غسل الزوجين للآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تُجْزِئُ، انْتَهَى.
قُلْت: مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْإِجْزَاءِ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ عَيْشَهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا كَانَ جُلَّ عَيْشِهِمْ فَتَأَمَّلْهُ.
(السَّادِسُ) ظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الْعَلَسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ اُخْتُصَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي قَدْرِ الصَّاعِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ اخْتَارَهُ، وَقَالَ بِهِ، وَهُوَ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
(السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ دَقِيقٍ ابْنُ حَبِيبٍ يُجْزِئُ بِزَيْفِهِ.
وَكَذَا الْخُبْزُ الصَّقَلِّيُّ وَبَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ تَفْسِيرُ الْبَاجِيِّ خِلَافٌ، انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) قَالَ الْقَرَافِيُّ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ: وَالْأَقِطُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ خَثْرُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجِ زُبْدُهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ انْتَهَى.
(التَّاسِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتُؤَدَّى مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا تُؤَدَّى مِنْهُ، مَا نَصُّهُ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقَمْحُ أَفْضَلُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْأُرْزِ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ، الْمُتَقَدِّمِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إجْزَاءِ الْقَمْحِ وَاخْتُلِفَ فِي إجْزَاءِ الْأُرْزِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْأَفْضَلُ الْقَمْحُ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَالسُّلْتُ يُلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ وَأَفْضَلُ مِنْ الشَّعِيرِ.
ص (وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ، وَإِنْ لِأَبٍ وَخَادِمِهَا أَوْ رِقٍّ، وَلَوْ مُكَاتَبًا وَآبِقًا رَجَى) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ
وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ " مِنْ الْمُسْلِمِينَ " قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ: اشْتَهَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: لَيْسَ أَحَدٌ يَقُولُهَا غَيْرَ مَالِكٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَابَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ " يَمُونُهُ " لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَإِنَّمَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرهَا الْأَوَّلُ - الْقَرَابَةُ وَذَلِكَ فِي الْأَوْلَادِ وَالْأَبَوَيْنِ الثَّانِي - الزَّوْجِيَّةُ وَذَلِكَ فِي زَوْجَةِ الشَّخْصِ فَيُخْرِجُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَلِيئَةً، وَكَذَلِكَ عَنْ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ أَيْضًا خَادِمَ الزَّوْجَةِ وَخَادِمَ زَوْجَةِ الْأَبِ كَمَا قَالَ " وَإِنْ لِأَبٍ وَخَادِمِهَا " وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ قَدْرٍ
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ: وَإِنَّمَا تَجِبُ عَنْ الزَّوْجَةِ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ بِهَا أَوْ دَعَا إلَى الدُّخُولِ بِهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَأَمَّا مَعَ الْمُسَاكَنَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ كَالْمَدْعُوِّ لِلدُّخُولِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ كَالْمَمْنُوعِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ الْمُتَهَيِّئَةِ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَاتِ، الْمَشْهُورُ أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إذَا دَعَا إلَى الدُّخُولِ السَّبَبُ الثَّالِثُ - الرِّقُّ فَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ مَهْرُومًا، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجِبُ عَنْ مُدَبَّرِهِ وَعَنْ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَعَنْ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَنْهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَفْسِهِ وَتَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَالْأَعْمَى وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْذُومِ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، قَالَ: وَلَوْ غَابَ الْعَبْدُ غَيْبَةً طَوِيلَةً فِي سَفَرٍ مِنْ غَيْرِ إبَاقٍ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: فَلِيُؤَدِّ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَتَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَوْرُوثِ إذَا لَمْ يُقْبَضْ إلَّا بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ " وَآبِقًا رَجَى " قَالَ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ: كَعَبْدٍ خَافَ مِنْ سَيِّدِهِ لِجَرِيمَةٍ ارْتَكَبَهَا فَهَرَبَ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ بِذَلِكَ سَابِقَةٌ وَلَا بِمِنْ يَتَغَرَّبُ وَيَصْبِرُ عَلَى الْأَسْفَارِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِعْلَهُ كُلَّ حِينٍ يَهْرُبُ ثُمَّ يَعُودُ فَهَذَا عَلَى حُكْمِ الْمُسَافِرِ وَالْغَائِبِ الَّذِي يُنْتَظَرُ قُدُومُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَحُكْمُ الْمَغْصُوبِ حُكْمُ الْآبِقِ إنْ رَجَى خَلَاصَهُ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا، انْتَهَى.
[تَنْبِيهَاتٌ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَالزَّكَاةُ عَنْهُ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَالزَّكَاةُ عَنْهُ وَذَلِكَ بِسَبَبِ الرِّقِّ السَّابِقِ، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَيُخْرِجُ الْفِطْرَةَ عَنْ الْمُرْضَعِ إذَا أَعْتَقَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَسْبَ عَلَى نَفْسِهِ فَتَسْقُطَ عَنْهُ نَفَقَتُهُ، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ مَنْ أَعْتَقَ زَمِنًا فَقَدْ أَلْزَمُوهُ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ سَنَدٌ سُقُوطَ النَّفَقَةِ بِعِتْقِ الزَّمِنِ، قَالَهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَاخْتُلِفَ، هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّيِّدِ أَصَالَةً أَوْ نِيَابَةً عَنْ الْعَبْدِ، قَالَ سَنَدٌ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى السَّيِّدِ فِي الْأَصْلِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَمُونُهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ كَمَنْ الْتَزَمَ نَفَقَةَ رَبِيبِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَمَنْ اسْتَأْجَرَ بِنَفَقَتِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ " هُوَ كَلَامٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَإِنَّ مَنْ الْتَزَمَ نَفَقَةَ مَنْ لَيْسَ بِقَرِيبِهِ كَالرَّبِيبِ أَوْ قَرِيبٍ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِالْأَصَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ بِاتِّفَاقٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا، وَالْمُسْتَأْجَرُ بِنَفَقَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ الْبَائِنُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ كَمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ لَا يَمْنَعُ الْعِصْمَةَ، وَإِنَّمَا يُهَيِّئُهَا لِلْقَطْعِ فَالْعِصْمَةُ بَاقِيَةٌ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ
: وَلَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا وَأَدَّى الْفِطْرَةَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَهِيَ حَامِلٌ فَلَا يُزَكِّي عَنْهَا الْفِطْرَةَ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ لَا لَهَا، انْتَهَى مِنْ بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، نَقَلَهُ أَيْضًا عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ.
[الْمُكَاتَبُ وَالْمُخَدِّمُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ]
(الثَّانِي) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ " يَمُونُهُ " الْمُكَاتَبُ وَالْمُخَدِّمُ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا أَمَّا الْمُكَاتَبُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمُخَدِّمُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ فِيهِ قَوْلَيْنِ: قِيلَ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ عَلَى الْمُخَدَّمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَرَوَى الْبَاجِيُّ الْمُخَدِّمُ يَرْجِعُ لِحُرِّيَّةٍ عَلَى ذِي خِدْمَتِهِ وَلِرَبِّهِ فِي كَوْنِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُخَدَّمِ، ثَالِثُهَا إنْ قَلَّتْ خِدْمَتُهُ وَفِي نَفَقَتِهِ الثَّلَاثَةُ، انْتَهَى.
وَعَلَى الْأَوَّلِ مَشَى الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ وَمُخَدِّمًا إلَّا لِحُرِّيَّةٍ فَعَلَى مُخَدَّمِهِ.
(الثَّالِثُ) لَا يُؤَدِّيهَا عَنْ عَبْدِ عَبْدِهِ وَلَا عَبْدِ مُكَاتَبِهِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ وَتَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ.
[لِلْكَافِرِ عَبْد مُسْلِم فَهَلْ تجب عَلَيْهِ زَكَاة الْفِطْر]
(الرَّابِعُ) لَوْ كَانَ لِلْكَافِرِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، مِثْلُ أَنْ يُسْلِمَ فِي يَدِهِ فِي مَهَلِّ شَوَّالٍ قَبْلَ أَنْ يُنْزَعَ مِنْ يَدِهِ أَوْ تُسْلِمَ فِي يَدِهِ أُمُّ وَلَدِهِ فَتُوقَفُ فِي قَوْلِهِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرَابَةٌ مُسْلِمُونَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ، مِثْلُ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالِابْنِ الْكَبِيرِ يَبْلُغُ زَمَنًا ثُمَّ يُسْلِمُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: تَجِبُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
مِنْ الطِّرَازِ
[ارْتَدَّ مُسْلِمٌ فَدَخَلَ وَقْتُ الزَّكَاةِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ تَابَ]
(الْخَامِسُ) لَوْ ارْتَدَّ مُسْلِمٌ فَدَخَلَ وَقْتُ الزَّكَاةِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ تَابَ بَعْدَهُ وَلَهُ رَقِيقٌ مُسْلِمُونَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ سَقَطَ عَنْهُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
مِنْهُ أَيْضًا.
[جَنَى عَبْدٌ جِنَايَةً عَمْدًا فِيهَا نَفْسُهُ فَلَمْ يُقْتَلْ إلَّا بَعْدَ الْفِطْرِ]
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ جِنَايَةً عَمْدًا فِيهَا نَفْسُهُ فَلَمْ يُقْتَلْ إلَّا بَعْدَ الْفِطْرِ فَفِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، انْتَهَى.
[الزَّوْجُ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]
(السَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ كَانَ الزَّوْجُ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ حَالَ عُسْرِهِ، وَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهُ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ فِطْرَتُهَا حَتَّى يُوسِرَ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى النَّفَقَةِ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْهَا الْفِطْرَةُ إذْ لَا تَلْزَمُهَا نَفَقَةٌ وَتَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ عَنْهُ فِطْرَتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهَا وَأَبَى ذَلِكَ زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ دُونَهَا وَيُخْتَلَفُ فِي هَذَا الْفَرْعِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ فَرْعُ مَنْ قَدَرَ عَلَى النَّفَقَةِ فَقَطْ فِي ابْتِدَاءِ وُجُوبِهَا، هَلْ هِيَ عَلَى مُخْرِجِهَا أَوْ الْمُخْرَجِ بِسَبَبِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ عَنْ الْعَبْدِ؟ وَنَصُّ مَا قَدَّمَهُ: هُوَ قَوْلُهُ إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَى السَّيِّدِ فَتَنَافَسَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ وُجُوبِهَا بِهَا، هَلْ هُوَ عَلَى السَّيِّدِ وَيَكُونُ الْعَبْدُ سَبَبَ وُجُوبِهَا أَوْ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَيَتَحَمَّلُهَا السَّيِّدُ وَيَكُونُ الرِّقُّ وَالْمِلْكِيَّةُ سَبَبَ تَحَمُّلِهَا فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى السَّيِّدِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، انْتَهَى.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَأَبَى ذَلِكَ زَوْجُهَا وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يُجْزِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْبَ ذَلِكَ لِجَازٍ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّامِنُ) إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ حَنَفِيَّةً وَالزَّوْجُ مَالِكِيًّا فَهَلْ يُخْرِجُ عَنْهَا مُدَّيْنِ مِنْ الْقَمْحِ عَلَى مَذْهَبِهَا أَوْ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ عَلَى مَذْهَبِهِ؟ ذَكَرَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ
[صَبِيٌّ فِي حِجْرِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إيصَاءٍ وَلَهُ بِيَدِهِ مَالٌ]
(التَّاسِعُ) لَوْ كَانَ صَبِيٌّ فِي حِجْرِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إيصَاءٍ وَلَهُ بِيَدِهِ مَالٌ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فَهُوَ مُصَدِّقٌ فِي الزَّكَاةِ وَفِي نَفَقَةِ الْمِثْلِ، نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَبَهْرَامُ فِي الشَّامِلِ، زَادَ فِي الشَّامِلِ وَيُؤَدِّيهَا الْوَصِيُّ عَنْ الْيَتَامَى وَعَنْ رَقِيقِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، انْتَهَى.
[أَمْسَكَ عُبَيْدَ وَلَدِهِ الصِّغَارَ لِخِدْمَتِهِمْ وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ سِوَاهُمْ]
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا أَمْسَكَ عُبَيْدَ وَلَدِهِ الصِّغَارَ لِخِدْمَتِهِمْ وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ سِوَاهُمْ أَدَّى الْفِطْرَةَ عَنْهُمْ مَعَ النَّفَقَةِ ثُمَّ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ وَهُوَ الْعَبِيدُ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ، انْتَهَى.
ص (قَبْلَ الصَّلَاةِ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فَإِنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَوَاسِعٌ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ الْجَلَّابِ
وَاللَّخْمِيِّ وَعِيَاضٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَاسْتُحِبَّ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ إنْ وَجَبَتْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَأَمَّا الْوَقْتُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا فِيهِ فَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى، انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ " قَبْلَ الْغُدُوِّ " إلَى الْمُصَلَّى هُوَ صِفَةُ الْفِعْلِ وَمَحِلُّ الِاسْتِحْبَابِ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَدَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ، قَالَ الْقَبَّابُ: فَجَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ اخْتِلَافًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ أَدَّاهَا بَعْدَهَا فَلَيْسَ بِآثِمٍ لِأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بَاقٍ، انْتَهَى.
وَعِنْدَ الْجُزُولِيِّ وَالْوَقَارِ إنَّ أَلِأَفْضَلَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَإِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَحْسَنُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: أَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ لِإِخْرَاجِهَا فِي صَبِيحَةِ الْفِطْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْمُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَبَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَكُونُ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ إلَّا إذَا أُدِّيَتْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ سَنَدٌ وَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ مَا دَامَ يَوْمُ الْفِطْرَةِ قَائِمًا فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ أَثِمَ مَعَ الْقُدْرَةِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ مَاتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَهُ مِمَّنْ يَلْزَمُك أَدَاءُ الْفِطْرَةِ عَنْهُ لَمْ يُزِلْهَا مَوْتُهُ، وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فَأَوْصَى بِالْفِطْرَةِ عَنْهُ كَانَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَمْ تُجْبَرْ وَرَثَتُهُ عَلَيْهَا وَيُؤْمَرُونَ بِهَا كَزَكَاةِ الْعَيْنِ تُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ فَإِنَّمَا فِي الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ مِنْ ثُلُثِهِ عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا إلَّا الْمُدَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، قَالَ: وَإِنْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ وَعَمَّنْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ أُخْرِجَتْ مِنْ مَالِهِ وَقُضِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى.
ص (وَمِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ) ش: يَعْنِي مَنْ كَانَ يَقْتَاتُ أَحْسَنَ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ غَالِبُ الْقُوتِ الشَّعِيرَ وَهُوَ يَقْتَاتُ الْقَمْحَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ.
[تَنْبِيه عِنْدَهُ قَمْحٌ فِي مَنْزِلِهِ وَأَرَادَ شِرَاءَ الْفِطْرَةِ مِنْ السُّوقِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قَمْحٌ فِي مَنْزِلِهِ وَأَرَادَ شِرَاءَ الْفِطْرَةِ مِنْ السُّوقِ فَإِنْ كَانَ إبْقَاءُ الْقَمْحِ الَّذِي فِي مَنْزِلِهِ صِيَانَةً لِجَوْدَتِهِ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَفِيهِ الْفَضْلُ وَالْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ إبْقَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ قُوتُ أَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
ص (إلَّا الْغَلَثَ) ش: بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ فَتَجِبُ غَرْبَلَتُهُ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا يُجْزِئُ الْمُسَوَّسُ الْفَارِغُ بِخِلَافِ الْقَدِيمِ الْمُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، انْتَهَى.
ص (وَدَفْعُهَا لِزَوَالِ فَقْرِ وَرِقِّ يَوْمِهِ) ش، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْمَوْلُودِ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
ص (وَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُفَرِّقُهَا كُلُّ قَوْمٍ فِي أَمْكِنَتِهِمْ مِنْ حَضَرٍ أَوْ بَدْوٍ أَوْ عَمُودٍ وَلَا يَدْفَعُونَهَا إلَى الْإِمَامِ إذَا كَانَ لَا يَعْدِلُ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لَمْ يَسَعْ أَحَدٌ أَنْ يُفَرِّقَ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ وَلْيَدْفَعْهَا إلَى الْإِمَامِ فَيُفَرِّقْهَا فِي مَوَاضِعِهَا، وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعِهِمْ مُحْتَاجٌ فَيُخْرِجَهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِمْ فَيُفَرِّقُوا هُنَاكَ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَزَادَ: وَأَهْلُ السَّفَرِ فِي سَفَرِهِمْ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا يَطْلُبُ غَيْرَهَا، انْتَهَى.
ص (وَعَدَمُ زِيَادَةٍ) ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ عَدَمَ زِيَادَةٍ عَلَى الصَّاعِ وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِ الْقَرَافِيِّ
قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَرْضَى بِالْمُدِّ الْأَكْبَرِ، قَالَ: لَا بَلْ بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنْ أَرَادَ خَيْرًا فَعَلَى حِدَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ تَغْيِيرُ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ عَدَمَ زِيَادَةِ الْمِسْكِينِ عَلَى صَاعٍ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ بَعْدُ " وَدَفْعُ صَاعٍ لِمَسَاكِينَ وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ "؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بَيَانُ الْمُسْتَحَبِّ، وَهُنَاكَ بَيَانُ الْجَوَازِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّاعِ وَعَلَى عَدَمِ زِيَادَةِ الْمِسْكِينِ عَلَى صَاعٍ مُشِيرًا بِهِ لِكَلَامِ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ يُونُسَ.
ص (وَإِخْرَاجُ الْمُسَافِرِ وَجَازَ إخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ)
ش: ابْنُ رُشْدٍ فِي لُبِّ اللُّبَابِ: الْمُخْرَجُ فِيهِ مَوْضِعُ الْمَالِ، وَإِنْ أَدَّى أَهْلُ الْمُسَافِرِ عَنْهُ أَجْزَأَتْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَانِهِ مُحْتَاجٌ فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنْ أَدَّى أَهْلُ الْمُسَافِرِ عَنْهُ أَجْزَأَ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ أَوْ أَوْصَاهُمْ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِفَقْدِ النِّيَّةِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ كَلَامَهُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرَابَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا يُؤَدِّيهَا الْمُسَافِرُ حَيْثُ هُوَ، وَإِنْ أَدَّاهَا عَنْهُ أَهْلُهُ أَجْزَأَهُ، وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ يُؤَدِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ إذْ لَا يَدْرِي أَتُؤَدَّى عَنْهُ أَمْ لَا لَا عَنْ أَهْلِهِ لَعَلَّهُمْ أَدَّوْا (قُلْتُ) : فَيَلْزَمُ الْأَوَّلُ وَيُجَابُ بِالْمَشَقَّةِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا إنْ تَرَكَ مَا يُؤَدُّنَّهَا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَدَائِهَا عَنْهُ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِأَدَائِهَا عَنْهُ لَمْ يُؤَدِّهَا، وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَا يُؤَدُّونَهَا مِنْهُ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا عَنْهُ وَعَنْهُمْ، انْتَهَى.
وَمَا عَزَاهُ لِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ هُوَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ أَهْلِهِ أَرَى أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَتُؤَدَّى عَنْهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا أَهْلُهُ فَأَرَى أَنْ يُؤَخِّرَ لَعَلَّهُمْ أَدَّوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ تَرَكَ عِنْدَ أَهْلِهِ مَا يُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ فَهُوَ إذَا لَمْ يَدْرِ مَا يَفْعَلُونَ فَيُؤَدِّي عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يُؤَدُّوا عَنْهُ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا عَنْهُ فِي مَغِيبِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهُمْ مَا يُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ لَزِمَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِمَوْضِعِهِ عَنْهُ وَعَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَيُخْرِجُهَا عَنْهُ لَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا الْمُسَافِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَهْلَهُ بِأَدَائِهَا عَنْهُ وَعَنْهُمْ فَيَجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْهُمْ إنْ كَانَ أَهْلُهُ مَوْضِعَ الثِّقَةِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَجَازَ إخْرَاجُ أَهْلِهِ أَطْلَقَ فَيَبْقَى جَوَازُ إخْرَاجِ الْأَهْلِ كَمَا هُوَ مُطْلَقٌ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَصُّهُ: وَإِذَا أَدَّى أَهْلُ الْمُسَافِرِ عَنْهُ أَجْزَأَ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: قَوْلَهُ: وَإِنْ أَدَّاهَا أَهْلُهُ عَنْهُ أَجْزَأَ أَبُو الْحَسَنِ وَيَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَهُ أَدَّوْهَا عَنْهُ بِأَنْ يُوصِيهِمْ بِإِخْرَاجِهَا وَيَتْرُكَ مَا يُخْرَجُ مِنْهُ وَيَثِقَ بِهِمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَتْ عَادَتَهُمْ وَأَوْصَاهُمْ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِفَقْدِ النِّيَّةِ، انْتَهَى.
وَاسْتَحْسَنَ فِي الطِّرَازِ الْإِجْزَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُرْفَهُ مَعَهُمْ، وَنَصُّهُ: فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْمُسَافِرُ وَأَخْرَجَهَا عَنْهُ أَهْلُهُ، فَقَالَ فِي الْكِتَابِ: يُجْزِئُهُ وَذَلِكَ لَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا - أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ هُوَ عُرْفَهُمْ مَعَهُمْ فَيُجْزِئُ بِلَا إشْكَالَ وَكَأَنَّهُ اسْتَنَابَهُمْ، وَالثَّانِيَةُ - لَمْ يَأْمُرْهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عُرْفَهُ مَعَهُمْ فَهَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ كَفَّرَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ وَإِذْنِهِ، وَأَنْ يُجْزِيَهُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ فَيَسْقُطُ عَنْهُ إذَا أَدَّى عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ كَالدَّيْنِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ عَنْ رَبِّهَا ثُمَّ إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ فَفِيمَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ أَوْلَى وَاعْتِبَارًا بِمَنْ يُضَحِّي عَنْهُ أَهْلُهُ بِأُضْحِيَّةٍ لِيَكْفُوهُ مُؤْنَةَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ هَلْ يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْأَبِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الْغَنِيِّ أَمْ لَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ فَإِنْ قُلْت، هَلْ يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْأَبِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الْغَنِيِّ أَمْ لَا؟ (قُلْتُ) : الْجَوَابُ فِيهَا بِالْإِجْزَاءِ أَوْ النَّفْيِ خَطَأٌ وَالْجَوَابُ إنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا جَازَ، وَإِنْ
كَانَ كَبِيرًا لَمْ يَجُزْ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْمَذْهَبُ اشْتِرَاطُهَا، قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، انْتَهَى.
يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا لَمْ يُعْلَمْهُ الْأَبُ بِذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ تَطَوَّعَ عَنْهُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ غَيْرُهُ وَهُوَ مُوسِرٌ وَمَسْأَلَةُ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي التَّنْبِيهِ السَّابِعِ مِنْ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهَا وَأَبَى زَوْجُهَا ذَلِكَ وَهُوَ مُوسِرٌ وَمَسْأَلَةُ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَالظَّاهِرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْإِجْزَاءُ وَسُقُوطُ الزَّكَاةِ عَنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُمْ إذَا أَعْلَمَهُمْ الْمُخْرِجُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ فَلَا تُجْزِئُ لِفُقْدَانِ النِّيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَوَجَبَ نِيَّتُهَا فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِيمَنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَغَيْرِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ وَكَلَامِ الْمَازِرِيِّ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ أَوْ أَرَادَ أَهْلُهُ أَنْ يُزَكُّوا عَنْهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ أَهْلِهِ أَخْرَجَ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ، وَإِنْ أَخْرَجُوا عَنْهُ فَمِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَأْكُلُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ أَهْلُ الْبَلَدِ أَوْ يَأْكُلُهُ هُوَ لَا لِشُحٍّ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ أَوْ أَرَادَ أَهْلُهُ أَنْ يُزَكُّوا عَنْهُ، هَلْ الْمُعْتَبَرُ مَوْضِعُهُ أَوْ مَوْضِعُ أَهْلِهِ؟ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
ص (وَآصُعٍ لِوَاحِدٍ)
ش: آصُعٌ بِهَمْزَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُخَفَّفَةٍ جَمْعُ صَاعٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ فِي الْقَامُوسِ وَلَا فِي الصِّحَاحِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّاعُ وَالصُّوَاعُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالصَّوْعُ وَبِضَمٍّ الَّذِي يُكَالُ بِهِ وَتَدُورُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ: الْجَمْعُ أَصْوُعٌ وَأَصْؤُعٌ وَأَصْوَاعٌ وَصُوَعٌ بِالضَّمِّ وَصِيعَانٌ، وَهَذَا جَمْعُ صُوَاعٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: جَمْعُهُ أَصْوُعٌ، وَقَدْ تُبْدَلُ الْوَاوُ الْمَضْمُومَةُ هَمْزَةً لَكِنْ وَقَعَتْ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي كِتَابِ تَحْرِيرِ أَلْفَاظِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ فَإِنَّ جَمْعَ صَاعٍ أَصْوُعٌ ثُمَّ قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى مَوْضِعِ الْأَلِفِ فَصَارَ أَأْصُعٌ ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ أَلِفًا فَصَارَ آصُعَ، قَالَ: وَأَنْكَرَ ابْنُ مَكِّيٍّ هَذَا الْجَمْعَ، وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ مَكِّيٍّ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَذُهُولٌ بَيِّنٌ، لَفْظَةُ آصُعٍ صَحِيحَةٌ فَصِيحَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَإِنَّمَا قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً فِي أَصْوُعٌ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ عَلَى الْوَاوِ، قَالَهُ ابْنُ مَكِّيٍّ
ص (وَمِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ إلَّا الشُّحَّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ إخْرَاجُهَا مِنْ أَغْلَبِ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا مِنْ قُوتِهِ إنْ كَانَ أَغْلَى فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ أَدْوَنَ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شُحٍّ فَيَجْزِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِشُحٍّ فَلَا يَجْزِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْتَاتُ الْأَدْوَنَ لِشُحٍّ، سَوَاءٌ كَانَ يَقْتَاتُهُ لِفَقْرٍ أَوْ لِعَادَةٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَالْبَدْوِيِّ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ بِالْحَاضِرَةِ وَهُوَ مَلِيءٌ، قَالَ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ - وَهُوَ مَنْ اقْتَاتَ الْأَدْنَى لِفَقْرٍ - خِلَافًا فَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ لِمُفَرِّقٍ؟ تَأْوِيلَانِ)
ش: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ قَوْلٌ مَشْهُورٌ وَالْأَرْجَحُ الْإِجْزَاءُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: قِيلَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَشْهِيرَ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا الْأَكْثَرُ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا وَفِي كَلَامِهِ تَضْعِيفٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْإِجْزَاءِ لِلْمُفَرِّقِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ، وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَتْلَفَهَا الْفَقِيرُ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِيَدِ مَنْ أَخَذَهَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ أَجْزَأَتْ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ لِدَافِعِهَا إنْ كَانَتْ لَا تُجْزِئُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا فَإِذَا تَرَكَهَا كَانَ كَمَنْ ابْتَدَأَ دَفْعَهَا حِينَئِذٍ وَلِأَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِبَقَائِهَا عَنْ طَوَافِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص
وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَخَّرَهَا الْوَاجِدُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِمَاضِي السِّنِينَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا سِنِينَ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهَا أَخْرَجَهَا عَمَّا فَرَّطَ مِنْ السِّنِينَ عَنْهُ وَعَمَّنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا عَنْهُ فِي كُلِّ عَامٍ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى مَالِهِ إذَا كَانَ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا وَأَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ ثُلُثِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِذَا أَخْرَجَهَا فِي وَقْتِهَا فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ضَمِنَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ تَلِفَ مَالُهُ وَبَقِيَتْ لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: وَحَيْثُ تَعَيَّنَتْ ثُمَّ ذَهَبَتْ أَوْ ذَهَبَ مَالُهُ أَوْ لَحِقَهُ دَيْنٌ ثُمَّ وَجَدَهَا، قَالَ سَنَدٌ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُنَفِّذُهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَهْلِ الدَّيْنِ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ثُمَّ لَحِقَهُ دَيْنٌ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ فِي أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الْأُولَى وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ سَدُّ الْخَلَّةِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالْمَقْصُودَ فِي الْأُضْحِيَّةِ إظْهَارُ الشَّعَائِرِ، وَقَدْ فَاتَ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ خَوَاصِّ الْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ)
ش: خَتَمَ الْبَابَ بِبَيَانِ مَصْرِفِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، فَقَالَ: وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تُدْفَعُ لَهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: (الْأَوَّلُ) الْحُرِّيَّةُ، (وَالثَّانِي) الْإِسْلَامُ، (وَالثَّالِثُ) الْفَقْرُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا فَلَا تُدْفَعُ لِعَبْدٍ وَلَا لِمَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ وَلَا لِكَافِرٍ وَلَا لِغَنِيٍّ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْطَاهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَا الْعَبْدُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ: وَلَا الْأَغْنِيَاءُ فَإِنْ أَعْطَاهَا مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ اسْتَرْجَعَهَا، وَإِنْ أَكَلُوهَا وَصَانُوا بِهَا أَمْوَالَهُمْ ضَمِنُوهَا، وَإِنْ هَلَكَتْ بِسَبَبٍ مِنْ اللَّهِ نُظِرَ فَإِنْ غَرُّوا ضَمِنُوا، وَإِنْ لَمْ يَغِرُّوا لَمْ يَضْمَنُوا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي تَحِلُّ لَهُ فَقِيلَ: هُوَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ زَكَاةُ الْعَيْنِ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ لَا يُعْطَاهَا مَنْ أَخْرَجَهَا وَلَا يُعْطَى فَقِيرٌ أَكْثَرَ مِنْ زَكَاةِ إنْسَانٍ وَهُوَ صَاعٌ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» فَالْقَصْدُ غَنَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالْقَصْدُ بِمَا سِوَاهَا مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُغْنِيهِ عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ قِيلَ: يُعْطَى مَا فِيهِ كَفَافٌ لِسَنَةٍ، وَلِذَا قِيلَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى الزَّكَاةَ مَنْ لَهُ نِصَابٌ لَا كِفَايَةَ فِيهِ وَلَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى زَكَاةَ الْفِطْرِ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا، انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يُخَالِفُ آخِرَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَا تَحِلُّ لَهُ زَكَاةُ الْعَيْنِ " يَقْتَضِي جَوَازَ دَفْعِهَا لِمَالِكِ النِّصَابِ، وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهَا لَا تُعْطَى لِمَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ أَوَّلُ كَلَامِهِ بِآخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ آخِرًا فَإِنَّهُ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ صَدَقَةٍ إنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَالذَّخِيرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ فِي الْبَابِ الْآتِي، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ مَصْرِفِهَا فَقِيرَ الزَّكَاةِ أَوْ عَادِمَ قُوتِ يَوْمِهِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: وَخَرَجَ عَلَيْهَا إعْطَاؤُهَا مَنْ مَلَكَ عَبْدًا فَقَطْ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِعَجْزِ قِيمَتِهِ عَنْ نِصَابٍ أَوْ كَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، انْتَهَى.
فَانْظُرْهُ فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي تُصْرَفُ لَهُ الْفِطْرَةُ هُوَ فَقِيرُ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقِيلَ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَالِكًا لِلنِّصَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُعْطَى الْوَاحِدُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا
مَنْ يَلِيهَا وَلَا مَنْ يَحْرُسُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا الْمُجَاهِدُونَ، وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ هُنَا أَنَّهَا لَا تُعْطَى لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ كُفَّارٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُعْطَى مِنْهَا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا كَانَ فَقِيرًا بِمَوْضِعِهِ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذَلِكَ وَانْظُرْ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا الرَّقِيقَ، وَيُعْتِقَ إذَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ فُقَرَاءِ بَلَدِهَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ فَقِيرٌ أَمْ لَا وَيَنْقُلَ مَا فَضَلَ إلَى غَيْرِهِمْ وَهَلْ يُعْطَى الْغَارِمُ مِنْهَا أَمْ لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إجَازَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَصْرِفُهَا كَالزَّكَاةِ أَيْ فَتُصْرَفُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مَقْصُورٌ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَبِيدِ وَالْغَنِيِّ عَلَى تَقْيِيدِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا لِغَيْرِهِمْ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ الشَّيْخِ، انْتَهَى.
كَلَامُ الشَّارِحِ.
(قُلْتُ) : أَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي ابْنِ السَّبِيلِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُخِذَ حِينَئِذٍ بِوَصْفِ الْفَقْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهَا لَا تُصْرَفُ لَهُ، وَأَنَّهَا لَا تُصْرَفُ فِي شِرَاءِ رَقِيقٍ وَلَا لِغَارِمٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ، وَنَصُّهُ: وَالْمُخْرَجُ إلَيْهِ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا فِي يَوْمِهِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا تُدْفَعُ إلَّا إلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ، وَأَمَّا كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي صَرْفُهَا لِغَيْرِ الْفَقِيرِ، وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَمُعْتَرَضٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ اعْتَمَدَ الشَّارِحُ فِي شَامِلِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ لَكِنَّهُ حَكَاهُ بِقِيلِ، فَقَالَ وَمَصْرِفُهَا حُرٌّ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ، وَقِيلَ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ وَهُوَ ظَاهِرُهَا لَا لِغَنِيٍّ وَعَبْدٍ وَمُؤَلَّفٍ، انْتَهَى.
فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ إلَى مَا قَالَهُ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الشَّارِح فِي الْكَبِيرِ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " فَقِيرٌ " عَلَى أَنَّهَا تُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْفَقِيرِ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ أَنَّهَا تُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَهَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِهَا لِأَهْلِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلِلْمَرْأَةِ دَفْعُهَا لِزَوْجِهَا الْفَقِيرِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا لَهَا وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ وَمَنْع أَيْسَرَ بَعْدَ أَعْوَامٍ لَمْ يَقْبِضْهَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
(الْخَامِسُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ - أَعْنِي قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْنُوهُمْ - يُغْنِي الْمَسَاكِينَ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرُوِيَ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» ، وَرُوِيَ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
[كِتَابُ الصِّيَامِ]
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الصِّيَامُ هُوَ الْإِمْسَاكُ وَالْكَفُّ وَالتَّرْكُ، وَأَمْسَكَ عَنْ الشَّيْءِ وَكَفَّ عَنْهُ وَتَرَكَهُ فَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] . أَيْ صَمْتًا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْكَفُّ عَنْهُ، قَالَ النَّابِغَةُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
يُرِيدُ بِصَائِمَةٍ وَاقِفَةً مُمْسِكَةً عَنْ الْحَرَكَةِ وَالْجَوَلَانِ، وَقَوْلُهُمْ صَامَ النَّهَارُ مَعْنَاهُ إذَا انْتَصَفَ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ إذَا كَانَتْ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فَكَأَنَّهَا وَاقِفَةٌ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ لِإِبْطَاءِ مَشْيِهَا وَالْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ: الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] . أَيْ إمْسَاكًا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: قَالَ الْخَلِيلُ الصِّيَامُ قِيَامٌ بِلَا عَمَلٍ وَالصَّوْمُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَامِ وَصَامَ الْفَرَسُ أَيْ قَامَ عَلَى غَيْرِ اعْتِلَافٍ وَأَنْشَدَ بَيْتَ النَّابِغَةِ الْمُتَقَدِّمَ وَصَامَ النَّهَارُ صَوْمًا إذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَاعْتَدَلَ وَالصَّوْمُ رُكُودُ الرِّيحِ وَالْبِكْرَاتُ شَرُّهُنَّ الصَّائِمَةُ يَعْنِي الَّتِي لَا تَدُورُ، وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَمْتًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ كَلَامٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ.
وَالصَّوْمُ ذَرْقُ النَّعَامَةِ وَالصَّوْمُ الْبِيعَةُ وَالصَّوْمُ الشَّجَرُ فِي لُغَةِ هُذَيْلٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّوْمُ شَجَرٌ عَلَى شَكْلِ شَخْصِ الْإِنْسَانِ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبِيعَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَاحِدَةُ بِيَعِ الْيَهُودِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الصَّوْمُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ عَمَّا تَنْزِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ، انْتَهَى.
يُسَمَّى الصَّائِمُ سَائِحًا قَالَ فِي جَمْعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ: وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ يُقَالُ السَّائِحُونَ الصَّائِمُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا ذَكَرَ الصَّائِمِينَ لَمْ يَذْكُرْ السَّائِحِينَ وَإِذَا ذَكَرَ السَّائِحِينَ لَمْ يَذْكُرْ الصَّائِمِينَ، انْتَهَى.
وَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْفَمِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ وَبِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الصَّوْمُ رَسْمُهُ عِبَادَةٌ عَدَمِيَّةٌ وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ فَلَا يَدْخُلُ تَرْكُ مَا تَرْكُهُ وَرَعٌ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَاتِهِ الْوَقْتَ الْمَخْصُوصَ وَقَدْ يُحَدُّ بِأَنَّهُ كَفٌّ بِنِيَّةٍ عَنْ إنْزَالٍ يَقَظَةً وَوَطْءٍ وَإِنْعَاظٍ وَمَذْيٍ وَوُصُولِ غِذَاءٍ غَيْرِ غَالِبٍ غُبَارٍ وَذُبَابٍ وَفَلْقَةٍ بَيْنَ الْأَسْنَانِ لِحَلْقٍ أَوْ جَوْفٍ زَمَنَ الْفَجْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ دُونَ إغْمَاءٍ أَكْثَرَ نَهَارِهِ.
وَلَا يَرِدُ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَبَيَّتَ وَأَكَلَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا رُعِيَ لِلَغْوِ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَإِلَّا زِيدَ أَثَرُ جَوْفٍ غَيْرِ مَنْسِيَّةٍ فِي تَطَوُّعٍ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إمْسَاكٌ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ يَبْطُلُ طَرْدُهُ قَوْلُهَا فِيمَنْ صَبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءً وَمَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ نَهَارِهِ وَأَمْذَى أَوْ أَمْنَى يَقَظَةً،، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ رَمَضَانَ فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ صَوْمِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهِ قُتِلَ حَدًّا عَلَى الْمَشْهُورِ.
مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، جَحْدُهُ وَتَرْكُهُ كَالصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ: وَالْمُمْتَنِعُ مِنْ صَوْمِهِ يُقْتَلُ وَكَذَلِكَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يَقْتُلُهُ إلَّا السُّلْطَانُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ بِالْقَتْلِ كُفْرًا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يُوجَدُ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْمِ إلَّا الْحَكَمَ بْنَ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ وَافَقَ فِيهَا جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، فَقَوْلُ عِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ مِنْ الْإِفْطَارِ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ فَقَدْ صَرَّحَ بِقَتْلِهِ لِتَرْكِ الصَّوْمِ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قِيلَ عَاشُورَاءُ وَقِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَاشُورَاءُ وَثَلَاثَةُ أَيَّام وَذَكَرَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ عَاشُورَاءُ وَاخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] . فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ رَمَضَانُ وَاَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى مَنْ قَبْلَنَا فَجَاءَ فِي الْحَرِّ فَحَوَّلُوهُ وَزَادُوا فِيهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الصَّوْمِ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) أَوَّلُ مَا فُرِضَ رَمَضَانُ خُيِّرَ بَيْنَ صَوْمِهِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . وَكَانَ فِي أَوَّلِ
الْأَمْرِ إنَّمَا يُبَاحُ الشُّرْبُ وَالْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى أَنْ يَنَامَ الْمُكَلَّفُ أَوْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ لِقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ - بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَتْ لِتَأْتِيَ لَهُ بِهِ فَوَجَدَتْهُ قَدْ نَامَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ﴾ [البقرة: 187] الْآيَةَ.
وَرُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ وَطْءَ امْرَأَتِهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا نَامَتْ فَكَذَّبَهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ خَوَّنَ نَفْسَهُ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَذَكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187] . الْآيَةَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ سَبَبٌ لِنُزُولِهَا فَأُبِيحَ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّوْمِ هُوَ مُخَالَفَةُ الْهَوَى؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَكَسْرُ النَّفْسِ وَتَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُوَاسَاةِ الْجَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب مَا يَثْبُت بِهِ رَمَضَان]
ص (بَابُ يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ رَمَضَانَ يَثْبُتُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الرُّؤْيَةُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَالثَّانِي إكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ وَلَوْ تَوَالَى الْغَيْمُ فِي شُهُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ: يُكْمِلُونَ عِدَّةَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَيَقْضُونَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ خِلَافُ مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنْ حَصَلَ الْغَيْمُ فِي رَمَضَانَ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الشُّهُورِ فَكَمَّلُوهَا ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ إنْ رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضُوا شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَمَضَانُ نَاقِصًا فَإِنْ رَأَوْا شَوَّالًا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ قَضَوْا يَوْمًا وَاحِدًا وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا يَوْمَيْنِ وَإِنْ رَأَوْهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ قَضَوْا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
جَوَازُ اسْتِعْمَالِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيِّ وَالْجُزُولِيِّ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَصُومُ رَمَضَانَ: أَنَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ: صُمْنَا رَمَضَانَ.
حَتَّى يُقَالَ: شَهْرَ.
وَقَالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَصِحُّ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا يُلْبِسُ، مِثْلُ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ وَأَمَّا صُمْنَا رَمَضَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ وَتَصُومُ رَمَضَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الْقَائِلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الشَّهْرِ إلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: لَا يُقَالُ إلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ تَمَسُّكًا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْإِكْمَالِ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَالُ جَاءَ رَمَضَانُ؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْإِكْمَالِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حَجَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ وَتَبِعَا فِي ذَلِكَ النَّوَوِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قَالَتْ، طَائِفَةٌ: لَا يُقَالُ: رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: إنْ كَانَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تُصْرَفُ إلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَتُكْرَهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إطْلَاقِ رَمَضَانَ
بِقَرِينَةٍ وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ.
وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْمَذْهَبَانِ الْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ، انْتَهَى.
إلَّا أَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَلْ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْأَبِيِّ فِي نَقْلِ كَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَمِنْ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي نَقْلِهِ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَعَدَمِ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ مَعَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مُؤَاخَذَةً عَلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَذَكَرَهَا ((قُلْتُ)) وَمَا نَسَبَهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ غَرِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي لَفْظِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَفْظُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ وَنَصُّهُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَى كَرَاهَتِهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهْرُ كَقَوْلِهِ: صُمْت رَمَضَانَ، وَجَاءَ رَمَضَانُ الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ.
لَمْ يُكْرَهْ إفْرَادُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ كُرِهَ كَقَوْلِهِ: جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ، قَالَ: وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَقُولُوا رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ قُولُوا شَهْرَ رَمَضَانَ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَالضَّعْفُ بَيِّنٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَرَوَى الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالطَّرِيقُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ.
وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا كَيْفَمَا قِيلَ: لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ لَا يُحْصَوْنَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُثْبِتُوا هَذَا الِاسْمَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ جَوَازُ ذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ» . الْحَدِيثَ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: اُخْتُلِفَ فِي رَمَضَانَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِلشَّهْرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْجُزُولِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَى اسْمِهِ وَيُقَالُ شَهْرُ كَذَا إلَّا رَمَضَانُ وَرَبِيعَانِ فَيُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ رَجَبٍ وَشَهْرُ شَوَّالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ رَجَبٌ وَشَوَّالٌ، انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُمَا شَهْرَا رَبِيعٍ وَلَا يُذْكَرُ الشَّهْرُ مَعَ أَسْمَاءِ سَائِرِ الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: الشُّهُورُ كُلُّهَا مُذَكَّرَةٌ إلَّا جُمَادَى.
وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ يُضَافُ إلَيْهِ شَهْرٌ إلَّا رَمَضَانُ وَالرَّبِيعَانِ وَمَا كَانَ مِنْهَا اسْمًا لِلشَّهْرِ أَوْ صِفَةً قَامَتْ مَقَامَ الِاسْمِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ الشَّهْرُ إلَيْهِ كَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَنَقَلَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي هَمْعِ الْهَوَامِعِ أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ إضَافَةَ شَهْرٍ إلَى سَائِرِ أَعْلَامِ الشُّهُورِ وَمَنَعَ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: لَمْ تَسْتَعْمِلْ الْعَرَبُ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُورِ مُضَافًا إلَى شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ وَرَبِيعَ الْأَوَّلَ وَرَبِيعَ الْآخِرَ وَلَا يُقَالُ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ وَلَا شَهْرُ جُمَادَى، انْتَهَى.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ: إنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ اسْمُ الشَّهْرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْعِلَّةُ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِذَلِكَ أَنَّ رَمَضَانَ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا رَبِيعُ فَلَزِمَهُ الشَّهْرُ؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِفَصْلِ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّيهِ رَبِيعًا أَوَّلَ وَالْخَرِيفَ رَبِيعًا ثَانِيًا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْمَشْهُورُ فِي التَّلَفُّظِ بِاسْمِ الشَّهْرِ مَعَ الشَّهْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ لَا تَقُولُ جَاءَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ أَوْ الْآخِرُ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ، وَرَمَضَانُ أَنْتَ فِيهِ مُخَيَّرٌ إنْ شِئْت أَثْبَتَّهُ وَإِنْ شِئْت تَرَكْتَهُ
وَسَائِرُ الشُّهُورِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَلْفِظَ مَنْعَهَا بِاسْمِ الشَّهْرِ وَإِنَّمَا تَقُولُ جَاءَ الْمُحَرَّمُ وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا، هَذَا نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَلَعَلَّ هَذَا فِي الْأَكْثَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ) ش: هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ رَمَضَانُ وَهُوَ الرُّؤْيَةُ وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُسْتَفِيضَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَغَيْرُ مُسْتَفِيضَةٍ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ بِنَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ رَآهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ كَمَا سَيَأْتِي وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، الرُّؤْيَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَالشَّهَادَةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةٌ فَبِكَمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ
انْتَهَى.
ثُمَّ يُفَصِّلُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى مُسْتَفِيضَةٍ وَغَيْرِ مُسْتَفِيضَةٍ بَلْ يَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُصَامُ رَمَضَانُ وَلَا يُفْطَرُ فِيهِ وَلَا يُقَامُ الْمَوْسِمُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ، انْتَهَى.
فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَلَا بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَا يُصَامُ وَلَا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ صَالِحِي الْأَرِقَّاءِ وَلَا مَنْ فِيهِ عَلَقَةُ رِقٍّ وَلَا بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ فَلَا يَثْبُتُ شَوَّالٌ وَذُو الْحِجَّةِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الشُّهُورِ إلَّا بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: رَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ يَذْهَبُونَ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ فِي الْحَجِّ مَذْهَبًا لَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهُ إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ فِي الشَّهَادَةِ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ إلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَقِيلَ عَنْهُمْ خَمْسِينَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجُوزَ فِيهِ شَاهِدَا عَدْلٍ كَمَا يَجُوزُ فِي الدِّمَاءِ وَالْقُرُوحِ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ شَاهِدَيْنِ إلَّا الزِّنَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ هَلْ يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ؟ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ الْجَوَازُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِشَاهِدَيْنِ، انْتَهَى.
وَيَعْنِي قَوْلَ سَحْنُونٍ فِي مَسْأَلَةِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّحْوِ بِالْمِصْرِ الْكَبِيرِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَذَكَرَ بَعْدَهُ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ لَكِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ فِي هِلَالِ الْمَوْسِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ رَأَوْا شَأْنَ الْحَجِّ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَأَعْظَمِ الْحُقُوقِ يُعْتَبَرُ فِيهِ خَمْسُونَ رَجُلًا وَهُوَ الْقَسَامَةُ فِي الدَّمِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَذَا خُصُوصِيَّةَ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ وَيَسْتَقِرَّ وُجُودُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: إذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرْضٌ كَالصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ عِلْمُ التَّارِيخِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ رُؤْيَةُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ فَيُقْبَلُ مِنْهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ إذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرْضُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِذَا تَعَلَّقَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ حُلُولُ دَيْنٍ أَوْ إكْمَالُ مُعْتَدَّةٍ عِدَّتَهَا فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ أَيْضًا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى رَبُّنَا وَرَبُّك اللَّهُ» . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْت بِاَلَّذِي خَلَقَك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا» ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَذْكَارِ مَرَّتَيْنِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَقَالَ: وَفِي أَبِي دَاوُد «كَانَ يَقُولُ: هِلَالُ رُشْدٍ وَخَيْرٍ مَرَّتَيْنِ» ، انْتَهَى.
وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ مِنْ أَبِي دَاوُد مُكَرَّرًا ثَلَاثًا قَالَ الدَّمِيرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ سُورَةَ الْمُلْكِ لِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ وَلِأَنَّهَا الْمُنْجِيَةُ الْوَافِيَةُ قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي تَقِيَّ الدِّينَ السُّبْكِيَّ: وَكَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً بِعَدَدِ أَيَّامِ الشَّهْرِ وَلِأَنَّ السَّكِينَةَ تَنْزِلُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا وَكَانَ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا عِنْدَ النَّوْمِ.
(فَائِدَةٌ) أُخْرَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَرْفِ السِّينِ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي مِنْ رَمَضَانَ وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لِي وَسَلِّمْهُ مِنِّي» . قَوْلُهُ: سَلِّمْنِي مِنْ رَمَضَانَ أَيْ لَا يُصِيبُنِي فِيهِ مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ صِيَامِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: وَسَلِّمْهُ لِي هُوَ أَنْ لَا يَغُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَيَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ، وَقَوْلُهُ: سَلِّمْهُ مِنِّي أَيْ يَعْصِمُهُ مِنْ الْمَعَاصِي فِيهِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ هُوَ أَنْ لَا يَغُمَّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فِي أَوَّلِهِ مَعَ قَوْلِهِ إذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَرَاءَى النَّاسُ فِيهِ الْهِلَالَ قَبْلَ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ
ص (وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ)
ش: أَشَارَ بِلَوْ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُمَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَالصَّحْوِ قَالَ: وَأَيُّ رِيبَةٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا.
(قُلْت) وَلَمْ أَرَ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ كَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَهُ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُكْتَفَى بِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، انْتَهَى.
ص (فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كَذِبَا) ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: لَيْسَ بِمُفَرَّعِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّحْوِ وَالْمِصْرِ كَمَا قِيلَ: بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى هِلَالِ شَعْبَانَ فَيُعَدُّ لِذَلِكَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ قَالَ: هَذَانِ شَاهِدَا سُوءٍ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِمَا بِكَوْنِهِمَا شَاهِدَا سُوءٍ إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَعَ وُجُودِ الْغَيْمِ أَوْ صِغَرِ الْمِصْرِ وَقِلَّةِ النَّاسِ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُمَا عَلَى السَّدَادِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَلَا مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَلَعَلَّهَا فِي سَمَاعِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَيُشِيرُ ابْنُ غَازِيٍّ بِقَوْلِهِ كَمَا قِيلَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَشُرَّاحِهِ وَابْنِ نَاجِي وَالشَّارِحِ فَإِنَّهُمْ فَرَّعُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ نِسْبَتُهَا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَتْ فِيهَا وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ فِيهَا عَائِدٌ لِلْمَسْأَلَةِ (حِكَايَةً) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْقَيْرَوَانِ وَجَلَسَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ لَيْلَتَيْنِ وَلَمْ يَرَ وَانْحَرَفَ عَلَى قَاضِي الْقَيْرَوَانِ فِي تَسَرُّعِهِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ كَانَ تَثَبَّتَ مَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي شُهُودِهَا مَا قَالَ وَلَمْ يَقَعْ فِي عَصْرِنَا قَطُّ وَلَا بَلَغَنَا أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ النَّاسُ يَوْمًا إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَعَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ وَكَذَلِكَ يَفْسُدُ الْحَجُّ إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ فَرْحُونٍ
((قُلْتُ)) وَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ أَنَّ جَمَاعَةً شَهِدُوا بِمَكَّةَ بِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ حِرْصًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَقْفَةُ بِالْجُمُعَةِ ثُمَّ عَدَّ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَتِهِمْ وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ لَكِنْ لَطَفَ اللَّهُ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ وَقَفُوا بِعَرَفَةَ يَوْمَيْنِ فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دُفِعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الْعَامَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا وَبَاتُوا بِهَا وَوَقَفُوا بِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَيَقَعُ بِمَكَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَعْنِي إذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ خُبَاطٌ كَثِيرٌ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مُسْتَفِيضَةٌ) ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْ الرُّؤْيَةِ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا سَبَبُهُ أَيْ الصَّوْمِ فَاثْنَانِ الْأَوَّلُ: رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَتَحْصُلُ بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ وَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ: فَيَلْزَمُ بِرُؤْيَةٍ ظَاهِرَةٍ وَنَحْوِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَثُبُوتُ الْهِلَالِ بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ لَا مِنْ بَابِ الثُّبُوتِ بِالشَّهَادَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: أَمَّا بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ، الْخَبَرُ الْمُنْتَشِرُ هُوَ الْمُسْتَفِيضُ الْمُحَصِّلُ لِلْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ
الْقَرِيبِ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ ثُمَّ قَالَ الْأَبِيُّ: فَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الِاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهَا خَبَرُ جَمَاعَةٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ.
وَهَذَا الَّذِي فَسَّرَهَا بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ التَّوَاتُرُ، وَفَسَّرَ الْأُصُولِيُّونَ الِاسْتِفَاضَةَ بِأَنَّهَا مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهِيَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَعَمُّ مِمَّا فَسَّرَهَا بِهِ، انْتَهَى.
(قُلْت) لَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَقَدْ يَأْتِي مِنْ رُؤْيَتِهِ مَا يُشْتَهَرُ حَتَّى لَا يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الشَّهَادَةِ وَالتَّعْدِيلِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَرْيَةً كَبِيرَةً فَيَرَاهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى بَاطِلٍ فَيَلْزَمُ النَّاسَ الصَّوْمُ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ اسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّهُ: وَالْمُسْتَفِيضُ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بَلْ صَرِيحُهُ وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالِاسْتِفَاضَةِ هُنَا خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ يَحْصُلُ بِهِمْ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَعَمَّ إنْ نَقَلَ بِهِمَا عَنْهُمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ رَمَضَانَ يَعُمُّ كُلُّ مَنْ نُقِلَ إلَيْهِ إذَا نُقِلَ بِهِمَا أَيْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ نُقِلَ بِاسْتِفَاضَةٍ وَقَوْلُهُ عَنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّهَادَةُ الْمَنْقُولُ عَنْهَا تَثْبُتُ عِنْدَ حَاكِمٍ عَامٍّ كَالْخَلِيفَةِ أَوْ خَاصٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عِنْدَ حَاكِمٍ خَاصٍّ فَلَا تَعُمُّ إلَّا مَنْ فِي وِلَايَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ الْحَاكِمِ الْمَخْصُوصِ وَأَمَّا مَا يُنْقَلُ عَنْ الشُّهُودِ أَوْ الْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ فَلَا تَخْتَصُّ بِهِ جِهَةٌ دُونَ جِهَةٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ لُحُوقِ حُكْمِ رُؤْيَةِ مَا بَعْدَ كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَانَ، انْتَهَى.
ص (لَا بِمُنْفَرِدٍ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخْرَجًا مِنْ قَوْلِهِ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ لَغْوٌ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: مَنَعَ مَالِكٌ أَنْ يُصَامَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَلَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَلَا الْإِبَاحَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: لَوْ كَانَ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا صُمْت بِقَوْلِهِ وَلَا أَفْطَرْت ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إجَازَةُ الصَّوْمِ لِرُؤْيَةِ الْوَاحِدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخْرَجًا مِمَّا يَلِيهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْهِلَالُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لَهُمَا مَعًا فَلَا يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ وَلَا بِنَقْلِهِ أَمَّا رُؤْيَةُ الْعَدْلِ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا نَقْلُ الْعَدْلِ فَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِهِ فَأَجَازَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ وَأَبَاهُ أَبُو عِمْرَانَ وَرَجَّحَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ ابْنِ مُيَسَّرٍ بَلْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي نَقْلِ بَيِّنَةٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَوْلَا الشَّيْخِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ مُيَسَّرٍ وَأَبِي عِمْرَانَ قَائِلًا: إنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ فِيمَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ وَلَيْسَ كَنَقْلِ الرَّجُلِ لِأَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ الْقَائِمُ عَلَيْهِمْ وَصَوَّبَ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّقَلِّيُّ قَوْلَ الشَّيْخِ وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِهِ لِأَهْلِهِ وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ وَالْبَاجِيُّ غَيْرَهُ، انْتَهَى.
فَإِذَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ لِنَقْلِ الْعَدْلِ أَوْ رَاجِعٌ لِلرُّؤْيَةِ وَالنَّقْلِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا رَجَّحَهُ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخُ لَكِنَّهُ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: قِيلَ: وَالْمَشْهُورُ خِلَافٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ مُيَسَّرٍ فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَشَى عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ النَّقْلَ عَنْ الشَّهَادَةِ: وَالِاسْتِفَاضَةُ بِأَحَدِهِمَا لَا بِمُنْفَرِدٍ عَنْهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ)
عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ النَّقْلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي رَجَّحَهُ الشُّيُوخُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَبْعَثُوهُ لِيَكْشِفَ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُخْبِرَهُمْ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ إنْ بَعَثَ رَجُلًا إلَى أَهْلِ بَلَدٍ لِيُخْبِرَهُ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ صَامُوا بِرُؤْيَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ أَوْ بِثُبُوتِ الْهِلَالِ عِنْدَ قَاضِيهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الصِّيَامُ فِي نَفْسِهِ خَاصَّةً وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الَّذِي يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ إذَا بَعَثَ مَنْ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِمَا يُخْبِرُهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مَنْ يُرْسِلُهُ الشَّخْصُ لِيَكْشِفَ لَهُ عَنْ الْهِلَالِ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِإِخْبَارِهِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوَاحِدِ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي النَّقْلِ عَمَّا يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ عَنْ الْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ لَا عَنْ الشَّاهِدَيْنِ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ النَّقْلَ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ نَقْلٌ عَنْ شَهَادَةٍ وَلَا يَكْفِي فِي نَقْلِ الشَّهَادَةِ وَاحِدٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: صِيَامُ رَمَضَانَ يَجِبُ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ إمَّا أَنْ يُرَى الْهِلَالُ أَوْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ عِنْدَهُ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ الْعَدْلُ بِذَلِكَ أَوْ عَنْ النَّاسِ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ رُؤْيَةً عَامَّةً وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ إنَّهُمْ صَامُوا بِرُؤْيَةٍ عَامَّةٍ أَوْ بِثُبُوتِ رُؤْيَةٍ عِنْدَ قَاضِيهِمْ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَهُ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا قَدْ رَأَيَاهُ وَإِمَّا أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ إمَامٌ يَتَفَقَّدُ أَمْرَ الْهِلَالِ بِالِاهْتِبَالِ بِهِ، انْتَهَى.
فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ خَبَرِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مُوَافِقًا لِلْمُخْبِرِ وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَ شَافِعِيٌّ مَالِكِيًّا فَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ بِمَا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِعَدْلٍ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا لَوْ رَآهُ الْقَاضِي أَوْ الْخَلِيفَةُ وَحْدَهُ لَمْ يَلْزَمْ النَّاسَ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُنْفَرِدِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ.
.
(الرَّابِعُ) إذَا قَالَ شَخْصٌ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّيْلَةَ أَوَّلُ رَمَضَانَ.
لَمْ يَصِحَّ بِذَلِكَ الصَّوْمُ لِصَاحِبِ الْمَنَامِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَذَلِكَ لِاخْتِلَالِ ضَبْطِ النَّائِمِ لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَنَقَلَهُ الدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُ (الْخَامِسُ) إنْ قِيلَ: وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلًا (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ نَقْصُهُمَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ» . وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ اثْنَانِ ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ وَسَبْعَةٌ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ» وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: إنَّهُمَا لَا يَنْقُصَانِ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُلْتَزَمُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا كَأَهْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ) ش: إنْ جَعَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مُخْرَجًا مِنْ مَسْأَلَةِ النَّقْلِ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنْ نَقَلَ الْمُنْفَرِدُ عَنْ ثُبُوتِ الْهِلَالِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ عَنْ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ لَهُ يَثْبُتُ بِهِ الْهِلَالُ إلَّا إذَا نَقَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلَى
أَهْلِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ كَالْأَجِيرِ وَالْخَادِمِ أَوْ إلَى أَهْلِ بَلَدٍ لَيْسَ لَهُمْ قَاضٍ أَوْ جَمَاعَةٌ لَا يَعْتَنُونَ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَضَبَطَ رُؤْيَتَهُ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مِنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ وَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّقْلِ إلَى الْأَهْلِ فَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ فِيهَا قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي وَنَصُّهُ: وَيُقْبَلُ النَّقْلُ بِالْخَبَرِ إلَى الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُهُ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ مُقَابِلَهُ لَا يَكْفِي.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي قَبُولِهِ خِلَافًا وَيَبْقَى عَلَى الْمُصَنِّفِ الْكَلَامُ عَلَى ثُبُوتِ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُكْتَفَى حِينَئِذٍ بِنَقْلِ الْعَدْلِ فَيُكْتَفَى أَيْضًا بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ إمَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ بِشَرْطِهَا كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنْ أَخْبَرَكَ الرَّجُلُ الْفَاضِلُ بِأَنَّهُ رَآهُ قَالَ: لَوْ كَانَ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا صُمْت وَلَا أَفْطَرْت، انْتَهَى.
قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَفِي هَذَا الْأَخْذِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ سَحْنُونًا إنَّمَا قَالَهُ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُنْفَرِدٍ مُخْرَجًا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ أَوْ رَاجِعًا لِلرُّؤْيَةِ وَالنَّقْلِ جَمِيعًا فَيُشْكِلُ قَوْلُهُ إلَّا كَأَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَأَى الشَّخْصُ الْهِلَالَ وَحْدَهُ فِي بَلَدٍ بِهَا قَاضٍ يَعْتَنِي بِالْهِلَالِ أَوْ جَمَاعَةٌ يَعْتَنُونَ بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَهْلَهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ أَهْلَهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلَالِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ إمَامٌ أَلْبَتَّةَ أَوْ لَهُمْ إمَامٌ وَهُوَ يُضَيِّعُ أَمْوَالَهُمْ وَلَا يَعْتَنِي، انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ: إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ فِي بَلَدٍ بِهَا قَاضٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَالَتِهَا وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْقَاضِي جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ كَنَظَرِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُعْتَنٍ بِالشَّرِيعَةِ مِنْ قَاضٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ الِاكْتِفَاءَ بِالْخَبَرِ بِشَرْطِهِ مِنْ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَنُونَ بِالشَّرِيعَةِ كَفَى الْخَبَرُ يَعْنِي عَلَى شَرْطِهِ مِنْ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَعَلَى هَذَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَتَكُونُ هَذِهِ ضَرُورَةً تُبِيحُ الِانْتِقَالَ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى الْخَبَرِ كَمَا يَنْقُلُهُ الرَّجُلُ إلَى أَهْلِ دَارِهِ بَلْ هُوَ أَوْلَى وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ إمَامٌ أَوْ كَانَ وَضَيَّعَ فَمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَصُومُ بِذَلِكَ وَيُفْطِرُ وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ.
نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) سَأَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ قُرًى بِالْبَادِيَةِ مُتَقَارِبَةٍ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَنِيرُوا فَرَآهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقُرَى فَنِيرُوا فَأَصْبَحَ أَصْحَابُهُمْ صَوْمًا ثُمَّ ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ بِالتَّحْقِيقِ، فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ رُئِيَ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ ((قُلْتُ)) أَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي فِيهِ النَّارُ يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ جَعْلِ النَّارِ فِيهِ إلَّا إذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْوَاحِدِ وَهَذَا كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يُوقَدُ الْقَنَادِيلُ فِي رُءُوسِ الْمَنَائِرِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْهِلَالِ فَمَنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ جَاءَ بِلَيْلٍ وَرَأَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتِهِ) ش الْمُرَادُ بِالْمَرْجُوِّ مَنْ يُرْتَجَى قَبُولُ شَهَادَتِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ يُزَكِّيهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ: يَجِبُ رَفْعُ الْمَرْجُوِّ وَلَوْ عَلِمَ جُرْحَةَ نَفْسِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ يُرْفَعُ لِلْإِمَامِ وَلَوْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي
الْمَجْمُوعَةِ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِي هَذَا خِلَافًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَى عَدُوِّهِ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُخْبِرُ بِالْعَدَاوَةِ؟ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ أَوْ لَا يُخْبِرُ بِهَا؟ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهِيَ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَلَوْ عَلِمَ الشَّاهِدُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَوْ أَظْهَرَهُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ هَلْ يَرْفَعُ؟ قَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ: يَجْرِي عَلَى مَنْ شَهِدَ بِحَقٍّ وَهُوَ عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَلْ يُخْبِرُ بِالْعَدَاوَةِ فَتَبْطُلُ أَوْ لَا؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ الْحَقَّ، فِيهِ خِلَافٌ وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَتَكَرَّرَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمُخْتَارُ وَغَيْرُهُمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ رَفْعِ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ الْعَدْلِ وَهُوَ الْفَاسِقُ الْمَعْلُومُ فِسْقُهُ وَالْمَرْجُوُّ وَهُوَ الْمَجْهُولُ الْحَالِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الرَّفْعِ وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْجَلَّابِ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَلَا مَرْجُوًّا فَفِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِهِ وَتَرْكِهِ نَقْلًا اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ وَالْقَاضِي وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ بَدَلَ اسْتِحْبَابِهِ وُجُوبَهُ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وَاَلَّذِي فِي كَلَامِهِ فِي التَّبْصِرَةِ إنَّمَا هُوَ اخْتِيَارُ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا فِي الْوَسَطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا بِتَأْوِيلٍ فَتَأْوِيلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ مَرْجُوًّا أَوْ نَحْوَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِرُؤْيَتِهِ مُنْفَرِدًا فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ تَأْوِيلَانِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ صَامَ هَذَا الرَّائِي وَحْدَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ، وَالسَّمَاءَ مُصْحِيَةٌ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا مُحَالٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلِطَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ عَلَى اعْتِقَادِهِ الْأَوَّلِ وَيَكْتُمَ أَمْرَهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَكْذِبَانِ، فَكَيْفَ بِالْمُنْفَرِدِ؟! وَالْعَجَبُ مِنِ اقْتِصَارِ صَاحِبِ الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْمٌ يَعْمَلُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (لَا بِمُنَجِّمٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِلَالَ لَا يُثْبِتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ: إِنَّهُ يَرَى، بَلْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ بِقَوْلِهِ، بَلْ وَلَا يَجُوزَ لَهُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي عَنِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَارِفُ بِهِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيِّ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى الْحِسَابِ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ، انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَجِّمِ بِالْحِسَابِ الَّذِي يَحْسُبُ قَوْسَ الْهِلَالِ وَنُورَهُ، وَرَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ الَّذِي يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَالْحَاسِبَ الَّذِي يَحْسُبُ سَيْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَإِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ الْحَاسِبِ فَمِنْ بَابِ أَحْرَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ: وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ، يُشِيرُ بِهِ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ابْنِ بَزِيزَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ، رَوَاهَا بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِقَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ: رُكُونُ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ لَهُ بَاطِلٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ لِمَالِكِيٍّ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُنْتُ أُنْكِرُ عَلَى الْبَاجِيِّ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ
الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ أَئِمَّتِهِمْ بِلَغْوِهِ، حَتَّى رَأَيْتُهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَقَالَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ عَلَى ابْنِ سُرَيْجٍ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّ ابْنَ الشِّخِّيرِ يَقُولُ: يُعْتَمَدُ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ فِي خَاصَّتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْمِائَةِ بَيْنِ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ: يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَقَاعِدَةِ رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدِنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحِسَابِ، قَالَ سَنَدٌ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ الْهِلَالَ بِهِ لَمْ يُتَّبَعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، مَعَ أَنَّ حِسَابَ الْأَهِلَّةِ وَالْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ قَطْعِيٌّ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَانْتِقَالَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ طُولَ الدَّهْرِ، وَكَذَلِكَ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَالْعَوَائِدُ إِذَا اسْتَمَرَّتْ أَفَادَتِ الْقَطْعَ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا شَيْخًا نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ كَذَلِكَ، بَلْ طِفْلًا لِلْعَادَةِ.
وَإِلَّا فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ وِلَادَتَهُ كَذَلِكَ.
فَالْقَطْعُ الْحَاصِلُ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعَادَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِالْحِسَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
وَالْفَرْقُ هَاهُنَا وَهُوَ عُمْدَةُ الْخَلْفِ وَالسَّلَفِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَصَبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظَّهْرِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا بِأَيِّ طَرِيقٍ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ الْقَطْعَ، وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَلَمْ يَنْصِبْ خُرُوجَهَا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ، بَلْ نَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ هُوَ السَّبَبُ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلِ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَحْصُلِ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يَثْبُتِ الْحَكَمُ، وَيَدُلْ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلَمْ يَقِلْ: لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، قَالَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] أَيْ مَيْلِهَا، انْتَهَى أَكْثَرُهُ بِلَفْظِهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْقَوْلِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ حَسَنٌ، وَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَقَالَ أَهْلُ الْحِسَابِ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ قَطْعًا - فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ أَهَّلِ الْحِسَابِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْحِسَابَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ.
وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرَحِ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ابْنَ هَارُونَ اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُطَرِّفًا الْمَذْكُورَ لَيْسَ هُوَ مُطَرِّفًا الْمَالِكِيَّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، انْتَهَى.
الْخَامِسُ: يُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ نَاقِصِ الشُّهُورِ وَكَامِلِهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالنُّجُومِ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ سَمْتُ الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءُ اللَّيْلِ جَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ -: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي أَمْرِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ مِنْ كَمَالِهَا دُونَ رُؤْيَةِ أَهِلَّتِهَا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِي، إِذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَوِّلَ فِي صَوْمِهِ وَفِطْرِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَهِلَّةِ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ إِذَا أُغْمِيَ الْهِلَالُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشَّخِّيرِ: إِنَّهُ يَعْمَلُ فِي خَاصَّتِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْكُسُوفَاتُ لِأَنَّهُ لَا يَعْنِي.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَوَامَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَيَزْجُرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَحْرِمُ الِاشْتِغَالُ؛ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ
طَرِيقِ الْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إِثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَاقْدُرُوا لَهُ» فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: «فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ» مُفَسِّرٌ لَهُ، وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى التَّقْدِيرِ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ: بِأَنْ يَنْظُرَ إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ لَيْلَةَ الشَّكِّ إِلَى سُقُوطِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ سَقَطَ لِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ - وَهِيَ سِتَّةُ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ - عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَإِنْ غَابَ لِمَنْزِلَتَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَضَوُا الْيَوْمَ، وَهَذَا قَوْلٌ خَطَأٌ؛ إِذْ لَا يَسْقَطُ الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ - كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا - لِسِتَّةِ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ، هَذَا يُعْلَمُ يَقِينًا بِمُشَاهَدَةِ بَعْضِ الْأَهِلَّةِ أَرْفَعَ وَأَبْطَأَ مَغِيبًا مِنْ بَعْضٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَمُقْتَضَاهُ فِي أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ الْفَوَاتِ لِيَصُومَ أَوْ لِيُفْطِرَ، لَا فِي الِانْتِهَاءِ بَعْدَ الْفَوَاتِ لِيَقْضِيَ أَوْ لَا يَقْضِي، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي مَعْنَى التَّقْدِيرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «إِذَا غُمَّ الْهِلَالُ» : أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا قَبْلَ هَذَا الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ عِنْدَ آخِرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ تَوَالَى مِنْهَا شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ نَاقِصٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا، وَإِنْ كَانَتْ تَوَالَتْ نَاقِصَةً عَمِلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ كَامِلٌ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُفْطِرِينَ؛ إِذْ لَا تَتَمَادَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ نَاقِصَةٌ وَلَا كَامِلَةٌ عَلَى مَا عُلِمَ بِمَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ، وَلَا ثَلَاثَةَ أَيْضًا نَاقِصَةً وَلَا كَامِلَةً إِلَّا فِي النَّادِرِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَوَالَ قَبْلَ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي غُمَّ الْهِلَالُ فِي آخِرِهِ شَهْرَانِ فَأَكْثَرَ كَامِلَةً وَلَا نَاقِصَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّهْرُ نَاقِصًا أَوْ كَامِلًا احْتِمَالًا وَاحِدًا يُوجِبُ أَنْ يُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ - عَلَى هَذَا - الْحَدِيثَانِ جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا فِي الصَّوْمِ.
وَأَمَّا فِي الْفِطْرِ إِذَا غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَلَا يُفْطِرُ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ رَمَضَانَ نَاقِصٌ، انْتَهَى.
وَتَفْسِيرُ مَالِكٍ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَالصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّمَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] أَيْ تَمَامًا، انْتَهَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلُ الْعَارِفُ، فَإِنْ أَكَلَ فِي أَذَانٍ سَأَلَهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا قَضَى.
الْبَاجِيُّ: مَنْ يَحْضُرُ يُؤْذِّنُ مُؤَذِّنُهُ عِنْدَ الْفَجْرِ فِي وُجُوبِ كَفِّهِ بِأَذَانِهِمْ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْفَجْرَ مَا طَلَعَ، وَبَعْدَ أَذَانِهِمْ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ- رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَنَصَفَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَجُوزُ لَهُ تَصْدِيقُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ، فَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْفَجْرِ فَلْيَكُفَّ وَلْيَسْأَلِ الْمُؤَذِّنَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَيَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَدْلًا وَلَا عَارِفًا فَلْيَقْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَلْيُقْضِ وَيُبَاحُ لَهُ فِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالتَّمَادِي، وَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ أَتَمَّهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِالْفَجْرِ- يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ عَلْمٌ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ إِذَا أُمِنَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَلَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوَّالٍ وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ إِلَّا بِمُبِيحٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، سَوَاءٌ خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَوْ أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سِفْرٍ أَوْ حَيْضٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِذَا كَانَ الْعُذْرُ مِمَّا يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ، وَنَصُّهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ -: وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ يَخْفَى مَعَهُ الْفِطْرُ، فَإِنْ كَانَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ مَرَضٌ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الصَّوْمُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَلْيَرَ هُوَ مِنْ
نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفْطِرُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِذَا خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إِذَا أَمِنَ مِنَ الظُّهُورِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَذَى مَعَ تَحْصِيلِ غَرَضِ الشَّرْعِ بِالْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ جَائِزٌ.
قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَقَالَ: لَمْ يَجُزْ إِفْطَارُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ بِقَوْلِهِ: لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا وَالزَّوْجَانِ يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَهَا خِفْيَةً، فَالْأَكْلُ مِثْلُهُ مِنْ بَابِ أُولَى؛ لِأَنَّ التَّخَفِي فِي الْأَكْلِ أَكْثَرُ مِنِ الْجِمَاعِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ يَنْقُلْهُ إِلَّا عَنِ اللَّخْمِيِّ، وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ.
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْإِفْطَارِ بِغَيْرِ النِّيَّةِ.
وَأَمَّا الْإِفْطَارُ بِالنِّيَّةِ فَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ، عَنِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُهُ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ اسْتِحْبَابُهُ وَضَعَّفَهُ، وَنَصُّهُ: وَالْمُنْفَرِدُ بِشَوَّالٍ فِي اسْتِحْبَابِ فِطْرِهِ حَضَرًا بِنِيَّةٍ، وَوُجُوبُهُ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ مُضَعِّفًا قَوْلَهُ، وَالْمَذْهَبُ وَيَمْنَعُ بِالْأَكْلِ وَلَوْ أَمِنَ.
اللَّخْمِيُّ: لَا يَمْنَعُ إِنْ أَمِنَ بِحَضَرٍ وَلَا بِسِفْرٍ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إِذَا رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ دُونَ النَّاسِ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنَ النَّاسِ، وَالْفِطْرُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ جَائِزٌ، بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ؛ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ، لَكِنَّهُ حَظَرَهُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الدَّوَاوِينِ، وَأَبَيْنُهُ سَمَاعُ أَصْبُغَ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَنْوِيَ الْفِطْرَ وَلَا يُظْهِرَهُ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: وَلْيَنْوِ الْفِطْرَ.
وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ، يَعْنِي لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِمْسَاكِ بِالنِّيَّةِ، بَلْ قَالُوا: إِذَا حَصَلَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ أَفْطَرَ بِلَا خِلَافٍ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِمْسَاكِ إِنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ عِنْدَ الْغُرُوبِ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْغَلَطِ.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْبَاجِيُّ: يُفْطِرُ الْمُسَافِرُ وَحْدَهُ؛ لِاحْتِمَالِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ، وَلَوْ عَلِمَ عَدَمَ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ وَجَبَ صَوْمُهُ.
ابْنُ زُرْقُونَ: هَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْقَصْرَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّهُ تَبِعَ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ: لَا يُفْطِرُ مُسَافِرٌ فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِمَغَارَةٍ وَحْدَهُ أَفْطَرَ.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ زُرْقُونَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلْعِيدِ، وَأَمَّا إِذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا عَلَى أَنَّ فِطْرَهُ لِلسَّفَرِ فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يُخْفِيهِ كَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ أَفْطَرَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِهِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْفِطَرِ عَلَيْهِ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ خَشْيَةُ نِسْبَتِهِ إِلَى الْفِسْقِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ بَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمِ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ جِهَةِ فِطْرِهِ لِلسَّفَرِ، بَلْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنِ انْفَرَدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ وَذَكَرَ كَلَامَهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الْعُذْرُ وَجَبَ الْإِفْطَارُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الْخَامِسُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَأْكُلُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعَاقَبُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ وَأَوْدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا لَمْ يُعَاقَبْ،
وَتُقِدِّمَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ، فَإِنْ فَعَلَ عُوقِبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، نَقْلَهُ اللَّخْمِيُّ، انْتَهَى.
وَفِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالرِّضَا، فَلَا يُعَاقَبُ وَيُغْلَظُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْعِظَةِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أَوَّلَهُ لِآخَرَ آخِرَهُ، وَلُزُومِهِ بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ بِشَاهِدٍ- تَرَدُّدٌ) ش: ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا:
الْأُولَى: إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الشَّهْرُ بِشَهَادَتِهِ لِانْفِرَادِهِ، وَشَهِدَ آخَرُ فِي آخِرِهِ بِرُؤْيَةِ الشَّهْرِ الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَهَلْ تُضَمُّ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ أَوْ لَا تُضَمُّ؟ وَذَلِكَ لَهُ صُورَتَانِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ إِمَّا أَنْ يَشْهَدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَشَهَادَتُهُ مُصَدِّقَةٌ لِشَهَادَةِ الْأَوَّلِ إِذْ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بَعْدَ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَقَدِ اتَّفَقَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ وَلَا يُفْطِرُونَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ لَا تُوجِبُ كَوْنَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شَوَّالٍ؛ لِجَوَازِ كَوْنِ الشَّهْرِ كَامِلًا، وَإِنَّ شَهِدَ الثَّانِي بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ رُؤْيَةِ الْأَوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي فَيَجِبُ الْفِطْرُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُلَفِّقُ الشَّهَادَةَ فِي الْأَفْعَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُلَفَّقُ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِعَكْسِهِ إِنَّ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ، وَإِلَّا بَطَلَتَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي ضَمٍّ مُنْفَرِدٍ لِآخَرَ فِيمَا يَلِيهِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ رَآهُ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ لِرُؤْيَةِ الْأَوَّلِ لِأَحَدٍ وَثَلَاثِينَ.
وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، إِنْ كَانَتْ رُؤْيَةُ الثَّانِي فِي غَيْمٍ وَإِلَّا بَطَلَتَا، وَعَزَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِهِ - وَهُوَ الضَّمُّ مُطْلَقًا - لِتَخْرِيجِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُلَفَّقَتَيْنِ فِيمَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ عَدَمُ الضَّمِّ مُطْلَقًا - لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ لِلَّخْمِيِّ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ ابْنِ زُرْقُونَ أَنَّهُ قَالَ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ: لَا تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ بِحَالٍ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُمَا يَتَخَرَّجَانِ عَلَى الْقَوْلِ فِي الشَّاهِدَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْحَكَمُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تَجُوزُ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ لِتَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ زُرْقُونَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا حَكَمَ الْمُخَالِفُ فِي الصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ كَالشَّافِعِيِّ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ جَمِيعَ النَّاسِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَافَقَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفَصِيُّ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَتْوَى وَلَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ؟
وَقَالَ سَنَدٌ: لَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِالصَّوْمِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَمْ يَسَعِ الْعَامَّةَ مُخَالَفَتُهُ؛ لَأَنَّ حُكْمَهُ صَادَفَ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُخَالَفَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ يَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ إِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إِثْبَاتُ الشَّهَادَةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ، وَإِذَا قَالَ الْحَاكِمُ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَجْزْتُ شَهَادَتَهُ وَحَكَمْتُ بِالصَّوْمِ- تُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ فَتْوَى لَا حُكْمٍ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي هَذَا الْفَرْعِ شَيْئًا بَلْ تَرَدَّدَ فِيهِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَكَلَامُ سَنَدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَانْظُرْ إِذَا قُلْنَا: يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ كَمَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، فَصَامَ وَأَكْمَلُوا
ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ أَنْ يُفْطِرَ مَعَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَرَ أَحَدٌ الْهِلَالَ؟ أَوْ يُخَالِفُهُمْ فِي الْفِطْرِ وَيُصْبِحُ صَائِمًا؟
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُقَالُ - لِمَنْ قَالَ: يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ -: أَرَأَيْتَ إِنْ أُغْمِيَ آخِرَ الشَّهْرِ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أَيُفْطِرُونَ أَمْ يَصُومُونَ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ؟ فَإِنْ أَفْطَرُوا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَصُمْنَا بِحُكْمِ الْمُخَالِفِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أَحَدَ وَثَلَاثِينَ لَمْ يَرَ النَّاسُ الْهِلَالَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، فَلَمْ يَلْتَفِتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ذَلِكَ وَكَبَّرُوا وَصَارَ الْعَامَّةُ يَسْأَلُونَ عَنِ الْفِطْرِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَأَقُولُ لَهُمْ: قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ الْفِطْرُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ الْإِفْطَارُ.
فَيَقُولُونَ: نَحْنُ لَا نَعْمَلُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَرُؤِيَ الْهِلَالُ حِينَ حَصَلَ ابْتِدَاءُ الظَّلَامِ.
ص: (وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِهِ لِلَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، فَيَسْتَمِرُّ النَّاسُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرٍ إِنَّ وَقَعَ ذَلِكَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ، أَوْ صَوْمٍ إِنَّ وَقَعَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، وَسَوَاءٌ رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِنْ رُؤِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ، فَيُمْسِكُونَ إِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَيُفْطِرُونَ إِنْ وَقَعَ فِي رَمَضَانَ، وَيُصَلُّونَ الْعِيدَ.
رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ.
قَالَ: وَإِذَا رُؤِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلْآتِيَةِ، سَوَاءٌ صُلِّيْتِ الظُّهْرُ أَمْ لَمْ تُصَلَّ.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِذَا رُؤِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا ثُمَّ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِغَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ ثَلَاثِينَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَلَا يُلْتَفَتُ حِينَئِذٍ إِلَى رُؤْيَتِهِ لَيْلًا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْهِلَالَ يَثْبُتُ بِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا، وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي شَرَحِ الْجَلَّابِ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهُمْ إِنَّمَا هُوَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِهِ لِلْقَابِلَةِ أَوْ لِلْمَاضِيَةِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي يَوْمِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ الشَّهْرُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي عَنْ رُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا.
فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّهُ لَا يُرَى فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَنَصُّهُ: وَهُوَ يُرَى بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ ثَلَاثِينَ وَيَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَا يُرَى قَبْلَ الزَّوَالِ فِي يَوْمِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ، وَلَا يَكُونُ هِلَالًا قَبْلَ تَمَامِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِذَا رُؤِيَ بِالْعَشِيِّ يَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَإِنَّمَا أَهَلَّ سَاعَتَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا كَفَرَ إِنِ انْتَهَكَ) ش: يَعْنِي إِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْهِلَالُ لَيْلًا وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَهَارًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُبَيَّتَةِ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ، وَيَجِبُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ الْجَزْمِ فَإِنْ أَكَلَ وَشَرِبَ أَوْ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ.
وَإِنَ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مُنْتَهِكٍ، بَلْ تَأَوَّلَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ جَازِ لَهُ الْفِطْرُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ.
فَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ فَيُضَمُّ إِلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ بَعْدَ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَةُ يَوْمِ الشَّكِّ) ش: غَيَّمَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَصَبِيحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ يَوْمُ الشَّكِّ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا أَطْبَقَ الْغَيْمُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمِ شَكٍّ،
وَإِنَّمَا يَوْمُ الشَّكِّ إِذَا لَمْ يُطْبِقِ الْغَيْمُ وَتَحَدَّثَ النَّاسَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَمَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِلَى هَذَا.
ص: (وَصِيمَ عَادَةً) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ لِمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ، أَوْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ كَالْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ فَوَافَقَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص: (وَتَطَوُّعًا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهُ وَحْدَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ، وَلِمَنْ شَاءَ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا أَنْ يَفْعَلَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْلَمَةَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ الْجَوَازَ، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ، وَقَالَ الشَّارِحُ: إِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْكَافِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ إِثْرَ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْرُدَ الصَّوْمَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
ص: (وَقَضَاءً) ش: أَيْ كَمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَقَضَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ عَنِ الْقَضَاءِ وَلَا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمِ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَقَضَاءُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِجْزَائِهِ قَضَاءً - وَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ - خِلَافٌ يَأْتِي، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَسْأَلَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ كَحُكْمِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ نَوَاهُ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَجْزَأَهُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَيَقْضِي مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نُذُرٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَوْ هَدْيٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْقِينِ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَهِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ:
ص: (وَلِنُذُرٍ صَادَفَ) ش: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ أَيْضًا لِنَذْرٍ صَادَفَهُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا فَوَافَقَ بَعْضَهَا، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَقَدِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُ وَيَجْزِيهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُحْزِئُ عَنِ النَّذْرِ وَلَا عَنِ الْفَرْضِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ يَوْمٍ لِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلنَّذْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا، وَقَدْ فَاتَ.
قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ.
وَاحْتَرَزْ بِقَوْلِهِ: صَادَفَ- مِمَّا لَوْ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَوْمُ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا حَرَامٌ، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إِذَا صَامَهُ لِلِاحْتِيَاطِ اخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ لِنَذْرِهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَأَمَّا عَدَمُ لُزُومِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وَنَذْرُ الْمَكْرُوهَ غَيْرُ لَازِمٍ، لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِعْلُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ حَرَامًا عَلَى أَنَّهُ يُشْكِلُ بِرَابِعِ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ صِيَامُهُ تَطَوُّعًا وَيَلْزَمُ نَاذِرَهُ بِالتَّعْيِينِ، وَكَأَنَّهُمْ رَاعَوْا فِيهِ الْخِلَافَ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا أَيْضًا إِذَا قَصَدَ النُّذُرُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ، فَلَوْ قَصَدَ نَذَرَهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ نَذَرَ يَوْمَ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، (قُلْتُ) : كَوْنُهُ مَعْصِيَةً يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ كَرَاهَةِ صَوْمِهِ، انْتَهَى.
يَعْنِي تَطَوُّعًا، وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِيٍّ، لَكِنْ يُقَالُ: مُرَادُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إِذَا قَصَدَ نَذَرَهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ لِيَحْتَاطَ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى نِيَّةِ النَّاذِرِ، فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَوْمَ الشَّكِّ احْتِيَاطًا فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَكُلَاهُمَا لَا يَلْزَمُهُ نَذْرُهُ وَإِنْ نَذْرَهُ لَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ - أَعْنِي نَذَرَهَ لَا لِلِاحْتِيَاطِ - فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَيَصِحُّ صَوْمُهُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَالْحُكْمُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ التَّلْقِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (لَا احْتِيَاطًا) ش: رَاجِعٌ إِلَى أَصْلِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ لَا لِمَسْأَلَةِ النَّذْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ كَمَا بَيَّنَاهُ، لَكِنَّهُ
لَيْسَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الْحَاجِبِ، حَيْثُ قَالَ: وَالْمَنْصُوصُ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ احْتِيَاطًا لِلْعَمَلِ، هَلِ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَسَبَهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَمَنَعَهُ مَالِكٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْبَغِي صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ.
وَحَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْعِ.
وَفِي الْجَلَّابِ: يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ فَرْحُونَ، وَزَادَ: وَأَجَازَتْ صَوْمَهُ احْتِيَاطًا عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ، وَأَجَازَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْغَيْمِ دُونَ الصَّحْوِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِفِطْرِهِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِطْرٌ قَبْلَ الصَّوْمِ كَمَا وَجَبَ بَعْدَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِهِ: «عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ، انْتَهَى.
وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ مِنَ الْوَاضِحَةِ: وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا عَلِمَ، انْتَهَى.
وَنَقْلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ الشَّيْخِ بِلَفْظِ: آخِرَ النَّهَارِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَحَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْمَنْعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ فِي الْحِيَاطَةِ مِنْ رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا.
وَقَالَ بَعْدَهُ: فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ- يُرِيدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: يُصَامُ احْتِيَاطًا.
وَلَا أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ وَمِنَ الْحَائِضِ إِذَا جَاوَزَتْ عَادَتَهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَهُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: اتَّفَقُوا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا؛ إِذْ لَا وَجْهَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الصَّحْوِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ إِذَا كَانَ الْغَيْمُ، انْتَهَى.
ص: (وَنُدِبَ إِمْسَاكُهُ لِيَتَحَقَّقَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ الْأَمْرُ، بِأَنْ يَأْتِيَ الْمُسَافِرُونَ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَتُسْمَعَ الْأَخْبَارُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَإِنِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مُوجِبُ الصِّيَامِ، أَفْطَرَ النَّاسُ.
وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ مَا ظَاهَرُهُ الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ ذَاكَ فِي صُورَةِ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الرِّوَايَةُ ظَاهِرُهَا الْكَفُّ جَمِيعَ النَّهَارِ- لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
قُلْتُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُسْتَحَبُّ إِمْسَاكُ جَمِيعِ النَّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ..
ص: (لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ شَاهِدَانِ، وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِذَلِكَ، وَهَذَا الْفَرْعُ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَاحْتَاجَ الْقَاضِي إِلَى الْكَشْفِ عَنْهُمَا وَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنْ زَكَّوْا بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَامُوا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : تَأْمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ، فَإِنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْهُ عِنْدِي أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَدْلَانِ فِي اللَّيْلِ وَاحْتَاجَ الْحَالُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ يَتَأَخَّرُ إِلَى النَّهَارِ، فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُبَيِّتُوا الصِّيَامَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ نَهَارًا، فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَنْفِيَّ وُجُوبُ الصِّيَامِ لَا اسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَقُيِّدَ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ذَلِكَ، وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى طُولٍ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا فَطَلَبَ الْقَاضِي تَزْكِيَتَهُمَا وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا، فَاسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ مُتَعَيِّنٌ، بَلْ هُوَ أَوْكَدُ مِنَ الْإِمْسَاكِ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ
يَأْتِيَ مَنْ يَشْهَدُ بِالْهِلَالِ، فَمِنْ بَابِ أَحْرَى إِذَا شَهِدَ بِهِ وَتَوَقَّفَ الْحَالُ عَلَى تَزْكِيَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا قَرِيبًا قَدْرَ مَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَيَأْتِيَ النَّاسُ، وَعَلَى هَذَا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي تَزْكِيَتِهِمَا طُولٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ، فَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِطْلَاقُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمَا إِذَا كَانَ أَمْرُ الشَّاهِدَيْنِ فِي التَّزْكِيَةِ يَتَأَخَّرُ لِيُوَافِقَ الْمَنْقُولَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا لِذَلِكَ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، كَالْحَائِضِ تَطْهُرُ، وَالْمُسَافِرِ إِذَا قَدِمَ مُفْطِرًا، وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ، وَالصَّبِيِّ إِذَا احْتَلَمَ وَكَانَ مُفْطِرًا فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُمْسِكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُمْسِكُهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) :
الْأَوَّلُ: إِذَا أَصْبَحَ الصَّبِيُّ صَائِمًا ثُمَّ احْتَلَمَ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ نَافِلَةً، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ النَّوَادِرِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ.
ص: (كَمُضْطَرٍّ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ اقْتَضَتْ فِطْرَهُ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْفِطْرَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَلَوْ بِالْجِمَاعِ؟ أَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُزِيلُ ضَرُورَتَهُ فَقَطْ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ مُبَاحٍ، قِيَاسًا عَلَى الْمُسْتَعْطِشِ إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوَفِّي بِصِيَامِهِ إِلَّا أَنْ يَشْرَبَ فِي نَهَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ وَيَأْكُلَ وَيُصِيبَ أَهْلَهُ.
وَلَوْ كَانَ بِرَجُلٍ مَرَضٌ يَحْتَاجُ مِنَ الدَّوَاءِ فِي نَهَارِهِ إِلَى الشَّيْءِ الْيَسِيرِ يَشْرَبُهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصِّيَامِ وَلَا بِالْكَفِّ عَمَّا سِوَى مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ إِنْ قُلْنَا لَهُ: أَنْ يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - جَازَ لَهُ التَّمَادِي - يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: إِنَّهُ إِنَّمَا يَأْكُلُ قَدْرَ سَدِّ رَمَقِهِ- يُرِيدُ هُنَا ضَرُورَتَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَرْزَلِيُّ: وَالْمَشْهُورُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ، وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ، انْتَهَى.
ذَكَرَ ذَلِكَ إِثْرَ سُؤَالٍ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ يُصِيبُهُ الْعَطَشُ الشَّدِيدُ فَيَشْرَبُ، هَلْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ وَيُجَامِعُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ إِلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ وَيَرَى جَوَازَهُ.
قَالَ الْبَرْزَلِيُّ: قُلْتُ: مَا اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ خَاصَّةً، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ، وَكَذَا هُنَا يَشْرَبُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَأْكُلَ وَيُجَامِعَ إِنْ شَاءَ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا احْتَاجَ لِرُكُوبِ الْهَدِيَّةِ رَكِبَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إِذَا اسْتَرَاحَ، وَكَذَا إِذَا أُبِيحَ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ بِالشَّرْطَيْنِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِتَزْوِيجِهَا، وَكَذَا مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ إِلَى سِنِينَ يُدْرِكُهَا
ثُمَّ خَافَ الْعَنَتَ، فَإِنَّهُ إِذَا أُبِيحَ لَهُ مَرَّةً فَقَدْ سَقَطَتْ يَمِينُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ، فَلْيُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ الَّتِي يُجَامِعُهَا كِتَابِيَّةً، أَوْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَوْ صَغِيرَةً وَلَمْ تَكُنْ صَائِمَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (فَلِقَادِمٍ وَطْءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ سَفَرِ قَصْرٍ نَهَارًا إِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ وَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ حَيْضِهَا، فَلَهُ وَطْؤُهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَالَ عُذْرُهُ الْمُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ صَغِيرَةً وَلَمْ تَصُمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ، وَانْظُرْ إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَبَيَّتَتِ الصَّوْمَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ إِبْطَالُ صَوْمَتِهَا؟ وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ كَبِيرَةً جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَاهِرَةً قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَ قُدُومِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ نَصْرَانِيَّةً، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَائِمَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ وَجَدَهَا بِإِثْرِ الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إِذَا كَانَتْ كَمَا طَهُرَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَسْلِمَةً، وَلَا يَطَؤُهَا إِذَا كَانَتْ طَاهِرًا قَبْلَ قُدُومِهِ.
قَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: زَوْجَتُهُ- الْمُسْلِمَةُ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا بِالْحُكْمِ؛ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِطْلَاقَ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّقْيِيدُ بِالطُّهْرِ حِينَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ وَطْئِهَا، وَإِنْ أَرَادَ التَّخْصِيصَ فِي قَوْلِهِ: طَهُرَتْ- دُونَ مَا قَبْلَهُ فَبَعِيدٌ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ، انْتَهَى.
ص: (وَكَفُّ لِسَانٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَالْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَلَامِ الْفَاحِشِ فَوَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَيَتَأَكَّدُ وُجُوبُهُ فِي الصَّوْمِ وَلَكِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّوْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: لَا يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ؛ إِذْ يَصِحُّ الصَّوْمُ بِدُونِهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَامِلٍ، أَوْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَبِالْكَفِّ يَحْصُلُ كَمَالُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: صِحَّةُ الصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ الْكَفِّ لَا تَصِيرُهُ مُسْتَحَبًّا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى وُجُوبِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَغَيْرُهُ فِي شَرَحِ الرِّسَالَةِ: يَنْبَغِي هُنَا لِلْوُجُوبِ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَغْلُظُ بِحَسْبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَنَصُّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ يَنْبَغِي عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ كَفَّ اللِّسَانِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ، وَالْغِيبَةُ، وَالنَّمِيمَةُ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ» . ذَكَرُهُ فِي الْإِحْيَاءِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الْأَزْدِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ.
وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: قَالَ سُفْيَانُ: الْغِيبَةُ تُفْسِدُ الصَّوْمَ.
وعن مجاهد خصلتان يفسدان الصوم الغيبة والكذب انْتَهَى.
قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ سُفْيَانَ وَمُجَاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مُجَاهِدٍ: خَصْلَتَانِ مَنْ حَفِظَهُمَا سَلِمَ لَهُ صَوْمُهُ: الْغِيبَةُ، وَالْكَذِبُ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أَنَّ مُلَابَسَةَ الْمَعَاصِي تَمْنَعُ ثَوَابَ الصَّوْمِ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ.
نَعَمْ إِنْ كَثُرَ تَوَجَّهَتِ الْمُقَالَةُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : يَشْهَدُ لِمَا حَكَاهُ السُّبْكِيُّ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ،
وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيِّ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ: وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، قَالَ: «إِذَا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنَّ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَالرَّفَثُ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَالْفُحْشُ مِنَ الْقَوْلِ، وَخِطَابُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، قَالَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْفُحْشُ وَرَدِيءُ الْكَلَامِ، انْتَهَى.
وَالصَّخَبُ: الصِّيَاحُ، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فليقل إني صائم» فَقِيلَ: إِنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَيُسْمِعُ ذَلِكَ لِلَّذِي شَاتَمَهُ لَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ.
وَقِيلَ: يَقُولُهُ بِقَلْبِهِ لِيَنْكَفَّ بِهِ عَنِ الْمُشَاتَمَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: «فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَعْنِي أَنَّ الصِّيَامَ يَحْجِزُنِي عَنِ الرَّدِّ عَلَيْكَ، انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى شَاتَمَهُ أَظْهَرَ شَتْمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّطَوُّعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُصَرِّحُ بِهِ وَلْيَقُلْ لِنَفْسِهِ: إِنِّي صَائِمٌ فَكَيْفَ أَقُولُ الرَّفَثُ؟ انْتَهَى.
وَانْظُرْ حَاشِيَةَ الْمُوَطَّأِ لِلْجَلَالِ السَّيُوطِيِّ، وَقَالَ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكَرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي قُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَصَمْتُهُ كُلَّهُ» فَلَا أَدْرِي أَكْرَهَ التَّزْكِيَةِ، أَوْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إِنِّي صَائِمٌ مُعْتَذِرًا، وَلَا يَقُولُهُ مُتَحَدِّثًا وَلَا مُتَزَيِّنًا، انْتَهَى.
ص: (وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأْخِيرُ سُحُورٍ) ش: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: السَّحُورُ وَالْفَطُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا: اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَيُفْطَرُ عَلَيْهِ كَالسَّعُوطِ وَالْوَقُودِ، وَبِالضَّمِّ لِلْفِعْلِ، قَالَ ابْنُ الدَّفْعِ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْفَتْحَ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: السَّحُورُ فِي سِينِهِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ.
وَقَالَ الْأَبِيُّ: بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ، وَالصَّوَابُ: الْفَتْحُ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسْحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُعَجِّلَ الْفِطْرَ وَأَنْ يُؤَخِّرَ السُّحُورَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنَ الِاسْتِحْبَابِ صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ سَنَةً، فَقَالَ: وَمِنَ السُّنَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ الْحَفِيدُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَأْخِيرَ السُّحُورِ وَتَعْجِيلَ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ سَنَةٌ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ مُسْتَحَبٌّ.
وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: «مِنْ عَمَلِ النُّبُوَّةِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَالِاسْتِينَاءُ بِالسُّحُورِ» . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ سُحُورِهِ وَدُخُولِهِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ قَدْرُ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً» ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَالْمُرَادُ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ وَعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اتِّفَاقًا، وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا غَشِيَتْهُمُ الظُّلْمَةُ فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يُوقِنُوا بِالْغُرُوبِ، انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَدْخُلْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: هَلِ الْمَطْلُوبُ تَعْجِيلُ
الْفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ الْبَاجِّيُّ فِي الْمُنْتَقَى لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمَغْرِبُ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ - لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ تَعْجِيلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهَا تَصَادُفُ النَّاسِ مُتَهَيِّئِينَ لَهَا وَرِفْقًا بِالصَّائِمِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بَعْدَ أَدَاءِ صِلَاتِهِ، انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنَ الْمُوَطَّأِ، مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَا ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَلَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ الْفِطْرِ حَتَّى يَرَى النُّجُومَ، وَلَا بَأْسَ لِمَنْ رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ أَنْ يُفْطِرَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ وَيُصَلَّى إِذَا رَأَى سَوَادَ اللَّيْلِ قَدْ طَلَعَ مِنْ مَوْضِعٍ يَطْلُعُ مِنْهُ الْفَجْرُ، تَنْبَعِثُ مِنْهُ الظُّلْمَةُ، انْتَهَى.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمَرَاتٍ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» فَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ كَلَامَ الْبَاجِّيِّ وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمُوَطَّأِ، إِلَّا أَنَّ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الْفِطْرِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ، وَكَلَامُ الْبَاجِّيِّ وَمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِشَاءُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ» وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنَّهُ يُفْطِرُ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَيُصَلِّي وَحِينَئِذٍ يَأْكُلُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةِ مَاءٍ» ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْخَامِسِ لعبد الرحمن بن حرملة هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ عَلَى رُطَبَاتٍ أَوْ تَمَرَاتٍ أَوْ حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّبِيبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الصَّوْمِ: ابْتِدَاءُ الْفِطْرِ عَلَى التَّمْرِ أَوِ الْمَاءِ، وَقَالَ فِي الْقُرْطُبِيَّةِ:
مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ وَقْتُ الْفِطْرِ ... تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهَا: مِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ رِفْقًا بِالضُّعَفَاءِ وَاسْتِحْبَابًا لِلنَّفْسِ وَمُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ، وَكَوْنُهُ بِالتَّمْرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْحَلَاوَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ لِلْبَصَرِ مَا زَاغَ مِنْهُ بِالصَّوْمِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ وَهْبٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَاءُ لِأَنَّهُ طَهُورٌ، انْتَهَى.
فَتَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى التَّمْرِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ: تَعْجِيلُهُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّمْرِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْوَزْنِ، وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَنَقَلَهُ عِزُّ الدِّينِ، وَنَقَلَهُ عَنِ الشَّيْخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرَيِّ، الْقَصْدُ أَنْ لَا يُدْخِلَ جَوْفَهُ شَيْئًا قَبْلَهُ، قَالَ: وَمَنْ بِمَكَّةَ اسْتَحَبَّ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ لِبَرَكَتِهِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمْرِ فَحَسَنٌ، قَالَ: والحكمة في التمر أَنَّ الصَّوْمَ يُفَرِّقُ الْبَصَرَ وَالتَّمْرَ يَجْمَعُهُ، وَلِهَذَا قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى حَلَاوَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُفْطِرَ عَلَى مَاءٍ يَأْخُذُهُ بِكَفِّهِ مِنَ النَّهْرِ؛ لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ قَدْ كَثُرَتْ فِي أَيْدِي النَّاسِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَا قَالَهُ الرُّوْيَانِيُّ وَالْقَاضِي شَاذٌّ، وَالصَّوَابُ: التَّمْرُ ثُمَّ الْمَاءُ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا، انْتَهَى.
كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ: وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِنْ كَانَ عِنْدَهُ حَلَالٌ وَمُتَشَابَهٌ أَفْطَرَ بِالْحَلَالِ وَلَا يُفْطِرُ بِالْمُتَشَابَهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سَبْعَمِائَةِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، إِلَّا مَنِ اغْتَابَ مُسَلِّمًا، أَوْ آذَاهُ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى حَرَامٍ» ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَيَقُولُ عِنْدَ الْفِطْرِ: اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ
فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، قِيلَ: بَيْنَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ وَوَضْعِهَا فِي فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ زَرُّوقٌ، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَالظَّمَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ وَهُوَ الْعَطَشُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: 120] قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا - لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَتَوَهَّمَهُ مَمْدُودًا، قَالَ: وَرُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدٍ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصَمْتُ وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ» . قَالَ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقْبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . وَأَمَّا حَدِيثُ: «لِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِّينَا فِي كِتَابَيِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لِدَعْوَةً مَا تُرَدُّ» ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذَا أَفْطَرَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي» ، انْتَهَى.
زَادَ فِي التَّرْغِيبِ فِي رِوَايَةٍ: «أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي» . وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَرُوِّينَا فِي كِتَابَيِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتَهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ حَتَّى بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ.
(قُلْتُ) : ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَذَكَرَ فِيهِ رِوَايَةَ حِينَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» الْفَرْحَةُ عِنْدَ إِفْطَارِهِ بِلَذَّةِ الْغِذَاءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِخُلُوصِ الصَّوْمِ مِنَ الرَّفَثِ وَاللَّغْوِ عِنْدَ الْفُقَرَاءِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ بِمَا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ، وَلَيْسَ هَذَا لِمَنْ أَدَّى الْفَرْضَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَكْثَرَ مِنَ التَّطَوُّعِ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ الْبَاجِّيُّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ هُوَ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَاعْتِقَادٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، أَوِ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ عِنْدَ الْغُرُوبِ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الْيَهُودُ، وَأَمَّا مَنْ أَخَّرَهُ لِأَمْرٍ آخَرَ اخْتِيَارًا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ كَمُلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ أَشْهَبُ: وَوَاسِعُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِهِ لِلْحَاجَةِ تَنُوبُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ تَنَطُّعًا يَتَّقِي أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي أَنْ لَا يُؤَخَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْفِطْرِ اسْتِنَانًا وَتَدَيُّنًا، فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا، كَذَلِكَ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ، انْتَهَى.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: اخْتُلِفَ فِي التَّأْخِيرِ إِذَا أَرَادَ الْوِصَالَ، فَقِيلَ: جَائِزٌ، وَقِيل: لَا، وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ جَوَازُهُ إِلَى التَّسْحِيرِ، وَكَرَاهِيَّتُهُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْوِصَالَ وَلَوْ إِلَى السَّحَرِ، اللَّخْمِيُّ: هُوَ إِلَيْهِ مُبَاحٌ، لِلْحَدِيثِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السُّحُورِ» ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَالْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ فِي أَحَادِيثِ الْوِصَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ إِجَازَتُهُ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فَقِيلَ: غَيْرُ جَائِزٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَقِيلَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يَقُولُ: إِنِ الْإِمْسَاكَ حَرَامٌ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ
بِأَنَّ الْوِصَالَ مَكْرُوهٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعُ: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَالطَّعَامُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى تَقْدِيمِ الطَّعَامِ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ خَفِيفًا.
(قُلْتُ) : الْأَقْرَبُ رَدُّهُمَا إِلَى وِفَاقٍ، وَهُوَ الْبُدَاءَةُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَشَوَّقُ لِلطَّعَامِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ خِلَافًا فِي حَالٍ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ كَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا قَرُبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ» . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَوَقَعَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تُفَسِّرُ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا» ، وَأَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ مُسْلِمًا إِخْرَاجَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْ مُسْلِمًا، وَمَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ عَنْ شَيْخِهِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ نَحْوَهُ، فَقَالَ - لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ -: مَعْنَاهُ أَنَّ بِهِ مِنَ الشَّهْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحَقْنِ الَّذِي أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالْحَقْنِ: وَمَنْ بَلَغَ بِهِ الْجُوعُ ثُمَّ حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّغُ بِذَلِكَ لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ بَالُهُ مَشْغُولًا، بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَا صَلَّى يُعِيدُ ذَلِكَ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقْلِقُهُ وَيُعَجِّلُهُ فَحسْنُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا تُتَوَّقُ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْغَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَقَالَ الْجَزُولِيُّ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَالصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشْغَلَهُ قَدَّمَ الطَّعَامَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ أَفْطَرَ مِنْهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَصَلَّى؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، انْتَهَى.
الثَّامِنُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَعْجِيلِ السُّحُورِ، وَلَمْ يُذْكُرْ حُكْمَ السُّحُورِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ فِي سُنَنِ الصَّوْمِ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: السُّحُورُ الْأَكْلُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ السُّحُورَ وَاجِبٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» .
التَّاسِعُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَوْلُهُ «فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» أَصْلُ الْبَرَكَةِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبَرَكَةُ الْقُوَّةَ عَلَى الصِّيَامِ، وَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الْآثَارِ، وَقَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْإِفْطَارِ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي صَوْمِهَا، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ فِي زِيَادَةِ الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْفَضْلِ وَهَذَا مِنْهَا لِأَنَّهُ فِي السَّحَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلٍ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ وَالْعَمَلِ فِيهِ وَتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ مَا جَاءَ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّحَرِ مِنْ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَغَيْرِهِ مِنْ زِيَادَاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَوْلَا الْقِيَامُ لِلسُّحُورِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ نَائِمًا عَنْهَا وَتَارِكًا لَهَا.
وَتَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِلصَّوْمِ لِيَخْرُجَ مِنِ الْخِلَافِ، وَالسُّحُورُ نَفْسُهُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَامْتِثَالُ النَّدْبِ طَاعَةٌ وَزِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ، انْتَهَى.
الْعَاشِرُ: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَقَوْلُهُ «فَصْلٌ مَا بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أُكْلَةُ السَّحَرِ» صَوَابُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَالرِّوَايَةُ فِيهِ بِضَمِّهَا، وَبِالضَّمِّ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى: اللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِالْفَتْحِ: الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْأَشْبَهُ هُنَا، وَالْفَصْلُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ: قَالَ التَّاذِلِيُّ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَالْأَشْبَهُ مَا فِي الرِّوَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ بِاللُّقْمَةِ الْوَاحِدَةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا الطَّعَامُ الْكَثِيرُ
وَالشَّبَعُ الْمَذْمُومُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي رِوَايَةِ بِلَادِهِمْ، انْتَهَى.
الْحَادِي عَشَرَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّحُورَ الْأَكْلُ وَقْتَ السَّحَرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ: وَوَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ إِلَى الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ، وَمِنْ عَجَّلَهُ فَوَاسِعٌ يُرْجَى لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُرْجَى لِمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِهِ، انْتَهَى.
وَيَحْصُلُ السُّحُورُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ وَكَثِيرِهِ وَلَوْ بِالْمَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءِ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقَعَتْ نَازِلَةٌ بِبَغْدَادَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ لَا يُفْطِرَ عَلَى حَارٍّ وَلَا بَارِدٍ، فَأَفْتَى ابْنُ الصَّبَّاغِ إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِحِنْثِهِ، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَفْتَى الشِّيرَازِيُّ بِعَدَمِ حِنْثِهِ قَائِلًا: إِنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهُوَ حُصُولُ اللَّيْلِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هاَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» وَفَتْوَى ابْنُ الصَّبَّاغِ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ الْمَقَاصِدَ، وَفَتْوَى الشِّيرَازِيُّ صَرِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
ص: (وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنْ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ مِنِ الْإِفْطَارِ، يُرِيدُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] وَلِأَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ أَجْرًا لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَيَكْرَهُ الْإِفْطَارَ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّوْمِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ بَلَدَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي آخِرِ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ، وَلَا يُنْدَبُ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَشْهَبُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ نَافِعٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ صَاحِبِ الطِّرَازِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ، كَمَا يُنْدَبُ إِلَيْهِ الْأَوَّلُ، فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يُنْدَبُ لَهُ الصَّوْمُ حَتَّى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَتَأَمَّلْهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْإِفْطَارُ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْفِطْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «وَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، وَلِحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» ، وَلِمَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ صَامَ أَوْ أَفْطَرَ، وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ الْإِفْطَارُ إِلَّا فِي سَفَرِ الْجِهَادِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالْقَصْرِ أَنَّ الْقَصْرَ تَبْرَأُ مَعَهُ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ صَوْمَهُ مَعَ النَّاسِ أَسْهَلُ مِنَ الِانْفِرَادِ فِي صَوْمِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ فَمَحْمُولَانِ عَلَى مَنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُظَلَّلُ عَلَيْهِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ.
(فَائِدَةٌ) : رُوِيَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِإِبْدَالِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي قَوْلِ الْبِرِّ وَالصِّيَامِ وَالسَّفَرِ مِيمًا وَهِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ.
ص: (وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَوْمُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا إِنْ حَجَّ فَيُكْرَهُ لَهُ صَوْمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» ؛ وَلِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ فِيهِ
مُفْطِرًا، قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَةِ: وَيُكْرَهُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَصُومَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ مُتَطَوِّعًا، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّ بِالْحَاجِّ حَاجَةً شَدِيدَةً إِلَى تَقْوِيَةِ جِسْمِهِ لِصُعُوبَةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَرُبَّمَا ضَعُفَ بِالصَّوْمِ فَقَصَّرَ عَنْ بَعْضِهِ، فَلِذَلِكَ كَرِهَ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُتَيْطِيَةِ بِمِنًى يَعْنِي فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، يُسَمَّى عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ يَوْمَ مِنًى، وَصَوْمُهُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: وَرَدَ أَنَّهُ كَصِيَامِ سَنَةٍ، وَنَحْوَهُ فِي الْمُقْدِمَاتِ قَالَ: وَصِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَمِنًى وَعَرَفَةَ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَصِيَامِ سَنَتَيْنِ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ مِنًى كَصَوْمِ سَنَةٍ، وَأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ سَائِرِ أَيَّامِ الْعَشْرِ كَصِيَامِ شَهْرٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: رَوَىَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ، عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَصَوْمِ سَنَةٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا غَيْرُ التَّرْوِيَةِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَالْمَطْلُوعُ فِيهِ الْإِفْطَارُ كَمَا سَيَأْتِي.
ص: (وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا كَصِيَامٍ شَهْرٍ، هَكَذَا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: رُوِيَ أَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ سَنَةً، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 3] أَنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمُرَادُ بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ التِّسْعَةُ الْأَيَّامِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذْ لَا يُصَامُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَعَطْفُهُ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، عَكْسُ مَا فَعَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الصِّيَامِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ: قَالَ الْقَبَّابُ: هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ آخِرُهَا وَهُوَ آخَرُ مَا يُصَامُ مِنْهَا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: صَوْمُ يَوْمِ الْعَشْرِ: التِّسْعُ خَاصَّةً، وَهُوَ مُعْظَمُ الْعَشْرِ، وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْكُلِّ، وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ، انْتَهَى.
وَهَذَا لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا الْحَاجُّ فَيَصُومُ سَبْعَةً فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الصَّوْمُ بِعَرَفَةَ وَمِنًى لِلْحَاجِّ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِمِنًى يَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: عَنْ هِبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا يُوهِمُ كَرَاهَةَ صَوْمِ الْعَشْرِ وَلَيْسَ فِيهَا كَرَاهَةٌ، بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ اسْتِحْبَابًا شَدِيدًا لَا سِيَّمَا التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ ثَبُتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ» يَعْنِي الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ثَبُتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَتَظْهَرُ فَضِيلَةُ ذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ الصِّيَامَ أَوْ عَمَلًا مِنَ الْأَعْمَالِ بِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلَوْ أَفْرَدَ يَوْمًا مِنْهَا تَعَيَّنَ يَوْمُ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ إِمْكَانُ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ النَّقَّاشِ، فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ، عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَوِ الْعَشْرُ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ فِي يَوْمٍ غَيْرَ يَوْمِ بَدْرٍ أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِيهِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلِكَوْنِهِ يُكَفَّرُ بِصِيَامِهِ سَنَتَيْنِ، وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْظَمِ الْأَيَّامِ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَلَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْجَوَابَ وَجَدَهُ شَافِيًا كَافِيًا، أَشَارَ إِلَيْهِ الْفَاضِلُ الْمُفَضَّلُ بِقَوْلِهِ: مَا مِنْ أَيَّامٍ، دُونَ أَنْ يَقُولَ مَا مِنْ عَشْرٍ، وَنَحْوَهُ، وَمَنْ أَجَابَ بِغَيْرِ هَذَا لَمْ يَدُلَّ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَلَا يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ لَيَالِيَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَا فَضِيلَةَ فِيهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْسَامَ بِهَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِمَزِيدِ فَضْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَعَاشُورَاءُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ عَاشُورَاءَ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُقَالُ: فِيهِ تِيبَ عَلَى آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَفُلِقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ، وَوَلَدُ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَخَرَجَ يُونُسُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ جَوْفِ الْحُوتِ، وَخَرَجَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنَ الْجُبِّ، وَتَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ، وَفِيهِ تُكْسَى الْكَعْبَةُ كُلَّ عَامٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّاسِعُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ، وَعَادَتُهُمْ يُسَمُّونَ الثَّالِثَ رُبْعًا وَالرَّابِعَ خَمْسًا.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: الْعَاشِرُ، وَقِيلَ: التَّاسِعُ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّى صَامَهُمَا، انْتَهَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَاصْبَحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، فَقِيلَ لَهُ: أَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
لَكِنْ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتَ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ» قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قِيلَ فِي عَاشُورَاءَ: إِنَّهُ التَّاسِعُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ: هُوَ الْعَاشِرُ، وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَقَوْلُهُ: «لَئِنْ بَقِيتَ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ، وَهَذَا لَمْ يَصُمْهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: التَّاسِعُ، وَقِيل: الْعَاشِرُ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ غَرِيبٌ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ التَّاسِعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ الْحَادِي عَشَرَ احْتِيَاطًا لَعَلَّهُ نَقَصَ الشَّهْرُ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: قِيلَ: سُمِّيَ عَاشُورَاءُ؛ لِأَنَّ عَشْرَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِعَشْرِ كَرَامَاتٍ.
الثَّانِي: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِلصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ كَانَ هُوَ الْفَرْضَ قَبْلَ رَمَضَانَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: انْظُرْ تَفْضِيلَهُ عَاشُورَاءَ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَرَفَةَ تُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبِلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهُ، وَأَنَّ عَاشُورَاءَ تَكْفُرُ الَّتِي قَبِلَهُ، وَالتَّكْفِيرُ مَنُوطٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : فَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سُنَّتَيْنِ وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً؛ لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمٌ مُحَمَّدِيٌّ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مُوسَوِيٌّ.
الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: الْمَوْسِمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَةِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، بِحَيْثُ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ.
لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ، وَأَنْ لَا يَصِيرَ ذَلِكَ سُنَّةً يُسْتَنُّ بِهَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، فَإِنْ وَصْلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ
يُقْتَدَى بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَضَى فِيهِ طَعَامٌ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَتْرُكُونَ النَّفَقَةَ فِيهِ قَصْدًا لِيُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُونَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنَّ عَاشُورَاءَ يَخْتَصُّ بِذَبْحِ الدَّجَاجِ وَغَيْرِهَا وَطَبْخِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنِ السَّلَفُ يَتَعَرَّضُونَ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ وَلَا يَعْرِفُونَ تَعْظِيمَهَا إِلَّا بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخَيْرِ لَا فِي الْمَأْكُولِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ بِدْعَةٌ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَمِنِ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا النِّسَاءُ فِيهِ دُخُولُ الْجَامِعِ الْعَتِيقِ بِمِصْرَ، وَاسْتِعْمَالُهُنَّ الْحِنَّاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ لَمْ تَفْعَلْهَا فَكَأَنَّهَا مَا قَامَتْ بِحَقِّ عَاشُورَاءَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَحْرُهُنَّ الْكَتَّانَ فِيهِ وَتَسْرِيحُهُ وَغَزْلُهُ وَتَبْيِيضُهُ وَيَشُلَّنَّهُ لِيَخِطْنَ بِهِ الْكَفَنَ وَيَزْعُمْنَ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لَا يَأْتِيَانِ مَنْ كَفَنُهُ مَخِيطٌ بِذَلِكَ الْغَزَلِ، وَهَذَا فِيهِ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالتَّحَكُّمِ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ مِنِ الْبِدَعِ الْبَخُورُ فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِهِ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَتَبَخَّرُ بِهِ فَكَأَنَّهُ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَكَوْنُهُ سُنَّةً عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، وَادِّخَارُهُنَّ لَهُ طُولَ السَّنَةِ يَتَبَخَّرْنَ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَاشُورَاءُ الثَّانِي، وَيَزْعُمْنَ أَنَّهُ إِذَا تَبَخَّرَ بِهِ الْمَسْجُونُ خَرَجَ مَنْ سِجْنِهِ، وَأَنَّهُ يُبْرِئُ مِنَ الْعَيْنِ وَالنَّظْرَةِ، وَالْمُصَابِ وَالْمَوْعُوكِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَطِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِلٌ فَعَلْنَهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ سُئِلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَكْلِ الدَّجَاجِ وَالْحُبُوبِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَهُوَ مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ، فَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ فَهُوَ مِنَ الطَّاعَاتِ، قَالَ: وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ أَفْتَى بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرَ الصَّوْمِ، قَالَ: فَسَأَلَتْ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فَنَظَرْتُ بَعْضَ فَتَاوَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَمِنَ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ ذَبْحُ الدَّجَاجِ وَطَبْخُ الْحُبُوبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَجَابَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً فِي هَذَا الْيَوْمِ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا فَعَلَهَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِصِيَامِهِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ وَإِحْيَاءِ لَيْلَتِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَأَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ فِيهِ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَ الْمَوْتِ، وَمَنِ اكْتَحَلَ فِيهِ لَمْ تَرْمُدْ عَيْنُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلَا الْكُحْلَ وَالْخِضَابَ، وَتَوْسِيعَ النَّفَقَةِ، وَلَا الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ، وَلَا إِحْيَاءَ لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَلَا أَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَعْلَى مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ أَنَّهُ مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْتَشِرِ، جَرَّبْنَاهُ سِتِّينَ سَنَةً فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْمُنْتَشِرِ فِيمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَقَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ وُقُوعِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي تَقُولُ أَصْحَابُهُ: إِنَّهُ أَحَاطَ بِالسُّنَّةِ عِلْمًا، وَخِبْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَوْسِيعَ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ، وَابْنُهُ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، وَشُعْبَةُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا رَوَى أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمُ الْمَشْهُورَةِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَا ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سُنَّتِهِ» ، قَالَ: جَابِرُ: جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، وَقَالَ شُعْبَةُ مَثَّلَهُ، رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثٍ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ، وَهِيَ: «أَنَا الضَّامِنُ لَهُ كُلُّ دِرْهَمٍ يُنْفِقُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يُرِيدُ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ حُسِبَ بِسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِمَّنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ تَصَدَّقَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَسَلَامُهُ» قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّوْسِعَةِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، فَلَا يُغْتَرُّ بِذِكْرِ ابْنِ الْأَثِيرِ لَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ عَجِيبٌ، قَالَ: وَهَذَا الْكِتَابُ كَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّرٍ، فَإِنَّ فِيهِ عِدَّةَ أَوْهَامٍ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَخَاهُ ذَكَرَ فِي اخْتِصَارِهِ لِجَامِعِ الْأُصُولِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْهُمَا، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْبَتَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَالَ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي وَضْعِهِ، وَأَنْ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنَّ يُقَالَ هَذَا مُؤْمِنٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا وَقَعَ لَنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ جَابِرٍ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُولَى.
ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَوْقُوفًا: «مِنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ» ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: جَرَّبْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ جُزْءٍ لِلْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ نَحْوَ الْكُرَّاسِ.
وَذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنِ العراقي في أماليه أَنَّهُ قَالَ فِي طَرِيقِ جَابِرٍ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الِاسْتِذْكَارِ: إِنَّهَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي الْخِصَالِ الَّتِي يَذْكُرُ أَنَّهَا تُفْعَلُ فِي يَوْمِ الصَّوْمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنِ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ بِالْإِثْمَدِ لَمْ تَرْمَدْ عَيْنُهُ أَبَدًا» ، قَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ مُنْكِرٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَوْضُوعٌ، أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
قَالَ الْحَاكِمُ: وَالِاكْتِحَالُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَثَرٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ ابْتَدَعَهَا قَتَلَةُ الْحُسَيْنِ، ذَكَرَ ذَلِكَ السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ، وَفِي الْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي لَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَفِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْأَهْلِ فِيهِمَا، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: فَيُوَسِّعُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مُرَآةٍ وَلَا مُمَارَاةٍ، وَقَدْ جَرَّبَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَصَحَّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنَ الْفَرَائِضِ: وَيُسْتَحَبُّ التَّوْسِعَةُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ أَوْ لَيْلَةُ الْحَادِي عَشَرَ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا يُفْعَلُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خِصْلَةً: وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالِاغْتِسَالُ، وَالِاكْتِحَالُ، وَزِيَارَةُ عَالَمٍ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَمَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ.
وَقَدْ نَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَشْرٌ يَتَّصِلْ ... بِهَا اثْنَانِ لَهَا فَضْلٌ نُقِلْ
صُمْ صِلْ زُرْ عَالَمًا عَدْ وَاكْتَحَلْ ... رَأْسَ الْيَتِيمِ امْسَحْ تَصَدَّقْ وَاغْتَسِلْ
وَسِّعْ عَلَى الْعِيَالِ قَلِّمْ ظُفْرَا ... وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ أَلْفًا تُقْرَا
الْخَامِسُ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَقَدْ خَصَّ عَاشُورَاءَ - لِفَضْلِهِ - بِمَا لَمْ يَخُصْ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنْ يَصُومَهُ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ صِيَامَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ حِينَ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالشَّاذُّ لِابْنِ حَبِيبٍ: صِحَّةُ صَوْمِهِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَاشُورَاءَ كَغَيْرِهِ.
الْبَاجِّيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: خَصَّ بِصِحَّتِهِ مَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ أَوْ أَتَمَّهُ بَعْدَ أَكْلٍ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صَوْمِهِ قَضَاءً أَوْ تَطَوُّعًا لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقَبَّابُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ فِي الْمَشَارِقِ: عَاشُورَاءُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمَشَارِقِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَمْدُودٌ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ فَاعُولَاءُ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّهُ سَمَّى خَابُورَاءَ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَلَا عَرِفَهُ، وَحَكَى أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ فِي عَاشُورَاءَ الْقَصْرَ، انْتَهَى.
ص (وَتَاسُوعَاءُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ تَاسُوعَاءَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لِأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، هَلْ هُوَ التَّاسِعُ أَوِ الْعَاشِرُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَرَّى صَامَهُمَا.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَلَمْ يَصُمِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّاسِعَ قَطُّ بِبَيِّنَةِ قَوْلِهِ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ» الْحَدِيثُ، قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
الثَّانِي: بَقِيَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِهَا أَيَّامٌ أُخَرُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنَّفُ، مِنْهَا: ثَالِثُ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَبٍ، وَنِصْفُ شَعْبَانَ، وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ صَوْمَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ لِأَنَّ فِيهِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ لِأَنَّ فِيهِ أُنْزِلَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَعَهَا الرَّحْمَةُ، وَثَالِثِ الْمُحَرَّمِ فِيهِ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، انْتَهَى مِنْ آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ مِنَ التَّوْضِيحِ وَذَكَرَهَا فِي الشَّامِلِ وَعَزَاهَا لِابْنِ حَبِيبٍ فَقَطْ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشَّيْخِ زَرُّوقٌ: وَلِابْنِ حَبِيبٍ: اسْتِحْبَابُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي مِنْهَا ثَالِثُ الْمُحَرَّمِ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ رَجَبٍ، وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، انْتَهَى.
وَبَقِيَّةُ السَّبْعَةِ تَاسُوعَاءُ وَعَاشُورَاءُ وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا نِصْفُ شَعْبَانَ فَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِمَا ذُكِرَ: أَنَّ مَا وُرِدَ التَّرْغِيبُ فِي صَوْمِهِ شَعْبَانُ، فَقَالَ خُصُوصًا يَوْمَ نِصْفِهِ فَتَصِيرُ الْأَيَّامُ الْمُرَغَّبُ فِي صِيَامِهَا فِي السَّنَةِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ: الثَّالِثُ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهَا فِي الْجُمُعَةِ يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَقَالَ: «إِنِ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمَا وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَأَنَا صَائِمٌ» ، فَصِيَامُهُمَا مُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى.
الرَّابِعُ: عَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ مِنَ الصَّوْمِ الْمُسْتَحَبِّ صَوْمَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا: تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ صِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ، وَأَمَّا الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْهُ فَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ، فَلَعَلَّ الْمُؤَلِّفَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: صِيَامُ الْمَوْلِدِ كَرِهَهُ بَعْضُ مَنْ قَرُبَ عَصْرِهِ مِمَّنْ صَحَّ عِلْمُهُ وَوَرَعُهُ، قَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ
لَا يُصَامَ فِيهِ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَوْرِيُّ يَذْكُرُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَيَسْتَحْسِنُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : لَعَلَّهُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّادٍ، فَقَدْ قَالَ فِي رَسَائِلِهِ الْكُبْرَى مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْمَوْلِدُ فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْمُسْلِمِينَ وَمَوْسِمٌ مِنْ مَوَاسِمِهِمْ، وَكُلُّ مَا يُفْعَلُ فِيهِ مَا يَقْتَضِيهِ وُجُودُ الْفَرْحِ وَالسُّرُورِ بِذَلِكَ الْمَوْلِدِ الْمُبَارَكِ مِنْ إِيقَادِ الشَّمْعِ، وَإِمْتَاعِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ، وَالتَّزَيُّنِ بِلُبْسٍ فَاخِرِ الثِّيَابِ، وَرُكُوبٍ فَارِهِ الدَّوَابِّ، أَمْرٌ مُبَاحٌ لَا يُنْكَرُ عَلَى أَحَدٍ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَوْقَاتِ الْفَرَحِ، وَالْحُكْمُ بِكَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِدْعَةً فِي هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ سِرُّ الْوُجُودِ، وَارْتَفَعَ فِيهِ عَلَمُ الشُّهُودِ، وَانْقَشَعَ فِيهِ ظَلَامُ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ، وَادِّعَاءُ أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ مِنَ الْمَوَاسِمِ الْمَشْرُوعَةِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمُقَارَنَةُ ذَلِكَ بِالنَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ أَمْرٌ مُسْتَثْقَلٌ تَشْمَئِزُّ مِنْهُ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ، وَتَدْفَعُهُ الْآرَاءُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَا خَلَا مِنَ الزَّمَانِ خَرَجْتُ فِي يَوْمِ مَوْلِدٍ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَاتَّفَقَ أَنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ سَيِّدِي الْحَاجَّ ابْنَ عَاشِرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَخْرُجُ بَعْضُهُمْ طَعَامًا مُخْتَلِفًا لِيَأْكُلُوهُ هُنَالِكَ، فَلَمَّا قَدَّمُوهُ لِذَلِكَ، أَرَادُوا مِنِّي مُشَارَكَتَهُمْ فِي الْأَكْلِ، وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَائِمًا، فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّنِي صَائِمٌ، فَنَظَرَ إِلَيَّ سَيِّدِي الْحَاجُّ نَظْرَةً مُنْكَرَةً، وَقَالَ لِي مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، يُسْتَقْبَحُ فِي مِثْلِهِ الصِّيَامُ بِمَنْزِلَةِ يَوْمِ الْعِيدِ، فَتَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ فَوَجَدْتُهُ حَقًّا، وَكَأَنَّنِي كُنْتُ نَائِمًا فَأَيْقَظَنِي، انْتَهَى.
ص: (وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ وَشَعْبَانُ) ش: هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْأَشْهُرُ الْمُرَغَّبُ فِي صَوْمِهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَشَعْبَانُ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّحِيحَانِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقْدِّمَاتِ: وَصِيَامُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَامَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، بَلْ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» ، وَهَذَا لَفْظُ الْمُوَطَّأِ.
وَالَّذِي جَاءَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمّهَا وَأَرْسَلَهَا» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» ، وَأَمَّا شَعْبَانُ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» ، وَعَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بَعْدَ «إِلَّا قَلِيلًا: بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ» ، وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ يُونُسَ ذِكْرَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ يُعَارِضُهَا مَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورُونَ ظَاهِرٌ، لَكِنْ يُعَارِضُ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَحَدِيثُ أَمِّ سَلَمَةَ السَّابِقَانِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ إِلَّا قَوْلَهُ: «صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ» ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَحَادِيثَ فِي فَضْلِ صَوْمِهِ وَفِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَأَطَالُوا، وَقَدْ جَمَعَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ جُزْءًا سَمَّاهُ " تَبْيِينُ الْعَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ رَجَبٍ " فَرَأَيْتُ أَنْ
أَذْكُرَ مُلَخَّصَهُ هُنَا:
وَقَدِ افْتَتَحَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ، فَذَكَرَ لَهُ سِتَّةَ عَشَرَ اسْمًا: وَهُوَ رَجَبٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرْجَّبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيْ يُعَظَّمُ أَوْ لِتَرْكِ الْقِتَالِ فِيهِ، يُقَالُ: أَقْطَعُ الرَّوَاجِبِ.
وَالْأَصَمُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْمَعُ فِيهِ قَعْقَعَةُ السِّلَاحِ، والأَصَبُّ بِمُوَحَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّحْمَةَ تُصَبُّ فِيهِ، وَرَجْمٌ بِالْجِيمِ؛ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ تُرْجَمُ فِيهِ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ قَدِيمَةٌ، وَالْمُقِيمُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَابِتَةٌ، وَالْمُعَلَّى؛ لِأَنَّهُ رَفِيعٌ عِنْدَهُمْ، وَالْفَرْدُ وَهُوَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، وَمُنْصِلُ الْآلِ أَيْ الْحِرَابِ، وَمُنْزِعُ الْأَسِنَّةِ، وَشَهْرُ الْعَتِيرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِيهِ، وَالْمُبْدِي، والمُعَشْعِشُ، وَشَهْرُ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: ذَكَرَ بَعْضُ الْقُصَّاصِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ فِي رَجَبٍ، قَالَ: وَذَلِكَ كَذِبٌ، قَالَ الْحَرْبِيُّ: كَانَ الْإِسْرَاءُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ قَالَ: فَصْلٌ لَمْ يَرِدْ فِي فَضْلِهِ، وَلَا فِي صِيَامِهِ، وَلَا فِي صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ مُعَيَّنٌ، وَلَا فِي قِيَامِ لَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ: وَقَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْجَزْمِ بِذَلِكَ الْإِمَامُ الْهَرَوِيُّ الْحَافِظُ: رَوَيْنَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنِ اشْتُهِرَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَتَسَامَحُونَ فِي إِيرَادِ الْأَحَادِيثِ فِي الْفَضَائِلِ - وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعِيفٌ - مَا لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَامِلُ كَوْنَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ضَعِيفًا، وَأَنْ لَا يَشْتَهِرَ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَعْمَلَ الْمَرْءُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، فَيُشَرِّعُ مَا لَيْسَ بِشَرْعٍ، أَوْ يَرَاهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، وَلْيَحْذَرِ الْمَرْءُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» فَكَيْفَ بِمَنْ عَمِلَ بِهِ؟! وَلَا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ فِي الْفَضَائِلِ، إِذْ لِكُلٍّ شَرْعٌ.
ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقُولُ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا وَرَدَ فِيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِي رَجَبٍ مُشَابَهَةً بِرَمَضَانَ، وَأَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ فِيهِ عَنِ الْعِبَادَةِ بِمَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ فِي رَمَضَانَ، وَيَغْفُلُونَ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَصُومُهُ، وَفِي تَخْصِيصِهِ ذَلِكَ بِالصَّوْمِ إِشْعَارٌ بِفَضْلِ صِيَامِ رَجَبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ لَدَيْهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، فَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا» ، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ - وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ - مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ صِيَامِ بَعْضِ رَجَبٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَرَامٍ الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةَ سَبْعمِائَةِ سَنَةٍ» ، فَرَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ الرَّازِيِّ، وَفِي سَنَدِهِ ضُعَفَاءُ وَمَجَاهِيلُ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ رَجَبٍِ أَوْ فِي فَضْلِ صِيَامِهِ أَوْ صِيَامِ شَيْءٍ مِنْهُ صَرِيحَةٌ، فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: ضَعِيفَةٌ، وَمَوْضُوعَةٌ.
فَمِنَ الضَّعِيفِ:
مَا رَوَاهُ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ فَضْلِ الصِّيَامِ لَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لَهُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْقُوفًا، قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ» .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا إِلَّا أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَقَرَأَتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ السِّلَفِيِّ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهْرًا يُقَالُ لَهُ رَجَبٌ مَاؤُهُ الرَّحِيقُ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِصُوَّامِ رَجَبٍ» ، وَهُوَ مِنْ وَضْعِ السَّقَطِيِّ.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوعٌ، فَيُحَرَّرُ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ» .
قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُ لِهَذَا الْخَبَرِ إِسْنَادًا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، فَكَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، فَأَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ
مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَصُمْ بَعْدَ رَمَضَانَ إِلَّا رَجَبًا وَشَعْبَانَ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَوَرَدَ فِي فَضْلِ رَجَبٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ أَحَادِيثُ لَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، مِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي، وَرَمَضَانُ شَهَرُ أُمَّتِي» رَوَاهُ النَّقَّاشُ الْمُفَسِّر، وَرَوَاهُ ابْنُ نَاصِرٍ فِي أَمَالِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: رَجَبٌ لَا يُقَارِنُهُ مِنَ الْأَشْهُرِ أَحَدٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَاتٌ، يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، أَلَا وَإِنَّ رَجَبًا شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانَ شَهْرِي، وَرَمَضَانَ شَهَرُ أُمَّتِي، فَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ، وَأَسْكَنَهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمَيْنِ فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ ضِعْفَانِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ ضَعْفٍ مِثْلَ جِنَانِ الدُّنْيَا، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا، طُولُ مَسِيرَةِ ذَلِكَ سَنَةٌ، وَمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ عُوفِيَ مِنَ البَلَاءَاتِ؛ مِنَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» .
وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْض، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «خِيرَةُ اللَّهِ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرُ رَجَبٍ» .
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ السَّقَطِيُّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «فَضْلُ رَجَبٍ عَلَى الشُّهُورِ كَفَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَفَضْلُ شَعْبَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفَضْلُ رَمَضَانَ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ وَيُدْعَى الْأَصَمُّ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ يُعَطِّلُونَ أَسْلِحَتَهُمُ» الْحَدِيثُ.
قَالَ: وَهُوَ - إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا - فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، مَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ يَوْمًا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ اللهِ الْأَكْبَرَ» وَهُوَ مَتْنٌ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ اخْتَلَقَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ السَّقَطِيُّ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ رَجَبٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صِيَامَ شَهْرٍ، وَمَنْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُغْلِقَ عَنْهُ سَبْعَةُ أَبْوَابِ النَّارِ، وَمَنْ صَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ صَامَ نِصْفَ رَجَبٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ رِضْوَانَهُ، وَمَنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ رِضْوَانَهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ، وَمَنْ صَامَ رَجَبًا كُلَّهُ حَاسَبَهُ حِسَابًا يَسِيرًا» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً فِي رَجَبٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ قَصْرًا مَدّ بَصَرِهِ، أَكْرِمُوا رَجَبًا يُكْرِمْكُمُ اللَّهُ بِأَلْفِ كَرَامَةٍ» وَهُوَ مَتْنٌ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلِ اخْتَلَقَهُ السَّقَطِيُّ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «رَجَبٌ مِنْ أَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَأَيَّامُهُ مَكْتُوبَةٌ عَلَى أَبْوَابِ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا صَامَ الرَّجُلُ مِنْهُ يَوْمًا وَجَوَّدَ صِيَامِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، نَطَقَ الْبَابُ وَنَطَقَ الْيَوْمُ، فَقَالَا: يَا رَبُّ اغْفِرْ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ صَوْمَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ» رَوَاهُ النَّقَّاشُ فِي فَضَائِلِ الصِّيَامِ لَهُ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ كَانَ كَصِيَامِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ غُلِّقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِّحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، وَمَنْ صَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: قَدْ غُفِرَ لَكَ مَا سَلَفَ، فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ، وَفِي شَهْرِ رَجَبٍ حُمِلَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ فَصَامَ وَأَمَرَ مِنْ مَعَهُ أَنْ يَصُومُوا» . رَوَيْنَاهُ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَصَامَ وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ أَنْ يَصُومُوا شُكْرَ اللَّهِ بِهِمْ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَى الْجُودِيِّ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَفِي رَجَبٍ تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ، وَعَلَى أَهْلِ مَدِينَةِ يُونُسَ، وَفِيهِ فُلِقَ الْبَحْرُ لِمُوسَى، وَفِيهِ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ وَعِيسَى» .
وَمِنْهَا حَدِيثٌ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مَرَّةً وَيُسَلِّمُ فِيهِنَّ عَشْرَ تَسْلِيمَاتٍ، أَتَدْرُونَ مَا ثَوَابُهُ؟ فَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ جِبْرِيلَ عَلَّمَنِي ذَلِكَ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَفِظَهُ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَأُجِيرَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَجَازَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عِقَابٍ» وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ.
وَمِنْهَا أَيْضًا حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ رَجَبٍ وَصَلَّى فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ يُرَى لَهُ» وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا، حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ ذُنُوبَ سِتِّينَ سَنَةً، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهَا حَدِيثُ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِيْ، وَرَمَضَانُ شَهَرُ أُمَّتِي، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَعْنَى قَوْلِكَ رَجَبٌ شَهْرُ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمَغْفِرَةِ، وَفِيهِ تُحْقَنُ الدِّمَاءُ، وَفِيهِ تَابَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَفِيهِ أَنْقَذَ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ يَدِ أَعْدَائِهِ، مَنْ صَامَهُ اسْتَوْجَبَ عَلَى اللَّهِ مَغْفِرَةً بِجَمِيعِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَعُمْرِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، وَأَمَانًا مِنَ الْعَطَشِ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ.
فَقَامَ شَيْخٌ ضَعِيفٌ فَقَالَ: إِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لِأَعْجِزُ عَنْ صِيَامِهِ كُلِّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صُمْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَوْسَطَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَآخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ فَإِنَّكَ تُعْطَى ثَوَابَ مَنْ صَامَهُ كُلَّهُ» ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ الرَّغَائِبِ.
الْحَدِيثُ بِطُولِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ شَهْرَ رَجَبٍ شَهْرٌ عَظِيمٌ، مَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ يَوْمَيْنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ فَيَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، وَمَنْ صَامَ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٍ وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ قَدْ غُفِرَ لَكَ فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ، وَمَنْ زَادَ زَادَهُ اللَّهُ» .
قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخَرَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ بَعْضَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ الجَزُوِليُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَذَكَرَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْحُلَيْمِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِصَوْمِ رَجَبٍ ذِكْرٌ فِي الْأُصُولِ الْمَعْرُوفَةِ سِوَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ شَعْبَانَ» ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ رَجَبًا قَدْ ظَهَرَ فَضْلُهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُمِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ وَاسْأَلُوا عَنْ شَعْبَانَ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُهُ مُسْتَحَبًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ رَمَضَانَ، فَهُوَ كَالْأَشْهُرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا الْمُتَّصِلُ بِرَمَضَانَ وَالتَّنْبِيهُ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ شَعْبَانُ، فَإِنَّ فِيهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ كَمَا فِي رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، فَاسْأَلُونِي عَنْهُ لَا عَنْ رَجَبٍ.
قَالَ الْحُلَيمِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ ذَا الْقِعْدَةِ مِنَ الْحُرُمِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي صِيَامِهِ شَيْءٌ.
الثَّانِي: أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ» .
قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِهَا: انْفَرَدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ كُلِّهِ» وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ، وَقَالَ: إِنَّ فِيهِ دَاوُدَ بْنَ عَطَاءٍ.
لَيَّنَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ فِيهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَحَرَّفَ