ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يُدْعَوْا إلَى التَّقْوَى وَالْكَفِّ فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا وَإِنْ عَاجَلُوا قُوتِلُوا، وَأَنْ يُعْطَوْا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ إنْ طَلَبُوهُ كَالثَّوْبِ وَالطَّعَامِ وَمَا خَفَّ وَلَمْ يُقَاتِلُوا.
وَلَمْ يَرَ سَحْنُونٌ أَنْ يُعْطَوْا شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ وَلَا أَنْ يُدْعَوْا وَقَالَ هَذَا وَهْنٌ، يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ وَلْيُظْهَرْ لَهُمْ الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ وَالْقِتَالُ بِالسَّيْفِ فَهُوَ أَكْسَرُ لَهُمْ وَأَقْطَعُ لِطَمَعِهِمْ.
ذَهَبَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَحْسَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ يُصْلَبُ)
ش: هَذَا خَاصٌّ بِالرَّجُلِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَحَدُّهَا صِنْفَانِ: الْقَطْعُ مِنْ خِلَافٍ، وَالْقَتْلُ.
وَيَسْقُطُ عَنْهَا ثَالِثٌ وَهُوَ الصَّلْبُ وَيُخْتَلَفُ فِي رَابِعٍ وَهُوَ النَّفْيُ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ.
ص (أَوْ يَنْفِي الْحُرَّ)
ش: لَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَعَ النَّفْي ضَرْبًا وَذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ النَّفْيِ مِنْ الضَّرْبِ.
وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلِغَيْرِهِمَا: وَلِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ وَيَضْرِبُهُمَا إنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ (إنْ شَاءَ) ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبِهِ؛ لِقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ بِحَضْرَةِ الْخُرُوجِ وَلَمْ يُخِفْ السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ فَهَذَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِأَيْسَرِ الْحُكْمِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
وَذَلِكَ الضَّرْبُ وَالنَّفْيُ مَا ذَكَرَهُ أَنْسَبُ بِمَذْهَبِ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ جَلْدَهُ مَعَ النَّفْيِ لَضَعِيفٌ.
وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ لِمَا خُفِّفَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ لَمْ أَعِبْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ.
أَيْ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ.
انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي لُزُومِ الضَّرْبِ وَالنَّفْيِ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ ضَرْبُهُ قَبْلَ النَّفْيِ اسْتِحْسَانٌ كَمَا قَالَ أَشْهَبُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّجْمِ مِنْهَا وَلَا يُنْفَى الرَّجُلُ وَمِنْهَا لَا يُنْفَى الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَّا فِي الزِّنَى وَفِي حِرَابَةٍ فَيُسْجَنَانِ جَمِيعًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ يُسْجَنُ الزَّانِي سَنَةً وَالْمُحَارِبُ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الضَّرْبِ وَفِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُحَارِبِينَ وَلَكِنْ يَجْتَهِدُ فِي نَفْيِهِ وَضَرْبِهِ فَظَاهِرُهُ أَوْ نَصُّهُ ثُبُوتُ الضَّرْبِ انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ قَدْرُ ضَرْبِ الْمُحَارَب]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَدْرُ الضَّرْبِ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ كَمَا فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي ضَرْبِهِ وَنَفْيِهِ أَمَّا فِي ضَرْبِهِ فَعَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ وَكَثْرَةِ مُقَامِهِ فِي فَسَادِهِ وَأَمَّا فِي نَفْيِهِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْفَسَادِ نَفَاهُ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْفَسَادِ فَإِلَى بَلَدٍ قَرِيبٍ وَأَقَلُّهُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَيْسَ لِجَلْدِهِ حَدٌّ إلَّا الِاجْتِهَادُ مِنْ الْإِمَامِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) نُصُوصُ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُحَارِبَ إذَا نُفِيَ سُجِنَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَنْتَفِي إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يُخْشَى هُرُوبُهُ أَمْ لَا.
وَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى آيَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ يُخَافُ هُرُوبُهُ أَوْ لَا يَخَافُ هُرُوبَهُ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) وَهَلْ يُجْعَلُ فِي عُنُقِهِ الْحَدِيدُ؟ اُنْظُرْ تَبْصِرَةَ ابْنِ فَرْحُونٍ.
ص (وَبِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ)
ش: يُرِيدُ أَوْ الصَّلْبِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَمَّا إنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَلَا تَخْيِيرَ لِلْإِمَامِ فِي قَطْعِهِ وَلَا فِي نَفْيِهِ وَإِنَّمَا لَهُ التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافٍ.
اهـ اُنْظُرْ آخِرَ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ يُنَاقِضُ أَوَّلَهُ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَخَذَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَلْيَقْتُلْهُ وَلَا يَقْطَعْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَأَمَّا الصَّلْبُ مَعَ الْقَتْلِ فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ بِأَشْنَعِ مَا يَرَاهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَلَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ خِلَافًا لِأَبِي مُصْعَبٍ وَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا إذَا كَانَ حَدَّانِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ فَيَكُونُ الْآخَرُ دَاخِلًا فِي الْقَتْلِ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى أَبِي حَنِيفَة فِي قَوْلِهِ إنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صَلَبَهُ
وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ وَلَا قَطْعٍ انْتَهَى.
وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ الرَّجْرَاجِيِّ نَحْوُ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ: إنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِي ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَا فِي قَطْعِهِ وَلَا فِي نَفْيِهِ وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ نَفْيِهِ انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يُنَاقِضُ آخِرَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَهْوٌ وَتَصْحِيفٌ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي قَتْلِهِ وَفِي قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ سَهْوٌ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى ذَلِكَ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ وَلَا قَطْعٍ وَبَيْنَ صَلْبِهِ مَعَ قَتْلِهِ وَبَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ ثُمَّ قَتْلِهِ فَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ يَعْنِي بِهِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَالْقَتْلُ.
يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ يُرَدُّ بِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَمَّا الصَّلْبُ مَعَ الْقَتْلِ إلَخْ وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مَعَ قَتْلِهِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَا رِجْلُهُ.
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ مَعَ الْقَتْلِ قَطْعَ يَدٍ وَلَا رِجْلٍ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ حَدٌّ لِلْمُحَارِبِ فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ أَتَى الْمُحَارِبُ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) مَنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَ غِيلَةً ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ اُنْظُرْ ابْنَ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَرَفَ بِالْحِرَابَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَتَى الْمُحَارِبُ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُدُودِ الْحِرَابَةِ وَثَبَتَ لِلنَّاسِ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ ثُمَّ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ فِيمَنْ قَتَلَ وَكَذَلِكَ الْمَجْرُوحُ فِي الْقِصَاصِ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَتَلُوا رَجُلًا؛ وَلِيَ أَحَدُهُمْ قَتْلَهُ وَبَاقِيهِمْ عَوْنٌ لَهُ فَيُؤْخَذُونَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قُتِلُوا كُلُّهُمْ وَإِنْ تَابُوا قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذُوا دُفِعُوا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَيَقْتُلُونَ مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ وَيَعْفُونَ عَمَّنْ شَاءُوا وَأَخَذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا.
ص (وَغَرِمَ كُلٌّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا) ش قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَاب الْغَصْبِ: إذَا اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فِي الْغَصْبِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ الْحِرَابَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
ضَامِنٌ لِجَمِيعِ مَا أَخَذُوهُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ قَوِيَ بِبَعْضٍ كَالْقَوْمِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ فَيُقْتَلُ جَمِيعُهُمْ بِهِ وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ أَحَدُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لِقَتْلَتِهِمْ بِهِ جَمِيعًا انْتَهَى.
قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ لَتَجَشَّمْت لِقَاءَهُ وَحُكْمُ الرَّدِّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْإِسْلَامِ حُكْمُ الْمُقَاتِلِ وَكَذَلِكَ رَدُّ الْمُحَارِبِينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ.
ص (وَسَقَطَ حَدُّهَا بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
وَإِذَا سَقَطَ حَدُّ الْحِرَابَةِ بِالتَّوْبَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْآدَمِيِّينَ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب السُّكْر]
بَابٌ (بِشُرْبِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ إلَى قَوْلِهِ: ثَمَانُونَ بَعْدَ صَحْوِهِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى إذَا أُخِذَ السَّكْرَانُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ قَدْ سَكِرَ وَتَسَلَّطَ بِسُكْرِهِ وَآذَى النَّاسَ أَوْ رَوَّعَهُمْ بِسَيْفٍ شَهَرَهُ أَوْ حِجَارَةٍ رَمَاهَا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ أَحَدًا أَنْ تُعَظَّمَ عُقُوبَتُهُ بِضَرْبِ حَدِّ السُّكْرِ ثُمَّ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَمِائَةً وَالْمِائَتَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْحَدُّ مِنْهُمَا وَفِيهِمَا انْتَهَى.
ص (أَوْ شَمَّ) ش: اُنْظُرْ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ بِالشَّمِّ مِمَّنْ شَرِبَهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ
أَوْ حَالِ عِصْيَانِهِ وَقَدْ قَالُوا إنَّ مَنْ حُدَّ فِي حَدٍّ لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُ.
ص (أَوْ إسَاغَةً)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ شُرْبُهَا لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنَّفِ نَحْوُ هَذَا فِي فَصْلِ الْمُبَاحِ طَعَامٌ طَاهِرٌ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَجَزْمُ ابْنِ عَرَفَةَ بِحُرْمَتِهَا لِلْإِسَاغَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَنَصَّهُ.
أَشْهَبُ: الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ شُرْبُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مَا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ مُخْتَارًا لَا لِضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرَ فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلَا ذِي غُصَّةٍ وَإِنْ حَرُمَتْ وَلَا غَالِطَ ثُمَّ قَالَ وَالْمَكْرَهُ لَا يُحَدُّ لِوُضُوحِ الشُّبْهَةِ أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِعُمُومِ اعْتِبَارِهِ فِي الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ وَلَا الْمُضْطَرُّ لِلْإِسَاغَةِ لِوُضُوحِ الشُّبْهَةِ.
الشَّيْخُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الْخَمْرَ.
الْبَاجِيُّ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ غَصَّ بِطَعَامٍ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ إنَّ لَهُ أَنْ يَحُوزَهُ بِالْخَمْرِ.
قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ.
ص (وَالْحُدُودُ بِسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يَجُوزُ الضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ بِقَضِيبٍ وَلَا شِرَاكٍ وَلَا دِرَّةٍ وَلَكِنْ السَّوْطُ.
وَإِنَّمَا كَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ لِلْأَدَبِ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ قَرَّبَ السَّوْطَ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّوْطِ وَلِأَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ ضُرِبَ عَلَى ظَهْرِهِ بِالدِّرَّةِ أَجْزَأَهُ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ انْتَهَى.
وَنَصُّ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ الْمَذْكُورُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ عَبْدَهُ الْحَدَّ فِي الزِّنَى بِالدِّرَّةِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ إنْ كَانَ ضَرْبُهُ فِي الظَّهْرِ أَجْزَأَهُ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى الْمُشَارِ إلَيْهِ.
وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ زَنَى عَبْدُهُ فَضَرَبَهُ خَمْسِينَ ضَرْبَةً بِغَيْرِ سَوْطٍ هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِّ؟ قَالَ قَالَ مَالِكٌ لَا يُضْرَبُ الْحَدُّ إلَّا بِالسَّوْطِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ سَأَلَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِّ؟ فَلَمْ يُجِبْ عَلَى ذَلِكَ وَحَكَى لَهُ مَا قَالَ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُضْرَبُ إلَّا بِالسَّوْطِ وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ هَذَا إنَّهُ إنْ ضَرَبَهُ فِي الزِّنَى بِالدِّرَّةِ فِي ظَهْرِهِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ عَلَى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَضْرِبَ الْحُدُودَ بِالسِّيَاطِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِ الضَّرْبُ بِالسِّيَاطِ إذَا ضُرِبَ بِالدِّرَّةِ إذْ قَدْ يَكُونُ مِنْ الدِّرَرِ مَا هُوَ أَوْجَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاطِ فَلَا يَجْمَعُ عَلَيْهِ حَدَّيْنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدِّرَّةُ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا لَطِيفَةً لَا تُؤْلِمُ وَلَا تُوجِعُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْحَدِّ بِالسَّوْطِ انْتَهَى.
مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ فِي الْقَذْفِ وَقَوْلُهُ مُعْتَدِلَيْنِ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُوتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ حَدِيدٍ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلَانَ فَأَمَرَ بِهِ أَيْ بِالشَّخْصِ الْمَحْدُودِ فَحُدَّ.
قَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: التَّمْرَةُ الطَّرَفُ يُرِيدُ أَنَّ طَرَفَهُ مَحْدُودٌ لَمْ تَنْكَسِرْ حِدَّتُهُ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلَا يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ انْكَسَرَتْ حِدَّتُهُ وَلَمْ يَخْلَقْ وَلَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغًا لَا يَأْلَمُ مَنْ ضُرِبَ بِهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُحَدُّ بِسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ وَالضَّرْبُ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَإِنَّمَا يَضْرِبُ بِالسَّوْطِ وَصِفَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِلْدٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ لَهُ رَأْسَانِ وَأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ لَيِّنًا وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَلَا يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ عُقْدَةَ التِّسْعِينَ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى انْتَهَى.
ص (بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّالِثِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ عَذَابِ اللُّصُوصِ بِالرَّهْنِ وَبِهَذِهِ الْخَنَافِسِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى بُطُونِهِمْ فَقَالَ لَا يَحِلُّ هَذَا إنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوْ السِّجْنُ إنْ لَمْ يَجِدْ فِي ظَهْرِهِ مَضْرَبًا فَالسِّجْنُ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَجِدْ فِي ظَهْرِهِ مَضْرَبًا أَتَرَى أَنْ يُسْطَحَ فَيُضْرَبَ فِي أَلْيَتَيْهِ؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا أَرَى ذَلِكَ إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك إنَّمَا هُوَ
الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنُ.
قَالَ فَقِيلَ أَرَأَيْت إنْ مَاتَ أَيْضًا بِالسَّوْطِ قَالَ إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَاقَبَ أَحَدٌ فِيمَا تَلْزَمُهُ فِيهِ الْعُقُوبَةُ إلَّا بِالْجَلْدِ أَوْ السِّجْنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَأَمَّا تَعْذِيبُ أَحَدٍ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعَذَابِ فَلَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَالْأَدَبُ أَنْ يُقَنَّعَ بِالسَّوْطِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ يُضْرَبَ بِالدِّرَّةِ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ عَلَى قَدَمَيْهِ وَلَا يُسْطَحُ أَحَدٌ عَلَى بَطْنِهِ فِي أَدَبٍ وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى مِنْ بَابِ الْقَذْفِ.
ص (وَجُرِّدَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ)
ش: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ رَاجِعًا إلَى الْمَرْأَةِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ عَلَيْهَا ثَوْبَانِ فِي الْحَدِّ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِمَا وَيُنْزَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (وَعَزَّرَ الْإِمَامُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي
فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ: الْأَدَبُ يَتَغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَمَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الْكَعْبَةِ أَخَصُّ مِمَّنْ عَصَاهُ فِي الْحَرَمِ وَمَنْ عَصَاهُ فِي الْحَرَمِ أَخَصُّ مِمَّنْ عَصَاهُ فِي مَكَّةَ وَمَنْ عَصَاهُ فِي مَكَّةَ أَخَصُّ مِمَّنْ عَصَاهُ خَارِجَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ يَلْزَمُ التَّعْزِيرُ لِمَنْ سَرَقَ مَالًا قُطِعَ فِيهِ، وَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَوَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمْنَاءِ وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ وَلِلْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَالْغِشِّ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْعَمَلِ بِالرِّبَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالتَّحْلِيلِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى نِكَاحِ السِّرِّ وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ فَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ وَتَلْزَمُ الْعُقُوبَةُ عَلَى مَنْ حَمَى الظَّلَمَةَ وَذَبَّ عَنْهُمْ وَمَنْ دَفَعَ عَلَى شَخْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَمَنْ يَحْمِي قَاطِعَ الطَّرِيقِ أَوْ سَارِقًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ يَحْمِيهِ وَيَمْنَعُهُ عَاصٍ لِلَّهِ وَتَجِبُ عُقُوبَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَيَنْزَجِرَ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْضَارُهُ إلَى مَنْ يَظْلِمُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ أَوْ يَتَجَاوَزُ فِيهِ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا فَهَذَا لَا يُحْضِرُهُ وَلَكِنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ وَيَرْتَدِعُ عَنْ حِمَايَتِهِ وَالدَّفْعِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَمِنْهُ وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ وَمَنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَنْ نَكَحَ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ وَمَنْ قَامَ بِشَكِيَّةِ بَاطِلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبُ وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَهُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَالْأَحْبَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه التَّأْدِيبَ فِي الْمَكْرُوهِ]
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا أَدَبَ فِيهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى تَأْدِيبِ الْحَالِفِ بِهِمَا وَلَا يَكُونُ الْأَدَبُ فِي الْمَكْرُوهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ اللِّبَاسِ: وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي تَارِكِ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ وَالْأَدَبِ: إنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُقَبَّحَ لَهُ فِعْلُهُ وَأَنْ يُذَمَّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ وَإِلَّا هُجِرَ مِنْ أَجْلِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ خِلَافِ السُّنَّةِ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ فِي رَسْمِ الْجَنَائِزِ وَالصَّيْدِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الذَّبَائِحِ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ التَّأْدِيبَ فِي الْمَكْرُوهِ.
اهـ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِشَخْصٍ أَضْجَعَ شَاةً يَذْبَحُهَا وَجَعَلَ يَحِدُّ الشَّفْرَةَ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: هَلَّا حَدَدْتهَا أَوَّلًا أَوْ كَمَا قَالَ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ يُؤَدَّبُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُجَرَّحُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ وَأَنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الْمَسْنُونِ أَوْ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ فَهُوَ الَّذِي يُؤَدَّبُ وَيُجَرَّحُ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ ذَلِكَ مَرَّةً لَمْ يُؤَدَّبْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَة التَّعْزِيرِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْحُدُودُ وَاجِبَةُ الْإِقَامَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْزِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ وَجَبَ كَالْحُدُودِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مَصْلَحَةٌ مِنْ الْمَلَامَةِ وَالْكَلَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ انْتَهَى.
[مسالة الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةُ فِيهَا]
ثُمَّ قَالَ (مَسْأَلَةٌ) وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ التَّعْزِيرِ وَالشَّفَاعَةُ فِيهَا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَانْفَرَدَ بِهِ حَقُّ السَّلْطَنَةِ كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ مُرَاعَاةُ حُكْمِ الْأَصْلَحِ فِي الْعَفْوِ وَالتَّعْزِيرِ وَلَهُ التَّشْفِيعُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ (لِتَشْفَعُوا وَلِتُؤْجَرُوا) : وَالشَّفَاعَةُ لِأَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالرَّغَبَاتِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مَشْرُوعَةٌ مَحْمُودَةٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا بِشَهَادَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَشَهَادَةِ كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: 85] الْآيَةَ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ مَعُونَةَ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَالٍ لِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فِيهَا أَجْرٌ وَفِي عُمُومِهِ الشَّفَاعَةُ لِلْمُذْنِبِينَ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا حَدَّ فِيهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ وَلَهُ قَبُولُ الشَّفَاعَةِ فِيهِ وَالْعَفْوُ إذَا رَأَى ذَلِكَ كَمَا لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ ابْتِدَاءً وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الْفَلْتَةُ وَالزَّلَّةِ وَفِي أَهْلِ السَّتْرِ وَالْعَفَافِ أَوْ مَنْ طَمِعَ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ مِنْ الْعُقُوبَةِ أَنْ تَكُونَ لَهُ تَوْبَةٌ وَأَمَّا الْمُصِرُّونَ عَلَى فَسَادِهِمْ الْمُشْتَهِرُونَ فِي بَاطِلِهِمْ فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ لِأَمْثَالِهِمْ وَلَا تَرْكُ السُّلْطَانِ عُقُوبَتَهُمْ لِيَنْزَجِرُوا عَنْ ذَلِكَ وَلِيَرْتَدِعَ غَيْرُهُمْ بِمَا يُفْعَلُ بِهِمْ وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ فِي الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ
انْتَهَى.
ص (وَضَمِنَ مَا سَرَى)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ سَرَى ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْمُعَزَّرِ بِخِلَافِ الْحَدِّ انْتَهَى.
ص (وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ؛ مَالَ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْحَائِطُ الْمَخُوفُ إذَا أُشْهِدَ عَلَى رَبِّهِ ثُمَّ عَطِبَ بِهِ أَحَدٌ فَرَبُّهُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ بِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا اهـ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ الْإِشْهَادُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ مَنْ لَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَنْفَعُ الْإِشْهَادُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إذَا كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مُنْكِرًا لِمَيَلَانِهِ بِحَيْثُ يَخْشَى عَلَيْهِ السُّقُوطَ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُقِرًّا فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِالْإِشْهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْهَدْمِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا بَلَغَ الْحَائِطُ مَا لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ تَرَكَهُ لِشِدَّةِ مَيَلَانِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ ضَامِنٌ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَمْ لَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ قَالَ يَحْيَى وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ جِدَارِ رَجُلٍ بَيْنَ دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ مَالَ مَيْلًا شَدِيدًا حَتَّى خِيفَ انْهِدَامُهُ أَتَرَى السُّلْطَانَ إذَا شَكَا ذَلِكَ جَارُهُ وَمَنْ يَخَافُ مِنْ إذَايَتِهِ وَضَرَرِهِ أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَهُ بِهَدْمِهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهَدْمِهِ قُلْت لَهُ فَإِنْ شَكَا إلَيْهِ مَا يَخَافُ انْهِدَامَ الْجِدَارِ فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى انْهَدَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بَيْتٍ لَصِقَ بِهِ فَقُتِلَ أَوْ هَدَمَ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ أَيَضْمَنُ ذَلِكَ صَاحِبُ الْجِدَارِ؟ قَالَ نَعَمْ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَصَابَ الْجِدَارَ بَعْدَ الشَّكِيَّةِ إلَيْهِ وَالْبَيَانِ لَهُ قَالَ يَحْيَى: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانٍ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ إذَا انْهَدَمَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ يَحْيَى إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ الْحَائِطُ إذَا انْهَدَمَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانٍ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا فِيمَا أَفْسَدَ بِانْهِدَامِهِ بَعْدَ أَنْ قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِهَدْمِهِ فَفَرَّطَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ زُونَانَ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ حَدًّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْمُهُ وَإِنْ لَمْ يُتَقَدَّمْ إلَيْهِ وَلَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ انْتَهَى (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مَرْهُونَةً أَوْ مُكْتَرَاةً لَمْ يَنْفَعْهُمْ الْإِشْهَادُ إلَّا عَلَى رَبِّهَا فَإِنْ غَابَ رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ وَلَا يَنْفَعُهُمْ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّاكِنِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ هَدْمُ الدَّارِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْجَمَلِ الصَّئُولِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ الثَّانِي عَنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا وَلَا عَلَى مَنْ هِيَ بِأَيْدِيهِمْ وَلَوْ أَمَرَهُمْ السُّلْطَانُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا كَانَ الْحَائِطُ مَخُوفًا لَا يُمْهِلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْضُرُوا حَتَّى يُهْدَمَ أَعْلَا الْمَكَانَ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا أَمَرَ بِهَدْمِهِ وَأَنْفَقَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَقْضِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُمْ مَالًا فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي وِلَايَةِ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ فَإِلَيْهِمَا يَتَقَدَّمُ السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَنْ قَدَّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ حَتَّى سَقَطَ فَمَا أَفْسَدَ أَوْ قَتَلَ كَانَ
ذَلِكَ فِي مَالِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ دُونَ مَالِ الصَّبِيِّ إذَا أَمْكَنَ الْهَدْمُ وَتَرَكَاهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ غَائِبًا وَكَانَ لَهُ وَكِيلٌ وَتُقُدِّمَ إلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَقَطَ الْحَائِطُ فَهَلْ يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيَاسًا عَلَى الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى الْمَالُ إلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا رَوَى عِيسَى عَنْهُ فِي رَسْمِ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى زُونَانَ فِي سَمَاعِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ فَقَلَعَ أَسْنَانَهُ)
ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِيهِ الضَّمَانُ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ هَلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ أَوْ الْقَوَدُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ عَضَّهُ فَسَلَّ يَدَهُ ضَمِنَ أَسْنَانَهُ عَلَى الْأَصَحِّ يَعْنِي دِيَةَ الْأَسْنَانِ وَالْأَصَحُّ عَبَّرَ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْمَشْهُورِ وَنَقَلَ مُقَابِلَهُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ «رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ فَاخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَكَ» زَادَ أَبُو دَاوُد «إنْ شِئْت أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ يَدِك فَيَعَضَّهَا ثُمَّ تَنْزِعُهَا مِنْ فِيهِ» وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ وَلَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَازِرِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَعْضُوضَ لَا يُمْكِنُهُ النَّزْعُ إلَّا بِذَلِكَ وَحُمِلَ تَضْمِينُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ النَّزْعُ بِرِفْقٍ بِحَيْثُ لَا تَنْقَلِعُ أَسْنَانُ الْعَاضِّ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالزِّيَادَةِ فَلِذَلِكَ ضَمَّنُوهُ اهـ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا دِيَةَ لَكَ وَفِي رِوَايَةٍ فَأَبْطَلَهُ وَقَوْلُهُ فَأَبْطَلَهُ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْقِصَاصِ فِيمَا عَلِمْت انْتَهَى.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الضَّمَانِ فَأَسْقَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَنَزَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَوْلَ بِالضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَهُ النَّزْعُ بِرِفْقٍ فَنَزَعَهَا بِعُنْفٍ وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَحَرِّكَ الثَّنَايَا وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى حُطَمٍ وَأَزِمَّةٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْدَلَ عَنْ صَرِيحِ الْحَدِيثِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ مُوَافَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وَفِي مُسْلِمٍ «ادْفَعْ يَدَك حَتَّى يَعَضَّهَا ثُمَّ انْتَزِعْهَا» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ أَمْرٌ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «بِمَ تَأْمُرُنِي؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ فِي فِيكَ كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ» . فَمَعْنَاهُ أَنَّك لَا تَدَعُ يَدَك فِي فِيهِ يَقْضِمُهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ انْتَهَى زَادَ النَّوَوِيُّ فَكَيْفَ تُنْكِرُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ يَدَهُ مِنْ فِيكِ وَتَطْلُبَهُ بِمَا جَنَى فِي جَذْبِهِ كَذَلِكَ قَالَهُ الْقَاضِي انْتَهَى.
وَيَقْضِمُهَا بِفَتْحِ الضَّادِ مُضَارِعُ قَضِمَ بِكَسْرِهَا يُقَالُ قَضِمَتْ الدَّابَّةُ شَعِيرَهَا إذَا أَكَلَتْهُ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهَا وَخَضِمَتْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ إذَا أَكَلَتْ بِفِيهَا كُلِّهِ.
وَيُقَالُ الْخَضْمُ أَكْلُ الرَّطْبِ وَالْقَضْمُ أَكْلُ الْيَابِسِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ تَخْضَمُونَ وَيَقْضَمُ وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ انْتَهَى مِنْ الْقُرْطُبِيِّ وَالْفَحْلُ ذَكَرُ الْإِبِلِ
ص (أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كُوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ وَإِلَّا فَلَا) ش: هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِيهِ الضَّمَانُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَضْمُونَ أَيْضًا هَلْ هُوَ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاخِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَالَّتِي قَبْلَهَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعْلِمِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَوْ رَمَى إنْسَانٌ أَحَدًا يَنْظُرُ إلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَأَصَابَ عَيْنَهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ مِنْهُمْ عَلَى إثْبَاتِ الضَّمَانِ وَالْأَقَلُّ مِنْهُمْ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فَأَمَّا فِي الضَّمَانِ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّ أَحَدًا اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ» وَأَمَّا إثْبَاتُ الضَّمَانِ فَلِأَنَّهُ لَوْ نَظَرَ إنْسَانٌ إلَى عَوْرَةِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ
إذْنِهِ لَمْ يُسْتَبَحْ فَقْءُ عَيْنِهِ فَالنَّظَرُ إلَى الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ، وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ رَمَاهُ لِيُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّهُ فَطِنَ بِهِ أَوْ لِيُدَافِعَهُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ قَاصِدٍ فَقْءَ عَيْنِهِ فَانْفَقَأَتْ عَيْنُهُ خَطَأً فَالْجُنَاحُ مُنْتَفٍ وَهُوَ الَّذِي نُفِيَ فِي الْحَدِيثِ وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَا ذِكْرَ لَهَا انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَحْوَهُ فَدَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالضَّمَانِ يَقُولُونَ بِهِ سَوَاءٌ قَصَدَ فَقْءَ عَيْنِهِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ فَقْءَ عَيْنِهِ فَفِعْلُهُ جَائِزٌ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الدِّيَةَ وَإِنْ قَصَدَ فَقْءَ عَيْنِهِ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَيَضْمَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ حِينَئِذٍ بِالضَّمَانِ الْقَوَدُ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ نَظَرَ إلَى حَرِيمِ إنْسَانٍ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ صِرِّ بَابٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْصِدَ عَيْنَهُ بِإِبْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَفِيهِ الْقَوَدُ إنْ فَعَلَ وَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْإِنْذَارِ فِي كُلِّ دَفْعٍ وَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ قَصْدُ عَيْنِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الضَّمَانُ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ فَقَصَدَ عَيْنَهُ هُوَ الْقَوَدُ وَاَلَّذِي نَفَاهُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا هُوَ الْقَوَدُ أَيْضًا دُونَ الدِّيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالصِّرُّ بِكَسْرِ الصَّادِ شَقُّ الْبَابِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ انْتَهَى.
ص (وَجَازَ دَفْعُ صَائِلٍ) ش: اُنْظُرْ هَلْ مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ؟ أَوْ مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ جَوَازُ الْإِقْدَامِ حَتَّى يَشْمَلَ الْوُجُوبَ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ وَفِي الْفُرُوقِ فِي الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي دَفْعِ الصَّائِلِ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ الْفَرَسِ فِي الْوُجُوبِ قَوْلَيْنِ قَالَا وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَانْظُرْ الْأَبِيَّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وَفِي مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ حَتَّى مَاتَ الْمَمْنُوعُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ مُسْلِمٍ وَانْظُرْ مَسْأَلَةَ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْقَذْفِ وَفِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ النَّوَادِرِ وَفِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي الزِّنَا مِنْهَا وَفِي الْفَصْلِ السَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ التَّبْصِرَةِ
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْعِتْقُ الْكَرَمُ يُقَالُ: مَا أَبَيْنَ الْعِتْقَ فِي وَجْهِ فُلَانٍ، يَعْنِي الْكَرَمَ.
وَالْعِتْقُ الْجَمَالُ وَالْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ بِالْفَتْحِ وَالْعَتَاقَةُ يُقَالُ مِنْهُ عَتَقَ الْعَبْدَ يَعْتِقُ بِالْكَسْرِ عِتْقًا وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ وَأَعْتَقْته أَنَا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَعَتُقَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ عَتَاقَةً أَيْ قَدُمَ وَصَارَ عَتِيقًا وَكَذَلِكَ عَتَقَ يَعْتُقُ مِثْلُ دَخَلَ يَدْخُلُ فَهُوَ عَاتِقٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ الْجَوَارِحُ مِنْهَا والْأَرْحَبِيَّاتِ الْعِتَاقُ النَّجَائِبُ مِنْهَا انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ والْأَرْحَبِيَّاتُ الْإِبِلُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَأَرْحَبُ قَبِيلَةٌ مِنْ هَمْدَانَ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْأَرْحَبِيَّاتُ مِنْ الْإِبِلِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ يُقَالُ عَتَقَ الْمَمْلُوكُ يَعْتِقُ عَتْقًا وَعَتَاقَةً بِالْفَتْحِ فِيهِمَا قَالَ الْخَلِيلُ وَعَتَاقًا بِالْفَتْحِ أَيْضًا قَالَ غَيْرُهُ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْعِتْقُ بِالْكَسْرِ وَالْعَتَاقُ بِالْفَتْحِ وَلَا يُقَالُ عَتَقَ إنَّمَا هُوَ أُعْتِقَ إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْعَتْقُ وَالْعَتَاقُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا وَعَتَقَ الْغُلَامُ وَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَبِيدٌ عُتَقَاءُ وَأَمَةٌ عَتِيقَةٌ وَلَا يُقَالُ عَاتِقٌ وَلَا عَوَاتِقُ إلَّا أَنْ يُرَادَ مُسْتَقْبَلُ أَمْرِهِ فَهُوَ عَاتِقٌ غَدًا وَلَا يُقَالُ عَتَقَ الْغُلَامُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَلَكِنْ أُعْتِقَ وَمَعْنَى الْعِتْقِ ارْتِفَاعُ الْمِلْكِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَلَا يُقَالُ عَاتِقٌ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّحَاحِ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعِتْقُ بِالْكَسْرِ الْكَرَمُ وَالْجَمَالُ وَالنَّجَابَةُ وَالشَّرَفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَبِالضَّمِّ جَمْعُ عَتِيقٍ وَعَاتِقٍ الْمَنْكِبُ وَالْحُرِّيَّةُ عَتَقَ الْعَبْدُ يَعْتِقُ عِتْقًا وَيُفْتَحُ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً بِفَتْحِهَا خَرَجَ عَنْ الرِّقِّ فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ الْجَمْعُ عَتَائِقُ ثُمَّ قَالَ وَالْعِتْقُ بِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ لِلْمَوَاتِ كَالْخَمْرِ وَالتَّمْرِ وَكَكِتَابٍ مِنْ الطَّيْرِ: الْجَوَارِحُ وَمِنْ الْخَيْلِ: النَّجَائِبُ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي بَابِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْعَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ الْعَتَاقَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَوَهِمَ مَنْ كَسَرَهَا يُقَالُ عَتَقَ يَعْتِقُ عَتَاقًا وَعَتَاقَةً وَالْمُرَادُ الْإِعْتَاقُ وَهُوَ مَلْزُومُ الْعَتَاقَةِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مَا عَتَقَ قَالَ الدَّاوُدِيّ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ فِي الثَّانِي وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَتَقَ بِالْفَتْحِ وَأُعْتِقَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَازِمٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ الْعِتْقُ خِلَافُ الرِّقِّ عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا وَعَتْقًا وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً فَهُوَ عَتِيقٌ وَحَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَيْ بِالْإِعْتَاقِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُقَالُ الْعِتْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا وَالْعَتَاقُ وَالْعَتَاقَةُ بِفَتْحِهَا فَقَطْ وَأَنَّهُ يُقَالُ عَتَقَ يَعْتِقُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَلَا يُقَالُ عَتَقَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ الْخُلُوصُ وَمِنْهُ عِتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ أَيْ خَالِصُوهَا وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقٌ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَفِي الشَّرْعِ خُلُوصُ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ انْتَهَى.
وَقِيلَ سُمِّيَ الْبَيْتُ عَتِيقًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ وَقِيلَ لِخُلُوصِهِ مِنْ الطُّوفَانِ وَقِيلَ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتَغْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ تَعْرِيفِ حَقِيقَتِهِ لِشُهْرَتِهَا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُرَدُّ قَوْلُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ وُجُودُهَا لَا مِنْ حَيْثُ إدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُدَرِّسِينَ لَوْ قِيلَ لَهُ مَا حَقِيقَةُ الْعِتْقِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ أَدْرَكَ مَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِمَنْ اهْتَدَى انْتَهَى وَعَرَّفَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَابْنُ رُشْدٍ كَالْقَرَافِيِّ بِأَنَّهُ ارْتِفَاعُ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ الْعِتْقُ رَفْعُ مِلْكٍ حَقِيقِيٍّ لَا بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ فَخَرَجَ بِحَقِيقِيِّ اسْتِحْقَاقُ عَبْدٍ بِحُرِّيَّةٍ وَخَرَجَ بِسِبَاءٍ مُحَرَّمٍ فِدَاءُ الْمُسْلِمِ مِنْ حَرْبِيٍّ سَبَاهُ أَوْ مِمَّنْ صَارَ لَهُ مِنْهُ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ رَفَعَهُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ انْتَهَى وَقَوْلُهُ مِلْكٌ يَصْدُقُ
بِرَفْعِ مِلْكٍ وَانْتِقَالِهِ إلَى مِلْكٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْهُ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ وَكَذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَى عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ وَبَقِيَ عِنْدَ سَيِّدِهِ حَتَّى غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ حُرٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَيْسَ هَذَا عِتْقًا اصْطِلَاحًا وَكَذَلِكَ يَصْدُقُ حَدُّهُ عَلَى وَقْفِ الرَّقِيقِ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الْقَائِلِ بِأَنَّ مِلْكَ الْوَاقِفِ ارْتَفَعَ عَنْ الْمَوْقُوفِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ رَفْعُ الْمِلْكِ الْحَقِيقِيِّ الْكَائِنِ لِمُسْلِمٍ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ مِنْ غَيْرِ تَحْجِيرِ مَنْفَعَتِهِ لَسَلِمَ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اللَّامُ فِي الْمِلْكِ لِلْحَقِيقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ عَنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ يُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ عِتْقِ مَنْ فِي السِّيَاقِ قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ لَوْ أَعْتَقَ مَنْ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ الظَّاهِرُ صِحَّةُ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَمْ يُعَدَّ رَقِيقًا فَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحُرِّيَّةِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي صَفِّ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ وَيُحَازُ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ، وَلَوْ قَذَفَهُ أَحَدٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ بَعْدَ الْعِتْقِ حُدَّ لَهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ وَكَذَلِكَ لَوْ أَجْهَزَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَقَتَلَهُ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ لَا حُكْمُ الْعَبْدِ فَفِي النَّظَرِ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ فِي عِتْقٍ ثَوَابُ مَنْ أَعْتَقَ صَحِيحًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ خَلَّصَهُ مِنْ الرِّقِّ وَلِأَنَّهُ قَابِلٌ لَأَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ بِغَيْرِ ثَوَابٍ فَكَذَلِكَ تَنْجِيزُ عِتْقِهِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يُبَاعُ مَنْ فِي السِّيَاقِ انْتَهَى.
وَحُكْمُهُ النَّدْبُ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَيَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيهِ فَيَعْتِقَهُ» .
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَكَأَنَّ الْوَالِدُ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِوُجُودِ الْوَلَدِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَاَلَّذِي يُشْبِهُ ذَلِكَ إخْرَاجُ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ مِنْ عَدَمِ الرِّقِّ إلَى وُجُودِ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ الرَّقِيقَ كَالْمَعْدُومِ وَرُبَّمَا كَانَ الْعَدَمُ خَيْرًا مِنْهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24] وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْ النَّارِ حَتَّى أَنَّهُ لَيَعْتِقُ الْيَدَ بِالْيَدِ وَالرِّجْلَ بِالرِّجْلِ وَالْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَاقِصَ عُضْوٍ لَا تُحْجَبُ النَّارُ عَنْ الَّذِي يُقَابِلُهُ وَهُوَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي أَيْ عُضْوٍ شَاءَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مَوْضِعَ السُّجُودِ» انْتَهَى.
وَالْإِرْبُ الْعُضْوُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ يُجْزِئُ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا قِيلَ وَلَعَلَّ هَذَا لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» انْتَهَى.
وَالْعِتْقُ وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَقَدْ يَجِبُ قَالَ فِي اللُّبَابِ.
وَلِوُجُوبِهِ عَشْرَةُ أَسْبَابٍ إصْدَارُ الصِّيغَةِ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْإِيلَادُ وَالْمُثْلَةُ وَالسِّرَايَةُ وَالْقَرَابَةُ وَيُضَافُ إلَى ذَلِكَ الْيَمِينُ بِالْعِتْقِ وَالنَّذْرُ بِهِ وَقَتْلُ الْخَطَإِ وَالظِّهَارُ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ، إنْ اخْتَارَ الْعِتْقَ فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشْرَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَنَّ أَسْبَابَهُ عَشْرَةٌ وَعَدَّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَلْحَقَ بِهِمْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ قَالَ: وَالْعِتْقُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَيَجِبُ أَحْيَانًا بِعَشْرَةِ أَسْبَابٍ بِإِلْزَامِ الرَّجُلِ ذَلِكَ نَفْسَهُ وَتَبْتِيلِهِ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ ابْتِدَاءً وَبِنَذْرِهِ ذَلِكَ لِأَمْرٍ كَانَ أَوْ يَكُونُ.
وَبِالْحِنْثِ فِي يَمِينٍ بِذَلِكَ أَوْ بِحَمْلِ مَمْلُوكَتِهِ مِنْهُ أَوْ بِعِتْقِهِ بَعْضَهُ فَيُبَتِّلُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ أَوْ بِالتَّمْثِيلِ بِهِ أَوْ بِشِرَائِهِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْ بِقَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً أَوْ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ أَوْ بِكِتَابَةِ الْعَبْدِ أَوْ مُقَاطَعَتِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ خِدْمَتِهِ بِذَلِكَ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ وَجْهَانِ آخَرَانِ وَهُمَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَكَفَّارَةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَمْدًا إلَّا أَنَّ الْفَرْضَ فِي هَذَيْنِ
مَوْضُوعٌ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْمُكَفِّرِ انْتَهَى.
إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِإِلْزَامِ الرَّجُلِ ذَلِكَ نَفْسَهُ وَتَبْتِيلِهِ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ سَبَبًا وَاحِدًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَوْ بِمُكَاتَبَةِ الْعَبْدِ.
إلَخْ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ عَشَرَةُ أَسْبَابٍ فَقَطْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ فِي اللُّبَابِ عَقِبَ ذِكْرِهِ الْأَسْبَابَ الْمُتَقَدِّمَةَ: وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا كَثُرَتْ أَسْبَابُهُ كَانَ إلَى الْوُقُوعِ أَقْرَبُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ وُعِدَ بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى أَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ تَكَادُ تَخْرُجُ عَنْ الْحَصْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ الْمَاضِيَةَ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ يُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ يُكَفِّرْنَ مَا بَيْنَهُنَّ وَإِذَا تَوَضَّأَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ بَيْنِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ» .
وَقَدْ قُلْت لِشَيْخِنَا شِهَابِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ فَأَيُّ شَيْءٍ يُكَفِّرُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَالَ لِي: ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُرِيدٌ لِلْمَغْفِرَةِ لِعِبَادِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا أَخْطَأَهُ سَبَبٌ لَا يُخْطِئُهُ غَيْرُهُ، وَمَا كَثُرَتْ أَسْبَابُهُ كَانَ إلَى الْوُقُوعِ أَقْرَبُ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، قَالَ فِي اللُّبَابِ: هِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ الْآدَمِيِّ وَتَكْرِمَتِهِ، فَإِنَّ الرِّقَّ إذْلَالٌ لَهُ، وَالتَّرْغِيبُ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَتَعَاطِي أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنْ النَّارِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عِتْقِ الْإِمَاء وَالْعَبِيدِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي عِتْقِ الْإِمَاء وَالْعَبِيدِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ عِتْقَ الْأَكْثَرِ ثَمَنًا مِنْهُمْ أَعْلَى فِي الْأَجْرِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . وَلَمْ يَخُصَّ ذَكَرًا مِنْ أُنْثَى، وَأَمَّا إذَا اسْتَوَى الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، فَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ كَمَا أَنَّ عِتْقَ الْأَفْضَلِ فِي الدِّينِ مِنْ الْعَبْدَيْنِ وَالْأَمَتَيْنِ أَفْضَلُ، وَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ عِتْقِ الْكَافِرِ أَوْ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ الْكَافِرُ أَكْثَرَ ثَمَنًا، فَقِيلَ: إنَّ عِتْقَ الْأَكْثَرِ ثَمَنًا أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: إنَّ عِتْقَ الْمُسْلِمِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا مَعْنَاهُ مَعَ اسْتِوَاءِ الرِّقَابِ وَكَذَلِكَ الْأَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الْكُفَّارِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ ثَمَنًا، قَالَ: وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْأَثْمَانِ فَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ: أَنَّ عِتْقَ الْأُنْثَى مِنْهُمْ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا يُحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ نِكَاحَهَا وَلَا مَنْفَعَةَ فِي عِتْقِ الْكَافِرِ الذَّكَرِ اهـ.
[بَاب مِنْ يَصِحّ مِنْهُ الْإِعْتَاق]
ص (بَابٌ) (إنَّمَا يَصِحُّ إعْتَاقُ مُكَلَّفٍ)
ش: أَخْرَجَ بِهِ الصَّبِيَّ فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِيَمِينٍ فَحَنِثَ فِيهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الْمَعْتُوهِ إذَا كَانَ مُطْبِقًا وَلَا الصَّبِيِّ، وَإِنْ قَالَ صَبِيٌّ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إذَا احْتَلَمْت فَاحْتَلَمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمَجْنُونِ قَالَ فِي عِتْقِهَا الثَّانِي: وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَجُنَّ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَصْبَغُ: وَمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلًا إلَى أَجَلِ كَذَا، ثُمَّ جُنَّ فَمَضَى الْأَجَلُ، وَهُوَ مَجْنُونٌ فَإِنَّهُ حَانِثٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَضَى الْأَجَلُ، وَهُوَ فِي حَالٍ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فِيهِ انْتَهَى.
وَيَدْخُلُ السَّكْرَانُ قَالَ فِي عِتْقِهَا الثَّانِي: وَعِتْقُ السَّكْرَانِ وَتَدْبِيرُهُ جَائِزٌ إذَا كَانَ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَمَّا الطَّافِحُ فَكَالْبَهِيمَةِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ. كَلَامُهُ بِالْمَعْنَى.
ص (بِلَا حَجْرٍ)
ش: هَذَا قَيْدٌ ثَانٍ، وَهُوَ عَدَمُ التَّحْجِيرِ فَيَخْرُجُ السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ قَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا بَيْعٌ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْآنَ وَأَسْتَحِبُّ لَهُ إمْضَاءَهُ وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ الْوَلِيُّ رَدَّهُ أَمْ لَمْ يَرُدَّهُ؟ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ بِيَمِينٍ فَحَنِثَ فِيهَا بَعْدَ وِلَايَةِ نَفْسِهِ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَ هَلْ لِلْوَرَثَةِ رَدُّ ذَلِكَ
عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ بِلُزُومِ الْحِنْثِ لِأَشْهَبَ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا عَزَاهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي فِي شَرْحِ قَوْلِهَا، وَإِنْ قَالَ صَبِيٌّ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ الْمُتَقَدِّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ قَطْعِ الشَّجَرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ رَسْمِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي: لَوْ قَالَ لِمَمْلُوكٍ مِنْ مَمَالِيكِ أَبِيهِ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَاتَ أَبُوهُ وَمَلَكَهُ فَإِنْ كَانَ يَوْمَ قَالَهُ سَفِيهًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ، وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا عَتَقَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ مَحْمُولٌ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَى الرُّشْدِ أَوْ عَلَى السَّفَهِ؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: " اُسْتُحِبَّ إلَى آخِرِهِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَفِي الْأُمَّهَاتِ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ بَيْعٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ كَالْعِتْقِ وَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْعِتْقِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْجَمِيعِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَهَا الْمُخْتَصِرُونَ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْضَاءُ جَمِيعِ مَا فَعَلَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَالصَّحِيحُ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ قُرْبَةً وَأَمَّا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، فَأَيُّ اسْتِحْبَابٍ فِي هَذَا وَكَذَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا فِيهِ قُرْبَةٌ بِإِسْعَافِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِإِمْضَاءِ صَفْقَتِهِ لِغِبْطَتِهِ بِهَا كَأَنْ يَكُونَ قُرْبَةً فِي الْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ السَّفِيهَ لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ فِي جَمِيعِ مَا يَصِحُّ فِيهِ الْعِتْقُ، وَلَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَقَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ عِتْقُهُ لِمُسْتَوْلَدَتِهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ: وَمَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الْمَنْفَعَةُ فَفِعْلُهُ فِيهِ جَائِزٌ، وَيَجُوزُ طَلَاقُهُ لِزَوْجَتِهِ وَعِتْقُهُ لِأُمِّ وَلَدِهِ انْتَهَى.
وَهَلْ يَتْبَعُهَا مَالُهَا؟ نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجْرِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: يُفَرِّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الْيَسِيرِ، وَالْكَثِيرِ، وَنَقَلَهَا غَيْرُهُ، وَعَزَا اللَّخْمِيُّ الثَّالِثَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: أَنَّهُ الْأَشْبَهُ ذَكَرَهُ فِي الْحَجْرِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا مَالُهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ انْتَهَى.
مِنْ الْعِتْقِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ الْكَلَامُ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، الثَّالِثِ: يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ السَّفِيهَ الْمُهْمِلَ عِتْقُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إلَى الْآنِ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَهَرَ رُشْدُهُ وَلَمْ يُطْلِقْهُ الْحَاكِمُ فَعِتْقُهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ عَلَى الْعَكْسِ، قَالَ فِي اللُّبَابِ هُنَا: وَلَوْ كَانَ السَّفِيهُ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ فَعِتْقُهُ جَائِزٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا الْبَيِّنَ السَّفَهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ اللُّبَابِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَقْيِيدٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَخْرُجُ بِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ " بِلَا حَجْرٍ " أَيْضًا الْعَبْدُ، قَالَ فِي الْوَلَاءِ مِنْهَا: وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ وَلَا الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ تَصَدَّقَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلِلسَّيِّدِ رَدُّ ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ وَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ وَالْمُكَاتَبَ ذَلِكَ إنْ عَتَقَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ السَّيِّدُ حَتَّى عَتَقَا مَضَى ذَلِكَ وَمَا أَعْتَقَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ جَازَ وَعِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ لِعَبْدِهَا كَمَا وَصَفْنَا فِي عِتْقِ الْعَبْدِ عَبْدَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبَ بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ كَذَلِكَ وَأَظُنُّ أَنَّ اللَّخْمِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ: وَأَمَّا الْعَبْدُ فَمَا أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ بِذَلِكَ أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَقْضِ بِرَدٍّ وَلَا إجَازَةَ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدُ وَالْمَالُ بِيَدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نَصَّ خِلَافٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى الْإِجَازَةِ فَإِنْ فَوَّتَ الْعَبْدُ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ قَالَهُ فِي الصَّدَقَةِ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ، وَالْعِتْقُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مُفَرِّقٌ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
فَإِنْ رَدَّ السَّيِّدُ ذَلِكَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ حَتَّى عَتَقَ وَلَمْ يُفَوِّتْهُ
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ مَقِيسٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَيَخْرُجُ أَيْضًا بِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ " بِلَا حَجْرٍ " الزَّوْجَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثَ جَازَ، وَإِنْ حَمَلَ بَعْضَهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلزَّوْجِ رَدَّ الْجَمِيعِ فَإِنْ أَعْتَقَتْ ثُلُثَ عَبْدٍ لَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ أَوْ يَمْضِي؟ فِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَانْظُرْهَا فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْعِتْقِ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمَرِيضُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ مَضَى مِنْهُ الثُّلُثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَخَرَجَ أَيْضًا الْمُرْتَدُّ، قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي بَابِ الْحَجْرِ: " وَحُجِرَ لِرِدَّةٍ فَلَا يُعَدُّ تَصَرُّفُ مُرْتَدٍّ حَجْرًا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ الْكَلَامُ عَلَى الْحَجْرِ بِالرِّدَّةِ.
وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمَدِينُ إذَا فَلَّسَهُ الْإِمَامُ.
وَأَمَّا مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ " وَإِحَاطَةُ دَيْنٍ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (فَإِنْ قُلْت) لَا شَكَّ أَنَّ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحَجْرِ إحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ فَإِذَا انْتَفَى الْحَجْرُ عُمُومًا انْتَفَى كَوْنُ الدَّيْنِ مُحِيطًا.
(قُلْت) : السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْفَلَسُ، وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ إحَاطَةِ الدَّيْنِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَصِحُّ فِعْلُهُ مِنْ الَّذِي أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْفَلَسِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَالْحَجْرُ لِأَجْلِ الْفَلَسِ أَخَصُّ مِنْ إحَاطَةِ الدَّيْنِ وَنَفْيُ الْأَخَصِّ الَّذِي هُوَ الْحَجْرُ لِلْفَلَسِ نَفْيٌ لِلْأَعَمِّ الَّذِي هُوَ إحَاطَةُ الدَّيْنِ انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ أَنَّ إحَاطَةَ الدَّيْنِ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الْحَجْرُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَالْمَقْصُودُ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ: بِلَا حَجْرٍ نَفْيُ مُطْلَقِ الْحَجْرِ لَا نَفْيُ الْحَجْرِ مِنْ الْوُجُودِ وَإِلَّا لَخَرَجَ حَجْرُ الزَّوْجَةِ، وَالْمَرِيضِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: إنَّمَا يَصِحُّ هَلْ مُرَادُهُ إنَّمَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُ أَوْ مُرَادُهُ مُطْلَقُ الصِّحَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ الْكَافِرُ فَإِنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْكَافِرَ لَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ مَعَ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْهَا فِي تَرْجَمَةِ مَنْ أَعْتَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهَا: وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ قُضِيَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَلَوْ دَخَلَ إلَيْنَا حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَكَاتَبَ عَبْدًا لَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَهُ فَذَلِكَ لَهُ وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الرِّقِّ أَوْ يَبِيعَهُ فَذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ: " فَذَلِكَ لَهُ " قَالَ ابْنُ يُونُسَ " وَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبَانَهُ عَنْهُ " وَنَحْوُهُ فِي الْجِنَايَاتِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي رَسْمِ الدُّورِ وَالْمَزَارِعِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مُطْلَقًا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ لِلنَّصْرَانِيِّ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِتْقِ عَبْدِهِ النَّصْرَانِيِّ مَا دَامَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمَّا أَعْتَقَهُ قَدْ خَلَّى سَبِيلَهُ وَخَرَجَ عَنْ خِدْمَتِهِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُكَاتَبِ مِنْهَا خِلَافُ مَا فِي جِنَايَتِهَا إنَّ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِتْقِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَدِهِ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَتَحْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ خِدْمَتِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِتْقِهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ كَانَ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى مَا فِي جِنَايَتِهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِتْقِهِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ عَنْ خِدْمَتِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْهَا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ أَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَهُ لَمْ يُمْنَعْ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْعَبْدُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ فَيُؤَاجَرُ الْمُدَبَّرُ وَتُبَاعُ كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ قِيلَ لَهُ فَإِنْ بَتَّلَ النَّصْرَانِيُّ عِتْقَ عَبْدِهِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَحَنِثَ، قَالَ: إنْ حَنِثَ بِيَمِينِهِ فِي نَصْرَانِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَيْمَانِهِ انْتَهَى.
فَيَخْرُجُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ إلَى.
آخِرِهِ " أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ، وَهُوَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ لَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ
أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ خِلَافٌ بَيْنَ إسْلَامِ الْعَبْدِ وَإِسْلَامِ السَّيِّدِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُبِنْ الْعَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ حَصَّلَ اللَّخْمِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَإِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ عَنْ عِتْقِهِ وَاسْتَرَقَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ الْعِتْقُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ حَازَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَ نَفْسَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْعِتْقِ، فَقَوْلَانِ وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ قَبْلَ إسْلَامِ الْعَبْدِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِمَا عَقَدَ وَإِسْلَامُ الْعَبْدِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَقْدَ انْتَهَى.
وَقَدْ عَلِمْت مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: " وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ أَوْ دَبَّرَهُ " أَنَّ الْجَارِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ وَحْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ، ثُمَّ الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ أَنْ رَجَعَ فِي الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ حَازَ نَفْسَهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْعِتْقِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ وَقَبْلَ أَنْ يَحُوزَ نَفْسَهُ كَانَ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ، ثُمَّ حَنِثَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَسَوَاءٌ حَنِثَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكُفْرِ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ إنْفَاذِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ وَلَوْ حَوَّزَهُ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ انْتَهَى.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُؤَلِّفَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَدْ صَحَّ فَيَخْرُجُ الْكَافِرُ بِقَوْلِهِ: " مُكَلَّفٍ " وَيَكُونُ مُرَادُهُ إنَّمَا يَصِحُّ وَيَلْزَمُ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: " إنَّمَا يَصِحُّ " مُطْلَقَ الصِّحَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ غَالِبَ مَا اُحْتُرِزَ عَنْهُ صَحِيحٌ وَيَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى إجَازَةِ الْغَيْرِ كَعِتْقِ الْمَرِيضِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: بِلَا حَجْرٍ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ " مُكَلَّفٍ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَلَامُ الْجَوَاهِرِ نَحْوُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُعْتِقُ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِلَا حَجْرٍ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ شَارِحَاهُ وَلَهُ أَرْكَانٌ الْأَوَّلُ: الْمُعْتِقُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَقَ جُزْءٌ مِنْ الْمُعْتِقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ، وَأَرْكَانُهُ الْحِسِّيَّةُ الْمُتَوَقِّفُ وُجُودُهُ حِسًّا عَلَيْهَا كَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالدَّمِ لِلْإِنْسَانِ لَا أَرْكَانُهُ الْمَحْمُولَةُ عَلَيْهَا كَالْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ لِلْإِنْسَانِ انْتَهَى.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا إلَّا الْأَرْكَانَ الْحِسِّيَّةَ الْمُتَوَقِّفَ وُجُودُهُ عَلَيْهَا حِسًّا وَانْظُرْ لِمَ أَخَّرَ الِاعْتِرَاضَ إلَى هُنَا وَهَلَّا أَوْرَدَهُ مِنْ أَوَّلِ الذَّكَاةِ وَالصَّيْدِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِغَرِيمِهِ رَدُّهُ أَوْ بَعْضِهِ)
ش: أَيْ وَلِغَرِيمِ الْمَدِينِ رَدُّ عِتْقِهِ إنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهٍ، وَإِنْ لَمْ يُحِطْ الدَّيْنُ
بِمَالِهِ فَلِلْغَرِيمِ رَدُّ بَعْضِ الْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ.
[تَنْبِيهٌ عِتْقِ الْمِدْيَانِ هَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ وَقْتُ الْعِتْقِ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَا بِيَدِهِ فَانْظُرْهُ.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلِغَرِيمَةِ رَدُّهُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْغَرِيمِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَرُدُّهُ إلَّا الْإِمَامُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاخْتُلِفَ فِي عِتْقِ الْمِدْيَانِ هَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْغُرَمَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ هُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ يُفْلِسْ، وَيَحْجُرْ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ خَارِجِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَرُدُّ الْغُرَمَاءُ إنْ أَرَادُوا ذَلِكَ حَتَّى يَرْفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فَهُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِالرَّدِّ بَعْدَ إثْبَاتِ مُوجِبِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، فَإِنْ رَدُّوهُ وَبَاعُوهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرُدُّ بَيْعَهُمْ، وَيَنْظُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مُوجِبُ بَيْعِهِ بَاعَهُ وَإِلَّا تَمَّ عِتْقُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ: وَمَنْ رَدَّ غُرَمَاؤُهُ عِتْقَهُ فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِغُرَمَائِهِ بَيْعُهُمْ دُونَ الْإِمَامِ فَإِنْ فَعَلَ أَوْ فَعَلُوهُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ أَيْسَرَ رُدَّ الْبَيْعُ وَنَفَذَ الْعِتْقُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَّلِ الْعِتْقِ.
(الثَّالِثُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ لِلْغَرِيمِ رَدَّ الْعِتْقِ، وَلَوْ طَالَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ: وَأَمَّا عِتْقُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْغُرَمَاءُ وَاخْتُلِفَ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَوَرِثَ الْأَحْرَارُ فَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَفَادَ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ مَالًا يُعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ مَعَ حُرْمَةِ الْعِتْقِ فَإِنْ كَانَتْ الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ قَدْ اُسْتُغْرِقَتْ مِنْ تَبَعَاتٍ لَا تُعْلَمُ أَرْبَابُهَا نَفَذَ عِتْقُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَمْ يَرُدَّهُ وَكَانَ الْأَجْرُ لِأَرْبَابِ التَّبَاعَاتِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا بَاعَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُمْ بَعْدَ يُسْرِهِ كَانُوا أَرِقَّاءَ وَلَا يُعْتَقُونَ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَوْلُهُ: " أَوْ بَعْضِهِ " قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ إلَّا كَامِلًا بِيعَ جَمِيعُهُ وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَبْقَى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَصْنَعُ مَا شَاءَ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي عِتْقٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اللَّخْمِيُّ أَمَّا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمَا وَقِيمَتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ وَنَحْنُ إنْ بِعْنَا مِنْهُمَا بِالْحِصَصِ لَمْ يَفِيَا بِالدَّيْنِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَيِّهِمَا يُبَاعُ لِلدَّيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(السَّادِسُ) إذَا بَعَّضَ الْعِتْقَ وَأَرَادَ مَالِكُ بَعْضِهِ سَفَرًا وَامْتَنَعَ هُوَ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: إنَّهُ يُسَافِرُ وَيَكْتُبُ لَهُ الْقَاضِي كِتَابًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَبَعٌ لِلرِّقِّ بِدَلِيلِ إجْمَاعِهِمْ أَنَّ أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ الرِّقِّ مَا بَقِيَتْ فِيهِ شَائِبَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الشَّرِكَةِ: إنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا سَافَرَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّالِثُ رَوَاهُ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا وَالْعَبْدُ مُسْتَعْرِبًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَمْلِكُ الشَّرِيكُ فَصَارَ شَرِيكًا فِي نَفْسِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ أَشْهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَوْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ بِهِ إلَى قَرْيَةٍ يَسْكُنُهَا مِنْ الْحَوَاضِرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَرِهَ الْعَبْدُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا قَضَى لَهُ بِالْخُرُوجِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ وَكِرَاؤُهُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يُقِرَّ قَرَارَهُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ وَمُكْتَسَبٌ فَيَكُونُ لَهُ أَيَّامٌ وَلِلسَّيِّدِ أَيَّامٌ انْتَهَى.
مِنْ الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِيهِ أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِهِ: يَكْتُبُ لَهُ كِتَابًا أَيْ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي يُسَافِرُ لَهَا وَيَشْهَدُ لَهُ شَاهِدَيْنِ مِمَّنْ يُسَافِرُ مَعَهُ فَيُشْهِدُهُمَا عَلَى الْكِتَابِ وَعَلَى عَيْنِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ بِكِتَابٍ يَكُونُ بِيَدِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ إذْ لَا يُحْكَمُ بِكِتَابِ الْقَاضِي دُونَ بَيِّنَةٍ تَنْقُلُهُ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مُنْتَخَبَ الْأَحْكَامِ قَبْلَ أَبْوَابِ النِّكَاحِ، وَفِي آخِرِهِ أَيْضًا وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي
وَانْظُرْ رَسْمَ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَرَسْمَ شَكَّ، وَرَسْمَ نَذَرَ سَنَةً، الْجَمِيعُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ قَالَ: فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَانَ اشْتَرَى نَفْسَهُ فَاسِدًا) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ شِرَاءً فَاسِدًا فَقَدْ تَمَّ بَيْعُهُ وَلَا يُرَدُّ وَلَا يَتْبَعُهُ السَّيِّدُ بِقِيمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ مَا بَاعَهُ بِهِ غَرَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَكَأَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بِخِلَافِ شِرَاءِ غَيْرِهِ إيَّاهُ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ نَفْسَهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ حُرٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ إنْ أَعْتَقَهُ عَلَى خَمْرٍ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ حُرٌّ وَيُكْسَرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَتْبَعُهُ فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ ابْنُ يُونُسَ، وَقَوْلُ ابْنِ مُيَسَّرٍ وِفَاقًا لِلْمُدَوَّنَةِ وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا هِيَ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ مَضْمُونٍ انْتَهَى.
ص (وَالشِّقْصُ إلَى آخِرِهِ) ش: نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ رَجُلٌ لَهُ مَمَالِيكُ بِمَكَّةَ
مَثَلًا وَلَهُ مَمَالِيكُ بِغَيْرِهَا فَشَكَا إلَيْهِ إنْسَانٌ مَمَالِيكَهُ الَّذِينَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرَادَ مَنْ بِمَكَّةَ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: اُنْظُرْ رَسْمَ شَكَّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ.
ص (وَهُوَ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ إلَى قَوْلِهِ إلَّا الْأَجَلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْعِتْقَ مِثْلُ الطَّلَاقِ فِيمَا ذُكِرَ إلَّا فِي الْأَجَلِ فَإِنَّهُ
إذَا أَعْتَقَ لِأَجَلٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ.
[مَسْأَلَة أَوْصَى فِي جَوَارٍ لَهُ أَنْ يُحْبَسْنَ سَبْعِينَ سَنَةً]
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ أَوْصَى فِي جَوَارٍ لَهُ أَنْ يُحْبَسْنَ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُعْتَقْنَ، قَالَ مَالِكٌ: هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ فَإِنْ رَأَى بَيْعَهُنَّ بِعْنَ، وَإِنْ رَأَى عِتْقَهُنَّ عَتَقْنَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ نَظَرِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ سَبْعِينَ سَنَةً مِثْلُ بِنْتِ الْأَرْبَعِينَ فَأَكْثَرُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يُدْرِكُهَا فَهُوَ كَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَمَنْ كَانَتْ يُمْكِنُ أَنْ تَعِيشَ ذَلِكَ كَبِنْتِ الْعِشْرِينَ فَأَقَلَّ عَجَّلَ عِتْقَهَا إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ، وَلَعَلَّ الْعِتْقَ يُدْرِكُهَا وَلَا أَنْ تُحْبَسَ سَبْعِينَ سَنَةً لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهَا لِقَصْدِ السَّيِّدِ إلَى ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ أَمْرِهِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا أَنَّ السُّلْطَانَ يَعْمَلُ بِهَوَاهُ انْتَهَى.
مِنْ رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ.
[فَرْعٌ أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ إلَى أَجَلٍ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهَا فَعَجَّلَ الْوَارِثُ عِتْقَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ إلَى أَجَلٍ، وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهَا فَعَجَّلَ الْوَارِثُ عِتْقَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ جَازَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ وَضْعُ خِدْمَةٍ، وَالْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ كَانَا وَارِثَيْنِ فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا فَعِتْقُهَا هَهُنَا وَضْعُ خِدْمَةٍ فَيُوضَعُ حَقُّ هَذَا مِنْ الْخِدْمَةِ وَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْهَا حُرًّا وَلَا يَضْمَنُ لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ خِدْمَتِهِ مِنْهَا، وَتَخْدُمُ هِيَ الْآخَرَ نِصْفَ خِدْمَتِهَا إلَى تَمَامِ الْأَجَلِ، ثُمَّ تَخْرُجُ حُرَّةً انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذِهِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ يُكَاتِبَانِهِ، ثُمَّ يُعْتِقُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ إنَّمَا هُوَ وَضْعُ مَالٍ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَبِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ إنَّمَا الْمُعْتِقُ الْمُوصِي لَا الْوَرَثَةُ انْتَهَى.
ص (وَعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ الْأَبَوَانِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
[فَرْعٌ أَيَمْلِكُ الرَّجُلُ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ قَالَ: وَسَمِعْته يُسْأَلُ أَيَمْلِكُ الرَّجُلُ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ، قِيلَ لَهُ: وَلَا يَعْتِقَانِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ بَيِّنٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: أَمَّا الْأَبُ وَالْأَخُ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا حَكَى ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ.
[فَرْعٌ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا كَانَ عَبْدًا وَوَلَدَ لَهُ مِنْ ظَهْره وَبَطْنه فملك أَحَد الْأَخَوَيْنِ أخاه فَهَلْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) مِنْهُ أَيْضًا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا كَانَ عَبْدًا وَوَلَدَ لَهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ فَمَلَكَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ أَخَاهُ فَهَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا فَلْيُنْظَرْ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ سَفَلَ)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي النِّكَاحِ فِي تَقْدِيمِ الْأَوْلِيَاءِ: سَفَلَ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي الْفَرَائِضِ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يُقَالُ: " سَفُلَ " بِالضَّمِّ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَقَدْ سَفُلَ كَكَرُمَ
وَعَلِمَ، وَنَصَرَ انْتَهَى.
فَجَعَلَهُ مُثَلَّثًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ إنْ عَلِمَ الْمُعْطِي وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَحَدًا مِنْ قَرَابَتِهِ الْمَذْكُورِينَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ بِهِبَةٍ بِأَنْ وُهِبَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ هِبَةَ ثَوَابٍ أَوْ غَيْرَهَا أَوْ بِصَدَقَةٍ بِأَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ بِوَصِيَّةٍ بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَحَمَلَهُ الثُّلُثُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبِلَهُ أَمْ لَا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُعْطِي بِكَسْرِ الطَّاءِ أَنَّهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَى الْمُعْطَى بِفَتْحِ الطَّاءِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ، وَالشَّامِلِ وَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ تَعَرُّضٌ لِهَذَا الْقَيْدِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا وَهَبَ لَهُ أَبُوهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَاهِبُ أَنَّهُ أَبُوهُ فَهَلْ يُبَاعُ؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَجَزَمَ ابْنُ يُونُسَ وَالْمَازِرِيُّ أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْعِتْقَ، قَالَهُ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ، قَالَ فِي بَابِ الْوَلَاءِ: مِنْهَا وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ قَبِلَهُ أَمْ لَا وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَيَبْدَأُ عَلَى الْوَصَايَا، ثُمَّ إنِّي وَقَفْت عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فَرَأَيْتُهُ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَيْدِ فِي رَسْمِ الْقُطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْعِتْقِ، وَفِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الصَّدَقَاتِ
وَأَمَّا مَفْهُومُ هَذَا الْقَيْدِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَا غَيْرُهُ، وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلُهُ: إنَّهُ إذَا وَهَبَ لَهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَحَمَلَهُ الثُّلُثُ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ قَبِلَهُ أَمْ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَأَنَّهُ إذَا وُهِبَ لَهُ شِقْصٌ مِنْهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أَنَّهُ إنْ قَبِلَ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِيَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ عَتَقَ مِنْهُ مَا وَهَبَ لَهُ أَوْ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، هُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ قَبُولِهِ إيَّاهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عِتْقَهُ عَنْهُ فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ قَبِلَهُ أَمْ لَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي مِنْ الصَّدَقَاتِ فَمَنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلْيُفِدْهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ص (وَبِالْحُكْمِ إنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ يَعْتِقُ بِنَفْسِ الْمُثْلَةِ، قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَعَلَى الثَّانِي يَتْبَعُهُ مَالُهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: بِرَقِيقِهِ دَخَلَ فِيهِ الْقِنُّ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ أَوْ بِأُمِّ وَلَدِهِ أَوْ بِعَبْدٍ لِعَبْدِهِ أَوْ لِمُدَبَّرِهِ أَوْ لِأُمِّ وَلَدِهِ عَتَقُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ مَثَّلَ بِمُكَاتَبِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَيَنْظُرُ فِي جَرْحِهِ لِمُكَاتَبِهِ أَوْ قَطْعِ جَارِحَةٍ مِنْهُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَيُقَاصَّ بِالْأَرْشِ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنْ سَاوَاهَا عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَافَتْ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ عَتَقَ وَلَا يُتْبَعُ بِبَقِيَّتِهَا، وَإِنْ نَافَ الْأَرْشُ عَلَيْهَا أُتْبِعَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بِالْفَضْلِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ قَالَ أَشْهَبُ: إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ أَنَّهُ يُعْتِقُ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقُ جِنَايَةٍ حَدُّهَا الْعِتْقُ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ يُمَثِّلُ بِعَبْدِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يُمَثِّلُ بِعَبْدِهِ، وَقِيلَ: لَا يَعْتِقُ بِالْمُثْلَةِ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْمِدْيَانِ وَالسَّفِيهِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي السَّفِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ
يَعْتِقُ وَلَا يَتْبَعُهُ مَالُهُ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْتِقُ وَيَتْبَعُهُ مَالُهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَيُعَاقَبُ مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ بِرَقِيقِ رَقِيقِهِ)
ش: شَمِلَ الرَّقِيقُ الْمُكَاتَبَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ مَثَّلَ بِعَبْدِ مُكَاتَبِهِ لَمْ يُعْتِقْ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا نَقَصَهُ مُثْلَةً مُفْسِدَةً فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي عَبْدِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْعُقُوبَةِ فِي تَعَمُّدِهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ لِوَلَدٍ صَغِيرٍ)
ش: يَعْنِي وَكَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ رَقِيقُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ إذَا مَثَّلَ بِهِ، وَمِثْلُ الصَّغِيرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ قَالَ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَكَذَلِكَ إنْ مَثَّلَ بِعَبْدٍ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي: فَصْلٌ وَمُثْلَتُهُ بِعَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ كَمُثْلَتِهِ بِعَبْدِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ قَالَ: وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُلْزِمَ الْقِيمَةَ إذَا أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّهُ أُلْزِمَ ذَلِكَ رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ بِقِيمَتِهِ، وَلَيْسَ تَعَدِّيهِ بِالْمُثْلَةِ رِضًا بِعِتْقِهِ وَتَمْثِيلِهِ بِعَبْدِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ بِمَنْزِلَةِ مُثْلَتِهِ بِعَبْدِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَفِيهًا فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ فَيَعْتِقُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ مَا نَصُّهُ: " لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَبْطُلَ مَنَافِعُهُ انْتَهَى.
وَفِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ: مَسْأَلَةٌ لَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ جِنَايَةً مُفْسِدَةً غَرِمَ قِيمَتَهُ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ إنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ فَلَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ التَّعَدِّي حَيْثُ قَالَ: وَعَتَقَ عَلَيْهِ إنْ قُوِّمَ وَلَا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الْأَرْجَحِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيه مَثَّلَ بِعَبِيدِ امْرَأَتِهِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبِيدِ امْرَأَتِهِ عُوقِبَ وَضَمِنَ مَا نَقَصَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُثْلَةً فَاسِدَةً فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُمْ، وَيُعْتَقُونَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
ص (كَقَطْعِ ظُفْرٍ إلَى آخِرِهِ)
ش: هَذِهِ أَمْثِلَةُ الْمُثْلَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا خَصَاهُ قَالَ فِي عِتْقِهَا الثَّانِي، وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ أُصْبُعِ عَبْدِهِ عَمْدًا أَوْ أَحْرَقَ شَيْئًا مِنْ عَبِيدِهِ بِالنَّارِ عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ أَوْ خَصَاهُ قَالَ رَبِيعَةُ أَوْ قَطَعَ حَاجِبَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: أَوْ سَحَلَ أَسْنَانَ أَمَتِهِ بِالْمِبْرَدِ أَوْ قَلَعَهَا عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ فَهِيَ مُثْلَةٌ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُقَرِّبِ وَالْمُنْتَخَبِ، وَلَفْظُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ:
وَالْمُثْلَةُ الَّتِي يَعْتِقُ بِهَا الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ قَطْعٌ وَكَذَلِكَ إنْ قَطَعَ أُنْمُلَةٍ الْعَبْدِ أَوْ خَصَاهُ قَالَ رَبِيعَةُ: أَوْ قَطَعَ حَاجِبَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ قَلَعَ أَسْنَانَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ وَكَذَلِكَ أَفْتَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي الَّتِي سَحَلَتْ أَسْنَانَ جَارِيَتِهَا وَلَوْ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ عَتَقَ، وَإِنْ كَوَاهُ تَدَاوِيًا لَمْ يَعْتِقْ انْتَهَى.
وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَالزَّنَاتِيَّ وَكَلَامَ التَّوْضِيحِ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ سَرَقُوا فِي مُعَاهَدَتِهِمْ نَصُّ مَا فِي التَّوْضِيحِ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّ خِصَاءَ الْمُسْتَأْمَنِ أَوْ الْمُعَاهَدِ عَبْدَهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ خَصَاهُ بِبَلَدِهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ وَالزَّنَاتِيِّ هُوَ أَنَّهُمَا جَعَلَا الْعِتْقَ بِالْمُثْلَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: يَعْتِقُ فِي وَاحِدٍ وَلَا يَعْتِقُ فِي ثَلَاثَةٍ فَاَلَّذِي يَعْتِقُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعَذَابِ وَاَلَّتِي لَا يَعْتِقُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَاةِ وَالْعِلَاجِ أَوْ شَبِيهَةً بِالْعَمْدِ، وَلَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ مِثْلَ أَنْ يَحْذِفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَيَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُضْوٌ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ فِي شَرْحِ ابْنِ مُزَيْنٍ لَا يَكُونُ مُثْلَةً بِضَرْبَةٍ أَوْ رَمْيَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا لِلْمُثْلَةِ بِضَجْعَةٍ فَيُمَثِّلُ بِهِ، وَفِي مِثْلِ مَا يُسْتَقَادُ لِلِابْنِ مِنْ أَبِيهِ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ شَفَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى مَالِهِ وَقَدْ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ وَلَا يُرِيدُ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَقَدْ يُرِيدُ الْمُثْلَةَ حَقِيقَةً فَإِذَا احْتَمَلَ فِعْلُهُ الْوَجْهَيْنِ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَتَرَكَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا ضَرَبَ رَأْسَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ ضَرْبَ الرَّأْسِ دُونَ مَا أَحْدَثَ انْتَهَى.
مِنْ اللَّخْمِيِّ وَنَقَلَهُ الزَّنَاتِيُّ وَغَيْرُهُ فَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا خَصَى الْإِنْسَانُ عَبْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِتَعْذِيبِهِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ غَارَ السَّيِّدُ مِنْهُ فَإِنْ رَآهُ يَتَعَرَّضُ لِحَرِيمِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقَصَدَ بِخِصَائِهِ تَنْكِيلَهُ بِذَلِكَ كَمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ كَانَ لِزِنْبَاعٍ عَبْدٌ يُسَمَّى سَنْدَرَ بْنَ سَنْدَرٍ فَوَجَدَهُ يُقَبِّلُ جَارِيَةً لَهُ فَجَبَّهُ وَجَدَعَ أَنْفَهُ فَعَتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ «مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ وَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ مَوْلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَرَضٌ فَأَدَّى عِلَاجُهُ وَمُدَاوَاتُهُ إلَى خِصَائِهِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا خَصَاهُ لَا لِتَعْذِيبِهِ وَلَا لِقَصْدِ الْمُدَاوَاةِ بَلْ لِيَزِيدَ ثَمَنَهُ فَمَفْهُومُ أَوَّلِ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا نَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: 119] وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ خِصَاءَ بَنِي آدَمَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ، وَأَنَّهُ مُثْلَةٌ، وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَطْعُ سَائِرِ أَعْضَائِهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَلَا قَوَدٍ، قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَسْمَ وَالْإِشْعَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ نَهْيِهِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَالْوَسْمُ الْكَيُّ بِالنَّارِ وَأَصْلُهُ الْعَلَامَةُ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِيسَمَ، وَهُوَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يُعْرَفَ كُلُّ مَالٍ فَيُؤَدَّى حَقُّهُ وَلَا يُتَجَاوَزُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ عَتَقَ عَلَى مَالِكِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا انْتَهَى.
ص (وَبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا) ش قَالَ ابْنُ رُشْدٍ سَأَلَنِي سَائِلٌ أَنْ أُوَضِّحَ لَهُ مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي التَّلْقِينِ: وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ ابْتِدَاءً وَمَنْ بَعَّضَ الْعِتْقَ بِاخْتِيَارٍ لَهُ أَوْ بِسَبَبِهِ لَزِمَهُ تَكْمِيلُهُ كَانَ الْبَعْضُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا وُجُودُ ثَمَنِهِ، وَالْآخَرُ بَقَاءُ مِلْكِهِ وَقِيلَ فِي هَذَا: يَلْزَمُ فِي ثُلُثِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا (فَقُلْت) أَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ، فَهُوَ كَلَامٌ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْعِتْقِ هُوَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ بَعْضَ عَبْدِهِ أَوْ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَمَضَى بِلَا خِلَافٍ وَلَزِمَهُ فِيهِ حُكْمٌ، وَهُوَ التَّتْمِيمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَالَ مَنْ «أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ» وَلَمْ يَقُلْ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ عِتْقُ مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ أَوْ شِقْصًا لَهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلِقَ فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا فِيمَا يَجِبُ رَدُّهُ كَعِتْقِ عَبْدِ غَيْرِهِ فَمُرَادُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ، أَيْ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْعِتْقِ مُبَعَّضًا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ تَتْمِيمِهِ مَانِعٌ وَهَذَا مَفْهُومٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا وَجْهَ مُرَادِهِ لِنُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ، وَأَنَّ فِيهِ تَجَاوُزًا وَلِلْمُخَاطَبِ أَنْ يُجَاوِزَ فِي اللُّقَطَةِ إذَا أَمِنَ إشْكَالَ الْمَعْنَى انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَعْتَقَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ الْمَيِّتِ]
(فَرْعٌ) إذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ، وَيَعْتِقُ جَمِيعُهُ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ: مَنْ أَقَرَّ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ذَكَرَهَا فِي الْعِتْقِ الثَّانِي فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (إنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ)
ش: أَيْ يَوْمَ الْحُكْمِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَى الْأَظْهَرِ يُقَوَّمُ يَوْمَ الْحُكْمِ لَا يَوْمَ الْعِتْقِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ خَاصَّةً وَأَمَّا إنْ عَمَّ الْعِتْقُ فَيَوْمَ الْعِتْقِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْجَوَاهِرِ.
ص (وَعَجَّلَ فِي ثُلُثِ مَرِيضٍ أُمِنَ)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدِهِ أَوْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْجِيلِ التَّقْوِيمِ فِي الْمَرَضِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُعَجِّلُ، وَلَا يَنْظُرُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ
وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعَجَّلُ التَّقْوِيمُ فِي الْمَرَضِ، وَهُوَ قَائِمٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ حَتَّى يَصِحَّ فَيَكُونَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ يَمُوتَ فَتَكُونَ الْقِيمَةُ مِنْ الثُّلُثِ يَنْفُذُ فِيهِ مَا حَمَلَ مِنْهَا وَرِقُّ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ أَوْ الشَّرِيكِ وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقِيلَ إنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ جَمِيعُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ فِيهِ حَظُّ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
ص (وَتَأْجِيلُ الثَّانِي أَوْ تَدْبِيرُهُ)
ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الثَّانِي فِيمَا فَعَلَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَإِذَا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرٍ مَضَى)
ش: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِشَرِيكِهِ بَيْعُهُ وَيُفْسَخُ بَيْعُهُ إنْ فَعَلَ فَإِنْ كَانَ مُعْتِقُ الْحِصَّةِ مُعْسِرًا بَقِيَ سَهْمُ شَرِيكِهِ رَقِيقًا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا وَإِذَا حُكِمَ بِبَيْعِهِ لِعُسْرٍ، أَيْ إذَا حُكِمَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْبَعْضِ الْبَاقِي مِنْ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لِعُسْرِ الْمُعْتِقِ مَضَى الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَلَا يُنْقَضُ لِيُسْرِهِ ثَانِيَةً قَالَ فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ مِنْهَا: وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَرُفِعَ إلَى الْإِمَامِ فَلَمْ يُقَوِّمْ عَلَيْهِ لِعُسْرِهِ، ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاشْتَرَى حِصَّةَ شَرِيكِهِ لَمْ يَعْتِقْ وَلَوْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ فَلَمْ يُقَوِّمْ عَلَيْهِ وَلَا نَظَرَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى أَيْسَرَ لَقُوِّمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ، وَهُوَ مُعْسِرٌ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ فِي حَالِ يُسْرِهِ وَلَمْ يُرْفَعْ أَمْرُهُ إلَّا بَعْدَ عُسْرِهِ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ التَّقْوِيمِ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ: وَإِنْ أَعْتَقَ فِي يُسْرِهِ، ثُمَّ قُيِّمَ عَلَيْهِ فِي عُسْرِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ " وَلَوْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ.
إلَى آخِرِهِ " مَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَ الْعُسْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَهَا.
ص (كَقَبْلِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ إنْ كَانَ بَيِّنَ الْعُسْرِ)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَلَمْ يُقَوِّمْ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ حَتَّى أَيْسَرَ، فَقَالَ مَالِكٌ قَدِيمًا: إنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ إنْ كَانَ يَوْمَ أَعْتَقَ يَعْلَمُ النَّاسُ وَالْعَبْدُ وَالْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْقِيَامَ؛ لِأَنَّهُ إنْ خُوصِمَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ لِعَدَمِهِ فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ غَائِبًا فَلَمْ يُقَوِّمْ حَتَّى أَيْسَرَ الْمُعْتِقُ لِنَصِيبِهِ لَقُوِّمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ أَعْتَقَ فِي يُسْرِهِ فَلَمْ يُطَالَبْ حَتَّى أَعْسَرَ، ثُمَّ أَيْسَرَ فَقَامَ شَرِيكُهُ حِينَئِذٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الثَّانِي فَنَصِيبُ الْأَوَّلِ عَلَى حَالِهِ)
ش:
ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ التَّقْوِيمُ إلَّا إذَا بَتَّ الثَّانِي، وَأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الثَّانِي نَصِيبَهُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ لَمْ يُمْنَعْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ الثَّانِي حِصَّتَهُ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي أَعْتَقَ الْأَوَّلُ إلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى، وَفِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة.
ص (وَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ إلَى قَوْلِهِ أَقْرَعَ) ش اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْوَصَايَا إنَّ الْمُدَبَّرِينَ فِي الصِّحَّةِ إذَا تَعَاقَبُوا قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَإِلَّا
فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُمْ بِالْحِصَصِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ انْتَهَى.
إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا فِي الصِّحَّةِ لَا قُرْعَةَ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ هُنَا فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ لَا قُرْعَةَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ أَثْلَاثَهُمْ)
ش: يَعْنِي فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَصَايَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَوْ قَالَ: أَثْلَاثُ رَقِيقِي لِفُلَانٍ فَإِنَّ لِفُلَانٍ ثُلُثَهُمْ بِالْقُرْعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَثْلَاثُ رَقِيقِي أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ شَرِيكًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ وَمَنْ لَهُ شِرْكٌ فِي رَقِيقِ جَمَعَ نَصِيبَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَيْسَ كَالْعِتْقِ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِهِمْ إذْ لَا يَسْتَبِدُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ وَاحِدَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَثْلَاثُ رَقِيقِي أَوْ أَنْصَافُهُمْ أَحْرَارٌ أَوْ ثُلُثُ كُلِّ رَأْسٍ أَوْ نِصْفُ كُلِّ رَأْسٍ أُعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ إنْ حَمَلَ ذَلِكَ ثُلُثَهُ وَلَا يَبْدَأُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قَالَ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَسَكَتَ عَنْ بَاقِيهِمْ فَهَلْ يَعْتِقُ جَمِيعُهُمْ أَوْ مَنْ سَمَّى اُنْظُرْ أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ فِي الْوَصَايَا وَالْمَشَذَّالِيِّ فِي الْوَصَايَا الْأَوَّلِ.
[بَاب التَّدْبِير]
ص بَابٌ (التَّدْبِيرُ تَعْلِيقُ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ وَإِنْ زَوْجَةً فِي زَائِدِ الثُّلُثِ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ لَا عَلَى وَصِيَّةٍ) ش: هَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى الْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ وَصِيَّةٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْإِضَافِيَّاتِ وَذَكَرُوا أَنَّهُ يُجْتَنَبُ فِي التَّعْرِيفَاتِ لِإِجْمَالِهِ ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُمْ مِنْ اجْتِنَابِ الْإِضَافِيَّاتِ لَا أَعْرِفُهُ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ وَلَيْسَتْ الْإِضَافَةُ مَلْزُومَةً لِلْإِجْمَالِ وَلِذَا وَقَعَتْ فِي
تَعْرِيفَاتِهِمْ كَثِيرًا كَقَوْلِ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ حَمْلُ مَعْلُومٍ بِإِضَافَةِ حَمْلٍ إلَى مَعْلُومٍ، وَقَوْلُهُمْ فِي: التَّنَاقُضِ هُوَ اخْتِلَافُ قَضِيَّتَيْنِ وَلَوْ اعْتَرَضَهُ بِالتَّرْكِيبِ، وَهُوَ وَقْفُ مَعْرِفَةِ الْمُعَرَّفِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْهُ لَيْسَتْ أَعَمَّ وَلَا أَخَصَّ كَانَ صَوَابًا انْتَهَى.
يَعْنِي بِالْحَقِيقَةِ الْأُخْرَى الْوَصِيَّةَ.
ص (وَقُدِّمَ الْأَبُ عَلَى غَيْرِهِ فِي الضِّيقِ)
ش: هَذَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ هُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ وَاخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ: " وَإِذَا كَانَ الِابْنُ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ فَهَلْ يُحَاصُّ أَبُوهُ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمُدَبَّرِينَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ خِلَافًا لِابْنِ نَاجِي الَّذِي يَقُولُ: يَعْتِقُ مِنْهُمْ مَحْمَلُ الثُّلُثِ بِالْقُرْعَةِ أَوْ يَكُونُ الْأَبُ مُقَدَّمًا فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَدْبِيرُهُ عَلَى تَدْبِيرِ وَلَدِهِ كَالْمُدَبَّرِينَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
فَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: " مَا وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ أَوْ وُلِدَ لِلْمُدَبَّرِ مِنْ أَمَتِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ بِمَنْزِلَتِهِمَا وَالْمُحَاصَّةُ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فِي الثُّلُثِ، وَيَعْتِقُ مَحْمَلُ الثُّلُثِ مِنْ جَمِيعِهِمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: " وَالْمُحَاصَّةُ إلَى آخِرِهِ " الشَّيْخُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ يُؤْثَرُ الْآبَاءُ عَلَى الْأَبْنَاءِ كَمَا فِي الْحَبْسِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْحَبْسِ خِلَافٌ انْتَهَى.
ص (وَفُسِخَ بَيْعُهُ إنْ لَمْ يَعْتِقْ)
ش: أَيْ فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ عِتْقَهُ يَنْفُذُ وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُشْتَرِي وَيَكُونُ جَمِيعُ الثَّمَنِ سَائِغًا لِلْبَائِعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُبْتَاعُ بِشَيْءٍ، وَقَالَهُ جَمِيعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ التَّدْبِيرِ مِنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ غَابَ الْمُدَبَّرُ يَعْنِي: الْمَبِيعَ فَعَمَى خَبَرُهُ قَالَ أَصْبَغُ: الْقِيَاسُ عِنْدِي إذَا اسْتَعْفَى أَمْرُهُ فَأَيِسَ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ كَمَا تَعْتَدُّ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عِدَّةَ الْمَيِّتِ دُونَ الْحَيِّ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا غَلَطٌ، وَقَدْ طَلَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَدَّ الْمُدَبَّرَةِ الَّتِي بَاعَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَلَمْ يَجِدْهَا فَأَخَذَ الثَّمَنَ فَجَعَلَهُ فِي جَارِيَةٍ يُدَبِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: بِجَعْلِ ثَمَنِهِ كُلِّهِ فِي مُدَبَّرٍ قَالَ أَصْبَغُ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْبَيَانَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْمُدَبَّرِ.
ص (وَقُوِّمَ بِمَالِهِ فِي الثُّلُثِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
[فَرْعٌ دَبَّرَهُ السَّيِّدُ فِي صِحَّتِهِ وَاسْتَثْنَى مَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ دَبَّرَهُ السَّيِّدُ فِي صِحَّتِهِ وَاسْتَثْنَى مَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَعْنِي بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ جَازَ ذَلِكَ
فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ قُوِّمَ الْمُدَبَّرُ بِبَدَنِهِ بِغَيْرِ مَالِهِ وَيَصِيرُ مَالُهُ مِنْ أَمْوَالِ السَّيِّدِ وَكَذَلِكَ إذَا دَبَّرَهُ فِي مَرَضِهِ وَاسْتَثْنَى مَالَهُ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ كِنَانَةَ، وَقَالَ: لَيْسَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَيَتْبَعُهُ مَالُهُ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُدَبَّرِ.
ص (فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ إلَّا بَعْضُهُ عَتَقَ وَأُقِرَّ مَالُهُ بِيَدِهِ)
ش: أَيْ أُقِرَّ مَالُهُ كُلُّهُ بِيَدِهِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: " أُقِرَّ بِيَدِهِ نِصْفُ مَالِهِ " سَهْوٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِسَنَةٍ إلَى آخِرِهِ) ش هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ يُوصِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِهِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْمُوَثَّقُونَ: وَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ عَبْدًا طُولَ حَيَاتِهِ وَيَكُونَ حُرًّا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيُعْتِقُهُ الْآنَ قَبْلَ السَّبَبِ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ وَفَاتُهُ بِأَجَلٍ يُسَمِّيهِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إذْ لَيْسَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَالْوَاجِبُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ يُعَجِّلَ عِتْقَهُ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِيَقِينٍ، إمَّا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا بِمَوْتِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ اخْتِدَامِهِ بِشَكٍّ إذْ لَا يُدْرَى لَعَلَّهُ حُرٌّ مِنْ الْآنِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِك بِكَذَا وَكَذَا فَيُعَجِّلُ عِتْقَهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا عِتْقَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ، أَشْهَبَ انْتَهَى.
ص (وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ عَمْدًا) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ أَنَّ قَتْلَ الْمُدَبَّرِ سَيِّدَهُ خَطَأً
عِتْقٌ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَعْتِقْ فِي دِيَتِهِ وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ دَيْنًا لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَنَعَهُ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ، وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا قُتِلَ بِهِ فَإِنْ اسْتَحْيَاهُ الْوَرَثَةُ بَطَلَ تَدْبِيرُهُ وَكَانَ رِقًّا لَهُمْ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ دَيْنًا صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ أَصْبَغُ فِي رَسْمِ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ: وَهَذَا إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ عَتَقَ مِنْهُ مَحْمَلُهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَيَتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا يَدْخُلُ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنْ الدِّيَةِ وَلَا يَعْتِقُ فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ يَبْطُلُ إنْ كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا هُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ عَمْدًا لَا إرْثَ لَهُ مِمَّنْ قَتَلَهُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْتُ) وَقَتْلُ أُمِّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا عَمْدًا قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ لَازِمٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَتُقْتَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا وَلَا تُتْبَعُ بِعَقْلٍ فِي الْخَطَإِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تُتْبَعُ بِمِثْلِهِ وَعِتْقُهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَالَ لِعَبْدِهِ اعْمَلْ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَإِذَا مَاتَتْ فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَتَلَهَا عَمْدًا]
(فَرْعٌ) نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ إنْ قَدِمَ أَبُوهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اعْمَلْ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَإِذَا مَاتَتْ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ إنْ قَتَلَهَا عَمْدًا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ قَالَهُ سَحْنُونٌ قَالَ كَأُمِّ الْوَلَدِ تَقْتُلُ سَيِّدَهَا عَمْدًا فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ مَا جَنَتْ مَا عَقَدَ عَلَيْهَا مِنْ الْعِتْقِ انْتَهَى.
[بَاب الْمُكَاتَبَة]
ص (بَابٌ) (نَدْبُ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ التَّبَرُّعِ)
ش: يُقَالُ: كِتَابَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ، وَكِتَابٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِنُجُومِهَا فَإِنَّ الْكِتَابَةَ هِيَ الْأَجَلُ قَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4] . أَيْ: أَجَلٌ مُقَدَّرٌ، وَمِنْهُ قِيلَ: كَاتَبَ عَبْدَهُ أَيْ: وَأَجَّلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَحَدُّهَا فِي الشَّرْعِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِتْقُ الرَّجُلِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ مُنَجَّمًا انْتَهَى.
كَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ عِتْقٌ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ مِنْ الْعَبْدِ مَوْقُوفٍ عَلَى أَدَائِهِ فَيَخْرُجُ مَا عَلَى مَالٍ مُعَجَّلٍ وَلِذَا قَالَ فِيهَا: لَا تَجُوزُ كِتَابَةُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ عِتْقُهَا عَلَى مَالٍ وَيَخْرُجُ عِتْقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: " نَدْبُ " يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ النَّدْبُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَمُقَابِلُهُ قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَلَّابِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ يَتْلُو ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: 10] فَجَعَلَهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِوُجُوبِهَا لِلْأَمْرِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْخَيْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ هَلْ هُوَ الْمَالُ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ الصَّلَاحُ أَوْ الدِّينُ أَوْ الْأَمَانَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ الْقُوَّةُ عَلَى الْأَدَاءِ انْتَهَى.
وَفَصَّلَ اللَّخْمِيُّ فِي حُكْمِهَا، فَقَالَ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا يُعْرَفُ بِسُوءٍ وَسِعَايَتُهُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَقَدْرُ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَرَاجِهِ بِكَثِيرٍ
فَهِيَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْرُ الْكِتَابَةِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ فَمُبَاحَةٌ، وَإِنْ عُرِفَ بِالسُّوءِ وَالْإِذَايَةُ فَمَكْرُوهَةٌ إنْ كَانَتْ سِعَايَتُهُ مِنْ حَرَامٍ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: " أَهْلُ تَبَرُّعٍ " هُوَ فَاعِلُ الْمَصْدَرِ، وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ مِنْ أَرْكَانِهَا فَإِنَّ لَهَا أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ: الْمَكَاتِبُ، وَالْمُكَاتَبُ وَالصِّيغَةُ، وَالْعِوَضُ، فَالْأَوَّلُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُمْ أَهْلُ التَّبَرُّعِ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَتَصِحُّ كِتَابَتُهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمَرِيضُ وَالْمَرْأَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إذَا لَمْ يُحَابَيَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِكَاتَبْتُكَ وَنَحْوُهُ بِكَذَا)
ش: هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي، وَهُوَ الصِّيغَةُ قَالَ فِي اللُّبَابِ: هُوَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الصِّيغَةُ مِثْلُ كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا فِي نَجْمٍ أَوْ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: مِثْلُ كَاتَبْتُكَ يَعْنِي، وَأَنْتَ مُكَاتَبٌ أَوْ مُعْتَقٌ عَلَى نَجْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي نَجْمٍ أَوْ نَجْمَيْنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَلَّ مِنْ النُّجُومِ أَوْ كَثُرَ وَهَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَخْتَارُ جَعْلَهَا فِي نَجْمَيْنِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ جُزَيٍّ وَنَقَلَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلًا بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهَا فِي نَجْمَيْنِ انْتَهَى.
[تَنْبِيه الْمُكَاتَبَ يَعْتِقُ إذَا أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ، وَإِنْ أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَعْتِقُ إذَا أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَقُولَ لَهُ مَوْلَاهُ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ جَمِيعَ كِتَابَتِك فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ فِعْلِهِمَا وَقَصْدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ: لِأَنَّ لَفْظَ الْكِتَابَةِ يَتَضَمَّنُ الْحُرِّيَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَفْظُ كَاتَبْتُكَ لَيْسَ صَرِيحًا فَلَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت إنْ أَدَّى فَهُوَ حُرٌّ لِدَوَرَانِ الْكِتَابَةِ بَيْنَ الْمُخَارَجَةِ وَالْكِتَابَةِ بِالْقَلَمِ فَلَا يَنْصَرِفُ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُشْتَهِرٌ فِي الْفَرْقِ فِي الْكِتَابَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ انْتَهَى.
فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَكُونُ بِاللَّفْظِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ لَهُ مَوْلَاهُ: إذَا أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَنَّ التَّنْجِيمَ الْمُشْتَرَطَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي نَجْمٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَظَاهِرُهَا اشْتِرَاطُ التَّنْجِيمِ وَصُحِّحَ خِلَافُهُ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا
أَنَّ الْكِتَابَةَ الْحَالَّةَ لَا تَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ الشَّيْخِ يَعْنِي فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهَا حَالَّةً بَلْ عَلَى عَدَمِ صِدْقِ لَفْظِ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ
وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ عَلَى مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَتَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً فَإِنْ وَقَعَتْ مَسْكُوتًا عَلَيْهَا نُجِّمَتْ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ التَّنْجِيمُ هَذَا قَوْلُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي رِسَالَتِهِ وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ وَسَيِّدُهُ مِنْ الْمَالِ مُنَجَّمًا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مُنَجَّمَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَالْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ تُسَمَّى بِالْقُطَاعَةِ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ، وَنَصُّهُ: " قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ التَّأْجِيلَ شَرْطٌ فِي الْكِتَابَةِ قَالَ وَعُلَمَاؤُنَا النَّظَّارَةُ يُجِيزُونَ الْكِتَابَةَ الْحَالَّةَ وَيُسَمُّونَهَا الْقَطَاعَةَ انْتَهَى.
وَتُطْلَقُ الْقَطَاعَةُ أَيْضًا عَلَى مَا يَفْسَخُ السَّيِّدُ فِيهِ كِتَابَةَ الْعَبْدِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَالْقَطَاعَةُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا هِيَ مُقَاطَعَةُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ الْمُكَاتَبَ عَلَى مَالٍ يَتَعَجَّلهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْعِوَضِ مِنْهُ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَجَّلًا وَكَأَنَّهُ مَا انْقَطَعَ طَلَبُهُ عَنْهُ بِمَا أَعْطَاهُ وَانْقَطَعَ لَهُ بِتَمَامِ حُرِّيَّتِهِ بِذَلِكَ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ مَا كَانَ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ جُمْلَتِهِ وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِكُلِّ مَا كَانَ وَبِمَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَغَرِيمِهِ عَجَّلَ الْعِتْقَ لِقَبْضِ جَمِيعِهِ أَوْ أَخَّرَهُ لِتَأْخِيرِ بَعْضِهِ عَجَّلَ قَبْضَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ أَوْ أَخَّرَهُ وَسَحْنُونٌ لَا يُجِيزُهَا إلَّا بِمَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَغَرِيمِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْفَعَالَةُ بِالْفَتْحِ لِلسَّجَايَا الْخُلُقِيَّةِ كَالشَّجَاعَةِ، وَبِكَسْرِهَا لِلصَّنَائِعِ كَالتِّجَارَةِ، وَالْخِيَاطَةِ، وَبِضَمِّهَا لِمَا يُطْرَحُ كَالنُّخَالَةِ وَالزُّبَالَةِ وَهَذِهِ الِاسْتِعْمَالَاتُ أَكْثَرِيَّةٌ غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، وَالْقِطَاعَةُ: هِيَ بَيْعُ الْكِتَابَةِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَهِيَ نَوْعٌ مِنْ التِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ فَالْكَسْرُ فِيهَا أَنْسَبُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَعَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ التَّنْجِيمِ، وَهُوَ التَّأْجِيلُ فَيَكْفِي أَنْ يَجْعَلَ الْكِتَابَةَ كُلَّهَا فِي نَجْمٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: وَصُحِّحَ خِلَافُهُ، قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَزْوِيجٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْهَا: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَإِنْ رَآهُ مِنْ وَجْهِ النَّظَرِ أَوْ يُسَافِرَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ السَّيِّدُ عَلَيْهِ أَمْ لَا إلَّا مَا قَرُبَ مِنْ السَّفَرِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ لِحُلُولِ نَجْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَتَزَوَّجُ بِإِذْنِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ
مَعَهُ غَيْرُهُ.
أَشْهَبُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ غَيْرُهُ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إجَازَةُ نِكَاحِهِ إلَّا بِإِجَازَةِ مَنْ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا صِغَارًا فَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيُتْرَكُ لَهَا إنْ دَخَلَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَلَا تَتْبَعُهُ إنْ عَتَقَ بِمَا بَقِيَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَجَازَهُ جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ فُسِخَ وَلَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ انْتَهَى.
وَهَذَا فِي الذَّكَرِ وَأَمَّا الْأُنْثَى فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هَلْ لَهُ الْجَبْرُ أَمْ لَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ أَنَّهُ إنْ نَكَحَ أَوْ سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَحْوُ كِتَابَتِهِ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحْوُهَا إنْ فَعَلَ الْمُكَاتَبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلْيَرْفَعْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، قَالَ رَبِيعَةُ لِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ فِي بَعِيدِ السَّفَرِ بِحُكْمِ الْإِمَامِ، وَإِنْ نَكَحَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَانْتَزَعَ مَا أَعْطَى انْتَهَى.
ص (وَسَفَرٌ بَعُدَ إلَّا بِإِذْنٍ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي سَفَرِ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ: قَدْ تَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا كَانَ قَرِيبًا، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ مُؤْنَةٍ فِيمَا يَغِيبُ عَلَى سَيِّدِهِ إذَا حَلَّتْ نُجُومُهُ، وَاخْتَارَ هُوَ الْمَنْعَ مِنْهُ إنْ كَانَ صَانِعًا أَوْ تَاجِرًا قَبْلَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ سِعَايَتُهُ فِي الْحَاضِرَةِ إلَّا أَنْ تَبُورَ صِنَاعَتُهُ الْجَارِيَةُ فَلَهُ السَّفَرُ بِحَمِيلٍ بِالْأَقَلِّ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُ السَّفَرَ وَمِنْهُ سِعَايَتُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحَمِيلٍ، وَإِنْ كَانَ النَّجْمُ يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ مُنِعَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَعُودُ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَتْ هُنَاكَ تُهْمَةٌ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَوْ يَتَأَخَّرُ مُنِعَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِحَمِيلٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت الْحَمَالَةُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
ص (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ أَوْ غَابَ عِنْدَ الْمَحِلِّ وَلَا مَالَ لَهُ فَسَخَ الْحَاكِمُ)
ش: أَيْ فَسَخَ الْحَاكِمُ الْكِتَابَةَ وَعَادَ الْعَبْدُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ مِنْ رِقٍّ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " رُقَّ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفُسِخَتْ إنْ مَاتَ، وَإِنْ عَنْ وَلَدٍ) ش
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ فِي مَرَضِهِ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ مَاتَ دَفَعَهَا أَوْ أَمَرَ بِدَفْعِهَا فَلَمْ تَصِلْ إلَى السَّيِّدِ حَتَّى مَاتَ وَأَوْصَى بِوَصَايَا فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ: فَلَوْ بَعَثَ كِتَابَتَهُ فِي مَرَضِهِ إلَى سَيِّدِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا السَّيِّدُ حِينَ وُصُولِهَا إلَيْهِ هَلْ يَكُونُ حُرًّا وَيَرِثُهُ وَرَثَتُهُ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ وُجِدَ الْعِوَضُ مَعِيبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ مَوْصُوفٌ كَمُعَيَّنٍ، وَإِنْ بِشُبْهَةٍ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ)
ش: هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى " إنْ " فِي قَوْلِهِ: " وَفُسِخَتْ إنْ مَاتَ " وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ إذَا وُجِدَ الْعِوَضُ مَعِيبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ، وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ صَرِيحَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّهُ يَتَمَشَّى عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَفُسِخَتْ الْعَتَاقَةُ وَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ لَوْلَا مَا عَارَضَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَبْدِ الْمَوْصُوفِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْعِوَضُ مَعِيبًا تُفْسَخُ الْعَتَاقَةُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَإِنْ وُجِدَ الْعِوَضُ مَعِيبًا فَمِثْلُهُ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَوْصُوفًا فَقِيمَتُهُ كَمُعَيَّنٍ بِشُبْهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَتْبَعَ بِهِ دَيْنًا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَهَذَا الْكَلَامُ أَقْرَبُ إلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَمُوَافَقَةِ النَّقْلِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُسْتَحَقِّ: إذَا كَانَ مَوْصُوفًا يَرْجِعُ فِيهِ بِالْقِيمَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا يَرْجِعُ فِيهِ بِالْمِثْلِ انْتَهَى.
وَقَبِلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي نَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ بَعْضَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ أَقْرَبُ إلَى الِاسْتِقَامَةِ وَمُوَافَقَةِ النَّقْلِ فَلْنَشْرَحْهَا وَنُبَيِّنْ مُوَافَقَتَهَا لِلنَّقْلِ فَقَوْلُهُ: وَإِنْ وُجِدَ الْعِوَضُ مَعِيبًا، فَمِثْلُهُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَبَضَ السَّيِّدُ مِنْ الْمُكَاتَبِ الْعِوَضَ يَعْنِي الْكِتَابَةَ يُرِيدُ أَوْ بَعْضَهَا فَوَجَدَ مَا قَبَضَهُ أَوْ بَعْضَهُ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَالرُّجُوعُ بِمِثْلِهِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنَّمَا تَكُونُ
بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْأَعْوَاضُ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ إذَا اُطُّلِعَ فِيهَا عَلَى عَيْبٍ قُضِيَ بِمِثْلِهَا انْتَهَى.
يُرِيدُ وَلَا يُرَدُّ الْعِتْقُ وَلَوْ كَانَ عَدِيمًا قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فَعَتَقَ بِأَدَائِهِ، ثُمَّ أَلْفَاهُ السَّيِّدُ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَيَتْبَعُهُ بِمِثْلِهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَلَا يُرَدُّ الْعِتْقُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى عَبْدٍ مَضْمُونٍ وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا لَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ كَالنِّكَاحِ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ وَالْخُلْعِ عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ اُسْتُحِقَّ مَوْصُوفٌ فَقِيمَتُهُ كَمُعَيَّنٍ، يَعْنِي بِهِ إذَا اُسْتُحِقَّ مَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْ كِتَابَةِ عَبْدِهِ أَوْ قَطَاعَتِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَصَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ مَوْصُوفًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا اُسْتُحِقَّ وَكَانَ مُعَيَّنًا بِقِيمَتِهَا أَمَّا الْمُعَيَّنُ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ فَتَبِعَ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَنَصُّهُ: " وَلَا اخْتِلَافَ إذَا قَاطَعَ سَيِّدَهُ عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ وَاسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَلَا يَرُدُّهُ فِي الْكِتَابَةِ " انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ بِشُبْهَةٍ " شَرْطٌ فِي مُضِيِّ الْعَقْدِ وَالرُّجُوعِ بِالْقِيمَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَوْصُوفِ الْمُعَيَّنِ وَيَعْنِي بِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا دَفَعَ لِسَيِّدِهِ شَيْئًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ شُبْهَةٌ فَإِنَّ عِتْقَهُ لَا يَمْضِي وَيَعُودُ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا قَالَ فِي الْبَيَانِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَأَمَّا إذَا قَاطَعَ سَيِّدَهُ عَلَى شَيْء بِعَيْنِهِ وَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مِلْكِهِ غُرَّ بِهِ مَوْلَاهُ كَالْحُلِيِّ يَسْتَوْدِعُهُ وَالثِّيَابِ يَسْتَوْدِعُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيَرْجِعُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ قِيمَةَ مَا قَاطَعَ بِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اُتُّبِعَ بِهِ دَيْنًا فَيَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ الَّذِي دَفَعَ إلَّا الْمَعِيبُ وَالْمُسْتَحَقُّ الَّذِي لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مَالٍ فَإِنَّهُ يُتْبَعُ بِالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا تَعُودُ مُكَاتَبَتُهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: إنْ غَرَّهُ سَيِّدُهُ بِمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ رُدَّ عِتْقُهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ مَضَى عِتْقُهُ وَاتُّبِعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ دَيْنًا انْتَهَى.
قَوْلُهُ: رُدَّ عِتْقُهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ وَيَرْجِعُ مُكَاتَبًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ يَتَحَصَّلُ فِي الْمُكَاتَبِ يُقَاطِعُ سَيِّدَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى شَيْءٍ يُعَيِّنُهُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْكِتَابَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى سَيِّدِهِ قِيمَةَ ذَلِكَ مَلِيئًا كَانَ أَوْ مُعْدِمًا، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ مِنْ أَمْوَالِ غُرَمَائِهِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْدِمًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْكِتَابَةِ مَلِيئًا كَانَ أَوْ مُعْدِمًا وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مُعْدِمًا فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ حُرٌّ بِالْقَطَاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغُرَمَاءِ فَسَيَأْتِي أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مُكَاتَبٍ قَاطَعَ سَيِّدَهُ فِيمَا بَقِيَ لَهُ عَلَيْهِ عَلَى عَبْدٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَاعْتَرَفَ مَسْرُوقًا فَلْيَرْجِعْ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ هَذَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَادَ مُكَاتَبًا، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُرَدُّ عِتْقُهُ إذَا تَمَّتْ حُرِّيَّتُهُ، وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ قَالَا عَنْ مَالِكٍ: وَإِنْ قَاطَعَهُ عَلَى وَدِيعَةٍ أُودِعَتْ عِنْدَهُ فَاعْتَرَفَ رُدَّ عِتْقُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَرَادَ غُرَمَاؤُهُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ السَّيِّدِ مَا قَبَضَ مِنْهُ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ مَا دُفِعَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلَهُمْ أَخْذُهُ، وَيَرْجِعُ رِقًّا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ مَضَى عِتْقُهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ رِقًّا يُرِيدُ مُكَاتَبًا وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دَفَعَ إلَى سَيِّدِهِ شَيْئًا تَقَدَّمَتْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ أَنَّهُ يُرَدُّ عِتْقُهُ وَيَرْجِعُ مُكَاتَبًا خِلَافُ مَالِهِ بَعْدَ هَذَا انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فَجَعَلَ ابْنُ يُونُسَ مَا تَقَدَّمَ لِهَذَا الْعَبْدِ مِنْ مِلْكِهِ لِهَذَا الَّذِي دَفَعَ إلَى السَّيِّدِ شُبْهَةً، وَإِنْ
كَانَ أَمْوَالَ غُرَمَائِهِ، وَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ لِتَسَلُّطِ الْغُرَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ فَحَمَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى الْخِلَافِ، وَحَمَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْوِفَاقِ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: قَالَ الشَّيْخُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ السَّيِّدِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ أَوْ عَنْ الْمُقَاطَعَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا غَرِمَ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْ السَّيِّدِ وَمَضَى عِتْقُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا افْتَرَقَ الْجَوَابُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ، وَإِنَّمَا قَضَى مِنْ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ أَوْ مِنْ وَدِيعَةٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ إنْ كَانَ يُرْجَى لَهُ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى رُدَّ فِي الرِّقِّ وَسَقَطَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ شُبْهَةٌ اُتُّبِعَ بِذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ أَعْتَقَهُ عِنْدَمَا دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَلَا يُرَدُّ عِتْقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَالِ، وَتَشَاهَدَا أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِ لِدَفْعِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ الْحُرِّيَّةَ بِالْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ بِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْكِتَابَةِ أَوْ فِي الرِّقِّ إذَا كَانَ لَا يُرْجَى لَهُ مَالٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ أَنْ طَالَ أَمْرُهُ وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ وَوَرِثَ الْأَحْرَارُ فَيُسْتَحْسَنُ أَنْ لَا يُرَدَّ انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: إذَا قَاطَعَهُ سَيِّدُهُ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَتَحْصِيلُهُ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا غَرِمَ لِلسَّيِّدِ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ وَمَضَى عِتْقُهُ وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ أَمْ لَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ عِتْقَهُ مَرْدُودٌ جُمْلَةً، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْبَابِ إذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَالثَّانِي أَنَّ عِتْقَهُ مَاضٍ وَلَا يُرَدُّ وَيَتْبَعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ فِي الْكِتَابِ، وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَتْ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ فَيَمْضِي عِتْقُهُ وَيُتْبَعُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ فَيَرُدُّ السَّيِّدُ عِتْقَهُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ الرُّوَاةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمُكَاتَبِ يُقَاطَعُ عَلَى وَدِيعَةٍ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ أَوْ يَقْصُرَ فَيَمْضِي عِتْقُهُ مَعَ الطُّولِ وَيُرَدُّ مَعَ الْقُرْبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ عِتْقِهِ هَلْ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ أَوْ إلَى الْحُرِّيَّةِ؟ الْمَذْهَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كُلُّهَا مُسْتَقْرَأَةٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ لَا إلَى الْكِتَابَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى كِتَابَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الرُّوَاةِ، وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُرْجَى لَهُ مَالٌ فَيُرَدُّ إلَى الْكِتَابَةِ أَوْ لَا يُرْجَى لَهُ مَالٌ فَيُرَدُّ إلَى الرِّقِّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مَا دَفَعَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ هَلْ يُرِيدُ أَمْوَالَهُمْ بِعَيْنِهَا أَوْ دَفَعَ وَقَدْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ مَا كَانَ بِيَدِهِ وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّهُ إنْ دَفَعَ، وَهُوَ مُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ فَلَهُمْ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَعْيَانُ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالُهُمْ أَوْ مَا تَوَلَّدَ عَنْهَا وَكَمَا لَهُمْ مَنْعُ الْحُرِّ مِنْ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ مُسْتَغْرِقَ الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ لَهُمْ مَنْعُ هَذَا مِنْ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ بِهَذَا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بَعْدَ هَذَا: إذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ مِدْيَانًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاطِعَ سَيِّدَهُ، وَيَبْقَى لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ غُرَمَاءَهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ سَيِّدِهِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ وَكَذَلِكَ أَدَاؤُهُ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمْ وَأَثْمَانِ ذَلِكَ وَمَا اعْتَاضَ الْمُكَاتَبُ مِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ كَأَعْيَانِ أَمْوَالِهِمْ وَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا دَفَعَهُ إلَى السَّيِّدِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ هُوَ مَا دَفَعَ مِمَّا أَفَادَهُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ أَوْ أَرْشِ خَرَاجِهِ أَوْ دَفَعَهُ مِمَّا بِيَدِهِ وَلَيْسَ بِمُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ، وَفِيمَا بَقِيَ بِيَدِهِ وَفَاءً لِدَيْنِهِ، وَإِنْ أُشْكِلَ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِ الْعِتْقِ فَإِنْ اعْتَرَفَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَنْفُذَ الْعِتْقُ وَيَرُدَّ عَلَى الْغُرَمَاءِ مَا قَبَضَ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ السَّيِّدِ أَخَذَهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ عَنْ كِتَابَتِهِ أَوْ عَنْ قَطَاعَتِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أَخَذَ مِنْهُ مِثْلَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْوَالِ، وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْصُوفًا أَوْ مُعَيَّنًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَالْمَوْصُوفُ يَرْجِعُ فِيهِ لِلْمِثْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يُرَدُّ
الْعِتْقُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ فِيمَا دَفَعَهُ شُبْهَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَالرَّجْرَاجِيُّ خِلَافُ مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا إذَا كَاتَبَهُ بِمَالِهِ فِيهِ شُبْهَةٌ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكِتَابَةِ مَلِيئًا كَانَ أَوْ مُعْدِمًا، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إلَى الْكِتَابَةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكِتَابَةِ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ فِيهِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ شُبْهَةٌ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكِتَابَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لَكِنْ نَقَلَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الرِّقِّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّجْرَاجِيُّ آخِرًا، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا وَأَمَّا تَفْصِيلُ اللَّخْمِيِّ بَيْنَ مَنْ يُرْجَى لَهُ مَالٌ أَوْ لَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُرْجَى لَهُ مَالٌ إذَا رَدَدْنَاهُ لِلْكِتَابَةِ وَعَجَزَ عَنْهَا رَجَعَ رَقِيقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ يُتْبَعُ بِذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَعُودُ إلَى الْكِتَابَةِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَعُودُ إلَى الْكِتَابَةِ، وَذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ قَوْلًا بِأَنَّهُ يَعُودُ رَقِيقًا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا دَفَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْغُرَمَاءِ فَجَعَلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِمَّا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) إنْ قِيلَ لِمَ قُلْتُمْ إذَا اُسْتُحِقَّ مَا قَاطَعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ وَلَمْ تَقُولُوا يَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ الْكِتَابَةِ الَّتِي قَاطَعَ عَلَيْهَا كَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَيْنِهِ عَرْضًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ، قِيلَ الْكِتَابَةُ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّهَا تَارَةً تَصِحُّ، وَتَارَةً لَا تَصِحُّ فَأَشْبَهَتْ مَا لَا عِوَضَ لَهُ مَعْلُومٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ بِعِوَضٍ يُسْتَحَقُّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ.
ص (وَقَلِيلٌ كَخِدْمَةٍ لَغْوٌ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ) لَوْ شَرَطَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ خَمْرًا عَادَ رَقِيقًا، فَفَعَلَ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ قَالَهُ فِي النُّكَتِ، وَنُقِلَ هَذَا الْفَرْعُ فِي التَّوْضِيحِ وَسَقَطَ مِنْ بَعْضِ نُسَخِهِ لَفْظَةُ لَيْسَ فَفَسَدَ الْكَلَامُ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْكَبِيرِ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ رَجَعَ رَقِيقًا وَكَذَا فِي الشَّامِلِ وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ وَقَدْ نَقَلْت لَفْظَ النُّكَتِ فِي حَاشِيَةِ الشَّامِلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (رُقَّ كَالْقِنِّ)
ش: أَيْ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ حِينَئِذٍ فِي
فِدَائِهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ إسْلَامِهِ.
ص (رَجَعُوا بِالْفَضْلَةِ)
ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ اثْنَانِ مَالًا لِيُؤَدِّيَهُ فِي الْكِتَابَةِ فَدَفَعَ لَهُ مَالَ أَحَدِهِمَا، وَخَرَجَ حُرًّا فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَالَ الْآخَرِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَالُ مَنْ بَقِيَ فَإِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا دَفَعَا إلَيْهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ مَالٌ لِأَمْرٍ مَا، إمَّا لِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ صَالِحًا أَوْ فَقِيرًا وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الْخَصْلَةُ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يَأْكُلُهُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَكَلَ حَرَامًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ حَاشِيَةَ الْمَشَذَّالِيّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
ص (وَأَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا أَوْ وَعَلَيْك لَزِمَ الْعِتْقُ وَالْمَالُ)
ش: ذَكَرَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ هُنَا خَمْسَ صِيَغٍ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ مُخَرَّجٌ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْأُولَى: قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ وَالْعَبْدُ غَيْرُ رَاضٍ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ إلْزَامُ السَّيِّدِ الْعِتْقَ الْمُعَجَّلَ وَالْعَبْدِ الْمَالَ بِكُلِّ حَالٍ مُعَجَّلًا إنْ كَانَ مُوسِرًا أَوْ دَيْنًا إنْ كَانَ مُعْسِرًا انْتَهَى.
وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ مَالِكٍ بِإِلْزَامِهِ الْعِتْقَ وَالْمَالَ كَمَا فِي الْأُولَى انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ عِتْقٌ فِي الْمَالِ وَالْحَالِ فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ تُؤَدِّي أَوْ تَدْفَعَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: عِتْقٌ يُرِيدُ إذَا قَبِلَ الْعَبْدُ، وَهَذَا الْكَلَامُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كَذَا وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ حَمَلَ ابْنُ رَاشِدٍ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَقَدْ ذَكَرُوا هَهُنَا صِيَغًا إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي الْأُولَى وَهِيَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ بِإِلْزَامِهِ الْعِتْقَ وَإِلْزَامِ الْعَبْدِ الْمَالَ وَسَوَاءٌ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ مَثَلًا أَوْ لَمْ يَقُلْ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ
الْمُصَنِّفُ انْتَهَى.
فَانْظُرْ أَوَّلَ كَلَامِهِ وَآخِرَهُ كَيْفَ قَالَ: أَوَّلًا يُرِيدُ إذَا قَبِلَ الْعَبْدُ، وَقَالَ آخِرًا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ قَوْلُ مَالِكٍ بِإِلْزَامِ السَّيِّدِ الْعِتْقَ، وَالْعَبْدِ الْمَالَ فَفِي كَلَامِهِ تَدَافُعٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمَ: قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لَغْوٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك كَذَا أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كَذَا هُمَا سَوَاءٌ يُعْتَقُ الْعَبْدُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ قُلْت فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سَوَاءٌ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
وَهُوَ الَّذِي حَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفَهِمَ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه قَالَ السَّيِّد أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ أَلْفًا]
(تَنْبِيهٌ) وَمِثْلُ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ أَلْفًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي: قَالَ ابْنُ يُونُسَ الْمَحْصُولُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ مَثَلًا وَعَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْك مِائَةَ دِينَارًا وَعَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ أَنَّهُ حُرٌّ وَيُتْبَعُ بِالْمِائَةِ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ وَلَمْ يَقُلْ السَّاعَةَ مَثَلًا فَفِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَيْك يُعْتَقُ أَيْضًا وَيُتْبَعُ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَدْفَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ عِتْقُهُ إلَّا بَعْدَ دَفْعِ الْمَالِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَعِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَغَيْرُهُمَا وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَقُلْ السَّاعَةَ وَلَكِنَّهُ أَرَادَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَلَفَّظَ بِهِ قَالَهُ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هَذَا شَرَحَهُ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَخُيِّرَ الْعَبْدُ فِي الِالْتِزَامِ وَالرَّدِّ فِي حُرٍّ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ أَوْ تُؤَدِّيَ أَوْ إنْ أَعْطَيْت وَنَحْوَهُ)
ش: هَذِهِ هِيَ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ، وَقَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورِ بِفِي وَنَحْوُهُ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ أَوْ تُؤَدِّيَ إلَيَّ أَوْ تُعْطِيَنِي أَوْ تَجِيئَنِي بِكَذَا قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَنَحْوُهُ: إنْ أَعْطَيْت أَوْ أَدَّيْت أَوْ جِئْتنِي أَوْ إذَا أَوْ مَتَى، وَقَالَهُ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا خُيِّرَ الْعَبْدُ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ فَإِنْ رَدَّ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قَبِلَ فَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءٍ صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَا يُنَجَّمُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا
(الثَّانِي) قَالَ فِيهَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُطَوِّلَ بِسَيِّدِهِ وَلَا لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَجِّلَ بَيْعَهُ إلَّا بَعْدَ تَلَوُّمِ السُّلْطَانِ بِقَدْرِ مَا يَرَى، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ (الثَّالِثُ) قَالَ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ دَفَعَ الْأَلْفَ عَنْ الْعَبْدِ أَجْنَبِيٌّ أُجْبِرَ السَّيِّدُ عَلَى أَخْذِهَا وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَلَوْ دَفَعَ الْعَبْدُ ذَلِكَ مِنْ مَالٍ كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ فَقَالَ السَّيِّدُ: ذَلِكَ الْمَالُ لِي فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هَهُنَا كَالْمُكَاتَبِ يَتْبَعُهُ مَالُهُ وَيَمْتَنِعُ السَّيِّدُ مِنْ كَسْبِهِ أَيْضًا انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ فَقَبِلَ ذَلِكَ الْعَبْدُ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ حُرٌّ السَّاعَةَ أَوْ يَرِدْ ذَلِكَ لَمْ يَعْتُقْ الْعَبْدُ إلَّا بِالْأَدَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ بَعْدَ مَحِلِّهِ فَإِنْ عَجَزَ رُقَّ، وَقَوْلُهُ: إنْ جِئْتَنِي بِكَذَا أَوْ إلَى أَجَلِ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ مِنْ الْقَطَاعَةِ، وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكِتَابَةِ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ كَالْمُكَاتَبِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيُحَالُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمَالِ الْعَبْدِ وَخَرَاجِهِ وَلَهُ أَنْ يَسْعَى فِيمَا لَزِمَ مِنْ الْمَالِ وَيَضْرِبَ لَهُ مِنْ الْأَجَلِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُحْضِرُهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ تَلَوَّمَ لَهُ وَلَا يُمَكَّنُ الْعَبْدُ أَنْ يُطَوِّلَ عَلَى السَّيِّدِ فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ كَانَ رَقِيقًا انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: إنْ أَعْطَيْتَنِي وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ هَلْ تَفْوِيضٌ فِي " إنْ وَإِذَا وَمَتَى " وَلِلْعَبْدِ ذَاكَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ لَهُ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِهِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَلَا هِبَتِهِ حَتَّى يُوقَفَ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَيَثَاوَمُ لَهُ أَوْ يَعْجِزَهُ وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَفِي الْعُتْبِيَّة إنْ طَالَ الزَّمَانُ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ مَا جَاءَ بِهِ وَنَحْوُهُ