مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 210-249
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الزوجين للآخر

صفحات 210-249
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ص (وَقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إنْ صَحَّ النِّكَاحُ) ش يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي الْحَجِّ الثَّانِي فِي وَطْءِ الْمُحْرِمِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَسِّلَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُحْرِمَيْنِ الْآخَرَ فَيَرَى عَوْرَتَهُ فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَ عَنْ ذَلِكَ مَذْيٌ فَلْيُهْدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ مَذْيٌ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.

[مَسْأَلَةٌ مَاتَتْ فَأَرَادَ زَوْجُهَا دَفْنَهَا فِي مَقْبَرَتِهِ وَأَرَادَ عَصَبَتُهَا دَفْنَهَا فِي مَقْبَرَتِهِمْ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُكْنَى الْمُعْتَدَّاتِ سُئِلْت عَمَّنْ مَاتَتْ فَأَرَادَ زَوْجُهَا دَفْنَهَا فِي مَقْبَرَتِهِ وَأَرَادَ عَصَبَتُهَا دَفْنَهَا فِي مَقْبَرَتِهِمْ فَأَجَبْت بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ عَصَبَتِهَا أَخْذًا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِفَقْدِ النَّصِّ فِيهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: وَأَرَادَ أَهْلُهَا وَزَادَ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا نَصًّا فَمَنْ رَأَى ذَلِكَ فَلْيُضِفْهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ رَاجِيًا ثَوَابَ اللَّهِ الْجَزِيلَ.
ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: وَاخْتُلِفَ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ نَاجِي.
وَالْمَسْأَلَةُ أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَنْثَوِي الْبَدَوِيَّةُ حَيْثُ انْثَوَى أَهْلُهَا لَا حَيْثُ انْثَوَى أَهْلُ زَوْجِهَا وَالِانْثِوَاءُ الْبُعْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ) ش: شَامِلٌ لِمَا يَفُوتُ بِالدُّخُولِ وَلِمَا يَفُوتُ بِالطُّولِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَفُتْ فَسْخُهُ فَإِنَّهُ لَا غُسْلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُحْرِمًا فَلَا يُغَسِّلُ الْحَيُّ الْمَيِّتَ يُرِيدُ: إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَلِي غُسْلَهَا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهَذَا مَعَ وُجُودِ مَنْ يَجُوزُ مِنْهُ الْغُسْلُ فَإِنْ عُدِمَ وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى التَّيَمُّمِ؛ كَانَ غُسْلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجَازَهُ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ.

ص (وَإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ) ش: أَيْ فِي الْغُسْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَ الْإِذْنِ لِلنِّكَاحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ عَامٌّ فِي الرَّقِيقَيْنِ وَالْمُخْتَلِفِينَ، كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الرَّقِيقَ، أَوْ الْحُرَّ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِذْنِ إذْنُ السَّيِّدِ الْحَيِّ مِنْهُمَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ الزَّوْجَ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا يُقْضَى لَهُ بِغُسْلِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَذَكَرَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِغُسْلِ زَوْجَتِهِ إذَا كَانَتْ أَمَةً قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَجَازَ لِلسَّيِّدِ غُسْلَهَا وَالِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَالزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْهُ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَحَقُّ

هُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَ سَحْنُونٍ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِغُسْلِ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَقِيلَ: لَا يُقْضَى لَهُ بِغُسْلِ زَوْجَتِهِ إذَا كَانَتْ أَمَةً، وَأَمَّا مَا فَهِمَهُ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ أَنَّهُ أَجَازَ لِلسَّيِّدِ غُسْلَهَا فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يُغَسِّلُهَا وَلَا تُغَسِّلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لِلزَّوْجَةِ بِغُسْلِ زَوْجِهَا حُرًّا كَانَ، أَوْ عَبْدًا وَأَنَّ الْحُرَّ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقُّ بِهِ، وَالْعَبْدَ سَيِّدُهُ أَحَقُّ بِهِ فَإِنْ أَسْقَطَ السَّيِّدُ حَقَّهُ مِنْ الْغُسْلِ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ مِلْكًا لِامْرَأَةٍ كَانَ الْأَمْرُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْعَبْدِ؛ قَالَ: وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُقْضَى لِلزَّوْجَةِ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَوْلًى، أَوْ وَلِيٍّ وَهُوَ أَحْسَنُ وَالزَّوْجَةُ أَسْتَرُ لِزَوْجِهَا؛ إذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَقَلُّبِهِ أَنْ يَنْكَشِفَ انْتَهَى ص (أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ) ش:؛ لِأَنَّ مَوْتَ أَحَدِهِمَا يُفِيتُ خِيَارَ الْعَيْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (وَالْأَحَبُّ نَفْيُهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا، أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ) ش: أَمَّا الِاسْتِحْبَابُ فِي الْأُولَى فَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ يَنْقُلُهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِمَوْتٍ بِرِقٍّ يُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْوَطْءُ بِسَبَبِ الرِّقِّ وَاسْتَمَرَّتْ الْإِبَاحَةُ لِلْمَوْتِ فَذَلِكَ يُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقِنُّ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ عَبْدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا وَتَخْرُجُ الْمُكَاتَبَةُ وَالْمُعْتَقَةُ إلَى أَجَلٍ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا، وَالْمُشْتَرَكَةُ وَأَمَةُ الْقِرَاضِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: وَلَا يُغَسِّلُ مُكَاتَبَتَهُ عِنْدَنَا وَلَا الْمُعْتَقَ بَعْضُهَا وَلَا الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ وَمَنْ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا كُلَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَيَعْنِي بِالْإِبَاحَةِ الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ فَالْمُحَرَّمُ لِعَارِضٍ لَا يَقْدَحُ فِيهَا كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا انْتَهَى.
وَفِي الْمُظَاهَرِ مِنْهَا نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ فِيهَا وَفِي الْمُولِي مِنْهَا لِعَدَمِ إبَاحَةِ الْوَطْءِ بِدَلِيلِ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي أَمَةِ الْمِدْيَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ وَقَيَّدَ الْإِبَاحَةَ بِأَنْ تَكُونَ مُسْتَمِرَّةً لِلْمَوْتِ فَلَوْ زَالَتْ بِزَوَالِ الرِّقِّ فَلَا إشْكَالَ وَلَوْ زَالَتْ مَعَ بَقَائِهِ كَأَمَةِ الْمِدْيَانِ بَعْدَ الْحَجْرِ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُغَسِّلُهُ وَلَا يُغَسِّلُهَا انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ، وَكَلَامُ النَّوَادِرِ شَامِلٌ لَهَا وَلِلْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَلِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إبَاحَةُ الْوَطْءِ أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَصَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا قَالَ يُبِيحُ وَلَمْ يَقُلْ يُقْضَى؛ لِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِالرِّقِّ لَا يُقْضَى لَهَا بِذَلِكَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ اتِّفَاقًا وَلَا تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا إلَّا بِإِذْنِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلِيَاءُ، أَوْ كَانُوا وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ الْغُسْلُ فَهِيَ أَحَقُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذَا كَانَتْ تُحْسِنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ سَنَدٌ إنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْأَمَةَ تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا وَإِنْ كَانَ مِلْكُهَا قَدْ انْتَقَلَ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ حَقٌّ لِلْمَالِكِ ثَبَتَ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْمِلْكِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ تُوفِيَ سَيِّدَهَا مَا وَجَبَ لَهُ انْتَهَى بِالْمَعْنَى وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ لِلْمَيِّتِ حَقًّا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِكِ فِي بَيْتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَتِمَّ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ) ش: عَلَى تَرْتِيبِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّقَدُّمِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ

كَمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (ثُمَّ امْرَأَةُ مَحْرَمٍ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَلُ إلَى الْمَحَارِمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ مُسْلِمِينَ كَانُوا، أَوْ كِتَابِيِّينَ وَأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ كِتَابِيٌّ لِغُسْلِهِ، قَالَ ابْنُ نَاجٍ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ: يُعَلِّمُهُ النِّسَاءَ وَيُغَسِّلْنَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يَلِي ذَلِكَ كَافِرٌ وَلَا كَافِرَةٌ وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُغَسِّلُهُ الْكَافِرُ وَكَذَلِكَ الْكَافِرَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُحْتَاطُونَ بِالتَّيَمُّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ هَارُونَ أَيْضًا وَقَالَ: إنَّ الْكِتَابِيَّةَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَعَ الْأَجَانِبِ فَيُعَلِّمُونَهَا إلَى آخِرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَحَارِمِ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَكَذَلِكَ مَحَارِمُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ص (وَهَلْ تَسْتُرُهُ، أَوْ عَوْرَتَهُ؟ تَأْوِيلَانِ) ش التَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَغَيْرُهُ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ تُلْصِقَ الثَّوْبَ بِالْجَسَدِ وَتُحَرِّكَهُ فَتُغَسِّلَ مَا بِهِ انْتَهَى ص (ثُمَّ يُمِّمَ لِمِرْفَقَيْهِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.

[فَرْعٌ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ لَمْ يُغَسِّلْهُ]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ لَمْ يُغَسِّلْهُ انْتَهَى ص (كَعَدَمِ الْمَاءِ) ش: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُيَمَّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ مَعَهَا نِسَاءٌ، أَوْ مَحَارِمُ يُمِّمَتْ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَإِلَّا فَإِلَى الْكُوعَيْنِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَهُوَ ظَاهِرٌ

ص (وَتَقْطِيعُ الْجَسَدِ وَتَزْلِيعُهُ) ش: مُرَادُهُ إذَا خُشِيَ مِنْ الْغُسْلِ تَقْطِيعُ الْجَسَدِ، أَوْ تَزْلِيعُهُ كَمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ، وَأَمَّا الْجَسَدُ الْمُقَطَّعُ فَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ كُلُّهُ، أَوْ جُلُّهُ غُسِّلَ وَصَلِّي عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَا يُضَفَّرُ) ش: يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَأَمَّا الشَّعْرُ فَلْيَفْعَلُوا كَيْفَ شَاءُوا وَأَمَّا الضَّفْرُ فَلَا أَعْرِفُهُ لَكِنْ تَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَسَنٌ مِنْ الْفِعْلِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ وَضَفْرُهَا شَعْرَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (ثُمَّ مَحْرَمٌ فَوْقَ ثَوْبٍ) ش: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ وَلَا يُفْضِي بِيَدِهِ لِجَسَدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَسَتْرٌ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتَيْهِ) ش: وَقَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَرُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ يُرِيدُ: لِأَنَّ هَذَا الَّذِي كَانَ يَجِبُ سَتْرُهُ حَالَ الْحَيَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ سَتْرَ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى صَدْرِهِ خِرْقَةً.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ فِيمَنْ طَالَ مَرَضُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ؛ لِأَنَّ مَنْظَرَهُ حِينَئِذٍ يَقْبُحُ وَالْمَيِّتُ يُكْرَهُ أَنْ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ انْتَهَى.
وَفِي الْمَدْخَلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ عَلَى عَوْرَتِهِ خِرْقَةً غَلِيظَةً فَوْقَ الْمِئْزَرِ حَتَّى لَا يَصِفَ عَوْرَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ زَوْجًا) ش: هَذَا مَذْهَبُ

الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُغَسِّلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَالْمَيِّتُ عُرْيَانُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُعِينٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِاتِّفَاقٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْبُرْزُلِيِّ إلَى الْمُتَقَدِّمِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرُكْنُهَا النِّيَّةُ) ش: قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: الصَّحِيحُ فِي النِّيَّةِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ هَهُنَا الْقَصْدُ لِلصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ خَاصَّةً، وَاسْتِحْضَارُ كَوْنِهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَإِنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ؛ لَمْ يَضُرَّ كَمَا لَا يَضُرُّ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ انْتَهَى.
ص (وَأَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) ش: الْأُولَى مِنْهُنَّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ، قَالَ الْقَبَّابُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ هُنَا وَفِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ صِفَةً وَحُكْمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ قَالَ سَنَدٌ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَذَهَبَ ابْنِ سِيرِينَ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ إلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ ثَلَاثٌ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُكَبِّرُهَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُكَبِّرُ مَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعٍ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ كَبَّرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى النَّجَاشِيِّ تِسْعًا وَخَمْسًا وَأَرْبَعًا فَكَبِّرُوا كَمَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَوَجْهُ مَا اخْتَارَهُ الْجَمَاعَةُ حَدِيثُ الْمُوَطَّإِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ يَعْنِي النَّجَاشِيِّ وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلِ فَكَانَ أَرْجَحَ مِنْ كُلِّ مَا رُوِيَ بِخِلَافِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ زَادَ لَمْ يَنْتَظِرْ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ كَبَّرَ خَمْسًا أَجْزَأَتْ الصَّلَاةَ، وَلَمْ تَفْسُدْ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُكَبِّرُ خَمْسًا فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَبَّرَ الرَّابِعَةَ يُسَلِّمُ وَلَمْ يَنْتَظِرْ تَسْلِيمَهُ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: يَثْبُتُونَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ حَتَّى يُسَلِّمُوا بِتَسْلِيمِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةٌ فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُكَبِّرُهَا مَعَهُ وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا مِمَّا فَاتَهُ وَلْيُمْهِلْ فَإِذَا سَلَّمَ كَبَّرَ وَقَالَ أَصْبَغُ يُكَبِّرُ مَعَهُ الْخَامِسَةَ وَيَحْتَسِبُ بِهَا وَعَلَى أَصْلِ مَالِكٍ لَا يَنْتَظِرُ تَسْلِيمَهُ وَيُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَيَنْصَرِفُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَنَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِسَنَدٍ وَعَزَا الْقَطْعَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُكَبِّرُ خَمْسًا لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَلِسَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ وَعَزَا الْقَوْلَ بِسُكُوتِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ بِسَلَامِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلِأَشْهَبَ وَمُطَرِّفٍ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَعَزَا الْقَوْلَ فِيمَنْ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةٌ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُهَا مَعَهُ لِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَالثَّانِي لِأَصْبَغَ قَالَ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ قَضَاءِ الْمَأْمُومِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يُجْزِئُهُ مَا قَضَاهُ قَبْلَ سَلَامِهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَيَتَمَشَّى قَوْلُ أَصْبَغَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ دُونَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا ذَلِكَ الْمَحَلُّ مَحَلًّا لِسَلَامِ الْمَأْمُومِينَ وَمَحَلَّ قَضَاءِ الْمَسْبُوقِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي اعْتِدَادِ مَسْبُوقٍ بِهَا فَيُكَبِّرُهَا وَلَغْوَهَا، وَلَوْ كَبَّرَهَا قَوْلَا أَصْبَغَ وَابْنِ رُشْدٍ مَعَ أَشْهَبَ وَالْأَخَوَيْنِ وَرِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ انْتَهَى.
نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ: قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ هُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلُ أَصْبَغَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) عَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ مِنْ الْمَمْنُوعَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْكَرَاهَةُ فَإِنَّهُ عَدَّ مَعَهَا الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ وَعَلَى الْغَائِبِ وَفِي الْمَسْجِدِ وَعَلَى الْمُبْتَدِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ سَهَا الْإِمَامُ عَنْ بَعْضِ التَّكْبِيرِ سَبَّحُوا بِهِ وَلَا يُكَبِّرُونَ دُونَهُ إلَّا إنْ مَضَى وَتَرَكَهُمْ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ انْتَهَى

ص (وَالدُّعَاءُ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِ

الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ الدُّعَاءَ فَرْضٌ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي فُرُوضِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَهُنَّ وَنَحْوُهُ لِلشَّبِيبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْآتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَصَبْرُ الْمَسْبُوقِ لِلتَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي قَالَ: وَيُحْمَلُ - نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي - قَدْرُ الدُّعَاءِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ لَا عَلَى الْوُجُوبِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ قَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ فِي تَرْجَمَةِ السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلَّذِي يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ: اُدْعُ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْبُوقِ: إنَّهُ إذَا لَمْ تُتْرَكْ الْجِنَازَةُ يُوَالِي التَّكْبِيرَ إنَّمَا ذَلِكَ لِئَلَّا تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى غَائِبٍ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَقَارِ أَنَّهُ قَالَ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي الْأُولَى وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّانِيَةِ وَيَشْفَعُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّالِثَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ فِي الْأُولَى وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا إلَى آخِرِ الدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ ثُمَّ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ السَّنَدُ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَدْعُو لِلْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا كَبَّرْت الثَّالِثَةَ قُلْت اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا إلَى آخِرِ الدُّعَاءِ ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَرَوَى سَحْنُونٌ فِي الْكِتَابِ مُسْنَدًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ دُعَاءَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْمِيدٍ وَلَا صَلَاةٍ ثُمَّ قَالَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ: يَقُولُ هَذَا كُلَّمَا كَبَّرَ فَإِنْ كَانَتْ التَّكْبِيرَةُ الْأَخِيرَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَاقَ الصَّلَاةَ وَالِاسْتِغْفَارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهَذَا كُلُّهُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَنْ يَجْتَهِدَ بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ فَقَدْ يَكْثُرُ الدَّاعُونَ؛ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَكْرِيرٍ، وَقَدْ تَقِلُّ فَيُكَرِّرُ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ

لَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الدُّعَاءِ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ: مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ تَحْمَدَ اللَّهَ وَتُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهَا ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الدُّعَاءُ فِي آخِرِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ سَنَدٌ: وَلَا تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ وَلَا التَّحْمِيدُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ انْتَهَى.
(الثَّانِي) عَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ فُرُوضِهَا الْقِيَامَ لِلتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءَ وَالسَّلَامَ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ سَنَدٌ قَالَ أَشْهَبُ: إنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَا يُجْزِئُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ الرَّغَائِبِ يَنْبَغِي أَنْ تُجْزِئَهُمْ انْتَهَى.
وَلَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْقِبَاب الْفَرْعَيْنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَنَصَّ سَنَدٌ عَلَى فَرْعِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَعَزَاهُ لِأَشْهَبَ وَنَصُّهُ: وَأَرْكَانُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ خَمْسٌ الْقِيَامُ وَالتَّحْرِيمُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْلِيمُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إذَا صَلَّوْا عَلَيْهَا وَهُمْ جُلُوسٌ، أَوْ رُكُوبٌ فَلَا تُجْزِيهِمْ وَلْيُعِيدُوا الصَّلَاةَ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِهَا الْقِيَامَ مَعَ الْقُدْرَةِ وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ فُرُوضِهَا طَهَارَةَ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَتَرْكَ الْكَلَامِ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ وَقَالَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا وَلَا رُكُوعَ وَلَا سُجُودَ وَلَا جُلُوسَ انْتَهَى.
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَالشَّاذُّ اسْتِحْبَابُهَا وَحَكَى فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ أَشْهَبَ وُجُوبَهَا بَعْدَ الْأُولَى قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْقَرَافِيُّ يَحْكِيهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ يَفْعَلُهُ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَرَعًا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ انْتَهَى.
وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِرَاءَتَهَا مِنْ الْمَمْنُوعَاتِ وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ

(الثَّالِثُ) يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ إنْ ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ، أَوْ رَعَفَ فِيهَا وَإِذَا قَهْقَهَ بَطَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ جُنُبٌ لَمْ يُعِدْ فَإِنْ كَانَ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادُوا وَإِنْ ذَكَرُوا مَنْسِيَّةً فِيهَا لَمْ تُقْطَعْ؛ إذْ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَالْفَرَائِضِ قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.

