ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عُرْفًا عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ فَيَخْرُجُ عِلْمُهُ دُونَهُ كَمَنْ قَرَعَ أُذُنَهُ صَوْتٌ مُطْلَقٌ وَنَحْوُهُ مِنْ قَوْلٍ يُوجِبُ عَلَى قَائِلِهِ حُكْمًا فَالْمَعْرُوضُ لِلتَّكْلِيفِ بِهِ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْجَامِعِ مَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ أَوْ وَاجِبٍ فَالْإِجَابَةُ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَكْرُوهٍ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ وَمَنْ دُعِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى حَرَامٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ:» قَالَ الْمُهَلِّبُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ: إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ فِي وَثِيقَةٍ لَا تَجُوزُ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَأَى جَوَازَهُ بِقَصْدِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَمْنُوعِ لِيَرُدَّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: إنَّمَا يُرِيدُ لَا يَضَعُ خَطَّهُ فِي وَثِيقَةٍ بِظَاهِرِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّ الْبَاطِنَ بَاطِلٌ وَأَمَّا الْمَسَاطِيرُ الَّتِي تُكْتَبُ لِإِبْطَالِ الْمَفَاسِدِ بِصِيغَةِ الِاسْتِدْرَاكِ لَا الْبِنَاءِ فَلَا خِلَافَ وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُوبِ وَضْعِ الشَّهَادَةِ فِيهَا، وَلَوْ وَضَعَ شَهَادَتَهُ فِي وَثِيقَةٍ كُتِبَتْ بِظَاهِرِ الْجَوَازِ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ زَادَ فِي خَطِّهِ فَقَالَ: وَالْأَمْرُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُصَحِّحُهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يُبْطِلُهُ وَمِثْلُ هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَكَادُ يُخْتَلَف فِيهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْوَاضِحَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِمَا لَا يَرَى جَوَازَهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ فِي فَصْلِ تَنْبِيهِ الْقَاضِي عَلَى أُمُورٍ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلْيُخْبِرْ بِهَا، وَانْظُرْ كَلَامَ الرَّجْرَاجِيِّ فِي أَجْرِ قَسَّامِ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى أَخْذِ الشُّهُودِ الْأُجْرَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ.
[مَسْأَلَة يَشْهَدُ بِدَيْنٍ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِقَضَائِهِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ]
ص (وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (مَسْأَلَةٌ) قَالَ
فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: مَنْ كَانَ يَشْهَدُ بِدَيْنٍ فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ بِقَضَائِهِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ قِيلَ لَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَوَقَفَ وَقَالَ: مَا تَبَيَّنَ لِي `. انْتَهَى.
ص (وَحَلِفٌ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ) ش: يُرِيدُ أَوْ امْرَأَتَيْنِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَتَكَلَّمَ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ مِنْ قَرَابَتِهَا، فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فَانْظُرْهُ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَانْظُرْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ فِي زِنًا أَوْ قَذْفٍ أَوْ سُكْرٍ وَنَحْوِهِ.
ص (وَحِلْفُ عَبْدٍ وَسَفِيهٍ مَعَ شَاهِدِهِ) ش: فَإِنْ نَكَلَ السَّفِيهُ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ رَشَدَ السَّفِيهُ فَهَلْ لَهُ
أَنْ يَحْلِفَ الْآنَ مَعَ شَاهِدِهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْلِفُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ كَانَ بِمَالٍ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فَهُوَ كَالْحُرِّ إنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ وَلَا مَقَالَ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ سَيِّدُهُ وَاسْتَحَقَّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوَهُ.
ص (وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ: ثَبَتَ عِنْدِي إلَّا بِإِشْهَادِهِ) ش: (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ
فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَحَاسَبَانِ بِحَضْرَةِ رَجُلَيْنِ وَيَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَشْهَدَا بِمَا يُقِرَّانِ بِهِ فَيُقِرُّ أَحَدُهُمَا فَيَطْلُبُهُمَا الْآخَرُ بِالشَّهَادَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُمْنَعَانِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَلَا يُعَجَّلَانِ فَإِنْ اصْطَلَحَ الْمُتَدَاعِيَانِ وَإِلَّا فَلْيُؤَدِّيَا الشَّهَادَةَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ: لَا أَرَى بِامْتِنَاعِهِمَا مِنْ الشَّهَادَةِ بَأْسًا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْحَاكِمِ بِمَا سَمِعَ مِنْ الْخُصُومِ وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ مَنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ اثْنَيْنِ اهـ مِنْ تَرْجَمَةِ الشَّهَادَاتِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَزَادَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كُنْت أُحِبُّ أَنْ لَا يَقْبَلَا.
يَعْنِي أَنْ لَا يَدْخُلَا عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ نَافِعٍ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا رَجُلَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَا عَلَيْهِمَا فَذَكَرَا نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ إلَخْ وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الْحَادِي وَالْخَمْسِينَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ ابْنِ نَافِعٍ وَجَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْعًا مُسْتَقِلًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَقَلَهُمَا عَنْ الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُقْنِعِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ أَعْنِي مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصُّهُ: شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّطِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِالصُّلْحِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ اسْتَوْعَبَ كَلَامُهُمَا مِنْ الْكَافِي لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ إلَخْ.
ص (وَلَمْ يَطْرَأُ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ بِخِلَافِ جِنٍّ) ش: يَعْنِي أَنَّ طُرُوُّ
الْفِسْقِ وَالْعَدَاوَةِ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْفَرْعِ يُبْطِلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ بِخِلَافِ طُرُوُّ الْجُنُونِ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ تُهْمَةُ الْقَرَابَةِ كَأَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّاهِدُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ الْمَرْأَةَ الْمَشْهُودَ لَهَا أَوْ الْعَكْسِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَمَّا كَانَ تَمَامُ شَهَادَةِ النَّقْلِ بِأَدَاءِ نَاقِلِهَا عَنْهُ كَانَ طُرُوُّ مَانِعِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ نَاقِلِهَا لِطُرُوِّ الْمَانِعِ عَلَى شَاهِدِهِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، وَالْأَوَّلُ وَاضِحٌ وَالثَّانِي تَقَدَّمَ حُكْمُهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَتَقَدَّمَتْ الرِّوَايَةُ بِأَنَّ حُدُوثَ سَبَبِ الْعَدَاوَةِ بَعْدَ تَقْيِيدِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِهَا؛ لِأَنَّ أَدَاءَ شَهَادَتِهِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ عَدُوًّا لَا يُوجِبُ تُهْمَةً، وَمَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَضَاءَ بِمَا نُقِلَ عَمَّنْ صَارَ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى ظُهُورَ عَدَاوَتِهِ يُشْعِرُ بِمُقَدِّمَاتٍ وَسَوَابِقَ (قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ سُقُوطِ شَهَادَةِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ بِحُدُوثِ عَدَاوَتِهِ بَعْدَ سَمَاعِ نَقْلِهَا مِنْهُ وَقَبْلَ أَدَاءِ نَقْلِهَا كَحُدُوثِ ذَلِكَ بَعْدَ أَدَائِهَا لِلْحَاكِمِ قَبْلَ نُفُوذِ حُكْمِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَدَاءَهُ أَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا مِنْ سَمَاعِهَا لِلنَّقْلِ عَنْهُ وَلِذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ: إذَا طَرَأَ عَلَى الْأَصْلِ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ أَوْ رِدَّةٌ امْتَنَعَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَحُدُوثُ فِسْقِ الْأَصْلِ بَعْدَ سَمَاعِ النَّقْلِ عَنْهُ وَقَبْلَ أَدَائِهِ يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ وَأَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْفِسْقَ إنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى وَيُكْتَمُ كَالزِّنَا أَشْعَرَ بِسَابِقِ مُتَقَدِّمَاتٍ تَمْنَعُ الْعَدَالَةَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجَاهَرَ بِهِ كَالْقَتْلِ لَمْ يُشْعِرْ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ طُرُوُّ ذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ، وَلَوْ انْتَقَلَ مَنْ طَرَأَ فِسْقُهُ لِعَدَالَةٍ فَفِي صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ أَوَّلًا أَوْ بِسَمَاعٍ مِنْهُ بَعْدَ انْتِقَالِهِ خِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ اهـ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ
ص (وَإِنْ قَالَا وَهَمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطَتَا) ش: هَذَا شُرُوعٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ هُوَ انْتِقَالُ الشَّاهِدِ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِأَمْرٍ إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ دُونَ نَقِيضِهِ فَيَدْخُلُ انْتِقَالُهُ إلَى شَكٍّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُ حَاكِمٍ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ شَارِحِ الْمَحْصُولِ وَالثَّانِي لِلْقَرَافِيِّ، وَقَيَّدَ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِ وَهُوَ
ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَظَاهِرُ لَفْظِ الْمَازِرِيِّ صِدْقُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَعَلَيْهِ يُحْذَفُ لَفْظُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ إلَخْ.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَثْنَاءِ الْجُزْءِ التَّاسِعِ فِي تَرْجَمَةِ وَثِيقَةِ تَجْرِيحٍ بِعَدَاوَةٍ: لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ ثُمَّ قَالَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا شَهِدْت إلَّا بِالْحَقِّ لَكِنِّي أَرْجِعُ عَنْ شَهَادَتِي فَلَا يُقْضَى بِهَا فَأَفْتَى بِهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَصْبَغُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا وَلَيْسَ هَذَا بِرُجُوعٍ وَالرُّجُوعُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَيَدْخُلَهُ الشَّكُّ، وَأَفْتَى ابْنُ زَرْبٍ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجَعَ عَنْ حَقٍّ عَلِمَهُ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَأَسْقَطَ شَهَادَتَهُ إلَخْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَامِّيِّ الَّذِي يَجْهَلُ حُرْمَةَ ذَلِكَ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا رُجُوعُهُمْ)
ش: اُنْظُرْ قَوْلَهُ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْحَدُّ مَا شَهِدْنَا إلَّا بِالزُّورِ دَرَأْت الْحَدَّ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يُشَارِكُهُمْ شَاهِدُ الْإِحْصَانِ)
ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَا وَحْدَهُمَا أَوْ مَعَ شُهُودِ الزِّنَا أَوْ مَعَ رُجُوعِ الْكُلِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُ الدِّيَةِ، وَبَاقِيهَا عَلَى بَيِّنَةِ الزِّنَا، وَقِيلَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ رُبُعُهَا، وَبَاقِيَهَا عَلَى بَيِّنَةِ الزِّنَا، قَالَ الْمَازِرِيِّ: وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ شَهِيدَيْ الْإِحْصَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَعَلَى الثَّانِي يَغْرَمُ سُدُسَ الدِّيَةِ وَعَلَى الثَّانِي يَغْرَمُ رُبُعَهَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ رَجَعَا وَحْدَهُمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَوَّلِ الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَرُجُوعِ الْمُزَكِّي) ش: يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ
الْمُزَكِّيَيْنِ عَنْ تَزْكِيَةِ مَنْ زَكَّوْهُ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِمْ غُرْمًا وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَا وَحْدَهُمَا أَوْ مَعَ شُهُودِ الْأَصْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحَقٍّ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُمَا فَزَكَّاهُمَا رَجُلَانِ فَقِبَلَهُمَا الْقَاضِي وَحَكَمَ بِالْحَقِّ ثُمَّ رَجَعَ الْمُزَكِّيَانِ بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَا: زَكَّيْنَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ وَمَا لَا يُزَكَّى مِثْلُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أُخِذَ لِغَيْرِهِمَا، وَمَنْ لَوْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْ وَلَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ وَمَنْ زَكَّاهُمَا لَمْ يَغْرَمْ إلَّا الشَّاهِدَانِ إذْ لَوْ شَاءَا لَمْ يَشْهَدَا فَبِهِمَا قَامَ الْحَقُّ.
قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِهِ اهـ مِنْ تَرْجَمَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي التَّعْدِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ فَلَا غُرْمَ إلَخْ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَحْوُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ عُلِمَ بَعْدَ الرَّجْمِ أَوْ الْجَلْدِ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ حُدَّ الشُّهُودُ أَجْمَعُ، وَإِنْ كَانَ مَسْخُوطًا لَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ
الشَّهَادَةَ قَدْ تَمَّتْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَمْ تَتِمَّ فِي الْعَبْدِ، وَتَصِيرُ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشُّهُودُ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الرَّجْمِ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ وَإِنْ عَلِمُوا فَذَلِكَ عَلَى الشُّهُودِ فِي أَحْوَالِهِمْ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: هَلْ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ مُخَالِفٌ فَيَتَخَرَّجُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خِلَافٌ أَمْ لَا؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ فِيهَا لِظُهُورِ كَوْنِ الرَّاجِعِ مِنْ الشُّهُودِ عَبْدًا وَإِذَا انْتَقَضَ وَجَبَ حَدُّ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يُنْتَقَضْ؛ لِأَنَّ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنَّهُ شَهِدَ خَمْسَةٌ وَأُقِيمَ الْحَدُّ فَرَجَعَ اثْنَانِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِنَقْضِ الْحُكْمِ فَلِهَذَا لَمْ تُحَدَّ الثَّلَاثَةُ الْبَاقُونَ، فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَنْبَغِي عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنْ يَسْقُطَ الْحَدُّ عَنْ الْعَبْدِ قُلْت قَذْفُ الْعَبْدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَابِقٌ عَلَى حَدِّ الزِّنَا فَلَعَلَّهُ إنَّمَا كَانَ مُطَالَبًا بِهِ وَقَدْ ظَهَرَتْ الشُّبْهَةُ فِي زِنَا الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِرُجُوعِ بَعْضِ الشُّهُودِ اُسْتُصْحِبَ الْقَذْفُ وَوَجَبَ حَدُّ الْعَبْدِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعَ ذَلِكَ مُشْكِلَةٌ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَنِصْفٌ) ش: يَعْنِي وَإِنْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا فَعَلَيْهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ: نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُمَا يَغْرَمَانِ نِصْفَ الصَّدَاقِ وَسَكَتَ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا إنْ رَجَعَا بَعْدَ قَضَاءِ قَاضٍ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
عِيَاضٌ كَذَا قَيَّدْنَا فِي الْأَصْلِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ هَذَا النِّصْفُ وَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى أَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ، وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الْعُشُورِ مِنْ الْأَسْمِعَةِ وَحَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّ غُرْمَهُ لِلْمَرْأَةِ لِيَكْمُلَ لَهَا صَدَاقُهَا الَّذِي أَبْطَلَاهُ عَلَيْهَا بِالْفِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمَسْأَلَةَ الْقَرَوِيُّونَ قَالُوا: وَهُوَ مُقْتَضَى النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ غُرْمَهُ لِلزَّوْجِ لَا وَجْهَ لَهُ إذْ النِّصْفُ عَلَيْهِ مَتَى حَصَلَ الْفِرَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ لَا يَرَيَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَهْرِ شَيْئًا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إلَّا أَنَّ هَذَا أَتَمُّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِ خِلَافِ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ، وَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ لَغَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِقَوْلِهِمْ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ بِالْعَقْدِ النِّصْفَ وَيَلْتَئِمُ مَعَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ
بِلَا كَلَامٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَدُ الْمَشْهُورِينَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ وَابْنَ رَاشِدٍ الْقَفْصِيَّ صَرَّحَا بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِمَا فَوَّتَاهَا مِنْ إرْثٍ وَصَدَاقٍ)
ش: يَعْنِي نِصْفَ الصَّدَاقِ.
ص (وَإِنْ كَانَ عَنْ تَجْرِيحِ أَوْ تَغْلِيظِ شَاهِدَيْ طَلَاقِ أَمَةٍ)
ش: يَجُوز فِي " تَجْرِيحِ " التَّنْوِينُ بَلْ الْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ وَيَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِلْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا الصَّحِيحُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُدَّعِيًا لِلطَّلَاقِ أَوْ غَيْرَ مُكَذِّبٍ لِلشُّهُودِ وَإِنْ كَانَ مُكَذِّبًا لِلشُّهُودِ فَلَا يُرْجَعُ عَلَى شَاهِدَيْ التَّجْرِيحِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَالْقِيمَةُ حِينَئِذٍ كَالْإِتْلَافِ)
ش: يَعْنِي بِقِيمَةِ الثَّمَرَةِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَقِيمَةِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ عَلَى أَقْرَبِ صِفَتِهِمَا، فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا قَبْلَ الْخُلْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ، وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَصَابَهُ عَيْبٌ قَبْلَ الْخُلْعِ لَمْ يَلْزَمْهُمَا إلَّا قِيمَتُهُ، كَذَلِكَ وَيَسْتَرِدَّانِ مَا يُقَابِلُ الْعَيْبَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَبَعْضُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (بِلَا تَأْخِيرٍ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ)
ش: يُشِيرُ بِهَذَا إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي يَقُولُ تُؤَخَّرُ الْغَرَامَةُ حَتَّى تُجَدَّ الثَّمَرَةُ وَيُوجَدَ الْآبِقُ وَالشَّارِدُ فَتُؤْخَذَ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ: بَلْ قِيمَتُهَا يَوْمَ جَذَّهَا الزَّوْجُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ لِلْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ انْتَهَى.
ص (وَعَلَى الْأَحْسَنِ) ش: رَاجِعٌ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَقْيَسُ انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ) ش: وَإِنْ كَانَ الرُّجُوعُ عَنْ
شَهَادَةٍ بِعِتْقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ نَفَذَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْتُوقُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، إلَّا أَنَّ الْأَمَةَ إنْ عَلِمَتْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِزُورٍ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُبِيحَ فَرْجَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ فَذَلِكَ لَهَا انْتَهَى.
وَإِنْ اسْتَمَرَّ السَّيِّدُ مُقِيمًا عَلَى الْجَحْدِ وَطَلَبَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ الرَّاجِعَيْنِ قِيمَةَ الْمَشْهُودِ بِعِتْقِهِ غَرِمَا قِيمَتَهُ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ فَلَا غُرْمَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِإِرْثٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ شَارِحِهِ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: اُنْظُرْ لَوْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا يَلْزَمُ الْأَبُ نَفَقَتَهُ فَهَلْ يَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِالنَّفَقَةِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ بِإِرْثٍ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ أَخَذَهُ بِدَيْنٍ لَهُ أَوْ غَصْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ.
ص (وَتَرَكَ آخَرَ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَلَمْ يُفَرِّعْ الْمُؤَلِّفُ عَلَى مَا إذَا تَرَكَهُ فَقَطْ وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا آخَرَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ
فَقَالَ: وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَ الْمُسْتَلْحَقِ وَالْمَالُ مِائَتَانِ وَكَانَتْ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِائَةٌ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ مِائَةً وَبَيْتُ الْمَالِ مِائَةً ثُمَّ غَرِمَ الشَّاهِدَانِ مِائَةً أُخْرَى الَّتِي فَوَّتَاهَا، فَلَوْ طَرَأَ دَيْنُ مِائَةٍ أُخِذَتْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ بِمِائَةٍ عَلَى مَنْ غَرِمَاهَا لَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ طَرَأَ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ هَلْ يُؤْخَذُ الْفَاضِلُ عَلَى الْمِائَةِ الَّتِي بِيَدِ الْوَلَدِ مِنْ مِائَةِ الْقِيمَةِ الَّتِي بِيَدِ الْوَرَثَةِ أَوْ بِيَدِ نَائِبِ بَيْتِ الْمَالِ؟ لَمْ أَرَ الْآنَ التَّصْرِيحَ بِهِ، وَالظَّاهِرُ الْأَخْذُ أَخْذًا مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بِالْأَحْرَوِيَّةِ وَإِنَّمَا تَرَكُوا التَّصْرِيحَ بِهِ لِوُضُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَخَذَ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ وَكَمَّلَ بِالْقِيمَةِ) ش وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لُغْزٌ وَهُوَ أَنَّ ذَكَرَيْنِ يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا ثُلُثَ تَرِكَةِ وَالِدِهِ وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ وَإِنْ طَرَأَ دَيْنٌ عَلَى أَبِيهِمَا غَرِمَاهُ بِالسَّوِيَّةِ هِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إذَا فُرِضَ مُخَلَّفُ الْأَبِ ثَلَاثُمِائَةٍ فَمِائَةٌ لِلْقِيمَةِ، وَلِلدَّيْنِ الطَّارِئِ مِائَتَانِ فَأَقَلُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْوَفَاءُ مِنْ الْمَالِ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُحَقَّقٌ لِلْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَجَعَا عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلثَّانِي)
ش: بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: بِمَا غَرِمَهُ الْمُسْتَلْحَقُ لِلْغَرِيمِ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُؤَلِّفُ بِالْمُلْحَقِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَكَانَ أَوْضَحَ لَكِنَّ الشَّارِحَ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا عَبَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِمَا: ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الثَّابِتِ النَّسَبِ بِمَا غَرِمَاهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا غَرِمَاهُ لَهُ بِسَبَبِ إتْلَافِهِمَا لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا فَلَمَّا وَجَبَ الدَّيْنُ وَجَبَتْ التَّرِكَةُ لَهُ فَلَمْ يُتْلِفَا شَيْئًا انْتَهَى.
وَهُوَ غَيْرُ وَافٍ بِشَرْحِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ كَمَا تَرَى، وَحَاوَلَ الْبِسَاطِيُّ شَرْحَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ بَعْدَ أَنْ شَرْحَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ بِمَا شَرَحُوهُ بِهِ: فَإِنْ قُلْت عِبَارَتُهُ لَيْسَ مَعْنَاهَا مَا حَلَلْتُمَا بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قُلْت: إنَّمَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ: بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ لَا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ الِابْنِ الثَّانِي جَمِيعُ مَا أَخَذَ بَلْ يَبْقَى شَيْءٌ فَلَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا يَلْزَمُ الثَّانِي لِلْغَرِيمِ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ فَرْضَ مَسْأَلَةِ الْمُؤَلِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ إنَّمَا هُوَ طُرُوُّ دَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ فَلَا يُلَائِمُ حِينَئِذٍ مَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ.
وَيَظْهَرُ لِي شَيْءٌ وَإِنْ سَاعَدَهُ النَّقْلُ كَانَ حَسَنًا وَهُوَ أَنَّ الِابْنَ الْمُسْتَلْحَقَ لَمَّا أَخَذَ نِصْفَ الْمَالِ غَيْرَ الْقِيمَةِ قَدْ يَسْتَهْلِكُ بَعْضَهُ قَبْلَ ظُهُورِ الدَّيْنِ فَإِذَا ظَهَرَ الدَّيْنُ فَلَا يُوجَدُ فِي يَدِهِ إلَّا بَعْضُ الْمَالِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَيَأْخُذُ الْغَرِيمُ مِنْهُ مَا وَجَدَهُ فِي يَدِهِ، فَالظَّاهِرُ هُنَا أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِمَا دَفَعَهُ الْمُسْتَلْحَقُ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُتْلِفَ بِشَهَادَتِهِمَا بَعْضُ الْمَالِ فَتَأَمَّلْهُ وَحَرِّرْ النَّقْلَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ كَانَ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلَا غُرْمَ) .
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِيمَا إذَا رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ بِعُبُودِيَّةِ شَخْصٍ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ قُرْطُبَةَ فِي أَيَّامِ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ فِيمَنْ بَاعَ حُرًّا وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ أَنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةَ أَنْ يَكُونَ هُنَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ قَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ جَامِعِ الْبَيَانِ: مَنْ بَاعَ حُرًّا وَغَابَ فَعَلَيْهِ طَلَبُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ فَقِيلَ: يَغْرَمُ دِيَةً لِلْوَرَثَةِ، وَكُتِبَ بِهَا إلَى الْقَاضِي بِقُرْطُبَةَ فَجَمَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَكَتَبَ لِقَاضِيهِ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ أَغْرِمْهُ دِيَةً كَامِلَةً.
قُلْت: وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ رِوَايَةً لِابْنِ حَبِيبٍ فِي تَرْجَمَةِ غَصْبِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَكَانَ يُجْرِي الْجَوَابَ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنَّ تَسَبُّبَ الشَّاهِدَيْنِ فِي رِقِّهِ أَهْوَنُ مِنْ تَسَبُّبِ الْبَائِعِ فِي رِقِّهِ لِاسْتِقْلَالِ بَائِعِهِ بِرِقِّهِ وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِ الشَّاهِدَيْنِ بِرِقِّهِ لِمُشَارَكَةِ مُدَّعِي رِقِّهِ لَهُمَا فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَنْقُلْ فِي التَّوْضِيحِ الْجَوَابَ وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفُرُوعِهَا أَلْغَازٌ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ لَفْظِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدٌ لِمَنْ ادَّعَاهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجْحَدُ فَحَكَمَ بِرِقِّهِ ثُمَّ قَاطَعَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدٌ لِمَنْ ادَّعَاهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَجْحَدُ فَحُكِمَ بِرِقِّهِ ثُمَّ قَاطَعَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فَأَدَّى وَعَتَقَ
ثُمَّ أَقَرَّ بِالزُّورِ غُرْمًا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَا أَدَّى لِلسَّيِّدِ وَالْحُكْمُ مَاضٍ وَالْوَلَاءُ قَائِمٌ انْتَهَى.
ص (وَلَهُ عَطِيَّتُهُ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ مَا أُعْطِيَ لَهُ يَكُونُ لَهُ لَا لِلسَّيِّدِ.
وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ يَعْنِي بِهِ وَلَهُ عَطِيَّتُهُ أَيْ الْمَالُ يَعْنِي لَهُ أَنْ يُعْطَى مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِنْ أَعْتَقَ مِنْ هَذَا الْمَالِ عَبْدًا جَازَ عِتْقُهُ وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَعْدَهُ لِمَنْ كَانَ يَرِثُ عَنْهُ الْوَلَاءَ لَوْ كَانَ حُرًّا وَلَا يَرِثُهُ الْعَبْدُ إنْ مَاتَ وَمُعْتِقُهُ حَيٌّ قُلْت كَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ الْعَبْدُ إنْ مَاتَ وَمُعْتِقُهُ حَيٌّ وَهُوَ مُشْكِلٌ إنْ أُرِيدَ بِالْعَبْدِ الْمَرْجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِرِقِّهِ وَقَدْ عَتَقَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ (وَمُعْتِقُهُ حَيٌّ) أَنَّ الْمُعْتَقَ هُوَ مَنْ أَعْتَقَهُ الْعَبْدُ الْمَرْجُوعُ عَنْ شَهَادَتِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَنَصُّهُ وَلَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ عَبْدًا فَإِنَّ وَلَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ يَرِثُ عَنْهُ الْوَلَاءَ لَوْ كَانَ حُرًّا وَيَرِثُهُ الْعَبْدُ إنْ مَاتَ وَمُعْتِقُهُ حَيٌّ انْتَهَى.
وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْجَوَاهِرِ
(تَنْبِيهٌ) وَصَايَاهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَافِذَةٌ مِنْ الثُّلُثِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ)
ش: فَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْحَقِّ أَوْ الْحَقُّ كُلُّهُ؟ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ هَلْ هُوَ مُسْتَنِدٌ لِلشَّاهِدِ فَقَطْ وَالْيَمِينِ اسْتِظْهَارًا؟ أَوْ مُسْتَنِدٌ لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعًا وَالْيَمِينُ كَالشَّاهِدِ الثَّانِي؟ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي تَرْجِيحِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ انْتَهَى.
ص (وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ) ش: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْغُرْمُ فِي الرَّضَاعِ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا إنْ شَهِدَا
بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بِلَا مَهْرٍ وَإِنْ شَهِدَا بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْمَهْرُ لِلْوَطْءِ وَإِنَّمَا فَوَّتَا بِشَهَادَتِهِمَا الْعِصْمَةَ وَهِيَ لَا قِيمَةَ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ فَيَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ لِلْبَاقِي مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَا فَوَّتَاهُ مِنْ الْإِرْثِ وَيَغْرَمَانِ لِلْمَرْأَةِ بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ مَا فَوَّتَاهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنْ شَهِدَا بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا يَغْرَمَانِ نِصْفَ الصَّدَاقِ إذَا شَهِدَا بِطَلَاقِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَا وَيُتَلَمَّحُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَمْكَنَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ جُمِعَ) ش: هَذَا
شُرُوعٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكَلَامِ عَلَى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ اشْتِمَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يُنَافِي الْآخَرَ فَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ كَالدَّلِيلَيْنِ وَتَتَقَرَّرُ صُورَةُ الْجَمْعِ بِمِثْلِ قَوْلِهَا.
وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي مِائَةِ إرْدَبِّ حِنْطَةٍ.
وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بِثَوْبَيْنِ سِوَاهُ فِي مِائَةِ إرْدَبٍّ وَأَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ لَزِمَهُ أَخْذُ الثَّلَاثَةِ فِي مِائَتَيْ إرْدَبٍّ وَلَوْ قَالَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ: أَسْلَمْت إلَيَّ هَذَا الثَّوْبَ الَّذِي ذَكَرْت مَعَ الْعَبْدِ فِيمَا سَمَّيْت وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ قَضَى بِالْبَيِّنَةِ الزَّائِدَةِ فَيَأْخُذُ الثَّوْبَ وَالْعَبْدَ وَتَلْزَمُهُ الْمِائَةُ إرْدَبٍّ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي فِي أَوَاخِرِ تَرْجَمَةِ دَفْعِ السَّلَمِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَزِمَهُ أَخْذُ الثَّلَاثَةِ إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ سَوَاءً كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجْلِسَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِثْلُ عَدَمِ التَّعَارُضِ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِمِائَةٍ، وَآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِخَمْسِينَ فِي مَجْلِسَيْنِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْنِ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ.
وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ بَيِّنَةً أَوْ وَاحِدَةً لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي شَيْءٍ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الشَّهَادَاتِ إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ إحْدَاهُمَا بِعِتْقٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقٍ أَوْ إحْدَاهُمَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ وَالثَّانِيَةُ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَشِبْهُ هَذَا فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِهِمَا مَعًا وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ فَإِنَّهُ تَهَاتُرٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ وَتَكَاذُبٌ يُحْكَمُ فِيهِ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ يُقْضَى بِهِمَا مَعًا اسْتَوَيَتَا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ طَلَّقَ الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَ الصُّغْرَى أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَتَقَدَّمَ مِنْ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) مَا لَزِمَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَزِمَهُ لِأَنَّهُ صَدَرَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ (الثَّانِي) فَرْضُهُ هُوَ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَنْفِي أَنْ يَكُونَ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَا شَهِدَتْ بِهِ، يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظِهَا.
قَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ رَسْمِ الصُّبْرَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَهِدَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَوَّهْ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّلَاقِ وَلَكِنَّهُ حَلَفَ بِعِتْقِ غُلَامٍ لَهُ سَمَّيَاهُ لَمْ أَرَ لَهُمْ شَهَادَةً أَجْمَعِينَ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا وَهُوَ الَّذِي سَمِعْنَاهُ.
قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ أَوْ أَعْتَقَ غُلَامَهُ فُلَانًا وَقَالَ الْآخَرُ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَا ذَكَرَ امْرَأَتَهُ فُلَانَةَ حَتَّى تَفَرَّقْنَا وَمَا حَلَفَ بِطَلَاقِهَا وَلَكِنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فُلَانَةَ يُرِيدُ امْرَأَةً أُخْرَى أَوْ قَالَ: نَشْهَدُ مَا أَعْتَقَ الَّذِي شَهِدْتُمْ لَهُ بِالْعَتَاقَةِ وَلَكِنَّهُ أَعْتَقَ فُلَانًا غُلَامًا آخَرَ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ وَتَسْقُطُ مِنْ قَوْلِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْذَبَ بَعْضًا انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[فَرْعٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِقَتْلِ زَيْدٍ عَمْرًا يَوْمَ كَذَا وَبَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ مَوْضِعِ الْقَتْلِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِقَتْلِ زَيْدٍ عَمْرًا يَوْمَ كَذَا وَبَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ عَنْ مَوْضِعِ الْقَتْلِ قُضِيَ بِبَيِّنَةِ الْقَتْلِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي يَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْبَرَاءَةِ إنْ كَانَتْ أَعْدَلَ وَإِنْ كَانَتَا فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءً طُرِحَتَا وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ
انْتَهَى.
(قُلْت) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ الَّذِي كُنْت أَسْمَعُ فِيمَا كُنَّا نَتَنَاظَرُ عَلَيْهِ مَعَ أَصْحَابِنَا: أَنَّ شَاهِدَيْنِ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُمْ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ الْعَامِ الْفُلَانِيِّ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمِصْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ أَنَّ شَهَادَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ أَحَقُّ وَأَوْلَى قَالُوا: لِأَنَّ هَذَيْنِ شَهِدُوا بِحَقٍّ وَلَمْ يَشْهَدْ الْآخَرَانِ بِحَقٍّ وَلَسْت أَعْرِفُ هَذَا الْمَعْنَى وَاَلَّذِي أَرَى إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا أَنَّهُ كَانَ بِمِصْرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَعْدَلَ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُمَا فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَعْدَلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ أَنَّهُ جُرْحَةٌ وَلَوْ كَانَتَا فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءً لَطَرَحْتهمَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَحَظٌّ مِنْ النَّظَرِ.
وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ فَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
(قُلْت) زَادَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِثْلُ أَهْلِ الْمَوْسِمِ فِي جَمَاعَتِهِمْ أَنَّهُ أَقَامَ لَهُمْ الْحَجَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَوْ أَهْلُ مِصْرَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَيَبْطُلُ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْغَلَطِ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ يَشْتَبِهُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
(قُلْت) ذِكْرُهُ لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ وَأَهْلِ مِصْرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَرُدُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ الْعَدَدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فَإِذَا شَهِدَ جَمَاعَةٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْجِيحِ بِالْعَدَدِ وَنَصَّهُ.
وَفِي لَغْوِ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَاعْتِبَارِهِ قَوْلَهُ وَرِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ وَفِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ: لَوْ شَهِدَ لِهَذَا شَاهِدَانِ وَلِهَذَا مِائَةٌ وَتَكَافَئُوا فِي الْعَدَالَةِ لَمْ تُرَجَّحْ بِالْكَثْرَةِ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مَحْمَلُهُ عَلَى الْمُغَايَاةِ وَلَوْ كَثُرُوا حَتَّى يَقَعَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ لَقُضِيَ بِهِمْ انْتَهَى.
قَالَ: وَنَصُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِزِنَى رَجُلٍ بِمِصْرَ فِي الْمُحَرَّمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالْعِرَاقِ حُدَّ وَكَذَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا بِمِصْرَ وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا بِالْعِرَاقِ قُتِلَ بِهِمَا.
ابْنُ رُشْدٍ تَفْرِقَةُ أَصْبَغَ هَذِهِ عَلَى قِيَاسِ مَشْهُورِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا اخْتَلَفَتَا بِالزِّيَادَةِ أُعْمِلَتْ ذَاتُ الزِّيَادَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي الْأَنْوَاعِ سَقَطَتَا إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ فَيُقْضَى بِهَا.
وَقَالَ أَيْضًا إنْ اخْتَلَفَتَا بِالزِّيَادَةِ سَقَطَتَا إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ فَيُقْضَى بِهَا كَاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ فَلَزِمَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا إنْ شَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ زَنَى ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالْعِرَاقِ أَنْ تَسْقُطَ إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ فَيُقْضَى بِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ سَرَقَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالْعِرَاقِ وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ لِتَكْذِيبِ كُلِّ بَيِّنَةٍ الْأُخْرَى وَتَعْلِيلُ أَصْبَغَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ صِدْقَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا هِيَ الْكَاذِبَةُ اُحْتُمِلَ كَذِبُهُمَا مَعًا وَإِذَا اُحْتُمِلَ كَذِبُهُمَا مَعًا أَوْ كَذِبِ إحْدَاهُمَا لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ بِأَنَّ إحْدَاهُمَا صَادِقَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ أَعْدَلُ وَإِلَى هَذَا نَحَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَيَأْتِي عَلَى قِيَاسِ الْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى وَاسْتَوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَنَّهُ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا مَعًا أَنَّهُ يُحَدُّ لِلزِّنَا وَالسَّرِقَةِ إذَا شَهِدَتَا بِهِ مَعًا وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ وَلَا يُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ.
قَالَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِيَدٍ)
ش: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى (تَنْبِيهٌ) الْيَدُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ فَأَعْظَمُهَا ثِيَابُ
الْإِنْسَانِ الَّتِي عَلَيْهِ وَنَعْلُهُ وَمِنْطَقَتُهُ وَيَلِيه الْبِسَاطُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ وَالدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا وَتَلِيهِ الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا وَالدَّارُ الَّتِي هُوَ سَاكِنُهَا فَهِيَ دُونَ الدَّابَّةِ لِعَدَمِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى جَمِيعِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَيُقَدَّمُ أَقْوَى الْيَدَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا فَلَوْ تَنَازَعَ السَّاكِنَانِ الدَّارَ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَالرَّاكِبُ مَعَ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ قِيلَ يُقَدَّمُ الرَّاكِبُ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ) ش: (مَسْأَلَةٌ) إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمِلْكٍ لِرَجُلٍ وَشَهِدَا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ بِالْحِيَازَةِ فَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ وَلَا يَضُرُّهَا اجْتِمَاعُهُمَا فِيهَا لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا فِي الْأَمْرَيْنِ بِعِلْمِهِمْ وَرَأَوْا حِيَازَةً يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِإِرْفَاقٍ أَوْ تَوْكِيلٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ وَلَيْسَ يَلْزَمُهُمْ الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (وَبِنَقْلٍ عَلَى مُسْتَصْحَبَةٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي دَارٍ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ وَأَنَّهُ بَاعَهُ مَا مَلَكَ وَأَقَامَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ يَمْلِكُهَا قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا وَبَقِيَتْ الدَّارُ بِيَدِ حَائِزِهَا أَبُو الْحَسَنِ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلَيْنِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ وَأَنَّهُ بَاعَهُ مَا مَلَكَ وَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ إلَّا الشِّرَاءُ دُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لَمْ تُعَارِضْ الْحَوْزَ وَالْبَيِّنَةَ بَلْ لَا تُعَارِضُ إلَّا الْحَوْزَ وَحْدَهُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: قِفْ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ جَيِّدٌ وَعَلَيْهِ تَدُورُ أَحْكَامُهُمْ.
وَفَائِدَتُهُ إذَا كَانَ فِي عَقْدِ الشِّرَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ التَّارِيخِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ لَمْ يَحْتَجْ الْمُشْتَرِي إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ ثَانِيَةً إذْ قَدْ يَطُولُ الزَّمَانُ وَتَمُوتُ الْبَيِّنَتَانِ وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: أَعْطِنِي عَقْدَ الشِّرَاءِ فَذَلِكَ لَهُ وَفَائِدَتُهُ إذَا طَرَأَ الِاسْتِحْقَاقُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْهُمَا وَفَائِدَتُهُ أَيْضًا خَوْفُ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ قَطُّ وَلَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعُ عَلَى غَرِيمِ الْغَرِيمِ وَكَذَلِكَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
الشَّيْخُ: وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى أَخْذِ النُّسْخَةِ وَهُوَ الْحَزْمُ.
