غسل الزوجين للآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الشَّمْسُ أَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِمَرِيضٍ عَاجِزٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَالْحَالُ: أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرَّمْيِ يَسْتَنِيبُ لَكِنَّ اسْتِنَابَتَهُ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ إذَا صَحَّ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَرَمَى عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا رَمَى عَنْهُ وَلِيُّهُ فَلَا هَدْيَ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْعَاجِزِ أَنَّ الرَّمْيَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ جُزْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ الَّتِي تُفْعَلُ بِالصَّبِيِّ، وَالْفَاعِلُ فِي الْحَقِيقَةِ لَهَا غَيْرُ الصَّبِيِّ فَلَا يَلْزَمُ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ هَدْيٌ، كَمَا لَا يَلْزَمُ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ مِنْ وُقُوفٍ وَطَوَافٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَرِيضُ هُوَ الْفَاعِلُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ، فَإِذَا فُعِلَ عَنْهُ الرَّمْيُ خَاصَّةً مَعَ أَنَّهُ أَتَى بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ صَارَ كَأَنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَقَعْ أَلْبَتَّةَ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَعَادَ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ) ش الظَّاهِرُ: أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَى الْوُجُوبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ كَالنَّاسِي قَالَ: وَإِذَا قَضَى، فَإِنَّهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يَرْمِي عَنْ الْيَوْمِ الثَّانِي كَذَلِكَ ثُمَّ الثَّالِثِ كَذَلِكَ، وَلَا يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَقْدِيمُ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ) ش أَمَّا تَقْدِيمُ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرُهَا لَا، كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ هَدْيٌ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إذَا أُطْلِقَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِلْهَدْيِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ فَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْإِجْزَاءَ مَعَ الْهَدْيِ، كَمَا قَالَ هُنَا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ، وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُفِضْ، وَأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ إفَاضَتِهِ وَقَبْلَ الرَّمْيِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ أَصْبَغُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْإِفَاضَةَ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ آكَدُ (تَنْبِيهٌ:) وَانْظُرْ لَوْ أَعَادَ الْإِفَاضَةَ بَعْدَ الرَّمْيِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ أَمْ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا، قُلْنَا: يُجْزِئُهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا أَخَّرَ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ بَعْدَ مَا رَمَى قَالَ أَصْبَغُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يُجْزِهِ لَفَسَدَ حَجُّهُ، كَمَا قَالَ أَشْهَبُ وَأَنْ يُعِيدَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَصْوَنُ وَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: وَهَلْ يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ؟ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ مَعَ الْهَدْيِ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعَادَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (لَا إنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ) ش بِأَنْ قَدَّمَ النَّحْرَ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ أَوْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ عَلَى النَّحْرِ أَوْ عَلَى الْحَلْقِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا.
ص (فَوْقَ الْعَقَبَةِ) ش أَيْ: فَوْقَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يَجُوزُ الْمَبِيتُ دُونَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مِنًى، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُرَحَّلُ النَّاسَ مِنْ وَرَائِهَا، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ بَاتَ رَجُلٌ لَيْلَةً وَرَاءَ الْعَقَبَةِ فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيتَ
اللَّيْلَةَ كُلَّهَا بِغَيْرِ مِنًى انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى وَالرَّمْيُ، وَلَيْسَ مَا بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِنْ مِنًى فَمِنْ بَاتَ بَعْدَهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَبِتْ بِمِنًى، وَقَالَ بَعْدَهُ بِنَحْوِ وَرَقَةٍ: وَيُشْتَرَطُ فِي التَّعْجِيلِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِنًى بِأَنْ يَتَجَاوَزَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ حُكْمِ مِنًى وَرَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ الْوُسْطَى، وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْأُولَى ثُمَّ الثَّالِثَةَ، وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَهِيَ الْقُصْوَى، وَهِيَ أَبْعَدُ الْجِمَارِ إلَى مِنًى وَأَقْرَبُهَا إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ الَّتِي تُرْمَى يَوْمَ النَّحْرِ، وَهِيَ عَلَى حَدِّ أَوَّلِ مِنًى مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ آخِرُ مِنًى مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الْمَذْكُورِ الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ الرَّمْيِ سُنَّةٌ وَتَارِكُهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَلَوْ بَاتَ تَحْتَ الْجَمْرَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ وَسَوَاءٌ اللَّيْلُ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
وَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مِنْ إطْلَاقَاتِهِمْ لَفْظَ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ قَبْلَ هَذَا: وَرَمْيَةُ الْعَقَبَةِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ، وَقَالَ وَرَمْيُ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي) ش يَعْنِي أَنَّ التَّعْجِيلَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَمَنْ جَاوَزَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَهَا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمَى الْيَوْمَ الرَّابِعَ (فَرْعٌ) : وَمَنْ أَفَاضَ لَيْسَ شَأْنُهُ التَّعْجِيلَ فَبَدَا لَهُ بِمَكَّةَ أَنْ يَبِيتَ فَلَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ تَغِبْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بِمَكَّةَ، فَإِذَا غَابَتْ فَلْيُقِمْ حَتَّى يَرْمِيَ مِنْ الْغَدِ (فَرْعٌ) : وَلَوْ رَجَعَ إلَى مِنًى ثُمَّ بَدَا لَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَنْ يَتَعَجَّلَ فَلَهُ ذَلِكَ.
ص (فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ) ش أَيْ: الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: مَنْ تَعَجَّلَ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ حَصًى أَعَدَّهُ لِرَمْيِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ طَرَحَهُ أَوْ دَفَنَهُ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ أَثَرٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) قَالَ التَّادَلِيُّ، وَفِي مَنْسَكٍ مَكِّيٍّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ دَفَنَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَصَا، وَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَصَاةً، وَهُوَ غَرِيبٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَدْفِنُ الْحَصَى إذَا تَعَجَّلَ، وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ انْتَهَى.
ص (وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ: فَيَرْمِيَ لِلْيَوْمَيْنِ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا لَيْلًا فَيَرْمُوا مَا فَاتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إذْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ، وَلِلْيَوْمِ الثَّانِي فَرَمْيُهُمْ لَيْلًا أَوْلَى بِالْجَوَازِ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا لَيْلًا إلَى مِنًى فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ الْمَبِيتِ بِهَا قَالَ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الرَّعْيِ إنَّمَا تَكُونُ بِالنَّهَارِ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْيِ وَبِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَرَّقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ السِّقَايَةِ إذَا غَرَبَتْ لَهُمْ الشَّمْسُ بِمِنًى قَالُوا؛ لِأَنَّ سِقَايَتَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى بِخِلَافِ الرُّعَاةِ (تَنْبِيهٌ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هُنَا حُكْمَ السِّقَايَةِ مَعَ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي مَنَاسِكِهِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: يَجُوزُ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَيَبِيتُونَ بِمَكَّةَ وَيَرْمُونَ الْجِمَارَ بِمِنًى نَهَارًا وَيَعُودُونَ إلَى مَكَّةَ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ أَهْلَ السِّقَايَةِ لَيْسُوا كَالرُّعَاةِ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي مَنَاسِكِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ سَوَاءٌ (فَائِدَةٌ:) تَتَضَمَّنُ الْكَلَامَ عَلَى حِكْمَةِ أَصْلِ خُرُوجِ سَابِقِ الْحَاجِّ الْمُبَشِّرِ عَنْهُمْ بِسَلَامَتِهِمْ وَوَقْتِ خُرُوجِهِ، هَلْ هُوَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ فِي جَامِعِ الْقَضَاءِ: إنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ مَا نَصُّهُ أَخْرَجَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ ثَانِي التَّلْخِيصِ مِنْ طَرِيق حُسَيْنٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ جَبَلِ أَجْيَادٍ فِي
أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالنَّاسُ بِمِنًى قَالَ فَلِذَلِكَ جَاءَ سَابِقُ الْحَاجِّ يُخْبِرُ بِسَلَامَةِ النَّاسِ (قُلْت:) هَذَا أَصْلُ قُدُومِ الْمُبَشِّرِ عَنْ الْحَاجِّ، وَفِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَّا أَنَّ الْمُبَشِّرَ الْآنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الْعِيدِ وَحَقُّهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ مَرْدُوَيْهِ أَخْرَجَ فِي السِّيرَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ أَرَاهُ رَفَعَهُ، قَالَ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً فَبَيْنَمَا هُمْ قُعُودٌ تَرْبُوا الْأَرْضُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ تَصَعَّدَتْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ تَخْرُجُ حِينَ يَسْرِي الْإِمَامُ مِنْ جَمْعٍ، وَإِنَّمَا جُعِلَ سَابِقُ الْحَاجِّ لِيُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّ الدَّابَّةَ لَمْ تَخْرُجْ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ خُرُوجَ الْمُبَشِّرِ يَوْمَ الْعِيدِ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ انْتَهَى.
ص (وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ) ش أَيْ: تَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ إلَى مِنًى فِي الرَّدِّ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ لَهُ صُرَاخًا أَيْ: مِنْهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي فِي الْأَشْعَارِ مِنْ الرَّأْسِ لِلرَّقَبَةِ أَيْ: مِنْ الرَّقَبَةِ أَيْ: مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: أَمَّا دَفْعُهُ مِنْ الْمَشْعَرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَسُنَّةٌ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ لَيْلًا كَنَفْرِهِمْ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّلْقِينِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقَدِّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى بِشَرْطِ الدَّمِ، وَقِيلَ: إنَّهَا رُخْصَةٌ لَهُ خُصُوصًا انْتَهَى.
، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) ش هَذَا وَقْتُ الْأَدَاءِ، وَالْوَقْتُ الْمُخْتَارُ مِنْهُ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الِاصْفِرَارِ.
ص (وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ) ش قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا حَجَرًا، وَلَا يُجْزِي غَيْرُ الْحَجَرِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْحَصَى وَالْجِمَارِ إلَّا أَنَّ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ غَيْرِهِ نَظَرًا انْتَهَى.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَكُونَ حَصَى الْجِمَارِ أَكْبَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ قَلِيلًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ سَنَدٌ: وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَرْمِي بِأَكْبَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ وَاسْتَشْكَلَ الشَّافِعِيُّ اسْتِحْبَابَ مَالِكٍ كَوْنَهَا أَكْبَرَ مَعَ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْبَاجِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَالثَّانِي لِعَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ لَكِنْ اسْتَحَبَّ الزِّيَادَة عَلَى حَصَى الْخَذْفِ لِئَلَّا يُنْقِصَ الرَّامِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَوْقَ الْفُسْتُقِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: سَمِعْتُ خَطِيبَ الْحَاجِّ بِمَكَّةَ يَقُولُهُ ثُمَّ رَأَيْتُهُ لِأَصْحَابِنَا انْتَهَى.
[فَرْعٌ الرَّمْي بالحجر الْمُتَنَجِّس]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الزَّاهِي وَيَحْمِلُ حَصَى نَفْسِهِ، وَلَا يَسْتَعِينُ عَلَى حَمْلِهِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَغْسِلُ الْحَصَى.
ص (وَإِنْ بِمُتَنَجِّسٍ) ش يَعْنِي: الرَّمْيُ يَصِحُّ بِالْحَجَرِ الْمُتَنَجِّسِ يُرِيدُ، وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ سَنَدٌ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ رَمَى بِحَجَرٍ نَجِسٍ أَجْزَأَهُ قَالَ: وَلَيْسَ يَبْعُدُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الطِّرَازِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَوْ رَمَى بِحَجَرٍ نَجِسٍ لَأَجْزَأَهُ، وَهَذَا لَا يَبْعُدُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الْحَصَى يَلْتَقِطُهَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهَا، وَلَوْ كَانَ تَحَقُّقُ النَّجَاسَةِ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لَكَانَ تَوَقُّعُهَا يُؤْذِنُ بِاسْتِحْبَابِ غَسْلِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ بِحَجَرٍ نَجَسٍ، وَإِنْ رَمَى بِهِ أَعَادَ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَفَاتَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّمْيُ بِالْحَصَى، وَقَدْ حَصَلَ فَوَقَعَ الْإِجْزَاءُ انْتَهَى.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُفْهِمُ الْكَرَاهَةَ، وَلَا اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ لِمَالِكٍ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ مَالِكٍ الْإِجْزَاءَ فِي الْحَجَرِ النَّجِسِ.
ص (عَلَى الْجَمْرَةِ) ش قَالَ الْبَاجِيُّ الْجَمْرَةُ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْي
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَمْرَةِ الْبِنَاءَ الْقَائِمَ، وَذَلِكَ: الْبِنَاءُ قَائِمٌ وَسَطَ الْجَمْرَةِ عَلَامَةً عَلَى مَوْضِعِهَا وَالْجَمْرَةُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ رَمَى الْجَمْرَةَ فِي مَرْمَاهَا صَحَّ الرَّمْيُ انْتَهَى مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْإِرْشَادِ.
ص (وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ) ش الظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَلَوْ رَمَى مِنْ الْغَدِ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَنَّهُ نَسِيَ حَصَاةً مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِالْأَمْسِ فَيَرْمِي الْأُولَى بِحَصَاةٍ وَالثِّنْتَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ ثُمَّ يُعِيدُ رَمْيَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُهُ: يَرْمِي الْأُولَى بِحَصَاةٍ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُهَا بِسَبْعٍ حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ، هَلْ الْفَوْرُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ الذِّكْرِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الطِّرَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَ مِنْ بَابِ حُكْمِ مِنًى مَعَ الرَّمْيِ وَإِعَادَتِهِ لِرَمْيِ مَا حَضَرَ وَقْتُهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الْوَقْتِيَّةِ إذَا صَلَّاهَا قَبْلَ مَنْسِيَّةٍ قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَقَوْلُهُ: يَعْنِي فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ يُعِيدُ رَمْيَ يَوْمِهِ يَعْنِي اسْتِحْبَابًا فِي الْوَقْتِ، كَمَا يُعِيدُ صَلَاةَ وَقْتِهِ إذَا صَلَّاهَا قَبْلَ مَنْسِيَّتِهِ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا رَمَاهُ فِي يَوْمِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : سُئِلْتُ عَمَّنْ نَسِيَ رَمْيِ جِمَارِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ رَمْيَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، هَلْ يَبْدَأُ بِرَمْيِ الْأَدَاءِ أَوْ بِرَمْيِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ إنْ رَمَى لِلْقَضَاءِ فَاتَ الْأَدَاءُ وَفَاتَ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ رَمَى الْأَدَاءَ فَاتَ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، هَلْ يَقُومُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ أَدَّى إلَى فَوَاتِ الْأَدَاءِ فَأَجَبْتُ بِأَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ أَدَّى لِفَوَاتِ الْأَدَاءِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ وَالْمَنْسِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ رَابِعُ يَوْمِ النَّحْرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَدَاءَ، وَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْغُرُوبِ إلَّا مَا يَسَعُ رَمْيَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ) ش أَيْ: وَنُدِبَ تَتَابُعُ
الرَّمْي فِي الْجِمَارِ الثَّلَاثِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّتَابُعَ أَيْ: الْفَوْرَ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا أَيْ: مَعَ الذِّكْرِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَحَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَجَزَمَ بِهِ هُنَا فِي مَنَاسِكِهِ، وَقَبِلَ ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَلِكَ الْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُوَالِي بَيْنَ الرَّمْيِ، وَلَا يَنْتَظِرُ بَيْنَ كُلِّ حَصَاتَيْنِ شَيْئًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّمْيِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي مَسَائِلِ النِّسْيَانِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِمَسَائِل النِّسْيَانِ إلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بَعْضَهَا يَوْمَ النَّحْرِ إلَى اللَّيْلِ فَلْيَرْمِهَا لَيْلًا، وَفِي نِسْيَانِ بَعْضِهَا يَرْمِي عَدَدَ مَا تَرَكَ، وَلَا يَسْتَأْنِفُ جَمِيعَ الرَّمْيِ، وَمَنْ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ بِخَمْسٍ خَمْسٍ يَوْمَ ثَانِي النَّحْرِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ يَوْمِهِ رَمَى الْأُولَى بِحَصَاتَيْنِ ثُمَّ الْوُسْطَى بِسَبْعٍ ثُمَّ الْعَقَبَةَ بِسَبْعٍ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ ذَكَرَ مِنْ الْغَدِ رَمَى هَكَذَا وَلِيُهْدِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَلَوْ رَمَى مِنْ الْغَدِ ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَنَّهُ نَسِيَ حَصَاةً مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِالْأَمْسِ فَلْيَرْمِ الْأُولَى بِحَصَاةٍ وَالِاثْنَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ ثُمَّ يُعِيدُ رَمْيَ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْأَمْسِ، وَإِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي رَمَى عَنْ أَمْسِ، كَمَا ذَكَرْتُ، وَعَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ، وَلَمْ يُعِدْ رَمْيَ يَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ رَمْيِ يَوْمَيْنِ فَذَكَرَهُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى الْأُولَى بِحَصَاةٍ وَالِاثْنَتَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وَأَعَادَ الرَّمْيَ عَنْ يَوْمِهِ هَذَا فَقَطْ؛ إذْ عَلَيْهِ رَمْيُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، وَلَا يُعِيدُ رَمْيَ الْيَوْمِ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ قَدْ مَضَى، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ حَصَاةً مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً يَرْمِي الْأُولَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَبِهِ أَقُولُ ثُمَّ قَالَ: يَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ سَبْعٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي النُّكَتِ: وَفِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ قَالَ: وَمَنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ حَصَاةٌ فَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ هِيَ فَلْيَرْمِ بِهَا الْأُولَى ثُمَّ يَرْمِي الْبَاقِيَتَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَسْتَأْنِفُهُنَّ، وَالْأُولَى أَحَبُّ إلَيْنَا وَجْهُ قَوْلِهِ: يَأْتِي بِحَصَاةٍ لِلْأُولَى: جَوَازُ أَنْ تَكُونَ الْحَصَاةُ مِنْهَا، وَلَا يَصِحُّ رَمْيُ مَا بَعْدَهَا إلَّا بِتَمَامِهَا فَوَجَبَ فِي الِاحْتِيَاطِ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ الْأُولَى لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ، وَوَجْهُ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُهُنَّ: أَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ بِنَاءُ رَمْيِ الْأُولَى لِلْحَصَاةِ الَّتِي بَقِيَتْ فَوَجَبَ أَنْ يَبْتَدِئَ لِرَمْيِهِنَّ كُلِّهِنَّ حَتَّى يُوَالِيَ الرَّمْيَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ يُونُسَ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ: فَهَذَا يُكْرَهُ النَّقْصُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الْمُوَالَاةَ مَطْلُوبَةٌ فَيَكُونُ فِي الْكِتَابِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعَهَا أَوْ يَشُكَّ، فَإِنْ ذَكَرَ مَوْضِعَهَا فَهَلْ يُعِيدُ الْجَمْرَةَ مِنْ أَصْلِهَا أَوْ يَكْفِيهِ رَمْيُ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُعِيدُ بَلْ يَرْمِي حَصَاةً وَاحِدَةً، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعِيدُ الْجَمْرَةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَالثَّالِثُ: إذَا ذَكَرَهَا يَوْمَ الْأَدَاءِ أَعَادَهَا خَاصَّةً، وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي يَوْمِ الْقَضَاءِ أَعَادَ الْجَمْرَةَ مِنْ أَصْلِهَا وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ الْمُوَالَاةُ فِي الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ فَمَنْ أَوْجَبَهَا أَوْجَبَ الْإِعَادَةَ لِلْكُلِّ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا اجْتَزَأَ بِرَمْيِ مَا نَسِيَ خَاصَّةً، وَمَنْ فَرَّقَ فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ حُكْمَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَهَا فَقَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرْمِي عَنْ الْأُولَى الْحَصَاةَ ثُمَّ يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرْمِي عَنْ الْجَمِيعِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ، وَقَدْ تَرَدَّدَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ، هَلْ هَذَا الْخِلَافُ يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ إذَا عَلِمَ مَوْضِعَهَا أَوْ يَكُونُ هَذَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْمَوْضِعَ قَصَدَ بِتِلْكَ الْحَصَاةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَوْضِعَ فَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ صُورَةٌ يُعَوِّلُ فِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَأَعَادَ الْجَمِيعَ فِي قَوْلٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ كَانَتْ حَصَاةً لَمْ يَكْتَفِ بِرَمْيِ حَصَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا: إنْ كَانَتْ
فِي يَوْمِ الْقَضَاءِ اكْتَفَى، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَوْ كَانَ الْمَنْسِيُّ حَصَاةً مِنْ إحْدَى الثَّلَاثِ وَيَذْكُرُ مِنْ يَوْمٍ أَوْ مِنْ الْغَدِ لَمْ يَكْتَفِ بِرَمْيِ حَصَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْجَمْرَةِ كُلِّهَا، وَقِيلَ: يَكْتَفِي بِرَمْيِ حَصَاةٍ وَيُعِيدُ بِسِتٍّ فِي الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَوْرَ فِي الْجَمْرَةِ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحَ الْبَاجِيّ وَابْنُ الْبَشِيرِ بِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ صَدَّرَ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَوْلُهُ: فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ إنْ كَانَ يَوْمَ الْقَضَاءِ اكْتَفَى عَكْسُ الْمَنْقُولِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْعَكْسَ الْبَاجِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ كَانَ يَوْمَ الْقَضَاءِ لَمْ يَكْتَفِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: بِالِاكْتِفَاءِ فِي الْقَضَاءِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْجَمْرَةِ أَدَاءً، وَبَعْضُهَا قَضَاءً بِخِلَافِ يَوْمِ الْأَدَاءِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ التَّرْتِيبَ وَالْفَوْرَ هُنَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ هُنَا وَاجِبٌ وَالْفَوْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي مَنَاسِكِهِ فَقَالَ وَالْفَوْرُ فِي رَمْيِ حَصَاةِ الْجَمْرَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَتَحَصَّلُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَمِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ هَارُونَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْآتِي فِي الْفَوْرِ فِي رَمْيِ حَصَى الْجَمْرَةِ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى: طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَالْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ أَنَّ الْفَوْرَ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مَسَائِلِ النِّسْيَانِ الَّتِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهَا وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِمَّا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ رَمَى الْجِمَارَ بِحَصَاةٍ حَصَاةٍ كُلَّ جَمْرَةٍ حَتَّى أَتَمَّهَا بِسَبْعٍ سَبْعٍ فَلْيَرْمِ الثَّانِيَةَ بِسِتٍّ وَالثَّالِثَةَ بِسَبْعٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَصِحُّ لَهُ بِهَذَا فَلَمْ يَعْتَبِرْ ابْنُ رُشْدٍ فِي تَصْحِيحِ رَمْيِهِ إلَّا حُصُولَ التَّرْتِيبِ لَا الْفَوْرَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالثَّانِيَةُ: طَرِيقَةُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ هَارُونَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْرِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ مُطْلَقًا أَوْ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلَوْ فَرَّقَهُ عَامِدًا لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: لَوْ فَرَّقَهُ عَامِدًا لَمْ يَجْزِهِ لِاشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي رَمْيِ الْحَصَى مَعَ الِاخْتِيَارِ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: اُخْتُلِفَ فِي الْفَوْرِ، هَلْ شَرْطٌ مُطْلَقًا أَوْ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ هَارُونَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ حَيْثُ قَالَ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ، هَلْ الْفَوْرُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا مَعَ الذِّكْرِ؟ فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ) ش هَذَا أَوَّلُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَآخِرُهُ إلَى الزَّوَالِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَآخِرُهُ إلَى الْغُرُوبِ، وَيُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ ابْنِ هَارُونَ: وَأَمَّا رَمْيُ الْعَقَبَةِ فَيُسْتَحَبُّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَيَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ وَيُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ مِنْ غَيْرِ دَمٍ وَاخْتُلِفَ فِي الدَّمِ إذَا ذُكِرَ فِي اللَّيْلِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُكْرَهُ مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ، وَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا إثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ) ش قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَلَوْ رَمَى بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَجْزَأَهُ زَادَ فِي الْوَاضِحَةِ، وَقَدْ أَسَاءَ انْتَهَى.
ص (وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ) ش ظَاهِرُهُ كَانَ
يُقِيمُ بِمَكَّةَ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ ابْنِ الْحَاجِّ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا وَصَلَ الْحَاجُّ مِنْ الْأَبْطَحِ إلَى مَكَّةَ تَنَفَّلَ بِالْبَيْتِ مُدَّةً، وَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ تَنَفُّلِهِ بِالصَّلَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَجَمْعٌ وَقَصْرٌ فِي كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُحَصِّبُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقَاتِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ) ش قَالَ ابْنُ مُعَلَّى قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: أَفْعَالُ الْحَجِّ كُلُّهَا الْمَكِّيُّ وَالْآفَاقِيُّ فِيهَا سَوَاءٌ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ: طَوَافِ الْقُدُومِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَإِذَا دَخَلْت مَكَّةَ، وَقَدْ كُنْتَ طُفْت طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَأَنْتَ تُرِيدُ الرَّحِيلَ فَطُفْ لِلْوَدَاعِ، وَإِنْ كُنْتُ تُرِيدُ الْإِقَامَةَ فَأَنْتَ فِي الطَّوَافِ بِالْخِيَارِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ يَعْنِي أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيٌّ أَوْ غَيْرُهُ قَدِمَ لِنُسُكٍ أَوْ لِتِجَارَةٍ إنْ خَرَجَ لِمَكَانٍ بَعِيدٍ سَوَاءٌ كَانَ بِنِيَّةِ الْعَوْدَةِ أَمْ لَا، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ، أَمَّا إنْ خَرَجَ لِمَكَانٍ قَرِيبٍ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْعَوْدَةَ فَلَا طَوَافَ عَلَيْهِ كَمَنْ خَرَجَ لِيَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ قَالَ سَنَدٌ: وَمَنْ خَرَجَ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَنَازِلِ الْقَرِيبَةِ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ أَهْلٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ خَرَجَ لِلْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ التُّونُسِيُّ: وَلَوْ خَرَجَ لِيُقِيمَ يَعْنِي بِهِمَا وَدَّعَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِذِي طُوًى وَنَحْوِهِ، هَلْ عَلَيْهِ طَوَافٌ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ عَلَيْهِ الطَّوَافَ (فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ لَيْسَ عَلَى مَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُمْ الدُّخُولُ مِثْلُ الْحَطَّابِينَ، وَأَهْلِ الْبُقُولِ وَالْفَوَاكِهِ وَدَاعٌ، كَمَا لَا يَعْتَمِرُونَ إذَا قَدِمُوا وَتَرْكُ الْعُمْرَةِ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِ الْوَدَاعِ وَإِسْقَاطُ الْوَدَاعِ عَمَّنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ قَرِيبَةٍ ثُمَّ يَعُودُ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عِدَادِ الْمُفَارِقِ وَالتَّارِكِ لِلْبَيْتِ بِخِلَافِ مَنْ خَرَجَ لِيُقِيمَ بِأَهْلِهِ فِي مَنْزِلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ هُوَ طَوَافُ الصَّدْرِ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ لِبُعْدٍ مِنْهَا أَوْ مَسْكَنِهِ، وَلَوْ قَرُبَ مُطْلَقًا انْتَهَى.
فَكَلَامُ سَنَدٍ الْأَخِيرُ مَعَ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ يَشْهَدُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عَلَى أَهْلِ ذِي طُوًى إذَا خَرَجُوا لِيُقِيمُوا بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ يُسَمَّى طَوَافَ الصَّدْرِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: طَوَافُ الْوَدَاعِ قَالَ: وَلْيَقُلْ: الطَّوَافُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَسُمِّيَ صَدْرًا إمَّا لِكَوْنِهِ يُصْدَرُ بَعْدَهُ لِلسَّفَرِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يَعْقُبُ الصَّدَرَ مِنْ مِنًى قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّدَرُ بِفَتْحِ الصَّادِ الرُّجُوعُ انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ، وَيُطْلَقُ الصَّدْرُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ قَالَ ابْنُ السَّيِّدِ وَيُقَالُ: وَدَاعٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا، وَكَأَنَّ الْوَدَاعَ بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ وَادَعْت وَبِالْفَتْحِ الِاسْمُ انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: طَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ الْمُفَارِقِ فَكُرِهَ لَهُ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَحِلِّ الشَّرِيفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ: يُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ وَدَاعِهِ أَنْ يَقِفَ بِالْمُلْتَزَمِ لِلدُّعَاءِ.
ص (وَإِنْ صَغِيرًا) ش يَعْنِي أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَأَدَّى بِالْإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ لِلْحَدِيثِ فَأَيُّ طَوَافٍ كَانَ أَجْزَأَهُ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى) ش قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَا يَرْجِعُ فِي خُرُوجِهِ الْقَهْقَرَى؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَفْعَلُ ذَلِكَ هُنَا، وَفِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي الشَّرْعِ
الشَّرِيفِ وَأَدَّتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ إلَى أَنْ صَارُوا يَفْعَلُونَهَا مَعَ مَشَايِخِهِمْ، وَعِنْدَ الْمَقَابِرِ الَّتِي يَحْتَرِمُونَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَدَبِ انْتَهَى.
ص (وَبَطَلَ بِإِقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ لَا بِشُغْلٍ خَفَّ) ش ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِيهَا يَسِيرُ شُغْلِهِ بَعْدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَا يُبْطِلُهُ، وَإِنْ أَقَامَ بَعْضَ يَوْمٍ أَعَادَ اللَّخْمِيّ: هَذَا أَصْوَبُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ: مَنْ وَدَّعَ ثُمَّ أَقَامَ الْغَدَ بِمَكَّةَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ أَنْ يَخْرُجَ، وَفِيهَا مَنْ وَدَّعَ وَأَقَامَ بِهِ كَرِيُّهُ بِذِي طُوًى يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ لَمْ يَعُدْ زَادَ الشَّيْخُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَكَذَا مَنْ أَقَامَ بِالْأَبْطَحِ نَهَارَهُ انْتَهَى.، وَنَقَلَهُ سَنَدٌ وَلَفْظُهُ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَجَعَ لَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَرْجِعُ لَهُ وَفَوَاتُهُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِتَرْكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَصْلًا، وَإِمَّا بِتَرْكِهِ حُكْمًا كَمَنْ طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ لَمْ يُصَلِّ لَهُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِالْأَوَّلِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يَرْجِعُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَرْجِعُ لَهُ مَنْ لَمْ يَبْعُدْ، وَفِيهَا رَدَّ لَهُ عُمَرُ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ مَالِكٌ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْبِ وَرَأَى أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ أَوْ يَمْنَعُهُ كَرِيُّهُ، وَرَوَى الشَّيْخُ مَنْ بَلَغَ مَرَّ الظَّهْرَانِ لَمْ يَرْجِعْ لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالثَّانِي، وَهُوَ فَوَاتُهُ حُكْمًا لِتَرْكِهِ أَصْلًا قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَخَرَجَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ يُرِيدُ وَيَرْكَعُهُمَا، وَقَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا فِي الْوَدَاعِ رَجَعَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَسْتَأْنِفُ الطَّوَافَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ فَرْعٌ: وَلِطَوَافِ الْوَدَاعِ رَكْعَتَانِ، وَمَنْ نَسِيَهُمَا حَتَّى تَبَاعَدَ وَبَلَغَ بَلَدَهُ رَكَعَهُمَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ، وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ رَجَعَ فَرَكَعَهُمَا، وَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ، وَإِنْ كَانَ تَوْدِيعُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَهُ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ إذَا حَلَّتْ النَّافِلَةُ فِي الْحَرَمِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ:) مَرُّ الظَّهْرَانِ هُوَ وَادِي مَرٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشْرَ مِيلًا، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشْرَ، وَقِيلَ: أَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَكَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ خِلَافًا فِي تَسْمِيَتِهِ بِمَرٍّ فَقَالَ سُمِّيَ مَرًّا؛ لِأَنَّ فِي عُرُوقِ الْوَادِي مِنْ غَيْرِ لَوْنِ الْأَرْضِ شِبْهَ الْمِيمِ الْمَمْدُودِ بَعْدَهَا رَاءٌ خُلِقَتْ كَذَلِكَ قَالَ وَنُقِلَ عَنْ ذَرٍّ سُمِّيَتْ مَرًّا لِمَرَارَتِهَا، وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّةُ هَذَا، وَنَقَلَ الْحَارِثِيُّ عَنْ الْكِنْدِيِّ أَنَّ مَرَّ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ وَالظَّهْرَانِ اسْمٌ لِلْوَادِي
ص (وَحَبْسُ الْكَرِيِّ وَالْوَلِيِّ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ قَدْرَهُ وَقُيِّدَ إنْ أَمِنَ، وَالرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ) ش رُبَّمَا يُوهِمُ إتْيَانُهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْوَدَاعِ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْهُ إنَّمَا هِيَ مِنْ مَسَائِلِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ، فَإِنَّهَا تَخْرُجُ فَلَا تُقِيمُ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَلَوْ نَفَرَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَإِنْ كَانَتْ بِقُرْبِ مَكَّةَ وَأَمْكَنَهَا الرُّجُوعُ فَعَلَتْ قَالَهُ سَنَدٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ نِفَاسٍ يَعْنِي سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ عَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَا هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَرُوِيَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُحْبَسُ عَلَى النُّفَسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا حَامِلٌ، وَأَمَّا الْحَيْضُ فَلَا كَلَامَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: قَدْرَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مُدَّةَ مَا يُحْكَمُ لَهَا بِالْحَيْضِ مَعَ الِاسْتِظْهَارِ فَيُحْبَسُ عَلَى الْمُبْتَدَأَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، وَعَلَى الْمُعْتَادَةِ عَادَتَهَا، وَالِاسْتِظْهَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٌ فِي الْحَائِضِ فَقَالَ مَرَّةً: يُحْبَسُ عَلَيْهَا خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، وَقَالَ مَرَّةً: خَمْسَةَ عَشْرَ وَتَسْتَظْهِرُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَقَالَ مَرَّةً: شَهْرًا وَنَحْوَهُ اللَّخْمِيُّ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ؛ لِأَنَّهَا إذَا جَاوَزَتْ الْخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا أَوْ السَّبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا كَانَتْ فِي
مَعْنَى الطَّاهِرِ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا انْتَهَى.
، وَقَالَ سَنَدٌ: وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِي حَيْضِ الْحَامِلِ، وَأَمَّا الْحَامِلُ فَلَا يَدُومُ بِهَا الْحَيْضُ هَكَذَا، وَخَرَجَ قَوْلُهُ: فِي الْحَامِلِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِي مَبْلَغِ حَيْضِهَا انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَيُحْبَسُ فِيهَا فِي النِّفَاسِ سِتِّينَ يَوْمًا انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْأَوَّلِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا أَيَّامَهَا الْمُعْتَادَةَ وَالِاسْتِظْهَارُ إنْ زَادَ دَمُهَا فَظَاهِرُهَا تَطُوفُ كَمُسْتَحَاضَةٍ وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ بِمَنْعِهِ وَفَسْخِ كِرَائِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا: بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَتَجَاوَزَ الدَّمُ مُدَّةَ الْحَبْسِ، فَهَلْ تَطُوفُ أَوْ يُفْسَخُ الْكِرَاءُ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَطُوفُ، وَلَا وَجْهَ لِلْفَسْخِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَبْسِ هُوَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: وَقُيِّدَ إنْ أَمِنَ هَذَا التَّقْيِيدَ نُسِبَ لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ اللَّبَّادِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَيَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْبَسُ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْأَمْنِ فَلَا يُحْبَسُ الْكَرِيُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ يُخْتَلَفُ، هَلْ يَفْسَخُ أَوْ يُكْرِي عَلَيْهَا؟ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَإِذَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ عُمْرَةً فِي الْمُحَرَّمِ، فَحَاضَتْ قَبْلَهَا لَا يُحْبَسُ عَلَى هَذَا كَرِيُّهَا، وَلَا يُوضَعُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحَجُّ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ سَنَدٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ عُمْرَةً فِي الْمُحَرَّمِ بَعْدَ حَجِّهَا لَمْ يُحْبَسْ لِحَيْضِهَا قَبْلَهَا قِيلَ: أَيُوضَعُ لَهَا مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ؟ قَالَ لَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا حُبِسَ فِي الْحَجِّ لِامْتِنَاعِ خُرُوجِهَا قَبْلَ إفَاضَتِهَا وَإِمْكَانِهِ فِي الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ إحْرَامِهَا بِهَا (قُلْت:) مَفْهُومُهُ إنْ أَحْرَمَتْ حُبِسَ قَالَ الصَّوَابُ فِيمَا وَقَفَ فِيهِ مَالِكٌ إنْ أَبَتْ الرُّجُوعَ وَأَبَى الصَّبْرَ عَلَيْهَا فُسِخَ كِرَاءُ مَا بَقِيَ لِحَقِّهَا فِي الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَذَرَتْهَا فَأَوْضَحُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : اُسْتُحْسِنَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ إذَا حُبِسَ الْكَرِيُّ لِلنُّفَسَاءِ أَنْ تُعِينَهُ بِالْعَلَفِ وَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ) ش يَعْنِي أَنَّ الرَّمْيَ بِالْحَصَى الْمَرْمِيِّ بِهِ مَكْرُوهٌ سَوَاءٌ رَمَى بِهِ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (فَرْعٌ:) قَالَ اللَّخْمِيّ لَوْ كَرَّرَ الرَّمْيَ بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعًا لَمْ يُجْزِهِ وَنَاقَشَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأَنْ يُقَالَ: لِلْإِفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ) ش ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ أَيْضًا أَنْ تُسَمَّى أَيَّامُ مِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَاسْتَحَبَّ أَنْ تُسَمَّى بِالْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58] ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] انْتَهَى.
ص (أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -) ش الْكَرَاهَةُ بَاقِيَةٌ، وَلَوْ سَقَطَ لَفْظُ الْقَبْرِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ إنَّهُ يَجُوزُ وَأَحْسَنُ الْعِلَلِ فِي ذَلِكَ، وَفِي كَرَاهَةِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مَا قَالَهُ سَنَدٌ اسْتَعْظَمَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إطْلَاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي حَقِّ بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ حَيْثُ إنَّهَا إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الْأَكْفَاءِ، وَفِي السَّعْيِ الْغَيْرِ الْوَاجِبِ، وَيُعَدُّ الزَّائِرُ مُتَفَضِّلًا عَلَى مَنْ زَارَهُ، وَلَا يَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إلَى السُّلْطَانِ لِإِقَامَةِ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ: أَتَيْت السُّلْطَانَ لِأَزُورَهُ، وَلَا زُرْت السُّلْطَانَ، وَلِأَنَّ مَنْ سَعَى يَطْلُبُ حَاجَةً مِنْ عِنْدِ أَحَدِ يُعَدُّ زَائِرًا، وَكَذَا لَا يَسْعَوْنَ فِي الْحَجِّ لِحَوَائِجِهِمْ وَقَضَاءِ فَرَائِضِهِمْ وَعِبَادَةِ مَوْلَاهُمْ، وَكَذَلِكَ فِي مُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ إنَّمَا يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ الْفَضْلَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالرَّحْمَةَ فَلَيْسُوا زَائِرِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
ص (وَرُقِيُّ الْبَيْتِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ مِنْبَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِنَعْلٍ) ش مُرَادُهُ بِرُقِيِّ الْبَيْتِ دُخُولُهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي رُقِيِّ دَرَجِ الْبَيْتِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْعَلَ نَعْلَهُ فِي الْبَيْتِ إذَا جَلَسَ يَدْعُو وَلْيَجْعَلْهَا فِي
حُجْرَتِهِ قَالَهُ سَنَدٌ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَتَوْضِيحِهِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلَيْنِ: الْمُتَحَقَّقُ طَهَارَتُهُمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ الْخُفَّيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ لَمْ يُجْزِ وَاحِدًا) ش حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ فِيمَنْ حَمَلَ صَبِيًّا وَنَوَى أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ عَنْهُ وَعَنْ الصَّبِيِّ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: بِالْإِجْزَاءِ عَنْهُمَا وَعَدَمِهِ وَبِالْإِجْزَاءِ عَنْ الْحَامِلِ دُونَ الْمَحْمُولِ أَوْ عَكْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ عَنْهُمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَهُ وَنَسَبَ ابْنُ رَاشِدٍ لِلْمُدَوَّنَةِ الْإِجْزَاءَ عَنْ الصَّبِيِّ قَالَ: وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ حَجَّ مِنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْفَرِيضَةَ خَلِيلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْمَنْعُ ابْتِدَاءً انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ: تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ عَنْهُمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَحْمُولِ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً صَغِيرًا نَوَى الْحَامِلُ عَنْهُ وَعَنْ نَفْسِهِ أَوْ كَبِيرًا يَنْوِي هُوَ لِنَفْسِهِ وَيَنْوِي الْحَامِلُ لِنَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ تُخَالِفُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ فِي الْحَجِّ]
ص (فَصْلٌ حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ)
ش: بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالرَّجُلِ أَوْلَى كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ، وَوَرَدَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَرْأَةِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: تُخَالِفُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ فِي الْحَجِّ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَفِي حَلْقِهِ وَفِي لُبْسِ الْمَخِيطِ وَفِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، وَفِي عَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَفِي الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، وَفِي الْخَبَبِ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالرُّكُوبُ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ، وَالْقُعُودُ أَفْضَلُ لِلنِّسَاءِ وَفِي الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ، وَالْقُرْبُ مِنْهُ أَفْضَلُ لِلرِّجَالِ وَالْبُعْدُ مِنْهُ أَفْضَلُ لِلنِّسَاءِ، وَفِي الِارْتِقَاءِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَفِي رُكُوبِ الْبَحْرِ وَالْمَشْيِ مِنْ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، وَلَوْ قَدَرْنَ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا قَدَرَ، وَفِي أَنَّهَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ رُفْقَةٌ مَأْمُونَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لُبْسُ قُفَّازٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقُفَّازُ مَا يُفْعَلُ عَلَى صِفَةِ الْكَفَّيْنِ مِنْ قُطْنٍ، وَنَحْوِهِ لِيَقِيَ الْكَفَّ مِنْ الشَّعَثِ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الْبَاجِيُّ وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعْرِيَةُ يَدَيْهَا مِنْ الْقُفَّازَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ أَدْخَلَتْهُمَا فِي قَمِيصِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ فَإِنْ لَبِسَتْ الْقُفَّازَيْنِ، فَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيب وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَشْهُورُ لِرِوَايَةِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مَعَ أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيُسْتَفَادُ حُكْمُ الْفِدْيَةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا حُكِمَ لَهُ فِي الْفَصْلِ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ كَتَقْلِيدٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
ص (وَسَتْرُ وَجْهٍ)
ش: قَالَ فِي الْمَنَاسِكِ وَإِنْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا أَوْ بَعْضَهُ، فَالْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ تَبَرْقَعَتْ أَوْ تَعَصَّبَتْ انْتَهَى، وَنَصَّ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى أَنَّهُ إنْ غَطَّتْ الْمُحْرِمَةُ شَيْئًا مِنْ وَجْهِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْفِدْيَةُ، وَلَوْ غَطَّتْ مَا فِي الصُّدْغِ مِنْ الْبَيَاضِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَذَكَره عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَنَصُّهُ فَأَمَّا حَدُّ الْوَجْهِ، فَهُوَ عِنْدَنَا مِنْ قِصَاصِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى آخِرِ الذَّقَنِ طُولًا، وَمِنْ الصُّدْغِ إلَى الصُّدْغِ عَرْضًا، وَالْبَيَاضُ الَّذِي وَرَاءَ الصُّدْغِ إلَى الْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ غَسْلِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَحْرَمَتْ لَزِمَهَا كَشْفُ جَمِيعِ وَجْهِهَا، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا فِي تَغْطِيَةِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَوْ غَطَّتْ شَيْئًا مِنْ وَجْهِهَا لَزِمَهَا الْفِدْيَةُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِيمَا إذَا غَطَّتْ شَيْئًا مِنْ وَجْهِهَا، فَيَعْنِي بِهِ مَا عَدَا مَا يَسْتُرُهُ الْخِمَارُ مِنْ وَجْهِهَا، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ سَتْرِهِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ سَتَرَتْ مِنْ الْوَجْهِ مَا يَسْتُرُهُ الْخِمَارُ فِي
تَخْمِيرِ الرَّأْسِ وَقَدَّمَ سَتْرَ ذَلِكَ الْجُزْءِ عَلَى كَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عَوْرَةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَوْقَ حَقِّ الْإِحْرَامِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ)
ش: أَيْ لِقَصْدِ السَّتْرِ عَنْ الرِّجَالِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ يَسْتَلْزِمُهُ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَوْنَهُ لِلسَّتْرِ قَسِيمَ كَوْنِهِ لِحَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ وَكَذَا فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ، وَبِهَذَا اعْتَذَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنْ فَعَلَتْهُ لِحَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ فَسِيَّانِ، فِيهِ الْفِدْيَةُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا لِأَجْلِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ لَهَا ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا عَنْ الرِّجَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَهَا بِشَيْءٍ فِي يَدَيْهَا كَالْمِرْوَحَةِ، وَشَبَهِهَا، فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا، وَكَانَ لَهَا جِلْبَابٌ سَدَلَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ، فَلَهَا أَنْ تَنْصِبَ بَعْضَ ثَوْبِهَا تِجَاهَهَا بِيَدَيْهَا، وَلَهَا أَنْ تُلْقِيَ كُمَّهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَتَسْدِلُ بَعْضَهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ إلَّا خِمَارَهَا الَّذِي عَلَى رَأْسِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ تَرْفَعْهُ عَلَى رَأْسِهَا فَتَسْدُلْهُ عَلَى وَجْهِهَا فَعَلَتْهُ، وَإِنْ رَفَعَتْ حِجْرَ خِمَارِهَا فَأَلْقَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ وَلُبْسَ الْمَخِيطِ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ مَعَ الطُّولِ وَالِانْتِفَاعِ بِاللُّبْسِ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اللِّبَاسُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، فَإِنْ عَقَدَتْ الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا نُظِرَ، فَإِنْ حَلَّتْهُ بِالْقُرْبِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَرَكَتْهُ حَتَّى طَالَ افْتَدَتْ، وَإِنْ أَرْسَلَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا، وَلَمْ تَعْقِدْهُ وَطَالَ كَانَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي سَتْرِ وَجْهِ الْمُحْرِمِ، وَيُخَالِفُ الْعَقْدُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَخِيطِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْمَرْأَة الْمُحْرِمَة تَجَافِي رِدَائِهَا عَنْ وَجْهِهَا]
(فَرْعٌ) : وَلَا يَضُرُّهَا تَرْكُ مُجَافَاةِ رِدَائِهَا عَنْ وَجْهِهَا إذَا سَدَلَتْهُ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ الْيَوْمَ مِنْ الْقُفَّةِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ السَّعَفِ وَيَرْبِطْنَهَا عَلَى وُجُوهِهِنَّ، ثُمَّ يَسْدُلْنَ عَلَيْهَا الثَّوْبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَطَالَ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الْمَرْأَةِ تَتَبَرْقَعُ، وَتُجَافِي الْبُرْقُعَ عَنْ وَجْهِهَا: إنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: لِأَنَّ الْبُرْقُعَ مَخِيطٌ وُضِعَ لِلْوَجْهِ قَدْ عَقَدَتْهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ تَمَّ لُبْسُهُ.
ص (وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ)
ش: وَإِنْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا لِلسَّتْرِ لَكِنْ بِغَرْزٍ، أَوْ رَبْطٍ، فَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ رَفَعَتْهُ مِنْ أَسْفَلِ وَجْهِهَا افْتَدَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حَتَّى تَعْقِدَهُ بِخِلَافِ السَّدْلِ انْتَهَى، وَأَمَّا سَتْرُ وَجْهِهَا لِغَيْرِ السَّتْرِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةَ مِنْ حُكْمِهِ لَهُ بِالْمَنْعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْفِدْيَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَرْزِ وَالرَّبْطِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَفَدْ الْمَنْعُ فِيهَا إلَّا مِنْ الْمَفْهُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ وَإِنْ بِنَسْجٍ، أَوْ زَرٍّ، أَوْ عَقْدٍ)
ش: مُحِيطٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ بِعُضْوٍ، ثُمَّ بَالَغَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِنَسْجٍ فَدَخَلَ الْمَخِيطُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالتَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ وَاجِبٌ، وَكَذَلِكَ الْمُحِيطُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ شَرْطُ إحْرَامِ الرِّجَالِ لَا النِّسَاءِ، فَلَا يَدَعْ عَلَيْهِ مَا يُمْسِكُ بِنَفْسِهِ بِخِيَاطَةٍ، أَوْ إحَاطَةٍ لَا إزْرَارٍ دُونَ عَقْدٍ، وَلَا زَرٍّ بَلْ يُخَالِفُ طَرَفَيْهِ، وَيَأْتِي بِكُلِّ نَاحِيَةٍ لِمُقَابِلِهَا فَيَلُفُّهُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَمْنُوعُ الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُفْسِدِهِ التَّطَيُّبُ وَإِزَالَةُ الشَّعَثِ وَلُبْسُ الرَّجُلِ الْمَخِيطَ الْكَثِيفَ كَالْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَالْبُرْنُسِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَالْبَاجِيُّ إلَّا الْمَخِيطَ عَلَى صُورَةِ النَّسْجِ كَمِئْزَرٍ وَرِدَاءٍ مُرْفَقَيْنِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إجَازَةُ التَّخَلُّلِ بِعُودٍ وَمَنَعَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا التَّخَلُّلُ وَالْعَقْدُ وَالْمُزَرَّرُ كَالْخِيَاطَةِ (قُلْت) : وَلِهَذَا قَالَ الْمُلَبَّدُ وَالْمَنْسُوجُ عَلَى صُورَةِ الْمَخِيطِ الْمَمْنُوعِ مِثْلُهُ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعٌ، وَلُبْسُ الْجَائِزِ جَائِزٌ، وَنَقْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إجَازَةَ التَّخَلُّلِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَمْ أَجِدْهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي نُسْخَتِي مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَخَاتَمٍ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي الْخَاتَمِ قَوْلَانِ فَحَمَلَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْإِحَاطَةِ بِالْأُصْبُعِ الْمُحِيطِ وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا بَأْسَ بِهِ وَحَكَى
ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلَيْنِ فِي الْفِدْيَةِ إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُمَا فِي الْفِدْيَةِ، وَعَدَمِهَا قَالَ وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْفِدْيَةِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَصُّهُ: وَفِي الْفِدْيَةِ فِي الْخَاتَمِ قَوْلَانِ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ مَعْرُوفٌ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَنْعِ مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ دَلِيلُ تَخْفِيفِهِمَا أَنْ يُحْرِمَ بِالصَّبِيِّ وَفِي رِجْلِهِ الْخَلَاخِلُ وَعَلَيْهِ الْأَسْوِرَةُ أَنَّ الرِّجَالَ بِخِلَافِهِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ شَعْبَانَ انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ هَذَا، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ يَقُولُ بِالْفِدْيَةِ، وَالْقَائِلُ بِسُقُوطِ الْفِدْيَةِ يَقُولُ بِالْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ، فَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْخَاتَمِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ وَالْخَاتِمُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَالْخَيْتَامُ وَالْخَاتَامُ كُلُّهُ بِمَعْنَى، الْجَمْعِ خَوَاتِيمُ.
ص (وَقَبَاءٌ وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا)
ش: نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِيهِ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَا لَوْ لَمْ يُدْخِلْ مَنْكِبَيْهِ فِيهِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا بُدَّ فِي الْفِدْيَةِ مِنْ دُخُولِهِمَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَفَهِمَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّ كَلَامَهُ مُخَالِفٌ لِلْمُدَوَّنَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَأَكْرَهُ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ فَعَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْفِدْيَةِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ اعْتِرَاضَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْقَبَاءُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمَدِّ مَا كَانَ مُفَرَّجًا.
ص (وَسَتْرُ وَجْهٍ، أَوْ رَأْسٍ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ سَوَاءٌ غَطَّى رَأْسَهُ، أَوْ بَعْضَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ بَقِيَّةٍ مِنْ أَحْكَامِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ الْمُسْدَلِ: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْءٌ بِتَغْطِيَةِ مَا انْسَدَلَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ (فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَإِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ خُمِّرَ وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ انْتَهَى.
ص (كَطِينٍ)
ش: قَالَ سَنَدٌ: أَوْ حِنَّاءٌ، أَوْ طِيبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاحْتِزَامٌ)
ش: قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْزِمَ ثَوْبًا عَلَى وَسْطِهِ مِنْ فَوْقِ إزَارِهِ إذَا أَرَادَ الْعَمَلَ مَا لَمْ يَعْقِدْهُ انْتَهَى.
ص (وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ، أَوْ غُلُوُّهُ فَاحِشًا)
ش: قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ: قَالَ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَلْبَسُ نَعْلَيْنِ مَقْطُوعَيْ الْعَقِبَيْنِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ أَسْفَلَ الْكَعْبِ انْتَهَى.
وَلَا يَلْبَسُ أَيْضًا الْقَبْقَابَ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ مُحِيطٌ بِأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، وَهَذَا إذَا كَانَ سَيْرُ الْقَبْقَابِ غَلِيظًا، فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ: وَلَا يَلْبَسُ الصَّرَّارَةَ بَلْ يَلْبَسُ الْحُذْوَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَلْبَسُهُمَا أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَشِبْهَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ سَيْرٌ يَفْتَحُهُ وَيُغْلِقُهُ مِنْ غَيْرِ خِيَاطَةٍ، وَلَا تَسْمِيرٍ وَلَكِنْ يَعُوقُهُ تَعْوِيقًا بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا سَحَبَ ذَلِكَ السَّيْرَ انْحَلَّ انْتَهَى.
وَالصَّرَّارَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَنَا بِالْحِجَازِ بِالتَّاسُومَةِ، وَمِنْهُ أَيْضًا وَقَدْ نَصَّ فِي التَّلْقِينِ عَلَى امْتِنَاعِ لُبْسِ الْخَمْشَكَيْنِ لِلْمُحْرِمِ انْتَهَى، وَفَسَّرَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْخَمْشَكَيْنِ بِالسَّرْمُوجَةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِي قَوَاعِدِهِ وَالتَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ وَالْخِفَافِ لِلرِّجَالِ وَمَا لَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَا لَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ كَنَعْلِ التَّكْرُورِ الَّتِي لَهَا عَقِبٌ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ كَانَ الْمِيقَاتُ لَا يُوجَدُ فِيهِ النَّعْلُ لِلشِّرَاءِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِدَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ]
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: (تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ الْمِيقَاتُ لَا يُوجَدُ فِيهِ النَّعْلُ
لِلشِّرَاءِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِدَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُعِدَّ النَّعْلَيْنِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمَا لَا تُوجَدَانِ فِي الْمِيقَاتِ وَكَانَ وَاجِدًا لِثَمَنِهِمَا انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
ص (وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ، أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ)
ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَارِيَ الْمُحْرِمُ بَعْضَ وَجْهِهِ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ فَوْقَ حَاجِبَيْهِ لِيَسْتُرَ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ كَشْفُ ظَهْرِهِ لِلشَّمْسِ إرَادَةَ الْفَضْلِ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَسُدَّ أَنْفَهُ مِنْ الْجِيفَةِ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا مَرَّ بِطِيبٍ انْتَهَى.
ص (أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِمُرْتَفِعٍ مِنْ الْبَرْدِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدِينَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: فِي مَنَاسِكِهِ وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ فَوْقَ رَأْسِهِ شَيْئًا يَقِيهِ مِنْ الْمَطَرِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرْفَعُ شَيْئًا يَقِيهِ مِنْ الْبَرْدِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدِينَةِ فَوَسَّعَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْن أَبِي أُوَيْسٍ فِي الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَدِينَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ انْتَهَى.
وَالْأَقْرَبُ جَوَازُ ذَلِكَ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أُمِّ حُصَيْنٍ قَالَتْ «حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» انْتَهَى.
وَمَثَّلَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ لِلْمُرْتَفِعِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْخَيْمَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الْخَيْمَةَ لَا يُسْتَظَلُّ بِهَا إلَّا مِنْ مَطَرٍ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ دُخُولِهِ فِيهَا وَلَوْ لِغَيْرِ مَطَرٍ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ سَنَدٌ: وَلَا خِلَافَ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ، أَوْ فِي خَيْمَةٍ، أَوْ قُبَّةٍ عَلَى الْأَرْضِ انْتَهَى.
.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ بِذَلِكَ حَالَةَ كَوْنِ الْمُسْتَظِلِّ رَاكِبًا وَلَكِنْ فِيهِ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّاكِبِ، وَهُوَ أَعَمُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ التُّونُسِيُّ: وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا لَوْ انْكَسَرَ لَهُ ظُفْرَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ فَقَلَّمَهَا مَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَجْعَلْهُ أَنَّهُ أَمَاطَ أَذًى عَنْ نَفْسِهِ بِإِزَالَةِ الْمَكْسُورِ كَمَا قَالَ: إذَا نَتَفَ شَعْرَةً مِنْ عَيْنَيْهِ إنَّ ذَلِكَ إمَاطَةُ أَذًى وَيَفْتَدِي انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بِإِسْقَاطِ يَنْبَغِي مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَمَا قَالَهُ التُّونُسِيُّ ظَاهِرٌ وَعَارَضَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ بَيْنَ هَذَا، وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ إذَا أَمَاطَ بِهِ أَذًى (قُلْت) وَيُجَابُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَعَنْ مُعَارَضَةِ التُّونُسِيِّ بِمَسْأَلَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْعَيْنِ فَأَيْنَمَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ فِيهِ عَامَّةً وَالْغَالِبُ وُقُوعَهُ فَيُغْتَفَرُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَتَسْقُطُ الْفِدْيَةُ فِيهِ وَمَا كَانَ وُقُوعُهُ نَادِرًا، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْأَصْلِ وَتُؤَثِّرُ الضَّرُورَةُ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ فَقَطْ لَا فِي سُقُوطِ الْفِدْيَةِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدْ مَسَائِلَ هَذَا الْبَابِ جَارِيَةً عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَقْلِيمَ الظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا كُسِرَ مِنْهُ عَمَلًا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَإِنْ أَزَالَ جَمِيعَ ظُفْرِهِ كَانَ ضَامِنًا كَمَنْ أَزَالَ بَعْضَ ظُفْرِهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ بَعْضٌ مِنْ جُمْلَةٍ مَضْمُونَةٍ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَمُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُنْكَسِرَ وَيُوَاسِي الْبَاقِيَ حَتَّى لَا تَبْقَى عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِيمَا يَبْقَى فِي كَوْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ، أَوْ خِبَاءٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الْخِبَاءِ وَأَنْ يَنْزِلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى غَيْرُهُ أَيْضًا جَوَازَ الِاسْتِظْلَالِ بِالْفُسْطَاطِ وَالْقُبَّةِ، وَهُوَ نَازِلٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الثَّامِنِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْخِبَاءَ وَالْفُسْطَاطَ وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ أَنْ يَرْمِيَ عَلَيْهَا ثَوْبًا انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَحَارَةٍ لَا فِيهَا)
ش: يُرِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِجَانِبِ الْمَحَارَةِ يُرِيدُ سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْأَرْضِ، أَوْ سَائِرَةً وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ قَالَ فِي
التَّوْضِيحِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْمَحَارَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَحْمِلِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي الِاسْتِظْلَالِ وَشَيْءٌ عَلَى الْمَحْمِلِ وَهُوَ فِيهِ بِأَعْوَادٍ وَالِاسْتِظْلَالُ بِثَوْبٍ فِي عَصًا قَوْلَانِ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِأَعْوَادٍ مِمَّا لَوْ كَانَ الْمَحْمِلُ مُقَبَّبًا كَالْمَحَارَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْبِنَاءِ وَالْأَخْبِيَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ لَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (الثَّانِي) : قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِظْلَالُ بِالْمَحَارَةِ وَنَحْوِهَا وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ إذَا لَمْ يَكْشِفْهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَكْشِفُهَا هَلْ هُوَ كَشْفُ مَا عَلَى الْمَحْمِلِ جَمِيعِهِ مَا كَانَ فَوْقَهُ، وَمَا عَلَى أَجْنَابِهِ، أَوْ الْمُرَادُ مَا كَانَ فَوْقَهُ دُونَ جَوَانِبِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ بَابِ الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمِلِ، وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ (الثَّالِثُ) : قَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: وَلَا يَسْتَظِلُّ بِالْمَحْمِلِ وَلَوْ كَانَ عَدِيلًا لِامْرَأَةٍ وَتَسْتَظِلُّ هِيَ دُونَهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَقَوْلِهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ وَرَوَى ابْنُ شَعْبَانَ يُسْتَحَبُّ فَدِيَتُهُ إنْ فَعَلَهُ اخْتِيَارًا، وَيَجُوزُ بِمُعَادَلَةِ امْرَأَةٍ، أَوْ مَرِيضٍ انْتَهَى بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَانْظُرْ إذَا عَادَلَ الْمَرْأَةَ وَسَتَرَتْ شِقَّتَهَا وَلَمْ يَسْتُرْ الرَّجُلُ شِقَّتَهُ لَكِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ شِقَّتَهَا مِنْ جِهَةِ الشَّمْسِ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِظْلَالِ بِجَانِبِ الْمَحَارَةِ.
(الرَّابِعُ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَا يَسْتَظِلُّ فِي الْبَحْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَفْعَلُ، وَيَفْتَدِي انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ، وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا عَدَا الْبَلَالِيحَ فَإِنَّهَا كَالْبُيُوتِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّ الشِّرَاعِ لَا شَيْءَ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِذَا جَازَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَعَمَّمَ، أَوْ يَتَقَلْنَسَ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَظَلَّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ: وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِالْبَعِيرِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) هُمَا الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمِلِ، فَإِنَّهُ قَالَ، وَأَمَّا مَا لَا يَثْبُتُ كَالْبَعِيرِ وَالْمَحْمِلِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
فَيَكُونُ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْجَوَازَ سَوَاءٌ كَانَ بَارِكًا، أَوْ سَائِرًا كَالِاسْتِظْلَالِ بِجَانِبِ الْمَحْمِلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: وَالصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْجَوَازُ انْتَهَى.
يَعْنِي مَسْأَلَةَ الْمَحْمِلِ وَمَسْأَلَةَ الْبَعِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَثَوْبٍ بِعِصِيٍّ)
ش: سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ سَائِرٌ، أَوْ نَازِلٌ بِالْأَرْضِ قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ: أَمَّا فِي حَقِّ الرَّاكِبِ، فَلَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّازِلِ فَمَنَعَهُ أَيْضًا مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ انْتَهَى.
وَكَذَا لَوْ جَعَلَ ثَوْبًا عَلَى أَعْوَادٍ
قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِظْلَالِهِ إذَا نَزَلَ فَخَفَّفَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ إذَا نَزَلَ بِالْأَرْضِ، وَأَنْ يُلْقِيَ ثَوْبًا عَلَى شَجَرَةٍ، فَيَقِيلَ تَحْتَهُ وَلَيْسَ كَالرَّاكِبِ وَالْمَاشِي، وَهُوَ لِلنَّازِلِ كَخِبَاءٍ مَضْرُوبٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَسْتَظِلُّ إذَا نَزَلَ بِالْأَرْضِ بِأَعْوَادٍ يَجْعَلُ عَلَيْهَا كِسَاءً، أَوْ شَجَرَةً، وَلَا بِمَحْمِلٍ وَإِنَّمَا وَسَّعَ لَهُ فِي الْخِبَاءِ وَالْفُسْطَاطِ وَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ انْتَهَى وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَبَطَ الثَّوْبَ بِأَوْتَادٍ وَحِبَالٍ حَتَّى صَارَ كَالْخِبَاءِ الثَّابِتِ أَنَّ الِاسْتِظْلَالَ بِهِ جَائِزٌ.
ص (فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَسُقُوطِهَا إذَا اسْتَظَلَّ بِالْمَحَارَةِ، أَوْ بِثَوْبٍ عَلَى عِصِيٍّ أَوْ أَعْوَادٍ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِالْمَحْمِلِ وَبِثَوْبٍ فِي عِصِيٍّ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِالْمَحَارَةِ وَنَحْوِهَا إذَا لَمْ يَكْشِفْهَا، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الْحَاجِّ الْأَصَحُّ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ بِاسْتِظْلَالِهِ فِي حَالِ سَيْرِهِ رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا اسْتِحْبَابًا غَيْرُ وَاجِبَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَمَّا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَسُقُوطِهَا فِي الْمَحْمِلِ وَالثَّوْبِ بِالْعِصِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا عِنْدَهُ عَلَى السَّوَاءِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالسُّقُوطِ، فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ فِي تَرْكَ الِاسْتِظْلَالِ يَوْمِ عَرَفَةَ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمَنَاسِكِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ تَرْكَ
الِاسْتِظْلَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَكَرِهَ مَالِكٌ تَظْلِيلَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ انْتَهَى.
كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُقَابِلَ الْمُسْتَحَبِّ مَكْرُوهٌ، وَصَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ مَالِكٌ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ مُعَلَّى فِي مَنَاسِكِهِ إلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِزَمَنِ الْوُقُوفِ فَقَطْ لَا بِيَوْمِ عَرَفَةَ جَمِيعِهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْوُقُوفِ بِمَوْقِفِ عَرَفَةَ وَالدَّفْعِ مِنْهَا: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَنْزِلَ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ عَنْ بَعِيرِهِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ وَقَفَ قَائِمًا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِيحَ إذَا عَيِيَ قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ وَقَفَ بِنَفْسِهِ، وَلَا عِلَّةَ بِدَابَّتِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَسْتَظِلَّ يَوْمئِذٍ مِنْ الشَّمْسِ بِعَصًا، أَوْ نَحْوِهَا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْمُفْهِمِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ اسْتِظْلَالُ الْمُحْرِمِ فِي الْقِبَابِ وَالْأَخْبِيَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِظْلَالِهِ حَالَ الْوُقُوفِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَجَازَ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ وَفَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ) ش يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى رَأْسِهِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ زَادِهِ، وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَنَحْوَهُ، وَأَمَّا إنْ حَمَلَ زَادَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بُخْلًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَوْلُهُ بِلَا تَجْرٍ زِيَادَةُ بَيَانٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يَحْمِلَ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ إذَا كَانَ رَاجِلًا مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِثْلَ خُرْجِهِ فِيهِ زَادُهُ، أَوْ جِرَابِهِ، وَلَا يَحْمِلُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ تَطَوُّعًا، وَلَا بِإِجَارَةٍ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى رَأْسِهِ تِجَارَةً لِنَفْسِهِ مِنْ بَزٍّ أَوْ سَفَطٍ وَلَا يَتَّجِرُ فِيمَا يُغَطِّي بِهِ رَأْسَهُ وَقَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِهَا: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَمْلَ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْسِهِ الْمِكْتَلَ وَغَيْرَهُ مَمْنُوعٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ جَوَازَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَحْظُورُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَرَجَ عَنْ حَاجَةِ سَفَرِ الْإِحْرَامِ، وَيُعْفَى عَمَّا بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ فِي سَفَرِهِ غِنًى مِثْلُ حَمْلِ زَادِهِ، وَمَا لَا غِنَى عَنْهُ فِي سَفَرِهِ إذَا الْتَجَأَ إلَيْهِ، فَأَمَّا أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَحْمِلَ التِّجَارَةَ، أَوْ يَحْمِلَ زَادَهُ وَاجِدًا لِمَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، فَالْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ وَقَفَتْ دَابَّتُهُ بِتِجَارَةٍ، أَوْ الْتَجَأَ إلَى ذَلِكَ حَمَلَ، وَافْتَدَى، وَتَأْثِيرُ الضَّرُورَةِ عِنْدَ وُقُوعِهَا فِي رَفْعِ الْمَأْثَمِ وَجَوَازِ الْفِعْلِ لَا فِي سُقُوطِ الْفِدْيَةِ كَمَا فِي الْحِلَاقِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: فَإِنْ حَمَلَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَالْفِدْيَةُ قَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْجَوَاهِرِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا لِلتِّجَارَةِ، فَقَالَ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ خِلَافٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ حَمَلَ نَفَقَةَ غَيْرِهِ وَزَادَهُ عَلَى رَأْسِهِ لِلتِّجَارَةِ، فَهِيَ ضَرُورَةٌ تُسْقِطُ عَنْهُ الْفِدْيَةَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ شَامِلٌ لِمَا يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ غَيْرِ رَأْسِهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: وَلَا بَأْسَ فِيمَا يَحْمِلُ مِنْ وِقْرِهِ أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى صَدْرِهِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مَتَاعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ يَجْعَلَ فِيهِ الْحَبْلَ وَيُلْقِيَهُ خَلْفَهُ وَيَجْعَلَ الْحَبْلَ فِي صَدْرِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا بَأْسَ فِيمَا يَحْمِلُ مِنْ وِقْرِهِ أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ مَتَاعَهُ فِي حَبْلٍ، وَيُلْقِيَهُ خَلْفَهُ وَالْحَبْلُ فِي صَدْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْوِقْرُ بِالْكَسْرِ الْحِمْلُ يُقَالُ جَاءَ فُلَانٌ يَحْمِلُ وِقْرَهُ انْتَهَى.
ص (وَإِبْدَالُهُ ثَوْبَهُ، أَوْ بَيْعُهُ)
ش: يُرِيدُ وَلَوْ قَصَدَ بِذَلِكَ طَرْحَ الْهَوَامِّ الَّتِي فِيهِ إلَّا أَنْ يَنْقُلَ الْهَوَامَّ مِنْ جَسَدِهِ وَثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ إلَى الثَّوْبِ الَّذِي يُرِيدُ طَرْحَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَطَرْحِهِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ
ص (بِخِلَافِ غَسْلِهِ إلَّا النَّجِسَ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ)
ش: هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ غَسْلِهِ خِيفَةَ دَوَابِّهِ إلَّا فِي جَنَابَةٍ فَيَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ، وَحْدَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ بِخِلَافِ غَسْلِهِ أَيْ فَيُكْرَهُ كَذَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَفِي مَعْنَى الْجَنَابَةِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ انْتَهَى.
، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (قُلْت) وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ الْكَرَاهَةِ
هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا غَسْلَهُ لِلْوَسَخِ جَائِزًا كَغَسْلِهِ لِلنَّجَاسَةِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى مَا نَقَلَ فِي النَّوَادِرِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ غَسْلَ ثَوْبِهِ إلَّا لِنَجَاسَةٍ، أَوْ وَسَخٍ فَلْيَغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنْ مَاتَ فِيهِ دَوَابُّ وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَ غَيْرِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، فَإِنْ أَمِنَ ذَلِكَ فَلْيَغْسِلْهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
، وَهَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ، وَلَوْ اسْتَشْهَدَ بِلَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِيهَا بِالْكَرَاهَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ غَسْلِهِ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَنَصُّهَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَهُ، أَوْ ثَوْبَ غَيْرِهِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ إلَّا أَنْ يُصِيبَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ، فَلْيَغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ لَا بِالْحُرْضِ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ غَسْلَ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ لَا يُمْنَعُ لِلْإِنْقَاءِ وَالتَّنْظِيفِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ لِأَجْلِ قَتْلِ الْهَوَامِّ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَحْسَنُ أَنَّ مَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ، أَوْ جَنَابَةٌ نَظَرَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَافْتَقَدَهُ، وَمَا حَوْلَهُ مِنْ الْهَوَامِّ فَإِنْ قَطَعَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ غَسَلَهُ بِمَا شَاءَ، وَأَنْقَاهُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يَدْرِ مَوْضِعَهَا افْتَقَدَهُ مَوْضِعًا مَوْضِعًا، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا قَمْلَ فِيهِ غَسَلَهُ، وَمَا رَأَى فِيهِ قَمْلًا نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ سَلَامَتَهُ فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَةً لَا تَفْتَقِرُ إلَى حَكٍّ، وَعَرْكٍ كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ، وَشَبَهِهِ، فَإِنَّهُ يُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ، وَيَتَلَطَّفُ فِي غَسْلِ ذَلِكَ، فَإِنْ شَكَّ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ شَيْئًا أَطْعَمَ اسْتِحْبَابًا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجَ إلَى حَكٍّ وَعَرْكٍ، وَكَانَ فِيهِ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ، فَإِنَّهُ يُطْعِمُ اسْتِحْبَابًا وَلَوْ عَرَكَ جَمِيعَ ثَوْبِهِ فِي قَصْرِيَّةٍ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى دُونِ ذَلِكَ أَطْعَمَ، وَكَذَلِكَ إنْ غَسَلَهُ بِالْحُرْضِ وَهُوَ الْغَاسُولُ، أَوْ بِالصَّابُونِ أَطْعَمَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَافْتَدَى عِنْدَ مَالِكٍ إنْ كَانَ بِثَوْبِهِ كَثِيرُ الْقَمْلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ بِالْحُرْضِ خَشْيَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ ابْنُ يُونُسَ زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ لِمَوْضِعِ الدَّوَابِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُهُ لِلْوَسَخِ وَنَحْوِهِ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ، وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ جَوَازُهُ انْتَهَى، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا قَمْلَ فِي ثَوْبِهِ جَازَ لَهُ غَسْلُهُ بِمَا شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لَهُ غَسْلُهُ لِلنَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ فَقَطْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَ بَعْضَ قَمْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ يُطْعِمُ اسْتِحْبَابًا، وَأَمَّا غَسْلُهُ لِلْوَسَخِ، فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: أَيْضًا إنَّهُ جَائِزٌ وَحَكَى فِي الشَّامِلِ فِي غَسْلِهِ مِنْ الْوَسَخِ قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا غَسْلُهُ لِغَيْرِ النَّجَاسَةِ وَالْوَسَخِ، فَاتَّفَقَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الطِّرَازِ أَنَّ غَسْلَهُ لِغَيْرِ النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ]
ص (وَرَبْطُ جُرْحِهِ)
ش: (فَرْعٌ) : قَالَ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ: وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ وَإِنْ دَمِيَ فَمُهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ وَالْعُتْبِيُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ وَلَوْ أَدْمَى فَاهُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ الْقَاضِي الزِّينَةَ مَنْعُ السِّوَاكِ بِالْجَوَازِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْمِنْطَقَةُ الْهِمْيَانُ، وَهُوَ مِثْلُ الْكِيسِ يُجْعَلُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ انْتَهَى.
ص (عَلَى جِلْدِهِ)
ش: فَلَوْ شَدَّهَا عَلَى إزَارِهِ فَفِيهَا الْفِدْيَةُ.
ص (وَإِضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ)
ش: فَلَوْ شَدَّهَا لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ وَجَعَلَ مَعَهَا نَفَقَةَ نَفْسِهِ لِيَسْتَبِيحَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ شَدَّهَا لِنَفَقَتِهِ، وَنَفَقَةِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ غَيْرِهِ تَبَعٌ انْتَهَى.
.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ)
ش: أَيْ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ نَفَقَتِهِ مِثْلَ أَنْ يَشُدَّهَا لِلتِّجَارَةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ حَبِيبٍ وَابْنِ يُونُسَ، وَكَذَلِكَ إنْ شَدَّهَا لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
ص
كَعَصْبِ جُرْحِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ عَصَبَ جُرْحَهُ، أَوْ رَأْسَهُ افْتَدَى قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَبِيرِ الْعِصَابَةِ وَصَغِيرِهَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ إشَارَةٌ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ صَغِيرِ الْعِصَابَةِ وَكَبِيرِهَا.
ص (أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ)
ش: اُنْظُرْ إذَا كَانَ بِهِ جُرُوحٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَأَلْصَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا خِرْقَةً دُونَ الدِّرْهَمِ وَالْمَجْمُوعُ كَدِرْهَمٍ، أَوْ أَكْثَرَ وَظَاهِرُ مَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَالْفِدْيَةُ فِي ذَلِكَ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ سَدَّ أُذُنَهُ الْوَاحِدَةَ، أَوْ كِلْتَيْهِمَا بِمَا فِيهِ طِيبٌ، أَوْ لَا طِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَابُ تَرَفُّهٍ، فَهُوَ بَابٌ وَاحِدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ لَا فَرْقَ فِي الْفِدْيَةِ فِيهِ أَنْ يَجْعَلَهَا لِعِلَّةٍ، أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَهُوَ بَيِّنٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ كَشْفَ أُذُنَيْهِ سَوَاءٌ قُلْنَا أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ، أَوْ لِأَنَّهُمَا فِي عَظْمِ الرَّأْسِ كَالْجَبْهَةِ وَالصُّدْغِ، فَإِذَا سَدَّهُمَا، فَقَدْ سَتَرَ مَا عَلَيْهِ كَشْفُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَ فِي صُدْغَيْهِ قِرْطَاسًا، أَوْ عَصَبَ جَبْهَتَهُ بِعِصَابَةٍ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: أَوْ قُطْنَةٌ بِأُذُنٍ، أَوْ قِرْطَاسٌ بِصُدْغٍ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعُورِضَ إيجَابُهُمْ الْفِدْيَةَ فِي الْأُذُنِ مُطْلَقًا بِمَسْأَلَةِ الْخِرَقِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ انْتِفَاعِهِ بِسَدِّ الْأُذُنِ أَشْبَهَ الْكَثِيرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ، أَوْ فَخْذِهِ) ش يُرِيدُ، أَوْ سَاقِهِ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ مِنْ اللِّبَاسِ الْمَمْنُوعِ وَإِنَّمَا جَازَتْ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ فَلَا يَعْدِلُ بِهَا عَنْ الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِهَا عَادَةً
ص (وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ) ش: أَيْ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَكُبَّ وَجْهَهُ عَلَى الْوِسَادَةِ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا فَوْقَ الْعُنُقِ، فَيَكُونُ الْوَجْهُ مِنْ جُمْلَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ بَاعَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ كَظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةٌ بِالْمُحْرِمِ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ النَّوْمَ عَلَى الْوَجْهِ نَوْمُ الْكُفَّارِ، وَأَهْلِ النَّارِ وَالشَّيَاطِينِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُنْهَى عَنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُهُ إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ مِمَّنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ هَذَا جُلُّ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِيهِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ يُرِيدُ بِهِ الْمَصْبُوغَ بِغَيْرِ طِيبٍ إذَا كَانَ لَوْنُ الصِّبَاغِ يُشَابِهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ، فَأَمَّا مَا صُبِغَ بِطِيبٍ كَالْمَصْبُوغِ بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْإِحْرَامِ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ، فَإِنْ غُسِلَ الثَّوْبُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، وَبَقِيَ لَوْنُهُ، فَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ إلَّا أَنْ يَذْهَبَ لَوْنُهُ كُلُّهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ لَوْنُهُ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ صَبَغَهُ بِالْمِشْقِ، وَأَحْرَمَ بِهِ انْتَهَى وَالْمِشْقُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْمَغْرَةُ بِفَتْحِ
الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَحْمَرُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صِبْغَهَا إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا خُلِطَ بِزَيْتٍ وَيُقَالُ لِلثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِهَا مُمَشَّقٌ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَأَمَّا الْمُغْرَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ فَقَالَ فِي الْقَامُوسِ إنَّهُ لَوْنٌ لَيْسَ بِنَاصِعِ الْحُمْرَةِ، أَوْ شُقْرَةٌ بِكُدْرَةِ انْتَهَى وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ ثَوْبٍ صُبِغَ بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ وَالْوَرْسُ نَبْتٌ بِالْيَمَنِ وَصِبْغُهُ بَيْنَ الصُّفْرَةِ وَالْحُمْرَةِ فَإِنْ غُسِلَ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتَهُ مَا بَقِيَ مِنْ لَوْنِهِ شَيْءٌ انْتَهَى، وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُفْدَمٍ وَمُوَرَّدٍ فَالْمُفْدَمُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الْقَوِيُّ الصِّبْغِ الْمُشَبَّعِ الَّذِي رُدَّ فِي الْعُصْفُرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِلرِّجَالِ وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ سُقُوطَهَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَالْمَشْهُورُ أَيْضًا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَ الْمُحْرِمَةُ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ مَا لَمْ يَنْتَفِضْ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْهُ انْتَهَى وَاسْتَظْهَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْقَوْلَ بِسُقُوطِ الْفِدْيَةِ فِي الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ عَنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ طِيبًا وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ.
(قُلْت) : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَبِسَتْ الْمُفْدَمَ لَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْرَهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُحْرِمُوا فِي الثَّوْبِ الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ لِانْتِفَاضِهِ انْتَهَى فَسَوَّى بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ مَالِكٌ: النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ فِيمَا يُنْهَى عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ فِي الْمُوَرَّسِ وَالْمُعَصْفَرِ وَالْمُفْدَمِ وَالْمُزَعْفَرِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ فَفَسَّرَهُ التُّونُسِيُّ بِالْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ إذَا غُسِلَ وَفَسَّرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيُّ بِالْمُعَصْفَرِ غَيْرِ الْمُفْدَمِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ غُسِلَ الْمُفْدَمُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوَرَّدًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ صَبْغًا غَيْرَ قَوِيٍّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ يَعْنِي فِي تَفْسِيرِ الْمُوَرَّدِ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هُوَ الَّذِي صُبِغَ بِالْوَرْدِ انْتَهَى.
.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَفِي تَفْسِيرِ الْبَلُّوطِيِّ بِمَا صُبِغَ بِوَرْدٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ كَالْوَرْسِ انْتَهَى.
وَالْبَلُّوطِيُّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ هُوَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ (قُلْت) : وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ الْمَصْبُوغَ بِالْوَرْدِ كَالْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْوَرْسَ مِنْ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ، وَالْوَرْدُ مِنْ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَفْصِلَ فِيهِ كَمَا فَصَلَ فِي الْمَصْبُوغِ بِالْعُصْفُرِ بَيْنَ الْمُفْدَمِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : وَقَوْلُنَا إذَا كَانَ لَوْنُ صِبْغِهِ يُشْبِهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ احْتَرَزْنَا بِهِ عَمَّا يَكُونُ صِبَاغُهُ لَا يُشْبِهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ فَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبِيضُ أَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ لِبَاسُ الْبَيَاضِ، وَهُوَ فِي الْمَصْبُوغِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: جَائِزٌ: إذَا كَانَ أَزْرَقَ، أَوْ أَخْضَرَ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَمْنُوعٌ: إذَا كَانَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ طِيبٌ، فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَيَجُوزُ إذَا كَانَ مُعَصْفَرًا غَيْرَ مُفْدَمٍ، وَكُرِهَ الْمُفْدَمُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَلَمْ يَرَهُ مِنْ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ انْتَهَى.
وَكَانَ الْقِسْمُ الثَّالِثِ مِنْ الْمَصْبُوغِ فِي كَلَامِهِ هُوَ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ الْمُفْدَمِ، فَجَعَلَهُ مَكْرُوهًا.
وَلَمْ يَرَ فِيهِ فِدْيَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الطِّرَازِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْبَيَاضُ أَفْضَلُ فِي صِفَةِ الثِّيَابِ لِلْحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَصْبُوغُ
مِنْهُ مُبَاحٌ، وَمِنْهُ غَيْرُ مُبَاحٍ، فَالْمُبَاحُ مَا لَا يَكُونُ صِبْغُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الطِّيبِ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلْعَامَّةِ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنْ يَلْبَسَ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ دُلْسَةٌ،.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا هُوَ مَدَرٌ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمْ النَّاسُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ لَقَالَ: إنَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُبَاحِ فَهُوَ مَا صُبِغَ بِطِيبٍ، أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الطِّيبِ فَمَا صُبِغَ بِطِيبٍ كَانَ لُبْسُهُ حَرَامًا.
وَمَا صُبِغَ بِغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُشَابِهٌ لِلطِّيبِ كَانَ مَكْرُوهًا، وَذَلِكَ يَرْجِعُ فِي الْعَادَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَصْبَاغٍ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ أَمَّا الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ فَاتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ، فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ نَافِضًا وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ.
وَلَمْ يَرَوْهُ مِنْ الطِّيبِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَنْعِهِ هَلْ هُوَ مَنْعُ تَحْرِيمٍ؟ أَوْ كَرَاهَةٍ؟ أَعْنِي الْمُفْدَمَ الْمُشَبَّعَ إذَا كَانَ يَنْتَفِضُ عَلَى الْجَسَدِ قَالَ فِي الْمَعُونَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُوجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ، وَقَدْ أَسَاءَ، وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ طِيبًا كَسَائِرِ أَلْوَانِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، وَاعْتِبَارًا بِمَا لَا يَنْتَفِضُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَاهُ طِيبًا، وَلَا يُوجِبُ فِيهِ فِدْيَةً إذَا لَمْ يَنْتَفِضْ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ عِنْدَهُ فِي الطِّيبِ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ خَاصَّةً فَسُقُوطُ الْفِدْيَةِ فِيهِ كَأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَهُمْ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي البركانات وَالطَّيَالِسَةِ الْكُحْلِيَّةِ]
(فَائِدَةٌ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمَّا ذَكَرَ كَرَاهَةَ الْمَصْبُوغِ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ إنَّ الْعَالِمَ الْمُقْتَدَى بِهِ يَتْرُكُ مِنْ الْمُبَاحِ مَا يُشْبِهُ الْمَمْنُوعَ مِمَّا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا الْعُلَمَاءُ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ غَيْرَهُ الْكَفُّ عَنْهُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَمْرَ الْعَالِمِ بِالْكَفِّ عَنْ ذَلِكَ أَمْرُ نَدْبٍ لَا إيجَابٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي الْبَرْكَانَاتِ وَالطَّيَالِسَةِ الْكُحْلِيَّةِ وَفِي أَلْوَانِ جَمِيعِ الثِّيَابِ إلَّا الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ الَّذِي يَنْتَفِضُ، وَمَا صُبِغَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، فَإِنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ، وَلَمْ يَكْرَهْ شَيْئًا مِنْ الصِّبْغِ غَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِحْرَامِ فِي الثِّيَابِ الْهَرَوِيَّةِ إنْ كَانَ صَبْغُهَا بِغَيْرِ الزَّعْفَرَانِ، وَإِنْ كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ، فَلَا يَصْلُحُ انْتَهَى وَالْبُرْكَانَاتُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ مِثْلُ الْأَكْسِيَةِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ ثَوْبٌ بَرَّكَانِيٌّ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ الْبُرْكَانُ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ مِنْ نَاعِمِ الصُّوفِ يَجُوزُ لُبْسُهُ، وَالْإِحْرَامُ فِيهِ إجْمَاعًا انْتَهَى.
وَالطَّيَالِسَةُ جَمَعَ طَيْلَسَانَ بِفَتْحِ اللَّامِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ طَيْلَسَانُ بِكَسْرِ اللَّامِ قَالَ: وَالطَّاءُ فِي الطَّيَالِسَةِ لِلْعُجْمَةِ أَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ إنَّهُ مُثَلَّثُ اللَّامِ وَعَنْ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ مُعْرَبٌ أَصْلُهُ تَالِسَانُ وَيُقَالُ فِيهِ: طَالَسَانُ وَطَيْلَسٌ قَالَهُ كُرَاعٌ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ فِي الصِّحَاحِ وَكَأَنَّهُ مُعَرَّبٌ وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: فِي الْمُغْرِبِ هُوَ مِنْ لِبَاسِ الْعَجَمِ مُدَوَّرٌ أَسْوَدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الشَّتْمِ يَا ابْنَ الطَّيْلَسَانِ يُرِيدُ أَنَّك أَعْجَمِيٌّ انْتَهَى وَالثِّيَابُ الْهَرَوِيَّةُ ثِيَابٌ مِنْ رَقِيقِ الْقُطْنِ يُصَفَّرُ سِدَادُهَا بِالزَّعْفَرَانِ، أَوْ الْكَمُّونِ وَنَحْوِهِ، فَتَأْتِي إلَى الصُّفْرَةِ، فَكَرِهَهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ» ، وَهَذَا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ وَقَعَ نَظَرْت إلَى الثَّوْبِ، فَإِنْ كَانَ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ فِيهِ تَعَلَّقَتْ بِلُبْسِهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ فِيهِ بِوَجْهٍ كَانَ مَكْرُوهًا أَمَّا غَيْرُ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالْعُصْفُرِ مِنْ الْمِشْقِ وَالْبَقَّمِ وَالْفُوَّهِ وَسَائِرِ الْمُصَبِّغَاتِ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ انْتَهَى، وَقَالَ قَبْلَهُ، وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِحْرَامِ فِي عَصْبِ الْيَمَنِ وَسَائِرِ الْأَلْوَانِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَكْرَهُ شَيْئًا مَا خَلَا الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ وَالْمُعَصْفَرَ وَالْمُفْدَمَ الَّذِي يَنْتَفِضُ قَالَ
سَنَدٌ: الْعَصْبُ ثِيَابُ قُطْنٍ مُرْتَفِعَةٍ فِيهَا خُطُوطٌ مَصْبُوغَةٌ، وَهِيَ الْحِبَرَةُ تُصْبَغُ بِالْيَمَنِ لَيْسَ فِيهَا وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ الْبَاجِيّ: وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ بِالْعُصْفُرِ وَالْمَصْبُوغُ بِالْمَغْرَةِ، أَوْ الْمِشْقِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْأَصْفَرُ بِغَيْرِ زَعْفَرَانٍ، وَلَا وَرْسٍ، فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لُبْسُهُ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَلَا يُفْعَلُ غَالِبًا إلَّا إبْقَاءً لِلثَّوْبِ، فَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ، وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِئَلَّا يُلْبِسَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي لُبْسِ الْمَصْبُوغِ الْمَمْنُوعِ لُبْسُهُ رَوَاهُ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَرَاهَةُ مَا صُبِغَ مِنْ الْأَصْفَرِ بِغَيْرِ زَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ خَلِيلٌ: يُرِيدُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ رَاشِدٍ فِي حَمْلِهِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ لَا غَيْرَ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُهُ أَنَّ الْمُوَرَّدَ وَالْمُمَشَّقَ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ فِيهِمَا، وَلَا يُلْحَقُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَلْوَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ الْإِحْرَامُ فِيمَا عَدَاهُمَا مَكْرُوهٌ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْبَيَاضِ فَقَالَ: لَيْسَتْ تَمْشِيَتُهُ بِجَيِّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ فِي غَيْرِهِمَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَلَّابِ وَاللَّخْمِيّ، وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى.
.
وَلَفْظُ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الثِّيَابَ السُّودَ وَالْكُحْلِيَّاتِ وَالدُّكْنَ وَالْخُضْرَ وَتَقَدَّمَ لَفْظُ اللَّخْمِيِّ، وَقَوْلُهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ يُرِيدُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَذْهَبُ جَوَازُ الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ فِي غَيْرِهِمَا يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ الْبَيَاضُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِهَذَا يُقَيَّدُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا بَأْسَ بِالْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ فَيُقَالُ يُرِيدُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَيُقَيَّدُ قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالْإِحْرَامِ فِي جَمِيعِ الْأَلْوَانِ إلَخْ فَيُقَالُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ أَنَّ الْمَصْبُوغَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلْمُقْتَدَى بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَشْبَهَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ، أَوْ لَمْ يُشْبِهْ، فَإِنَّهُ قَالَ الْجَائِزُ: مِنْ الْمَصْبُوغِ مَا لَا يَكُونُ صِبَاغُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الطِّيبِ كَالْأَخْضَرِ وَالْأَزْرَقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لِلْعَامَّةِ وَيُكْرَهُ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ انْتَهَى وَنَحْوُهُ لِلْقَرَافِيِّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيَاضَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ الْمَصْبُوغَ بِغَيْرِ طِيبٍ، وَلَا يُشْبِهُ لَوْنُ صِبْغِهِ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ جَائِزٌ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَلِمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى إلَّا عَلَى ظَاهِرِ التِّلِمْسَانِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَالْقَرَافِيِّ وَأَنَّ الْمَصْبُوغَ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ لَوْنُ صِبْغِهِ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ، وَالْمَصْبُوغُ بِالطِّيبِ إذَا غُسِلَ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، وَبَقِيَ لَوْنُهُ يُكْرَهُ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَأَنَّ الْمَصْبُوغَ بِالطِّيبِ حَرَامٌ، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ تَقْيِيدُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَيَّدْنَاهُ بِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَصْبُوغٍ الْمَصْبُوغُ بِغَيْرِ طِيبٍ إذَا كَانَ لَوْنُ صِبَاغِهِ يُشْبِهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الطِّيبِ بِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ حَرَامٌ، وَاسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الْمُطَيَّبِ كَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ وَاسْتَغْنَى عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ لَوْنِ صِبَاغِهِ يُشْبِهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، فَإِنْ قِيلَ لَمْ لَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمَصْبُوغِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلَ الْبَيَاضُ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَرَاهَةٍ (قُلْت) : يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ تَقْيِيدُهُ الْكَرَاهَةَ بِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ إلَّا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ الْبَيَاضِ خِلَافُ الْمُسْتَحَبِّ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَجَمِيعُ الْأَلْوَانِ وَاسِعٌ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي بِالتَّوْسِعَةِ الْإِبَاحَةَ، وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ الْبَيَاضِ انْتَهَى.
هَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَقَطَتْ مِنْهُ لَفْظَةُ لَا مِنْ أَوَّلِهِ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ الْبَيَاضِ وَيُوَافِقَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يُرِيدُ بِالتَّوْسِعَةِ الْإِبَاحَةَ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ اسْتِحْبَابُ الْبَيَاضِ، وَيَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ جَائِزٌ بَدَلَ وَاسِعٍ، وَلَفْظَةُ وَاسِعٍ هُنَا أَنْسَبُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: تَعَقَّبَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رَاشِدٍ بِقَوْلِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ، وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْبُوغَ بِالْمَدَرِ هُوَ الْمُمَشَّقُ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ نَعَمْ كَلَامُ ابْنِ رَاشِدٍ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ الْإِحْرَامُ فِيمَا عَدَاهُمَا مَكْرُوهٌ، وَفِي الْجَلَّابِ لَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الثِّيَابَ السُّودَ وَالْكُحْلِيَّاتِ وَالدُّكْنَ وَالْخُضْرَ، فَقَدْ نَفَى الْكَرَاهَةَ عَنْ هَذِهِ الْأَلْوَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ فِي الْمُوَرَّدِ وَالْمُمَشَّقِ بِلَا كَرَاهَةٍ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمُمَشَّقَ مَكْرُوهٌ لِلْإِمَامِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) : كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ إنَّمَا تَعَقَّبَ كَلَامَ ابْنِ رَاشِدٍ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَطْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَعَقَّبَهُ بِوَجْهَيْنِ: مُخَالَفَتُهُ لِكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَتَأَمَّلْهُ وَإِنَّمَا تَعَقَّبَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رَاشِدٍ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ يَعُودُ إلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ فِي الْمُمَشَّقِ وَالْمُوَرَّدِ، وَإِلَى كَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِهِمَا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ فِي الْإِحْرَامِ فِي الْمُمَشَّقِ خِلَافًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِهِ، فَظَهَرَ حِينَئِذٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) : كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْأَوْسَطِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَاجِيَّ أَطْلَقَ فِي كَرَاهَةِ الْمَصْبُوغِ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَصْبُوغُ مِمَّا فِيهِ دُلْسَةٌ بِالْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ أَمْ لَا، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا فِيهِ دُلْسَةٌ فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ انْتَهَى، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ فِي الْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فَإِنَّ الشَّارِحَ قَيَّدَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَصْبُوغِ بِغَيْرِ طِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّمَا قَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ فِي الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ شَيْءٌ وَأَنَّ أَصْلَهُ، وَأَمَّا مَا صُبِغَ بِطِيبٍ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَخْ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: أَيْ وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ، وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ لُبْسُ ثَوْبٍ صُبِغَ بِمَا عَدَا الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ، وَأَمَّا مَا صُبِغَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ، وَهَذَا الْمَحَلُّ مِنْ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ، فَكَتَبَ فِيهِ كَلَامَهُ فِي الْأَوْسَطِ
[فَرْعٌ نَوْمُ الْمُحْرِمُ عَلَى شَيْءٍ مَصْبُوغٍ]
(فَرْعٌ) : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَنَامُ الْمُحْرِمُ عَلَى شَيْءٍ مَصْبُوغٍ بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ مِنْ فَرْشٍ، أَوْ وِسَادَةٍ إلَّا أَنْ يُغَشِّيَهُ بِثَوْبٍ كَثِيفٍ، فَإِنْ فَعَلَ، وَلَمْ يُغَشِّهِ افْتَدَى إنْ كَانَ صِبْغًا كَثِيرًا وَالْمُعَصْفَرُ أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَنَامَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَعْرَقَ، فَيُصِيبَهُ إلَّا الْخَفِيفَ لَا يَخْرُجُ عَلَى الْجَسَدِ، وَلَا يَتَوَسَّدُ مِرْفَقَةً فِيهَا زَعْفَرَانٌ، وَكَرِهَ أَنْ يَنَامَ عَلَى خَشَبَةٍ مُزَعْفَرَةٍ قَدْ ذَهَبَتْ الشَّمْسُ بِصِبَاغِهَا حَتَّى يُغَشِّيَهَا بِثَوْبٍ أَبْيَضَ انْتَهَى مِنْ النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَقَالَ بَعْدَهُ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ قَالَ: وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا كَثِيفًا، وَظَهَرَ رِيحُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلِقَ بِجِسْمِهِ رِيحُهُ لَافْتَدَى انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، وَلَمْ يُغْسَلْ، وَلَكِنَّهُ لُبِسَ، وَتَقَادَمَ، وَانْقَطَعَتْ رَائِحَةُ الزَّعْفَرَانِ مِنْهُ حَتَّى لَا تَظْهَرَ بِوَجْهٍ كُرِهَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ، وَلَمْ يَحْرُمْ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
[فَرْعٌ فِي مَنْ أَحْرَمَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ لُمْعَةٌ مِنْ الزَّعْفَرَانِ]
(فَرْعٌ) :
قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَحْرَمَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ لُمْعَةٌ مِنْ الزَّعْفَرَانِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَغْسِلْهُ إذَا ذَكَرَ انْتَهَى، وَذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، وَقَالَ بَعْدَهُ، وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا، وَالزَّعْفَرَانُ مَا مُنِعَ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ التَّطَيُّبُ بِهِ، وَلِهَذَا إذَا تَنَاوَلَ طَعَامًا طُبِخَ بِهِ، فَاسْتُهْلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ انْتَهَى.
، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُمَا وَقَبِلُوهُ كُلُّهُمْ، وَقَيَّدَ ابْنُ رَاشِدٍ ذَلِكَ بِمَا إذَا غَسَلَ اللُّمْعَةَ، وَقَالَهُ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَعَزَاهَا ابْنُ عَرَفَةَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِيهِ وَنَصُّهَا وَسُئِلَ عَنْ الَّذِي يُحْرِمُ فِي الثَّوْبِ فِيهِ اللُّمْعَةُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اللُّمْعَةَ تَبْقَى فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهِ فَاسْتَخَفَّ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَخِفُّ اللُّمْعَةَ مَنّهُ دُونَ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ، وَلَا بِجَمِيعِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ إلَّا أَنْ يُغَيَّرَ بِالْمِشْقِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ أَحْرَمَ بِثَوْبٍ فِيهِ لُمْعَةُ زَعْفَرَانٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَغْسِلْهُ إذَا ذَكَرَهُ، فَقَبِلَهُ الشَّيْخُ وَسَمِعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ بَعْدَ غَسْلِهَا وَلَا يُسْتَخَفُّ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ انْتَهَى.
(قُلْت) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلْيَغْسِلْهُ إذَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَحْرَمَ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
اسْتَخَفَّ ذَلِكَ لِيَسَارَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللُّمْعَةِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ أَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الثَّوْبِ إذَا كَانَ غَيْرَ جَدِيدٍ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الثَّوْبِ إذَا كَانَ غَيْرَ جَدِيدٍ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ عِنْدِي ثَوْبٌ قَدْ أَحْرَمْت فِيهِ حِجَجًا مَا غَسَلْتُهُ، وَلَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهَذَا بَيِّنٌ فَإِنَّ الثَّوْبَ لَا يُشْرَعُ غَسْلُهُ لِلْعِبَادَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يُوجِبُ غَسْلَهُ بِدَلِيلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ، نَعَمْ إنْ كَانَ نَجِسًا غُسِلَ مِنْ النَّجَسِ، أَوْ دَنِسًا غُسِلَ مِنْ الدَّنَسِ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ مُسْتَحَبٌّ، وَغَسْلُهُ مِنْ الدَّنَسِ عَمَلٌ فِي تَبْيِيضِهِ، وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْجَدِيدَ أَفْضَلُ، فَيُقَالُ رُبَّ غَسِيلٍ أَفْضَلُ مِنْ جَدِيدٍ، فَلَا وَجْهَ لِمُرَاعَاةِ الْجِدَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْكِتَابِ: لَيْسَ بِالثَّوْبِ الدَّنِسِ بَأْسٌ، فَيُحْرِمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ هَذَا اللَّفْظَ، وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ جَدِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ كَانَ ثَوْبُهُ نَجِسًا غَسَلَهُ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ، وَأَحْرَمَ بِهِ صَحَّ إحْرَامُهُ وِفَاقًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، فَلَا تُنَافِيهِ النَّجَاسَةُ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ كَانَ فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ طِيبٌ وَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ بِهِ الطِّيبَ، فَأَزَالَهُ بِبَوْلِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ صَحَّ إحْرَامُهُ، وَتَخَلَّصَ مِنْ فِدْيَةِ الطِّيبِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ شَكَّ أَنَّ عَلَى ثَوْبَيْهِ نَجَاسَةً، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْوَسْوَاسِ قَالَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ غَسْلُهُمَا كَانَا جَدِيدَيْنِ، أَوْ غَسِيلَيْنِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ بِلَفْظِ: وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِمَا نَجَاسَةٌ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْوَسْوَاسِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ غَسْلُهُمَا كَانَا جَدِيدَيْنِ، أَوْ غَسِيلَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) : فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَسْوَسَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِغَسْلِهِمَا وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ لِشَكِّهِ وَجْهٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْغَسْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّحَرِّي فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ حِلَّ مِلْكِهِمْ وخلوصية أَصْلِهِمَا]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ حِلَّ مِلْكِهِمَا وَخُلُوصِيَّةَ أَصْلِهِمَا، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ حِجَجًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُ لِلْإِحْرَامِ، وَيُعِدُّهُ لَهُ إذْ لَوْ امْتَهَنَهُ لَمَا أَقَامَ حِجَجًا لَا يَغْسِلُهُ قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَمَنْ ابْتَاعَ ثَوْبَيْنِ مِنْ أَسْوَدَ فَخَافَ أَنْ يَكُونَا مَسْرُوقَيْنِ فَلَا يُحْرِمُ فِيهِمَا إنْ شَكَّ قِيلَ فَإِنْ بَاعَهُمَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِمَا قَالَ: قَدْ أَصَابَ وَاَلَّذِي قَالَهُ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ وَالْفَضِيلَةِ لَا مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ فِي النَّوَادِرِ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ (قُلْت) : وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَتْرُكَهُمَا إذَا حَصَلَتْ لَهُ رِيبَةٌ، وَإِنْ ضَعُفَتْ
بِخِلَافِ بَابِ الطَّهَارَةِ، فَلَا يَعْمَلُ بِهِ بِالِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الْإِحْرَامُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ عَلَمُ حَرِيرٍ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُحْرِمَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ عَلَمُ حَرِيرٍ مَا لَمْ يَكْثُرْ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ بُكَيْرٍ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا هَلْ يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ عَلَمُ حَرِيرٍ قَدْرَ الْأُصْبُعِ؟ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رِيحُ الْمِسْكِ وَالطِّيبِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ يَجِدُ فِيهِ رِيحُ الْمِسْكِ وَالطِّيبِ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي تَابُوتِهِ الْمِسْكُ، فَيَكُونُ فِيهِ مِلْحَفَةٌ فَيُخْرِجُهَا لِيُحْرِمَ فِيهَا، وَقَدْ عَلِقَ فِيهَا رِيحُ الْمِسْكِ قَالَ: يَغْسِلُهَا.
أَوْ يَنْشُرُهَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ قَالَ سَنَدٌ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَأَنَّ مَنْ أَبَاحَ ذَلِكَ أَبَاحَهُ فِي الْبَدَنِ، وَفِي الثَّوْبِ، وَمَنْ مَنَعَهُ مَنَعَهُ مِنْ الْبَدَنِ وَمِنْ الثَّوْبِ مَا نَصُّهُ أَمَّا ثَوْبُ الْمُحْرِمِ إذَا عَلِقَ بِهِ رِيحُ طِيبٍ، أَوْ تَبَخَّرَ بِعَنْبَرٍ وَنَدٍّ وَشَبَهِهِمَا، فَلَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ، فَإِنْ فَعَلَ، فَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رِيحُ مِسْكٍ، أَوْ طِيبٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ قَالَ أَشْهَبُ: فِي الْمَجْمُوعَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَالتَّطَيُّبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ تَطَيَّبَ حِينَئِذٍ.
أَمَّا مَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَيَفْتَدِي، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، وَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ مُحَرَّمَ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ، فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَةِ كَمَا لَوْ جَلَسَ فِي الْعَطَّارِينَ فَشَمَّ الطِّيبَ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا عَامِدًا، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ، وَيُخَالِفُ الْجُلُوسُ فِي الْعَطَّارِينَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَطَيُّبٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَعَنْ الْمَجْمُوعَةِ نَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ نَحْوَ مَا ذُكِرَ عَنْ أَشْهَبَ.
وَهُوَ غَرِيبٌ، وَنَصُّهُ: وَلَا يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْنُ الطِّيبِ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَثُرَتْ الرَّائِحَةُ افْتَدَى انْتَهَى، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ كَأَنَّهُ تَتْمِيمٌ لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ أَشْهَبَ كَأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لَهُ، فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ عَلِقَ فِيهِ رِيحُ الْمِسْكِ حَتَّى تَذْهَبَ رِيحُهُ بِغَسْلٍ، أَوْ نَشْرٍ.
وَإِنْ أَحْرَمَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ رِيحُهُ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ، فَيَصِيرَ كَالطِّيبِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ بَعْدَهُ الشَّيْخُ: الْمِسْكُ لَمْ يُجْعَلْ فِي الثَّوْبِ، وَإِنَّمَا عَلِقَ بِهِ رِيحُهُ مِنْ غَيْرِهِ يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ عَلِقَ بِهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَلَوْ مَسَّهُ طِيبٌ، ثُمَّ ذَهَبَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ سُئِلَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ فَقَالَ نَعَمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاغُ زَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، أَوْ الَّذِي يَتَحَصَّلُ عِنْدِي مِنْ هَذَا أَنَّ الثَّوْبَ إذَا كَانَتْ فِيهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ، فَلَا يُحْرِمُ فِيهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ رَائِحَةَ طِيبٍ مُؤَنَّثٍ كَانَ الْإِحْرَامُ فِيهِ حَرَامًا، وَإِنْ كَانَتْ رَائِحَةَ طِيبٍ مُذَكَّرٍ كَانَ الْإِحْرَامُ فِيهِ مَكْرُوهًا، فَإِنْ أَحْرَمَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الطِّيبُ مُذَكَّرًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُؤَنَّثًا، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَنْ تَطَيَّبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِمَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَالْمَشْهُورُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إنْ كَانَ كَثِيرًا، وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ، أَوْ خِلَافٌ؟ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ
[فَرْعٌ الْإِحْرَامَ فِي ثَوْبٍ مُصَبَّغٍ بِدُهْنٍ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ فِي ثَوْبٍ مُصَبَّغٍ بِدُهْنٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِسْكًا، أَوْ عَنْبَرًا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ فِي رَسْمِ لِيَرْفَعْنَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ سُئِلَ عَنْ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الدُّهْنُ، هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِسْكًا، أَوْ عَنْبَرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَدْهَانَ الَّتِي لَا طِيبَ فِيهَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَهَا وَيَدْهُنَ بِهَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مِنْ شُقَاقٍ بِهَا لَا لِتَحْسِينِهَا، وَهِيَ لَا تُحَسِّنُ الثَّوْبَ بِحَالٍ إذَا أَصَابَتْهُ بَلْ تُوَسِّخُهُ، فَلَا بَأْسَ بِالْإِحْرَامِ فِيهِ كَمَا قَالَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي الثَّوْبِ الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ: كَرِهَهُ مَالِكٌ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ وَكُرِهَ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ الْمُعَصْفَرُ الْمُفْدَمُ، وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ غَيْرُ الْمُفْدَمِ وَالْمُزَعْفَرُ، فَيَجُوزُ لُبْسُهُمَا فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ نَصَّ عَلَى الْمُوَرَّدِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَى الْمُزَعْفَرِ فِي غَيْرِهَا قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَكُنْتُ أَلْبَسُهُ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ هُوَ أَنْ يُلَطِّخَ جَسَدَهُ بِزَعْفَرَانٍ اللَّخْمِيُّ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا، أَوْ الْعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ» وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَلْبِسُ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ وَزَادَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَخُصَّ بِهِ الْمُحْرِمَ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا يَفْتَرِقُ فِيهِ حُكْمُ الْمُحْرِمِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْمُعَصْفَرِ فَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيَّ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ فَقَالَ: إنَّ هَذَيْنِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا» وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَلَا كَسَوْتَهُمَا بَعْضَ أَهْلِك انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَقَالَ فِيهِ وَحُمِلَ النَّهْيُ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ عَلَى تَلْطِيخِ الْجَسَدِ عَلَى رَأْيِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا وَالْعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ» ، وَهَذَا بَيِّنٌ فَإِنَّ ذَلِكَ عَادَةُ الْعَرَبِ وَهُوَ زِيُّ مَكَّةَ إلَى الْيَوْمِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَحْضِ مُعْتَادِ النِّسَاءِ حَتَّى يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُعَصْفَرِ عَامٌّ فِي الْمُفْدَمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ وَلَقَدْ «لَعَنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ» فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إنَّهُ أَجَازَ لُبْسَ الْمَلَاحِفِ الْمُعَصْفَرَةِ لِلرِّجَالِ فِي الْبُيُوتِ، وَفِي أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَكَرِهَ لِبَاسَهَا فِي الْمَحَافِلِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى السُّوقِ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ التَّصَرُّفَ بِهَا بَيْنَ الْمَلَإِ مِنْ لِبَاسِ الِاشْتِهَارِ، فَلِهَذَا نَهَى عَنْهُ وَفِي الدِّيَارِ لَيْسَ فِيهَا اشْتِهَارٌ فَأَجَازَهُ انْتَهَى.
، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْأَحْمَرُ، وَمِنْهُ الْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ الْمُزَعْفَرَ لِلرِّجَالِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ، وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَلِلرِّجَالِ فِي غَيْرِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَيَتَحَلَّى بِالزِّينَةِ مِنْ كُحْلٍ وَخِضَابٍ وَسِوَاكٍ سَأَلَ رَجُلٌ غَرِيبٌ عَنْهُ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ أَتَسْخَرُونَ بِي أَسْأَلُكُمْ عَنْ قَاضِيكُمْ فَتَدُلُّونِي عَلَى زَامِرٍ فَزَجَرُوهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَشِيرٍ: تَقَدَّمْ وَاذْكُرْ حَجَّتَكَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِمَّا ظَنَّهُ، عَاتَبَهُ زُونَانُ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ وَالْمُعَصْفَرِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فَقِيهَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَلْبَسُ الْخَزَّ، ثُمَّ تَرَكَ لُبْسَ الْخَزِّ قَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى: لَا يَلْزَمُ مَنْ يَعْقِلُ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى وَزُونَانُ اسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَمَّى أَبَا مَرْوَانَ وَيُعْرَفُ بِزُونَانَ وَهُوَ مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِمَّنْ لَمْ يَرَ مَالِكًا مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ قُرْطُبَةَ سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنَ وَهْبٍ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الْفِقْهَ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا وَرِعًا زَاهِدًا وَلِيَ قَضَاءَ طُلَيْطِلَة وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَعْجَبُ مِنْ كَلَامِهِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ الْمُذَهَّبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ شَمُّ الرِّيحَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَيَخْفَى أَثَرُهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كَالْيَاسَمِينِ وَالْوَرْدِ وَالْخَيْلِيِّ وَالْبَنَفْسَجِ وَشَبَهِهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ شَمَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، وَتَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَمَا سَيَأْتِي، وَحُكْمُ مَا يُغْتَفَرُ مِنْ هَذِهِ
الرَّيَاحِينِ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْحَجِّ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالرَّيْحَانِ، أَوْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ بِالْأُشْنَانِ الْمُطَيَّبِ بِالرَّيَاحِينِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ طَيَّبَ الْأُشْنَانَ بِالطِّيبِ افْتَدَى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ قَوْلِهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ يُرِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ بِالرَّيْحَانِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَمَّا الْوُضُوءُ بِهِ فَمَعْنَاهُ غَسْلُ الْيَدِ لَا الْوُضُوءُ مِنْ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا لِإِضَافَتِهِ إنْ كَانَ أُشْبِعَ فِي الْمَاءِ حَتَّى غَيَّرَهُ، وَإِنْ كَانَ اعْتَصَرَهُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ، فَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ يَدَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ، وَأَمَّا مَاءُ الْوَرْدِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى فِي الْبَدَنِ، وَلَهُ نَحْوُ هَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَتَأَمَّلْهُ، وَمَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَالنَّاسُ يَصُبُّونَ عَلَيْهِ مَاءَ الْوَرْدِ وَفِيهِ الْمِسْكُ، فَقَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ فِيهِ الْمِسْكُ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حُكْم الْحَشَائِشُ وَشَبَهُهُ مِمَّا يُشَمُّ وَلَا يُتَطَيَّبُ بِهِ لِلْمُحْرِمِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ: أَمَّا الْحَشَائِشُ وَالزَّنْجَبِيلُ وَالشِّيحُ وَالْإِذْخِرُ وَالْقَيْصُومُ وَشَبَهُهُ مِمَّا يُقْصَدُ شَمُّهُ وَلَا يُتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا مِنْهُ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَ الْكَافَّةِ، وَهُوَ كَالْقَاحِ وَالتُّفَّاحِ وَاللَّيْمُونِ وَالْأُتْرُجِّ، وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ انْتَهَى.
ص (وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ)
ش: سَوَاءٌ أَزَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرًا، أَوْ لَمْ يُزِلْ وَسَوَاءٌ خَشِيَ قَتْلَ الدَّوَابِّ، أَوْ لَمْ يَخْشَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: هِيَ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يُزِلْ بِسَبَبِهَا شَعْرًا فِي الرَّأْسِ خِيفَةَ قَتْلِ دَوَابِّهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَوَجَّهَ سَنَدٌ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْعَادَةِ بِشَدِّ الزُّجَاجِ وَنَحْوِهِ وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْعَقْدِ وَالشَّدِّ عَلَى جَسَدِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ، فَتَجُوزُ فَإِنْ لَمْ يُزِلْ بِسَبَبِهَا شَعْرًا وَلَمْ يَقْتُلْ قَمْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَزَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرًا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا بِسُقُوطِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ غَرِيبٌ وَإِنْ قَتَلَ قَمْلًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَالْفِدْيَةُ وَإِلَّا أَطْعَمَ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ص (وَغَمْسُ رَأْسٍ)
ش: قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ زَادَ وَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ وَإِنْ انْغَمَسَ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ قَمْلًا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ، وَهَذَا فِيمَنْ لَهُ شَعْرٌ يَكُونُ فِيهِ الْقَمْلُ أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ الْقَمْلُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ أَمَّا صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ، فَجَائِزٌ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ، وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَلَوْ لِحَرٍّ يَجِدُهُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ تَبَرُّدًا وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْغَسْلِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ اهـ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَجْفِيفُهَا بِشِدَّةٍ)
ش: الضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ رَاجِعٌ لِلرَّأْسِ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَقَدْ تُبْدَلُ هَمْزَتُهُ أَلِفًا، وَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ عَلَى تَأْنِيثِ الرَّأْسِ هُنَا، وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ، وَإِنْ حَلْقًا وَفِي قَوْلِهِ فِي الْبُيُوعِ فِي دَفْعِ رَأْسٍ، أَوْ قِيمَتِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الرَّجْرَاجِيُّ فِي جُمَلِهِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الرَّأْسَ مِنْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تُذَكَّرُ، وَلَا يَجُوزُ تَأْنِيثُهَا وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ: وَالرَّأْسُ مُذَكَّرٌ لَيْسَ إلَّا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ يُؤَنِّثُونَ، وَلَا يَعْرِفُونَ فِيهِ غَيْرَ التَّأْنِيثِ، وَهُوَ مِنْ الْخَطَأِ الْقَبِيحِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَالرَّأْسُ مُذَكَّرٌ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَمَا أَكْثَرُ تَأْنِيثِ الْعَامَّةِ لَهُ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ وَقَالَ وَوَهِمَ مَنْ أَنَّثَهُ وَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَقَدْ يُخَفَّفُ بِتَرْكِهِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَنَّثَهَا بِاعْتِبَارِ الْجُمْجُمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا) ش: أَيْ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لَهُنَّ لُبْسُ الْقَبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهِ لِحُرَّةٍ، أَوْ أَمَةٍ
لِأَنَّهُ يَصِفُهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ الشَّهِيدُ بْنُ الْحَاجِّ: وَكَرَاهِيَةُ لُبْسِهِ لِلْحَرَائِرِ أَشَدُّ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ قَمِيصٌ، أَوْ إزَارٌ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَالسَّرَاوِيلِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ فِي بَيْتِهَا، وَبَيْنَ يَدَيْ زَوْجِهَا وَبَيْنَ مَنْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ بَدَنَهَا عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ ذَلِكَ زِيُّ نِسَائِهَا، وَإِلَّا فَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ فِي زِيِّهِمْ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيِّ الرِّجَالِ، وَيُكْرَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ هَيَجَانِ الشَّهْوَةِ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ وَفِي مَعْنَاهُ احْتِزَامُ الْمَرْأَةِ إلَّا أَنَّهُ أَخَفُّ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ، وَمَنْ لَا تُمَدُّ لَهَا الْعَيْنُ وَالْقَبَاءُ أَشَدُّ مِنْهُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْبَدَنِ حَتَّى كَأَنَّهُ مِنْ جِلْدَةِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يُتَخَيَّلُ فِيهِ كَأَنَّهَا عُرْيَانَةُ بِخِلَافِ احْتِزَامِهَا مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهَا انْتَهَى.
[فَرْعٌ فِي لُبْسُ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمَةِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ]
(فَرْعٌ) : وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمَةِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَذَلِكَ إذَا لَبِسَتْهُ وَفَوْقَهُ قَمِيصٌ سَائِلٌ، وَلَيْسَ بِأَنْ تَلْبَسَهُ مِنْ دُونِ قَمِيصٍ، ثُمَّ تَسْتُرَ عَالِيَ جَسَدِهَا، وَهُوَ مَكْشُوفٌ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ الْقَبَاءِ فِي حَقِّهِنَّ.
ص (وَإِبَانَةُ ظُفْرٍ، أَوْ شَعْرٍ، أَوْ وَسَخٍ)
ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ الْفَصْلِ لُبْسُ قُفَّازٍ، أَوْ عَلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ فَإِنْ أَبَانَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَالْإِبَانَةُ بِحَلْقٍ، أَوْ نُورَةٍ، أَوْ نَتْفٍ، أَوْ قَصٍّ سَوَاءٌ انْتَهَى.
ص (إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ شَمِّ الطِّيبِ: فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَغَيْرِهِ بِالْحُرْضِ وَهُوَ الْغَاسُولُ وَالْأُشْنَانُ وَالصَّابُونُ، وَكُلُّ مَا يُنَقِّي الزَّفَرَ، وَيَقْطَعُ رِيحَهُ وَيَتَجَنَّبُ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الرَّيَاحِينِ وَالْفَوَاكِهِ الْمُطَيِّبَةِ الَّتِي تَبْقَى فِي الْيَدِ رَائِحَتُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالتَّطَيُّبِ، فَإِنْ خَلَطَ مَعَ الْأُشْنَانِ وَشَبَهِهِ شَيْئًا مِمَّا لَهُ رِيحٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَوْ اُسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا لَمْ يُفْتَدَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا خَلَطَهُ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّ الطِّيبَ إذَا خُلِطَ بِطَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ، وَذَهَبَتْ عَيْنُهُ وَبَقِيَتْ رَائِحَتُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِدْيَةٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ لَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُنَقِّيَ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ مِنْ الْوَسَخِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُنَقِّيَ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ مِنْ الْوَسَخِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
ص (وَتَسَاقُطُ شَعْرٍ لِوُضُوءٍ، أَوْ رُكُوبٍ) ش قَالَ سَنَدٌ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ، فَيُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الْوُضُوءِ، أَوْ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي أَنْفِهِ لِمُخَاطٍ يَنْزِعُهُ مِنْهُ، أَوْ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، أَوْ يَرْكَبُ دَابَّتَهُ فَيَحْلِقُ سَاقَهُ الْإِكَافُ، أَوْ السَّرْجُ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ، وَهَذَا خَفِيفٌ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ انْتَهَى.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلَوْ سَقَطَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ شَيْءٌ لِحَمْلِ مَتَاعِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَتَسْقُطُ مِنْهَا الشَّعْرَةُ وَالشَّعْرَتَانِ انْتَهَى.
ص (وَدَهْنُ الْجَسَدِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ)
ش: يُرِيدُ سَوَاءً فَعَلَهُ لِعِلَّةٍ، أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا إشْكَالَ فِي الْمَنْعِ وَلُزُومِ الْفِدْيَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ، فَالْفِدْيَةُ لَازِمَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَنَّ مَا حَكَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْمَنْعِ تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ ذَلِكَ.
ص (وَلَهَا قَوْلَانِ اخْتَصَرَتْ عَلَيْهِمَا) ش أَيْ وَإِنْ دَهَنَ رِجْلَهُ، أَوْ كَفَّهُ بِغَيْرِ مُطَيَّبٍ لِعِلَّةٍ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ اخْتَصَرَتْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِمَا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَلَهُ نَحْوُهُ فِي الْمَنَاسِكِ قَالَ فَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ لِلشُّقُوقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ، أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، أَوْ مَا هُوَ دَاخِلُ الْجَسَدِ، فَالْفِدْيَةُ هَكَذَا قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَاخْتَصَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ لِعِلَّةٍ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ دَهَنَ يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ لِعِلَّةٍ
بِغَيْرِ مُطَيَّبٍ، فَلَا فِدْيَةَ وَإِلَّا فَالْفِدْيَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ لِعِلَّةٍ مِنْ شُقُوقٍ وَنَحْوِهَا، فَلَا فِدْيَةَ لِعُمُومِ الْحَرَجِ وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ بَاطِنُ الْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا ظَاهِرُهُمَا، فَلْيَفْتَدِ نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَوْلُهُ، وَإِلَّا يَدْخُلُ فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَنْ يَدْهُنَهُمَا لَا لِعِلَّةٍ، أَوْ لِعِلَّةٍ وَفِيهِ طِيبٌ، أَوْ يَدْهُنَ غَيْرَهُمَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ قَرِيبٌ مِمَّا فِي التَّهْذِيبِ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ دَهَنَ قَدَمَيْهِ وَعَقِبَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ، أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ يُحَسِّنُهُمَا لَا لِعِلَّةٍ افْتَدَى، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَلَى الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، فَقَالَ لِيُحَسِّنَهُمَا، أَوْ مِنْ عِلَّةٍ افْتَدَى انْتَهَى.
فَجَعَلَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ اخْتِصَارِ الْبَرَاذِعِيّ وَابْن أَبِي زَمَنِينَ فِي دَهْنِ الْقَدَمَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِعِلَّةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مَسْأَلَةِ دَهْنِ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ لَا فِي مَسْأَلَةِ دَهْنِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ لَفْظُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ كَمَا سَتَرَاهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْأُمِّ بَلْ لَمْ أَرَ خِلَافًا فِي مَسْأَلَةِ دَهْنِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَاهِيكَ بِابْنِ عَرَفَةَ فِي نَقْلِهِ لِلْخِلَافِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّوَابِ لَوْلَا مَا قَالَهُ هُنَا، وَفِي الْمَنَاسِكِ، وَنَصُّ الْأُمِّ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَهَنَ كَفَّيْهِ وَقَدَمَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَهَنَ شُقُوقًا فِي يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ، أَوْ وَدَكٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَ ذَلِكَ بِطِيبٍ كَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ انْتَهَى.
فَأَنْتَ تَرَاهُ كَيْفَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا دَهَنَ كَفَّيْهِ وَقَدَمَيْهِ لِلشُّقُوقِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى ذَلِكَ اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَالْبَرَاذِعِيُّ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسُ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَلَمْ أَرَ مَنْ اخْتَصَرَهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ الْبَرَاذِعِيِّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ نَحْوُهُ وَكَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِيُحَسِّنَهُمَا: أَوْ مِنْ عِلَّةٍ كَمَا قَالَ الْبَرَاذِعِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَلَفْظُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي اخْتِصَارِهِ وَإِنْ دَهَنَ كَفَّيْهِ، أَوْ قَدَمَيْهِ بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ، أَوْ وَدَكٍ لِشُقُوقٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، أَوْ دَهَنَ يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ بِذَلِكَ لِزِينَةٍ، أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا افْتَدَى، وَلَوْ دَهَنَ شُقُوقًا بِقَدَمَيْهِ، أَوْ بِعَقِبَيْهِ بِمَا فِيهِ طِيبٌ افْتَدَى، وَأَمَّا بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ خَالِصٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ دَهَنَ شُقَاقًا بِقَدَمَيْهِ، أَوْ بِعَقِبَيْهِ بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ افْتَدَى انْتَهَى.
وَلَفْظُ اخْتِصَارِ صَاحِبِ الطِّرَازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ دَهَنَ كَفَّيْهِ وَقَدَمَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ، أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَهَنَ شُقُوقًا فِي يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ، أَوْ وَدَكٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَ ذَلِكَ بِطِيبٍ افْتَدَى، وَنَصُّ مَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَمَنْ دَهَنَ شُقُوقًا فِي يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ بِزَيْتٍ، أَوْ شَحْمٍ، أَوْ وَدَكٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَهَنَ ذَلِكَ بِطِيبٍ افْتَدَى، وَمَنْ دَهَنَ يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ بِالزَّيْتِ لِزِينَةٍ افْتَدَى انْتَهَى.
مِنْ تَرْجَمَةِ الْمُحْرِمِ يَشُمُّ الطِّيبَ، أَوْ يَتَدَهَّنُ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي، وَقَالَ قَبْلَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَهَنَ عَقِبَيْهِ وَقَدَمَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَهَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ افْتَدَى انْتَهَى.
فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي دَهْنِ الْكَفَّيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلشُّقُوقِ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ اخْتَصَرُوا الْمُدَوَّنَةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بَلْ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِهِ: إذَا دَهَنَ شُقُوقًا فِي يَدَيْهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُخْتَصِرُونَ فِي مَسْأَلَةِ دَهْنِ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ: أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ لِحُسْنِهِمَا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لِيُحَسِّنَهُمَا أَنَّهُ لَوْ دَهَنَهُمَا لَا لِيُحَسِّنَهُمَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَهِمَهَا الْبَرَاذِعِيُّ وَابْنُ يُونُسَ، فَقَالَا لِيُحَسِّنَهُمَا لَا لِعِلَّةٍ قَالَ: التَّادَلِيُّ وَفِي الْكِتَابِ إنْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا لَا مِنْ عِلَّةٍ افْتَدَى قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فِي طُرُرِهِ: ظَاهِرُهُ
أَنَّهُ إنْ كَانَ لِعِلَّةٍ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، أَوْ لِعِلَّةٍ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ، وَفِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ هَلْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْقَدَمَيْنِ، أَوْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِمَا نَادِرٌ بِخِلَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى النَّادِرِ هَلْ يُرَاعَى أَوْ لَا؟ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ رَأَيْت فِي الْمُخْتَلِطَةِ، أَوْ لِعِلَّةٍ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنْ يَنْكَشِفَا، فَأَشْبَهَ مَنْ دَهَنَ سَائِرَ جَسَدِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَلَامَ أَبِي إبْرَاهِيمَ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ وَإِنْ دَهَنَ قَدَمَيْهِ، أَوْ عَقِبَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ ظَاهِرَةٌ لَوْ كَانَ لِعِلَّةٍ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، أَوْ مِنْ عِلَّةٍ وَعَلَيْهَا اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّادَلِيِّ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ فِي قَوْلِهِ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْقَدَمَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِآخِرِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُ كَذَلِكَ يَذْكُرُ أَوَّلًا كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ يَقُولُ الْمَسْأَلَةَ، أَوْ إلَخْ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةُ كَلَامِهِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ فَهِمَ أَنَّ الْكَلَامَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ: مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ بِالدَّهْنِ عَلَى مَوْضِعِ الشُّقُوقِ، وَلَا يَتَجَاوَزُهُ إلَّا مَا لَا يُحْتَرَزُ مِنْ مِثْلِهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ إذَا قَطَّرَ الْمُحْرِم فِي أُذُنَيْهِ بَانًا غَيْرَ مُطَيَّبٍ لِوَجَعٍ أَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ الْمُوَطَّإِ فَإِنْ قَطَّرَ فِي أُذُنَيْهِ بَانًا غَيْرَ مُطَيَّبٍ لِوَجَعٍ، أَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ فَلَا فِدْيَةَ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ فِي تَقْطِيرِهِ فِي الْأُذُنِ الْفِدْيَةُ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ انْتَهَى وَنَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ.
[فَرْعٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْتَدِمَ بِالزَّيْتِ والشيرج وَيَسْتَعِطَ بِهِمَا]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ: وَلَهُ أَنْ يَأْتَدِمَ بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَيَسْتَعِطَ بِهِمَا، وَأَمَّا الْبَنَفْسَجُ وَالزِّئْبَقُ، فَلَا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَحْرُمُ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ بِالدُّهْنِ بِخِلَافِ أَكْلِهِ، وَلِكَوْنِ الدُّهْنِ غَيْرَ مُطَيَّبٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَكْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الطِّيبِ فِي الطَّعَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَوْلُهُ بِخِلَافِ أَكْلِهِ يَعْنِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ مُطَيَّبًا، فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ أَكْلِ الدُّهْنِ الْمُطَيَّبِ حُكْمُ أَكْلِ الطِّيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ الْفَصْلِ لَبِسَ قُفَّازًا، أَوْ عَلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ أَعْنِي قَوْلَهُ، وَدَهْنُ الْجَسَدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ التَّطَيُّبُ بِالطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ، وَأَثَرُهُ كَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ وَالْعُودِ يُرِيدُ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِكَوَرْسٍ عَنْ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ (تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَعْنَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ إلْصَاقُ الطِّيبِ بِالْيَدِ، أَوْ بِالثَّوْبِ، فَإِنْ عَلِقَ الرِّيحُ دُونَ الْعَيْنِ بِجُلُوسِهِ فِي حَانُوتِ عَطَّارٍ، أَوْ بَيْتٍ تَجَمَّرَ سَاكِنُوهُ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مَعَ كَرَاهَةِ تَمَادِيهِ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَقَبِلَهُ، وَتَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بَيْنَ أَنْ يُطَيِّبَ جَمِيعَ جَسَدِهِ، أَوْ عُضْوًا مِنْهُ، أَوْ دُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ إذَا طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا مِثْلَ الرَّأْسِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالشَّارِبِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَأَمَّا أَنْ يُطَيِّبَ بَعْضَ الْعُضْوِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَطَيُّبٍ مُعْتَادٍ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَمَا مَسَّ الطِّيبَ، فَقَدْ تَطَيَّبَ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الطِّيبَ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ ذَهَبَتْ رِيحُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ لَوْ ذَهَبَتْ رَائِحَةُ الْمِسْكِ لَمْ يَصِحَّ إنْ أَرَادَ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ مَعَ تَحَقُّقِ ذَهَابِ كُلِّهَا، فَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَصْبُوغِ
بِالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ بِأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ وَلَوْ جَعَلَ فِي ثَوْبِهِ طِيبًا قَدْ قَدُمَ، وَذَهَبَ رِيحُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِدْيَةٌ انْتَهَى، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ صَرِيحٌ، أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ إذَا غُسِلَ، أَوْ نُشِرَ وَتَقَادَمَ حَتَّى انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ وَلَا يَظْهَرُ بِوَجْهٍ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لُبْسُهُ، وَلَا يَحْرُمُ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الطِّيبِ الرَّائِحَةُ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً افْتَدَى، وَإِلَّا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَرَأَيْتَ فِي حَاشِيَةٍ مَعْزُوَّةٍ لِكِتَابِ اللُّبَابِ شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلْغَسَّانِيِّ فِيهَا مَا نَصُّهُ لَوْ انْقَطَعَتْ رَائِحَةُ الطِّيبِ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ.
ص (أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ)
ش: ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ لِضَرُورَةِ الْكُحْلِ وَشَبَهِهَا مَمْنُوعٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ الْفِدْيَةِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ.
وَلَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ اكْتِحَالِ الْمُحْرِمِ بِغَيْرِ الْمُطَيَّبِ، وَالْمَذْهَبُ إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورُهَا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
وَقِيلَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَالْكُحْلُ فِيهِ الْفِدْيَةُ إنْ كَانَ مُطَيَّبًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، وَكَانَ لِضَرُورَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ وَثَالِثُهَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاكْتِحَالُ الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا لِدَوَاءٍ جَائِزٌ، وَفِيهِ بِمُطَيَّبٍ الْفِدْيَةُ وَلِزِينَةٍ مَمْنُوعٌ، وَفِي الْفِدْيَةِ بِغَيْرِ مُطَيَّبٍ ثَالِثُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ عَلَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَالْجَلَّابِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ سَنَدٌ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الْكُحْلِ، فَاكْتَحَلَ لِقَصْدِ الدَّوَاءِ.
وَلِقَصْدِ الزِّينَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، فَغَلَّبَ جَانِبَ الْفِدْيَةِ (الثَّانِي) : قَالَ أَيْضًا أَمَّا تَنْشِيفُ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ بِبَعْضِ الْمِيَاهِ، أَوْ بِشَيْءٍ لَا يَتَحَجَّرُ عَلَى الْجَسَدِ، فَهُوَ خَفِيفٌ، وَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ يَتَحَجَّرُ، وَيَسْتُرُ الْبَشَرَةَ سَتْرًا كَثِيفًا حَتَّى يَكُونَ كَالْقِرْطَاسِ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (الثَّالِثُ) : قَالَ أَيْضًا عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَا تَكْتَحِلُ الْمَرْأَةُ بِالْإِثْمِدِ، وَإِنْ اُضْطُرَّتْ إلَى الْكُحْلِ؛ لِأَنَّهُ زِينَةٌ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ نَفْسِهِ، فَتَكْتَحِلُ بِهِ وَلَا فِدْيَةَ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) : قَالَ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَالْحُلِيِّ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْكُحْلِ لِلزِّينَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ إنْ اكْتَحَلَتْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا أَجَازَ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ، وَذَلِكَ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْكُحْلِ بِغَيْرِ مَا فِيهِ طِيبٌ مِنْ الِاكْتِحَالِ لِلزِّينَةِ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْكُحْلَ إذَا كَانَ لِلزِّينَةِ، فَلَهَا فِيهِ انْتِفَاعٌ فِي عَيْنِهَا وَجَمَالٌ وَالْحُلِيُّ وَالْحَرِيرُ لَا انْتِفَاعَ لَهَا فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ الْمَنْفَعَةُ تُوجِبُ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زِينَةٌ كَدَوَائِهَا لِجُرْحٍ، وَشِبْهِ ذَلِكَ قِيلَ قَدْ يَكُونُ الْكُحْلُ أَمْرًا لَا يَكَادُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ لِمَكَانٍ مَا فِي الْعَيْنِ بِمَا يُصْلِحُهُ الْكُحْلُ كَالْإِدْهَانِ بِالزَّيْتِ لِيَتَمَرَّنَ عَلَى الْعَمَلِ.
وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَاعِلٌ لِيُحَسِّنَ يَدَيْهِ لَكَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، فَصَارَ مَا فَعَلَ لِلضَّرُورَةِ مِنْ هَذَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ انْتَهَى.
ص (وَلَوْ فِي طَعَامٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ شَرَابًا فِيهِ كَافُورٌ، أَوْ يَأْكُلَ دُقَّةً مُزَعْفَرَةً فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَكَرِهَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ لِلسَّرَفِ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ، وَقَالَ سَنَدٌ أَمَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ فَيَخْتَلِفُ فِيهِ حَالُهُ بِقَدْرِ ثَمَنِ الْكَافُورِ، وَعُلُوِّ قِيمَتِهِ وَنُزُولِهَا.
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَتَطَيُّبُ الْمَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَرَفٍ، وَهُوَ كَتَجْمِيرِ آلَتِهِ، وَإِنْبَاذِ الْعَسَلِ فِيهِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعُقَلَاءِ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 32] الْآيَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا» قَالَ قُتَيْبَةُ: عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِإِسْرَافٍ فِي الرَّفَاهِيَةِ وَطَلَبِ اللَّذَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرَةُ مُؤْنَةٍ، وَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ كَبِيرُ قِيمَةٍ وَلَمْ يَطْلُبْ بِذَلِكَ التَّدَاوِي إلَّا مَحْضَ تَطَيُّبِ الرَّائِحَةِ، فَهُوَ سَرَفٌ مَمْنُوعٌ.
[فَرْعٌ شُرْبُ الْمُحْرِمُ مَا فِيهِ طِيبٌ]
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ: وَسُئِلَ إنْ شَرِبَ الْمُحْرِمُ مَا فِيهِ طِيبٌ أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا قَالَ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَهُوَ رَأْيٌ انْتَهَى.
ص (إلَّا قَارُورَةً سُدَّتْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَمَلَ قَارُورَةً مَسْدُودَةَ الْفَمِ فِي حَالِ إحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ يُرِيدُ وَقَدْ أَسَاءَ فِي حَمْلِهِ لَهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِقَتْ بِهِ رَائِحَةُ الطِّيبِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فِيمَنْ فَرَشَ عَلَى ثَوْبٍ مَصْبُوغٍ بِالزَّعْفَرَانِ ثَوْبًا كَثِيفًا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَعْلَقَ بِجِسْمِهِ رِيحُهُ، فَإِنَّهُ يَفْتَدِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَيْضًا أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا عَلِقَ فِيهِ رِيحُ الطِّيبِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ لَا فِدْيَةَ فِي حَمْلِ قَارُورَةٍ مُصَمَّمَةِ الرَّأْسِ إنْ أَرَادَ، وَلَوْ عَلِقَتْ رَائِحَتُهُ، فَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَطْفَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْقَارُورَةِ وَنَحْوِهَا بِفَأْرَةِ الْمِسْكِ غَيْرِ مَمْشُوقَةٍ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ تَطَيُّبٌ انْتَهَى.
(قُلْت) : لَمْ يَجْزِمْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا فِدْيَةَ فِي حَمْلِ قَارُورَةٍ مُصَمَّمَةِ الرَّأْسِ وَنَحْوِهَا يُرِيدُ لَا كَبِيرَ رَائِحَةٍ يُوجَدُ مِنْ الْقَارُورَةِ حِينَئِذٍ، أَوْ لَا يُوجَدُ أَلْبَتَّةَ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِنَحْوِ الْقَارُورَةِ الْمُصَمَّمَةِ فَأْرَةُ الْمِسْكِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَمْشُوقَةٍ، وَفِيهَا عِنْدَهُمْ وَجْهَانِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ بِلَفْظِ وَفِيهَا لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِنَحْوِهَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَنَصُّهُ، وَأَمَّا إذَا حَمَلَ بِزِينَةٍ فِيهَا طِيبٌ، أَوْ خَرِيطَةً أَوْ خُرْجًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَشَمَّهُ، فَهَذَا أَسَاءَ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بِبَشَرَتِهِ، وَلَا بِثِيَابِهِ بِخِلَافِ مَنْ بَاشَرَهُ فَإِنَّ رَائِحَتَهُ تَعْلَقُ بِيَدِهِ، فَافْتَرَقَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ زُجَاجَةً فِيهَا طِيبٌ، أَوْ أَخْرَجَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ بِرَائِحَتِهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ رَائِحَةٌ مُجَاوِرَةٌ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهَا انْتَهَى.
فَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَأَمَّلْهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي النَّوَافِجِ فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ مِنْهَا مِنْ الرَّائِحَةِ قَبْلَ شَقِّهَا مَا يَعْبَقُ رِيحُهُ بِالثِّيَابِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوَافِجَ طِيبٌ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِحَمْلِهَا، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الِاحْتِجَاجَ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِمَسِّ الطِّيبِ الْيَابِسِ، أَوْ حَمْلِهِ بِالثَّوْبِ قَالَ: وَقَدْ تُعَلَّقُ النَّوَافِجُ فِي الثِّيَابِ، وَيَحْمِلُهَا النَّاسُ لِقَصْدِ التَّطَيُّبِ بِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِهَا مَشْقُوقَةً أَمْ لَا.
ص (وَمَطْبُوخًا)
ش: وَإِنْ طُبِخَ، وَلَمْ يَصْبُغْ الطِّيبُ الْفَمَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَإِنْ صَبَغَهُ فَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ نَفْيُ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِمَا الْجَوَازَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فَإِنْ كَانَ الطِّيبُ فِي طَعَامٍ، فَإِمَّا أَنْ يُطْبَخَ مَعَهُ، أَوْ يُجْعَلَ فِيهِ بَعْدَ طَبْخِهِ، وَفِي الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ يُمِيتَهُ الطَّبْخُ أَوْ لَا، فَإِنْ أَمَاتَهُ الطَّبْخُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا، فَالْفِدْيَةُ فِيهِ، فَإِنْ مَسَّهُ، فَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ مَسَّ الطِّيبَ افْتَدَى لَصِقَ بِهِ، أَوْ لَا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَقْ بِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهِ: وَمَطْبُوخًا قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَطْبُوخِ مَعَ الطَّعَامِ وَإِطْلَاقُهُ هُنَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّفْصِيلَ انْتَهَى.
ص (وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ)
ش: يُرِيدُ، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ مَنَعَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الطِّيبَ الْمُؤَنَّثَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا فَعَلَهُ فَالْمَشْهُورُ
أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: إنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَطَيَّبَ بِهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْفِدْيَةُ.
وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْكَافَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اسْتِحْبَابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ اسْتِدْلَالَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا اُحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاحْتِجَاجَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَزَعْمُ ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا فِدْيَةَ فِيهِ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ قَالَ: إذَا قُلْنَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ مَعَ كَرَاهَتِهِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ بِمُجَرَّدِ صَبِّ الْمَاءِ، فَجَلَسَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ فَعَلَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَضَمِّخَ بِالْخَلُوقِ أَنْ يَغْسِلَهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ فِدْيَةً، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ فِي بَدَنِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا نَزَعَ ثَوْبَهُ لَا يَعُودُ إلَى لُبْسِهِ، فَإِنْ عَادَ فَهَلْ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ فِدْيَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ لَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْعَفْوِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ لُبْسُ جَدِيدٍ وَقَعَ بِثَوْبٍ مُطَيَّبٍ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُطَيَّبِ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ مِنْ قَبْلِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ، أَمَّا ثَوْبُ الْمُحْرِمِ إذَا عَلِقَ بِهِ رِيحُ طِيبٍ، أَوْ بُخِّرَ بِعُودٍ، أَوْ نَدٍّ، وَشَبَهِهِ فَلَا يَلْبَسُهُ، فَإِنْ فَعَلَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُحْرِمُ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رِيحُ مِسْكٍ، أَوْ طِيبٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، أَوْ يَكُونَ كَالتَّطَيُّبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ الْفِدْيَةَ إذَا فَعَلَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ تَطَيَّبَ حِينَئِذٍ أَمَّا مَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، فَيَفْتَدِي انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا بِرُمَّتِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَصْبُوغٌ لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الطِّيبِ الْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَقَيَّدَهُ الْبَاجِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ تَبْقَى مِنْهُ مَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَنَصُّهُ إثْرَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا فِدْيَةَ فِيهِ إذَا وَقَعَ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ حَالَةَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ، أَوْ لَمْسِهِ فَتَجِبُ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ أَبْيَنُ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبَاجِيُّ أَيْضًا وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّارِحُ وَقَبِلُوهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ
[فَرْعٌ فِي الدَّهْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ]
(فَرْعٌ) : وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّهْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لِمَالِكٍ جَائِزٌ أَنْ يَدْهُنَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَبَعْدَ حِلَاقِهِ بِالْبَانِ غَيْرَ مُطَيَّبٍ وَالزَّيْتِ وَشَبَهِهِ وَلَا يُعْجِبُنِي مَا يَبْقَى رِيحُهُ اللَّخْمِيُّ، وَالْقِيَاسُ مَنْعُهُ مُطْلَقًا قَبْلَ إحْرَامِهِ كَمَنْعِهِ بَعْدَهُ كَمَنْعِ لُبْسِهِ، وَتَطَيُّبِهِ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَبَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: فَرَّقَ بَيْنَ عَدَمِ الشَّعَثِ وَإِزَالَتِهِ وَالْمُنَافِي لِلْإِحْرَامِ إزَالَتُهُ لَا عَدَمُهُ، وَلِذَا جَازَ إحْرَامُهُ إثْرَ احْتِمَامِهِ وَحَلْقِهِ وَمُنِعَ بَعْدَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ إزَالَةُ الشَّعَثِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَكِنَّ فِي التَّطَيُّبِ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا الدَّهْنُ، فَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ إزَالَةُ الشَّعَثِ.
وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَمْ تَحْصُلْ الْإِزَالَةُ حَالَ الْإِحْرَامِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ سَنَدٌ: أَمَّا الدَّهْنُ بِغَيْرِ الطِّيبِ، فَلَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْإِحْرَامِ، وَيُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا يُخْتَلَفُ فِي التَّطَيُّبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى)
ش: هَذَا رَاجِعٌ إلَى خَلُوقِ الْكَعْبَةِ فَقَطْ وَفُهِمَ مِنْهُ
أَنَّهُ لَا يُخَيَّرُ فِي نَزْعِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ أَنَّ الْخَلُوقَ فِيهِ مِنْ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ لِإِيجَابِهِ الْفِدْيَةَ فِي كَثِيرِهِ إذَا لَمْ يَنْزِعْهُ، وَتَرَاخَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى وَقَالَ سَنَدٌ: هَذَا فِي مُجَرَّدِ الْخَلُوقِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مِسْكًا، أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الطِّيبِ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلْيَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قَالَ: وَإِنْ أَصَابَ كَفُّهُ مِنْ خَلُوقِ الرُّكْنِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ، وَأَنْ كَانَ يَسِيرًا، فَهُوَ مِنْهُ فِي سَعَةٍ، وَقَالَ بَعْدَهُ: لِأَنَّ الْخَلُوقَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْعُصْفُرِ وَالْعُصْفُرُ لَيْسَ مِنْ الطِّيبِ الْمُؤَنَّثِ أَمَّا إذَا خَرَجَ الْخَلُوقُ بِمِسْكٍ، أَوْ كَافُورٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الطِّيبِ، فَهَذَا يَتَوَقَّاهُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُبَاشِرُهُ فَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ عُفِيَ عَنْهُ إنْ أَزَالَهُ بِقُرْبِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَإِنْ قَصَدَ مَسَّهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لِعَدَمِ الْحَرَجِ انْتَهَى.
.
وَفَسَّرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْخَلُوقَ بِأَنَّهُ طِيبٌ مُرَكَّبٌ يُتَّخَذُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ: لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا تَرَكَهُ (قُلْت) : وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ لَا شَيْءَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهَا حُكْمُ مَسْأَلَةِ إلْقَاءِ الرِّيحِ، أَوْ الْقِيرِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْزِعْ مَا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَرَاخَى أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ سَوَاءٌ كَانَ يَسِيرًا، أَوْ كَثِيرًا (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِيَغْسِلَ بِهِ الطِّيبَ مِنْ بَدَنِهِ، أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ الَّذِي لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، وَطَالَ ذَلِكَ جَرَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ فِيمَنْ ذَكَرَ لُمْعَةً كَانَ نَسِيَهَا فِي وُضُوئِهِ، وَبَعُدَ مِنْهُ الْمَاءُ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ هُنَا يَفْتَدِي؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَةِ الطِّيبِ مِنْ غَيْرِ مَاءٍ إذْ لَوْ أَزَالَهُ بِبَوْلِهِ لَأَجْزَأَهُ فِي بَابِ الْإِزَالَةِ، وَيَكُونُ حَامِلُ نَجَاسَةٍ يَغْسِلُهَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَحَمْلُهُ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ فِي حَمْلِ الطِّيبِ انْتَهَى.
ص (كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ الْحَلَالُ رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَلَزِمَتْ الْحَلَالَ الْفِدْيَةُ، فَإِنَّهُ يَفْتَدِي بِغَيْرِ الصَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْحَلَالِ بِالْأَقَلِّ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِالصَّوْمِ، فَلَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ، وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ هُنَا أَنَّ حُكْمَ افْتِدَاءِ الْمُحِلِّ إذَا حَلَقَ رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ حُكْمُ افْتِدَائِهِ إذَا أَلْقَى الطِّيبَ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَبَيَّنَ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَلْزَمُ الْفِدْيَةُ فِيهِ الْمُحْرِمَ، أَوْ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَلْزَمُ الْحَلَالَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِالصَّوْمِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا افْتَدَى عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْحَلَالِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الطَّعَامِ، أَوْ النُّسُكِ.
ص (وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فَدِيَتَانِ عَلَى الْأَرْجَحِ)
ش الْأَرْجَحُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَابِسِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ سَنَدٌ: وَالْأَوَّلُ يَعْنِي قَوْلَ ابْنِ الْقَابِسِيِّ أَظْهَرُ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا مَسَّ الطِّيبَ بِيَدِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَمَسَّهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإِذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ)
ش: مَا ذَكَرَهُ هُنَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: إذَا طَيَّبَ الْحَلَالُ الْمُحْرِمَ، أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ مَثَلًا بِأَمْرِ الْمُحْرِمِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَ الْمُحْرِمُ نَائِمًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَعَلَى الْحَلَالِ الْفِدْيَةُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُحْرِمُ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ الْحَلَالُ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُوَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي آخِرِ بَابِ حَلْقِ الْمُحْرِمِ كَغَيْرِهِ، وَنَصُّهُ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَصِّ أَظْفَارِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَكَمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ مُنِعَ غَيْرُهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ حِلٍّ، أَوْ مُحْرِمٍ وَمَنْ قَصَّهُ
لَهُ بِإِذْنِهِ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ كَمَا قُلْنَا فِي حِلَاقِ رَأْسِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَإِنْ كَانَ نَائِمًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَائِمٍ، وَلَا مُكْرَهٍ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ سَاكِتٌ حَتَّى قُصَّتْ أَظْفَارُهُ، أَوْ حُلِقَ شَعْرُهُ وَلَوْ شَاءَ لَامْتَنَعَ، فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ)
ش يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ قَتَلَ قَمْلًا كَثِيرًا، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
ص (وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ)
ش: يُرِيدُ أَنَّ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى وَلَا لِكَسْرِهِ فَعَلَيْهِ حَفْنَةٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَإِنْ قَلَّمَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَبَثِ لَا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَطْعَمَ حَفْنَةً انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ إذَا وَجَبَ الْإِطْعَامُ فِي الظُّفْرِ فَأَطْعَمَ، ثُمَّ قَلَّمَ آخَرَ أَطْعَمَ أَيْضًا وَلَا يُكْمِلُ الْكَفَّارَةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَهُمَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْأُولَى قَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا مُنْفَصِلَةً عَنْ الثَّانِيَةِ، فَكَانَ لِلثَّانِيَةِ بَعْدَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ كَمَنْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ، فَافْتَدَى، ثُمَّ حَلَقَ بَعْضَهُ، أَوْ قَلَّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَافْتَدَى، ثُمَّ قَلَّمَ الْيُسْرَى أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَدِيَ فَرَاعَى فِيهِ الْفَوْرَ، أَوْ النِّيَّةَ انْتَهَى.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ، وَأَخْرَجَ الْفِدْيَةَ، ثُمَّ فَعَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : أَمَّا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرَيْنِ فَلَمْ أَرَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّادَلِيِّ وَالطِّرَازِ وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا فِي لُزُومِ الْفِدْيَةِ، وَلَمْ يُفَصِّلُوا كَمَا فَصَّلُوا فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) : قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْحَفْنَةُ مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْغُرْفَةُ مِلْءُ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا بِخِلَافِ عُرْفِنَا الْآنَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَمَّا لَوْ نَتَفَ شَعْرَةً، أَوْ شَعَرَاتٍ، أَوْ قَتَلَ قَمْلَةً، أَوْ قَمَلَاتٍ أَطْعَمَ حَفْنَةً بِيَدٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قُبَضَةٌ، وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَمَّا قَوْلُ حَفْنَةٍ فِي الْقَمْلَةِ وَالْقَمَلَاتِ؛ فَلِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِمَّا قَتَلَ، فَهُوَ فَوْقَ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلِهَذَا يُجْزِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُطْعِمُ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُطْعِمُ تَمَرَاتٍ، أَوْ قَبَضَاتٍ مِنْ سَوِيقٍ، أَوْ كِسْرَاتٍ انْتَهَى.
وَفِي مَنَاسِكِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ مَالِكٌ: وَالْحَفْنَةُ كَفٌّ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْقَبْضَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَبْضَةُ أَقَلُّ مِنْ الْكَفِّ انْتَهَى
ص (كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ لِمُحْرِمٍ آخَرَ مِثْلِهِ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، فَإِنَّهُ يُطْعِمُ حَفْنَةً إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا قَمْلَ فِيهِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَتَلَ قَمْلًا كَثِيرًا، فَالْفِدْيَةُ هَذَا إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَ حَلَالٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حَلَالٍ، وَلَا قَمْلَ فِيهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ يَسِيرًا أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا كَانَ كَثِيرًا، فَقَالَ مَالِكٌ يَفْتَدِي وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِطَوْعِهِ فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِقِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ قَمْلٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ يَسِيرًا أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا افْتَدَى عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْحِلَاقِ كَانَ عَلَى الَّذِي حَلَقَ رَأْسَهُ الْفِدْيَةُ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ وَكَانَ قَلِيلًا أَطْعَمَ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى.
، وَكَذَلِكَ نَقَلَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ نَائِمٌ أَنَّ عَلَيْهِ فَدِيَتَيْنِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِدْيَةٌ لِقَتْلِ الْقَمْلِ، وَفِدْيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَمْلٌ، أَوْ كَانَ، وَكَانَ يَسِيرًا لَمْ تَجِبْ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَفِدْيَةٌ وَحَفْنَةٌ فِي الثَّانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَقْرِيدُ بَعِيرِهِ) ش: أَيْ إذَا أَزَالَ عَنْهُ الْقُرَادَ فَيُطْعِمُ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ فِي
التَّوْضِيحِ: تَقْرِيدُ الْبَعِيرِ هُوَ إزَالَةُ الْقُرَادِ عَنْهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي مُجَرَّدِ التَّقْرِيدِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِيمَا إذَا قَتَلَ الْقُرَادَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَقَبِلُوهُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَلَهُ طَرْحُ بُرْغُوثٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، وَقِيلَ يُطْعِمُ كَقَتْلِ النَّمْلِ وَالْعَلَقِ وَالْوَزَغَةِ وَإِنْ لَدَغَتْهُ وَقُرَادُ بَعِيرٍ وَنَحْوُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا طَرْحَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي طَرْحِ الْقُرَادِ وَالْحَمْنَانِ عَنْ بَعِيرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ طَرَحَ الْمُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ الْحَلَمَةَ، أَوْ الْقُرَادَ، أَوْ الْحَمْنَانَ، أَوْ الْبُرْغُوثَ، أَوْ طَرَحَ الْعَلَقَةَ عَنْ بَعِيرِهِ، أَوْ دَابَّتِهِ، أَوْ دَابَّةِ غَيْرِهِ، أَوْ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ طَرَحَ الْحَمْنَانَ وَالْقُرَادَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَلْيُطْعِمْ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: الْهَوَامُّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ وَمِنْهَا يَعِيشُ، فَلَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُمِيطُهُ عَنْ الْجَسَدِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ أَطْعَمَ وَكَذَا إذَا طَرَحَهُ.
وَضَرْبٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ كَالنَّمْلِ وَالذَّرِّ وَالدُّودِ وَشَبَهِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ افْتَدَى، وَإِنْ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ طَرْحُهُ كَتَرْكِهِ، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ، فَالْحَلَمَةُ وَالْقُرَادُ وَالْحَمْنَانُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَيْسَ هُوَ مِنْ هَوَامِّ الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ هَوَامِّ الدَّوَابِّ يُسَمَّى صَغِيرًا قُمْنَانًا فَإِذَا كَبِرَ قَلِيلًا قِيلَ حَمْنَانُ، فَإِذَا زَادَ قِيلَ قُرَادٌ، فَإِذَا تَنَاهَى قِيلَ حَلَمَةٌ فَهَذَا يَطْرَحُهُ الْمُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَهَلْ يَطْرَحُهُ عَنْ بَعِيرِهِ؟ يُخْتَلَفُ فِيهِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ ظُفْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الظُّفْرَ الْوَاحِدَ إنْ أَمَاطَ عَنْهُ أَذًى لَزِمَتْهُ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَلَمْ يُبَيِّنْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا هُوَ إمَاطَةُ الْأَذَى وَجَعَلَهُ الْبَاجِيُّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْلَقَ مِنْ طُولِ ظُفْرِهِ فَيُقَلِّمَهُ، فَهَذَا أَمَاطَ عَنْهُ أَذًى مُعْتَادًا، وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ مُدَاوَاةَ قُرْحٍ بِأُصْبُعِهِ، وَقَدْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا بِذَلِكَ، فَهَذَا أَمَاطَ بِهِ أَذًى إذْ لَا يَخْتَصُّ بِأَظْفَارِهِ فَرَاعَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كَمَالِ الْفِدْيَةِ إمَاطَةَ الْأَذَى فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ مَنُوطَةٌ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ أَيْضًا، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالثَّانِي هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَهَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَقِبَ نَقْلِهِ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَسِيرِ انْتَهَى.
وَقَالَ التَّادَلِيُّ الْبَاجِيُّ إمَاطَةُ الْأَذَى عَلَى ثَلَاثَةِ، أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ خُشُونَةَ طُولِ أَظْفَارِهِ وَجَفَاءَهَا، وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَقْلِيمِ جَمِيعِ أَظْفَارِهِ، أَوْ أَكْثَرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَانْظُرْ هَذَا الْوَجْهَ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ نَقَلَهُمَا سَنَدٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ إزَالَتَهُ لَيْسَتْ لِأَجْلِ قَلَقٍ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِإِزَالَتِهِ التَّرَفُّهَ فَقَطْ، فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَارَضَ أَبُو الْحَسَنِ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ تَقْلِيمِ الظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتَقْلِيمُ ظُفْرٍ إنْ كُسِرَ وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الظُّفْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إنْ انْكَسَرَ، فَقَلَّمَهُ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ أَمَاطَ بِهِ أَذًى، فَفِيهِ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ قَلَّمَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَحَفْنَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ)
ش: الْمُرَادُ بِمُجَرَّدِ الْحَمَّامِ صَبُّ الْمَاءِ الْحَارِّ دُونَ تَرْكٍ، وَلَا إزَالَةِ وَسَخٍ لَا مُجَرَّدُ دُخُولِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ بَلْ لِلتَّدَفِّي، فَإِنَّهُ جَائِزٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ)
ش: ظَنُّ الْإِبَاحَةَ يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهِ قَالَ سَنَدٌ: كَاَلَّذِي يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فِي عُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَسْعَى وَيُحِلُّ، وَكَذَا مَنْ يَعْتَقِدُ رَفْضَ إحْرَامِهِ وَاسْتِبَاحَةَ مَوَانِعِهِ قَالَ: فِي بَابِ تَدَاخُلِ الْفِدْيَةِ وَمِنْهُ مَنْ أَفْسَدَ
إحْرَامَهُ بِالْوَطْءِ، ثُمَّ فَعَلَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ مُتَأَوِّلًا أَنَّ الْإِحْرَامَ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِالْفَسَادِ، أَوْ جَاهِلًا، فَإِنَّهَا تَتَّحِدُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (قُلْت) : وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ صُوَرِ ذَلِكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ بَعْضِهَا، وَقَدْ حَمَلَ الشَّارِحُ وَالْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : مِمَّا تَتَّحِدُ فِيهِ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ يَفْعَلُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتِ الْفِدْيَةِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَنَاسِكِ.
ص (أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ، وَنَوَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُكَرِّرُهُ، فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَتَّحِدُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَرَاخَى الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ كَأَنْ يَلْبَسَ لِعُذْرٍ، وَيَنْوِيَ أَنَّهُ إذَا زَالَ الْعُذْرُ تَجَرَّدَ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ الْعُذْرُ عَادَ إلَى اللُّبْسِ، أَوْ يَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ، وَيَنْوِيَ أَنَّهُ كُلَّمَا احْتَاجَ إلَى الدَّوَاءِ بِهِ فَعَلَهُ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ مِنْ حِينِ لُبْسِهِ الْأَوَّلِ قَالَهُ سَنَدٌ، وَهُوَ يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، ثُمَّ نَزَعَهُ لِيَلْبَسَ غَيْرَهُ، أَوْ نَزَعَهُ عِنْدَ النَّوْمِ لِيَلْبَسَهُ إذَا اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ هَذَا فِعْلٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ فِي الْعُرْفِ، وَلَا يَضُرُّ تَفْرِقَتُهُ فِي الْحِسِّ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً وَاحِدَةً.
ص (أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا كَانَ السَّرَاوِيلُ لَا يَفْضُلُ عَنْ الثَّوْبِ، وَأَمَّا إذَا نَزَلَ، فَتَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ ثَانِيًا بِغَيْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ أَوَّلًا، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: أَيْضًا مَنْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِمَامَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْعِمَامَةُ تَسْتُرُ مَا سَتَرَتْ الْقَلَنْسُوَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَمِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: فِيهَا تَتَّحِدُ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَتَقَدُّمِ قَمِيصٍ عَلَى سَرَاوِيلَ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ، وَإِنْ عَكَسَ فَفِدْيَتَانِ، وَأَنْ لَبِسَ قَلَنْسُوَةً، ثُمَّ عِمَامَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ تَفْضُلْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (قُلْت) : وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ السَّرَاوِيلُ أَطْوَلَ مِنْ الْقَمِيصِ طُولًا يَحْصُلُ بِهِ انْتِفَاعٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ بِيَسِيرٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ انْتِفَاعٌ، فَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُحْرِمِ بِهَا انْتِفَاعٌ لَكِنْ مِنْهَا مَا لَا يَقَعُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَالطِّيبِ، فَهَذَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَمِنْهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ طُولٍ كَاللِّبَاسِ، فَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِيهِ إلَّا بِانْتِفَاعِ الْمُحْرِمِ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ، أَوْ طُولٍ كَالْيَوْمِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ رِوَايَةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْمُوجِبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْجَمِيعِ حُصُولُ الْمَنْفَعَةِ (قُلْت) : وَلَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ، أَوْ طُولٍ كَالْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الطُّولَ الْمَذْكُورَ مَظِنَّةُ حُصُولِ الِانْتِفَاعِ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ بَلْ لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِهِ (تَنْبِيهٌ) : فَلَوْ لَبِسَ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، وَلَمْ يَطُلْ ذَلِكَ يَوْمًا وَلَا قَرِيبًا مِنْ الْيَوْمِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ نَزَعَ مَكَانَهُ، فَلَا فِدْيَةَ هَذَا تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ، أَوْ دَامَ كَالْيَوْمِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا دُونَ الْيَوْمِ يَسِيرٌ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا نَزَعَهُ مَكَانَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا قَارَبَ الْيَوْمَ كَالْيَوْمِ لِقَوْلِهِمْ كَالْيَوْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي صَلَاةٍ قَوْلَانِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُعَدُّ طُولًا أَمْ لَا، وَقَالَ فِي الْمَنَاسِكِ، وَاخْتَلَفُوا إذَا لَبِسَهُ وَصَلَّى بِهِ صَلَاةً هَلْ يَفْتَدِي؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الطُّولِ، وَبِذَلِكَ وَجَّهَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَرَاعَى مَرَّةً حُصُولَ الْمَنْفَعَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَظَرَ مَرَّةً إلَى التَّرَفُّهِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالطُّولِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ التَّوْجِيهُ الظَّاهِرُ لَا مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِطُولٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ فِي الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ مَالِكٌ: يَفْتَدِي وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ، فَفِيهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْفِدْيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ
لَهُ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ.
ص (وَلَمْ يَأْثَمْ إنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مُوجِبَ الْفِدْيَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الْأَثِمِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لَكِنَّ الْمَنْفَعَةَ رُبَّمَا تَقَعُ مَأْذُونًا فِيهَا كَمَا فِي ذِي الْعُذْرِ، وَرُبَّمَا تَحْرُمُ كَمَا فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهِيَ نُسُكٍ بِشَاةٍ فَأَعْلَى)
ش: وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ السِّنِّ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَيْبِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْأُضْحِيَّة قَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةِ ذَوَاتُ الْعَوَارُ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدِيَّةِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ هَلْ الشَّاةُ أَفْضَلُ كَمَا فِي الضَّحَايَا، أَوْ الْأَعْلَى كَمَا فِي الْهَدَايَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الشَّاةُ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الْهَدْيَ انْتَهَى مِنْ مَنَاسِكِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ.
[فَرْعٌ افْتَدَى الْمُحْرِم مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ فِعْلِهِ]
ص (كَالْكَفَّارَةِ)
ش: (فَرْعٌ) : قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَوْ افْتَدَى مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ فِعْلِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
ص (وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى)
ش: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي بَابِ الصِّيَامِ لَا سَابِقِيهِ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا عَزَاهُ الشَّارِحُ وَابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذِّبْحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ)
ش: كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى مَذْبُوحٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107] وَفِي بَعْضِهَا الْمُذْبَحُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ ذَبَحَ كَمُكْرَمٍ مِنْ أَكْرَمَ، وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ إذْ لَا يُقَالُ أَذْبَحَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فَكَحُكْمِهِ أَيْ فَيُخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ كَالْهَدْيِ لَا فِي الْأَكْلِ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا، وَلَوْ جُعِلَتْ هَدْيًا، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِيمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مِنْ الْهَدَايَا، وَمَا لَا يُؤْكَلُ حَيْثُ قَالَ: إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةُ وَالْجَزَاءُ بَعْدَ الْمَحَلِّ، فَعُلِمَ مِنْ هُنَاكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا جُعِلَ هَدْيًا لِقَوْلِهِ بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْفِدْيَةِ، وَلَوْ جُعِلَتْ هَدْيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) : نَصَّ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا ارْتَدَّ انْفَسَخَ إحْرَامُهُ، وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ، وَانْظُرْ إذَا أَفْسَدَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ هَلْ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ أَمْ لَا؟
ص (وَأُفْسِدَ مُطْلَقًا)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيَسْتَوِي فِي الْإِفْسَادِ الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ، أَوْ الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَانَ مَعَهُ إنْزَالٌ أَمْ لَا انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا عَمْدًا، أَوْ نِسْيَانًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، أَوْ جَهْلًا كَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ بِنَظَرٍ)
ش: لَوْ قَالَ، وَلَوْ نَظَرَ لَكَانَ، أَوْلَى لِيُشِيرَ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْإِنْزَالُ بِقَصْدٍ كَالْوَطْءِ وَالِاحْتِلَامِ لَغْوٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَدَامَ الْمُحْرِمُ التَّذَكُّرَ لِلَّذَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ، أَوْ عَبِثَ بِذَكَرِهِ حَتَّى أَنْزَلَ، أَوْ كَانَ رَاكِبًا، فَهَزَّتْهُ الدَّابَّةُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ حَتَّى أَنْزَلَ، أَوْ لَمَسَ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ بَاشَرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ أَدَامَ النَّظَرَ حَتَّى أَنْزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ، وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمَةُ إذَا فَعَلْت مَا يَفْعَلُهُ شِرَارُ النِّسَاءِ مِنْ الْعَبَثِ بِنَفْسِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَقَدْ أَخَذَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ هَذَا أَنَّ الِاسْتِمْنَاءَ بِالْيَدِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ شِرَارُ النِّسَاءِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] الْآيَةَ انْتَهَى وَانْظُرْ
هَذَا الْأَخْذَ مَعَ قَوْلِهِ، أَوْ عَبِثَ بِذَكَرِهِ وَلَمْ يَقُلْ شِرَارُ الرِّجَالِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا)
ش: أَيْ سَوَاءٌ وَقَعَ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ، أَوْ بَعْدَهُمَا، أَوْ بَيْنَهُمَا وَلَا يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُفْصَلُ فِيمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، أَوْ بَعْدَهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا وَلَمَّا كَانَ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ بَعْدَهُ شَبِيهَيْنِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ رُكْنًا وَوَاجِبًا، وَيُفْصَلُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ حَسُنَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ بِالْإِطْلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ قَبْلَهُ)
ش: لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْفَسَادِ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً)
ش: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ نَظَرَ الْمُحْرِمُ، فَأَنْزَلَ، وَلَمْ يُتَابِعْ النَّظَرَ وَلَا أَدَامَهُ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ الدَّمُ، وَحَجُّهُ تَامٌّ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَاقَضَهُ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِهِ: ' فِي الصَّوْمِ مَنْ نَظَرَ، أَوْ تَذَكَّرَ، وَلَمْ يُدِمْ، فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَإِنْ أَدَامَ فَهُوَ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْقَضَاءِ (قُلْت) : يُفَرَّقُ بِيَسِيرِ الصَّوْمِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَنَصُّهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِيَسَارَةِ قَضَاءِ الصَّوْمِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا اللَّخْمِيُّ اتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ إنْزَالِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ غَيْرِ مُتَكَرِّرَيْنِ (قُلْت) عَزَاهُ ابْنُ حَارِثٍ لِاتِّفَاقِ كُلِّ الْمَذْهَبِ الْبَاجِيُّ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ - ابْنُ مُيَسَّرٍ عَلَيْهِ الْهَدْيُ - الْبَاجِيُّ مَعْنَاهُ جَرْيُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ انْتَهَى.
.
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ مِنْ عَدَمِ إفْسَادِ إنْزَالِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ غَيْرِ الْمُتَكَرِّرَيْنِ لَغْوَ إنْزَالِ قُبْلَةٍ وَغَمْزٍ مِنْ عَادَتِهِ عَدَمُ الْإِنْزَالِ عَنْهُمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى انْتَهَى.
وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى رَدِّ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ الْقَاضِي سَنَدٌ فَقَالَ: وَهَذَا تَخْرِيجٌ فَاسِدٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّظَرَ قَدْ يَقَعُ فَجْأَةً، وَكَذَلِكَ الْفِكْرُ وَتَغْلِبُ الْقُوَّةُ فِي الْإِنْزَالِ، فَعُفِيَ عَنْهُ أَمَّا الْقُبْلَةُ، فَلَا تَقَعُ إلَّا عَنْ اخْتِيَارٍ، وَلَيْسَ فِي تَجَنُّبِهَا كَبِيرُ مَشَقَّةٍ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ قَبَّلَ، وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يُنْزِلَ، وَمَا يُفْسِدُ الْحَجَّ لَا يَقِفُ عَلَى قَصْدِ إفْسَادِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِمْذَائِهِ وَقُبْلَتِهِ)
ش: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ أَنَّ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مُحَرَّمَةٌ كُلَّهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَفْيُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَذْيَ يُوجِبُ الْهَدْيَ وَأَنَّ الْقُبْلَةَ تُوجِبُ الْهَدْيَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ عَنْهَا مَذْيٌ لِعَطْفِهِ الْقُبْلَةَ عَلَى الْمَذْيِ، وَسَكَتَ عَمَّا عَدَا الْقُبْلَةَ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهَا مَذْيٌ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَثِمُ، وَهُوَ كَذَلِكَ يُرِيدُ إلَّا الْمُلَاعَبَةَ الطَّوِيلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ الْكَثِيرَةَ، فَفِي ذَلِكَ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ الْقُبْلَةِ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْقَابِسِيِّ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنْ يُعَرَّى وُجُوبُ الْهَدْيِ فِي الْقُبْلَةِ مِنْ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْعَلُ إلَّا لِلَّذَّةِ، فَهِيَ مَظِنَّتُهَا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُخْتَلَفُ
وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا عَدَاهَا مِنْ مُلَامَسَةٍ خَفِيفَةٍ وَمُبَاشَرَةٍ خَفِيفَةٍ وَغَمْزٍ وَنَظَرٍ وَكَلَامٍ وَفِكْرٍ إذَا حَصَلَ عَنْ ذَلِكَ مَذْيٌ، وَأَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ وَأَرْجَحَهُمَا وُجُوبُ الْهَدْيِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مَذْيٌ، فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ غَرَّ، وَسَلِمَ، وَأَمَّا الْمُلَاعَبَةُ الطَّوِيلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ الْكَثِيرَةُ، فَفِيهَا الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلَّذَّةِ كَالْقُبْلَةِ بَلْ ذَلِكَ أَشَدُّ، وَلَا يَكَادُ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَذْيُ غَالِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَلْنَذْكُرْ نُصُوصَهُمْ لِيَتَّضِحَ ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَتُكْرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ كَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلَّذَّةِ وَالْغَمْزَةِ وَشِبْهِهَا الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا التَّحْرِيمُ الْبَاجِيُّ، وَكُلُّ مَا فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِالْتِذَاذِ بِالنِّسَاءِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا لِلَّذَّةِ كَالْقُبْلَةِ، فَفِيهِ الْهَدْيُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا كَانَ يُفْعَلُ لِلَّذَّةِ وَغَيْرِهَا مِثْلُ لَمْسِ كَفَّيْهَا، أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا فَمَا أَتَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ فَمَمْنُوعٌ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، فَمُبَاحٌ انْتَهَى.
بِمَعْنَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَا نَجِدُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْقُبْلَةِ هُنَا كَمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الصِّيَامِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُجِيزُ الْقُبْلَةَ فِي الْإِحْرَامِ لِشَيْخٍ وَلَا لِمُتَطَوِّعٍ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ بِلَفْظِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ تَحْرِيمُهَا يَعْنِي مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197] ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْمُقَدِّمَاتِ حَتَّى الْكَلَامَ وَلَا يَبْعُدُ تَأْوِيلُ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ الْكَرَاهَةَ هُنَا، وَإِرَادَةُ التَّحْرِيمِ، وَلَا تَجِدُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُجِيزُ الْقُبْلَةَ فِي الْإِحْرَامِ لِشَيْخٍ وَلَا لِمُتَطَوِّعٍ انْتَهَى.
فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا تَجِدُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَهُ فِي الْقُبْلَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ حُكْمُ الْجَمِيعِ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي وُجُوبِ الْهَدْيِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَاجِيَّ قَالَ: يَجِبُ فِي الْقُبْلَةِ الْهَدْيُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي: وَمَنْ قَبَّلَ، أَوْ بَاشَرَ فَلَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَتُجْزِئُهُ شَاةٌ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ أَمَذَى، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِلَّا فَلَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُعَرَّى الْقُبْلَةُ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَكُونُ الْخِلَافُ فِيمَا عَدَاهَا وَيَكُونُ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا أَمَذَى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مَذْيٌ، فَقَدْ غَرَّ وَسَلِمَ، فَانْظُرْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَرُوِيَ مَنْ قَبَّلَ فَلْيُهْدِ فَإِنْ الْتَذَّ بِغَيْرِهِ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَذْبَحَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ رُوِيَ أَيْ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّصَوُّرِ، وَلَا شَكَّ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُلَاعَبَةَ وَنَحْوَهَا أَشَدُّ مِنْ الْقُبْلَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ " فَإِنْ الْتَذَّ بِغَيْرِهِ ": يُرِيدُ مِمَّا هُوَ دُونَ الْقُبْلَةِ فِي تَهْيِيجِ الشَّهْوَةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُبَاشَرَةُ وَطُولُ الْمُلَاعَبَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا بَلْ يَدْخُلُ حُكْمُهُمَا فِي حُكْمِ الْقُبْلَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِ الْهَدْيِ مُطْلَقًا أَمَّا الْقُبْلَةُ، فَنَصَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَاجِيُّ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ أَمَذَى مَعَهُ وَجَبَ الْهَدْيُ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ خَلِيلٌ وَفِي الْجَلَّابِ إنْ أَمَذَى، فَلْيُهْدِ وَإِنْ لَمْ يُمْذِ، فَيُسْتَحَبُّ الْهَدْيُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ الْبَاجِيِّ كُلُّ مَا لَا يُفْعَلُ إلَّا لِلَّذَّةِ كَالْقُبْلَةِ، فَفِيهِ الْهَدْيُ قَوْلَانِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُ الْهَدْيِ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَعْنِي سَوَاءً الْتَذَّ، أَوْ لَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : الْمُرَادُ بِالْقُبْلَةِ الْقُبْلَةُ عَلَى الْفَمِ، وَأَمَّا عَلَى الْجَسَدِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُلَامَسَةِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، وَالْمُرَادُ أَيْضًا مَا لَمْ يَحْصُلْ صَارِفٌ كَوَدَاعٍ، أَوْ رَحْمَةٍ كَمَا قَالُوا هُنَاكَ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثَةٍ)
ش: هَذَا إنْ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَ الْوُقُوفُ فِي الْعَامِ الثَّانِي، وَأَمَّا إنْ أَطْلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيُؤْمَرُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ الْفَاسِدِ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَيَقْضِيهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا) ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ قَبْلَ
فَرْضِهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ أَنَّهُ يَقْضِي الْفَاسِدَ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
ص (وَعُمْرَةً إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) ش مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا تَجِبُ الْعُمْرَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ قَدْ قَدَّمَ السَّعْيَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ السَّعْيَ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِخَارِجَةٍ فِي الْحُكْمِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ طَلُقَتْ، فَبَانَتْ وَتَزَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَنِكَاحُهَا فَاسِدٌ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا هُوَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَالَهُ سَنَدٌ، وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهَا لَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ إتْمَامِ الْفَاسِدِ، وَقَبْلَ الْقَضَاءِ صَحَّ نِكَاحُهَا، وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا وَوَجْهُ إشْكَالِهَا ظَاهِرٌ، وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ هَلْ يَصِحُّ إحْرَامُهُ أَمْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإِنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَهَ أَجْنَبِيَّةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَامَةِ، وَلَا شَكَّ إنْ طَاوَعَتْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ " مُكْرَهَتِهِ " تَخْرُجُ الطَّائِعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً، وَقَدْ نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ أَنَّ طَوْعَهَا كَالْإِكْرَاهِ.
ص (وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ مِنْ إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ)
ش: جَرَى رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى غَالِبِ عَادَتِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ احْتِمَالَاتٌ يَأْتِي بِلَفْظٍ يَقْبَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَعِبَارَتُهُ نَحْوُ عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ فِي الْحَجِّ، فَلْيَفْتَرِقَا إذَا أَحْرَمَا بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ حَتَّى يَحِلَّا اهـ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّفْرِيقِ هَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَابْنُ الْقَصَّارِ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي آخِرِ كَلَامِ الطِّرَازِ مَيْلٌ إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا قَضَى فَارَقَ إلَخْ يُرِيدُ إذَا قَضَى الْفَاسِدَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ إفْسَادُهُ لِلْحَجَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُوَ أَسْعَدُ بِالْأَثَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: مُسْتَحَبٌّ، وَفَرَّقَ اللَّخْمِيُّ بَيْنَ الْجَاهِلِ فَيُسْتَحَبُّ، وَالْعَالِمِ فَيَجِبُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ الْوُجُوبُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَهَلْ غَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ كَهِيَ؟ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِتَحَلُّلِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ انْتَهَى.
وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ، فَلَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِإِتْمَامِ السَّعْيِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: التَّحَلُّلُ فِي الْعُمْرَةِ الْحِلَاقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يُؤْمَرَانِ بِالِافْتِرَاقِ فِي بَقِيَّةِ حَجِّهِمَا الْمُفْسِدِ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي سَنَدٍ مَا يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّلَ كَوْنَهُ غَيْرَ وَاجِبٍ قَالَ: وَلَوْ أَثَرَ تَحْرِيمًا لَكَانَ أَوْلَى فِي الْحَجَّةِ الْأُولَى انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إلَى عَامٍ قَابِلٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (بِخِلَافِ مِيقَاتٍ إنْ شُرِعَ، وَإِنْ تَعَدَّاهُ فَدَمٌ) ش: اخْتِصَارٌ عَجِيبٌ جَمَعَ فِيهِ عِدَّةً مِنْ مَسَائِلَ وَيَعْنِي أَنَّ مَكَانَ الْإِحْرَامِ الْمُفْسِدِ يُرَاعَى فِي الْإِحْرَامِ بِالْقَضَاءِ إنْ كَانَ مَشْرُوعًا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْمِيقَاتِ الْمِيقَاتَ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنْ شُرِعَ، وَأَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْفَاسِدِ مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ، وَأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِالْمُفْسِدِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْمُفْسِدِ بَعْدَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَجَاوُزُهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، أَوْ لَا فَإِنْ تَجَاوَزَهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا إنْ تَجَاوَزَهُ بِوَجْهٍ غَيْرِ جَائِزٍ، فَلَا يُجَاوِزُهُ ثَانِيًا وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ تَعَدَّاهُ، فَدَمٌ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْمُفْسِدِ مِنْ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ دُونِهِ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَلَوْ تَعَدَّاهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَا لَوْ أَقَامَ بَعْدَ كَمَالِ الْمُفْسِدِ بِمَكَّةَ إلَى قَابِلٍ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْقَضَاءِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا، فَتَعَدَّاهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى.
ص (وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إفْرَادٍ) ش: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَجْزَأَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَوَّلًا خِلَافُ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُرَاعِي صِفَتَهُ مِنْ إفْرَادٍ وَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ كَوْنُ الْقَضَاءِ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ حَتَّى يَكُونَا مَعًا إفْرَادًا، أَوْ تَمَتُّعًا، أَوْ قِرَانًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ صِفَةِ الْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءِ، وَعَلَى هَذِهِ إطْلَاقَاتُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
ص (وَحَرُمَ بِهِ)
ش: أَيْ بِالْحَرَمِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ وَقْتُ الرَّمْيِ، فَلَوْ رَمَى عَلَى صَيْدٍ، وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ وُصُولِ الرَّمْيَةِ إلَيْهِ، فَأَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الدِّيَاتِ.
ص (مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، أَوْ خَمْسَةً لِلتَّنْعِيمِ)
ش: زَادَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ غَازِيٍّ هَذَا التَّحْدِيدُ فِي النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ وَهْمٌ، أَوْ تَصْحِيفٌ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِالشَّيْخِ فِي تَوْضِيحِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا أَرَادَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ هُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَدَّدَ مَعَالِمَ الْحَرَمِ بَعْدَ الْكَشْفِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّيْخِ وَقَوْلُهُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَحَدُّ الْحَرَمِ هُوَ كَذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمِنْ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةً لِلْمَقْطَعِ)
ش: قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمَقْطَعِ انْتَهَى.
ص (وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ)
ش: سَمَّاهُ التَّادَلِيُّ مُنْقَطِعَ الْأَعْشَاشِ جَمْعُ