[فُرُوعٌ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَالَهُ فِي الْمَعُونَةِ وَشَرَطَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ فِيهَا الْجَمَاعَةَ قَالَ: وَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إمَامٍ أُعِيدَتْ.

[تبين أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ]

(الثَّانِي) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَهَلْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ الدَّفْنِ لَا بَعْدَهُ، أَوْ تَجِبُ فِيهِمَا، أَوْ تُعَادُ مُطْلَقًا؟ . أَقْوَالٌ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى.

[مَا يُدْعَى بِهِ لِلْمَيِّتِ وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ]

(الثَّالِثُ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ مَا يُدْعَى بِهِ، وَالدُّعَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجْتَهِدُ لِلْمَيِّتِ فِي الدُّعَاءِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ وَلَا يَقْرَأُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مَعَ أَهْلِهَا فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ قَالَ مَالِكٌ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت مِنْ الدُّعَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَعْلُومٌ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: يُحْمَلُ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَوْلُهُ هَذَا أَحْسَنُ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَيَّنَهُ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْوَاجِبِ وَالثَّانِي عَلَى ثُبُوتِ الْمُسْتَحَبِّ وَإِلَّا كَانَ تَنَاقُضًا؛ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ اتِّفَاقًا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا أَدْعِيَةً مُعَيَّنَةً وَنَحْوُهُ لِابْنِ هَارُونَ، وَقَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ قَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ يُعَارِضُ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ اتِّفَاقًا فَالْجَوَابُ أَنَّ الرِّسَالَةَ لَيْسَ فِيهَا دُعَاءٌ

مَخْصُوصٌ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ وَأَيْضًا فَالْمُسْتَحَبُّ مَا ثَبَتَ بِنَصٍّ وَالْمُسْتَحْسَنُ مَا أُخِذَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّمَا رَجَّحَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَقُولُ ذَلِكَ بِإِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ عِنْدَنَا لِطُولِهِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي: قَدْرُ الدُّعَاءِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرُ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَقَلُّهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ فِي أَوَّلِ الْقَوْلَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[الدُّعَاء لِلْمَيِّتِ إِن كَانَ رَجُلًا بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ وَالْإِفْرَادِ]

(الرَّابِعُ) إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا دَعَا لَهُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ وَالْإِفْرَادِ قَالَ الشَّيْخُ حَاتِمٌ: وَالْأَعْزَبُ كَالْمُتَزَوِّجِ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّزْوِيجِ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً دَعَا بِالتَّأْنِيثِ وَالْإِفْرَادِ وَإِنْ كَانُوا رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً دَعَا بِالتَّثْنِيَةِ وَالتَّذْكِيرِ، وَإِنْ كَانَا امْرَأَتَيْنِ فَبِالتَّأْنِيثِ وَإِنْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ، أَوْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ دَعَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَغَلَّبَ الرِّجَالَ وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ عَشْرَةً وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اجْتَمَعَ نِسَاءٌ دَعَا لَهُنَّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ وَإِنْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَأَطْفَالٌ؛ قَدَّمْت الدُّعَاءَ لِلرِّجَالِ وَجَعَلْت آخِرَ دُعَائِك لِلْأَطْفَالِ؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ أَحْوَجُ لِلشَّفَاعَةِ مِنْ الصِّغَارِ، أَوْ تَشْمَلُهُمْ فِي دُعَاءٍ وَاحِدٍ وَتَقُولُ عَقِبَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَوْلَادَ لِوَالِدِيهِمْ سَلَفًا وَذُخْرًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَثَقِّلْ بِهِمْ مَوَازِينَهُمْ وَأَعْظِمْ بِهِمْ أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُمْ وَيَجْزِيكَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً نِسَاءً وَأَطْفَالًا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ وَإِنْ اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ، أَوْ امْرَأَةٌ وَصَبِيَّةٌ اقْتَصَرَ لَهُمَا بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ فَاقْتَصَرَ عَلَى شُمُولِهِمْ بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَنْ الْمَيِّتُ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى وَاحِدًا، أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَنْ وَيَدْعُو وَيُعِيدُ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَلَا يَعْرِفُ مَا هُوَ الْمَيِّتُ وَاحِدًا، أَوْ أَكْثَرَ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا فَإِنَّهُ يَنْوِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ إمَامُهُ ثُمَّ يَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
انْتَهَى.
يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَوَجَدَ الْمَيِّتَ ذَكَرًا]

(السَّابِعُ) إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَوَجَدَ الْمَيِّتَ ذَكَرًا، أَوْ الْعَكْسُ قَالَ التُّونُسِيُّ: تُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّخْصِ؛ فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِصِفَتِهِ انْتَهَى مِنْ الْبُرْزُلِيّ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
(الثَّامِنُ) قَالَ ابْنُ هَارُونَ فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَجَهِلَ الْإِمَامُ فَنَوَى بِالصَّلَاةِ أَحَدَهُمَا وَنَوَى مَنْ خَلْفَهُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا مَعًا؛ أُعِيدَتْ عَلَى الَّتِي لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا الْإِمَامُ، دُفِنَتْ أَمْ لَا إلَّا أَنْ تَتَعَيَّنَ فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهَا.
انْتَهَى مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.

[الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ الْمَيِّت]

(التَّاسِعُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك إلَى آخِرِهِ هَذَا إنْ كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتَ النَّسَبِ مِثْلَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا فَقِيلَ: يُدْعَى لَهُمَا بِأُمِّهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ ثَابِتَيْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُمَا نُطْفَةُ شَيْطَانٍ وَقِيلَ: يُدْعَى لَهُمَا بِأَبِيهِمَا وَقِيلَ: ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ يُدْعَى لَهُ بِأَبِيهِ وَوَلَدُ الزِّنَا بِأُمِّهِ انْتَهَى.
(الْعَاشِرُ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَوَّلِ الْعَارِضَة: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَاصِيَ يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ وَلِذَلِكَ يُدْعَى لِلْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا انْتَهَى بِلَفْظِهِ.

[تُصَفَّ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ]

(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَفَّ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ الْحَدِيثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَدُعَاءٌ بَعْدَ الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ) ش: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُنَوَّنٌ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَيُشِيرُ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ: وَمَحَلُّ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ مَحَلُّ مَا قَبْلَهَا إنْ عَقَبَهَا الدُّعَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ سَنَدٌ وَهَلْ يُدْعَى بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ؟ . حَكَى الْبَاجِيُّ فِيهِ خِلَافًا قَالَ عَنْ سَحْنُونٍ: يَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَيَدْعُو كَمَا يَدْعُو بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، قَالَ: وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَثْبُتُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاعْتِبَارًا بِسَائِرِ

التَّكْبِيرَاتِ وَوَجْهُ قَوْلِ غَيْرِهِ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ بِمَثَابَةِ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهَا وَفِي غَيْرِهَا لَا يُقْرَأُ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا يَدْعُو لَهَا هَاهُنَا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ عَنْ سَنَدٍ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَفِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَعَادَ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ كَبَّرَهَا مَا لَمْ يُطِلْ فَتُعَادُ مَا لَمْ يُدْفَنْ فَتَجِيءُ الْأَقْوَالُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا رَجَعَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُرْبِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّيَّةِ وَلَا يُكَبِّرُ لِئَلَّا تَلْزَمَ الزِّيَادَةُ فِي عَدَدِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ حَسَبَهُ فِي الْأَرْبَعِ وَقَوْلُهُ: فَتَجِيءُ الْأَقْوَالُ يَعْنِي فِيمَنْ دُفِنَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ هَلْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى النَّفْيِ هَلْ يَخْرُجُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ وَعَزَا ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلَهُ وَلَا يُكَبِّرُ لَهُ لِئَلَّا تَلْزَمَ الزِّيَادَةُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَزَادَ بَعْدَهُ قُلْت: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُكَبِّرَ كَمَا فِي الْفَرِيضَةِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَسْلِيمَةٌ خَفِيفَةٌ) ش: فَهِيَ وَاحِدَةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ نَاجِي أَنَّ مَنْ سَمِعَ سَلَامَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَمِنْ سَمَاعِ ابْنِ غَانِمٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَصُّ مُخْتَصَرِ صَاحِبِ الْوَاضِحَةِ: وَسَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاحِدَةٌ أَنْ يَخْفِضَ بِهَا صَوْتَهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْمِعُ بِهَا نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَرَاءَهُ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً دُونَ تَسْلِيمَةِ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى الْإِمَامِ إلَّا مَنْ سَمِعَهُ.
كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَوْلُهُ: إلَّا مَنْ سَمِعَهُ يَعْنِي فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَرَدَّ مُقْتَدٍ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَرْضٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصَبْرُ الْمَسْبُوقِ لِلتَّكْبِيرِ) ش: سَوَاءٌ سُبِقَ بِوَاحِدَةٍ، أَوْ بِأَكْثَرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَعُونَةِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ لَا تَفُوتُ حَتَّى يُكَبِّرَ الْإِمَامُ مَا بَعْدَهَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ: وَلَا تَفُوتُ التَّكْبِيرَةُ بِأَخْذِهِ فِي الدُّعَاءِ وَلَا بِتَمَامِهِ؛ إذْ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ تَفُوتَهُ بِأَقَلَّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَلَوَجَبَ إذَا لَمْ يُكَبِّرْ مَعَ الْإِمَامِ مَعًا وَتَرَاخَى فِي ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ الْإِمَامُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَهُ التَّكْبِيرُ وَهَذَا مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فَجَوَابُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَجَوَابُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الْجَنَائِزِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ: إنَّهُ يُكَبِّرُ حِينَ يَجِيءُ

تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَقِفُ عَمَّا سَبَقُوهُ بِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ ثُمَّ يَقْضِيهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَصَحُّ مِمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَاخْتَارَ سَنَدٌ الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ: لِأَنَّ مَا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ مِنْ تَوَابِعِهَا بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ فَذَكَرَهَا وَالْإِمَامُ يَدْعُو فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ فَقَالَ ابْنُ نَاجِي عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَيَدْعُو فِي انْتِظَارِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: إنْ شَاءَ دَعَا وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَكُفِّنَ بِمَلْبُوسِهِ لِجُمُعَةٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَيُكَفَّنُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ فِي حَيَاتِهِ وَيُقْضَى بِذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِيهِ انْتَهَى.

ص (إنْ فُقِدَ الدَّيْنُ) ش: إنَّمَا أَتَى بِهَذَا الْقَيْدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْكَفَنَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ الْمَنْعُ مِنْهُ وَيُقَدَّمُ عَلَى دُيُونِهِمْ لَا يَتَعَلَّقُ لَهُمْ بِهِ حَقٌّ وَلَوْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.

ص (كَأَكْلِ السَّبُعِ الْمَيِّتَ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْبَصْرِيِّ وَزَادَ وَكَأَنَّهُ عَنْ الْقَابِسِيِّ: وَلَوْ خِيفَ نَبْشُهُ كَانَتْ حِرَاسَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَدْ أَغْفَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ ص (وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ) ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ فَإِنْ اجْتَمَعَ أَبٌ وَابْنٌ وَمِثَالٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ هَالِكٌ وَتَرَكَ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَيُتَصَوَّرُ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ زَمِنًا بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ الْأَبِ فَهَلْ الْكَفَنُ عَلَى الْأَبِ، أَوْ عَلَى الِابْنِ فَقَالَ الْكَفَنُ عَلَى الِابْنِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ يَسْتَعِدَّ لِلْكَفَنِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ الْقَبْرُ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَسْتَعِدَّ لِلْكَفَنِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ الْقَبْرُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ انْتَفَعَ بِهِ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِالْقَبْرِ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَأَمَّا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَفِي التَّوْضِيحِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِنَاءً عَلَيْهِ.

ص (أَوْ رِقٍّ) ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُكَفِّنُهُمْ وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ مَعًا وَلَمْ يَتْرُكْ السَّيِّدُ إلَّا كَفَنًا وَاحِدًا كُفِّنَ بِهِ الْعَبْدُ وَيُكَفَّنُ السَّيِّدُ مِثْلُ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُكَفَّنُ فِيهِ السَّيِّدُ وَيُتْرَكُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَزَاهُ الشَّارِحُ لِقَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَلَعَلَّهُ الْقَبَّابُ وَنَقَلَهُ غَيْرُهُمَا ص (وَنُدِبَ تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) ش: فِي

الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا يَقُولُ تَعَالَى «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ: فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(تَنْبِيهٌ) وَتَحْسِينُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَرَضِ فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا حَسَنَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: حَسِّنْ ظَنَّك بِرَبِّك عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا تُسِئْ الظَّنَّ بِهِ فَإِنَّكَ فِي كُلِّ نَفَسٍ يَخْرُجُ مِنْك لَا تَدْرِي هَلْ أَنْتَ عَلَى آخِرِ أَنْفَاسِك وَدَعْ عَنْكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ سِئْ الظَّنَّ بِهِ فِي حَيَاتِك وَحَسِّنْ الظَّنَّ بِهِ عِنْدَ مَوْتِك ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَصَايَا مِنْ الْفُتُوحَاتِ

ص (وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ ثُمَّ ظَهْرٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي شَهَرَهُ هُنَاكَ أَنَّهُ أَوَّلًا عَلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ ثُمَّ عَلَى الظَّهْرِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُنَا بَلْ أَسْقَطَ الْأَيْسَرَ وَقَالَ سَنَدٌ وَيَكُونُ فِي تَوْجِيهِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ اعْتِبَارًا بِحَالِ صَلَاتِهِ وَبِحَالِ قَبْرِهِ النَّائِمِ انْتَهَى

[فَرْعٌ كَيْفِيَّة الْغُسْلِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: أَمَّا فِي حَالَةِ الْغُسْلِ فَيُوضَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْمَنِ وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَفِي تَكْرِيرِ الْوُضُوءِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خِلَافٌ انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ.

ص (وَتَجَنُّبُ حَائِضٍ وَجُنُبٍ لَهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَحْضُرَ الْحَائِضُ وَلَا الْكَافِرَةُ قَالَ وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ وَقُرْبَهُ غَيْرُ طَاهِرٍ انْتَهَى.
وَكَذَا لَا يَحْضُرُهُ صَبِيٌّ يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَقَالَ أَيْضًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ طِيبٌ وَأَنْ يَحْضُرَهُ أَحْسَنُ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ سَمْتًا وَخُلُقًا وَخَلْقًا وَدِينًا فَلْيُلَقِّنْهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ بِرِفْقٍ وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ وَهُوَ مِنْ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتْرَكَ أَحَدٌ يَبْكِي حَوْلَهُ بِرَفْعِ صَوْتٍ وَمَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ بِمَوْضِعٍ لَا يَسْمَعُهُ فِيهِ الْمُحْتَضَرُ فَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَثِلَ السُّنَّةَ وَيَقُولَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا أَيْ مِنْ الْمُصِيبَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ بَعِيدَاتٍ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ أَنْ لَا يُظْهِرَ الْجَزَعَ ص (وَتَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ مَوْتِهِ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَيُلَقَّنَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ وَمُرَادُ الشَّرْعِ وَالْأَصْحَابِ الشَّهَادَتَانِ مَعًا ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً ثُمَّ تَكَلَّمَ أُعِيدَ تَلْقِينُهُ وَإِلَّا تُرِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ وَلَا يُقَالُ لَهُ: قُلْ بَلْ يُقَالُ عِنْدَهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ انْتَهَى.
زَادَ فِي الْمَدْخَلِ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَلَا يُلَقِّنُوهُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُحْرِجُهُ وَيُقْلِقُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْأَبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُلَقَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ يُلَقَّنَ التَّهْلِيلَ وَحْدَهُ وَذَكَرَ لِي الْوَالِدُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَالِ احْتِضَارِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ يُلَقَّنُ الصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُلَقَّنُ إلَّا مَنْ بَلَغَ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّلْقِينَ حَالَ الِاحْتِضَارِ وَالتَّلْقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ غَيْرُ وَارِثِهِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَقْرَبُهُمْ بِهِ، وَقَالَ سَنَدٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَجْلِسَ عِنْدَهُ إلَّا أَحْسَنُ أَهْلِهِ وَأَفْضَلُهُمْ قَوْلًا وَفِعْلًا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَلَا يَضْجَرُ مَنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلْقِيهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُونَ

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ مَسْأَلَةُ مَنْ خَرِسَ لِسَانُهُ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَةِ وَلَا أَحْضَرَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ عَدَمُ الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَأَخْرَسَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ عَاجِزًا عَنْ الْكُفْرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَحُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْكَامُ الَّذِينَ اسْتَحْضَرُوا الْكُفْرَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْفِعْلِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ وَقَالَ التَّادَلِيُّ إثْرَ كَلَامِ الرِّسَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِهِ قَالَ عِزُّ الدِّينِ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِالشَّوَاهِدِ وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِّ قَدِيمًا وَقَالَ الْمَتْيَوِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ إنْسَانٌ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ عَقِبَ دَفْنِهِ وَيَقُولَ لَهُ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَوْ يَا أَمَةَ اللَّهِ اُذْكُرْ الْعَهْدَ الَّذِي خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا، وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَسُولًا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُسْلِمِينَ إخْوَانًا رَبِّي اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْت وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَهُ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَيَقِفَ عِنْدَ قَبْرِهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيُلَقِّنُهُ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَيْنِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -؛ إذْ ذَاكَ يَسْأَلَانِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْمُنْصَرِفِينَ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» وَرَوَى رَزِينٌ فِي كِتَابِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا عَبْدُك نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ فَاغْفِرْ لَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو حَامِدِ بْنُ الْبَقَّالِ وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ إذَا حَضَرَ جِنَازَةً عَزَّى وَلِيَّهَا بَعْدَ الدَّفْنِ وَانْصَرَفَ مَعَ مَنْ يَنْصَرِفُ فَيَتَوَارَى هُنَيْهَةً حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ ثُمَّ يَأْتِيَ إلَى الْقَبْرِ فَيُذَكِّرَ الْمَيِّتَ بِمَا يُجَاوِبُ بِهِ الْمَلَكَيْنِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَيَكُونُ التَّلْقِينُ بِصَوْتٍ فَوْقَ السِّرِّ دُونَ الْجَهْرِ وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ لَا تَنْسَ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَكَ الْمَلَكَانِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَسَأَلَاك فَقُلْ لَهُمَا اللَّهُ رَبِّي وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّ وَالْقُرْآنُ إمَامِي وَالْكَعْبَةُ قِبْلَتِي وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ نَقَصَ فَخَفِيفٌ وَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ التَّلْقِينِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالزَّعَقَاتِ بِحُضُورِ النَّاسِ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ فَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلُوهُ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ أَيْضًا انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ.
وَاسْتَحَبَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأَبِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مَيْلٌ إلَيْهِ

ص (وَتَغْمِيضُهُ) ش: لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ» وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا إذَا قَضَى هُوَ قَيْدٌ فِي التَّغْمِيضِ وَالشَّدِّ قَالَ أَبُو دَاوُد قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ وَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا: غَمَّضْت جَعْفَرَ الْمُعَلِّمَ وَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا فِي حَالَةِ الْمَوْتِ فَرَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي لَيْلَةً يَقُولُ: أَعْظَمُ مَا كَانَ عَلَيَّ تَغْمِيضُك لِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ، أَوْ قَبْلَ الْمَوْتِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِذَا قَضَى فَأَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِتَغْمِيضِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَنْبَغِي أَنْ يُلَقَّنَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُغَمَّضَ بَصَرُهُ إذَا قَضَى وَيُقَالَ عِنْدَهُ: سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، وَيُقَالُ عِنْدَ

إغْمَاضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَ الشَّيْخِ بَهْرَامَ وَفِي كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّغْمِيضَ يَكُونُ قَبْلَ الْمَوْتِ لِقَوْلِهِ: وَيَقُولُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إذَا قَضَى مَعَ كَلَامِ سَنَدٍ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الدُّعَاءَ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَقُولُهُ عِنْدَ إغْمَاضِهِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ التَّغْمِيضَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الدُّعَاءِ بِالتَّسْهِيلِ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: إذَا قَضَى رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَتَغْمِيضُهُ وَشَدُّ لَحْيَيْهِ فَهُوَ قَيْدٌ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغْمَضُ إذَا انْقَطَعَ نَفَسُهُ وَانْحَدَرَ بَصَرُهُ وَانْفَرَجَتْ شَفَتَاهُ وَلَمْ تَنْطَبِقَا وَسَقَطَتْ قَدَمَاهُ وَلَمْ تَنْتَصِبَا فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ عَلَامَاتٍ يُغْمَضُ الْمَيِّتُ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي التَّوْضِيحِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا قَضَى لَا قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ بْنُ أَسْبَاطٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يُغْمَضْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَقِيَ مَفْتُوحَ الْأَجْفَانِ وَالشَّفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ وَاحِدٌ بِعَضُدِهِ وَآخَرُ بِإِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ وَيَجْذِبَانِهِ قَلِيلًا فَإِنَّهُ يَتَغَمَّضُ وَذَلِكَ مُجَرَّبٌ صَحِيحٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَشَدُّ لَحْيَيْهِ إذَا قَضَى وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ ثَقِيلٍ عَلَى بَطْنِهِ) ش: قَالَ سَنَدٌ ثُمَّ يَشُدُّ لَحْيَهُ الْأَسْفَلَ بِعِصَابَةٍ وَيَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ وَيَنْفَتِحَ فَاهُ فَتَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ وَيَقْبُحَ بِذَلِكَ مَنْظَرُهُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: إغْمَاضُ عَيْنَيْهِ، وَشَدُّ لَحْيَيْهِ، وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ، وَتَجْرِيدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَوَضْعُهُ عَلَى لَوْحٍ أَوْ سَرِيرٍ، وَتَثْقِيلُ بَطْنِهِ، وَتَسْجِيَتُهُ بِثَوْبٍ.
زُعِمَ أَنَّ تَلْيِينَ مَفَاصِلِهِ إسْهَالًا عَلَى غَاسِلِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ إذْ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لِينُهُ لِوَقْتِ غُسْلِهِ، نَعَمْ تَمَدَّدَ فَإِنْ كَانَ مُرْتَفِعَ الرُّكَبِ غُمِزَ وَلِينَ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ فِي تَجْرِيدِهِ: لِئَلَّا تَحْمِيَهُ ثِيَابُهُ فَلَا يُؤْمَنُ مَعَهَا الْفَسَادُ وَهَذَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلَا يُجْعَلُ سُنَّةً لِسَائِرِ الْأَمْوَاتِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رَفْعِهِ عَلَى سَرِيرٍ لِئَلَّا يَسْرُعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَتَنَالَهُ الْهَوَامُّ، وَتَثْقِيلُ بَطْنِهِ لِئَلَّا تَعْلُوَ فَيُتْرَكَ عَلَيْهَا حَدِيدٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّسْجِيَةُ فَرَوَى ابْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُجِّيَ فِي ثَوْبِ حِبَرَةٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ مَا عَدَا تَجْرِيدَهُ بَلْ قَالَ عِنْدَ ذِكْرِ التَّسْجِيَةِ: وَيُزِيلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ مَا عَدَا الْقَمِيصَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ التَّجْرِيدِ فِي كَلَامِ سَنَدٍ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَضْعِ ثَقِيلٍ: تُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدَةٌ، أَوْ سِكِّينٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَطِينًا مَبْلُولًا طَاهِرًا لِئَلَّا يَعْلُوَ فُؤَادُهُ فَيُخْشَى أَنْ يَنْفَجِرَ قَبْلَ حُلُولِهِ فِي قَبْرِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَدَّ اللَّحْيَيْنِ عَنْ غَيْرِ الْمَذْهَبِ وَقَدْ ذَكَرَهُ سَنَدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَعْزِهِ لِغَيْرِ الْمَذْهَبِ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ إلَّا أَنَّهُ عَلَّلَهُ بِخَوْفِ دُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ غُسْلِهِ لِجَوْفِهِ وَقَالَ ابْنُ غَازِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَدْ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ تُجْعَلُ حَدِيدَةٌ عَلَى بَطْنِهِ وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَعْنَاهُ قَالُوا لِئَلَّا يَسْرُعَ انْتِفَاخُ بَطْنِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إبَاحَتَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَدْخَلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَإِسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرَقَ) ش فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَجْهِيزِهِ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ إكْرَامِ الْمَيِّتِ الِاسْتِعْجَالَ بِدَفْنِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ فَجْأَةً، أَوْ بِصَعْقٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ بِسِمَنِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يُسْتَعْجَلُ عَلَيْهِ وَيُمْهَلُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ الْيَوْمَانِ، أَوْ الثَّلَاثُ، أَوْ يَظْهَرُ تَغَيُّرُهُ فَيَحْصُلُ الْيَقِينُ بِمَوْتِهِ لِئَلَّا يُدْفَنَ حَيًّا فَيُحْتَاطُ لَهُ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كَثِيرًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) الدَّفْنُ لَيْلًا جَائِزٌ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي دَفْنِ فَاطِمَةَ لَيْلًا جَوَازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ

وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْعَارِضَةَ وَفِي النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، وَفِيهِ أَيْضًا: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَاتَ فَقُبِرَ لَيْلًا وَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَوِيلٍ فَزَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْبَرَ إنْسَانٌ لَيْلًا إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ»

ص (وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَحْسَنُ مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا إنْ تَيَسَّرَ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: اُنْظُرْ، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ نَظَافَةٌ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَظَاهِرُهُ فِي الْأُولَى وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَلَا رِجَالَ مَعَهُ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَا نِسَاءَ مَعَهَا: إنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ نَظَافَةً لَمْ يَجِبْ أَنْ يُيَمَّمَا فِي عَدَمِ الْمَاءِ؛ إذْ لَا نَظَافَةَ فِي التَّيَمُّمِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ فِي غَيْرِ الْأُولَى وَلَا يُخْلَطُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ وَقَوْلُهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أَيْ يُدَلِّكُهُ بِالسِّدْرِ وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَعَلَى الظَّاهِرِ حَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْمَاءِ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْآخِرَةِ كَافُورٌ فَأَجَازَ غُسْلَهُ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَنَصُّ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُغَسَّلُ فِي الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ بِغَيْرِ سِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَعْنِي وَرَقَ النَّبْقِ يُطْحَنُ وَيُجْعَلُ فِي الْمَاءِ وَيُحَرَّكُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ رَغْوَةٌ وَيُغَسَّلُ بِهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ: السِّدْرُ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَأَخَذَ مِنْهُ اللَّخْمِيُّ غُسْلَهُ بِالْمُضَافِ لِقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُخْلَطُ الْمَاءُ بِالسِّدْرِ بَلْ يُحَكُّ الْمَيِّتُ بِالسِّدْرِ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي مُتَّجِهٌ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَشْيَاخِي وَالْمُدَوَّنَةِ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى الْإِضَافَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ؛ فَالْأَوَّلُ لَا يَضُرُّ وَالثَّانِي عَكْسُهُ يَضُرُّ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهَا كَقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ وَالثَّالِثَةُ بِالْكَافُورِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُسْتَحَبُّ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَفِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ فَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنْهُ غُسْلَهُ بِالْمُضَافِ كَقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ تُنَظَّفُ، ابْنُ حَبِيبٍ: الْأُولَى بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَالثَّانِيَةُ بِغَاسُولِ بَلَدِهِ إنْ عُدِمَ السِّدْرُ فَإِنْ عُدِمَا فَبِالْمَاءِ فَقَطْ وَالثَّالِثَةُ بِالْكَافُورِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِالنَّطْرُونِ وَالْحُرْضِ إنْ فُقِدَ السِّدْرُ أَشْهَبُ إنْ عَظُمَتْ مُؤْنَةُ الْكَافُورِ تُرِكَ التُّونُسِيُّ خَلْطُ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ يُضِيفُهُ، وَصَبُّهُ عَلَى الْجَسَدِ بَعْدَ حَكِّهِ بِهِ لَا يُضِيفُهُ.
(قُلْت) : إنْ كَانَ أَخَذَ اللَّخْمِيُّ مِنْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ كَانَ خِلَافًا التُّونُسِيُّ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ كَانَ وِفَاقًا وَعَلَيْهِمَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ النَّجِسِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بَعْدَ طَلَبِهِ بِالصَّابُونِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ بِالْمُطَهِّرِ مَرَّةً دُونَ سِدْرٍ وَكَافُورٍ وَغَيْرِهِمَا يَعْنِي بِالْمُطَهِّرِ الْمَاءَ الطَّاهِرَ الْمُطَهِّرَ وَحْدَهُ دُونَ أَنْ يُخَالِطَهُ شَيْءٌ، وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّظَافَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِابْنِ فَرْحُونٍ.

[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ الْبَخُور عِنْد غَسَلَ الْمَيِّت]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيُسْتَحَبُّ الْبَخُورُ حِينَئِذٍ لِئَلَّا تُشَمَّ مِنْ الْمَيِّتِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَيُزَادَ فِي الْبَخُورِ عِنْدَ عَصْرِ بَطْنِهِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ.

[الثَّانِي مَا يَجِب عَلَيَّ الْغَاسِل]

(الثَّانِي) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ أَنْ يَقِفَ عَلَى الدَّكَّةِ وَيَجْعَلَ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ بَلْ يَقِفُ بِالْأَرْضِ وَيُقَلِّبُهُ حِينَ غُسْلِهِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ أَيْضًا: يَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ عَنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا وَجَعَلُوا لِكُلِّ عُضْوٍ ذِكْرًا يَخُصُّهُ فَإِنَّهُ

بِدْعَةٌ بَلْ يَشْتَغِلُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ذِكْرًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي وَيُكْثِرُ الْغَاسِلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَالَ الْغُسْلِ انْتَهَى.
فَانْظُرْهُ مَعَ مَا قَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص (وَتَجْرِيدُهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيُجَرَّدُ لِلْغُسْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ فِي قَمِيصِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَيَنْبَغِي إذَا جُرِّدَ لِلْغُسْلِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَتُسْتَرَ عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى صَدْرِهِ وَوَجْهِهِ خِرْقَةٌ أُخْرَى انْتَهَى

ص (وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفِعٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْغُسْلِ فِي شَيْءٍ انْتَهَى.
ص (وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ) ش: وَكَذَا لَوْ وُطِئَتْ الْمَيِّتَةُ لَمْ يُعَدْ غُسْلُهَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ ص (وَعَصْرُ بَطْنِهِ بِرِفْقٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ نَجَاسَةٌ أَزَالَهَا وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ لِتَذْهَبَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ لِيَذْهَبَ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ انْتَهَى.
ص (وَصَبُّ الْمَاءِ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ بِخِرْقَةٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَأَمَّا بَقِيَّةُ بَدَنِهِ إنْ شَاءَ غَسَلَهُ بِيَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ غَسَلَهُ بِخِرْقَةٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ أَنْ يُغَسِّلَهُ بِخِرْقَةٍ وَقَالَ يُعِدُّ خِرْقَتَيْنِ نَظِيفَتَيْنِ يُغَسِّلُ بِإِحْدَاهُمَا أَعَالِيَ بَدَنِهِ وَوَجْهَهُ وَصَدْرَهُ، ثُمَّ مَذَاكِيرَهُ وَبَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُلْقِيهَا وَيَفْعَلُ بِالْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (وَتَوْضِئَتُهُ) ش: وَفِي تَكْرَارِ الْوُضُوءِ بِتَكْرَارِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْرَارِ الْوُضُوءِ أَنْ لَا يُغَسِّلَ أَوَّلًا ثَلَاثًا بَلْ مَرَّةً مَرَّةً؛ لِئَلَّا يَقَعَ التَّكْرَارُ فِي الْعَدَدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَكْرَارِهِ أَنْ يُثَلِّثَ أَوَّلًا انْتَهَى.
ص (وَعَدَمُ حُضُورِ غَيْرِ مُعِينٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَاز وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ إلَّا ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا يُخْفِي مَا يَرَاهُ مِنْ عَيْبٍ وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ فَحَسَنٌ انْتَهَى.
ص (وَكَافُورٌ فِي الْآخِرَةِ) ش: وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ فَيَجْعَلَهُ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَيُذِيبَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ بِهِ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَالْأَخِيرَةُ بِالْكَافُورِ كَانَتْ الثَّالِثَةَ، أَوْ الْخَامِسَةَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَغَيْرُهُ مِنْ طِيبٍ إنْ وُجِدَ انْتَهَى.
ص (وَنَشَّفَ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي طَهَارَةِ

الثَّوْبِ الْمُنَشَّفِ بِهِ الْمَيِّتُ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيُنَجَّسُ الثَّوْبُ الَّذِي يُنَشَّفُ فِيهِ قَالَ التُّونُسِيُّ: وَلَا يُصَلَّى فِيهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَبَيَاضُ الْكَفَنِ وَتَجْمِيرُهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَمَا كَانَ فِي الثَّوْبِ مِنْ عَلَمٍ، أَوْ حَاشِيَةٍ فَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ ثِيَابِ الْبَيَاضِ وَقَالَ قَبْلَهُ: الْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كُفِّنَ فِي ثِيَابِ قُطْنٍ لَا حَرِيرَ فِيهَا وَالْكَتَّانُ فِي مَعْنَى الْقُطْنِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ، وَالْقُطْنُ أَفْضَلُ لَهُ وَأَسْتَرُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْكَتَّانِ مَا يَكُونُ أَسْتَرَ مِنْ الْقُطْنِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِيهِ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ التَّكْفِينَ بِالصُّوفِ غَيْرَ مَطْلُوبٍ انْتَهَى.
ص (وَتَجْمِيرُهُ) ش: قَالَ سَنَدٌ فَرْعٌ: فَكَيْفَ يُجَمَّرُ؟ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُجَمَّرُ وِتْرًا وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ النَّخَعِيّ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُجَمِّرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وِتْرًا وَأَخَذَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّهُ أَشْهَبُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وِتْرٌ وَكَفَنَهُ وِتْرٌ وَالتَّجْمِيرُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَكَانَ وِتْرًا وَالْمَقْصُودُ عُبُوقُ الرَّائِحَةِ فَتُجْعَلُ الثِّيَابُ عَلَى مِشْجَبٍ، أَوْ سَنَابِلَ وَهِيَ ثَلَاثُ قَصَبَاتٍ يُقْرَنُ رُءُوسُهُنَّ بِخَيْطٍ يُنْصَبُ وَتُتْرَكُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَتُجَمَّرُ بِعُودٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَجَمَّرُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَيَتَبَخَّرُ الْكَفَنُ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ بِالْعَنْبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَضَبَطَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ الثِّيَابَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَيُدْرِجَ فِيهَا الْمَيِّتَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَدْرِجْ فِيهَا انْتَهَى.
وَهُوَ تَصْحِيفٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: يَجُوزُ أَنْ يُخَفَّفَ فِي أَكْفَانِ الصِّغَارِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ إلَّا ثَوْبَيْنِ لُفَّتْ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ صَبِيٍّ، أَوْ صَبِيَّةٍ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونُ هَذَا فِيمَنْ رَاهَقَ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَالْخِرْقَةُ تَكْفِيهِ انْتَهَى.
ص (وَلَا يُقْضَى بِالزَّائِدٍ إنْ شَحَّ الْوَرَثَةُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.

[فَرْعٌ أَوْصَى بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى ثَوْبٍ فَزَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ آخَرَ]

(فَرْعٌ) لَوْ، أَوْصَى بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَى ثَوْبٍ فَزَادَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ آخَرَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْوَاحِدِ مَعَرَّةً ابْنُ رُشْدٍ: وَلِأَنَّهُ أَوْصَى لِمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشَّيْخِ زَرُّوق.
ص (إلَّا أَنْ يُوصِيَ فَفِي ثُلُثِهِ) ش: قَالَ سَنَدٌ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ وَارِثٌ وَتَرَكَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ فَيَنْبَغِي مِنْ مِثْلِ هَذَا الْيَسِيرِ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّهُ فِي كَفَنِهِ وَحَنُوطِهِ وَقَبْرِهِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ، أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ خِلَافٌ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ سَلَّمَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَنَسَبَ الثَّانِيَ لِلتَّقْيِيدِ وَالتَّقْسِيمِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ هُنَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّشْهِيرِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَبُو عُمَرَ وَابْنُ رُشْدٍ الْفَرْضُ مِنْ الْكَفَنِ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، وَالزَّائِدُ لِغَيْرِهَا سُنَّةٌ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ أَقَلُّهُ ثَوْبٌ

يَسْتُرُ كُلَّهُ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْحَيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَوِتْرُهُ) ش: هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَهُ بِالثَّلَاثِ فَمَا فَوْقَهَا وَأَمَّا مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَالشَّفْعُ أَفْضَلُ مِنْ الْوِتْرِ، بَلْ صَرَّحَ الْجُزُولِيُّ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مَكْرُوهٌ وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ ذَلِكَ عَقِبَهُ فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَقْمِيصُهُ وَتَعْمِيمُهُ وَعَذَبَةٌ فِيهَا وَأَزَرَةٌ وَلِفَافَتَانِ) ش: هَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ الْمُسْتَحَبَّةُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَهِيَ: الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ وَالْإِزَارُ وَلِفَافَتَانِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ لِلرَّجُلِ عَلَيْهَا وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَجُوزُ زِيَادَتُهَا إلَى سَبْعٍ وَذَلِكَ بِأَنْ تُزَادَ لِفَافَتَانِ كَمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ص (وَالسَّبْعُ لِلْمَرْأَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّ إيتَارَ كَفَنِ الرَّجُلِ يَنْتَهِي إلَى خَمْسَةٍ وَالْوِتْرُ الَّذِي هُوَ السَّبْعَةُ وَقُلْنَا بِجَوَازِ إيتَارِ الْكَفَنِ إلَيْهِ خَاصٌّ بِالْمَرْأَةِ، وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: وَغَايَةُ الرَّجُلِ خَمْسَةٌ: قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَلِفَافَتَانِ وَالْمَرْأَةُ سَبْعٌ: دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَحَقْوٌ وَأَرْبَعُ لَفَائِفَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَمَّرَ بِالْعُودِ وَالْعَنْبَرِ وَتُبْسَطَ اللَّفَائِفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَحَقْوٌ يَعْنِي الْإِزَارَ وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَالْعَصَائِبُ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا وَجْهُهُ فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي هَذِهِ الْأَثْوَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ سَنَدٌ تُبْسَطُ الْأَكْفَانُ وَيُجْعَلُ أَسْفَلُهَا أَحْسَنَهَا؛ لِأَنَّ أَحْسَنَ ثِيَابِ الْحَيِّ يَكُونُ ظَاهِرَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ثُمَّ يُعْطَفُ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ بِضَمِّ الْأَيْسَرِ إلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْمَنِ إلَى الْأَيْسَرِ كَمَا يَلْتَحِفُ فِي حَيَاتِهِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ وَإِنْ عُطِفَ الْأَيْمَنُ أَوَّلًا فَلَا بَأْسَ وَيُفْعَلُ هَكَذَا فِي كُلِّ الثَّوْبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْوَاضِحَةِ وَنَحْوِهِ لِأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِذَا فَرَغْت مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ نَشَّفْت بَلَلَهُ فِي ثَوْبٍ، وَعَوْرَتُهُ مَسْتُورَةٌ وَقَدْ أَجْمَرْت ثِيَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتُرِكَ وَإِنْ أَجْمَرْتهَا شَفْعًا فَلَا حَرَجَ ثُمَّ تُسْقِطُ الثَّوْبَ الْأَعْلَى قَالَ أَشْهَبُ: اللِّفَافَةُ الَّتِي هِيَ أَوْسَعُ أَكْفَانِهِ ثُمَّ الْأَوْسَعُ فَالْأَوْسَعُ مِنْ بَاقِيهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَيَذَرُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْحَنُوطِ ثُمَّ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ هَكَذَا إلَى الَّذِي يَلِي جِسْمَهُ فَيَذَرُ عَلَيْهِ أَيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ جَعْلِ الْحَنُوطِ فِي مَسَاجِدِهِ وَمَرَاقِّهِ وَمَسَامِّهِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ ثُمَّ يُعْطَفُ بِاَلَّذِي يَلِي جَسَدَهُ ثُمَّ يُضَمُّ الْأَيْسَرُ إلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْمَنُ عَلَيْهِ كَمَا يَلْتَحِفُ فِي حَيَاتِهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَإِنْ عَطَفْت الْأَيْمَنَ أَوَّلًا فَلَا بَأْسَ وَيُفْعَلُ هَكَذَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ الْحَنُوطُ إلَى الثَّوْبِ الْأَخِيرِ فَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَفَنِهِ حَنُوطًا ثُمَّ يُشَدُّ الثَّوْبُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ فَإِذَا أَلْحَدْته فِي الْقَبْرِ حَلَلْته، قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ تَرَكْت عَقْدَهُ فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ تَتَبَيَّنْ أَكْفَانُهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْقُرْطُبِيِّ وَيُخَاطُ الْكَفَنُ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا يُتْرَكُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ انْتَهَى.

ص (وَحَنُوطٌ دَاخِلَ كُلِّ لِفَافَةٍ وَعَلَى قُطْنٍ يُلْصَقُ بِمَنَافِذِهِ وَالْكَافُورُ فِيهِ وَفِي مَسَاجِدِهِ وَحَوَاسِّهِ وَمَرَاقِّهِ) ش: صِفَةُ التَّحْنِيطِ وَالتَّكْفِينِ

بِاخْتِصَارٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَالْمَدْخَلِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَيَذْرُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْحَنُوطِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ هَكَذَا إلَى الْأَعْلَى الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ فَيَذْرُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ جَعَلَ الْحَنُوطَ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ وَالْكَافُورَ فَوَاسِعٌ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ يَجْعَلُ الْكَافُورَ عَلَى مَسَاجِدِهِ مِنْ وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ وَيَجْعَلُ مِنْهُ فِي عَيْنَيْهِ وَفِي فَمِهِ وَأُذُنَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَإِبِطَيْهِ وَرُفْغَيْهِ، وَعَلَى الْقُطْنِ الَّذِي يَجْعَلُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ لِئَلَّا يَسِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَيَشُدُّهُ بِخِرْقَةٍ إلَى حُجْزَةِ مِئْزَرِهِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: وَيَشُدُّ دُبُرَهُ بِقُطْنَةٍ فِيهَا دَرِيرَةٌ وَيُبَالِغُ فِيهِ بِرِفْقٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَسُدُّ مَسَامَّ رَأْسِهِ بِقُطْنٍ عَلَيْهِ كَافُورٌ وَأُذُنَيْهِ وَمَنْخَرَيْهِ انْتَهَى.
وَصِفَةُ التَّكْفِينِ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً، وَيَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الْكَافُورِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْكَافُورُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَرْدَعُ الْمَوَادَّ فَيَجْعَلُهَا عَلَى فَمِهِ ثُمَّ يَأْخُذَ قُطْنَةً أُخْرَى فَيَجْعَلَ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَيَسُدَّ بِهَا أَنْفَهُ ثُمَّ أُخْرَى مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَيُرْسِلَهَا فِي أَنْفِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً فَيَشُدَّ عَلَى الْأَنْفِ وَالْفَمِ ثُمَّ يَعْقِدَهَا مِنْ خَلْفِ عُنُقِهِ عَقْدًا وَثِيقًا فَتَبْقَى كَأَنَّهَا اللِّثَامُ ثُمَّ يَجْعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ خِرْقَةً ثَانِيَةً بَعْدَ وَضْعِ الْقُطْنِ وَالْكَافُورِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَيَعْقِدُهَا عَقْدًا جَيِّدًا فَتَصِيرَ كَالْعِصَابَةِ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً ثَالِثَةً فَيَشُدَّ بِهَا وَسَطَهُ ثُمَّ يَأْخُذَ خِرْقَةً رَابِعَةً فَيَعْقِدَهَا فِي هَذِهِ الْخِرْقَةِ الْمَشْدُودِ بِهَا وَسَطُهُ، أَوْ يَخِيطَهَا فِيهَا ثُمَّ يُلْجِمَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ قُطْنَةً وَتَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ، أَوْ الْكَافُورِ وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْعُضْوَ وَيَسُدُّهُ فَيَجْعَلُهُ عَلَى بَابِ الدُّبُرِ وَيُرْسِلُ ذَلِكَ قَلِيلًا بِرِفْقٍ وَيَزِيدُ لِلْمَرْأَةِ سَدَّ الْقُبُلِ بِقُطْنَةٍ أُخْرَى وَيَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدُّبُرِ سَوَاءٌ ثُمَّ يُلْجِمُهُ عَلَيْهِ بِالْخِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ يَرْبِطُهَا رَبْطًا وَثِيقًا وَلْيَحْذَرْ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ إدْخَالِهِمْ فِي دُبُرِهِ قُطْنًا، وَكَذَلِكَ فِي حَلْقِهِ وَإِبِطِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَإِخْرَاقِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي تَكْفِينِهِ فَيَشُدُّ عَلَى وَسَطِهِ مِئْزَرًا، أَوْ يُلْبِسُهُ سَرَاوِيلَ وَهُوَ أَسْتَرُ لَهُ ثُمَّ يُلْبِسُهُ الْقَمِيصَ ثُمَّ يُعَمِّمُهُ فَيَجْعَلُ لَهُ مِنْ الْعِمَامَةِ ذُؤَابَةً وَتَحْنِيكًا كَالْحَيِّ إلَّا أَنَّهَا هُنَا لَا تُرْخَى بَلْ يَشُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْثِقُ فِي عَقْدِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ ذَقَنُهُ فَيُفْتَحَ فَاهُ ثُمَّ يُعَمِّمُهُ بِبَاقِي الْعِمَامَةِ وَيَشُدُّهَا شَدًّا وَثِيقًا ثُمَّ يَبْسُطُ الذُّؤَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ فَيَسْتُرُ وَجْهَهُ بِهَا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَا يَفْضُلُ مِنْ الْمِقْنَعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ يَسْتُرُ بِهَا وَجْهَهَا ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلَى مَوْضِعِ الْكَفَنِ فَيَجْعَلُهُ عَلَيْهِ وَيُحَنِّطُهُ وَمَوَاضِعُ الْحَنُوطِ خَمْسٌ: الْأَوَّلُ ظَاهِرُ جَسَدِ الْمَيِّتِ، الثَّانِي: بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَلَا يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَفَنِ، الثَّالِثُ: الْمَسَاجِدُ السَّبْعَةُ وَهِيَ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ وَالْكَفَّانِ مَعَ الْأَصَابِعِ وَالرُّكْبَتَانِ وَأَطْرَافُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، الرَّابِعُ: مَنَافِذُ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا، الْخَامِسُ: الْأَرْفَاغُ وَهِيَ مَغَابِنُ الْجَسَدِ خَلْفَ أُذُنَيْهِ وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَتَحْتَ إبِطَيْهِ وَفِي سُرَّتِهِ وَفِيمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَأَسَافِلِ رُكْبَتَيْهِ وَقَعْرِ قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ الطِّيبِ فَإِنْ قَلَّ عَنْ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى الْأَرْفَاغِ وَالْمَسَاجِدِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ثُمَّ يَأْخُذُ طَرَفَ أَحَدِ كُمَّيْهِ فَيَرْبِطُهُ بِطَرَفِ الْكُمِّ الْآخَرِ رَبْطًا وَثِيقًا ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً طَوِيلَةً فَيَرْبِطُهَا فِي مَوْضِعِ رِبَاطِ الْكُمَّيْنِ ثُمَّ يَمُدُّهَا إلَى إبْهَامِ رِجْلَيْهِ فَيَرْبِطُهَا فِيهِمَا رَبْطًا جَيِّدًا وَثِيقًا لِئَلَّا تَتَحَرَّكَ أَطْرَافُهُ وَتَتَعَرَّى، هَذَا إذَا لَبِسَ الْقَمِيصَ وَأَمَّا إذَا أُدْرِجَ فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ فَإِذَا جَاءَ إلَى لَحْدِهِ أَزَالَ الرِّبَاطَ عَنْهُ وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جَعْلِ الْقُطْنِ الْكَثِيرِ عَلَى وَجْهِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَعْلُوَ وَعَلَى رُكْبَتَيْهِ وَتَحْتَ حَنَكِهِ وَتَحْتَ رَقَبَتِهِ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُهُ وَكَتِفَاهُ بِالسَّوَاءِ وَكَذَلِكَ مَا يَجْعَلُونَهُ مِنْ الْقُطْنِ عِنْدَ سَاقِهِ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا حَتَّى يَصِيرَ بَطْنُهُ وَرَأْسُهُ وَرِجْلَاهُ بِالسَّوَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ وَفِيهِ مُحَرَّمَانِ: وَهُمَا إضَاعَةُ الْمَالِ وَأَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَهُمْ الْوَرَثَةُ إنْ كَانَ فِيهِمْ قَاصِرُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَاصِرُونَ وَرَضُوا بِذَلِكَ فَفِيهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْبِدْعَةِ ثُمَّ

يَرْبِطُ الْكَفَنَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَمِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ رَبْطًا وَثِيقًا، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي نَقْلِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الْبَيْتِ إلَى النَّعْشِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِرِفْقٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ وَوَقَارٍ انْتَهَى.
ص (وَمَشْيُ مُشَيِّعٍ) ش: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَأَبَى، ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَهَا» انْتَهَى.
ص (وَإِسْرَاعُهُ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ -: السُّنَّةُ فِي الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ كَالشَّابِّ الْمُسْرِعِ فِي حَاجَتِهِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَقَدُّمُهُ) ش: أَيْ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلْمُشَيِّعِ لِلْجِنَازَةِ إذَا كَانَ مَاشِيًا أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمَامَهَا قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ فَلَا يُكْرَهُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ قَالَ: أَمَامَهَا السُّنَّةُ وَخَلْفَهَا وَاسِعٌ، وَاَلَّذِي قَالَهُ بَيِّنٌ وَنَظِيرُهُ مَنْ قَدَرَ أَنْ يَجْلِسَ فِي الصَّلَاةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَجَلَسَ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَالْأَوَّلُ كَانَ أَفْضَلَ انْتَهَى.
ص (وَتَأَخُّرُ رَاكِبٍ وَامْرَأَةٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْشِيَ أَمَامَهَا وَلْيَمْشِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ الْجِنَازَةِ وَهَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُنَّ؛ وَلِأَنَّ شَأْنَهُنَّ التَّأْخِيرُ فِي الْمَقَامِ عَنْ الرِّجَالِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: فَإِنْ رَكِبَ مَعَهَا كَانَ خَلْفَهَا خَلْفَ الْمُشَاةِ، أَوْ يَتَقَدَّمُهُمْ وَلَا يَصْحَبُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَيَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ الرِّجَالِ انْتَهَى

ص (وَيَسْتُرُهَا بِقُبَّةٍ) ش: وَلَا بَأْسَ بِسَتْرِ النَّعْشِ لِلرَّجُلِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ إنْزَالِ الْمَيِّتَةِ فِي قَبْرِهَا بِثَوْبٍ وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَمَا أَكْرَهُ أَنْ يُسْتَرَ الْقَبْرُ فِي دَفْنِ الرِّجَالِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي وَذَلِكَ وَاسِعٌ فِي الرَّجُلِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَتْرُ قَبْرٍ لِلْمَرْأَةِ بِثَوْبٍ مِمَّا يَنْبَغِي فِعْلُهُ انْتَهَى

ص (وَابْتِدَاءٌ بِحَمْدِ اللَّهِ وَصَلَاةٍ عَلَى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا تُكَرَّرُ الصَّلَاةُ وَلَا التَّحْمِيدُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُقْرَأُ عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ نَاقِلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيِّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِيهِ الْكَرَاهَةُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَالْمَيِّتُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَقَالَ أَشْهَبُ اقْرَءُوا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ انْتَهَى.
وَمِنْهُ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَأْمُورٌ بِهَا فَهِيَ فِيمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ مِنْ الشُّرُوطِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءُ فِيهَا كَالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَكَوْنُهَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ أَشْهَبُ: يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ كَالشَّافِعِيِّ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَرَعًا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ

ص (وَوُقُوفٌ أَمَامَ الْوَسْطِ وَمَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقِفُ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ وَفِي الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: قَيَّدْنَاهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا بِسُكُونِ السِّينِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ كَذَا رَدَّهُ عَلَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ صَاحِبِ الْإِحْبَاسِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَسْطُ الدَّارِ

وَوَسَطُهَا سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ يُقَالُ جَلَسْت وَسْطَ الْقَوْمِ بِالتَّسْكِينِ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَجَلَسْت وَسَطَ الدَّارِ بِالتَّحْرِيكِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلُحَ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسْطٌ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسَطٌ بِالتَّحْرِيكِ وَرُبَّمَا سَكَنَ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْوَسْطُ بِالسُّكُونِ يُقَالُ فِيمَا هُوَ مُتَفَرِّقُ الْأَجْزَاءِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ كَالنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلَ الْأَجْزَاءِ كَالدَّارِ وَالرَّأْسِ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ بِالسُّكُونِ، وَمَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْآخَرِ وَكَأَنَّهُ الْأَشْبَهُ انْتَهَى

[فَرْعٌ الْقِيَام فِي صَلَاة الْجِنَازَة]

(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَالْقِيَامُ فَرْضٌ فِيهَا فَلَوْ صَلَّى جَالِسًا أَعَادَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَلَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الِاسْتِقْبَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ تَقَدُّمُ الْمُصَلِّي عَلَى الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ تَقَدُّمُ الْمُصَلِّي عَلَى الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ فِيهِ مَكْرُوهَانِ أَحَدُهُمَا تَقَدُّمُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالثَّانِي تَقَدُّمُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَكْرُوهًا فَقَطْ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ إمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ.
السَّادِسَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَرَأْسُهُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَلَدِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُلَاصِقُ الْجِنَازَةَ وَلْيَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فُرْجَةٌ انْتَهَى ص (رَأْسُ الْمَيِّتِ عَنْ يَمِينِهِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَأَجْزَأَتْ إنْ صَلَّى عَلَيْهَا مَنْكُوسًا رَأْسُهُ مَوْضِعَ رِجْلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ ص (وَحَثْوُ قَرِيبٍ فِيهِ ثَلَاثًا) ش: هَذَا الْقَوْلُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْعُمْدَةِ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَاَلَّذِينَ يَلُونَ دَفْنَهَا يَلُونَ رَدَّ التُّرَابِ عَلَيْهَا وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَمِنْ شَأْنِهِمْ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْقَبْرِ لِيَشْتَدَّ رُوِيَ أَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَمَسَّ أَحَدٌ الْقَبْرَ بِيَدِهِ بَعْدَ رَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَتَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ) ش: أَيْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُهَيَّأَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيَجُوزُ حَمْلُ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ فَاجَأَهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد.
لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْبِرِّ وَالتَّوَدُّدِ لِلْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَعَدُّوهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْوَلَائِمِ أَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عَلَى الْقَبْرِ فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْإِنْسَانُ فِي بَيْتِهِ وَيُطْعِمُهُ لِلْفُقَرَاءِ صَدَقَةً عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَلَا مُفَاخَرَةً وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ النَّاسَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ: وَعَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهَا عِنْدَ الْقَبْرِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ الْخِرْفَانَ وَالْخُبْزَ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِذَا أَتَوْا إلَى الْقَبْرِ ذَبَحُوا مَا أَتَوْا بِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ

وَفَرَّقُوهُ مَعَ الْخُبْزِ وَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُزَاحَمَةٌ وَضِرَابٌ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيُحْرَمُهُ الْمُسْتَحِقُّ فِي الْغَالِبِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» انْتَهَى.
وَالْعَقْرُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي أَفْعَالِ الْقُرَبِ الْإِسْرَارُ بِهَا دُونَ الْجَهْرِ فَهُوَ أَسْلَمُ وَالْمَشْيُ بِذَلِكَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ جَمْعٌ بَيْنَ إظْهَارِ الصَّدَقَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ فِي الْبَيْتِ سِرًّا لَكَانَ عَمَلًا صَالِحًا سَلِمَ مِنْ الْبِدْعَةِ أَعْنِي أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ سُنَّةً، أَوْ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - انْتَهَى

ص (وَتَعْزِيَةٌ) ش: عَدَّ الْمُصَنِّفُ التَّعْزِيَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهَا صَاحِبُ الْإِرْشَادِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ أَمَّا اسْتِحْبَابُهَا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ انْتَهَى.
وَعَلَى اسْتِحْبَابِهَا مَشَى الشَّارِحُ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ: وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَنَصُّهُ: التَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي التَّعْزِيَةِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ ابْنُ شَاسٍ سُنَّةٌ انْتَهَى.
وَالتَّعْزِيَةُ - قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ - هِيَ الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ: وَالتَّعْزِيَةُ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا تَهْوِينُ الْمُصِيبَةِ عَلَى الْمُعَزَّى، وَتَسْلِيَتُهُ مِنْهَا، وَتَحْضِيضُهُ عَلَى الْتِزَامِ الصَّبْرِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِهِ.
وَالثَّانِي: الدُّعَاءُ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ اللَّهُ مِنْ مُصَابِهِ جَزِيلَ الثَّوَابِ وَيُحْسِنَ لَهُ الْعُقْبَى وَالْمَآبَ.
وَالثَّالِثُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَالتَّرَحُّمُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا أَلْفَاظُ التَّعْزِيَةِ فَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَلْفَاظًا فِي التَّعْزِيَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، ثُمَّ قَالَ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ مَنْطِقِ الرَّجُلِ وَمَا يَحْضُرُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ وَقَدْ اسْتَحْسَنْت أَنْ أَقُولَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك عَلَى مُصِيبَتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا، وَعُقْبَاك مِنْهَا غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَرَحِمَهُ، وَجَعَلَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ جَاءَ فِي تَعْزِيَةِ الْمُصَابِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ، وَجَاءَ أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّاهُ لِبَاسَ التَّقْوَى، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَزَّى قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْبَاقِي وَآجَرَك فِي الْفَانِي «وَعَزَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً فِي ابْنِهَا فَقَالَ: إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلَكِ أَجَلٌ مُسَمًّى، وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعٌ، فَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي، فَإِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ» . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ إذَا عَزَّى قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَجَبَرَ مُصِيبَتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا، وَأَعْقَبَكَ عَقِبًا نَافِعًا لِدُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ وَكَانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عُقْبَاك وَغَفَرَ لِمُتَوَفَّاك قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكُلٌّ وَاسِعٌ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَبِقَدْرِ مَنْطِقِهِ، وَأَنَا أَقُولُ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك عَلَى مُصِيبَتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك عَنْهَا وَعُقْبَاك مِنْهَا، غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَرَحِمَهُ وَجَعَلَ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَحْسَنُ التَّعْزِيَةِ مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ آجَرَكُمْ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ انْتَهَى.
وَزَادَ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَاتَ وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ وَعِوَضًا

مِنْ كُلِّ فَائِتٍ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا؛ فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّعْزِيَةِ أَلْفَاظٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَحْسَنُ التَّعْزِيَةِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «آجَرَكُمْ اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِكُمْ وَأَعْقَبَكُمْ خَيْرًا مِنْهَا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ» انْتَهَى

[فُرُوعٌ]

[الْأَوَّلُ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) فِي الْجُلُوسِ لِلتَّعْزِيَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ لِلتَّعْزِيَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى.