وَفِي النَّوَادِرِ وَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالشِّرَاءِ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِطُولِ الْمِلْكِ وَالْحَوْزِ وَالتَّصَرُّفِ وَأَنْ لَا مُنَازِعَ.
سَوَاءٌ أَثْبَتَ ذَلِكَ بِشُهُودِ الشِّرَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ ذَكَرُوا الشِّرَاءَ أَمْ لَا انْتَهَى.
ص (وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ وَعَدَمِ مُنَازِعٍ وَحَوْزٍ)
ش: أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ رَأَى الْمَشْهُودَ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ.
ص (وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْكَمَالِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْمِلْكِ بِالْأَمْسِ مَثَلًا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ بِالْأَمْسِ تَنْبِيهٌ بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَشَدّ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ هَذَا
فِي أَقْرَبِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ مَعَ بُعْدِ خُرُوجِ الْمِلْكِ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْقَرِيبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي أَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِيهَا مِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمْنَاهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ كَانَتْ زُورًا وَبِهَذَا الظَّاهِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ وَظَاهِرُ مَا فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
قَالَ: وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ لَهُ لَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَيُقْضَى لَهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّيُوخُ هَلْ كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَنَاقِضٌ أَمْ لَا وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْبَتِّ مَعَ إطْلَاقِهَا عَلَيْهَا بِالزُّورِ أَوْ يُفَصَّلُ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا تُقْبَلُ أَوْ يَكُونُوا مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ فَتُقْبَلُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ: إنَّ مَا فِي الشَّهَادَةِ شَرْطُ كَمَالٍ.
أَبُو الْحَسَنِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَذَلِكَ شَرْطُ صِحَّةٍ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ كَانَتْ زُورًا أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا يَلْزَمُ شُهُودَ الزُّورِ.
[فَرْعٌ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقَضَى لَهُ بِهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى]
(فَرْعٌ) مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِخِلَافِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى فَإِنَّهُ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَيُنْظَرُ فِي أَعْدَلِهِمَا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ شَخْصٌ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ فَقُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَأَقَامَ بَيِّنَةَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمَا.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي الَّذِي يَدَّعِي الشَّيْءَ فَيُقِيمُ بَيِّنَةً فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ ثُمَّ يَدَّعِيه آخَرُ فَيُقِيمُ بَيِّنَةً عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إعَادَةُ بَيِّنَةٍ وَلَا يُرَدُّ الشَّيْءُ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَلَكِنْ يُقْضَى بِهِ لِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا قَبْلَهَا.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ نَحْوُ ذَلِكَ فَانْظُرْهُ.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ نَحْوَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْقَاضِي بِقَطْعِ جَرْيِ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ لَا مَدْفَعَ فِيهَا بَطَلَ حَقُّ أَصْحَابِ الْجَنَّاتِ إلَّا أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى قَطْعِ ضَرَرِ الطَّرِيقِ أَوْ يَثْبُتُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِضَرَرٍ عَلَى الطَّرِيقِ بِبَيِّنَةٍ أَعْدِلَ مِنْ الْأُولَى أَوْ تَجْرِيحِ شُهُودِ الْعَقْدِ الَّذِينَ حَكَمَ بِهِمْ الْحَاكِمُ فَهُمْ حِينَئِذٍ أَحَقُّ بِالْمَاءِ انْتَهَى.
وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَصَايَا مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِرُشْدِ شَخْصٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِتَرْشِيدِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَعْدَلُ مِنْهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِلَ السَّفَهِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِسَفَهِهِ، وَذُكِرَ فِيهَا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مِنْ يَوْمِ حُكْمِ الْقَاضِي بِتَرْشِيدِهِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ بِتَسْفِيهِهِ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ.
اُنْتُظِرَ)
ش: هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَيَعْنِي بِهِ إذَا قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِوَكِيلِ الْمُدَّعِي: قَدْ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي تَدَّعِي بِهِ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنْظُرُ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُوَكِّلُ الْغَائِبُ أَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ.
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ غِيبَتُهُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً.
وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ بِلَفْظِ قِيلَ وَلَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ أَنَّهُ الْأَصْلُ.
وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ ذَكَرَهُ بِقِيلِ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَفِي رَسْمٍ.
حَمَلَ صَبِيًّا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فِيمَنْ وُكِّلَ عَلَى طَلَبِ عَبْدٍ بِمِصْرَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِمُوَكِّلِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُوَكَّلُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ سَوَاءً كَانَ الْمُوَكِّلُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا وَالْمَنْصُوصُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْمَطْلُوبِ: الْقَضَاءُ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى لُقِيِّ صَاحِبِ الْحَقِّ وَمِثْلُهُ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ، لَكِنْ نَقَلَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ بِالسِّلْعَةِ هَلْ يَحْلِفُ؟ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ يَطْلُبُ دِينًا بِبَيِّنَةٍ لَهُ فَقَالَ: الْمَطْلُوبُ بَقِيَ مِنْ حَقِّي أَنْ يَحْلِفَ لِي الْمَحْكُومُ لَهُ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ غِيبَتُهُ قَرِيبَةً اُنْتُظِرَ حَتَّى يَقْدُمَ وَكَتَبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْحَقَّ السَّاعَةَ وَيُقَالُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ: إذَا اجْتَمَعْت مَعَ الطَّالِبِ فَحَلَّفَهُ وَكَتَبَ لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ كِتَابًا يَكُونُ بِيَدِهِ فَإِنْ مَاتَ الْمَقْضِيُّ لَهُ حَلَفَ أَكَابِرُ وَرَثَتِهِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ الصِّغَارُ وَإِنْ كَبِرُوا بَعْدَ مَوْتِهِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ فَقَالَ: إنَّهُ يُؤَخِّرُ فِي الْقَرِيبَةِ حَتَّى يَكْتُبَ لِلْمُوَكِّلِ فَيَحْلِفُ وَلَا يُؤَخِّرُ فِي الْبَعِيدَةِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْحَقِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُهُ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ زَادَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْمُوَكَّلِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ كَانَتْ الْغِيبَةُ قَرِيبَةً كَالْيَوْمَيْنِ اُنْتُظِرَ الْمُوَكِّلُ حَتَّى يَحْلِفَ وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ مُوَكِّلُهُ قَبَضَ مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَيُقْضَى لَهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ صَاحِبَ مُعِينِ الْحُكَّامِ حَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ وَتُرْجَى لَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُوَكَّلِ فَإِذَا لَقِيَهُ حَلَّفَهُ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ وَذَكَرَ هَذَا الْقَوْل أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي
نَقَلْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى ابْنُ رُشْدٍ قَيَّدَهُ بِالْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ مِنْ تَحْلِيفِهِ لِلْمُوَكِّلِ إذَا لَقِيَهُ فَلَا يُخَالِفُ فِيهِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلِابْنِ كِنَانَةَ أَيْضًا فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ يُنْظَرُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُوَكِّلُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ فَالْمَنْصُوصُ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ وَلَا يُؤَخَّرُ لَكِنَّ ابْنَ كِنَانَةَ يَقُولُ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَمُقَابِلُ الْمَنْصُوصِ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ بِقِيلَ وَخَرَّجَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (انْتَظِرْ) كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ النُّسَخِ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَزْوِهِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَبُولِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى مَا فِي نَوَازِلِ عِيسَى لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ اللَّخْمِيَّ حَكَاهُ بِقِيلَ فَكَانَ يَنْبَغِي لَلْمُصَنَّفِ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ أَوْ قَضَيْته، لَمْ يُنْتَظَرْ فِي الْبَعِيدَةِ بِخِلَافِ الْقَرِيبَةِ فَيُؤَخَّرُ كَيَمِينِ الْقَضَاءِ.
وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ ابْنُ غَازِيٍّ مَا صُورَتُهُ: وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ.
اُنْظُرْ فِي الْقَرِيبَةِ وَفِي الْبَعِيدَةِ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بِقَبْضِ مُوَكِّلِهِ وَيُقْضَى لَهُ فَإِنْ حَلَفَ وَاسْتَمَرَّ الْقَبْضُ وَإِلَّا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ أَمَّا حَلِفُ الْوَكِيلِ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ يَحْلِفُ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ مِنْ الْكَلَامِ فَإِنَّمَا سَاقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلًا آخَرَ وَلَمْ يَزِدْ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى نِسْبَتِهِ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَأَنْتَ تَرَاهُ هُنَا رَكَّبَ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
(قُلْت) أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَلِفِ الْوَكِيلِ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ كَمَا ذَكَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ وَابْنَ الْقَاسِمِ وَابْنَ الْمَوَّازِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ، وَلَا يُؤَخَّرُ لَا يُخَالِفُونَ فِي أَنَّهُ إذَا لَقِيَ الْمُوَكِّلَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفُهُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَكِيلُهُ فَإِنْ حَلَفَ مَضَى وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ مَا كَانَ غَرِمَهُ وَهَذَا بَيِّنٌ فَتَأَمَّلْهُ فَهَذِهِ النُّسْخَةُ حَسَنَةٌ مُوَافَقَةٌ لِلرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي حَلِفِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ الثَّانِي لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْمَطْلُوبُ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك كَمَا فَرَضَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا أَوْ يَقُولَ قَضَيْته الْحَقَّ الَّذِي تَدَّعِي بِهِ أَوْ بَعْضَهُ كَمَا فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ (الثَّالِثُ) إذَا قَضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ ثُمَّ لَقِيَ الْمُوَكِّلَ فَاعْتَرَفَ بِمَا ادَّعَاهُ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْإِبْرَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْحَقِّ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيْهِ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ قَالَ: فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ رَجَعَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُوَكِّلِ وَيُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةَ
(قُلْت) وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ فَلَا كَلَامَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ لِمُوَكِّلِهِ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعُ) أَمَّا يَمِينُ الِاسْتِحْقَاقِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِلْوَكِيلِ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ مُوَكِّلِهِ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً فَاَلَّذِي فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِلْوَكِيلِ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ مُوَكِّلِهِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَقْضِي لِلْوَكِيلِ إذَا كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَحْلِفُ الْوَكِيلُ عَلَى الْعِلْمِ وَيُقْضَى لَهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لِلْوَكِيلِ فِي
الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ مُوَكِّلِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ فَقِيلَ يُقْضَى لِلْوَكِيلِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَمْلًا لِمَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَسْأَلَة دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَقِيلَ لَا يُقْضَى لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَتَّى يَكْتُبَ إلَى مُوَكِّلِهِ فَيَحْلِفُ حَمْلًا لِمَسْأَلَةِ دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ عَلَى مَسْأَلَة يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ وَقِيلَ: يُقْضَى لِلْوَكِيلِ بَعْدَ حَلْفِهِ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ لَا فَرْقَ بَيْنَ يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ وَيَمِينِ دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِي يُعْزَى إلَى ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ تَمَامِ الشَّهَادَةِ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا.
وَيَمِينُ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا إنَّمَا تَجِبُ بِدَعْوَى الْغَرِيمِ أَنَّهُ قَدْ قَضَى فَيُقَالُ لَهُ: أَدِّ الدَّيْنَ إلَى الْوَكِيلِ وَاسْتَحْلِفْ صَاحِبَك إذَا لَقِيته عَلَى دَعْوَاك.
(الْخَامِسُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُوَكِّلِ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ الْغَائِبِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا وَأَنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ بِهَا دُونَ يَمِينٍ سَوَاءٌ خَرَجَ أَوْ وَكَّلَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي رَسْمِ حَمَلَ صَبِيًّا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَمَا فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ لَهُ حَتَّى يَسْتَحْلِفَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ خَرَجَ أَوْ وَكَّلَ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى وَلَا أَحَالَ وَلَا قَبِلَ قَالَ: وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى جَرَى الْعَمَلُ لِأَنَّهُ يَقُولُ لِلْقَاضِي: لَا تُحَلِّفْنِي.
فَلَعَلَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ قَضَانِي شَيْئًا وَقِيلَ إنَّهُ يَسْتَحْلِفُهُ إذَا وَكَّلَ وَلَا يَسْتَحْلِفُهُ إذَا خَرَجَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَوْلَى الْأَقْوَالِ وَأَعْدَلُهَا.
هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ كِنَانَةَ خِلَافٌ.
لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَمَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ قَوْلَيْهِمَا عَلَى الْوِفَاقِ وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُوَافِقُ عَلَى الِانْتِظَارِ فِي الْمُدَّةِ الْقَرِيبَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِن الْقَوْلَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ فَهَلْ يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالِانْتِظَارِ فِي الْغَيْبَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَتَأَمَّلْهُ.
(السَّابِعُ) لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ بِالسِّلْعَةِ هَلْ يَحْلِفُ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالدَّيْنِ عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ يُقْضَ لِلطَّالِبِ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَدَّعِيَ الْغَائِبُ أَوْ الْمَيِّتُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِمَيِّتٍ قَامَ بِهِ وَرَثَتُهُ عَلَى غَائِبٍ أَوْ مَيِّتٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ أَكَابِرُهُمْ أَنَّهُمْ مَا يَعْلَمُونَ وَلِيَّهُمْ قَبَضَ مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ أَحَدٍ بِسَبَبِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ حَيًّا لَمْ يَحْلِفُوا حَتَّى يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَيْهِمْ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ يَطْلُبُ دَيْنًا فَيَثْبُتُ لَهُ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ بَقِيَ مِنْ حَقِّي أَنْ يَحْلِفَ لِي الْمَحْكُومُ لَهُ أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ.
[فَرْعٌ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ مُؤَجَّلًا وَقَامَ الطَّالِبُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ]
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ مُؤَجَّلًا وَقَامَ الطَّالِبُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَسَمِعْت أَنَّ بَعْضَ الْقُضَاةِ أَسْقَطَ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِكَوْنِهِ لَمْ يَتَوَجَّهْ طَلَبُهُ إلَى الْآنَ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ يَمِينَ الْقَضَاءِ لِلتُّهْمَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَنَصَّهُ.
وَسُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَمَّنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ بِأَثَرِهِ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كِرَاءِ دَارٍ كَذَا كَذَا ثُمَّ وَصَلَ وَكِيلٌ مِنْ رَبِّ الدَّارِ فِي الْمَرْكَبِ يَطْلُبُ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلُ يَمِينٌ مَعَ أَنَّهُ بِبِلَادِ الْمَشْرِقِ وَلَمْ يَمْضِ مِنْ الْمُدَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَبَضَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ وَقْتِ اعْتَرَفَ لَهُ الْمَيِّتُ وَطَلَبَ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ مَا تَرَاهُ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ تَطُلْ حَيَاةُ
الْمُقِرِّ مِنْ حِينِ إقْرَارِهِ بَلْ مَاتَ فِي زَمَنٍ لَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ فِيهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَصْلَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُوَكِّلَ وَهَبَهُ ذَلِكَ وَهُوَ غَائِبٌ غَيْبَةً بَعِيدَةً لَمْ يُوقَفْ الْحَقُّ لِأَجْلِ يَمِينِهِ لِأَنَّهَا يَمِينُ اسْتِظْهَارٍ وَبَعْدَ غِيبَتِهِ وَالْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَضَاءِ الْحَقِّ أَوْ إسْقَاطِهِ بِالْهِبَةِ انْتَهَى.
فَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ الْيَمِينَ مَعَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بَلْ جَعَلَ الْقَرَائِنَ مُقْتَضِيَةً لِعَدَمِ إيقَافِ الْحَقِّ لِأَجْلِ الْيَمِينِ إذَا كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيُجِيبُ عَنْ الْقِصَاصِ الْعَبْدُ وَعَنْ الْأَرْشِ السَّيِّدُ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ (مَسْأَلَةٌ) وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الْعَبْدُ فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ وَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْأَرْشَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ السَّيِّدِ وَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْمَالَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ الْعَبْدِ فَإِنْ أَقَرَّ وَكَانَ مَأْذُونًا فَهُوَ كَالْحُرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا وَقَفَ إقْرَارُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَرُدُّهُ أَوْ يُلْزِمُهُ إيَّاهُ فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَ السَّيِّدِ لَزِمَهُ الدَّيْنُ وَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِإِلْزَامِ الدَّيْنِ ذِمَّتَهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا عِنْدَ السَّيِّدِ فِيهِ مِنْ إلْزَامٍ أَوْ إسْقَاطٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ حَالُ الْعَبْدِ مِنْ إذْنٍ أَوْ حَجْرٍ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى الْحَجْرِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ خِلَافُهُ.
[فَرْعٌ شَهِدَ لِلْمَأْذُونِ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَنَكَلَ]
(فَرْعٌ) قَالَ مُطَرِّفٌ إذَا شَهِدَ لِلْمَأْذُونِ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَنَكَلَ لَا يُحَلِّفُ السَّيِّدُ سَيِّدَهُ وَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ جَائِزٌ فَإِنْ مَاتَ حَلَفَ السَّيِّدُ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ.
[فَرْعٌ الرَّسُولُ لِقَبْضِ الثَّمَنِ يُنْكِرُ الْقَبْضَ مِنْ الْمُبْتَاعِ]
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ الرَّسُولُ لِقَبْضِ الثَّمَنِ يُنْكِرُ الْقَبْضَ مِنْ الْمُبْتَاعِ يَحْلِفُ الرَّسُولُ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ لِصِغَرٍ وَنَحْوِهِ حَلَفْت أَنَّك مَا تَعْلَمُ وُصُولَهُ لِرَسُولِك وَتَسْتَحِقُّ.
[فَرْعٌ بِعْت لِابْنِك الصَّغِيرِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ بِعْت لِابْنِك الصَّغِيرِ حَلَفْت مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنْ رَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَلَفَ وَبَرِيءُ وَغَرِمْته وَكَذَلِكَ يَغْرَمُ الْوَصِيُّ إذَا ادَّعَى غَرِيمُ الْمَيِّتِ الدَّفْعَ لِلْوَصِيِّ فَرَدَّ الْوَصِيُّ الْيَمِينَ عَلَى الْغَرِيمِ لِجِنَايَتِهِ بِرَدِّ الْيَمِينِ.
[فَرْعٌ اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِك مَا اشْتَرَاهُ شَرِيكُك الْغَائِبُ الْمُفَاوِضُ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ شَرِيكَك اشْتَرَاهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ إذَا اسْتَحَقَّ مِنْ يَدِك مَا اشْتَرَاهُ شَرِيكُك الْغَائِبُ الْمُفَاوِضُ وَشَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّ شَرِيكَك اشْتَرَاهُ حَلَفْت أَنْتَ مَعَهُ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ وَكَّلْته وَثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ وَجَحَدَ الْبَائِعُ وَشَهِدَ شَاهِدٌ حَلَفْت مَعَهُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْوَكَالَةُ حَلَفَ الْوَكِيلُ انْتَهَى.
جَمِيعُ الْفُرُوعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ عِنْدَ الْأَقْضِيَةِ
ص (وَالْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ)
ش: قَدْ يَتَبَادَرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَمِينِ حَرْفُ الْقَسَمِ فِيهِ بِالْبَاءِ لِأَنَّ غَالِبَ مَنْ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقُولُ لَمَّا يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ الْيَمِينِ: وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
أَوْ يَقُولُ: وَصِفَةُ الْيَمِينِ أَنْ يَقُولَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَنَحْوَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ لَكِنَّنِي لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَأَمَّا الْوَاوُ فَغَالِبُ مَنْ رَأَيْت كَلَامَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْجَزِيرِيِّ وَالشَّيْخِ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ حَلَفَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَكَذَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ.
فَقَطْ فَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقُولَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
اللَّخْمِيُّ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهَا أَيْمَانٌ انْتَهَى.
وَرَأَيْت فِي الْجُزُولِيِّ الْكَبِيرِ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ اُنْظُرْ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ بِالْوَاوِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ قَالَهُ أَشْهَبُ أَوْ لَا يُجْزِئُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهِ أَوْ بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ هَلْ يُجْزِئُهُ أَوْ لَا.
قَوْلَانِ وَانْظُرْ إذَا قَالَ
بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يُجْزِئُهُ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ مَا رَأَيْته لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ كَمَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَغَيْرهمْ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ أَعْنِي الْخِلَافَ فِي الْوَاوِ لَا يُعْرَفُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ فَإِنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَامَ بِالْوَاوِ فَقَالَ أَمَّا الْحَلِفُ فَهُوَ وَاَللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ ثُمَّ نَقَلَهُ بِالْبَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ لَفْظَ الْجَوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَقَالَهُ فِي الْكِتَابِ يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ وَاَلَّذِي فِيهَا إنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْوَاوِ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ بِقَوْلِ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ انْتَهَى.
وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُجْزِئُ مِنْ التَّغْلِيظِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ فَقَطْ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقُولَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاءَ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ فِي حَدِيثِ ضِمَامٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَغْلِيظِهِ الْيَمِينَ بِالْأَلْفَاظِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْحَاكِمِ وَكَرِهَهُ عُلَمَاؤُنَا وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا أَحْسَنَهُ وَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْلِيفِ الشَّاهِدِ وَيَمِينُهُ لَا تُبْطِلُ شَهَادَتَهُ وَهَذَا نَصٌّ انْتَهَى.
[مَسْأَلَة وَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِاللَّازِمَةِ]
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِاللَّازِمَةِ اُنْظُرْ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الظِّهَارِ مِنْ الْمَشَذَّالِيِّ.
ص (وَغُلِّظَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَمِنْ التَّبْصِرَةِ وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْمُصْحَفِ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ اُنْظُرْ الْأَحْكَامَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ انْتَهَى
[فَرْعٌ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضِينَ عَلَى شَخْصٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضِينَ عَلَى شَخْصٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ فِي الْجَامِعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ دِرْهَمٌ وَنِصْفُ وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمِ حَلَّفَهُمَا فِي الْجَامِعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَنِصْفُهُ وَهُوَ كَفِيلٌ بِالثَّانِي فَالثَّلَاثَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا انْتَهَى بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
[فَرْعٌ لَا يَحْلِفُ الْعَلِيلُ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ عِلَّةٌ]
(فَرْعٌ) لَا يَحْلِفُ الْعَلِيلُ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مَعَهَا لَا رَاجِلًا وَلَا رَاكِبًا.
وَالْمَسْأَلَةُ مُطَوَّلَةٌ فِي الْبُرْزُلِيِّ نَقَلَهَا الْمُتَيْطِيُّ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى حَرِيمِ الْبِئْرِ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَمِنْ التَّبْصِرَةِ كَانَ ابْنُ لُبَابَةَ يُفْتِي فِي الْمَرِيضَةِ تَجِبُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهَا تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا عَلَى الْحَقِّ انْتَهَى.
[فَرْعٌ تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالزَّمَانِ فِي اللِّعَان وَالْقَسَامَةِ]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ فَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى تَغْلِيظِ الْيَمِينِ بِالزَّمَانِ فِي اللِّعَان وَالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي بَابِ اللِّعَان مُسْتَحَبًّا فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ وَهَلْ تَغْلُظُ بِالزَّمَانِ؟ رَوَى ابْنُ كِنَانَةَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَتَحَرَّى بِأَيْمَانِهِمْ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ وَالدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ وَقْتًا يَحْضُرُ النَّاسُ فِيهِ الْمَسَاجِدَ وَيَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَالٍ وَحَقٍّ فَفِي كُلِّ حِينٍ وَلِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَحْلِفُ حِينَ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَفِي أَيِّ وَقْتٍ حَضَرَ الْإِمَامُ اسْتَحْلَفَهُ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى.
ص (وَبِالْقِيَامِ)
ش: قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ يَحْلِفُ قَائِمًا وَقَالَ فِي الْقَسَامَةُ وَيَحْلِفُونَ فِي الْقَسَامَةِ قِيَامًا قَالَ شَارِحُهَا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا قِيَامًا فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نُكُولًا أَوْ لَا اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ وَيَحْلِفُ قَائِمًا
ص (وَخَرَجَتْ الْمُخَدَّرَةُ) ش: ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي
مَسَائِلِ الْيَمِينِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لَا تَخْرُجُ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الطَّالِبَ لِلْيَمِينِ لَا يَحْضُرُ مَعَهَا وَبَعَثَ الْقَاضِي يَكْفِي وَنَزَلَتْ وَحَكَمَ فِيهَا بِأَنَّهُ يَقِفُ حَيْثُ يَسْمَعُ يَمِينَهَا وَلَا يَرَى شَخْصَهَا لِأَنَّهُ قَابِضٌ لِلْيَمِينِ وَعَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَشَذَّالِيّ فِي آخِرِ بَابِ الْوَلَاءِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ قَالَ ذَكَرَ لَنَا شَيْخُنَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ حَكَمَ لِرَجُلٍ بِيَمِينٍ عَلَى امْرَأَةٍ وَطَلَبَ حُضُورَهُ مَعَهَا لِحَلِفِهَا فَأَبَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا قَالَ فَحَكَمْنَا بِحُضُورِهِ إيَّاهَا مُتَبَاعِدًا عَنْهَا أَقْصَى مَا يَسْمَعُ مِنْهَا لَفْظَ الْيَمِينِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْيَمِينِ وَقَالَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ وَفِيهَا يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ فِي الْحَالِفَةِ فِي بَيْتِهَا وَيَبْعَثُ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ يُجْزِئُهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ (قُلْت) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِحُضُورِ يَمِينِهَا فِي بَيْتِهَا انْتَهَى.
ص (وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ) ش: (فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ: وَرِثَ أَبَاهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ أَوْدَعَ أَبَاهُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَقَالَ الِابْنُ لَا نَدْرِي أَصَدَقْت أَمْ لَا فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الِابْنَ عَلَى عِلْمِهِ وَيَبْرَأُ وَهَذَا صَوَابٌ انْتَهَى.
