مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 450-489
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الزوجين للآخر

صفحات 450-489
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَهَلْ يَقْطَعُ أَمْ لَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى نَافِلَتِهِ وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَإِنْ كَانَ عَقَدَ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى وَسَلَّمَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَطَعَ، انْتَهَى.
وَمِنْهُ أَيْضًا مَا قَالَهُ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ مِنْ بَابِ الْهَدْيِ مِنْ الْحَجِّ الثَّانِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ عَمَّا عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ عَامِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مَا أَحْرَمَ بِهِ إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَوَّلُ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلَافٌ) ش: شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَضَاءِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ عَنْ وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ وُجُوبُ قَضَاءِ الْقَضَاءِ

ص (وَإِطْعَامُ مُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ فَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ أَوْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ أَطْعَمَ مُدًّا مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، انْتَهَى.
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ لَدَخَلَ هَذَا الْفَرْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَهُ نِسْيَانًا هَلْ يُعْطِي كَفَّارَةَ التَّفْرِيطِ؟ فَأَجَابَ النَّاسِي لَا إطْعَامَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُ الْإِطْعَامِ وَلَا يُعْذَرُ إلَّا بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ زَمَنِ تَعْيِينٍ إلَى دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَصْرِفُهَا مِسْكِينٌ وَاحِدٌ وَفِيهَا لَا يُجْزِئُهُ أَمْدَادٌ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ ((قُلْتُ)) يُرِيدُ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ فِدْيَةَ أَيَّامِ رَمَضَانَ الْوَاحِدِ كَأَمْدَادِ الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ وَالرَّمَضَانَانِ كَالْيَمِينَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِنَا جَوَازُ إعْطَاءِ الْمِسْكَيْنِ مُدَّيْنِ مِنْ عَامَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ مُتَغَايِرَيْ النِّسْبَةِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُمَا يَوْمًا وَاحِدًا كَالْحَامِلِ مَثَلًا إذَا أَفْطَرَتْ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ

تَقْضِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ وَكَالْمُفْطِرِ مُتَعَمِّدًا أَوْ تَرَكَ قَضَاءَهُ إلَى أَنْ دَخَلَ رَمَضَانُ ثَانٍ آخَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ.

ص (وَمَنْذُورُهُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَيُسْتَحَبُّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ قَالَ: الصِّيَامُ يَلْزَمُنِي وَلَا نِيَّةَ لَهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْوَاجِبِ مِنْ الصِّيَامِ ((قُلْتُ)) أَمَّا جَوَابُهُ فِي الْأُولَى فَوَاضِحٌ وَنَحْوُهُ لِابْنِ سَهْلٍ وَنَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ النُّذُورِ وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ قَالَ النَّاذِرُ: الصِّيَامُ اللَّازِمُ وَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي الصِّيَامِ يَلْزَمُنِي يَوْمٌ وَاحِدٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِمْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ وَلَا نِيَّةَ فَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِطْرُ نَاذِرِ الدَّهْرِ نِسْيَانًا أَوْ لِعُذْرٍ لَغْوٌ وَعَمْدًا فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ وَلُزُومُ كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ وَالِانْتِهَاكِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَتِهِ فِيهِ وَفِي صَوْمِ مَنْ نَذْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ أَبَدًا لِظِهَارِهِ، انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ نَحْوُهُ.

ص (كَشَهْرٍ فَثَلَاثِينَ) ش: هَذَا مِثَالٌ لِمَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ فِيهِ الْأَكْثَرَ وَالْأَقَلَّ وَيَلْزَمُ الْأَكْثَرُ وَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا إذَا نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ أَوْ ثُلُثَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ فِي النِّصْفِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَفِي الثُّلُثِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَوْ نَذَرَ نِصْفَ شَهْرٍ فَابْتَدَأَ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَإِنَّهُ يُكْمِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْأَرْبَعَ عَشَرَ الَّتِي صَامَهَا نِصْفُ شَهْرٍ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ إمَّا خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ يَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَكْمِيلُهُ وَوَجْهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ النَّاذِرَ لَمَّا نَذَرَ نِصْفَ يَوْمٍ وَلَيْسَ هُوَ طَاعَةٌ لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَانْظُرْ هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا نَذَرَ نِصْفَ عِبَادَةٍ كَمَا لَوْ نَذَرَ نِصْفَ رَكْعَةٍ أَوْ نِصْفَ حَجٍّ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافًا فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُهُ يَوْمُهَا وَقِيلَ:

لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، انْتَهَى.

ص (وَابْتَدَأَ سَنَةً) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذْرِ صَوْمَ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ صَوْمَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ صَوْمَ السَّنَةِ عِنْدَ حِنْثِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَا صَامَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْأَهِلَّةِ اُحْتُسِبَ بِهِ وَمَا أَفْطَرَ فِيهِ مِنْ الشُّهُورِ فَإِنَّهُ يُكَمِّلُهُ ثَلَاثِينَ نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ ص (وَقَضَى مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِي سَنَةٍ) ش: أَيْ مَا لَا يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ إمَّا لِكَوْنِهِ يَجِبُ فِيهِ الْفِطْرُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ أَوْ يُكْرَهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ أَوْ كَوْنِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَامَ ص (وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ) ش: أَيْ قَضَاءُ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَ صَوْمَهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا يَوْمًا سَمَّتْهُ مِنْ الْجُمُعَةِ مَا عَاشَتْ ثُمَّ نَذَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صِيَامَ سَنَةٍ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ أَتَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَتْ نَذَرَتْهُ قَبْلَ نَذْرِ السَّنَةِ إذَا هِيَ قَضَتْ السَّنَةَ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّنَةَ الَّتِي نَذَرَتْ بِعَيْنِهَا فَلَا تَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي صَامَتْهُ بِالنَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ رَمَضَانَ الَّتِي صَامَتْهُ لِفَرْضِهَا وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تَقْضِي رَمَضَانَ وَلَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا أَيَّامَ الذَّبْحِ وَقَالَ فِيهَا: إنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ أَيَّامَ الذَّبْحِ فَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا يَدْخُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَحَكَى عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَامَتْهُ لِنَذْرِهَا أَوْ لِفَرْضِهَا وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ السَّنَةُ الَّتِي نَذَرَتْ لِأَمْرٍ شَكَّتْ فِيهِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ سَنَةً كَامِلَةً سِوَى أَيَّامِ نَذْرِهَا وَأَيَّامِ صَوْمِهَا لِفَرْضِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصَبِيحَةُ الْقُدُومِ فِي يَوْمِ قُدُومِهِ إنْ قَدِمَ لَيْلَةَ غَيْرِ عِيدٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ لَيْلًا صَامَ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا وَبَيَّتَ النَّاذِرُ الْفِطْرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِهِ أَبَدًا فَقَدِمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ صَامَ كُلَّ اثْنَيْنِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ

غَدٍ فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَمْ لَا فَلَا يَصُومُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ.
أَبُو الْحَسَنِ.
هَذَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَ الْأَضْحَى أَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
الشَّيْخُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمُ الْأَضْحَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ صِيَامًا يُثَابُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ نَسِيَ نَاذِرٌ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يَعْنِي ابْنَ رُشْدٍ يُرِيدُ وَنَذَرَهُ أَبَدًا وَلِذَا قَالَ: يَصُومُ آخِرَ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ أَبَدًا وَلَوْ نَذَرَهُ لَا أَبَدًا قَضَاهُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ مُطْلَقًا وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدِمَ لَيْلًا أَيْ يَوْمَ شَاءَ اتِّفَاقًا.
((قُلْتُ)) يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَنَسِيَ يَوْمَ قُدُومِهِ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ الْجُمُعَةِ، انْتَهَى.
وَاَلَّتِي قَبْلَهَا هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ نَسِيَ يَوْمًا مُعَيَّنًا فَقَالَ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ: يَصُومُ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ وَقَالَ أَيْضًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَالَ: الْجُمُعَةَ كُلَّهَا قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ أَبَدًا صَامَ الْأَبَدَ، انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ صَوْمُ الْجُمُعَةِ كُلِّهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ ص (وَصِيَامُ الْجُمُعَةِ إنْ نَسِيَ الْيَوْمَ عَلَى الْمُخْتَارِ) ش: وَالْمُرَادُ الْجُمُعَةُ كُلُّهَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ (فَرْعٌ) فَإِنْ صَامَ الْيَوْمَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي نَذَرَهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا ثُمَّ نَسِيَ أَيَّ يَوْمٍ كَانَ مِنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ: يُجْزِئُهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ يَنْوِي بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ فَنَوَاهُ لِقَضَائِهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ قَالَ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرَابِعُ النَّحْرِ لِنَاذِرٍ وَإِنْ تَعْيِينًا لَا سَابِقَيْهِ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ) ش: قَالَ الشَّبِيبِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَا يَجِدُ هَدْيًا أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَيُمْنَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَيُكْرَهُ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا لِمَنْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ أَوْ نَذَرَهُ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ وَشَبَهِهِ قَوْلَانِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَفِي صِيَامِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَّا لِمَنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ وَقِيلَ بِتَحْرِيمِهِ، انْتَهَى.

ص (وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجٌ تَطَوُّعٌ بِلَا إذْنٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ غَيْرَ التَّطَوُّعِ لَا تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِئْذَانِهِ وَلَيْسَ

كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَا أَوْجَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّطَوُّعِ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْأَمَةِ الَّتِي لِلْوَطْءِ كَالزَّوْجَةِ وَأَمَّا الْخَادِمُ الَّتِي لِلْخِدْمَةِ وَالْعَبْدُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا اسْتِئْذَانُ السَّيِّدِ إذَا لَمْ يَضُرَّ الصَّوْمُ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ قَالَهُ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِذْنِ وَإِنْ صَامُوا بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهُمْ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيّ: مَنْ صَامَ مِنْهُنَّ وَلَوْ دُونَ إذْنٍ لَمْ يَجُزْ فِطْرُهُ وَانْظُرْ هَلْ لِلزَّوْجِ إفْطَارُهُنَّ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَهُنَّ وَلِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهَا وَإِذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَلَا تَتَطَوَّعُ بِالصَّوْمِ وَلَهُ أَنْ يُفْطِرَهَا إنْ شَاءَ، انْتَهَى.
فَانْظُرْهُ (فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ أَصْبَغُ: سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ أَيُفْطِرُهَا فِي صِيَامِهَا الَّذِي تَصُومُهُ مَعَ أَهْلِ دِينِهَا قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُكْرِهَهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ دِينِهَا وَمِلَّتِهَا يَعْنِي شَرَائِعَهَا وَلَا عَلَى أَكْلِ مَا يَجْتَنِبُونَ فِي صِيَامِهِمْ أَوْ يَجْتَنِبُونَ أَكْلَهُ رَأْسًا لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا عَلَيْهِ مَنْعُهَا إيَّاهُ كُرْهًا وَلَا لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وَقَرَأَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 2] . حَتَّى بَلَغَ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِمَّا تَتَشَرَّعُ بِهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالذَّهَابِ إلَى الْكَنِيسَةِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَهُ مَنْعُهُمَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ دِينِهَا وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْكَنِيسَةِ إلَّا فِي الْفَرْضِ.

[بَابٌ الِاعْتِكَافُ]

ص (بَابٌ الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاعْتِكَافُ لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ نَاجِزَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ بِمُعَيَّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ نَافِلَةٌ أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَمْ يُبَيِّنْ مَا رُتْبَتُهُ فِي الْقُرَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمْ يُوَاظِبْ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي هُوَ قُرْبَةٌ كَالشَّيْخِ نَفْلُ خَيْرٍ الْكَافِي فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ وَفِي غَيْرِهِ جَائِزٌ.
الْعَارِضَةِ: سُنَّةٌ لَا يُقَالُ فِيهِ مُبَاحٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ جَائِزٌ جَهْلٌ ابْنُ عَبْدُوسٍ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ مَا رَأَيْت صَحَابِيًّا اعْتَكَفَ وَقَدْ اعْتَكَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قُبِضَ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا فَلَمْ أَزَلْ أُفَكِّرُ حَتَّى أَخَذَ بِنَفْسِي أَنَّهُ لِشِدَّتِهِ نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ كَالْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ وِصَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْهُ كَرَاهِيَةَ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ التَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعِبَادَةِ وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ

ص (وَصِحَّتُهُ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ مَنَعَ مَرَضٌ صَوْمَهُ فَقَطْ فَفِي بَقَائِهِ بِمُعْتَكَفِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلَا الْقَاضِي مَعَ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِهَا إنْ صَحَّ أَوْ طَهُرَتْ، وَرِوَايَةُ الْمَجْمُوعَةِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ لِطُرُوِّ حَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيُخْتَلَفُ فِي اعْتِكَافِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ كَالرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْبِنْيَةِ وَالْمُسْتَعْطِشِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ قِيَاسًا عَلَى الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاعْتِكَافِ سِوَى الصَّوْمِ أَوْ يَمْرَضُ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْمَقَامِ فَيَخْرُجُ ثُمَّ يَصِحُّ فِي بَعْضِ يَوْمٍ وَكَذَا الْحَائِضُ تَطْهُرُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ هَلْ يَرْجِعَانِ حِينَئِذٍ وَمَنْ مَضَى لَهُ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ اعْتِكَافِهِ فَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ فِي مُعْتَكَفِهِ وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ

لَا يَعُودُ وَلَا يَكُونُ فِي مُعْتَكَفِهِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ الصَّوْمُ فَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا مَرِضَ فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى اعْتِكَافِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الضَّعْفِ فَيُفْطِرُ فَقَالَ: يَعْتَكِفُ وَهُوَ مُفْطِرٌ لَيْسَ هَذَا اعْتِكَافًا وَلَكِنْ يَخْرُجُ ثُمَّ يَقْضِي وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْرُجُ إلَّا لِمَرَضٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْمَقَامَ وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا صَحَّ الْمَرِيضُ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ رَجَعَا حِينَئِذٍ.
فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُهُ فَقَالَ فِيمَنْ أَتَى عَلَيْهِ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِكَافِهِ بَقِيَّةٌ هَلْ يَخْرُجُ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُفْطِرٌ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي مُعْتَكَفِهِ عَلَى اعْتِكَافِهِ؟ وَهَذَا كُلُّهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ فَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يَعُودُ الْمَرِيضُ وَلَا الْحَائِضُ إذَا طَهُرَتْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَكُونُ الْآخَرُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي بَيْتِهِ وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ يَعُودَانِ فِي بَعْضٍ وَيَكُونَانِ عَلَى اعْتِكَافِهِمَا وَهُمَا مُفْطِرَانِ لَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ إذَا غَلَبَ عَلَى الصَّوْمِ وَلَا يَخْرُجُ الْآخَرُ يَوْمَ الْعِيدِ وَهَذَا أَصْوَبُهُمَا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إذَا أَصْبَحَ» ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ وَلِقَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الْأَخِيرَةَ يَعْتَكِفُهَا وَلَا يَصُومُ صَبِيحَتَهَا وَلِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي الْحَائِضِ إذَا خَرَجَتْ لَا تَتَصَرَّفُ وَهِيَ عَلَى الِاعْتِكَافِ وَكَذَا أَرَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مَنْ كَانَ صَحِيحًا عَاجِزًا عَنْ الصَّوْمِ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ فِي الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ: كَأَنْ مُنِعَ مِنْ الصَّوْمِ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ عِيدٍ.

ص (وَلَوْ نَذْرًا) ش: أَيْ الِاعْتِكَافُ كَمَا قَالَ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ أَيْ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا وَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ: وَلَوْ نَذَرَ أَيْ الصَّوْمَ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ الصَّوْمِ فَلَا يَصِحُّ فِي رَمَضَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمَسْجِدٍ) ش: أَيْ فِي صِحَّتِهِ بِمُطْلَقِ مَسْجِدٍ أَيْ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ خِلَافَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، انْتَهَى.
مِنْ رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ

[فَرْعٌ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلَّا الْمَسْجِدَ.
وَلِجَوَازِ النَّافِلَةِ فِيهَا وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَرْقَى إلَيْهَا بِدَرَجٍ كَالْمَسْجِدِ يُرْقَى إلَيْهِ كَذَلِكَ وَهُوَ جَائِزٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْتِ تَحْجِيرًا خَاصًّا وَهُوَ غَلْقُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَرْضِ فِيهَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَقَاصِيرِ الْمُعَدَّةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِلْأُمَرَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَكَذَا عِنْدِي يَجْرِي الْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِيهَا أَيْ عَلَى الْكَعْبَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْفَرْضِ وَعَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا وَمِنْ هَذَا النَّظَرِ بَيْتُ الْقَنَادِيلِ وَالصَّوْمَعَةِ وَظَهْرُ الْمَسْجِدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَفِي الِاعْتِكَافِ فِي بَعْضِهَا خِلَافٌ وَكَذَلِكَ صُعُودُ الْمَنَارِ وَالسَّطْحِ وَاخْتُلِفَ فِي الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْشِي لِمُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَكَذَا مَنْ فِي الْكَعْبَةِ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا وَالصَّلَاةِ خَارِجَهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ الْفَرْضَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْمَسْجِدَ وَهُوَ ابْنُ لُبَابَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْكَعْبَةِ بِالْإِطْلَاقِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ لِلْمَسْجِدِ خُصُوصِيَّةً فِي الِاعْتِكَافِ لِذِكْرِهِ فِيهِ

ص (وَتَجِبُ بِهِ) ش: قَالَ الشَّارِحُ: الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الِاعْتِكَافِ أَيْ لِمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ وَنَوَى اعْتِكَافًا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ زَمَنِهِ بِالْجَامِعِ، انْتَهَى.
فَتَقْدِيرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي وَأَنَّ مَجْرُورَهَا عَائِدٌ لِلِاعْتِكَافِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِهِ أَيْ تَجِبُ فِي زَمَنِ اعْتِكَافِهِ.

ص (وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ) ش: اُنْظُرْ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ هَلْ يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِعِصْيَانِهِ أَوْ لَا يَبْطُلُ؟

غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ آثِمٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ) ش: أَيْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَتِهِمَا أَوْ عِيَادَةِ أَحَدِهِمَا وَلَوْ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَرَضَ الْأَبَوَيْنِ لَا يَخْرُجُ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِعِيَادَةِ أَبَوَيْهِ إذَا مَرِضَا وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ وَرَأَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِبِرِّهِمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ لِإِبْرَارِهِمَا وَوُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ فَوْقَ وُجُوبِ الِاعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الِاعْتِكَافِ وَلَا مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي لَا انْفِكَاكَ لِأَحَدٍ عَنْهَا وَإِنَّمَا وَجَبَ الْخُرُوجُ لِعَارِضٍ هُوَ كَالْخُرُوجِ لِتَخْلِيصِ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْهَرَمِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ وَيَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَنْ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهِمَا مِنْ بِرِّهِمَا وَبِرُّهُمَا فَرْضٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ آكَدُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ مِنْ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَقْضِيهِ وَمَا فَاتَهُ مِنْ بِرِّ أَبَوَيْهِ لَا يَسْتَدْرِكُهُ وَلَا يَقْضِيهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَخْرُجُ لِمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ وَبِرُّهُمَا يَفُوتُ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِعِيَادَةِ غَيْرِهِمَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ وَأَنَّهُ إنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ فَهَذَا يُقَيِّدُ إطْلَاقَ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ.
ص (وَلَا جِنَازَتِهِمَا مَعًا) ش: أَيْ فَلَا يَخْرُجُ لِجِنَازَةِ أَبَوَيْهِ إذَا مَاتَا مَعًا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَبِلَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا كَانَا حَيَّيْنِ لَزِمَهُ طَلَبُ مَرْضَاتِهِمَا وَاجْتِنَابُ مَا يُسْخِطُهُمَا فَيَخْرُجُ لَهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لِجِنَازَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بِحُضُورِهِ فَيُرْضِيهِمَا وَلَا بِتَخَلُّفِهِ فَيُسْخِطُهُمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ إذْ لَيْسَ فِي تَرْكِ شُهُودِ جِنَازَتِهِمَا عُقُوقٌ لَهُمَا، انْتَهَى.
وَلَمْ يَرْتَضِ صَاحِبُ الطِّرَازِ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ يَعُودُهُمَا إذَا مَرِضَا وَيُصَلِّي عَلَيْهِمَا إذَا مَاتَا وَلَعَلَّ مَالِكًا إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِجِنَازَتِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ أَيْ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ إذَا خَرَجَ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ فِي عِيَادَتِهِمَا وَيَكُونُ خُرُوجُهُ فِي الْعِيَادَةِ مُبْطِلًا لِعُكُوفِهِ إلَّا أَنَّهُ أَصْوَنُ لِقَضَاءِ حَقِّهِمَا وَكَذَلِكَ فِي الْجِنَازَةِ وَمَا يُعَلِّلُ بِهِ الْبَاجِيُّ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ تَخَلُّفَهُ عَنْهُ مِمَّا يُسْخِطُ الْآخَرَ وَلَا يَرْضَاهُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ فَيَسُوءُهُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَمَا أَلْزَمَهُ مِنْ خُرُوجِهِ لِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مُلْتَزَمٌ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ حَيٌّ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ لِمَا يَخْشَى مِنْ عُقُوقِ الْحَيِّ وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ وَنَصُّهُ: وَفِي الْمُوَطَّإِ لَا يَخْرُجَ لِجِنَازَتِهِمَا ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عُقُوقٍ، انْتَهَى.
.

ص (وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ) ش: قَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ كَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ كَالْحَيْضِ وَالْوَطْءِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ نَهَارًا مُتَعَمِّدًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا نَاسِيًا فَلْيَقْضِهِ وَاصِلًا بِاعْتِكَافِهِ فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا عَامِدًا أَوْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ فَأَوْجَبَ الِاسْتِئْنَافَ لِجَمِيعِهِ مَعَ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ التَّتَابُعَ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي إذَا فَسَدَ جُزْؤُهَا فَسَدَتْ كُلُّهَا بِخِلَافِ نِسْيَانِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ وَجَبَ مَعَهُ الْقَضَاءُ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمَرَضَ وَالْحَيْضَ الَّذِي لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ خِيرَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْوَسَطِ: يُرِيدُ كَالْحَيْضِ وَالْوَطْءِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَكَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ نَهَارًا مُتَعَمِّدًا وَقَالَهُ كُلَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ: أَيْ فَيَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ لِبُطْلَانِ شَرْطِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ إذْ الصَّوْمُ شَرْطٌ وَمُبْطِلُ الشَّرْطِ مُبْطِلٌ لِلْمَشْرُوطِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ

لِلْأَقْفَهْسِيِّ.
وَأَمَّا ابْنُ الْفُرَاتِ فَنَقَلَ بَعْضَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى حِلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يُنَبِّهْ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا بَطَلَ الصَّوْمُ بِأَيِّ مُبْطِلٍ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ وَكَلَامُ الشَّيْخِ بَهْرَامَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْبِسَاطِيِّ وَالْأَقْفَهْسِيِّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ فَكَالْمُتَدَافَعِ وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَقَطَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ وَأَصْلُهُ وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ عَمْدًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مَفْسَدَةٌ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ مَفْسَدَةٌ أَيْ عَمْدًا لَا سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ بِجَمِيعِهِ بِالْمُفْسِدِ عَمْدًا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِهِ.
وَالْبِنَاءُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ مُفْسِدَ الِاعْتِكَافِ إذَا فُعِلَ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ مُبْطِلٌ لِجَمِيعِ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُ التَّتَابُعَ تَنَزَّلَ بِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَلِذَلِكَ كُلِّهِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِفَسَادِ جُزْئِهِ.
وَقَوْلُهُ وَبِغَيْرِهِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا بِأَنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ بَلْ وَالْوَطْءَ سَهْوًا مِمَّا يَقْضِي فِيهِ وَيَبْنِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ جَامَعَ فِي لَيْلِهِ أَوْ نَهَارِهِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِي التَّطَوُّعِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ مَنْ أَكَلَ يَوْمًا مِنْ اعْتِكَافِهِ نَاسِيًا يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ فَعُمِّمَ وَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا يَقْضِي فِيهِ بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ حَبِيبٍ عِيَاضٌ وَهُوَ أَصَحُّ.
وَانْظُرْ عَلَى الْأَوَّلِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، انْتَهَى.
وَفَرَّقَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ وَهِيَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا فَمَرِضَ فِيهَا أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَقْضِي الِاعْتِكَافَ وَلَا تَقْضِي الصَّوْمَ قَالَ: لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ أَشْبَهَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِهِ بِالْمَسْجِدِ وَتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجِبُ اتِّصَالُ أَيَّامِهِ وَابْتِدَاءُ كُلِّهِ بِإِفْسَادِ بَعْضِهِ عَمْدًا مُطْلَقًا وَنِسْيَانًا بِغَيْرِ فِطْرِ الْغِذَاءِ وَبِهِ يَقْضِي بَانِيًا إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ الْبَاجِيُّ أَوْ وَاجِبٍ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْلٍ فَفِي عَدَمِ قَضَائِهِ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ زَرْقُونٍ مَعَ ظَاهِرِهَا عِنْدَهُ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَائِلًا بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ الصَّقَلِّيُّ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَا قَضَاءَ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ وَيُحْتَمَلُ الْوِفَاقُ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ سَهْوُ غَيْرِ الْأَكْلِ كَالْأَكْلِ وَهْمٌ وَمَا مَرِضَ فِيهِ مِنْ نَذْرٍ مُبْهَمٍ أَوْ رَمَضَانَ قَضَاهُ وَمِنْ غَيْرِهِ فِي قَضَائِهِ ثَالِثُهَا إنْ مَرِضَ بَعْدَ دُخُولِهِ، انْتَهَى.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْأَكْلِ أَنَّ الْأَكْلَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَلِهَذَا يَأْكُلُ الْمُعْتَكِفُ فِي غَيْرِ زَمَنِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَابْتَدَأَهُ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي إلْحَاقِ الْكَبَائِرِ بِهِ تَأْوِيلَانِ) ش: فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّغَائِرَ لَا تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الصَّغِيرَةُ مُبْطِلَةً لِلصَّوْمِ كَالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إذَا وَالَاهُ حَتَّى أَمْذَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْطِلَ اعْتِكَافَهُ، انْتَهَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ بَلْ دَاخِلٌ فِي مُبْطِلِ الصَّوْمِ ص (وَقُبْلَةٌ بِشَهْوَةٍ) ش: قَالَ الشَّارِحُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ جَامَعَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ نَاسِيًا أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَامَسَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَابْتَدَأَهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يُرِيدُ إنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا، انْتَهَى.
وَلِهَذَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْقُبْلَةَ بِقَوْلِهِ بِشَهْوَةٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ عِيَاضٌ

تَقْبِيلُهُ مُكْرَهًا لَغْوٌ إنْ لَمْ يَلْتَذَّ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ وَطْءَ الْمُكْرَهَةِ كَالْمُخْتَارَةِ الصَّقَلِّيُّ وَالنَّائِمَةِ كَالْيَقْظَانَةِ وَالِاحْتِلَامُ لَغْوٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وُجُودُ اللَّذَّةِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَشَرَطَ اللَّخْمِيُّ وُجُودَ اللَّذَّةِ وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَ الْمَغْرِبِيُّ قَوْلَهُمَا فَقَالَ: يُرِيدُ إذَا وَجَدَ اللَّذَّةَ أَوْ قَصَدَهَا، انْتَهَى.

ص (وَأَتَمَّتْ مَا سَبَقَ مِنْهُ أَوْ عِدَّةً) ش يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَكَفَتْ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ فَإِنَّهَا تُتِمُّ اعْتِكَافَهَا وَلَا تَخْرُجُ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ وَأَمَّا إنْ سَبَقَ مُوجِبُ الْعِدَّةِ فَلَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَبَانَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَمْ تَخْرُجْ حَتَّى تُتِمَّ اعْتِكَافَهَا ثُمَّ تُتِمَّ بَاقِيَ عِدَّتِهَا فِي بَيْتِهَا.
رَبِيعَةُ.
وَإِنْ حَاضَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ اعْتِكَافُهَا خَرَجَتْ فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ لِتَمَامِ اعْتِكَافِهَا فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ الِاعْتِكَافَ فَلَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تَحِلَّ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ فَخَرَجَتْ لِلْحَيْضِ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِلْمَسْجِدِ إذَا طَهُرَتْ لِتُكْمِلَ اعْتِكَافَهَا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا سَبَقَ الطَّلَاقُ أَوْ الْمَوْتُ الِاعْتِكَافَ أَوْ الْإِحْرَامَ لَمْ يَصِحَّ لَهَا أَنْ تَعْتَكِفَ وَلَا أَنْ تُحْرِمَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَزِمَتْهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْقُضَهَا، انْتَهَى.
مِنْ رَسْمِ مَرَضٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ إثْرَهُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إذَا أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا نَفَذَتْ وَهِيَ عَاصِيَةٌ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْبَيَانِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَجُوزُ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا نَذَرَتْ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ الشَّهْرُ فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ فِي عِدَّتِهَا وَمَبِيتِهَا فِي بَيْتِهَا وَتَصُومُ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا لِلِاعْتِكَافِ ظَهَرَ لِي هَذَا أَوَّلًا ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَتَعْتَكِفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ كَانَ لَازِمًا لَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ وَهِيَ كَمَنْ نَوَتْ الِاعْتِكَافَ وَدَخَلَتْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الِاعْتِكَافِ يُوجِبُ مَا نُوِيَ مِنْهُ وَالنَّذْرُ يُوجِبُ مَا نُذِرَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ فَالدُّخُولُ فِيهِ وَالنِّيَّةُ كَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، انْتَهَى.
وَمَا ظَهَرَ لِي أَوَّلًا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ

ص (وَإِنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ) ش: قَالَ الشَّارِحُ: يُرِيدُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا وَأَمَّا الْأَيَّامُ الْمُعَيَّنَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ مَنَعَهُ الِاعْتِكَافَ فِيهَا، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ مَنَعَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ مَضْمُونًا قِيلَ: وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ نَذَرَ عَبْدٌ عُكُوفًا فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ أَعْتَقَ وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ إذَا نَذَرَ ذَلِكَ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَإِنْ أَعْتَقَ يَوْمًا لَزِمَهُ مَا نَذَرَ مِنْ مَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ إنْ بَقِيَ مَالُهُ ذَلِكَ بِيَدِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ رَقِيقٌ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُسْقِطَهُ عَنْهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الدَّيْنِ.

ص (وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ سَحْنُونٌ فَأَمَّا إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَيَدْخُلُ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَتِهِ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَاعْتَكَفَ يَوْمَهُ لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ يُونُسَ لِأَنَّهُ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ تَامٌّ وَذَلِكَ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ وَأَمَّا إنْ نَوَى اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَدَخَلَ فِيهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَأَجْزَأهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: فَرْعٌ: فَإِنْ اعْتَكَفَ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ هَلْ يُجْزِئُهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَقَالَ سَحْنُونٌ

لَا يُجْزِيهِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ نَحْوُ مَا ارْتَضَاهُ الْقَاضِي.

ص (لَا بَعْضَ يَوْمٍ) ش: قَالَ سَنَدٌ لَوْ نَذَرَ عُكُوفَ بَعْضِ يَوْمٍ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ وَلَا يَكُونُ عُكُوفًا وَإِنَّمَا يَكُونُ جِوَارًا نَذَرَهُ بِلَفْظِ الْعُكُوفِ وَكَمَا يَلْزَمُ الْعُكُوفُ إذَا قَصَدَ مَعْنَاهُ وَنَذَرَهُ بِلَفْظِ الْجِوَارِ يَلْزَمُ الْجِوَارُ إذَا قَصَدَ مَعْنَاهُ وَنَذَرَهُ بِلَفْظِ الْعُكُوفِ، انْتَهَى.

ص (كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ) ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْجِوَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا مِنْ الْمُجَاوَرَةِ مِثْلُ الِاعْتِكَافِ، انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُجَاوِرَ الْمَسْجِدَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عِدَّةَ أَيَّامٍ فَهَذَا نَذْرُ اعْتِكَافٍ بِلَفْظِ الْجِوَارِ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ أَعْتَكِفُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أُجَاوِرُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَيَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ فِي الِاعْتِكَافِ وَيُمْنَعُ فِيهِ مَا يَمْتَنِعُ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَاللَّفْظُ لَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُرَادُ لِمَعْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ اعْتِكَافًا وَلَا جِوَارًا إلَّا أَنَّهُ نَوَى مُلَازَمَةَ الْمَسْجِدِ لِلْعِبَارَةِ أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً وَشَرَعَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ سُنَّةُ الِاعْتِكَافِ ص (لَا النَّهَارُ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ) ش: قَالَ سَنَدٌ: أَمَّا الْجِوَارُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَإِنَّمَا هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَمْتَنِعُ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيُجَامِعَ أَهْلَهُ قَالَ الْبَاجِيُّ وَيَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهِ وَلِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ وَيَطَأُ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ مَتَى شَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَضَعَ الِاعْتِكَافَ عَلَى وَجْهٍ يَعْسُرُ إقَامَتُهُ عَلَى جُلِّ النَّاسِ شَرَعَ فِي بَابِهِ مَا يُيَسِّرُ إقَامَتَهُ عَلَى جُلِّ النَّاسِ فَشَرَعَ الْجِوَارَ فَالْمُجَاوِرُ يَحْضُرُ الْمَسْجِدَ وَيُكْثِرُ جَمْعَهُ وَلَا يَلْتَزِمُ الْمَسْكَنَ، وَالتَّلَازُمُ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمُعْتَكِفُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مُلَازَمَةَ الْمَسْجِدِ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَوُجُوهِ الْقُرْبِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَحْرُمُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ عَلَى الْمُجَاوِرِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَأْثَمْ، انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْجِوَارُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَبِاللَّفْظِ يَعْنِي أَنَّ الْجِوَارَ يَلْزَمُ إذَا نَذَرَهُ بِلَفْظِهِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا عَقْدُهُ بِالْقَلْبِ فَذَلِكَ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالْقَلْبِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْيَوْمُ الْمُنْفَرِدُ أَوْ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا نَوَى أَيَّامًا بِالدُّخُولِ فِيهَا ابْنُ يُونُسَ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اللُّزُومِ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَزِمَهُ وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: لَا يَلْزَمُهُ هَذَا الْجِوَارُ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ إذْ لَا صَوْمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَالذِّكْرُ يَتَبَعَّضُ، انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ ص (وَفِي يَوْمِ دُخُولِهِ لَهُ تَأْوِيلَانِ) ش: أَيْ وَفِي لُزُومِ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ

وَعَدَمِ لُزُومِهِ تَأْوِيلَانِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْجِوَارَ لَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا فِعْلٌ وَهُوَ الدُّخُولُ فَمَا بَعْدَ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ الدُّخُولِ وَاخْتُلِفَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ هَلْ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ تَأْوِيلَانِ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى اللُّزُومِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ فِي النُّكَتِ: إذَا نَوَى عُكُوفَ أَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شُهُورٍ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِاتِّصَالِهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَنْ نَوَى صَوْمًا هَذَا وَإِنْ نَوَاهُ مُتَتَابِعًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصَّوْمِ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ فَاصِلٌ عَنْ الصَّوْمِ وَالْعُكُوفَ عَمَلُهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَهُوَ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ.
وَالْجِوَارُ إذَا كَانَ يَنْقَلِبُ فِيهِ بِاللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهِ مِثْلُ الصَّوْمِ لَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ وَالدُّخُولِ إلَى أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ بِدُخُولِهِ فِيهِ وَأَمَّا مَا لَا يَنْقَلِبُ فِيهِ فَهُوَ كَالْعُكُوفِ وَبِالدُّخُولِ فِي يَوْمٍ مِنْهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، انْتَهَى.
وَتَأَوَّلَ أَبُو عِمْرَانَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ بِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَالْجِوَارُ يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُجَاوِرِ أَجْرُهُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: فَرْعٌ: فَإِنْ نَوَى جِوَارَ يَوْمٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ وَبَعْدَ دُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ فِيهِ صَوْمٌ فَيُقَدَّرُ بِزَمَانِهِ بَقَاءٌ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الِاعْتِكَافُ يَجِبُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا بِالنَّذْرِ وَإِمَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ إذَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ الصِّيَامَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَاوِرَ كَجِوَارِ مَكَّةَ بِغَيْرِ صِيَامٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ مَا نَوَى مِنْ الْأَيَّامِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ مُجَاوَرَةُ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
إذْ لَمْ يَتَشَبَّثْ بِعَمَلٍ يُبْطِلُ عَلَيْهِ بِقَطْعِهِ، انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَرْعٌ) فَلَوْ نَوَى جِوَارَ الْمَسْجِدِ مَا دَامَ فِيهِ أَوْ وَقْتًا مُعَيَّنًا لَمْ يَلْزَمْ بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَابْنُ رُشْدٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَكَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ وَعَبْدِ الْحَقِّ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَدْخَلِ فِي أَوَّلِهِ فِي نِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَيَنْوِي الِاعْتِكَافَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ أَوْ الْجِوَارَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْجِوَارُ كَالِاعْتِكَافِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ فِيهِ إنْ نَوَاهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ الْفِطْرِ فَلَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ صَوْمٌ) ش أَيْ إذَا نَوَى مُجَاوَرَةَ النَّهَارِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِاللَّفْظِ فَإِذَا نَذَرَهُ بِلَفْظِهِ وَلَزِمَهُ حِينَئِذٍ صَوْمٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي الْحَاوِي لِأَبِي الْفَرَجِ: إذَا نَذَرَ جِوَارًا فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ فَهُوَ كَالِاعْتِكَافِ وَعَلَيْهِ الصِّيَامُ إلَى أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إلَى مَنْزِلِهِ لَيْلًا فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ صِيَامٌ، انْتَهَى.
وَفِي اللُّبَابِ وَإِذَا نَذَرَ جِوَارَ مَكَّةَ لَا يَلْزَمُهُ فِيهِ صَوْمٌ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِاللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهِ لِيَبِيتَ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ دُونَ النَّذْرِ إلَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَيَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ لِدُخُولِهِ فِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ إذَا نَوَى مُجَاوَرَةَ الْمَسْجِدِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَوْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ عَدَمَ الصِّيَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ بِاللَّفْظِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَذْرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِسَاحِلٍ

مِنْ السَّوَاحِلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ لِيَصُومَ فِيهِ يُرِيدُ إنْ كَانَ ذَلِكَ السَّاحِلُ مَحَلَّ رِبَاطٍ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْيَانِهِ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا يُرِيدُ وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ فِي بَلَدٍ أَشْرَفَ مِنْهُ كَمَنْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إذَا نَذَرَ الصَّوْمَ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ

[فَرْعٌ نَذَرَ الصَّوْمَ بِمَكَّة أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ]

(فَرْعٌ) فَمَنْ نَذَرَ الصَّوْمَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ أَحْرَى وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِيمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ بِمَوْضِعٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِلِاعْتِكَافِ وَلَوْ نَذَرَهُ بِسَاحِلٍ مِنْ السَّوَاحِلِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ.

[فَرْعٌ نَذَرَ صَوْمًا بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ وَغَيْرِ رِبَاطٍ]

(فَرْعٌ) وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ وَغَيْرِ رِبَاطٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ وَيَصُومُ بِمَوْضِعِهِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

ص (وَاعْتِكَافُهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ فَيَشْتَرِيَ طَعَامَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ وَالْأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَوَائِجِهِ وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَلَا يَخْرُجُ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يَدْخُلُ حَتَّى يُعِدَّ مَا يُصْلِحُهُ وَلَا يَعْتَكِفُ إلَّا مَنْ كَانَ مَكْفِيًّا حَتَّى لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ لِشِرَاءِ طَعَامِهِ وَلَا يَقِفُ مَعَ أَحَدٍ يُحَدِّثُهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ شَيْئًا أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ لَا يَقِفُ عَلَى أَحَدٍ يُحَدِّثُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الِاعْتِكَافِ وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ عَلَيْهِ كَالرَّاعِفِ يَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ اشْتَغَلَ بِحَدِيثٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ مُعْتَكِفٍ، انْتَهَى.

ص (وَكِتَابَةٌ وَإِنْ مُصْحَفًا وَإِنْ كَثُرَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْمُعْتَكِفِ سَوَاءٌ كَانَتْ عِلْمًا أَوْ مُصْحَفًا فَأَحْرَى غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْكَثْرَةِ فَلَا تُكْرَهُ كِتَابَةُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا فَالضَّمِيرُ فِي الْكِتَابَةِ رَاجِعٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَكِتَابَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَطْفًا عَلَى اشْتِغَالِهِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى عِلْمٍ وَالْأَوَّلُ أَقْعَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَفِعْلٌ غَيْرُ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَنَحْوِهِ، انْتَهَى.
وَهَذَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُحَاكِي الْمُؤَذِّنَ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ مَنْ اعْتَكَفَ بِمَكَّةَ]

(فَرْعٌ) قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَيَجُوزُ لَهُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ وَمَنْ اعْتَكَفَ بِمَكَّةَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ وَتَرْقِيعُ ثَوْبِهِ وَقْت الِاعْتِكَاف]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَتَرْقِيعُ ثَوْبِهِ مَكْرُوهٌ وَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ اعْتِكَافُهُ.

ص (كَعِيَادَةٍ وَجِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِيَادَةَ وَالْجِنَازَةَ يُكْرَهُ لَهُ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْكَرَاهَةُ إنَّمَا هِيَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ وَلَوْ، انْتَهَى إلَيْهِ زِحَامُ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَانِبِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ لِيُعَزِّيَ أَوْ لِيُهَنِّيَ أَوْ لِيَعْقِدَ نِكَاحًا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَغْشَاهُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَحَبَسَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يَجْتَنِبَ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَالصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَاتِّبَاعَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَكِفُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ شَهِدَ جِنَازَةً وَعَادَ مَرِيضًا أَوْ أَحْدَثَ

سَفَرًا صَنَعَ ذَلِكَ مُتَعَمِّدًا وَجَبَ عَلَيْهِ الِابْتِدَاءُ وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَا لِشُهُودِ جِنَازَةٍ وَلَا لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ فَإِنْ فَعَلَ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهُوَ فِي مَكَان وَكَرِهَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي الْمَعُونَةِ إجَازَتُهُ وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَرَضِ أَبَوَيْهِ وَتَأَمَّلْهُ هَلْ يَصِحُّ الْأَخْذُ مِنْهُ أَوْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَرَتُّبِهِ لِلْإِمَامَةِ) ش: هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَحَكَى فِي الْإِكْمَالِ عَنْهُ قَوْلَيْنِ هَذَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ وَاللَّخْمِيُّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ.

ص (وَإِخْرَاجُهُ لِحُكُومَةٍ إنْ لَمْ يَلُدَّ بِهِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ خَرَجَ يَطْلُبُ حَدًّا أَوْ دَيْنًا أَوْ أَخْرَجَ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ دَيْنٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: إنْ أَخْرَجَهُ قَاضٍ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَارِهًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ اعْتِكَافَهُ وَإِنْ بَنَى أَجْزَأَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إخْرَاجُهُ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يُتِمَّ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ لَدَدًا فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّهْذِيبِ.
إلَّا قَوْلَهُ لِخُصُومَةٍ أَوْ غَيْرِهَا الثَّانِي فَإِنَّهُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

ص (وَجَازَ إقْرَاءُ قُرْآنٍ) ش: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَقْرَأَ أَوْ يُقْرِئَ غَيْرَهُ الْقُرْآنَ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَزَادَ مَا نَصُّهُ: يُرِيدُ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ الْأَذْكَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدَ التَّعْلِيمِ فَلَا، انْتَهَى.
وَكَذَا قَيَّدَهُ فِي الشَّامِلِ وَهَذَا التَّقْيِيدُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ التِّلِمْسَانِيُّ كَلَامَ الْجَلَّابِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ مَا فِي الْجَلَّابِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَلَا يُدَرِّسُهُ وَلَا بِإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ وَفِي التَّفْرِيعِ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَسْجِدِ وَيُقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ شُرِعَ لَهَا الْمَسْجِدُ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: الْمُعْتَكِفُ دَخَلَ عَلَى الْتِزَامِ نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ مِمَّا شُرِعَ لَهُ الْمَسْجِدُ وَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ: فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ مَا الْتَزَمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الِاعْتِكَافِ، انْتَهَى.
فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْغَيْرِ وَسَمَاعُهُ مِنْ الْغَيْرِ

ص (وَتَطَيُّبُهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الْمُعْتَكِفُ قَالَ فِي الطِّرَازِ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَتَطَيَّبَ وَلَا يَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِنْ الثِّيَابِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يَشُمُّ الرَّيَاحِينَ وَالْمُعْتَكِفَ لَا يَكُونُ إلَّا صَائِمًا وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الصَّوْمِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبَخُورٌ

ص (وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا) ش: فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَهُ لِخُرُوجِهِ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهِ لِلْعِيدِ وَرَدَّهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْجَلَّابِ: وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْغُسْلِ، انْتَهَى.
وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ لِيَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْحَاجَةِ.

[فَرْعٌ الْمُعْتَكِف إذَا اصْبَحْ جنبا]

(فَرْعٌ) ثُمَّ قَالَ: وَيَخْرُجُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ إجْمَاعًا وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ سَبِيلًا يُتِمُّ لِاسْتِبَاحَةِ

اللُّبْثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ أَوْ لَا يَخْرُجُ وَلَا يَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَتَيَمَّمَ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّيَمُّمِ ((قُلْتُ)) وَتَقَدَّمَ الْأَرْجَحُ عَدَمُ التَّيَمُّمِ ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يَذْهَبُ إلَى الْحَمَّامِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْمُعْتَكِفِ فِي الشِّتَاءِ يَحْتَلِمُ وَيَخَافُ الْمَاءَ الْبَارِدَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ وَهَذَا إذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا أَوْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الْمَاءِ مِنْ الْحَمَّامِ وَيَتَطَهَّرُ فِي بَيْتِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: إذَا احْتَاجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى قَصِّ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيُدْنِيَ رَأْسَهُ لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَيُصْلِحُهُ وَلَا يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ إلَى بَيْتِهِ وَلَا إلَى دُكَّانِ حَجَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَنْتِفَ إبِطَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ إلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ التَّنْظِيفِ وَمُتَعَلِّقٌ بِالْغُسْلِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْحِجَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الْفَصَادَةُ وَإِنْ جُمُعَةً كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَوْلُ وَالتَّغْوِيطُ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ خَرَجَ وَإِنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَمَنْ رَاعَى فِي ارْتِكَابِهِ مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً لَمْ يُبْطِلْهُ وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ أَبْطَلَهُ ثُمَّ قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَسْتَاكَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ مَا يُلْقِيهِ مِنْ فِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَخْذُهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلِ جُمُعَةٍ ظُفْرًا، أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِذَلِكَ مُسْتَقِلًّا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ سَنَدٌ فِي كَلَامِهِ هَذَا وَانْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ عَرَفَةَ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ

ص (وَانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفَهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِلشُّيُوخِ هُنَا تَأْوِيلَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْتَظِرُ وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَا الْغُسْلَ وَلَا التَّجْفِيفَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ مَعْنَاهُ يَنْتَظِرُ التَّجْفِيفَ وَأَمَّا الْغُسْلُ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ، انْتَهَى.
وَفَهِمَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: لَا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَلَا تَجْفِيفَهُ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ وَفِيهَا لَا يَنْتَظِرُ فِي خُرُوجِهِ لِغُسْلِ جَنَابَتِهِ جَفَافَ ثَوْبِهِ، انْتَهَى.

ص (وَمُكْثُ لَيْلَةِ الْعِيدِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُكْثَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ خَرَجَ فِيهَا لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ قَالَهُ فِي رَسْمٍ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ أَيْضًا بِفِعْلِهِ مَا يُضَادُّ الِاعْتِكَافَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.

ص (وَبِآخِرِ الْمَسْجِدِ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَطْلُبَ فَضِيلَةَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، انْتَهَى.

ص (لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ بِهِ وَفِي كَوْنِهَا بِالْعَامِ أَوْ بِرَمَضَانَ خِلَافٌ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ

يُسْتَحَبُّ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِأَجْلِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي يَغْلِبُ كَوْنُهَا فِيهِ وَنَحْوُ هَذَا لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ فَذَلِكَ لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الِاعْتِكَافِ فِيهِ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ وَأَمَّا طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَإِنَّمَا هُوَ بِالِانْجِرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ لَكِنَّ حَدِيثَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اُخْتُلِفَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: إنَّهَا فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَنْتَقِلُ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: إنَّهَا مُبْهَمَةٌ فِي الْعَامِ كُلِّهِ وَقِيلَ: فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ، وَقِيلَ: فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ وَقِيلَ: فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَقَطْ، الثَّانِي: إنَّهَا فِي لَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا تَنْتَقِلُ مَعْرُوفَةٍ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ: إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّهَا لَيْسَتْ فِي لَيْلَةٍ بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْأَعْوَامِ وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ ((قُلْتُ)) وَهَهُنَا مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ تَقِيُّ الدِّينِ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ قَالُوا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا السَّنَةُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا مَخْصُوصَةً بِرَمَضَانَ مَظْنُونٌ وَصِحَّةُ النِّكَاحِ مَعْلُومَةٌ فَلَا تَزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ كَانَ إزَالَةُ النِّكَاحِ بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْأَحَادِيثُ وَالْأَحْكَامُ الْمُقْتَضِيَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ يَجُوزُ بِنَاؤُهَا عَلَى الْأَحَادِيثِ وَيَرْتَفِعُ بِهَا النِّكَاحُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي رَفْعِ النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ اسْتِنَادُهُ إلَى التَّوَاتُرِ أَوْ قُطِعَ اتِّفَاقًا الْمَشَذَّالِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ تَقِيُّ الدِّينِ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَلَا إلَى تَفْصِيلٍ بَلْ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مُطْلَقًا الْوَانُّوغِيُّ وَعَلَى أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ الْمَشَذَّالِيُّ ذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِغْنَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَمُحَالٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إخْبَارَهَا أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا.
وَظَاهِرُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَازِمٌ.
الْبُرْزُلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ الْحَجَرُ وَفِي النَّوَادِرِ تَقْيِيدُ الطَّلَاقِ بِالْمَاضِي كَطَلَاقِهِ فَهُوَ كَظَاهِرِ ابْنِ الْحَاجِبِ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ أَخَّرَهُ بَطَلَ) ش: قَالَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ فِي بَعْضِ يَوْمِهَا فَرَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا تُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا وَلَا تَعْتَدُّ بِهِ فِي اعْتِكَافِهَا إلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَتَنْوِيَ صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتَدْخُلَ مُعْتَكَفَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، انْتَهَى.

ص (وَإِنْ اشْتَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُعِدْهُ) ش: وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَالِاعْتِكَافُ وَقِيلَ: إنْ اشْتَرَطَهُ مِنْ قَبْلِ الدُّخُولِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَالِاعْتِكَافُ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الِاعْتِكَافُ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُسْقِطُهُ الِاشْتِرَاطُ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ قَالَ: إنْ اشْتَرَطَ فِي الِاعْتِكَافِ مَا يُغَيِّرُ سُنَّةً فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرْطُ مُنَافِيهِ لَغْوٌ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ الْبَغْدَادِيِّينَ لَوْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِدُخُولِهِ فَيَبْطُلُ شَرْطُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَحُكِيَ لَنَا عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ: أَنَّهُ شَرَطَ فِي الِاعْتِكَافِ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ: إنْ دَخَلَ فِي الِاعْتِكَافِ بِهَذَا الشَّرْطِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ اُنْتُقِضَ اعْتِكَافُهُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ اُنْظُرْ النُّكَتَ

انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: فَإِنْ شَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَثَالِثُهَا إنْ وَقَعَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِلَّا بَطَلَ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْحَجِّ]

ص (بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً) ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَنَا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْت: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ «لَوْ قُلْت: نَعَمْ لَوَجَبَتْ ثُمَّ إذًا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تُطِيعُونَ وَلَكِنَّهَا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ» انْتَهَى.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101] ، وَالرَّجُلُ السَّائِلُ هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَنَاسِكِهِ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ شَذَّ: أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ.» قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ حَرَامٌ فَكَيْفَ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِهِ؟ ، يَعْنِي أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ فِي الْقَبَسِ: وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ؛ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِشُذُوذِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَقَائِلُهُ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ وُرُودِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّأَكُّدِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، كَمَا حَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْآتِي ذِكْرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يُنْذِرَهُ أَوْ يُرِيدَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ بِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِمَنْ حَجَّ الْفَرْضَ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّ عَبْدًا صَحَّحْت لَهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْت عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَمْضِي إلَيَّ لَمَحْرُومٌ» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّأَكُّدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ انْتَهَى.
وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى إخْلَاءِ الْبَيْتِ عَمَّنْ يَقُومُ بِإِحْيَائِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ إحْيَاؤُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ عَدَّ فِيهِ زِيَارَةَ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا وَاحِدًا مَا أُمْطِرُوا، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «لَوْ تَرَكَ النَّاسُ زِيَارَةَ هَذَا الْبَيْتِ عَامًا مَا أُمْطِرُوا» وَقَالَ التَّادَلِيُّ بَعْدَ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَبَسِ الْمُتَقَدِّمِ: وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى إخْلَاءِ الْبَيْتِ عَمَّنْ يَقُومُ بِإِحْيَائِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَمَّا إذَا خِيفَ إخْلَاؤُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ إحْيَاؤُهُ وَفِي كُلِّ سَنَةٍ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَتِهِ فَقَالَ: وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ هَكَذَا أَطْلَقُوا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ بَلْ وَالِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ ((قُلْتُ)) : وَلَا

يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْحَجِّ بِمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَالرَّمْيِ وَإِحْيَاءِ تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ مِثْلِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ عِمَارَاتِ الْمَسَاجِدِ غَيْرَهُ بِالْجَمَاعَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَكَذَلِكَ عِمَارَةُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهُوَ أَوْلَى.
انْتَهَى كَلَامُ التَّادَلِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَيَنْبَغِي لِمَنْ حَجَّ الْفَرْضَ أَنْ يَنْوِيَ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: يُكْرَهُ لِلْحَاضِرِ بِمَكَّةَ مُقِيمًا أَنْ لَا يَحُجَّ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْكَرَاهَةِ تَرْكُ الْأُولَى وَالْفَضِيلَةِ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَحْصُلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَتَطَوُّعٍ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: وَهَذَا الثَّالِثُ يَحْتَاجُ إلَى تَصْوِيرٍ؛ لِأَنَّ الْقَاصِدَ لِلْبَيْتِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ سَقَطَ عَنْهُ وَكَانَ قَائِمًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَيْضًا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ كَانَ قَائِمًا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، قَالَ: وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ قَالَ: وَهَذَا فِيهِ الْتِزَامُ السُّؤَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ ثُمَّ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ وُقُوعُهُ فَرْضًا وَيَسْقُطُ بِهِمْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، قَالَ: وَقِيلَ: هُنَا جِهَتَانِ: جِهَةُ تَطَوُّعٍ وَهِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْعَيْنِ وَجِهَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ حَيْثُ إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ، قَالَ: وَهَذَا فِيهِ الْتِزَامُ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لَنَا حَجُّ تَطَوُّعٍ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ: إذَا أُتِيَ بِهِ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ لَا يَكُونُ فَرْضًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَقَدَّمَ إحْرَامُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِأَنَّ مَا كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَأَزْمَانٍ كَمَا قَالُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، انْتَهَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إنَّمَا يَشْكُلُ عَلَى مَذْهَبٍ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ يَنْقَلِبُ فَرْضًا وَعَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا خُوطِبَ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ كَانَ حُكْمُهُ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ فَرْضِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِنَفْلٍ يَنْقَلِبُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَجَّ فَرْضَ الْإِسْلَامِ يُطْلَبُ بِإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ سَقَطَ الطَّلَبُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَاقِينَ وَصَارُوا مَطْلُوبِينَ بِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَمَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَوَى الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ حَصَلَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا التَّطَوُّعَ فَحَجُّهُ تَطَوُّعٌ، بَلْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَحَدٌ وَأَحْرَمَ الْجَمِيعُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُمْ تَطَوُّعًا وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَحْصُلُ أَيْضًا أَنَّ فَرْضَ الْإِسْلَامِ يَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ وَفَرْضِيَّةَ ذَلِكَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّطْوِيلِ بِهَا لِشُهْرَتِهَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ، فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَمَنْ تَرَكَهُ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ إلَيْهِ فَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ: أَيْ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: وَعْظٌ وَزَجْرٌ وَوَبَخٌ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُقْتَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَتْ الْمُلْحِدَةُ الْحَجَّ وَقَالَتْ: إنَّ فِيهِ التَّجَرُّدَ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ يُخَالِفُ الْحَيَاءَ، وَفِيهِ السَّعْيُ وَهُوَ يُخَالِفُ الْوَقَارَ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِغَيْرِ مَرْمًى فَصَارُوا إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ إذْ لَمْ يَعْرِفُوا لَهَا حِكْمَةً، وَجَهِلُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَبْدِ مَعَ الْمُولِي أَنْ يَفْهَمَ الْمَقْصُودَ بِجَمِيعِ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَلَا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَائِدَةِ تَكْلِيفِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ وَيَلْزَمُهُ الِانْقِيَادُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ فَائِدَةٍ وَلَا سُؤَالٍ عَنْ مَقْصُودٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا لَبَّيْكَ تَعَبُّدًا وَرِقًّا، انْتَهَى مِنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا سُنَّةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَلَا

بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ كَوْنِهَا مُؤَكَّدَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنْسَكِهِ هِيَ أَوْكَدُ مِنْ الْوِتْرِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ لَا نَعْلَمُ مَنْ رَخَّصَ فِي تَرْكِهَا عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنْسَكِهِ: قَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ كَالْحَجِّ وَهِيَ أَوْكَدُ مِنْ الْوِتْرِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] كَلَامٌ مُؤْتَنَفٌ وَقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ: إنَّمَا أُمِرَ بِإِتْمَامِهَا مَنْ دَخَلَ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ: هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَنَازَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ؛ وَلِأَنَّهَا نُسُكٌ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَلَا تَكُونُ وَاجِبَةً كَطَوَافِ التَّطَوُّعِ وَلِعَدَمِ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: كَرِهَ مَالِكٌ الِاعْتِمَارَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمُجَاوِرِينَ بِهَا وَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّاسِ إلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَيَجِبُ إتْمَامُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُهَا بَعْدَ الْمَرَّةِ الْأُولَى الِاسْتِحْبَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَبِيرُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فَيَنْتَفِي عَنْهَا التَّأْكِيدُ وَتَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةً انْتَهَى.
وَيُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَأَجَازَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ: وَفَرَّطَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي الْعُمْرَةِ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ قَضَتْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً وَحُمِلَ عَلَى أَلْفِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْتَقَ أَلْفَ رَقَبَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: كَرِهَ مَالِكٌ تَكَرُّرَهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً وَحَكَى كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَعْتَمِرُ كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَضَاءً عَنْ نَذْرٍ أَوْ لِوَجْهٍ رَآهُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ فَرَّطَتْ فِي الْعُمْرَةِ سَبْعَ سِنِينَ فَقَضَتْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ أَوْ نَدَبَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْن الْمَوَّازِ جَوَازَ تَكْرَارِهَا فِي السَّنَةِ مِرَارًا وَاخْتَارَهُ وَنَصُّهُ: قَالَ مُطَرِّفٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ وَلَا مِنْ الِازْدِيَادِ مِنْ الْخَيْرِ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ نَصٌّ، انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ قَالَ ذَلِكَ فِي الِاعْتِمَارِ مِرَارًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْمَرَّتَيْنِ فَقَطْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ

الْمُدَوَّنَةِ، وَالشَّاذُّ لِمُطَرِّفٍ إجَازَةُ تَكْرَارِهَا وَنَحْوِهِ لِابْنِ الْمَوَّازِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالْعُمْرَةِ مَرَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ بَأْسٌ وَقَدْ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَكَرِهَتْ عَائِشَةُ عُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ، وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ هُوَ كَذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَنَصُّ النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ عُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يُرِيدُ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنْ يُكْرَهَ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ إجْمَاعًا، قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ حَيْثُ قَالَ: يُرِيدُ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ إنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا لَزِمَتْهُ كَانَتْ الْأُولَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا أَرَادَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَمْ لَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ فَيَجُوزُ لِمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الْمُحَرَّمِ قَالَهُ مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ وَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ أَيْ لَقُرْبِ الزَّمَنِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ أَيْ اسْتَثْقَلَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ ثُمَّ يَعْتَمِرُ فِي الْمُحَرَّمِ لَقُرْبِ الزَّمَنِ أَيْ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَفْعَلُ إلَّا وَاحِدَةً فَهَلْ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ أَوْ الْمُحَرَّمِ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ فَتَضَمَّنَ كَلَامُ مَالِكٍ الثَّانِي مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا اسْتِثْقَالُ الْإِتْيَانُ بِعُمْرَةٍ فِي ذِي الْحَجَّةِ، ثُمَّ أُخْرَى فِي الْمُحَرَّمِ، وَالثَّانِيَةُ اسْتِحْبَابُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ فِي الْمُحَرَّمِ لِمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَكَذَلِكَ نَقَلَهَا التَّادَلِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فِي الْعُمْرَةِ، الثَّالِثُ هَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ تَكُنْ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ لَهُ وَقِيلَ: لَهُ فِعْلُهَا بَعْدَ حَجِّهِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا.
الرَّابِعُ إذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ حَجِّهِ هَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ أُخْرَى فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: لِقُرْبِ الزَّمَنِ؛ تَعْلِيلُ الِاسْتِثْقَالِ فَقَطْ وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ كَوْنِهَا فِي الْمُحَرَّمِ فَلْتَكُنْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى مَا قَالَهُ التَّادَلِيُّ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ إلَخْ أَنَّ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ خِلَافًا هَلْ هُوَ الْمُحَرَّمُ أَوْ ذُو الْحَجَّةِ؟ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فِي كَلَامِ مَالِكٍ وَإِلَّا لَعَلَّلَ اسْتِثْقَالَهُ الْعُمْرَةَ فِي الْمُحَرَّمِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحَجَّةِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا إنَّمَا عَلَّلَهُ بِقُرْبِ الزَّمَنِ وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَإِذَا رَاعَيْنَا الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَهَلْ هِيَ مِنْ الْحَجِّ إلَى الْحَجِّ أَوْ مِنْ الْمُحَرَّمِ إلَى الْمُحَرَّمِ؟ وَاخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ أَيَّامِ الرَّمْيِ فِي آخِرِ ذِي الْحَجَّةِ ثُمَّ يَعْتَمِرُ فِي الْمُحَرَّمِ عُمْرَةً أُخْرَى فَيَصِيرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ أَقَامَ أَنْ لَا يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ فَعَلَى هَذَا يَعْتَمِرُ قَبْلَ الْحَجِّ وَبَعْدَهُ وَيَكُونُ انْتِهَاءُ الْعُمْرَةِ وَقْتَ فِعْلِ الْحَجِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَا يَعْتَمِرُ بَعْدَهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَأَوَّلُ السَّنَةِ الْمُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ مَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ دَخَلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ الصَّرُورَةَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ صَرُورَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَأَمَّا إذَا قَدَّمَ الصَّرُورَةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيَجُوزُ لِمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عُمْرَتِهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ

أُحِبُّ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يُقِيمَ لِعُمْرَتِهِ ثَلَاثًا بِمَكَّةَ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ لَمْ يُحْطِطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَرْضُ الْحَجِّ وَسُنَّةُ الْعُمْرَةِ الْمَوْجُودَةُ فِي غَالِبِ النُّسَخِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَرُفِعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَلَى النِّيَابَةِ لِلْفَاعِلِ وَنُصِبَ مَرَّةً عَلَى النِّيَابَةِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْعُمْرَةُ وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ مَصْدَرَانِ يُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ وَالْفِعْلِ وَالْمَعْنَى فُرِضَ بِأَنْ يَحُجَّ مَرَّةً وَسُنَّ أَنْ يَعْتَمِرَ مَرَّةً وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ فُرِضَ وَسُنَّتْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَقَعَ مِنْ الشَّارِعِ مَرَّةً وَلَا يُفِيدُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ؛ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ مَرَّةً عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ النَّائِبِ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْمَعْنَى فُرِضَ الْمَرَّةُ مِنْ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةُ مِنْ الْعُمْرَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَرْضُ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْفَاء وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَيُرْفَعُ سُنَّةٌ بِالْعَطْفِ عَلَيْهِ وَيُجَرُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ بِالْإِضَافَةِ، وَمَرَّةٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْبِسَاطِيِّ.
وَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْحَجِّ مَرَّةٌ، وَالْمُسِنُّونَ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرَّةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا وَلَمْ يُنَبِّهْ الشَّارِحُ عَلَيْهَا

(وَلِنَشْرَعْ) فِي الْكَلَامِ عَلَى اشْتِقَاقِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَعْنَاهُمَا لُغَةً وَشَرْعًا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقِيلَ: الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَقِيلَ: بِقَيْدِ التَّكْرَارِ انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: أَصْلُ الْحَجِّ الْقَصْدُ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ حَجًّا لِمَا كَانَتْ قَصْدَ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَقِيلَ: الْحَجُّ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّكْرَارِ وَالْعَوْدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِتَكْرَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - مَثَابَةً لِلنَّاسِ أَيْ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَيَثُوبُونَ فِي كُلِّ عَامٍ، انْتَهَى.
وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْخَلِيلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الصِّحَاحِ؛ لِقَوْلِهِ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ أَيْ مَقْصُودٌ وَقَدْ حَجَّ بَنُو فُلَانٍ فُلَانًا إذَا أَطَالُوا الِاخْتِلَافَ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ بِالْوَجْهَيْنِ؛ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَالْكَفُّ وَالْقُدُومُ وَكَثْرَةُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّرَدُّدِ وَقَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمِ «أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا» ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: «أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ» الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ عَلَى الْبَيَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِاقْتِضَائِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ يَرَى بَعْضَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِ الْحَجِّ عَلَى الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَأَنَّ الْحَجَّ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ أَوْ الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ أُمُورًا لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ نَقَلَهَا الشَّارِعُ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَإِنْ صَادَفَ أَنَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَّاقَةً لِأَمْرٍ اتِّفَاقِيٍّ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقِيلَ: إنَّهُ نُقِلَ إلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِمُنَاسِبَتِهِ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمَازِرِيَّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ جَارِيَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ الْمُتَقَدِّمِ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ قَصْدَ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِي الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ فَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَعْنَى الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ الْقَصْدُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ الْمُتَكَرِّرُ فَقِيلَ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ الْحَجِّ فِي الشَّرْعِ لَهُ

كَوْنُ النَّاسِ يَأْتُونَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَالَ ابْنُ مَشَدَّيْنِ: فَحُكْمُ التَّكْرَارِ بَاقٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْعُمُومِ قَالَ: وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ مَنَارَهُ كُلَّ سَنَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَقِيلَ: لِأَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْحَجِّ التَّكْرَارَ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كَانَتْ الْعَوْدَةُ إلَى الْبَيْتِ تَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي عُمْرَةٍ حَتَّى يَحْصُلَ التَّرَدُّدَ إلَى الْبَيْتِ كَمَا اقْتَضَاهُ الِاشْتِقَاقُ انْتَهَى.
فَيَتَحَصَّلُ فِي مَعْنَى التَّكْرَارِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ انْتَهَى كَلَامُ التَّادَلِيِّ.
وَقَدْ أَشْبَعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: هُوَ الْقَصْدُ إلَى التَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ بِالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ فَرْضًا وَسُنَّةً انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: فَحَجُّ الْبَيْتِ فِي الشَّرْعِ قَصْدُهُ عَلَى مَا هُوَ فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّهُ قَصْدٌ عَلَى صِفَةٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا تَقْتَرِنُ بِهِ أَفْعَالٌ مَا انْتَهَى.
قَالَ التَّادَلِيُّ: وَيُرَدُّ عَلَى الْأَوَّلِ كَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَعْمَالَ الْمَشْرُوعَةَ فِيهِ بَلْ أَطْلَقَ وَعَلَى الثَّانِي مَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِذَاتِ الْمَحْدُودِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: لَا يُعْرَفُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِلْحُكْمِ بِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً وَتَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ضَرُورَةً ضَرُورِيٌّ وَيُرَدُّ بِأَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ مَا وَالْمَطْلُوبُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِعُسْرِهِ وَيُرَدُّ بِعَدَمِ عُسْرِ حُكْمِ الْفَقِيهِ بِثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ وَصِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ وَلَازِمُهُ إدْرَاكُ فَصْلِهِ أَوْ خَاصَّتِهِ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ رَسْمُهُ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا وُقُوفٌ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ عَشَرَ ذِي الْحَجَّةِ وَحَدُّهُ بِزِيَارَةٍ وَطَوَافِ ذِي طُهْرٍ أَخُصُّ بِالْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ سَبْعًا بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالسَّعْيِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ وَمِنْهَا إلَيْهَا سَبْعًا بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ لَا يُقَيَّدُ وَقْتُهُ بِإِحْرَامٍ فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَلَازِمُهُ إدْرَاكُ فَصْلِهِ أَوْ خَاصَّتِهِ كَذَلِكَ أَيْ دُونَ عُسْرٍ.
وَقَوْلُهُ: وَطَوَافُ ذِي طُهْرٍ بِإِضَافَةِ طَوَافٍ إلَى ذِي بِمَعْنَى صَاحِبٍ.
وَقَوْلُهُ: أَخُصُّ أَيْ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ، وَقَوْلُهُ: بَعْدَ طَوَافٍ كَذَلِكَ، أَيْ ذِي طُهْرٍ.
. . إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُقَيِّدُ وَقْتَهُ يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ السَّعْيِ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ كَوَقْتِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَوَقْتِ الْوُقُوفِ بَلْ يَصِحُّ السَّعْيُ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقَوْلُهُ: بِإِحْرَامٍ أَيْ مَعَ إحْرَامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لُزُومَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ذَاتِيٌّ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَسْمًا إذْ لَا يُؤْتَى فِيهِ بِالذَّاتِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ اللُّزُومُ خَارِجِيًّا فَيَلْزَمُ بُطْلَانُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الذَّاتِيِّ وَالْخَارِجِيِّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَالْجَوَابُ أَنَّا نَلْتَزِمُ صِحَّةَ الرَّسْمِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ وَالْخَاصَّةُ قَوْلُكُمْ: لُزُومُ الْوُقُوفِ ذَاتِيٌّ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا الذَّاتِيُّ فِعْلُ الْوُقُوفِ وَبَيْنَ الْوُقُوفِ وَبَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ وَيَلْزَمُ تَرْكِيبُهُ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ مِنْ عَوَارِضِ التَّصْدِيقَاتِ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ بُطْلَانَ الْحَدِّ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ يُقَالَ: عِبَادَةٌ ذَاتُ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَمَّا كَانَ ابْنُ هَارُونَ حَجَّ أَشْبَهَ مَا قَالَ، وَلَمَّا لَمْ يَحُجَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَسُنَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِعُسْرِهِ انْتَهَى، وَأَمَّا ضَبْطُهُ فَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَكَذَا الْحَجَّةُ فِيهَا اللُّغَتَانِ وَأَكْثَرُ الْمَسْمُوعُ فِيهَا الْكَسْرُ وَالْقِيَاسُ الْفَتْحُ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: الْحِجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَجُّ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: الْحَجُّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا مَعًا الِاسْمُ وَبِالْكَسْرِ أَيْضًا الْحُجَّاجُ انْتَهَى.
وَالْعُمْرَةُ فِي اللُّغَةِ الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَ فُلَانٌ أَيْ زَارَهُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَلِذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى الْعُمْرَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِزِيَارَتِهِمْ إيَّاهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ: وَالِاعْتِمَارُ فِي الْكَلَامِ لُزُومُ الْمَوْضِعِ وَهِيَ أَيْضًا الزِّيَارَةُ قَالَ التَّادَلِيُّ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الِاعْتِمَارِ

وَالْعُمْرَةِ الْقَصْدُ قَالَ الشَّاعِر لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرَ ... فَحَلَّ أَعْلَى مُحْتَدٍ وَمُفْتَخِرٍ أَرَادَ حِينَ قَصَدَ انْتَهَى.
وَفِي الشَّرْعِ زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ أَوْ تَقُولُ: عِبَادَةٌ يَلْزَمُهَا طَوَافٌ وَسَعْيٌ فَقَطْ مَعَ إحْرَامٍ، وَقَوْلُنَا: فَقَطْ لِيَخْرُجَ الْحَجُّ

[فَائِدَة أَحْكَامَ الْحَجِّ]

(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ: أَحْكَامُ الْحَجِّ كَثِيرَةٌ وَفُرُوعُهُ غَزِيرَةٌ وَالِاعْتِبَارُ بِهَا الْيَوْمَ قَلِيلٌ لَا سِيَّمَا بِبِلَادِ الْغَرْبِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَتَحْقِيقُهَا فِي الْغَالِبِ يَحْتَاجُ لِطَوِيلِ الْبَحْثِ وَدَقِيقِ النَّظَرِ وَبَعْضِ الْمُلَابَسَةِ فِي الْفِعْلِ فَلْيُعْذَرْ الْمُتَكَلِّمُ فِيهِ عِنْدَ تَقْصِيرِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ الْقُورِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ: إنَّ أَحْكَامَ الْحَجِّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا قَدْ تَنْضَبِطُ أَفْعَالُهُ وَذَكَرَ أَنَّهَا تِسْعَةَ عَشَرَ فِعْلًا وَالْعُمْرَةُ نِصْفُهَا وَعِنْدِي أَنَّ أُصُولَهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ جَمَعْتهَا فِي أَبْيَاتٍ وَهِيَ أَحْرِمْ وَلَبِّ ثُمَّ طُفْ وَاسْعَ وَزِدْ ... فِي عُمْرَةٍ حَلْقًا وَحَجًّا إنْ تُرِدْ

فَزِدْ مِنًى وَعَرَفَاتٍ جَمْعًا ... وَمَشْعَرًا وَالْجَمَرَاتِ السَّبْعَا

وَانْحَرْ وَقَصِّرْ وَافْضِ ثُمَّ ارْجِعْ ... لِلرَّمْيِ أَيَّامَ مِنًى وَوَدِّعْ

وَكَمِّلْ الْحَجَّةَ بِالزِّيَارَةِ ... مُتَّقِيًا مِنْ نَفْسِك الْأَمَّارَةِ

فَالسِّرُّ فِي التَّقْوَى وَالِاسْتِقَامَةِ ... وَفِي الْيَقِينِ أَكْبَرُ الْكَرَامَةِ ص (وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ خِلَافٌ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ وَشُرُوطُهُ الْآتِيَةُ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِيهَا وَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ عَنْهَا أَوْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ إمَّا لِفَسَادِ الطَّرِيقِ بَعْدَ أَمْنِهَا أَوْ لِخَوْفِ ذَهَابِ مَالِهِ أَوْ صِحَّتِهِ أَوْ بِبُلُوغِهِ السِّتِّينَ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْ يُخَافُ عَجْزُهُ فِي بَدَنِهِ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْفَوْرِ اتِّفَاقًا، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَصَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَابْنُ بَزِيزَةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي مِنْهُمَا شَهَرَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ رَاشِدٍ والتِّلِمْسَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمَغَارِبَةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) يَعْنِي أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَسَائِلَ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُمُوا خِلَافَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي؟ فَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَمَسَائِلُهُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، شَهْرُ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا التَّرَاخِي وَحَاصِلُ نُصُوصِهِمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ اخْتَلَفَ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: هَلْ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي؟ وَالْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي يَرَى التَّوْسِعَةَ مُغَيَّاةً بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ خَوْفِ الْفَوَاتِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَكَثْرَةِ الْأَمْرَاضِ وَقِلَّتِهَا وَأَمْنِ الطَّرِيقِ وَخَوْفِهَا وَحَدَّهُ سَحْنُونٌ بِسِتِّينَ سَنَةٍ، قَالَ: وَيَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا زَادَ عَلَيْهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ صَاحِبُ التَّمْهِيدِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ غَيْرَ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
زَادَ ابْنُ الْحَاجِّ وَالتَّادَلِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ وَهَذَا تَوْقِيتٌ لَا يَجِبُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ مِمَّنْ يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ.
قَالَ: وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالتَّرَاخِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُجْدِي ذَلِكَ وَالْحُدُودُ فِي الشَّرْعِ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِمَّنْ لَهُ أَنْ يُشَرِّعَ، وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ لِسَحْنُونٍ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ» وَقَلَّ مَنْ يُجَاوِزُ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَنْ الْأَغْلَبِ أَيْضًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ

بِتَفْسِيقِ مَنْ صَحَّتْ عَدَالَتُهُ وَدِينُهُ وَأَمَانَتُهُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ التَّأْوِيلِ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا: يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَهُ تَأْخِيرُ مَا لَمْ يَخَفْ عَجْزَهُ عَنْهُ كَمَا يَقُولُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا إذَا اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ أَنْ لَا يَعْصِي وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَإِنَّهُ مَتَى يَخَافُ الْفَقْرَ وَالضَّعْفَ وَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَعَصَى وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] وَإِنَّمَا أَرَادَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إذَا أَخَّرَهُ وَهُوَ شَابٌّ مُقْتَدِرٌ وَفِي نِيَّتِهِ فِعْلُهُ فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا طَرَأَ عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْثَمُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، كَمَا جُوِّزَ لِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصِّبْيَانِ وَلِلزَّوْجِ ضَرْبُ الزَّوْجَةِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ مَتَى يَعْصِي؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَوَّلِ سَنَةِ الْقُدْرَةِ إذْ التَّأْخِيرُ عَنْهَا إنَّمَا جَازَ بِشَرْطٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ عَنْ آخِرِ سَنَةٍ لَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ بَعْدَهَا انْتَهَى.
وَرَأَى بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ، وَالثَّانِي عَائِدًا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَنَحْوُ هَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَنَصُّهُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ فَوَاتُهُ.
وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى إبَاحَةُ التَّعْزِيرِ لِلْإِمَامِ ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَخَّرَ الرَّجُلُ حَجَّهُ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْعَجْزُ عَنْهُ يُعَدُّ عَاصِيًا وَإِنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ فَلَيْسَ بِعَاصٍ وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ الْمُعْتَرَكَ فَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ تَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنَةً فَيَخَافُ فَسَادُهَا أَوْ يَكُونَ ذَا مَالٍ فَيَخَافُ ذَهَابَ مَالِهِ بِدَلِيلٍ يَظْهَرُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ عَجَّلَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ يَبْلُغَ الْمُعْتَرَكَ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ، وَتَعْجِيلُهُ نَفْلٌ كَالصَّلَاةِ الَّتِي تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا فَإِنْ عَجَّلَهَا فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ وَتَعْجِيلُهَا نَفْلٌ انْتَهَى.
فَلَمَّا تَرَجَّحَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ تَجْدِيدَهُ بِخَوْفِ الْفَوْتِ لَا بِسِتِّينَ سَنَةٍ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ: جَزَمَ بِهِ فَقَالَ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ لَكِنْ مِنْ خَوْفِ الْفَوَاتِ بُلُوغُ السِّتِّينَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ الْمُعْتَرَكَ أَيْ مُعْتَرَكَ الْمَنَايَا وَهُوَ مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَتُسَمِّيهَا الْعَرَبُ دَقَّاقَةَ الرِّقَابِ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ الْفَوَاتُ بِبُلُوغِ السِّتِّينَ مُعْتَرَكَ الْمَنَايَا أَوْ بِغَيْرِهِ تَعَيَّنَ عَلَى الْفَوْرِ اتِّفَاقًا وَإِذَا لَمْ يَخَفْ الْفَوَاتَ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَرَأَوْا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَشَهَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ بَزِيزَةَ وَمُصَنِّفُ الْإِرْشَادِ وَشَهَرَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الرِّسَالَةِ التَّرَاخِي وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْهَا: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَالْبَاجِيّ وَابْنُ رُشْدٍ والتِّلِمْسَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمَغَارِبَةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَأَخَذُوهُ مِنْ مَسَائِلَ فَأَخَذَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: لَا تَخْرُجُ إلَيْهِ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ فَوْرًا إجْمَاعًا انْتَهَى.
وَأَخَذَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ يُؤَخَّرُ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ الْعَامَ وَالْعَامَ الْقَابِلَ فَإِنْ أَذِنَا لَهُ وَإِلَّا خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ تَعَجَّلَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ مَعْصِيَةٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، فَقَدْ نُقِلَ فِي النَّوَادِرِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِالْإِعْجَالِ عَلَيْهَا، الثَّانِي أَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْفَوْرِ بِاتِّفَاقٍ وَكَانَ الْحَجُّ مُخْتَلَفًا فِي فَوْرِيَّتِهِ قُدِّمَ الْمُتَّفَقُ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِوَاجِبٍ أَقْوَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْفَوْرُ غَيْرَ وَاجِبٍ انْتَهَى.
وَهَذَا الْجَوَابُ الثَّانِي لِابْنِ بَشِيرٍ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُرَدُّ بِقَوْلِهَا: إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ فَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَسَمَاعَ الْقَرِينَيْنِ: سَفَرُ الِابْنِ الْبَالِغِ بِزَوْجَتِهِ وَلَوْ إلَى الْعِرَاقِ وَتَرْكُ أَبِيهِ شَيْخًا كَبِيرًا عَاجِزًا

عَنْ نَزْعِ الشَّوْكَةِ مِنْ رِجْلِهِ جَائِزٌ فَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَحَمْلُ ابْنِ مُحْرِزٍ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِهِ لَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بَعِيدٌ جِدًّا، انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فِي أَوَائِلِهِ وَسَمَاعُ الْقَرِينَيْنِ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَأَخَذَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: رَوَى أَشْهَبُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ زَوْجَتُهُ فَأَرَادَتْ الْحَجَّ وَهِيَ صَرُورَةٌ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ مَا أَدْرِي مَا تَعْجِيلُ الْحِنْثِ، حَلَفَ أَمْسِ، وَتَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، وَلَعَلَّهُ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ سَنَةً وَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ سَنَةً وَكَذَلِكَ يُقْضَى عَلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ عَلَى التَّرَاخِي إذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا شَكَّ فِي تَعْجِيلِ الْحِنْثِ فِي أَوَّلِ الْعَامِ، بَلْ الْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ فِي أَوَّلِ الْعَامِ وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تُعَجِّلَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ تَعْجِيلُهُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَالِكًا فَهِمَ عَنْهَا قَصْدَ الْإِضْرَارِ؛ لِقَوْلِهِ: حَلَفَ أَمْسِ وَتَخْرُجُ الْيَوْمَ، وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ وَجَدْت دَلَالَتَهُ عَلَى الْفَوْرِ أَقْرَبَ، انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ مِنْ الْبَيَانِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي بِأَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ نَزَلَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَخَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَإِنَّمَا فُرِضَ الْحَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] وَهَذِهِ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ قَالَ سَنَدٌ: وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ الْوَقْتَ كَانَ لَا يَتَّسِعُ بِأَنْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ الْعَامِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) سَوَّى الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: الظَّاهِرُ قَوْلُ مَنْ شَهَرَ الْفَوْرَ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِيلٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعَّفَ حُجَّةَ التَّرَاخِي وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِ نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي إنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَسَائِلَ، وَلَيْسَ الْأَخْذُ مِنْهَا بِقَوِيٍّ انْتَهَى.
وَقَدَّمَ فِي مَنَاسِكِهِ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِيَّةِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ الثَّانِي بِقِيلَ فَقَالَ: وَالْحَجُّ وَاجِبٌ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: عَلَى التَّرَاخِي.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا تَأَمَّلْت الْمَسَائِلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهَا التَّرَاخِي وَجَدْتهَا أَقْرَبَ إلَى دَلَالَتِهَا عَلَى الْفَوْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الَّذِي عَلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْمَذَاهِبِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ الْفَوْرُ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِ أَرْجَحُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَنْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مُعَلَّى وَالتَّادَلِيّ عَنْ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى مَنْ بَلَغَهَا أَوْ كَادَ، وَفِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَتَقَدَّمَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ السِّتِّينَ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَقَوْلُ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ سَحْنُونٍ.
(الثَّالِثُ) وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ الْعَامِ عَصَى وَلَا يَكُونُ قَضَاءً خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ نَقَلَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ عَامٍ فَقَضَاءٌ، وَقِيلَ: أَدَاءٌ انْتَهَى.
وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ مَا صَدَّرَ بِهِ هُوَ الرَّاجِحُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ سَنَةِ الْإِمْكَانِ لَا يُسَمَّى قَاضِيًا إجْمَاعًا وَنَصُّهُ فِي الِاحْتِجَاجِ لِلْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْحَجَّ عَنْ أَوَّلِ سَنَةِ الْإِمْكَانِ لَا يُسَمَّى قَاضِيًا إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَوَجَبَ إذَا أَخَّرَهُ عَنْهَا أَنْ يَفُوتَ أَدَاؤُهُ وَيُسَمَّى قَاضِيًا كَمَا تَقُولُ: إذَا أَفْسَدَهُ أَنَّهُ يَقْضِيهِ، وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا اسْمُ الْقَضَاءِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَخْتَصُّ وُجُوبُهُ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ وَإِنَّمَا

يَجِبُ وَقْتُ إمْكَانِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ كَوُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ لَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِوَقْتٍ كَأَنْ فَعَلَهُ أَوَّلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ كَفِعْلِهِ فِيمَا بَعْدَهُ فِي تَسْمِيَتِهِ أَدَاءً، بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ إذَا أَوْقَعْته فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِوُقُوعِهِ فَإِذَا أَفْسَدَ فَسَمَّيْنَا عَزْمَتَهُ لَهُ قَضَاءً انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي فَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ لَمْ يَعْصِ وَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ عَصَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ سَنَدٌ: إذَا وُجِدَتْ شَرَائِطُ الْحَجِّ وَجَبَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمَانِهِ وَقْتٌ وَاسِعٌ كَانَ وُجُوبُهُ مُوَسَّعًا فَمَتَى سَعَى فِيهِ سَعَى فِي وَاجِبِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ فَوْتِ وَقْتِهِ سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى فَاتَ الْحَجُّ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ سَقَطَ الْوُجُوبُ بِمَوْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ وَرَثَتُهُ وَلَا مَالُهُ إذَا لَمْ يُوصِ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ: إنْ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنِ الْحَجِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدُ فَذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ أَشْهَبُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ: فَإِنْ أَرَادَتْ الْحَجَّ وَهِيَ صَرُورَةٌ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صَرُورَةٌ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ نَذَرَتْهُ وَلَهُ مَنْعُهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ فِيهَا: وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ إذَا نَذَرَتْ الْمَشْيَ كَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ النَّوَادِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصِحَّتُهُمَا بِإِسْلَامٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْإِسْلَامُ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ غَيْرِ مُسْلِمٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَمِمَّا ذَكَرَ فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ صَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى خِطَابِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي خِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ قَالَ الْبَاجِيِّ: وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ خِطَابُهُمْ بِهَا خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ انْتَهَى وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: الْكُفَّارُ عِنْدَنَا مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْقُرْطُبِيِّ نَفْيُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ نَفْسِهِ لَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ فِيهِ الْخِلَافَ مِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا سَيَأْتِي وَقِيلَ: إنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ: الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحَكَى فِي الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَفِي كَلَامِهِ فِي الصِّيَامِ مِيلٌ إلَى عَدَمِ الْخِطَابِ، وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْخِطَابِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ.
وَيُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِالْخِطَابِ بِالنَّظَرِ إلَى مَسَائِلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ أَيْضًا إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْعِبَادَةَ تَصِحُّ مِنْ الْكُفَّارِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَفِي الشَّامِلِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ حِكَايَةِ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَقَوْلٌ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَقَوْلٌ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا يُوهِمُ أَنَّ الثَّانِيَ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي الْأَدَاءِ، وَإِلَّا أَجْزَأَ الْفِعْلُ قَبْلَ وُجُوبِهِ عَنْهُ بَعْدَهُ، وَلَا يُنْقَضُ بِإِجْزَاءِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ مِثْلُهُ وَإِلَّا أَجْزَأَتْ قَبْلَهُ مُطْلَقًا اهـ. وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الشَّامِلِ وَهَلْ الْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ وَرُجِّحَ أَوْ فِي وُجُوبِهِ أَوْ فِيهِمَا خِلَافٌ وَمِمَّنْ تَبِعَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ فَقَالَ: يَعْنِي أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ فِيهِمَا، انْتَهَى.

وَكَانَ الْحَامِلُ لِلشَّيْخِ بَهْرَامَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا فَحَمَلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَنَصُّهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْإِسْلَامِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ يُونُسَ وَالْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْخِطَابِ أَوْ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ شَاسٍ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّبْصِرَةِ وَجَعَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَالْوُجُوبِ مَعًا وَحَكَى الْأُولَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا، انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ إنَّمَا هِيَ فِي تَضْعِيفِ الْعَذَابِ فَقَطْ وَذَكَرَ الْبِسَاطِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ لِذَلِكَ فَائِدَةً أُخْرَى وَهِيَ وُجُوبُ الِاسْتِنَابَةِ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ إذَا أَسْلَمَ وَمَاتَ فِي الْحَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَإِنَّمَا تُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ ((قُلْتُ)) : وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنَابَةَ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ لَا تَجِبُ عِنْدَنَا وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا مُسْتَطِيعًا وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَدْ اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِ كَلَامِهِ يَقْتَضِي الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاعْتَرَضَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَسْتَطِيعُهُ بِالنِّيَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْأَوْلَى رَدُّهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ أَيْضًا وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ يَعْنِي نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِّ الِاسْتِطَاعَةَ أَيْضًا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَنَقَلَهُ عَنْ التَّادَلِيِّ وَجَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ وَشُرُوطُ وُجُوبِهِ ثَلَاثَةٌ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَلِأَدَائِهِ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ ثُمَّ قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَعْيِينِهَا انْتَهَى.
وَهُوَ كَلَامٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ أَعْنِي نَفْيَ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ فَمَنْ أَحَبَّ فَلِيُرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: لَوْ اعْتَقَدَ الصَّبِيُّ الْكُفْرَ لَمْ يَكْفُرْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَلَوْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الرُّويَانِيُّ: لَا يَصِحُّ.
وَقَالَ وَالِدُهُ: يَصِحُّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
وَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَنَّ ارْتِدَادَهُ ارْتِدَادٌ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) ش: يَعْنِي فَبِسَبَبِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا الْإِسْلَامُ صَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ رَضِيعًا؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُحَجُّ بِالرَّضِيعِ وَأَمَّا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ فَنَعَمْ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا فَلَا يَحُجُّ بِالْمَجْنُونِ الْمُطْبِقُ.
وَكَأَنَّهُ فَهِمَ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي صِحَّتِهِ يَعْنِي الْإِحْرَامَ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يُحَجُّ بِابْنِ أَرْبَعٍ لَا بِرَضِيعٍ وَفِي الْمَجْنُونِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِتَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ: عَدَمُ الْعَقْلِ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ خِلَافُ النَّصِّ وَنَقْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَهُ عَنْ بَعْضِ شَارِحِي الْمُوَطَّإِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَعْمِيَةٌ أَوْ قُصُورٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحَمَلَ عِيَاضٌ قَوْلَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُحَجُّ بِالرَّضِيعِ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ لَا مَنْعِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ شَارِحِي الْمُوَطَّإِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ نَفْلًا وَلَا فَرْضًا وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ فِي

شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ فَعَنْ أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: يَجِبُ بِالْإِسْلَامِ إلَى آخِرِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، انْتَهَى.
فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ تَرْكَ الْإِحْرَامِ بِالرَّضِيعِ مُسْتَحَبٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَصْلُ فِي الْحَجِّ بِالصَّغِيرِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مَحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَتْ بِضَبْعَيْ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ إلَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنَعُوهُ وَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِمْ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ وَإِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ لِلْعُلَمَاءِ هَلْ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْحَجِّ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إلْزَامُهُمْ مِنْ الْفِدْيَةِ وَالدَّمِ وَالْجَبْرِ مَا يَلْزَمُ الْكَبِيرَ أَمْ لَا؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُلْزِمُهُمْ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَتَجَنَّبُ عِنْدَهُ مَا يَتَجَنَّبُ الْمُحْرِمُ عَلَى طَرِيقِ التَّعْلِيمِ وَالتَّمْرِينِ وَسَائِرُهُمْ يُلْزِمُونَهُ ذَلِكَ وَيَرَوْنَ حُكْمَ الْحَجِّ مُنْعَقِدًا عَلَيْهِ إذْ جَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ إذْ جَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجًّا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إذَا بَلَغَ مِنْ الْفَرِيضَةِ، إلَّا فِرْقَةً شَذَّتْ فَقَالَتْ: يُجْزِيهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ الْعُلَمَاءُ إلَى قَوْلِهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَحْرَمَ وَهُوَ صَبِيٌّ فَبَلَغَ قَبْلَ عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَجِّ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُرْفَضُ إحْرَامُهُ وَيُتِمُّ حَجَّهُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَإِنْ اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ: يُجْزِيهِ إنْ نَوَى بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ وَرَفْضُ الْأُولَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُجْزِئُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فِي الْعَبْدِ يُحْرِمُ ثُمَّ يُعْتَقُ سَوَاءٌ وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّضِيعِ وَمَنْ لَا يَفْقَهُ هَلْ يَحُجُّ بِهِ؟ وَحَمَلَ أَصْحَابُنَا قَوْلَهُ بِالْمَنْعِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِتَرْكِهِ، وَالْكَرَاهَةِ لِفِعْلِهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ مِنْ الْإِجْزَاءِ إذَا اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ أَوْ نَوَى بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلَ الْفَرْضَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفَى فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ

وَإِذَا صَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ الصَّبِيِّ وَلَوْ كَانَ رَضِيعًا وَمَنْ الْمَجْنُونِ فَيُحْرِمُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا قُرْبَ الْحَرَمِ وَتَجْدِيدِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْوِي الْإِحْرَامَ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: قُرْبَ الْحَرَمِ، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَيُحْرِمُ، وَالْمَعْنَى فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الرَّضِيعِ قُرْبَ الْحَرَمِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِهِ جَرَّدَهُ وَلَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: قُرْبَ الْحَرَمِ، عَلَى قَوْلِهِ: وَجَرَّدَ، لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَبْيَنَ فَإِنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَرَّدَ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيَّ يُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيُؤَخِّرُ تَجْرِيدَهُ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ يُجَنَّبُ مَا يُجَنَّبُهُ الْكَبِيرُ وَذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُنَاهِزٌ وَرَضِيعٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُدْخِلَ الْجَمِيعَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَأَنْ يُحْرِمَ بِهِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ قُرْبَ الْحَرَمِ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَ الرَّضِيعِ وَمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ لَا يَجْتَنِبُ مَا يُنْهَى عَنْهُ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ وَأَنْ يُحْرِمَ الْمُنَاهِزُ مِنْ الْمِيقَاتِ قَالَ فِي الْأُمِّ: قَالَ مَالِكٌ: وَالصِّبْيَانُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ مِنْهُمْ الْكَبِيرُ قَدْ نَاهَزَ وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِ سِنِينَ الَّذِي لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فَذَلِكَ يُقَرَّبُ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمُ، وَاَلَّذِي قَدْ نَاهَزَ فَمِنْ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَدَعُ مَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ الَّذِي إذَا جَرَّدَهُ أَبُوهُ يُرِيدُ بِتَجْرِيدِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَيُجَنِّبُهُ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي اخْتِصَارِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ صَبِيًّا صَغِيرًا لَا يَتَكَلَّمُ فَلَا يُلَبِّي عَنْهُ وَيُجَرِّدُهُ إذَا دَنَا مِنْ الْحَرَمِ، وَإِذَا

جَرَّدَهُ كَانَ مُحْرِمًا وَيُجَنِّبُهُ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ وَمَنْ كَانَ مِنْ الصِّبْيَانِ قَدْ نَاهَزَ وَيَتْرُكُ مَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ فَهَذَا يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ فَلَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهِ فَهَذَا أَيْضًا يُقَرَّبُ مِنْ الْحَرَمِ وَيُجَنَّبُ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: نَاهَزَ، أَيْ قَارَبَ الْبُلُوغَ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الصَّغِيرُ وَالْمُنَاهِزُ بِكَسْرِ الْهَاءِ الْمُرَاهِقُ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: قَالَ مَالِكٌ وَالصِّبْيَانُ فِي هَذَا مُخْتَلِفُونَ مِنْهُمْ الْكَبِيرُ وَقَدْ نَاهَزَ وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَسَبْعٍ لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فَهَذَا يُقَرَّبُ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمُ وَاَلَّذِي قَدْ نَاهَزَ فَمِنْ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَدَعُ مَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَنْزَجِرُ وَيَقَعُ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَا يَبْعُدُ بِهِ الْمَسَافَةُ بِخِلَافِ مَنْ يَنْزَجِرُ وَجَازَ تَأْخِيرُ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ يَمُرُّ بِالْمِيقَاتِ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ وَهَذَا يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ الْبَالِغُ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ سِيَّمَا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إرَادَةُ الْإِحْرَامِ وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ، وَأَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيّ ذِكْرَهُ فِي تَهْذِيبِهِ وَذَلِكَ خَلَلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ حُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُحْرِمُ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَالصَّبِيُّ يُجْزِئُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْجُنُونِ لِيُعْلَمَ مِنْ أَيِّ الْبَابَيْنِ هُوَ وَهُوَ بِالصَّغِيرِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ غَفْلَتَهُ دَائِمَةٌ كَغَفْلَةِ الصَّغِيرِ وَالْإِغْمَاءُ مَرَضٌ يُرْتَقَبُ زَوَالُهُ بِالْقُرْبِ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَلَعَلَّ مَسْأَلَةَ الْمَجْنُونِ سَقَطَتْ مِنْ نُسْخَتِهِ مِنْ تَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيّ وَإِلَّا فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيمَا رَأَيْتُهُ مِنْ نُسَخِ التَّهْذِيبِ.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: الصِّبْيَانُ مُخْتَلِفُونَ فَمَنْ كَانَ كَبِيرًا قَدْ عَقَلَ وَعَرَفَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَهُ يُحْرِمُونَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَغِيرًا لَا يَتَكَلَّمُ أَوْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَهُ لَا يُحْرِمُونَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُونَ بِهِ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمُونَ بِهِ وَيُجَرِّدُونَهُ مِنْ مِخْيَطِ الثِّيَابِ وَيَكْشِفُونَ رَأْسَهُ وَيُجَنِّبُونَهُ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنْ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُلَبُّونِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ بِتَجْرِيدِهِ يَنْوِي الْإِحْرَامَ لَا أَنْ يُلَبِّيَ عَنْهُ لَا يُقَالُ: ذِكْرُهُ التَّجْرِيدَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا حَجَّ بِالصَّبِيِّ أَبُوهُ وَهُوَ لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِثْلُ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَةٍ فَلَا يُجَرَّدُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: إذَا حَجَّ وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ كَقَوْلِ الْجَلَّابِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَ الصَّبِيِّ عَنْ الْمِيقَاتِ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَهَكَذَا لَفْظُ التَّهْذِيبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْأُمِّ صَرِيحًا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: لِلْوَلِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِالصَّبِيِّ وَيُلَبِّيَ الطِّفْلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَاَلَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ لَا يُلَبِّي عَنْهُ.
وَكَيْفِيَّةُ إحْرَامِ الصَّبِيِّ أَنْ يَنْوِيَ الْوَلِيُّ إدْخَالَهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُدْخِلَهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ بَلْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْحَرَمِ وَإِذَا نَوَى إدْخَالَهُ فِي الْإِحْرَامِ جَرَّدَهُ مِنْ الْمِخْيَطِ فَيُعْقَدُ إحْرَامُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الصَّبِيَّ يُؤَخَّرُ إحْرَامُهُ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُحْرِمُ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيُؤَخِّرُ تَجْرِيدَهُ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ إلَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ شَارِحِ الْعُمْدَةِ وَابْنِ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُوهِمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَكَى لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِذَا حَجَّ بِالصَّبِيِّ أَبُوهُ إلَى آخِرِهِ، بِلَفْظٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَحْرَمَ بِالصَّبِيِّ أَبُوهُ وَهُوَ لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِثْل ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِيَةٍ فَلَا يُجَرِّدُهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْحَرَمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ دُونَ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ فَهُوَ خِلَافُ مَا يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ جَعَلَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْإِحْرَامُ مَعَ النِّيَّةِ وَتَقُومُ مَقَامَ التَّجَرُّدِ التَّوَجُّهَ عَلَى الطَّرِيقِ؛ فَبِذَلِكَ يَنْعَقِدُ إحْرَامُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُجَرَّدُ مِنْ الْمِيقَاتِ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَعْنِي

قَوْلَهُ: وَإِذَا أَحْرَمَ بِالصَّبِيِّ؛ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا ابْنَ الْمُنِيرِ فِي اخْتِصَارِهِ لِتَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيّ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ التَّهْذِيبِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ وَفِي نُسَخِ التَّهْذِيبِ وَفِي اخْتِصَارِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنِ يُونُسَ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي زَيْدٍ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ إنَّمَا هُوَ بِلَفْظٍ: وَإِذَا حَجَّ بِالصَّبِيِّ أَبُوهُ، كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِهِ يُجَنِّبُهُ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ وَنَصُّ كَلَامِ شَارِحِ الْعُمْدَةِ فِي إحْرَامِ الصَّبِيِّ وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا لَكِنْ لَا يُجَرِّدُ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ جِدًّا مِنْ الْمِيقَاتِ؛ لِلْمَشَقَّةِ وَخَوْفِ الْإِضْرَارِ بِهِ حَتَّى يُقَارِبَ الْحَرَمَ وَيَفْدِي عَنْهُ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ: وَمَتَى يُجَرَّدُ الصَّبِيُّ مِنْ الْمَخِيطِ أَمَّا الْكَبِيرُ فَكَالْبَالِغِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِذَا خِيفَ عَلَيْهِ أُخِّرَ تَجْرِيدُهُ وَأُفْدِيَ عَنْهُ انْتَهَى.
فَكَلَامُهُمَا أَيْضًا يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ إحْرَامُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ مَا ذَكَرْتُهُ فِي حِلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ احْتِمَالًا وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّارِحِ وَرَدَّهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَهُ الشَّارِحُ احْتِمَالًا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَنَصُّ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَهَذَا التَّجْرِيدُ مُخَالِفٌ لِتَجْرِيدِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ قُرْبَ الْحَرَمِ وَهُوَ مَعْمُولٌ مُجَرَّدٌ، وَأَجَازَ الشَّارِحُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي يُحْرِمُ وَجُرِّدَ مَعًا وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُجَرِّدُ إلَّا قُرْبَ الْحَرَمِ؛ دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخَّرَ إحْرَامُ الصَّبِيِّ عَنْ الْمِيقَاتِ إلَى قُرْبِ الْحَرَمِ قُلْت: يُحْمَلُ عَلَى تَجْرِيدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يُؤَخَّرُ الْفِعْلُ عَنْ النِّيَّةِ وَعَلَى الثَّانِي لَا يُؤَخَّرُ انْتَهَى.
فَمَا قَالَهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَ وَقَفَ عَلَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَقَصَدَ خِلَافَهُ فَالصَّوَابُ مَعَ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّارِحِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَإِنَّمَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَقَطْ وَنَصُّهُ وَانْظُرْ قَوْلَهُ: قُرْبَ الْحَرَمِ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَيُحْرِمُ، وَبِقَوْلِهِ: جُرِّدَ، مَعًا حَتَّى تَكُونَ النِّيَّةُ مِنْ الْوَلِيِّ مَقْرُونَةً بِتَجْرِيدِ الصَّبِيِّ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِنِيَّةٍ مَقْرُونَةٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَيَنْوِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَيُجَرَّدُ قُرْبَ الْحَرَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّيْخِ انْتَهَى.
وَأَمَّا الصَّغِيرُ وَالْوَسَطُ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ فِي كَلَامِهِ فِي الصَّغِيرِ مَا يُنَافِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَمُطْبِقٌ، أَيْ فَيُحْرِمُ عَنْهُ الْوَلِيُّ وَيُجَرِّدُهُ وَلَيْسَ كَالصَّبِيِّ فِي تَأْخِيرِ تَجْرِيدِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ كَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ فِي شَرْحِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَ الْمَجْنُونِ وَحُكْمَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إحْرَامُهُ، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَتِهِ فِي الشَّرْحِ، وَنَصُّهَا نَوَى وَلِيٌّ عَنْ كَرَضِيعٍ وَجَرَّدَهُ قُرْبَ الْحَرَمِ انْتَهَى.
وَلَمَّا اضْطَرَبَتْ هَذِهِ النُّقُولُ وَغَيْرُهَا عَلَى بَعْضِ مَنْ عَاصَرَ مَشَايِخَنَا جَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: فَقَالَ فِي مَنْسَكِهِ: وَيُجَرِّدُهُ قُرْبَ الْحَرَمِ وَهَلْ يُحْرِمُ بِهِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ أَوْ عِنْدَ تَجْرِيدِهِ قَوْلَانِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ إحْرَامَ الْوَلِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ لَيْسَ خَاصًّا بِالرَّضِيعِ وَكَذَا تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ لِقُرْبِ الْحَرَمِ لَيْسَ خَاصًّا بِهِ كَمَا قَدْ يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلَكِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَصَّ الرَّضِيعَ بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ صِحَّةُ حَجِّهِ وَجَوَازُهُ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ مَنْعِ الْحَجِّ بِهِ وَلَوْ أُتِيَ بِالْكَافِ فَقَالَ: عَنْ كَرَضِيعٍ؛ لَكَانَ أَحْسَنَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَوَازَ الْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَفُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَكُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ: يُسْتَحَبُّ الْحَجُّ بِالصِّبْيَانِ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَسْتَحْسِنُهُ وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ قَرْنٍ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحُجُّ بِالصِّبْيَانِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يُشْتَغَلُ بِهِ وَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو مَهْدِيٍّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكَافِلِ الصَّبِيِّ تَمْرِينُهُ عَلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى تَصِيرَ لَهُ كَالْعَادَاتِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى

كَافِلِهِ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ فِي وَقْتِهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَيُعْفَى عَمَّا يَجْتَرِحُهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَإِنَّ عَمْدَهُ كَالْخَطَأِ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَا تَجِبُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ عَلَى الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ الْحُلُمَ وَالصَّغِيرَةُ الْحَيْضَ وَلَكِنْ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَجَّ بِهِمَا وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: كَانَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحُجُّوا بِأَبْنَائِهِمْ وَيَعْرِضُونَهُمْ لِلَّهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي أَبِي دَاوُد وَنَصُّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ أَجْزَأَ عَنْهُ فَإِنْ عَتَقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» انْتَهَى.
مِنْ الذَّخِيرَةِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ السَّابِقِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُدْخِلُهُمَا أَيْ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ فِي الْإِحْرَامِ بِالتَّجْرِيدِ، وَالتَّجْرِيدُ فِعْلٌ فَيَكُونُ كَلَامُهُ هُنَا مُوَافِقًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وَأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا بُدَّ فِي انْعِقَادِهِ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ؛ لِأَنَّ التَّجْرِيدَ فِعْلٌ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَهَذَا فِي الذَّكَرِ وَفِي الْأُنْثَى يَكُونُ الْفِعْلُ كَشْفَ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَالتَّوَجُّهَ عَلَى الطَّرِيقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَجُرِّدَ؛ أَنَّ الرَّضِيعَ يُجَرَّدُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَقَالَ الْبَرَاذِعِيّ أَيْضًا: وَإِذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فَلَا يُلَبِّي عَنْهُ أَبُوهُ وَإِذَا جَرَّدَهُ أَبُوهُ يُرِيدُ بِتَجْرِيدِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَيُجَنِّبُهُ مَا يُجَنِّبُ الْكَبِيرَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي سَنَدٌ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ صَغِيرٍ لَا يَتَكَلَّمُ حَجَّ بِهِ أَبُوهُ لَا يُلَبِّي عَنْهُ أَبُوهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ وَلَكِنَّهُ يُجَرِّدُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَعَلَى صِحَّتِهِ، أَيْ صِحَّةِ إحْرَامِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ يُحْرِمُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا بِتَجْرِيدِهِمَا نَاوِيهِ وَلَا يُلَبِّي عَنْهُمَا انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ فِي كَلَامِهِ شَامِلٌ لَهُ وَلِلرَّضِيعِ لِمُقَابِلَتِهِ لَهُ بِقَوْلِ الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُحْرِمُ بِالرَّضِيعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: لَا يُجَرَّدُ الرَّضِيعُ وَنَحْوُهُ لِلْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا يُجَرَّدُ الْمُتَحَرِّكُ مِنْ الصِّغَارِ.
وَقَبِلَهُ شَارِحَاهُ التِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ قَالَ الْقَرَافِيُّ لَا يُجَرَّدُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ إرَادَةُ الْإِحْرَامِ وَالْمَجْنُونُ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: لَا يُجَرَّدُ الرَّضِيعُ؛ لِأَنَّ فِي تَجْرِيدِهِ تَضْيِيعًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْسَكُ مَا يُجْعَلُ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ ابْنِ الْحَاجِّ وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فَيَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) يَشْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِيُّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ قِبَلِ الْقَاضِي وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْوَلِيِّ كُلُّ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي كَفَالَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
(السَّادِسُ) سَيَأْتِي أَنَّ سَفَرَ الْوَلِيِّ بِالصَّبِيِّ وَالْكَافِلِ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: جَائِزٌ وَمَمْنُوعٌ.
فَفِي الْوَجْهِ الْجَائِزِ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ وَلَا كَبِيرَ ضَرَرٍ فِيهَا عَلَى الصَّبِيِّ وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَرِّي إنَّمَا كَانَ قَبْلُ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمِيقَاتِ كَانَ إحْرَامُهُ أَوْلَى وَأَفْضَلَ، وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَى وَلِيِّهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ فِي الطِّرَازِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ فِي الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَأَصَابَ صَيْدًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الْأَبِ انْتَهَى فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ يَنْعَقِدُ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ بِالصِّبْيَانِ وَالْأَمْرُ بِاسْتِحْسَانِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا غَيْرَ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يُكْتَبَ لِلصَّبِيِّ دَرَجَةٌ وَحَسَنَةٌ فِي الْآخِرَةِ بِصَلَاتِهِ وَزَكَاتِهِ وَحَجِّهِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي يَعْمَلُهَا وَيُؤَدِّيهَا عَلَى سُنَّتِهَا تَفَضُّلًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَفَضَّلَ عَلَى الْمَيِّتِ بِأَنْ يُؤْجَرَ بِصَدَقَةِ الْحَيِّ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرِ الصَّبِيِّ بِالصَّلَاةِ إذَا عَقَلَهَا.
وَصَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَسٍ وَالْيَتِيمِ، وَأَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ وَصَايَاهُمْ

وَلِلَّذِي يَقُومُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ أَجْرٌ لَعَمْرِي كَمَا لِلَّذِي يَحُجُّهُمْ أَجْرٌ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: يُكْتَبُ لِلصَّغِيرِ حَسَنَاتُهُ وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ وَلَا عَمِلْت لَهُ مُخَالِفًا مِمَّنْ يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْإِكْمَالِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى طَاعَةٍ وَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتُهُ دُونَ سَيِّئَاتِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمْ مُخَاطَبُونَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَوْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ؟ وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِحَمْلِهِمْ عَلَى آدَابِ الشَّرِيعَةِ وَتَمْرِينِهِمْ عَلَيْهَا وَأَخْذِهِمْ بِأَحْكَامِهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يَبْعُدُ مَعَ هَذَا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ بِادِّخَارِ ثَوَابِ مَا عَمِلُوهُ مِنْ ذَلِكَ لَهُمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي أَوَائِلِ الْمُقَدِّمَاتِ: لِلصَّبِيِّ حَالَانِ: حَالٌ لَا يَعْقِلُ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَهُوَ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِعِبَادَةٍ وَلَا مَنْدُوبٍ إلَى فِعْلِ طَاعَةٍ وَحَالٌ يَعْقِلُ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ فِيهَا مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ طَاعَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَمَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَقِيلَ: إنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ إلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَإِنَّ وَلِيَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِتَعْلِيمِهِ وَالْمَأْجُورُ عَلَى ذَلِكَ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَنْدُوبَانِ إلَى ذَلِكَ مَأْجُورَانِ عَلَيْهِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرْأَةِ: وَلَكِ أَجْرٌ، الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَعِنْدَ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ يُثَابُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتُهُ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ الْفَضَائِلِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي رَفَعَتْ صَبِيًّا، انْتَهَى.
مِنْ مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ إحْرَامِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَشَرْطُ وُجُوبِهِ إلَى آخِرِهِ.

(الثَّامِنُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْأَصَاغِرِ الذُّكُورِ وَفِي أَرْجُلِهِمْ الْخَلَاخِلُ وَفِي أَيْدِيهِمْ الْأَسْوِرَةُ وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلصِّبْيَانِ الذُّكُورِ حُلَى الذَّهَبِ انْتَهَى.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ إبَاحَةُ لُبْسِ الْحُلِيِّ لَهُمْ وَهَذَا مَحَلُّهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى، وَالثَّانِي كَوْنُهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَزْعِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الصَّبِيَّ يُمْنَعُ مِنْ لِبَاسِ الْمَخِيطِ وَيَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُ الْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ بِالْمُخْتَصِرِ لَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ الْخَاتَمَ فَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ جِنْسِ الْمَخِيطِ وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَمَنْ مَنَعَ الْخَاتَمَ لِلرِّجَالِ مَنَعَ أَيْضًا لِلصَّبِيِّ الْخَلْخَالَيْنِ وَالسِّوَارَيْنِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُتْرَكَ عَلَيْهِ مِثْلُ الْقِلَادَةِ وَالسِّوَارَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ الشُّيُوخِ فِي إبَاحَةِ الْمُحَلَّى لَهُمْ ثُمَّ قَالَ عَنْ التُّونُسِيِّ: يَشْغَلُ السِّوَارَ وَالْخَلْخَالِ مَحَلَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِ: يَنْزِعُ الْكَبِيرُ فِي إحْرَامِهِ مَا بِعُنُقِهِ مِنْ كُتُبٍ، انْتَهَى.
وَقَدْ رَأَيْت كَلَامَ التُّونُسِيِّ فِي تَعْلِيقِهِ فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَشْهُورِ مَذْهَبِهِ وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْمَوَّازِيَّةِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمُطْبِقٌ) ش: هُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَكَذَا يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ قُرْبَ الْحَرَمِ وَيُجَرِّدُهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَالْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ كَالصَّبِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ قَوْلُهُ: وَمُطْبِقٌ، أَيْ فَيُحْرِمُ عَنْهُ الْوَلِيُّ وَيُجَرِّدُهُ، وَلَيْسَ كَالصَّبِيِّ فِي تَأْخِيرِ تَجْرِيدِهِ انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَلِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّارِحُ: وَالْمُطْبِقُ هُوَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَلَا يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْأَحْسَنُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الَّذِي لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَلَوْ كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ كَمَا يَأْتِي فِي الصَّبِيِّ.
(الثَّانِي) قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: " وَمُطْبِقٌ " مِمَّا إذَا كَانَ يُجَنُّ أَحْيَانًا وَيُفِيقُ أَحْيَانًا فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ حَالَ إفَاقَتِهِ فَإِنْ عُلِمَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يُفِيقُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَجُّ صَارَ كَالْأَوَّلِ، انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الشَّامِلِ وَنَصُّهُ:

وَالْمُطْبِقُ وَمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُفِيقُ قَبْلَ الْفَوَاتِ كَالصَّغِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا غَيْرُهُمَا كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْبِسَاطِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (لَا مُغْمًى) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ يُرِيدُ وَلَا غَيْرُهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ أَحَدٌ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ أَنَّ الْإِغْمَاءَ مَرَضٌ يُتَرَقَّبُ زَوَالُهُ بِالْقُرْبِ غَالِبًا، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالصَّبِيِّ لِدَوَامِهِ وَصَحَّ الْإِحْرَامُ عَنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ غَيْرَهُ - فِي أَصْلِ الدِّينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَوَاءٌ أَرَادُوا أَنْ يُحْرِمُوا - عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِفَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَسَوَاءٌ خَافُوا أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ أَمْ لَا كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَرَاذِعِيّ: وَمَنْ أَتَى الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَأَحْرَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ وَتَمَادَوْا فَإِنْ أَفَاقَ وَأَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمُوا عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ أَوْ بَعْدَهُمْ - قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَأَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا وَلَيْسَ مَا أَحْرَمُوا عَنْهُ أَصْحَابُهُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْإِحْرَامُ مَا أَحْرَمَ بِهِ هُوَ وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَقَدْ وَقَفَ بِهِ أَصْحَابُهُ؛ لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ.
انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمُوا عَنْهُ لَا بِفَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ، أَمَّا الْفَرِيضَةُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعُمْرَةَ وَهِيَ نَافِلَةٌ وَلِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُفِقْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ؛ لَمْ يُجْزِهِ حَجُّهُ وَلَمْ يَقُلْ: وَيُكْمِلُ حَجَّهُ - وَيُجْزِئُ نَافِلَةً فَتَأَمَّلْهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: لِأَنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ لِلدُّخُولِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالِاعْتِقَادَاتُ - النِّيَّاتُ وَلَا يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةٌ وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا فِي حَالِ إغْمَائِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَنْ أُغْمِيَ - عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَيُنْتَظَرُ فَإِنْ لَمْ يُفِقْ مِنْ إغْمَائِهِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَإِنْ أَفَاقَ مِنْ إغْمَائِهِ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَلَا يَخْلُو؛ - إمَّا أَنْ يُفِيقَ بِعَرَفَةَ أَوْ يُفِيقَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ أَفَاقَ بِعَرَفَةَ أَحْرَمَ مِنْهَا حِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي ثُمَّ يَقْطَعُ مَكَانَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ أَفَاقَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ سَنَدٌ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَالْأَحْسَنُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ أَجْزَأَهُ، وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَحْفَظُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ شَيْئًا وَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ بَيِّنٌ فَإِنَّ دَمَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ يُجَاوِزُهُ مُرِيدًا لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ أَوْ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى خِلَافٍ فِي الْأَخِيرَةِ وَهَذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمِيقَاتِ مُرِيدًا أَصْلًا؛ فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ الْمُطْبَقَ إذَا جَاوَزَ بِهِ أَهْلُهُ الْمِيقَاتَ ثُمَّ عُوفِيَ فَأَفَاقَ وَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ.
انْتَهَى.
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ فَتَحَصَّلَ - مِنْ هَذَا أَنَّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَرْبَعَ - حَالَاتٍ: الْأُولَى: أَنْ لَا يُفِيقَ أَصْلًا مِنْ أَوَّلِ الْحَجِّ إلَى كَمَالِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُفِيقَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ بَعْدَ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَهَذَا قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي الصُّورَتَيْنِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يُفِيقَ بِعَرَفَةَ فَهَذَا مُحْرِمٌ حِينَئِذٍ وَيُلَبِّي إلَى الزَّوَالِ إنْ كَانَتْ إفَاقَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ كَانَتْ إفَاقَتُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيُلَبِّي ثُمَّ يَقْطَعُ فِي حِينِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
الرَّابِعَةُ أَنْ يُفِيقَ قَبْلَ عَرَفَةَ فَحُكْمُ هَذَا مَا قَالَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ، فَالْأَحْسَنُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُحْرِمُ عَنْ نَفْسِهِ لَكِنْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ وَكَانَ لِلْمُوَلَّى - تَحْلِيلُهُ مِنْهُ وَلَهُ إجَازَةُ فِعْلِهِ وَإِبْقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ بِحَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ كَانَ يُرْتَجَى بُلُوغُهُ فَالْأَوْلَى تَحْلِيلُهُ لِيُحْرِمَ بِالْفَرْضِ بَعْدَ بُلُوغِهِ

فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، قَالَ الشَّارِحُ: وَانْظُرْ إذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْإِذْنِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْعَبْدِ أَمْ لَا، انْتَهَى.
(قُلْت) الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ كَالْعَبْدِ بَلْ هُوَ أَوْلَى لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) فُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ إحْرَامَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ مُنْعَقِدٌ وَأَنَّ تَحْلِيلَهُ جَائِزٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ سَنَدٌ: الصَّبِيُّ يَصِحُّ حَجُّهُ فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فَأَحْرَمَ وَصَحَّ إحْرَامُهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فَيَصِيرُ الصَّبِيُّ مُحْرِمًا بِمَا يَنْوِيهِ وَلِيُّهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فِي الرَّجُلِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ السَّفَهِ لَا يَمْضِي.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ فَحَلَّلَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ أَعْتَقَ أَوْ حَلَّلَ الصَّبِيُّ وَلِيَّهُ ثُمَّ بَلَغَ فَلِيُحْرِمَا الْآنَ بِالْحَجِّ وَيَجْزِيهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا يَقْتَضِي انْعِقَادُ إحْرَامِهِ، وَإِنَّمَا لِلْوَلِيِّ النَّظَرُ فِي إمْضَائِهِ وَرَدِّهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا الْفَرْعِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى.
وَلَمْ يَفْهَمْ الشُّيُوخُ رِوَايَةَ الْعُتْبِيَّةِ كَمَا فَهِمَهَا الْقَاضِي سَنَدٌ كَمَا سَيَأْتِي الْآنَ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ جَوَازُ التَّحْلِيلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَأَمَّلْ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهُ؟ وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَحْلِيلِ الصَّبِيِّ إذَا حَصَلَ هُنَاكَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ إلَّا أَنْ يَخْشَى مِنْ تَمَادِيهِ عَلَى الْإِحْرَامِ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَوْ جَزَاءٌ فَإِنْ صَحَّ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ السَّفِيهُ الْبَالِغُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِلسَّيِّدِ تَحْلِيلُ ذِي رِقٍّ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَشَكَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَوَازِ تَحْلِيلِ الصَّبِيِّ وَالْكَبِيرِ السَّفِيهِ قُصُورٌ؛ لِقَبُولِ الصَّقَلِّيِّ وَالشَّيْخِ قَوْلَ أَشْهَبَ: لَوْ عَتَقَ أَوْ بَلَغَ عَقِبَ تَحْلِيلِهِ سَيِّدَهُ أَوْ وَلِيُّهُ فَأَحْرَمَ لِفَرْضِهِ أَجْزَأَهُ، وَسَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ إحْرَامُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ سَفَهٌ لَا يَمْضِي وَقَبِلَهُ الشَّيْخُ، وَتَعَلَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْحَجِّ وَمِيقَاتِهِ بَعِيدٌ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَالْمُمَيِّزُ هُوَ الَّذِي عَقَلَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: حَقِيقَةُ الْمُمَيِّزِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَمَقَاصِدَ الْكَلَامِ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ مَخْصُوصٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِفْهَامِ انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ.
(الثَّالِثُ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِحْرَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ.
(الرَّابِعُ) هَلْ يَنْعَقِدُ إحْرَامُ الْمُمَيِّزِ بِإِحْرَامِ وَلِيِّهِ عَنْهُ كَمَا فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ الِانْعِقَادُ وَالْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُمْكِنُ الصَّبِيُّ فِعْلُهُ فَلَا يَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُمَيِّزَ يُمْكِنُهُ مُبَاشَرَةَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا قَضَاءَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَحَلَّلَهُ الْوَلِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ لَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ مَا حَلَّلَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَإِذَا عَتَقَ؛ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَيُقَدِّمُ حَجَّةَ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَنَصُّهُ: وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا أَعْتَقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْفَرْضِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَشْهَبَ، رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لَا لِقَوْلِهِ: وَقَدَّمَهُ وَتَبِعَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي الْجَزْمِ بِتَقْدِيمِ حَجَّةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَرْضِ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقَالَ: وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا أَعْتَقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْفَرْضِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ انْتَهَى.
وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ الْأَقْطَعِ فِي مَنْسَكِهِ بِأَنَّهُ يُقَدِّمُ حَجَّةَ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي فَصْلِ الْمَوَانِعِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْعَبْدِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَالصَّبِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالتُّونُسِيِّ اللَّخْمِيُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ أَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ

التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَأَمَرَهُ مَقْدُورُهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إنْ قَبْلَهَا كَطَوَافٍ لَا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَحْرَمَ عَنْ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُ فِي فِعْلِهِ إنْ قَبِلَ ذَلِكَ الْفِعْلُ النِّيَابَةَ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ النِّيَابَةَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الصَّبِيِّ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ لِلْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لِلطَّوَافِ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ.
قَاعِدَةٌ إنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الصَّبِيُّ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ وَمَا لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ فَعَلَ عَنْهُ وَإِلَّا سَقَطَ انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ فِعْلِ الطَّوَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّيَابَةِ أَنْ يَأْتِيَ النَّائِبُ بِالْفِعْلِ دُونَ الْمَنُوبِ عَنْهُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: نَابَ عَنَّى فُلَانٌ، أَيْ قَامَ مَقَامِي وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُطَافَ بِهِ وَيَسْعَى مَحْمُولًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: ضَابِطُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ الصَّبِيُّ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَهُ وَمَا لَا يُمْكِنُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَ بِهِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ كَالرَّمْيِ فَعَلَ عَنْهُ وَإِلَّا سَقَطَ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَنَصُّهُ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الصَّبِيُّ فَلَا يَفْعَلُ عَنْهُ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ وَالْأَصْلُ سُقُوطُهُ كَالتَّلْبِيَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّكُوعِ وَالْأَشْهَرُ سُقُوطُهُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَقَالَ حَمْدِيسٌ وَغَيْرُهُ: يَرْكَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ رُكُوعَ الطَّوَافِ جُزْءٌ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ انْتَهَى وَبَقِيَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأَنْ يَقُولَ: وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ وَقَبْلَ النِّيَابَةِ فَعَلَ عَنْهُ كَالرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ الصَّبِيِّ اسْتِقْلَالًا وَلَا بِمُشَارَكَةٍ فَيَفْعَلُ عَنْهُ وَمَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ سَقَطَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَإِذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَتَكَلَّمُ فَإِنَّهُ يُلَقَّنُ التَّلْبِيَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ لِصِغَرِهِ سَقَطَ حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فِي حَقِّهِ كَمَا يَسْقُطُ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ الْكَبِيرِ وَإِذَا سَقَطَ وُجُوبُهَا رَأْسًا سَقَطَ حُكْمُ الدَّمِ عَنْهَا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ رُكْنٌ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يُلَبِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ كَمَا يَنْوِي عَنْهُ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَقَالَ الشَّارِحُ: لَا يُلَبِّي عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْأَبَدَانِ الصِّرْفَةِ وَلَمْ يَعْمَلْ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَى فِي ذَلِكَ خِلَافًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِجَوَازِ الرُّكُوعِ عَنْهُ قَوْلٌ بِجَوَازِ التَّلْبِيَةِ عَنْهُ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَعْجُوزٌ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَمَّا كَانَ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ، وَالطَّوَافُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ نَاسَبَ أَنْ يَرْكَعَ عَنْهُ بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ إنَّ الطَّوَافَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ نَظَرٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ يُلَبِّي عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّلْبِيَةَ رُكْنٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْكَانَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَمَعَ ذَلِكَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِهَا، وَالظَّاهِرُ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَرْكَعُ عَنْهُ لِلطَّوَافِ أَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ مِنْ الْأَرْكَانِ وَكَانَ الرُّكُوعُ مِنْ وَاجِبَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَيُعِيدُ الطَّوَافَ لِأَجْلِهَا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا صَارَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ فَأُمِرَ بِالرُّكُوعِ عَنْهُ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الرُّكُوعَ لَمَّا كَانَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَإِلَّا لَرَجَعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَعَلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ عَنْهُ الْإِحْرَامُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَرْكَعُ عَنْهُ لِلطَّوَافِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمْ أَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَزَاهُ لِحَمْدِيسٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِحَمْدِيسٍ وَغَيْرِهِ.
(الثَّانِي) ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ فِي بَابِ الْحَجِّ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ الطَّهَارَةَ وَلَا يُمْتَثَلُ

مَا يُؤْمَرُ بِهِ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ طَوَافِهِ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَطَهَارَتُهُ مِنْ الْخُبْثِ وَلَا يَبْطُلُ طَوَافُهُ بِطُرُوِّ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَيْسَ بِهِ سَلَسٌ، (قُلْت) هُوَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ الطَّهَارَةَ وَلَا يَمْتَثِلُ مَا أُمِرَ بِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي طَوَافِهِ بَقِيَّةُ شُرُوطِ الطَّوَافِ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَكَوْنِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّرُوطَ لَمْ يَخُصُّوهَا بِأَحَدٍ، وَلِقَوْلِ ابْنِ فَرْحُونٍ: وَلَا يُبْطِلُهُ طُرُوُّ الْحَدَثِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُطْلَبُ أَوَّلًا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَلِقَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الصَّبِيُّ عَلَى الطَّوَافِ طَافَ بِهِ مَنْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ مَحْمُولًا عَلَى سُنَّةِ الطَّوَافِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الطَّوَافِ: قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَإِذَا طَافَ الْوَلِيُّ بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُتَوَضِّئَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الطَّوَافُ وَكَذَا إنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُتَوَضِّئًا وَالْوَلِيُّ مُحْدِثًا، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُتَوَضِّئًا وَالصَّبِيُّ مُحْدِثًا فَوَجْهَانِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَصِحُّ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفَرْعَيْنِ غَرِيبٌ.
(الثَّالِثُ) حُكْمُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَتْهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْإِحْرَامَ بِالصَّبِيِّ وَالطَّوَافَ بِهِ وَالسَّعْيَ بِهِ وَالرَّمْيَ عَنْهُ، وَالْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ كَالصَّبِيِّ، انْتَهَى.
ص (وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ) ش: الضَّمِيرُ لِلرَّضِيعِ وَالْمُطْبِقِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُمَيِّزِ يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يُحْضِرَ الطِّفْلَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونَ وَالْمُمَيِّزَ مَوَاقِفَ الْحَجِّ، وَالْمُرَادُ بِهَا عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى وَلَا يَنُوبُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: لَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِيمَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ خَافَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إحْضَارِهِمْ الْمَوَاقِفَ فَأَجَابَ بِزَوَالِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: الضَّمِيرُ فِي إحْضَارِهِمْ عَائِدٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ انْتَهَى وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَمَا ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَوَاقِفِ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُحْضِرُهُ الْمَوَاقِيتَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمِيقَاتَ وَاحِدٌ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ الْمَشَاعِرَ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى انْتَهَى.
وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاقِفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ: وَجُمِعَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهَا يَصِحُّ فِيهِ الْوُقُوفُ وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إحْضَارُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ وَمِثْلُهُ تَفْسِيرُ بَعْضِهِمْ الْمَوَاقِفَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَقَالَ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ مِنًى مِنْ الْمَوَاقِفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ بِهَا الْوُقُوفُ إثْرَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إنْ خِيفَ ضَيَاعُهُ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ إذَا خَرَجَ بِهِ إلَى الْحَجِّ فَزَادَتْ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ عَلَى نَفَقَتِهِ فِي الْحَضَرِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي الْحَضَرِ رُبْعَ دِرْهَمٍ فِي الْيَوْمِ وَفِي السَّفَرِ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَالزِّيَادَةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ إذَا تَرَكَهُ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ بَعْدَهُ فَالزِّيَادَةُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ فَقَوْلُهُ: " وَإِلَّا " شَرْطٌ مُرَكَّبٌ مِنْ إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ لَيْسَ اسْتِثْنَاءً، كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَجُمْلَةُ الشَّرْطِ مَحْذُوفَةٌ، وَقَوْلُهُ: " فَوَلِيُّهُ " الْفَاءُ دَخَلَتْ لِرَبْطِ الْجَوَابِ بِالشَّرْطِ وَوَلِيُّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ فَوَلِيُّهُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ، وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: أَوْ يَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَإِلَّا فَالزَّائِدُ عَلَى وَلِيِّهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي كَفَالَتِهِ مِنْ أُمٍّ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَيْسَ لِأُمِّ الصَّبِيِّ أَوْ أَبِيهِ أَوْ مَنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ مِنْ وَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُحِجَّهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ضَيْعَتِهِ بَعْدَهُ أَوْ لَا كَافِلَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا ضَمِنَ لَهُ مَا أَكْرَى لَهُ بِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرَ مَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي مَقَامِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ السَّفَرِ بِالصَّبِيِّ وَقَالَ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ: السَّفَرُ فِي أَصْلِهِ مَضَرَّةٌ بِالصَّبِيِّ فِي بَدَنِهِ وَلَمَّا كَانَ

مَشَقَّةٌ قَصَرَ الْمُسَافِرُ وَأَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ وَالصَّبِيُّ لَا يَسْلُكُ بِهِ وَلِيُّهُ إلَّا سَبِيلَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا لِشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا إلَّا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ فَالْأَبُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ مَعَهُ لِمَالِهِ فِي صُحْبَتِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ حُسْنِ النَّظَرِ وَلِكَمَالِ شَفَقَتِهِ وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَهُ لِمَا عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ وَغَيْرُ الْأَبِ لَا يَخْرُجُ بِهِ إذَا وَجَدَ مَنْ يُكَلِّفُهُ بَعْدَهُ، فَإِنْ خَافَ ضَيْعَتَهُ حَمَلَهُ وَنَفَقَةُ الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ إذَا سَافَرَ لِمَصْلَحَتِهِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ مَصْلَحَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ لَا كَبِيرَ ضَرَرٍ فِيهَا عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَعَ وَلِيِّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: لَا يَحُجُّ بِالصَّبِيِّ إلَّا وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ وَمَنْ لَهُ النَّظَرُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فَكَانَ أَمْرُهُ لِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي مَالِهِ وَذَلِكَ الْأَبُ وَوَصِيُّهُ وَوَلِيُّ الْحَاكِمِ وَلَوْ كَانَ فِي كَفَالَةِ أَحَدٍ بِغَيْرِ إيصَاءٍ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيَّةِ مِنْ الْأَعْرَابِ تَأْخُذُهُمْ السَّنَةُ فَيَضُمُّهَا الْإِنْسَانُ وَيُرَبِّيهَا وَيُرِيدُ تَزْوِيجِهَا مَنْ أَنْظَرَ لَهَا مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ تَحْتَ جَنَاحِ أَبِيهِ وَخَالِهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: " يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ " يَعْنِي إذَا خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ فَلَا يَحُجُّ بِهِ إلَّا الْأَبُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى: إنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا فَلَا تُسَافِرُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَلَا وَصِيَّ لَهُ فَلَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِهِ إنْ خَافَتْ ضَيْعَتَهُ بَعْدَهَا وَنَصُّ الْمَسْأَلَةِ وَشَرْحُهَا، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَالِدَةِ أَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ جَوَازُهُ لِلْأُمِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمَرْأَةِ وَلَكِ أَجْرٌ، وَلَمْ يَقُلْ وَلِوَلِيِّهِ وَلَا شَرْطُهُ فِي إحْرَامِ الصَّبِيِّ وَبِهِ احْتَجَّ مَالِكٌ فَإِنَّ الَّذِي رُفِعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُحِفَّةِ إنَّمَا رَفَعَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ.
وَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّ مَعَهُ وَالِدُهُ قَالَ: فَإِذَا أَحْرَمَتْ أُمُّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَازَ الْإِحْرَامُ فَأَرَى كُلَّ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِهِ يَجُوزُ لَهُ مَا جَازَ لِلْأُمِّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هُوَ أَنَّ الْوَلَدَ فِي كَفَالَةِ أُمِّهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي حِجْرِ وِصَايَتِهَا وَلِأَنَّ لِلْأُمِّ أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنْ الْأَبِ وَتَصْرِفُهَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ، وَتَنْظُرُ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ فَكَانَ نَظَرُهَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ جَائِزًا كَنَظَرِهَا فِي غَيْرِهِ بِمَا يَصْلُحُ شَأْنُهُ إلَّا أَنَّ الْأُمَّ لَا تُسَافِرُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْأَبِ فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَلَا وَصِيَّ لَهُ فَلَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِهِ إنْ خَافَتْ ضَيْعَتُهُ بَعْدَهَا انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لَا تُسَافِرُ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ لِمَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّفَقَةِ كَالْأَبِ بَلْ هِيَ أَعْظَمُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ فَلَا تُسَافِرُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَيَنْظُرُ الْوَلِيُّ لِلصَّبِيِّ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مَنْ يُسَافِرُ بِهِ، إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ سَنَدٍ.
(قُلْت) وَهَذَا كُلُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ السَّفَرُ بَعِيدًا مِمَّا تَسْقُطُ بِهِ الْحَضَانَةُ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَرِيبًا فَيَجُوزُ لِلْأُمِّ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَضَانَةِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا حُكْمُ إحْرَامِهِ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: فَيُحْرِمُ وَلَيٌّ عَنْ رَضِيعٍ.
(الثَّانِي) تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِالصَّبِيِّ يَضْمَنُ لَهُ مَا أَكْرَى لَهُ وَلَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: كِرَاءُ الدَّابَّةِ عَلَى مَنْ سَافَرَ بِهِ إلَّا قَدْرَ كِرَاءِ بَيْتِهِ فِي مُدَّةِ سَفَرِهِ إنْ كَانَ مَسْكَنُهُ بِالْكِرَاءِ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ كَانَ كِرَاءُ الصَّبِيِّ وَنَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ قَدْرَ نَفَقَتِهِ فِي الْإِقَامَةِ ضَمِنَ الْوَلِيُّ الْكِرَاءَ أَدْخَلَتْهُ فِي السَّفَرِ بِدُونِ أُجْرَةِ الْكِرَاءِ وَعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيِّ فِيمَا طَرَأَ فِي السَّفَرِ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِثْلَ أَنْ يَغْرَقَ أَوْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ إذْ لَا صُنْعَ

لِلْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
ذَكَرَ هَذَا فِيمَا إذَا سَافَرَ بِهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ) ش: هَذَا الْكَلَامُ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَوَلِيِّهِ " فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْجَزَاءَ وَالْفِدْيَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ ضَرُورَةٍ عَلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ الضَّيْعَةُ أَمْ لَا، وَلَا يَفْصِلُ فِي ذَلِكَ كَمَا فَصَلَ فِي زِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّغِيرِ وَكَذَا الْأَقْفَهْسِيُّ وَالْبِسَاطِيُّ وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا فِي الْحَجِّ الثَّالِثِ، وَإِذَا حَجَّ بِالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالِدُهُ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَبِسَ وَتَطَيَّبَ فَالْجَزَاءُ وَالْفِدْيَةُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ الدَّمِ فِي الْحَجِّ فَذَلِكَ عَلَى وَالِدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَجَّهُ وَلَا يَصُومُ عَنْهُ وَالِدُهُ فِي الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ وَلَكِنْ يُطْعِمُ أَوْ يُهْدِي انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَحَمَلَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ بِالْوَلَدِ نَظَرًا لَهُ إذْ لَا كَافِلَ لَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ وَلَا يُحِجُّهُ فَلَمَّا أَدْخَلَهُ فِي الْحَجِّ كَانَ مَا وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ أَحَجَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَفْصِلُ فِي ذَلِكَ كَالنَّفَقَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا خِلَافُ مَا يَتَأَوَّلُهُ مَنْ ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ لَهُ وَجْهٌ فِي الْقِيَاسِ لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ مَا يَتَخَوَّفُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِي إحْجَاجِهِ إيَّاهُ مِنْ الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ وَإِحْجَاجُهُ طَاعَةٌ وَأَجْرٌ لِمَنْ أَحَجَّهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَهَذَا حَجُّ تَطَوُّعٍ لِلصَّبِيِّ وَأَجْرٌ لِمَنْ أَحَجَّهُ لَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَهَذَا أَصْلُنَا أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لِأَمْرٍ قَدْ يَكُونُ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَ الثَّالِثَ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا وَتَأَوَّلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ عَلَى وَجْهٍ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ رَجَّحَ الْقَوْلَ الثَّالِثَ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا رَجَّحَ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ التَّفْصِيلِ كَزِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَحَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلتُّونُسِيِّ عَنْ ثَالِثِ حَجِّهَا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْكَافِي هُوَ الْأَشْهَرُ لَكِنْ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنْ تَكُونَ الْفِدْيَةُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ غَيْرُهُ بِذَلِكَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَتْ الْفِدْيَةُ لِضَرُورَةٍ تَكُونُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَقَبِلَهُ الشَّارِحُ قَالَ وَقَالَهُ ابْنُ شَاسٍ.
(قُلْت) وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ حَكَى فِي الْفِدْيَةِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ التَّفْصِيلُ كَزِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَصَوَّبَهُ.
وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَعَطَفَهُ بِقِيلَ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ طَيَّبَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْوَلِيِّ إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُدَاوَاةَ فَيَكُونَ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ انْتَهَى مِنْ آخِرِ الْبَابِ الثَّانِي، فَأَنْتَ تَرَاهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ وَقَدْ حَكَى فِي اسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَإِذَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ وَأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي اسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ الطِّيبَ عَلَى الْوَلِيِّ فَكَذَلِكَ إذَا طَيَّبَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ وَلَوْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ يَفْصِلُ فِي ذَلِكَ كَزِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَهُوَ الَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الْجَوَاهِرِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ مَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِ يُصِيبُ صَيْدًا: إنَّهُ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَحَمَلَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي أَنَّ الْفِدْيَةَ إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ يَفْصِلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ لَا يُفْصَلُ فِيهَا وَهُوَ عَكْسُ الْمَنْقُولِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَوَاهِرِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَكُونُ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا يَفْصِلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ تَكُونُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ

فَيَفْصِلُ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَأَوْلَى وَيُتْرَكُ الْعَمَلُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ أَوْ يُجْعَلُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْفِدْيَةُ الَّتِي بِلَا ضَرُورَةٍ عَلَى الْوَلِيِّ فَأَحْرَى الَّتِي لِضَرُورَةٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الْوَلِيَّ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ فَلَمَّا أَدْخَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يَفْصِلُ بِهِ كَزِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ بِهِ أَمْ لَا وَنَصُّهُ وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فِي الْحَرَمِ كَانَ فِي مَالِ الْوَصِيِّ إذَا أَخْرَجَهُ تَعَدِّيًا وَإِنْ أَخْرَجَهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَانَ مَا أَصَابَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ لَكَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الْإِحْرَامُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ: وَجَزَاءُ صَيْدٍ بِالْحَرَمِ دُونَ إحْرَامِهِ جِنَايَةٌ إنْ خِيفَ، أَيْ فَيَكُونُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَإِلَّا فَعَلَى وَلِيِّهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إذَا أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ كَانَ فِي مَالِ الَّذِي أَخْرَجَهُ وَلَيْسَ بِالْبَيْنِ؛ لِأَنَّهَا جَنَابَةٌ مِنْ الصَّبِيِّ كَمَا لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا أَوْ دَابَّةً فِي سَفَرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا فِي مَالِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْهَدْيِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْهَدْي لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا بِتَفْرِيطٍ مِنْ الْوَلِيِّ فَإِذَا فَرَّطَ فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ الدَّمِ فِي الْحَجِّ فَذَلِكَ عَلَى وَالِدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

(الثَّالِثُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَإِذَا أَفْسَدَ حَجَّهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَصْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ وَخِلَافَ الشَّافِعِيَّةِ فِيهِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فَإِنْ أَعْطَيْنَا وَطْأَهُ حُكْمَ الْجِمَاعِ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ نُعْطِهِ حُكْمَ الْغُسْلِ وَالْحَدَثِ فَلَا قَضَاءَ فِيهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَضَاءُ فِي حَالِ صِبَاهُ؟ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى جِمَاعِ الصَّبِيِّ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّ حَجَّهُ يَفْسُدُ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ وَأَنَّهُ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْقَضَاءِ فَلَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَالظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَقِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ الصِّحَّةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتُ إحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ) ش شُرُوطُ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ، وَشَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَشَرْطٌ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا، فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا شَرْطَ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ وَذَكَرَ هُنَا شُرُوطَ وُجُوبِهِ وَشُرُوطَ وُقُوعِهِ فَرْضًا، فَقَالَ: وَشَرْطُ وُجُوبِهِ فَرْضًا إلَى آخِرِهِ يَعْنِي أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِ الْحَجِّ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ أَيْ كَوْنُ الشَّخْصِ مُكَلَّفًا وَهُوَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ، وَشَرْطُ وُقُوعِهِ فَرْضًا الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ وَخُلُوُّهُ عَنْ نِيَّةِ النَّفْلِ فَيَكُونُ شُرُوطُ وُجُوبِهِ ثَلَاثَةً: الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَشُرُوطُ وُقُوعِهِ فَرْضًا أَرْبَعَةً: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَخُلُوُّهُ عَنْ نِيَّةِ النَّفْلِ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ مِنْ مُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٍ بَعْضُهُ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُهُ وَلَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِبَالِغٍ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ وَيَصِحُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ إذَا كَانُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا يَقَعُ فَرْضًا مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَلَوْ نَوَوْا الْفَرْضَ وَقَوْلُهُ وَقْتَ إحْرَامِهِ رَاجِعٌ إلَى الْأَخِيرِ، يَعْنِي أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالتَّكْلِيفَ إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِ فَمَنْ كَانَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ حُرًّا مُكَلَّفًا صَحَّ إحْرَامُهُ بِالْفَرْضِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ مُكَلَّفًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ أَوْ الْوَلِيُّ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْفَرْضُ، وَلَوْ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ

الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ فِي حَالَ رِقِّهِ ثُمَّ عَتَقَ أَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ الْجَارِيَةُ قَبْلَ بُلُوغِهَا ثُمَّ بَلَغَا فَلَا يَنْقَلِبُ ذَلِكَ الْإِحْرَامُ فَرْضًا، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ رَفَضُوهُ وَنَوَوْا الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ بِالْفَرْضِ لَمْ يَرْتَفِضْ، وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى إحْرَامِهِمْ وَلَوْ حَصَلَ الْعِتْقُ وَالْبُلُوغُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ: يُجْزِيهِمَا إذَا كَانَ الْعِتْقُ وَالْبُلُوغُ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَوَافَقَهُمَا فِي الْعَبْدِ وَمَنَعَ انْعِقَادَ إحْرَامِ الصَّبِيِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَهُوَ صَبِيٌّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْلَ عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَجِّ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُرْفَضُ إحْرَامُهُ وَيُتِمُّ حَجَّهُ وَلَا يَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَإِنْ اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ إنْ نَوَى فِي إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِيمَا إذَا اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ، وَأَمَّا إذَا نَوَى بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ الْفَرْضَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ، وَإِنْ اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَانْظُرْهُ، انْتَهَى.
(قُلْت) هَذَا الْحَمْلُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَالصَّبِيُّ وَالْجَارِيَةُ قَبْلَ الْبُلُوغِ تَمَادَوْا عَلَى حَجِّهِمْ، وَلَمْ يُجِزْ لَهُمْ أَنْ يُجَدِّدُوا إحْرَامًا وَلَا تَجْزِيهِمْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الطِّرَازِ أَبْيَنُ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّبِيِّ يُحْرِمُ ثُمَّ يَبْلُغُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهَا فَيُجَدِّدُ إحْرَامًا: إنَّهُ لَا يُجْزِي عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: قَالَ: لَوْ أَنَّ غُلَامًا مُرَاهِقًا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ احْتَلَمَ مَضَى عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يُرْدِفَ إحْرَامًا عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ: لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ نَفْلًا إجْمَاعًا وَمَا عُقِدَ نَفْلًا لَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَبْلَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْإِكْمَالِ السَّابِقِ: إذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِالْحَجِّ وَبَلَغَ فِي أَثْنَائِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ وَلَا يَجْزِيهِ عَنْ فَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْعَقَدَ نَفْلًا وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ اللُّبَابِ عَنْ مَالِكٍ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ سَوَاءٌ جَدَّدَ إحْرَامًا أَمْ لَا، وَنَحْوُهُ لِلتِّلِمْسَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَنَحْوُهُ فِي الِاسْتِذْكَارِ لِقَوْلِهِ: اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ هَذَا وَيُعْتَقُ هَذَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا سَبِيلَ إلَى رَفْضِ إحْرَامِهَا وَيَتَمَادَيَانِ وَلَا يُجْزِيهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ قَالَ: انْتَهَى بِمَعْنَاهُ، وَنَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا التَّمَادِي وَلَا يَكُونُ لَهُمَا رَفْضٌ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ الْمُتَقَدِّمِ وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِثْلُ مَالِهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ وَهَذَا النَّقْلُ لَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَنْبِيهَاتٌ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَلَمْ يَعْلَم إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ظَاهِرٌ إذَا أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَالْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ أَحْرَمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ ثُمَّ أَجَازَاهُ فَإِنْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَالْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ وَلَا السَّيِّدُ بِذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدَ فَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا صَرِيحًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحَلِّلَ الصَّبِيُّ وَلَوْ بَلَغَ إذَا كَانَ سَفِيهًا؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الْمَوَانِعِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحَلِّلَ السَّفِيهَ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحَلِّلُهُ مِنْ هَذَا الْإِحْرَامِ النَّفَلُ لَيُحْرِمَ بِفَرِيضَةِ الْحَجِّ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا وَانْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ عَتَقَ فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُحَلِّلَهُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ وَيَتَمَادَى عَلَى حَجِّهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ فَأَعْتَقَ أَوْ بَلَغَ أَحْرَمَ عَنْ فَرِيضَتِهِ، وَلَوْ بِعَرَفَاتٍ لَيْلَتُهَا وَلَا دَمَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ، أَمَّا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ قَبْلَهُمَا بِإِذْنٍ مُعْتَبَرٍ فَلَا الضَّمِيرُ فِي كَانَ

عَائِدٌ عَلَى أَحَدِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَهُمَا، أَيْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بِإِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنٍ أَوْ بِإِذْنِ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحَلِّلَهُ وَكَلَامُهُ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّبِيِّ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ لِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُ السَّفِيهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ فَلَا؛ لِأَنَّ بِالْعِتْقِ ارْتَفَعَ حُكْمُ السَّيِّدِ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّمَادِي فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ مَنَاسِكَ ابْنِ فَرْحُونٍ.

(الثَّانِي) لَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ إحْرَامِ وَلِيِّهِ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ إحْرَامَ الْوَلِيِّ يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفُضَهُ وَيُجَدِّدَ إحْرَامًا بِالْفَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مَعْتُوهٍ انْتَهَى.
(قُلْت) إنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْمَعْتُوهِ الْمَجْنُونَ وَهُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: الْمَعْتُوه الذَّاهِبُ الْعَقْلِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةٌ يُعِيدُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ أَبَدًا فَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ ضَعِيفُ الْعَقْلِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ.

(الرَّابِعُ) إنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ وُقُوعَهُ فَرْضًا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ وَاجِبًا بِأَنْ يَقَعَ فَرْضًا، وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِمُقَارَنَتِكُمْ بَيْنَهُمَا بِتَشْبِيهِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ؛ قِيلَ: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ شَرْطُ وُقُوعِهِ فَرْضًا وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا حَتَّى يَحْصُلَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ، فَلَوْ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ وَتَحَمَّلَ الْمَشَاقَّ وَالْكَفَّ وَحَجَّ قَبْلَ حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ مَعَ أَنَّهُ أَوَّلًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَهُ شَرْطٌ أَوْ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَجِبُ مَعَ فَقْدِ شَرْطِ وُجُوبِهِ وَلَا مَعَ فَقْدِ سَبَبِ وُجُوبِهِ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يُجْزِئُ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ عَنْ الْفَرْضِ؟ (فَالْجَوَابُ) كَمَا قَالَ سَنَدٌ: إنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمَّا حَصَلَ بِمَوْضِعِ الْحَجِّ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فَأَجْزَأَهُ فِعْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْلُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنْ يَجْزِيَهُ عَنْ فَرْضٍ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ إذَا وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ بِخِدْمَةِ النَّاسِ أَوْ بِالسُّؤَالِ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَجَابَ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُجْزِي عَنْ الْوَاجِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَالْجُمُعَةِ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَتُجْزِيهِمَا عَنْ الظُّهْرِ انْتَهَى.
(قُلْت) إنَّمَا أَجْزَأَتْ الْجُمُعَةُ عَنْ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلِاسْتِقْرَارِ وُجُوبِ شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) اُنْظُرْ هَلْ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ أَنْ يَجْزِيَهُ عَنْ الْفَرْضِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْفَرْضِ عَلَيْهِ، مَا حُكْمُ مَنْ كَانَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ مِنْهُ ثُمَّ تَكَلَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْوُصُولَ إلَى مَكَّةَ عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْفَرْضِ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قَالَ سَنَدٌ: لَمَّا قَسَّمَ شُرُوطَ الْحَجِّ وَمِنْهَا مَا يُمْنَعُ فَقْدُهُ الْوُجُوبَ دُونَ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ: وَأَمَّا عَدَمُ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِطَاعَةُ فَيُمْنَعُ الْوُجُوبُ دُونَ الْإِجْزَاءِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَكَلَامِ غَيْرِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَخَرَّجَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْحُكْمِ سَبَبٌ وَشَرْطٌ فَإِنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا لَمْ يُعْتَبَرْ إجْمَاعًا وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمَا اُعْتُبِرَ إجْمَاعًا وَإِنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ الَّذِي هُوَ شَرْطُهَا بَعْدَ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهَا وَكَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ بَعْدَ جَرَيَانِ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ، وَقَبْلَ وُجُوبِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَخْتَلِفُ التَّشْهِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِحَسَبِ مَدَارِكَ أُخَرَ، فَنَقُولُ: كَذَلِكَ الْحَجُّ إذَا وَقَعَ بَعْدَ شُرُوطِهِ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل