ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْقِيمَةِ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى السِّكَّةِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَغْوٌ وَيُقْضَى بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ وَلِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ الْكِرَاءَ فَاسِدٌ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَيَانِ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ السُّكْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالنَّقْضُ لِرَبِّهِ)
ش: اُنْظُرْ عَلَى مَنْ تَكُونُ أُجْرَةُ نَقْضِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ أَكْرَى أَرْضَهُ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا مَسْجِدًا وَضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا جَازَ، فَإِنْ انْقَضَى الْأَجَلُ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ مَا لَا يَصِحُّ بَقَاؤُهُ لِلسُّكْنَى، وَلَا يُوَافِقُ بِنَاءَ الدُّورِ، وَمَا يَصِحُّ بَقَاؤُهُ إنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حَبْسًا كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ مَنْقُوضًا، وَإِنْ حَبَسَهُ فَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَخْذُهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَهُ أَحْسَنُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ هَذَا (قُلْت:) قَوْلُهُ: لَهُ نَقْضُ مَا لَا يَصِحُّ لِلسُّكْنَى تَبِعَ فِيهِ التُّونُسِيَّ قَالَ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا عَلَى صُورَةِ مَسْجِدٍ دَارًا الصَّقَلِّيُّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ إبْقَاءَهُ مَسْجِدًا فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ مَنْقُوضًا، وَيَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهُ مَسْجِدًا انْتَهَى.
ص (وَعَلَى طَرْحِ مَيْتَةٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَى طَرْحِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ انْتَهَى.
وَنَبَّهَ عَلَى هَذَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا كَانَتْ مُحَرَّمَةً كَانَ الْأَجْرُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى طَرْحِهَا وَإِرَاقَتِهَا جَازَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِير: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخَمْرِ آجَرَ نَفْسَهُ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ الْإِجَارَةُ عَلَى طَرْحِهَا لَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَيْتَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لَمْ يَجُزْ كَالْخَمْرِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يُؤَاجَرُ عَلَى طَرْحِ الْمَيْتَةِ بِجِلْدِهَا إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ دُبِغَ انْتَهَى.
ص (وَالْقِصَاصُ وَالْأَدَبُ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْإِجَارَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَنْ قِصَاصٍ، أَوْ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يَسْتَأْجِرُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يَعْبَثُ فِي الْقَتْلِ، وَلَا يُجَاوِزُ فِي الْجَرْحِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى قَتْلِ قِصَاصٍ، أَوْ عَلَى ضَرْبِ عَبْدِك وَوَلَدِكَ لِلْأَدَبِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ مَا يَنْبَغِي مِنْ الْأَدَبِ فَلَا يُعْجِبُنِي، وَإِنْ آجَرَهُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَلَا أَجْرَ لَهُ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى ضَرْبِ وَلَدِكَ، أَوْ عَبْدِكَ قَالُوا: وَيُصَدَّقُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ، فَلَوْ أَقَرَّ فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَبَ فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ الْيَسِيرِ دُونَ سَبَبٍ، أَوْ لَا؟ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَيُصَدَّقُ فِي الزَّوْجَةِ أَنَّهَا فَعَلَتْ مَا يَسْتَوْجِبُ الضَّرْبَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ تَمَامَهَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَبْدٌ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْإِجَارَةِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا قَالَ: هَذَا كَثِيرٌ لَا يَصْلُحُ وَلَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَامًا وَيَنْقُدَهُ إجَارَتَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: وَيَنْقُدَهُ إجَارَتَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا مَعَ النَّقْدِ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: إجَازَةُ النَّقْدِ فِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا خِلَافُ قَوْلِ غَيْرِهِ فِيهَا انْتَهَى.
اللَّخْمِيُّ الْأَمَدُ فِي الْمُسْتَأْجَرِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَأَوْسَعُهَا فِي الْأَجَلِ الْأَرَضُونَ، ثُمَّ الدُّورُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ، ثُمَّ الدَّوَابُّ، ثُمَّ الثِّيَابُ فَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعِينَ بِغَيْرِ نَقْدٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةَ الشُّرْبِ فَيَجُوزُ مَعَ النَّقْدِ وَيَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الدُّورِ إذَا كَانَتْ
جَدِيدَةً مَأْمُونَةَ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً فَدُونَ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ يَأْمَنُ سَلَامَتَهَا فِي الْغَالِبِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْعَبِيدِ، فَأَجَازَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْعِشْرِينَ سَنَةً بِالنَّقْدِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَنَعَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعِشْرِينَ، وَأَرَى أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى سِنِّ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ يُخْتَلَفُ فِي إجَارَتِهَا بِاخْتِلَافِ الْعَادَةِ فِي أَعْمَارِهَا فَالْبِغَالُ أَوْسَعُهَا أَجَلًا؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ أَعْمَارًا، وَالْحَمِيرُ دُونَ ذَلِكَ، وَالْإِبِلُ دُونَ ذَلِكَ، وَالْمَلَابِسُ فِي الْأَجَلِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيَفْتَرِقُ الْأَجَلُ فِي الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَالْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ فَيُضْرَبُ مِنْ الْأَجَلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ عَشْرَ سِنِينَ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَهُ عَشْرَ سِنِينَ أَبُو الْحَسَنِ: مَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِشَرْطٍ، وَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ حَيَاتَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَهُ عَشْرَ سِنِينَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ بِالنَّقْدِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُنْقَدْ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا عَمِلَ أَخَذَ بِحِسَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيَوْمٌ، أَوْ خِيَاطَةُ ثَوْبٍ مَثَلًا وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا وَتُسَاوَيَا، أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَتْ صَنْعَةً يَجُوزُ أَنْ تُقَيَّدَ بِالزَّمَنِ كَخِيَاطَةِ يَوْمٍ مَثَلًا، أَوْ بِمَحِلِّ تِلْكَ الصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَثَلًا، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ التَّقْيِيدِ بِالْمَحِلِّ وَالزَّمَنِ فَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مُشْكِلًا فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْإِشْكَالُ فِي أَنَّ الْعَمَلَ يُمْكِنُ تَمَامُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِإِمْضَاءِ هَذِهِ الْعُقْدَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي قَالَهُ مَنْ يُرْتَضَى مِنْ الشُّيُوخِ: أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ إنْ كَانَ أَوْسَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِكَثِيرٍ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ أَضْيَقَ بِكَثِيرٍ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَنُ مُسَاوِيًا لِمِقْدَارِ الْعَمَلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَعْيِينِ الْمَشْهُورِ مِنْهَا انْتَهَى.
بِاخْتِصَارٍ، فَالضَّيِّقُ لَا يَجُوزُ وَالْمُسَاوِي لَا يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ بِاتِّفَاقٍ، وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورَيْنِ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِالْفَسَادِ فِيهِ لِقُوَّةِ الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ لِحِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ، وَالْوَاسِعُ يَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِاتِّفَاقٍ وَيُمْنَعُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِلَى اتِّفَاقِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا، وَمَشْهُورِ ابْنِ رُشْدٍ أَشَارَ بِالْخِلَافِ، وَالضَّيِّقُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْفَسَادِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْكِ مَعَ التَّسَاوِي قَوْلًا بِالْجَوَازِ عُلِمَ أَنَّ الضَّيِّقَ أَحْرَى مِنْهُ
فَقَوْلُهُ: وَتَسَاوَيَا مَفْهُومُهُ: إنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا يُرِيدُ بِأَنْ كَانَ أَوْسَعَ فَلَا تَفْسُدُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ مُطْلَقًا أَيْ تَفْسُدُ مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ مُسَاوِيًا أَمْ وَاسِعًا خِلَافٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ مِنْ أَوَّلِ رَسْمِ سَمَاعِ أَشْهَبَ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ يَكُونُ لِلْأَجِيرِ إنْ فَاتَتْ الْإِجَارَةُ بِالْعَمَلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عَلَى تَعْجِيلِهَا، أَوْ تَأْخِيرِهَا، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَإِنْ فَرَغَ مِنْهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي سَمَّى كَانَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ الْمُسَمَّاةُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ لَهُ إجَارَتُهُ عَلَى غَيْرِ التَّعْجِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا رَضِيَ بِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ، فَإِذَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ بَاطِلًا انْتَهَى.
ص (وَالْعُرْفُ فِي كَغَسْلِ خِرْقَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: أَيْ وَجَازَ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ، أَوْ وَاعْتُبِرَ الْعُرْفُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُحْمَلُ فِي الدِّهَانِ وَغَسْلِ الْخِرَقِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ: عَلَى الظِّئْرِ قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ أَيْ كَحَمِيمِهِ وَدَقِّ رَيْحَانِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ، فَإِنْ اقْتَضَى أَنَّهُ عَلَى الظِّئْرِ، فَعَلَيْهَا، وَإِنْ اقْتَضَى أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ، فَعَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِالْحُكْمِ إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ نَعَمْ نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْعُرْفِ عَلَى الْأَبِ وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: عَلَى الظِّئْرِ أَيْ مَعَ عَدَمِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُخَالِفُ مَعَ ثُبُوتِ الْعُرْفِ انْتَهَى.
ص (وَلِزَوْجِهَا فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَتُرْضِعُهُ حَيْثُ اشْتَرَطُوا، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا مَوْضِعًا فَشَأْنُ النَّاسِ الرَّضَاعُ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ إلَّا امْرَأَةً لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ يَكُونُ الْأَبُ وَضِيعًا لَا يُرْضِعُ مِثْلُهَا عِنْدَهُ، فَذَلِكَ لَهَا، وَقَالَ أَبُو الْحَسَن اللَّخْمِيُّ: وَرَضَاعُ الْوَلَدِ فِي بَيْتِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ رَضَاعَهُ عِنْدَ أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةُ مُعَيَّنَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَقْلُهَا إلَى دَارِ الْمُشْتَرِي.
ص (كَأَهْلِ الطِّفْلِ إذَا حَمَلَتْ)
ش: وَلَهُمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَوْتَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ غَيْرُ الْمَوْتِ، فَيَكُونُ لَهُمْ تَرْكُهُ، وَلَكِنْ عَلَى الْكَرَاهَةِ هَذَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الضَّرَرُ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَأْتِيَ بِغَيْرِهَا أَبُو الْحَسَنِ: وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ ذَلِكَ إذَا طَلَبَتْهُ هِيَ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ نَقَدَهَا الْأُجْرَةَ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ انْتَهَى.
وَكَرَّرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي قَوْلِهِ: وَحَمْلُ ظِئْرٍ، أَوْ مَرَضٌ
ص (وَمَوْتُ إحْدَى الظِّئْرَيْنِ) ش: الظِّئْرُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْهَمْزَةِ الْمُرْضِعُ، وَيُرِيدُ الْمُصَنِّفُ إذَا اسْتَأْجَرَهُمَا جَمِيعًا أَوْ اسْتَأْجَرَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ الْأُولَى وَعَلِمَتْ بِهَا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ آجَرَ ظِئْرَيْنِ، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ فَلِلْبَاقِيَةِ أَنْ لَا تُرْضِعَ وَحْدَهَا وَمَنْ آجَرَ وَاحِدَةً، ثُمَّ آجَرَ أُخْرَى فَمَاتَتْ الثَّانِيَةُ: فَالرَّضَاعُ لِلْأُولَى لَازِمٌ كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُولَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ تُرْضِعُ مَعَ الثَّانِيَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْحَقِّ: هَذَا إنْ عَلِمَتْ حِينَ الْإِجَارَةِ أَنَّ مَعَهَا غَيْرَهَا، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ فَلَا كَلَامَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَحْدَهَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ حَمْدِيسٌ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَرِضَتْ الظِّئْرُ مَرَضًا لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الرَّضَاعِ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَوْ صَحَّتْ فِي بَقِيَّةٍ مِنْهَا أُجْبِرَتْ عَلَى الرَّضَاعِ بَقِيَّتَهَا، وَلَهَا مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعَتْ، وَلَيْسَ أَنْ تُرْضِعَ مَا مَرِضَتْ قَالَ غَيْرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونُ الْكِرَاءُ انْفَسَخَ بَيْنَهُمَا فَلَا تَعُودُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ تَمَادَى بِهَا مَرَضُهَا حَتَّى مَضَى وَقْتُ الْإِجَارَةِ فَلَا تَعُودُ إلَى رَضَاعٍ أَبُو الْحَسَنِ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ: وَلَوْ كَانَ مَرَضًا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الرَّضَاعِ لَمْ يَنْفَسِخْ، وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ بِمَرَضِهَا إنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهَا عَنْ قُرْبٍ، فَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ عَنْ قُرْبٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ وَذَهَبَ قَرِيبًا لَمْ تُنْقَضْ الْإِجَارَةُ إنْ لَمْ يَكُونَا تَفَاسَخَا، وَيُخْتَلَفُ إنْ كَانَا تَفَاسَخَا هَلْ ذَلِكَ حُكْمٌ مَضَى، أَوْ
يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُمَا أَخْطَآ فِيمَا ظَنَّا أَبُو الْحَسَنِ: وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ عَنْ قُرْبٍ فَلَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيهَا: وَلَوْ صَحَّتْ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ أُجْبِرَتْ سَوَاءٌ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، أَوْ لَمْ تُفْسَخْ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافًا، وَقَدْ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ خِلَافٌ، أَوْ تَفْسِيرٌ؟ ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أُجْبِرَتْ مَا لَمْ يَتَفَاسَخَا انْتَهَى.
(قُلْت:) ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ مَرَضِ الْمُرْضِعَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ (فَرْعٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: إنْ تَكَفَّلَتْ قَبْلَ الْإِجَارَةِ وَوَجَبَ سَجْنُهَا سُجِنَتْ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِنْ تَكَفَّلَتْ بَعْدَ الْإِجَارَةِ لَمْ تُسْجَنْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ يَمْنَعُ مِنْ قَبْضِ مَا بَاعَتْهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الضَّمَانِ نَحْوُ هَذَا وَأَوْسَعُ مِنْهُ فَانْظُرْهُ.
ص (وَمَوْتُ أَبِيهِ، وَلَمْ تَقْبِضْ أُجْرَةً إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ، وَلَمْ يَدَعْ مَالًا، وَلَمْ تَأْخُذْ الظِّئْرُ مِنْ إجَارَتَهَا شَيْئًا فَلَهَا فَسْخُ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَائِهَا لَمْ تُفْسَخْ، وَمَا وَجَبَ لِلظِّئْرِ فِيمَا مَضَى فَفِي مَالِ الْأَبِ وَذِمَّتِهِ، وَلَا طَلَبَ فِيهِ عَلَى الصَّبِيِّ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ قَبَضَتْ إجَارَتَهَا، وَلَمْ يَدَعْ الْأَبُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَفْسَخُوا الْإِجَارَةَ وَيَأْخُذُوا مِنْهَا حِصَّةَ بَاقِي الْمُدَّةِ وَلَكِنْ يَتْبَعُونَ الصَّبِيَّ بِمَا يَنُوبُهُمْ مِنْ أُجْرَةِ بَاقِيهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَتَوَسُّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ هَلَكَ الْأَبُ فَحِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ مِنْ الْأَجْرِ فِي مَالِ الْوَلَدِ قَدَّمَهُ الْأَبُ، أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ وَتَرْجِعُ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّة مِنْ الْأُجْرَةِ إنْ قَدَّمَهُ الْأَبُ مِيرَاثًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَطِيَّةً وَجَبَتْ إذْ لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ لَمْ تُورَثْ عَنْهُ، وَكَانَتْ لِلْأَبِ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ فَفَارَقَ مَعْنَى الضَّمَان انْتَهَى.
قَالَهُ فِي النُّكَتِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَدَّمَ الْأَبُ أُجْرَةَ تَعْلِيمِ وَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مِيرَاثًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعْلِيمَ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ فَلَمَّا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَأَمَّا أُجْرَةُ الرَّضَاعِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَبِ فَإِنَّمَا قَدَّمَ مَا يَلْزَمُهُ، فَإِذَا مَاتَ سَقَطَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَبَ قَدَّمَ ذَلِكَ لِلْوَلَدِ خَوْفَ الْمَوْتِ، فَيَكُونُ عَطِيَّةً أَوْجَبَهَا فِي صِحَّتِهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ تَكُونَ مِيرَاثًا، وَتَسْتَوِي إجَارَةُ الظِّئْرِ وَإِجَارَةُ التَّعْلِيمِ، وَأَعْرِفُ نَحْوَ هَذَا التَّفْسِيرِ لِابْنِ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
ص (وَكَظُهُورِ مُسْتَأْجَرٍ اُسْتُؤْجِرَ بِأَكْلِهِ أَكُولًا) ش يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ وَيُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْأَجِيرُ بِطَعَامِ مِثْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُضَرَّ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْطِيَهُ طَعَامًا وَسَطًا كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حَمْلِ رَجُلَيْنِ لَمْ يَرَهُمَا فَأَتَى بِهِمَا عَظِيمَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُمَا وَيَأْتِي بِالْوَسَطِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَحْمُولَ لَا يَتَعَيَّنُ فَلِذَلِكَ لَزِمَ فِيهِ الْوَسَطُ قَالَهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَنْعُ زَوْجٍ رَضِيَ مِنْ وَطْءٍ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ) ش: فَإِنْ تَعَدَّى وَوَطِئَ فَلِأَبِ الرَّضِيعِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ لِمَا يُتَّقَى مِنْ
الضَّرَرِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُمَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَلَمْ يَفْسَخْهُ مِنْ الْوَثَائِقِ انْتَهَى.
مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَأَظُنُّ أَنَّ مُرَادَهُ وَثَائِقُ الْجَزِيرِيِّ أَوْ الْوَثَائِقُ الْمَجْمُوعَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسَفَرٌ) ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا، فَإِنْ أُجِّرَتْ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ.
[فَرْعٌ لَيْسَ لِلْأَبَوَيْنِ إنْ سَافَرَا أَخْذُ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَا إلَى الظِّئْرِ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ سَافَرَ الْأَبَوَانِ فَلَيْسَ لَهُمَا أَخْذُ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَدْفَعَا إلَى الظِّئْرِ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ كُلَّمَا صَنَعَتْ الظِّئْرُ، أَوْ وَالِدُ الصَّبِيِّ مِمَّا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِالطَّوْعِ مِنْ الْآخَرِ، وَكُلُّ مَا نَزَلَ بِهِمَا مِنْ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ مِمَّا لَا صُنْعَ لَهُمَا فِيهِ فَهَذَا يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ كَرِهَ الْآخَرُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ آجَرَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَتَنَازَعَتْ مَعَهُ لِمَنْ يَكُونُ مَا أَخَذَتْ فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهَا؟ فَوَقَعَ الْحُكْمُ بِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ لَهَا بِحِسَابِهِ، وَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَلَا حُجَّةَ لِلزَّوْجِ بِأَنَّهُ مَلَكَ مَنَافِعَهَا فَبَاعَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا مَنَافِعُ الْأَشْيَاءِ الْبَاطِنَةِ انْتَهَى.
ص (وَبَيْعُهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً)
ش: قَالَ الشَّارِحُ أَيْ وَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ وَيَتَّجِرَ بِثَمَنِهَا سَنَةً انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ لَيْسَ هُوَ مِنْ تَمَامِ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ هُوَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ إنْ وَقَعَ كَذَلِكَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ: أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِثَمَنِهَا سَنَةً كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَغَنَمٍ لَمْ تُعَيَّنْ، وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آجِرِهِ)
ش: كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِلَمْ قَبْلَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَهِيَ
مُشْكِلَةٌ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْغَنَمَ إذَا لَمْ تُعَيَّنْ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَصِيرُ قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى، وَإِنْ عُيِّنَتْ فَلَهُ الْخَلَفِ، وَيُرِيدُ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخَلَفُ فِي الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَعَ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَقَدْ تَكَلَّفَ الْبِسَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ: التَّشْبِيهُ وَقَعَ بَيْنَ الْغَنَمِ إذَا لَمْ تُعَيَّنْ وَبَيْنَ التَّجْرِ بِثَمَنِ السِّلْعَةِ سَنَةً مَعَ شَرْطِ الْخَلَفِ فِي أَنَّ عَلَى الْمَالِكِ الْخَلَفَ لَا فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِالشَّرْطِ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا مَعَ عَدَمِهِ يَعْنِي أَنَّ الْغَنَمَ إذَا لَمْ تُعَيَّنْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْخَلَفُ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ فَافْهَمْهُ فَإِنَّهُ كَاللُّغْزِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي الْجَوَائِحِ يَجُوزُ كَذَا كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى رَعْي غَنَمٍ لَمْ تُعَيَّنْ، وَذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِي قَالَ: وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ مَعْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْخَلَفِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ عُيِّنَتْ مَعَ الشَّرْطِ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَلَفِ، أَوْ يَدْفَعَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ وَمَعْنَاهُ عَلَى الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْغَنَمِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَجُوزُ يَعْنِي إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَهُوَ عَلَى أَجْرِهِ الْأَوَّلِ انْتَهَى.
وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّكَلُّفِ بَعِيدُ الْمُلَاءَمَةِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ كَغَنَمٍ عُيِّنَتْ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَإِلَّا فَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آجِرِهِ، وَهَذِهِ لَا إشْكَالَ فِيهَا، وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْغَنَمَ إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى رَعْيِهَا إذَا شُرِطَ الْخَلَفُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ، وَلَهُ الْخَلَفُ عَلَى آجِرِهِ يُرِيدُ، أَوْ يَدْفَعُ لَهُ الْأُجْرَةَ كَامِلَةً قَالَ فِي كِتَابِ أَوَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِثَمَنِهَا سَنَةً كَانَ كَمَنْ آجُرهُ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ سَنَةً، أَوْ يَرْعَى لَهُ غَنَمًا بِعَيْنِهَا سَنَةً، فَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ خَلَفَ مَا هَلَكَ، أَوْ تَلِفَ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَأَبَى رَبُّهُ مِنْ خَلَفِهِ قِيلَ لَهُ: أَدِّ الْإِجَارَةَ وَاذْهَبْ بِسَلَامٍ، وَتَكُونُ لَهُ أُجْرَتُهُ تَامَّةً، وَلَوْ آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ مِائَةِ شَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ خَلَفَ مَا مَاتَ مِنْهَا، وَلَهُ خَلَفُ مَا مَاتَ مِنْهَا بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّرْطِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى مُطَابِقٌ لِهَذَا عَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى آجِرِهِ أَتَى بِهِ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي لَهُ الْخَلَفُ إنَّمَا هُوَ الْآجِرُ أَعْنِي رَبَّ الْغَنَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الْمَسْأَلَةِ وَتَفْرِيعَاتِهَا مَبْسُوطٌ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرُوا مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّجِرَ بِالرِّبْحِ بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْغَنَمِ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْعَى أَوْلَادَهَا قَالُوا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ مَجْهُولٌ، وَمَا تَلِدُهُ الْغَنَمُ مَعْرُوفٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لِاحْتِمَالِ وِلَادَتِهَا وَاحِدًا، أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنَّهُ أَقَلُّ غَرَرًا مِنْ الثَّمَنِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (كَرَاكِبٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الرَّاكِبَ إذَا تَعَذَّرَ رُكُوبُهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ وَيَلْزَمُهُ أَوْ وَرَثَتَهُ إنْ مَاتَ أَنْ يَأْتُوا بِالْخَلَفِ، أَوْ يَدْفَعُوا جَمِيعَ الْأُجْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَطَرِيقٌ فِي دَارٍ) ش: إذَا كَانَ يَصِلُ بِذَلِكَ إلَى مَنْفَعَةٍ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ، وَإِلَّا فَهُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
ص (أَوْ مَسِيلُ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ) ش: قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْمِرْحَاضُ: الْمُغْتَسَلُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَوْضِعِ الْخَلَاءِ: مِرْحَاضٌ
ص (وَكِرَاءُ رَحَا مَاءٍ بِطَعَامٍ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالُوا: نَبَّهَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الطَّحْنِ بِالْمَاءِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ فِي الْمَاءِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بِطَعَامٍ، أَوْ أَنَّ الرَّحَا لَمَّا كَانَتْ مُتَشَبِّثَةً بِالْأَرْضِ، فَيَكُونُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ الْمَشَذَّالِيُّ وَنَحْوُهُ كِرَاءُ الْمِعْصَرَةِ بِالزَّيْتِ وَالْمَلَّاحَةِ بِالْمِلْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَلَى الْحُذَّاقِ)
ش: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: الْحِدَاقُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ انْتَهَى، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
ص (وَعَلَى حَفْرِ بِئْرٍ إجَارَةً وَجَعَالَةٌ)
ش: وَيُجَوَّزُ الْجُعْلُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مِلْكِ الْجَاعِلِ أَمْ لَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي بَابِ الْجُعْلِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي جَوَازِهِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ قَوْلَانِ وَانْظُرْ الشَّيْخَ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ فِي رَدِّ آبِقٍ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجُعْلِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَعْنِي قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَقَالَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ الْوَرَقَتَيْنِ: إنَّ الْجُعْلَ عَلَى الْحَفْرِ لَا يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْجَاعِلُ عَلَى الْمَشْهُورِ ذَكَرَهُ إثْرَ الْكَلَامِ الْآتِي ذِكْرُهُ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِبَارُ الْأَرْضِ فِي لِينِهَا وَقَسَاوَتِهَا وَالثَّانِي: اسْتِوَاءُ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعِلْمِ بِهَا وَالْجَهْلِ، وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ مُتَدَافِعَانِ كَمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُعْلِ الْعِلْمُ بِحَالِ الْأَرْضِ وَالثَّانِي: يَقْتَضِي أَنَّ شَرْطَ الْجُعْلِ اسْتِوَاءُ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعِلْمِ بِهَا، أَوْ الْجَهْلِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْأَوَّلَ اشْتَرَطَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي: اشْتَرَطَهُ فِي: الْعُتْبِيَّةِ فَهُمَا قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْجُعْلِ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَمَلُ كَعَمَلِ الْإِجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا فَإِنَّ مَسَافَةَ الْآبِقِ وَالضَّالَّةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: كَلَامُهُ يُوهِمُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْجَعَالَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ إلَّا بَعْدَ خِبْرَتِهِمَا الْأَرْضَ مَعًا، وَشَرَطَ فِي الْعُتْبِيَّةِ اسْتِوَاءَ حَالِ الْجَاعِلِ وَالْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعِلْمِ بِحَالِ الْأَرْضِ (قُلْت:) عَزْوُهُ لِلْمُدَوَّنَةِ شَرْطُ الْخِبْرَةِ لَا أَعْرِفُهُ فِي الْجُعْلِ نَصًّا، وَلَا ظَاهِرًا بَلْ بِلُزُومٍ يَأْتِي مَحَلُّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الصَّقَلِّيِّ قَالَ مَا نَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ بِمَوْضِعِ كَذَا
وَقَدْ خَبَرَا الْأَرْضَ، وَإِنْ لَمْ يَخْبُرَاهَا لَمْ يَجُزْ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ عَرَفَا الْأَرْضَ بِلِينٍ، أَوْ شِدَّةٍ، أَوْ جَهِلَاهَا مَعًا جَازَ، وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا، وَجَهِلَهُ الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ الْجُعْلُ فِيهِ انْتَهَى.
وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي حَمْلِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْجُعْلِ لِذِكْرِهِ عَلَيْهَا نَقْلَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجُعْلِ (قُلْت:) لَفْظُهَا فِي الْأُمِّ قُلْت: إنْ اسْتَأْجَرْت مَنْ يَحْفِرُ لِي بِئْرًا بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ قَالَ: إنْ خَبَرُوا الْأَرْضَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَخْبُرُوهَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ كَذَا سَمِعْت مَالِكًا وَسَمِعْتُهُ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى حَفْرِ فُقُرِ النَّخْلِ يَحْفِرُهَا إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءَ إنْ عَرَفَا الْأَرْضَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَاهَا فَلَا أُحِبُّهُ قُلْتُ: فَلَفْظُ الْإِجَارَةِ مَعَ ذِكْرِ فُقُرِ النَّخْلِ كَالنَّصِّ فِي عَدَمِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ حَفْرَ فُقُرِ النَّخْلِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ دَائِمًا، أَوْ غَالِبًا، وَالْجُعْلُ عَلَى الْحَفْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الْجَاعِلُ.
وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِمُسْتَأْجِرٍ لَمْ يَجُزْ فِيهَا جُعْلٌ عَلَى بِنَاءٍ، أَوْ حَفْرٍ، وَمَا نَسَبَهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ إيهَامِ الْعُمُومِ مِثْلُهُ لَفْظُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّلْقِينِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ بِلَفْظِهِ
ص (كَإِيجَارِ مُسْتَأْجِرٍ دَابَّةً، أَوْ ثَوْبًا لِمِثْلِهِ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَإِيجَارِ مُسْتَأْجِرٍ دَابَّةً، أَوْ لِفَظٍّ لِمِثْلِهِ بِأَوْ الْعَاطِفَةِ وَلِفَظٍّ فَاللَّامُ الْجَرِّ وَلِفَظٍّ مِنْ الْفَظَاظَةِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ غَلِقَةٌ، وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهَا تَقْدِيمٌ، أَوْ عَلَى لِفَظٍّ غَلَطًا مِنْ النَّاسِخِ، وَيَكُونُ أَصْلُهَا لِفَظٍّ أَوْ لِمِثْلِهِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤْجِرَهَا لِفَظٍّ، أَوْ لِمِثْلِهِ، وَيَكُونُ الْمُؤَلِّفُ فِي عُهْدَةِ أَنَّ إجَارَتَهَا لِفَظٍّ مَكْرُوهٌ فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ كَرِهَ إجَارَتَهَا لِمِثْلِهِ، أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ أَفَظُّ مِنْهُ، أَوْ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْأَمَانَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ، وَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِمِثْلِهِ، أَوْ أَخَفَّ كَانَ جَارِيًا عَلَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِمَالِكٍ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ إجَازَةُ كِرَاءِ الدَّابَّةِ لِمِثْلِهِ، أَوْ أَخَفَّ (تَنْبِيهٌ:) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا اكْتَرَاهَا لِلرُّكُوبِ قَالَ فِي الْإِجَارَةِ مِنْهَا وَكَرِهَ مَالِكٌ لَمُكْتِرِي الدَّابَّةِ لِرُكُوبِهِ كِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ مِثْلَهُ، أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لَمْ أَفْسَخْهُ، وَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ أَكْرَاهَا فِيمَا اكْتَرَاهَا فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَأَمَانَتِهِ وَخِفَّتِهِ، وَلَوْ بَدَا لَهُ عَنْ السَّفَرِ، أَوْ مَاتَ أُكْرِيَتْ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ، وَلَيْسَ كَكِرَاءِ الْحَمُولَةِ وَالسَّفِينَةِ وَالدَّارِ هَذَا لَهُ أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ انْتَهَى.
وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَ كِرَائِهَا إذَا كَانَتْ مُكْتَرَاةً لِلْحَمْلِ بِأَنْ يَصْحَبَهَا رَبُّهَا فِي السَّفَرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي هُوَ الَّذِي يُسَافِرُ بِهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الَّتِي لِلرُّكُوبِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَبِلَهُ، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ لَا يَسُوقُهَا بِنَفْسِهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ كِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ اكْتَرَاهَا لِلرُّكُوبِ، أَوْ لِلْحَمْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ صَاحِبُهَا، فَإِنْ أَعْلَمَهُ وَسَلَّمَ أَنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ أَكْرَاهَا، وَإِنْ كَرِهَ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ رُفِعَ لِلْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مَنَعَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ أَمْضَى كِرَاءَهُ، وَمُكِّنَ الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُهَا حَتَّى سَافَرَ الثَّانِي، أَوْ عَلِمَ، وَغَلَبَهُ نُظِرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَوْ رُفِعَ لِلْحَاكِمِ مَكَّنَهُ مِنْ السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ السَّفَرِ كَانَ عَلَى حُكْمِ الْمُتَعَدِّي، فَإِنْ سُلِّمَتْ أَخَذَهُ بِفَضْلِ كِرَاءِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ، وَإِنْ حَدَثَ عَيْبٌ ضَمِنَهُ إنْ كَانَ الْعَيْبُ لِأَجْلِ رُكُوبِهِ، وَإِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي كِرَائِهَا مِنْ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَادَّعَى ضَيَاعَهَا ضَمِنَ الْأَوَّلُ:؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ عَدِيمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عَالِمًا بِتَعَدِّيهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَاخْتُلِفَ إنْ حَدَثَ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ الرُّكُوبِ هَلْ
يَضْمَنُهُ الْأَوَّلُ: أَوْ لَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ الضَّيَاعَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ أَكْرَاهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي الْأَمَانَةِ وَأُضِرَّ مِنْهُ فِي الرُّكُوبِ وَادَّعَى الضَّيَاعَ، هَلْ يَضْمَنُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْوَجْهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَضْمَنَ الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يُؤْتَى مِنْ سَبَبِ الْوَجْهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ انْتَهَى.
مِنْ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَعْلَمَ صَاحِبَهَا عِنْدَ كِرَائِهَا مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَأَنَّ كِرَاءَهُ إيَّاهَا لِمَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَيَجِبُ تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ لَا الرَّاكِبِ، وَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمِثْلِهِ خِفَّةً وَحَذَقًا بِالْمَسِيرِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا، أَوْ يُسْكِنَهَا أَوْ يُؤَجِّرَهَا مِنْ مُؤَجِّرِهَا، أَوْ أَجْنَبِيٍّ مِثْلِ الْآجِرِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُهُ فِي الْإِرْشَادِ قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ فِي الْعُمْدَةِ: ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لَا يَتَعَيَّنُ، وَإِنْ عَيَّنَ بَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ مُؤَجِّرَهُ وَغَيْرَهُ بِمِثْلِ الْإِجَارَةِ وَبِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: مَعْنَاهُ إذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ دَارًا لِيَسْكُنَهَا، أَوْ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْكُنَهَا، أَوْ يَرْكَبَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ نَفْسَهُ لِلسُّكْنَى، أَوْ لِلرُّكُوبِ بَلْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ يُكْرِيَهَا لِمَنْ شَاءَ مِمَّنْ هُوَ فِي رِفْقِهِ فِي السُّكْنَى، وَفِي خِفَّتِهِ فِي الرُّكُوبِ وَحَذَقِهِ فِي الْمَسِيرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِالْعَقْدِ فَلَهُ أَنْ يُمْلِكَهَا لِمَنْ شَاءَ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَلِهَذَا يَكُونُ لَهُ إجَارَةُ مَا اسْتَأْجَرَهُ مِمَّنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِمُكْتِرِي الدَّابَّةِ لِرُكُوبِهِ كِرَاءَهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ، وَإِنْ أَكْرَاهَا لَمْ أَفْسَخْهُ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ، وَلَوْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهُ، وَجُعِلَ مِثْلَهُ فَأَدْنَى وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ خَاصَّةً إلَّا أَنْ يَمُوتَ، أَوْ يَبْدُوَ لَهُ انْتَهَى.
[فَرْعٌ شَرَطَ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنَّهُ لَا يُكْرِيهَا لِغَيْرِهِ]
(فَرْعٌ:) لَوْ شَرَطَ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنَّهُ لَا يُكْرِيهَا لِغَيْرِهِ فَكُنْتُ كَتَبْت أَوَّلًا بِأَنِّي لَمْ أَرَ الْآنَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا لِمِثْلِهِ أَوْ أَخَفَّ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَاحِبِ الْعُمْدَةِ أَنَّ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ لَا يَتَعَيَّنُ، وَلَوْ عُيِّنَ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الدُّورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَلَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ بِأَقَلَّ، وَمَنْ اكْتَرَى حَانُوتًا لِلْقِصَارَةِ فَلَهُ كِرَاؤُهُ مِنْ حَدَّادٍ أَوْ طَحَّانٍ، أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَكْثَرَ ضَرَرًا بِالْبُنْيَانِ فَيُمْنَعُ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ اكْتَرَى بَيْتًا، وَشَرَطَ أَنْ لَا يُسْكِنَ مَعَهُ أَحَدًا فَتَزَوَّجَ، أَوْ ابْتَاعَ رَقِيقًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُكْنَاهُمْ ضَرَرٌ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي سُكْنَاهُمْ ضَرَرٌ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَقَدْ تَكُونُ غَرْفَةً ضَعِيفَةَ الْخَشَبِ وَنَحْوَهُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ اكْتَرَى غَرْفَةً فَشَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّهَا أَنْ لَا يُسْكِنَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِيهَا لِضَعْفِ خَشَبِ الْغَرْفَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَهُ شَرْطُهُ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُسْكِنَ مَعَهُ غَيْرَهُ لَا يُوفِي لَهُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَمِنْ بَابِ أُولَى أَنْ لَا يُوفِيَ لَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُسْكِنَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ رَأَيْت النَّصَّ فِيهِ نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَشَهْرٌ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ يَوْمًا لَزِمَ إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ فِي أَوَّلِ فَصْلٍ جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ، وَنَصُّهُ: ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ، وَأَنَّهُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَسْكُنْ، فَإِذَا سَكَنَ انْعَقَدَ الْكِرَاءُ فِي الشَّهْرِ، فَإِنْ أَرَادَ إنْ سُكِنَتْ فَالْكِرَاءُ لِي لَازِمٌ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَكْرِيَ مِنْ غَيْرِي كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَبِيعُ مِنْهُ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَهَبَ فَهَذَا لَوْ أَسْقَطُوا الشَّرْطَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَمَّ الْكِرَاءُ، وَأَمَّا إنْ شَرَطَ إنْ خَرَجَتْ عَادَ الْمَسْكَنُ لِلْمُكْرِي، وَعَلَيْهِ جُمْلَةُ الْكِرَاءِ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ كِرَاءِ الثَّوْبِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ كِرَاءِ الثَّوْبِ: فَإِنْ هَلَكَ بِيَدِكَ لَمْ تَضْمَنْهُ، وَإِنْ دَفَعْتَهُ إلَى غَيْرِكَ كُنْتَ ضَامِنًا إنْ تَلِفَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ مِثْلَهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ مِثْلَهُ، وَمَسْأَلَةُ مَنْ اكْتَرَى فُسْطَاطًا إلَى مَكَّةَ فَأَكْرَاهُ مِنْ مِثْلِهِ فِي مِثْلِ
حَاجَتِهِ إلَيْهِ هِيَ الْأَصْلُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا: ذَلِكَ جَائِزٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي اسْتِدْلَالِ سَحْنُونٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي اللُّبْسِ أَكْثَرُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُسْطَاطِ.
ص (وَتَعْلِيمُ فِقْهٍ وَفَرَائِضَ) ش: أَيْ وَتُكْرَهُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ فِقْهٍ وَفَرَائِضَ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ اللَّخْمِيُّ وَيَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَأْخُذَ أَجْرًا مِمَّنْ يُفْتِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: قُلْت فِي الْأَجْرِ عَلَى الشَّهَادَةِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ جُلِّ تَكَسُّبِهِ، فَأَخْذُهُ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ الْمَالِ لِتَعَذُّرِهَا مِنْهُ عِنْدِي خَفِيفٌ، وَهُوَ مُجْمَلُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ عَلْوَانَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْأَجْرَ الْخَفِيفَ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ انْتَهَى، وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْهُ.
ص (وَقِرَاءَةٌ بِلَحْنٍ) ش: حَمَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ ذِكْرُ كَرَاهِيَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ فِي فَصْلِ سُجُودٍ وَقِرَاءَةِ تَلْحِينٍ وَحَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ ذِكْرُ كَرَاهَةِ الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ قَالَ: لِأَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ فِي عَدِّ الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَكَانَ الْحَامِلُ لِلشَّارِحِ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِكَرَاهَةِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا، وَهُوَ إنْ كَانَ كَذَلِكَ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةً، وَالْكَلَامُ فِي كَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِي كَلَامِ مَالِكٍ عَلَى بَابِهَا، أَوْ عَلَى الْمَنْعِ تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَاللَّحْنُ بِسُكُونِ الْحَاءِ ذَكَرَهُ الْبِسَاطِيُّ وَغَيْرُهُ
[فَرْعٌ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَكْرَهُ الْإِجَارَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّوْحِ، أَوْ عَلَى كِتَابَةِ ذَلِكَ، أَوْ إجَارَةٍ كُتِبَ فِيهَا ذَلِكَ أَوْ بَيْعَهَا عِيَاضٌ مَعْنَاهُ نَوْحُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَنَاشِيدُهُمْ الْمُسَمَّى بِالتَّغَنِّي عَلَى طَرِيقِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ نَحْوًا، وَهُوَ غَلَطٌ وَخَطَأٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَخْذَ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ عَلَى ادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ أَوَائِلِ مُسْلِمٍ وَاعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ عَلَى ادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ، أَوْ ظَنِّهِ لَا يَجُوزُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ انْتَهَى.
ص (وَمِعْزَفٌ)
ش: بِكَسْرِ الْمِيم عِيَاضٌ الْمَعَازِفُ عِيدَانُ الْغِنَاءِ.
ص (وَكِرَاءُ عَبْدٍ لِكَافِرٍ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِضَافَةِ كِرَاءٍ لِعَبْدٍ وَاحِدُ الْعَبِيدِ وَجَرِّ كَافِرٍ بِاللَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا وَكِرَاءٌ لِعِيدِ كَافِرٍ بِإِدْخَالِ اللَّامِ عَلَى عِيدٍ وَاحِدُ الْأَعْيَادِ، وَإِضَافَتَهُ لِكَافِرٍ، وَكِلَاهُمَا وَاضِحٌ، وَفِي بَعْضِهَا وَكِرَاءٌ كَعَبْدِ كَافِرٍ بِإِدْخَالِ كَافِ التَّشْبِيهِ عَلَى عَبْدٍ وَاحِدُ الْعَبِيدِ وَتَجْرِيدِ كَافِرٍ مِنْ اللَّامِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا تَرْجِعُ لِلنُّسْخَةِ الْأُولَى، وَيَكُونُ كِرَاءٌ مُضَافًا إلَى عَبْدٍ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُهُ، وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِكَعَبْدٍ، فَيَكُونُ كَافِرٌ مَجْرُورًا، أَوْ يَكُونُ كِرَاءٌ مُضَافًا إلَى كَعَبْدٍ عَلَى عَادَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْمَجْرُورِ بِكَافِ التَّشْبِيهِ، وَكَافِرٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ كِرَاءٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَنَّ إجَارَةَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ مَكْرُوهَةٌ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ يَغِيبُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ مِنْهَا اسْتِيلَاءُ الْكَافِرِ عَلَى
الْمُسْلِمِينَ وَإِهَانَتُهُمْ وَالتَّمَكُّنُ مِنْ إذَايَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] ، وَمِنْهَا مَا يَخْشَى أَنَّهُمْ يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُمْ، وَمِنْهَا رُبَّمَا أَطْعَمُوهُمْ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَمِنْهَا مَا يُخْشَى مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فُسِخَتْ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ أَنَّ إجَارَةَ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمَحْظُورَةٌ وَحَرَامٌ، فَالْجَائِزُ لَأَنْ يَعْمَلَ لَهُ الْمُسْلِمُ عَمَلًا فِي بَيْتِ نَفْسِهِ كَالصَّانِعِ الَّذِي يَعْمَلُ لِلنَّاسِ وَالْمَكْرُوهَةُ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِجَمِيعِ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ يَدِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مُقَارِضًا، أَوْ مُسَاقِيًا وَالْمَحْظُورَةُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ تَحْتَ يَدِهِ كَأَجِيرِ الْخِدْمَةِ فِي بَيْتِهِ وَإِجَارَةِ الْمَرْأَةِ لِتُرْضِعَ لَهُ ابْنَتَهُ فِي بَيْتِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذِهِ تُفْسَخُ إنْ عُثِرَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَاتَتْ مَضَتْ، وَكَانَتْ لَهَا الْأُجْرَةُ، وَالْحَرَامُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْهُ فِيمَا لَا يَحِلُّ مِنْ عَمَلِ الْخَمْرِ، أَوْ رَعْي الْخَنَازِيرِ فَهَذَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ، فَإِنْ فَاتَ تَصَدَّقَ بِالْأُجْرَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي إجَارَةِ الْحُرِّ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ فِي إجَارَةِ الْعَبْدِ فَلَا شَكَّ أَنَّ إجَارَةَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ إذَا كَانَ يَغِيبُ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ لَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ وَيُؤَدَّبُ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُؤَجِّرُ أَدَبًا يَلِيقُ بِحَالِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ)
ش: قَالَ فِي التَّهْذِيبِ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، أَوْ يُكْرِي بَيْتَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فِي الْبَيْتِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ آجَرَ بَيْتَهُ لِقَوْمٍ لِيُصَلُّوا فِيهِ رَمَضَانَ لَمْ يُعْجِبْنِي ذَلِكَ كَمَنْ أَكْرَى الْمَسْجِدَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي كِرَاءِ الْبَيْتِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظَ التَّهْذِيبِ مَعَ زِيَادَةٍ، وَنَصُّهُ: وَفِيهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا بَيْتَهُ وَإِجَارَتُهُمَا لِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ عِيَاضٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ اللَّخْمِيُّ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ جَازَ (قُلْت:) اقْتِصَارُهُ عَلَى هَذَا دُونَ ذِكْرِ قَوْلِهَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ صَوَابٍ، وَإِنْ وَافَقَ مَفْهُومَ نَقْلِ الصَّقَلِّيِّ عَنْ سَحْنُونٍ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ كِرَاءُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُكْرَى، وَالْبَيْتُ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَكِرَاؤُهُ جَائِزٌ اللَّخْمِيُّ إنْ أَكْرَى بَيْتَهُ، أَوْ دَارِهِ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِمَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنْ نَزَلَ مَضَى، وَإِنْ أَخْلَى الْبَيْتَ وَسَلَّمَهُ جَازَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ جَازَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ لِيُكْرِيَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: قَوْلُهُ: فِي الرَّجُلِ يَبْنِي مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فِيهِ جَازَ وَكَرَاهِيَتُهُ لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي آجَرَ بَيْتَهُ مِنْ قَوْمٍ لِيُصَلُّوا فِيهِ فَلَا يُعْجِبُنِي، وَهُوَ كَمَنْ أَكْرَى الْمَسْجِدَ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِي الْبَيْتِ لَا بَأْسَ بِاسْتِئْجَارِهِ يُصَلَّى فِيهِ، وَإِجَازَتُهُ كِرَاءَ الدَّارِ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَرْقٌ، وَأَمَّا الَّذِي بَنَى مَسْجِدًا فَأَكْرَاهُ فَلَوْ أَبَاحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَكَانَ حَبْسًا لَا حُكْمَ فِيهِ لَهُ، وَلَا لِأَحَدٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُبِحْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكْتَرِيَهُ فَلَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي كِرَاءِ الْمَسْجِدِ: لَا يَصْلُحُ، وَفِي كِرَاءِ الْبَيْتِ: لَا يُعْجِبُنِي، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ كَمَا أَجَازَ إجَارَةَ الْمُصْحَفِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَأَفْعَالِ أَهْلِ الدِّينِ، وَهَذَا مَعْنَى مَنْعِ مُحَمَّدٍ عِنْدِي لِإِجَارَةِ الْمُصْحَفِ انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ وَانْظُرْ قَوْلَهُ: لَا يَصْلُحُ هَلْ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، أَوْ عَلَى الْمَنْعِ، فَعَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُكْرَى، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعِيَاضٍ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ زِيَادَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَثَبَتَتْ عِنْدَ ابْنِ نَاجِي فَقَالَ: قَوْلُهُ: لَا يَصْلُحُ عَلَى التَّحْرِيمِ لِزِيَادَتِهِ فِيهَا، وَإِجَارَتُهُمَا
لِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزَةٍ انْتَهَى.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَكْثَرُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْجَوَازِ لَا الْكَرَاهَةُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي التَّقْيِيدِ الصَّغِيرِ إثْرَ قَوْلِهِ فِي التَّهْذِيبِ وَأَجَازَ ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي الْبَيْتِ الشَّيْخُ وَأَجَازَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنْ يُكْرِيَ الْأَرْضَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَالْمَسْجِدُ فِي طَرَفٍ، وَالْأَرْضُ لِتُتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي طَرَفٍ، وَالْبَيْتُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ انْتَهَى.
، وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْغَيْرِ فِي الْبَيْتِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَيْرَ تَكَلَّمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَابْنُ الْقَاسِمِ قَبْلَ الْوُقُوعِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا إذَا كَانَ يُكْرِيهِ مِنْهُمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي غَيْرِهَا، وَقَوْلُ الْغَيْرِ فِيمَا إذَا كَانَ يُكْرِيهِ مِنْهُمْ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ مُدَّةَ كِرَائِهِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَفِيمَا شَاءُوا مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ وَاللَّخْمِيَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسُكْنَى فَوْقَهُ) ش هَذَا الْكَلَامُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ مَا فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَلِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ هُنَاكَ أَيْضًا وَلِتَابِعِيهِ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَمَّا الْمُدَوَّنَةِ فَفِي التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْقِصَاصِ وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى بِالْأَهْلِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَنَقَلَهَا ابْنُ يُونُسَ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا، ثُمَّ يَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ بِأَهْلِهِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ صَارَ يَطَؤُهَا عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَبِيتُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ فِي الصَّيْفِ فَكَانَ لَا يَقْرَبُ فِيهِ امْرَأَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ جَعْلُ عُلُوِّ مَسْكَنِهِ مَسْجِدًا، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ عُلُوِّ سُفْلِهِ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنُ الْعُلُوَّ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَالْوَاضِحَةِ، وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّكْنَى إلَى آخِرِهِ، قَالَ: فَإِنْ قُلْت، فَقَدْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ هُنَا خِلَافُ مَا فِي الْوَاضِحَةِ قِيلَ: الظَّاهِر حَمْلُهَا عَلَى الْمَنْعِ تَوْفِيقًا بَيْنَ النَّقْلَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَمَا نَسَبَهُ لِلْوَاضِحَةِ هُوَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْهَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِهَا: وَأَجَازَ مَالِكٌ لِلرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ سُفْلٌ وَعُلُوٌّ أَنْ يَجْعَلَ الْعُلُوَّ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنُ السُّفْلَ، أَوْ لَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيَسْكُنَ الْعُلُوَّ، وَفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَقَدْ صَارَ لِمَا فَوْقَهُ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا نَسَبَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيمَا قَالَهُ قَالَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّهْذِيبِ: وَلَا يَبْنِي فَوْقَ الْمَسْجِدِ بَيْتًا لِيَسْكُنَ فِيهِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا يُعْجِبُنِي انْتَهَى.
عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَصُّهُ: فِي أَوَاخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِيهَا الْمَسْجِدُ حَبْسٌ لَا يُورَثُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ وَأَكْرَهُ بَيْتًا لِلسُّكْنَى فَوْقَهُ لَا تَحْتَهُ انْتَهَى.
نَعَمْ حَمَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى التَّحْرِيمِ كَالْمُصَنِّفِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمَسْجِدَ لِلَّهِ إذَا بَنَاهُ الشَّخْصُ لَهُ وَحِيزَ عَنْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ فَوْقَهُ، فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْأَهْوِيَةِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْأَبْنِيَةِ فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ، وَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ، وَهَوَاءُ الْمَوَاتِ مَوَاتٌ، وَهَوَاءُ الْمِلْكِ مِلْكٌ، وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ لَا يَقْرَبُهُ الْجُنُبُ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنْ يُمْنَعَ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْقَافِ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْزَ خَشَبٍ حَوْلَهَا وَبَنَى عَلَى رُءُوسِ الْخَشَبِ سَقْفًا عَلَيْهِ بُنْيَانٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَّا فَرْعٌ: وَهُوَ إخْرَاجُ الرَّوَاشِنِ وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ، ثُمَّ أَخَذَ يُبَيِّنُ وَجْهَ خُرُوجِهِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ انْتَهَى بِاللَّفْظِ، وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَمِثْلُهُ فِي قَوَاعِدِ الْمُقِرِّي (قَاعِدَةٌ:) حُكْمُ الْأَهْوِيَةِ حُكْمُ مَا تَحْتَهَا فَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ فَلَا يُبَاعُ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَرَادَ غَرْسَ الْخَشَبِ حَوْلَهَا، وَبِنَاءَ الْهَوَاءِ سَقْفًا وَبُنْيَانًا انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي تَرْجَمَةِ إجَارَةِ الْمَسْجِدِ، أَوْ الدَّارِ وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا
لِلَّهِ أُحِيزَ عَنْهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ لَهَا عُلُوٌّ وَسُفْلٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيُبْقِيَ الْعُلُوَّ عَلَى مِلْكِهِ، فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ لِلْوَاضِحَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَتَابِعِيهِ، وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِجَوَازِهِ قَالَ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ: وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَبْنِيهِ لِلَّهِ، وَأَبْنِي فَوْقَهُ مَسْكَنًا، وَعَلَى هَذَا أَبْنِي جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الدَّارُ عُلْوًا وَسُفْلًا فَأَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ السُّفْلَ مَسْجِدًا، وَيُبْقِيَ الْعُلُوَّ عَلَى مِلْكِهِ جَازَ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَ هَذِهِ النُّقُولِ، وَيُجْعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَا يُعْجِبُنِي، أَوْ لَا يَبْنِي لَا يَجُوزُ وَيُحْمَلُ هُوَ، وَمَا فِي الْوَاضِحَةِ، وَمَا لِابْنِ شَاسٍ وَتَابِعِيهِ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ وَيُحْمَلُ مَا فِي الْجُعْلِ مِنْهَا، وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْأَخِيرُ، وَمَا لِلْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ اللَّخْمِيِّ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ، وَيُسَاعِدُ هَذَا التَّوْفِيقَ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي، وَنَصُّهُ: عَلَى قَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّهْذِيبِ، وَلَا يَبْنِي إلَى آخِرِهِ قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامَعُ فِيهِ، وَذَلِكَ كَالنَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ النَّظَائِرَ الْمَعْلُومَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ هَلْ ظَاهِرُ الْمَسْجِدِ كَبَاطِنِهِ أَمْ لَا؟ ، وَذَلِكَ يُوهِمُ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْجِدَ سَبَقَ فَهُوَ تَغْيِيرُ الْحَبْسِ بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ فَحَبَسَ الْعُلُوَّ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ فِي الْجُعْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ عَلَى قَوْلِهَا فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَكَرِهَ الْمُتَقَدِّمَ يُرِيدُ يَكُونُ تَحْبِيسُ الْمَسْجِدِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَنْ حَمَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاَلَّذِي فِي الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهِ قَالَ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلَ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّكْنَى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ تَحْتَهُ، وَلَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ أَيْ: لَا عَلَى الْمَسْجِدِ حُرْمَتُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، وَلَا سِيَّمَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا حَبَسَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ نَعَمْ لَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ الِاعْتِلَاءُ عَلَى رُءُوسِ الْمُصَلِّينَ الْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الْخَيْرِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَكَنَ بَيْتًا عِنْدَهُ، وَسَكَنَ أَبُو أَيُّوبَ غَرْفَةً عَلَيْهَا، وَانْهَرَقَتْ جَرَّةٌ فِي الْغَرْفَةِ فَخَشِيَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَدَّ الْكُوَّةَ الَّتِي هُنَاكَ بِقَطِيفَةٍ عِنْدَهُ، وَنَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْغَرْفَةِ وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ إلَى الْبَيْتِ وَاحْتَجَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِمَا ذَكَرَهُ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَبِيتُ بِالْمَدِينَةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ إذْ كَانَ أَمِيرًا فَلَا تَقْرَبُهُ امْرَأَةٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ سَبَقَ تَحْبِيسُهُ عَلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالسُّكْنَى بِالْأَهْلِ، أَوْ الْمَبِيتُ بِهِمْ عَلَى ظَهْرِهِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى مَا بُنِيَ لَهُ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ أَرَادَ إنْشَاءَ تَحْبِيسِ مَسْجِدٍ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ انْتَهَى.
وَرَأَيْت لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ كَلَامًا أَجَابَ بِهِ حِينَ سُئِلَ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَذَكَرَ فِي الْجَوَابِ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ لِلْكِرَاءِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِيُكْرِيَهُ وَيَتَّخِذَ فَوْقَهُ بَيْتًا قَالَ: وَكَلَامُهُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ فِي اتِّخَاذِ مَنْزِلٍ فَوْقَ مَسْجِدٍ مُحَبَّسٍ مُبَاحٍ لِعُمُومِ النَّاسِ انْتَهَى.
وَفِي جَعْلِهِ الْفَرْعَيْنِ فَرْعًا وَاحِدًا اُنْظُرْ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الشَّيْخُ الْعَلَامَةُ مُفْتِي غَرْنَاطَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَعْدَالِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِمَنْفَعَةٍ)
ش: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَنْفَعَةُ مَا لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ حِسًّا دُونَ إقَامَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ جُزْءٍ مِمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي شَرِكَةِ
الْأَبَدَانِ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَأْتِيَهُ بِالْغَلَّةِ فَأُجِيزَ وَمُنِعَ انْتَهَى.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْهُمَا.
ص (تَتَقَوَّمُ) ش فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، وَالظَّاهِرُ فَتْحُهُمَا مَعًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ لَهَا قِيمَةً وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ التَّافِهِ الْحَقِيرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ مُقَابَلَتُهُ بِالْمَالِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ الْبِسَاطِيُّ كَاسْتِئْجَارِ نَارٍ لِيُوقِدَ مِنْهَا سِرَاجًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَمَنْعِهَا فِي فُرُوعٍ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا مُتَقَوِّمَةٌ أَمْ لَا مِنْهَا إجَارَةُ الْمُصْحَفِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِجَارَةُ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ فِيهِمَا عَلَى الْجَوَازِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِينَ هُنَا احْتَرَزَ بِهِ مِنْ إجَارَةِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (قُدِرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا)
ش: قَالَ الْقَرَافِيُّ: احْتَرَزَ مِنْ اسْتِئْجَارِ الْأَخْرَسِ لِلْكَلَامِ وَالْأَعْمَى لِلْإِبْصَارِ وَأَرْضِ الزِّرَاعَةِ لَا مَاءَ لَهَا قَطْعًا، وَلَا غَالِبًا، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ اسْتِئْجَارُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَمَاؤُهَا غَامِرٌ أَيْ: كَثِيرٌ وَانْكِشَافُهُ نَادِرٌ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: الْجَوَازُ إذَا لَمْ يَنْقُدْ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي فَهُوَ رَاجِعٌ لِهَذَا الْقَيْدِ (تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ:) مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقَيْدِ كِرَاءُ الْمُشَاعِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ كِرَاءُ الْمُشَاعِ كَنِصْفِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا أَكْرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ عَبْدِهِ أَوْ دَابَّتِهِ، أَوْ دَارِهِ جَازَ ذَلِكَ، ثُمَّ هُمَا فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَسِمَا الْمَنَافِعَ يَوْمًا بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ بِيَوْمَيْنِ فَيَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَصِيرُ إلَيْهِ فَيَسْتَخْدِمُ الْعَبْدَ، وَيَرْكَبُ الدَّابَّةَ، وَإِنْ شَاءَ آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُؤَاجِرَ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَيَقْتَسِمَا الْأُجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مِنْ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ، وَكَانَتْ لَهُ صَنْعَةٌ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهَا تُرِكَ لِصَنْعَتِهِ وَاقْتَسَمَا خَرَاجَهُ، وَأَمَّا الدَّارُ، فَإِنْ كَانَتْ تَنْقَسِمُ قُسِّمَتْ مَنَافِعُهَا، وَسَكَنَ الْمُكْتَرِي فِيمَا يَصِيرُ إلَيْهِ، أَوْ أَكْرَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحْمِلُ الْقَسَمَ أُكْرِيَتْ وَاقْتَسَمَا كِرَاءَهَا إلَّا أَنْ يُحِبَّ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الدَّابَّةُ، أَوْ الدَّارُ شَرِكَةً فَأَكْرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ جَازَ، وَعَادَ الْجَوَابُ فِي قِسْمَةِ مَنَافِعِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ جَمِيعُهُ لِوَاحِدٍ.
فَإِنْ أَكْرَى ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، فَلَمْ يَجُزْ وَدَعَا إلَى الْبَيْعِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ
وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ إذَا لَمْ تَنْقَسِمْ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إلَى الْبَيْعِ، وَرَضِيَ بِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ تَنْقَسِمُ وَدَعَا الشَّرِيكُ إلَى قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَقُسِمَتْ بِالْقُرْعَةِ فَمَا صَارَ لِلْمُكْرِي أَخَذَهُ الْمُكْتَرِي، وَإِنْ أَرَادَ الْمُكْرِي أَنْ يَقْسِمَ بِالتَّرَاضِي كَانَ لِلْمُكْتَرِي مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ دَعَا الشَّرِيكُ إلَى قَسْمِ الرِّقَابِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ حَقِّ الْمُكْتَرِي أَنْ يَقْسِمَ بِالْقُرْعَةِ فَمَا صَارَ لِلْمُكْرِي كَانَ حَقُّ الْمُكْتَرِي فِيهِ، وَإِنْ اعْتَدَلَتْ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ مَعَ قِسْمَةِ الرِّقَابِ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُكْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الَّذِي صَارَ لِلْمُكْرِي أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهِ حَطَّهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ صَارَ لَهُ أَكْثَرُ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُمَيِّزَ ذَلِكَ الْقَدْرَ الزَّائِدَ فَعَلَ، وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُكْرِي، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ، وَلَا يُصَابُ فِيهِ مَسْكَنٌ بِانْفِرَادِهِ بَقِيَ لِلْمُكْتَرِي، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: كُنْتُ فِي مَنْدُوحَةٍ عَنْهُ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ مِنْ شُرُوطِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً، وَكَذَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَقَالَ احْتِرَازًا مِنْ الْأَوْقَافِ وَالرَّبْطِ وَمَوَاضِعِ الْجُلُوسِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقَاتِ وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا الِانْتِفَاعُ دُونَ الْمَنْفَعَةِ (فَرْعٌ:) يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كِرَاءُ دُورِ مَكَّةَ وَنُقِلَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ مَالِكٍ فِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، وَلَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَانْظُرْ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُشْبَعًا فِي حَاشِيَتِي عَلَى الْمَنَاسِكِ قَالَ الْقَرَافِيُّ تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَنْ يُحَرَّمَ كِرَاءُ دُورِ مِصْرَ وَأَرْضِهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَخْطِئَةُ الْقُضَاةِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَعُقُودِ الْإِجَارَاتِ وَالْقَاعِدَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ إذَا اتَّصَلَ بِبَعْضِهَا قَضَاءُ حَاكِمٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ، فَإِذَا قَضَى حَاكِمٌ بِثُبُوتِ مِلْكِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَتَعَيَّنَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، وَهَذَا التَّقْرِيرُ يَطَّرِدُ فِي مَكَّةَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى.
ص (وَلَوْ مُصْحَفًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْمُصْحَفِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ، وَأَجَازَ بَيْعَهُ كَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَمْ يَجْعَلْهُ مَتْجَرًا، أَمَّا مَا عَمِلْتَهُ بِيَدِكَ فَجَائِزٌ، وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى كِتَابَتِهِ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ مَتْجَرًا، هَلْ فَلَا يَجُوزُ أَوْ يَكْرَهُ؟ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَرْضًا غَمَرَ مَاؤُهَا وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَمَنْ اكْتَرَيْت مِنْهُ أَرْضَهُ الْغَرِقَةَ بِكَذَا إنْ انْكَشَفَ عَنْهَا الْمَاءُ، وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ بَيْنَكُمَا جَازَ إذَا لَمْ تَنْقُدْ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِانْكِشَافِهَا قَالَ غَيْرُهُ: إنْ خِيفَ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: تَحْصِيلُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ الْعَقْدِ كَانَتْ الْأَرْضُ أَرْضَ مَطَرٍ، أَوْ نِيلٍ أَوْ غَيْرَهُمَا مَأْمُونَةً، أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ النَّقْدِ وَوُجُوبِهِ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ مَأْمُونًا كَأَرْضِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ الثَّابِتَةِ وَالْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ فَالنَّقْدُ فِيهَا لِلْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تُرْوَى، وَيُتَمَكَّنَ مِنْ الْحَرْثِ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ أَوْ الْمَطَرِ، أَوْ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ، وَأَمَّا وُجُوبُ النَّقْدِ فَيَجِبُ عِنْدَهُ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ؛ إذْ لَا يُحْتَاجُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَجِبُ فِيهَا النَّقْدُ حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيُسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ انْتَهَى.
ص (وَشَجَرٌ لِتَجْفِيفِ الْمُلَابِسِ عَلَيْهَا عَلَى الْأَحْسَنِ)
ش: الْأَحْسَنُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ وَقَبِلَهُ شَارِحُوهُ، وَلَا أَعْرِفُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ: الْجَوَازُ كَإِجَارَةِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ وَحَائِطٍ لِحَمْلِ خَشَبٍ انْتَهَى.
ص (لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ)
ش: أَيْ الشَّجَرِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ بِلَا اسْتِيفَاءِ عَيْنٍ
قَصْدًا.
ص (أَوْ شَاةٍ لِلَبَنِهَا)
ش: يَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مُقَدِّرٍ فِي قَوْلِهِ: لَا لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ أَيْ لَا شَجَرٍ لِأَخْذِ ثَمَرَتِهِ، وَلَا شَاةٍ لِأَخْذِ لَبَنِهَا، فَيَكُونُ مِنْ الْمَمْنُوعِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَشَجَرًا، وَيَكُونُ مِنْ الْجَائِزِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ عِنَايَةٍ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ مَمْنُوعًا نَقُولُ: إلَّا بِشُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا يُرِيدُ، وَكَذَا إذَا جَعَلْنَاهُ جَائِزًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالشُّرُوطُ أَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ كَثِيرَةً كَالْعَشْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْإِبَّانِ، وَأَنْ يَعْرِفَا وَجْهَ حِلَابِهَا، وَأَنْ يَكُونَ إلَى أَجَلٍ لَا يَنْقَضِي اللَّبَنُ قَبْلَهُ، وَأَنْ يَشْرَعَ فِي أَخْذِ ذَلِكَ يَوْمَهُ، أَوْ إلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَأَنْ يُسْلَمَ إلَى رَبِّهَا لَا إلَى غَيْرِهِ هَذَا إذَا كَانَ جُزَافًا، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْكَيْلِ أَسْقَطْت الشَّرْطَ الْأَوَّلَ، فَقَطْ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ فِيهَا مَبْسُوطٌ، وَلَا يُقَالُ قَوْلُهُ: شَاةٍ بِالْإِفْرَادِ يُنَافِي الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الشَّاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا تَعْلِيمَ غِنَاءٍ)
ش: هُوَ، وَمَا بَعْدَهُ إلَى قَوْلِهِ، وَلَا مُتَعَيِّنٌ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ، وَلَا حَظْرٌ وَالْحَظْرُ الْمَنْعُ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي حَدِيثِ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ أُجْرَةِ الْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ مَا يَأْخُذُهُ الْكَاهِنُ قَالَ الْأَبِيُّ، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ مَا يَأْخُذُهُ الَّذِي يَكْتُبُ الْبَرَاءَاتِ لِرَدِّ التَّلِيفَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ، وَسُئِلَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّنْ ذَهَبَتْ لَهُ حَوَائِجُ فَقَرَأَ فِي دَقِيقٍ وَأَخَذَ يُطْعِمُهُ أُنَاسًا اتَّهَمَهُمْ، وَكَانَتْ فِيهِمْ امْرَأَةٌ حَامِلٌ فَقَالَتْ إنْ أَطْعَمْتُمُونِي فَأَنَا أَمُوتُ فَأَطْعَمُوهَا مِنْهُ فَمَاتَتْ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْأَدَبُ، وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ عَلَى حَدِّ الْمَعْقُودِ، فَإِنْ كَانَ يَرْقِيهِ بِالرُّقَى الْعَرَبِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِالرُّقَى الْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ يَقُولُ: إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ النَّفْعُ بِذَلِكَ جَازَ انْتَهَى.
ص (وَدُخُولُ حَائِضٍ لِمَسْجِدٍ) ش: فَرَضَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي اسْتِئْجَارِهَا عَلَى كَنْسِ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكَنْسِ وَغَيْرِهِ، وَيُرِيدُ إذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي تَكْنُسُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهَا لَجَازَ وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُؤَاجِرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِكَنْسِ كَنِيسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ لِيَرْعَى الْخَنَازِيرَ أَوْ لِيَعْصِرَ لَهُ خَمْرًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَيُؤَدَّبُ الْمُسْلِمُ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بِجَهَالَةٍ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأُجْرَةُ مِنْ الْكَافِرِ وَيُتَصَدَّقُ بِهَا أَمْ لَا؟ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّصَدُّقُ بِهَا أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَدَارٌ لِتَتَّخِذَ كَنِيسَةً) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ
[فَرْعٌ غَصَبَ النَّصْرَانِيُّ سَفِينَةَ مُسْلِمٍ لِمُسْلِمٍ وَحَمَلَ فِيهَا الْخَمْرَ]
(فَرْعٌ:) إذَا غَصَبَ النَّصْرَانِيُّ سَفِينَةَ مُسْلِمٍ لِمُسْلِمٍ
وَحَمَلَ فِيهَا الْخَمْرَ قَالَ فِي رَسْمِ يُوصِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ كِرَاءُ مِثْلِهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا خَمْرًا أَنْ لَوْ أَكْرَاهَا نَصْرَانِيٌّ مِنْ نَصْرَانِيٍّ لِذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَتَصَدَّقُ بِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِتَعَدِّيهِ فَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ إلَّا بِالزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ كِرَائِهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا غَيْرَ الْخَمْرِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا خَمْرًا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ انْتَهَى.
ص (وَبِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، وَأَمَّا إذَا اكْتَرَى أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي ثِقَلِ الْبِنَاءِ بِخِلَافِ الْجِدَارِ إذَا أَكْرَاهُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
ص (وَمَحْمِلٌ)
ش: بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ
ص (وَدَابَّةٌ لِرُكُوبٍ، وَإِنْ ضُمِنَتْ فَجِنْسٌ وَنَوْعٌ وَذُكُورَةٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا اُكْتُرِيَتْ لِلرُّكُوبِ فَيَلْزَمُ تَعْيِينُهَا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا وَنَوْعَهَا وَالذُّكُورَةَ وَالْأُنُوثَةَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي التَّعْيِينِ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَبِرَهَا الرَّاكِبُ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا فِي سُرْعَتِهِ وَبُطْئِهِ فَرُبَّ دَابَّةٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: الْمَشْيُ خَيْرُ مِنْ رُكُوبِهَا (تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُحَمَّدٌ: وَإِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حُمِلَ عَلَى الْمَضْمُونِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّعْيِينِ قَالَ: وَلَوْ اكْتَرَى مِنْهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى بَلَدِ كَذَا عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ سَفِينَةٍ، وَقَدْ أَحْضَرَهَا، وَلَا يَعْلَمُ لَهُ غَيْرَهَا، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: تَحْمِلُنِي عَلَى دَابَّتِكَ هَذِهِ، أَوْ سَفِينَتِكَ هَذِهِ فَهَلَكَتْ بَعْد أَنْ رَكِبَ
فَعَلَى الْكَرِيِّ أَنْ يَأْتِيَهُ بِدَابَّةٍ أَوْ سَفِينَةٍ غَيْرِهَا، وَهُوَ مَضْمُونٌ حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرِي هَذِهِ الدَّابَّةَ بِعَيْنِهَا مُحَمَّدٌ أَوْ يُكْرِيهِ نِصْفَ السَّفِينَةِ، أَوْ رُبْعَهَا، فَيَكُونُ كَشَرْطِ التَّعْيِينِ انْتَهَى.
ص (كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ آجَرَ نَفْسَهُ)
ش: ظَاهِرُهُ فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ أَوَّلًا، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَخَيَّرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يُسْقِطَ حِصَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَنَصُّهُ: بَعْدَ مَسْأَلَةِ الرِّعَايَةِ، وَكَذَلِكَ أَجِيرَكَ لِلْخِدْمَةِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِك يَوْمًا، أَوْ أَكْثَرَ فَلَكَ أَخْذُ الْأَجْرِ، أَوْ تَرْكُهُ وَإِسْقَاطُ حِصَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَجْرِ عَنْكَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ خَيَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَجِيرِ الْخِدْمَةِ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُ فِي الرَّاعِي إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَرْعَى مَعَ غَنَمِهِ غَنَمًا أُخْرَى وَخَالَفَ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: كَمْ تَسْتَوِي إجَارَتُهُ عَلَى أَنْ لَا يَرْعَى مَعَ الْغَنَمِ غَيْرَهَا، وَتَقُومُ عَلَى أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا فَيُعْرَفُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي سُمِّيَ فَيَسْقُطُهُ مِنْ إجَارَتِهِ، أَوْ يَأْخُذُ مَا آجَرَ بِهِ نَفْسَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ: صُورَتُهُ أَنْ يُعَيِّنَ إجَارَتَهَا وَحْدَهَا مَثَلًا عَشَرَةً وَمَعَ غَيْرِهَا ثَمَانِيَةً فَيُسْقِطُ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُسَمَّى الْخَمْسَ، أَوْ يَأْخُذُ مَا أَجَّرَ بِهِ نَفْسَهُ انْتَهَى.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْأَجِيرَ بِخِلَافِ الرَّاعِي؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ عَطَّلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالرَّاعِي لَمْ يُعَطِّلْ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ، وَكَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ قَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَفَسَّرَهُ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلُهُ: لَكَ أَخْذُ الْأَجْرِ إلَخْ هَذَا فِيمَا يُشَابِهُ مَا أَجَّرْتُهُ فِيهِ، أَوْ يُقَارِبُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُؤَاجِرَهُ لِلرِّعَايَةِ شَهْرًا بِدِينَارٍ فَيُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي الْحَصَادِ، أَوْ فِي مَخُوفٍ كُلَّ يَوْمٍ بِدِينَارٍ أَوْ تُؤَاجِرُهُ لِخِدْمَتِكَ فِي الْغَزْوِ فَيَذْهَبُ يُقَاتِلُ فَيَقَعُ فِي سُهْمَانِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَهَذَا وَشَبَهُهُ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا إسْقَاطُ مَا عَطَّلَ لَكَ مِنْ عَمَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ: اُنْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا أَصَابَ بَيْضَ الْحَجَلِ فَهِيَ لِلْأَجِيرِ انْتَهَى.
ص (إلَّا لِعُرْفٍ)
ش: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ لَمْ يَلْزَمْهُ رِعَايَتُهَا ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ: وَلِرَبِّهَا أَنْ يَأْتِيَ بِرَاعٍ يُرَاعِي مَعَهُ لِلتَّفْرِقَةِ أَبُو الْحَسَنِ رَاعَى التَّفْرِقَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ اللَّبَّادِ (قُلْت) مَعْنَاهُ: أَنَّ التَّفْرِقَةَ تَعْذِيبٌ لَهَا فَهِيَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ طَعَامِ الرِّبَا وَتَفْرِيقُ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا.
ص (عَكْسُ إكَافٍ)
ش: كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ فِي شَرْحِ هَذِهِ
الْمَسْأَلَةِ كَافٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَدَلُ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ)
ش: يَعْنِي إذَا نَقَصَ الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ بِبَيْعٍ، أَوْ أَكْلٍ فَأَرَادَ رَبُّهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ، فَعَلَيْهِ حَمْلُ الْوَزْنِ الْأَوَّلِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: وَعَكْسُهُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ مِائَةِ رِطْلٍ فَأَصَابَهُ مَطَرٌ حَتَّى زَادَ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا حَمْلُ الْوَزْنِ الْأَوَّلِ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَانْظُرْهُ فِي ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَتَوْفِيرُهُ)
ش: بِالْفَاءِ كَذَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ
ص (وَهُوَ أَمِينٌ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى مَاعُونًا، أَوْ غَيْرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي هَلَاكِهِ بِيَدِهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ: مُصَدَّقٌ يُرِيدُ، وَيَحْلِفُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا لَقَدْ ضَاعَ، وَلَا فَرَّطْت، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ
مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَخْ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسْتَأْجِرُ أَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي تَلَفِ الذَّاتِ الَّتِي قَبَضَهَا لِاسْتِيفَاءِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الذَّاتُ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْجَفْنَةِ، أَوْ لَا.
هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ لَمْ يُثْبِتْهُ عُمُومًا كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ، بَلْ هُوَ مَقْصُورٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي إجَارَةِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ فُسْطَاطًا، أَوْ بِسَاطًا أَوْ غَرَائِرَ، أَوْ آنِيَةً إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى حِينَ رَجَعَ ضَيَاعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْبُدَاءَةِ صُدِّقَ فِي الضَّيَاعِ وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى وَقْتِ الضَّيَاعِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْمٌ فِي سَفَرِهِ فَشَهِدُوا أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِضَيَاعِ ذَلِكَ، وَطَلَبَهُ بِمَحْضَرِهِمْ حَلَفَ، وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَحُكْمُ اكْتِرَاءِ الْعُرُوضِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حُكْمُ بَيْعِ الثُّنْيَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُكْتَرِي بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ، فَإِنْ فَاتَ الْكِرَاءُ كَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الْكِرَاءِ الْمُسَمَّى، أَوْ كِرَاءُ الْمِثْلِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الضَّمَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِالضَّمَانِ: إنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَيُرَدُّ إلَى كِرَاءِ مِثْلِهِ مِمَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَظَاهِرُهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَقَلَّ وَمَعْنَاهُ إنْ فَاتَ الْكِرَاءُ، وَأَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَإِنْ تَرَكَ الْمُكْرِي الشَّرْطَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ خِلَافُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ اهـ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَمِينٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَيَكُونُ أَشَارَ إلَى هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ، وَيَكُونُ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ، أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْهُ مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ لِأُنَاسٍ شَتَّى، أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانَ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بِغَيْرِ ضَمَانٍ نَافَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، أَوْ نَقَصَ قَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَالَ: وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ شَرَطُوا عَلَى الرَّاعِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ، أَوْ ضَلَّ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ، وَلَا تَعَدَّى، وَلَا دَلَّسَ وَيَضْمَنُ إنْ فَرَّطَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ نَامَ مَغْلُوبًا فِي إبَّانِ النَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُنْكَرُ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا رَعَى انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ شَرَطَ إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِفَسَادِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لُزُومُ أُجْرَة الْمِثْلِ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ]
(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ فِي الْإِرْشَادِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: وَتَلْزَمُ بِالْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ عِنْدَ الْفَوَاتِ بِمَا تَفُوتُ بِهِ مِنْ انْقِضَاءِ الْعَمَلِ وَنَحْوِهِ نَعَمْ وَكُلُّ مَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُفِيتُ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِالْمُسَمَّى فَقَطْ لِشَبَهِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ تَسْقُطُ لِانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ فَانْظُرْ ذَلِكَ كُلَّهُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ]
(مَسْأَلَةٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِسَبَبٍ يَدُلُّ
عَلَى صِدْقِهِ فَيَحْلِفُ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّانِعُ هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ لَيْسَ هُوَ لِي]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ الصَّانِعُ: هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ، وَقَالَ فُلَانٌ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: إذَا احْتَرَقَ الْخُبْزُ فِي الْفُرْنِ فَقَالَ الْفَرَّانُ: هُوَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ صَاحِبُهُ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَرَّانِ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ مَا مَضْمُونُهُ: إنْ كَانَ مَا يَعْمَلُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُصَدَّقْ فَانْظُرْهُ وَأَظُنُّهُ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ وَثِيقَةٍ بِاسْتِئْجَارِ جَمَاعَةٍ لِرِعَايَةِ غَنَمٍ: لَا يُجْبَرُ أَهْلُ الْأَفْرَانِ وَأَهْلُ الْأَزْحَاءِ وَأَهْلُ الْحَمَّامَاتِ عَلَى طَبْخٍ، وَلَا طَحْنٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الصُّنَّاعُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِطُلَيْطُلَةَ عَلَى جَبْرِ الْفَرَّانِ عَلَى طَبْخِ خُبْزِ جَارِهِ إذَا امْتَنَعَ بِمِثْلِ مَا يُطْبَخُ بِهِ خُبْزُ مِثْلِهِ انْتَهَى.
ص (وَأَجِيرٌ لِصَانِعٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ الَّذِي يَعْمَلُ عِنْدَ الصَّانِعِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَى الصَّانِعِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: وَيَضْمَنُ الْقَصَّارُ مَا أَفْسَدَ أَجِيرُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ انْتَهَى.
ص (وَسِمْسَارٌ ظَهَرَ خَيْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ) ش: هَذَا إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ الْمَتَاعِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ يُنْكِرُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الْإِشْهَادِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا السِّمْسَارُ يَدَّعِي بَيْعَ السِّلْعَةِ مِنْ رَجُلٍ عَيَّنَهُ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ ضَامِنٌ لِتَرْكِهِ الْإِشْهَادَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ السِّلْعَةَ عَلَى رَبِّهَا إذَا دَفَعَهَا إلَى الْمُبْتَاعِ، وَلَمْ يَتَوَثَّقْ عَلَيْهِ بِالْإِشْهَادِ، وَلَا يُرَاعَى فِي هَذَا الْعُرْفُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرَاعَى فِيهَا ذَلِكَ لِافْتِرَاقِ مَعَانِيهَا انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ الْإِجَارَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْبُرْزُلِيِّ وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي آخِرِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ، فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ.
ص (أَوْ أَنْزَى بِلَا إذْنٍ) ش:
فَرْعٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ اسْتِئْجَارِ رَاعٍ لِغَنَمٍ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا كَسَرَ الرَّاعِي مِنْ الْغَنَمِ قَالَ أَمَّا مَا كَسَرَهُ بِالْعَصَا حِينَ يَذُودُهَا بِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَسَرَهُ بِالْحِجَارَةِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَدِّي انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ فِي الْمُؤَلَّفَة لِابْنِ لُبَابَةَ إذَا عَقَرَ الرَّاعِي مِنْ الْغَنَمِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، وَلَمْ يُضَمِّنْهُ صَاحِبُ الْغَنَمِ وَأَمْضَاهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَرَضِيَ لَمْ يَضْمَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (أَوْ صَانِعٌ فِي مَصْنُوعِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ سَارِقًا سَرَقَهُ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ فِي الْكَافِي: فِي الصَّانِعِ تَضِيعُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا، ثُمَّ تُوجَدُ أَنَّهَا لِلصَّانِعِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَبْدَهُ فَأَنْكَرَ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ وُجِدَ الْعَبْدُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى: هُوَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَضُ الصُّلْحُ صَحِيحًا كَانَ، أَوْ مَعِيبًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ عِنْدَهُ قَدْ أَخْفَاهُ، فَيَكُونُ لِرَبِّهِ، وَفِي التَّهْذِيبِ فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى عَلَى الدَّابَّةِ فَتَضِلَّ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا، ثُمَّ تُوجَدُ هِيَ لِلْمُكْتَرِي انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ رُشْدٍ: وَالضَّمَانُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَغْرِيرٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤَةِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَاحْتِرَاقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ وَالثَّوْبِ عِنْدَ الصَّبَّاغِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ مَأْخَذِهَا وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) تَضْمِينُ الصُّنَّاعِ
مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ مَالِكًا كَثِيرًا مَا يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ يُقْتَلُ ثُلُثُ الْعَامَّةِ لِمَصْلَحَةِ الثُّلُثَيْنِ الْمَازِرِيُّ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التَّوْضِيحِ وَلَكِنَّهُ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمَحْصُولِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِكَلَامٍ حَسَنٍ، وَأَنْكَرَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ إنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ فِيمَا إذَا مَرِضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: وَلَوْ أَجَّرَ رَجُلَانِ أَنْفُسَهَا بِعَمَلِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنْ يُوَفِّيَ عَمَلَ الْآخِرِ، وَلَيْسَ كَالْأَوَّلِ يَعْنِي شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ أُولَئِكَ مُتَفَاوِضَانِ فَلَزِمَ أَحَدَهُمَا مَا لَزِمَ الْآخِرَ انْتَهَى.
يَعْنِي مُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْعَمَلِ كَالْمُتَفَاوِضِينَ فِي الْمَالِ (فَرْعٌ:) قَالَ: وَقَبْلَهُ: إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلِ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ رَجُلٌ آخَرُ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنْ مَرِضَ أَوْ مَاتَ، أَوْ غَابَ اهـ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَجَّرْت رَجُلَيْنِ عَلَى حَفْرِ بِئْرِ كَذَا فَحَفَرَا بَعْضَهَا، ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَأَتَمَّهَا الْآخَرُ فَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِلْمَرِيضِ أَرْضُ الْحَافِرِ مِنْ حَقِّكَ، فَإِنْ أَبَى لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ
وَالْحَافِرُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ انْتَهَى.
ص (إنْ نَصَبَ نَفْسَهُ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ الْمُنْتَصِبُ مَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الصَّنْعَةِ الَّتِي اُسْتُعْمِلَ فِيهَا كَانَ بِسُوقِهَا، أَوْ دَارِهِ وَغَيْرِ الْمُنْتَصِبِ لَهَا مَنْ لَمْ يُقِمْ نَفْسَهُ لَهَا، وَلَا مِنْهَا مَعَاشُهُ (قُلْت:) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ انْتِصَابُهُ لِجَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ وَنَصَّ عِيَاضٌ عَلَى أَنَّ الْخَاصَّ بِجَمَاعَةٍ دُونَ غَيْرِهِمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَحْوُ لَفْظِ اللَّخْمِيِّ سَمَاعُ عِيسَى: لَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ حَتَّى يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ الصَّقَلِّيُّ إثْرَ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَمَلُهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَلَوْ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا صَارَ صَانِعًا فَيَضْمَنُ، وَحَكَى أَنَّهُ مَنْصُوصٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ (قُلْت:) فَفِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَصْبِ نَفْسِهِ أَوْ بِقَيْدِ عُمُومِهِ لِلنَّاسِ قَوْلَانِ الظَّاهِرُ سَمَاعُ عِيسَى مَعَ بَعْضِ شُيُوخِهِ الصَّقَلِّيُّ وَطَرِيقُ عِيَاضٍ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ
ص (وَغَابَ عَلَيْهَا) ش: يُرِيدُ فِي بَيْتِهِ فَشَمِلَ شَرْطَيْنِ: الْأَوَّلَ أَنْ لَا يَكُونَ عَمَلُهُ فِي بَيْتِ رَبِّ
السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ جَلَسَ مَعَهُ رَبُّهَا أَمْ لَا؟ عَمِلَ بِأَجْرٍ أَمْ لَا؟ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ رَبُّهُ مُلَازِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ) ش قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا إذَا جَاءَهُ بِالشَّاةِ مَنْحُورَةً، أَوْ بِثَمَنِهَا، أَوْ ادَّعَى أَنَّهَا سُرِقَتْ مِنْهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَهَا فَلَا يُصَدَّقُ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ فِي الْكَافِي، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَإِنْ أَتَى بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ قَالَ: خَشِيت عَلَيْهَا الْمَوْتَ صُدِّقَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ سُرِقَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَضَمِنَهُ غَيْرُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يُصَدَّقُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِيَمِينٍ أَمْ لَا
ص (لَا بِهِ إلَّا صَبِيَّ تَعْلِيمٍ وَرَضَاعٍ وَفَرَسَ نَزْوٍ وَرَوْضٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ الْحَقُّ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ مَسَائِلَ، وَهِيَ: أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَلَى أَنْ يَحْصُدَ أَرْضَهُ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا، أَوْ يَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا، ثُمَّ حَصَلَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْخَيَّاطُ وَالْحَائِكُ يُدْفَعُ إلَيْهِ ثَوْبٌ لِيَعْمَلَهُ لِلِّبَاسِ لَا لِلتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ، وَالطَّبِيبُ يُوَافِقُ عَلَى مُعَافَاةِ الْعَلِيلِ مُدَّةً فَيَمُوتُ قَبْلَهَا وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ لِيَضَعَ فِيهَا شَيْئًا فَهَلَكَتْ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ تَعَذُّرُ الْخَلْفِ غَالِبًا انْتَهَى.
، وَنَقَلَهَا صَاحِبُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ
[فَرْعٌ أَصَابَ الْأَجِيرَ فِي الْبِنَاءِ مَطَرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ مَنَعَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِي وَقْت الْمَطَر]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إذَا أَصَابَ الْأَجِيرَ فِي الْبِنَاءِ مَطَرٌ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ مَنَعَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ قَالَ: فَلَهُ بِحِسَابِ مَا مَضَى، وَيُفْسَخُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ، وَمِثْلُهُ لِسَحْنُونٍ وَلِغَيْرِهِ يَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ
لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي وَثَائِقِهِ: إنْ مَنَعَ أَجِيرَ الْبِنَاءِ، أَوْ الْحَصْدِ، أَوْ عَمَلٍ مَا مَطَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ مِنْ النَّهَارِ، وَأَجِيرُهُ لَهُ كُلُّ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي نَوَازِلَ وَقَعَتْ فِي بَلَدِنَا بِتُونُسَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ وَنُزُولِ الْخَوْفِ انْتَهَى.
ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا تُفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةُ
ص (وَسِنٌّ لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ كَعَفْوِ الْقِصَاصِ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ: وَتَنْفَسِخُ بِمَنْعِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَرْعًا كَسُكُونِ أَلَمِ السِّنِّ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قَلْعِهَا أَوْ عَفْوٍ عَنْ الْقِصَاصِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هَذَا إذَا كَانَ الْعَفْوُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَانْظُرْ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي ذَهَابِ أَلَمِهِ؟ وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَفِي يَمِينِهِ مَعَ ذَلِكَ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا كَأَيْمَانِ التُّهَمِ انْتَهَى.
ص (وَحَمْلُ ظِئْرٍ) ش: أَيْ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِحَمْلِ الظِّئْرِ أَيْ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِذَا حَمَلَتْ الظِّئْرُ فَخِيفَ عَلَى الْوَلَدِ فَلَهُمْ فَسْخُ
الْإِجَارَةِ انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: فَإِنْ قُلْت: كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: إذَا خِيفَ وَالْمُؤَلِّفُ أَطْلَقَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِيهَا فَلَهُمْ الْفَسْخُ وَالْمُصَنِّفُ جَزَمَ.
(قُلْت:) قَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْغِيلَةَ مَضْمُونَةٌ بِالْحَمْلِ فَأَحَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْخَوْفِ إشَارَةً إلَى الْعِلَّةِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ إشَارَةً إلَى الْمَظِنَّةِ مَعَ أَنَّكَ إذَا تَأَمَّلْت وَجَدْت الْخَوْفَ عَلَى الْوَلَدِ مَقْطُوعًا بِهِ عِنْدَ الْحَمْلِ، وَاَلَّذِي قَدْ يَكُونُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ إنَّمَا هُوَ حُصُولُ الضَّرَرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالظَّاهِرُ وُرُودُهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَلِزَوْجِهَا فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ كَأَهْلِ الطِّفْلِ إذَا حَمَلَتْ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ إنْ خِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَوْتُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْفَسْخُ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ غَيْرُ الْمَوْتِ فَلَهُمْ تَرْكُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا يَكُونُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْفَسْخُ فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِالْفَسْخِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي كَلَامِهِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفَسْخِ بَلْ أَكْثَرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَا يَتَحَتَّمُ فِيهَا الْفَسْخُ نَعَمْ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَكْرَارِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ جَمْعَ النَّظَائِرِ الَّتِي تُفْسَخُ فِيهَا الْإِجَارَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهَا، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِرُشْدِ صَغِيرٍ عُقِدَ عَلَيْهِ)
ش: عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: فَاحْتَلَمَ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشُّرَّاحُ بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا؛ إذْ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاحْتِلَامِ فِي الْمَحْجُورِ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
ص (وَبِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ، وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ إذَا مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ: مِنْ أَرْبَابِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَقَضِّي مُدَّتِهَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ بِالْإِجَارَةِ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَقِيلَ: إذَا أَكْرَى مُدَّةً يَجُوزُ الْكِرَاءُ إلَيْهَا لَزِمَ بَاقِيهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُ الثَّانِيَ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ، وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ هَارُونَ، وَلَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الشُّيُوخِ: نَفْيُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيِّ وَابْنِ فَتُّوحٍ أَنَّهُ يُنْقَضُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْإِرْشَاد فِي بَابِ الْوَقْفِ: وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآيِلِ إلَيْهِ الْوَقْفُ لَا الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِهِ نَاقِلًا عَنْ شَرْحِ مُؤَلِّفِهِ الْمُعْتَمَدِ مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ الْأُجْرَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى بَطْنٍ بَعْدَ بَطْنٍ فَآجَرَ الْبَطْنَ الْأَعْلَى، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ لِلْبَطْنِ الْآخَرِ مِمَّنْ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْوَقْفُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَوْتِ النَّاظِرِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ وَمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ لَا يُفْسَخُ انْتَهَى.
ص (أَوْ خُلْفُ رَبِّ دَابَّةٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَحَجٍّ) ش: وَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى أَنَّ فِي الصَّبْرِ ضَرَرًا فَسَخَ الْكِرَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ لَمْ يَفْسَخْ نَقَلَهُ
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ غَابَ كِرَى مَضْمُونٍ وَوُجِدَ لَهُ مِثْلُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مُكْتَرِيهِ إلَّا بِالْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، وَلَهُ مَا يُكْرَى بِهِ عَلَيْهِ أَكْرَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَضَاعَ الْمُكْتَرَى بِسَلَفِهِ جَازَ إنْ عُلِمَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَفِي صِحَّةِ سَلَفِهِ لِذَلِكَ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ وَرَجَّحَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ بِالْقِيَاسِ الْأَحْرَوِيِّ عَلَى مَنْعِ غُرَمَاءِ مُفْلِسٍ طَاعَ بِرَدِّ مَا ابْتَاعَهُ لِبَائِعِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ ثَمَنِهِ بِسَلَفِهِمْ إيَّاهُ الثَّمَنَ لِرِبْحٍ فِيهِ انْتَهَى.
صِ (أَوْ فِسْقُ مُسْتَأْجِرٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ مُكْتَرِي الدَّارِ دَعَارَةٌ وَخَلَاعَةٌ وَفِسْقٌ وَشُرْبُ خَمْرٍ لَمْ يُنْقَضْ الْكِرَاءُ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ، وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى إخْرَاجَهُ أَخْرَجَهُ، وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مَنْ اكْتَرَى دَارًا، وَلَهُ جِيرَانُ سُوءٍ فَلَهُ رَدُّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا وَلَهَا جِيرَانُ سُوءٍ: إنَّهُ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ لِي بِعْت الدِّيَارَ رَخِيصَةً ... وَلَا أَنْتَ مَدْيُونٌ وَلَا أَنْتَ مُفْلِسُ
فَقُلْت لَهُمْ كُفُّوا الْمَلَامَةَ وَاقْصُرُوا ... بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي فَاسِقٍ ذِي دَارٍ بَيْنَ النَّاسِ يُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ وَيَمْنَعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بِيعَتْ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِعُقُوبَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُكْرِيَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ إذَايَتِهِ لِإِتْيَانِهِ إلَيْهَا بِيعَتْ عَلَيْهِ وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنُ الْقَاسِمِ آخِرَ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ قَالَ مَالِكٌ فِي فَاسِقٍ يَأْوِي إلَيْهِ أَهْلُ الْفِسْقِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتُخَارَجُ عَلَيْهِ الدَّارُ وَالْبُيُوتُ، وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُخْرِجَ وَأُكْرِيَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ يُبَاعُ عَلَيْهِ خِلَافُ هَذَا السَّمَاعِ وَقَوْلُهُ فِيهَا أَصَحُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ رَجَاءِ تَوْبَتِهِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الدَّارُ لَهُ إلَّا بِكِرَاءٍ أُكْرِيَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ كِرَاؤُهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْكِرَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى رَبِّ الدَّارِ وَيُحْتَمَل حَمْلُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَنْ لَا تَرْتَفِعُ مَضَرَّةُ فِسْقِهِ إلَّا بِرَفْعِ مِلْكِهِ وَحَمَلَ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَنْ تَرْتَفِعُ مَضَرَّتُهُ بِمُجَرَّدِ كِرَائِهَا عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَرَّقَ بَيْتُ الْخَمَّارِ قَالَ
وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَحِبُّ حَرْقَ بَيْتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ قِيلَ لَهُ فَالنَّصْرَانِيُّ يَبِيعُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: إنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَحْرَقْتُ بَيْتَهُ قَالَ وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَحْرَقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَقَالَ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ لَا رُوَيْشِدٌ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ كِرَاءُ الدَّوَابِّ]
ص (أَوْ لِيَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا)
ش: شَهْرًا قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
ص (وَلَمْ يَلْزَمْ الْفَادِحُ)
ش: قَالَ عِيَاضٌ: الْفَادِحُ مِنْ الرِّجَالِ وَالْأَحْمَالِ الْعِظَامُ الثِّقَالُ الَّتِي تُهْلِكُ الدَّوَابَّ انْتَهَى.
ص (وَبَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا الثَّلَاثَةَ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْبَعِيرِ وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً قَرِيبَةً وَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (وَكِرَاءُ دَابَّةٍ شَهْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ)
ش: قَوْلُهُ: دَابَّةٍ يُرِيدُ مُعَيَّنَةً وَقَوْلُهُ: شَهْرًا يَعْنِي يَكْتَرِيهَا
وَلَا يَرْكَبُهَا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ الْمُعَيَّنَةَ إذَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا إلَى يَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، وَمَا قَرُبَ جَازَ وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ إلَى شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ جَازَ مَا لَمْ يَنْقُدْ اهـ.
ص (وَإِقَالَةٌ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَتَجُوزُ بِزِيَادَةٍ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُكْتَرِي وَالْمُكْرِي وَيُرِيدُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُعَجَّلَةً، وَقَدْ اسْتَوْفَى أَقْسَامَهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
ص (وَاشْتِرَاطُ هَدِيَّةِ مَكَّةَ إنْ عُرِفَ) ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (فَائِدَةٌ:) قَالَ بَعْدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَجَازَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَحْمِلَ فِي غَيْبَتِهِ ثَوْبًا، أَوْ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ الْحَمَّالَ، وَهُوَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَلَوْ بَيَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَوَزْنَهَا كَانَ أَحْسَنُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا اشْتِرَاطَ إنْ مَاتَتْ مُعَيَّنَةً أَتَاهُ بِغَيْرِهَا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ اشْتَرَطَ فِي الْمُعَيَّنَةِ إنْ مَاتَتْ أَتَاهُ بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ أَوْ حِمْلٍ تَعْطَبُ بِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ فِي مِثْلِهَا أَمْ لَا، وَكَذَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ إذَا عَطِبَتْ بِسَبَبِ زِيَادَةٍ فِي الْحِمْلِ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ بِمِثْلِهَا (تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ:) قَوْلُهُ: أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَ اكْتَرَى ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، وَلَا يُعْتَبَرُ قَدْرُ الرُّجُوعِ مِمَّا زَادَ عَلَى الْمَسَافَةِ كَمَا تَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى الْمَسَافَةِ الْمُشْتَرَطَةِ قَدْرَ الرُّجُوعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى بَلَدٍ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ يَوْمَ وُصُولِهِ إلَى الْبَلَدِ لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْتَرِي، وَلِرَبِّهَا نِصْفُ الْكِرَاءِ فَقَطْ، وَإِنْ جَاوَزَهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُ قِيمَتِهَا يَوْمَ تَعَدِّيهِ مَعَ كِرَائِهَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى فِيهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ مَعَ كِرَاءِ الْأَوَّلِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِيَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا.
(الثَّانِي:) قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ ضَمِنَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَعْنَاهُ أَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا، أَوْ يَأْخُذَ الْكِرَاءَ الْأَوَّلَ وَكِرَاءَ الزِّيَادَةِ (الثَّالِثُ:) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّعَدِّيَ فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ مِنْ التَّعَدِّي فِي زِيَادَةِ الْحِمْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا تَعَدَّى بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ يُخَيَّرُ رَبُّ الدَّابَّةِ فِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ أَوْ يَأْخُذَ كِرَاءَهُ الْأَوَّلَ مَعَ كِرَاءِ مِثْلِ مَا تَعَدَّى، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى بِزِيَادَةِ الْحِمْلِ فَإِنَّ رَبَّهَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مِثْلِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا كِرَاءَ لَهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: وَإِذَا زَادَ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحِمْلِ الَّذِي شُرِطَ فَعَطِبَتْ، فَإِنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا فِي أَخْذِ الْمُكْتَرِي بِقِيمَةِ كِرَاءِ مَا زَادَ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْحِمْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا كِرَاءَ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ زَادَ بَعْدَ أَنْ سَارَ نِصْفَ الطَّرِيقِ وَاخْتَارَ رَبُّهَا أَخْذَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ فَلَهُ قِيمَةُ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي وَنِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ فِي ثُلُثِ الطَّرِيقِ، أَوْ رُبُعِهِ ثُلُثُ الْكِرَاءِ، أَوْ رُبْعُهُ مَعَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: وَإِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَةَ الَّتِي اكْتَرَى إلَيْهَا، ثُمَّ زَادَ مِيلًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْمِيلِ الزَّائِدِ مَا بَلَغَ، أَوْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ يَوْمَ التَّعَدِّي انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ)
ش: أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي الْحِمْلِ مِمَّا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ بِمِثْلِهَا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ إلَّا كِرَاءُ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ عَطِبَتْ الدَّابَّةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَعْنِي أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْمَسَافَةِ وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْحِمْلِ فَفِي
زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ يَضْمَنُ إذَا عَطِبَتْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهَا أَمْ لَا، وَفِي زِيَادَةِ الْحِمْلِ لَا يَضْمَنُهَا إذَا عَطِبَتْ إلَّا إذَا زَادَ زِيَادَةً تَعْطَبُ بِمِثْلِهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّعَدِّيَ بِزِيَادَةِ الْحِمْلِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَمْ تَعْطَبْ بِمِثْلِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى إذْنٍ وَتَعَدٍّ فَالْإِذْنُ فِي الْحِمْلِ الْمُعْتَادِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْيَسِيرِ إنَّمَا هُوَ تَعَدٍّ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) الشَّعْبِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إذَا حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ الْمُكْتَرَاةِ إلَى مَوْضِعٍ أَقَلَّ مِنْ الشَّرْطِ غَلَطًا مِنْهُ حَتَّى وَصَلَ، فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ كَامِلًا؛ إذْ لَوْ شَاءَ لَتَثَبَّتَ فِي حَمْلِ الْجَمِيعِ انْتَهَى.
ص (كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تَعْطَبْ فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ إلَّا كِرَاءُ مَا زَادَ مِنْ الْحِمْلِ أَوْ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَعْطَبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ
ص (إلَّا أَنْ يَحْسِبَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ وَقِيمَتُهَا) ش: وَيُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى مِصْرَ فَتَمَادَى إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَعَادَ إلَى مِصْرَ فَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ قِيمَةِ كِرَائِهَا مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى بَرْقَةَ مَا بَلَغَ مَعَ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ، أَوْ نِصْفِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ مَعَ قِيمَتِهَا بِبَرْقَةَ يَوْمَ التَّعَدِّي رَدُّهَا بِحَالِهَا، أَوْ بِغَيْرِ حَالِهَا؛ لِأَنَّ سُوقَهَا قَدْ تَغَيَّرَ، وَقَدْ حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي عَنْ نَفْعِهِ بِهَا، وَعَنْ أَسْوَاقِهَا انْتَهَى.
ص (وَلَكَ فَسْخُ عَضُوضٍ أَوْ جَمُوحٍ، أَوْ أَعْشَى، أَوْ دَبِرَةٍ فَاحِشًا)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَكَ فَسْخُ كِرَاءِ عَضُوضٍ وَأَعْشَى وَعُثُورٍ وَجَمُوحٍ وَذِي دَبَرَةٍ فَاحِشَةٍ وَقَيَّدَ إنْ كَانَ بِمُسْتَعْتَبٍ، وَإِلَّا تَمَادَى وَحُطَّ عَنْهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى وَصَلَ انْتَهَى.
وَالْأَعْشَى هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَالْجَمُوحُ الْقَوِيُّ الرَّأْسِ الَّذِي لَا يُقَادُ إلَّا بِعُسْرٍ، وَالْعَضُوضُ الَّذِي يَعَضُّ مَنْ يَقْرَبُ مِنْهُ، وَالدَّبَرُ الْعَقْرُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ قَالَهُ بَهْرَامُ
ص (كَأَنْ يَطْحَنَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَإِنْ اكْتَرَيْت ثَوْرًا لِتَطْحَنَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدْتَهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْكَ فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ بِفَاسِدٍ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَا فِيمَا إذَا قَيَّدَ الْعَمَلَ بِالزَّمَانِ وَتَحَمَّلَ الْعَمَلَ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْمَلَ وَأَنْ يُتِمَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلَا لَكَ، وَلَا عَلَيْكَ)
ش: لَوْ جَعَلَ مِنْ تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مَا بَعْدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ كِرَاءُ حَمَّامٍ وَدَارٌ غَائِبَةٌ]
(فَصْلٌ) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ.
ص (وَدَارٌ غَائِبَةٌ كَبَيْعِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضٍ، أَوْ دَارٍ غَائِبَةٍ بِبَلَدٍ قَرِيبٍ، أَوْ بَعِيدٍ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ، ثُمَّ لَا رَدَّ لَهُ إنْ وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مُنْذُ أَمَدٍ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَيَنْقُدُهُ كَالْبَيْعِ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: وَلَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ رَبِّهَا، وَإِنَّمَا يَنْقُدُهُ عَلَى صِفَةِ غَيْرِهِ، أَوْ يُرْسِلُ
الْمُكْتَرِي رَسُولًا يُبْصِرُهَا انْتَهَى.
ص (أَوْ نِصْفُهَا، أَوْ نِصْفُ عَبْدٍ) ش: قَالَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ مِنْهَا: وَتَجُوزُ إجَارَةُ نِصْفِ دَابَّةٍ، أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَوْمًا، وَلِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ يَوْمًا كَالْبَيْعِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ سُدُسِهَا، أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ كَالشِّرَاءِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَيَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهَا.
ص (إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ)
ش: يَعْنِي إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْبَيْتِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرِ إنْ شَاءَ سَكَنَ، وَإِنْ شَاءَ أَسْكَنَ غَيْرَهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا شَهْرًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ جَازَ إنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ أَوْ يُكْرِيَهُ إذَا خَرَجَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ عَلَى حَالٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ إنْ خَرَجْت فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُكْرِيَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَهَا اللَّخْمِيُّ بِزِيَادَةِ لَا خَيْرَ فِيهَا، وَالْكِرَاءُ لَازِمٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ رَجَعَ الْبَيْتُ لِرَبِّهِ، وَلَا يَحُطُّ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْئًا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا سَكَنَ وَفُسِخَ مَتَى أُدْرِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهَا: لَا خَيْرَ فِيهِ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الشَّرْطِ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (الثَّانِي:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْكَرِيِّ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ كُلِّ يَوْمٍ يَمْضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَكَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ النَّقْدَ قَضَى بِهِ انْتَهَى.
ص (كَوَجِيبَةٍ)
ش: الْوَجِيبَةُ الْمُدَّةُ الْمُعَيَّنَةُ
ص (وَأَرْضُ مَطَرٍ عَشْرًا)
ش: مُرَادُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْمُونَةً، أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَرْضِينَ وَقَوْلُهُ: عَشْرًا ذَكَرَ الْعَشْرَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ يُجَوِّزُ كِرَاءَهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إنْ لَمْ يُنْقَدْ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضِ الْمَطَرِ عَشْرَ سِنِينَ إنْ لَمْ يُنْقِدْ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُنْقَدْ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ النَّقْدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ انْتَهَى.
، وَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهَا مَعَ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ وَعَدَّ هَذَا فِيمَا يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهِ مَعَ الشَّرْطِ فَقَطْ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ بَهْرَامَ قَالَ هُنَالِكَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالنَّقْدِ جَائِزٌ وَنَصَّ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَفِي: الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَنَصُّهَا فِي أَكْرِيَةِ الدُّورِ: وَإِنْ أَكْرَيْت مِنْ رَجُلٍ أَرْضَهُ قَابِلًا، وَفِيهَا زَرْعٌ لَهُ، أَوْ لِمُكْتَرِي عَامِهِ جَازَ، فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً كَأَرْضِ النِّيلِ جَازَ النَّقْدُ فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بِشَرْطٍ انْتَهَى.
ص (إلَّا الْمَأْمُونَةَ كَالنِّيلِ، وَالْمُعَيَّنَةَ فَيَجُوزُ)
ش: أَيْ الْأَرْضَ الْمَأْمُونَةَ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَرْضِ النِّيلِ الْمَأْمُونَةِ الرَّيِّ، وَفِي الْأَرْضِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَاءِ الْمَأْمُونَةِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا بِأَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي الْأَرْضِ الْغَالِبِ رَيُّهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ شَيْءٌ فَتَأَمَّلْهُ وَلِلرَّجْرَاجِيِّ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلَاثًا، أَوْ يَزْبُلَهَا) ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ مَنْفَعَةٍ فِي الْأَرْضِ كَشَرْطِ نَقْدِ بَعْضِ كِرَائِهَا فِيهَا مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَزْرَعَهَا فِي الْكِرَابِ الرَّابِعِ جَازَ، وَكَذَا عَلَى أَنْ يَزْبُلَهَا بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ الصَّقَلِّيُّ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ إنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْكِرَابِ وَالتَّزْبِيلِ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ إنْ لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهُ، فَإِنْ نَزَلَ
فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ، وَلَمْ يَتِمَّ زَرْعُهُ نُظِرَ كَمْ يَزِيدُ كِرَاؤُهَا لِزِيَادَةِ مَا اشْتَرَطَ عَلَى مُعْتَادِ حَرْثِهَا، وَهُوَ عِنْدَنَا حَرْثُهُ عَلَى كِرَائِهَا دُونَ مَا اُشْتُرِطَتْ زِيَادَتُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ فَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ؛ لِأَنَّهُ كَنَقْدٍ اشْتَرَطَهُ فِيهَا، وَلَوْ تَمَّ زَرْعُهُ كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا بِشَرْطِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ كِرَاءٌ فَاسِدٌ قَالَهُ التُّونُسِيُّ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: نُظِرَ كَمْ يَزِيدُ كِرَاؤُهَا إلَخْ يُرِيدُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ أَبُو الْحَسَنِ أَجَازَ هُنَا بَيْعَ الزِّبْلِ فَهُوَ يُنَاقِضُ مَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إنْ كَانَ لِمَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَهُوَ مُوَافِقٌ انْتَهَى.
ص (وَفِي السَّقْيِ بِالشُّهُورِ إلَى آخِرِهِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَفِي السَّقْيِ بِتَمَامِهَا، فَإِنْ تَمَّتْ، وَالزَّرْعُ بَاقٍ، وَكَانَ رَبُّهُ يَظُنُّ تَمَامَهُ فَزَادَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ لَزِمَ رَبَّ الْأَرْضِ تَرْكُهُ لِتَمَامِهِ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا زَادَ، وَقِيلَ: نِسْبَةُ الْمُسَمَّى، وَلَوْ بَعْدَ الْأَمَدِ وَعَلِمَ رَبُّهُ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا قَلْعُهُ، أَوْ تَرْكُهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْمُسَمَّى وَكِرَاءِ الْمِثْلِ، وَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَدَمُهُ بَذْرًا أَوْ سَجْنُهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا، فَلَمْ يَجِدْ بَذْرًا، أَوْ سَجَنَهُ سُلْطَانٌ بَاقِي الْمُدَّةِ فَالْكِرَاءُ يَلْزَمُهُ، وَلَا يُعْذَرُ بِهَذَا وَلَكِنْ لِيُكْرِيَهَا إنْ
لَمْ يَقْدِرْ هُوَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَحْمَلُ قَوْلِهِ فِي الْبَذْرِ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ وَحْدَهُ عَجَزَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا، وَلَوْ كَانَتْ شِدَّةٌ، فَلَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْمَوْضِعِ بَذْرًا سَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ السُّلْطَانُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِرَاعَتِهَا وَكِرَائِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ السُّلْطَانُ بِأَمْرٍ فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبَ فِي امْتِنَاعِ حَرْثِهَا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا انْتَهَى.
ص (أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ) ش: يُرِيدُ، وَلَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ كِرَائِهَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ص (لَا إنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ، وَإِنْ قَلَّ) ش: يُرِيدُ إذَا قَامَ بِذَلِكَ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ، وَلَمْ يَقُمْ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّ حُكْمَ انْهِدَامِ الْبَيْتِ مِنْهَا كَذَلِكَ لَا شَيْءَ لَهُ إنْ سَكَتَ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُ حُكْمَ بَيْتِ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى، وَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ، وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا انْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْ الدَّارِ قَلِيلًا كَانَ، أَوْ كَثِيرًا لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهَا عَلَى إصْلَاحِهِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى السَّاكِنِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ، أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ خَرَجَ، ثُمَّ عَمَرَهَا رَبُّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَإِنْ عَمَّرَهَا، وَهُوَ فِيهَا لَزِمَهُ بَقِيَّةُ الْكِرَاءِ، وَإِنْ سَكَنَ الدَّارَ مَهْدُومَةً لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي السُّكْنَى فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، وَيُنْظَرُ إلَى الْمُتَهَدِّمِ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ حُطَّ ذَلِكَ النَّقْصُ إذَا قَامَ بِهِ الْمُكْتَرِي، وَلَمْ يُصْلِحْهُ رَبُّ الدَّارِ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ شَيْئًا فَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الْأَرْضِ، أَوْ غَرِقَ فَبِحِصَّتِهِ) ش: قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: تَنْبِيهٌ: وَصِفَةُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَا عُهِدَ مِنْ حَالِ هَذِهِ
الْأَرْضِ فِي الْأَعْوَامِ الْمُتَوَسِّطَةِ، فَإِنْ قِيلَ لِلْفَقِيرِ خَمْسَةٌ، أَوْ ثَمَانِيَةٌ نُظِرَ مَا رَفَعَ الْآنَ مِنْهَا وَأَعْطَى مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (وَخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ)
ش: اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَالرَّجْرَاجِيَّ وَالْجُزُولِيَّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَطَشٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ بَعْدَ الْإِبَّانِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْ قُرْبٍ بَعْدَ مَا أَفْسَدَ الزَّرْعَ، ثُمَّ لَمْ تُمْطِرْ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَفْسُدْ لَمْ يَتِمَّ الزَّرْعُ سَقَطَ كِرَاؤُهَا، وَاخْتُلِفَ إنْ أَذْهَبَهُ السَّيْلُ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ، وَقَالَ: يُرِيدُ إنْ أَذْهَبَهُ بَعْدَ الْإِبَّانِ، وَأَرَى إنْ أَذْهَبَ السَّيْلُ وَجْهَ الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِبَّانِ، أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ فِي وَجْهِهَا، وَهُوَ الْمُكْتَرَى، وَهُوَ الْمَقْصُودُ (قُلْت:) قَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ يَدُلُّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَا ثَانِيَ لِمَا ذَكَرَ إلَّا اخْتِيَارُهُ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْرًى سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ أُنْفِقَتْ حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِيهَا لِمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا، ثُمَّ غَارَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَدَمَتْ بِئْرُهَا، وَأَبَى رَبُّهَا إصْلَاحَهَا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حِصَّةَ تِلْكَ السَّنَةِ فَقَطْ مِنْ الْكِرَاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِهِ مُتَطَوِّعٌ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ قَبَضَهَا رَبُّهَا غَرِمَهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا
فَلِلْمُكْتَرِي إنْفَاقُ قَدْرِهِ، وَيَتْبَعُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ إنْفَاقُ حِصَّتِهَا، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ حِصَّةِ الْأُولَى، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ، فَإِنْ أَنَفَقَ مِنْ عِنْدِهِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاؤُهُ كَامِلًا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُكْتَرِي فِيمَا أَنْفَقَ إلَّا فِي نَقْصٍ قَائِمٍ مِنْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِ يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا، أَوْ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهِ (قُلْت:) يَجْرِي الْحُكْمُ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَرِهَ رَبُّ الْأَرْضِ، أَوْ يَأْمُرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي ذَهَابِ الرَّحَى بِسَيْلٍ، أَوْ قِيمَةَ النَّقْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بِنَاءِ الْمُكْتَرِي بِإِذْنِ رَبِّ الدَّارِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ، وَلَوْ بِكِرَاءٍ فَلَا كِرَاءَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ) ش قَالَ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً، وَهِيَ فِي بَيْتٍ اكْتَرَتْهُ سَنَةً فَدَخَلَ بِهَا فِيهِ، وَسَكَنَا بَاقِيَ الْمُدَّةِ فَلَا كِرَاءَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَا لِرَبِّهَا، وَهِيَ كَدَارٍ تَمْلِكُهَا هِيَ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ لَهُ أَنِّي بِالْكِرَاءِ فَإِمَّا أُدِّيَتْ أَوْ خَرَجَتْ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَسْكُنُ بِهَا فِي مَسْكَنٍ لِأَبِيهَا، أَوْ أُمِّهَا كَانَ كَمَسْكَنِهَا لَا شَيْءَ لَهُمَا عَنْ مُدَّةِ مَا كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ فَالْأَمْرُ فِيهِمَا مُشْكِلٌ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ وَالسُّنُونَ، وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَمِثْلُهُ إذَا سَكَنَ عِنْدَ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ طَلَبَا الْكِرَاءَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ لَهُمَا عَلَى الْمُكَارَمَةِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ وَصَلَّ كِتَابًا)
ش: قَالَ فِي كِرَاءِ الدَّوَابِّ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَجَّرْت رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِكَذَا فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْصَلْته وَأَكْذَبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّكَ ائْتَمَنْتَهُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْكَ دَفْعُ كِرَائِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُمُولَةُ كُلُّهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْمُكْرِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَوْفَاهُ حَقَّهُ، وَبَلَّغَهُ غَايَتَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ بَعْدَ أَنْ أَشْبَهَ فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمَّتُهُ عَامِرَةً بِمَا دَفَعَ فَصَدِّقْهُ فِي أَدَائِهَا ابْنُ يُونُسَ كَوَكِيلِ الْبَيْعِ يَقُولُ: بِعْت وَيَقُولُ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَبِعْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ عِنْدَهُمْ أَوْ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فَصَارَ كَالْمُشْتَرِطِ أَنْ يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ: أَوْصَلْتَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ إدْخَالٌ فِي ذِمَّةِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ وَانْظُرْ مِثْلَ هَذَا مَا قَالَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّمِ، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ فِي مَسْأَلَةِ اللُّؤْلُؤِ وَانْظُرْ خِلَافَهَا مَسْأَلَةَ الصُّبْرَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَمَسْأَلَةَ الْغَرَائِرِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي، وَانْظُرْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا الرَّسُولُ يَقُولُ: دَفَعْت الْبِضَاعَةَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَفِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَفِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ، وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ الْكِتَابِ وَانْظُرْ وَكِيلَ الْبَيْعِ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَفِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَانْظُرْهَا فِي النِّكَاحِ فِي
الْمَرْأَةِ تُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهَا، وَانْظُرْ لَوْ مَاتَ الرَّسُولُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِحَسَبِ مَا سَارَ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ غُلَامٍ إلَى مَوْضِعٍ فَيَأْبَقُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ: إنَّهُ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْجُعْلِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ الشَّيْخُ وَقَوْلُ الْغَيْرِ بَيِّنٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ انْتَهَى.
ص (وَفِي الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ وَجَازَ) ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَابْنِ غَازِيٍّ وَاضِحٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَالْمَصْنُوعُ لَهُ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا نَقْدَ يَوْمِ التَّعَاقُدِ، وَالْآخَرُ يَوْمَ الْفَرَاغِ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: إنَّهُ يَقْضِي بِنَقْدِ يَوْمِ التَّعَاقُدِ، وَنَصُّهُ: فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ تَفْلِيسِ الصُّنَّاعِ، وَإِذَا طَلَبَ الصَّانِعُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَتَاعِ نَقْدَ يَوْمئِذٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا النَّقْدُ الَّذِي كَانَ جَارِيًا يَوْمَ دَفَعَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْمُكْرِي لَهُ نَقْدُ الْبَلَدِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ لَا نَقْدُ الْبَلَدِ الَّذِي حَمَلَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عَنْهُ بِبَلَدٍ حُمِلَ إلَيْهِ انْتَهَى.
ص (وَلَا فِي رَدِّهِ فَلِرَبِّهِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَقَرَّ الصَّانِعُ بِقَبْضِ مَتَاعٍ، وَقَالَ: عَمِلْتُهُ وَرَدَدْتُهُ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الرَّدِّ أَبُو الْحَسَنِ زَادَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ابْنُ يُونُسَ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى الرَّدِّ حَلَفَ رَبُّهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ بِغَيْرِ صَنْعَةٍ انْتَهَى.
، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَى أَحَدِهِمْ فَأَنْكَرَ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَتَاعَ قَدْ دُفِعَ إلَيْهِ، وَإِلَّا حَلَفَ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ (فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَجِيرُ، وَمَنْ آجَرَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ عُطْلَتِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَفِي قَبُولِ قَوْلِ مَنْ آجَرَهُ إنْ آوَاهُ إلَيْهِ لَيْلَهُ، أَوْ نَهَارَهُ، وَإِلَّا فَالْأَجِيرُ وَعَكْسُهُ ثَالِثُهَا الْأَوَّلُ: فِي الْعَبْدِ، وَفِي الْحُرِّ قَوْلُ الْأَجِيرِ مُطْلَقًا وَرَابِعُهَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ: مُطْلَقًا وَخَامِسُهَا عَكْسُهُ لِابْنِ عَاتٍ عَنْ ابْنِ مُغِيثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَفَتْوَى الشُّيُوخِ، وَعَنْ اللَّخْمِيِّ مَعَ مُحَمَّدٍ مَعَ أَشْهَبَ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَنْ التُّونُسِيِّ عَنْ أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ ادَّعَاهُ، وَقَالَ: سُرِقَ مِنِّي إلَى قَوْلِهِ حَلَفَا وَاشْتَرَكَا) ش: مَشَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا قَيَّدَ بِهِ صَاحِبُ
النُّكَتِ وَالتُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَجَعَلَ رَبَّ الثَّوْبِ تَارَةً يُرِيدُ أَخْذَهُ وَتَارَةً يُرِيدُ تَضْمِينَ الصُّنَّاعِ قِيمَتَهُ فَقَالَ: إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ حَلَفَ رَبُّ الثَّوْبِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي ادَّعَى الصَّانِعُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ بِيَمِينٍ إلَى آخِرِهِ، وَقَوْلُهُ: بِيَمِينٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَخَذَهُ بِيَمِينٍ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ دَعْوَاهُ مُسَاوِيَةً لَهَا، أَوْ أَقَلَّ أَخَذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اخْتَارَ رَبُّ الثَّوْبِ تَضْمِينَ الصَّانِعِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ لَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعَ حَلَفَا وَاشْتَرَكَا، وَكَيْفِيَّةُ حَلِفِهِمَا أَنْ يُبْدَأَ بِرَبِّ الثَّوْبِ فَيُقَالَ: احْلِفْ لَهُ أَنَّكَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ، فَإِذَا حَلَفَ قِيلَ لِلصَّانِعِ: احْلِفْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَكَ، وَإِلَّا ادْفَعْ قِيمَةَ الثَّوْبِ أَبْيَضَ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِرَبِّهِ: ادْفَعْ قِيمَةَ عَمَلِهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ، وَهَذَا بِقِيمَةِ عَمَلِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّ الصَّانِعَ سَرَقَهُ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّانِعُ مِمَّنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ عُوقِبَ رَبُّ الثَّوْبِ، وَإِلَّا لَمْ يُعَاقَبْ انْتَهَى.
ص (لَا إنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ، وَأَبَى مِنْ دَفْعِ مَا قَالَهُ يَكْرُهُ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ عِيَاضٍ: لَتُّ السَّوِيقِ بِالتَّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ هُوَ بَلُّهُ بِالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ الْمُؤَلِّفُ إلَى قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَتَّ سَوِيقًا بِسَمْنٍ، وَقَالَ لِرَبِّهِ أَمَرْتَنِي أَنْ أَلُتَّهُ لَكَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ لَهُ: لَمْ آمُرْك أَنْ تَلُتَّهُ قِيلَ لِصَاحِبِ السَّوِيقِ: إنْ شِئْت فَاغْرَمْ لَهُ مَا قَالَ، وَخُذْ السَّوِيقَ مَلْتُوتًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّاتِّ: اغْرَمْ لَهُ مِثْلَ سَوِيقَةِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ، وَإِلَّا فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ بِلُتَاتِهِ، وَلَا شَيْءَ لَكَ، وَلَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الطَّعَامِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا امْتَنَعَ رَبُّ السَّوِيقِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا لَتَّهُ بِهِ قُضِيَ لَهُ عَلَى اللَّاتِّ بِمِثْلِ سَوِيقِهِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ مَسْأَلَةُ السَّوِيقِ هَذِهِ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ رَبُّهُ أَوْدَعْتُك إيَّاهُ، أَوْ يَقُولَ: سُرِقَ مِنِّي فَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: وَقَالَ رَبُّهُ: لَمْ آمُرْكَ بِلَتِّهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَفْظُهُ فِي الْأُمَّهَاتِ، وَنَقَلَهَا عَبْدُ الْحَقِّ بِلَفْظِ: وَقَالَ رَبُّهُ: مَا دَفَعْت إلَيْكَ شَيْئًا عَبْدُ الْحَقِّ فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الثَّوْبِ: سُرِقَ مِنِّي، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ الْغَيْرِ، وَهَلْ هُوَ وِفَاقٌ، أَوْ خِلَافٌ؟ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُؤَلِّفَ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَتَرَكَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِتَرْجِيحِ غَيْرِهِ عِنْدَهُ اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ وَابْنَ يُونُسَ وَالنُّكَتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ وَلِلْجَمَّالِ بِيَمِينٍ إلَى قَوْلِهِ فَلِمُكْتَرِيهِ بِيَمِينٍ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ قَالَ الْمُكْتَرِي: دَفَعْت الْكِرَاءَ، وَأَكْذَبَهُ الْجَمَّالُ، وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ إنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ بِيَدِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَمَا قَرُبَ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةُ، وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ إنْ قَامَ الْكَرِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ مَا لَمْ يَبْعُدْ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْجَمَّالُ بَيِّنَةً، وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ بِحِدْثَانِ رَدِّ الْمَتَاعِ، فَإِنْ قَبَضَ الْمَتَاعَ رَبُّهُ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: وَلَهُ أَيْ لِلْأَجِيرِ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إلَّا لِطُولٍ فَلِمُكْتَرِيهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَجِيرِ وَالْجَمَّالِ، وَإِطْلَاقُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَى الْمُكْرِي سَائِغٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْجَمَّالُ الْبَيِّنَةَ ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْجَمَّالَ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ لَمْ يُقَبِّضْهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ عَلَى إقْرَارِ الْمُكْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا فَيُقْضَى بِهَا انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَهُ رَاجِعًا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالدَّارِ