مواهب الجليل في شرح مختصر خليلالصلاة على الميت
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الصلاة على الميت

عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَقَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَالَ سَنَدٌ: وَيُخْتَلَفُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ . فَذَهَبَ جُمْهُورُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَرْضٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ صَحِبَ الْجِنَازَةَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ لِلْفَرِيضَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَبِقَوْلِهِ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثٌ فَذَكَرَ وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ» . وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَيَّنَ فَرَائِضَ الْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ قَالَ لَهُ السَّائِلُ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ؛ وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ وَفَرَائِضِ الصَّلَاةِ؛ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ فَرْضًا لَشُرِعَتْ لَهَا الْإِقَامَةُ وَالْأَذَانُ كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ فَلَمَّا لَمْ تُشْرَعْ لَهَا الْإِقَامَةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَاءِ الْفَرِيضَةِ فِيهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أُخَرَ احْتَجَّ بِهَا عَلَى عَدَمِ الْفَرِيضَةِ فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَهَلْ هِيَ سُنَّةٌ، أَوْ تَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ السُّنَنِ إلَى الرَّغَائِبِ وَالْمَنْدُوبَاتِ؟ . حَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي مَعُونَتِهِ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةً وَهِيَ مِنْ الرَّغَائِبِ؛ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٌ يَقُولَانِ شُهُودُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ شُهُودِ النَّوَافِلِ

وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: النَّوَافِلُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ حَتَّى أَنَّ سَعِيدًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى جِنَازَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَرَأَى أَنَّ مَا فَعَلَ أَفْضَلُ، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى ذَلِكَ إلَّا فِي جِنَازَةِ الرَّجُلِ الَّذِي تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَإِنَّ شُهُودَهُ أَفْضَلُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِثْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ مِنْ جِوَارٍ، أَوْ قَرَابَةٍ، أَوْ أَحَدٍ تُرْجَى بَرَكَةُ شُهُودِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا يُقْتَضَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي رُتْبَةِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ سَادَاتِ الْأُمَّةِ وَأَهْلَ الْفَضْلِ لَمْ تَزَلْ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ تُلَازِمُ مَسَاجِدَهُمْ وَزَوَايَاهُمْ مَعَ قَطْعِهِمْ بِوُجُودِ الْجَنَائِزِ فِي مِصْرِهِمْ فَلَوْ كَانَ حُضُورُهَا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ لَكَانَتْ الْأَئِمَّةُ يُؤْثِرُونَهَا عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ وَلَوْ فَعَلُوهُ لَمَا اتَّصَلَ الْعَمَلُ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، (الثَّانِي) : أَنَّهَا سُنَّةٌ، (الثَّالِثُ) : أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالسُّنَّةِ وَأَنَّ سُنِّيَّتَهَا دُونَ سُنِّيَّةِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَغَيْرِهَا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْأَوْقَاتِ مَا يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ الطَّهَارَة لِصَلَاةِ الْجِنَازَة]

(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: هِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهَا وَيَدُلُّنَا عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ خِلَافًا لِقَوْمٍ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» وَلَا تُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ إلَّا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَتْ تَفُوتُ بِالْتِمَاسِ الْمَاءِ فَالْأَمْرُ وَاسِعٌ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْمَاضِينَ كَرِهَهُ إلَّا مَالِكٌ.

[الثَّانِي اشْتِرَاط الْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة]

(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يَكْفِي الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَشَرْطُ صِحَّتِهَا الْإِمَامَةُ فَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إمَامٍ؛ أُعِيدَتْ مَا لَمْ تَفُتْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الثَّالِث ذِكْر مَنْسِيَّة فِي صَلَاة الْجِنَازَة]

(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً فِيهَا لَمْ يَقْطَعْ وَلَمْ يُعِدْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُقْضَى وَالتَّرْتِيبُ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْمُؤَقَّتَاتِ وَهِيَ آكَدُ مِنْ النَّوَافِلِ فَلَا تُقْطَعُ فَإِنْ ذَكَرَ الْجِنَازَةَ فِيهَا اسْتَخْلَفَ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُعِدْ وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ الْجِنَازَةُ انْتَهَى.

[الرَّابِع صلوا الْجِنَازَة قُعُود]

(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ سَنَدٌ قَالَ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَا تُجْزِئُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ الرَّغَائِبِ يَنْبَغِي أَنْ تُجْزِئَهُمْ انْتَهَى

[الْخَامِس قَهْقَهَ أَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا فِي صَلَاة الْجِنَازَة]

(الْخَامِسُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَاسْتَأْنَفَ إنْ قَهْقَهَ، أَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْتَخْلِفُ وَيَتَأَخَّرُ مُؤْتَمًّا وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيمَنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ انْتَهَى

[السَّادِس صَلَّى عَلَيْهَا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ الدَّفْنِ]

(السَّادِسُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ أَيْضًا وَهَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهَا لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ الدَّفْنِ لَا بَعْدَهُ، أَوْ تَجِبُ فِيهَا، أَوْ لَا تُعَادُ مُطْلَقًا؟ أَقْوَالٌ.

[السَّابِع نوي الْإِمَام الصَّلَاةَ عَلَيَّ احدي الْجِنَازَتَيْنِ وَمنْ خَلْفه يَنْوِيهِمَا]

(السَّابِعُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: لَا يَدْخُلُ فِي الثَّانِيَةِ فِي صَلَاةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْوَ، وَلَوْ أَتَى بِالثَّانِيَةِ قَبْلَ إحْرَامِ الْأُولَى فَسَهَا الْإِمَامُ فَنَوَى إحْدَى الْجِنَازَتَيْنِ وَمَنْ خَلْفَهُ يَنْوِيهِمَا قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ تُعَادُ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يَنْوِهَا الْإِمَامُ دُفِنَتْ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الْأَصْلُ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ غَالِبُهَا فِي التَّوْضِيحِ خُصُوصًا فُرُوعُ الشَّامِلِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْوَصَايَا: فَائِدَةٌ مِمَّا اُخْتُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالْغَنَائِمُ، وَثُلُثُ الْمَالِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَكَفْنِهِ بِسُكُونِ الْفَاءِ الْفِعْلُ وَبِالْفَتْحِ الثَّوْبُ، نَقَلَهُ الْقَبَّابُ عَنْ عِيَاضٍ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَمَا حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ مِنْ أَنَّهُ سُنَّةٌ يُحْمَلُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ سَتْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ خِلَافٌ.
أَمَّا الْقَوْلُ بِسُنِّيَّةِ الْغُسْلِ فَقَدْ شَهَرَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ وَلَكِنَّ الْوُجُوبَ أَقْوَى وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ عَلَى تَصْحِيحِهِ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِسُنِّيَّةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَعْزِهِ فِي التَّوْضِيحِ إلَّا لَأَصْبَغَ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا وَرَجَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل