مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 35-74
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 35-74
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَدَخَلَ فِيهِ الْبَنَاتُ لِلْوَقَارِ وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَاللَّخْمِيِّ عَنْ أَوَّلِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ إخْرَاجَهُنَّ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجْنَ أَوْ قَبْلُ يَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ أَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ وَيَرْجِعُ لِمِلْكِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة.
الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَرْجِعُ لِمَالِكِهِ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ.
الثَّالِثُ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة.
الرَّابِعُ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ لَمْ يَدْخُلْنَ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ.
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَصُّهُ وَإِنْ حَبَسَ دَارًا وَشَرَطَ عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ أَنْ يَرُمَّهَا إنْ احْتَاجَتْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَذَلِكَ كِرَاءٌ وَلَيْسَ بِحَبْسٍ فَإِذَا نَزَلَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا فَأَجَازَ الْحَبْسَ وَأَسْقَطَ الشَّرْطَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُرَدُّ الْحَبْسُ مَا لَمْ يُقْبَضْ انْتَهَى.
وَذَكَرَ مَسَائِلَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَاخْتُلِفَ فِيهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَسُئِلَ عَمَّنْ حَبَسَ حَبْسًا وَشَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ تَمَادَى بِهِ الْعُمْرُ وَاحْتَاجَ رَجَعَ فِي حَبْسِهِ وَبَاعَهُ وَأَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يَنْفُذُ الْحَبْسُ وَيَجُوزُ الشَّرْطُ أَوْ يَنْفُذُ الشَّرْطُ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرْت إنْ كَانَ فِي التَّحْبِيسِ يُوجِبُ صَرْفَ الْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبِسِ إلَى مَعْنَى الْوَصِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ نَفَذَ الْحَبْسُ مِنْ ثُلُثِهِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ فَاحْمِلْ مِنْهُ الثُّلُثَ.

[فَرَعٌ الرَّجُلِ يَحْبِسُ الْحَائِطَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّالِثِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحْبِسُ الْحَائِطَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ أَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ تَمْرًا أَمْ يُبَاعُ ثُمَّ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَذَلِكَ إلَى مَا قَالَ فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ إلَى رَأْيِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ وَاجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ لَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يَبِيعَ وَيُقَسِّمَ ثَمَنَهُ وَإِنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يُقَسِّمَ ثَمَرَهُ قَسَّمَهُ ثَمَرًا فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَرُبَّمَا كَانَ الْحَائِطُ نَائِيًا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ حُمِلَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَسَاكِينِ حَمْلُهُ وَرُبَّمَا كَانَ فِي النَّاسِ الْحَاجَةُ إلَى الطَّعَامِ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الثَّمَنِ فَيُقَسَّمُ إذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ أَفْضَلُ وَخَيْرٌ وَهَذِهِ صَدَقَاتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْهَا مَا يُبَاعُ فَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ وَمِنْهَا مَا يُقَسَّمُ ثَمَرًا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى اجْتِهَادِ النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُتَصَدِّقُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنْ قَالَ شَيْئًا أَوْ حَدَّ فِيهِ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يُتَّبَعَ قَوْلُهُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا يُخَالَفَ فِيمَا حَدَّهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَلَفْظُهُ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ حَبَسَ حَائِطًا عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ لَمْ يَنُصَّ الْمَيِّتُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَلِمُتَوَلِّي النَّظَرِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ إنْ رَأَى بَيْعَ الثَّمَرَةِ وَقَسْمَ ذَلِكَ ثَمَنًا فَعَلَ وَإِنْ رَأَى خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ قِسْمَتَهُ ثَمَرًا فَعَلَ فَرُبَّ حَائِطٍ يَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ فَيَضُرُّ بِهِمْ حَمْلُهُ وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى الطَّعَامِ فَيَكُونُ قِسْمَتُهُ ثَمَرًا خَيْرًا لَهُمْ وَهَذِهِ صَدَقَاتُ عُمَرَ تُبَاعُ ثَمَرَتُهُ وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ عَنْ مَالِكٍ

[فَرْعٌ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنَافِعِ الْجَامِعِ]

(الثَّانِي) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَنْ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنَافِعِ الْجَامِعِ صُرِفَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْحُصُرِ وَالزَّيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يُعْطَى مِنْهُ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَفِيدُ فِي مُخْتَصَرِهِ الصَّغِيرِ وَكُلُّ جَامِعٍ مَسْجِدٌ وَلَا يَنْعَكِسُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ مَنْ أَوْقَفَ عَلَى مَنَافِعِ مَسْجِدٍ وَقْفًا صُرِفَ فِي مَنَافِعِهِ مِنْ بِنَاءٍ وَحُصُرٍ وَبِنَاءِ مَا رَثَّ مِنْ الْجُدْرَانِ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ فَإِنْ صُرِفَ لِلْإِمَامِ شَيْءٌ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ فَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ لَمَّا لَمْ يَنُصَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّحْبِيسِ

وَلَا عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ حَكَمْنَا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَمْ يَدْخُلْ إلَّا بِيَقِينٍ وَإِذَا قَبَضَ شَيْئًا لَمْ يَغْرَمْهُ إيَّاهُ إلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِينَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُحْبِسُ قَدْ أَرَادَ بِحَبْسِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ لَفْظِهِ وَلَعَلَّ إيهَامَ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ مِنْ الْكَاتِبِ.

[فَرْعٌ حَبَسَ كُتُبًا وَشَرَطَ فِي تَحْبِيسِهِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَّا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابٍ]

(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ سُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَمَّنْ حَبَسَ كُتُبًا وَشَرَطَ فِي تَحْبِيسِهِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَّا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابٍ فَإِذَا احْتَاجَ الطَّالِبُ إلَى كِتَابَيْنِ أَوْ تَكُونُ كُتُبًا شَتَّى فَهَلْ يُعْطِي كِتَابَيْنِ مِنْهَا أَمْ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إلَّا كِتَابًا بَعْدَ كِتَابٍ؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا وَاحْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ كِتَابٍ أَخَذَهُ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُحْبِسِ أَنْ لَا يَضِيعَ فَإِذَا كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا أُمِنَ هَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا كِتَابٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي ضَيَاعِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (قُلْت) تَقَدَّمَ بَعْضُ أَحْكَامِ شُرُوطِ الْحَبْسِ مِنْ كَلَامِ أَبِي عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى مَا شَرَطَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» . وَظَاهِرُ مَا فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ يُرَاعَى قَصْدُ الْمُحْبِسِ لَا لَفْظُهُ وَمِنْهُ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُحْبَسَةِ يُشْتَرَطُ عَدَمُ خُرُوجِهَا مِنْ الْمَدْرَسَةِ وَجَرَتْ الْعَادَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِخُرُوجِهَا بِحَضْرَةِ الْمُدَرِّسِينَ وَرِضَاهُمْ وَرُبَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ هَذَا الشَّيْخُ لَا لَفْظُهُ وَمِثْلُهُ مَا فَعَلْته أَنَا فِي مَدْرَسَةِ الشَّيْخِ الَّتِي بِالْقَنْطَرَةِ غَيَّرْت بَعْضَ أَمَاكِنِهَا مِثْلَ الْمِيضَأَةِ وَرَدَدْتهَا بَيْتًا وَنَقَلْتهَا إلَى مَحَلِّ الْبِئْرِ لِانْقِطَاعِ السَّاقِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِيهَا وَرَدَدْت الْعُلُوَّ الْمُحْبَسَ عَلَى عَقِبِهِ الْمَذْكُورِ بُيُوتًا لِسُكْنَى الطَّلَبَةِ بَعْدَ إعْطَاءِ عُلُوٍّ مِنْ الْمُحْبَسِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمُوجَبِ مَذْكُورٍ فِي مَحَلِّهِ وَكَزِيَادَةٍ فِي رَوَاتِبِ طَلَبَةٍ لَمَّا أَنْ كَثُرُوا وَيَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِهَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَاضِرًا لَارْتَضَاهُ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِرِضَا النَّاظِرِ فِي الْحَبْسِ النَّظَرَ التَّامَّ كَيْفَ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ يُعْطِي حَسْبَمَا ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ التَّحْبِيسِ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ لَفْظِ الْمُحْبِسِ فِي شَرْطِهِ أَفْتَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ بَنَى مَدْرَسَةً وَجَعَلَ فِيهَا بُيُوتًا لِلسُّكْنَى وَشَرَطَ فِي أَصْلِ تَحْبِيسِهَا أَنْ لَا يَسْكُنَهَا إلَّا مَنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَسْجِدِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا فِي غَيْرِهَا وَأَنْ يُحَضِّرَ الْحِزْبَ الْمُرَتَّبَ فِيهَا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ قَارِئًا وَيُحَضِّرَ الْمِيعَادَ فِي وَقْتِهِ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ سُكْنَى فَأَجَابَ بِأَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الدُّخُولُ لِلْمَدَارِسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهَا وَالْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا أُعِدَّتْ الْمِيضَأَةُ وَالشُّرْبُ إلَّا لِأَهْلِهَا فَسَأَلْت شَيْخَنَا الْإِمَامَ عَنْهَا فَأَجَابَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَهْلِهَا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِأَهْلِ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَمَتَى وُجِدَ ذَلِكَ الصِّنْفُ جَرَى حُكْمُهُ عَلَى مَا صَحَّ لِأَهْلِهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الْحَبْسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَكَذَلِكَ عَارِيَّةُ بَيْتٍ لِلسُّكْنَى مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَبْسِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْحَبْسِ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِوَجْهَيْنِ لِفِقْدَانِ شَرْطِ التَّحْبِيسِ عَادَةً وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَنْفَعَةِ بِالْهِبَةِ وَهُوَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَقَطْ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَسُئِلْت عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَبْت بِمَنْعِ عَارِيَّتِهَا ثُمَّ إنِّي فَعَلْت ذَلِكَ اسْتَعَرْت بَيْتًا فِي مَدْرَسَةِ شَيْخُونٍ وَآخَرَ فِي النَّاصِرِيَّةِ فَتَعَقَّبَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي مَا ذَكَرَهُ فَأَجَبْت بِمَا قَالَ شَيْخُنَا فَسَلِمَ ذَلِكَ لِي انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا فِي مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ مَسْأَلَةِ النُّزُولِ فِي الْوَظَائِفِ.

[فَرْعٌ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ]

(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا وَقَفَ كِتَابًا عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَا يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ فِي يَدِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ لَهَا عَارِيَّةٌ أَيْضًا بَلْ الْآخِذُ لَهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مُسْتَحِقًّا لِلِانْتِفَاعِ فَيَدُهُ عَلَيْهَا يَدُ أَمَانَةٍ فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَيْهَا فَاسِدٌ وَيَكُونُ فِي يَدِ الْخَازِنِ لِلْكُتُبِ أَمَانَةٌ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ فِي الضَّمَانِ كَصَحِيحِهَا وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ

هَذَا إذَا أُرِيدَ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً وَأَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً فَيَصِحُّ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُ الْوَاقِفِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْبُطْلَانِ بِالشَّرْطِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِصِحَّتِهِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ بَنَى مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ إلَّا مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ]

(الْخَامِسُ) إذَا خَصَّ مَسْجِدًا بِمُعَيَّنِينَ فَقَالَ فِي أَسْئِلَةِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ إلَّا مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ مَثَلًا فَهَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَتَكُونُ وِلَايَةُ مَنْ خَالَفَهُ بَاطِلَةً أَمْ لَا وَإِذَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَتَوَلَّاهُ مَنْ هُوَ عَلَى شَرْطِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ هَلْ تُفْسَخُ وِلَايَتُهُ أَمْ لَا، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ الْوَاقِفِ وَلَكِنْ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ اتِّبَاعُ مَذْهَبٍ كَأَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَمِصْرَ فَهَلْ يَتَنَزَّلُ هَذَا مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، وَمَا حُكْمُ الِائْتِمَامِ بِهَذَا الْإِمَامِ؟ فَأَجَابَ إنْ وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ خَصَّ الْمَسْجِدَ بِمُعَيَّنِينَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِمْ وَإِذَا غَلَبَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مَذْهَبٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهَا غَيْرُهُ حُمِلَ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَنْتَقِلُ عَنْ مَذْهَبِهِ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِمَامُ مُعْتَقِدًا لِجَوَازِ مَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالِائْتِمَامِ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فَالِائْتِمَامُ بِهِ اقْتِدَاءٌ بِفَاسِقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ عَلَى وَظِيفَةٍ بِأُجْرَةٍ فَاسْتَنَابَ فِيهَا غَيْرَهُ]

(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَنْ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ عَلَى وَظِيفَةٍ بِأُجْرَةٍ فَاسْتَنَابَ فِيهَا غَيْرَهُ وَلَمْ يُبَاشِرْ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ الْأُجْرَةِ وَلَا لِنَائِبِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ وَمَا عَيَّنَ لَهُ النَّاظِرُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا عَيَّنَ النَّاظِرُ النَّائِبَ فِي الْوَظِيفَةِ فَمَا تَنَاوَلَاهُ حَرَامٌ قَالَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الْأَقْفَهْسِيُّ الْمَالِكِيُّ انْتَهَى.
يَعْنِي اسْتَنَابَ فِيهَا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ وَأَمَّا إذَا اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْعُذْرِ جَازَ لَهُ تَنَاوُلُ رِيعِ الْوَقْفِ وَأَنْ يُطْلَقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ سَأَلْت شَيْخَنَا الْفَقِيهَ الْإِمَامَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِوَظِيفَةِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ إجَارَةً انْتَهَى.

ص (أَوْ نَاظِرٌ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالنَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إلَيْهِ مُحْبِسُهُ الْمُتَيْطِيُّ يَجْعَلُهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ فِي دِينِهِ فَإِنْ غَفَلَ الْمُحْبِسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ يُقَدِّمُ لَهُ مَنْ يَرْتَضِيهِ وَيَجْعَلُ لِلْقَائِمِ بِهِ مِنْ كِرَائِهِ مَا يَرَاهُ سَدَادًا عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ فَإِنْ غَفَلَ الْمُحْبِسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يُوَلِّ الْمُحْبِسُ عَلَى حَبْسِهِ أَحَدًا فَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ وَيَتَوَلَّاهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ غَالِبُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ وَكِتَابِ الصَّدَقَةِ وَكِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَرْطُ الْوَقْفِ حَوْزُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ مَسْأَلَةَ رَسْمِ شَكٍّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ فَفِيهَا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ النَّاظِرَ عَلَى الْحَبْسِ إذَا كَانَ سَيِّئَ النَّظَرِ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ وَيَسْتَمِرُّ وَفِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنَّاظِرِ قَالَ فِيهَا: إنَّهُ لَا يُوصِي بِالنَّظَرِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا كَانَ النَّظَرُ لَهُ فِيمَنْ يُقَدِّمُهُ وَإِنْ كَانَ مَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ كِبَارًا أَهْلَ رِضًا تَوَلَّوْا حَبْسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَإِلَّا قَدَّمَ السُّلْطَانُ بِنَظَرِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُحْبِسِ وَصِيٌّ كَانَ النَّظَرُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْبِسُ قَالَ لِمَنْ وَلَّاهُ إذَا حَدَثَ بِك الْمَوْتُ فَأَسْنِدْهُ إلَى مَنْ شِئْت فَإِنَّهُ يُسْنِدُهُ لِمَنْ شَاءَ وَإِنْ أَوْصَى وَصِيًّا عَلَى مَالِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا كِبَارًا تَوَلَّوْا حَبْسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ

مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ كِرَاءِ الْأَحْبَاسِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَهِيَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ قَطِيعٌ مُحْبَسٌ بَاعَتْهُ الْمُحْبِسَةُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ أَكْرَاهَا أَحَدُهُمَا وَانْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَبْسِ يُزَادُ فِيهِ أَوْ يَعْمُرُ مِنْ غَلَّتِهِ وَكِرَاءُ الْحَبْسِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ.

[تَنْبِيهٌ حَبَسَ حَبْسًا وَجَعَلَ امْرَأَتَهُ تَلِيهِ وَتَقْسِمُهُ بَيْنَ بَنِيهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ فَمَاتَتْ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ حَبَسَ حَبْسًا وَجَعَلَ امْرَأَتَهُ تَلِيهِ وَتَقْسِمُهُ بَيْنَ بَنِيهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ فَكَانَتْ تَلِي ذَلِكَ فَمَاتَتْ؛ قَالَ يَلِي ذَلِكَ مِنْ وَرَثَتِهَا أَهْلُ حُسْنِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ انْتَهَى مِنْ تَرْجَمَةِ جَامِعُ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الْأَحْبَاسِ وَالْعُمْرَى وَالْخِدْمَةِ وَهَذَا لَعَلَّهُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ حَاكِمٌ أَوْ فِيهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ أَوْ يَكُونُ نَظَرُهُ فِيهَا سَبَبًا لِهَلَاكِهَا وَضَيْعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ حَوْزُ الْأَبِ عَلَى مَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا حَبَسَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ حَبْسًا وَكُلُّ مَنْ يَقُومُ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ فَإِنْ بَلَغُوا كُلُّهُمْ فَأَرَادُوا الْقِيَامَ بِالْحَبْسِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِمْ وَالْوَكِيلُ يَقُومُ بِحَالِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَبِيرٌ يَوْمَ وَكَّلَ فَلَهُمْ إذَا كَبِرُوا قَبْضُ حَبْسِهِمْ فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانُوا كِبَارًا كُلُّهُمْ يَوْمَئِذٍ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ إذَا كَانُوا صِغَارًا كُلُّهُمْ وَوَكَّلَ عَلَيْهِمْ أَنَّ لَهُمْ إذَا كَبِرُوا قَبْضَ حَبْسِهِمْ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا فُهِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ الْمُحْبِسِ أَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ مِنْ النَّاظِرِ مَا كَانَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ الْأَبُ إلَيْهِ.
قَالَ أَصْبَغُ وَلْيَرْجِعْ الْقِيَامُ بِذَلِكَ إلَى الْمُحْبِسِ أَوْ وَصِيِّهِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.

(الثَّانِي) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ النَّظَرَ لِشَخْصٍ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُوصِيَ بِالنَّظَرِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ الْوَاقِفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ اجْعَلْهُ إلَى مَنْ شِئْت وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ كَالْقَاضِي وَالْوَكِيلِ وَلَوْ مُفَوَّضًا وَخَلِيفَةَ الْقَاضِي لِلْأَيْتَامِ وَشِبْهَ ذَلِكَ انْتَهَى.

(الثَّالِثُ) لَوْ غَابَ النَّاظِرُ فِي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ وَاحْتَاجَ الْحَبْسُ إلَى مَنْ يَنْظُرُ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ فَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ أَوْ يُوقِفَ الْأَمْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْغَائِبُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَيُمْضِيَ مَا فَعَلَهُ فِي غَيْبَةِ النَّاظِرِ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ إبْطَالُ مَا فَعَلَهُ الْقَاضِي فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا إلَّا فُتْيَا وُجِدَتْ مَنْسُوبَةً لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يُسَمَّى عَلِيُّ بْنُ الْجَلَالِ وَصُورَتُهَا (مَا تَقُولُ) السَّادَاتُ الْعُلَمَاءُ فِي دَرْسٍ بِمَكَّةَ بِهِ مُدَرِّسٌ وَطَلَبَةٌ وَنَاظِرٌ وَقْفِهِ غَائِبٌ بِالْقَاهِرَةِ فَشَغَرَتْ وَظِيفَةُ طَلَبٍ بِالدَّرْسِ الْمَذْكُورِ بِحُكْمِ وَفَاةِ مَنْ كَانَ بِهَا فَوَلَّى قَاضِي مَكَّةَ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ شَخْصًا لِغَيْبَةِ النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ بِالْقَاهِرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَهَلْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّتْ التَّوْلِيَةُ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ أَنْ يُوَلِّيَ شَخْصًا آخَرَ خِلَافَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي مُعْتَقِدًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا نَظَرَ لَهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) وِلَايَةُ قَاضِي مَكَّةَ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ الْوَظِيفَةَ عِنْدَ غَيْبَةِ النَّاظِرِ لِلْمَدْرَسَةِ الْغَيْبَةَ الْبَعِيدَةَ وَشُغُورِ الْوَظِيفَةِ عَمَّنْ كَانَ بِهَا بِمَوْتِهِ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ بِمَحَلِّهَا لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ كَالْمَرْأَةِ إذَا غَابَ وَلِيُّهَا وَاحْتَاجَتْ إلَى التَّزْوِيجِ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ إبْطَالُ مَا وَقَعَ مِنْ تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَلَالِ الْمَالِكِيُّ وَأَجَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَجَابَ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ بِمَا نَصُّهُ نَعَمْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي الْوَظِيفَةَ لِمَنْ ذَكَرَ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُوَلِّيَ شَخْصًا آخَرَ خِلَافَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي وَالِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَجَابَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الأنبابي الشَّافِعِيُّ بِمَا أَجَابَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَا أَجَابَ كُلٌّ مِنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السُّعُودِيِّ الْحَنَفِيِّ وَالشَّيْخِ

عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْبَغْدَادِيِّ الْحَنْبَلِيِّ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِذَلِكَ أَيْضًا أَفْتَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَقَالَ: لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ فِي ذَلِكَ وَيَنْظُرَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ غَيْبَةً بَعِيدَةً وَبِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ التَّقْرِيرَ مَثَلًا فِي الْوَظِيفَةِ فِي الْوَقْفِ لَهُ شِبْهُ الْحَقِّ عَلَى النَّاظِرِ فِي وُجُوبِ إنْفَاذِ أَمْرِ الْوَاقِفِ وَعَدَمِ تَعْطِيلِ وَقْفِهِ فَإِذَا عَيَّنَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا كَانَ كَحُكْمِهِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِي بِهِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ سَاغَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ دَارَ الْغَائِبِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ بِبَرَاءَةٍ أَوْ بِمَا يُتْرَكُ عَنْهُ الْحَقُّ أَنَّ الْبَيْعَ مَاضٍ وَيَتْبَعُ بِالثَّمَنِ مَنْ أَخَذَهُ فَإِذَا مَضَى حُكْمُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ شَرْعًا فَأَحْرَى أَنْ يَمْضِيَ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ إذَا غَابَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَبِمَا قَالَهُ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ النَّوَادِرِ وَنَصُّهُ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذَا كَانَ الْغَائِبُ صَغِيرًا لَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا أَخَذَ لَهَا وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ أَحَدٍ غَائِبٍ ضَرَبَ لِوَلِيِّهِ أَجَلًا وَإِنْ حَضَرَ خَاصَمَ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلِيٌّ فَلْيُوَلِّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَلِيًّا يَكُونُ وَلِيًّا لَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ لَهُ وَلَا يَخُصُّهُ بِالْوِلَايَةِ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ فَقَطْ فَيَكُونُ قَدْ نَصَبَ لَهُ وَكِيلًا يُخَاصِمُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَكُونُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُفْتِي.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ لَمْ أَرَهَا فِي النَّوَادِرِ وَرَأَيْتُهَا بِخَطِّ الْمُفْتِي مُزَادَةً فِي الْهَامِشِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيَبْقَى هُنَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ لَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِشَخْصٍ غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ وَإِقَامَتُهُ إنَّمَا هِيَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى بَلَدِ الْوَاقِفِ كَمَا لَوْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي حَبْسِهِ الَّذِي بِمَكَّةَ لِمَنْ كَانَ سُلْطَانًا بِمِصْرَ فَالظَّاهِرُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَيُوقَفُ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ النَّاظِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ قَدَّمَ الْمُحْبِسُ مَنْ رَأَى لِذَلِكَ أَهْلًا فَلَهُ عَزْلُهُ وَاسْتِبْدَالُهُ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَبَسَ عَلَى بَنَاتٍ لَهُ وَقَدْ بَلَغْنَ فَحُزْنَ أَمْوَالَهُنَّ وَكَانَ عَمُّهُنَّ يَلِي حَبْسَهُنَّ فَاتَّهَمْنَهُ فِي غَلَّتِهِنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ أَنْ يُوَكِّلَ لِحَقِّهِ فَإِنْ كَانَ حَسَنَ النَّظَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ جُعِلَ مَعَهُ مَنْ يُوَكِّلُهُ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَّ قَدَّمَهُ الْمُحْبِسُ وَلَوْ كَانَ بِتَقْدِيمِهِنَّ لَهُ لَكَانَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُرِيدُ سَيِّئَ النَّظَرِ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَإِنَّمَا رَأَى أَنْ تُوَكِّلَ لِحَقِّهَا وَلَمْ تَعْزِلْهُ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ بَعْضُهُنَّ وَلَوْ لَمْ تَرْضَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَعَزَلَهُ الْقَاضِي عَنْهُنَّ وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ مَالِكَاتٍ لِأَنْفُسِهِنَّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ دَحُونٍ لَوْ اتَّهَمَهُ جَمِيعُهُنَّ لَكَانَ لَهُنَّ عَزْلُهُ وَإِنَّمَا بَقِيَ لِأَنَّهُنَّ اخْتَلَفْنَ فِي تُهْمَتِهِ وَفِي قَوْلِهِ نَظَرٌ (قُلْت) قَوْلُ ابْنِ دَحُونٍ هُوَ مَعْنًى مُتَقَدِّمٌ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَنَزَلَتْ فِي حَبْسٍ حَبَسَتْهُ حُرَّةٌ أُخْتُ أَمِيرِ بَلَدِنَا وَجَعَلَتْهُ بِيَدِ شَيْخِنَا ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَنَّهُ يُدَرِّسُ بِهِ ثُمَّ نَقَلَتْهُ لِشَيْخِنَا ابْنِ سَلَامَةَ فَقَبِلَهُ وَشَهِدَ فِي الْعَزْلِ وَالتَّوْلِيَةِ جَمِيعُ الشُّهُودِ الَّذِينَ كَانُوا حِينَئِذٍ مُنْتَصِبِينَ لِلشَّهَادَةِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالتَّفْرِيطِ ا. هـ. وَلَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسَأَلَ ابْنُ دَحُونٍ ابْنَ زَرْبٍ عَنْ الْوَصِيِّ يَتَخَلَّى عَنْ النَّظَرِ إلَى رَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قِيلَ لَهُ فَلَوْ أَرَادَ الْعَوْدَةَ فِي نَظَرِهِ؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ تَخَلَّى مِنْهُ إلَى الَّذِي وَكَّلَهُ (قُلْت) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ حَبَسَ شَيْئًا وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ أَرَادَ عَزْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِمُوجِبٍ يَظْهَرُ كَالْقَاضِي إذَا قَدَّمَ أَحَدًا وَنَزَلْتُ بِشَيْخِنَا الْإِمَامِ وَكَانَ يُقَدِّمُ عَلَى أَحْبَاسِهِ مَنْ يَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْزِلُ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ عَزْلُهُ وَهُوَ عِنْدِي صَوَابٌ لِأَنَّ نَظَرَ الْمُحْبِسِ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي فِي حَبْسِهِ فَلَا يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا كَمَا لَهُ التَّقْدِيمُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ

يَنْظُرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ فَتُّوحٍ لِلْقَاضِي تَقْدِيمُ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَحْبَاسِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرْتَفِعُ تَقْدِيمُهُ بِمَوْتِهِ وَيَرْتَفِعُ بِرَفْعِهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا قَدَّمَ الْقَاضِي أَحَدًا عَلَى الْحَبْسِ فَلَا يَعْزِلُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إلَّا بِمُوجِبٍ لِأَنَّهُ كَحُكْمِهِ فِي الْقَضَايَا انْتَهَى.

(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لِمَنْ قَدَّمَهُ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ رِزْقًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ شَهْرٍ بِاجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ وَفَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ.
ابْنُ عَتَّابٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ لَا يَكُونُ أَجْرُهُ إلَّا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْأَحْبَاسِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَرَجَعَ بِأَجْرِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْوَصَايَا وَبِمِثْلِ قَوْلِ الْمُشَاوِرِ أَفْتَى ابْنُ وَرْدٍ وَقَالَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَتِهِ مِنْ الْأَحْبَاسِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ حَبَسَ وَخَالَفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَقَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصَّ خِلَافٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(السَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ إمَامِ مَسْجِدٍ وَمُؤَذِّنِهِ وَمُتَوَلِّي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَامَ عَلَيْهِ مُحْتَسِبٌ بَعْدَ أَعْوَامٍ فِي غَلَّةِ حَوَانِيتَ لَهُ وَقَالَ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ عَمَّا أَنْفَقَتْ وَقَالَ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ بَيِّنْ لِلْقَاضِي صِفَةَ الْخُرُوجِ فَقَالَ لَا يَجِبُ عَلَيَّ ذَلِكَ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ مَا تَوَلَّيْتُهُ وَلَا قُمْت بِهِ وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِهِ إلَّا هُوَ وَلَوْلَا هُوَ لَضَاعَ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ دَخْلًا وَلَا خَرْجًا إلَّا بِإِشْهَادٍ انْتَهَى.

(الثَّامِنُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ الْقَائِمُ بِالْحَبْسِ إذَا قَالَ أَعْمُرُهَا مِنْ مَالِي ثُمَّ قَالَ إنَّمَا عَمَّرْتهَا مِنْ الْغَلَّةِ جَازَ.
قَالَ فَإِنْ قَالَ مِنْ الْغَلَّةِ أَنْفَقْت فَقَدْ أَنْفَذَ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ قَالَ مِنْ مَالِي عُمْرَتُهَا حَلَفَ وَرَجَعَ بِذَلِكَ فِي الْغَلَّةِ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُهَا مِنْ مَالِي انْتَهَى وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لِلْقَائِمِ عَلَى الْحَبْسِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَيْهِ وَيَعْمُرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلَا لِلنَّاظِرِ التَّصَرُّفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ بِيَدِ النَّاظِرِ التَّصَرُّفَ كَيْفَ شَاءَ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ فِي آخِرِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا.

ص (أَوْ تَبْدِئَةُ فُلَانٍ بِكَذَا وَإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِمَا فَرَضَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَبْدِئَةِ فُلَانٍ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ وَلِمَا فَرَضَهُ الْمُتَيْطِيُّ مِنْ تَبْدِئَتِهِ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْمَاضِي إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ وَالْغَلَّةُ وَالْمُبَالَغَةُ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ تُرْشِدُ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ غَلَّةِ حَائِطِهِ كُلَّ عَامٍ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ الدَّارَ أَوْ الْحَائِطَ فَأَخَذَ ذَلِكَ عَامًا ثُمَّ بَارَ ذَلِكَ أَعْوَامًا فَلِلْمُوصَى لَهُ أَخْذُ وَصِيَّةِ كُلِّ عَامٍ مَا بَقِيَ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِذَا أَغَلَّ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ لِكُلِّ عَامٍ مَضَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ أَكْرُوا الدَّارَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَضَاعَتْ إلَّا دِينَارًا كَانَ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّ كِرَاءَ الدَّارِ لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمُوصَى لَهُ مِنْهُ وَصِيَّتَهُ وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الْجِنَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ مِنْ كِرَاءِ كُلِّ سَنَةٍ دِينَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَلَّةَ سَنَةٍ عَنْ سَنَةٍ أُخْرَى لَمْ تُغَلَّ وَلَوْ أُكْرِيَتْ الدَّارُ أَوَّلَ عَامٍ بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ جَاءَتْ النَّخْلُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَرْجِعْ بِتَمَامِ ذَلِكَ فِي عَامٍ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَلَوْ طَلَبَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ أَوْ يُعْطَاهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَهَلْ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ اغْتَلَّتْ أَوَّلَ سَنَةٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَأَخَذَ دِينَارًا وَبَقِيَ تِسْعَةٌ نُظِرَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مَأْمُونَةً أَنَّهَا لَا تَبُورُ أَوْ إنْ بَارَتْ تَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَخَذَ الْوَرَثَةُ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَإِنْ كَانَ يُخْشَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بِذَلِكَ وُقِفَ مِنْهَا مَا يُخَافُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مَأْمُونًا غَيْرَ مُلِدٍّ وَلَا مُمْتَنِعٍ

وَرَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمُوصَى لَهُ انْتَهَى.

ص (أَوْ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ بَاعَ وَإِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ)

ش:.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْوَقْفُ لَازِمٌ وَلَوْ قَالَ لِي الْخِيَارُ مَا نَصُّهُ قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ إنَّ الْمُحْبِسَ إذَا شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ ذَهَبَ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ إلَى التَّسَوُّرِ عَلَى حَبْسِهِ أَوْ النَّظَرِ فِيهِ فَجَمِيعُ حَبْسِهِ رَاجِعٌ إلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ صَدَقَةٌ لِفُلَانٍ أَنَّ لَهُ شَرْطَهُ وَكَذَلِكَ قَالُوا إذَا شَرَطَ

أَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ بَاعَ الْحَبْسَ أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَلَزِمَ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ حَاجَتِهِ وَالْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحْبِسُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فَلَهُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا لَمْ يَقُلْ يَصْدُقُ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُ الْحَاجَةِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ بَاطِنٌ يَكْتُمُهُ وَلَا ظَاهِرٌ يَعْلَمُهُ فَحِينَئِذٍ يَبِيعُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فَإِنْ شَرَطَ الْمُحْبِسُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً فَهُوَ مُصَدَّقٌ فَيُصَدَّقُ وَيَنْفُذُ الشَّرْطُ وَمَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً وَلَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ انْطَلَقَ يَدُهُ عَلَى بَيْعِهِ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهَا فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ.
قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ دَارًا لَهُ حَبْسًا صَدَقَةً عَلَى وَلَدِهِ لَا تُبَاعُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهَا وَاجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَاعُوا فَاقْتَسَمُوا ثَمَنَهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ فَهَلَكُوا جَمِيعًا إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَرَادَ بَيْعَهَا إذْ ذَلِكَ لَهُ وَقَدْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا.
قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ إنَّ امْرَأَةً ثَمَّ وَهِيَ بِنْتُ أُخْتِ الْبَاقِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ الْمُحْبِسِ قَالَتْ إنْ بِعْت فَأَنَا آخُذُ مِيرَاثِي مِنْ أُمِّي.
قَالَ لَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا قَسَّمُوا ثَمَنَهَا عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءً لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ حَازُوهَا وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِمَا يَرْجِعُ الْمَوَارِيثُ إلَى عَصَبَةِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا.
ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا يُرِيدُ أَوْ يَحْتَاجُ أَحَدُهُمْ إلَى بَيْعِ حَظِّهِ مِنْهَا - قَلَّ الْحَبْسُ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ أَوْ كَثُرَ لِقِلَّتِهِمْ - فَيَكُونُ لَهُمْ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجُوا كُلُّهُمْ فَبَاعُوا كَانَ الثَّمَنُ لَهُمْ مَالًا مِنْ مَالِهِمْ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمْ فِي الْحَبْسِ - قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا - فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ فَاحْتَاجَ فَلَهُ الثَّمَنُ كُلُّهُ وَبَطَلَ الْحَبْسُ فِي الْجَمِيعِ بِشَرْطِ الْمُحْبِسِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ سَقَطَ حَقُّهُ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا مَاتَ عَنْ حَبْسٍ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ إلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْحَبْسِ وَلَا يُورَثُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ مُحْبِسٍ انْتَهَى.

[فَرَعٌ قَدَّمَ الْمُحْبِسُ رَجُلًا عَلَى الْحَوْزِ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَجَعَلَ لَهُ الْبَيْعَ عَلَيْهِمْ إنْ احْتَاجُوا]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا قَدَّمَ الْمُحْبِسُ رَجُلًا عَلَى الْحَوْزِ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَجَعَلَ لَهُ الْبَيْعَ عَلَيْهِمْ إنْ احْتَاجُوا فَأَجَازَ ذَلِكَ أَحْمَدُ.
ابْنُ بَقِيٍّ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْمُقَدَّمِ بَيْعُ الْحَبْسِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُذْرُ الَّذِي لَهُ يَبِيعُ وَالسَّدَادُ فِي الثَّمَنِ وَلَيْسَ الْوَكِيلُ كَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ حَبْسًا وَشَرَطَ لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا بَاعُوا ذَلِكَ فَلَحِقَهُمْ دَيْنٌ]

(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ حَبْسًا وَشَرَطَ لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا بَاعُوا ذَلِكَ فَلَحِقَهُمْ دَيْنٌ أَنَّ لِأَصْحَابِ الدَّيْنِ بَيْعَ الْحَبْسِ مِنْ أَجْلِ مَا شَرَطَهُ الْمُحْبِسُ لَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْعُتْبِيَّة فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ بِدَارٍ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ وَكَتَبَ لَهُمَا فِي كِتَابِ صَدَقَتِهِ إنْ شَاءَتَا بَاعَتَا وَإِنْ شَاءَتَا أَمْسَكَتَا فَرَهِقَ ابْنَتَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ دَايَنَتَا بِهِ النَّاسَ فَقَامَ عَلَيْهِمَا الْغُرَمَاءُ وَقَالُوا نَحْنُ نَبِيعُ الدَّارَ قَدْ كَتَبَ أَبُوكُمَا فِي صَدَقَتِهِ إنْ شِئْتُمَا بِعْتُمَا وَإِنْ شِئْتُمَا أَمْسَكْتُمَا قَالَ مَالِكٌ صَدَقُوا فِي ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا الدَّارَ حَتَّى يَسْتَوْفُوا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ خِلَافُ قَوْلِهِ هَذَا إنَّهُ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَالِهِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ إنَّهُ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ فَيَقْضِيَهَا إيَّاهُمْ وَلَا لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا أَنْ يَشَاءَ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ الْمَسْأَلَةَ قُلْت قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ حَاصِلَةٌ الْآنَ لِلدَّيَّانَةِ وَرَقَبَتَهَا كَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا وَقَدْ انْفَكَّ الْحَبْسُ عَنْهَا وَمَالُ الْعَبْدِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ بِدَلِيلِ شِرَائِهِ وَهُوَ يُضَافُ لِلْعَبْدِ لَا لِلسَّيِّدِ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِحَالِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ السَّيِّدُ حَدَثًا يَدُلُّ عَلَى الِانْتِزَاعِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلُ مَسْأَلَةَ النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ عَلَى تَأْوِيلٍ فِيهَا وَبَعْضَ مَسَائِلِ الْعِتْقِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ حُكْمُ

مَا إذَا شَرَطَ الْمُحْبِسُ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِي الْحَبْسِ ثَمَنَ رَغْبَةٍ فَقَدْ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ وَيَبْتَاعُ بِثَمَنِهِ رُبْعًا مِثْلَهُ.

[مَسْأَلَة حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ يَدْخُلُونَ]

ص (وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةَ وَوَلَدَيْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ إلَخْ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(مَسْأَلَةٌ) إذَا حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ يَدْخُلُونَ؟ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي الْوَصَايَا الْأَوَّلِ: قَالَ الْوَانُّوغِيُّ لَوْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الشُّيُوخِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ أَوْصَى وَقَالَ جَعَلْت النَّظَرَ عَلَى وَلَدَيْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ إلَى فُلَانٍ وَفِي أَوْلَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَهَلْ الْإِيصَاءُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُسَمَّيْنِ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَنَازُعٌ بَيْنَ ابْنِ زَرْبٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ مَسْأَلَةُ التَّحْبِيسِ مِثْلُهَا أَوْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ لَيْسَ مِثْلَهَا لَا يَدْخُلُ فِي الْحَبْسِ وَيَدْخُلُ فِي الْإِيصَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْأَوْلَادِ قَدْ عُلِمَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَهُوَ الْقِيَامُ بِهِمْ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّعْمِيمِ فَالتَّسْمِيَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَالْمَقْصُودُ فِيهِ صَرْفُ الْمَنَافِعِ وَيَجُوزُ قَصْرُهَا عَلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلتَّسْمِيَةِ أَثَرٌ.
قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قُلْت وَهَذَا فَرْقٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ الْوَانُّوغِيُّ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ اهـ.

ص (وَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي وَبَنِي، وَبَنِي بَنِيَّ) ش: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا قَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَوْ قَالَ عَلَى بَنِيَّ وَبَنِي بَنِيَّ فَإِنَّ الْحَفِيدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ أَتَى بِلَفْظَةٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ فَقَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي أَوْ قَالَ أَوْلَادِ أَوْلَادِي أَوْ قَالَ عَلَى بَنِيَّ أَوْ قَالَ عَلَى بَنِي بَنِيَّ فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وَالْخِلَافُ فِيهِ قَوِيٌّ فَإِنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ قُرْطُبَةَ كَانُوا يُفْتُونَ بِدُخُولِهِمْ.
قَالَ وَقَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ السَّلِيمِ بِفَتْوَى أَهْلِ زَمَانِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَإِذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَوَلَدِ وَلَدِي فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ وَأَمَّا إذَا قَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي وَعَلَى أَوْلَادِي فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ دُخُولِهِمْ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.

وَبَنِي أَبِي إخْوَتِهِ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِهِمْ) ش: يُرِيدُ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ وَالْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْأَخَوَاتُ الْأَشِقَّاءُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ أَبِيهِ فَأَحْرَى الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ لِخُرُوجِهِمْ بِقَوْلِهِ بَنِي أَبِي وَقَوْلِهِ وَأَوْلَادِهِمْ يَعْنِي الذُّكُورَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ.
(تَنْبِيهٌ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ ذُكُورِ إخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ ذُكُورُ وَلَدِهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ أَبِيهِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ قَالَ عَلَى بَنِي أَبِي دَخَلَ فِيهِ إخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَاصَّةً مَعَ ذُكُورِ وَلَدِهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي.
ص (وَمَوَالِيهِ الْمُعْتِقُ) ش: وَلَمْ يَتَكَلَّمْ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى دُخُولِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي دُخُولِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ قَوْلَانِ لِأَشْهَبَ وَنَصَّ وَصَايَاهَا انْتَهَى.

ص (وَشَمَلَ الْأُنْثَى كَالْأَرْمَلِ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَسُئِلْت عَنْ وَقْفٍ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ فُقَرَاءِ الْأَنْدَلُسِ الْقَاطِنِينَ بِهَا فَهَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ إذَا كُنَّ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ الظَّاهِرُ دُخُولُهُنَّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ أَعْنِي الْمَذْكُورَةَ هُنَا وَمَا أَشْبَهَهَا وَكَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ الْعُرْفُ وَبِدُخُولِهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ) ش: ظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ ارْتَفَعَ

عَنْهَا الْمِلْكُ وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ فِي أَوَّلِ الْحَبْسِ مِنْ النَّوَادِرِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ بَاقِيَةٌ أَيْضًا عَلَى مِلْكِ مُحْبِسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَصُّهُ فِي أَثْنَاءِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ التَّحْبِيسِ وَالرَّدِّ عَلَى شُرَيْحٍ الْقَائِلِ لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةً دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا وَالْمَسَاجِدُ وَالْأَحْبَاسُ لَمْ يُخْرِجْهَا مَالِكُهَا إلَى مِلْكِ أَحَدٍ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ وَأَوْجَبَ تَسْبِيلَ مَنَافِعِهَا إلَى مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَعْقِدُ فِي الْعَبْدِ الْكِتَابَةَ وَالْإِجَارَةَ وَالْإِسْكَانَ وَأَصْلُ الْمِلْكِ لَهُ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ حَلُّ شَيْءٍ مِمَّا أَوْجَبَ فِي الْمَرَافِقِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا عَلَيْهِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَا يَقْسِمُ إلَّا مَا مَضَى زَمَنُهُ) ش مَسْأَلَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيمَا تَجِبُ بِهِ الثَّمَرَةُ لِمَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ اضْطِرَابٌ

يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُعَيَّنِينَ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ فَفِي وُجُوبِهَا بِالطِّيبِ أَوْ الْقِسْمَةِ قَوْلَانِ (قُلْت) عَزَاهُمَا ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ وَثَالِثُهَا لِأَشْهَبَ بِالْآبَارِ انْتَهَى.
وَمَا عَزَاهُ ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَالرَّجْرَاجِيُّ عَزَاهُ أَيْضًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ كِنَانَةَ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى إجْمَاعِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَكُونُ غَلَّةً بِالطِّيبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَأَيْنَ هُمْ عَمَّا اسْتَخْرَجْنَاهُ مِنْ الْكُتُبِ وَاسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ بِنُصُوصِ الْأُمَّهَاتِ وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ انْتَهَى.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي عَزَاهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْحَبْسُ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَسْمِ فَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ سَقَطَ حَظُّهُ وَمَنْ وُلِدَ قَبْلَهُ ثَبَتَ حَظُّهُ وَمَسْأَلَةُ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَنَحْوِهِمْ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَالْحَبْسُ عَلَى الْقُرَّاءِ بِمَوَاضِعَ مُعَيَّنِينَ كَقُرَّاءِ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ إنْ كَانَ بِقَيْدٍ أَنَّ الثَّوَابَ لِمُعَيَّنٍ فَهُمْ كَالْأُجَرَاءِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشُّيُوخِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامِ يَمْرَضُ بَعْضَ الْأَيَّامِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَارٌ مُحْبَسَةٌ وَأَهْلُهُ بِهَا هَلْ يُخْرَجُ أَوْ يُقْسَمُ لِتَمَامِ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ لَا بِقَيْدٍ كَقِرَاءَةِ شَفْعِ الْمِحْرَابِ بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ فَهُمْ كَالْحَبْسِ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمِثْلُهُ الْحَبْسُ عَلَى فُقَرَاءِ الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ وَالْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا بِالْقَسْمِ.
(تَنْبِيهٌ) عَلَى هَذَا الْقَوْلُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ وَتَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا نَفَقَةٌ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لِوَرَثَتِهِ الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ انْتَفَعُوا بِنَفَقَتِهِ فِيمَا عَمِلَهُ لَهُمْ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ الرُّجُوعُ بِالْأَقَلِّ فِيمَا أَنْفَقَ أَوْ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ إنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ النَّفَقَةِ نَقْدًا أَوْ ثَمَرَةً؟ الْخِلَافُ إذَا أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ هَلْ تَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَمْ لَا؟ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.

ص (وَإِكْرَاءُ نَاظِرِهِ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَالسَّنَتَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَبْسَ إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَبَنِي فُلَانٍ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُكْرِيَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَا يُكْرِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ كِرَاؤُهُ بِالنَّقْدِ اُنْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَبْسِ يُزَادُ فِيهِ أَوْ يَعْمُرُ مِنْ غَلَّتِهِ وَكِرَاءُ الْحَبْسِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فَإِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَعَثَرَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُهَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ يَسِيرًا لَمْ يُفْسَخْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فُسِخَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ اهـ. (قُلْت) وَلَمْ يُبَيِّنْ حَدَّ الْيَسِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِرَاءِ الْوَصِيِّ رُبْعَ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ رُشْدُهُ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ أَكْرَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ خَمْسِينَ عَامًا فَأَجَابَ إنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ عَلَى النَّقْدِ فُسِخَ وَفِي جَوَازِهِ عَلَى غَيْرِ النَّقْدِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدِي الْمَنْعُ وَهَذَا فِيمَا يَنْفَسِخُ فِيهِ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَهَذَا كَمَسْأَلَتِك أَمَّا الْحَبْسُ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَسَاكِينِ وَشِبْهِهِمَا فَلَا يُكْرِيهَا النَّاظِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ إنْ كَانَتْ أَرْضًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ إنْ كَانَتْ دَارًا وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ فَإِنْ أَكْرَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَضَى إنْ كَانَ نَظَرًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ وَلَا يُفْسَخُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَجَازَ كِرَاءُ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِتُبْنَى دَارًا وَعُمِلَ بِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْحَبْسِ فِي تَرْجَمَةِ قَطِيعٌ مُحْبَسٌ بَاعَتْهُ الْمُحْبِسَةُ وَانْظُرْ الْأَحْكَامَ الصُّغْرَى فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ.

ص (أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَضَّلَ الْمُتَوَلِّي أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالَ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى) ش:.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَبْدَأُ فِي الْحَبْسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ فَلَا سُكْنَى لِلْأَغْنِيَاءِ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَلَمْ يَسَعْهُمْ أُكْرِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقُسِمَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ بِمَا يَصِيرُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَيَسْكُنَ فِيهَا فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ فَضَّلَ النَّاظِرُ ذَا حَاجَةٍ وَعِيَالٍ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى عَلَى الْمَشْهُورِ بِاجْتِهَادِهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَقْرًا وَغِنًى أُوثِرَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَدَفَعَ الْفَضْلَ لِمَنْ يَلِيهِ فَأَمَّا عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ مَوَالِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ فَإِنْ عَيَّنَهُمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ لِلْغَنِيِّ وَلَدٌ فَقِيرٌ أُعْطِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ لَا يُعْطَى الْغَنِيُّ مِنْهَا شَيْئًا وَيُعْطَى الْمُسَدَّدُ بِقَدْرِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ لِلْأَغْنِيَاءِ أَوْلَادٌ كِبَارٌ فُقَرَاءُ وَقَدْ بَلَغُوا أُعْطُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ بِالْمُسَدَّدِ الَّذِي لَهُ كِفَايَةٌ وَرُبَّمَا ضَاقَ حَالُهُ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَهُمْ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمْ وَهُوَ كَذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ قِسْمَةُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَعْقَابِ]

(مَسْأَلَةٌ) مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ سَأَلَهُ عَنْهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ عَقْدٌ تَضَمَّنَ تَحْبِيسَ فُلَانٍ عَلَى ابْنَيْهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِجَمِيعِ الرَّحَا الْكِرَاءُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلِاعْتِدَالِ حَبْسِهَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى عَقِبِهِمَا حَبْسًا مُؤَبَّدًا وَتَمَّمَ عَقْدَ التَّحْبِيسِ عَلَى وَاجِبِهِ وَحَوْزِهِ وَمَاتَ الْأَبُ وَالِابْنَانِ بَعْدَهُ وَتَرَكَا عَقِبًا كَثِيرًا وَعَقِبُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ وَفِي بَعْضِهِمْ حَاجَةٌ فَكَيْفَ تَرَى قِسْمَةَ هَذَا الْحَبْسِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَعْقَابِ هَلْ عَلَى الْحَاجَةِ أَمْ عَلَى السَّوِيَّةِ أَمْ يَبْقَى فِي يَدِ كُلِّ عَقِبٍ مَا كَانَ بِيَدِ أَبِيهِ؟ فَأَجَابَ الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْحَبْسِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْت أَنْ يُقْسَمَ عَلَى أَوْلَادِ الْعَقِبَيْنِ جَمِيعًا عَلَى عَدَدِهِمْ وَإِنْ كَانَ عَقِبُ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ بِالسَّوَاءِ إنْ اسْتَوَتْ حَاجَتُهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فُضِّلَ ذُو الْحَاجَةِ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى قَدْرِ قِلَّةِ الْعِيَالِ أَوْ كَثْرَتِهِمْ وَلَا يَبْقَى بِيَدِ وَلَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِيَدِ أَبِيهِ قَبْلَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

[مَسْأَلَة ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالشُّيُوعِ]

(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَنْهَا الْوَالِدُ عَنْ أَرْضِ وَقْفٍ تُسَمَّى بِالرَّهْطِ وَتُنْسَبُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّهُ أَوْقَفَهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ وَذُرِّيَّتُهُ أَفْخَاذٌ مِنْهُمْ الرُّخَامِيُّ وَالْحُطَامِيُّ وَالسَّارِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ قِطْعَةٌ أَخَذَهَا مِنْ آبَائِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَيَكُونُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ الْإِنَاثِ أَنْ تَنْقُلَ حَظَّهَا لِأَوْلَادِهَا حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ فَخِذٍ آخَرَ أَخَذُوا مَا صَارَ لَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ وَمَا صَارَ لَهُمْ مِنْ أُمِّهِمْ وَلَيْسَ ثَمَّ كِتَابٌ وَلَا شَرْطٌ؟ فَأَجَابَ إذَا ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالشُّيُوعِ فَإِنْ عُلِمَ شَرْطُ الْوَاقِفِ بِكِتَابِ وَقْفٍ أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ وَلَوْ بِالشُّيُوعِ اُتُّبِعَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَثَبَتَ لَهُ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ فَيُصْرَفُ الْوَقْفُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْقَدِيمَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِلْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَ لِمَنْ صَارَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَقْفِ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَقْسِمَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَلَا يُؤَجِّرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً بَلْ يَبْقَى بِيَدِهِ فَإِذَا مَاتَ انْتَقَلَ لِمَنْ جَرَتْ الْعَوَائِدُ الْمَذْكُورَةُ أَعْلَاهُ بِانْتِقَالِهِ إلَيْهِ ثُمَّ سُئِلَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ فِيهِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ وَثَبَتَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى السَّوِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُحْتَاجٌ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤْثِرَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَمُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ السَّابِعِ وَالْخَمْسِينَ وَالْبَابِ السَّبْعِينَ.
قَالَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُتَوَلِّي نَظَرَ الْوَقْفَ فِي مَصْرِفِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ وَذَكَرَ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِصَرْفِ غَلَّتِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَمْ يَخْرُجْ سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ إلَّا لِشَرْطٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ غَنِيًّا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّرْجِيحِ قَبْلَ السُّكْنَى فَحَثَّ عَلَى مَا إذَا سَكَنَ أَحَدُهُمْ لِمُوجَبِ الْفَقْرِ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَإِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَا يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْفَقْرُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ عَوْدَتَهُ لَا تُؤْمَنُ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنْ يَخْرُجَ وَهَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِي لَفْظِهِ وَلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ إجْمَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعْقِبٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَسَكَنَ بَعْضُهُمْ لِاتِّصَافِهِ بِالْفَقْرِ ثُمَّ اسْتَغْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ هُوَ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِفَقْرِهِ أُخْرِجَ مِنْهُ إنْ اسْتَغْنَى وَفِي رَسْمِ أَدْرَكَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ هُوَ عَلَى الْعَقِبِ وَهُوَ غَنِيٌّ لِانْقِطَاعِ غَيْبَةِ الْمُحْتَاجِ ثُمَّ قَدِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ سَكَنَ بِهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ وَرَوَى الْبَاجِيُّ لَوْ سَافَرَ مُسْتَحِقُّ السُّكْنَى لِبَعْضِ مَا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ كَانَ لَهُ كِرَاءُ مَسْكَنِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ وَلَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ رُدَّ لِمَنْزِلِهِ وَأُخْرِجَ مِنْهُ مَنْ دَخَلَ فِيهِ انْتَهَى مِنْ آخِرِ كِتَابِ الْحَبْسِ مِنْهُ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ وَمَنْ سَكَنَ فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ مَا نَصُّهُ إلَّا أَنْ يَرَى النَّاظِرُ إخْرَاجَهُ وَإِسْكَانَ غَيْرِهِ مَصْلَحَةً لِلْحَبْسِ فَلَهُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إنْ خَافَ مِنْ سُكْنَاهُ ضَرَرًا وَلِمِثْلِ هَذَا جَعْلُ النَّاظِرِ انْتَهَى مِنْ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْهِبَة]

(الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ وَهِيَ أَيْ الْعَطِيَّةُ تَمْلِيكُ مُتَمَوَّلٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْإِنْكَاحُ وَالْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ وَارِثٍ إرْثَهُ وَتَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ ثُمَّ، قَالَ: وَالْهِبَةُ لَا لِثَوَابِ تَمْلِيكِ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلٌ لِوَجْهِ الْمُعْطَيْ وَفِي الْهِبَةِ لِكَوْنِهَا كَذَلِكَ مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ صَدَقَةٌ أَوْ لَا.
قَوْلَا الْأَكْثَرِ وَمُطَرَّفٍ حَسْبَمَا يَأْتِي ذَكَرَهُ فِي الِاعْتِصَارِ وَتَخْرُجُ الْعَارِيَّةُ وَالْبَيْعُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ يُرِيدُ: وَلَمْ تَتَمَحَّضْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى فَقَطْ أَوْ لِذَلِكَ مَعَ قَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَهِيَ الصَّدَقَةُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ (فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ فَأَجَابَ: بِأَنِّي لَسْت أَجِدُهُ فِي نَصٍّ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ الصَّحِيحَةِ وَلَوْ صَحَّ

فَمَعْنَاهُ الْحَثُّ عَلَى عِيَادَةِ الْمَرْضَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ السُّرُورُ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلَا شَكَّ فِي رَجَاءِ الْإِجَابَةِ لَهُ وَالشِّفَاءِ فَيَنْفَعُهُ فِي الدَّوَاءِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَحَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ وَيَطْلُبُ لَهُ الدُّعَاءَ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَيُرْجَى لَهُ الشِّفَاءُ.
ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْوَصَايَا وَالْمَحْجُورِ وَهُوَ فِي النَّوَازِلِ فِي بَابِ الْجَامِعِ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ: حَدِيثُ الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ السُّوءِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «إنَّ اللَّهَ لَيَدْرَأُ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ مَيْتَةِ السُّوءِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَة عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ]

(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي وِلَايَةٍ فَيَجُوزُ وَإِنْ شُرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَجُزْ كَانَ وَلَدًا لِلْوَاهِبِ أَوْ أَجْنَبِيًّا.
الْمَشَذَّالِيُّ، قَالَ الْقَابِسِيُّ عَنْ ابْنِ عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا؟ وَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا؛ شَرَطَهُ أَمْ لَا.
أَبُو عِمْرَانَ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا تُبَاعَ عَلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ لِوَلِيِّهِ بَيْعَ عُرُوضِهِ فِي النَّفَقَةِ فَشَرَطَ أَنْ لَا تُبَاعَ وَيُبَاعُ غَيْرُهَا إنْ وُجِدَ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَهِيَ كَالْحَبْسِ الْمُعَيَّنِ لَوْ وَهَبَ لِسَفِيهٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نَفَذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى خَمْسَةَ أَقْوَالٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ (الثَّانِي) أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ شَرْطَهُ أَوْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ وَرَثَتْهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ وَهَذَا الْقَوْلُ يَأْتِي عَلَى مَا فِي مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ (الثَّالِثُ) أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَحْبِيسِ الدَّارِ وَاشْتُرِطَ تَرْمِيمُهَا عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ (الرَّابِعُ) أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَالْهِبَةَ مَاضِيَةٌ لَازِمَةٌ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بَيْنَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ كَالْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ فَإِذَا مَاتَ وُرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ.
وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مِلْكِهِ مَا شَاءَ (الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَبْسًا فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إلَى الْمُتَصَدِّقِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَالْأَقْوَالُ مَبْسُوطَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَرَاجِعْهَا فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ أَحِجُّوا فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي]

(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: أَحِجُّوا فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي أُعْطِيَ مِنْ الثُّلُثِ بِقَدْرِ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنْ أَبَى الْحَجَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ بِهِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ مِنْ هُنَا أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ لِيَتَزَوَّجَ بِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ أَنَّهُ يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى مَا يُفْهَمُ بِالْقَرَائِنِ عَنْ الْمُوصِي إنْ أَرَادَ الْإِرْفَاقَ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَإِنْ أَرَادَ خُصُوصِيَّةَ النِّكَاحِ رَجَعَ مِيرَاثًا وَإِنْ جَهِلَ الْأَمْرَ فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَجَاوُزِ النِّكَاحِ فَإِنْ انْعَدَمَ رَجَعَ مِيرَاثًا (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فِيمَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَغْزُوَ بِهِ فَلَمْ يَغْزُ أَنَّهُ يَرُدُّ وَكَذَا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا دُفِعَ لَهُ مَالٌ لِيَتَحَمَّلَ بِهِ فَلَمْ يُسَافِرْ أَنَّهُ يَرُدُّهُ، وَمَنْ دُفِعَ لَهُ مَالٌ لِيَقْرَأَ فَلَمْ يَفْعَلْ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَحُكِيَ أَنَّ الْفَقِيهَ التَّادَلِيَّ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؛ دَفَعَ لَهُ أَبُوهُ مَالًا لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ فَرَأَى أَنَّ غَرَضَ أَبِيهِ لَمْ يَحْصُلْ فَرَدَّ لَهُ الْمَالَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْقِرَاءَةِ غَرَضَهُ فَأَتَى أَبُوهُ إلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ فَشَكَا لَهُ أَمْرَهُ فَدَعَا لَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لَهُ الْمُدَوَّنَةَ كَمَا فَتَحْتَهَا لِسَحْنُونٍ

الْمَشَذَّالِيِّ، وَالصَّالِحُ الَّذِي دَعَا لَهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الشَّيْخُ أَبُو يَعْزَى - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ الْوَكَالَاتِ: وَإِذَا صَالَحَ الْوَكِيلُ عَنْ الْغَرِيمِ مِنْ مَالِهِ فَلَمْ يُجِزْ الْمُوَكِّلُ الصُّلْحَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا دَفَعَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْ الْغَرِيمِ مَا صَالَحَ عَلَى حَطِّهِ فَإِذَا لَمْ يَحُطَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْمٍ أَعَانُوا مُكَاتَبًا لِيَفُكُّوهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَعَانُوهُ كَفَافًا أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلُوا الْمُكَاتَبَ فِي حِلٍّ.
وَمِنْ ذَلِكَ صُلْحُ مَنْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ أَوْلِيَاءُ أَحَدِهِمَا وَيَأْبَى أَوْلِيَاءُ الْآخَرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَ عَلَى النَّجَاةِ، قَالَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدَّعْوَى، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصَايَا: يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ مَالًا لِاشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ تُوُهِّمَ فِيهِ صَلَاحٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَانْظُرْ مَسْأَلَةَ الْحَافِظِ التَّادَلِيِّ وَيُشِيرُ لِمَا حَكَاهُ الْمَشَذَّالِيُّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: وَمَنْ أُعْطِيَ نَفَقَةً فَقِيلَ لَهُ تَقَوَّ بِهَا فِي السَّبِيلِ فَلْيَشْتَرِ مِنْ ذَلِكَ الْقَمْحَ وَالزَّيْتَ وَالْخَلَّ وَكُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي السَّبِيلِ وَلَا يَشْتَرِي بِهِ الدَّجَاجَ وَنَحْوَهُ وَمَا فَضَلَ فَرَّقَهُ فِي السَّبِيلِ أَوْ رَدَّهُ إلَى رَبِّهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت هِيَ لَكَ فَهَذَا إذَا بَلَغَ فِي غَزْوِهِ صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الْوَصِيُّ فَلَا يَجُوزُ مَا قَالَهُ الْوَصِيُّ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي غَيْرِ السَّبِيلِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا، انْتَهَى.

[مَسْأَلَة قَالَ تَصَدَّقَتْ بِمِيرَاثِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا إلَّا كَذَا وَفِي تَرِكَتِهِ جِنَانٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ]

(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ: تَصَدَّقْت بِجَمِيعِ مِيرَاثِي أَوْ بِمِيرَاثِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا فِي الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالرَّمَكِ وَالثِّيَابِ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إلَّا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ فَإِنَّهَا لِي وَفِي تَرِكَتِهِ جِنَانٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ: لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ وَأَرَى الْجِنَانَ إنْ كَانَ يَعْرِفُهُ دَاخِلًا فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَى الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْجِنَانَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ هِيَ الْجِنَانُ عِنْدَ النَّاسِ، قَالَهُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ الْمَحْضِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مِيرَاثِهِ إلَّا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ كَمَا قَالَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجِنَانُ دَاخِلًا فِي الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ كَمَا قَالَ، انْتَهَى.

ص (مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَاهِبُ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ قُلْت لَيْسَ التَّبَرُّعُ بِأَعْرَفَ مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْرِفُهَا دُونَهُ وَالْأَوْلَى هُوَ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُرِيدُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِحُّ لَهُ مِنْهُ الْهِبَةُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَتَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ وهبه شَيْئًا وَلَمْ يخرجه مِنْ يَده حتي مَاتَ]

(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَطِيَّةٍ بَتَلَهَا مَرِيضٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَذَلِكَ نَافِذٌ فِي ثُلُثِهِ كَوَصَايَاهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا أَعْتَقَ الْإِيقَافُ لِيَصِحَّ الْمَرِيضُ فَيُتِمَّ ذَلِكَ أَوْ يَمُوتَ فَيَكُونَ فِي الثُّلُثِ وَلَا يَتِمُّ فِيهِ لِقَابِضٍ فِي الْمَرَضِ قَبْضٌ وَلَوْ قَبَضَهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ إيقَافُهُ وَلَيْسَ لِمَنْ قَبَضَهُ أَكْلُ غَلَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ غَلَّةٌ وَلَا أَكْلُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَرِيضِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَتْلٌ خِلَافُ الْوَصِيَّةِ وَلَا يَتَعَجَّلُ قَبْضُهُ إلَّا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ فَيَنْفُذُ مَا بَتَلَ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى.

ص (وَإِنْ مَجْهُولًا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ إلَّا فِي الْبَيْعِ وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَوْرُوثَهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ سُدُسٌ أَوْ رُبْعٌ أَوْ وَهَبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.

وَقَالَ قَبْلَهُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْرِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: تَجُوزُ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِرْفَقًا]

(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ

مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِرْفَقًا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ مَدْخَلٍ وَمَخْرَجٍ وَمِرْفَقِ بِئْرٍ وَمِرْحَاضٍ إنْ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ افْتَحْ بَابًا حَيْثُ شِئْتَ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ وُهِبَ لَهُ حَائِطٌ وَلَهُ ثَمَرٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ]

(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا وُهِبَ لَهُ حَائِطٌ وَلَهُ ثَمَرٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةٌ فَهِيَ لِلْوَاهِبِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
قَالَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْبَرْزَلِيِّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ فَإِنَّهُمَا أَطَالَا فِي ذَلِكَ وَذَكَرَا فُرُوعًا مُنَاسِبَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَهُوَ إبْرَاءٌ إنْ وُهِبَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَكَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْك فَقَوْلُكَ قَدْ قَبِلْت قَبْضٌ وَإِذَا قَبِلْت سَقَطَ وَإِنْ قُلْت لَا أَقْبَلُ بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ أَبُو الْحَسَنِ وَإِنْ سَكَتَ فَقَوْلَانِ وَيُؤْخَذُ الْقَوْلَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا إذَا افْتَرَقَا وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْهِبَةُ سَاقِطَةٌ وَقَالَ أَشْهَبُ: الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ وُهِبَ الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةُ لِمَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ فَقَبِلَ مَضَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ عَلَى الْأَصَحِّ كَأَنْ قَالَ: لَا أَقْبَلُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّدَقَةِ: وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَتَرَكَهُ صَاحِبٌ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي عَلَيْهِ قَبِلْت إلَّا أَنَّهُ سَمِعَهُ ثُمَّ قَامَ صَاحِبُ الدَّيْنِ يَطْلُبُهُ وَقَالَ: إذَا لَمْ يَقُلْ قَبِلْت فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فَأَجَابَ إذَا، قَالَ الْمَطْلُوبُ إنَّمَا سَكَتَ قَبُولًا لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت جَعَلَ السُّكُوتَ هُنَا قَبُولًا وَيَتَعَارَضُ فِيهَا مَفْهُومَا الْمُدَوَّنَةِ وَنَقْلِ كَلَامِهَا الْمُتَقَدِّمِ.

[فَرْعٌ دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ]

(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ: دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ يُوجِبُ يَمِينَهُ اتِّفَاقًا (قُلْتُ) وَكَذَا مَنْ ادَّعَى هِبَةَ مَا بِيَدِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
ص (وَإِلَّا فَكَالرَّهْنِ) ش: أَحَالَ عَلَى الرَّهْنِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الرَّهْنِ: وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالْإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا فِي بَابِ الْهِبَةِ: وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ فِي الرَّهْنِ كَقَبْضِهِ مَعَ إعْلَامِ الْمَدِينِ بِالْهِبَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا قَوْلُهُ مَعَ إعْلَامِ إلَى آخِرِهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَقَبْضِ الرَّهْنِ يُغْنِي عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: وَقَبْضُ الدَّيْنِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ إنَّ إعْلَامَ الْمَدِينِ إنَّمَا هُوَ مَعَ حُضُورِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ غَائِبًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَصِحُّ الْقَبْضُ إذَا أَشْهَدَ لَكَ وَقَبَضْت ذِكْرَ الْحَقِّ وَهَكَذَا تُقْبَضُ الدُّيُونُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لِقَبْضِ الْوَثِيقَةِ، قَالَ فِي الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِك فَوَهَبَهُ لَكَ فَإِنْ أَشْهَدَ لَكَ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ لَكَ ذِكْرَ الْحَقِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهَذَا قَبْضٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ لَكَ وَأَحَالَك كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا وَحَمَلَهُ صَاحِبُ النُّكَتِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ ذِكْرَ الْحَقِّ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ كَالدَّارِ الْمُغْلَقَةِ إذَا لَمْ يُعْطِهِ مَفَاتِيحَهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْمُوهَبِ شَيْءٌ وَإِنْ أَشْهَدَ لَهُ وَجَعَلَ دَفْعَ الْوَثِيقَةِ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَعَ إعْلَامِ الْمَدِينِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَى فِي الْبَيَانِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ الصَّدَقَاتِ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَقَالَ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَائِزٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فَقَبِلَ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِهِ هُنَا، وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا كَذَا هُوَ فِي التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي فِي الْبَيَانِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فَقَبِلَ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى فَقِفْ عَلَيْهِ

[فَرْعٌ دَفَعَ الدَّيْنَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ]

(فَرْعٌ) فَإِنْ دَفَعَ الدَّيْنَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالصَّدَقَةِ

لِلْمُتَصَدِّقِ غَرِمَهُ لَلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، قَالَهُ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ.

[فَرْعٌ وَهَبَ دَيْنًا وَلَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ]

(فَرْعٌ) فَإِنْ وَهَبَ دَيْنًا وَلَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَهَلْ يَحْلِفُ رَبُّ الدَّيْنِ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي الشُّفْعَةِ لَوْ وَهَبَ لَهُ دَيْنًا وَلَهُ بِهِ شَاهِدٌ حَلَفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَعَ شَاهِدِ الْوَاهِبِ وَاسْتَحَقَّ الدَّيْنَ وَتَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مَسْأَلَةُ، الْمَرْأَةِ تَهَبُ كَالِئَهَا بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا مَعَ مَا يُنَاسِبُهَا، انْتَهَى.
وَيُشِيرُ لِمَا قَالَهُ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّالِثِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ ابْتَعْت طَعَامًا فَلَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى أَسْلَفْته وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مَا قَالُوهُ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَجِدْ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِمَا اشْتَرَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَحْلِفُ وَيَأْخُذُ غَيْرِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ فِي امْرَأَةٍ تَصَدَّقَتْ بِكَالِئٍ صَدَاقِهَا وَقَدْ أَثْبَتَتْهُ عَلَى زَوْجِهَا الْمَيِّتِ، قَالَ: لَا يَقْبِضُهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ وَلَا وَهَبَتْهُ وَلَا أَحَالَتْ بِهِ وَلَا تَصَدَّقَتْ بِهِ خَوْفًا أَنْ تَكُونَ إنَّمَا فَعَلَتْ لِتَدْفَعَ الْيَمِينَ عَنْهَا وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: رَأَيْت مُعَلِّقًا عَلَى فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي الْهِبَةِ يَحْلِفُ الْوَاهِبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَاتٍ إذَا وَهَبَ الدَّيْنَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْحَلِفِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ هُوَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي دَارٍ أَنَّهَا لِأَبِيهِ وَقَدْ تَرَكَ أَبُوهُ وَرَثَةً سِوَاهُ، الشَّيْخُ.
نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يُقِمْ عَلَى الشِّرَاءِ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ قَامَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ هُنَا عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقُولُ لَا أَحْلِفُ وَيَنْتَفِعُ غَيْرِي وَهَذَا يَظْهَرُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْغُرَمَاءِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَاعَهُ ثُمَّ قَامَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَهَلْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَانْظُرْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ) ش: يُرِيدُ قَبْضَهُ فَأَحْرَى إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يُعَجَّلُ) ش: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُرْتَهِنُ بِإِمْضَاءِ الْهِبَةِ بَعْدَ قَبْضِ الرَّهْنِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إلَى آخِرِهِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاهِبُ يَجْهَلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ أَمْ لَا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَصَّ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ شَاسٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.

ص (بِصِيغَةٍ أَوْ مُفْهِمِهَا)

ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الرُّكْنُ الرَّابِعُ السَّبَبُ النَّاقِلُ وَفِي الْجَوَاهِرِ هُوَ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، انْتَهَى.
وَفِي جَعْلِهِ الرُّكْنَ سَبَبًا تَأَمُّلٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: (تَنْبِيهٌ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْقَبُولُ فَوْرًا عَلَى الْفَوْرِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا يَجُوزُ عَلَى التَّرَاخِي لِمَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ إرْسَالِ الْهِبَةِ لِلْمَوْهُوبِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ تَوْكِيلِ الرَّسُولِ فِي أَنْ يَهَبَ عَنْهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَقَدْ وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ التَّرَوِّي فِي الْقَبُولِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[تَنْبِيه إِذْن السَّيِّد فِي قَبُول الْهِبَة وَالصَّدَقَة]

(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا أَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ فِي الْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: لَوْ قِيلَ بِمَنْعِهِ مِنْ الْقَبُولِ لِلْمِنَّةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى السَّيِّدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا بَعُدَ.

وَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ هَلْ لِوَلِيِّهِ رَدُّ ذَلِكَ أَمْ لَا لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مِنَّةٌ عَلَى الْوَالِدِ أَوْ وَلَدِهِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ وَلَا كَلَامَ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ إذَا كَانَ يَطْلُبُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فَدَخَلَ ابْنُ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَعْطَاهُ خُبْزًا فَخَرَجَ الصَّبِيُّ بِالْخُبْزِ لِأَبِيهِ فَأَكَلَ مِنْهُ الْأَبُ وَلَمْ يَعْلَمْ حَنِثَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: أَمَّا أَنَا فَتَبَيَّنَ عِنْدِي لَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ الِابْنَ قَدْ مَلَكَ الطَّعَامَ مِنْ الْأَبِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَجْعَلْ مِلْكَ ابْنِهِ تَقَرُّرًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ فَيَصِيرُ الْأَبُ قَدْ أَكَلَ مَالَ ابْنِهِ لَا مَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لِلْأَبِ رَدُّهُ فَلَمَّا كَانَ لَهُ رَدُّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِلِابْنِ عَلَيْهِ مِلْكٌ إلَّا بِرِضَا الْأَبِ فَلِهَذَا حَنِثَ الْأَبُ وَأَمَّا لَوْ وَهَبَهُ هِبَةً كَثِيرَةً لَهَا بَالٌ لَا يَقْدِرُ الْأَبُ عَلَى رَدِّهَا فَأَكَلَ مِنْهَا الْأَبُ لَا نَبْغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَقْدِرُ الْأَبُ عَلَى رَدِّهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا حَتَّى يَكُونَ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لِابْنِهِ مِنْ طَعَامٍ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِأَكْلِهِ فِي الْوَقْتِ كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ وَشَبَهِ هَذَا مِمَّا يُنَاوِلُهُ الْإِنْسَانُ لِمَنْ يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَقُولُ نَفَقَةُ ابْنِي عَلَيَّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ عَنِّي مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي فَهَذَا إذَا أَكَلَ مِمَّا أَعْطَاهُ الصَّبِيُّ حَنِثَ وَيَعُدُّ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ الْخُبْزَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْدَمًا حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ وَكَانَ عَيْشُ الِابْنِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَنَحْوِهَا فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذَا فَأَكَلَ مِنْهُ الْأَبُ لَمْ يَحْنَثْ، قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَعَبْدُهُ وَابْنُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لِعَبْدِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لَهُ مِنْ مَالٍ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي النُّكَتِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَنَقَلَ ذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ: الْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ تَصِحُّ مِنْ الْمَحْجُورِ دُونَ الْقَوْلِيَّةِ فَلَوْ صَادَ مَلَكَ الصَّيْدَ أَوْ احْتَشَّ مَلَكَ الْحَشِيشَ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ أَوْ قَارَضَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَتَرَتَّبُ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ، انْتَهَى.

وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الرُّكْنَ الرَّابِعَ وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَشَرْطُهُ قَبُولُ الْمِلْكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحِيزَ وَإِنْ بِلَا إذْنٍ وَأُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ) ش: وَالْحَائِزُ هُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إنْ كَانَ رَشِيدًا فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا فَوَلِيُّهُ وَفِي صِحَّةِ حَوْزِ السَّفِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ حَوْزِهِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ وَلَوْ سَفِيهًا وَقَوْلُهُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى أَنْ يَحُوزَهُ وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ لُزُومُ الْعَطِيَّةِ بِعَقْدِهَا ابْنُ زَرْقُونٍ.

، قَالَ الْمَازِرِيُّ: لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَفِي قَوْلَةٍ

شَاذَّةٍ عِنْدَنَا وَحَكَاهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهَا ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ نَقْلُ ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ وَهِيَ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا، قَالَ: وَعَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَذَلِكَ فِيهَا لَا يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَضَاءِ بِهَا قَوْلَانِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَةِ فِيهَا وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فِيهَا لَا يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ مَنْ تَسَرَّى عَلَى امْرَأَتِهِ وَقَدْ شَرَطَ لَهَا أَنَّهُ إنْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ لَهَا صَدَقَةٌ تَامَّةٌ وَإِنْ أَعْتَقَهَا بَطَلَ عِتْقُهُ وَكَانَتْ لَهَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ مَنْ شَرَطَ لِمُبْتَاعٍ سِلْعَةً إنْ خَاصَمَهُ فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ فَخَاصَمَهُ لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ إنْ حَمَلَ اللُّزُومَ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا فَهُوَ مِثْلُهُ ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ نَافِعٍ مَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْكِ فَأَمَتِي صَدَقَةٌ عَلَيْكِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ (قُلْتُ) هَذَا خِلَافُ عَزْوِ ابْنِ رُشْدٍ مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ لِابْنِ دِينَارٍ وَمَسْأَلَةَ السِّلْعَةِ لِابْنِ نَافِعٍ، وَجَزْمُهُ بِهِ خِلَافٌ جَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ مُحْتَمَلًا وَفِي الْقَضَاءِ بِالْمُعَلَّقِ بِالْيَمِينِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ نَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ أَصْبَغَ: وَالْمَعْرُوفُ فِي إيجَابِ دَعْوَى هِبَةِ مُعَيَّنٍ يَمِينُ الْوَاهِبِ قَوْلَا الْجَلَّابِ وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَائِلًا دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دِينَهُ يُوجِبُ يَمِينَهُ اتِّفَاقًا (قُلْتُ) وَكَذَا مَنْ ادَّعَى هِبَةَ مَا بِيَدِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَبْسُ مَتَى كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لِمُعَيَّنٍ أَمْ لَا، لَا يُقْضَى بِهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْبِرَّ بَلْ اللَّجَاجَ وَدَفْعُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِ الْيَمِينِ يُقْضَى بِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ حَتَّى يَطْلُبَهُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ النَّذْرِ

وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي سُؤَالٍ سَأَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْهُ وَنَصُّ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ: رَجُلٌ أَخْرَجَ مَالًا بِصَدَقَةٍ فَعَزَلَ مِنْهُ شَيْئًا سَمَّاهُ بِلِسَانِهِ وَمَيَّزَهُ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ فَصَرَفَهُ لِمِسْكِينٍ آخَرَ فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ لَتَمْيِيزِهِ إيَّاهُ لِمِسْكِينٍ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ مَنْ أَخْرَجَ لِمِسْكِينٍ كِسْرَةً فَلَمْ يَجِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْطِهَا لِلْمِسْكِينِ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَعْطَاهَا بِالْقَوْلِ وَوَجَبَ طَلَبُهَا لِلْمِسْكِينِ وَتَمَيَّزَتْ لَهُ عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِ وَهَلْ صَارَ قَوْلُهُ هَذَا لِفُلَانٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الْمَالَ مَخْرَجَ الصَّدَقَةِ كَقَوْلِهِ تَصَدَّقْت بِهَذَا عَلَى فُلَانٍ وَهَلْ يَسْتَوِي فِي هَذَا مَا أَخْرَجَ الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ مَالِهِ وَمَا مَيَّزَهُ لِمُعَيَّنٍ مِمَّا يَجْرِي مِنْ صَدَقَةِ غَيْرِهِ عَلَى يَدَيْهِ إذْ ظَهَرَ لِي بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ كَمَا ظَهَرَ لِي بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنْ مَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَمْلِكُ.
الْجَوَابُ تَصَفَّحْت السُّؤَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي عَزَلَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لِلصَّدَقَةِ شَيْئًا سَمَّاهُ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ سَمَّاهُ لَهُ وَنَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ وَلَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَتَلَهُ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ فَعَلَ وَكَذَلِكَ مَا جُعِلَ إلَيْهِ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ لِلصَّدَقَةِ سَوَاءٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَأْمُرُ لِلسَّائِلِ بِشَيْءٍ أَوْ يَخْرُجُ بِهِ إلَيْهِ فَلَا يَجِدُهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَالِهِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ وَلَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى مِنْ الْأَجْوِبَةِ مِنْ بَابِ الصَّدَقَاتِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا بَتَلَهُ لَهُ بِالنِّيَّةِ يَأْتِي عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورِينَ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّبْتِيلِ بِالنِّيَّةِ وَنِيَّةِ الْإِعْطَاءِ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَعْطَيْته لِفُلَانٍ وَلَوْ عَبَّرَ عَنْ الثَّانِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أُعْطِي أَوْ نِيَّتِي أُعْطِي وَنَحْوِهِ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.

[فَرْعٌ خَرَجَتْ لِلسَّائِلِ بِالْكِسْرَةِ أَوْ بِالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِدْهُ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَجَتْ لَلسَّائِلِ بِالْكِسْرَةِ أَوْ بِالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِدْهُ أَرَى أَنْ يُعْطَى لِغَيْرِهِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْرُوفِ وَإِنْ وَجَدْته وَلَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِتَأَكُّدِ الْعَزْمِ بِالدَّفْعِ وَاخْتُلِفَ هَلْ

لَهُ أَكْلُهَا أَمْ لَا فَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَقِيلَ لَا وَقِيلَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا أَكَلَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ يَأْكُلْهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: (فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ كِسَرِ السَّائِلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِبَرِيرَةَ «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ قَالَ لَهُ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا وَالْحَجِّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: إذَا قَالَ لَهُ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ فَهُوَ أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ، وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ انْتَقَدَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْقَضَاء بِالْحِيَازَةِ]

(فَرْعٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرَّهْنِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَلْ تَكْفِي نِيَّةٌ عَلَى الْحَوْزِ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُقْضَى بِالْحِيَازَةِ إلَّا بِمُعَايَنَةٍ بَيِّنَةٍ لِحَوْزِهِ فِي حَبْسٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُعْطِي فِي صِحَّتِهِ أَنَّ الْمُعْطَى قَدْ حَازَ وَقَبَضَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُقْضَ بِذَلِكَ إنْ أَنْكَرَ وَرَثَتُهُ حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ اهـ

[فَرْعٌ قَالَ لِوَلَدِهِ أَصْلِحْ نَفْسك وَتَعَلَّم الْقُرْآنَ وَلَك قَرْيَتِي ثُمَّ مَاتَ الْأَب وَالْقَرْيَة بِيَدِهِ]

(فَرْعٌ) إذَا قَالَ لِوَلَدِهِ: أَصْلِحْ نَفْسَك وَتَعَلَّمْ الْقُرْآنَ وَلَك قَرْيَتِي فُلَانَةُ فَفَعَلَ الْوَلَدُ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلُ وَالْقَرْيَةُ بِيَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْوَلَدُ الْحَوْزَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ: لَا تَكُونُ لَهُ الْقَرْيَةُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِإِشْهَادِ الْأَبِ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَكَ قَرْيَتِي لَيْسَ بِنَصٍّ فِي تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ تَسْكُنُهَا أَوْ تَرْتَفِقُ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ أَرَادَ التَّحْرِيضَ وَلَمْ يَجْعَلْ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْقَرْيَةَ بِهِ مِنْ إصْلَاحِهِ نَفْسَهُ وَتَعَلُّمِهِ عِوَضًا لَهَا فَتَمْضِي دُونَ حِيَازَةٍ، فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَعْطَى امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارًا سَاكِنًا بِهَا عَلَى أَنْ تُسْلِمَ فَأَسْلَمَتْ فَلَا أَرَاهَا مِنْ الْعَطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ إسْلَامِهَا وَالْإِشْهَادُ يُجْزِئُهَا عَنْ الْحِيَازَةِ وَإِنْ مَاتَ بِهَا وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا أَرَاهَا إلَّا عَطِيَّةً وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى مِثْلُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَاخْتِيَارِ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فِي رَجُلٍ، قَالَ لِابْنِهِ: إنْ تَزَوَّجْت فَلَكَ جَارِيَتِي هِيَ لَهُ إذَا تَزَوَّجَ وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ حَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ إنْ فَلَسَ وَإِنْ مَاتَ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ فِيهَا شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ بَدَلَ الْجَارِيَةِ: مِائَةُ دِينَارٍ كَانَتْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ لَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَمَعْنَاهُ إذَا وَجَبَتْ لَهُ الْهِبَةُ بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ أَنْ يَتَدَايَنَ الْأَبُ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
ص (وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ إذَا تَأَخَّرَ الْحَوْزُ حَتَّى أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِ الْوَاهِبِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.

[تَنْبِيه بَعَثَ مَالًا يُشْتَرَى بِهِ ثَوْبًا لِزَوْجَتِهِ]

ص (أَوْ أَرْسَلَهَا) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (تَنْبِيهٌ) مَنْ

بَعَثَ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ ثَوْبًا لِزَوْجَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْتِلْهُ لَهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يُشْهِدْ لَهَا فَهِيَ عِدَةٌ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ.

[مَسْأَلَةٌ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بَاقِيَ الصَّدَقَةِ مِنْ الْوَكِيلِ]

(مَسْأَلَةٌ) مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا لِوَكِيلِهِ لِيَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَقَدِمَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْكِتَابِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مِنْهَا خَمْسِينَ وَقَالَ: اذْهَبْ سَأَدْفَعُ إلَيْكَ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا فَمَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ مِنْ الْوَكِيلِ، قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ مِنْهَا إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ وَلَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْخَمْسِينَ الَّذِي قَبَضَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِمَنْزِلَتِهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِ مُوَكِّلِهِ.

ص (أَوْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ)

ش: صَوَابُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ حَتَّى يُوَافِقَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُ الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ فَإِذَا بَاعَ الْمُتَصَدِّقُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّدَقَةُ وَيُخَيَّرُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ وَإِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا بَاعَ الْوَاهِبُ مَا وَهَبَهُ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ وَيُخَيَّرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِجَازَتِهِ وَأَمَّا إنْ بَاعَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَالثَّمَنُ لِلْمُعْطَى، رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطَى رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَفَرَضَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْهِبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.

[تَنْبِيه عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ]

(تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ رَدُّهُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ إلَخْ) ش:

يَعْنِي أَنَّ الرَّقَبَةَ الْمَوْهُوبَةَ إذَا رَجَعَتْ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ عَنْ قُرْبٍ وَرُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ بِأَنْ يَكُونَ أَجَّرَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ: اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ أَرْفَقَ بِهَا، أَيْ: أَرْفَقَ الْمَوْهُوبَ الْوَاهِبُ بِالرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ بَرِيدًا وَأَعْمَرَهُ إيَّاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ يُبْطِلُ الْهِبَةَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِاتِّفَاقٍ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ إنَّ ذَلِكَ تَحْمِيلُ إسْقَاطِ الْحِيَازَةِ وَهَكَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ سَنَةً لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ طُولٌ وَقِيلَ الطُّولُ سَنَتَانِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهَا إذَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ الطُّولِ الَّذِي جَعَلَهُ سَنَةً لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، انْتَهَى.

[تَنْبِيهٌ عَمَرَ الْوَاهِبُ الدَّارَ الْمَوْهُوبَةَ ثُمَّ أَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ: سَأَلَ ابْنُ دَحُونٍ الْقَاضِيَ ابْنَ زَرْبٍ عَمَّنْ وُهِبَتْ لَهُ دَارٌ ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْوَاهِبُ بَعْدَ أَشْهُرٍ يَسِيرَةٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا حِيَازَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ هِبَتَهُ فَأَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ فَأَطْرَقَ الْقَاضِي فِيهَا حِينًا ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالُ الْهِبَةِ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَنَعَ وَبَطَلَتْ هِبَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالٌ لِلْهِبَةِ فِي ذَلِكَ انْفَسَخَتْ الْعُمْرَى وَرَجَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى الدَّارِ وَقَبَضَهَا مِنْ الْوَاهِبِ، انْتَهَى.

(الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا فَحَازَ عَلَيْهِ الْأَبُ أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْبُرَ وَيَحُوزَ لِنَفْسِهِ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ مُحَمَّدٌ.
لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَنْعُ الْأَبِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، وَالصَّغِيرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، انْتَهَى.

(الثَّالِثُ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى بُطْلَانِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا الْوَاهِبُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَذَلِكَ إذَا سَكَنَهَا الْأَبُ وَحْدَهُ وَأَمَّا إنْ سَكَنَ فِيهَا مَعَ الْوَلَدِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا الْبُطْلَانُ وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَكَنَ بِحَضَانَةٍ لَهُمْ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ أَوْ أَرْفَقَ بِهَا هُوَ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا لَا الْعَكْسُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ سَهْلٍ: خَاضَ أَهْلُ

مَجْلِسِ ابْنِ زَرْبٍ فِي صِحَّةِ حَوْزِ الزَّوْجَةِ دَارًا تَصَدَّقَ بِهَا زَوْجُهَا عَلَيْهَا لِسُكْنَاهَا مَعَهُ، قَالَ جُلُّهُمْ: حَوْزٌ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ زَرْبٍ لِسُكْنَى الزَّوْجِ قَالُوا فَمَا تَقُولُ، قَالَ: هِيَ مُشْتَبِهَةٌ وَتَوَقَّفَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: فِيهِ دَلِيلُ عَدَمِ الِاجْتِهَادِ لِعُزُوبِ هَذِهِ عِنْدَهُمْ مَعَ نَصِّهَا فِي سَمَاعِ عِيسَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْ دَرْسِ الْمَسَائِلِ فَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْإِشْبِيلِيِّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ الْحَافِظِ آخِرَ عُمْرِهِ إلَّا مَعْرِفَةُ مَوْضِعِ الْمَسَائِلِ وَمَا هِيَ بِمَنْزِلَةٍ كَبِيرَةٍ لِمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فِي الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ كَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ مَنْ اتَّسَمَ بِالْفُتْيَا أَنَّهُ طَلَبَ بَابَ الْحَضَانَةِ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَرَمَى بِالْكِتَابِ فِي مِحْرَابِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي وَقْتِنَا، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ: لَوْ تَرَكْت الدَّرْسَ عَامَيْنِ لَنَسِيت مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْفَتْوَى أَنْ لَا يَتْرُكَ خَتْمَ التَّهْذِيبِ مَرَّةً فِي الْعَامِ وَكَذَا كُنْتُ أَفْهَمُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَذَكَرَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْوَانُّوغِيِّ عَنْ الْوَانُّوغِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كَانَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ مَنْ لَا يَخْتِمُ الْمُدَوَّنَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى مِنْهَا، انْتَهَى.

ص (إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ) ش: هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَبِهِ الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْإِرْشَادِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَالَ الشَّيْخُ دَاوُد فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ ذَكَرَهُ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْهِبَاتِ وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ فِي مَسَائِلِ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَةِ بِالْعَيْنِ عَلَى الصَّغِيرِ: لَا تَصِحُّ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْمُتَصَدِّقُ مِنْ مَالِهِ وَيَضَعَهَا عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ لِذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا إقْرَارُ الْأَبِ أَنَّ الْأُمَّ تَصَدَّقَتْ عَلَى ابْنَتِهَا بِمِائَةِ

دِينَارٍ وَتَسَلَّفَهَا الْأَبُ مِنْهَا وَتَصْدِيقُ الْأُمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اُتُّهِمَ الْأَبُ فِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُولِجَ إلَيْهَا ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْأَبِ لِيَحُوزَهُ لِلِابْنَةِ عَنْ الْأُمِّ، انْتَهَى.
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَتْهَا لِغَيْرِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَاهِدًا.

ص (وَجَازَتْ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُك) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ حَيَاةِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِهَا وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حَوْزِهَا؛ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ عُمْرَى وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَنْوَاعِ وَحُكْمُهَا النَّدْبُ لِذَاتِهَا وَيَتَعَذَّرُ وُجُوبُ عُرُوضِهَا لَا كَرَاهَتِهَا أَوْ تَحْرِيمِهَا الصِّيغَةُ الْبَاجِيُّ مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ عُمْرَك أَوْ وَهَبْتُك سُكْنَاهَا عُمْرَك، انْتَهَى.
قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ قَدْ أَعْمَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّابَّةُ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ جَازَ ذَلِكَ وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَالَ دَارِي هَذِهِ لَكَ صَدَقَةُ سُكْنَى فَإِنَّمَا لَهُ السُّكْنَى دُونَ رَقَبَتِهَا وَإِنْ قَالَ لَهُ: قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك مِنْ بَعْدَك أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ وَلِعَقِبِك سُكْنَى فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ وَرَثَتُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: مَنْ قِيلَ لَهُ هِيَ لَكَ صَدَقَةُ سُكْنَى فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سُكْنَاهَا دُونَ رَقَبَتِهَا، مُحَمَّدٌ.
حَيَاتَهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قَالَ: أَعْمَرْتُكَ وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَك أَوْ حَيَاتِي وَلَمْ يَضْرِبْ لَهَا أَجَلًا فَهِيَ عُمْرَى وَكَذَلِكَ أَسْكَنْتُك، قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْعَارِيَّةِ، فَصْلُ، وَقَدْ أَتَتْ هِبَاتٌ مُتَقَارِبَةُ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْكَامِ حُمِلَ بَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ وَبَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الْمَنَافِعِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَأَخْدَمْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ وَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَعْمَرْتُكَ فَحُمِلَ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُكَ وَأَسْكَنْتُك وَأَخْدَمْتُك عَلَى أَنَّهَا هِبَةُ مَنَافِعِ حَيَاةِ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْكَنِ وَالْمُعَمَّرِ وَقَوْلُهُ كَسَوْتُك هَذَا

الثَّوْبَ أَوْ حَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ الْفَرَسِ عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ ثُمَّ قَالَ: وَالْعُمْرَى ثَلَاثَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلٍ أَوْ حَيَاةِ الْمُعَمَّرِ وَمُطْلَقَةٌ وَمُعْقَبَةٌ فَإِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلٍ فَقَالَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوْ عَشْرًا أَوْ حَيَاتِي أَوْ حَيَاتَك كَانَتْ عَلَى مَا أَعْطَى وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ كَانَ مَحْمَلُهُ عَلَى عُمُرِ الْمُعْطِي حَتَّى يَقُولَ عُمُرِي أَوْ حَيَاتِي وَإِنْ عَقَّبَهَا فَقَالَ: أَعْمَرْتُكَهَا أَنْتَ وَعَقِبَك لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينَ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ دَارِي وَضَيْعَتِي أَوْ أَسْكَنْتُك أَوْ وَهَبْت لَكَ سُكْنَاهَا أَوْ اسْتِغْلَالَهَا فَهُوَ قَدْ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا فَيَنْتَفِعُ بِهَا حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا وَإِنْ قَالَ: لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا انْقَرَضَ عَقِبُهُ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِنْ قَالَ أَذِنْت لَكَ أَنْ تَسْكُنَ دَارِي أَوْ تَزْرَعَ أَرْضِي أَوْ تَرْكَبَ دَابَّتِي أَوْ تَلْبِسَ ثَوْبِي كَانَ عَارِيَّةً وَتَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَارِيَّةِ إذَا ضَرَبَ لَهَا أَجَلًا أَوْ لَمْ يَضْرِبْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: الْمُخْدِمُ ذُو رِقٍّ وَهَبَ مَالِكٌ خِدْمَتِهِ إيَّاهَا لِغَيْرِهِ فَيَدْخُلُ الْمُدَبَّرُ وَالْجُزْءُ مِنْ الْعَبْدِ لَا الْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَارِيَّةِ إنْ لَمْ يُخْرِجْ رَبُّهُ عَنْ مِلْكِ رَقَبَتِهِ بِعِتْقٍ أَوْ مِلْكٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى نَفَقَتِهِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْخِدْمَةِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ وَهَبَ خِدْمَةَ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَلَمْ يُوَقِّتْ فَأَمَّا فِي الْوَصِيَّةِ فَلَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَتِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِوَرَثَتِهِ وَأَمَّا فِي الصِّحَّةِ فَأَسْأَلُهُ وَأُصَدِّقُهُ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُخْدَمِ فِيهِ، قَالَ أَصْبَغُ: لَهُ خِدْمَتُهُ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: وَهَبْت لَكَ خِدْمَةَ عَبْدِي أَوْ أَخْدَمْتُكَ عَبْدِي وَمَسْأَلَتُك إنَّمَا هِيَ أَخْدِمُ فُلَانًا، انْتَهَى.

[فَرْعٌ أَعْمَرَتْ أَبَوَيْهَا دَارًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَامَتْ الْمُعَمِّرَةُ تَطْلُبُ نِصْفَ الدَّارِ]

(فَرْعٌ) سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ أَعْمَرَتْ أَبَوَيْهَا دَارًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَامَتْ الْمُعَمِّرَةُ تَطْلُبُ نِصْفَ الدَّارِ وَهَلْ الْأَبَوَانِ وَالْأَجْنَبِيَّانِ سَوَاءٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إذَا كَانَتْ الْمُعَمِّرَةُ حَيَّةٌ فَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِيمَا تَزْعُمُ مِنْ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا حَظُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا لَا إلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ ادَّعَى الْبَاقِي مِنْهُمَا أَنَّهَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ تَبْقَى لِلْآخَرِ مِنْهُمَا لَزِمَتْهَا الْيَمِينُ وَلَوْ مَاتَتْ وَلَمْ يَدْرِ مَا أَرَادَتْ لِتُخْرِجَ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يُحْبَسُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَيَمُوتُ بَعْضُهُمْ هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْمُحْبَسِ أَوْ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى يَمُوتُوا كُلُّهُمْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، انْتَهَى.
مِنْ مَسَائِلِ الْعُمْرَى وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي أَحْكَامِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ حَبَسَ دَارًا أَوْ حَائِطًا عَلَى قَوْمٍ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْبَاسِ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ دَنَانِيرَ مُحْبَسَةٍ كَانَ مَرْجِعُ ذَلِكَ الْحَبْسِ إلَى صَاحِبِ ذَلِكَ الْأَصْلِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ أَوْ إلَى السَّبِيلِ أَوْ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَهَذَا إذَا كَانَ مُشَاعًا فَأَمَّا إنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ أَوْ كَيْلٌ مُسَمًّى أَوْ سُكْنَى مَعْرُوفٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا أَوْ سُكْنَى بِعَيْنِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَمَّاهُ فَهَذَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يَرْجِعُ نَصِيبُهُ إلَى صَاحِبِ الْحَبْسِ إنْ جُعِلَ مَرْجِعُ الْحَبْسِ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَنْ جُعِلَ مَرْجِعُهُ إلَيْهِ، قَالَهُ كُلُّهُ مَالِكٌ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا خِلَافَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبْسًا عَلَيْهِمْ مُشَاعًا اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ عِنْدَ عَقْدِ نِكَاحِهِ ثُلُثَ مُسْتَغَلِّ أَمْلَاكِهِ حَيْثُمَا كَانَتْ وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةَ النَّاحِلِ وَلَا الْمَنْحُولِ لَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّاحِلُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَكَانَ الْمَنْحُولُ لَهُ يَسْتَغِلُّهَا فَقَامَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَقَالُوا لَيْسَ لَكَ بَعْدَ حَيَاةِ أَبِيكَ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِي حَيَاتِي فَأَجَابَ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْمَنْحُولِ ثُلُثَ غَلَّةِ الْأَمْلَاكِ مَا بَقِيَتْ وَكَانَ لَهَا غَلَّتُهُ طُولَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ خِدْمَةَ عَبْدِهِ وَلَمْ يَقُلْ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ وَلَا حَيَاةَ الْعَبْدِ أَنَّ لِوَرَثَةِ الْمُخْدَمِ خِدْمَةَ هَذَا الْعَبْدِ مَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ مِنْ مَقَالِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ وَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ

أَنَّهُ إنَّمَا لِلْمُخْدَمِ خِدْمَةُ الْعَبْدِ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ لَا حَيَاةَ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَنْحُولِ فِي مَسْأَلَتِك ثُلُثُ غَلَّةِ الْأَمْلَاكِ مَا دَامَ حَيًّا وَأَمَّا أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُ بِمَوْتِ النَّاحِلِ فَذَلِكَ مَا لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
مِنْ بَابِ النِّحْلَةِ وَالسِّيَاقَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.

ص (وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ) ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى الِاعْتِصَارِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ وَقِيلَ الِارْتِجَاعُ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَكِلَاهُمَا فِي ارْتِجَاعِ الْهِبَةِ صَحِيحٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا وَفِي لَغْوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا نَقْلًا ابْنُ عَاتٍ عَنْ بَعْض فُقَهَاءِ الشُّورَى وَابْنِ وَرْدٍ، قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى: مَنْ شَرَطَ فِي هِبَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الِاعْتِصَارَ ثُمَّ بَاعَهَا بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ فَقِيمَتُهَا لِابْنِهِ فِي مَالِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ اعْتِصَارًا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ بَيْعِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّ بَيْعَهُ اعْتِصَارٌ وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ بَيْعِهَا وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُهَا إلَّا بِالْإِشْهَادِ وَفِي الِاسْتِغْنَاءِ رَأَيْت لِابْنِ وَرْدٍ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ هَذَا.
قَالَ: إنْ بَاعَ الْأَبُ مَالَ ابْنِهِ وَنَسَبَهُ لِنَفْسِهِ وَأَفْصَحَ بِذَلِكَ وَالْمَبِيعُ لَمْ يَصِرْ لِلِابْنِ إلَّا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ بِهِبَةٍ يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا فَيُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَيْعُ عَدَاءٍ يَتَعَقَّبُهُ حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ (قُلْتُ) بِالْأَوَّلِ أَفْتَى ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ الصِّيغَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَحْوُ اعْتَصَرْت وَرَدَدْت ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ بَيْعَهُ لَا يَكُونُ اعْتِصَارًا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَالثَّمَنُ لِلْوَلَدِ وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُ الْأَبَوَيْنِ إلَّا بِالْإِشْهَادِ، انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا بَاعَ الْأَبُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْهُ: فَإِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ اقْتَضَاهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ لِلِابْنِ فِي مَالِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَنْصِيصَ الْعَرْضِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ بِالْبَيْعِ كَقَبْضِ الدَّيْنِ وَسَوَاءٌ بَاعَ الْعَرْضَ لِابْنِهِ بِاسْمِهِ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْلَمْ إنْ كَانَ بَاعَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِابْنِهِ.
وَأَمَّا إنْ بَاعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ نَصًّا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ فِيهَا وَإِلَّا كُلٌّ لَهَا فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ وَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ وَيَتْبَعُ الْمُشْتَرِي الْأَبَ بِالثَّمَنِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَجَدَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كَانَتْ حِيزَتْ لِلِابْنِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ دَارًا يَسْكُنُهَا الْأَبُ فَبَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ عَنْهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا لِصَدَقَتِهِ وَاسْتِخْلَاصًا لِنَفْسِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ إنْ عَثَرَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَمَضَتْ الصَّدَقَةُ لِلِابْنِ وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ فِيهَا حَقٌّ وَلَا فِي الثَّمَنِ وَصَحَّ الْبَيْعُ لِلْمُشْتَرِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ: وَمَنْ وَهَبَ عَبْدًا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو الْوَلَدِ مُوسِرًا فَيُعْطِي الْوَلَدَ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ فِيمَا وَهَبَ مِنْ الْعَبْدِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِعَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ وَعَوَّضَهُ غَيْرُهُ مِثْلَهُ أَوْ أَدْنَى جَازَ إنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ لِشُبْهَةِ الْوَلَاءِ وَشُبْهَتِهِ فِي مَالِهِ فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا امْتَنَعَ وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِنْ الْوَصِيِّ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ بِالْمَالِ، انْتَهَى.

وَسُئِلْت عَنْ رَجُلٍ مَلَّكَ وَلَدَهُ بِئْرًا أَوْ أَرْضًا ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْقَفَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَدْخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَرْضَ وَالْبِئْرَ الَّتِي أَوْقَفَهَا عَلَى وَلَدِهِ أَوَّلًا فَأَجَبْت بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا وَحَازَ مَا مَلَّكَهُ أَبُوهُ أَوْ صَغِيرًا وَأَشْهَدَ أَبُوهُ أَنَّهُ حَازَ لَهُ فَالتَّمْلِيكُ صَحِيحٌ وَلَا يُبْطِلُهُ الْوَقْفُ الَّذِي بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ الْأَبُ أَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا مَلَّكَهُ لِوَلَدِهِ قَبْلَ الْوَقْفِيَّةِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا وَلَمْ يَحُزْ أَوْ صَغِيرًا وَلَمْ يَحُزْ الْأَبُ لَهُ حَتَّى أَوْقَفَهُ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ وَالتَّمْلِيكُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ لَا

يَشْتَرِطُ الْحِيَازَةَ وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّ الِاعْتِصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَلَا يَكُونُ بِالْعِتْقِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَأُمٍّ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) ش يَعْنِي أَنَّ الْأُمَّ إذَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا تَعْتَصِرُ مِنْهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَأَمَّا إنْ كَانَ كَبِيرًا فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ وَلَدِهَا الْكَبِيرِ إلَّا أَنْ يَنْكِحَا أَوْ يَتَدَايَنَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ أَبٌ حِينَ وَهَبَتْهُ أَوْ نَحَلَتْهُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ الْيَتِيمِ وَيُعَدُّ كَالصَّدَقَةِ.
وَإِنْ وَهَبَتْهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ لَا أَبَ لَهُمْ ثُمَّ بَلَغُوا وَلَمْ يُحْدِثُوا فِي الْهِبَةِ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهَا وَهَبَتْ فِي حَالِ الْيُتْمِ وَإِنْ وَهَبَتْهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا، انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ مَجْنُونًا

ص (إنْ لَمْ يَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ)

ش، قَالَ الشَّارِحُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْهِبَةَ يَفُوتُ اعْتِصَارُهَا بِحَوَالَةِ السُّوقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُفِيتٍ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) حَكَى فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ قَوْلَيْنِ فِي فَوَاتِ الِاعْتِصَارِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ الْقَوْلَ بِالْإِفَاتَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَكُرِهَ تَمْلِيكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ) ش: يُرِيدُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّمْلِيكِ إلَّا بِإِرْثٍ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْ فَقِيرٍ، وَاحْتُرِزَ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَلَا يَرْكَبُهَا أَوْ يَأْكُلُ غَلَّتَهَا) ش: اُنْظُرْ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَلَا يَرْكَبُهَا يَعْنِي إذَا تَصَدَّقَ بِحَائِطٍ فَلَا يَأْكُلُ ثَمَرَتَهُ وَإِذَا تَصَدَّقَ بِدَابَّةٍ فَلَا يَنْتَفِعُ بِرُكُوبِهَا وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِحَدِيثِ الْعَرَايَا وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) إنْ حُمِلَ الْجَوَازُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَاحُ فَهُوَ مُشْكِلٌ كَمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ لَا أَقَلَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْعَرَايَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ شِرَاءِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ مَا يَعُمُّ الْمَكْرُوهَ فَلَا إشْكَالَ وَكَانَ مُقَابِلُهُ أَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ بِالْمَنْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَتِهَا ظَاهِرُهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مُطْلَقًا وَفِي الرِّسَالَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ

لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَعُونَةِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ يَسِيرًا أَوْ يَرْكَبَ الْفَرَسَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ خَطَرُهُ وَقِيلَ مَعْنَى مَا فِي الرِّسَالَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا ثَمَنَ لَهُ وَقِيلَ مَحْمَلُ مَا فِي الرِّسَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ فِي صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ مُحَمَّدٌ.
وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ، قَالَهُ مَالِكٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَخْصِيصُهُ بِاللَّبَنِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ بِشَرْطِ الثَّوَابِ وَسَوَاءٌ عَيَّنَّ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ الَّذِي يُرِيدُ أَمْ لَا أَمَّا إذَا عَيَّنَّهُ فَقَالُوا إنَّهَا جَائِزَةٌ وَهِيَ حِينَئِذٍ مِنْ الْبُيُوعِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَمَا لَوْ قَالَ: أَهَبُهَا لَكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ شُرُوطَ الْبَيْعِ، انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَأَمَّا إنْ شَرَطَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ بِقِيمَتِهَا الْبَاجِيُّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ وَفِي شَرْطِهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ ذُكِرَا فِي فَصْلِ شَرْطِ الْعِوَضِ فِيهَا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا قَوْلَانِ ذُكِرَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ قَوْلَانِ يُذْكَرَانِ فَإِنَّ فَصْلَ الْعِوَضِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ كَلَامِهِ هَذَا وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي مَظَانِّهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا قَوْلَهُ فِي فَصْلِ شَرْطِ الْعِوَضِ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ وَفِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ: بِعْتُك السِّلْعَةَ بِمَا شِئْت ثُمَّ سَخَطَ مَا أَعْطَاهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ مُحَمَّدٌ.
مَعْنَاهُ إنْ فَاتَتْ فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ لَفْظَ الْبَيْعِ، انْتَهَى.
ص (وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ

إذَا عَيَّنَ الثَّوَابَ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ لِلْوَاهِبِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ، قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِتَعْيِينِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ شَاسٍ وَقَالَ بَعْدَهُ: هَذَا ضَرُورِيُّ كَتَبَ عَقْدَ الْخِيَارِ، انْتَهَى.
ص (فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ) ش: أَيْ: فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ رَأَى أَنَّهُ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ إلَّا بِشَرْطٍ وَثَوَابُهُ عَرْضٌ أَوْ طَعَامٌ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمِثْلُ الْمَسْكُوكِ السَّبَائِكُ وَالْحُلِيُّ وَالْمُكَسَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.

ص (وَهِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) ش: وَكَذَا الْأَبُ وَوَلَدُهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءُ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ، انْتَهَى.
فَمَسْأَلَةُ الزَّوْجَيْنِ وَالْأَقَارِبِ لَيْسَتْ كَمَسْأَلَةِ الْمَسْكُوكِ وَمَسْأَلَةِ السَّبَائِكِ وَالْحُلِيِّ فَإِنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِمَا وَلَوْ فُهِمَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ الثَّوَابِ حُكِمَ بِهِ فَهِيَ إنَّمَا تُخَالِفُ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ فِي كَوْنِهَا لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِالثَّوَابِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَهِبَةُ الْأَجَانِبِ يُحْكَمُ فِيهَا بِالثَّوَابِ إلَّا إذَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى عَدَمِ الثَّوَابِ.
ص (وَلِقَادِمٍ) ش: أَطْلَقَ فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يُهْدَى لَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مسالة هِبَةِ الطَّعَامِ لِلثَّوَابِ]

(مَسْأَلَةٌ) فِي حُكْمِ هِبَةِ الطَّعَامِ لِلثَّوَابِ، قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي آخِرِ فَصْلِ آدَابِ الْأَكْلِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يَهْدِيَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ أَوْ الْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا حَتَّى يَرُدَّهُ بِطَعَامٍ وَكَذَلِكَ الْمُهْدِي إنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْوِعَاءُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ بَيْنَهُمَا وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ غَيْرَ يَدٍ لِيَدٍ وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا وَيَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ (فَإِنْ قِيلَ) لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا وَقَدْ سُومِحَ فِيهَا (فَالْجَوَابُ) هُوَ مُسَلَّمٌ لَوْ مَشَوْا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْهَدَايَا الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ضِدَّ ذَلِكَ لِطَلَبِهِمْ الْعِوَضَ فَإِنَّ الدَّافِعَ يَتَشَوَّقُ لَهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَحْرِصُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ فَخَرَجَ بِالْمُشَاحَّةِ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا إلَى بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْأَبِيَّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ

الْوَاهِبَ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بِمَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ الْقِيمَةِ هَلْ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ أَوْ الْقَبْضِ بَلْ قَدْ يَتَبَادَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِقَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهَا، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

[فَرْعٌ أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَة الثَّوَاب أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ]

(فَرْعٌ) إذَا أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ اُنْظُرْ الْمَشَذَّالِيَّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيَّ قَبْلَ آخِرِهَا بِنَحْوِ الْخَمْسِ وَرَقَاتٍ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ: لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يُشْهِدُوا بَيْنَ النَّاسِ وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَنْ الْهَدَايَا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَا السُّلْطَانُ لَا يُكَافِئُ وَلَا يُكَافَأُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ هَذَا عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ مُكَافَأَةٍ وَلَا ضِيَافَةِ أَحَدٍ وَلَا شَهَادَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ الْمُذَهَّبِ فِيمَنْ اسْمُهُ سَعِيدٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيُّ أَبُو عُمَرَ وَقِيلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ تَفَقَّهَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مَأْمُونٌ تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ

[مَسْأَلَة لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ]

(مَسْأَلَةٌ) ذَكَرَ سَعْدٌ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ يُرِيدُ عَنْ هَدِيَّةٍ وَلَا شَهَادَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَهُ فِيمَنْ اسْمُهُ سَعِيدٌ سَهْوٌ فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتَيْطِيِّ الْمُتَقَدِّمَ وَكَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ وَكَلَامَ الْمَدَارِكِ أَنَّهُ سَعْدٌ بَلْ فِي آخِرِ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ سَعْدٌ حَيْثُ، قَالَ: مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ سَعْدٌ وَنَصُّ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَعْتَقَ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ وَخَالَفَ سَعْدٌ الْمَعَافِرِيُّ شَيْخَهُ، فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ لَاحِقًا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدَارِكِ فِي تَرْجَمَتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقِيلَ أَبُو عُثْمَانَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَهُوَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمِصْرِيِّينَ، وَقَالَ فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ، قَالَ سَعْدٌ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ يُرِيدُ عَنْ هَدِيَّةٍ وَلَا شَهَادَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَدَارِكِ إسْقَاطُ الْمَعَافِرِيِّ وَاسْتُفِيدَ مِنْ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ مَعَافِرِيٌّ وَالْمَعَافِرِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ نِسْبَةً إلَى الْمُعَافِر بْن يَعْفُرِ بْن مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ: يُنْسَبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ عَامَّتِهِمْ بِمِصْرَ، انْتَهَى.
وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ غَازِيٍّ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ الْقُدْوَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْقُورِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ ضِيَافَهْ ... وَلَا شَهَادَةٍ وَلَا مُكَافَهْ ذَكَرَ ذَا نَصًّا عَنْ الْمَدَارِكِ، عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْأَحْيَاءِ: حَدِيثُ «مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَتْنِ حَدِيثٌ

ص (وَإِنْ مَعِيبًا) ش: هُوَ مِنْ الْعَيْبِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ

وَعَكْسُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا، قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْهَا: وَإِذَا وَجَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ وَجَدَ الْوَاهِبُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَانْظُرْ الْمُنْتَقَى فِي الْكَلَامِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حُكْمَ مَا إذَا اطَّلَعَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ عَلَى عَيْبٍ هَلْ يَرُدُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ اللُّقْطَةِ]

ش: كَلَامُ الشَّارِحِ فِي ضَبْطِهَا فِيهِ خَلَلٌ وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ هَكَذَا ضَبَطَهَا الْأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ فَتْحَ الْقَافِ وَزَعَمَ أَنَّهَا بِالسُّكُونِ عَلَى الْأَصْلِ وَبَعْضُهُمْ رَوَاهَا بِالْوَجْهَيْنِ مِنْهُمْ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَقَالَ: الْفَتْحُ أَصَحُّ وَمِنْهُمْ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ: السُّكُونُ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِضَ لِلضَّيَاعِ) ش: الظَّاهِرُ أَنَّ ضَالَّةَ الْإِبِلِ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ وَهِيَ لَيْسَتْ لُقَطَةٌ وَكَذَلِكَ الْآبِقُ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَا يُسَمَّى لُقَطَةً وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ وَلِذَا حَدَّهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا بِأَرْضِ الْحَرْبِ وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ لَا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي السَّفِينَةِ وَهِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الشَّعْبَانِيّ وَالْأَظْهَرُ فِي السَّمَكَةِ إنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَنْ سَقَطَتْ إلَيْهِ نَجَتْ بِنَفْسِهَا لِقُوَّةِ حَرَكَتِهَا وَقُرْبِ مَحَلِّ سُقُوطِهَا فِي مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي زَاهِيهِ: وَإِلَّا فَهِيَ لِرَبِّ السَّفِينَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ حَدَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ فِيهِ وَلَيْسَ لُقَطَةً فَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ أَحْسَنُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَدُّ الِالْتِقَاطِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ أَخْذُ مَالٍ ضَائِعٍ لِيُعَرِّفَهُ سَنَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ يَتَمَلَّكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ إذَا ظَهَرَ الْمَالِكُ، انْتَهَى.
ص (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) ش: يُرِيدُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَصِحُّ لُقَطَتُهُ، قَالَ فِي لُقَطَتِهَا: وَمَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَيُخَيِّرُ صَاحِبَهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمُهَا لَهُ فَعَلَ وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ التَّافِهُ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا وَفِي كِتَابِ الضَّحَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُصَادُ حَمَامُ الْأَبْرِجَةِ وَمَنْ صَادَ مِنْهَا شَيْئًا رَدَّهُ أَوْ عَرَّفَ بِهِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَلَا يَأْكُلُهُ وَإِنْ دَخَلَ حَمَامُ بُرْجٍ لِرَجُلٍ فِي بُرْجٍ لِآخَرَ رَدَّهَا إلَى رَبِّهَا إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَلَا

شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ وَضَعَ أَجْبَاحًا فِي جَبَلٍ فَلَهُ مَا دَخَلَهَا مِنْ النَّحْلِ وَمَنْ صَادَ طَائِرًا فِي رِجْلَيْهِ سِبَاقَانِ أَوْ ظَبْيًا فِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ أَوْ فِي عُنُقِهِ قِلَادَةٌ عَرَّفَ بِذَلِكَ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ لَيْسَ بِهُرُوبِ انْقِطَاعٍ وَلَا تَوَحُّشٍ رَدَّهُ وَمَا وَجَدَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ وَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ هُرُوبَ انْقِطَاعٍ وَتَوَحُّشٍ فَالصَّيْدُ خَاصَّةً لِصَائِدِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ رَبُّهُ: نَدَّ مِنِّي مُنْذُ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ الصَّائِدُ: لَا أَدْرِي مَتَى نَدَّ مِنْك فَعَلَى رَبِّهِ الْبَيِّنَةُ وَالصَّائِدُ مُصَدَّقٌ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَ هُرُوبُهُ لَيْسَ بِهُرُوبِ انْقِطَاعٍ إلَى آخِرِهِ فَهَلْ يَجِبُ تَعْرِيفُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَاللُّقَطَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْبَيَانِ: مَا أَوَى إلَى بُرْجِ الرَّجُلِ مِنْ حَمَامِ بُرْجِ غَيْرِهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ أَوْ عَرِفَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ هَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا عَلِمَهُ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُعَرَّفُهُ كَاللُّقَطَةِ وَلَا يَأْكُلُهُ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَكَى فَضْلٌ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُنْصَبُ لِشَيْءٍ مِنْ حَمَامِ الْأَبْرِجَةِ وَلَا يُرْمَى وَمَنْ صَادَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُعَرِّفَهُ وَلَا يَأْكُلُهُ وَحُكْمُ أَفْرَاخِهَا إذَا عَرَفَ عُشَّهَا حُكْمُ مَا عَرَفَهُ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ فَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ رَدَّهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا حَكَاهُ عَنْ فَضْلٍ فَإِنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَهَذَا مَا تَيَسَّرَ جَمْعُهُ الْآنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَمَّا رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَيَجِبُ أَيْضًا رَدُّهَا عِنْدَنَا بِالْإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لِلْحَدِيثِ ثُمَّ فَسَرَّهُمَا بِقَوْلِهِ وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ فَالْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ فِي اللُّغَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بَلْ نَقَلَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ عَكْسَهُ، وَالْوِكَاءُ مَمْدُودٌ وَقِيلَ مَقْصُورٌ قِيلَ وَهُوَ غَلَطٌ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: نَحْوَ عِفَاصِهَا إلَى أَنَّ مَا لَا عِفَاصَ لَهُ وَلَا وِكَاءَ مِنْ اللُّقَطَةِ يُدْفَعُ بِالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِهِ الْخَاصَّةِ الْمُحَصِّلَةِ لِلظَّنِّ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخِيرُ لِأَصْبَغَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَكْتَفِي بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْتَأْنِي فِي الْوَاحِدَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ يَكْتَفِي بِبَعْضِ الصِّفَاتِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَسْتَأْنِي فِي الْوَاحِدَةِ وَالْأَصَحُّ لِأَشْهَبَ، قَالَ: إنْ عَرَفَ وَصْفَيْنِ وَلَمْ يَعْرِفْ الثَّالِثَ دُفِعَ لَهُ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: لَوْ وَصَفَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصِّفَةِ وَأَخْطَأَ الْعُشْرَ لَمْ يُعْطِهَا إلَّا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدًا فَيُصَابَ أَقَلُّ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اُغْتِيلَ فِيهِ، انْتَهَى.
وَهَذَا

أَيْضًا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا لَا غَلَطَ عَلَى الْأَظْهَرِ وَفِي الشَّامِلِ وَدُفِعَ لِمَنْ عَرَفَ وَصْفَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ وَقِيلَ إنْ أَخْطَأَ وَاحِدًا مِنْ عَشَرَةٍ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا فِي عَدَدٍ يُوجَدُ أَقَلُّ وَلَوْ عَرَفَ وَاحِدًا مِنْ عِفَاصٍ وَوِكَاءٍ فَثَالِثُهَا الْأَظْهَرُ لَا شَيْءَ لَهُ إنْ غَلِطَ فِي الْآخَرِ وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ فِي الْجَهْلِ وَلَوْ أَخْطَأَ فِي وَصْفِهِ ثُمَّ أَصَابَ لَمْ يُعْطِهِ وَلَا يَضُرُّهُ الْغَلَطُ فِي زِيَادَةِ الْعَدَدِ إنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَفِي نَقْصِهِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.

[مَسْأَلَة الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ تَدَّعِي أُمُّهُ أَنَّهُ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ]

(مَسْأَلَةٌ) ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: بَابٌ فِي الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ تَدَّعِي أُمُّهُ أَنَّهُ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ وَمِنْ كِتَابِ سَحْنُونٍ وَكَتَبَ شَجَرَةٌ إلَى سَحْنُونٍ فِي امْرَأَةٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ مَعَهُ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا مِنْ الطَّرِيقِ فِي غَيْرِ صُرَّةٍ فَرَفَعَتْهَا عَلَى أَيْدِي أُنَاسٍ فَأَتَى مَنْ ادَّعَاهَا وَوَصَفَ سِكَّةَ بَعْضِ الدَّنَانِيرِ وَلَمْ يَصِفْ الْبَعْضَ فَكَتَبَ إلَيْهِ الْأُمُّ مُقِرَّةٌ بِأَنَّ الصَّبِيَّ أَصَابَهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُقِرَّ عَلَى غَيْرِهَا فَأَرَى الدَّنَانِيرَ لِلصَّبِيِّ وَمَا كَانَ مِنْ لُقَطَةٍ مَعْرُوفَةٍ فَوَصَفَ الْمُدَّعِي لَهَا بَعْضًا وَلَمْ يَصِفْ بَعْضًا فَلَا شَيْءَ لَهُ

ص (وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْأَحْسَنِ) ش: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ إنْ خَافَ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَهَا خَائِنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ هُوَ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ سَوَاءٌ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ يَأْخُذَهَا خَائِنٌ أَوْ لَمْ يَخْشَ وَإِلَّا كُرِهَ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا خَائِنًا وَلَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ عَلَى الْأَحْسَنِ هَذَا حَلُّ كَلَامِهِ وَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْأَوَّلُ كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَلَا الْخِيَانَةَ وَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ نَفْسِهِ يُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ وَإِنَّمَا جَعَلَ وُجُوبَ الِالْتِقَاطِ إذَا تَحَقَّقَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ وَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
الثَّانِي نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْقِسْمِ الْمَكْرُوهِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الَّذِي فِيهِ الْأَحْسَنُ وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْخِيَانَةَ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَيَّدَ الْخِلَافَ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا اتِّفَاقًا وَكَذَا قَيَّدَ قِسْمَ الْوُجُوبِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ بِكَوْنِ الْإِمَامِ عَدْلًا لَا يُخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا عَلِمَ بِهَا بِتَعْرِيفِهِ إيَّاهَا، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، فَقَالَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَنَصُّ كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالِالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ وَفِي الْمَأْمُونِ الْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَالْوُجُوبُ إذَا خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ اللُّقَطَةِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ الْمُلْتَقِطِ وَجَعَلَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةً، أَوَّلُهَا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَكُونُ الْتِقَاطُهَا عَلَيْهِ حَرَامًا، وَثَانِيهَا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَا يَتَحَقَّقُ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَثَالِثُهَا أَنْ يَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَقُسِّمَ هَذَا إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ نَاسٍ لَا بَأْسَ بِهِمْ وَلَا يَخَافُ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ، وَالثَّانِي أَنْ يَخَافَهُمْ فَإِنْ خَافَهُمْ وَجَبَ الِالْتِقَاطُ وَحُكِيَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ، الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْخِلَافَ بِأَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ وَكَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ.
فَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ

فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا، انْتَهَى.
وَزَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَحَدِ الْخَوْفَيْنِ، انْتَهَى.
فَهَذَا الْأَخِيرُ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نَقْلِ قِسْمِ الْوُجُوبِ بَلْ نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَخْذُهَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مَأْمُونٍ إذَا أَنْشَدْت أَخْذَهَا، انْتَهَى.
الثَّالِثُ قَوْلُهُ عَلَى الْأَحْسَنِ فِيهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الشَّامِلِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَمَا قَيَّدَهَا بِهِ وَهُوَ أَيْضًا أَعْنِي هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةِ الْحَاجِّ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْهَا مَخَافَةُ أَنْ لَا يَجِدَهَا رَبُّهَا لِتَفَرُّقِ الْحَاجِّ فِي بُلْدَانِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ فَتَبْقَى فِي ضَمَانِهِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَلْتَقِطَ لُقَطَةَ الْحَاجِّ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِي سِوَاهَا، انْتَهَى.
وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الِالْتِقَاطُ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلثَّلَاثَةِ الْأَقْوَالِ وَهِيَ إنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ قِسْمِ الْوُجُوبِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَإِلَّا كُرِهَ إلَّا أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا أَقْوَى فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: وَالْأَظْهَرُ إنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِفْظِ أَنْ يَجِبَ الِالْتِقَاطُ وَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ بِخِيَانَةِ نَفْسِهِ مَانِعًا وَأَحْرَى خَوْفُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخِيَانَةِ وَالْحِفْظُ لِلْمَالِ الْمَعْصُومِ وَقُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَقَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالْحِفْظِ وَحْدَهُ وَمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ الْحِفْظُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ هَذَا فَالْأَظْهَرُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَوْ الْوُجُوبُ لَوْ قِيلَ بِهِ لِوُجُوبِ إعَانَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعَانَةِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ حَسَنٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كُلُّ فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ لَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ كَإِنْقَاذِهِ الْغَرِيقَ أَوْ إزَاحَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ فَهُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَمَا تَتَكَرَّرَ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَهُوَ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الدِّيوَانِ فَعَلَى هَذَا يَتَّجِهُ الْأَخْذُ وَوُجُوبُهُ عِنْدَ تَعَيُّنِ هَلَاكِ الْمَالِ وَعِنْدَ تَعَيُّنِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْأُمَنَاءِ يَكُونُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا خَافُوا غَيْرَهُمْ عَلَى اللُّقَطَةِ وَمَنْدُوبًا فِي حَقِّ هَذَا الْمُعَيَّنِ بِخُصُوصِهِ كَمَا (قُلْتُ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَغَيْرِهَا أَصْلُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَفِعْلُ هَذَا الْمُصَلِّي الْمَخْصُوصِ يُنْدَبُ ابْتِدَاءً فَإِذَا شَرَعَ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ

ص (وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً إلَخْ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) يَجِبُ التَّعْرِيفُ عَقِبَ الِالْتِقَاطِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً عَقِيبَهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، أَيْ: عَقِبَ الِالْتِقَاطِ وَظَاهِرُهُ لَوْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ يَضْمَنُ وَفِي اللَّخْمِيِّ إنْ أَمْسَكَهَا سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ بِالسَّنَةِ اهـ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ عَقِيبَهُ رَاجِعٌ إلَى الِالْتِقَاطِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ وَلَا يُؤَخِّرُ التَّعْرِيفَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إلَى إيَاسِ رَبِّهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ إلَى طَلَبِهَا فَإِنْ تَرَكَ تَعْرِيفَهَا حَتَّى طَالَ ضَمِنَهَا كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ نَقَلْت كَلَامَهُ عَلَى مَا فَهِمْت، انْتَهَى.
وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ (فَرْعٌ) وَإِذَا أَمْسَكَ

الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ سَنَةً وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ثُمَّ عَرَّفَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَتْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى ضَمِنَهَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ صَاحِبَهَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَغَابَ بِقُرْبِ ضَيَاعِهَا وَلَمْ يُقَدَّمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ لَا تَافِهًا مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعْرِيفُهُ لَا يُقَيِّدُ السَّنَةَ وَيَعْنِي أَنَّ التَّافِهَ لَا يُعَرَّفُ، وَلَمْ يَقُلْ: لَهُ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ لَا تُنَافِي سُقُوطَ الضَّمَانِ كَالْكَثِيرِ بَعْدَ السَّنَةِ بِخِلَافِ عَدَمِ التَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِلضَّمَانِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (الثَّالِثُ) جَزَمَ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ الْكَثِيرَ وَمَا دُونَهُ مِنْ فَوْقِ التَّافِهِ يُعَرَّفُ لِسَنَةٍ أَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا مَا دُونَ الْكَثِيرِ وَفَوْقَ التَّافِهِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَدَلْوٍ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، تَعْرِيفُ سَنَةٍ وَتَعْرِيفُ أَيَّامًا مَظِنَّةَ طَلَبِهِ وَرُجِّحَ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ مِنْ نَحْوِ مُخِلَّاتٍ وَدَلْوٍ فَقِيلَ يُعَرَّفُ أَيَّامًا مَظِنَّةَ طَلَبِهِ وَقِيلَ: سَنَةٌ كَالْكَثِيرِ قَوْلُهُ فَوْقَهُ، أَيْ: فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ مِمَّا يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ إلَّا أَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِي حَدِّهِ فَقِيلَ: سَنَةٌ كَاَلَّذِي لَهُ بَالٌ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَوْلَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّة فِي مِثْلِ الدُّرَيْهِمَاتِ وَالدَّنَانِيرِ أَنَّهُ يُعَرِّفُ ذَلِكَ أَيَّامًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَأَوَّلَ الْمُدَوَّنَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ، انْتَهَى.
فَتَرَكَ الْمُؤَلِّفُ الْقَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
ص (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) ش، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتُعَرَّفُ اللُّقَطَةُ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ رَبَّهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرَهُ، انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَسَأَلْته يَعْنِي مَالِكًا عَنْ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَقَالَ: لَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنْ تُعَرَّفُ اللُّقَطَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَأَحَبُّ إلَيَّ الْخَوْفَيْنِ أَنْ لَا تُعَرَّفَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَوْ مَشَى هَذَا إلَى الْخَلْقِ فِي الْمَسَاجِدِ يُخْبِرُهُمْ بِاَلَّذِي وَجَدَ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْرِيفَ يَكُونُ فِيهَا وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: فِي بَابِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَلِلْحَدِيثِ، انْتَهَى.
وَفِي التَّمْهِيدِ التَّعْرِيفُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا عَلِمْت لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الْعَامَّةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ) ش: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ ضَاعَتْ إذَا دَفَعَهَا إلَى مِثْلِهِ فِي الْأَمَانَةِ، انْتَهَى.
قَالَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهِيَ أَمَانَةٌ (تَنْبِيهٌ) وَيُخَيَّرُ فِي دَفْعِهَا إلَى الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ

ص (وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ وَنَصُّهُ:

وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَقَالَ: تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ إذْ فِي الْأَمَاكِنِ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَتْ وُجِدَتْ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا تُدْفَعَ إلَى أَحْبَارِهِمْ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا اسْتِحْسَانًا لِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَنَّهَا لَهُمْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ فَإِذَا دُفِعَتْ إلَيْهِمْ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمُوهَا لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ أَنْ تُدْفَعَ ابْتِدَاءً إلَى أَحْبَارِهِمْ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهَا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ مَعَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مِنْ دِينِنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ لُقَطَةِ أَهْلِ مِلَّتِنَا مَصْرُوفًا إلَيْنَا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تُدْفَعَ إلَى أَحْبَارِهِمْ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً أَبَدًا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقِ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ التَّصَدُّقِ) ش، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: وَلِأَنَّا نُجَوِّزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ عَنْ رَبِّهَا ثُمَّ إنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَ جَازَ، انْتَهَى.
فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّصَدُّقِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَأَمَّا تَصَدُّقُهُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي تَمَلُّكِهِ إيَّاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ التَّافِهُ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، انْتَهَى.

ص (أَوْ التَّمَلُّكِ وَلَوْ بِمَكَّةَ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ قَوِيَّةٌ إذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي تَمَلُّكِ اللُّقَطَةِ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةِ مَكَّةَ فَأَمَّا مَكَّةُ فَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِنْفَاقُهَا بِإِجْمَاعٍ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا أَبَدًا وَإِنْ طَالَ زَمَانُهَا، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْإِكْمَالِ عَنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَ اللُّقَطَةِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ حُكْمٌ وَاحِدٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، انْتَهَى.
مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ (تَنْبِيهٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَفِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْتِقَاطَ اللُّقَطَةِ وَتَمَلُّكَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَلَا إذْنِ سُلْطَانٍ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِيهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
وَفِي التَّمْهِيدِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَأْكُلَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَيَضْمَنَهَا، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: (قُلْتُ) لِمَالِكٍ، قَالَ: إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَنْفَقَهَا وَإِنْ شَاءَ صَاحِبَهَا أَدَّاهَا إلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَأْكُلُ اللُّقَطَةَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ بَعْدَ حَوْلٍ وَهَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلِهِ، انْتَهَى.

[مَسْأَلَةٌ وَجَدَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ أَنْفَقَهَا فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ اللُّقَطَةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللُّقَطَةِ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فَيُعَرِّفُهَا سَنَةً فَلَا يَجِدُ صَاحِبَهَا فَيَسْتَنْفِقُهَا ثُمَّ يَحْضُرُهُ الْوَفَاةُ فَيُوصِي بِهَا وَيَتْرُكُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَلَا وَفَاءَ لَهُ كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَاصَّ الْغُرَمَاءُ بِهَا أَهْلَ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُهَا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمِدْيَانِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ جَائِزٌ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ كَانَ إقْرَارُهُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ عِنْدَ الصِّحَّةِ مِنْ الْمَرَضِ فِي رَهْنِهِ وَقَضَاءِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل