مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 91-130
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الزوجين للآخر

صفحات 91-130
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

جُلُّ النَّاسِ، وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: الْأَكْثَرُ جُلُّ الْعُلَمَاءِ خَارِجُ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْهَدْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ النِّسَاءُ وَجَبَ الْهَدْيُ مَعَ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي فَصْلِ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ إلَى الْمُحَرَّمِ فَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ أَوْ هَدْيَانِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: يُخْتَلَفُ فِيهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ يُهْدِي هَدْيَيْنِ فِي عُمْرَتِهِ هَدْيًا لِلْوَطْءِ، وَهَدْيًا لِلتَّفْرِقَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى فِي ذَلِكَ هَدْيًا، وَالْأَوَّلُ: أَقِيسُ؛ لِأَنَّهُمَا هَدْيَانِ وَجَبَا بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْوَقْتُ فَيَجِبُ إيقَاعُ أَرْكَانِ الْحَجِّ فِي أَشْهَرِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ شَيْئًا عَنْ زَمَانِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَبْرُ لِخَلَلِ مَا تَرَكَ، وَالْجَبْرُ فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ الدَّمُ، وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ السَّعْيِ وَالطَّوَافِ، فَكَانَ خَفِيفًا كَتَرْكِ الْهَرْوَلَةِ وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعُمْرَةِ، وَالدَّمُ يَفِي بِذَلِكَ كُلِّهِ انْتَهَى.
أَمَّا إذَا لَمْ يُصِبْ النِّسَاءَ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَجِّهِ يُرِيدُ قَبْلَ دُخُولِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَسَادٌ يَعْنِي لِلْوَطْءِ، هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْهَدْيُ، وَيُخْتَلَفُ فِيهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِمَالِكٍ: مَنْ جَهِلَ فَلَمْ يَسْعَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَلْيَرْجِعْ مَتَى مَا ذَكَرَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَحْسَنُ فِيهِ أَنْ يُرَاعِيَ الْوَقْتَ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ خُرُوجِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ خَفِيفٌ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَاَلَّذِي قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ الْحَقِّ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْمُحَرَّمُ، وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ (الْخَامِسُ:) قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ قَوْلُهُ: وَاعْتَمَرَ يَعْنِي إذَا رَجَعَ حَلَالًا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْوَسَطِ وَالصَّغِيرِ أَيْ: إذَا رَجَعَ مَكَّةَ فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِعُمْرَةٍ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بَلْ هُوَ فِي نَفْسِهِ مُتَنَاقِضٌ فَتَأَمَّلْهُ (السَّادِسُ:) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ إلَخْ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَحُكْمُ الْقَارِنِ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةَ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ) ش: هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الْحَجُّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ وَإِضَافَةُ الْحُضُورِ لِجُزْءِ عَرَفَةَ عَلَى مَعْنَى فِي وَسَاعَةَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَهِيَ مُضَافَةٌ لِلَيْلَةِ النَّحْرِ عَلَى مَعْنَى اللَّامِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: جُزْءِ عَرَفَةَ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ اسْتَنَدَ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ، وَحَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، ثُمَّ قَالَ: فَفِيهَا عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ، وَلَكِنْ مَعَ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ إذَا وَقَفَ مَعَ النَّاسِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ فَوَقَفَ دُونَهُمْ أَجْزَأَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ إذَا ارْتَفَعَ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ثُمَّ قَالَ فِيهَا أَيْضًا: قَالَ أَشْهَبُ: وَأَحَبُّ مَوْقِفِ عَرَفَةَ إلَيَّ مَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا قَرُبَ مِنْهَا إلَى مَوْضِعِ وُقُوفِ النَّاسِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنْ عَرَفَةَ عَلَى أَصْلِهَا، وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ بِمَعْنَى الَّذِي فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِنَادَ إلَى الْهِضَبِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ، وَحَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ، كَذَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ بِالْوَاوِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَلَفْظُهُ: إذَا انْقَضَتْ الصَّلَاةُ فَخُذْ

فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَامْضِ إلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَاسْتَنِدْ إلَى الْهِضَابِ مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أُفَضِّلُ ذَلِكَ، وَحَيْثُ مَا وَقَفْتَ مِنْ عَرَفَةَ أَجْزَأَك انْتَهَى.
وَكَانَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقِفُ هُنَاكَ، وَأَمَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَقِفُ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ آخِرِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَتَحَصَّلَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ النَّوَادِرِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ إذَا وَقَفَ حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ، وَأَنَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى جَبَلِ عَرَفَةَ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْ مَحَلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَنَحْوُهُ مَا حَكَاهُ أَشْهَبُ هَذَا الَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ، وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ وَالِاخْتِيَارُ الْوُقُوفُ مَعَ النَّاسِ وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ مُتَدَافِعٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ أَيْ: مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُوَافِقًا لِمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَيَزُولُ عَنْهُ التَّدَافُعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ مُعَلَّى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَحَبُّوا الْوُقُوفَ حَيْثُ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَهَذَا الْمَوْقِفُ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَفْرُوشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي تَوَسَّطَ أَرْضَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ هُنَاكَ عَلَى مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ نَصَّ حُذَّاقُ الْمَذْهَبِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوُقُوفِ فَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
، وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْوُقُوفَ بِمَوْضِعِ وُقُوفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحٍ قَوْلُهُ: حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقُصْوَى إلَى الصَّخَرَاتِ وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ، فِيهِ إنَّ السُّنَّةَ الْوُقُوفُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَاسْتَحَبُّوا هَذَا الْمَوْضِعَ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ تَعْرِيفٌ بِتَوْسِعَةِ الْأَمْرِ عَلَى أُمَّتِهِ وَبَيَانٌ لَهُمْ وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ الْوُقُوفَ بِمَوْضِعِ وُقُوفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى مَا قَالَهُ فِي الْإِكْمَالِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مُعَلَّى هُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ خِلَافُهُ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَأَفْضَلُ الْمَوَاقِفِ فِي قَوْلِ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَفْرُوشَةِ فِي طُرُقِ الرَّوَابِي الصِّغَارِ الَّتِي عِنْدَ ذَيْلِ الْجَبَلِ الَّذِي بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْمُسَمَّى بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ لَيْسَ لِمَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ وَيَقِفُ مَعَ عَامَّةِ النَّاسِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي فَضْلَ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ الْقُرْبِ مِنْ مَحِلِّ وُقُوفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَرُّكًا بِهِ فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ مَكْرُوهٌ، وَمِثْلُهُ الْبَعْدُ عَنْ مَحِلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي مَحَلِّ وُقُوفِ النَّاسِ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْهِضَابِ حَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ، وَالْهِضَابُ بِكَسْرِ الْهَاءِ جَمْعُ هَضْبَةٍ عَلَى وَزْنٍ تَمْرَةٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْهَضْبَةُ الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ جَبَلٌ خُلِقَ مِنْ صَخْرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ الْجَبَلُ الطَّوِيلُ الْمُمْتَنِعُ الْمُنْفَرِدُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي حِجْرِ الْجَبَلِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصَّخَرَاتِ الْمَفْرُوشَةِ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَيُقَالُ: لِجَبَلِ الرَّحْمَةِ إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ وَالِدِي - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - فِي تَعْيِينِ مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، فَقَالَ: إنَّهُ الْفَجْوَةُ الْمُسْتَعْلِيَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الْمَوْقِفِ، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْمَوْقِفِ صَاعِدَةٌ فِي الرَّابِيَةِ، وَهِيَ الَّتِي عَنْ يَمِينِهَا وَوَرَاءَهَا صَخْرٌ نَاتِئٌ مُتَّصِلٌ بِصَخْرِ الْجَبَلِ الْمُسَمَّى بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهَذِهِ الْفَجْوَةُ بَيْنَ الْجَبَلِ الْمَذْكُورِ وَالْبِنَاءِ الْمُرَبَّعِ عَنْ يَسَارِهِ، وَهِيَ إلَى الْجَبَلِ أَقْرَبُ بِقَلِيلٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَبَلُ قُبَالَةَ الْوَاقِفِ بِيَمِينٍ إذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَيَكُونُ طَرَفُ الْجَبَلِ قُبَالَةَ وَجْهِهِ، وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ عَنْ يَسَارِهِ بِقَلِيلٍ وَرَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ مُحَدِّثِي مَكَّةَ وَعُلَمَائِهَا حَتَّى حَصَلَ الظَّنُّ بِتَعْيِينِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ أَيْ: يَسَارِ الْجَبَلِ، وَقَوْلُهُ: بِيَمِينٍ أَيْ: فِي جِهَةِ يَمِينِ الْوَاقِفِ، وَقَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ بِقَلِيلٍ وَرَاءَ أَيْ: عَنْ يَسَارِهِ إلَى جِهَةِ وَرَاءَ، وَالْبِنَاءُ الْمُرَبَّعُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: بَيْتُ آدَمَ قَالَ الْفَاسِيُّ، وَكَانَ سِقَايَةً لِلْحَاجِّ أَمَرَتْ بِعَمَلِهَا وَالِدَةُ الْمُقْتَدِرِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَقِفُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنَّمَا يَقِفُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْجَبَلِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَرَاهُمْ النَّاسُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) نَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَدَّ عَرَفَةَ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى بَطْنِ عُرَنَةَ بِالنُّونِ إلَى جِبَالِ عَرَفَةَ إلَى وَصِيقٍ إلَى مُلْتَقَى وَصِيقٍ وَوَادِي عَرَفَةَ بِالْفَاءِ وَوَصِيقٍ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ: وَعَرَفَةُ كُلُّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْقِفِ فِيمَا بَيْنَ التَّلْعَةِ إلَى أَنْ تَقْضِيَ إلَى طَرِيقِ نَعْمَانَ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ كَبْكَبٍ مِنْ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ شَعْبَانَ، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الزَّاهِي، وَيَقِفُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَشِمَالِهِ وَأَمَامِهِ وَخَلْفِهِ وَعَرَفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ وَعُرَنَةُ كُلُّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْقِفِ فِيمَا بَيْنَ التَّلْعَةِ الَّتِي تُفْضِي إلَى طَرِيقِ نَعْمَانَ، وَاَلَّتِي تُفْضِي إلَى طَرِيقِ حِضْنٍ، مَا أَقْبَلَ مِنْ كَبْكَبٍ مِنْ عَرَفَاتٍ انْتَهَى.
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ كَلَامًا طَوِيلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَبَلَ الرَّحْمَةِ فِي وَسَطِ عَرَفَةَ، وَالنَّاسُ يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ فِي قِطْعَةٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَةَ، وَهِيَ مُتَّسِعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَات، وَالْمُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حُدُودِهَا مَا يَلِي الْحَرَمَ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَلِئَلَّا يُجَاوِزَهُ الْحَاجُّ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَقَدْ صَارَ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا بِالْأَعْلَامِ الَّتِي بُنِيَتْ، وَكَانَتْ ثَلَاثَةً فَسَقَطَ مِنْهَا وَاحِدٌ، وَبَقِيَ اثْنَانِ مَكْتُوبٌ فِي أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِحَاجِّ بَيْتِ اللَّهِ أَنْ يُجَاوِزَ هَذِهِ الْأَعْلَامَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ اُشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ تَرْجِيحُ الْوُقُوفِ عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَيَخْتَلِفُونَ بِذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُقُوفِ، وَيُوقِدُونَ الشَّمْعَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَيَهْتَمُّونَ بِاسْتِصْحَابِهَا مِنْ بِلَادِهِمْ، وَيَخْتَلِطُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ فِي الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ، وَذَلِكَ خَطَأٌ وَجَهَالَةٌ، وَابْتِدَاعٌ قَبِيحٌ حَدَثَ بَعْدَ انْقِرَاضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ نَسْأَلُ اللَّهَ إزَالَتَهُ وَسَائِرَ الْبِدَعِ، وَشَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ فَاسْتَحَبَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ جَبَلَ الدُّعَاءِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَصْلٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقُرْبَى اسْتِحْبَابَ طُلُوعِهِ، وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْحُضُورِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُقُوفِ الْكَوْنُ بِعَرَفَةَ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ ذَلِكَ بِقِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ مَا عَدَا الْمُرُورَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ سَنَدٌ، وَلَا يَشْتَرِطُ أَحَدٌ فِي الْوُقُوفِ قِيَامًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَوْنُ بِعَرَفَةَ فَكَيْفَ مَا كَانَ أَجْزَأَهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ جَالِسًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، وَكَيْفَ مَا تَصَوَّرَ، وَقَالَ بَعْدَهُ: الْوَاجِبُ مِنْ الْوُقُوفِ الْكَوْنُ بِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ قَائِمًا إنْ كَانَ مَاشِيًا أَوْ يَرْكَبَ نَاقَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الْوَقُورِ حَقِيقَتَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَرَفَةَ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا وَاقِفًا أَوْ جَالِسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مَا عَدَا الْمُرُورَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ الْوُقُوفَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ

الْأَحْوَالِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَالرُّكُوبُ لَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّ الْأَكْثَرِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُرَادُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الطُّمَأْنِينَةُ، وَلَوْ جَالِسًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُقُوفِ الْقِيَامَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فَالرَّاكِبُ بِغَيْرِهِ يُسَمَّى وَاقِفًا بَلْ الْمُرَادُ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَرَفَةَ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا وَاقِفًا أَوْ جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا مَا عَدَا الْمُرُورَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ أَشَارَ بِهِ إلَى الْخِلَافِ فِي إجْزَاءِ الْمُرُورِ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ فَذَكَرَ أَنَّهُ يُجْزِئُ إذَا نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ، وَيُرِيدُ إذَا عَرَّفَهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَعْدَ هَذَا إلَّا لِجَاهِلٍ، مَا ذَكَرَهُ مِنْ إجْزَاءِ الْمُرُورِ إذَا نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلِابْنِ مُحْرِزٍ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ أَنَّهُ شَهَرَ إجْزَاءَ الْمُرُورِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَلَمْ يَنْوِ الْوُقُوفَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ مُرُورُهُ إذَا عَرَفَهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْوُقُوفَ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الْمُرُورَ إذَا عَرَفَهَا وَنَوَى الْوُقُوفَ، وَذَكَرَ اللَّهَ، وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ عَرَفَةَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْمُرُورَ يُجْزِئُ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ

(الثَّانِي:) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، وَلَمْ يَقِفْ لَيْلًا لَمْ يُجْزِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ: وَهِيَ قَوْلُهُ: عِنْدَنَا فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ لَيْلًا يُجْزِيهِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّ زَمَنَ الْوُجُوبِ مُوَسَّعٌ، وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ، فَالْجُمْهُورُ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: مِنْ الْغُرُوبِ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِنَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَاسْتَقْرَأَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ مَسَائِلَ، وَلَيْسَ اسْتِقْرَاؤُهُ بِالْبَيِّنِ فَلِذَلِكَ لَمْ نَنْقُلْهُ هُنَا نِعْمَ الْحَقُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْهَا، وَبِمَا هُوَ مِنْهَا مَعْمُولٌ بِهِ، وَجَرَى بِهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَفَتَاوِيهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ بِالنَّاسِ الْإِمَامُ الْمَالِكِيُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ الْمَالِكِيِّ يُفْسِدُ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ حَجَّهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِرُ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكِيًّا لَمْ يَنْفِرْ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ (قُلْت:) هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى طَلَبِ الْوُقُوفِ فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ (الثَّالِثُ:) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حُكْمَ الْوُقُوفِ نَهَارًا، وَهُوَ وَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَمَحِلُّهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ، وَلَوْ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ ذَكَرَ فَرَجَعَ وَوَقَفَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ قَالَ سَنَدٌ: وَمَنْ دَفَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَدْفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ (الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَوْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مَغْلُوبًا فَهَلْ يُجْزِيهِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ: نَفْيُ الْإِجْزَاءِ أَصْلُ الْمَذْهَبِ، وَثُبُوتُهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيّ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَالْقَوْلُ بِالْإِجْزَاءِ لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ فِي أَهْلِ الْمَوْسِمِ يَنْزِلُ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ سَنَةَ الْغُلُوِّ مِنْ هُرُوبِهِمْ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يُتِمُّوا الْوُقُوفَ أَنَّهُ يُجْزِيهِمْ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ سَنَدٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِنِيَّتِهِ الِانْصِرَافُ قَبْلَ الْغُرُوبِ (قُلْت:) فَعَلَى هَذَا مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْمَحِلِّ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّاسُ لِأَجْلِ الزَّحْمَةِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلسِّعَةِ وَيَقِفَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا قَالَ فِي الزَّاهِي: فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ

دَفَعَ الْإِمَامُ، وَدَفَعَ النَّاسُ فَلْيَتَّقِ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا فَلْيَمْشِ الْعَنَقَ، فَإِنْ وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ وَالنَّصُّ فَوْقُ الْعَنَقِ انْتَهَى.

ص (أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكَانَ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحَجِّ فَوَقَفَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ سَنَدٌ: لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ، وَقَدْ دَخَلَ فِي نِيَّةِ الْإِحْرَامِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: قَبْلَ الزَّوَالِ عَلَى أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَوْ كَانَ بَعْد الزَّوَال أَجْزَأَهُ مِنْ بَاب الْأَوْلَى، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقِف بِهِ أَصْحَابُهُ جُزْءًا مِنْ اللَّيْل، وَلَوْ دَفَعُوا بِهِ قَبْلَ الْغُرُوب لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ:، وَهُوَ ظَاهِر، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَجُزْأَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ، وَلَوْ اتَّصَلَ حَتَّى دَفَعَ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ ثَانِيَةً إنْ أَفَاقَ فِي بَقِيَّةِ لَيْلَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ حَصَلَ الْإِغْمَاءُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فِي الْوُقُوفِ يَعْنِي بَعْدَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ، أَمَّا إنْ وَقَفَ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْد الزَّوَالِ وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلِأَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ فِي الطِّرَازِ لِمَنْ ذُكِرَ وَلِابْنِ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إجْزَاءِ مَنْ وَقَفَ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ ثَالِثهَا: إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَهُمَا لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ عَنْ رِوَايَةِ الْأَخَوَيْنِ وَابْنِ شَعْبَانَ مَعَ أَشْهَبَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ (فَرْعٌ) : إذَا قُلْنَا: يُجْزِئُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْوُقُوفُ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَنَقَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا دَم عَلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم

[فَرْعٌ قَدِمَ عَرَفَاتٍ وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَحْمَلِهِ وَأَقَامَ فِي نَوْمِهِ حَتَّى دَفَعَ النَّاسُ وَهُوَ مَعَهُمْ]

(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ، وَلَوْ قَدِمَ عَرَفَاتٍ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَحْمَلِهِ وَأَقَامَ فِي نَوْمِهِ حَتَّى دَفَعَ النَّاسُ، وَهُوَ مَعَهُمْ أَجْزَأَهُ وُقُوفُهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ.

[فَرْعٌ شَرِبَ مُسْكِرًا حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ اخْتِيَارًا وَفَاته الْوُقُوف بعرفة]

(فَرْعٌ) : مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا حَتَّى غَابَ عَقْلُهُ اخْتِيَارًا أَوْ بِشَيْءٍ أَكَلَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ أَوْ أَطْعَمَهُ أَحَدٌ مَا أَسْكَرَهُ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارٌ فَهُوَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ كَالْجَاهِلِ بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ أَخْطَأَ الْحَجَّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْمَوْسِمِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَجِّ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، فَإِنَّ وُقُوفَهُمْ يُجْزِئُهُمْ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: فَقَطْ مِمَّا إذَا أَخْطَئُوا وَوَقَفُوا فِي الثَّامِنِ، فَإِنَّ وُقُوفَهُمْ لَا يُجْزِئُهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُجْزِيهِمْ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ فِي الصُّورَتَيْنِ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى التَّفْرِقَةِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا يَوْمَ النَّحْرِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمْ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ دُونَ اجْتِهَادٍ بِخِلَافِ الَّذِينَ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِمْ وَقَبُولِهِمْ شَهَادَةَ مِنْ لَا يُوثَقُ بِهِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ وَذَهَبَ ابْنُ الْكَاتِبِ إلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مُتَّفِقٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي الْعَاشِرِ (الثَّانِي:) عَزَا ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ نَقَلَ عَنْهُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ إذَا وَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ، فَإِذَا لَمْ يُجْزِهِمْ إذَا أَخَّرُوهُ فَأَحْرَى إذَا قَدَّمُوهُ، وَلَمْ يَعْزُ الْقَوْلَ بِالْإِجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ إلَّا لِأَحَدِ قَوْلِي الشَّافِعِيِّ وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّالِثَ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَزَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْإِجْزَاءَ فِي الثَّامِنِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ (قُلْت:) وَعَلَيْهِ فَيُجْزِي فِي الْعَاشِرِ مِنْ بَابِ أَحْرَى، وَيَكُونُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ بَلْ ثَلَاثَةٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْعَاشِرِ دُونَ الثَّامِنِ وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِسَمَاعِ أَصْبَغَ

وَإِنَّمَا هِيَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى بَلْ لَيْسَ لَأَصْبَغَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ سَمَاعٌ (الثَّالِثُ:) إذَا قُلْنَا: بِالْإِجْزَاءِ فِي الْعَاشِرِ، فَقَالَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى يَمْضُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ وَيَنْحَرُونَ مِنْ الْغَدِ، وَيَتَأَخَّرُ عَمَلُ الْحَجِّ كُلُّهُ الْبَاقِي عَلَيْهِمْ يَوْمًا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا الْوُقُوفَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَلَا أَرَى أَنْ يُنْقِصُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَكُونُ حَالُهُمْ فِي شَأْنِهِمْ كُلِّهِ كَحَالِ مَنْ لَمْ يُخْطِئْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ وُقُوفُهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ مَضَوْا عَلَى عَمَلِهِمْ وَيَتَأَخَّرُ عَمَلُ الْحَجِّ كُلُّهُ الْبَاقِي عَلَيْهِمْ يَوْمًا انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ أَنَّهُمْ يَمْضُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ الْعَاشِرُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ قَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ الْعَاشِرُ قَبْلَ أَنْ يَقِفُوا لَمْ يَقِفُوا، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ لَيْلَةِ الْعَاشِرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ إنَّهُ يُمْكِنُهُمْ الذَّهَابُ إلَى عَرَفَةَ وَالْوُقُوفُ بِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ لَيْلَةِ الْعَاشِرِ فَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) الْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ حَتَّى فَاتَ الْوُقُوفُ قَالَ فِي الْبَيَانِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ وُقُوفَهُمْ لَا يُجْزِئُهُمْ إذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوُقُوفُ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ:) احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: أَخْطَأَ الْجَمُّ مِمَّا إذَا أَخْطَأَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ فَلَمْ يَأْتُوهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ وَقَفَ النَّاسُ، فَإِنَّ الْحَجَّ فَاتَهُمْ وَيَتَحَلَّلُونَ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ

(السَّادِسُ:) قَالَ سَنَدٌ: إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمْ لَزِمَهُمْ الْوُقُوفُ لِرُؤْيَتِهِمْ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّوْمِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لَا يُجْزِئُهُ، وَيَقِفُ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ الْعَاشِرِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِلَفْظٍ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقِفَ مَعَ النَّاسِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى رُؤْيَتِهِ وَمَعَ النَّاسِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَمَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحَجَّةِ وَحْدَهُ وَقَفَ وَحْدَهُ كَأَنْ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ، وَفِي الصَّوْمِ سَوَاءٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يَقِفُ لِرُؤْيَتِهِ وَيُعِيدُ الْوُقُوفَ مِنْ الْغَدِ مَعَ النَّاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ: وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحَجَّةِ وَحْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ وَحْدَهُ دُونَ النَّاسِ وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ حَجِّهِ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ: وَلَعَلَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ أَبُو عِمْرَانَ لَكِنَّهُ زَادَ ثُمَّ يُعِيدُ الْوُقُوفَ مَعَ النَّاسِ قِيلَ لَهُ، فَإِنْ خَافَ مِنْ الِانْفِرَادِ؟ قَالَ: هَذَا لَا يَكَادُ يَنْزِلُ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا عَبْدُ الْحَقِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَكُونُ كَالْمُحْصَرِ بَعْدُ وَيَحِلُّ ثُمَّ يُنْشِئُ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَعَ النَّاسِ وَيَحُجُّ مَعَهُمْ عَلَى رُؤْيَتِهِمْ احْتِيَاطًا وَاسْتِحْسَانًا انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمَا: أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا عَلَى رُؤْيَتِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (لَا الْجَاهِلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ جَاهِلًا بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا لِعَدَمِ اسْتِشْعَارِ الْقُرْبَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ عَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِمُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ عَزَاهُ لَهُ غَيْرُهُ وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَشْهَرُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِالنِّيَّةِ لَيْسَ شَرْطًا (قُلْت:) لَمْ يُصَرِّحْ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ حَكَى عَنْ مَالِكٍ الْإِجْزَاءَ: وَهُوَ أَبْيَنُ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْمُغْمَى

عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَنَّ الْجَاهِلَ مَعَهُ ضَرْبٌ مِنْ التَّفْرِيطِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مَعْذُورٌ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ النَّائِمَ يُجْزِئُهُ وَجَعَلَ النَّوْمَ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَبَطْنِ عُرَنَةَ) ش: عُرَنَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَة وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبَعْدَ الرَّاءِ نُونٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيهَا ضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِهِ: وَعُرَنَةُ الَّتِي يَجْتَنِبُ الْحَاجُّ الْوُقُوفَ فِيهِ هِيَ وَادٍ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا عَلَى حَدِّ عَرَفَةَ وَالْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا عَلَى حَدِّ الْحَرَمِ فَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَةَ، وَلَا مِنْ الْحَرَمِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهَا مِنْ الْحَرَمِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقُرْبَيْ وَذَكَرَ أَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ عَرَفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْهُ نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ مَعَ كَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، هَلْ هُوَ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ مِنْ عُرَنَةَ، وَلَعَلَّ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ غَيْرُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
كَلَامُهُ، مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّنْظِيرِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الِاسْتِظْهَارِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَنَصُّهُ: وَاَلَّذِي حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ هُوَ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْمَغَارِبَةِ فِيمَنْ وَقَفَ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ ثُمَّ ذَكَرَ تَوَقُّفَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَقَفَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ، وَلَا مِنْ الْحَرَمِ، وَلِلْخِلَافِ فِيهَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِهَا وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ لَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ بِهَا وَلَا يُجْزِئُهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَمُقَابِلُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ فِي بَطْنِ عُرَنَةَ حَجُّهُ تَامٌّ، وَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ وَنَحْوُهُ فِي الْجَلَّابِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ بِهِ، وَمَنْ وَقَفَ بِهِ أَجْزَأَهُ قَالَ وَبَطْنُ عُرَنَةَ هُوَ الْمَسْجِدُ انْتَهَى.
(قُلْت:) فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ مُوَافِقًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ فَسَّرَ بَطْنَ عُرَنَةَ بِالْمَسْجِدِ، وَقَدْ حَكَى سَنَدٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ بَطْنَ عُرَنَةَ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ وَلَا يُجْزِئُ الْوُقُوفُ بِهِ قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْوُقُوفِ بِبَطْنِ عُرَنَةَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَعَزَاهُ لِنَقْلِ ابْنِ شَاسٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ: وَالْإِجْزَاءُ مَعَ الدَّمِ، وَعَزَاهُ لِأَبِي عُمَرَ عَنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَبِي مُصْعَبٍ مَعَ لَفْظِ الْجَلَّابِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَالثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ وَعَزَاهُ لِظَاهِرِ نَقْلِ ابْنِ الْجَلَّابِ عَنْ الْمَذْهَبِ (قُلْت:) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ فَسَّرَ بَطْنَ عُرَنَةَ بِالْمَسْجِدِ فَلَا يُعَدُّ ثَالِثًا، وَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيهِ

ص (وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وُقُوفُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَكَانَ الْمُصَنِّفُ أَخَذَهَا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَلَّابِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَالِكًا وَقَفَ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ مُزَيْنٍ بِالْإِجْزَاءِ، وَقَالَ أَصْبَغُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَيَكُونُ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ رَابِعًا، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَلَّابِ عَنْ الْمَذْهَبِ (تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِيمَنْ وَقَفَ بِالْمَسْجِدِ: إنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيُرِيقُ دَمًا انْتَهَى.
(قُلْت:) ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَلَا الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةُ وُجُوبَ الدَّمِ فِي الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ فِي مَسْجِدِ عَرَفَةَ فَيَكُونُ مَا حَكَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ قَوْلًا خَامِسًا فَيَتَحَصَّلُ فِي الْوُقُوفِ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْإِجْزَاءُ وَعَدَمُهُ وَالْإِجْزَاءُ مَعَ الدَّمِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالْوَقْفُ وَالْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَاَللَّهُ

أَعْلَمُ.

ص (وَصَلَّى، وَلَوْ فَاتَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَاءَ إلَى عَرَفَةَ فَذَكَرَ صَلَاةً مَنْسِيَّةً إنْ اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ ذَهَبَ لِلْوُقُوفِ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لِعِظَمِ أَمْرِهَا فِي الشَّرْعِ وَاسْتِحْقَاقِهَا لِلْوَقْتِ بِالذِّكْرِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَرَفَةَ مَضَى إلَيْهَا وَوَقَفَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَيُصَلِّي، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِحُصُولِ الشَّكِّ فِي إدْرَاكِ عَرَفَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَا حَوْلَهَا فَيُصَلِّي، وَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا فَيَمْضِي لِعَرَفَةَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ تُقَدَّمُ عَرَفَةَ مُطْلَقًا لِمَا فِي فَوَاتِ الْحَجِّ مِنْ الْمَشَاقِّ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: يُصَلِّي إيمَاءً كَالْمُسَايِفِ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَنْسِيَّةٍ فَاتَتْهُ بَلْ، وَلَا مَنْ ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَاضِرَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي إلَّا مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ نَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ يُونُسَ إلَّا قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ أَنَّ عِبَارَتَهُمَا مُحْتَمِلَةٌ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَنْسِيَّةِ وَالْحَاضِرَةِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِمَا أَنَّهَا مَنْسِيَّةٌ، وَلَفْظُهُمَا سَوَاءٌ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَتَى قُرْبَ الْفَجْرِ، وَقَدْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَوْ صَلَّاهَا لَطَلَعَ الْفَجْرُ وَفَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ جِبَالِ عَرَفَةَ وَقَفَ وَصَلَّى، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَمَا حَوْلَهَا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مَشَى إلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ وَصَلَّى انْتَهَى.
، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَاخْتَارَ تَقْدِيمَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُمَا انْتَهَى.
(فَإِنْ قُلْت:) قَدْ نَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ (قُلْت:) إذَا تَأَمَّلْتَ كَلَامَهُ فِي الذَّخِيرَةِ لَمْ تَجِدْ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَنْ أَتَى قَبْلَ الْفَجْرِ، وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ إنْ اشْتَغَلَ بِهَا طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنَ عَبْدِ الْحُكْمِ وَاخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ: قَاعِدَةٌ الْمُضَيَّقُ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا وُسِّعَ فِي تَأْخِيرِهِ، وَمَا وُسِّعَ فِيهِ فِي زَمَانٍ مَحْصُورٍ كَالصَّلَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا غَيَّاهُ بِالْعُمَرِ كَالْكَفَّارَاتِ، وَمَا رُتِّبَ عَلَى تَارِكِهِ الْقَتْلُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَتُقَدَّمُ الصَّلَاةُ عَلَى الْحَجِّ إجْمَاعًا غَيْرَ أَنَّ فَضْلَ الصَّلَاةِ قَدْ عَرَضَ هَاهُنَا بِالدُّخُولِ فِي الْحَجِّ، وَمَا فِي فَوَاتِهِ مِنْ الْمَشَاقِّ فَأَمْكَنَ أَنْ يُلَاحِظَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت:) فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لِلْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَجِّ إجْمَاعًا لِلْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ ذَكَرَ فِي قَوَاعِدِهِ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ لَكِنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، كَمَا سَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحُكْمِ، وَقَوْلَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ إنَّهُ يُصَلِّي إيمَاءً كَالْمَسَايِفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْفَائِتَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: فَذَكَرَ صَلَاةً، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَاخْتِيَارَ اللَّخْمِيِّ وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَنْسِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَاكِرِ الْعِشَاءِ (الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهَا صَلَاةٌ مَنْسِيَّةٌ خَرَجَ وَقْتُهَا الِاخْتِيَارِيُّ وَالضَّرُورِيُّ وَفَرَضَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ قَالَ: وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا آخَرَ لَمْ يُسَمِّ قَائِلَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا فِي الشَّرْعِ وَلِاسْتِحْقَاقِهَا الْوَقْتَ يَعْنِي أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَجِّ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَإِذَا رَجَحَ الْجِنْسُ عَلَى الْجِنْسِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي الشَّخْصِ عَلَى الشَّخْصِ، أَمَّا قَوْلُهُ: وَلِاسْتِحْقَاقِهَا الْوَقْتَ فَهُوَ جَيِّدٌ لَكِنْ عَلَى فَرْضِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ

ذَكَرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَا قُلْنَا: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِي حَقِّ مَنْ تَذَّكَّر فَائِتَةً قَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا هَذَا الْوَقْتَ نَظَرٌ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَوْلَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ إنَّمَا يَظْهَرَانِ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ بَشِيرٍ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ؛ إذْ يَبْعُدُ فِي حَقِّ الْمُسَايِفِ الْمُتَذَكِّرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَنْسِيَّةً أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَقْتِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ انْتَهَى.
(قُلْت:) ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ مَعَ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ إلَّا فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَرَافِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ فِي ضِيقٍ مِنْ الْوَقْتِ قَالَ: فَإِنَّهُ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ قَالَ: وَإِنْ ذَهَبَتْ دَابَّتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مَفَازَةٍ، وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إنْ تَرَكَ دَابَّتَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَى مَا قَالُوا فِي الْحَاجِّ يَصِلُ إلَى عَرَفَةَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَلَمْ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَهُوَ إنْ مَضَى إلَى عَرَفَاتٍ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ، وَإِنْ صَلَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَالْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ فَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ فِي الْحَجِّ عَامًا قَابِلًا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ أَضْعَافًا، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَهُمَا فَرْضَانِ، وَقَدْ تَزَاحَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَالْبُدَاءَةُ بِالْوُقُوفِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ الَّتِي يَقْضِيهَا بِالْقُرْبِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الْحَجِّ الَّذِي لَا يَقْضِيهِ إلَّا إلَى عَامٍ آخَرَ، وَلَعَلَّ الْمَنِيَّةَ تَخْتَرِمُهُ دُونَ ذَلِكَ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ بَعْدَ الْمِائَةِ فِي بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْحَجّ مَا نَصُّهُ: وَكَذَلِكَ يُقَدِّمُ رَكْعَةً مِنْ الْعِشَاءِ عَلَى الْحَجِّ إذَا لَمْ يَبْقَ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ لِلْعِشَاءِ أَوْ الْوُقُوفِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَفُوتُ الْحَجُّ وَيُصَلِّي وَلِلشَّافِعِيَّةِ أَقْوَالٌ: يُقَدِّمُ الْحَجَّ لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي، وَهُوَ يَمْشِي كَصَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ، وَالْحَقُّ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ، وَهِيَ فَوْرِيَّةٌ إجْمَاعًا انْتَهَى.
وَقَبِلَهُ ابْن الشَّاطِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْحَاجِّ يَأْتِي مُرَاهَقًا لَيْلَةَ النَّحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَذَّكَّرُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فَإِنْ اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ فَاتَ الْوُقُوفُ، وَإِنْ وَقَفَ خَرَجَ وَقْتُ الْعِشَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ يُصَلِّي وَيُفَوِّتُ الْحَجَّ وَالثَّانِي: عَكْسُهُ وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حِجَازِيًّا فَيُقَدِّمُ الصَّلَاةَ أَوْ آفَاقِيًّا فَيُقَدِّمُ الْوُقُوفَ وَالرَّابِعُ: يُصَلِّي كَصَلَاةِ الْمُسَايِفِ وَالْمَشْهُورُ: الْأَوَّلُ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا، وَلَمْ يُشْهِرْ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْقَوْلَ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَفَرَضَ ابْنُ مُعَلَّى الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً، وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ، وَفِي هَذَا تَخْلِيطٌ؛ لِأَنَّ الْقَرَافِيَّ إنَّمَا قَالَهُ فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَكَذَلِكَ التَّادَلِيُّ ذَكَرَ كَلَامَ الذَّخِيرَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ وَالتَّحْرِيرُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَتَأَمَّلْهُ (الثَّالِثُ:) إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَصَلَّى، وَلَوْ فَاتَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَجِّ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ مَنْسِيَّةً خَرَجَ وَقْتُهَا عَلَى الْحَجِّ، كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فَقَدْ اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ تَقْدِيمَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: الْوَجْهُ عِنْدِي: أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالْإِحْرَامِ، وَهُوَ يُفَوِّتُ فِعْلَهُ، وَالصَّلَاةُ وَقْتُ قَضَائِهَا مُتَّسِعٌ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَقُولَ: الْحَجُّ الْمُتَعَيَّنُ أَوْلَى بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤَخِّرُ

الْمَغْرِبَ وَيُعَجِّلَ الْعَصْرَ مَعَ الْإِمْكَانِ إظْهَارًا لِمَزِيَّتِهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى رُتْبَتِهِ دُونَ رُتْبَةِ الصَّلَاةِ وَلِمَا فِي قَضَائِهِ مِنْ كَبِيرِ الْمَضَرَّةِ حَتَّى رَاعَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ فَوَقَفَ النَّاسُ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَالُوا يَجْزِيهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إنَّمَا تُقَدَّمُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ فَهُمَا فَرْضَانِ تَزَاحَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ (قُلْت:) وَقَوْلُهُ: إنَّهُمَا فَرْضَانِ تَزَاحَمَا ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ إنَّمَا يَنْظُرُ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ أَمَّا بَعْد الدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ فَقَدْ صَارَ إتْمَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا بَلْ لَوْ كَانَ تَطَوُّعًا وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَوْ أَفْسَدَهُ وَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَالْوَقْتُ مُسْتَحَقٌّ لِلْحَجِّ، وَالصَّلَاةِ مَعًا، وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ فِي تَوْجِيهِ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَلِاسْتِحْقَاقِهَا الْوَقْتَ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ جَيِّدٌ عَلَى فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَاضِرَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ الْمُضَيَّقُ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا وُسِّعَ فِيهِ، وَالْمُوَسَّعُ فِيهِ فِي زَمَانٍ مَحْصُورٍ كَالصَّلَاةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا غَيَّاهُ بِالْعُمَرِ كَالْكَفَّارَاتِ، وَمَا رُتِّبَ عَلَى تَارِكِهِ الْقَتْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهَا عَلَى الْحَجِّ إلَّا كَوْنُهَا تَرَتَّبَ عَلَى تَارِكِهَا الْقَتْلُ، وَأَمَّا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَجَّ يُشَارِكُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَصَارَ مُضَيَّقًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ، وَالصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ تُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ لَكِنْ يَتَرَجَّحُ تَقْدِيمُ الْحَجِّ بِأَنَّ الشَّرْعَ يُرَاعِي ارْتِكَابَ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَبِأَنَّ مَا يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِعُذْرٍ مِنْ بَعِيدٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى مَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ بِسُرْعَةٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَيُرَجِّحُ أَيْضًا تَقْدِيمَ الْحَجِّ أَنَّ الْقَرَافِيَّ قَرَّرَ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَنْ صَوْنَ الْأَمْوَالِ يُقَدَّمُ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَيُقَدَّمُ صَوْنُ الْمَالِ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا رُفِعَ فِي ثَمَنِهِ عَلَى الْعَادَةِ عَلَى فِعْلِهِمَا، وَيُقَدَّمُ إسْقَاطُ وُجُوبِ الْحَجِّ إذَا خِيفَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ عَلَى إيجَابِ فِعْلِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي تَفْوِيتِهِ إتْلَافًا لِلْمَالِ الْمَصْرُوفِ فِي الْقَضَاءِ، وَفِي الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَابْنِ يُونُسَ شَامِلٌ لِلْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدَّمَ الْحَجَّ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْمُزَاحَمَةِ وَوُجُودِ الضَّرُورَةِ أَعْنِي الْمَشَقَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَرَأَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ مَعَ الْبُعْدِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُزَاحَمَةُ لِحُصُولِ الشَّكِّ فِي الْإِدْرَاكِ، وَرَأَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الْمُرَجِّحَ إنَّمَا هِيَ الضَّرُورَةُ، وَهِيَ إنَّمَا تَحَقَّقُ فِي الْآفَاقِيِّ، وَغَيْرُهُ يُرَجِّحُ التَّقْدِيمَ بِغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَبِوُجُودِ مُطْلَقِ الضَّرُورَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) اعْتَرَضَ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِي قَوْلِهِ: تُصَلِّي كَصَلَاةِ الْمُسَايِفِ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْأَصْلِ خَوْفُ إتْلَافِ النَّفْسِ، وَفِي الْفَرْعِ خَوْفُ إتْلَافِ الْمَالِ وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى الرُّخَصِ، وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَسْفَارَ الشَّاقَّةَ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ يُخْشَى مَعَهَا عَلَى النَّفْسِ مَعَ ضَمِيمَةِ إتْلَافِ الْمَالِ فَفِي الْفَرْعِ مَا فِي الْأَصْلِ وَزِيَادَةٌ فَيَعُودُ إلَى قِيَاسِ الْأَحْرَى، وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ أَمَّا إذَا كَانَ اجْتِهَادِيًّا فَلَا نُسَلِّمُ انْتَهَى.
(قُلْت:) . وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ اعْتِرَاضَ ابْنِ بَشِيرٍ، وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ، وَلَا ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهَذَا تَسْلِيمٌ مِنْهُمْ أَنَّ صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ إنَّمَا تُصَلَّى عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهَا تُصَلَّى عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ اللُّصُوصِ، وَاللِّصُّ إنَّمَا يَطْلُبُ

الْمَالَ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّخْمِيَّ قَالَ: يُقَدِّمُ الْحَجَّ، وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ كَلَامِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْوَعْدُ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهِ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَيْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَأَرَى إنْ ذَكَرَ، وَقَدْ دَخَلَ أَوَائِلَ عَرَفَةَ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ وَأَجْزَأَهُ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ الْمُرُورِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُخْتَلَفُ بِأَيِّ ذَلِكَ يَبْدَأُ.
وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَزَاحَمَ الْفَرْضَانِ فَيَبْدَأُ بِمَا يُدْرِكُهُ بِتَأْخِيرِهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ الْحَجُّ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِفَوْرِ الْوُقُوفِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِهِ قُرْبَةً لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ بِهَا إلَّا لِعَامٍ، وَمِثْلُهُ لَوْ ذَكَرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ، وَكَانَ مَتَى اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى، وَيَقِفُ ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِإِجْزَاءِ الْمُرُورِ يَتَمَادَى، فَإِذَا دَخَلَ أَوَّلَ عَرَفَةَ صَلَّى وَأَجْزَأَهُ عَنْ الْوُقُوفِ انْتَهَى.
أَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ (قُلْت:) وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْوُقُوفُ بِمُكْثِهِ بِعَرَفَةَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ الْمُرُورِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُقُوفِ السُّكُونُ بِعَرَفَةَ وَالِاسْتِقْرَارُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ مَا عَدَا الْمُرُورَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ فِي حَقِّ هَذَا أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْوِيَ مَعَ الصَّلَاةِ هُنَاكَ الْوُقُوفَ، فَيَسْقُطُ الْفَرْضَانِ مَعًا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهِ أَعْنِي كَوْنَ الْوُقُوفِ يَحْصُلُ بِمُكْثِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُقُوفِ عَدَمُ تَحْرِيكِ الْأَعْضَاءِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْرَارُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَعَدَمُ الْمَشْيِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ إجْزَاءِ الْمُرُورِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ

(السَّادِسُ:) يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتَقَرَّ بِهَا ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْهَا أَجْزَأَهُ الْوُقُوفُ وَصَحَّ حَجُّهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَجِّ خُرُوجُهُ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ إذَا اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَالَ: إنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى عَرَفَةَ يُصَلِّيهَا، وَيَحْصُلُ لَهُ الْوُقُوفُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ، وَنَصُّهُ: الثَّالِثُ: مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَفُوتُ بِهَا الْحَجُّ مَنْ أَقَامَ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ سَوَاءٌ كَانَ وَقَفَ بِهَا أَوْ لَمْ يَقِفْ انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِي جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَلَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ بِهَا، وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ، وَنَصُّهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي: وَمَنْ أَدْرَكَ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ أَنْ يَقِفَ بِأَدْنَى مَوْضِعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْكَافَّةِ، وَقَدْ مَرَّ الْحَدِيثُ فِيهِ قَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ أَدْرَكَ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَوَّلِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ عَرَفَةَ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ انْتَهَى.

ص (وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا دَمَ) ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ شَرَعَ يَذْكُرُ السُّنَنَ وَالْمُسْتَحَبَّات الْمُتَعَلِّقَةَ بِكُلِّ رُكْنٍ فَبَدَأَ بِسُنَنِ الْإِحْرَامِ فَقَالَ: وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ فَالسُّنَّةُ فِي الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِقِرَانٍ أَوْ بِإِطْلَاقٍ أَوْ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ غُسْلٍ مُتَّصِلٍ بِهِ قَالَ سَنَدٌ، وَيُؤْمَرُ بِهِ كُلُّ مَرِيدِ الْإِحْرَامِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْمَاءُ سَقَطَ الْغُسْلُ، وَلَا يَتَيَمَّمُ مَكَانَهُ نَعَمْ إذَا كَانَ مُحْدِثًا، وَأَرَادَ الرُّكُوعَ لِلْإِحْرَامِ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَحِقَتْهُ ضَرُورَةٌ مِنْ الْغُسْلِ مِثْلُ قِلَّةِ مَاءٍ أَوْ ضِيقِ وَقْتٍ أَوْ لِسَيْرِ رُفْقَةٍ أَوْ خَوْفِ كَشْفٍ لِلْمَرْأَةِ وَشِبْهِ ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْن فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: أَوْ خَوْفُ كَشْفٍ، وَلَمْ يَقُلْ لِلْمَرْأَةِ، وَهُوَ أَوْلَى، فَإِنَّهُ سَقَطَ بِخَوْفِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ مُطْلَقًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا، وَلَا نِسْيَانًا دَمٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا دَمَ قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَكِنْ أَسَاءَ، وَقَالَ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ: قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ فِي كِتَابِ الْأَنْوَارِ لَهُ

قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: قَالَ ابْنُ الْمُعَدَّلِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ لَازِمٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْكِهِ نِسْيَانًا أَوْ عَامِدًا دَمٌ، وَلَا فِدْيَةَ فَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمُسَاوَاةِ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ تَرَكَ الْغُسْلَ وَتَوَضَّأَ فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، فَإِنْ بَعُدَ تَمَادَى، وَإِنْ قَرُبَ فَهَلْ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ قَوْلَانِ: ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِهِ: وَمَنْ رَكَعَ لِلْإِحْرَامِ، وَسَارَ مِيلًا قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَنَسِيَ الْغُسْلَ فَلْيَغْتَسِلْ ثُمَّ يَرْكَعْ ثُمَّ يُهِلَّ، وَإِذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ تَمَادَى، وَلَا غُسْلَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُتَّصِلٌ أَيْ: بِالْإِحْرَامِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَحْرَمَ عَشِيَّتَهُ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَا لَوْ اغْتَسَلَ غَدْوَةً وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الظُّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ عَنْ سَنَدٍ وَغَيْرِهِ حُكْمُ مَا إذَا أَرَادَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ تَأْخِيرَ الْإِحْرَامِ حَتَّى تَطْهُرَ (فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَ مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ جُنُبًا فَقَالَ سَنَدٌ: يَغْتَسِلُ لِجَنَابَتِهِ وَإِحْرَامِهِ، وَهَلْ يَكُونُ غُسْلًا وَاحِدًا يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ عَلَى مَا مَرَّ انْتَهَى.
قَالَ التَّادَلِيُّ وَاغْتِسَالُهُ لِجَنَابَتِهِ وَإِحْرَامِهِ غُسْلًا وَاحِدًا يُجْزِئُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَا تَكَلَّمَ عَلَى سُنَنِ الْإِحْرَامِ إثْرَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَلِّمَ أَظَافِرَهُ، وَيُزِيلَ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ الشَّعْرِ الَّذِي يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ لَا شَعْرَ رَأْسِهِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ بَقَاؤُهُ طَلَبًا لِلشُّعْثِ فِي الْحَجِّ وَأَنْ يُلَبِّدَهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ فَهُوَ أَفْضَلُ لِيَقْتُلَ دَوَابَّهُ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَكَلَامِ غَيْرِهِ: إبَاحَةُ التَّلْبِيدِ لَا اسْتِحْبَابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَا بَأْسَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: لِيَقْتُلَ دَوَابَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ فِي مَنَاسِكِهِ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ لِهَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ: وَتَمُوتُ دَوَابُّهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ وَسَيَأْتِي وَجْهُ إشْكَالِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ مُخَالِفٌ لِابْنِ بَشِيرٍ، وَاَلَّذِي فِيهِ لِتَقِلَّ دَوَابُّهُ مُضَارِعُ قَلَّ الشَّيْءُ يَقِلُّ مِنْ الْقِلَّةِ ضِدِّ الْكَثْرَةِ، وَكَذَا هُوَ فِي النَّوَادِرِ وَالطِّرَازِ، وَلَوْلَا مَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَنَاسِكِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَمُوتُ دَوَابُّهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: صَحَّفَ الْكَاتِبُ قَوْلَهُ: لِتَقِلَّ بِلَفْظِ لِيَقْتُلَ، وَإِشْكَالُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ حَامِلًا لِنَجَاسَةٍ أَوْ شَاكًّا فِي حَمْلِهَا، وَالثَّانِي: أَنَّ التَّلْبِيدَ لَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ فِي سَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا يَقْتُلُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَمَنْ قَتَلَ الْقَمْلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ.

ص (وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيِّ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَوْ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٍ، وَقَالَ عِيَاضٌ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونًا فَسَّرَا الْمَذْهَبَ فَاعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَدِينَةِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي بَلْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إجْزَاءُ غُسْلِهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْغُسْلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ إنَّمَا يُنْدَبُ أَوْ يُرَخَّصُ فِيهِ لِمَنْ يَغْتَسِلُ بِهَا ثُمَّ يَذْهَبُ بِهَا إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُحْرِمُ بِهَا فَوْرَهُ أَوْ يُقِيمُ بِهَا قَلِيلًا لَا يَحْصُلُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْإِحْرَامِ تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ فَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً فَهَذَا لَا يُطْلَبُ بِالْغُسْلِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ، وَلَا يُرَخَّصُ لَهُ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ، كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ (الثَّانِي:) مِنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ فَيُرَاعَى فِي حَقِّهِ اتِّصَالُ غُسْلِهِ بِخُرُوجِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ فَوْرِهِ وَطَالَ تَأَخُّرُهُ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لِشُغْلٍ خَفَّ كَشَدِّ رَحْلِهِ وَإِصْلَاحِ بَعْضِ جِهَازِهِ أَجْزَأَهُ

قَالَ فِي الْأُمِّ: وَمَنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ ثُمَّ مَضَى مِنْ فَوْرِهِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ أَجْزَأَهُ غُسْلُهُ، وَإِنْ اغْتَسَلَ بِهَا غَدْوَةً ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْعِشَاءِ ثُمَّ رَاحَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ لِرَجُلٍ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَرْكَبُ مِنْ فَوْرِهِ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ: نَعَمْ لَوْ اشْتَغَلَ بَعْدَ غُسْلِهِ فِي شَدِّ رَحْلِهِ وَإِصْلَاحِ بَعْضِ جِهَازِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ كَانَ خَفِيفًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ اغْتَسَلَ غَدْوَةً وَتَأَخَّرَ خُرُوجُهُ لِلظُّهْرِ كَرِهْتُهُ، وَهَذَا طَوِيلٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجْتَرِئُ بِهِ، قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَكَأَنَّهُمْ رَاعَوْا هُنَا الِاتِّصَالَ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَرِهْتُهُ، وَهَذَا طَوِيلٌ فَقَوْلُهُ: وَهَذَا طَوِيلٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهَا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ عَادَتُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) زَادَ الْبَرَاذِعِيُّ وَابْنُ يُونُسَ فِي اخْتِصَارَيْهِمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ، وَأَعَادَهُ فَأَعْطَى كَلَامُهُمَا أَنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَعْنِي لَفْظَةَ: وَأَعَادَهُ فِي الْأُمِّ، كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ زَادَهَا الْبَرَاذِعِيُّ وَابْنُ يُونُسَ فِي اخْتِصَارَيْهِمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَنَقَلَ الْبَرَاذِعِيّ وَالصَّقَلِّيُّ عَنْهَا إعَادَتَهُ لَيْسَ فِيهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَالشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ فِي اخْتِصَارِهِمْ لِلْمُدَوَّنَةِ اللَّفْظَةَ الْمَذْكُورَةَ، بَلْ قَالَ سَنَدٌ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ، فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ اغْتَسَلَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَهَلَّ وَسَارَ فَهَلْ يَغْتَسِلُ يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغُسْلِ بِالْمَدِينَةِ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهُ هُنَاكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : وَهَلْ يَتَجَرَّدُ بِالْمَدِينَةِ إذَا اغْتَسَلَ بِهَا قَالَ سَنَدٌ: مَنْ رَأَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ الْغُسْلَ بِالْمَدِينَةِ فَضِيلَةٌ جَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْ الثِّيَابِ بِهَا فَضِيلَةً، وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً جَعَلَ التَّجَرُّدَ أَيْضًا مِنْهَا رُخْصَةً (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا يُخْتَصُّ تَقْدِمَةُ الْغُسْلِ بِالْمَدِينَةِ بَلْ كُلُّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْمِيقَاتِ أَيِّ مِيقَاتٍ كَانَ، وَالْمِيقَاتُ مِنْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوِهَا، وَمِثْلُ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَاغْتَسَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ فِي بَيْتِهِ أَسْتَرُ لَهُ، وَأَحْسَنُ وَأَمْكَنُ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ مِنْ التَّنْعِيمِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ مَكَّةَ وَرُبَّمَا كَانَ غُسْلُهُ بِهَا أَوْلَى لِمَا ذُكِرَ فِي الطِّرَازِ مِنْ كَوْنِهِ أَسْتَرَ وَأَمْكَنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى، وَلِلْوُقُوفِ) ش: وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِلْحُلَيْفِيِّ، وَكَذَا قَوْلُهُ: لِلْوُقُوفِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ غُسْلَ دُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَلِكَ الْوُقُوفُ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَالْغُسْلُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْحَجِّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ لِإِحْرَامِهِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِرَوَاحِهِ إلَى الصَّلَاةِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ وَرُتْبَةُ هَذِهِ الِاغْتِسَالَاتِ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ مَالِكٌ: عِنْدَ مُحَمَّدٍ غُسْلُ الْإِحْرَامِ أَوْجَبُهَا، وَهُوَ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْمَنَاسِكِ فَالْغُسْلُ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْغُسْلِ لِبَعْضِهَا لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِهَا فَالْغُسْلُ لَهُ سُنَّةٌ، وَلِغَيْرِهِ فَضِيلَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: وَغُسْلُ دُخُولِ مَكَّةَ وَوُقُوفِ عَرَفَةَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ، وَلَكِنْ يَصُبُّ عَلَى نَفْسِهِ الْمَاءَ صَبًّا انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ يَتَدَلَّكُ فِيهِ، وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ لَكِنَّهُ قَالَ فِي غُسْلِ عَرَفَةَ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: الِاغْتِسَالَاتُ كُلُّهَا سُنَّةٌ، وَقِيلَ: كُلُّهَا مُسْتَحَبَّةٌ حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (غَيْرِ حَائِضٍ) يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْحَائِضِ يُرِيدُ، وَلَا لِلنُّفَسَاءِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا هُوَ لِلطَّوَافِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَلِكَ لَوْ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ أُمِرَ بِالْغُسْلِ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَإِذَا اغْتَسَلَ لِدُخُولِهِ اكْتَفَى بِهِ عَنْ الْغُسْلِ لِلطَّوَافِ، وَقِيلَ: إنَّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَغُسْلُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لَا يُجْتَزَأُ بِهِ عَنْ الْغُسْلِ لِلطَّوَافِ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: اُخْتُلِفَ فِي الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَقِيلَ: هُوَ لِلطَّوَافِ، وَقِيلَ: هُوَ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَعَلَى أَنَّهُ لِلطَّوَافِ لَا تَغْتَسِلُ الْحَائِضُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَيُجْزِي الرَّجُلَ لِلدُّخُولِ وَلِلطَّوَافِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَاجِيُّ، وَعَلَى أَنَّهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَتَغْتَسِلُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ بِذِي طُوًى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا يُجْتَزَأُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَنْ الْغُسْلِ لِلطَّوَافِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ: إنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلطَّوَافِ، وَهُوَ أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ يَغْتَسِلَانِ لِدُخُولِ مَكَّةَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : وَيُطْلَبُ فِي الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالدُّخُولِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ بَاتَ خَارِجَ مَكَّةَ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، قَالَ سَنَدٌ: وَالِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ قَبْلَ دُخُولِهَا لِيَكُونَ طَوَافُهُ مُتَّصِلًا بِقُدُومِهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ وَاغْتَسَلَ بَعْدَ دُخُولِهِ فَوَاسِعٌ قَالَ مَالِكٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: وَلَا يَكُونُ غُسْلُهُ قَبْلَ دُخُولِهِ إلَّا بِقُرْبِ الدُّخُولِ ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْإِحْرَامِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ لَا يَغْتَسِلُ الْيَوْمَ وَيَبِيتُ بِظَاهِرِهَا ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ غَدِهِ انْتَهَى.
وَيُؤْمَرُ بِهِ كُلُّ مَنْ يُرِيدُ الطَّوَافَ، قَالَ سَنَدٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَغْتَسِلُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَقَوْلُهُ: بِطُوًى يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لِغُسْلِ مَكَّةَ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ قَبْلَ دُخُولِهَا لِيَكُونَ طَوَافُهُ مُتَّصِلًا بِدُخُولِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ ذِي طُوًى بِالْقُرْبِ أَجْزَأَهُ وَذُو طُوًى تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَعَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى (فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ مَنْ أَتَى مَكَّةَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى اغْتَسَلَ بِقُرْبِهَا، قَالَ: وَوَاسِعٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي مَكَّةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ (فَرْعٌ) : وَلَا يَتَدَلَّكُ فِي غُسْلِ دُخُولِ مَكَّةَ، وَلَا فِي غُسْلِ عَرَفَةَ بَلْ يَكْتَفِي بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى مَا قَالَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ وَمَعَ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ تَبَعًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ مُعَلَّى وَيُطْلَبُ أَيْضًا فِي غُسْلِ عَرَفَةَ الِاتِّصَالُ، فَلَوْ اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَمْ يُجْزِهِ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى حُكْمِ الِاغْتِسَالِ بِالْمَدِينَةِ: فَمَنْ اغْتَسَلَ غُدْوَةً، وَرَاحَ عِشَاءً لَمْ يَتَّصِلْ رَوَاحُهُ بِغُسْلِهِ فَلَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِوُقُوفِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ رَوَاحِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وَوَقْتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْوُقُوفُ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ الصَّلَاةَ بِالْوُقُوفِ انْتَهَى.
وَيُطْلَبُ بِهِ كُلُّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَتَّى الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءِ قَالَهُ سَنَدٌ وَالتَّادَلِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلُبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّ خُصُوصِيَّةَ لُبْسِ مَا ذُكِرَ سُنَّةٌ، وَلَوْ لَبِسَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ الْتَحَفَ فِي كِسَاءٍ أَوْ رِدَاءٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدُّ التَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ فِي سُنَنِ الْإِحْرَامِ، كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّجَرُّدَ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ أَيْضًا وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُقَالُ: التَّجَرُّدُ إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَالتَّجَرُّدُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِأَنَّ التَّجَرُّدَ يَجِبُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَتَجَرَّدُ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ إذَا

أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَتَجَرَّدَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا وَاجِبَاتُهُ يَعْنِي الْإِحْرَامَ فَأَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَأَنْ يَتَجَرَّدَ مِنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَقْتَ إرَادَتِهِ الْإِحْرَامَ، وَمِنْ كُلِّ مَا يَمْنَعُهُ فِي الْإِحْرَامِ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ انْتَهَى.

ص (وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارُهُ) ش يَعْنِي أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ، وَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقَلِّدَهُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَتَجْرِيدِهِ ثُمَّ يُشْعِرُهُ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي حَيْثُ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ مُقَدَّمَانِ عَلَى الرُّكُوعِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الرُّكُوعَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ لِخَلِيلٍ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ إنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَإِشْعَارَهُ لَيْسَ سُنَّةً إلَّا فِيمَا سَاقَهُ مِنْ الْهَدَايَا لَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْإِحْرَامِ وَنَصُّهُ: لَمَّا كَانَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ مِنْ سُنَّةِ الْهَدْيِ ذَكَرَهُ مَعَهُ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ إلَّا فِيمَا سَاقَهُ الْمُحْرِمُ لَا فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ مَنَاسِكِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْهَدْيُ بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَيُقَالُ: بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَأَصْلُهُ التَّشْدِيدُ وَالْوَاحِدَةُ هَدِيَّةٌ وَهَدْيَةٌ انْتَهَى.

[تَنْبِيه سَوْقَ الْهَدْيِ]

(تَنْبِيهٌ:) قَدْ يُسْتَرْوَحُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ سُنَّةٌ وَصَرَّحَ بِهِ فِي مَنَاسِكِهِ فَقَالَ: وَسِيَاقَةُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ لِمَنْ حَجَّ، وَقَدْ غَفَلَ النَّاسُ عَنْهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ الْهَدْيِ: الْهَدْيُ مَشْرُوعٌ فِي الْحَجِّ وَمَشْرُوعٌ فِي الْعُمْرَةِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْهَدْيِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ: إنَّ الْهَدْيَ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ ضَعِيفٌ، قَالَ: وَقَدْ رَدَّ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَشْبِيهِهِ الْهَدْيَ بِالْغُسْلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ أَلَيْسَ سُنَّتُهُمْ الضَّحِيَّةَ؟ وَإِنَّمَا سُنَّتُهُمْ الْهَدْيُ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي مُنْتَقَاهُ إنَّ الْهَدْيَ تَبَعٌ لِلنُّسُكِ، وَمِنْ سُنَنِهِ انْتَهَى.
، وَنَقَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ فِي كَلَامِ سَنَدٍ وَكَلَامِ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ، وَنَصُّهُ: قَالَ سَنَدٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّ الْهَدْيَ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَبَرُّعًا، وَقَالَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ دُونَ السُّنَّةِ وَيُسَمُّونَهُ فَضِيلَةً، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ، مَا قَالَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّ الْهَدْيَ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ ضَعِيفٌ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ بِلَفْظِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (ثُمَّ رَكْعَتَانِ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ بِخُصُوصِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ الرُّكُوعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَمَا قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْمُسْتَحَبُّ إحْرَامُهُ بِإِثْرِ النَّافِلَةِ، وَلَا حَدَّ لِتَنَفُّلِهِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ تَحْرِيرُ أَبِي مُحَمَّدٍ لَمَّا ذَكَرَ رُكُوعَ الْحَجِّ، فَقَالَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، كَمَا اُشْتُهِرَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا عَقِبَ الطَّوَافِ فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ: رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ، كَمَا قَالَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْفَرْضُ مُجْزِئٌ) ش يَعْنِي أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِبَ الْفَرْضِ مُجْزِئٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ فِي التَّوْضِيحِ: السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُحْرِمَ إثْرَ صَلَاةٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً لِيَكُونَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ، وَيَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ قَوْلُهُ: يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ: فَإِنْ اتَّفَقَ فَرْضٌ أَجْزَأَ، وَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلٌ: أَنَّهُ لَا رُجْحَانَ لِلنَّافِلَةِ انْتَهَى.
فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِالْإِحْرَامِ عَقِبَ الْفَرِيضَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (يَحْرُمُ إذَا اسْتَوَى وَالْمَاشِي إذَا مَشَى) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً أَحْرَمَ، وَإِنْ

رَكِبَهَا قَائِمَةً فَحِينَ يَسْتَوِي عَلَيْهَا انْتَهَى.

ص (وَتَلْبِيَةٌ) ش يَعْنِي أَنَّ إيصَالَ التَّلْبِيَةِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ سُنَّةٌ، وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فِي نَفْسِهَا فَوَاجِبَةٌ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ زَمَنٌ طَوِيلٌ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّلْقِينِ لَمَّا عَدَّ سُنَنَ الْإِحْرَامِ: وَيُهِلُّ بِالتَّلْبِيَةِ حِينَ اعْتِقَادِ الْإِحْرَامِ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا بِشَيْءٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى التَّلْبِيَةِ، وَمِنْ سُنَنِهَا أَنْ تَكُونَ نَسَقًا لَا يَتَخَلَّلُهَا كَلَامٌ غَيْرُهَا كَالْأَذَانِ، فَإِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرُدُّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فَيَرُدُّ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَمَّا عَدُّهُ التَّلْبِيَةَ فِي سُنَنِ الْإِحْرَامِ فَفِيهِ تَجَوُّزٌ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا عَدَّ فِي الْجَوَاهِرِ سُنَنَ الْإِحْرَامِ عَدَّهُ فِيهَا تَجْدِيدَ التَّلْبِيَةِ لَا التَّلْبِيَةَ نَفْسَهَا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ فِي مَنْسَكِهِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْمَنَاسِكِ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّلْبِيَةُ هِيَ الْإِجَابَةُ وَالْقَصْدُ وَالْإِخْلَاصُ قَالَ: وَتَكُونُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْكُلِّ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيُلَبِّي الْأَعْجَمِيُّ بِلِسَانِهِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حِفْظِ التَّلْبِيَةِ فَهَلْ يَكْفِي التَّكْبِيرُ وَنَحْوُهُ أَوْ كَالْعَدَمِ وَتُلَبِّي الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ كَغَيْرِهِمَا انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِسَنَدٍ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَأَصْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَالْأَعْجَمِيُّ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: وَيَفْعَلُهُ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا لَبَّى بِهِ نَفْسَهُ فِي الشَّرْعِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْأَعْجَمِيُّ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُعَلِّمُهُ لَبَّى بِلِسَانِهِ انْتَهَى.
ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ التَّلْبِيَةِ (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَوْلُهُ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلَبِّيَ مَنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ وَرَآهُ خُرْقًا لِمَنْ فَعَلَهُ قِيلَ: الَّذِي كَرِهَهُ مَالِكٌ إنَّمَا هُوَ تَلْبِيَةُ الْحَجِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دَعَاهُ لَبَّيْكَ فَلَا كَرَاهَةَ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَزَالُوا يُلَبُّونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» ، وَأَمَّا تَلْبِيَةُ الْحَجِّ فَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا إلَّا لِرَاوِيَةٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ مُتَعَلِّمٍ وَالْخُرْقُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْحُمْقُ، وَسَخَافَةُ الْعَقْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَوَابَ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ بِلَبَّيْكَ أَنَّهُ مِنْ السَّفَهِ، وَأَنَّهُ جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِكَوْنِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ انْتَهَى.
فَانْظُرْ مَا قَالَهُ مَعَ كَلَامِ ابْنِ هَارُونَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ هَارُونَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فَيَتَّفِقُ كَلَامُهُمَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ رَجُلٍ نَادَى رَجُلًا بِاسْمِهِ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ قَالَ: إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَفَهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ: وَالْجَاهِلُ يُزْجَرُ وَيُعَلَّمُ، وَالسَّفِيهُ يُؤَدَّبُ، وَلَوْ قَالَهَا عَلَى اعْتِقَادِ إنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ رَبِّهِ كَفَرَ هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ:) قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنْسَكِهِ فِي آخِرِ بَابِ مَا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ قَبْلَ بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ: قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا يُحْرِمُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِنْ انْتَهَى إلَيْهَا أَحْرَمَ، وَكَانَ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ انْتَهَى.
ص (وَخَلْفَ صَلَاةٍ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُرِيدُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمَا.
ص (وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ خِلَافٌ) ش فَلَا يُلَبِّي إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ حَتَّى يُكْمِلَ سَعْيَهُ (فَرْعٌ) : اُنْظُرْ لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَقَطَعَ الطَّوَافَ لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى، هَلْ يُلَبِّي بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ السَّعْيَ؟ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَمْ أَرَ الْآنَ فِيهِ نَصًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ) ش وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ أَنَّهُ إذَا بَنَى فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ نَاسِيًا لِلتَّلْبِيَةِ مِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ كَانَ بِنِيَّتِهِ مُحْرِمًا، وَإِنْ ذَكَرَ مِنْ قَرِيبٍ لَبَّى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِهِ أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ فَلْيُهْرِقْ دَمًا، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى التَّلْبِيَةِ بَعْدَ الطُّولِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا بِخِلَافِ مَنْ لَبَّى أَوَّلَ إحْرَامِهِ ثُمَّ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَهَذَا لَا دَمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: لَوْ ابْتَدَأَ بِالتَّلْبِيَةِ ثُمَّ تَرَكَ أَوْ كَبَّرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ، وَعَلَى ذَلِكَ اقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ فَقَالَ: وَإِنْ قَالَ مِنْهَا، وَلَوْ مَرَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: وَيُجْزِئُ مِنْهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تُرِكَتْ فِي جَمِيعِهِ فَدَمٌ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي مَنَاسِكِهِ: وَأَقَلُّهَا مَرَّةٌ، فَإِنْ تَرَكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَالْهَدْيُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا فِي مَنَاسِكِهِ وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ الدَّمِ، وَنَصُّهُ فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ لِلْمَشْهُورِ وَكِتَابُ مُحَمَّدٍ وَاللَّخْمِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ سَيِّدِي إبْرَاهِيمُ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ ابْتَدَأَهَا، وَلَمْ يُعِدْهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) ش يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُلَبِّي حِينَئِذٍ ثُمَّ يَقْطَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: إنَّهُ يُلَبِّي إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ

ص (وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ) ش قَالَ سَنَدٌ: لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاشِرَهَا الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ وَيَفْعَلَهَا، وَفِعْلُ الْمَحْمُولِ إنَّمَا هُوَ لِلْحَامِلِ فَلَا يُطَافُ بِأَحَدٍ مَحْمُولًا إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَهُوَ أَثْقَلُ مِنْ الرَّاكِبِ عَلَى بَعِيرٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ مَنْسُوبٌ إلَى رَاكِبِهَا وَبِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فِي فِعْلِ الْحَامِلِ، فَإِنَّهُ مَنْسُوبٌ لِلْحَامِلِ لَا إلَى الْمَحْمُولِ انْتَهَى.
أَوَّلُهُ بِالْمَعْنَى وَآخِرُهُ بِاللَّفْظِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي عَدِّ الْمَشْيِ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ، وَقَدْ نَاقَشَهُ فِي ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ: لَعَلَّ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الدَّمِ فِيهِ يَقُولُ: إنَّهُ وَاجِبٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوُجُوبِ فَهُوَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُجْبَرَةِ بِالدَّمِ وَأَدْخَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي السُّنَنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمَشْيِ فِي السَّعْيِ، وَحُكْمُ الرُّكُوبِ فِيهِ حُكْمُ الرُّكُوبِ فِي الطَّوَافِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ وَفِيهَا: لَا يَسْعَى رَاكِبٌ لِغَيْرِ عُذْرٍ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ

ص (وَالْإِقْدَامُ لِقَادِرٍ لَمْ يَعُدَّهُ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: احْتَرَزَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: قَادِرًا مِمَّا لَوْ رَكِبَ

لِعَجْزٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْبَاجِيُّ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَكْفِي الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْمَشْيُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَالَ التَّادَلِيُّ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَيَجُوزُ الرُّكُوبُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ وَلِمَالِكٍ فِي الْكَعْبَةِ وَحْدَهَا قَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْكِبَرُ عُذْرٌ فِي الرُّكُوبِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السَّعْيِ وَنَصُّهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ: الْكِبَرُ عُذْرٌ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ الرُّكُوبِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَاحِدٌ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: اُنْظُرْ لَوْ رَكِبَ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ جَمِيعًا، هَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ هَدْيَانِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ وَمَبِيتَ مِنًى؟ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) لَا فَرْقَ فِي الرُّكُوبِ أَنْ يَكُونَ عَلَى دَابَّتِهِ أَوْ عَلَى آدَمِيٍّ قَالَ التَّادَلِيُّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ طَافَ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا قَالَ سَحْنُونٌ: يُرِيدُ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ إنْ نَزَلَ لَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِهِ عَلَى دَابَّتِهِ، وَعَلَى رَجُلٍ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ:) قَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ الْبَاجِيُّ، وَإِنْ طَافَ رَاكِبًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا بَعِيرًا مِنْ غَيْرِ الْجَلَّالَةِ لِطَهَارَةِ بَوْلِهِ وَرَوْثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّهُ: وَالْعَاجِزُ قَالَ سَحْنُونٌ: يُحْمَلُ، وَلَا يَرْكَبُ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْبَاجِيُّ لَهُ رُكُوبُ طَاهِرِ الْفَضْلَةِ انْتَهَى.

ص (وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ) ش قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَفِي كَرَاهَتِهِ التَّصْوِيتَ بِالتَّقْبِيلِ قَوْلَانِ وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْجَوَازَ وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ عَلَى الْحَجَرِ، وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَكَانَ مَالِكٌ يَفْعَلُهُ إذَا خَلَا بِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي رِحْلَتِهِ أَنَّ الشَّيْخَ مُحِبَّ الدِّينِ الطَّبَرِيَّ جَاءَهُ مُسْتَفْتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ، وَقَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي السُّنَّةَ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ يَعْنِي أَبِصَوْتٍ أَوْ دُونَهُ فَذَكَرَ لَهُ التَّقْبِيلَ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ فَأَطْرَقَ الشَّيْخُ ثُمَّ ارْتَجَلَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَقَالُوا إذَا قَبَّلْتَ وَجْنَةَ مَنْ تَهْوَى ... فَلَا تُسْمِعَنَّ صَوْتًا وَلَا تُعْلِنِ النَّجْوَى فَقُلْتُ وَمَنْ يَمْلِكْ شِفَاهًا مُشَوِّقَةً ... إذَا ظَفِرَتْ يَوْمًا بِغَايَاتِهَا الْقُصْوَى وَهَلْ يَشْفِيَ التَّقْبِيلُ إلَّا مُصَوِّتًا ... وَهَلْ يُبْرِدُ الْأَحْشَا سِوَى الْجَهْرِ بِالشَّكْوَى قَالَ هَكَذَا قَالَ: وَهَلْ يَشْفِي؟ مُحَرَّكُ الْيَاءِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ بَلْ نَقُولُ: وَهَلْ يُبْرِئُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ ثُمَّ عَوْدٌ وَوَضَعَهَا عَلَى فِيهِ ثُمَّ كَبَّرَ) ش: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: ثُمَّ كَبَّرَ: أَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ بِالْفَمِ وَالْيَدِ وَالْعَوْدِ، وَأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالِاسْتِلَامِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِ ظَاهِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالِاسْتِلَامِ اعْتِمَادًا مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ التَّهْذِيبِ وَنَصُّهُ: وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا لَمَسَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ ثُمَّ يَمْضِي، وَلَا يَقِفُ وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ أَوْ تَرَكَ، وَلَا يُقَبِّلُ الْيَمَانِيَ بِفِيهِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ بِيَدِهِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لِزِحَامٍ كَبَّرَ، وَمَضَى انْتَهَى.
وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَفِي التَّهْذِيبِ نَفْسِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَنَصُّهُ: وَكُلَّمَا مَرَّ بِهِ فِي طَوَافٍ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ فَوَاسِعٌ إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ أَوْ تَرَكَ، وَلَا يَدَعْ التَّكْبِيرَ كُلَّمَا حَاذَاهُمَا فِي طَوَافٍ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ انْتَهَى.
وَفِي الرِّسَالَةِ: وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ، كَمَا ذَكَرْنَا وَيُكَبِّرُ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَلَا يَدَعُ التَّكْبِيرَ فِيهِمَا اسْتَلَمَ أَمْ لَا انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُقَبِّلُ الْيَمَانِيَ بِفِيهِ فِي الْأُمَّهَاتِ قِيلَ لَهُ: هَلْ يُكَبِّرُ إذَا اسْتَلَمَ

الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ بِيَدِهِ، أَوْ إنَّمَا هُوَ إذَا اسْتَلَمَهُ بِفِيهِ؟ قَالَ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) فَإِذَا قُلْنَا: يَجْمَعُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالِاسْتِلَامِ فَهَلْ التَّكْبِيرُ قَبْلَ الِاسْتِلَامِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ إلَّا قَوْلَ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ إذَا تَقَدَّمَتْ لِلطَّوَافِ فَاسْتَقْبِلْ الْحَجَرَ وَكَبِّرْ ثُمَّ قَبِّلْهُ بِفِيكَ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ عَطْفِهِ التَّقْبِيلَ بِثُمَّ عَلَى التَّكْبِيرِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّقْبِيلَ عَقِبَ التَّكْبِيرِ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ صَرِيحَهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ التَّكْبِيرَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّقْبِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِفِيهِ إنْ قَدَرَ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَصِلْ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ ثُمَّ مَضَى يَطُوفُ، وَلَا يَقِفُ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهَا أَنَّ التَّقْبِيلَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّكْبِيرِ مَا فَهِمَهُ سَيِّدِي خَلِيلٌ مِنْهَا مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ التَّقْبِيلِ بِالْيَدِ أَوْ بِالْفَمِ، وَلَوْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهَا أَنَّ التَّكْبِيرَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى التَّقْبِيلِ لَمَا وَقَعَ فِيمَا اعْتَرَضَ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَالْأَمْرُ سَهْلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) قَالَ فِي الطِّرَازِ مَسْأَلَةٌ مَنْ قَالَ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَلْمِسَ الرُّكْنَ: قَالَ مَالِكٌ يُكَبِّرُ وَيَمْضِي، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ هَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُشِيرُ بِيَدِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَنَاسِكِ ابْنِ فَرْحُونٍ أَوَّلَ الْكَلَامَ عَلَى الطَّوَافِ، وَلَا تُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِكَ انْتَهَى.
قَالَ أَيْضًا فِي سُنَنِ الطَّوَافِ: وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ مُعَلَّى فِي مَنَاسِكِهِ: فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَجَرِ كَبَّرَ إذَا حَاذَاهُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَيْ: لَا يُشِيرُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِشَارَةَ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ هُوَ فِي قَوَاعِدِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ) ش قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَهِيَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ، وَلَا يَقْرَأُ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ أَفْضَلَ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الطَّوَافِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلِيُسِرَّ الْقِرَاءَةَ لِئَلَّا يَشْغَلَ غَيْرَهُ عَنْ الذِّكْرِ انْتَهَى.
ص (وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا) ش قَالَ التَّادَلِيُّ عَنْ الْقَرَافِيِّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ يَرْكَبُ فِي السَّعْيِ، وَأَنَّهُ رَمَلَ فِيهِ؟ قُلْنَا: رَمَلَ بِزِيَادَةِ تَحْرِيكِ دَابَّتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَكِبَ فِي حَجِّهِ وَمَشَى فِي عُمْرَتِهِ وَبِالْعَكْسِ انْتَهَى.
قَالَ التَّادَلِيُّ: وَقَفَ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ عَلَى أَنَّ الرَّاكِبَ إذَا سَعَى رَاكِبًا يَرْمُلُ بِتَحْرِيكِ دَابَّتِهِ وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الطَّوَافِ أَيْضًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا نَصَّ عَلَيْهِ إلَّا مَا يُسْتَقْرَأُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ وَيُؤَيِّدُهُ نُصُوصُ الْمَذْهَبِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لَكِنْ لِلرَّاكِبِ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَلِلْمَاشِي فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
، وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ نَصَّ سَنَدٌ عَلَى أَنَّ الرَّاكِبَ فِي الطَّوَافِ يَخُبُّ بِدَابَّتِهِ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ طَافَ رَاكِبًا لَمْ يَخُبَّ دَابَّتَهُ فِي الْأَشْوَاطِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَحْمُولَ لَا يُخَبُّ بِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَخُبُّ الْحَامِلُ بِالْمَحْمُولِ يَخُبُّ الرَّاكِبُ بِدَابَّتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الدَّابَّةَ يَخُبُّ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَخُبَّ بِالْمَحْمُولِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ زُوحِمَ فِي الرَّمَلِ فَلَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا رَمَلَ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ قَالَ سَنَدٌ: يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفٍ الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْبَيْتِ زِحَامٌ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْمُلَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ قَلِيلًا وَجَدَ فُرْجَةً تَرَبَّصَ، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ بِفُرْجَةٍ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ إلَى حَاشِيَةِ النَّاسِ أَمْكَنَهُ الرَّمَلُ فَلْيَتَأَخَّرْ، وَرَمَلُهُ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قُرْبِهِ بِالْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ رَمَلٍ، فَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ التَّأْخِيرُ أَوْ كَانَ لَيْسَ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ فُرْجَةٌ، فَإِنَّهُ يَمْشِي وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الرَّمَلِ انْتَهَى.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ إذَا زُوحِمَ فِي الرَّمَلِ فَلَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا إنَّمَا يَرْمُلُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي مَوْضِعِهِ فَلَيْسَ يُؤْمَرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ إذَا لَمْ يُطِقْ الْمَشْيَ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّهُ لَا يُحَرِّكُ مَنْكِبَيْهِ فِي الرَّمَلِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى.

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : نَقَلَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الطَّوَافُ مَعَ الِاخْتِلَاطِ بِالنِّسَاءٍ.

ص (وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) ش قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنَّ الْحَجَرَ لَا يَسْتَلِمُهُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِلَامَ آكَدُ مِنْ الِاسْتِلَامِ فِي الشَّوْطِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلسَّعْيِ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَقَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ حَسَنٌ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
(قُلْت:) نَصَّ عَلَى تَقْبِيلِهِ بَعْدَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَدُعَاءٍ بِالْمُلْتَزَمِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ سَعْيَهُ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى مَنْزِلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: وَذَلِكَ: أَنَّ الطَّوَافَ إذَا اتَّصَلَ بِالسَّعْيِ وَقَعَ الِاسْتِلَامُ فِي أَضْعَافِ الْعِبَادَةِ فَكَانَ مِنْ تَوَابِعِهَا، وَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالطَّوَافِ سَعْيٌ وَفَرَغَ حُكْمُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْ رُكُوعِهِ فَيَكُونُ الِاسْتِلَامُ بَعْدَهُ عَلَى حُكْمِهِ مُنْفَرِدًا مِنْ غَيْرِ طَوَافٍ مَنْ شَاءَ فَعَلَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ طَافَ وَرَكَعَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ فَيُقَبِّلَ الْحَجَرَ ثُمَّ يَمُرَّ بِزَمْزَمَ فَيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَدْعُوَ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ وَيَنْوِيَ بِشُرْبِهِ مَا أَرَادَ، فَإِنَّ مَاءَ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَقَدْ جُرِّبَتْ بَرَكَتَهُ وَيَخْرُجَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنْهَا، وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِبَابِ الصَّفَا؛ لِأَنَّهَا تُقَابِلُهُ انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِهِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي: أَنَّ تَقْبِيلَهُ بَعْدَ رُكُوعِ كُلِّ طَوَافٍ مَطْلُوبٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ: وَيَخْرُجَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ يُفْهَمُ مِنْهُ إنَّمَا مَقْصُودُهُ الْكَلَامُ عَلَى الطَّوَافِ الَّذِي بَعْدَهُ سَعْيٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ) ش هَكَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ الْمِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى الْمَرْوَةِ أَوَّلُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ مَنَارَةِ بَابِ عَلِيٍّ وَالثَّانِي: بَعْدَهُ قُبَالَةَ رِبَاطِ الْعَبَّاسِ وَالْأَمْيَالُ أَرْبَعَةٌ الْمِيلَانِ الْمَذْكُورَانِ وَمِيلَانِ آخَرَانِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ فِي مُقَابَلَةِ الْمِيلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (تَنْبِيهٌ:) مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْخَبَبِ فِي السَّعْيِ مِنْ عِنْدِ الْمِيلِ الَّذِي فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا نَزَلَ السَّاعِي مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى يَأْتِيَ الْوَادِيَ، فَإِذَا كَانَ دُونَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا جَيِّدًا حَتَّى يُحَاذِيَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ فَيَتْرُكَ الرَّمَلَ وَيَمْشِيَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَرْوَةَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيَّة، وَقَالَ: لِأَنَّهُ مَحَلُّ الِانْصِبَابِ فِي بَطْنِ الْوَادِي قَالَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ الْمِيلَ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى بِنَاءٍ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي شُرِعَ مِنْهُ ابْتِدَاءُ السَّعْيِ فَكَانَ السَّيْلُ يَهْدِمُهُ وَيُحَطِّمُهُ فَرَفَعُوهُ إلَى أَعْلَى رُكْنِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَجِدُوا عَلَى السُّنَنِ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الرُّكْنِ فَوَقَعَ مُتَأَخِّرًا عَنْ مَحَلِّ مُبْتَدَأِ السَّعْيِ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (، وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ) ش أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ

فِي النَّقْلِ فَاخْتَارَ الْبَاجِيُّ وُجُوبَهُمَا مُطْلَقًا وَعَبْدُ الْوَهَّابِ سُنِّيَّتَهُمَا مُطْلَقًا وَالْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الطَّوَافِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهَذَا الثَّالِثُ: هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَالَ سَنَدٌ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا رُكْنًا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ تُجْبَرَانِ بِالدَّمِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الطَّوَافِ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِمَا ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ حُكْمُ الطَّوَافِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُمَا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، وَيَجِبَانِ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ وَالْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ رَكْعَتِي الطَّوَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَا كَالْإِحْرَامِ بِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ) ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْهُ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ جَمَاعَةَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] فِي الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ وَزَادَ فَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا طَافَ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ثُمَّ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] انْتَهَى.
وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقِرَاءَةُ عَلَى خِلَافِ تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ وَالثَّانِي: تَطْوِيلُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِالْمَقَامِ) ش الْمُرَادُ بِهِ: مَقَامُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَى نَبِيّنَا، وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَرْكَعَهُمَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَتَّى لَوْ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَأَخَّرَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا حَيْثُ كَانَ، وَلَوْ فِي الْحِلِّ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَرْكَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِمَكَّةَ، كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَنَقَلَهُ قَبْلَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَرْكَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ خَلْفَ الْمَقَامِ قَالَ الشَّيْخ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُمَا بِالْإِخْلَاصِ وَالْكَافِرُونَ وَخَلْفَ الْمَقَامِ فِي كُلِّ طَوَافٍ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ عَبْدُوسٍ: يَرْكَعُهُمَا لِطَوَافِهِ أَوَّلَ دُخُولِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: فِي كُلِّ طَوَافٍ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَحَيْثُ يَتَيَسَّرُ مِنْ الْمَسْجِدِ مَا خَلَا الْحَجَرَ زَادَ غَيْرُهُ، وَالْبَيْتَ وَظُهْرَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ التَّادَلِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ للشَّارْمَساحِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَرْكَعَهُمَا حَيْثُ شَاءَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَعَلَى ظَهْرِهِ وَبَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ قَالَ أَبُو طَاهِرِ بْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: فَإِنْ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَهَلْ يَكْتَفِي بِهِمَا فِي الْمَذْهَبِ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى.
كَلَامُ التَّادَلِيِّ وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ لَا يَرْكَعُهُمَا فِي الْحِجْرِ، فَإِنْ رَكَعَهُمَا فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَكَعَهُمَا فِي الْبَيْتِ وَيُخْتَلَفُ فِي إعَادَتِهِمَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ فِي الْبَيْتِ قِيلَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَقِيلَ: أَبَدًا، وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ، وَإِنْ عَادَ إلَى بَلَدِهِ رَكَعَهُمَا هُنَاكَ وَيُخْتَلَفُ، هَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ؟ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي بَابِ اسْتِلَامِ الْأَرْكَانِ: وَلَا يَرْكَعُ فِي الْحِجْرِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ فَعَلَ، وَكَانَ بِالْقُرْبِ أَعَادَهُمَا، وَإِنْ بَعُدَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالرُّكُوعَ وَالسَّعْيَ مَا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَإِنْ بَعُدَ أَجْزَأَتَاهُ، وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ كَمَنْ لَمْ يَرْكَعْهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ كَفَرِيضَةٍ صُلِّيَتْ بِثَوْبٍ نَجِسٍ إنَّ الْوَقْتَ إذَا ذَهَبَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ: فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، هَلْ يَرْكَعُهُمَا فِي الْحِجْرِ انْتَهَى.

وَمَا ذَكَرَهُ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَمَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ فِي الْحِجْرِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ رَكَعَ فِيهِ الرَّكْعَتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ أَعَادَ وَاسْتَأْنَفَ مَا كَانَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَكَعَهُمَا وَبَعَثَ بِهَدْيٍ ابْنُ يُونُسَ جَعَلَهُ فِي الْفَرِيضَةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا لَا يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ إذَا بَلَغَ لِبَلَدِهِ لِذَهَابِ الْوَقْتِ، وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ: فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَنْ يُعِيدَ الْفَرِيضَةَ أَبَدًا، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا انْتَهَى.
، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَلَامَهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا حُكْمُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، أَمَّا النَّافِلَةُ فَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، هَلْ يَرْكَعُهُمَا فِي الْحِجْرِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ: وَلَا يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ، وَلَا فِي الْكَعْبَةِ فَرِيضَةً، وَلَا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ، وَلَا الْوِتْرَ، وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ رُكُوعِ الطَّوَافِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ إلَى قَوْلِهِ: وَلَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَلَمْ يَنْقُلْ مَا بَعْدَهُ بَلْ نَقَلَهُ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ نَسِيَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ) ش الظَّاهِرُ: أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْوَاضِحَةِ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ قَالَ: وَإِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ فَطُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلِّ خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأْتِي زَمْزَمَ فَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ثُمَّ تَأْتِي الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَتَدْعُوَا كَثِيرًا رَافِعًا بِذَلِكَ رَاغِبًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَقْبَلَ حَجُّكَ وَأَنْ يَقْبَلَكَ عَتِيقًا مِنْ النَّارِ وَأَلْصِقْ وَجْهَكَ وَصَدْرَكَ بِالْمُلْتَزَمِ ثُمَّ اسْتَلِمْ الْحَجَرَ وَقَبِّلْهُ إنْ قَدَرْتَ عَلَى تَقْبِيلِهِ ثُمَّ انْفِرْ إلَى بَلَدَكَ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّكَ انْتَهَى.
وَهَذَا كَلَامُ الْوَاضِحَةِ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْعُوَا فِي طَوَافِهِ بِمَا تَيَسَّرَ وَكَذَا فِي الْمَقَامِ وَالْحَطِيمِ وَالْمُلْتَزَمِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَعِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَفِي الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَفِي الْمُسْتَجَارِ، وَهُوَ الْمُسْتَعَاذُ أَعْنِي مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْبَابِ الْمُغْلَقِ الَّذِي كَانَ فَتَحَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَفِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ انْتَهَى.
ص (وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَالْيَمَانِيِّ بَعْدَ الْأَوَّلِ) ش فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ اسْتِلَامَهُمَا فِي الْأَوَّلِ سُنَّةٌ أَمَّا الْحَجَرُ فَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْيَمَانِيُ فَمِنْ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نُفِيَ عَنْهُ الِاسْتِحْبَابُ تَعَيَّنَتْ السُّنِّيَّةُ؛ إذْ لَا يُتَوَهَّمُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْهُ سُنَّةٌ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) فُهِمَ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ أَنَّ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ لَا يُسْتَلَمَانِ، وَلَا يُكَبَّرُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُكَبِّرُ إذَا حَاذَاهُمَا، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُكَبِّرُ إذَا حَاذَاهُمَا لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْت:) نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ وَلَفْظُ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ نَقَلَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْحَاوِي وَنَصُّهُ: وَيُكَبِّرُ لِمُحَاذَاةِ كُلِّ رُكْنٍ انْتَهَى.
فَيَكُونُ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ إذَا حَاذَى الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ فِي وَسَطِ الْحِجْرِ كَبَّرَ، وَمَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا يُحْمَلُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الْقَائِمَيْنِ الْيَوْمَ فَيَكُونُ وِفَاقًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ.
(الثَّانِي:) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْأَوَّلِ يَعْنِي فِي آخِرِ كُلِّ شَوْطٍ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي مَنْسَكِهِ وَابْنِ جَمَاعَةَ التُّونُسِيِّ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ وَشَمَلَ كَلَامُهُ الشَّوْطَ الْأَخِيرَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ التَّقْبِيلِ ثَمَانِ تَقْبِيلَاتٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَانْظُرْ حَاشِيَتِي فِي الْمَنَاسِكِ (الثَّالِثُ:) الِاسْتِلَامُ فِي الْوَاجِبِ آكَدُ مِنْهُ فِي التَّطَوُّعِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ش قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَمَا رَأَيْنَا مَنْ قَالَ إذَا لَمْ يَقُلْ الصِّفَةَ الَّتِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى.

ص (وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) ش

قَالَ سَنَدٌ فِي أَوَّلِ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ لَيْلًا أَوْ ضِيقَ نَهَارُهُ أَنْ يَبِيتَ بِذِي طُوًى، فَإِذَا أَصْبَحَ وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ اغْتَسَلَ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ عَلَى طُهْرٍ لِيَكُونَ طَوَافُهُ مُتَّصِلًا بِدُخُولِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدَ إتْيَانِ مَكَّةَ أَرْبَعٌ: نُزُولُهُ بِذِي طُوًى، وَهُوَ الْوَادِي الَّذِي تَحْتَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيُسَمَّى الزَّاهِرَ، وَاغْتِسَالُهُ فِيهِ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلَا تَفْعَلُهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ بِغَيْرِ إمْرَارِ الْيَدِ بِرِفْقٍ لِئَلَّا يُزِيلَ الشَّعَثَ كَسَائِرِ غُسُولَاتِ الْحَجِّ الَّتِي دَاخِلَ إحْرَامِهِ، وَنُزُولُهُ لِمَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ وَأَنْ يَبِيتَ بِالْوَادِي الْمَذْكُورِ فَيَدْخُلَ مَكَّةَ ضُحًى.
ص (وَالْبَيْتِ) ش أَيْ: يُسْتَحَبُّ دُخُولُ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَهَارٍ فَقَدْ أُخِذَ بِجَوَازِ دُخُولِهَا لَيْلًا مِنْ كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ شَيْبَةَ بِالسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ لِيَفْتَحَهَا لَهَا لَيْلًا فَاعْتَذَرَ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْتَحْهَا لَيْلًا لَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا فِي الْإِسْلَامِ فَوَافَقَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ بِهَا إلَى الْحِجْرِ، وَقَالَ لَهَا صَلِّي فِيهِ، وَلَا يُقَالُ: يُؤْخَذُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا وَافَقَهُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ وَتَأْلِيفًا لَهُ بِدَلِيلِ إتْيَانِهِ بِهَا إلَى الْحِجْرِ.

[فَرْعٌ التَّنَفُّلُ فِي الْبَيْتِ الحرام]

(فَرْعٌ) : وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ فِي الْبَيْتِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَعَنْ دُخُولِهِ عَلَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ فَقَالَ ذَلِكَ وَاسِعٌ حَسَنٌ.
انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : وَيُسْتَحَبُّ النَّظَرُ إلَى الْبَيْتِ وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي شَرْحِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اخْتَصَرَهَا مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.

ص (وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ) ش هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو الْجُزُولِيُّ يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهُ لِكُلِّ دَاخِلٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ اسْتِحْبَابُ الدُّخُولِ مِنْ كَدَاءٍ، كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي طَرِيقِ الدَّاخِلِ إلَى مَكَّةَ فَيَعْرُجُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: إنَّمَا دَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي طَرِيقِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَيْسَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَلَا أَعْلَمُ هَذَا الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِنَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَلَا مَسْنُونًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي رِحْلَتِهِ، وَكَانَ دُخُولُنَا مِنْ كَدَاءٍ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ إذْ الدُّخُولُ مِنْهَا مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوِّجَ إلَيْهَا وَيَعْرُجَ عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّمَا اسْتَحَبَّ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي دَعَا فِيهِ إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ بِأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ تَصْعَدُ إلَيْهِمْ فَقِيلَ لَهُ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: 27] الْآيَةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ يَأْتُوكَ، وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ: الثَّنِيَّةُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ هَذِهِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَحِكْمَةُ دُخُولِهَا مِنْ أَعْلَاهَا قِيلَ: لِدَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ إذْ قَالَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) ضَبَطَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ كَدَاءَ الْأَوَّلَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَدَاءَ الثَّانِيَةَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ غَلَطٌ إنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ كُدًى وَكَدَاءَ فِي بَابِ الْكَافِ مَعَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَلَعَلَّهُ تَوَهُّمٌ مِمَّا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ مَوْعِدُكِ كَذَا، فَإِنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ لَكِنْ قَدْ قَالُوا فِيهِ: إنَّ كَذَا فِيهِ لَيْسَ هُوَ الثَّنِيَّةَ إنَّمَا هُوَ اسْمٌ تَنَفَّلْهُ بِهِ عَنْ مَوْضِعٍ، وَنَقَلَ هَذَا الْكَلَامَ التَّادَلِيُّ فِي مَنْسَكِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمَسْجِدُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) ش

ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ الدُّخُولِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِ الدَّاخِلِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقَاتِهِمْ؛ إذْ لَا كَبِيرَ كُلْفَةٍ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي مَنْسَكِهِ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ أَنَّ مَنْ أَتَى مِنْ مِنًى لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ.

ص (وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) ش: قَالَ أَبُو غَازِيٍّ صِيغَةُ الْعُمُومِ فِي الطَّوَافِ هُنَا، وَفِي قَوْلِهِ: وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ يَقْتَضِي شُمُولَ طَوَافِ التَّطَوُّعِ، وَقَدْ بَنَى الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ عَلَى هَذَا نُكْتَةً بَدِيعَةً، فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: يَرْكَعُ الطَّائِفُ لِطَوَافِ التَّطَوُّعِ كَالْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى طَالَ وَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ اسْتَأْنَفَهُ، فَإِنْ شَرَعَ فِي أُسْبُوعٍ آخَرَ قَطَعَهُ وَرَكَعَ، فَإِنْ أَتَمَّهُ أَتَى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ بِرَكْعَتَيْنِ وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ أَرْبَعَةَ أَسَابِيعَ طُولٌ تَمَنُّعُ الْإِصْلَاحَ، وَتُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ: فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ اللَّخْمِيِّ وَإِطْلَاقُهُ الْإِجْزَاءَ وَوُجُوبُهُ الِاسْتِئْنَافَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي طَوَافِ التَّطَوُّعِ يُوجِبُ الْإِتْمَامَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ شُيُوخِهِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّظَائِرَ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ مَا نَسَبَهُ الْقَرَافِيُّ لِلْخُمَّيَّ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَسَابِيعَ طُولٌ فِيهِ نَظَرٌ حَسْبَمَا بَسَطْنَاهُ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ انْتَهَى.
(قُلْت) اُنْظُرْ مَا النُّكْتَةُ الْبَدِيعَةُ، هَلْ هِيَ لُزُومُ طَوَافِ التَّطَوُّعِ بِالشُّرُوعِ أَوْ كَوْنُ الْأَرْبَعَةِ طُولًا؟ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ: إنَّ فِيمَا نَسَبَهُ الْقَرَافِيُّ لِلَّخْمِيِّ نَظَرًا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ اللَّخْمِيِّ مَوْجُودٌ فِي تَبْصِرَتِهِ وَنَصُّهُ: السُّنَّةُ فِيمَنْ طَافَ أُسْبُوعًا تَطَوُّعًا أَنْ يُعْقِبَهُ بِرَكْعَتَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَالَ أَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ اسْتَأْنَفَهُ، وَإِنْ أَعْقَبَ الْأُسْبُوعَ الْأَوَّلَ بِثَانٍ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَطَعَهُ ثُمَّ رَكَعَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَتَمَّ الثَّانِيَ أَتَى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ بِرَكْعَتَيْنِ وَأَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتَى بِأُسْبُوعٍ ثَالِثٍ أَوْ رَابِعٍ، فَإِنَّهُ يَأْتِي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ بِرَكْعَتَيْنِ وَيُجْزِئُهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ ذَلِكَ طُولٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إصْلَاحِ الْأَوَّلِ وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافَ فِيمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَكَانَ ابْنُ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْقَرَافِيِّ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ: وَمُفَادُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الثَّانِيَ طُولٌ يُوجِبُ اسْتِئْنَافَ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ أَعْقَبَ الْأُسْبُوعَ الْأَوَّلَ بِثَانٍ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَطَعَ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الشَّوْطِ السَّابِعِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْهِ حَتَّى دَخَلَ فِي أُسْبُوعٍ ثَانٍ قَطَعَ وَرَكَعَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى أَتَمَّهُ رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَنْ سَعَى فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةَ أَطْوَافٍ أَوْ تِسْعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ قَصَدَ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ سَبْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلسَّبْعِ الْكَامِلِ، وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ أُسْبُوعًا آخَرَ، وَلْيَبْتَدِئْ مِنْ أَوَّلِهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْعَائِدِ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا أَكْمَلَ أُسْبُوعَيْنِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا صَلَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُسْبُوعَ الثَّانِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَمَرْنَاهُ بِالرُّكُوعِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ، وَاخْتَارَ عِيسَى الْأَوَّلَ، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حُكْمُ كُلِّ أُسْبُوعٍ أَنْ يَعْقُبَهُ رَكْعَتَانِ، وَحَالَ بَيْنَ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ وَرَكْعَتَيْهِ الْأُسْبُوعُ الثَّانِي بَطَلَ حُكْمُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الثَّانِي انْتَهَى.
وَقَالَ التَّادَلِيُّ: وَمِنْ هَذَا التَّوْجِيهِ عُلِمَ أَنَّ الرُّكُوعَ إنَّمَا هُوَ لِلثَّانِي وَيُلْغَى الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ إذَا طَافَ ثَمَانِيَةً أَوْ أَكْثَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرُّكُوعُ لِلسَّبْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَيُلْغِي الزَّائِدَ مِنْ أَوَّلِهَا لَا مِنْ آخِرِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَلْغَى آخِرَهَا كَانَ قَدْ

فَرَّقَ بَيْنَ الْأُسْبُوعِ وَرَكْعَتَيْهِ بِمَا زَادَ انْتَهَى.
(قُلْت:) صَرِيحُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْإِلْغَاءَ إنَّمَا هُوَ لِمَا زَادَ عَلَى السَّبْعَةِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَصَلَ فِي الشَّوْطِ الثَّامِنِ أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ مَا يُبْطِلُ الطَّوَافَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ السَّبْعَةُ الْأُوَلُ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ بِأَنْ حَصَلَ فِي السَّبْعَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا مَا يُبْطِلُهَا لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى السَّبْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْخَامِسَةِ فَكَمَا لَا تُجْزِئُ الْخَامِسَةُ عَنْ الْأُولَى إذَا بَانَ بُطْلَانُهَا فَكَذَلِكَ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِمَا زَادَ عَلَى السَّبْعَةِ؛ لِأَنَّهُ خَفِيفٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا أَكْمَلَ السَّبْعَةَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَرْكَعُ لِلثَّانِي فَقَطْ دُونَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا أَكْمَلَ السَّبْعَةَ حَصَلَتْ عِبَادَةٌ كَامِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُحْتَاجَةٌ لِلرُّكُوعِ فَيُكَمِّلُهَا بِهِ، وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ لِلْفَصْلِ بِالْعِبَادَةِ الْكَامِلَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ الْبَاجِيِّ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ: فَإِنْ شَرَعَ فِي ثَانٍ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ لِلْأَوَّلِ قَطَعَ مَا لَمْ يُكْمِلْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ وَنَحْوِهَا: فَلَوْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ وَأَكْمَلَ أُسْبُوعًا ثَانِيًا لَرَكَعَ لَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْمَلَ ثَالِثًا وَرَابِعًا انْتَهَى.
(قُلْت) التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ، وَأَمَّا اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَطْلَقُوا فَفَهِمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ رُكُوعِهِ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ تَمَامِ الطَّوَافِ وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ تَوَضَّأَ وَاسْتَأْنَفَ الطَّوَافَ إنْ كَانَ وَاجِبًا إلَّا أَنْ يَبْعُدَ فَلَا يَرْجِعُ وَيَرْكَعُ وَيُهْدِي، وَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ تَطَوُّعًا لَمْ يَبْتَدِئْهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحَدَثَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ (الثَّالِثُ:) لَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِبَيَانِ حُكْمِ جَمِيعِ الْأَسَابِيعِ، وَحُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَطُوفَ الْمَرْءُ أَسَابِيعَ، وَيَجْمَعَ رُكُوعَهَا حَتَّى يَرْكَعَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَرَكَعَ عَقِبَ كُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ مُعَلَّى وَغَيْرُهُ (الرَّابِعُ:) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يُصَلِّي لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَجَازَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَسَابِيعِ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْأَسَابِيعِ وِتْرًا (الْخَامِسُ:) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الْبَاجِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ عِيسَى قَالَ: يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمَا يَكُونَانِ لِلْأُسْبُوعِ الْأَخِيرِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي كَلَامِ الْبَاجِيّ وَانْظُرْ عَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ صَلَّى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، هَلْ يُقَدِّمُ رَكْعَتَيْ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي؟

ص (وَرَمَلَ مُحْرِمٌ مَنْ كَالتَّنْعِيمِ) ش يَعْنِي أَنَّ الرَّمَلَ فِي حَقِّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ مُسْتَحَبٌّ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِقِرَانٍ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ التَّوْضِيحِ.
ص (أَوْ بِالْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ) ش لَوْ قَالَ لِكَمُرَاهِقٍ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَشْمَلَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَالنَّاسِي لِطَوَافِ الْقُدُومِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لِلْمُرَاهِقِ وَنَحْوِهِ وَالْمُحْرِمِ مِنْ التَّنْعِيمِ وَشِبْهِهِ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ مَشْرُوعٌ دُونَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ أَيْ: النَّاسِي أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ آفَاقِيًّا أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ التَّنْعِيمِ وَشِبْهِهِ أَيْ: الْجِعْرَانَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَنَقَلَهُ) ش أَمَّا اسْتِحْبَابُ الْإِكْثَارِ مِنْ شُرْبِهِ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَاضِحَةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ الْإِكْثَارُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ نَقْلِهِ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَاضِحَةِ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِهَا، وَاسْتُحِبَّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ إلَى بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَنْ اسْتَشْفَى، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ إلَى بَلَدِهِ

وَنَقَلَهُ ابْنُ مُعَلَّى وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ: أَنَّهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَمْ أَرَهُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ نَكَّتَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ فَقَالَ: أَمَّا شُرْبُهُ فَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الذَّخِيرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا نَقْلُهُ فَفِي مَسْلَكِ السَّالِكِ لِقَاسِمِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَضْرَمِيِّ الطَّرَابُلُسِيِّ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَالْوُضُوءِ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ تَبَرُّكًا بِبَرَكَتِهِ، وَيَكُونُ مِنْهُ شُرْبُهُ وَوُضُوءُهُ وَاغْتِسَالُهُ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ شُرْبِهِ قَالَ: وَاسْتُحِبَّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ إلَى بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَنْ يُسْتَشْفَى بِهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) قَالَ ابْن غَازِيٍّ: وَمِنْ الْغَرَائِبِ مَا حَدَّثَنَا بِهِ شَيْخُنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاجُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَزُّوزٍ الْمِكْنَاسِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ الْإِمَامَ الْأَوْحَدَ الرَّبَّانِيَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَلَّالِيَّ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يُرَجِّحُ حَدِيثَ «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» عَلَى حَدِيثِ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» قَالَ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَغْرَبِ الْغَرَائِبِ بَلْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا إلَّا مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى بُطْلَانِهَا قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ لَمَّا ذُكِرَ حَدِيثُ «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إنَّهُ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ لَهِجَ بِهِ الْعَوَامُّ حَتَّى سَمِعْتُ قَائِلًا مِنْهُمْ يَقُولُ هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» ، وَهُوَ خَطَأٌ وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِيهِ بَاطِلٌ انْتَهَى.
كَلَامُ السَّخَاوِيِّ، وَأَمَّا حَدِيثُ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» فَقَالَ فِيهِ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ انْتَهَى.
وَرَأَيْتُ لِابْنِ حَجَرٍ كَلَامًا جَوَابًا بِالسُّؤَالِ سُئِلَ فِيهِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ فِي آخِرِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ: إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَرُتْبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الْحُفَّاظِ بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ قَوَاعِدِ الْحَدِيثِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْحَافِظِ الدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهُ صَحَّحَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاشْتُهِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شَرِبَهُ لِلرَّمْيِ فَكَانَ يُصِيبُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ تِسْعَةً وَشَرِبَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ لِحُسْنِ التَّصْنِيفِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ أَحْسَنَ عَصْرِهِ تَصْنِيفًا، وَلَا يُحْصَى كَمْ شَرِبَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِأُمُورٍ نَالُوهَا، وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ شَرِبَهُ لِشَيْءٍ فَحَصَلَ لَهُ، وَأَنَا شَرِبْتُهُ مَرَّةً، وَأَنَا فِي بُدَاءَةِ طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقنِي حَالَةَ الذَّهَبِيِّ فِي حِفْظِ الْحَدِيثِ ثُمَّ حَجَجْتُ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَنَا أَجِدُ مِنْ نَفْسِي طَلَبَ الْمَزِيدِ عَلَى تِلْكَ الرُّتْبَةِ فَسَأَلْتُ مَرْتَبَةً أَعْلَى مِنْهَا فَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ أَنَالَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ بِاللَّيْلِ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْإِرَاقَةُ، وَخَشِيَ إنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَنْ تَتَلَوَّثَ أَقْدَامُهُ بِأَذَى النَّاسِ، وَكَانَ فِي الْمَوْسِمِ فَتَوَجَّهَ إلَى زَمْزَمَ وَشَرِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَعَ إلَى الطَّوَافِ قَالَ: فَلَمْ أَحُسَّ بِالْبَوْلِ حَتَّى أَصْبَحْت انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ (قُلْت:) وَهَذَا مِنْ الْغَرَائِبِ، فَإِنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يَرُدُّ الْإِرَاقَةَ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَنَحْوُ هَذَا مَا أَخْبَرَنِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ أَصَابَهُ إسْهَالٌ فَشَرِبَ لَهُ مَاءَ زَمْزَمَ فَذَهَبَ مَعَ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يُطْلِقُ الْبَطْنَ غَالِبًا، وَقَدْ شَرِبْتُهُ لِأُمُورٍ فَحَصَلَ بَعْضُهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَرْجُو مِنْ اللَّهِ حُصُولَ بَاقِيهَا، وَقَدْ شَرِبَهُ بَعْضُهُمْ لِعَطَشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ أَرَدْنَا اسْتِقْصَاءَ مَا رُجِّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ لَطَالَ الْكَلَامُ ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا التَّنْبِيهَ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْمَوْضُوعِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ «الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (الثَّالِثُ:) يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ أَيْضًا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَمَلِ فِي الطَّوَافِ: فَإِذَا فَرَغْت مِنْ

السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَارْجِعْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَأَكْثِرْ مِنْ الطَّوَافِ مَاكِثًا مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وَمِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ: وَتُكْثِرُ مِنْ الطَّوَافِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِلَا رَمَلٍ، وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَتُصَلِّي كُلَّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَثْرَةُ الطَّوَافِ مَعَ كَثْرَةِ الذِّكْرِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ وَبَسَطَهُ الدَّمَامِينِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُفْ أَيْ: طَوَافًا آخَرَ تَطَوُّعًا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَمَشَى عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ انْتَهَى مِنْ الدَّمَامِينِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ، وَعَنْهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) ش: أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ لِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ: طَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي انْتَهَى.
فَصَرِيحُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِغَيْرِ الْحَقْنِ بَلْ بِرِيحٍ أَوْ مَسِّ ذَكَرٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ أَحْدَثَ فِي السَّعْيِ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ، فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهُ كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَبْنِيَ، وَقَالَهُ مَالِكٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَحْدَثَ فِي سَعْيِهِ فَتَمَادَى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُتِمَّ سَعْيَهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ عَنْ الْوَاضِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ (فَإِنْ قُلْت:) السَّعْيُ يَصِحُّ مِنْ الْحَدَثِ وَالْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ فِي السَّعْيِ فَكَيْفَ يَشْتَغِلُ بِالْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ، وَفِيهِ إخْلَالٌ بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ؟ (قُلْت:) لَعَلَّ مُرَادَهُ بِالْوُضُوءِ أَنَّهُ يُزِيلُ الْحَقْنَ وَيَسْتَنْجِي لِقَوْلِ الزَّوَاوِيِّ: تَوَضَّأَ وُضُوءَ الْمَاءِ تَحْتَ إزَارِهِ وَاسْتَخَفَّ الْوُضُوءَ لِيَسَارَتِهِ (فَإِنْ قُلْت:) لِمَ بَنَى فِي السَّعْيِ بَعْدَ الْحَدَثِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ؟ (فَالْجَوَابُ:) أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الطَّوَافِ أَوْجَبُ مِنْهَا فِي السَّعْيِ، وَأَيْضًا الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ، وَالسَّعْيُ لَيْسَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِيهِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَ لِلْحَاقِنِ الْخُرُوجُ لِضَرُورَةِ زَوَالِ مَا بِهِ، فَإِذَا خَرَجَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِحَقْنِهِ لَا أَنَّهُ يُخْرِجُ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ بِرِيحٍ فِي سَعْيِهِ مَضَى عَلَيْهِ انْتَهَى.

ص (وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابِعِ بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ) ش جَعَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلَّمَا يَذْكُرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَنَدْبًا كَالْإِحْرَامِ بِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ مُسْتَحَبَّاتٍ، وَفِيهَا سُنَنٌ مِنْهَا هَذِهِ، وَمَا بَعْدَهَا إلَى قَوْلِهِ: وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٍ لِلْغُرُوبِ وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ظُهْرِ السَّابِعِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ ضُحًى، وَقَالَ أَيْضًا فِي الْخُطْبَةِ الثَّالِثَةِ: يَخْطُبُ الْإِمَامُ مِنْ غَدٍ يَوْمِ النَّحْرِ ارْتِفَاعَ الضُّحَى انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: بِمَكَّةَ مَفْهُومُهُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْحَجِيجَ إذَا تَوَجَّهُوا لِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُسْتَحَبُّ لِإِمَامِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ، كَمَا فَعَلَ بِمَكَّةَ فَانْظُرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَاحِدَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَتَوْضِيحُهُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَا شَهَرَهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَزَاهُ لَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقَاضِي سَنَدٌ وَعَزَيَا الْقَوْلَ بِالْجُلُوسِ فِي وَسَطِهِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ سَنَدٌ عَقِبَهُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَفِي صَلَاتِهَا يَجْلِسُ فِي أَوَّلِ كُلِّ خُطْبَةٍ وَوَسَطِهَا انْتَهَى.
، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي بَابِ الْخُطْبَةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجُلُوسِ فِي وَسَطِهَا قَوِيٌّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ خِلَافًا هُنَاكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ: أَنَّهُ يَفْتَتِحُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ بِالتَّلْبِيَةِ بِخِلَافِ

الْأَخِيرَتَيْنِ، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ أَنَّهُ يَفْتَتِحُ الْجَمِيعَ بِالتَّكْبِيرِ قَالَ التَّادَلِيُّ عَقِبَ نَقْلِهِ الْكَلَامَيْنِ: فَيَتَحَصَّلُ فِي تَعْيِينِ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْخُطْبَةَ الْأُولَى قَوْلَانِ: هَلْ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالتَّلْبِيَةِ؟ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلِّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُحْرِمًا، وَأَنَّ الْأَوْلَى لَهُ التَّلْبِيَةُ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ الْآن، وَهُوَ شِعَارُ الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَيَتَعَيَّنُ التَّكْبِيرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرِهِ: يَوْمُ السَّابِعِ وَيُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الْخَامِسَ عَشْرَ: كَانُوا يَبْرُزُونَ فِيهِ تَبْرُزُ زِينَةُ الْمَحَامِلِ، وَجَلَّالَاتِ الْهَدَايَا انْتَهَى.
، وَقَالَ وَالِدِي: الظَّاهِرُ: أَنَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الزِّينَةِ أَخْذًا مِنْ يَوْمِ الزِّينَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ يَوْمٌ كَانُوا يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّابِعُ يَوْمًا يَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ غَيْرَ الْمُرَاهِقِ سُمِّيَ يَوْمَ الزِّينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ وَابْنُ فَرْحُونٍ فَصْلًا لِتَسْمِيَةِ أَيَّامِ الْحَجِّ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَحَبَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهِ الظُّهْرَ) ش يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ هُوَ، وَمَا بَعْدَهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَيَعْنِي أَنَّ الْخُرُوجَ لِمِنًى يَكُونُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ وَيُسَمَّى يَوْمَ النُّقْلَةِ لِانْتِقَالِ النَّاسِ فِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَاقِعَةٌ فِي عِبَارَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ أَنْ يُدْرِكَ آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ يَرُوحُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عِنْدَ الزَّوَالِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ رَاحَ عِنْدَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ إنَّمَا يُدْرِكُ بِهَا آخِرَ الْوَقْتِ، وَمَنْ كَانَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ ثِقَلٌ بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُ آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ بِمِنًى إذَا خَرَجَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ بِهَا آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ خَرَجَ إلَى مِنًى ضُحًى فَيُقِيمُ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ يَغْدُو إلَى عَرَفَاتٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَأْسَ لِلضَّعِيفِ، وَمَنْ بِهِ عِلَّةٌ أَنْ يَغْدُوَ قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِمِقْدَارِ مَا يَصِلُ عِنْدَ الزَّوَالِ فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُرُوجَ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ ثُمَّ قَالَ: وَكَرِهَ التَّقَدُّمَ إلَى مِنًى قَبْلَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى، وَلَوْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّقَدُّمُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَخْرُجُ إلَى مِنًى قُدُمًا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، ثُمَّ قَالَ: وَكُرِهَ التَّقَدُّمُ إلَى مِنًى قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ التَّقَدُّمَ إلَى مِنًى قَبْلَ يَوْمِهَا، وَإِلَى عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرًا فِي كَرَاهَةِ التَّقَدُّمِ إلَى مِنًى فِي أَوَّلِ يَوْمِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ إلَى مِنًى بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ خَرَجَ أَوَّلَ النَّهَارِ مُتَقَدِّمٌ قَبْلَ هَذَا، وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ قَصْرِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْيَوْمِ هُوَ نَصُّ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَيَاتُهُ بِهَا) ش، فَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَالْمَشْهُورُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: عَلَيْهِ الدَّمُ انْتَهَى مِنْ الْجُزُولِيِّ مِنْ بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ

ص (وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ قَالَ الْجُزُولِيُّ: ثُمَّ يَمْضِي إلَى عَرَفَاتٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، وَقَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ والتِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَعِنْدَ الْجُزُولِيِّ أَيْضًا مِنْ السُّنَنِ الَّتِي لَا تُوجِبُ الدَّمَ الْمُرُورُ بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ قَالَ، وَهُمَا جَبَلَانِ يَقُولُ لَهُمَا الْحُجَّاجُ الْعَلَمَيْنِ.
ص (وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) ش

قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَلَا يَتَنَفَّلُ فِيهِمَا، وَإِنْ صَلَّى فِي رَحْلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَنَفَّلُ ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يَبِيتُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَالصَّلَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَلَيْلَةَ الْمَطَرِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ (تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ) : قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ لَا يَجْمَعُ وَحْدَهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرُكُوبُهُ) ش قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِمَرْكُوبِهِ، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَقِفُ عَلَى الدَّوَابِّ مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا انْتَهَى.
ص (ثُمَّ قِيَامٌ إلَّا لِتَعَبٍ) ش هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَالرَّاكِبُ بِعَرَفَةَ وَالْجَالِسُ أَفْضَلُ مِنْ الْقَائِمِ انْتَهَى.

ص (وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ وَبَيَاتُهُ بِهَا) ش جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ، وَكَذَا الْمَبِيتُ بِهَا إلَى الصُّبْحِ، وَأَمَّا النُّزُولُ فَوَاجِبٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ.
ص (وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ) ش قَالَ سَنَدٌ: النُّزُولُ الْوَاجِبُ يَحْصُلُ بِحَطِّ الرَّحْلِ وَالِاسْتِمْكَانِ مِنْ اللُّبْثِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي النُّزُولِ إنَاخَةُ الْبَعِيرِ فَقَطْ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَطِّ الرِّحَالِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لُبْثٌ، أَمَّا لَوْ حَصَلَ اللُّبْثُ، وَلَمْ تُحَطُّ الرِّحَالُ فَالظَّاهِرُ: أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَعَشَّوْنَ وَيَلْقُطُونَ الْجِمَارَ وَيَنَامُونَ سَاعَةً وَشَقَادِفُهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْجِمَالِ نَعَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُسْقِطُ النُّزُولُ فِيهِ الدَّمَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: قَبْلَ الْفَجْرِ، وَإِنْ أَتَى بَعْدَ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَعْفَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَتَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَنَزَلَ بِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَقِفْ بِالْمَشْعَرِ مَا لَمْ يُسْفِرْ جِدًّا، وَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَقَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ لَا دَمَ فِي تَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ، وَفِي وُجُوب الدَّمِ بِتَرْكِهِ النُّزُولَ بِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثَالِثُهَا: لَا دَمَ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ لِلشَّيْخِ عَنْ أَشْهَبَ قَائِلًا: وَلَوْ فِي ضَعْفَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالثَّانِي: لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَهَا وَالثَّالِثُ: لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ (قُلْت:) قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ النُّزُولَ لَيْلًا بِالْمُزْدَلِفَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ بِعُذْرٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: مَنْ ذَهَبَ إلَى عَرَفَاتٍ وَالْإِمَامُ بِمُزْدَلِفَةَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْمَشْعَرِ وَقَفَ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ النُّسُكَ مَعَهُ، وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ فِي فَوْتِهِ الْمَبِيتَ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ لَمْ يَنْزِلْ بِمُزْدَلِفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَعْفَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَنْ لَمْ يَصِلْهَا مِنْ الضَّعَفَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ حَتَّى أَصْبَحَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَنْ جَازَ عَنْهَا إلَى مِنًى ثُمَّ عَلِمَ فَرَجَعَ فَلَمْ يُدْرِكْهَا أَوْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ نَزَلَ بِهَا بَعْدَ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ فَهُوَ مُدْرِكٌ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَرَأَى أَشْهَبُ أَنَّ الْمَبِيتَ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ إلَّا إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْهَدْيُ وَاعْتِبَارًا بِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ مَعَ الْإِمَامِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَأْتِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرَ وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَبِيتَ سَقَطَ فِي حَقِّ هَذَا لِمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ هَدْيٌ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي فَقْدِ الْوُقُوفِ مَعَ الْإِمَامِ

بِعَرَفَةَ وَالدَّفْعِ مَعَهُ، فَإِنْ أَتَى هَذَا الْمُزْدَلِفَةَ، وَقَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَالَ مَالِكٌ: يَمُرُّ إلَى مِنًى، وَلَا وُقُوفَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمِيعِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، كَمَا فِي تَرْكِ الْوُقُوفِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يُهْدِي، فَإِنْ أَتَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ: يَقِفُ إنْ لَمْ يُسْفِرْ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يَقِفُ مَا لَمْ يُسْفِرْ جِدًّا، فَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بَاتَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقَفَ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَقِفْ، فَإِنَّهُ لَا يَلْبَثُ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ، وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ، فَإِنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ كَوَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَالْإِمَامُ يَنْفِرُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَلَا يَنْتَظِرُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، فَإِذَا دَفَعَ مِنْ ائْتَمَّ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَبِتْ مَعَهُ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَدْفَعُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ انْتَهَى.
(قُلْت:) فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ النُّزُولَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ لَزِمَهُ الدَّمُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَمَنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ الشَّمْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَجَمْعٌ وَقَصْرٌ إلَّا لِأَهْلِهَا كَمِنًى وَعَرَفَةَ) ش ظَاهِرُهُ: أَنَّ أَهْلَ مُزْدَلِفَةَ لَا يُجْمِعُونَ، وَلَا يَقْصُرُونَ، وَأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا، وَكَذَا أَهْلُ عَرَفَةَ لَا يُجْمِعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَا يَقْصُرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَصْرِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ، فَإِنَّهُمْ يُجْمِعُونَ قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَهْلُهَا أَيْ: أَهْلُ مُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ شَيْئًا، وَهَذَا حُكْمُ مَنْ فِي مِنًى وَعَرَفَةَ مِنْ الْجَمْعِ وَالْقَصْرِ وَعَدَمِهِ وَحَاصِلُهُ: أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَوْضِعٍ يُتِمُّونَ بِهِ وَيَقْصُرُونَ فِيمَا عَدَاهُ هُنَا انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ضَابِطُهُ: أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَكَان يُتِمُّونَ بِهِ وَيَقْصُرُونَ فِيمَا عَدَاهُ فَيُتِمُّ أَهْلُ عَرَفَةَ بِهَا وَيَقْصُرُونَ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَيُتِمُّ أَهْلُ مُزْدَلِفَةَ بِهَا وَيَقْصُرُونَ بِعَرَفَةَ وَمِنًى وَيُتِمُّ أَهْلُ مِنًى بِهَا وَيَقْصُرُونَ فِي عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي: وَقَالَ بَعْدَهُ: وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ يُرِيدُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْجَلَّابِ، وَفِي الْإِكْمَالِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَاجَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حُكْمُ الْحَاجِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ بِعَرَفَةَ وَمِنًى لِتَقْصِيرِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَلِكَ أَهْلُ عَرَفَةَ وَمِنًى بِمَكَّةَ لِخُطْبَةِ عُمَرَ أَهْلُ مَكَّةَ بِالتَّمَامِ دُونَهُمْ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَأَهْلَ عَرَفَةَ وَمِنًى بِمَكَّةَ يُتِمُّونَ كَغَيْرِ الْحَاجِّ مِنْهُمْ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْمَسَافَةِ مُدَّةُ قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَحُجَّتُنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِتْبَاعِ، وَلِأَنَّ فِي تَكْرَارِ مَشَاعِرِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ مِقْدَارَ الْمَسَافَةِ الَّتِي فِيهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنًى: وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَ الْحَاجِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمِنًى وَبِعَرَفَاتٍ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ عَرَفَةَ بِمِنًى وَمَكَّةَ يَقْصُرُونَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا أَهْلُ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ فَلَا خِلَافَ أَحْسَبُهُ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُتِمُّ بِمَوْضِعِهِ، وَإِنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُتِمُّ أَهْلُ مِنًى بِمِنًى وَأَهْلُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فَلِيَقْصُرْ الصَّلَاةَ بِهَا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُرِيدُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَلَا مِنًى، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا، وَأَتَمَّ، وَأَتَمَّ النَّاسُ مَعَهُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهَا مِنْ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ سُنَّةَ الْقَصْرِ، وَفِي الْإِكْمَالِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ الْحَاجَّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا إلَّا أَهْلَ مَكَّةَ بِمَكَّةَ وَأَهْلَ مِنًى بِمِنًى وَأَهْلَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ إلَّا الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ سَكَّانِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ قَالَ: وَفِيمَا حَكَاهُ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ نَظَرٌ انْتَهَى.
وَوَجْهُ النَّظَرِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ: وَلَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُرِيدُ وَيُتِمُّ النَّاسُ انْتَهَى.
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْإِكْمَالِ هُوَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْهُ، وَنَصُّهُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْحَاجَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ، وَلَا يَقْصُرُ الْعَرَفِيُّ بِعَرَفَةَ، وَلَا الْمَنْوِيَّ بِمِنًى إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلَى أَنَّ

الْجَمِيعَ يُتِمُّونَ؛ إذْ لَيْسُوا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلَى أَنَّ الْجَمِيعَ يَقْصُرُونَ مَعَ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ الْمُتَقَدِّم، وَلَا خِلَافَ أَحْسَبُهُ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُتِمُّ بِمَوْضِعِهِ، وَإِنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْعَرَفِيَّ لَا يُقَصِّرُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ عَرَفَةَ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَيَقْصُرُ كُلُّ حَاجٍّ حَتَّى الْمَكِّيُّ إلَّا الْمَنْوِيَّ وَالْعَرَفِيَّ بِمَحِلِّهِمَا الْبَاجِيُّ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْحَجِّ إنَّمَا يَتِمُّ فِي أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَعَ لُزُومِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَحَلٍّ لِآخَرَ، وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِعَرَفَةَ وَالرُّجُوعَ لَهَا وَاجِبٌ لَازِمٌ فَلَفَّقَ وَلِذَا لَا يَقْصُرُ عَرَفِيٌّ بَعْدَ وُقُوفِهِ وَتَوَجُّهِهِ لِمَكَّةَ وَمِنًى؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لِعَرَفَةَ لِوَطَنِهِ فَلَا يَضُمُّ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ عَلَّلَ قَصْرَ الْحَاجِّ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَمَلَ الْحَاجِّ لَا يَنْقَضِي إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالثَّانِي: أَنَّ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ، وَمِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ قَدْرَ مَا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَيَلْزَمُ الذَّهَابُ وَالْإِيَابُ بِالشُّرُوعِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحَاجَّ مِنْ مَكَّةَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةٌ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ لِلطَّوَافِ فَصَارَ سَفَرُهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ يَجْمَعَ عَلَى مَسِيرِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَعَلَى هَذَيْنِ التَّوْجِيهَيْنِ لَا يَقْصُرُ الْعَرَفِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْوِي مَسَافَةَ قَصْرٍ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَكْثَرُهُ بِالْمَعْنَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى التَّوْجِيهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَالتَّوْجِيهَانِ غَيْرُ مُسَلَّمَيْنِ، فَإِنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَالْحِسُّ يُخَالِفُهُ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْقَصْرَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالسُّنَّةِ وَأَيْضًا، فَإِنَّمَا يُتِمُّ مَا ذَكَرَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْعَرَفِيُّ مُقِيمًا بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إلَى مَكَّةَ لِيَخْرُجَ مَعَ النَّاسِ، كَمَا هُوَ الْأَوْلَى، وَقَدْ نَقَلَ الْبَاجِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَمَاعِ عِيسَى خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رَسْمِ الْقُطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَهْلِ مِنًى، هَلْ يَقْصُرُونَ إذَا أَرَادُوا الْإِفَاضَةَ وَأَهْلَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَهْلُ عَرَفَةَ فَيَقْصُرُونَ، وَلَا يَقْصُرُ أَهْلُ مِنًى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِنًى يَقْصُرُ، فَإِذَا أَفَاضَ قَصَرَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِنًى يُتِمُّ، فَإِذَا أَفَاضَ أَتَمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ فِي الْمَنْوِيِّ صَحِيحٌ لِقُرْبِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَقَوْلُهُ فِي الْعَرَفِيِّ صَحِيحٌ أَيْضًا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ: إنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يَقْصُرُونَ بِمِنًى فَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى وَطَنِهِمْ بِعَرَفَةَ، وَفِي قَوْلِهِ: إنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمِنًى نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: إنَّهُمْ يَقْصُرُونَ بِمِنًى قِيَاسًا عَلَى الْمَكِّيِّ، وَذَلِكَ إنَّمَا فِيهِ الِاتِّبَاعُ لِلرَّسُولِ لِتَقْصِيرِهِ فِيهِمَا، وَلَا يَتَعَدَّى بِالسُّنَّةِ مَوْضِعَهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُوَافَقَةً لِلْأُصُولِ، وَلَا سِيَّمَا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَلَمْ يُجِيزُوا لِلْمَكِّيِّ التَّقْصِيرَ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِنًى يَقْصُرُ، فَإِذَا أَفَاضَ قَصَرَ مِثْلَ قَوْلِهِ أَوَّلًا أَمَّا أَهْلُ عَرَفَةَ فَيَقْصُرُونَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ عَرَفَةَ عِنْدَهُ يَقْصُرُونَ بِمِنًى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ يَقْصُرُ، فَإِذَا أَفَاضَ قَصَرَ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَتَنَاقَضُ بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَهْلَ مِنًى يَقْصُرُونَ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ قَدْ قَالَ: إنَّهُمْ يُتِمُّونَ إذَا أَفَاضُوا انْتَهَى.
فَنَقَلَ الْبَاجِيُّ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ إلَى قَوْلِهِ: وَلَا يَقْصُرُ أَهْلُ مِنًى، وَقَالَ فِي تَوْجِيهِهِمَا مَا نَصُّهُ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْوِيَّ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ يَرْجِعُ إلَى وَطَنِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى وَطَنِهِ فِي مَسَافَةِ إتْمَامٍ، وَالْعَرَفِيُّ يُفِيضُ مِنْ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِإِتْمَامِ حَجِّهِ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى بَعْدَ انْقِضَاءِ حَجِّهِ لَمْ يَقْصُرْ إلَى عَرَفَةَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا السَّمَاعَ وَبَعْضَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ، وَكَلَامَ الْبَاجِيِّ أَيْضًا، وَلَمْ يَبْحَثْ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِمِنًى يَقْصُرُ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا أَفَاضَ الْمَكِّيُّ، وَالْمُقِيمُ بِمَكَّةَ إذَا وَصَلَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِرُجُوعِهِمَا إلَى وَطَنِهِمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَقْصُرُ فِي وَطَنِهِ، وَوَقَعَ فِي رَسْمٍ شَكٌّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَنْصَرِفُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَتُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَكَّةَ أَتَرَى أَنْ

يُتِمَّ الصَّلَاةَ؟ قَالَ نَعَمْ وَأَهْلُ الْمُحَصَّبِ يُتِمُّونَ وَرَاءَهُمْ مِثْلَهُمْ وَأَرَى أَنْ يُحَصِّبَ النَّاسُ بِالْمُحَصَّبِ حَتَّى يُصَلُّوا الْعِشَاءَ.
وَقَدْ حَصَّبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ: أَرَى أَنْ يُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ حِينَ يَنْزِلُونَ بِالْمُحَصَّبِ إذَا أَدْرَكَهُمْ الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَإِنْ تَأَخَّرُوا بِمِنًى فَلْيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ: الْأَوَّلُ: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُتِمُّوا حَتَّى يَأْتُوا الْمُحَصَّبَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ بِهَا أَرْبَعًا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْحَجِّ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ بِمِنًى.
وَفِي جَمِيعِ مَوَاطِنِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ بَعُدَ عَلَى حَالِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فَخَرَجَ إلَى الْحَجِّ فَقِيلَ: إنَّهُ يُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سَفَرٍ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهَا مَنَازِلُ السَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَدَلِيلُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَذَلِكَ أَرْبَعُ لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَ فَقَصَرَ بِمِنًى فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ بِمِنًى وَعَرَفَةَ، وَفِي جَمِيعِ مَوَاطِنِ الْحَجِّ إلَّا فِي رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ حَجِّهِ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَكَانَ أَوَّلًا يَقُولُ: إنَّهُ يُتِمُّ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يُتِمُّ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَقْصُرُ حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَصْرِ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِقَوْلِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ، وَفِي رَسْم الْمُحْرِمِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ مِنًى إذَا انْصَرَفُوا فَأَدْرَكَهُمْ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَبْلُغُوا الْأَبْطَحَ، وَلَا مَكَّةَ فِيمَا بَيْنَ مِنًى وَمَكَّةَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ إقَامَةٌ وَعَنْ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا أَدْرَكَهُمْ - فِي ذَلِكَ - الْوَقْتُ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ انْصَرَفَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فَأَدْرَكَهُ الْوَقْتُ وَخَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَأَنَا أَرَى أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ مِنًى قَدْ انْقَطَعَتْ، وَلَا يَكُونُ فِي مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مَا تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ وَيَذْهَبَ زِحَامُهُمْ قَالَ: أَرَى أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ.
وَأَرَى أَهْلَ الْآفَاقِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَدِي بِأَهْلِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ أَقَامَ لِزِحَامٍ، وَمَنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ قَالَ لِي مَالِكٌ: رَكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ: أَعْجَبُ إلَيَّ قَالَ أَصْبَغَ: رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ قَوْلُهُ: الْآخَرُ أَعْجَبُ إلَيَّ قَالَ أَصْبَغُ، وَبِهِ أَقُولُ: إنَّهُ يَقْصُرُ حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ بِشَيْءٍ بَلْ قَالَ: تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَسْمِ شَكٍّ يُشِيرُ إلَى كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَصَرَةً فَقَالَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ رُجُوعَ مَالِكٍ عَنْ إتْمَامِ الْمَكِّيِّ وَنَاوِي الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَالْمُحَصَّبِيِّ فِي رُجُوعِهِمْ إلَى مَكَّةَ وَمُقَامِهِمْ بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ إلَى قَصْرِهِمْ حَتَّى يَصِلُوا الْمُحَصَّبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَى الْعُتْبِيِّ عَنْ أَصْبَغَ رَجَعَ فَقَالَ الْآخَرُ أَعْجَبُ إلَيَّ.
وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمَكِّيِّ وَالْمَنْوِيِّ فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُحَصَّبِيَّ وَصَرَّحَ بِتَقْصِيرِهِمَا بِالْمُحَصَّبِ قَالَ: وَالْقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْصِيبَ مَشْرُوعٌ أَوَّلًا قَالَ: وَيَلْزَمُ قَصْرَ الْمَنْوِيِّ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ لِمِنًى؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ عَمَلٌ مِنْ الْحَجِّ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ بَحْثًا مَعَ الْبَاجِيِّ فِي تَعْلِيلِ الْقَوْلَيْنِ وَرَدَّهُ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْبَاجِيِّ قَوْلَهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَصْرُ الْمَنْوِيِّ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ لِمِنًى؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ فِي وَطَنِهِ، وَالتَّحْصِيبُ خَارِجٌ عَنْ وَطَنِهِ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يَقْصُرَانِ بِالْمُحَصَّبِ، فَإِنَّهُ جَمَعَ فِي الرِّوَايَةِ مَعَهُمَا الْمُحَصَّبِيُّ، وَذَلِكَ: يَمْنَعُ دُخُولَ مَا بَعُدَ حَتَّى فِيمَا قَبْلَهَا انْتَهَى.
يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: فِي الرِّوَايَةِ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الْمُحَصَّبِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَيَقْصُرَانِ بِالْمُحَصَّبِ، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ السَّمَاعِ، وَأَنَّ فِيهِ حَتَّى يَصِلُوا الْمُحَصَّبَ لَعَلَّهُ فِي نُسْخَتِهِ، وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ حِينَ يَنْزِلُونَ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ

النَّوَادِرِ بَلْ صَرِيحُهَا وَنَصُّهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: الرَّابِعُ: فِي تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الْمَكِّيِّ وَالْمَنْوِيِّ فِي مَسِيرِهِمْ إلَى عَرَفَةَ، وَمِنْ كِتَابِ الْعُتْبِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ انْصَرَفَ مِنْ الْمَكِّيِّينَ، وَأَهْلِ مِنًى مِنْ مِنًى فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَكَّةَ فَلْيُتِمَّ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ وَلْيُقِيمُوا حَتَّى يُصَلُّوا الْعِشَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فِي نُزُولِهِمْ بِالْمُحَصَّبِ أَوْ إنْ تَأَخَّرُوا بِمِنًى يُرِيدُ مِنْ الْمَكِّيِّينَ لِزِحَامٍ وَنَحْوِهِ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَى آخِرِ قَوْلَيْهِ رَجَعَ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ تَخَلَّفَ بِمِنًى يُرِيدُ مِنْ الْمَكِّيِّينَ لِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ تَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ بِهَا أَوْ فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ ثُمَّ قَالَ: يَقْصُرُ، ثُمَّ قَالَ: يُتِمُّ وَبِالْإِقْصَارِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ أَنْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُهُ: وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَمِنْ كِتَابِ الْعُتْبِيِّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَكِّيِّ يُقِيمُ بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ فَلْيُتِمَّ بِمِنًى، وَكَذَلِكَ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ بِمَكَّةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ مِنْهُمْ فَوَاتَ الْوَقْتِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى صَلَّى أَرْبَعًا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَرَاهُ يُرِيدُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ لَهُ مَقَامُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَكَّةَ بِنِيَّةٍ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةٍ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: وَمَنْ أَقَامَ بِمِنًى آخِرَ أَيَّامِ الرَّمْيِ بَعْدَ أَنْ رَمَى لِزِحَامٍ أَوْ لِبَرْدٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: فَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِمِنًى فَلْيَقْصُرْ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَجَعَ إلَيْهَا بَعْدَ الرَّمْيِ فَأَقَامَ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ فَلْيَقْصُرْ كَانَ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ، وَقَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّهُ يُتِمُّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يَقْصُرُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: وَأَهْلُ مِنًى يُتِمُّونَ بِمِنًى وَيَقْصُرُونَ بِعَرَفَةَ وَأَهْلُ عَرَفَةَ يُتِمُّونَ بِهَا وَيَقْصُرُونَ بِمِنًى، وَلَيْسَ الْحَاجُّ كَغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي الْحَجِّ سَفَرٌ يَقْصُرُ فِيهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ سَنَدٌ الْخِلَافَ كَذَلِكَ، وَنَصُّهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي (فَرْعٌ) : فِيمَنْ قَضَى نُسُكَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَكَّةَ فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مَكَّةَ أَوْ نَزَلَ الْمُحَصَّبَ فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلَ مَكَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِنًى فَفَعَلَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يُتِمُّ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فِي نُزُولِهِمْ بِالْمُحَصِّبِ، وَإِنْ تَأَخَّرُوا بِمِنًى لِزِحَامٍ وَنَحْوِهِ يُرِيدُ الْمَكِّيِّينَ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَإِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: رَجَعَ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ انْتَهَى.
، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ نَحْوَ كَلَامِ النَّوَادِرِ، وَأَمَّا مَنْ وَرَدَ عَلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ بِهَا أَرْبَعًا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بِمِنًى، وَفِي جَمِيعِ مَوَاطِنِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ فِي انْصِرَافِهِ إلَى مَكَّةَ إذْ لَمْ يَنْوِ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ أَيْضًا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُ سَنَدٍ: أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِنًى فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ: مِنْ انْصِرَافٍ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ مِنًى مِنْ مِنًى مُرَادُهُمْ بِأَهْلِ مِنًى الْحَاجُّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُحَصِّبُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقَاتِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي تَرْجَمَةِ قَصْرِ الْحَاجِّ بِمِنًى قِيلَ لَهُ يَعْنِي مَالِكًا: فَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مِمَّنْ قَدْ أَتَمَّ بِهَا الصَّلَاةَ إلَى مِنًى أَيَقْصُرُ حِينَ يَخْرُجُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّائِلِ: بَلْ يَقْصُرُ بِمِنًى، وَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ إذَا خَرَجَ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى فَقَالَ: يَقْصُرُ بِمِنًى قِيلَ: فَفِي طَرِيقِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مِنًى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي قَالَ سَنَدٌ: وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ بِمِنًى أَوَّلُ الْمَنَاسِكِ، فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حُكْمُ النُّسُكِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقْصُرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْطَى سَفَرَهُ حُكْمَ الْقَصْرِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ انْتَهَى.
وَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مِنًى عَلَى الْأَحْسَنِ، كَمَا قَالَهُ سَنَدٌ وَبَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ وَكَذَا فِي ذَهَابِهِ إلَى عَرَفَةَ، وَفِي عَرَفَةَ، وَفِي رُجُوعِهِ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي رُجُوعِهِ

إلَى مِنًى، وَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ بِمِنًى إلَّا أَهْلَ كُلِّ مَكَان فِي مَحَلِّهِمْ فَلَا يَقْصُرُونَ فِيهِ، وَمَنْ تَوَجَّهَ مِنْ الْحَاجِّ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَهَلْ يَقْصُرُ فِي حَالِ إفَاضَتِهِ؟ تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ يَقْصُرُ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْمَكِّيِّ وَالْمُقِيمِ بِمَكَّةَ أَيْضًا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ لِوُضُوحِهِ، وَإِذَا رَمَوْا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ ثُمَّ تَوَجَّهُوا إلَى الْمُحَصَّبِ فَنَزَلُوا فِيهِ أَوْ أَقَامُوا بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ أَوْ أَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ فَفِي قَصْرِهِمْ وَإِتْمَامِهِمْ قَوْلَانِ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى الْقَصْرِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ أَمَّا مَنْ قَدِمَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَعَزْمُهُ أَنْ لَا يُقِيمَ بَعْدَهُ فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَلَّ بِهِ، فَإِنْ أَقَامَ قَبْلَ الْحَجِّ أَرْبَعًا أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَعَزَمَ عَلَى الْحَجِّ وَالسَّفَرِ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ إقَامَةً بِمَكَّةَ أَصْلًا فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمُقِيمِ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْحَجِّ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ، وَلَكِنَّ نِيَّتَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ أَرْبَعًا فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّ لَهُ حُكْمَ السَّفَرِ حَتَّى يَرْجِعَ لِلْإِقَامَةِ إلَى مَكَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِيمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ يُرِيدُ الْمُقَامَ بِهَا، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ إلَى مِنًى إلَّا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إنَّهُ يَقْصُرُ حِينَئِذٍ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ حَجِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ مُجْتَازًا يُرِيدُ الْمُقَامَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ، وَلَا تُضَمُّ إقَامَتُهُ الْأُولَى إلَى مَا بَعْدَهَا، كَمَا لَا يُضَمُّ السَّفَرُ الْأَوَّلُ إلَى مَا بَعْدَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَسَنَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَنَصُّ كَلَامِ سَنَدٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي بَابِ الْقَصْرِ فَرْعٌ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي حَاجٍّ أَقَامَ بِمَكَّةَ - حَرَسَهَا اللَّهُ - يُتِمُّ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ فَقَصَرَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا يُرِيدُ بِهَا إقَامَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَسِيرُ إلَى بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ بِهَا قَالَ: وَلَوْ كَانَ لَمَّا وَصَلَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُقِيمَ بِهَا فَلْيَقْصُرْ الصَّلَاةَ إنْ مَرَّ بِهَا فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ إلَيْهَا ثُمَّ يُسَافِرُ فَيَكُونُ سَفَرُهُ الثَّانِي غَيْرَ سَفَرِهِ الْأَوَّلِ أَوْ يَكُونُ عَوْدُهُ إلَيْهَا قَاطِعًا بَيْنَ السَّفَرَيْنِ أَوْ يَخْرُجَ عَنْهَا عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا تَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ فَيَكُونُ سَفَرًا وَاحِدًا فِي سَيْرِهِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ بِهَا مَسْكَنٌ، وَلَا أَهْلٌ انْتَهَى.
وَانْظُرْ، هَلْ تَتَخَرَّجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُقِيمَ يَوْمَيْنِ؟ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ فَقَالَ: إنَّهُ يُتِمُّ فِي الْيَوْمَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّهُ يَقْصُرُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ هُنَاكَ سَفَرٌ طَوِيلٌ يَقْطَعُ حُكْمَ الْإِقَامَةِ، وَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ سَفَرٌ طَوِيلٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْقَصْرُ بِالسُّنَّةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: وَلَوْ خَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ بِلَا خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) مَنْ تَعَجَّلَ وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ، هَلْ يُتِمُّ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ، هَلْ يَتَخَرَّجُ فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ أَوْ لَا؟ أَمَّا عَلَى تَوْجِيهِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُمَا فَيَتَخَرَّجَانِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَأَمَّا عَلَى تَوْجِيهِ الْبَاجِيِّ لَهُمَا فَلَا يَتَخَرَّجَانِ، وَالْإِتْمَامُ أَحْوَطُ (الثَّانِي:) مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي النَّازِلِ فِي الْمُحَصَّبِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي شُرِعَ لَهُ إيقَاعُهَا فِي الْمُحَصَّبِ، وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ: هَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي الثَّالِثِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمُقِيمِ بِمِنًى، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي النَّوَادِرِ بِالظُّهْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الشُّمُولُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ الْحُجَّاجِ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ النُّسُكِ كَالرُّعَاةِ إذَا رَمَوْا الْجَمْرَةَ، وَتَوَجَّهُوا لِلرَّعْيِ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْحُجَّاجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا يُقِيمُ بَعْدَ رَمْيِهِ وَلْيَنْفِرْ وَيُصَلِّي فِي طَرِيقِهِ

وَإِذَا كَانَ لَهُ ثِقْلٌ وَعِيَالٌ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَلَا يُصَلِّي ذَلِكَ الْيَوْمَ بِمَسْجِدِ مِنًى غَيْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ، وَلَا يَرْمِي وَيَرْجِعُ إلَى ثِقْلِهِ فَيُقِيمُ فِيهِ حَتَّى يَتَحَمَّلَ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ أَصْبَغُ: وَالسُّنَّةُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ الْآخِرَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَيَتَوَجَّهُ قَاصِدًا، وَقَدْ أَعَدَّ رَوَاحِلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يَلِي ذَلِكَ لَهُ، وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَإِذَا رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَعْنِي بِهِ ثَالِثَ أَيَّامِ مِنًى، وَهُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ) ش أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْفِرْ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَبِهَذَا صَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرْمِ قَبْلَ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَعَزَا فِي التَّوْضِيحِ الْأَوَّلَ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَالثَّانِيَ: لِابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ صَدَّرَ بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ (قُلْت:) عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ: وَفِيهَا مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْإِمَامِ لَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ رَجَا وُصُولَهَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَخَّرَ الْجَمْعَ إلَيْهَا ابْنُ بَشِيرٍ وَإِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَار انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ رُخْصَةٌ فِي حُكْمِ السُّنَّةِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ قَالَ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَغَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَةَ وَيَرْجِعَ لِلْمُزْدَلِفَةِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِيمَنْ وَقَفَ، وَقَدْ يَحُول هَذَا دُونَ عَرَفَةَ أَوْ يَعُوقُهُ عَائِقٌ فَيُفَوِّتُهُ الْحَجَّ، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ زَوَالَ الشَّمْسِ، وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ وَيَخْرُجَ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَذَلِكَ هُنَا.
ص (وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا) ش أَيْ: وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَى مَحِلِّ الْجَمْعِ أَعَادَهُمَا، وَمَحِلُّهُ الْمُزْدَلِفَةُ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ جَمَعَ الصَّلَاتَيْنِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاتُّفِقَ عَلَى إعَادَةِ الْعِشَاءِ إذَا صَلَّاهَا قَبْلَ الشَّفَقِ لِكَوْنِهِ صَلَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَاخْتُلِفَ فِي إعَادَةِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَبَدًا انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِشَاءَ إذَا صُلِّيَتْ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ تُعَادُ أَبَدًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ) ش الْمَشْعَرُ اسْمُ الْبِنَاءِ الَّذِي بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِهَا، وَقَالَ فِي الزَّاهِي، فَإِذَا أَصْبَحَ وَصَلَّى وَقَفَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ الَّذِي بَنَاهُ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ الْحَاجُّ الْمُقْبِلُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ انْتَهَى.
وَالْوُقُوفُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ يُجْزِي، وَعِنْدَ الْبِنَاءِ أَفْضَلُ وَيَجْعَلُ الْبِنَاءَ عَلَى يَسَارِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِابْنِ عَسْكَرٍ: وَلْيَقِفْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي بِالْمُزْدَلِفَةِ انْتَهَى.
ص (يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلْإِسْفَارِ) ش نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَوَازُ التَّمَادِي بِالْوُقُوفِ إلَى الْأَسْفَارِ وَنَحْوُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمُخْتَصَرِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَقِفُ أَحَدٌ بِالْمَشْعَرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ الْإِسْفَارِ، وَلَكِنْ يَرْكَعُونَ قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَسْفَرَ، وَلَمْ يَدْفَعْ الْإِمَامُ دَفَعَ النَّاسُ وَتَرَكُوهُ قَالَ سَنَدٌ: إذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الدَّفْعَ، فَإِنْ لَمْ يُسْفِرْ لَمْ يَدْفَعْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِهِ وَالْوَقْتُ يَحْتَمِلُ الِاجْتِهَادَ، وَإِنْ أَسْفَرَ، وَلَمْ يَدْفَعْ دَفَعُوا وَتَرَكُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْأَسْفَارِ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ فَيَتْبَعُوهُ فِيهِ وَالْخَطَأُ لَا يُتْبَعُ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ فِي كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
ص (وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ، وَلَا قَبْلَ الصُّبْحِ) ش أَيْ: وَلَا قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: وَمَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَقِفْ انْتَهَى.
ص (وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) ش قَالَ ابْنُ نَاجِي: بَطْنُ مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ بِمِنًى قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَانْظُرْ سِرَّ التَّحْرِيكِ، فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ بَطْنُ مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى بَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ مِنًى، وَفِي كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ مَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِسْرَاعِ فِيهِ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص

وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ، وَإِنْ رَاكِبًا) ش قَالَ سَنَدٌ: وَالرُّكُوبُ فِي الْعَقَبَةِ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الرَّمْيِ حَتَّى يُقَالَ: مَنْ قَدِمَ مِنًى مَاشِيًا فَلْيَرْكَبْ وَقْتَ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ الِاسْتِعْجَالُ فَمَنْ كَانَ رَاكِبًا رَمَى رَاكِبًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ، وَمَنْ كَانَ مَاشِيًا رَمَى مَاشِيًا، وَلَوْ مَشَى الرَّاكِبُ وَرَكِبَ الْمَاشِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هَيْئَةٌ، وَلَيْسَ بِنُسُكٍ مُسْتَقِلٍّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلْيَمْشِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَفِي الْيَوْمِ الْآخَرِ فَقِيلَ: إنَّ النَّاسَ قَدْ تَحَمَّلُوا مَرْحَلَتَيْنِ قَالَ فِي ذَلِكَ سِعَةٌ رَكِبَ أَوْ مَشَى انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلْيَرْمِهَا رَاكِبًا، كَمَا هُوَ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُرِيدُ أَنَّ الرُّكُوبَ لَيْسَ هُوَ لِأَجْلِ الْجَمْرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاسْتِعْجَالُ بِهَا، فَإِذَا قَدِمَ رَاكِبًا مَرَّ، كَمَا هُوَ إلَيْهَا وَرَمَى، وَإِنْ قَدِمَ فِي غَيْرِ وَقْتِ رَمْيٍ أَخَّرَ الرَّمْيَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ إلَيْهَا بَلْ يَمْشِي لَهَا كَمَا يَمْشِي لِسَائِرِ الْجِمَارِ، فَإِنَّ الْمَشْيَ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمَا رَوَاهُ نَافِعٌ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إذَا رَمَوْا الْجِمَارَ مَشَوْا ذَاهِبِينَ وَرَاجِعِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَكِبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ (فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَلَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَرْمِيهَا مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِزِحَامٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْمِيَهَا مِنْ فَوْقِهَا، وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ لِزِحَامٍ ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ فَقَالَ: لَا يَرْمِيهَا إلَّا مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِذَا رَمَاهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَلِيَسْتَقْبِلهَا وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَفْعَلُ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا بَعْدَ الرَّمْيِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَجَعَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَقِفُ لِلدُّعَاءِ ظَاهِرُ الْبَاجِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِيهِ سَعَةٌ لِلْقِيَامِ لِمَنْ يَرْمِي، وَأَمَّا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَمَوْضِعُهَا ضَيِّقٌ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَنْصَرِفُ الَّذِي يَرْمِيهَا عَلَى طَرِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الَّذِي يَأْتِي لِلرَّمْيِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ مِنْ أَعْلَى الْجَمْرَةِ انْتَهَى.
ص (وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ) ش شَمِلَ قَوْلُهُ: نِسَاءٍ الْجِمَاعَ وَمُقَدِّمَاتِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُبَاحُ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنَّ عَقَدَ النِّكَاحَ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِنْ قَبِلَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَأَمَّا الْجِمَاعُ فَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ، وَالتَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ يَحْصُلُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بِخُرُوجِ وَقْتِ أَدَائِهَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ بَابِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ: وَفَوْتُ رَمْيِ الْعَقَبَةِ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ كَفِعْلِهَا فِي الْإِحْلَالِ الْأَصْغَرِ لِسَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ مَضَى إثْرَ وُقُوفِهِ لِبَلَدِهِ رَجَعَ لَابِسًا ثِيَابَهُ انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْأَدَاءِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) ش ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى مُحَمَّدٌ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَفِيهَا قِيلَ: إنْ سَبَّحَ أَيُجْزِئُهُ؟ قَالَ: السُّنَّةُ التَّكْبِيرُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَبُو عُمَرَ إجْمَاعًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَمَنْ لَمْ يُكَبِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْجِمَارِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الرَّمْيُ حِفْظًا لِعَدَدِهِ كَالتَّسْبِيحِ بِالْحَصَى فَالدَّمُ يَتَعَلَّقُ عِنْدَهُمْ بِتَرْكِ التَّكْبِيرِ لَا بِتَرْكِ الرَّمْيِ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَحَكَى فِي الطِّرَازِ أَيْضًا الْإِجْزَاءَ عَنْ الْجُمْهُورِ (تَنْبِيهٌ:) ذَكَرَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي مَنْسَكِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَقُولُ مَعَ التَّكْبِيرِ هَذِهِ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَهَذِهِ فِي غَضَبِ الشَّيْطَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الزَّاهِي وَيَقُولُ: إذَا رَمَى الْجِمَارَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا انْتَهَى.
وَيَعْنِي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكُلَّمَا رَمَى أَوْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا انْتَهَى.
ص

وَتَتَابُعُهَا) ش أَيْ: نُدِبَ تَتَابُعُ الْحَصَيَاتِ السَّبْعِ أَيْ: مُوَالَاتُهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: بَعْدُ وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ أَيْ: تَتَابُعُ الرَّمْيِ فِي الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، وَفِي غَيْرِهَا فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ خَاصٌّ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالثَّانِي: عَامٌّ فِي الْجِمَارِ كُلِّهَا انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّتَابُعِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ.
ص (وَلَقْطُهَا) ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَقْطُهَا أَوْلَى مِنْ كَسْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: وَلَقْطُهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَسْرِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى كَسْرِهَا فَلَا بَأْسَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَصَى الْجِمَارِ بِمَنْزِلِهِ مِنْ مِنًى أَوْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَخْذُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَنَاسِكِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَخْذُهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ

ص (وَطَلَبُ بَدَنَةٍ لَهُ لِيَحْلِقَ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْحَلْقِ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ بِلَا عُذْرٍ مَكْرُوهٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فَتَأْخِيرُ الذَّبْحِ أَيْضًا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَلْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ حَلْقُهُ) ش الِاسْتِحْبَابُ يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ أَوْ إلَى إيقَاعِ الْحَلْقِ عَقِبَ الذَّبْحِ أَمَّا الْحَلْقُ نَفْسُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ هُوَ أَوْ التَّقْصِيرُ ثُمَّ اسْتِحْبَابُ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ لَيْسَ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْحَلْقُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَمَا إذَا كَانَ الشَّعْرُ قَصِيرًا جِدًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّأْسِ شَعْرٌ كَالْأَقْرَعِ، فَإِنَّهُ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَلَوْ أَمَّرَ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ فِي الْإِحْرَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَيَتَعَيَّنُ الْحَلْقُ أَيْضًا فِي الرَّجُلِ إذَا لَبَّدَ رَأْسَهُ أَوْ عَقَصَ أَوْ ضَفَرَ لِلسُّنَّةِ وَيَتَعَيَّنُ التَّقْصِيرُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَلَوْ لَبَّدَتْ وَيُخَيَّرُ فِي الصَّغِيرَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّقْصِيرُ إمَّا لِتَصْمِيغٍ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّمْغَ فِي الْغَاسُولِ ثُمَّ يُلَطِّخَ بِهِ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ يُقَصِّرَ الشَّعْرَ جِدًّا أَوْ لِقِصَرِ الشَّعْرِ جِدًّا أَوْ عَدَمِ الشَّعْرِ تَعَيَّنَ الْحَلْقُ بِأَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ضَفَرَ أَوْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَعَلَيْهِ الْحَلْقُ التُّونُسِيّ الْحِلَاقُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ، وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِتَصْمِيغٍ نُظِرَ لِإِمْكَانِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يُقَصِّرَ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ عُلَمَاؤُنَا تُعْيِينَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِالسُّنَّةِ وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ لَبَّدَتْ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا التَّقْصِيرُ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمِنْ الشَّأْنِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالْغَاسُولِ وَالْخِطْمِيِّ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِقَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا الشَّأْنُ غَسْلُ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَالْغَاسُولِ حِينَ إرَادَةِ حَلْقِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْحِلَاقُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ إلَّا لِلْمُتَمَتِّعِ، فَإِنَّ التَّقْصِيرَ فِي الْعُمْرَةِ أَفْضَلُ لَهُ لِيَبْقَى عَلَيْهِ الشَّعَثُ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ (قُلْت:) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّقْصِيرُ مُطْلَقًا، وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ تَقْرُبَ أَيَّامُ الْحَجِّ وَنَصُّهُ، وَسُئِلَ عَنْ الْمُعْتَمِرِ أَيَحْلِقُ رَأْسَهُ أَحَبُّ إلَيْكَ أَمْ يُقَصِّرُ؟ قَالَ: بَلْ يَحْلِقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَيَتَقَارَبُ الْحَجُّ مِثْلَ الْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ، قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِقَ وَيُقَصِّرَ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْحَلْقُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَدَأَ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَدَعَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُحَلِّقَيْنِ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَقْرُبَ أَيَّامُ الْحَجِّ فَالتَّقْصِيرُ فِي الْعُمْرَةِ أَفْضَلُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَلْقُ الْمُعْتَمِرِ أَفْضَلُ مِنْ تَقْصِيرِهِ إلَّا أَنْ يُعْقِبَهُ بِيَسِيرِ أَيَّامٍ فَتَقْصِيرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى.
فَفِي الرِّوَايَة تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَهِيَ فِي الْعُرْفِ مِنْ أَوَائِلِ شَهْرِ ذِي الْحَجَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إيقَاعُ الْحَلْقِ عَقِبَ الذَّبْحِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: إنَّ الْمَكِّيَّ الْقَارِنَ لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَلْزَمُهُ فِي حَقِّ كُلِّ

مَنْ أَخَّرَ السَّعْيَ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ:) حُكْمُ الصَّبِيِّ حُكْمُ الرَّجُلِ فِي الْحِلَاقِ قَالَهُ سَنَدٌ (الثَّانِي:) قَالَ سَنَدٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حِلَاقِ رَأْسِهِ، وَلَا التَّقْصِيرِ مِنْ وَجَعٍ بِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيُ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَقَالَهُ أَيْضًا فِي - مَنَاسِكِهِ - فِي تَحَلُّلِ الْحَجِّ، وَالتَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فِي الْهَدْيِ هُوَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى وَانْظُرْ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ إذَا صَحَّ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنِ حَبِيبٍ: وَيَبْلُغُ بِالْحِلَاقِ يُرِيدُ أَوْ بِالتَّقْصِيرِ إلَى عَظْمِ الصُّدْغَيْنِ مُنْتَهَى طَرَفِ اللِّحْيَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ، وَلَا يَتِمُّ نُسُكُ الْحَلْقِ إلَّا بِحَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَالشَّعْرِ الَّذِي عَلَى الْأُذُنَيْنِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَحْلِقُ مَا عَلَى الْأُذُنَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي كَوْنِهَا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِذَا بَدَأَ بِالْحَلْقِ بَدَأَ بِالْيَمِينِ انْتَهَى.
وَلَفْظُ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ فِي مَنْسَكِهِ وَيَبْدَأُ فِي حِلَاقِهِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ بَعْدَهُ عِيَاضٌ فِي بُدَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَلْقِهِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ مَشْهُورٌ سُنَّةً فِي التَّيَامُنِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي وَيَبْدَأُ الْحَالِقُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ، وَلْيَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا الشِّقَّ الْأَيْمَنَ لِلْمَحْلُوقِ، وَقَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ: يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْ: الْمُحْلَقُ رَأْسُهُ فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ مَنْسَكَ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ عَنْ وَكِيعٍ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: أَخْطَأْتُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ فَعَلَّمَنِيهَا حَجَّامٌ وَذَلِكَ: أَنِّي حِينَ أَرَدْتُ أَنْ أَحْلِقَ رَأْسِي وَقَفْتُ عَلَى حَجَّامٍ فَقُلْتُ بِكَمْ تَحْلِقُ رَأْسِي، فَقَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: النُّسُكُ لَا يُشَارَطُ عَلَيْهِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لِي: حَوِّلْ وَجْهَكَ إلَى الْقِبْلَةِ، فَحَوَّلْتُ، وَأَرَدْتُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسِي مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَقَالَ لِي: أَدِرْ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ مِنْ رَأْسِكَ فَأَدَرْتُهُ، فَجَعَلَ يَحْلِقُ، وَأَنَا سَاكِتٌ فَقَالَ لِي: كَبِّرْ فَجَعَلْتُ أُكَبِّرُ حَتَّى قُمْتُ؛ لِأَذْهَبَ قَالَ لِي أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ رَحْلِي، فَقَالَ لِي: ادْفِنْ شَعْرَكَ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ امْضِ، فَقُلْتُ لَهُ مِنْ أَيْنَ لَكَ مَا أَمَرْتَنِي، فَقَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ رَبَاحٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَهَذَا يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَصَايَا مِنْ الْفُتُوحَاتِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا عَصَيْتَ اللَّهَ فِي مَوْضِعٍ فَلَا تَبْرَحْ مِنْهُ حَتَّى تَعْمَلَ فِيهِ طَاعَةً لِمَا يَشْهَدُ عَلَيْكَ يَشْهَدُ لَكَ، وَكَذَلِكَ ثَوْبُكَ إذَا عَصَيْتَ اللَّهَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُفَارِقُكَ مِنْكَ مِنْ قَصِّ الشَّارِبِ وَحَلْقِ عَانَةٍ وَقَصِّ أَظَافِرَ وَتَسْرِيحِ لِحْيَةٍ وَتَنْقِيَةِ وَسَخٍ لَا يُفَارِقُكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا وَأَنْتَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْكَ كَيْفَ تَرَكَكَ، وَأَقَلُّ عِبَادَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهَا عِنْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكَ حَتَّى تَكُونَ مُؤَدِّيًا وَاجِبًا فِي امْتِثَالِ قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] ثُمَّ قَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] يَعْنِي بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ، وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْحَلْقِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تَغْشَى الْحَاجَّ عِنْدَ حِلَاقِهِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ:) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ إذَا حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ حَالَةِ الْإِحْرَامِ وَحَالَةِ الْإِحْلَالِ، وَكَذَلِكَ الْحَادَّةُ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تُزِيلَ الشُّعْثَ عَنْ نَفْسِهَا لِتُخَالِفَ بَيْنَ زَمَانِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَبَدَأَ بِقَلْمِ أَظَافِرِهِ، وَأَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ وَاسْتَحَدَّ وَاطَّلَى بِالنُّورَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ وَأَظَافِرِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ فِي مَنْسَكِهِ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: وَخُذْ مِنْ شَارِبِكَ وَلِحْيَتِكَ عِنْدَ الْحَلْقِ وَبَالِغْ فِي الْأَخْذِ مِنْ اللِّحْيَةِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ

الْوَقْتِ مَا لَا يُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وَقَضَاءُ التَّفَثِ حِلَاقُ الرَّأْسِ، وَقَصُّ الْأَظَافِرِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الْجَسَدِ وَالْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَالنَّذْرُ رَمْيُ الْجِمَارِ يَوْمَ النَّحْرِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ لِمَا جَاوَزَ الْقَبْضَةَ وَيَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ عَارِضَيْهِ، وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لِلْمُعْتَمِرِ بَعْدَ السَّعْيِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ زَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَوَّرَ وَيَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَيَأْخُذَ مِنْ شَارِبِهِ وَلِحْيَتِهِ قَبْلَ حَلْقِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَكْرَهُ غَسْلَ الْمُعْتَمِرِ رَأْسَهُ أَوْ لُبْسَهُ قَمِيصًا قَبْلَ حَلْقِهِ الْبَاجِيُّ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ وُجِدَ مِنْهُ تَحَلُّلٌ فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْمُعْتَمِرُ لَا تَحَلُّلَ لَهُ قَبْلَ حَلْقِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيُكْرَهُ لَهَا الْحِلَاقُ هَكَذَا حَكَى الْبَلَنْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ الْحَلْقَ لِلْمَرْأَةِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ بِهَا أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَيَجُوزُ فِيهَا الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ اللَّخْمِيّ، وَكَذَلِكَ الْكَبِيرَةُ إذَا كَانَ بِرَأْسِهَا أَذًى، وَالْحَلْقُ صَلَاحٌ لَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا التَّقْصِيرُ رَوَى مُحَمَّدٌ، وَلَوْ لَبَّدَتْ الْبَاجِيُّ بَعْدَ زَوَالِ تَلْبِيدِهَا بِامْتِشَاطِهَا ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَلْتَأْخُذْ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ كُلِّ قُرُونِهَا الشَّيْءَ الْقَلِيلَ، مَا أَخَذَتْ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهَا الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ: حَلْقُ الصَّغِيرَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَقْصِيرِهَا وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّخْيِيرَ اللَّخْمِيُّ بِنْتُ تِسْعٍ كَالْكَبِيرَةِ، وَيَجُوزُ فِي الصَّغِيرَةِ الْأَمْرَانِ وَحَلْقُ بَعْضِهِ أَوْ تَقْصِيرُهُ لَغْوٌ، وَلَا نَصَّ فِي تَعْمِيمِهِ مِنْهُمَا، وَالْأَقْرَبُ الْكَرَاهَةُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَعْنِي التَّعْمِيمَ مِنْهَا انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطِّرَازِ.
ص (تَأْخُذُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) ش قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَعُمَّ الْمَرْأَةُ الشَّعْرَ كُلَّهُ طَوِيلَهُ وَقَصِيرَهُ بِالتَّقْصِيرِ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ انْتَهَى.
، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ تَقْصِيرُ الرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ، وَلَكِنْ يَجُزُّهُ جَزًّا، وَلَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجُزَّهُ وَأَخَذَ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَيُجْزِئُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِيهَا مَا أَخَذَ مِنْ كُلِّ شَعْرِهِ أَجْزَأَ انْتَهَى.
وَفِي الطِّرَازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَمَا أَخَذَ مِنْهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ أَجْزَأَ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَقَلُّ مَا يَكْفِي مِنْ التَّقْصِيرِ الْأَخْذُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ طَوِيلِهِ وَقَصِيرِهِ كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَعَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِأُنْمُلَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ يُفِيضُ) ش قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ فِي مَنْسَكِهِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤَخِّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ الْحَلْقِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَقْضِي حَوَائِجَهُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَاف الْإِفَاضَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى، وَلَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ، وَلَا بِطَوَافَيْنِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَطُوفُوا يَوْمَ النَّحْرِ ثَلَاثَ أَسَابِيعَ قَالَ: وَقَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ سَمِعَ الْأَذَانَ، هَلْ تَرَى لَهُ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى فَيُصَلِّيَ بِهَا الظُّهْرَ إنْ كَانَ أَفَاضَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ أَوْ الْمَغْرِبِ إنْ كَانَ أَفَاضَ فِي آخِرِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَزَادَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ فَوَاسِعٌ أَنْ يَثْبُتَ لِيُصَلِّيَ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِيمَنْ أَفَاضَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الزَّاهِي: وَلَا يَمْضِي مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى لِلطَّوَافِ تَطَوُّعًا وَيَلْزَمُ مَسْجِدَ الْخَيْفِ لِلصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ انْتَهَى.

ص

وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ إنْ حَلَقَ) ش أَيْ: وَحَلَّ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ مَا بَقِيَ، وَهُوَ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ وَالصَّيْدُ وَكَرَاهَةُ الطِّيبِ، وَهَذَا يُسَمَّى التَّحَلُّلَ الثَّانِيَ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَالتَّحَلُّلُ الثَّانِي فِي حَقِّهِ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى قَالَهُ سَنَدٌ فِي آخِرِ بَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَشَرَحَ مَسْأَلَةَ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ مِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ، وَقَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْمَقْصِدِ الثَّامِنِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْبَابِ الثَّالِثِ فِي بَيَانِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَيَرْجِعُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَأْتِي بِعُمْرَةٍ إنْ أَصَابَ النِّسَاءَ انْتَهَى.
، وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ) ش نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُرِيدُ أَوْ طَالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْت، هَلْ يُقَيِّدُ وُجُوبَ الدَّمِ بِمَا إذَا أَخَّرَهُ إلَى الْمُحَرَّمِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ قِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْبَاجِيَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يَنْفِي هَذَا التَّقْيِيدَ وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا تَبَاعَدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ أَهْدَى، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ، وَإِنْ ذَكَرَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَلْيَرْجِعْ حَتَّى يَحْلِقَ ثُمَّ يُفِيضَ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَا إذَا أَخَّرَ الْمُحْصَرُ الْحَلْقَ إلَى بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا نَصُّهُ: رَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّمَ فِي الْحِلَاقِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، وَوَقْتُهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَلَا يَجِبُ فِي مَكَانِ تَحَلُّلِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ مِنْ مِنًى، وَلَمْ يَحْلِقْ بِهَا وَحَلَقَ فِي غَيْرِهَا فِي وَقْتِ الْحِلَاقِ، وَأَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهَى.
ص (أَوْ الْإِفَاضَةُ لِلْمُحَرَّمِ) ش وَكَذَا لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَأَخَّرَ السَّعْيَ حَتَّى دَخَلَ الْمُحَرَّمُ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ فِي بَابِ الْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ مَعًا فَهَدْيٌ وَاحِدٌ يُجْزِيهِ قَالَهُ سَنَدٌ فِي بَابِ الطَّوَافِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ) ش بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَلْقِ فِي قَوْلِهِ: كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ.
ص (وَإِنْ لِصَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ أَوْ عَاجِزٍ وَلْيَسْتَنِبْ) ش يَعْنِي أَنَّ الْهَدْيَ يَتَرَتَّبُ بِتَأْخِيرِ حَصَاةٍ أَوْ جَمْرَةٍ أَوْ الْجِمَارِ كُلِّهَا لِلَيْلٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّأْخِيرُ لِصَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ عَنْهُ وَلِيُّهُ حَتَّى غَرَبَتْ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل