشِّكَايَةِ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي وُجُوبِهِ بِهَا أَوْ الْكَتْبِ إلَى صَالِحِي بَلَدِهِ لِيَكْشِفُوا عَنْ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ وَإِلَّا عُزِلَ (ثَالِثُهَا) إنْ وَجَدَ بَدَلَهُ وَإِلَّا فَالثَّانِي لِلشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ وَمُطَرِّفٍ، انْتَهَى.
ص (وَخَفِيفِ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ مَالِكٌ: كَالْخَمْسَةِ الْأَسْوَاطِ وَالْعَشَرَةِ، انْتَهَى.
ص (لَا حَدٍّ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ الْحُدُودَ وَشِبْهَهَا أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إهَانَةً لَهُ وَاَللَّهُ يَقُولُ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] ، وَقَوْلُهُ وَشِبْهَهَا يَعْنِي التَّعْزِيرَاتِ الْكَثِيرَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُنَجِّسُ الْمَسْجِدَ وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لَهُ، انْتَهَى.
.
ص (وَجُلُوسٍ بِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ فِي زَمَانِنَا الْيَوْمَ الْكَرَاهَةُ وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: الرِّحَابُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ الْخُصُومَاتِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: الْمُسْتَحَبُّ الرِّحَابُ الْخَارِجَةُ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ، ثُمَّ قَالَ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: يُسْتَحَبُّ جُلُوسُهُ فِي الرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ فَوَافَقَ الْبَاجِيَّ وَاللَّخْمِيَّ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ وَابْنَ رُشْدٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالُوهُ وَيَعْضُدُهُ قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُهُ مِنْ الْقُضَاةِ لَا يَجْلِسُونَ إلَّا فِي الرِّحَابِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ عِنْدَهُ مُقَدَّمٌ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ]
(فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ الْوَرَقَتَيْنِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَتَضَاحَكَ مَعَ النَّاسِ، انْتَهَى.
ص (بِغَيْرِ عِيدٍ إلَى آخِرِهِ) ش عَدَمُ جُلُوسِهِ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْبَغِي وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ شُهُودِ الْمِهْرَجَانِ وَحُدُوثِ مَا يَعُمُّ مِنْ سُرُورٍ أَوْ ضَرَرٍ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبُدِئَ بِمَحْبُوسٍ إلَخْ) ش كَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ الْكَشْفَ عَنْ الشُّهُودِ وَالْمُوَثَّقِينَ فَيَعْرِفُ حَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