[الثَّانِي مَحَلِّ التَّعْزِيَةِ]

(الثَّانِي) فِي مَحَلِّ التَّعْزِيَةِ وَمَحَلُّهَا فِي الْبَيْتِ وَإِنْ جُعِلَتْ عَلَى الْقَبْرِ فَوَاسِعٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَالْأَدَبُ فِي التَّعْزِيَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عُلَمَاؤُنَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ رُجُوعِ وَلِيِّ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ إلَى بَيْتِهِ وَهِيَ جَائِزَةٌ قَبْلَ الدَّفْنِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبِهَا تَأْخِيرٌ عَنْ مُوَارَاتِهِ فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ مُنِعَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا وَتَجُوزُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ إلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنَصُّهُ: عَلَى مَا فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَذَلِكَ وَاسِعٌ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا فِي الْأَدَبِ فَفِي الْمَنْزِلِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ بِلَفْظِ ابْنِ حَبِيبٍ وَالتَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاسِعٌ فِي الدِّينِ وَالْأَدَبُ فِي الْمَنْزِلِ وَنَقَلَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَالطِّرَازِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ جَوَازُهَا قَبْلَ الدَّفْنِ وَقَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ.
وَتَجُوزُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا يُعَزَّى بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ وَمَا قُلْنَاهُ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ عَقِيبَ الدَّفْنِ يَكْثُرُ الْجَزَعُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ مُفَارَقَةِ شَخْصِهِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعْيِينَ وَقْتِ التَّعْزِيَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حِينَ يَمُوتُ إلَى حِينِ يُدْفَنُ عَقِيبَ الدَّفْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُعَزَّى بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ.
(قُلْت) وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا؛ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» فَإِنَّهُ عَامٌّ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقِيبَ وَقْتٍ يَكْثُرُ الْجَزَعُ وَالْهَلَعُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ مُفَارَقَةِ شَخْصِ الْمَيِّتِ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ بِالْإِيَاسِ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ التَّعْزِيَةُ حِينَئِذٍ لِئَلَّا يَتَسَخَّطَ الْمُصَابُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَأْثَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَكَأَنَّ الْفَاكِهَانِيَّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[الثَّالِث مَنْ عَلَيْهِ التَّعْزِيَة]

(الثَّالِثُ) فِيمَنْ يُعَزَّى قَالَ سَنَدٌ: وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ مِمَّنْ يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ وَيَفْهَمُهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا تُعَزَّى الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَتُعَزَّى الْمُتَجَالَّةُ، وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ قَالَ: وَكَذَلِكَ السَّلَامُ عَلَيْهِنَّ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُعَزِّيَ الشَّابَّةَ إلَّا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَيُخَصُّ بِالتَّعْزِيَةِ أَجْزَعُهُمْ وَأَضْعَفُهُمْ عَنْ احْتِمَالِ الْمُصِيبَةِ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِي تَعْزِيَتِهِمْ أَكْثَرُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِلَفْظِ وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَمَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَالْمُتَجَالَّةُ بِخِلَافِ الشَّابَّةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِلَفْظِ: وَيُعَزَّى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ وَالْمَرْأَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ شَابَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَزَادَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ وَمَا عَزَاهُ سَنَدٌ لِسَحْنُونٍ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهَا وَنَصُّهُ: وَفِي كِتَابِ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا تُعَزَّى الشَّابَّةُ وَتُعَزَّى الْمُتَجَالَّةُ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ كَالسَّلَامِ عَلَيْهَا انْتَهَى

[الرَّابِع التَّعْزِيَةِ بِالنِّسَاءِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ]

(الرَّابِعُ) فِي التَّعْزِيَةِ بِالنِّسَاءِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أُصِيبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمَّا دُفِنَتْ وَرَجَعَ مَعَهُ الْقَوْمُ فَأَرَادُوا تَعْزِيَتَهُ عِنْدَ مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَقَالَ إنَّا لَا نُعَزَّى فِي النِّسَاءِ وَفَعَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مَا أَتَى بِكَ؟ . فَقَالَ: لِأُشَارِككَ فِي مُصِيبَتِكَ وَأُعَزِّيَكَ بِابْنَتِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَهْلًا فَإِنَّا لَا نُعَزَّى فِي النِّسَاءِ وَلِغَيْرِ

ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ فَبِالْأُمِّ، قَالَ غَيْرُهُ: وَكُلٌّ وَاسِعٌ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَذْكُرْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِيُعَزَّى الْمُسْلِمُونَ فِي مَصَائِبِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ بِي» وَجَعَلَ الْمُصِيبَةَ بِالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ مُصِيبَةً انْتَهَى كَلَامُ النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُخْتَصَرًا وَنَصُّهُ: قَالَ - يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ وَأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ -: التَّعْزِيَةُ فِي الْمَرْأَةِ غَيْرَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَبِالْأُمِّ غَيْرُهُ كُلٌّ وَاسِعٌ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِيَتَعَزَّى الْمُسْلِمُونَ فِي مَصَائِبِهِمْ بِالْمُصِيبَةِ بِي» وَجَعَلَ مُصِيبَةَ الزَّوْجَةِ وَالْقَرِينِ الصَّالِحِ مُصِيبَةً انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّى الرَّجُلُ فِي صَدِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَائِبِ، وَكَذَلِكَ يُعَزَّى الرَّجُلُ فِي زَوْجَتِهِ الصَّالِحَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَصَائِبِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحُرَّ يُعَزَّى بِالْعَبْدِ

[الْخَامِس تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ أَوْ بِالْكَافِرِ]

(الْخَامِسُ) فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ، أَوْ بِالْكَافِرِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُعَزَّى بِأَبِيهِ الْكَافِرِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] انْتَهَى.
زَادَ سَنَدٌ بَعْدَ قَوْلِ الْمَجْمُوعَةِ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] : فَمَنَعَهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَقَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يُهَاجِرُوا يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ لَا يُعَزَّى بِالْمُسْلِمِ الْقَرِيبِ لِتَرْكِ الْهِجْرَةِ فَمَا الظَّنُّ بِالْكَافِرِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَهُوَ أَبْعَدُ وَأَسْحَقُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ فِي دُنْيَاهُ فَيَكُونُ فَقْدُهُ مُصِيبَةً فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ يُعَزَّى بِهِ وَكَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ فِي وَلِيِّهِ يَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا عَزَّى ذِمِّيًّا بِمُسْلِمٍ قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك انْتَهَى.
وَمَا عَزَاهُ لِكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ هُوَ فِي النَّوَادِرِ بِزِيَادَةِ: إنْ كَانَ لَهُ جِوَارٌ وَنَصُّهُ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ فِي وَلِيِّهِ إنْ كَانَ لَهُ جِوَارٌ يَقُولُ لَهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ هِيَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَأَطَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْكَلَامَ عَلَيْهَا وَاخْتَارَ تَعْزِيَتَهُ بِهَا وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَهْلَكُ أَبُوهُ وَهُوَ كَافِرٌ أَتَرَى أَنْ يُعَزَّى بِهِ فَيَقُولُ: آجَرَك اللَّهُ فِي أَبِيكَ؟ . قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَزِّيَهُ يَقُولُ اللَّهُ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرِثُوهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يُهَاجِرُوا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُعَزَّى بِأَبِيهِ الْكَافِرِ لَيْسَ بَيِّنًا؛ لِأَنَّ التَّعْزِيَةَ تَجْمَعُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ وَذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأَشْيَاءَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَنْهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّعْزِيَةِ فِي أَوَّلِ الْقَوْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْكَافِرُ يُمْنَعُ فِي حَقِّهِ الشَّيْءُ الْأَخِيرُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113] وَلَيْسَ مَنْعُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ الْكَافِرِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ بِاَلَّذِي يَمْنَعُ مِنْ تَعْزِيَةِ ابْنِهِ الْمُسْلِمِ بِمُصَابِهِ بِهِ؛ إذْ لَا مُصِيبَةَ عَلَى الرَّجُلِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ الَّذِي كَانَ يَحِنُّ عَلَيْهِ وَيَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ كَافِرًا فَلَا يَجْتَمِعُ بِهِ فِي أُخْرَاهُ فَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةَ وَيُسَلِّيهِ مِنْهَا وَيُعَزِّيهِ فِيهَا بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ الْأَبْرَارِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْآبَاءِ الْكُفَّارِ وَيَحُضُّهُ عَلَى الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَيَدْعُو لَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ إلَى اللَّهِ؛ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْجَرَ الْمُسْلِمُ بِمَوْتِ أَبِيهِ الْكَافِرِ إذَا شَكَرَ اللَّهَ وَسَلَّمَ لِأَمْرِهِ وَرَضِيَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ الْمُسْلِمُ يُصَابُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَحَامَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ» وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَهَلْ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُجِرَ بِمَوْتِ عَمِّهِ

أَبِي طَالِبٍ لِمَا وُجِدَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُزْنِ وَالْإِشْفَاقِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَزِّيَ جَارَهُ الْكَافِرَ بِمَوْتِ أَبِيهِ الْكَافِرِ لِذِمَامِ الْجِوَارِ فَيَقُولَ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَالْمُسْلِمُ بِالتَّعْزِيَةِ أَوْلَى وَهُوَ بِذَلِكَ أَحَقُّ وَأَحْرَى وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ مَنْسُوخَةٌ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَقَامَ النَّاسُ بُرْهَةً لَا يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَعْرَابِيَّ وَلَا الْأَعْرَابِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فَنَزَلَتْ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فَاحْتَجَّ بِالْمَنْسُوخِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا نُسِخَ وُجُوبُهُ جَازَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ، وَفِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافٌ وَبَحْثٌ وَاعْتِلَالُهُ بِامْتِنَاعِ الْمِيرَاثِ ضَعِيفٌ؛ إذْ قَدْ يُعَزَّى الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ لَكَانَ أَظْهَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا لِلْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ قَوْلَانِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِجَوَازِهِ بِأَبِيهِ وَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ يَقُولُ بَلَغَنِي مُصَابُك بِأَبِيك أَلْحَقَهُ اللَّهُ بِأَكَابِرِ أَهْلِ دِينِهِ وَخِيَارِ ذَوِي مِلَّتِهِ وَسَحْنُونٌ يَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ لَكَ الْمُصِيبَةَ وَجَزَاك أَفْضَلَ مَا جَزَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِهِ.
(قُلْت) فِي الْأَوَّلِ إيهَامُ كَوْنِ أَهْلِ مِلَّتِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْمِلَّةِ فِي سَعَادَةٍ وَإِلَّا كَانَ دُعَاءً عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ: تَعْزِيَةُ الْمُسْلِمِ بِأَبِيهِ الْكَافِرِ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِجَزِيلِ الثَّوَابِ فِي مُصَابِهِ وَيُهَوِّنُ مُصَابَهُ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَرِيبٍ وَأَبٍ كَافِرٍ لَا بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ.
(قُلْت) فِي التَّعْزِيَةِ بِمَنْ مَاتَ لِلْأَنْبِيَاءِ نَظَرٌ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ.
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَتَخْرِيجُهُ لَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ لِجِوَارِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعَزَّى بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُخَرَّجُ عَلَيْهَا وَهِيَ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ بِجِوَارِهِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ: إنَّهُ يُعَزَّى بِهِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ صَدَّرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِتَعْزِيَةِ الْكَافِرِ فِي وَلِيِّهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، ثُمَّ حَكَى فِي آخِرِ كَلَامِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ وَنَصُّهُ: وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً وَلَا يُعَزَّى مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يُعَزَّى؛ لِأَنَّ مُصِيبَتَهُ بِمَوْتِهِ كَافِرًا أَعْظَمُ انْتَهَى.
وَتَبِعَ فِي التَّصْحِيحِ بِعَدَمِ تَعْزِيَتِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَنَصُّهُ: وَيُعَزَّى مِنْ النِّسَاءِ بِالْأُمِّ خَاصَّةً لَا مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ سَحْنُونٍ وَيُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ الْمُعَزَّى بِهِ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ اسْتِحْقَاقَ تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ إذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِتَعْزِيَةِ الذِّمِّيِّ بِالْمُسْلِمِ وَبِالذِّمِّيِّ انْتَهَى.
وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِكَلَامِ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَكَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ كَيْفِيَّةَ تَعْزِيَتِهِ بِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إلَّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لَقَالَ: وَيُعَزَّى بِهِ كَمَا يُعَزَّى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْوَاوِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ بِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كَيْفِيَّةِ تَعْزِيَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعْزِيَةَ لَا تَخْتَصُّ بِلَفْظٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ بَلْ بِقَدْرِ مَا يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَبِقَدْرِ مَنْطِقِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّصَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا لِلشَّافِعِيِّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ وَمَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُ سَنَدٍ هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِ

الشَّيْخِ زَرُّوق الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: وَيُعَزَّى الْكَافِرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُزِّيَ بِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ فَلَأَنْ يُعَزَّى بِوَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِرْجَاعِ لِلْمُصَابِ فَقَالَ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 156] الْآيَةَ وَهَذَا مِنْ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ وَالِاحْتِسَابِ، وَإِنَّمَا الْمُصِيبَةُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابُ يُرِيدُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَا أَسْلَفَ عَلَيْهِ وَلَا اسْتَفَادَ عِوَضًا مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى فِي أَوَائِلِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» لَا يَجِبُ الِاسْتِرْجَاعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 156] الْآيَةَ وَإِنَّمَا يَجِبُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمُ انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا ذَكَرَتْ وُصُولَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطِّلِ إلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ: إنَّهُ اسْتَرْجَعَ، فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي الدُّنْيَا سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِهِ، أَوْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ انْتَهَى

ص (وَضَجْعٌ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى سَتْرِ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّعْشَ يُوضَعُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْرِ يَكُونُ رَأْسُ الْجِنَازَةِ عَلَى جَانِبِهِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ وَيُسَلُّ الْمَيِّتُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ بِطُولِ الْقَبْرِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَيُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا وَذَكَرَ خَبَرًا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِأَحَادِيثَ احْتَجَّ بِهَا الْجَمَاعَةُ وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْفُرُوعِ وَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَوَجُّهٍ بَلْ دُخُولٌ فَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا، أَوْ لَا يَدْخُلُ الْمَيِّتُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْأَسْهَلُ فَالْأَسْهَلُ انْتَهَى.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْمَدْخَلِ

[فَرْعٌ هَلْ لِمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ بِالْمَيِّتِ عَدَدٌ مَحْصُورٌ]

(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَهَلْ لِمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ بِالْمَيِّتِ عَدَدٌ مَحْصُورٌ؟ . ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونُوا وِتْرًا: ثَلَاثَةً، أَوْ خَمْسَةً إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَخْصِيصٌ؛ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِمَا تَيَسَّرَ

ص (وَتُدُورِكَ إنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ كَتَنْكِيسِ رِجْلَيْهِ وَكَتَرْكِ الْغُسْلِ وَدَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ إنْ لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ) ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ قَيْدٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَدَفْنُ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَهُ فِي الصَّغِيرِ.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ فَإِنَّمَا يُتَدَارَكُ فِي الْحَضْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُسَوُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيُفْرَغَ فَإِنْ سَوَّوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ وَفُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ تُرِكَ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَغَيْرَهُ.

[فَرْعٌ مَنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ]

(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَنْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يَفُوتُ ذَلِكَ بِالدَّفْنِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: يَدْعُونَ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَقِيلَ: يُخْرَجُ إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهُ الثَّالِثُ إلَّا أَنْ يَطُولَ يُخْرَجُ نَقَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ ابْنُ نَاجِي وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ يُخْرَجُ مُطْلَقًا وَإِنْ تَغَيَّرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

ص (وَسَدُّهُ بِلَبِنٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَيُسْتَحَبُّ سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ، وَلَقَدْ أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ «إنَّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُ وَلَكِنَّهُ أَقَرُّ لِعَيْنِ الْحَيِّ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْ يُحْسِنَهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنْ يُتْقِنَهُ» انْتَهَى ص (وَسَنُّ التُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّابُوتِ) ش: قَالَ الْأَبِيُّ عَنْ عِيَاضٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ: «وَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابِ سَنًّا» السَّنُّ وَالشَّنُّ الصَّبُّ وَقِيلَ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ الصَّبُّ بِسُهُولَةٍ وَبِالْمُعْجَمَةِ التَّفْرِيقُ وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي صَبِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَيِّتِ وَكَرِهَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ التَّرْمِيضَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ وَالطُّوبِ.
(قُلْت) سَنُّ التُّرَابِ فِي الْقَبْرِ صَبُّهُ فِيهِ دُونَ لَحْدٍ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِهِ إلَى الْكَفَنِ فَإِنْ عَنَى بِكَوْنِهِ سُنَّةً السُّنَّةَ عُرْفًا فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ إلَّا وَصِيَّةُ عُمَرَ وَبِهَذِهِ وَغَايَتُهَا أَنَّهُ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ وَقَدْ يُرِيدُ بِالسَّنِّ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَوْقَ اللَّحْدِ لَا أَنْ يَعْقِدَ الْقَبْرَ كُلَّهُ بِنَاءً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ كَرَاهِيَةِ التَّرْمِيضِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّرْمِيضِ رَفْعَ الْبِنَاءِ فَوْقَ الْقَبْرِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: مَا جَنْبِي الْأَيْمَنُ أَحَقَّ بِالتُّرَابِ مِنْ الْأَيْسَرِ وَأَوْصَى أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ دُونَ غِطَاءٍ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَا يُكْرَهُ بِنَاءُ اللَّحْدِ بِاللَّبِنِ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَفْضَلُ اللُّحُودِ اللَّبِنُ، ثُمَّ الْأَلْوَاحُ، ثُمَّ الْقَرَامِيدُ، ثُمَّ الْقَصَبُ، ثُمَّ السَّنُّ انْتَهَى

ص (وَجَازَ غُسْلُ امْرَأَةٍ ابْنَ كَسَبْعٍ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: أَيْ وَابْنَ ثَمَانٍ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الرِّسَالَةِ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ وَسَبْعٍ؛ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَشْهَبُ: مَا لَمْ يُؤْمَرْ مِثْلُهُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ابْنَ سَبْعٍ اللَّخْمِيُّ وَالْمُنَاهِزُ كَالْكَبِيرِ ص (وَرَجُلٍ كَرَضِيعَةٍ) ش: أَيْ وَفَوْقَهَا بِيَسِيرٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا ص (وَالْمَاءُ السُّخْنُ) ش: وَاسْتَحَبَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِزِيَادَةِ الْإِنْقَاءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُرْخِيهِ وَالْمَطْلُوبُ شَدُّهُ

ص (وَتَكْفِينٌ بِمَلْبُوسٍ) ش: إذَا لَمْ يَكُنْ وَسِخًا وَلَمْ يَخَفْ نَجَاسَةً.
قَالَ سَنَدٌ وَكَانَ سَالِمًا مِنْ الْقَطْعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا الْجَمَاعَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَثَوْبَيْ إحْرَامِهِ رَجَاءَ بَرَكَةِ ذَلِكَ انْتَهَى ص (وَمُزَعْفَرٌ وَمُوَرَّسٌ) ش: هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ كُلُّ مَا صُبِغَ بِطِيبٍ فَجَائِزٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

قَالَ سَنَدٌ ظَاهِرُ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا يُكْرَهُ كُلُّ مَصْبُوغٍ.

ص (وَخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ أَوْ إنْ لَمْ يُخْشَ مِنْهَا الْفِتْنَةُ) ش: قَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ: النِّسَاءُ فِي شُهُودِ الْجِنَازَةِ ثَلَاثَةٌ: مُتَجَالَّةٌ وَشَابَّةٌ، وَرَائِعَةٌ قَدِرَةٌ جَسِيمَةٌ ضَخْمَةٌ.
فَالْمُتَجَالَّةُ تَخْرُجُ فِي جِنَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ وَالشَّابَّةُ تَخْرُجُ فِي جِنَازَةِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَمَنْ أَشْبَهَهُمَا مِنْ قَرَابَتِهَا، وَالْمَرْأَةُ الرَّائِعَةُ الْقُدْرَةِ الضَّخْمَةُ الْجَسِيمَةُ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ أَصْلًا وَالتَّصَرُّفُ فِي كُلِّ حَالٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ فِي الْجَنَائِزِ مَكْرُوهٌ بِكُلِّ حَالٍ انْتَهَى.
ص (وَسَبْقُهَا وَجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا طُلِبَ الرَّجُلُ بِحُضُورِ جَنَائِزَ بِمَقَابِرَ مُتَبَاعِدَةٍ فَعَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ يَمْضِي يَشْهَدُ الْأَفْضَلَ مِنْهَا.
(قُلْت) فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَرُبَتْ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ دَفْنِ جَمِيعِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا نَوَى ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ وَلَهُ أَصْلٌ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْجَنَائِزِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمِيعِ انْتَهَى مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ص (وَنُقِلَ وَإِنْ مِنْ بَدْوٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يُخْلَقُ مِنْ تُرْبَةٍ إلَّا أُعِيدَ فِيهَا وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا غُرْبَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِ، مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بِوَاكِيهِ إلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَقَالَ إذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِنْ وَطَنِهِ إلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ» انْتَهَى

ص (بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ الْبُكَاءُ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ وَنَدْبٍ وَالْجَزَعُ وَضَرْبُ الْخَدِّ وَشَقُّ الثَّوْبِ حَرَامٌ انْتَهَى مِنْ آخِرِ بَابِ الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي حَدِيثِ الْوِسَادَةِ: قَوْلُ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنِّي وَضَعْت رَأْسَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوِسَادَةِ وَقُمْت أَلْتَزِمُ مَعَ النِّسَاءِ الِالْتِزَامُ ضَرْبُ الْخَدِّ بِالْيَدِ وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِي التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الصُّرَاخِ وَالنَّوْحِ وَلَعْنَةِ الْحَالِقَةِ وَالْخَارِقَةِ وَالصَّالِقَةِ وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِصَوْتِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ اللُّزُومَ لَكِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي حَالِ الْمُصِيبَةِ وَتَرْكُهُ أَحْمَدُ إلَّا عَلَى أَحْمَدَ وَالصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي الْمَصَائِبِ كُلِّهَا ... إلَّا عَلَيْك فَإِنَّهُ مَذْمُومُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَفِيمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ» مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

ص (وَجَمْعُ أَمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُورَةٍ وَوَلِيَ الْقِبْلَةَ الْأَفْضَلُ)

ش: وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ فِي قَبْرٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ مُوسَى إنْ جُمِعُوا فِي قَبْرٍ لِضَرُورَةٍ فَالرَّجُلُ لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْمَرْأَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّرْتِيبُ فِي تَعَدُّدِ قُبُورِهِمْ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ وَفِي تَقْدِيمِ أَخْيَارِهِمْ وَنَزَلَتْ هَذِهِ بِشَيْخِنَا ابْنِ هَارُونَ وَزَوْجَتِهِ وَحَضَرَهُ السُّلْطَانُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَسَأَلَ شَيْخَنَا السَّطِّيَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي تَعْيِينِ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْهُمَا فَقَالَ: الْأَمْرُ وَاسِعٌ وَفِيهَا إنْ دُفِنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي قَبْرٍ جُعِلَ الرَّجُلُ لِلْقِبْلَةِ قِيلَ: أَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ صَعِيدٍ؟ . قَالَ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِحَمْلِ مَنْفُوسِ النِّسَاءِ مَعَهَا إنَّ اسْتَهَلَّ جُعِلَ لِنَاحِيَةِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ ذَكَرًا وَإِلَّا أُخِّرَ عَنْهَا وَنُوِيَتْ بِالصَّلَاةِ دُونَهُ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ مَعَهَا وَلَوْ اسْتَهَلَّ انْتَهَى.
(قُلْت) مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هِيَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فِي أَوَاخِرِهِ وَنَقَصَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْهَا وَنَصُّهَا وَإِذَا دُفِنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ جُعِلَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ قِيلَ: فَهَلْ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ الصَّعِيدِ، أَوْ يُدْفَنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَعَصَبَةُ الْمَرْأَةِ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ زَوْجِهَا وَزَوْجُهَا أَحَقُّ مِنْهُمْ بِغُسْلِهَا وَإِدْخَالِهَا فِي قَبْرِهَا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا فَإِنْ اُضْطُرُّوا إلَى الْأَجْنَبِيِّينَ جَازَ أَنْ يُدْخِلُوهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ دَفْنَ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ إذَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَإِمَّا لِغَيْرِهَا فَلَا قَالَهُ أَصْبَغُ وَعِيسَى انْتَهَى.
الْجُزُولِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ اخْتِيَارًا قِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: يَجُوزُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ فَمَكْرُوهٌ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَالشَّيْخُ دَاوُد وَقَالَ الشَّيْخُ وَيُكْرَهُ عِنْدَنَا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ مِنْ ضِيقِ مَكَان، أَوْ تَعَذُّرِ حَافِرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ جَازَ انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيُّ فِي الْجَنَائِزِ فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ.
(فَرْعٌ) وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَيِّتَيْنِ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ أَيْضًا فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ ص (وَبِصَلَاةٍ يَلِي الْإِمَامَ رَجُلٌ فَطِفْلٌ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ: يَعْنِي أَنَّ الْمُصَلِّينَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُفْرِدُوا كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ، أَوْ يُصَلُّوا عَلَيْهَا صَلَاةً وَاحِدَةً قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَيَلِي الْإِمَامَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ فَإِنْ اجْتَمَعَ الْعَالِمُ وَالصَّالِحُ فَفِي تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ وَقَعَ التَّسَاوِي فَالْقُرْعَةُ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ تَفَاضَلَ الصِّغَارُ قُدِّمَ مَنْ عُرِفَ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَشَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ثُمَّ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ الْأَسَنُّ اهـ اُنْظُرْ الْفَاكِهَانِيَّ.

ص (وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ بِلَا حَدٍّ) ش: قَالَ

فِي الْمَدْخَلِ فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْ لِلْعَالِمِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ أَيْ النِّسَاءُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْقُبُورِ وَإِنْ كَانَ لَهُنَّ مَيِّتٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ حَكَمَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِنَّ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ وَآثَارًا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: بِالْمَنْعِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا يُعْلَمُ فِي الشَّرْعِ مِنْ السَّتْرِ وَالتَّحَفُّظِ عَكْسُ مَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي نِسَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَمَّا خُرُوجُهُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ، أَوْ غَيْرَةٌ فِي الدِّينِ بِجَوَازِهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَصِفَةُ السَّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا والْمُسْتأْخِرينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ وَمَا زِدْت، أَوْ نَقَصْت فَوَاسِعٌ، وَالْمَقْصُودُ الِاجْتِهَادُ لَهُمْ فِي الدُّعَاءِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِي قِبْلَةِ الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ فِي نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ إلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا حَضَرَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بِمَا أَمْكَنَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْعُلُومِ الْفَاخِرَةِ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ: وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُبَاحُ لِلْقَوَاعِدِ وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّوَابِّ اللَّوَاتِي يُخْشَى عَلَيْهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ تَقْضِي الْحَثَّ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ مِنْ جُمْلَتِهَا عَنْ الْإِحْيَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ زَارَ أَبَوَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا» وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الرَّجُلَ لِيَمُوتَ وَالِدَاهُ وَهُوَ عَاقٌّ لَهُمَا فَيَدْعُو اللَّهَ لَهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْبَارِّينَ» ثُمَّ قَالَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِهَا وَيُحْضِرَ قَلْبَهُ فِي إتْيَانِهَا وَلَا يَكُونَ حَظُّهُ التَّطْوَافَ عَلَى الْأَجْدَاثِ فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةً تُشَارِكُهُ فِيهَا الْبَهِيمَةُ بَلْ يَقْصِدُ بِزِيَارَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحَ قَلْبِهِ وَنَفْعَ الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ وَمَا يَتْلُو عِنْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيُسَلِّمُ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ وَيُخَاطِبُهُمْ خِطَابَ الْحَاضِرِينَ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَنَّى بِالدَّارِ عَنْ عُمَّارِهَا، وَإِذَا وَصَلَ إلَى قَبْرِ مَعْرِفَتِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَيَأْتِيهِ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَيَعْتَبِرُ بِحَالِهِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ بِزِيَارَتِنَا إيَّاكُمْ؟ . فَقَالَ: نَعْلَمُ بِهِ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ كُلَّهُ وَيَوْمَ السَّبْتِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَعِظَمِهَا وَعَنْ ابْنِ وَاسِعٍ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْأَرْوَاحَ تَزُورُ قُبُورَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الدَّوَامِ وَلِذَلِكَ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبُكْرَةَ السَّبْتِ فِيمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا بِأَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَأَنَّهَا تَطْلُعُ بِرُؤْيَتِهَا وَأَنَّ أَكْثَرَ إطْلَاعِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَهَى.
ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» انْتَهَى.
ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَيْضًا عَنْ

الْحَسَنِ قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الدُّنْيَا وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ أَدْخِلْ عَلَيْهَا رُوحًا مِنْك وَسَلَامًا مِنِّي إلَّا كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ انْتَهَى

ص (وَقَلْمُ ظُفْرِهِ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ إذَا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ يُنَظِّفُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ بِعُودٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُقَلِّمُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِرَأْسِهِ وَيَتَرَفَّقُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ فِي الْمُشْطِ شَعْرٌ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْكَفَنِ لِيُدْفَنَ مَعَهُ انْتَهَى.

ص (وَقِرَاءَةٌ عِنْدَ مَوْتِهِ كَتَجْمِيرِ الدَّارِ وَبَعْدَهُ عَلَى قَبْرِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَجِّ: وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ عَنْ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ كَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُدْفَنُ عِنْدَهُمْ، أَوْ يُدْفَنُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ وُصُولِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ حَصَلَ الْخِلَافُ فِيهَا فَلَا يَنْبَغِي إعْمَالُهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ هَلْ يَقَعُ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ التَّهْلِيلُ الَّذِي عَادَةُ النَّاسِ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ وَيُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ.
هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعِبَادِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَانْظُرْ هَلْ هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ لِلْقَرَافِيّ، أَوْ أَوَّلُهُ فَقَطْ؟ . وَيُشِيرُ بِالتَّهْلِيلِ الْمَذْكُورِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ السَّنُوسِيُّ فِي آخِرِ شَرْحِ عَقِيدَتِهِ الصُّغْرَى وَفِي كِتَابِ الْعُلُومِ الْفَاخِرَةِ ص (كَتَجْمِيرِ الدَّارِ) ش: قَالَ سَنَدٌ: وَهَلْ تُجَمَّرُ الدَّارُ عِنْدَ الْمَوْتِ؟ . قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ هُوَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَرَّبَ إلَيْهِ الرَّوَائِحُ الطَّيِّبَةُ مِنْ بَخُورٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.

ص (وَحَمْلُهَا بِلَا وُضُوءٍ) ش: هَكَذَا قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ

ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ وَلَا يُصَلَّى وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَازَةِ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ حَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ أَشْهَبَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؛ قَالَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةَ أَشْهَبَ وَجَعَلَهُمَا الْمَازِرِيُّ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَكُلٌّ جَارٍ عَلَى أَصْلِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُكْرَهُ لِمَنْ يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَشْهَبَ

ص (وَإِدْخَالُهُ بِمَسْجِدٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ رَوَى أَشْهَبُ أَكْرَهُ الدَّفْنَ فِي الْمَسْجِدِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ رُبَّمَا اتَّخَذَ مَسْجِدًا فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُعْبَدَ ذَلِكَ الْقَبْرُ.
(قُلْت) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ قِيلَ: إنَّهَا نَجِسَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّضَاعِ وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ هَلْ الْمَسْجِدُ فِيهِ ظَرْفٌ لِلْمُصَلِّي، أَوْ لِلْجِنَازَةِ فَيَكُونُ كَرَاهَةُ الدَّفْنِ لِأَجْلِ كَرَاهَةِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ فِي صَرْفِ الْأَحْبَاسِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَبِهِ عَمَلُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ خِلَافًا لِلْقَرَوِيِّينَ فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِيهِ بِوَجْهٍ وَهَذَا فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ بُنِيَتْ لِوَضْعِ الْمَوْتَى فِيهَا صَحَّ إدْخَالُهَا وَالدَّفْنُ فِيهَا إنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي بُنِيَتْ بِالْمَقَابِرِ فَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: اخْتَلَفَ أَشْيَاخُنَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِيهَا فَمَنَعَهُ أَبُو عِمْرَانَ وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْكَاتِبِ انْتَهَى.

ص (وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهِ) ش: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ» وَلَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَدْخُلَ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَكَرِهَهُ عُلَمَاؤُنَا لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ وَحَرْفُ الْجَرِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِصَلَّى، أَوْ بِاسْمِ فَاعِلٍ مُضْمَرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَإِنَّمَا أَذِنَتْ عَائِشَةُ فِي الْمُرُورِ بِالْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا أَمِنَتْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لِقُرْبِ مُدَّةِ الْمُرُورِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا لِاحْتِرَاسِهِ وَحَسْمِهِ لِلذَّرَائِعِ مَنَعَ مِنْ إدْخَالِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْتَرْسِلُونَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ مَنَعَتْ عَائِشَةُ مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ فِيهِ وَحَسْمُ الذَّرَائِعِ فِيمَا لَا يَكُونُ مِنْ اللَّوَازِمِ أَصْلٌ فِي الدِّينِ انْتَهَى.
وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءُ الْغَرَامِ فِي أَخْبَارِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِي الْبَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ يُصَلُّونَ عَلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ الْفَاسِيُّ وَمُرَادُهُ بِالْمَذْكُورِ الْمَشْهُورُ وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يُصَلُّونَ عَلَى الْمَوْتَى جَمِيعًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ النَّاسِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا إنَّمَا يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى الْأَشْرَافِ وَقُرَيْشٌ أَدْرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَعْيَانِ وَبَعْضُ النَّاسِ تَسَامَحَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ قُرَيْشٍ وَالْأَشْرَافِ وَفِي إخْرَاجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ وَلَمْ أَرَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ بَابِ السَّلَامِ بِالْمَوْتَى مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهِ خَدِيجَةَ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْتَى عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْت فِيهِ خَبَرًا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا مَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ؛ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ خَلْفَ الْمَقَامِ عِنْدَ مَقَامِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْحَزْوَرَةِ وَهُمْ الْقُرَّاءُ الطُّرَحَاءُ وَذَلِكَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ انْتَهَى

ص (وَتَكْرَارُهَا)

ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَتَى وَقَدْ فَرَغَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَاحِدٌ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ مَا لَمْ تَفُتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمْ يُسْتَحَبُّ التَّلَافِي فَقَطْ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ انْتَهَى.
فَالْكَرَاهَةُ إنَّمَا هُوَ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ وَأَمَّا إذَا صَلَّى عَلَيْهَا وَاحِدٌ فَالْإِعَادَةُ مَطْلُوبَةٌ، إمَّا وُجُوبًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْقَائِلِ بِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيّ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالدُّعَاءُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِهَا بِإِمَامٍ شَرْطُ إجْزَاءٍ يَجِبُ تَلَافِيهَا مَا لَمْ تَفُتْ، أَوْ كَمَالٍ يُسْتَحَبُّ تَلَافِيهِ طَرِيقَا ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّامِلِ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَرَاهَةُ تَكْرَارِهَا وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا لِحِكَايَتِهِ هَذَا بِقِيلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَلَا تُكَرَّرُ تَكْرَارًا مَعَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا تَكْرَارُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا وَبِالثَّانِي تَكْرِيرُهَا مِمَّنْ قَدْ صَلَّى وَفِيهِ تَكَلُّفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَزِيَادَةُ رَجُلٍ عَلَى خَمْسَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ، وَأَخْذُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ لَا يَلْزَمُ انْتَهَى.
(قُلْت) صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ التَّحْنِيطِ وَالتَّكْفِينِ: وَمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ مَكْرُوهٌ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ غُلُوٌّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَغْلُوا فِي الْكَفَنِ» وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ فِي سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ الْمَرْأَةُ فِي عَدَدِ أَثْوَابِ الْكَفَنِ أَكْثَرُ مِنْ الرَّجُلِ وَأَقَلُّهُ لَهَا خَمْسَةٌ وَأَكْثَرُهُ سَبْعَةٌ انْتَهَى

ص (وَاجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكَاءٍ وَلَوْ سِرًّا) ش قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ

الضَّرَرِ: وَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْبُكَاءِ بِالصُّرَاخِ الْعَالِي، أَوْ النَّوْحِ وَالنَّهْيُ فِيهِ قَائِمٌ سَوَاءٌ كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ، أَوْ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ مَعْنَى هَذَا مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ مِنْ الزَّغْرَتَةِ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ الصَّالِحِ، أَوْ فَرَحٍ يَكُونُ فَإِنَّهُ مِنْ مَعْنَى رَفْعِ النِّسَاءِ الصَّوْتَ، وَأَحْفَظُ لِلشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ الْقَرَوِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهَا وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْجَنَائِزِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي الْمَوْتِ يُسَمَّى الْمَأْتَمَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَأْتَمُ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي الْغَمِّ وَالْفَرَحِ، ثُمَّ خُصَّ بِهِ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِلْمَوْتِ وَقِيلَ: هُوَ لِلشَّوَابِّ مِنْ النِّسَاءِ لَا غَيْرَ انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ: الْمَأْتَمُ عِنْدَ الْعَرَبِ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْجَمْعُ الْمَآتِمُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ الْمُصِيبَةُ، يَقُولُونَ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فِي مَنَاحَةِ فُلَانٍ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْمَآثِمُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ هُوَ الْإِثْمُ نَفْسُهُ وَضْعًا لِلْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الِاسْمِ وَفِي الْحَدِيثِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ بَابِ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ: إنَّ تَحْرِيمَ النَّوْحِ كَانَ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلَا يُحْتَجُّ عَلَى إبَاحَتِهِ بِقَوْلِ أُمِّ الرَّبِيعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنْ حَارِثَةَ إنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْت وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَلَا يُحْتَجُّ أَيْضًا بِمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

ص (وَقِيَامٌ لَهَا) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هُوَ تَصْرِيحٌ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَفَهِمَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ قَوْلَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنَّ وُجُوبَهُ نُسِخَ لِلْإِبَاحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نُسِخَ لِلنَّدْبِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا كَرَاهَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَرْوَحَ الْكَرَاهَةَ مِنْ قَوْلِهِ فَأَمَّا نَهْيُ، أَوْ بِمَا فِي النَّوَادِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ انْتَهَى.
(قُلْت) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَمِنْ كَلَامِ سَنَدٍ وَنَصِّ الْأَوَّلِ الْجُلُوسُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا لِمَنْ مَاتَ بِهِ وَالثَّانِي لِمَنْ يَتْبَعُ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ جُلُوسَهُ نَاسِخٌ لِقِيَامِهِ وَاخْتَارُوا أَنْ لَا يَقُومَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ، وَأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَجْرٌ وَحِكْمَةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَوْلَى لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ فِيهِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَهُ وَذَكَرَ سَنَدٌ كَلَامَ الْبَاجِيِّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَيَعْضِدُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَفِيهِ اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ وَهَذَا أَمْرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ الْمَاشِي قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، وَلَا يَنْزِلَ الرَّاكِبُ حَتَّى تُوضَعَ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ.

ص (وَتَطْيِينُ قَبْرٍ وَتَبْيِيضُهُ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ، أَوْ تَحْوِيزٌ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ كَحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ تَطْيِينُ الْقَبْرِ أَيْ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ الطِّينُ وَالْحِجَارَةُ وَيُكْرَهُ تَبْيِيضُهُ بِالْجِيرِ وَالْجِبْسِ وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَالتَّحْوِيزُ عَلَيْهِ وَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ التَّبْيِيضِ، أَوْ التَّطْيِينِ فَذَلِكَ حَرَامٌ وَيَجُوزُ التَّحْوِيزُ الَّذِي لِلتَّمْيِيزِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ حَجَرٌ، أَوْ خَشَبَةٌ بِلَا نَقْشٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ تَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ وَقِيلَ: هُوَ الْجِيرُ، وَيُرْوَى فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ تَجْصِيصٌ وَهُمَا بِمَعْنَى تَبْيِيضِهَا أَيْضًا بِالْقَصَّةِ وَهِيَ الْجِيرُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُرَصَّصَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِطُوبٍ، أَوْ حِجَارَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَنُهِيَ عَنْ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْكِتَابَةِ وَالتَّجْصِيصِ وَرَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تُرَبَّعَ الْقُبُورُ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا، أَوْ يُكْتَبَ فِيهَا، أَوْ تُقَصَّصَ» وَرُوِيَ تُجَصَّصَ وَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَتَسْوِيَتِهَا ابْنُ حَبِيبٍ: تُقَصَّصَ، أَوْ تُجَصَّصَ يَعْنِي تُبَيَّضَ بِالْجِيرِ، أَوْ بِالتُّرَابِ الْأَبْيَضِ وَالْقَصَّةُ الْجِيرُ وَهُوَ الْجِبْسُ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي حَجَرًا قَالَ مَا أَظُنُّهُ مَعْنَاهُ إلَّا مِنْ فَوْقَ عَلَى وَجْهِ مَا يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْقَبْرِ يُجْعَلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةُ تُرَصَّصُ عَلَيْهِ بِالطِّينِ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يُجَيَّرُ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ بِطُوبٍ وَلَا حِجَارَةٍ ابْنُ رُشْدٍ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ وَالثَّانِي الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ فَمَكْرُوهٌ بِكُلِّ حَالٍ وَأَمَّا الْبِنَاءُ حَوَالَيْهِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبَرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ التَّضْيِيقِ فِيهَا عَلَى النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَمْلَاكِ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ تَجْصِيصَ الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاهَاةِ وَزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتِلْكَ مَنَازِلُ الْآخِرَةِ وَلَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْمُبَاهَاةِ وَإِنَّمَا يُزَيِّنُ الْمَيِّتَ عَمَلُهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَسْنِيمِهَا وَالْحِجَارَةِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلَدِهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ: تَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ رُفِعَ فَلَا بَأْسَ يُرِيدُ أَنْ يُزَادَ عَلَى التَّسْنِيمِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ: وَقَبْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُسَنَّمَةٌ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ قَبْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْبُخَارِيِّ: رَأَيْتنِي وَنَحْنُ شُبَّانُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ رُفِعَ فَلَا بَأْسَ يُرِيدُ وَيُمْنَعُ مِنْ بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَى الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاهَاةٌ وَلَا يُؤْمَنُ لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ وَقِيلَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ.
يُرِيدُ بِنَاءَ الْبُيُوتِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ لِيَكُونَ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ عَلَى الْإِنْسَانِ مَوْتَاهُ مَعَ غَيْرِهِمْ لِيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ اُضْطُرَّ لَمْ يُمْنَعْ؛ لِأَنَّ الْجَبَّانَةَ أَحْبَاسٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْءٌ وَيُمْنَعُ مَعَ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ لِلنَّاسِ أَغْرَاضًا فِي صِيَانَةِ مَوْتَاهُمْ وَتَعَاهُدِهِمْ بِالتَّرَحُّمِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَمِنْ السُّنَّةِ تَسْنِيمُ الْقَبْرِ وَلَا يُرْفَعُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا فَأَمَّا بُنْيَانُهُ وَرَفْعُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنَّمَا كَرِهَ أَنْ يُرَصَّصَ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ الطِّينِ، أَوْ الطُّوبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ، أَوْ الطِّينِ، أَوْ الطُّوبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: هُوَ رَفْعُهَا وَتَعْظِيمُهَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَيْهَا إذَا

كَانَتْ فِي غَيْرِ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ وَفِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَيُنْهَى عَنْ بِنَائِهَا يَعْنِي الْقُبُورَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي الْمُبَاهَاةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَعَ الْقَصْدِ، وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ، أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ بَيْتٌ أَنَّهُ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ وَإِلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ وَنُهِيَ عَنْهَا ابْتِدَاءً وَأَمَّا الْبِنَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْمُبَاهَاةِ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَمْيِيزَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَنْفَرِدَ بِحِيَازَتِهِ فَجَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَمْيِيزَ الْقَبْرِ عَنْ غَيْرِهِ فَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْمَذْهَبِ قَوْلَيْنِ: الْكَرَاهَةَ - وَأَخَذَهَا مِنْ إطْلَاقِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ - وَالْجَوَازَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنَّمَا كَرِهَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبِنَاءَ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ عَلَامَةٌ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُكْرَهُ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ قَبْرَ وَلِيِّهِ وَيَمْتَازُ بِهِ الْقَبْرُ حَتَّى يُحْتَرَمَ وَلَا يُحْفَرَ عَلَيْهِ إنْ اُحْتِيجَ إلَى قَبْرٍ ثَانٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُبَاهَاةِ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ فَقَوْلَانِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ الْبِنَاءَ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ، أَوْ التَّمْيِيزُ، أَوْ لَا يُقْصَدَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ حَرَامٌ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ الْحَيِّ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَلِبَاسٍ وَرُكُوبٍ وَبِنَاءٍ وَغَيْرِهِ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِي كَرَاهَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَرًا بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَأَمَّا تَحْوِيزُ مَوْضِعِ الدَّفْنِ بِبِنَاءٍ فَقَالُوا: إنَّهُ جَائِزٌ إذَا لَمْ يُرْفَعْ فِيهِ إلَى قَدْرٍ يَأْوِي إلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَهْلُ الْفَسَادِ وَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُزَالُ مِنْهُ مَا يَسْتُرُ أَهْلَ الْفَسَادِ وَيُتْرَكُ بَاقِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ الْبِنَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، أَوْ التَّمْيِيزِ، أَوْ لَا يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ وَالْأَوَّلُ حَرَامٌ وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ ابْنُ بَشِيرٍ وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا اللَّخْمِيُّ وَاخْتَارَ الْكَرَاهَةَ مِنْ إطْلَاقِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَازَ فِي غَيْرِهَا قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنَاءَ لِقَصْدِ التَّمْيِيزِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ وَإِنَّمَا كَرِهَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبِنَاءَ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَلَامَةُ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُكْرَهُ مَا قَصَدَ بِهِ مَعْرِفَةَ قَبْرِ وَلِيِّهِ؟ وَلَمْ يَجْزِمْ ابْنُ بَشِيرٍ بِتَحْرِيمِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ إلَى قَوْلِهِ لَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَجَازَ عُلَمَاؤُنَا رَكْزَ حَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ مَا لَمْ يَكُنْ مَنْقُوشًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَضَعَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيَكْتُبُ فِيهَا، وَأَمَّا تَحْوِيزُ مَوْضِعِ الدَّفْنِ بِبِنَاءٍ وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي التَّنْبِيهَاتِ اُخْتُلِفَ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَقَالَ غَيْرُهُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ كَالْقَرَافَةِ الَّتِي بِمِصْرَ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْبِنَاءُ مُطْلَقًا وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَدْمِهَا حَتَّى يَصِيرَ طُولُهَا عَرْضًا وَسَمَاؤُهَا أَرْضًا، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ: الْبِنَاءُ فِي الْقُبُورِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُرْصَدَةً فَلَا يَحِلُّ الْبِنَاءُ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَعَلَ الْقَرَافَةَ بِمِصْرَ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْبِنَاءَ بِهَا مَمْنُوعٌ، وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ السُّلْطَانَ الظَّاهِرَ أَمَرَ بِاسْتِفْتَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَنِهِ فِي هَدْمِ مَا بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ فَاتَّفَقُوا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَلِّفَ أَصْحَابَهُ رَمْيَ تُرَابِهَا فِي الْكِيمَانِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ سَافَرَ إلَى الشَّامِ فَلَمْ يَرْجِعْ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَمَّا تَجْصِيصُ الْقُبُورِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ إلَّا

مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ تَطْيِينَ الْقَبْرِ أَيْ جَعْلَ الطِّينِ عَلَيْهِ وَالْحِجَارَةِ مَكْرُوهٌ وَكَذَلِكَ تَبْيِيضُهُ وَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ التَّحْوِيزُ حَوَالَيْهِ بِبَيْتٍ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ الْمُبَاهَاةَ وَلَا التَّمْيِيزَ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ حَوَالَيْهِ، أَوْ تَبْيِيضِهِ، أَوْ تَطْيِينِهِ حَرُمَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بُوهِيَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَذْكُورِ جَمِيعِهِ قَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِهِ: وَيَحْسُنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ عَلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ أَيْ وَإِنْ قَصَدَ الْمُبَاهَاةَ بِالْبِنَاءِ، أَوْ التَّحْوِيزِ، أَوْ التَّبْيِيضِ حَرُمَ؛ لِأَنَّ زِينَةَ الدُّنْيَا ارْتَفَعَتْ بِالْمَوْتِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ الْحَيِّ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ أَيْ وَجَازَ التَّحْوِيزُ لِلتَّمْيِيزِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْ وَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ وَالتَّحْوِيزُ عَلَيْهِ لِلتَّمْيِيزِ أَمَّا التَّحْوِيزُ لِلتَّمْيِيزِ فَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ نَفْسِهِ لِلتَّمْيِيزِ فَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّحْوِيزَ لِلتَّمْيِيزِ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً، أَوْ مُبَاحَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً لِلدَّفْنِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِمَّا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْهُ وَعَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَنَصُّهُ: وَكَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُهُ فِيمَا اُبْتُدِعَ مِنْ بِنَاءِ السَّقَائِفِ وَالْقُبَبِ وَالرَّوْضَاتِ عَلَى مَقَابِرِ الْمَوْتَى وَخُولِفَتْ فِيهِ السُّنَّةُ فَقَامَ بَعْضُ مَنْ بِيَدِهِ أَمْرٌ فِي هَدْمِهَا وَتَغْيِيرِهَا وَحَطِّ سَقْفِهَا وَمَا أُعْلِيَ مِنْ حِيطَانِهَا إلَى حَدِّهَا هَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ جُدْرَانِهَا مَا يَمْنَعُ دُخُولَ الدَّوَابِّ أَمْ لَا قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ؟ . وَلَا يَتْرُكُ مِنْهَا إلَّا مَا أَبَاحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الْجِدَارِ الْيَسِيرِ لِتُمَيَّزَ بِهِ قُبُورُ الْأَهْلِينَ وَالْعَشَائِرِ لِلتَّدَافُنِ، وَكَيْفَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِبَقَاءِ جِدَارِي مَنْفَعَةٌ لِصِيَانَةِ مَيِّتٍ لِئَلَّا يُتَطَرَّفَ إلَيْهِ لِلْحَدَثِ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهَا بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ أَنْ يَتْرُكَ عَلَيْهَا مِنْ الْجُدْرَانِ أَقَلَّ مَا يَمْنَعُ هَذَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْعَامَّ بِظُهُورِ الْبِدْعَةِ فِي بِنَائِهَا، أَوْ تَعْلِيَتِهَا أَعْظَمُ وَأَشَدُّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ اسْتِتَارُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِيهَا بَعْضَ الْأَحْيَانِ وَذَلِكَ أَضَرُّ بِالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ مِنْ الْحَدَثِ عَلَيْهِ، وَمُرَاعَاةُ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ وَأَخَفِّهِمَا مَشْرُوعٌ، بَيِّنْهُ وَجَاوِبْ عَلَيْهِ مَشْكُورًا مَأْجُورًا وَالسَّلَامُ فَأَجَابَ: تَصَفَّحْت سُؤَالَك الْوَاقِعَ فَوْقَ هَذَا وَوَقَفْت عَلَيْهِ وَمَا يُبْنَى مِنْ السَّقَائِفِ وَالْقُبَبِ وَالرَّوْضَاتِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ هَدْمُهَا وَاجِبٌ وَلَا يَجِبُ أَنْ يُتْرَكَ مِنْ حِيطَانِهَا إلَّا قَدْرُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الرَّجُلُ قُبُورَ قَرَابَتِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ قُبُورِ سِوَاهُمْ لِئَلَّا يَأْتِيَ مَنْ يُرِيدُ الدَّفْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَنْبُشُ قَبْرَ امْرَأَتِهِ وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى بَابٍ، ثُمَّ سَأَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ نَقْضِ هَذِهِ الْأَبْنِيَةِ هَلْ هِيَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَنَاهَا بَانِيهَا فِي الْحَبْسِ وَقَدْ عَلِمْت مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْخِلَافِ أَمْ تُرْجَعُ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ الْأَصْلِ فَهَذَا حَبْسٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَلَا مَشْرُوعٍ بَلْ هُوَ مَحْظُورٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَهُوَ رَدٌّ فَأَرَدْت جَوَابَك فَأَجَابَ: النَّقْضُ لِأَرْبَابِهِ الَّذِي بَنَوْهُ لَا يَكُونُ حَبْسًا كَالْمَقْبَرَةِ الَّتِي جُعِلَ فِيهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي نَقْضِ مَا يُبْنَى فِي الْحَبْسِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَجْوِبَتِهِ وَنَقْضُ مَا يُبْنَى فِي الرَّوْضَاتِ لَا يَلْحَقُ بِالْحَبْسِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ قَبْرٍ عَلَا بِنَاؤُهُ نَحْوَ الْعَشَرَةِ أَشْبَارٍ وَأَزْيَدَ هَلْ يَجِبُ هَدْمُهُ وَتُغَيَّرُ بِدْعَتُهُ، وَكَيْفَ إنْ شَكَا بَعْضُ جِيرَانِهِ أَنَّهُ يَسْتُرُ بَابَ فُنْدُقِهِ عَنْ بَعْضِ الْوُرَّادِ وَيَمْنَعُهُ النَّظَرَ لِلْجُلَّاسِ فِي أُسْطُوَانَتِهِ هَلْ لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ فِيهِ حُجَّةٌ؛ إذْ يَقُولُ مَنَعْتَنِي مَنْفَعَتِي لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ بَلْ لِمَا لَا يَجُوزُ وَهَلْ لِأَوْلِيَاءِ الْقَبْرِ حُجَّةٌ فَيَجُوزَ لَهُمْ بِنَاؤُهُ وَكَيْفَ إنْ كَانَ بِنَاؤُهُ قَبْلَ بِنَاءِ الْفُنْدُقِ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْرِ فَلَا يَجُوزُ وَيُهْدَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَوَالَيْهِ كَالْبَيْتِ يُبْنَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ وَحَقِّهِ

فَلَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْت مِنْ حُجَّةِ صَاحِبِ الْفُنْدُقِ الْمُوَاجِهِ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فَوْقَ هَذَا أَنَّ هَدْمَهُ وَاجِبٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبِنَاءَ لِتَمْيِيزِ الْقُبُورِ جَائِزٌ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ كَالْقَرَافَةِ بِمِصْرَ فَلَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِهَا مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا لِتَمْيِيزِ قُبُورِ الْأَهْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا كَلَامُهُ فِي بِنَاءِ الْبُيُوتِ وَالْقُبَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ الْبِنَاءَ لِلتَّحْوِيزِ جَائِزٌ وَقَبِلَهُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ وَكَلَامُ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَقْوَى فِي الْمَنْعِ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ.
(قُلْت) هَذَا فِي غَيْرِ الْمَقْبَرَةِ الْمُحْبَسَةِ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يَهْدِمُ بِمَكَّةَ مَا بُنِيَ بِهَا وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْهَدْمَ.
(قُلْت) فَلَا يَجُوزُ التَّضْيِيقُ فِيهَا بِبِنَاءٍ يَحُوزُ فِيهِ قَبْرًا وَلَا غَيْرَهُ، بَلْ لَا يَجُوزُ فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ غَيْرُ الدَّفْنِ فِيهَا خَاصَّةً وَقَدْ أَفْتَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ وَأَلْزَمَ الْبَانِينَ حَمْلَ أَنْقَاضِهَا وَإِخْرَاجَهُ عَنْهَا وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ إلَى صُورَةِ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ الصُّغْرَى فَجَلَسَ فَقِيلَ: لَهُ أَلَا صَلَّيْت التَّحِيَّةَ؟ . فَقَالَ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْجِدٍ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ الْأَرْضُ وَالْأَرْضُ مُسَبَّلَةٌ لِدَفْنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَالَغَ فِي إنْكَارِ الْبِنَاءِ وَذَكَرَ الْمَفَاسِدَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَعْنِي اللَّخْمِيَّ وَابْنَ رُشْدٍ وَعِيَاضًا وَابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُقَرَّرٌ أَبَاحَهُ الْعُلَمَاءُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمَازِرِيِّ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا لَوْ بُنِيَ بَيْتٌ وَحَائِطٌ جُعِلَ لِلْقَبْرِ لِيَصُونَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: جَائِزٌ إلَّا أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مُبَاحٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا أَعْرِفُ مَنْ قَالَ بِهِ إلَّا اللَّخْمِيَّ قَالَ يُمْنَعُ بِنَاءُ الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاهَاةٌ وَلَا يُؤْمَنُ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمُتَقَدِّمَ انْتَهَى.
(قُلْت) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اللَّخْمِيّ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِالْمَنْعِ فَقَدْ تَلَقَّاهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ بِالْقَبُولِ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي تَقَدَّمَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَنَصُّ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِطِ الْيَسِيرِ الِارْتِفَاعِ يَكُونُ حَاجِزًا بَيْنَ الْقُبُورِ؛ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ عَلَى النَّاسِ قُبُورُهُمْ وَأَشَارَ ابْنُ الْقَصَّارِ إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ الْمَكْرُوهَ عَلَيْهَا، أَوْ حَوْلَهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ؛ لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ جَائِزٌ وَهُوَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ مَكْرُوهٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُبَاحُ مَوَاتًا، أَوْ مَقْبَرَةً مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَتَأَمَّلْهُ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبِنَاءَ حَوْلَ الْقَبْرِ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي، أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ، أَوْ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ لِلدَّفْنِ مُصَرَّحٌ بِوَقْفِيَّتِهَا، أَوْ فِي أَرْضٍ مُرْصَدَةٍ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ مُسَبَّلَةٍ لَهُمْ فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي فَلَا يَخْلُو الْبِنَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لِلتَّمْيِيزِ كَالْحَائِطِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ قُبُورَ أَوْلِيَائِهِ، أَوْ يَكُونَ كَثِيرًا كَبَيْتٍ، أَوْ قُبَّةٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ وَالْكَثِيرُ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ، أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ يَسِيرًا لِلتَّمْيِيزِ فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَقُصِدَ بِهِ الْمُبَاهَاةُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُبَاهَاةُ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنِ الْقَصَّارِ هُوَ جَائِزٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ أَفْتَى أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ وَأَمَّا الْأَرْضُ

الْمَمْلُوكَةُ لِغَيْرِ الْبَانِي فَحُكْمُهَا كَالْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ إذَا أَذِنَ رَبُّهَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ إذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْبِنَاءُ بِأَحَدٍ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْمَوْقُوفَةُ لِلدَّفْنِ فَلَا يَخْلُو الْبِنَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جِدَارًا صَغِيرًا لِلتَّمْيِيزِ، أَوْ بِنَاءً كَبِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْحَائِطِ الْكَبِيرِ.
فَأَمَّا الْجِدَارُ الصَّغِيرُ لِلتَّمْيِيزِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي السُّؤَالِ الْمُتَقَدِّمِ: إنَّهُ جَائِزٌ وَأَبَاحَهُ الْعُلَمَاءُ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَأَمَّا الْبِنَاءُ الْكَثِيرُ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ وَأَمَّا الْأَرْضُ الْمُرْصَدَةُ لِدَفْنِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْمَوْقُوفَةِ بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي الْمَدْخَلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَبَاحَ الْبِنَاءَ حَوْلَ الْقَبْرِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ صَالِحًا، أَوْ عَالِمًا، أَوْ شَرِيفًا، أَوْ سُلْطَانًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْحَاكِمِ وَنَصُّهُ: وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ إثْرَ تَصْحِيحِهِ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْبِنَاءِ وَالْكَتْبِ عَلَى الْقَبْرِ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ عَقِبَهُ: قُلْت فَيَكُونُ إجْمَاعًا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ اسْتَنَدُوا إلَى حَدِيثٍ آخَرَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» وَفِي فَتَاوَى ابْنِ قَدَّاحٍ: إذَا جُعِلَ عَلَى قَبْرِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَخَفِيفٌ انْتَهَى.
لِأَنَّ كَلَامَ الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَتْبِ عَلَى الْقَبُورِ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَتْبِ، وَنَصُّ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِهِ: لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْقُبُورِ بِحَجَرٍ وَلَا بِجِيرٍ وَإِنَّمَا يُجْعَلُ عِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ حَجَرٌ لِيَكُونَ عَلَامَةً عَلَيْهِ.
وَهَلْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ . لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ وَعُمِلَ عَلَى قَبْرِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَخَفِيفٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْفُرُوعِ: قَالَ شَيْخُنَا: مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ يَعْنِي فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ فَهُوَ عَاصٍ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَنَّ مَا بُنِيَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَقْفِهِ فَإِنَّ وَقْفَهُ بَاطِلٌ، وَأَنْقَاضُهُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ وَيُؤْمَرُ بِنَقْلِهَا مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَيَسْتَأْجِرُ الْقَاضِي عَلَى نَقْلِهَا مِنْهَا، ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى

[ضَرْبُ الْفُسْطَاطِ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ]

(الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ضَرْبُ الْفُسْطَاطِ عَلَى قَبْرِ الْمَرْأَةِ أَجْوَزُ مِنْهُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ؛ لِمَا يَسْتُرُ مِنْهَا عِنْدَ إقْبَارِهَا وَقَدْ ضَرَبَهُ عُمَرُ عَلَى قَبْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَمَّا عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَمَنْ كَرِهَهُ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَكَرِهَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَدْ ضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَبْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَرَاهُ وَاسِعًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَيُبَاتَ فِيهِ إذَا خِيفَ مِنْ نَبْشٍ، أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: ضَرْبُ الْخِبَاءَ عَلَى الْقَبْرِ فِيهِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ فَإِنْ، أَوْصَى بِهِ أُنْفِذَ لِلْخِلَافِ وَكَذَلِكَ إذَا، أَوْصَى بِأُجْرَةٍ لِمَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ كَالْأُجْرَةِ عَلَى الْحَجِّ انْتَهَى

[يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ]

(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرًا لِيُدْفَنَ فِيهِ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ عَلَى غَيْرِهِ وَمَنْ سَبَقَ كَانَ أَوْلَى بِالْمَوْضِعِ مِنْهُ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غَصْبَ فِي ذَلِكَ وَفِيهِ تَذْكِرَةٌ لِمَنْ حُفِرَ لَهُ انْتَهَى مِنْ فَصْلِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ يَعْنِي حَفْرَ قَبْرٍ لِلْحَيِّ ابْتِدَاءً وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَمُوتُ هُنَا أَمْ لَا وَقَدْ يَمُوتُ بِغَيْرِهِ وَيَحْسَبُ غَيْرُهُ أَنَّ فِي هَذَا الْقَبْرِ أَحَدًا فَيَكُونُ غَاصِبًا لِذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ.

[دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ غَيْره مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ]

(الرَّابِعُ) إذَا دُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وَوَقَعَ ذَلِكَ وَنَزَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ بَلْ هِيَ حَبْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ حَفَرَ قَبْرًا لِلْمَيِّتِ فَدُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ: إنَّهُ لَا يُنْبَشُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَأَحْرَى مَسْأَلَتُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الشَّبِيبِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.

[الْمُعَلَّاةَ وَالشَّبِيكَةَ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَبَّلَةِ]

(الْخَامِسُ) لَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَلَّاةَ وَالشَّبِيكَةَ مِنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَبَّلَةِ الْمُرْصَدَةِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ وَأَنَّ الْبِنَاءَ بِهِمَا لَا يَجُوزُ، وَيَجِبُ هَدْمُهُ يَدُلُّ لِذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ الْآتِي بَلْ لِلْمُعَلَّاةِ زِيَادَةُ خُصُوصِيَّةٍ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ فِي فَضْلِهَا وَتَسْمِيَتِهَا مَقْبَرَةً فَقَدْ رَوَيْنَا فِي تَارِيخِ الْأَزْرَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «نِعْمَ الْمَقْبَرَةُ هَذِهِ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ» قَالَ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «نِعْمَ الشَّعْبُ وَنِعْمَ الْمَقْبَرَةُ» وَأَمَّا مَا يُقَالُ: إنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَوْقَفَهَا فَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ لِلدَّفْنِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُسَبَّلَةٌ فَإِنَّ الزَّرْكَشِيَّ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْخَادِمِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ قَالَ الْحَاوِي بَعْدَ ذِكْرِهِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَيُهْدَمُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَأَيْت الْوُلَاةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا بُنِيَ فِيهَا وَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ هَذَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى الْقَرَافَةِ وَهَلْ هِيَ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُرْصَدَةٌ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْوَقْفِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ

ص (كَحَجَرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ بِلَا نَقْشٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ حَجَرًا، أَوْ خَشَبَةً بِلَا نَقْشٍ لِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةً يَكْتُبُ فِيهَا، وَلَمْ يَرَ بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ وَالْخَشَبَةِ بَأْسًا يَعْرِفُ بِهِ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِيهِ انْتَهَى.
وَجَعَلَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ مُسْتَحَبًّا وَنَصُّهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَلَّمَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا أَنْ دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهُ فَوَضَعَهُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي أَزُورُهُ وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» انْتَهَى.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوضَعَ الْحَجَرُ الْوَاحِدُ فِي طَرَفِ الْقَبْرِ عَلَامَةً لِيُعْرَفَ بِهِ أَنَّ فِيهِ قَبْرًا وَلِيَعْرِفَ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ فَأَمَّا الْحِجَارَةُ الْكَثِيفَةُ وَالصَّخْرُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ مَنْ لَا يَعْرِفُ؛ فَلَا خَيْرَ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِلَا نَقْشٍ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّهُ: وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيُكْتَبَ فِيهَا، وَلَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْحَجَرِ وَالْعُودِ وَالْخَشَبَةِ مَا لَمْ يُكْتَبْ فِي ذَلِكَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ قَبْرَ وَلِيِّهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ الْبِنَاءَ عَلَى الْقَبْرِ وَأَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِ الْبَلَاطَةُ الْمَكْتُوبَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا أَهْلُ الطَّوْلِ مِنْ إرَادَةِ الْفَخْرِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالسُّمْعَةِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ: وَأَمَّا الْكِتَابَةُ عَلَيْهَا فَأَمْرٌ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ تَسَامَحَ النَّاسُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ إلَّا التَّعْلِيمُ لِلْقَبْرِ لِئَلَّا يَدَّثِرَ انْتَهَى

ص (وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ) ش: وَلَا يُحَنَّطُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِيمَنْ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سَبَبِهِمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِمْ وَسَوَاءٌ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ بِأَيْدِيهِمْ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ عَنْ فَرَسِهِ فَانْدَقَّ عُنُقُهُ، أَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ، أَوْ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ شَهِيدٌ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي الشَّامِلِ وَالشَّهِيدُ مَنْ مَاتَ فِي مُعْتَرَكِ الْعَدُوِّ فَقَطْ لَا بَيْنَ لُصُوصٍ، أَوْ فِتْنَةٍ بَيْنَ

الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي دَفْعِهِ عَنْ حَرِيمِهِ وَإِنْ صَبِيًّا، أَوْ امْرَأَةً وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، أَوْ هُوَ نَائِمٌ عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُهُ، أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَيِّتًا وَلَيْسَ فِيهِ جِرَاحٌ، أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ وَلَمْ يَحْيَ لِحَيَاةٍ بَيِّنَةٍ، أَوْ رُفِعَ مَغْمُورًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ حُمِلَ لِأَهْلِهِ فَمَاتَ فِيهِمْ، أَوْ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ، أَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَجُهِلَ قَاتِلُهُ، أَوْ تُرِكَ فِي الْمَعْرَكَةِ حَتَّى مَاتَ فَكَغَيْرِ الشَّهِيدِ إلَّا مَنْ عُوجِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ سَحْنُونٌ وَإِنْ جُهِلَ قَاتِلُهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرَّمْيِ بِالنَّارِ وَالْحِجَارَةِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ بِحَجَرٍ، أَوْ بِعَصًا، أَوْ خَنَقُوهُ حَتَّى مَاتَ، أَوْ قَتَلُوهُ أَيَّ قِتْلَةٍ كَانَتْ فِي مَعْرَكَةٍ، أَوْ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ فَهُوَ كَالشَّهِيدِ فِي الْمُعْتَرَكِ وَلَوْ أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ فَدَافَعُوهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَالشَّهِيدِ فِي الْمَعْرَكَةِ قَالَ عَنْهُ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَوْ قَتَلُوهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي غَيْرِ مُلَاقَاةٍ وَلَا مُعْتَرَكٍ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُمْ كَالشُّهَدَاءِ فِي الْمُعْتَرَكِ حَيْثُمَا نَالَهُمْ الْقَتْلُ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ وَبِهِ أَقُولُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيَّةً، أَوْ صَبِيًّا وَمَا قَالَهُ سَحْنُونٌ هُوَ وِفَاقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا، أَوْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي الْمُعْتَرَكِ، أَوْ مَاتَ بِغَرَقٍ، أَوْ هَدْمٍ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي دَفْعِهِ إيَّاهُمْ عَنْ حَرِيمِهِ ابْنُ سَحْنُونٍ وَلَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمُعْتَرَكِ مُسْلِمًا ظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ، أَوْ دَرَسَتْهُ الْخَيْلُ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
(فَوَائِدُ الْأُولَى) قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سِوَى الْقَتْلَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْحَرِقُ شَهِيدٌ وَاَلَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ» قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُوَطَّإِ: الْمَطْعُونُ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الطَّاعُونِ وَالْغَرِيقُ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ غَرَقًا فِي الْمَاءِ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ هُوَ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ وَرَمٌ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ وَالْمَبْطُونُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ: هُوَ صَاحِبُ الْإِسْهَالِ وَقِيلَ: الْمَجْنُونُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ بَطْنِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ شَيْخِهِ شُرَيْحٍ أَنَّهُ صَاحِبُ الْقُولَنْجِ، وَالْحَرِقُ الَّذِي يُحْرَقُ فِي النَّارِ فَيَمُوتُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ مِنْ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا أَمْ لَا وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ فِي النِّفَاسِ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تَمُوتُ عَذْرَاءَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ بَقِيَ مِنْ الشُّهَدَاءِ صَاحِبُ السِّلِّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْغَرِيبُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالصَّابُونِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَاحِبُ الْحُمَّى رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَاللَّذِيعُ وَالشَّرِيقُ الَّذِي تَفْتَرِسُهُ السِّبَاعُ وَالْخَارُّ عَنْ دَابَّتِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْمُتَرَدِّي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْمَيِّتُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْمَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ أَهْلِهِ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ دُونَ مَظْلَمَةٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْمَيِّتُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حُبِسَ ظُلْمًا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَالْمَيِّتُ عِشْقًا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَالْمَيِّتُ وَهُوَ طَالِبٌ لِلْعِلْمِ رَوَاهُ الْبَزَّازُ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي الَّذِي يَقْتُلُهُ اللُّصُوصُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ شَهِيدٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا دُونَ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ وَمَنْ غَرِقَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ وَكُلُّ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ فِي مَعْصِيَةٍ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَتِهِ وَعَلَيْهِ إثْمُ مَعْصِيَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ أَوْ كَانَ قَوْمٌ فِي مَعْصِيَةٍ فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ فَلَهُمْ الشَّهَادَةُ وَعَلَيْهِمْ الْمَعْصِيَةُ انْتَهَى.
(الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ

«أَنَّ أُمَّ خَلَّادٍ جَاءَتْ مُنْتَقِبَةً تَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ابْنِهَا وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ لَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ: جِئْت تَسْأَلِي عَنْ ابْنَكِ وَأَنْتِ مُنْتَقِبَةٌ فَقَالَتْ: إنْ أُرْزَأُ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ أَحِبَّائِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنُك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ قَالَتْ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ . قَالَ: لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ» انْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا الْغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
(الثَّالِثَةُ) الشَّهِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَعَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: لِأَنَّهُ حَيٌّ فَرُوحُهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَرُوحُ غَيْرِهِ إنَّمَا تَشْهَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ وَقِيلَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ وَقِيلَ: لِأَنَّ تَشْهَدُ بِصِدْقِ نِيَّتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ مَعَهُ شَاهِدًا وَهُوَ الدَّمُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ وَدَمُهُ يَثْعَبُ وَقِيلَ: لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ عَلَى الْأَلَمِ وَعَلَى هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهَذَا السَّبَبِ.
وَالشُّهَدَاءُ ثَلَاثَةٌ: شَهِيدُ حَرْبِ الْكُفَّارِ لَهُ أَحْكَامُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَفِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي: شَهِيدٌ فِي الثَّوَابِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَهُمْ الْمَبْطُونُ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ.
وَالثَّالِثُ: مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ وَشِبْهُهُ فَلَهُ حُكْمُ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُمْ الثَّوَابُ الْكَامِلُ

ص (وَإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الْأَحْسَنِ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ أَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ دَمِهِ كَالرَّوْثِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُغَسَّلُ اعْتِبَارًا بِالْجَنَابَةِ وَمَا قُلْنَاهُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّجَاسَةِ الْإِبْعَادُ، وَإِنَّمَا جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الدَّمِ خَاصَّةً؛ وَلِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى خَصْمِهِ فَتُرِكَ لِذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَاعْتِبَارًا بِمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ جِلْدُ خِنْزِيرٍ، أَوْ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ إجْمَاعًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى

ص (وَدُفِنَ بِثِيَابِهِ إنْ سَتَرَتْهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَنْزِعَ ثِيَابَهُ وَيُكَفِّنَهُ بِغَيْرِهَا وَيَخْتَلِفُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ هَلْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ شَيْئًا؟ . قَالَ مَالِكٌ فِي

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل