كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَلَى أَوْقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعِمَادِ دِينِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إمَامَةِ بَعْضِهِمْ، فَيَكُونُ لِلْإِمَامَةِ أَهْلًا (الثَّالِثُ) : تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ أَذَانَ الْمُؤَذِّنِ إمَّا عَلَى الْمَنَارِ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ أَوْ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى بَابِهِ، وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ: لَمَّا ذَكَرَ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُؤَذَّنُ لِلْعِشَاءِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْأَذَانِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ لَيْلَةُ الْجَمْعِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (قَائِمٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ قَائِمًا اتِّبَاعًا لِمَا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ، قَالَ فِي الْأُمِّ قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا أَذَّنَ قَاعِدًا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا، وَقَالَ: إلَّا مَنْ عُذِرَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مَرِيضًا انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْبَرَاذِعِيِّ: وَلَا يُؤَذِّنُ قَاعِدًا إلَّا مَنْ عُذِرَ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مَرِيضًا، قَالَ ابْنُ نَاجِي: يُرِيدُ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ كَمَا سَيَأْتِي الْآنَ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِسْمَاعُ، وَهُوَ مِنْ الْقَائِمِ أَبْلَغُ وَفِي كِتَابِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَبِي الْفَرَجِ كَالرِّوَايَةِ، قَالَ وَمِثْلُهُ لِأَبِي ثَوْرٍ، وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَاعِدًا إلَّا لِمَرِيضٍ لِنَفْسِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّ الْقِيَامَ سُنَّةٌ فَلَوْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ صَحَّ أَذَانُهُ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَذَّنَ مُضْطَجِعًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ صَحَّ أَذَانُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِعْلَامُ وَقَدْ حَصَلَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَيُرَدُّ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَكَلَامُ عِيَاضٍ إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءً فَلَعَلَّهُ يَقُولُ: يُجْزِئُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَكُرِهَ أَذَانُ الْقَاعِدِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ انْتَهَى.
وَعَدَّ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَكَانَ مَالِكٌ يُنْكِرُ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ قَاعِدًا، وَيَقُولُ: لَنْ يَبْلُغَنِي عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِعْلُهُ فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ فَلْيَدَعْ الْأَذَانَ، وَمَنْ جَهِلَ فَأَذَّنَ قَاعِدًا مَضَى وَلَمْ يُعِدْ الْأَذَانَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَائِمٌ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: " إلَّا مَنْ عُذِرَ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ مَرِيضًا ".
(فَرْعٌ) وَأَمَّا أَذَانُ الرَّاكِبِ فَجَائِزٌ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَائِمِ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: بَلْ هُوَ أَتَمُّ ارْتِفَاعًا وَأَكْثَرُ إسْمَاعًا لَا كَمَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَالْقَاعِدِ انْتَهَى.
وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ابْنُ نَاجِي أَيْضًا، وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَ الْقَاعِدِ وَالرَّاكِبِ.
(قُلْتُ) بَلْ التَّحْقِيقُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّاكِبَ أَنْدَى صَوْتًا مِنْ الْقَاعِدِ، وَقَالَ قَبْلَهُ اخْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ الْمَسْأَلَةَ بِلَفْظِ: " وَيُؤَذِّنُ رَاكِبًا فِي السَّفَرِ " قَالَ: وَهُوَ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ، وَلِذَلِكَ حَذَفَهُ الْبَرَاذِعِيُّ يَعْنِي قَوْلَهُ: " فِي السَّفَرِ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (مُسْتَقْبِلٌ إلَّا لِإِسْمَاعٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَدُورُ فِي أَذَانِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ حَدِّ الْأَذَانِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ وَيُؤَذِّنَ كَيْفَ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ وَرَأَيْت الْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَدِينَةِ يَتَوَجَّهُونَ إلَى الْقِبْلَةِ فِي أَذَانِهِمْ، وَيُقِيمُونَ عَرْضًا وَذَلِكَ وَاسِعٌ يَصْنَعُ كَيْفَ شَاءَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الِالْتِفَاتُ وَالدَّوَرَانُ لِقَصْدِ الْإِسْمَاعِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إنْكَارُهُ كَالشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَلْتَفِتَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَبَدَنُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَنَهَاهُ أَنْ يَدُورَ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ» ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّ الدَّوَرَانَ يَجُوزُ فِي حَالَةِ الْأَذَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ أَصْحَابِنَا: اخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ هَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَوْ إنَّمَا يَدُورُ بَعْدَ فَرَاغِ الْكَلِمَةِ أَوْ إنْ لَمْ يُنْقِصْ مِنْ صَوْتِهِ، فَالْأَوَّلُ وَإِلَّا فَالثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْحَارِثِ: إنَّهُ لَا يَدُورُ إلَّا عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَجَازَ مَالِكٌ الدَّوَرَانَ
وَالِالْتِفَاتَ عَنْ الْقِبْلَةِ لِقَصْدِ الْإِسْمَاعِ وَفِي الْوَاضِحَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَيْ اسْتِحْبَابًا، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَيْ وُجُوبًا وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُتَّفِقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الدَّوَرَانُ وَالِالْتِفَاتُ لِلْإِسْمَاعِ مَشْرُوعٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَنَصُّهُ: " وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ فَأَمَّا دَوَرَانُهُ وَوَضْعُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِبْلَاغِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ " انْتَهَى.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ لَفْظَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَطْلُوبٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَشْرُوعِيَّةِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَطْلُوبِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَذَانِ، وَقَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَقَالَ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُبَاحِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ لَا يَدُورُ وَلَا يَلْتَفِتُ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَدِئَ الْأَذَانَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
وَذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ
ص (وَحِكَايَتُهُ لِسَامِعِهِ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ مَثْنًى وَلَوْ مُتَنَفِّلًا لَا مُفْتَرِضًا)
ش يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ حُكْمَهَا الِاسْتِحْبَابُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَطْلَقَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: هُوَ قُصُورٌ بَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ لِنَقْلِ ابْنِ شَاسٍ فِي التَّهْذِيبِ، قَالَ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَسَمِعْنَا فِي الْمُذَكِّرَاتِ قَوْلَيْنِ: الْوُجُوبَ وَنَفْيَهُ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَوَامِرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخِلَافَ ابْنُ رُشْدٍ، فَقَالَ: وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ لَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ عَنْهُ هِيَ تَبَعِيَّةُ قَوْلِ الْحَاكِي لِلْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ الَّذِي هُوَ الْأَذَانُ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ: لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ يَعْنِي أَنَّ الْحِكَايَةَ تَنْتَهِي إلَى قَوْلِهِ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي إلَى قَوْلِهِ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " قَالَ فِي الطِّرَازِ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّشَهُّدَ لَفْظٌ هُوَ فِي عَيْنِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْجِيدٌ وَتَوْحِيدٌ وَالْحَيْعَلَةُ إنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّامِعُ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَيْهَا وَقَدْ وَقَعَ تَصْدِيقُ مَا وَقَعَ بِقَلْبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ إيمَاءِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى ذَلِكَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» فَلَمْ يَذْكُرْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا لَفْظَ التَّمْجِيدِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّشَهُّدِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا فَلَمَّا انْقَضَى التَّأْذِينُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مِثْلَ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ مَقَالَتِي» ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَقَوْلِ مَالِكٍ يَقَعُ فِي قَلْبِي يُرِيدُ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَجْهَهُ انْتَهَى.
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُحَاكِيَهُ فِي جَمِيعِ الْأَذَانِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ فَيُبْدِلُ الْحَيْعَلَتَيْنِ بِالْحَوْقَلَةِ أَيْ يُعَوِّضُ عَنْ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ يَحْكِي مَا بَعْدَهُمَا هَكَذَا، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إنَّمَا يُعَوِّضُ فِي قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ
أَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(قُلْتُ) وَلَمْ أَرَ زِيَادَةَ قَوْلِهِ: " الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ " فِي كَلَامِ أَحَدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُحَوْقِلُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِي إبْدَالِ الْحَوْقَلَةِ مِنْ الْحَيْعَلَةِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَازِرِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحَيْعَلَةَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْأَجْرُ فِيهِ بِالْإِسْمَاعِ فَأُمِرَ الْحَاكِي بِالْحَوْقَلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِقَائِلِهَا سَوَاءٌ أَعْلَنَهَا أَوْ أَخْفَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذَانِ ذِكْرٌ، وَهِيَ تُفِيدُ الْحَاكِيَ بِخِلَافِ الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا هَلُمُّوا إلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إلَى الْفَلَاحِ وَلَا يُفِيدُ الْحَاكِيَ قَوْلُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَعُوِّضَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ كَلَامًا يُنَاسِبُ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ، وَيَكُونُ جَوَابًا لَهُ بِأَنْ تَبَرَّأَ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى إتْيَانِ الصَّلَاةِ، وَالْفَلَاحِ إلَّا بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْحَوْلُ مَعْنَاهُ الْمُحَاوَلَةُ وَالتَّحَيُّلُ وَالْقُوَّةُ مَعْنَاهَا الْقُدْرَةُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ لَا حِيلَةَ لَنَا وَلَا قُدْرَةَ عَلَى شَيْءٍ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» أَيْ: أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ إشَارَةٌ إلَى عَظِيمِ الثَّوَابِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهَا وَنَفَاسَتِهِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الثَّوَابِ مُدَّخَرٌ فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: الْحَوْلُ الْحَرَكَةُ أَيْ: لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَكَذَا قَالَ ثَعْلَبٌ وَآخَرُونَ وَقِيلَ: لَا حَوْلَ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ حَكَى تَفْسِيرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ لُغَةً غَرِيبَةً ضَعِيفَةً يُقَالُ: لَا حَيْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ بِالْيَاءِ، قَالَ: وَالْحَيْلُ وَالْحَوْلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَلَمْ يُضَعِّفْ الْجَوْهَرِيُّ اللُّغَةَ الْمَذْكُورَةَ بَلْ قَالَ: هِيَ لُغَةٌ، وَحَكَاهَا ابْنُ فَرْحُونٍ، وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ: أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَالَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ.
(الثَّانِي) ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ: الْحَاءُ وَالْعَيْنُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ تُؤَلَّفَ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَالْحَيْعَلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ: قَالَ فِي الْمُطَرَّزِ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ، وَغَيْرِهِ: إنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ، وَهِيَ: " بَسْمَلَ " إذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ " وَسَبْحَلَ " إذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ " وَحَوْقَلَ " إذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، " وَحَيْعَلَ " إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ " الْحَيْصَلَةُ " إذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ، " وَحَمْدَلَ " إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، " وَهَيْلَلَ " إذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، " وَجَعْفَلَ " إذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ زَادَ الثَّعْلَبِيُّ " الطَّبْقَلَةُ " إذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، " وَالدَّمْعَزَةُ " إذَا قَالَ: أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: قَوْلُهُ " الْحَيْصَلَةُ " عَلَى قِيَاسِ الْحَيْعَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الْحَيْعَلَةُ تَنْطَلِقُ عَلَى " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ "، وَعَلَى " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " كُلُّهُ حَيْعَلَةٌ وَلَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِهِ فِي الْحَيْصَلَةِ لَقِيلَ فِي: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الْحَيْفَلَةُ، وَهَذَا لَمْ يُقَلْ وَإِنَّمَا الْحَيْعَلَةُ مِنْ حَيَّ عَلَى كَذَا فَكَيْفَ وَهَذَا بَابٌ مَسْمُوعٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: " جَعْفَلَ " فِي جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ " الْحَيْعَلَةِ " لَكَانَ جَعْلَفَ إذْ اللَّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَاءِ وَكَذَلِكَ " الطَّبْقَلَةُ " تَكُونُ اللَّامُ عَلَى الْقِيَاسِ قَبْلَ الْبَاءِ وَالْقَافِ انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُقَالُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ قَوْلِهِمْ: " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " الْحَوْقَلَةُ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: " الْحَوْقَلَةُ " فَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْحَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقَافُ مِنْ الْقُوَّةِ، وَاللَّامُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى الثَّانِي الْحَاءُ وَاللَّامُ مِنْ الْحَوْلِ، وَالْقَافُ مِنْ الْقُوَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِئَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَ
الْحُرُوفِ وَمِثْلُ الْحَوْقَلَةِ الْحَيْعَلَةُ فِي " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى كَذَا "، وَالْبَسْمَلَةُ فِي " بِسْمِ اللَّهِ "، وَالْحَمْدَلَةُ فِي " الْحَمْدِ لِلَّهِ "، وَالْهَيْلَلَةُ فِي " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "، وَالسَّبْحَلَةُ فِي " سُبْحَانَ اللَّهِ ".
(قُلْتُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسْبَلَةَ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ وَقَبِلَهَا شُرَّاحُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ.
(الثَّالِثُ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا يَقُولُ الْحَاكِي فِي قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ إذَا أَذَّنَ الصُّبْحَ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، فَقَالَ: وَيَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَقِيلَ: يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، وَاقْتَصَرَ فِي مِنْهَاجِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ خَبَرًا وَرَدَ فِيهِ، وَلَا يُعْرَفُ مَا قَالَهُ " وَبَرِرْتُ " بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) سَمِعْتُ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ أَرْشَدَكَ اللَّهُ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
(الرَّابِعُ) إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ أَنَّ مُنْتَهَى الْحِكَايَةِ إلَى مُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ فَهَلْ تَرْكُ الْحِكَايَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَذَانِ أَوْلَى أَوْ جَائِزَةٌ؟ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَحْكِيهِ إلَى قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَهَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ سَحْنُونٌ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الْأَذَانَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ الْبَرَاذِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالْبَاجِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ وَلَوْ فَعَلَ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِي، وَصَوَّبَهُ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ أَيْ: لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ وَأَمَّا إتْمَامُ الْأَذَانِ فَلَيْسَ مَذْكُورًا انْتَهَى.
وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ قَالَ: لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا لَا يَلِيقُ أَنْ يُعَلَّقَ بِفِعْلِ مَا يَتَنَاوَلُ عُمُومَ اللَّفْظِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْقُولٌ مِنْ نَفْسِ الْعُمُومِ فَإِنَّمَا اللَّائِقُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ بَأْسٌ فِيمَا تَرَكَ، وَلَعَمْرِي أَيْضًا لَوْ حَكَى مَعَهُ جَمِيعَ الْأَذَانِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَكِنْ الْمُنَاقَشَةُ فِيمَا هُوَ قَصْدُ مَالِكٌ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَهَلْ يَحْكِيهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ؟ خَيَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَيَقُولُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: أَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ " وَإِنْ أَتَمَّ مَعَهُ الْأَذَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّهُ مَا يَلْزَمُهُ تَكْرَارُ اللَّفْظَةِ وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الذِّكْرُ لَا غَيْرُ فَيَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تَكْرِيرِ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا يَكْتَفِي بِذِكْرِ أَوَّلِهِ عَنْ ذِكْرِ آخِرِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنًا آخَرَ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ مَعَهُ كَآخِرِ الْأَذَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ آخِرِ الْأَذَانِ، وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا الْأَصْلَ حُصُولُ الْوِفَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ وَحْدَهُ يُنْدَبُ إلَى الْإِقَامَةِ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقِيمُ لَهَا وَاحِدٌ فَلَوْ كَانَ تَكْرَارُ الْأَذَانِ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْحِكَايَةِ لِاسْتُحِبَّ لِكُلِّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ إذَا أَقَامَهَا الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ مَا أَذَّنَ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ الصَّالِحُ الْأَزْكَى الْعَالِمُ الْأَوْفَى الْمُجْتَهِدُ الْمُجَاوِرُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمُتَجَرِّدُ الْأَرْضَى صَدْرُ الدِّينِ بْنُ سَيِّدِنَا الصَّالِحِ بَهَاءِ الدِّينِ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَاسِيِّ حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَقِيتُ الشَّيْخَ الْعَالِمَ الْمُتَفَنِّنَ الْمُفَسِّرَ الْمُحَدِّثَ الْمَشْهُورَ الْفَضَائِلُ نُورَ الدِّينِ الْخُرَاسَانِيَّ بِمَدِينَةِ شِيرَازَ، وَكُنْتُ عِنْدَهُ فِي وَقْتِ الْأَذَانِ فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَبَّلَ الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ إبْهَامَيْ يَدَيْهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَمَسَحَ بِالظُّفْرَيْنِ أَجْفَانَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَشَهُّدٍ مَرَّةً بَدَأَ بِالْمُوقِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْفِ، وَخَتَمَ بِاللَّحَاظِ مِنْ نَاحِيَةِ الصُّدْغِ، قَالَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ
رِوَايَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ تَرَكْتُهُ فَمَرِضَتْ عَيْنَايَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي لِمَ تَرَكْتَ مَسْحَ عَيْنَيْكَ عِنْدَ ذِكْرِي فِي الْأَذَانِ إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَبْرَأَ عَيْنَاكَ فَعُدْ إلَى الْمَسْحِ أَوْ كَمَا قَالَ فَاسْتَيْقَظْتَ وَمَسَحْتَ فَبَرِئَتْ عَيْنَايَ وَلَمْ يُعَاوِدْنِي مَرَضُهُمَا إلَى الْآنَ.
وَرُوِيَ عَنْ الْخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مَرْحَبًا بِحَبِيبِي وَقُرَّةِ عَيْنِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُقَبِّلُ إبْهَامَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى عَيْنَيْهِ لَمْ يَعْمَ، وَلَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَاللَّحَاظُ بِالْفَتْحِ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ انْتَهَى.
زَادَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْأَذَانِ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُوقَ هُوَ جَانِبُ الْعَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْأَنْفِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ مُثَنِّي يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْحَاكِيَ يُكَرِّرُ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَلَا يُرَجِّعُ كَمَا يُرَجِّعُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي تَكْرِيرِ التَّشَهُّدِ قَوْلَانِ أَيْ فِي التَّرْجِيعِ، وَأَمَّا تَثْنِيَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا كَالتَّكْبِيرِ وَحَاصِلُهُ هَلْ يَقُولُ الشَّهَادَتَيْنِ مِثْلَ الْمُؤَذِّنِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ؟ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّكْرَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَالتَّكْرَارُ لِلدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَوْلَى بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمَشْهُورِ الِانْتِهَاءُ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الصَّوْتَ مَعَهُ أَرْفَعُ فَعِنْدَهُ تَكُونُ الْحِكَايَةُ أَظْهَرَ انْتَهَى.
وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَعَلَّلَ الْأَوَّلَ بِحُصُولِ الْمِثْلِيَّةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: مِثْلَ مَا يَقُولُ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَبِأَنَّ التَّرْجِيعَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِسْمَاعِ وَالسَّامِعُ لَيْسَ بِمُسْمِعٍ، وَعَلَّلَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ نَظَرٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَثْنِيَةِ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ الَّذِي يَحْكِي فِيهِ الْمُؤَذِّنَ هَلْ إلَى التَّشَهُّدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَمْ الْآخَرَيْنِ أَمْ لِآخِرِ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتُسْتَحَبُّ الْحِكَايَةُ وَفِي كَوْنِهَا لِآخِرِ التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ آخِرِهِ مُعَوِّضًا الْحَيْعَلَةَ بِالْحَوْقَلَةِ قَوْلَانِ لَهَا، وَلِابْنِ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ وَعَلَى الْأَوَّلِ فِي قَوْلٍ: التَّشَهُّدُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَمُعَاوَدَتُهُ إذَا عَاوَدَهُ الْمُؤَذِّنُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ نَقْلًا، الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: " مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ " قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ، هَلْ يَحْكِيهِ فِي التَّرْجِيعِ أَمْ لَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَيْنِ؟ نَعَمْ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمُ يُوهِمُ أَنْ لَا يُكَرِّرَ الشَّهَادَةَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) مَنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكِيهِ فِي التَّرْجِيعِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ، وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَذَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا فَهَلْ يَحْكِيهِ فِي الْأَرْبَعِ أَوْ إنَّمَا يَحْكِيهِ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصَّا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكِيهِ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْكِهِ فِي التَّرْجِيعِ مَعَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فَأَحْرَى فِي التَّكْبِيرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) تَقَدَّمَ الْخِلَافُ بِتَكْرِيرِ الْحِكَايَةِ إذَا تَكَرَّرَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ الْمَازِرِيُّ، وَنَقَلَهُمَا عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ تَكْرَارَ الْحِكَايَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمَ التَّكْرَارِ، وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَيْلٌ إلَيْهِ، وَصَرَّحَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ نَفْيُ التَّعَدُّدِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ التَّادَلِيُّ: وَاخْتُلِفَ هَلْ يُحَاكِي الْمُؤَذِّنُ مُؤَذِّنًا غَيْرَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمْ صَاحِبُ الْحُلَلِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ، نَعَمْ يَجْرِي الْخِلَافُ مِنْ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْأَذَانِ، وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تُبْتَغَيْ إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» ، وَقَوْلُهُ: مَقَامًا مَحْمُودًا كَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مُنَكَّرًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] ، وَرُوِيَ مَعْرُوفًا، وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: الَّذِي وَعَدْتَهُ إنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحِكَايَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ يَحْكِيهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَقَوْلَ سَحْنُونٍ: أَنَّهُ لَا يَحْكِيهِ فِيهِمَا، قَالَ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فَتَعَلَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَتَعَلَّقَ سَحْنُونٌ بِمَسَاقِهِ فَإِنَّ فِيهِ " ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ، قَالَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَعْنِي فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي عُمْدَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ لِسَامِعِي الْأَذَانِ حِكَايَتُهُ لِمُنْتَهَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَيُعَوِّضُ الْحَوْقَلَةَ عَنْ الْحَوْعَلَةِ، وَيَقُولُ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَوَانِينِ: وَيَنْبَغِي لِسَامِعِ الْأَذَانِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْأَلَ مِنْ اللَّهِ لَهُ الْوَسِيلَةَ ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِلْمُؤَذِّنِ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْأَذَانِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ سَمِعَ السَّامِعُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَنِعْمَتِهِ اللَّهُمَّ أَفْضِلْ عَلَيْنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ قَالَ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ النَّافِعَةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَعْطِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالشَّفَاعَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ إذَا سَمِعَتْ الْمُؤَذِّنَ، قَالَتْ: شَهِدْتُ وَآمَنْتُ وَأَيْقَنْتُ وَصَدَّقْتُ وَأَجَبْتُ دَاعِيَ اللَّهِ وَكَفَرْتُ مَنْ أَبَى أَنْ يُجِيبَهُ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي قَوْلِهِ: " حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَخْصُوصًا لِمَنْ فَعَلَ مَا حَضَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَيْهِ وَأَتَى بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ وَفِي وَقْتِهِ بِإِخْلَاصٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ رَأَيْنَاهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ يَقُولُ: هَذَا وَمِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا "، هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مُحْتَسِبًا مُخْلِصًا قَاضِيًا حَقَّهُ بِذَلِكَ إجْلَالًا لِمَكَانِهِ وَحُبًّا فِيهِ لَا لِمَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ وَدَعَا بِهِ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ وَرَجَاء أَوْ مُجَرَّدَ الْإِجَابَةِ لِدُعَائِهِ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَالْحَظَّ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: وَالدُّعَاءُ حِينَئِذٍ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ انْتَهَى.
(السَّابِعُ) مَا ذَكَرَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ قَالَ حِينَ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَنَا أَشْهَدُ» وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ فِيهِ: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» .
(قُلْتُ) وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ضَعِيفَةٌ كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ بِالْجُزْءِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ {تَفْرِيحُ الْقُلُوبِ بِالْخِصَالِ
الْمُكَفِّرَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ} ، وَبَيَّنَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي الْأَذْكَارِ أَنَّهُ يَقُولُ: رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا.
إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، وَقَوْلِهِ: " وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا " كَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِيهَا أَيْضًا تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَلَى قَوْلِهِ: وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: " وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا " وَقَالَ فِيهَا: " وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا " قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا: فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا رَسُولًا.
(قُلْتُ) وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ لَمَّا ذَكَرَ أَذْكَارَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: " نَبِيًّا "، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ الْإِنْسَانُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: " نَبِيًّا وَرَسُولًا " وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَكَانَ عَامِلًا بِالْحَدِيثِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي مَرَّةٍ: " أَشْهَدُ " وَفِي مَرَّةٍ: " وَأَنَا أَشْهَدُ "؛ لِيَعْمَلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ.
(الثَّامِنُ) زَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَالْفَضِيلَةَ " " وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ "، قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةَ: لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، قَالَ وَكَانَ مَنْ زَادَهَا اغْتَرَّ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشِّفَاءِ فِي الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إلَيْهِ لَكِنْ مَعَ زِيَادَتِهَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ عَلَّمَ عَلَيْهَا كَاتِبُهَا بِمَا يُشِيرُ إلَى الشَّكِّ فِيهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي سَائِرِ نُسَخِ الشِّفَاءِ، بَلْ عَقَدَ لَهَا فِي الشِّفَاءِ فَصْلًا فِي مَعَانٍ أُخَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَدِيثًا صَرِيحًا، وَهُوَ دَلِيلٌ لِغَلَطِهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ: فَصْلٌ فِي تَفْضِيلِهِ فِي الْجَنَّةِ بِالْوَسِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَالْكَوْثَرِ وَالْفَضِيلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقَعَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَالْمُحَرَّرِ بَعْدَ " وَالْفَضِيلَةَ " زِيَادَةُ " وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ " وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.
(التَّاسِعُ) الْمُرَادُ بِالدَّعْوَةِ التَّامَّةِ: الْأَذَانُ وُصِفَتْ الدَّعْوَةُ بِالتَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَيُدْعَى بِهَا إلَى عِبَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: " وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ " أَيْ: الصَّلَاةِ الَّتِي سَتُقَامُ وَتُفْعَلُ " وَالْوَسِيلَةَ " أَصْلُهَا مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الشَّيْءِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ: بِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِأَنَّهَا قُبَّتَانِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ إحْدَاهُمَا مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ يَسْكُنُهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلُهُ، وَالْأُخْرَى مِنْ يَاقُوتَةٍ صَفْرَاءَ يَسْكُنُهَا إبْرَاهِيمُ وَآلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي وَعَدْتَهُ " بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: " مَقَامًا مَحْمُودًا " لَا نَعْتٌ عَلَى رِوَايَةِ التَّنْكِيرِ، وَنَعْتٌ عَلَى رِوَايَةِ التَّعْرِيفِ، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ " وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزِيدُهُ بِكَثْرَةِ دُعَاءِ أُمَّتِهِ رِفْعَةً كَمَا زَادَهُ بِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِنَيْلِ الْأُجُورِ وَوُجُوبِ شَفَاعَتِهِ، وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ " حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ " قَالَ فِي الْإِكْمَالِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ يَعْنِي حَلَّتْ عَلَيْهِ: غَشِيَتْهُ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ " حَلَّتْ " بِمَعْنَى: وَجَبَتْ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: حَلَّ يَحِلُّ: وَجَبَ، وَحَلَّ يَحُلُّ: نَزَلَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَحَلَّ الْعَذَابُ يَحِلُّ بِالْكَسْرِ أَيْ: وَجَبَ، وَيَحُلُّ بِالضَّمِّ نَزَلَ، وَقُرِئَ بِهِمَا: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81] انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فَكَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَازِمَةٌ لَهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ عَدَّاهُ بِعَلَى انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ " كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى أَثَرِ أَذَانِهِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَقَدْ حَدَّثَنِي أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ إلَّا عَلَى أَثَرِ أَذَانِ الْمَغْرِبِ قَالَ فَضْلٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا: يَقُولُ أَدْرَكْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنَ الْمَغْرِبِ قَامَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا مِنْ الْعَمَلِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمُخْتَصَرِ: وَالرُّكُوعُ بِأَثَرِ الْأَذَانِ وَاسِعٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْكَعَ أَثَرَ الْأَذَانِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ، وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ انْتَهَى.
هَذَا فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَيُكْرَهُ لَهُ الرُّكُوعُ عِنْدَ الْأَذَانِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً، فَأَمَّا إنْ صَادَفَ ذَلِكَ
دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ أَوْ تَنَفُّلَهُ فَلَا، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ: وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: وَتَنَفُّلُ إمَامٍ قَبْلَهَا أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِنَّمَا قَالَ: وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ، كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ، وَالْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَإِنَّمَا كُرِهَ خَشْيَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ فَرْضِيَّتُهُ فَلَوْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ اسْتِنَانًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ حِينَ دُخُولِهِ وَلَا يُزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصْعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُمْنَعُ الرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ فِي اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ تَفْعَلُهُ فَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ، وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنَّا.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ مُتَنَفِّلًا لَا مُفْتَرِضًا " يَعْنِي أَنَّ الْحِكَايَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَوْ كَانَ الْحَاكِي مُتَنَفِّلًا وَأَمَّا الْمُفْتَرِضُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْحِكَايَةُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ يُحَاكِيهِ فِيهِمَا، وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ حَبِيبٍ، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: لِأَنَّهُ تَهْلِيلٌ وَتَكْبِيرٌ وَذِكْرُ اللَّهِ، وَهَذَا جَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا يَحْكِيهِ فِيهِمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي النَّافِلَةِ أَوْ فِيهِمَا فَإِنَّمَا يَحْكِيهِ إلَى التَّشَهُّدَيْنِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْحِكَايَةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا يُتِمُّ مَعَهُ الْأَذَانَ، وَيَحْكِيهِ فِي لَفْظِ " الْحَيْعَلَةِ " فَذَلِكَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ حَكَاهُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَلْ تَبْطُلُ؟ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَقِيلَ: تَفْسُدُ، حَكَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ، وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ، وَمُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ جِنْسُهُ فِيهَا وَمَا لَا يَعُودُ إلَى إصْلَاحِهَا وَلَا يَنْفَعُهُ جَهْلُهُ، وَالْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ سِيَّانِ انْتَهَى.
فَإِنْ قِيلَ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْهُ حِكَايَةَ " الْحَيْعَلَةِ " بِلَفْظِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَكَى الْبُطْلَانَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ قَالَ فِي صَلَاتِهِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ فَالْجَوَابُ: إنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي حِكَايَةِ لَفْظِ " الْحَيْعَلَةِ " عِنْدَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بَدَلَهَا " بِالْحَوْقَلَةِ " وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ يَحْكِيهَا بِلَفْظِهَا، وَأَيْضًا فَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ وَصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيّ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: وَإِذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَبْلُغُ إلَى آخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ: " حَيٌّ عَلَى الصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا وَهَذَا إذَا كَانَ عَمْدًا، وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا يُبْطِلُهَا، وَالْجَاهِلُ يَجْرِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَهْلِ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَمْدِ أَوْ النِّسْيَانِ؟ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا يَحْكِي فَلَا يُجَاوِزُ التَّشَهُّدَيْنِ وَلَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " فَقَالَ الْأَصِيلِيُّ: لَا تَبْطُلُ، وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَنَّهُ كَالْمُتَكَلِّمِ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إذَا قُلْنَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي النَّفْلِ فَقَطْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ التَّشَهُّدَيْنِ فَلَوْ قَالَ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْعَامِدَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَنَّ النَّاسِيَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَاهِلِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
(الثَّانِي) : إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرِيضَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهَلْ يَحْكِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكِيهِ كَمَا يَرُدُّ الْمُؤَذِّنُ السَّلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ
انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ، فَقَالَ: قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرِيضَةِ حَكَاهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) عُورِضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ، وَإِنْ انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ الْمُصَلِّينَ، وَفَرَّقَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَحِكَايَةُ الْمُؤَذِّنِ تَلْزَمُ كُلَّ أَحَدٍ فِي خَاصَّتِهِ وَبِأَنَّ الْحِكَايَةَ ذِكْرٌ، وَهِيَ مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ، وَصَلَاةَ الْجَنَائِزِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَا الْمُعْتَكِفُ فِيهِ وَبِأَنَّ الْحِكَايَةَ أَمْرٌ قَرِيبٌ يَسِيرٌ وَأَمْرُ الْجِنَازَةِ يَطُولُ الِاشْتِغَالُ فِيهِ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى مِنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَعَارَضَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَطَسَ لَا يَحْمَدُ اللَّهَ فَإِنْ فَعَلَ فَفِي نَفْسِهِ، وَقَالَ: اُنْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فَرْقًا فَتَأَمَّلْهُ.
(الرَّابِعُ) ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: إذَا قُلْنَا يَحْكِي فِي الْفَرْضِ فَلَوْ كَانَ الْأَذَانُ لِلصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقَدْ أُذِّنَ لَهَا، فَهَلْ يَشْرَعُ لَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ لَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَذَّنَ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَتَى بِالْأَكْمَلِ فَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْعِوَضِ مِمَّنْ أَتَى بِالْمُعَوِّضِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ (قُلْتُ) لَا خَفَاءَ فِي ضَعْفِ هَذَا التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَزَايَا الشَّرْعِيَّةَ لَا غَايَةَ لَهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) هَذَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي عَنْ التَّادَلِيِّ فِي الْمُؤَذِّنِ هَلْ يَحْكِي مُؤَذِّنًا غَيْرَهُ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَذَانُ فَذٍّ إنْ سَافَرَ)
ش الْفَذُّ: الْمُنْفَرِدُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ، وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى بِأَرْضٍ فَلَاةٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ فَإِذَا أَذَّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ أَوْ أَقَامَ صَلَّى وَرَاءَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُوَطَّإِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَعَزَا الْحَدِيثَ الثَّانِيَ لِلْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مُرْسَلًا وَأَسْنَدَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ.
(الثَّانِي) : ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ: إنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ.
إلَخْ، وَتَعَقَّبَهُمْ ابْنُ الصَّلَاح، وَقَالَ هَذَا وَهْمٌ وَتَحْرِيفٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ لِلرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَبِعَهُ أَيْضًا النَّوَوِيُّ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا غَيَّرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَازِرِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَجَعَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْقَائِلُ هَذَا الْكَلَامَ لِأَبِي سَعِيدٍ وَغَيَّرُوا لَفْظَهُ، وَالصَّوَابُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَالْمُوَطَّإِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ اللَّفْظَ السَّابِقَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ: " سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " عَائِدٌ إلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَذُكِرَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ.
(قُلْتُ) وَقَعَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَهُوَ غَايَةُ الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى لَا يَسْمَعُ غَايَةَ صَوْتِهِ.
إلَخْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: غَايَةُ الصَّوْتِ تَكُونُ أَخْفَى مِنْ ابْتِدَائِهِ فَإِذَا شَهِدَ لَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ، وَوَصَلَ إلَيْهِ
مُنْتَهَى صَوْتِهِ فَلَأَنْ يَشْهَدَ لَهُ مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَسَمِعَ مُنَادَى صَوْتِهِ أَوْلَى انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: " شَهِدَ لَهُ " ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ هُنَا عَلَى بَابِهَا وَرَأَيْت فِي حَاشِيَتِهِ نُسْخَةً مِنْ الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الشَّهَادَةَ هُنَا بِمَعْنَى الشَّفَاعَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالسِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ، وَالشَّهَادَةِ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ أَقْوَامًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ أَقْوَامًا آخَرِينَ انْتَهَى.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ، فَعَلَى رِوَايَةِ مَدَى صَوْتِهِ يَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ " مَدَّ صَوْتِهِ " يَكُونُ مَرْفُوعًا عَلَى النِّيَابَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ذُنُوبَهُ لَوْ كَانَتْ أَجْسَامًا غُفِرَ لَهُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَمْلَأُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُنْتَهَى صَوْتِهِ، وَقِيلَ تُمَدُّ لَهُ الرَّحْمَةُ بِقَدْرِ مَدِّ الْأَذَانِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَكْمِلُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اسْتَوْفَى وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فَيَبْلُغُ الْغَايَةَ فِي الْمَغْفِرَةِ إذَا بَلَغَ الْغَايَةَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ: " إنْ سَافَرَ " الْمُرَادُ كَوْنُهُ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يُشْتَرَطُ السَّفَرُ حَقِيقَةً كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْآتِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسِ.
وَقَوْلُهُ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الْأَذَانُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ تَرْتَجِي حُضُورَ مَنْ يُصَلِّي مَعَهَا فَالْأَذَانُ فِي حَقِّهَا سُنَّةٌ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا تَرْتَجِي فَالْأَذَانُ فِي حَقِّهَا مُسْتَحَبٌّ وَلَا تَكُونُ الْجَمَاعَةُ أَحَطَّ رُتْبَةٍ مِنْ الْفَذِّ فَإِنَّ أَصْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ لِلْجَمَاعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ، قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَالْجَمَاعَةُ فَلَا يَفْتَقِرُونَ لِإِعْلَامِ غَيْرِهِمْ وَهُمْ بِالْحَضَرِ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُسْتَحْسَنُ لَهُمْ الْأَذَانُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فِيهِ إظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا يُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَكْثَرَ فِي الْأَذَانِ الدُّعَاءُ إلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَدْعُونَ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا السَّفَرُ فَيُسْتَحْسَنُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَذًّا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَاسْتَحَبَّ مُتَأَخِّرُو أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْأَذَانَ لِلْمُسَافِرِ، وَإِنْ كَانَ فَذًّا وَذَكَرَ حَدِيثَيْ الْمُوَطَّإِ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَاسْتَحَبَّ الْمُتَأَخِّرُونَ لِلْمُسَافِرِ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
(فَإِنْ قِيلَ:) لَعَلَّ هَذَا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ الْآتِيَةِ فِي أَنَّ الْفَذَّ وَالْجَمَاعَةَ الَّتِي لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا فِي الْحَضَرِ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْأَذَانُ.
(قُلْتُ) أَمَّا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فَلَا إشْكَالَ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى عَدَمِ الْأَذَانِ إذَا لَمْ تَطْلُبْ الْجَمَاعَةُ غَيْرَهَا فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ قَرِيبًا مِنْهُمْ يُوَارِيهِ عَنْهُمْ جَبَلٌ أَوْ تَلٌّ أَوْ طَرِيقٌ فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَتَى إلَيْهِمْ، وَصَلَّى مَعَهُمْ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ شَامِلٌ لِلْجَمَاعَةِ أَيْضًا فَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْفَذِّ مَوْجُودَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الْقَرَافِيَّ ذَكَرَ أَنَّ الْفَذَّ فِي السَّفَرِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ إظْهَارُ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَشُرِعَ لَهُ إظْهَارُهَا، وَسَرَايَا الْمُسْلِمِينَ تَقْصِدُهُ فَيَحْتَاجُ لِلذَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي شَعَائِرِ غَيْرِهِ وَصِيَانَتِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ بَلْ إظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ أَوْكَدُ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَرَّ بِهِمْ شَخْصٌ مُنْفَرِدٌ فَيُخَافُ كَوْنُهُمْ مِنْ الْعَدُوِّ فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " إنْ سَافَرَ " أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَذَانُ فِي الْحَضَرِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: " لَا جَمَاعَةَ لَمْ تَطْلُبْ ".
(الْخَامِسُ) عَزَا ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ لِلْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَعَقَّبَهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ لِمَالِكٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَنَصُّهُ: " وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَالِكٌ لِلْفَذِّ الْمُسَافِرِ، وَمَنْ بِفَلَاةٍ
لِمَا وَرَدَ فِيهِ فَعَزْوُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْجَلَّابِ اسْتِحْبَابَهُ لَهُمَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ قُصُورٌ " انْتَهَى.
ص (لَا جَمَاعَةَ لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا عَلَى الْمُخْتَارِ)
ش قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَمَّا الْفَذُّ وَالْجَمَاعَاتُ الْمُجْتَمِعُونَ بِمَوْضِعٍ وَلَا يُرِيدُونَ دُعَاءَ غَيْرِهِمْ إلَى الصَّلَاةِ فَوَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ لَفْظَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ إنْ أَذَّنُوا فَحَسَنٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُؤَذِّنُونَ، وَأَرَادَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَجْعَلَ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يُؤْمَرُونَ بِالْأَذَانِ كَمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْأَئِمَّةُ، وَفِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ فَإِنْ أَذَّنُوا فَهُوَ ذِكْرٌ وَالذِّكْرُ لَا يُنْهَى عَنْهُ مَنْ أَرَادَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَشْرُوعِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْفَذَّ فِي غَيْرِ السَّفَرِ وَالْجَمَاعَةَ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى إعْلَامِ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ مَرَّةً: " الْأَذَانُ مُسْتَحَبٌّ " وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ الْأَذَانَ لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا، وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ أَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، قَالَ فَلَا أَذَانَ لَهُمْ إلَّا الْمُسَافِرَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا جُعِلَ لِيُدْعَى بِهِ الْغَائِبُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَذَانِ الْفَذِّ وَجْهٌ وَحَسَنٌ فِي الْمُسَافِرِ لِمَا جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " عَلَى الْمُخْتَارِ " وَآخِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهُ عَدَمَ الْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْفَذِّ، لَكِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى مُسَاوَاةِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا لِلْفَذِّ، وَعَلَى ذَلِكَ فَهِمَهُ الشُّيُوخُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ الْفَذُّ الْحَاضِرُ وَالْجَمَاعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ لَا أَذَانَ عَلَيْهِمْ.
مَالِكٌ: إذَا أَذَّنُوا فَحَسَنٌ، وَمَرَّةً لَا أُحِبُّهُ، فَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ خِلَافٌ وَرَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِحَمْلِ نَفْيِهِ عَلَى نَفْيِ تَأَكُّدِهِ كَالْجَمَاعَةِ لَا عَلَى نَفْيِ حُسْنِهِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَرَوَى أَبُو عُمَرَ: لَا أُحِبُّ لِفَذٍّ تَرْكَهُ انْتَهَى.
قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ فِي مَنْزِلِهِ فِي حَضَرٍ كَانَ أَوْ فِي قَرْيَةٍ فَالْإِقَامَةُ تُجْزِئُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَذَانُ إلَّا الْمُسَافِرَ أَوْ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ إذَا حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ فِي لَيْلٍ كَانَ أَوْ نَهَارٍ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْأَذَانَ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْفَذِّ فِي غَيْرِ السَّفَرِ وَلَا لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ تَطْلُبْ غَيْرَهَا وَإِذَا قُلْنَا لَا يُسْتَحَبُّ فَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ لَيْسَ الْأَذَانُ إلَّا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ وَمَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِيمَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ أَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَا أَذَانَ لَهُمْ إلَّا الْمُسَافِرَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ: فَإِنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْقَوَانِينِ: الْأَذَانُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقِيلَ: خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: وَاجِبٌ وَهُوَ أَذَانُ الْجُمُعَةِ، وَمَنْدُوبٌ وَهُوَ لِسَائِرِ الْفَرَائِضِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَحَرَامٌ وَهُوَ أَذَانُ الْمَرْأَةِ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُؤَذِّنَ النِّسَاءُ، وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ الْأَذَانُ لِلنَّوَافِلِ، وَأَجَازَهُ لِلْفَوَائِتِ ابْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُبَاحٌ وَهُوَ أَذَانُ الْمُنْفَرِدِ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ انْتَهَى
ص (وَجَازَ أَعْمَى)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَذَانُ الْأَعْمَى وَإِمَامَتُهُ وَلَفْظُ الْأُمِّ: " كَانَ مَالِكٌ لَا يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا " وَإِمَامًا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ، قَالَ مَالِكٌ: وَكَانَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْمَى يُرِيدُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي حِلِّ أَذَانِهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْوَقْتِ إلَى مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَسْتَخْبِرَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيَتَثَبَّتُ فِي أَمْرِهِ، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: الْأَعْمَى جُوِّزَ أَذَانًا عِنْدِي، وَإِمَامَةً مِنْ الْعَبْدِ إذَا سَدَّدَ الْوَقْتَ وَالْقِبْلَةَ، ثُمَّ الْعَبْدُ إذَا كَانَ رَضًّا، ثُمَّ الْأَعْرَابِيُّ إذَا كَانَ رَضًّا، ثُمَّ وَلَدُ الزِّنَا وَكُلٌّ جَائِزٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَفْظُهُ: " وَفَضَّلَهُ أَشْهَبُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا سَدَّدَ الْوَقْتَ وَالْقِبْلَةَ وَفَضَّلَ الْعَبْدَ إذَا كَانَ رَضًّا عَلَى الْأَعْرَابِيِّ، وَالْأَعْرَابِيَّ إذَا كَانَ رَضًّا عَلَى وَلَدِ الزِّنَا، وَنَقَلَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ كَلَامَ أَشْهَبَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَكُلٌّ جَائِزٌ وَلَا بَأْسَ بِهِ مُؤَذِّنًا وَإِمَامًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي
شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُرَادُ بِأَذَانِ الْأَعْمَى إذَا كَانَ تَبَعًا لِأَذَانِ غَيْرِهِ أَوْ مَعْرِفَةُ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ الْوَقْتَ حَضَرَ وَكَانَ شَيْخُنَا يَحْكِي أَنَّهُ كَانَ بِجَامِعِ الْقَيْرَوَانِ صَاحِبُ الْوَقْتِ أَعْمَى، وَكَانَ لَا يُخْطِئُ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ يَشُمُّ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ رَائِحَةً انْتَهَى.
وَسَمِعْتُ سَيِّدِي الْوَالِدَ يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ بِمَكَّةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ يَشُمُّ رَائِحَةَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَكُنْ أَعْمَى، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيَؤُمَّ الْأَعْمَى، وَالْأَقْطَعُ وَالْأَعْرَجُ، وَذُو الْعَيْبِ فِي جَسَدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ فِي دِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَتَعَدُّدُهُمْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُؤَذِّنِينَ جَائِزٌ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْمُؤَذِّنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ فِي الْحَرَسِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: فِي الْكَلَامِ تَجَوُّزٌ وَمُسَامَحَةٌ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَيْسَ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ الْمُعَدُّ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ مُتَأَتٍّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرَ نَعَمْ قَوْلُهُ: وَفِي الْحَرَسِ يُوهِمُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ غَالِبَ عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُؤَذِّنِينَ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ اسْتِدْلَالَهُمْ لِذَلِكَ بِتَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي زَمَانِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ خُصُوصًا كَلَامَ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ فَإِنَّهُ، قَالَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ: وَقَدْ رَتَّبَ الشَّارِعُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لِلصُّبْحِ أَذَانًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَذَانًا عِنْدَ طُلُوعِهِ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ لِتَعَدُّدِهِمْ حَدٌّ؟ ظَاهِرُ لَفْظِ التَّهْذِيبِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ وَاعْتَرَضَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ لَفْظَ الْأُمِّ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ اتَّخَذُوا لَهُ مُؤَذِّنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدِي.
(قُلْتُ) هَلْ تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي السَّفَرِ أَوْ مَسَاجِدِ الْحَرَسِ أَوْ فِي الرَّكْبِ فَيُؤَذِّنُ لَهُمْ مُؤَذِّنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ فَهَذَا الَّذِي جَرَى ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي إشْرَافِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَرْبَعَةٌ وَهَذَا الَّذِي، قَالَهُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الزِّيَادَةِ بِأَيِّ عَدَدٍ كَانَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ اثْنَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رَأَيْت بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُؤَذِّنًا، وَكَذَلِكَ بِمَكَّةَ يُؤَذِّنُونَ مَعًا فِي أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يَقْتَدِي بِأَذَانِ صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُرَاعُونَ الْعَدَدَ الْيَسِيرَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى.
وَلَفْظُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ النَّفَرُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ وَقَدْ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالٌ وَأَبُو مَحْذُورَةَ وَسَعْدُ الْقَرَظِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَقَدْ رَأَيْت مُؤَذِّنِي الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَرَأَيْتُهُمْ يُؤَذِّنُونَ فِي أَرْكَانِ الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ رُكْنٍ مُؤَذِّنٌ يَنْدَفِعُونَ فِي الْأَذَانِ مَعًا إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَذَانِ نَفْسِهِ وَأَمَّا أَذَانُهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ مِثْلُ مَا عِنْدَنَا بِبَلَدِنَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ الْخَمْسَةُ إلَى الْعَشَرَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا وَاسِعٌ، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوُ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا لَيْسَ بِوَاسِعٍ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا إلَّا وَاحِدٌ لِضِيقِ وَقْتِهَا انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، فَقَالَ: وَمَا وَقْتُهُ وَاسِعٌ كَالظُّهْرِ وَالصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فَجَائِزٌ أَنْ يُؤَذِّنَ فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ مِثْلُ الْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ وَفِي الْعَصْرِ مِثْلُ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ إلَّا وَاحِدٌ يُرِيدُ أَوْ جَمَاعَةٌ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمَدْخَلِ مُخَالَفَةُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَتَرَتُّبُهُمْ إلَّا الْمَغْرِبَ وَجَمْعُهُمْ كُلٌّ عَلَى أَذَانِهِ) ش يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَرَتَّبُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ كَمَا تَقَدَّمَ
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْأَذَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَرَتُّبَهُمْ وَجَمْعَهُمْ سَوَاءٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: السُّنَّةُ التَّرْتِيبُ، وَنَصُّهُ: " وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يُؤَذِّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً فَيُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَوْقَاتُهَا مُمْتَدَّةٌ، فَيُؤَذِّنُونَ فِي الظُّهْرِ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الْعَصْرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ، وَفِي الْعِشَاءِ كَذَلِكَ وَفِي الصُّبْحِ يُؤَذَّنُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ سُدُسِ اللَّيْلِ الْآخِرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَالْمَغْرِبُ لَا يُؤَذِّنُ لَهَا إلَّا وَاحِدٌ لَيْسَ إلَّا فَإِنْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ فَزَادُوا عَلَى عَدَدِ مَا ذُكِرَ وَكَانُوا يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ وَخَافُوا أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَسَعْهُمْ الْجَمِيعَ إنْ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَمَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ كَانَ أَوْلَى فَإِنْ اسْتَوَوْا فِيهِ فَإِنَّهُمْ يُؤَذِّنُونَ الْجَمِيعُ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَمِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ كَلَامَ الرَّوْضَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَذَانُهُمْ جَمَاعَةٌ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ الْمُخَالِفَةِ لِسُنَّةِ الْمَاضِينَ، وَالِاتِّبَاعُ فِي الْأَذَانِ وَغَيْرِهِ مُتَعَيَّنٌ، وَفِي الْأَذَانِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ أَعْلَامِ الدِّينِ، وَفِي الْأَذَانِ الْجَمَاعَةِ مَفَاسِدُ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ
وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْأَذَانِ خَفِيَ أَمْرُهُ فَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَفْهَمُ السَّامِعُ مَا يَقُولُونَ وَالْغَالِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْأَذَانِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَفَّسَ فَيَجِدُ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى صَوْتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَيَتْرُكَ مَا فَاتَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ جَمَاعَةً هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَانْظُرْ إلَى حِكْمَةِ الشَّرْعِ فِي الْأَذَانِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ كَيْفَ عَمَّتْ بَرَكَتُهُ لِلْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ حَكَاهُ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ فَلَوْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا فَاتَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ كَثِيرًا مِنْ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يَكُونُ قَاعِدًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ أَوْ مَشْغُولًا أَوْ فِي أَكْلِهِ أَوْ فِي شُرْبِهِ أَوْ فِي نَوْمِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةٌ يُؤَذِّنُونَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ لَفَاتَتْهُمْ حِكَايَتُهُ فَإِذَا أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ السَّابِقِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ حِكَايَةِ الْأَوَّلِ أَدْرَكَ الثَّانِيَ، وَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى عِلْمٍ مِنْ الْوَقْتِ إذَا عَلِمُوا الْمُؤَذِّنَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ إلَى آخِرِ الَّذِي يُصَلِّي عِنْدَ آخِرِ أَذَانِهِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ التَّخْيِيرُ كَمَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُمْ إذَا تَعَدَّدُوا، وَتَنَازَعُوا قُدِّمَ مَنْ سَبَقَ هَذَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمْ وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ تَشَاحَّ الْمُؤَذِّنُونَ قُدِّمَ الْأَوْلَى فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ انْتَهَى.
مُجَمَّعًا مِنْ مَوَاضِعَ، وَبَعْضُهَا بِاخْتِصَارٍ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُؤَذِّنِينَ وَتَرَتُّبَهُمْ أَوْلَى مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدٍ، وَمِنْ جَمْعِهِمْ فِي أَذَانٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مَا وَعَدْنَا بِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَا يَتَرَتَّبُونَ فِي الْمَغْرِبِ وَكَذَلِكَ إذَا خَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْمَغْرِبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ قُلْنَا: إنَّ وَقْتَهَا يَمْتَدُّ احْتِيَاطًا.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَهَلْ يُفْصَلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أَمَّا مَا عَدَا الْمَغْرِبَ، فَالْأَذَانُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ وَيُخْتَلَفُ فِي الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ صَاحِبُهُ: يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ وَنَظَّرُوهُ بِالْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَثَ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلْمَغْرِبِ شَيْئًا يَسِيرًا، وَإِنْ تَمَهَّلَ فِي نُزُولِهِ وَمَشْيِهِ إلَى الْإِقَامَةِ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ انْتَهَى.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ الْمَجْمُوعَةِ، قَالَ أَشْهَبُ: وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي الْمَغْرِبِ أَنْ يَصِلَ الْإِقَامَةَ بِالْأَذَانِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُمْ وَلْيُؤَخِّرْ الْإِقَامَةَ فِي غَيْرِهَا لِانْتِظَارِ النَّاسِ
ص (وَإِقَامَةُ غَيْرِ مَنْ أَذَّنَ) ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ
عِنْدَنَا لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ» وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد أَيْضًا «أَنَّ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْمَدِّ، قَالَ أَمَرَنِي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» وَصُدَاءٌ حَيٌّ بِالْيَمَنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ حَدِيثَ الْحَارِثِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَحَسَنٌ وَأَيْضًا فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ حَدِيثَ الصُّدَائِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ مَنْ يَرَاهُ؛ لِأَنَّ الصُّدَائِيَّ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَأَرَادَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَأْلِيفَهُ.
ص (وَحِكَايَتُهُ قَبْلَهُ)
ش: هَكَذَا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنَّ عَجَّلَ قَبْلَهُ بِالْحِكَايَةِ فَلَا بَأْسَ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ تِلَاوَةٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ رَوَى عَلِيٌّ أَحَبُّ إلَى بَعْدَهُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ فِي ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ بَطِيئًا فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَهُ لِيَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الْحِكَايَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ بِاخْتِصَارٍ، قَالَ وَفِيهَا إنْ عَجَّلَ قَبْلَهُ فَلَا بَأْسَ رَوَى عَلِيٌّ " أَحَبُّ إلَى بَعْدَهُ " الْبَاجِيُّ إنْ كَانَ فِي ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ فَالْأَوَّلُ وَإِلَّا فَالثَّانِي انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ رِوَايَةَ عَلِيٍّ ثُمَّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَفْقَهُ، وَوَجْهُهُ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعْقُولٌ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالتَّمْجِيدُ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ وَالْعَمَلُ يُقَوِّيهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَحْكِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ، قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَلَهُ حِكَايَتُهُ إنْ شَاءَ، قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهُوَ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: إذَا قُلْنَا لَا يَحْكِيهِ فِي الْفَرِيضَةِ حَكَاهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا انْتَهَى.
هُوَ أَقْوَى مِنْ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ؛ لِأَنَّهُ جَزْمٌ بِطَلَبِ الْحِكَايَةِ، وَكَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ وَأَيْضًا فَتَعْلِيلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الذِّكْرُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَحْكِيَ الْأَذَانَ إذَا فَاتَ وَلَوْ طَالَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا شَكَّ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يُعْطَى حُكْمَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَأُجْرَةٌ عَلَيْهِ أَوْ مَعَ صَلَاةٍ وَكُرِهَ عَلَيْهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي ﴿بَابِ الْأَذَانِ﴾ وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ الْإِجَارَةَ فِي الْحَجِّ وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ وَيُقِيمَ وَيُصَلِّي بِهِمْ جَازَ وَكَانَ الْأَجْرُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْجِدِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ وَعَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيهِمَا فَيَتَحَصَّلُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَذَانِ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ وَفِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ: أَقْوَالٍ بِالْجَوَازِ، وَالْمَنْعِ، وَالثَّالِثُ يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تَبَعًا، وَيُكْرَهُ عَلَى الْإِمَامَةِ بِانْفِرَادِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَذَكَرَ بَعْدَهَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ، قَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ: لَا بَأْسَ بِهَا عَلَى الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ، ابْنُ رُشْدٍ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَلُزُومِ الْفَرْضِ زَادَ ابْنُ نَاجِي، فَقَالَ فَكَانَ الْعِوَضُ لَيْسَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ الْمَازِرِيَّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ لِمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ لَا لِمَنْ قَرُبَتْ، وَمَا ذَكَرَهُ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ هُوَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّفُ فِي مُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَالْقَصْدُ إلَيْهِ يَشُقُّ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَيَأْتِي لِعَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ حَبِيبٍ فَيَتَحَصَّلُ فِي حُكْمِهَا فِي الْفَرْضِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالتَّحْرِيمُ، وَقَوْلُ التَّهْذِيبِ يَعْنِي تَجُوزُ تَبَعًا، وَرِوَايَةُ عَلِيٍّ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ، وَفِي النَّفْلِ الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكُرِهَ عَلَيْهَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ
الْإِجَارَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ عِنْدِي فِي الْمَكْتُوبَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ انْتَهَى.
وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلْزَمُهُ فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُرَاعَاةِ أَوْقَاتِهَا وَحُدُودِهَا مَا يَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَوْلَا الْأُجْرَةُ لَقَصَّرَ فِي بَعْضِهَا، وَالنَّافِلَةُ لَا تَلْزَمُهُ أَصْلًا فَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا أَخَفَّ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَلْزَمُ الْأَجِيرَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قُرْبَةٌ أَصْلُ ذَلِكَ الْأَذَانُ وَبِنَاءُ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ فَتُّوحٍ رَوَى أَشْهَبُ: الِاسْتِئْجَارُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَى الْإِمَامِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَكْرُوهٌ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْتُ) وَمُقْتَضَاهُ الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ إنْ فَاتَ الْعَمَلُ وَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ فَلَمْ يَحْكُمْ لِلْإِمَامِ بِشَيْءٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ " وَمُقْتَضَاهُ الْحُكْمُ بِالْإِجَارَةِ " وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَجِّ مَكْرُوهَةٌ فَإِذَا وَقَعَتْ صَحَّتْ وَحُكِمَ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ إذَا عُقِدَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْإِمَامَةِ كُرِهَ ذَلِكَ وَصَحَّ.
(الثَّانِي) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقَ: فَجَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ يُضْعِفُ مَنْعَ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَوَاتِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) إذَا جَوَّزْنَا الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ مَعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَتَخَلَّفَ الْمُؤَذِّنُ عَنْ الصَّلَاةِ خَاصَّةً مِنْ سَلَسِ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: اخْتَلَفَ فُقَهَاؤُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِجَارَةِ حِصَّةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعُ كَمَالِ الْعَبْدِ، وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الِانْفِرَادِ وَيَجُوزُ إذَا جُمِعَ وَقِيلَ: بَلْ تَسْقُطُ حِصَّةُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ فَإِذَا نَزَلَتْ مَضَتْ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يُجِيزُ الْإِجَارَةَ عَلَيْهَا، وَمَالُ الْعَبْدِ وَثَمَرَةُ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ إذَا انْفَرَدَ بِإِجْمَاعٍ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ وَعَزَا الْأَوَّلَ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ أَوْ شَجَرًا مُثْمِرًا فَاسْتَحَقَّ مَالَ الْعَبْدِ مِنْ يَدِهِ وَأُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ حَطًّا مِنْ الثَّمَنِ، وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِعَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ حِلْيَةَ السَّيْفِ إذَا كَانَتْ تَبَعًا لَهُ وَخِلْفَةَ الزَّرْعِ الْقَصِيلِ الْمُشْتَرَطَةَ تَبَعًا لَهُ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِلْيَةُ أَوْ نَقَصَ بَعْضُ الْخِلْفَةِ أَوْ تَخَلَّفَ فَإِنَّهُ يَحُطُّ لَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ وَأَجَابُوا عَنْ الْأَوَّلَيْنِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ مَالِ الْعَبْدِ لَهُ لَا لِلْمُبْتَاعِ، فَالْمُعَاوَضَةُ وَقَعَتْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ مَالَ الْعَبْدِ بِيَدِهِ، وَهَذَا قَدْ فَعَلَهُ الْبَائِعُ وَلَمْ يَبْطُلْ وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَلِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيٌ فَصَارَ ذَلِكَ كَبَيْعِهَا يَابِسَةً، فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ بِهِ الْجَائِحَةُ لَا لِلتَّبَعِيَّةِ، وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى الْإِمَامَةِ مُفْرَدَةً صَحَّ، وَذَكَرَهُ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى مَبْسُوطًا وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ جَمِيعَ ذَلِكَ وَزَادَ فِي مَسْأَلَةِ مَالِ الْعَبْدِ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَحْسَنُ الْحَطِيطَةُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ زَادَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمَرْأَةِ شَوَارُهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الصَّدَاقِ قَدْرَ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ زَادَهُ لِأَجْلِهِ مَعَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الِاتِّبَاعِ مَقْصُودَةً بِالْأَعْرَاضِ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ، بَلْ نَقُولُ التَّبَعُ قَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ لَهُ مُنْفَرِدًا كَحِلْيَةِ السَّيْفِ التَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً بِجِنْسِهَا، وَيَجُوزُ تَبَعًا انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الْأَذَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاخْتَلَفُوا فِي إجَارَةِ غَيْرِهِ، وَقَالَ سَنَدٌ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الرِّزْقِ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لَهُمْ عَلَى عَمَلِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافُ قَوْلِ ابْنُ حَبِيبٍ تُمْنَعُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَذَانِ إنَّمَا كَانَ إعْطَاءُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ كَإِجْرَائِهِ لِلْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ
رِزْقًا وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مِنْ مَالِ مَنْ حَكَمُوا لَهُ بِالْحَقِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ لِكَوْنِهِ أُخِذَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: وَمَا يَأْخُذهُ الْقُضَاةُ وَالْمُؤَذِّنُونَ، وَصَاحِبُ السُّوقِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ فَيُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا لَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْمِصْرِ مَنْ يُؤَذِّنُ إلَّا بِأُجْرَةٍ فَإِنَّهُمْ يَسْتَأْجِرُونَ مَنْ يُؤَذِّنُ لَهُمْ، قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَتَكُونُ أُجْرَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ كُلِّهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ وَلَهُ رِبَاعٌ أَوْ عَقَارٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهَذَا بِخِلَافِ إجَارَةِ التَّعْلِيمِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ صَبِيٌّ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْبَاسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُصَلِّي فَقِيلَ: إنَّهَا إجَارَةٌ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْمُوَثَّقِينَ، وَقِيلَ: إنَّهَا إعَانَةٌ وَلَا يَدْخُلُهَا الْخِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: قُلْتُ إنَّمَا أَقْوَالُ الْمُوَثَّقِينَ فِي اسْتِئْجَارِ النَّاظِرِ فِي أَحْبَاسِ الْمَسَاجِدِ مَنْ يُؤَذِّنُ وَيَؤُمُّ وَيَقُومُ بِمُؤْنَةِ الْمَسْجِدِ فَلَعَلَّهُ فِيمَا حَبَسَ لِيَسْتَأْجِرَ مِنْ غَلَّتِهِ لِذَلِكَ، وَأَحْبَاسُ زَمَانِنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ لِمَنْ قَامَ بِتِلْكَ الْمُؤْنَةِ، وَهَذَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي امْرَأَةِ إمَامِ مَسْجِدٍ لَهُ دَارٌ حَبَسَتْ عَلَيْهِ مَاتَ إمَامُهُ، فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ لِجِيرَانِ الْمَسْجِدِ: إخْرَاجُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ الْمُتَيْطِيُّ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ، وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَةِ الْأَمِيرِ، وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَوْ كَانَتْ أَحْبَاسُ الْمَسَاجِدِ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ لَافْتَقَرَتْ لِضَرْبِ الْأَجَلِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لِلْمُخَالِفِ نَفْيُ مَنْعِ اللُّزُومِ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَاسْتَمَرَّتْ الْفَتْوَى مِنْ كُلِّ أَشْيَاخِي الْقَرَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِجَوَازِ أَخْذِ مَنْ يُصَلِّي أَوْ يُؤَذِّنُ مِنْ الْأَحْبَاسِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا إعَانَةٌ أَوْ لِضَرُورَةِ الْأَخْذِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ الْمَسَاجِدُ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّكَّالِيُّ عَلَى تُونِسَ فَلَمْ يُصَلِّ خَلْفَ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَلَا الْجُمُعَةَ، يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ قَالَ وَكَانَ إمَامًا بِجَامِعِ الزَّيْتُونِ وَلَا خَلْفَ غَيْرِهِ لِأَخْذِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَرَأَى وُجُودَ الْخِلَافِ شُبْهَةً، وَكَانَ كُلُّ بَلَدٍ يَرِدُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ لِلْمَشْرِقِ لَا يُصَلِّي إلَّا خَلْفَ مَنْ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إنْ وَجَدَ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ آمِينَ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَرَّضَ بِهِ فِي أَبْيَاتٍ، قَالَ: وَقُلْتُ لَهُ: نَجْتَمِعُ بِهِ وَنُنَاظِرُهُ فَمَنَعَنِي مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: ثُمَّ اجْتَمَعَتْ بِهِ لَمَّا حُجِجْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقُلْتُ لَهُ: أَنَا أَخَذْتُ مُرَتَّبَ الْإِمَامَةِ وَمُرَتَّبَ التَّدْرِيسِ وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ حِلٌّ لِي مِنْ أَخْذِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ عَلَى وَضْعِهِ مِنْ دُخُولِ الْحَلَالِ فِيهِ لِأَنِّي لَا أَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا لِكَوْنِي مُسْلِمًا فَيُدْرِكُنِي الْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ لِكَوْنِي وَاحِدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَتَى كَثُرَتْ أَفْرَادُ الْعَامِ ضَعُفَ الظَّاهِرُ، وَأَخْذُ مُرَتَّبِ الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ مُبَاحٌ بِمَا يُعْرَفُ مِنْ النَّصِّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ مِنْ وَاضِعِهِ، وَهُوَ إعَانَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَا عَلَى مَعْنَى الْأَجْرِ، وَقَدْ أَجْرَى السَّلَفُ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْعُمَّالِ وَغَيْرِهِمْ وَلَنْ يَأْتِيَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَهْدَى مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلُهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ إلَّا أَنَّ هَذَا حَسَنٌ لَكِنْ لَا يَزِيدُ لَكَ هَذِهِ الشَّخْشَخَةَ انْتَهَى.
وَالْأَبْيَاتُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْبُرْزُلِيُّ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَخْذِهِ الْأُجْرَةَ عَلَى الْفَتْوَى اسْتَطْرَدَ إلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ شَنَّعَ عَلَى الدَّكَّالِيِّ حِينَ وَرَدَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَجَرَى عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتَّى ذَكَرَ فِيهَا أَبْيَاتًا أَنْشَدَنِيهَا حِينَ اجْتَمَعْنَا بِهِ بصفاقص وَخَرَجْنَا لِلْغَايَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبْيَاتَ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِهِمْ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ ابْنَ عَرَفَةَ بَعَثَ بِالْأَبْيَاتِ إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي حُدُودِ التِّسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ
يَا أَهْلَ مِصْرَ وَمَنْ فِي الدِّينِ شَارَكَهُمْ ... تَنَبَّهُوا لِسُؤَالٍ مُعْضِلٍ نَزَلَا
لُزُومُ فِسْقِكُمْ أَوْ فِسْقِ مَنْ زَعَمَتْ ... أَقْوَالُهُ أَنَّهُ بِالْحَقِّ قَدْ عَدَلَا
فِي تَرْكِهِ الْجُمَعَ وَالْجُمُعَاتِ خَلْفَكُمْ ... وَشَرْطُ إيجَابِ حُكْمِ الْكُلِّ قَدْ حَصَلَا
إنْ كَانَ شَأْنُكُمْ التَّقْوَى فَغَيْرُكُمْ ... قَدْ بَاءَ بِالْفِسْقِ حَقًّا عَنْهُ مَا عَدَلَا
وَإِنْ يَكُنْ عَكْسُهُ فَالْأَمْرُ مُنْعَكِسٌ ... فَاحْكُمْ بِحَقٍّ وَكُنْ بِالْحَقِّ مُعْتَدِلَا
وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ
وَكُنْ بِالْهَدْيِ مُعْتَدِلَا
فَأَجَابَ بَعْضُ الْمِصْرِيِّينَ
مَا كَانَ مِنْ شِيَمِ الْأَبْرَارِ أَنْ يَسِمُوا ... بِالْفِسْقِ شَيْخًا عَلَى الْخَيْرَاتِ قَدْ جُبِلَا
لَا لَا وَلَكِنْ إذَا مَا أَبْصَرُوا خَلَلًا ... كَسَوْهُ مِنْ حُسْنِ تَأْوِيلَاتِهِمْ حُلَلًا
أَلَيْسَ قَدْ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ صَاحِبُهُ ... يَسُوغُ ذَاكَ لِمَنْ قَدْ يَخْتَشِي خَلَلَا
كَذَا الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ سَوَّغَهُ ... لِمَنْ تَخَيَّلَ خَوْفًا وَاقْتَنَى عَمَلَا
وَقَالَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ إذَا ثَبَتَتْ ... عَدَالَةُ الْمَرْءِ فَلْيُتْرَكْ وَمَا عَمِلَا
وَقَدْ رَوَيْتُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعُتَقِيِّ ... فِيمَا اخْتَصَرْت كَلَامًا أَوْضَحَ السُّبَلَا
مَا إنْ تُرَدَّ شَهَادَاتٌ لِتَارِكِهَا ... إنْ كَانَ بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى قَدْ احْتَفَلَا
نَعَمْ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَعْلَيْنَ مَنْزِلَةً ... مَنْ جَانَبَ الْجَمْعَ وَالْجَمَعَاتِ مُعْتَزِلَا
كَمَالِكَ غَيْرُ مُبْدٍ فِيهِ مَعْذِرَةً ... إلَى الْمَمَاتِ وَلَمْ يَثْلَمْ وَمَا عَمِلَا
هَذَا وَإِنَّ الَّذِي أَبْدَاهُ مُتَّضِحٌ ... أَخَذَ الْأَئِمَّةُ أَجْرًا مَنْعُهُ نَقْلَا
وَهَبْكَ أَنَّكَ رَاءٍ حِلَّهُ نَظَرًا ... فَمَا اجْتِهَادُكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَلَا
انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ: وَعِنْدِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَكَمَ بِمَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ فَإِنَّ الدَّكَّالِيَّ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الدُّنْيَا وَزَاهِدًا فِيهَا فَالْمُتَلَبِّسُ بِهَا عِنْدَهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْآخِرَةِ وَكَانَ شَيْخُنَا يَرَى أَنَّ الدُّنْيَا مَطِيَّةُ الْآخِرَةِ، وَأَنَّهَا نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَاكْتَسَبَ مِنْهَا جُمْلَةً كَثِيرَةً، وَأَخْرَجَ جُلَّهَا لِلْأَخِرَةِ نَفَعَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
(السَّابِعُ) الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْإِمَامَةِ جَائِزَةٌ، قَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُسْتَأْجَرُ لِقِيَامِ رَمَضَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ بِذَلِكَ بَأْسٌ إنْ كَانَ بَأْسٌ فَعَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِقِيَامِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ عَلَيْهِ حَرَامًا فَتَكُونُ جُرْحَةً فِيهِ تَقْدَحُ فِي إمَامَتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ لَهُ مَكْرُوهَةٌ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ فَعَلَ مَا تَرْكُهُ أَفْضَلُ، كَمَا لَا يُكْرَهُ إمَامَةُ مَنْ تَرَكَ مَا فِعْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ النَّوَافِلِ.
ص (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ كَمُلَبٍّ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُلَبِّي، قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَكَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ نَاجِي، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ فَالْمَذْهَبُ مَنْعُهُ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَرُدُّ إشَارَةً: يَجُوزُ السَّلَامُ عَلَيْهِ كَالْمُصَلِّي انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْعُ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ فِي جَوَازِ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي وَكَرَاهَتِهِ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرُدَّ إشَارَةً جَازَ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَالْمُؤَذِّنُ وَالْمُلَبِّي لَا يَرُدَّانِ إشَارَةً فَكُرِهَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا أُجِيزَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرُدَّ إشَارَةً، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُلَبِّي؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ عِبَادَةٌ وَلَيْسَ لَهُ فِي النُّفُوسِ وَقْعٌ كَالصَّلَاةِ فَلَوْ أُجِيزَ فِيهَا إشَارَةً لَتَطَرَّقَ إلَى الْكَلَامِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لِعِظَمِهَا فِي النُّفُوسِ لَا يَتَطَرَّقُ فِيهَا مِنْ جَوَازِ الْإِشَارَةِ إلَى الْكَلَامِ وَالْمُلَبِّي كَذَلِكَ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: لَمَّا كَانَ
الْأَذَانُ لَا يُبْطِلُهُ الْكَلَامُ وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَكَانَ رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ إلَّا كَلَامًا فَصَارَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أَدْخَلَهُ بِسَلَامِهِ فِي الْكَرَاهَةِ فَنُهِيَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَإِذَا عَصَى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ عُوقِبَ بِأَنْ لَا يَرُدَّ عَلَيْهِ كَمَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ لِاسْتِعْجَالِهِ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَ شَأْنُهَا يَطُولُ جُعِلَتْ الْإِشَارَةُ لِلْمُصَلِّي عِوَضًا مِنْ الْكَلَامِ، وَالْأَذَانُ وَالتَّلْبِيَةُ لَا يَطُولَانِ فَيَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِمَنْ كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ الْأَذَانُ وَالصَّلَاةُ: إنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرُدُّونَ عَلَى مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ لِلْعَمَلِ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَخَصَّتْ السُّنَّةُ جَوَازَ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَقِيَ الْأَذَانُ عَلَى أَصْلِهِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَاَلَّذِي يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ خَمْسَةٌ: الْمُلَبِّي، وَالْمُؤَذِّنُ، وَقَاضِي الْحَاجَةِ، وَالْآكِلُ، وَالشَّارِبُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةٌ لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا: الْآكِلُ، وَالْجَالِسُ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْمُؤَذِّنُ، وَالْمُلَبِّي، وَزَادَ بَعْضُهُمْ قَارِئَ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ آدَابِ الْأَكْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي عَوْرَةِ النِّسَاءِ: وَلَا يُسَلَّمُ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَهُوَ كَاشِفٌ الْعَوْرَةَ أَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِمَا دَخَلَ لَهُ الْحَمَّامَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لَمْ نَقِفْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ عَلَى الْآكِلِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ فِي بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ عَنْ التَّادَلِيِّ مَا نَصُّهُ: " قَالَ وَلَا يُسَلَّمُ عَلَى الشَّابَّةِ، وَالْآكِلِ، وَقَاضِي الْحَاجَةِ، وَالْمُلَبِّي، وَالْمُؤَذِّنِ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ، وَالْكَافِرِ، وَأَهْلِ الْمَعَاصِي، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ السَّلَامِ عَلَى الْآكِلِ لَا أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ لَمَّا سَأَلْتُهُ هَلْ تَعْرِفُهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمُقِيمَ صَرَّحَ بِهِ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: وَلَا يُسَلَّمُ عَلَى الْمُؤَذِّنِ، وَالْمُقِيمِ، وَلَا يَرُدَّانِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: يَرُدَّانِ إشَارَةً، وَقِيلَ: يَرُدَّانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ: يَرُدَّانِ كَلَامًا، قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ مَسْلَمَةَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يَرُدُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ انْتَهَى.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ الثَّالِثُ خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ بِإِشَارَةٍ لِكَسَلَامٍ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْآكِلِ، وَعَلَى الْمُلَبِّي، وَعَلَى الْمُؤَذِّنِ، وَعَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ، وَعَلَى الْمُصَلِّي، وَعَلَى الْبِدْعِيِّ، وَعَلَى الشَّابَّةِ، وَعَلَى الْيَهُودِ، وَعَلَى النَّصَارَى، وَعَلَى الْقَارِئِ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَعَلَى أَهْلِ اللَّهْوِ حَالَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ، وَعَلَى لَاعِبِ الشِّطْرَنْجِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي خِلَافُ مَا شَهَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي السَّهْوِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَأَهْلِ الْبِدَعِ صَرَّحَ بِهِ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ: وَلَا يُبْتَدَأُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ وَأَهْلُ الْمَعَاصِي اُخْتُلِفَ فِي السَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِمْ زَجْرًا لَهُمْ، ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ فِيمَنْ يَلْعَبُ الشِّطْرَنْجَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَيُرِيدُ فِي غَيْرِ حَالِ لِعْبِهِمْ بِهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: يُرِيدُ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ مِنْ اللَّعِبِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ اللَّعِبِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِمَعْصِيَةٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ.
(قُلْتُ) وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَامِرُوا عَلَيْهَا وَلَمْ يَلْتَهُوا بِهَا عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا وَأَمَّا إذَا قَامَرُوا عَلَيْهَا أَوْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ لِأَجْلِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي فَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ فَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ نَاجِي: الْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْجُزُولِيُّ وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى حَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى بَابِهَا، وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى الشَّابَّةِ، فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي بَابِ
اللِّبَاسِ: وَلَا يُسَلَّمُ عَلَى الشَّابَّةِ بِخِلَافِ الْمُتَجَالَّةِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الشَّابَّةِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّابِّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُتَجَالَّةِ وَلِلْمُتَجَالَّةِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الشَّابِّ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي عَنْ التَّادَلِيِّ.
(فَائِدَةٌ) ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ: لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَالْجُزُولِيُّ: بِأَنَّ الرَّدَّ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي إرْسَالِ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَسْأَلُهُ عَنْ الْغُسْلِ، قَالَ الرَّسُولُ فَجِئْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَغْتَسِلُ، قَالَ عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّلَامِ عَلَى الْمُتَطَهِّرِ، وَالْمُتَوَضِّئِ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ عَلَى الْحَدَثِ، وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُهُ مَعَهُ، وَهُوَ بِتِلْكَ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَسْتُورًا بِثَوْبِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْمُؤَذِّنُ السَّلَامَ لَمْ يَبْطُلْ أَذَانُهُ وَلَكِنَّهُ فَعَلَ مَكْرُوهًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِقَامَةُ رَاكِبٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُؤَذِّنُ رَاكِبًا وَلَا يُقِيمُ إلَّا نَازِلًا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَذَانِ رَاكِبًا، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ إلَّا نَازِلًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ الْجَوَازَ قَائِلًا؛ لِأَنَّ النُّزُولَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يَكُنْ فَاصِلًا كَأَخْذِ الثَّوْبِ، وَبَسْطِ الْحَصِيرِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الرِّوَايَتَيْنِ وَصَوَّبَ الْأُولَى، ثُمَّ قَالَ: فَيَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِهِ وَيَعْقِلُهَا وَيَتَحَفَّظُ فِي قُمَاشِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أَقَامَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَلَ وَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ شُغْلٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
ص (أَوْ مُعِيدٌ لِصَلَاتِهِ كَأَذَانِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ إقَامَةُ الْمُعِيدِ لِصَلَاتِهِ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَذَانُ الْمُعِيدِ لِصَلَاتِهِ وَالْمُرَادُ مَنْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ كَانَ أَذَّنَ لَهَا أَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ وَسَوَاءٌ أَرَادَ إعَادَتَهَا أَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُؤَذِّنُ، وَلَا يُقِيمُ مَنْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ نَحْوُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَشْهَبَ، وَنَصَّهُ اللَّخْمِيّ عَنْ أَشْهَبَ: لَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ مَنْ صَلَّاهَا وَيُعِيدُونَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ مَا لَمْ يُصَلُّوا، وَنَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالتُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ لَا يُؤَذِّنُ لِصَلَاةٍ مَنْ صَلَّاهَا وَأَذَّنَ لَهَا، رَوَى ابْنُ وَهْبٍ جَوَازَ مَنْ أَذَّنَ بِمَوْضِعٍ وَلَمْ يُصَلِّ فِي آخَرَ، فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَنْعَهُ عَنْ أَشْهَبَ، وَجَوَازَهُ لِبَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَهْمٌ وَقُصُورٌ لِمَفْهُومِ نَقْلِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ يَعْنِي أَنَّ الْوَهْمَ فِي نِسْبَةِ الْمَنْعِ لِأَشْهَبَ وَإِنَّمَا مَفْهُومُ نَقْلِ الْأَشْيَاخِ الثَّلَاثَةِ الْجَوَازَ وَالْقُصُورَ عَلَى عَدَمِ الْوَقْفِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَتَّى أَخَذَ الْجَوَازَ مِنْ يَدِ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ، فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ أَذَّنَ لَهَا وَصَلَّاهَا، الثَّانِي: صَلَّاهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا، وَقَدْ تَنَاوَلَهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّف لِإِطْلَاقِ اللَّخْمِيِّ، الثَّالِثُ: أَذَّنَ لَهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا، وَحَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِاتِّفَاقِ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، وَمَفْهُومُ نَقْلِ الثَّلَاثَةِ عَنْ أَشْهَبَ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ عَلَى جَوَازِ أَذَانِهِ لَهَا ثَانِيًا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مُخَالِفٌ فَتَدَبَّرْهُ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: " أَجَازَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لِمَنْ أَذَّنَ فِي مَسْجِدِهِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى مَسْجِدٍ فَيُصَلِّيَ فِيهِ.
(قُلْتُ) وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَنْعَ مُرَتَّبًا عَلَى كَوْنِهِ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا مَنْ أَذَّنَ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يُصَلِّهَا فَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الطِّرَازِ فَذَكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ بِالْجَوَازِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهَا لَكِنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ أَوَّلًا فَهَذَا يَجُوزُ إنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ فِيهِ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَ أَهْلَهُ، وَحَصَلَ لَهُ فَضْلُ ذَلِكَ وَالْأَذَانُ مَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُهُ لِلصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَالْجَمَاعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَنَظِيرُهُ الْوُضُوءُ وَلَمَّا كَانَ لَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ لَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُهُ لِتِلْكَ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا وَأَذَّنَ فِي بَعْضِ جِهَاتِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
يُؤَذِّنَ فِي جِهَةٍ أُخْرَى لِإِعْلَامِ أَهْلِ الْجِهَةِ، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ يُكْرَهُ؟ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ أَذَّنَ لِقَوْمٍ وَصَلَّى مَعَهُمْ: فَلَا يُؤَذِّنُ لِآخَرِينَ وَلَا يُقِيمُ فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعِيدُوا حَتَّى صَلَّوْا أَجْزَأَهُمْ انْتَهَى.
ص (وَتُسَنُّ إقَامَةٌ مُفْرَدَةٌ وَثَنْيُ تَكْبِيرِهَا لِفَرْضٍ وَإِنْ قَضَاءً)
ش يَعْنِي أَنَّ الْإِقَامَةَ سُنَّةٌ وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ وَقَعَ الِاسْتِغْفَارُ لِتَارِكِهَا، وَوَقَعَ فِيهَا وَفِي الْأَذَانِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: رُوِيَ عِنْدَنَا إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِمَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَاسْتَوَى فِيهِ الْعَمْدُ، وَالنِّسْيَانُ وَكَافَّةُ شُيُوخِنَا قَالُوا: إنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْفَافَ بِالسُّنَنِ وَتَرْكَهَا عَمْدًا مُؤْثَرٌ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حُكْمُ الرَّجُلِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ إقَامَةِ الْمَرْأَةِ، وَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنَّهُ، قَالَ فِي تَوْجِيهِ عَدَمِ إعَادَةِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا: وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الْمُنْفَرِدِ إنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِقَامَةَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ صَلَاةَ فَرْضٍ وَقْتِيَّةً أَوْ فَائِتَةً، لَكِنَّ حُكْمَهَا فِي الْجَمَاعَاتِ آكَدُ مِنْهُ فِي الِانْفِرَادِ، وَحُكْمَهَا عَلَى الرِّجَالِ آكَدُ مِنْهُ عَلَى النِّسَاءِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي آخِرِ الْبَابِ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي إقَامَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ بِالْخِلَافِ فِي إقَامَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: وَالْإِقَامَةُ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهَا أُهْبَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ خُوطِبَ بِهَا الْمُنْفَرِدُ وَالْجَمَاعَةُ، وَالْأَذَانُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ إلَّا الْجَمَاعَةُ، وَمَا عَمَّ الْخِطَابَ هَهُنَا أَوْكَدُ مِمَّا خَصَّ انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ.
(قُلْتُ) وَلَا إشْكَالَ أَنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَوْكَدُ، وَأَيْضًا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا عَمْدًا كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا أَعْلَمُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ الْأَذَانَ خِلَافًا، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَذَانَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ، وَيَجِبُ فِي الْمِصْرِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ فَهُوَ أَوْكَدُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " مُفْرَدَةٌ وَثَنْيُ تَكْبِيرِهَا " يَعْنِي أَنَّ أَلْفَاظَ الْإِقَامَةِ كُلَّهَا مُفْرَدَةٌ حَتَّى قَوْلِهِ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " إلَّا التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا فَإِنَّهُ مُثَنَّى، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَشْفَعُ " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ".
(فَرْعٌ) وَلَوْ شَفَعَ الْإِقَامَةَ غَلَطًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْإِجْزَاءَ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) مِنْ صِفَاتِ الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ مُعْرَبَةً، قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقِيلَ: مَبْنِيَّةً انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: " لِفَرْضٍ وَإِنْ قَضَاءً " يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ سُنَّةٌ لِكُلِّ فَرْضٍ أَدَاءً كَانَ أَوْ قَضَاءً يُرِيدُ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِالْإِقَامَةِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ: لَوْ ذَكَرُوا الظُّهْرَ مُفَاوِتِينَ لِوَقْتِهَا فَخَافُوا إنْ أَذَّنُوا فَوَّتُوهَا فَلْيُقِيمُوا، وَيَجْمَعُوا قِيلَ: فَإِنْ خَافُوا فَوَاتَهَا بِالْإِقَامَةِ، قَالَ: الْإِقَامَةُ أَخَفُّ، وَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَصَلَاتُهُمْ إيَّاهَا فِي الْوَقْتِ بِغَيْرِ إقَامَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَوْتِهَا، وَيُقِيمُوا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ وَوَجْهُهُ بَيِّنٌ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ الْوَقْتِ فَرْضٌ وَالْإِقَامَةَ فَضْلٌ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
ص (وَصَحَّتْ وَلَوْ تُرِكَتْ عَمْدًا) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ إقَامَةٍ عَامِدًا أَجْزَأَهُ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ الْعَامِدُ انْتَهَى.
وَأَشَارَ بِأَوْ إلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ، وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي نَقْلِهِ، فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ إقَامَةٍ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا أَجْزَأَهُ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَامِدُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ زِيَادٍ، وَابْنُ نَافِعٍ: مَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِهَا الصَّلَاةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَفْسُدَ بِتَرْكِهَا، وَوَجْهُ الْآخَرِ أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ كَاَلَّتِي مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ فَتَرْكُهَا عَمْدًا لَعِبٌ بِالصَّلَاةِ
فَوَجَبَ أَنْ لَا تُجْزِئَهُ انْتَهَى.
وَلَمْ يَعْزُهُ اللَّخْمِيُّ إلَّا لِابْنِ كِنَانَةَ، وَنَصُّهُ: " وَمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ إذَا تَرَكَهَا عَمْدًا، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَزَاهُ ابْنُ هَارُونَ لِرِوَايَةِ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ وَلِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَلَمْ يَعْزُهُ فِي النَّوَادِرِ إلَّا لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أُمِرَ بِالْأَذَانِ فَتَرَكَهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَأَمَّا مَنْ أُمِرَ بِالْإِقَامَةِ فَتَرَكَهَا سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَأَمَّا الْعَامِدُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَالشَّاذُّ: أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَارِكِ السُّنَنِ مُتَعَمِّدًا، هَلْ يُعَدُّ عَابِثًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا يُعَدُّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْثُومٍ فِي التَّرْكِ فَلَا تَبْطُلُ؟ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا، وَكَلَامُ ابْنِ يُونُسَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ، وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَعَزَا صَاحِبُ الطِّرَازِ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ، وَقَالَ: أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَنَصُّهُ: " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ يُصَلِّي بِغَيْرِ إقَامَةٍ نَاسِيًا، فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَلَوْ تَعَمَّدَ، قَالَ: فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْعَامِدِ: أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الْمُنْفَرِدِ إنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ وَجَوَّزَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ لِلْفَذِّ تَرْكَ الْإِقَامَةِ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ حَنْبَلٍ وَلِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ، وَلَا إعَادَةً لَا يُوجِبُ عَمْدُهُ الْإِعَادَةَ كَالتَّسْبِيحِ وَاعْتِبَارًا بِالْأَذَانِ وَاعْتِبَارًا بِالْمَرْأَةِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ وَلَمْ يَحْكِهِ غَيْرُهُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الصَّغِيرِ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ وَعَزَاهُ فِي الشَّامِلِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْإِعَادَةَ هَلْ هِيَ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ نَقْلَ الْخِلَافِ خُصُوصًا الَّذِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى تَرْكِ الْإِقَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَالْإِقَامَةُ سُنَّةٌ " لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافَ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ وَقَعَ إطْلَاقُ الِاسْتِغْفَارِ لِتَارِكِهَا، وَوَقَعَ فِيهَا وَفِي الْأَذَانِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: " وَلَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِنَقْلِ ابْنِ رَاشِدٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْإِقَامَةِ فَقَطْ " انْتَهَى.
(قُلْتُ) قَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) تَحَصَّلَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ طَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا لِابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الْإِعَادَةَ أَبَدًا، الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ: أَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَقِيلَ: أَبَدًا.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ التَّارِكِ لَهَا سَهْوًا لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ.
(الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ بَشِيرٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْأَذَانَ عَامِدًا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلِ الشَّاذِّ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي نَعَمْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الطَّبَرِيَّ رَوَى عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ أَهْلُ مِصْرٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَنَّ أَشْهَبَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ مُسَافِرٌ عَمْدًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كَيْفَ يُطْلِقُ لَفْظَ الِاسْتِغْفَارِ الْمُخْتَصِّ بِالذُّنُوبِ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَتَرْكُهَا لَيْسَ بِذَنْبٍ، وَأَجَابَ: بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْرِمُ الْعَبْدَ مِنْ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ، وَالْفَرَائِضِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ، وَيُعِينُهُ عَلَى التَّقَرُّبِ بِسَبَبِ طَاعَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 5] الْآيَةَ، فَإِذَا اسْتَغْفَرَ مِنْ ذُنُوبِهِ غُفِرَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَأَمِنَ حِينَئِذٍ مِنْ الِابْتِلَاءِ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْحِرْمَانِ
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ، وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ مِنْ شَيْخِي الْقَرَافِيِّ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَذْهَبُ إلَى هَذَا دُونَ اسْتِدْلَالٍ وَنَسَبَهُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفَارُ أَيْضًا لِتَهَاوُنِهِ بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: إنَّ تَرْكَ السُّنَنِ فِسْقٌ، وَإِنْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَلَدٍ عُوقِبُوا انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْوَانُّوغِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ: " جَوَابُ الْقَرَافِيِّ هُنَا ضَعِيفٌ "، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ لَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ كَمَا زَعَمَ وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ الْقَرَافِيِّ
(الْخَامِسُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا سَهْوًا لَا يَسْجُدُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَنَقْصٌ يُؤَثِّرُ فَسَجَدَ لَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَسُجُودُهُ لَغْوٌ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَفِي مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطِلِيّ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِي صُلْبِ صَلَاتِهِ سُجُودًا لَيْسَ مِنْهَا وَرَآهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَأَسْقَطَ بَعْضَهُ فَصَارَ مُشْكِلًا فَإِنَّهُ، قَالَ: إذَا سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَقَالَ) فِي مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطِلِيِّ يُعِيدُ فَكَلَامُهُ أَوْهَمَ أَنَّ كَلَامَ الطُّلَيْطِلِيِّ فِيمَا إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ الْهَوَّارِيُّ فِي مَسَائِلِ السَّهْوِ عَلَى أَنَّهُ إذَا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطِلِيِّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْح الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ سَجَدَ لِتَرْكِ الْإِقَامَةِ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَالَ الطُّلَيْطِلِيّ وَقَبِلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَهُوَ وَاضِحٌ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) إذَا تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ تَرَكَ الْإِقَامَةَ لَمْ يَقْطَعْ وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: وَمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ جَهْلًا حَتَّى أَحْرَمَ فَلَا يَقْطَعُ وَلَوْ أَنَّهُ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ أَقَامَ وَصَلَّى فَقَدْ أَسَاءَ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا أَقَامَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ بِنِيَّتِهِ وَبِكَلَامِهِ الْمُنَافِي لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُنَافِي الصَّلَاةَ حَتَّى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَحْكِي فِيهِ الْمُؤَذِّنَ وَلَوْ أَنَّ هَذَا لَمَّا أَحْرَمَ أَقَامَ بَعْدَ إحْرَامِهِ وَتَمَادَى عَلَى حُكْمِ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ لَأَعَادَ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
ص (وَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ سِرًّا فَحَسَنٌ)
ش يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ صَلَّتْ وَحْدَهَا فَإِنَّ الْإِقَامَةَ فِي حَقِّهَا حَسَنَةٌ يَعْنِي مُسْتَحَبَّةً، وَلَيْسَتْ سُنَّةً كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَأَمَّا إذَا صَلَّتْ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَتَكْتَفِي بِإِقَامَتِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُقِيمَةُ لِلْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، وَلَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِإِقَامَتِهَا كَمَا لَا تَحْصُلُ سُنَّةُ الْأَذَانِ بِأَذَانِهَا، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِي: يُرِيدُ إنَّهَا أَقَامَتْ لِنَفْسِهَا لَا أَنَّهَا تُقِيمُ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْجَمَاعَةِ، وَإِذَا أَقَامَتْ لِنَفْسِهَا فَإِنَّهَا تُقِيمُ سِرًّا؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ مِنْ الرِّجَالِ يُسِرُّ الْإِقَامَةَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ حَسَنَةً أَيْ: مُسْتَحَبَّةً هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا: وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، وَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ إقَامَتَهَا حَسَنَةٌ كَمَا قَالَ، وَرَوَى الطِّرَازُ عَدَمَ اسْتِحْبَابِهَا إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُنَّ كُنَّ يُقِمْنَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(قَالَ) ابْنُ هَارُونَ هُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهَا لِلرَّجُلِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلِلنِّسَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ فَلَا يَسْتَوِيَانِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي الْمَرْأَةِ حَسَنٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ: هَذَا أَشْبَهُ مِمَّا فِي الْأَصْلِ وَوِفَاقٌ لِمَذْهَبِ الْكِتَابِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَعَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ شَرْحُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ لَكِنْ جَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ حَسَنٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَمْنَ فَحَسَنٌ، وَلِأَشْهَبَ ثَالِثٌ بِالْكَرَاهَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) لَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ أَشْهَبَ الْكَرَاهَةَ وَإِنَّمَا فُهِمَ كَلَامُهُ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: اخْتَلَفَ
قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِقَامَةِ فَمَرَّةً اسْتَحْسَنَهَا، وَمَرَّةً لَمْ يَسْتَحْسِنْهَا، قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: مَا سَمِعْتُ ذَلِكَ قَالَ أَفَأَحَبُّ إلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ، قَالَ مَا آمُرُهَا بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَرَأَيْتُ الشَّبِيبِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ حَكَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَزَا الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ، وَبَحَثَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ فِي جَعْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ثَالِثًا، وَقَالَ: هُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى اللُّزُومَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ فَلَا يَكُونُ ثَالِثًا انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَعَلَى ذَلِكَ فَهِمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ الْكَرَاهَةَ وَإِنَّمَا جَعَلَ مُقَابِلَهُ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ، وَنَصُّهُ: " وَفِيهَا لَا أَذَانَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا إقَامَةَ، وَإِنْ أَقَامَتْ فَحَسَنٌ، وَهُوَ فِي الْجَلَّابِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرُوِيَ فِي الطِّرَازِ عَدَمُ اسْتِحْسَانِهَا إذْ لَمْ تُرْوَ عَنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
(قُلْتُ) كَلَامُ الشَّارِحِ، وَابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مُتَّحِدَانِ وَكَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ كَمَا نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ لَكِنْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ أَشْهَبَ وَلَيْسَ ثَالِثًا انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ حَيْثُ لَمْ يُطْلَبْ الْأَذَانُ مِنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَالْحُضُورِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِقَامَةُ شُرِعَتْ لِإِعْلَامِ النَّفْسِ بِالتَّأَهُّبِ لِلصَّلَاةِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ الْأَذَانُ بِمَنْ ذُكِرَ، وَشُرِعَتْ الْإِقَامَةُ لِلْجَمِيعِ (الثَّانِي) : إذَا صَلَّى الصُّبْحَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِقَامَةِ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ لِنَفْسِهِ فَلْيُقِمْ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: " سِرًّا " لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِتَخْصِيصِ الْمَرْأَةِ بِالسِّرِّ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي إقَامَةِ الْمُنْفَرِدِ أَنْ يَكُونَ سِرًّا فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ: وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُسِرَّ الْإِقَامَةَ فِي نَفْسِهِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي، قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُوجَدْ لِمَالِكٍ خِلَافٌ، وَقَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ، قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّ الْإِسْرَارَ مَطْلُوبٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عِمْرَانَ قَائِلًا: " مَخَافَةَ أَنْ يُشَوِّشَ عَلَى مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ يُصَلِّي هُنَاكَ "، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسِرَّ الْإِقَامَةَ فِي نَفْسِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ لَا بَأْسَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَكُونُ وِفَاقًا لِاخْتِصَارِ الْبَرَاذِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِسْرَارُ الْمُنْفَرِدِ حَسَنٌ، قَالَ ابْنُ هَارُونَ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ وَغَيْرُ الْإِسْرَارِ، وَهُوَ الْجَهْرُ أَحْسَنُ لِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ: أَحَبُّ إلَيَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِقَامَةِ وَلَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، بَلْ قَالَ: لَوْ اُخْتِيرَ فِيهَا رَفْعُ الصَّوْتِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ التَّثْوِيبَ أَدْبَرَ، وَمُبَاعَدَةُ الشَّيْطَانِ مَطْلُوبَةٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَشْهَبَ يُخَالِفُ فِي إقَامَةِ الْمُنْفَرِدِ وَيَرَى الْجَهْرَ بِهَا أَوْلَى وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ: يُسِرُّهَا الْمُنْفَرِدُ فِي نَفْسِهِ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ أَحَبُّ إلَيَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِقَامَةِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ أَشْهَبَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ.
قِيلَ: لِأَشْهَبَ: أَيُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ أَوْ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْأَذَانِ أَسْمَعُهُ لِلْقَوْمِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ فِي الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقُرْبَ الْإِمَامِ، وَكُلِّ وَاسِعٍ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ انْتَهَى.
وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ ذَلِكَ خِلَافًا بَلْ، قَالَ: إنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ أُهْبَةً لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْهَا تَفْخِيمًا لَهَا كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ فَحَسَنٌ أَنْ يُقَالَ فِيهَا: مَنْ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا صَلَّى أَهْلُهُ لَا يَجْهَرُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ اللِّبْسَةِ وَالدُّلْسَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا سَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ مِرَارًا يَظُنُّ بِهِ الْخُرُوجَ عَنْ رَأْيِ الْإِمَامِ وَعَمَّا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ، وَأَنَّهُ يَتَعَمَّدُ أَنْ يُصَلِّيَ وَحْدَهُ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي صِفَةِ الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ جَهْرًا لِلْجَمَاعَةِ سِرًّا لِلْفَذِّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) ، قَالَ
اللَّخْمِيُّ: مِنْ شَرْطِ الْإِقَامَةِ أَنْ تَعْقُبَهَا الصَّلَاةُ فَإِنْ تَرَاخَى مَا بَيْنَهُمَا أَعَادَ الْإِقَامَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّوْسِعَةُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْخِلَافِ فِي إقَامَةِ الرَّاكِبِ وَصَوَّبَ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُقِيمُ رَاكِبًا، قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِاتِّصَالِ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ أَقَامَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَلَ وَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ شُغْلٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (فَرْعٌ) إذَا كَانَ الْمُسْتَحَبُّ إيصَالَ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ فَهَلْ يَبْعُدُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ عَنْ الْإِمَامِ مِثْلَ الْجَامِعِ الْوَاسِعِ يَخْرُجُ الْمُؤَذِّنُ إلَى بَابِهِ أَوْ يَصْعَدُ عَلَى سَطْحِهِ فَيُقِيمُ، قَالَ أَشْهَبُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقُرْبَ الْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ لِيُسْمِعَ مَنْ حَوْلَهُ أَوْ قُرْبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى الْمَنَارِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ خَارِجَهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لِيَخُصَّ رَجُلًا لِيُسْمِعَهُ فَدَاخِلُ الْمَسْجِدِ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ، وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَتْ لَمَا سُمِعَتْ مِنْ الْبَقِيعِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ نَحْوَهُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ إقَامَةِ الرَّاكِبِ: لِأَنَّ السُّنَّةَ اتِّصَالُ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ، وَالنُّزُولُ عَنْ الدَّابَّةِ وَعَقْلُهَا، وَإِصْلَاحُ الْمَتَاعِ طُولٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الطِّرَازِ: إذَا كَانَ الْمُسْتَحَبُّ اتِّصَالَ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ يَقْتَضِي أَنَّ اتِّصَالَ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ لَا شَرْطٌ، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْفَصْلِ الْيَسِيرِ، فَهُوَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ، وَأَمَّا إنْ طَالَ الْفَصْلُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْإِقَامَةَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَامَ رَاكِبًا، ثُمَّ نَزَلَ وَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرِ شُغْلٍ فَيَكُونُ مُوَافِقًا، لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَكَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بَعُدَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ الْإِقَامَةِ أُعِيدَتْ وَفِي إعَادَتِهَا لِبُطْلَانِ صَلَاتِهَا، وَإِنْ طَالَ، نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ ظَاهِرِهَا، وَبَعْضُهُمْ، وَعَزَا الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلَ: لِبَعْضِهِمْ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهَا: مَنْ رَأَى نَجَاسَةً فِي ثَوْبِهِ قَطَعَ وَابْتَدَأَ بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يَحْكِ الثَّانِيَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ ابْنِ نَاجِي أَنَّهُ قَالَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِإِقَامَةٍ طَالَ أَمْ لَا، وَعَلَيْهِ حَمَلَهَا بَعْضُهُمْ قَائِلًا: إنَّ الْإِقَامَةَ الْأُولَى كَانَتْ صَلَاةً فَاسِدَةً فَبَطَلَتْ بِبُطْلَانِهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّمَا ذَلِكَ فِي الطُّولِ، وَأَمَّا الْقُرْبُ فَلَا يَفْتَقِرُ لِإِقَامَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: وَمُؤَذِّنٌ أَقَامَ الصَّلَاةَ فَأَخَّرَهُ الْإِمَامُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا كَفَتْهُمْ تِلْكَ الْإِقَامَةُ، وَإِنْ بَعُدَ أَعَادَ الْإِقَامَةَ، وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَإِذَا أَقَامَ فَتَأَخَّرَ الْإِمَامُ قَلِيلًا أَجْزَأَهُ، فَإِنْ تَبَاعَدَ أَعَادَ الْإِقَامَةَ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا: أَنَّ اتِّصَالَ الْإِقَامَةِ بِالصَّلَاةِ سُنَّةٌ، وَأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، وَالْكَثِيرَ يُبْطِلُ الْإِقَامَةَ، وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ بِالْإِحْرَامِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ قَدْرَ مَا تُسَوَّى الصُّفُوفُ فَهَذَا الْفَصْلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ الْيَسِيرُ الْمُغْتَفَرُ فَوْقَهُ، وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي الرَّجُلَ طَوِيلًا بَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ أَيُقِيمُ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهِ؟ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنْ فَعَلَ، قَالَ: هَذَا مُخَالِفٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: " هَذَا مُخَالِفٌ " أَيْ لِلسُّنَّةِ أَيْ: لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقِيمَ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ دُونَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمْ، وَحَانَتْ الصَّلَاةُ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ؟ فَأُقِيمَ، قَالَ: نَعَمْ» وَإِنَّمَا الَّذِي يَجِبُ لِلنَّاسِ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ أَنْ يَدْعُوَ؛ لِأَنَّهَا سَاعَةُ الدُّعَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ دَعْوَتُهُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ، وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَذَكَرَ: أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ خِلَافَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةَ إقَامَةِ الْمُعْتَكِفِ مَعَ الْمُؤَذِّنِينَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَعْنِي؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ الْكَرَاهَةُ بِأَنَّهُ عَمَلٌ يَقْتَضِي: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ، وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الْأَخْذَ، فَقَالَ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِقَامَةِ الْكُلِّيَّةُ لَا الْجُزْئِيَّةُ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ إقَامَةَ الْمُعْتَكِفِ مَعَ الْمُؤَذِّنِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَةَ إقَامَةِ الْإِمَامِ لِنَفْسِهِ لَا أَعْرِفُهُ وَفِي أَخْذِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا هُوَ إذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ فَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ وَلَا يُقِيمُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مَعَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ السُّنَّةُ أَنْ يُقِيمَ الْمُؤَذِّنُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي أَكْثَرِ عِبَارَاتِهِمْ كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّنْبِيهِ السَّابِعَ عَشَرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَيُؤْخَذُ جَوَازُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ إقَامَةَ الْمُؤَذِّنِ أَحْسَنُ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى زَمَانِنَا، وَإِقَامَةَ الْإِمَامِ مُجْزِئَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ حِينَئِذٍ وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ النِّدَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَذَانُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَدْخُلَ الْإِقَامَةُ فَإِنَّهَا دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ.
(السَّابِعُ) ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَرَأَيْت الْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَدِينَةِ يَتَوَجَّهُونَ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِهَا فِي أَذَانِهِمْ وَيُقِيمُونَ عَرْضًا، وَذَلِكَ وَاسِعٌ يَصْنَعُ كَيْفَ شَاءَ، قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ أَصْحَابِنَا: أُخِذَ مِنْهَا أَنَّ الْمُقِيمَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا يُرِيدُ فَإِنْ تَرَكَ الْقِيَامَ فِي الْيَسِيرِ فَلَا يَضُرُّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالْأَخْذُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَيُقِيمُونَ عَرْضًا " كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّامِنِ وَقَوْلُهُ: " يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا " يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ أَقَامَ قَاعِدًا لَمْ يُجْزِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ ابْتِدَاءً فَإِنْ أَقَامَ جَالِسًا أَجْزَأَهُ، وَعَدَّ الشَّبِيبِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ الْإِقَامَةَ لِلرِّجَالِ وَالْقِيَامَ لَهَا، وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَصِفَةُ الْمُقِيمِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِمَّنْ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ قَائِمًا.
(الثَّامِنُ) ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، قَالَ ابْنُ عَاتٍ: وَيُسْتَحَبُّ التَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ انْتَهَى.
(قُلْت) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: " عَرْضًا "، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ فِي الْأُمَّهَاتِ: يَخْرُجُونَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُمْ يُقِيمُونَ الشَّيْخُ إمَّا؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِمَامِ فِي شَرْقِ الْمَسْجِدِ أَوْ غَرْبِهِ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: " يَخْرُجُونَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُمْ يُقِيمُونَ " تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: " يُقِيمُونَ عَرْضًا " وَلَفْظُ الْأُمِّ " وَيُقِيمُونَ عَرْضًا " يَخْرُجُونَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُمْ يُقِيمُونَ، وَقَالَ الْوَانُّوغِيُّ ابْنُ عَاتٍ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِقْبَالُ فِي الْإِقَامَةِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: " عَرْضًا " عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ فَيَخْرُجُ الْمُؤَذِّنُ فَيُقِيمُ عَرْضًا انْتَهَى.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِبْلَةَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الْجَنُوبِ، وَالْمَغْرِبَ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْمَشْرِقَ عَنْ شِمَالِهِ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الِاسْتِقْبَالُ وَإِنَّ مَا وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِمْ يَخْرُجُونَ مَعَ الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَعَدُّدُ الْمُقِيمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَخْذًا مِنْ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْوَانُّوغِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(الْعَاشِرُ) ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا مُسْتَحَبٌّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْوَغْلِيسِيَّةِ وَلَا يَحْكِي الْإِقَامَةَ.
(قُلْتُ) قَدْ يُفْهَمُ هَذَا أَيْضًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورِ لَكِنْ وَقَعَ فِي الطِّرَازِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْكِي الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ، قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ انْتَظَرَ الْإِمَامُ قَدْرَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ
أَنَّهُ يُحْرِمُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " ثُمَّ أَخَذَ يُوَجِّهُ قَوْلَ مَالِكٍ، فَقَالَ: وَلِأَنَّ فِي جَوَاب الْمُؤَذِّنِ فَضِيلَةً وَفِي حُضُورِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَضِيلَةً فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِالِانْتِظَارِ يُجَاوِبُ الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنَ، وَيُدْرِكُ الْمُؤَذِّنُ التَّكْبِيرَ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَدْخُلَانِ الْمَسْجِدَ وَهُمَا فِي مُؤَخَّرِهِ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ وَهُمَا فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مُقْبِلَانِ إلَى الْإِمَامِ فَيُحْرِمُ الْإِمَامُ، وَهُمَا يَتَحَدَّثَانِ، قَالَ: أَرَى أَنْ يَتْرُكَا الْكَلَامَ إذَا أَحْرَمَ الْإِمَامُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ تَحَدُّثَهُمَا، وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ مُقْبِلَانِ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ الْمَكْرُوهِ الْبَيِّنِ؛ لِأَنَّهُ لَهْوٌ عَمَّا يُقْصَدُ أَنَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِعْرَاضٌ عَنْهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ تَحَدُّثُهُمَا وَهُمَا وَاقِفَانِ فِي الصَّفِّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بَلْ قَدْ يَحْرُمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ تَشْوِيشٌ عَلَى مَنْ إلَى جَانِبِهِمَا مِنْ الْمُصَلِّينَ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: إذَا أَحْرَمَ الْإِمَامُ فَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ انْتَهَى.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) ، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي الرَّجُلَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْعُودَ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ لِكَيْ يَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَهَذَا مَا لَمْ يُطِلْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ انْتَهَى.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ، قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي إنَّ رَجُلًا قَدِمَ حَاجًّا، وَأَنَّهُ جَلَسَ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاسْتَبْطَأَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَا تَخْرُجُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْمُؤَذِّنِ خُرُوجًا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ أَصَابَهُ أَمْرُ سُوءٍ، قَالَ: فَقَعَدَ الرَّجُلُ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْطَأَ الْإِقَامَةَ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إلَّا قَدْ حَبَسَنِي فَخَرَجَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَصُرِعَ فَكُسِرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُصِيبُهُ مَا يَكْرَهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ " بَلَغَنِي " مَعْنَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ مُعَجَّلَةٌ لِلْخَارِجِ بَعْدَ الْأَذَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ لِإِيثَارِهِ تَعْجِيلَ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي أُذِّنَ لَهَا وَحَضَرَ وَقْتُهَا، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ رَاغِبًا عَنْهَا آبِيًا مِنْ فِعْلِهَا فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: " بَلَغَنِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ إلَّا مُنَافِقٌ " انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ فِي بَلَاغَاتِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجْتَازُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَخْرُجُ بَعْدَ الْأَذَانِ، فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ، وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ وَكَذَا إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَحْدَهُ إلَّا مَا لَا يُعَادُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِإِجْمَاعٍ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلْوُضُوءِ وَيَنْوِي الرُّجُوعَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) قَوْلُهُ: " لَا يَحِلُّ " أَيْ: يُكْرَهُ لَهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ لَيْسَ بِحَلَالٍ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ الْمُبَاحُ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ التَّحْرِيمُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ بِالْإِقَامَةِ وَأَمَّا قَبْلَهَا فَيَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ.
(السَّادِسَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى أَهْلُهُ فَلْيَبْتَدِئْ الْإِقَامَةَ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهَا سَنَدٌ بِلَفْظِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُهُ إقَامَتُهُمْ، قَالَ وَقَوْلُهُ: " لَا تُجْزِئُهُ إقَامَتُهُمْ " يَقْتَضِي أَنَّهَا مُتَأَكَّدَةٌ فِي حَقِّهِ، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: يُقِيمُ لِنَفْسِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ إقَامَةٍ فَجَعَلَهُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الْفَذِّ فَإِنْ أَقَامَ فَحَسَنٌ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ أُهْبَةً لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ حَتَّى شُرِعَتْ فِي الْفَوَائِتِ فَوَجَبَ مُلَازَمَتُهَا لَهَا وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي حُكْمِ الدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ دُعَاءً لِلْغَيْرِ وَاعْتِبَارًا بِالْأَذَانِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ نَاجِي، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: اخْتَلَفَ
النَّاسُ فِي إقَامَةِ الْمُنْفَرِدِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْمُنْفَرِدِ إنَّمَا هِيَ لِجَوَازِ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ لِمَذْهَبِ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا صَلَّى أَهْلُهُ لَمْ تُجْزِهِ إقَامَتُهُمْ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ: يُقِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ.
اللَّخْمِيُّ اسْتَحَبَّهُ وَلَمْ يَرَهُ سُنَّةً وَلِابْنِ مَسْلَمَةَ إنَّمَا الْإِقَامَةُ لِمَنْ يَؤُمُّ يُقِيمُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ فَمَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ كَانَ أَقَامَ لَهُ.
الْمَازِرِيُّ هَذَا إشَارَةٌ لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ: لَا يَفْتَقِرُ لَهَا لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ دَخَلَ بِتَكْبِيرَةٍ فِي آخِرِ جُلُوسِ الْإِمَامِ فَلَا يُقِيمُ فَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ أَقَامَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِيمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ: " يُقِيمُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ إقَامَةُ النَّاسِ "، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ أَحْرَمَ مَعَهُ لَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَأَجْزَأَتْهُ إقَامَةُ النَّاسِ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إلَّا أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَهَا وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَأَخْطَأَ إذْ لَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى إحْرَامِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الَّذِي يَجِدُ الْإِمَامَ سَاجِدًا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُحْرِمُ مَعَهُ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَيْهَا فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) ذَكَرَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَرْبَعًا، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا آخَرَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، قَالَ: وَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى.
وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلِ الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(السَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ لَمْ تُجْزِهِ إقَامَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ، قَالَ سَنَدٌ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلَا الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ فِي الْجَدِيدِ مِثْلَهُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: أَمَّا الرَّجُلُ يُصَلِّي وَحْدَهُ فَأَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ وَإِقَامَتُهُمْ كَافِيَةٌ لَهُ، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ أَدَّى فِيهِ حَقَّ الْإِقَامَةِ لِلظُّهْرِ فَلَا يَتَعَدَّدُ ذَلِكَ بِتَعْدَادِ الظُّهْرِ كَمَا فِي حَقِّ آحَادِ الْجَمَاعَةِ، وَاعْتِبَارًا بِالْآذَانِ الَّذِي أَدَّى فِيهِ حَقَّهُ فَإِنَّ مَنْ أَتَى بَعْدَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي صَلَاةٍ لَمْ تُجْزِهِ إقَامَتُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّامِنَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَنْتَظِرُ الْإِمَامُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ قَلِيلًا قَدْرَ مَا تَسْتَوِي الصُّفُوفُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ شَيْءٌ وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُوَكِّلَانِ رَجُلًا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ كَبَّرَ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ مُسْتَحَبٌّ وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ إذَا اشْتَغَلُوا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَاتَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَمَنْ فَاتَتْهُ أُمُّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَإِنْ اشْتَغَلُوا بِالتَّكْبِيرِ فَاتَهُمْ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَخَالَفَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: يَحْرُمُ إذَا قَالَ الْمُقِيمُ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَيَّرَ فِي الْوَجْهَيْنِ أَبُو عُمَرَ، وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، وَوَهِمَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ عُمَرَ إنَّمَا عَزَاهُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَطْ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْأُمِّ.
(التَّاسِعَ عَشَرَ) ذَكَر ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: " وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ " أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِقْهُ الْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَخْطِفَ إحْرَامَهُ، وَسَلَامَهُ أَيْ: يُسْرِعُ فِيهِمَا لِئَلَّا يُشَارِكَهُ الْمَأْمُومُ فِيهَا فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ، وَالثَّانِيَةُ: تَقْصِيرُ الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى، وَالثَّالِثَةُ: دُخُولُ الْمِحْرَابِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعِشْرُونَ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْأَذَانَ فِي الْجَمْعِ اكْتِفَاءً بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي فَصْلِ الْقَصْرِ وَالْجَمْعِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي الْأَذَانِ فِي الْجَمْعِ مَشْهُورُهَا: يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي سَوَاءً كَانَ الْجَمْعُ سُنَّةً كَعَرَفَةَ، أَوْ رُخْصَةً كَلَيْلَةِ الْمَطَرِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ فِي الْجَمْعِ مُطْلَقًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ:
لَا يُؤَذَّنُ لَهُمَا وَقِيلَ: يُؤَذَّنُ لِلْأُولَى فَقَطْ وَالْمَشْهُورُ يُؤَذَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاتَّفَقَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُقَامُ لِكُلِّ صَلَاةٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَجْمَعُ الْإِمَامُ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْإِمَامِ فَتُجْزِئُهُمْ إقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ (الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ) نَقَلَ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لِإِمَامٍ مُعَيَّنٍ فَتَعَذَّرَ فَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَؤُمَّ أَنَّهَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ، وَأَنَّهُ جَهِلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
(الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ) لَوْ أَقَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ فَلَا يُعِيدُ.
أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: بِلَا فَصْلٍ مَسْأَلَةُ: مَا إذَا رَعَفَ الْمُقِيمُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَبَنَى عَلَى إقَامَتِهِ أَوْ بَنَى غَيْرُهُ عَلَى إقَامَتِهِ أَنْ يُجْزِئَهُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَشْهَبَ.
ص (وَلْيُقِمْ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ)
ش يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ عِنْدَنَا فِي وَقْتِ قِيَامِ الْمُصَلِّي لِلصَّلَاةِ حَالَ الْإِقَامَةِ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُنَا، قَالَ فِي الْأُمِّ: وَكَانَ مَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ وَقْتًا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يَقُومُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ الْقَوِيُّ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ عَلِيٌّ قِيلَ: لِمَالِكٍ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ حَدًّا وَلْيَقُومُوا بِقَدْرِ مَا اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ وَفَرَغَتْ الْإِقَامَةُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يَقُومُ حَتَّى يَسْمَعَ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا، قَالَ: " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَقَالَ سَعِيدٌ إنَّهُ يَقُومُ إذَا، قَالَ الْمُؤَذِّنُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا، قَالَ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " اعْتَدَلَتْ الصُّفُوفُ فَإِذَا قَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " كَبَّرَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الزَّاهِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ لِلصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ انْتَهَى.
[فَصْلٌ شَرْطُ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ شَرْطُ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ)
هَذَا الْفَصْلُ يُذْكَرُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَشَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ وَشَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ فَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ فَسِتَّةٌ.
(الْأَوَّلُ) بُلُوغُ دَعْوَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] (الثَّانِي) دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ الْقَرَافِيُّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ.
وَسَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا فَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْوَقْتِ إجْمَاعًا وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا إلَّا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجَمْعِ (الثَّالِثُ) الْعَقْلُ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ.
إلَّا إنْ أَفَاقَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ إفَاقَتِهِمَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ السَّكْرَانِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِإِدْخَالِهِ ذَلِكَ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَجْنُونِ وَلَا السَّكْرَانِ.
إنْ كَانَ عَقْلُهُ غَائِبًا وَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ وَلَكِنَّ الْخَمْرَ فِي جَوْفِهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ (الرَّابِعُ) ارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى حَائِضٍ وَلَا عَلَى نُفَسَاءَ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا وَلَا يَقْضِيَانِ إلَّا مَا طَرَأَ فِي وَقْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ (الْخَامِسُ) وُجُودُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ الصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
فَمِنْ عَدَمَهُمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَقَضَاؤُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (السَّادِسُ) عَدَمُ السَّهْوِ وَالنَّوْمِ فَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ.
لَكِنْ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ زَوَالِ ذَلِكَ (وَأَمَّا) شُرُوطُ الْوُجُوبِ دُونَ الصِّحَّةِ فَاثْنَانِ (الْأَوَّلُ) الْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَكِنْ تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَيُؤْمَرُ بِهَا بِالسَّبْعِ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا الْعَشْرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ صَلَّى الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْأُولَى نَافِلَةٌ وَلَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي حَالِ صِبَاهُ.
سَوَاءٌ صَلَّاهُ أَوْ لَمْ يُصَلِّهِ (الثَّانِي) عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِهَا لَكِنْ تَصِحُّ مِنْهُ إنْ فَعَلَهَا وَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (وَأَمَّا) شُرُوطُ الصِّحَّةِ دُونَ الْوُجُوبِ فَخَمْسَةٌ (الْأَوَّلُ) الْإِسْلَامُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِفَقْدِ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ إنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَالْمُرْتَدُّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَا مَا أَسْلَمَا فِي وَقْتِهِ (الثَّانِي) طَهَارَةُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ ابْتِدَاءً أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَدَوَامًا أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُحْدِثِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ دَخَلَ نَاسِيًا وَلَا صَلَاةَ عَلَى مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ فِي أَثْنَائِهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا أَوْ غَلَبَةً وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ أَبَدًا مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ أَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ فِيهَا حَدَثٌ أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوْ لَمْعَةً مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ شَرْطُ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَنَكَّرَ الْمُصَنِّفُ صَلَاةً لِيُفِيدَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرِيضَةً كَانَتْ أَوْ نَافِلَةً فَائِتَةً أَوْ وَقْتِيَّةً ذَاتَ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ أَوْ سُجُودَ تِلَاوَةٍ نَاسِيًا كَانَ أَوْ ذَاكِرًا وَنَكَّرَ الطَّهَارَةَ لِيَشْمَلَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ أَوْ بِمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَبِيرَةِ وَنَكَّرَ الْحَدَثَ لِيَعُمَّ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ الطِّهَارَةِ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ أَرْبَعُ مَعَانٍ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ وَالْخُرُوجُ وَالْوَصْفُ الَّذِي يُقَدَّرُ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ وَالْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَابُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
(الثَّالِثُ) طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَهُوَ النَّجِسُ مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لَكِنْ مَعَ الذِّكْرِ لِلنَّجَاسَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا فِي وُجُوبِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَمَا حَكَاهُ الْبِسَاطِيُّ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمَا قَالَهُ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمُّلُهُ، وَإِضَافَةُ الطَّهَارَةِ إلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمُسَبِّبِ إلَى السَّبَبِ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمُزِيلِ إلَى الْمُزَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) سِتْرُ الْعَوْرَةِ (الْخَامِسُ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَسَيَتَكَلَّمُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا وَعَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ تَرْكَ الْكَلَامِ وَتَرْكَ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُمَا فِي الشُّرُوطِ لِأَنَّ مَا طُلِبَ تَرْكُهُ إنَّمَا يُعَدُّ فِي الْمَوَانِعِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ تَابِعٌ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ عَدُّوهُمَا مِنْ الْفَرَائِضِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ إذْ الْحُكْمُ لَا يُوجَدُ إلَّا إذَا عُدِمَ الْمَانِعُ، قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ، بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ انْتَهَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْفَرْضِ أَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَالْفَرْضِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّكْنِ دَاخِلِ الْمَاهِيَّةِ.
ص (وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا وَدَامَ أَخَّرَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَصَلَّى) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَكَانَ الرُّعَافُ مَنْفِيًّا لِذَلِكَ وَلَهُ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ شَرَعَ بَيْنَهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيَّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ فَذَاكَرَاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ غَسْلَ الدَّمِ مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ (وَالرُّعَافُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الرُّعَافِ الَّذِي هُوَ السَّبْقُ كَقَوْلِ الْعَرَبِ فَرَسٌ رَاعِفٌ إذَا كَانَ يَتَقَدَّمُ الْخَيْلَ وَرَعَفَ فُلَانٌ الْخَيْلَ إذَا تَقَدَّمَهَا وَلَمَّا كَانَ الدَّمُ يَسْبِقُ إلَى الْأَنْفِ سُمِّيَ رُعَافًا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ: وَيُقَالُ رَعَفَ يَرْعَفُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّاذُّ ضَمُّهَا فِيهِمَا انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: يُقَالُ رَعَفَ يَرْعُفُ بِفَتْحِ الْمَاضِي وَضَمِّ الْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَقِيلَ بِالضَّمِّ فِيهِمَا
وَأَصْلُ اشْتِقَاقِهِ مِنْ السَّبْقِ لِسَبْقِ الدَّمِ إلَى أَنْفِهِ وَمِنْهُ رَعَفَ فُلَانٌ الْخَيْلَ إذَا تَقَدَّمَهَا، وَقِيلَ مِنْ الظُّهُورِ انْتَهَى.
فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا لُغَتَيْنِ رَعَفَ يَرْعُفُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ وَرَعَفَ يَرْعَفُ كَكَرَمَ يَكْرُمُ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَذَكَرَهَا فِي الْقَامُوسِ وَزَادَ أَيْضًا رَعِفَ يَرْعَفُ كَسَمِعَ يَسْمَعُ وَرُعِفَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الرُّعَافُ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفِ وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الرُّعَافَ يُطْلَقُ عَلَى خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْأَنْفِ وَعَلَى الدَّمِ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ بِضَمِّ الرَّاءِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ قَسَّمَ الرُّعَافَ قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَطْرَأَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا فَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ رَجَاءَ أَنْ يُقْطَعَ فَإِنْ دَامَ وَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَيُصَلِّيهَا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ وَلَوْ إيمَاءً، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ بِحَدَثٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ فَلَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَنْقُضُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِآخِرِ الْوَقْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ يَرْجُو انْقِطَاعَهُ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنُ يُونُسَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ مَعَ عِلْمِ الدَّوَامِ انْتَهَى قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الرُّعَافُ يَنْقَسِمُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَاحِبُهُ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيَزِيدُ فِي رُعَافِهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُلَطِّخَهُ الدَّمُ أَوْمَأَ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا إيمَاءً.
ثُمَّ قَالَ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ دَائِمٍ يَنْقَطِعُ فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْقَطِعَ مَا لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْقَامَةُ لِلظُّهْرِ وَالْقَامَتَانِ لِلْعَصْرِ وَقِيلَ بَلْ يُؤَخِّرُهُمَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ جُمْلَةً بِأَنْ يَتَمَكَّنَ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَيَخْشَى أَنْ لَا يُدْرِكَ تَمَامَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ انْتَهَى
ثُمَّ ذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا أَصَابَهُ الرُّعَافُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَفْصِيلُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ سَوَاءٌ أَصَابَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ أَوْمَأَ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَنْبَغِي إذَا رَعَفَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ الدَّمُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمَفْرُوضِ عَسَاهُ أَنْ يَنْقَطِعَ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ صَلَّى حِينَئِذٍ انْتَهَى، فَفَهِمَ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّى حِينَئِذٍ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ وَالْكَلَامُ مُحْتَمَلٌ لَهُ وَلَكِنَّ التَّقْيِيدَ ظَاهِرٌ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ الثَّانِي لَمَّا ذَكَرَ الشَّارِحُ الْقَوْلَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَوْ الضَّرُورِيِّ وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِمَا أَرْجَحِيَّةٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا عَلِمْت وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَشْهِيرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَتَرَدَّدَ الشَّارِحُ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ أَوْ الضَّرُورِيُّ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الضَّرُورِيُّ.
قَالَ: لِأَنَّهُ وَقْتٌ مَفْرُوضٌ لِأَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ قُلْتُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَعَطَفَ الثَّانِي بِقِيلَ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ لِتَصْدِيرِهِ بِهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقِيلَ انْتَهَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ إذَا صَدَّرُوا بِقَوْلٍ وَعَطَفُوا عَلَيْهِ بِقِيلَ فَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَعْزُوا الْأَوَّلَ لِأَحَدٍ بَلْ نَقَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّانِي لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ: وَغَيْرُ الدَّائِمِ يُؤَخِّرُ لَكِنَّهُ مَا لَمْ
يُخْرِجْ الْمُخْتَارَ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الضَّرُورِيَّ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَبَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمَ قُلْتُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَقِيلَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورِيِّ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا يُقَالُ هُوَ بَعِيدٌ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي التَّيَمُّمِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ اتِّفَاقٌ بَلْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا يَقْتَضِي مِنْ الضَّرُورِيِّ فِي التَّيَمُّمِ وَقَبْلَهُ ابْنُ هَارُونَ انْتَهَى وَقَدْ صَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (الثَّالِثُ) قَالَ الْبِسَاطِيّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَخَّرَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ بِحَيْثُ يَقَعُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهَا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ قَرِيبٌ.
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا إلَّا أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ انْتَهَى.
قُلْتُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّضْيِيقِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا قُلْنَا: يُصَلِّي إيمَاءً وَصَلَّى كَذَلِكَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ الدَّمُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا صَلَّى إيمَاءً ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ هَلْ يُعِيدُ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ يُعِيدُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ انْتَهَى.
وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ قَالَ: مَنْ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لِلْعُذْرِ ثُمَّ صَحَّ فِي الْوَقْتِ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ: يُعِيدُ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْغَرِيقِ يُصَلِّي عَلَى لَوْحٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْوَقْتِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَقَدْ قِيلَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ هُنَا تَخْرِيجِيًّا ثُمَّ حَكَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِيلَ وَيَجْعَلُهُ ابْنُ رُشْدٍ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فَتَأَمَّلْهُ ص (أَوْ فِيهَا وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً وَظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ)
ش هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ قَبْلَهَا وَيَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُوَ إمَّا أَنْ يَظُنَّ دَوَامَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَوْ لَا يَظُنَّ ذَلِكَ فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَالضَّمِيرُ فِي دَوَامِهِ عَائِدٌ عَلَى الرُّعَافِ وَفِي لَهُ لِلْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَفِي أَتَمَّهَا لِلصَّلَاةِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْعِلْمِ فَقَالَ: وَلَوْ رَعَفَ وَعَلِمَ دَوَامَهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُرَادُهُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] وَقِيلَ أَطْلَقَ الْإِيمَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِارْتِبَاطِ غَالِبًا وَمُوجِبُ الْعِلْمِ هُنَا الْعَادَةُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالدَّوَامُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَفِي الِاخْتِيَارِيِّ نَظَرٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ إذَا صَلَّوْا فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ هَلْ يَكُونُونَ مُؤَدِّينَ أَوْ قَاضِينَ فَعَلَى الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ يُقْطَعُ وَعَلَى الْقَضَاءِ لَا يُقْطَعُ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَا فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، ثُمَّ قَالَ وَأَشَارَ ابْنُ هَارُونَ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ هُنَا انْتَهَى.
قُلْتُ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّ الدَّوَامَ يُعْتَبَرُ إلَى آخِرِ الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَآهُ مَنْصُوصًا أَوْ رَآهُ أَوْلَى فَإِنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّلَبُّسِ بِحُرْمَتِهَا فَاعْتِبَارُهُ هُنَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ
فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَعَفَ فِيهَا فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَ الرُّعَافِ إلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ مِنْهُمَا لِأَنَّ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فِي الْفَرِيضَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلْيَمْضِ فَيَغْسِلْ الدَّمَ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى مَوْضِعٍ صَلَّى عَلَيْهَا فِيهِ فَيُتِمَّ بَاقِي التَّكْبِيرِ وَكَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَلَوْ أَتَمَّ بَاقِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فِي بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ إنْ خَرَجَ يَغْسِلُ الدَّمَ أَنْ تَفُوتَهُ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَكَانَ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَى الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَلَا عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلْيَمْضِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَلَا يَنْصَرِفُ انْتَهَى.
وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمْ هَذَا إذَا خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو أَنَّهُ يَغْسِلُ الدَّمَ وَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ وَيَغْسِلُ الدَّمَ فَإِنْ ظَنَّ إدْرَاكَ الْإِمَامِ أَوْ إدْرَاكَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ رَجَعَ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَلَا الْجِنَازَةَ فَلْيُتِمَّ بِمَوْضِعِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَهَذَا حُكْمُ الْمَأْمُومِ وَأَمَّا الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلْيَمْضِ يَغْسِلْ الدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى مَوْضِعٍ صَلَّى عَلَيْهَا فَيُتِمَّ بَقِيَّةَ التَّكْبِيرِ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَلَوْ أَتَمَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ فِي بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ إنْ خَرَجَ فَغَسَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ فَلْيَمْضِ كَمَا هُوَ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَمْضِي فَيَغْسِلُ الدَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ فَوَاتَهُمَا صَلَّاهُمَا وَلَمْ يَنْصَرِفْ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَى الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَلَا عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ الْعِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ قَدْ يُقَالُ إنَّمَا أَمَرَهُ أَشْهَبُ بِالتَّمَادِي لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَبْنِي عَلَيْهِ فَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِ الدَّمِ ثُمَّ يَبْنِي لَكَانَ فِي حُكْمِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهِيَ لَا تُعَادُ وَفِي حُكْمِ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ وَحْدَهُ أَنْ يَفُوتَهُمَا وَصَلَاتُهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَوْلَى مِنْ فَوَاتِهِمَا هَكَذَا نَقَلَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ أَشْهَبَ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ فَعَلَ شَيْئًا يَعْتَدُّ بِهِ أَمْ لَا وَلَعَلَّ الشَّيْخَ اعْتَمَدَ عَلَى نَقْلِهِ انْتَهَى قُلْتُ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَكَلَامُ الطِّرَازِ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُتِمُّهُمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ بَابِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَقَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَنَصُّهُ إذَا رَعَفَ الْإِمَامُ فِي الْجِنَازَةِ أَوْ الْعِيدِ اسْتَخْلَفَ كَالْفَرِيضَةِ سَوَاءٌ وَإِنْ رَعَفَ الْمَأْمُومُ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَغْسِلُ الدَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ مَعَ الْإِمَامِ مَا بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا مَعَ الْإِمَامِ أَتَمَّ حَيْثُ غَسَلَ الدَّمَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجِنَازَةَ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ عَلَيْهَا وَقَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ كَانَ رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ رَكْعَةً أَوْ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَخَشِيَ إنْ انْصَرَفَ لِغَسْلِ الدَّمِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ لَمْ يَنْصَرِفْ وَصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْعِيدِ وَكَذَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَخَافَ إنْ انْصَرَفَ لِغَسْلِهَا أَنْ تَفُوتَهُ هَذَا كُلُّهُ أَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ هُوَ مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ مُخَالِفًا لِبَعْضِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ وَحَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلَ أَشْهَبَ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: إذَا رَعَفَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ خَافَ
فَوَاتَ الصَّلَاةِ قَالَ أَشْهَبُ يُصَلِّيهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَنْصَرِفُ خَافَ الْفَوَاتَ أَمْ لَا وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَقَابُلُ أَمْرَيْنِ الصَّلَاةِ بِالدَّمِ أَوْ فَوَاتِ الصَّلَاةِ
وَإِنْ كَانَ الرُّعَافُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالسُّنَّةِ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْصَرِفَ مَعَ خَوْفِ الْفَوَاتِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَمَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ يَنْصَرِفُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَنْصَرِفُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّتِهَا وَإِنْ أَتَمَّ بِمَوْضِعِهِ أَجْزَاهُ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ كَلَامَ أَشْهَبَ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
[تَنْبِيه تَلَطَّخَ مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ جَسَدِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ وَأَرَادَ الصَّلَاة]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ فَلَوْ تَلَطَّخَ مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ جَسَدِهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فَالظَّاهِرُ الْقَطْعُ لِوُجُودِ الْمُنَافِي انْتَهَى.
قُلْتُ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا خَافَ الْفَوَاتَ يُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ إذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَخَافَ إنْ خَرَجَ لِغَسْلِهَا أَنْ تَفُوتَهُ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ
[فَرْعٌ الرُّعَافُ فِي نَافِلَةٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الرُّعَافُ فِي نَافِلَةٍ فَالظَّاهِرُ الْقَطْعُ لِخُرُوجِ الْبِنَاءِ عَنْ الْأَصْلِ فِي الْفَرْضِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَقَدْ يُقَالُ بِالْبِنَاءِ قِيَاسًا عَلَى الرُّخَصِ وَقَدْ يُفَرَّقُ فِيمَا لَزِمَ حُضُورُهُ كَخَوْفِ تَرْكِ مَسْجِدٍ يُوَالِيهِ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ عَنْ دَرَجَةِ النَّفْلِ بَعْدَ جَوَازِهِ انْتَهَى قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا رَعَفَ فِي النَّافِلَةِ وَخَافَ التَّمَادِي إلَى وَقْتٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُكْمِلُهَا عَلَى هَيْئَتِهِ فَلَوْ رَجَا انْقِطَاعَهُ خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَأَتَمَّهُ فِي مَوْضِعِهِ.
(الثَّانِي) إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ خِلَافٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ النَّوَادِرِ وَابْنِ يُونُسَ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَانْظُرْ لِمَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ مَعَ تَصْدِيرِهِمْ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ قَطْعِهَا إذَا ظَنَّ دَوَامَ الرُّعَافِ لِآخِرِ الْوَقْتِ مَحِلُّهُ إذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ الْمَسْجِدُ مُحَصَّبًا أَوْ تُرَابًا لَا حُصْرَ عَلَيْهِ أَوْ مَعَهُ مَا يَفْرِشُهُ عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لَا يُلَطِّخُ فُرُشَ الْمَسْجِدِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَفْرُوشًا بِالْحُصْرِ أَوْ بِالْبُسُطِ وَخَشِيَ تَلَطُّخَهُ لِذَلِكَ الْفُرُشِ بِالدَّمِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَهَذَا الشَّرْطُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا أَعْرِفُهُ فِي هَذَا الْفَرْعِ بِعَيْنِهِ إلَّا للشَّارْمَساحِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فَلَا مَعْنَى لِقَطْعِ صَلَاتِهِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ مُحَصَّبًا أَوْ تُرَابًا لَا حَصِيرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَيَغْسِلُ الدَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ كَمَا تَرَكَ الْأَعْرَابِيَّ يُتِمُّ بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
أَيْ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مُحَصَّرٍ وَخَشِيَ تَلْوِيثَهُ قَطَعَ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْوَسَطِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّهُ قَالَ: وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ مِمَّا إذَا خَشِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ فِي الصَّغِيرِ وَنَصُّهُ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ أَيْ وَأَمَّا إنْ لَطَّخَهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ وَلَا يُتِمُّهَا فِيهِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فُرُشٌ أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ فِي الْكَبِيرِ حَسَنٌ.
ص (وَأَوْمَأَ لِخَوْفِ تَأَذِّيهِ أَوْ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ لَا جَسَدِهِ)
ش يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قُلْنَا: يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْطَعُ لِأَجْلِ الدَّمِ إذَا ظَنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَإِنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِخَوْفٍ تَأَذِّي جَسَدِهِ وَحُصُولِ ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ كَمَا لَوْ كَانَ رَمَدٌ أَوْ خَافَ نُزُولَ الدَّمِ فِي عَيْنِهِ أَوْ خَافَ أَنَّهُ مَتَى انْحَنَى رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا انْصَرَفَتْ الْمَادَّةُ إلَى وَجْهِهِ فَيَزِيدُ رُعَافُهُ فَإِنَّهُ يُومِئُ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ لِخَوْفِ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ بِالدَّمِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ: (الْأَوَّلُ) لِابْنِ رُشْدٍ جَوَازُ الْإِيمَاءِ إجْمَاعًا، (الثَّانِيَةُ) لِغَيْرِهِ حَكَوْا فِي جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَوْلَيْنِ الْجَوَازُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَعَدَمُهُ لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَلَمَّا قَوِيَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْإِيمَاءِ لِحِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِخَوْفِ تَلَطُّخِ جَسَدِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِيمَاءُ اتِّفَاقًا إذْ الْجَسَدُ لَا يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: هَذَا تَحْصِيلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ قُلْتُ وَأَصَّلَهُ لِابْنِ هَارُونَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبِ الْجَمْعِ وَقَالَ
فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يُومِئُ لِخَوْفِ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ خَوْفًا مِنْ فَسَادِ ثِيَابِهِ بِالدَّمِ وَقَدْ أَبَاحَ الشَّرْعُ التَّيَمُّمَ إذَا زِيدَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ مَا يَضُرُّ بِهِ حِفْظًا لِلْمَالِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَذَا قَدْ لَا يَتِمُّ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَمْنَعُ كَوْنَ الْغُسْلِ فَسَادًا فِي الثِّيَابِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ فِيهَا بَيْنَ مَا يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ فَيُومِئُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَبْلَهُ قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ هُوَ الظَّاهِرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَّلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ بِخَوْفِ التَّلَطُّخِ بِالنَّجَاسَةِ وَاعْتَرَضُوهُ وَقَالُوا: قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِ الْفَرْضِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَجْلِ التَّلَطُّخِ بِالدَّمِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا خَشِيَ تَلَطُّخَ جَسَدِهِ لَا يُومِئُ اتِّفَاقًا فَالْعِلَّةُ فِي جَوَازِ الْإِيمَاءِ خَوْفَ تَلَطُّخِ الثَّوْبِ إنَّمَا هِيَ إفْسَادٌ بِالْغُسْلِ وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ إنَّمَا هِيَ إفْسَادُهُ بِالْغُسْلِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِمَا يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ مِمَّا عَلَّقَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ أَنَّهُ إنَّمَا يُومِئُ إذَا كَانَ إذَا صَلَّى قَائِمًا لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ الدَّمُ وَلَمْ يَسِلْ وَإِذَا انْحَطَّ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سَالَ الدَّمُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ الدَّمُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيُصَلِّ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مِنْ غَيْرِ إيمَاءٍ وَإِنْ سَالَ عَنْهُ الدَّمُ انْتَهَى بِالْمَعْنَى قُلْتُ: هَذَا يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ فِيهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ إذَا صَلَّى قَائِمًا لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ سَالَ وَلَا يَخَافُ ضَرَرًا فَإِنْ خَشِيَ بِسَيَلَانِهِ تَلَطُّخَ ثَوْبِهِ أَوْمَأَ فَإِنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جَسَدِهِ لَمْ يُومِئْ وَأَمَّا إنْ كَانَ يَسِيلُ مِنْهُ فِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ ضَرَرًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ صَلَّى رَاكِعًا وَسَاجِدًا وَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ أَوْمَأَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ صَلَّى رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى ضَرُورَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا قُلْنَا: يُومِئُ لِلضَّرُورَةِ فَهَلْ يُومِئُ لِلسُّجُودِ فَقَطْ أَوْ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُصَلِّي إيمَاءً وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ وَلَكِنْ يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَعُونَتِهِ يُومِئُ لِلسُّجُودِ وَيَأْتِي بِالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَهُوَ أَظْهَرُ إنْ لَمْ يَخَفْ زِيَادَةَ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ فِي رُكُوعِهِ لَا يَلْحَقُهُ مِنْ ضَرُورَةِ الدَّمِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْحَقُهُ فِي إيمَائِهِ إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَنْصِبَ وَجْهَهُ انْتَهَى قُلْتُ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ خِلَافًا وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حُصُولِ الضَّرَرِ فَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ بِرُكُوعِهِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ فَيَرْكَعُ وَلَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ خَافَ حُصُولَ ضَرَرٍ بِذَلِكَ جَازَ لَهُ الْإِيمَاءُ وَلَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي وَحُكْمُ الْإِيمَاءِ لِتَلَطُّخِ الثَّوْبِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْإِيمَاءَ بِسَبَبِهِ حُكْمُ حُصُولِ الضَّرَرِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا: يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ: أَنَّهُ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ مِنْ قِيَامٍ وَلِلسُّجُودِ مِنْ جُلُوسٍ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) لَوْ ظَنَّ الدَّوَامَ وَصَلَّى آثِمًا ثُمَّ زَالَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْ عَلَى مَا نَقَلَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يُخَالِفُهُ
ص (وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ وَرَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ فَإِنْ زَادَ عَنْ دِرْهَمٍ قَطَعَ كَأَنْ لَطَّخَهُ أَوْ خَشِي تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَطْعُ وَنُدِبَ الْبِنَاءُ) ش هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ وَظَنَّ دَوَامَهُ يَعْنِي وَإِنْ حَصَلَ الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَظُنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ فَلَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ بَلْ يَكُونُ الدَّمُ يَرْشَحُ وَلَا يَسِيلُ وَلَا يَقْطُرُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا فَإِنْ قَطَعَ
أَفْسَدَ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ إمَامًا أَفْسَدَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمَأْمُومِينَ بَلْ يَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ وَكَيْفِيَّةُ فَتْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ أُنْمُلَةَ الْإِصْبَعِ فِي أَنْفِهِ وَيُحَرِّكُهَا مُدِيرًا لَهَا وَاخْتُلِفَ فِي الْفَتْلِ هَلْ هُوَ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارْمَسَاحِيِّ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَحَكَاهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَجَعَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَذْهَبَ فَقَالَ: قَالُوا بِأَنَامِلِهِ الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّهُ كَالْمُتَبَرِّي وَعَلَيْهِ فَهَلْ بِالْيَدِ الْيُسْرَى وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ أَوْ بِالْيَدِ الْيُمْنَى حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الشَّارْمَسَاحِيِّ وَعَلَيْهِمَا فَالْفَتْلُ بِالْأَنَامِلِ الْعُلْيَا الْخَمْسِ وَتَأَوَّلَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَفْتِلُهُ بِأَنَامِلِهِ الْأَرْبَعِ فَقَالَ: أَيْ يَفْتِلُهُ بِإِبْهَامِهِ وَأَنَامِلِهِ الْأَرْبَعِ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْأَنَامِلِ الْأَنَامِلُ الْعُلْيَا فَإِنْ زَادَ إلَى الْوُسْطَى قَطَعَ هَكَذَا حَكَى الْبَاجِيُّ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ إلَى الْأَنَامِلِ الْوُسْطَى بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَكْثَرِ الْعُلْيَا وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنْ زَادَ عَنْ دِرْهَمٍ أَيْ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَنَامِلِ الْوُسْطَى وَزَادَ عَنْ دِرْهَمٍ قَطَعَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَشَى عَلَى أَنَّ الْفَتْلَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَأَنَّهُ بِالْيُسْرَى وَعَلَى مَا حَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ شَامِلٌ لِمَا إذَا شَكَّ فِي الدَّوَامِ أَوْ رَجَا الِانْقِطَاعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هَارُونَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَمِنْ بَابِ أَحْرَى إذَا رَجَا انْقِطَاعَهُ بِالْفَتْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، (الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْفَتْلَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيمَا إذَا كَانَ يَرْشَحُ فَقَطْ أَمَّا إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ فَلَا وَلَوْ كَانَ الدَّمُ الَّذِي يَسِيلُ ثَخِينًا يُذْهِبُهُ الْفَتْلَ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: الرُّعَافُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ يَسِيرٌ يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ وَكَثِيرٌ لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ وَلَا يُرْجَى انْقِطَاعُهُ مَتَى خَرَجَ لِغَسْلِهِ لِعَادَةٍ عَلِمَهَا مِنْ نَفْسِهِ فَهَذَانِ لَا يَخْرُجَانِ مِنْ الصَّلَاةِ يَفْتِلُ هَذَا وَيَكُفُّ الْآخَرُ مَا اسْتَطَاعَ وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَكَثِيرٌ يَرْجُو انْقِطَاعَهُ مَتَى غَسَلَهُ فَهَذَا يَخْرُجُ لِغَسْلِهِ وَيَعُودُ وَكَثِيرٌ يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ لِثَخَانَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَفْتِلُهُ وَيَمْضِي أَوْ يَخْرُجُ بِغَسْلِهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رَأَيْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يُصِيبُهُ الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ فَيَمْسَحُهُ بِأَصَابِعِهِ حَتَّى تَخْتَضِبَ فَيَغْمِسَ أَصَابِعَهُ فِي حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ وَيَرُدَّهَا ثُمَّ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا خَرَجَ مِنْ أَنْفِ الْمُصَلِّي دَمٌ يَفْتِلُهُ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ حَتَّى يَغْسِلَ أَثَرَ الدَّمِ انْتَهَى وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَنْصَرِفُ مِنْ الرُّعَافِ فِي الصَّلَاةِ إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ فَلْيَغْسِلْهُ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ سَائِلٍ وَلَا قَاطِرٍ فَلْيَفْتِلْهُ بِأُصْبُعِهِ انْتَهَى.
وَحَمَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى الْوِفَاقِ وَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَنْصَرِفُ إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ وَإِنْ قَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ هَلْ يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ أَمْ لَا بَلْ مَتَى سَالَ أَوْ قَطَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُؤْذِنَ بِذَلِكَ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الدَّمُ السَّائِلُ فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ وَتَرَبَّصَ وَانْقَطَعَ بِالْفَتْلِ فَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَكُلُّ مَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ فَلَا يَقْطَعُ لِأَجْلِهِ الصَّلَاةَ كَمَا نَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ فِي بَيَانِ الْيَسِيرِ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ أَوْ لَا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا قَاطِرًا أَوْ سَائِلًا لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الدَّرَاهِمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَجَعَلَهُ فِي الْمَعْفُوَّاتِ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ زَادَ إلَى الْوُسْطَى قَطَعَ هَكَذَا حَكَى الْبَاجِيُّ وَحَكَى ابْنُ رَاشِدٍ أَنَّ الْكَثِيرَ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ إلَى الْأَنَامِلِ الْوُسْطَى بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَكْثَرُ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ وَفَهِمَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْمَذْهَبِ فَقَالَ: وَأَنَامِلُ غَيْرِهَا كَدَمِ غَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ابْنَ يُونُسَ فَسَّرَ بِهِ رِوَايَةَ الْمَجْمُوعَةِ السَّابِقَةِ وَنَحْوِهَا لِعَبْدِ الْحَقّ فِي النُّكَتِ
وَلِغَيْرِ وَاحِدٍ انْتَهَى قُلْتُ فَقَوْلُ الْبَاجِيِّ إنْ زَادَ إلَى الْوُسْطَى قَطَعَ يَعْنِي إذَا بَلَغَ الَّذِي فِي الْوُسْطَى قَدْرَ الدِّرْهَمِ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا جَعَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ لِأَنَّ بَابَ الرُّعَافِ بَابُ ضَرُورَةٍ فَسُومِحَ فِيهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ كَانَ لَطَّخَهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا بِكَافِ التَّشْبِيهِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أَنْ الشَّرْطِيَّةِ وَيَكُونُ مُشِيرًا بِهِ إلَى الْحَالِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنْ يَسِيلَ الدَّمُ أَوْ يَقْطُرَ وَيَتَلَطَّخَ بِهِ فِي ثِيَابِهِ أَوْ بَدَنِهِ بِأَكْثَرِ الْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ مِنْ الدَّمِ مَا لَا يُغْتَفَرُ لِكَثْرَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِّهِ لِأَنَّهُ إنْ سَقَطَ مِنْ الدَّمِ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ جَسَدِهِ كَثِيرٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ رَاشِدٍ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَطَعَ أَنَّهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّمَادِي فِيهَا وَلَوْ بَنَى عَلَيْهَا لَمْ تَصِحَّ لَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقْطَعَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَطْعُ وَنُدِبَ الْبِنَاءُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْكَافِ لِئَلَّا يَفْسُدَ الْكَلَامُ فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ الْكَافُ يَصِيرُ شَرْطًا وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا لِقَوْلِهِ فَإِنْ زَادَ عَنْ دِرْهَمٍ قَطَعَ وَلَا قَائِلَ بِاشْتِرَاطِ التَّلَطُّخِ فِي ذَلِكَ بَلْ نَفْسُ الزِّيَادَةِ عَنْ الدِّرْهَمِ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ وَهِيَ مِنْ التَّلَطُّخِ وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا لِقَوْلِهِ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ وَهُوَ وَاضِحُ الْفَسَادِ وَيَفْسُدُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَطْعُ وَلِهَذَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَمَّا حَمَلَهُ عَلَى الشَّرْطِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَزَادَ الدَّمُ الَّذِي يَرْشَحُ عَلَى الدِّرْهَمِ قَطَعَ شَرْطٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ أَحَدُهُمَا إذَا لَطَّخَ ثِيَابَهُ وَالثَّانِي إذَا خَشِيَ تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَا الْكَلَامِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَذَكَرَهُ وَذَكَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتَ تَرَى الْقَطْعَ فِي الَّذِي يَرْشَحُ وَيَفْتِلُهُ إذَا زَادَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَالْقَطْعُ فِي الَّذِي يَسِيلُ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَدْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَطْعُ وَنُدِبَ الْبِنَاءُ كَلَامٌ مُشْكِلٌ بِنَاءً عَلَى إشْكَالِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ انْتَهَى
وَأَمَّا الشَّارِحُ فَجُعِلَ قَوْلُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ إلَخْ إشَارَةً لِلْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَكَذَلِكَ الْأَقْفَهْسِيُّ فَيَتَعَيَّنُ إثْبَاتُ الْكَافِ لِيَزُولَ بِذَلِكَ الْإِشْكَالُ وَيَصِيرَ بِهِ الْكَلَامُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ خَشِيَ تَلَوُّثَ مَسْجِدٍ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَيُشِيرُ بِهِ إلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَنَصُّ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ: وَالْفَتْلُ إنَّمَا شُرِعَ فِي مَسْجِدٍ مُحَصَّبٍ غَيْرِ مَفْرُوشٍ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَفْتُولُ فِي خِلَالِ الْحَصْبَاءِ أَمَّا الْمَفْرُوشُ فَيَخْرُجُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَسِيلُ أَوْ يَقْطُرُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَوْضِعَ انْتَهَى، وَنَصُّ كَلَامِ سَنَدٍ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَتْلِ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ مُحَصَّبٍ غَيْرِ مَفْرُوشٍ فَيَكُونُ مَا يَسْقُطُ مِنْ تَفْتِيلِهِ لِلدَّمِ يَنْزِلُ لِرِقَّتِهِ فِي خِلَالِ الْحَصْبَاءِ أَمَّا الْمَفْرُوشُ فَخُرُوجُهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَسِيلُ أَوْ يَقْطُرُ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ إذَا فَتَلَ ذَلِكَ سَقَطَ عَلَى الْفِرَاشِ فَيُنَجِّسُ الْمَوْضِعَ فَإِنْ فَتَلَهُ فَذَلِكَ خَفِيفٌ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَهْلَكُ وَقَدْ يَنْزِلُ بَيْنَ السَّمَادِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التُّرَابِ يَدْخُلُ فِي خِلَالِ الْأَشْيَاءِ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ يَعْنِي إذَا كَانَ الدَّمُ يَسِيلُ وَيُذْهِبُهُ الْفَتْلُ وَقَوْلُهُ يَنْزِلُ الْمَفْتُولُ فِي خِلَالِ الْحَصْبَاءِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَعْنِي مَا يَحْصُلُ مِنْ حَكِّ الْأَصَابِعِ مِمَّا يَتَجَسَّدُ عَلَيْهَا مِنْ الدَّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَطْعُ وَنَدْبُ الْبِنَاءِ يُشِيرُ بِهِ إلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنْ يَسِيلَ الدَّمُ أَوْ يَقْطُرَ بِحَيْثُ لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَلَطَّخُ بِهِ ثَوْبُهُ أَوْ جَسَدُهُ أَوْ تَلَطَّخَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ وَهُوَ الدِّرْهَمُ فَمَا دُونَهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَيَجُوزُ الْقَطْعُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ وَتَوْجِيهُ النَّظَرِ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَّصِلَ عَمَلُهَا بِهَا وَلَا يَتَخَلَّلَهَا شُغْلٌ كَثِيرٌ وَلَا انْحِرَافٌ عَنْ الْقِبْلَةِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إجَازَةُ الْبِنَاءِ فِي
الصَّلَاةِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَطْعَ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ عَلَى الْقِيَاسِ قَالَ: فَإِنْ ابْتَدَأَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَاخْتَارَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْبِنَاءَ عَلَى اتِّبَاعِ السَّلَفِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْعَمَلَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ لِأَنَّ عَمَلَ السَّلَفِ الْمُتَّصِلِ لَا يَكُونُ أَصْلُهُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْبِنَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا رَعَفَ فَاسْتَخْلَفَ بِكَلَامٍ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَجَعَلَ قَطْعَ صَلَاتِهِ بِالْكَلَامِ بَعْدَ الرُّعَافِ يُبْطِلُ صَلَاتَهُمْ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا أَوْ مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ رُعَافٍ وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ صَلَاتَهُمْ لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ إذَا رَعَفَ فَالْقَطْعُ لَهُ جَائِزٌ فِي قَوْلٍ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فِي قَوْلٍ فَكَيْفَ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْقَوْمِ بِفِعْلِهِ مَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ لَهُ انْتَهَى.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلًا رَابِعًا بِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَصَاحِبِ التَّلْقِينِ وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ خَامِسًا بِأَنَّهُ يَقْطَعُ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ حَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَعَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ تَرْجِيحُ الْقَطْعِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ بَشِيرٍ وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَيُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِاتِّفَاقٍ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَدْ رَجَّحَ قَوْمٌ الْقَطْعَ وَهُوَ أَوْلَى بِالْعَامِّيِّ وَمَنْ لَا يَحْكُمُ التَّصَرُّفَ فِي الْعِلْمِ بِجَهْلِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا يَخْرُجُ الرَّاعِفُ عَنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَتِهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ لَهُ الْبِنَاءَ إلَّا بِأَنْ يَقْطَعَ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ فِعْلِ مَا لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَنْ رَعَفَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ أَوْ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ الْجُلُوسِ أَوْ رَفْعَهُ مِنْ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ لِرُعَافِهِ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ اخْتَارَ الرَّاعِفُ أَنْ يَبْتَدِئَ فَلْيَقْطَعْ صَلَاتَهُ بِمَا يُنَافِيهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الرَّاعِفِ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إنْ ابْتَدَأَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ لَا يَقْطَعُ الْبِنَاءَ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ فَإِذَا كَانَ قَدْ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ابْتَدَأَ الْأُولَى أَرْبَعًا صَارَ كَمَنْ صَلَّى خَمْسًا جَاهِلًا وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلٌ يَأْتِي عَلَى الْخِلَافِ فِي رَفْضِ النِّيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ انْتَهَى قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الرَّفْضَ مُبْطِلٌ فَيَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ رَفْضُهَا وَإِبْطَالُهَا ش
ص (فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ لِيَغْسِلَ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ وَيَطَأُ نَجَسًا وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا)
ش لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْبِنَاءَ مُسْتَحَبٌّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مَا يُفْعَلُ فِيهِ وَشُرُوطُهُ فَقَالَ: فَيَخْرُجُ مُمْسِكَ أَنْفِهِ فَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي فَإِذَا خَرَجَ يَغْسِلُ الدَّمَ فَيُمْسِكُ أَنْفَهُ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ الدَّمُ فَيُلَطِّخَ ثَوْبَهُ أَوْ جَسَدَهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى مَا يَزِيدُهُ غَيْرُ وَاحِدٍ هُنَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَخْرُجُ مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ إرْشَادٍ إلَى مَا يُعِينُهُ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا تَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ لَا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ قَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا خَرَجَ فَلَهُ شُرُوطٌ سِتَّةٌ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّتَهَا فَجَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَذْكُرُ مَسْكَ أَنْفِهِ فِي صِفَةِ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَلَا لِعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ التَّحَفُّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِذَا تَحَفَّظَ مِنْهَا وَلَمْ يُمْسِكْ أَنْفَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ إلَخْ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ قَالَ: وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ فَتَأَمَّلْهُ، (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: اشْتَرَطَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِأَنَّ إمْسَاكَهُ كَذَلِكَ يَحْتَقِنُ الدَّمُ بِسَبَبِهِ فِي الْعُرُوقِ وَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَاكَ فِي مَانِعِيَّةِ الصَّلَاةِ وَإِذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ بَقِيَ الدَّمُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ عَلَى سَطْحِ الْجَسَدِ فَيَكُونُ فَاعِلُهُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ اخْتِيَارًا وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، وَالْمَوْضِعُ مَحِلُّ ضَرُورَةٍ مُنَاسِبٌ لِلتَّخْفِيفِ انْتَهَى، وَنَسَبَ الْمُصَنِّفُ الِاشْتِرَاطَ لِابْنِ هَارُونَ فَقَالَ: وَاشْتَرَطَ ابْنُ هَارُونَ أَنْ يُمْسِكَ أَنْفَهُ مِنْ أَعْلَاهُ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ بَقِيَ الدَّمُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ عَلَى سَطْحِ الْجَسَدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِيهِ نَظَرٌ وَالْمَحِلُّ مَحِلُّ ضَرُورَةٍ انْتَهَى، وَهَكَذَا عَزَاهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ هَارُونَ قَالَ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِبَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ وَمَرَّضَهُ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ تَكَلُّفٌ قُلْتُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا أَنَّهُ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ بَلْ قَالَ ابْنُ هَارُونَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ يُمْسِكُ أَعْلَاهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ التَّخْفِيفِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَقَدْ خَفَّفُوا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى اخْتِضَابَ الْأَنَامِلِ الْعُلْيَا وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ اخْتِضَابُ بَاطِنِ الْأَنْفِ وَقَالُوا إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ مَعَ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِاخْتِضَابِ الْأَنْفِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ خُرُوجِ الدَّمِ بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمَحِلُّ كُلُّهُ قَدْ تَلَوَّثَ بِالنَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّعَافِ وَأَمَّا مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ كَوْنُ دَاخِلِ الْأَنْفِ حُكْمُهُ حُكْمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِيَغْسِلَ بَيَانٌ لِمَا يَفْعَلُهُ إذَا خَرَجَ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ مِنْ شُرُوطِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ أَقْرَبَ مَكَان يُمْكِنُهُ غَسْلُ الدَّمِ فِيهِ فَإِنْ تَعَدَّى الْأَقْرَبَ إلَى غَيْرِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ مُسْتَغْنًى عَنْهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا قَالُوا وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَتَبَرِّيهِ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ خُرُوجَهُ وَغَسْلَ الدَّمِ وَبِنَاءَهُ رُخْصَةٌ فَإِذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ كَثُرَ الْمُنَافِي فَتَبْطُلُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَأَظُنُّهُ اللُّبَابَ أَنَّ فِي الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى صَاحِبِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرَةِ وَالْكَثِيرَةِ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْتُ) قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا جِدًّا بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ فَعَلَ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ كَالتَّقَدُّمِ إلَى فُرْجَةٍ قُلْتُ: التَّقَدُّمُ إلَى فُرْجَةٍ مُنْفَرِدٌ وَهَذَا مُنْضَمٌّ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي الْأَصْلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهَا انْتَهَى قُلْتُ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ نَاجِي وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ مُجَاوَزَتَهُ بِنَحْوِ الْخُطْوَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لَا تَضُرُّ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُهُ مُمْكِنٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّ مُجَاوَزَةَ الْأَقْرَبِ إنَّمَا تَضُرُّ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ الْغَسْلُ فِيهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْغَسْلُ فِيهِ فَلَا تَضُرُّ مُجَاوَزَتُهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْمُمْكِنِ مَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى (فَرْعٌ) فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ بِشِرَاءٍ وَطُلِبَ مِنْهُ الثَّمَنُ الْمُعْتَادُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَغَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَتَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ الثَّمَنَ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ فَلَهُ الْمُجَاوَزَةُ إلَى غَيْرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ وَالْمُعَاطَاةِ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ عَقْدُ الْبَيْعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ بِإِشَارَةٍ خَفِيفَةٍ
وَمُعَاطَاةٍ قَالَ: وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي بَابِ السَّهْوِ وَالْفِعْلُ الْقَلِيلُ جِدًّا مُغْتَفَرٌ وَإِنْ كَانَ بِإِشَارَةٍ لِسَلَامٍ أَوْ رَدِّهِ أَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى قُلْتُ وَهَذَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَيْفَ بِهَذِهِ الضَّرُورَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَصْحِيحِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ قَرُبَ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ الَّذِي يَغْسِلُ الدَّمَ فِيهِ قَرِيبًا فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، (فَإِنْ قُلْتُ) مَا فَائِدَةُ هَذَا الشَّرْطِ مَعَ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ أَقْرَبَ مَكَان قُلْتُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْرَبَ مَكَان يَصْدُقُ مَعَ بُعْدِ الْمَكَانِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْغَسْلُ إلَّا فِيهِ أَقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ بَعِيدًا وَهَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَعَارَفِ لِأَنَّ الْبُعْدَ وَالْقُرْبَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَيُقَالُ: هَذَا الْمَكَانُ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي نَفْسِهِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ (فَإِنْ قُلْتُ) فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ قَرُبَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَقْرَبَ قُلْتُ أَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَقْرَبَ يَصْدُقُ عَلَى مَا إذَا بَعُدَ الْمَكَانُ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ قُلْتُ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُقُ مَعَ بُعْدِ الْمَكَانِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَقْرَبَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُشْتَرَطَ الْمَكَانَانِ فِي الْقُرْبِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ جَارٍ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) شَرْطُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ قَرِيبًا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ بَعِيدًا جِدًّا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا وَقَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَطْلُبُ الْمَاءَ مَا لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا انْتَهَى وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْبِنَاءِ وَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بُعْدُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَغْسِلُ فِيهِ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَأَنْ لَا يَبْعُدَ الْمَكَانُ جِدًّا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ إلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ قَالُوا: مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بُعْدُ مَوْضِعِ الْغُسْلِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ وَقَدْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَقْرَبُ زَادَ ابْنُ فَرْحُونٍ لِأَنَّهُ يَدُلُّ إلَى أَنَّ ثَمَّ قَرِيبًا وَغَيْرَهُ أَقْرَبُ انْتَهَى، وَكَانَ هَذَا الَّذِي حَمَلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ أَقْرَبُ وَالظَّاهِرُ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا إذَا تَفَاحَشَ بُعْدُ الْمَكَانِ كَمَا تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَلْيَطْلُبْ الرَّاعِفُ الْمَاءَ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ إذَا لَمْ يَتَفَاحَشْ الْبُعْدُ جِدًّا فَإِذَا وَجَدَهُ فِي مَكَان فَجَاوَزَهُ إلَى غَيْرِهِ فَذَلِكَ قَطْعٌ لِصَلَاتِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي قُلْتُ تَبَرَّأَ ابْنُ هَارُونَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ قَالُوا: إنْ تَفَاحَشَ وَجَبَ الْقَطْعُ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْبِنَاءَ رُخْصَةٌ وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِالطَّلَبِ وَإِنْ تَفَاحَشَ انْتَهَى قُلْتُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ هَارُونَ عَلَى الْبِنَاءِ وَلَوْ تَفَاحَشَ الْبُعْدُ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَأَيْضًا فَوَجْهُ الْبُطْلَانِ ظَاهِرٌ وَهُوَ كَثْرَةُ الْمُنَافِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا رَعَفَ الْمُتَيَمِّمُ فِي الصَّلَاةِ وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بِهِ الدَّمَ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ وَيَبْنِي وَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا فَلَا يُبْطِلُهَا طُرُوُّ الْمَاءِ قَالَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الرُّعَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ مَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ صَبَّ الْمَطَرُ أَوْ جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ فَإِنْ رَعَفَ غَسَلَ الدَّمَ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَجِّحُ قَطْعَ الصَّلَاةِ بِالرُّعَافِ فَلَمَّا قَطَعَ كَانَ مَا وَجَدَهُ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا غَسَلَ الدَّمَ فَقَطْ فَهَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ أَمْ لَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِطَهَارَةِ النَّجَسِ قَطَعَ اتِّصَالَ تَيَمُّمِهِ بِالصَّلَاةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ الْمَاءَ الْيَسِيرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ وَعَنْ سَبَبِهِ فَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ عَلَى زِيَادَةٍ وَوُجُوبُ الطَّلَبِ يُبْطِلُ تَيَمُّمَهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ عَدَمُ الْمَاءِ وَقَوْلُهُ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الرَّاعِفُ الْقِبْلَةَ لِطَلَبِهِ الْمَاءَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ إنْ أَمْكَنَهُ طَلَبُ الْمَاءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ فَلَا يَسْتَدْبِرُهَا وَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا لِلضَّرُورَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