ص (وَنَفَى سَبَبًا إنْ عَيَّنَ) ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ شَارِحِهِ ظَاهِرٌ وَسُئِلَتْ عَنْ شَخْصٍ بِيَدِهِ أَمْتِعَةٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ شَخْصٌ قَرِيبٌ لَهُ أَنَّهَا مُخَلَّفَةٌ عَنْ مُوَرِّثِ مُوَرِّثِهِ وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مُورِثِهِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَلَيْسَتْ مُخَلَّفَةً عَنْ مُوَرِّثِهِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ كَذَلِكَ أَوْ يَحْلِفُ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَقَطْ فَأَجَبْت
إذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي أَنَّ الْأَمْتِعَةَ مُخَلَّفَةً عَنْ مُوَرِّثِ مُورِثِهِ يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَلَيْسَتْ مُخَلَّفَةً عَنْ مُوَرِّثِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَامَتْ لِفُلَانٍ فَإِنْ حَضَرَ ادَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ فَلِمُدَّعٍ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَغَرِمَ مَا فَوَّتَهُ أَوْ غَابَ لَزِمَهُ يَمِينٌ أَوْ بَيِّنَةٌ وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ)
ش: أَيْ وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَيْسَ هَذَا الشَّيْءُ الْمُدَّعَى فِيهِ مِلْكًا لِي بَلْ هُوَ لِفُلَانٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَإِنْ حَضَرَ فُلَانٌ وَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ ادَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ رَجَعَ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لِلْمُدَّعِي فَوَاضِحٌ وَإِنْ صَمَّمَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَوْ يَحْلِفَ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَوَاضِحٌ وَإِنْ حَلَّفَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يَنْكُلَ فَإِنْ نَكَلَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ حَقُّهُ فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِالْحَقِّ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَكَانَ لِلْمُقِرِّ النُّكُولُ عَنْهَا وَإِذَا نَكَلَ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ لِأَنَّهُ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَلِفُ وَنَكَلَ عَنْهُ.
(قُلْت) وَنَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ فِي الْوَكَالَاتِ إذَا أَطْلَعَ بَائِعٌ السِّلْعَةِ مَنْ وُكِّلَ عَلَى شِرَائِهَا عَلَى زَائِفٍ فِي الثَّمَنِ فَأُحْلِفَ الْآمِرُ فَنَكَلَ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ لِلْبَائِعِ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَأْمُورَ.
عِيَاضٌ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ يَمِينِ الْآمِرِ نُكُولٌ عَنْ يَمِينِ الْمَأْمُورِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُؤَلِّفُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ نُكُولُ الْمُقِرِّ لَهُ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى قَسِيمَيْهِ فَقَالَ: فَإِنْ حَلَفَ صَحَّ لَهُ مَا ادَّعَى ثُمَّ يَكُونُ الْخِصَامُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُقِرِّ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِالْحَقِّ.
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا لِإِتْلَافِ حَقِّ الْمُدَّعِي إذْ لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْبَاطِلِ وَأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِمُدَّعِيهِ لَزِمَهُ الْغُرْمُ فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْمُدَّعِي سَقَطَ مَقَالُ الْمُدَّعِي انْتَهَى.
وَإِنْ نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَغَرِمَ لَهُ الْمُقِرُّ مَا فَوَّتَهُ أَيْ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا فَقِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَمِثْلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ
قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ تَحْلِيفِ الْمُقِرِّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُقِرَّ أَيْضًا قَالَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ مِنْ النَّاسِ إلَى أَنَّ مُتْلِفَ الشَّيْءَ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهِ لَا يُطْلَبُ بِالْغَرَامَةِ، لَا يَمِينَ هُنَا عَلَى الْمُقِرِّ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِتْلَافَ وَإِنَّمَا قَالَ قَوْلًا حَكَمَ الشَّرْعُ فِيهِ بِإِخْرَاجِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ يَدِهِ وَكَانَ سَبَبًا فِي إتْلَافِهِ فَلِهَذَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ تَحْلِيفِهِ وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ أَيْضًا إلَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا غَرَامَةَ عَلَى الْمُقِرِّ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ الْقَوْلِ بِتَوَجُّهِهَا عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَعَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُؤَلِّفُ لَوْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُقِرِّ عَنْ الْحَلِفِ فَلَا شَيْءَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ
فَرَاجِعْهُ وَهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَقَرُّ لَهُ حَاضِرًا وَأَمَّا إذَا كَانَ غَائِبًا فَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوْ غَابَ وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ وَإِنْ غَابَ أَيْ الْمَقَرُّ لَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لِمُدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُجَرَّدًا عَنْ يَمِينٍ أَوْ بَيِّنَةٍ انْتَهَى.
فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُؤَلِّفُ لَزِمَهُ أَيْ الْمُقِرُّ يَمِينٌ أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْخُصُومَةَ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْغَائِبِ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَانْتَقَلَتْ الْحُكُومَةُ لَهُ أَيْ لِلْغَائِبِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَ الْمُقِرِّ فَقَالَ أَشْهَبُ أَنَّ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَلِلْمَازِرِيِّ كَلَامٌ خِلَافَ هَذَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ أَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ جَاءَ الْمَقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ جَاءَ الْمَقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا أَقَامَ الْمُقِرُّ بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ فَوَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ إذَا نَكَلَ الْمُقِرُّ عَنْ الْيَمِينِ وَأَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ الْمَقَرُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقُّهُ اُسْتُحِقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنَّ حَقَّقَ)
ش: أَيْ اسْتَحَقَّ الْمُدَّعِي فِيهِ بِهِ أَيْ بِالنُّكُولِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ وَقَوْلُهُ بِيَمِينٍ أَيْ مَعَ يَمِينٍ إنْ حَقَّقَ الدَّعْوَى وَإِنْ كَانَتْ يَمِينَ تُهْمَةٍ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ عَلَى الْمَشْهُورِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ زَرْقُونٍ اُخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ يَمِينِ التُّهْمَةِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَالسَّرِقَةِ أَنَّهَا تَتَوَجَّهُ وَقَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَتَوَجَّهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمَشْهُورُ لَا تَنْقَلِبُ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّهَا تَنْقَلِبُ (قُلْت) هُوَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْبَاجِيُّ إنْ ادَّعَى الْمُودِعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ وَادَّعَى الْمُودِعُ تَعَدِّيه عَلَيْهَا صُدِّقَ الْمُودِعُ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفُ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا.
ابْنُ زَرْقُونٍ وَفِي تَوْجِيهِ يَمِينِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَلَى الْبَتِّ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ رُبْعًا أَوْ غَيْرَهُ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ غَيْرَ رُبْعٍ لِلْمَشْهُورِ.
وَابْنُ كِنَانَةَ وَبَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ انْتَهَى.
ص (وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا إنْ نَكَلَ)
ش: وَسَوَاءٌ كَانَ نُكُولُهُ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَالَ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَسُئِلَ
عَنْ الَّذِي يَدَّعِي قَبْلَ الرَّجُلِ حَقًّا فَيَقُولُ: احْلِفْ لِي عَلَى أَنَّ مَا ادَّعَيْت عَلَيْك لَيْسَ بِحَقٍّ وَتَبْرَأُ.
فَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلْ احْلِفْ أَنْتَ وَخُذْ.
فَإِذَا هَمَّ الْمُدَّعَى أَنْ يَحْلِفَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَ: لَا أَرْضَى بِيَمِينِك وَلَا أَظُنُّك تَجْتَرِئُ عَلَى الْيَمِينِ.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ عَلَى مَا أَحَبَّ الْآخَرُ أَوْ كَرِهَ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةٌ فِي هَذَا السَّمَاعِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَمِثْلُهُ فِي الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْيَمِينِ بَعْدَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي.
وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا بَعْدَ أَنْ نَكَلَ عَنْهَا مَا لَمْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الدِّيَاتِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ وَانْظُرْ رَسْمَ الْغِيلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّيَاتِ وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَقَدْ فَرَّقَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْإِقْرَارِ
ص (وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ وَتَصَرَّفَ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ تُسْمَعْ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ)
ش: خَتَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِتَابَ الشَّهَادَاتِ بِالْكَلَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ لِأَنَّهَا كَالشَّاهِدِ عَلَى الْمِلْكِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ بِاتِّفَاقٍ وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَإِرْخَاءِ السُّتُورِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَعَهَا قَوْلُ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» لِأَنَّ الْمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ لَهُ أَيْ أَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُهُ لَهُ بِدَعْوَاهُ فَإِذَا حَازَ الرَّجُلُ مَال غَيْرُهُ فِي وَجْهِهِ مُدَّةً تَكُونُ فِيهَا الْحِيَازَةُ عَامِلَةً وَهِيَ عَشَرَةُ أَعْوَامٍ دُونَ هَدْمٍ وَلَا بُنْيَانٍ أَوْ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا وَادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى.
وَسَوَاءٌ ادَّعَى صَيْرُورَةَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِي أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ مِلْكُ الْمُدَّعِي وَصَارَ إلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ قَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِي يَمِينِ الْحَائِزِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ الْيَمِينِ عَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِظَاهِرِ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ وَالْقَوْلُ بِالْيَمِينِ عَزَاهُ لِصَرِيحِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَهُوَ أَقْوَى وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْحِيَازَةُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ أَضْعَفُهَا حِيَازَةُ الْأَبُ عَنْ ابْنِهِ وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْقَرَابَةِ فِيمَا لَا شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَالْمَوَالِي وَالْأُخْتَانِ الشُّرَكَاءُ بِمَنْزِلَتِهِمْ وَيَلِيهَا حِيَازَةُ الْمَوَالِي وَالْأُخْتَانِ فِيمَا لَا شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَيَلِيهَا حِيَازَةُ
الْأَجْنَبِيَّيْنِ الشُّرَكَاءِ وَتَلِيهَا حِيَازَةُ الْأَجَانِبِ فِيمَا لَا شِرْكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَهِيَ أَقْوَاهَا.
وَالْحِيَازَةُ تَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَضْعَفُهَا وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ وَيَلِيهَا الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ وَالْغَرْسُ وَالِاسْتِغْلَالُ وَيَلِيهَا التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّحْلَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ إلَّا فِي مَالِهِ وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّابَّةِ كَالسُّكْنَى فِيمَا يُسْكَنُ وَالِازْدِرَاعُ فِيمَا يُزْرَعُ وَالِاسْتِغْلَالُ فِي ذَلِكَ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ فِي الدُّورِ وَالْغَرْسِ فِي الْأَرْضِينَ انْتَهَى.
فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ السَّادِسِ وَهِيَ حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الشَّرِيكِ فَقَالَ: وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْقَرِيبِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي حُكْمُهُ وَبِقَوْلِهِ غَيْرُ شَرِيكٍ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الشَّرِيكِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَيْضًا حُكْمُهُ وَمَفْعُولُ قَوْلِهِ حَازَ مَحْذُوفٌ أَيْ حَازَ عَقَارًا مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقَارِ فَلَا يَفْتَقِرُ فِي الْحِيَازَةِ إلَى عَشَرَةِ أَعْوَامٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ وَتَصَرَّفَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحِيَازَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَائِزُ يَتَصَرَّفُ فِي الْعَقَارِ الْمَحُوزِ وَأَطْلَقَ التَّصَرُّفَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ حِيَازَةَ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الشَّرِيكِ يَكْفِي فِيهَا مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ أَنْوَاعِ الْحِيَازَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ يَعْنِي بَيْنَ الْأَجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ تَكُونُ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ حِيَازَةً إلَّا مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تَكُونُ حِيَازَةً مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ ادَّعَى حَاضِرٌ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْحِيَازَةِ مَانِعَةٌ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا أَوْ اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِمَّا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي غَائِبًا فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً كَالسَّبْعَةِ الْأَيَّامِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً كَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَثَبَتَ عُذْرُهُ عَنْ الْقُدُومِ وَالتَّوْكِيلِ مِنْ عَجْزٍ وَنَحْوِهِ فَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَضْعُفُ عَنْ الْقُدُومِ قِيلَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا مَنْ لَا يَتَبَيَّنُ عُذْرُهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ عُذْرُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ رَسْمَ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَقَوْلُهُ سَاكِتٌ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي الْحِيَازَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي سَاكِتًا فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَكَلَّمَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ فَإِنَّ حَقَّهُ لَا يَبْطُلُ.
وَقَوْلُهُ بِلَا مَانِعٍ يَعْنِي أَنَّ سُكُوتَ الْمُدَّعِي فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْكَلَامِ فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْكَلَامِ فَإِنَّ حَقَّهُ لَا يَبْطُلُ وَفَسَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَانِعَ بِالْخَوْفِ وَالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ وَقَدْ احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا أَجْنَبِيٌّ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَانِعِ فِي كَلَامِهِ الْخَوْفَ أَيْ خَوْفَ الْمُدَّعِي مِنْ الَّذِي فِي يَدِهِ الْعَقَارُ لِكَوْنِهِ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ مُسْتَنِدًا لِذِي سُلْطَانٍ فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْحَائِزِ عَلَى الْمُدَّعِي دَيْنٌ وَيَخَافُ إنْ نَازَعَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ وَلَا يَجِدُ مِنْ أَيْنَ يُعْطِيه انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ وَيَدْخُلُ فِي الْمَانِعِ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يَقْطَعُ دَعْوَاهُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ قَالَ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَلَا يَقْطَعُ قِيَامُ الْبِكْرِ غَيْرِ الْمُعَنِّسَةِ وَلَا قِيَامُ الصَّغِيرِ وَلَا قِيَامُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ الِاعْتِمَارَ الْمَذْكُورَ بِحَضْرَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَمْلِكَ نَفْسَهُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ وَتُعَنِّسُ الْجَارِيَةُ وَتُحَازُ عَنْهُمْ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَهُمْ عَالِمُونَ بِحُقُوقِهِمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ انْتَهَى.
وَيَدْخُلُ فِي الْمَانِعِ أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُدَّعِي بِالْحِيَازَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْعَقَارَ الْمَحُوزَ مِلْكُهُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَمَنْ حَازَ دَارًا عَلَى حَاضِرٍ عَشْرَ سِنِينَ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالِمٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ
الشَّهَادَاتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحِيَازَةِ وَفِي الرِّسَالَةِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالِمٌ.
الشَّيْخُ أَيْ عَالِمٌ بِالْمَعْلُومِينَ بِتَصَرُّفِ الْحَائِزِ وَبِأَنَّهَا مِلْكُهُ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَإِذَا كَانَ وَارِثًا وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَيَحْلِفُ وَيُقْضَى لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ عَنْ الطِّخِّيخِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ لَا بُدَّ هُنَا مِنْ الْعِلْمِ بِشَيْئَيْنِ وَهُمَا الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخِرِ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ بِالتَّصَرُّفِ قَدْ يُقَالُ مَا عَلِمْت أَنَّهُ مِلْكِي كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ الْآنَ وَجَدْت الْوَثِيقَةَ عِنْدَ فُلَانٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ وَالْعِلْمُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ انْتَهَى
[فَرْعٌ قَالَ عَلِمْت الْمِلْكَ وَلَمْ أَجِدْ مَا أَقُومُ بِهِ وَوَجَدْته الْآنَ هَلْ يُعْذَرُ أَمْ لَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَانْظُرْ إذَا قَالَ عَلِمْت الْمِلْكَ وَلَمْ أَجِدْ مَا أَقُومُ بِهِ وَوَجَدْته الْآنَ هَلْ يُعْذَرُ أَمْ لَا (قُلْت) اخْتَارَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ أَنَّهُ يُقْبَلُ وَذَلِكَ عُذْرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الَّتِي وَجَدَ بَيِّنَةَ اسْتِرْعَاءٍ أَمْ لَا وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَالْمُقِرِّ وَالْمُعْتَرِفُ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ مُدَّعٍ رَفْعَهُ انْتَهَى.
زَادَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ وَقَعَتْ بِالْقَيْرَوَانِ بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ فَكُتِبَ فِيهَا لِشَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ فَأَفْتَى بِمَا صَوَّبْت انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ لَا يَدَّعِي شَيْئًا هَذَا إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ مِنْ الْقِيَامِ وَأَمَّا إنْ خَافَ سَطْوَةَ الْحَائِزِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى قِيَامِهِ وَإِنْ ادَّعَى مَغِيبَ الْبَيِّنَةِ وَقَالَ مَا سَكَتَ إلَّا لِانْتِظَارِ بَيِّنَتِي فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَالدَّعْوَةُ الَّتِي تَنْفَعُهُ إذَا كَانَ يُخَاصِمُهُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَنْفَعُهُ اهـ وَنَحْوُهُ لِلْجُزُولِيِّ وَنَصَّهُ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا مِلْكِي وَلَكِنْ مَنَعَنِي مِنْ الْقِيَامِ عَدَمُ الْبَيِّنَةُ وَالْآنَ وَجَدْت الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَيُقْضَى بِهَا لِلْحَائِزِ بَعْدَ يَمِينِهِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ قَالَ عَلِمْت بِأَنَّهَا مِلْكِي وَلَمْ أَعْلَمْ بِالْحِيَازَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ يُكَذِّبُهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ مَنَعَنِي مِنْ الْقِيَامِ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ وَالْآنَ وَجَدْتهمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا قِيَامَ لَهُ انْتَهَى.
وَفِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْحِيَازَةِ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُ وَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ عَالَمٌ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْحَاضِرَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمِلْكِيَّةِ حَتَّى يُثْبِتَ وَعَزَاهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ لِابْنِ سَهْلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّهْذِيبِ
وَقِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَقِيلَ بِالْأَوَّلِ إنْ كَانَ وَارِثًا وَبِالثَّانِي إنْ لَمْ يَكُنْ قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَبِهِ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا هَكَذَا كَانَ يَتَقَدَّمُ لَنَا أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إنَّمَا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى فَرْعٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَهُوَ إذَا ادَّعَى الْوَارِثُ الْجَهْلَ بِمِلْكِيَّةِ مُوَرِّثِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَانْظُرْ إذَا قَالَ عَلِمْت الْمَالِكَ إلَى آخِر الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ وَيُشِيرُ بِالْفَرْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فِي كَلَامِهَا الْمُتَقَدِّمِ.
وَقَوْلُهُ عَشْرُ سِنِينَ يَعْنِي أَنَّ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ الَّذِي تُبْطِلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي عَشْرُ سِنِينَ وَهَذَا التَّحْدِيدُ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ رَبِيعَةَ وَنَصَّهُ وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ فِي الرُّبْعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَقَالَ رَبِيعَةُ حَوْزُ عَشْرِ سِنِينَ بِقَطْعِ دَعْوَى الْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَخْدَمَ أَوْ أَعَارَ وَنَحْوُهُ وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ وَذَكَرَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدُ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَدَلِيلُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ السَّبْعَ وَالثَّمَانِ وَمَا قَارَبَ الْعَشَرَةَ مِثْلُ الْعَشَرَةِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا لَا تُحَدَّدُ بِسِنِينَ مُقَدَّرَةٍ بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَهَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فَقَالَ وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ
فِي الرُّبَاعِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ هَذَا قَدْ حَازَهَا دُونَ الْآخَرِ فِيمَا يُهْدَمُ وَيُبْنَى وَيُسْكَنُ وَيُكْرَى.
اهـ وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ عَشْرُ سِنِينَ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الرِّسَالَةِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَهَكَذَا عَزَاهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ شَاسٍ وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنْ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْقِتَالِ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ كَانَتْ أَبْلَغَ شَيْءٍ فِي الْأَعْذَارِ وَاعْتَمَدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَى أَنَّ كُلَّ دَعْوَى يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَقَاءَ مِلْكِ الْإِنْسَانِ بِيَدِ الْغَيْرِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَشْرَ سِنِينَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَالِهِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ سَبْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالَ فَقَالَ وَفِي تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ بِعَشْرٍ أَوْ سَبْعٍ ثَالِثُهَا لَا تَحْدِيدَ بِعِدَّةٍ بَلْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
[مَسْأَلَة قَنَاةٍ تَجْرِي مُنْذُ سَنَةٍ فِي أَرْضِ رَجُلٍ وَاَلَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ سَاكِتٌ]
(مَسْأَلَةٌ) فِي قَنَاةٍ تَجْرِي مُنْذُ سَنَةٍ فِي أَرْضِ رَجُلٍ وَاَلَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ سَاكِتٌ لَا تَكُونُ السَّنَةُ حِيَازَةً لِلتَّغَافُلِ عَنْ مِثْلِهَا وَسُكُوتُ أَرْبَعِ سِنِينَ طُولٌ وَحَوْزٌ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ لِابْنِ يُونُسَ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَهَلْ يَكُونُ قَوْلًا رَابِعًا أَوْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ لَمْ تُسْمَعْ وَلَا بَيِّنَةَ هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ يَعْنِي أَنَّ الْحِيَازَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا عَدَمُ الْعَمَلِ بِهَا وَبِمُقْتَضَاهَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينٌ إذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً وَلَا يُسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعِي وَيَعْتَقِدَ أَنَّ مُجَرَّدَ حَوْزِهِ يُوجِبُ لَهُ الْمِلْكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَوْزَ وَحْدَهُ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَنَّ الْحَائِزَ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ إلَّا إذَا جَهِلَ أَصْلَ مَدْخَلِهِ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِالْحِيَازَةِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتِهِ.
يَعْنِي أَنَّ الْحِيَازَةَ الْمَذْكُورَةَ مَانِعَةٌ مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَمَنْ سَمَاعِ بَيِّنَتِهِ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَلَا بَيِّنَتِهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ فَالْجَوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا قَالَ وَلَا بَيِّنَتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةَ عَنْ الْبَيِّنَةِ هِيَ الَّتِي لَا تُسْمَعُ وَأَمَّا إذَا قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ فَتُسْمَعُ كَمَا تَقُولُ فِي دَعْوَى الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ الْعِتْقَ، وَالْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ.
فَإِنَّ دَعْوَاهُمَا لَا تُسْمَعُ إذَا كَانَتْ مُجَرَّدَةً عَنْ الْبَيِّنَةِ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى السَّيِّدِ وَلَا عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِهِمَا يَمِينٌ فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُمَا سُمِعَتْ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا قَالَ وَلَا بَيِّنَةٍ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ إلَّا بِإِسْكَانٍ وَنَحْوِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي بِأَنَّهُ أَسْكَنَ الْحَائِزَ أَوْ أَعْمَرَهُ أَوْ سَاقَاهُ أَوْ زَارَعَهُ أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ حَلَفَ الْمُدَّعِي عَلَى رَدِّ دَعْوَى الْحَائِزِ وَقُضِيَ لَهُ هَذَا إنْ ادَّعَى الْحَائِزُ أَنَّ الْمَالِكَ بَاعَهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِ نَقْلَ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْحِيَازَةُ عَلَى النِّسَاءِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ مُقَيَّدَانِ بِمَا إذَا لَمْ يَهْدِمْ مَا يُخْشَى سُقُوطُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ وَكَذَا الْإِصْلَاحَ الْيَسِيرَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ (الثَّانِي) الْحِيَازَةِ عَلَى النِّسَاءِ عَامِلَةٌ إنْ كُنَّ فِي الْبَلَدِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا حِيَازَةَ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا عَلِمَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ عَلَى حَقِّهِ وَقَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ (الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَمَّا الْمُدَّةُ فَيَنْبَغِي أَنْ
يَسْتَوِيَ فِيهَا الْوَارِثُ وَالْمَوْرُوثُ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» وَتُضَافُ مُدَّةُ حِيَازَةِ الْوَارِثِ إلَى مُدَّةِ حِيَازَةِ الْمَوْرُوثِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ قَدْ حَازَ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ مَا كَانَ مُوَرِّثُهُ قَدْ حَازَهُ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ حِيَازَةً عَنْ الْحَاضِرِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) اُخْتُلِفَ هَلْ يُطَالَبُ الْحَائِزُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ وَقَالَ غَيْرُهُ يُطَالَبُ وَقِيلَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلُ الْمِلْكِ الْمُدَّعَى فَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ بَيَانِ أَصْلِ مِلْكِهِ وَإِنْ ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْحَائِزِ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ لَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ أَنَّ الْحَائِزَ يُطَالَبُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَالَ إذَا حَازَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ مُدَّةً تَكُونُ فِيهَا الْحِيَازَةُ عَامِلَةً وَادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ بِابْتِيَاعٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ هَذَا الْحَائِزُ وَارِثًا فَقِيلَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي وَرِثَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا دُونَ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَجْهَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَلِكَ إلَى مُوَرِّثِهِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَقِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ لِأَنَّهُ يَقُولُ وَرِثْنَا ذَلِكَ وَلَا أَدْرِي بِمَاذَا صَارَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُهُ عِنْدِي بَيِّنٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ انْتَهَى.
وَأَفْتَى فِي نَوَازِلِهِ بِأَنَّ الْحَائِزَ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الْقَائِمُ عَلَيْهِ الْمِلْكَ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ السَّادِسِ وَجَزَمَ فِي شَرْحٍ آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّدَادِ وَالْأَنْهَارِ بِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ قَالَ بِأَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْته مِنْهُ أَوْ وَهَبَ لِي أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيَّ أَوْ يَقُولَ وَرِثْته عَنْ أَبِي أَوْ عَنْ فُلَانٍ وَلَا أَدْرِي بِأَيِّ وَجْهٍ يَصِيرُ إلَيَّ الَّذِي وَرَثَتُهُ مِنْهُ قَالَ وَأَمَّا مُجَرَّدُ دَعْوَى الْمِلْكِ دُونَ أَنْ يَدَّعِيَ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ الْحِيَازَةِ إذَا ثَبَتَ أَصْلُ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِأَمْلَاكٍ فَقَالَ عِنْدِي وَثَائِقُ غَائِبَةٌ ثُمَّ طُولِبَ عِنْدَ حَاكِم آخَرَ فَأَنْكَرَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِأَمْلَاكٍ فَقَالَ عِنْدِي وَثَائِقُ غَائِبَةٌ ثُمَّ طُولِبَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ فَأَنْكَرَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ لَيْسَ عَلَيْهِ إحْضَارُ الْوَثَائِقِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ تَمَامَهَا فِيهِ.
(الثَّالِثُ) لَا تَسْقُطُ الْحِيَازَةُ وَلَوْ طَالَتْ الدَّعْوَى فِي الْحَبْسِ بِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْوَقْفِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَتَضَمَّنُ السُّؤَالَ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاضِعِينَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَمَوْرُوثِهِمْ وَمَوْرُوثِ مَوْرُوثِهِمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ عَامًا يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالتَّعْوِيضِ وَالْقِسْمَةِ وَكَثِيرًا مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ فَادَّعَى عَلَيْهِمْ بِوَقْفِيَّتِهَا شَخْصٌ حَاضِرٌ عَالِمٌ بِالتَّفْوِيتِ الْمَذْكُورِ وَالتَّصَرُّفِ هُوَ وَمُوَرِّثُهُ مِنْ قَبْلِهِ وَنَصُّهُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْبِيسُ وَمِلْكُ الْمُحْبِسِ لِمَا حَبَسَهُ يَوْمَ التَّحْبِيسِ وَبَعْدَ أَنْ تَتَعَيَّنَ الْأَمْلَاكُ الْمُحْبَسَةُ بِالْحِيَازَةِ لَهَا عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْحِيَازَةُ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى وَجْهِهِ وَأُعْذِرَ إلَى الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا مِنْ تَرْكِ الْقَائِمِ وَأَبِيهِ قَبْلَهُ عَلَيْهِمْ وَطُولِ سُكُوتِهِمَا عَنْ طَلَبِ حَقِّهِمَا مَعَ عِلْمِهِمَا بِتَفْوِيتِ الْأَمْلَاكِ فَالْقَضَاءُ بِالْحَبْسِ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِهِ لَازِمٌ انْتَهَى.
وَأَفْتَى بِذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ زَهْرٍ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَتَضَمَّنُ أَنَّ رَجُلًا فِي مِلْكِهِ ضَيْعَةٌ وَرِثَهَا عَنْ سَلَفِهِ مُنْذُ سَبْعِينَ عَامًا هُوَ وَأَبُوهُ وَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ فَقَامَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّ الضَّيْعَةَ رَهْنٌ بِيَدِهِ وَبِذَلِكَ مَلَكَهَا سَلَفُهُ قَبْلَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَدْعَى عَقَدَ السَّمَاعِ بِالرَّهْنِ فَأَثْبَتَ الَّذِي بِيَدِهِ الضَّيْعَةُ أَنَّ جَدَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ جَدِّ الْقَائِمِ عَلَيْهِ فِيهَا فَأَفْتَى أَنَّ شَهَادَةَ الشِّرَاءِ عَمَلٌ ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُشْتَرِي الْمُدَّعِي الرَّهِينَةَ بِعَيْنِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا حَبْسٌ عَلَيْهِ وَأَثْبَتَ عَقَدَ التَّحْبِيسِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى
خُطُوطِ شُهَدَائِهِ فَهَلْ تَرَى قِيَامَهُ أَوَّلًا بِالرَّهْنِ يُبْطِلُ قِيَامَهُ بِالْحَبْسِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ كَانَ مِنْ وَجْهِ الْحُكْمِ أَنْ لَا يُكَلَّفَ الَّذِي بِيَدِهِ الضَّيْعَةُ مِنْ أَيْنَ صَارَتْ إلَيْهِ حَتَّى يُثْبِتَ الْقَائِمُ مِلْكَ الرَّاهِنِ لَهَا وَرَهْنَهُ إيَّاهَا وَمَوْتَهُ وَأَنَّهُ وَارِثُهُ أَوْ وَارِثُ وَارِثِهِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قِيَامِهِ بِالْحَبْسِ سَوَاءٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ أَنَّ جَدَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْ جَدِّ الْقَائِمِ عَلَيْهِ إقْرَارٌ مِنْهُ لَهُ بِمِلْكِهَا فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحْبِسُ وَأَثْبَتَ حَفِيدُهُ عَقْدَ التَّحْبِيسِ وَأَنَّهُ مِنْ عَقِبِهِ لَا عَقِبَ لَهُ غَيْرُهُ بِالسَّمَاعِ إنْ عَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ الْقَاطِعَةِ وَأَعْذَرَ إلَى الْمَقُومِ عَلَيْهِ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَسْأَلَ الْمُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ التَّحْبِيسِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَائِمِ فِيهَا حِيَازَةٌ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ وَانْظُرْ إلَى تَارِيخِ كِتَابِ صَاحِبِ التَّحْبِيسِ وَتَارِيخِ السَّمَاعِ بِشِرَاءِ جَدِّ الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ مِنْ جَدِّ الْقَائِمِ فَإِنْ وَجَدَ تَارِيخَ الْحَبْسِ أَقْدَمَ قَضَى بِهِ وَبَطَلَ الشِّرَاءُ وَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ وَجَدَ تَارِيخَ السَّمَاعِ بِالشِّرَاءِ أَقْدَمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا أَقْدَمُ قَبْلَ صَاحِبِهِ قَضَى بِالشِّرَاءِ وَبَطَلَ التَّحْبِيسُ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فِي جَوَابٍ ثَانٍ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا إثْرَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَسَائِرُ مَا تَضَمَّنَهُ عَقْدُ التَّحْبِيسِ الثَّابِتِ لَا يُوجِبُ أَنْ يُسْأَلَ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ وَلَا يُعْتَقَلُ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُ إثْبَاتًا وَلَا عَقْلًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِمُ بِالتَّحْبِيسِ مِلْكَ الْمُحْبِسِ لِمَا حَبَسَهُ وَيَحُوزُ مَا أَثْبَتَ تَحْبِيسَهُ حِيَازَةً صَحِيحَةً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا أَصْلٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْنِي أَنَّ مَنْ بِيَدِهِ مِلْكٌ لَا يَدَّعِيه يُكَلَّفُ إثْبَاتَ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ وَيَحُوزَهُ وَلَا يُلْزَمُ الْمُقَوَّمُ عَلَيْهِ إذَا قَضَى بِبَقَاءِ الْمِلْكِ بِيَدِهِ وَحَكَمَ بِقَطْعِ الِاعْتِرَاضِ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ مَا ادَّعَى شِرَاءَهُ إذَا مَضَى مِنْ طُولِ الْمُدَّةِ مَا صَدَقَ فِيهِ الْمُبْتَاعُ عَلَى أَدَاءِ ثَمَنِ مَا ابْتَاعَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَلَوْ لَمْ يَمْضِ لَمْ يَحْكُمْ لِلْمُدَّعِي أَيْضًا بِالثَّمَنِ حَتَّى يَرْجِعَ عَمَّا ادَّعَاهُ مِنْ التَّحْبِيسِ إلَى تَصْدِيقِ دَعْوَى الْمُشْتَرِي عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْ وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ مَشَى عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ وَاضِعُ الْيَدِ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الْقَائِمُ الْمِلْكَ.
وَمِنْهَا حُكْمُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الرَّهْنِ وَمِنْهَا الْقَضَاءُ بِالتَّارِيخِ السَّابِقِ وَمِنْهَا إذَا جُهِلَ السَّابِقُ مِنْ تَارِيخِ الشِّرَاءِ أَوْ الْحَبْسِ قُضِيَ بِتَارِيخِ الشِّرَاءِ وَبَطَلَ الْحَبْسُ وَأَفْتَى غَيْرُهُ أَنَّهُ إذَا جَهِلَ التَّارِيخَ قَدَّمَ الْحَبْسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلَانِ) ش يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ إذَا حَازَ الْعَقَارَ بِالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ هَلْ تَكُونُ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ فِي حَقِّهِ عَشْرُ سِنِينَ كَالْأَجْنَبِيِّ أَوْ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ عَشْرُ سِنِينَ
وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ قَدْرَ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَهُمَا فِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ أَوَّلًا يَقُولُ أَنَّ الْعَشْرَ سِنِينَ حِيَازَةٌ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ حِيَازَةً إلَّا أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ حِيَازَةً وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ (الثَّانِي) عُلِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَعَهُمَا أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بَيْنَ الْقَرَابَةِ الشُّرَكَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا وَيَأْتِي أَيْضًا هُنَاكَ بَيَانُ حُكْمِ الْحِيَازَةِ بَيْنَ الْقَرَابَةِ الشُّرَكَاءِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْقَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ بِشَرِيكٍ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهُ مَرَّةً كَالْقَرِيبِ الشَّرِيكِ قَالَ فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ إلَى أَنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَعَ الطُّولِ الْكَثِيرِ وَهُوَ نَصُّ قَوْلِهِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى الْمَذْكُورِ وَمَرَّةً رَآهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ حُكْمَ الْقَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ بِشَرِيكٍ كَحُكْمِ الْقَرِيبِ الشَّرِيكِ هُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِهِ أَنَّهُ نَصُّ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَنَّ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَتَأَمَّلْهُ وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَ الْقَرَابَةِ سَوَاءٌ كَانُوا شُرَكَاءَ أَوْ غَيْرَ شُرَكَاءَ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فِي الْأَمَدِ الطَّوِيلِ الَّذِي يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) مُحَصِّلُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَنَّ الْحِيَازَةَ لَا تَكُونُ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ الْأَقَارِبُ الشُّرَكَاءُ بِمِيرَاثٍ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَكَذَا الشُّرَكَاءُ الْأَجَانِبُ الَّذِينَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ فَتَكْفِي الْحِيَازَةُ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَإِنْ حَصَلَ هَدْمٌ وَبِنَاءٌ وَغَرْسٌ فَتَكْفِي الْعَشَرَةُ الْأَعْوَامُ فِي الشَّرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَ ذَلِكَ قَوْلَانِ وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ الْقَرِيبِ غَيْرِ الشَّرِيكِ وَالْمَوْلَى وَالصِّهْرِ الشَّرِيكَانِ ثَالِثُهَا فِي الصِّهْرِ وَالْمَوْلَى دُونَ الْقَرِيبِ وَفِي كَوْنِ السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْعَشَرَةِ حِيَازَةً لِمَوْلَى وَصِهْرٍ غَيْرِ شَرِيكَيْنِ أَوْ إنْ هَدَمَ وَبَنَى أَوْ إنْ طَالَ جِدًّا أَقْوَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ إلَّا بِكَهِبَةٍ) ش قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ
سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَحْصُلُ الْحِيَازَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَلَاءِ وَلَوْ بَيْنَ أَبٍ وَابْنِهِ وَلَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ إلَّا أَنَّهُ إنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْبَيْعِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِي حِصَّتِهِ وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ الْعَامِ وَنَحْوِهِ حَتَّى اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْحِيَازَةِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ مِنْهُ وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثَّمَنَ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَاسْتَحَقَّهُ الْحَائِزُ وَإِنْ حَضَرَ مَجْلِسَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ قَامَ حِينَئِذٍ كَانَ لَهُ حَقُّهُ وَإِنْ سَكَتَ الْعَامَ وَنَحْوَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيُخْتَلَفُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى الْعِتْقِ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
ص (وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرَضٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا يَفْتَرِقُ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ إذَا كَانَتْ الْحِيَازَةُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَأَمَّا فِي حِيَازَةِ الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْأَقَارِبَ وَالشُّرَكَاءَ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ بِالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى فِيمَا يُسْكَنُ وَالِازْدِرَاعِ فِيمَا يُزْرَعُ قَالَ وَالِاسْتِغْلَالُ فِي ذَلِكَ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ فِي الدُّورِ وَكَالْغَرْسِ فِي الْأَرْضِينَ ثُمَّ قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى وَارِثِهِ بَيْنَ الرَّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبَاسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا يُبْلَغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ اللِّبَاسَ فِي الثِّيَابِ كَالسُّكْنَى فِي الدُّورِ وَأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ حِيَازَةٌ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَأَنَّ الِاسْتِقْلَالَ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ بِمَعْنَى قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ فِي الْعَقَارِ فَلَا تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فِي الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ إلَّا بِالِاسْتِغْلَالِ وَيُخْتَلَفُ فِي مُدَّتِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلَانِ أَوْ بِالْأُمُورِ الْمُفَوِّتَةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ وَيُعْلَمُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ ذَلِكَ مُفَوِّتًا بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ مُفَوِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا مِنْ بَابٍ أَحْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَجْنَبِيِّ أَنَّ الْقَرِيبَ لَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكًا أَوْ غَيْرَ شَرِيكٍ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِتَسَاوِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الثِّيَابُ يَكْفِي فِي حِيَازَتِهَا السَّنَةُ وَالسَّنَتَانِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْمُصَنِّفُ بَلْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ دُخُولُهَا فِي الْعُرُوضِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (الرَّابِعُ) التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ أَتَمُّ فَائِدَةً فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا طَلَبُ الدَّيْنِ قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مِنْ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ الْمَنْسُوبِ لِوَالِدِ ابْنُ فَرْحُونٍ السَّاكِتُ عَنْ طَلَبِ الدَّيْنِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا قَوْلَ لَهُ وَيُصَدَّقُ الْغَرِيمُ فِي دَعْوَى الدَّفْعِ وَلَا يُكَلَّفُ الْغَرِيمُ بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِ
مَوْتِهِمْ أَوْ نِسْيَانِهِمْ لِلشَّهَادَةِ انْتَهَى مِنْ مُنْتَخَبِ الْحُكَّامِ لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ بْنِ يَاسِينَ فِي مُدَّعِي دَيْنٍ سَلَفَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ إذْ الْغَالِبُ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ السَّلَفُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَالْبُيُوعَاتِ انْتَهَى كَلَامُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
وَقَالَ وَالِدُهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالسِّتِّينَ فِي الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّهْنِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ (فَرْعٌ) وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْحِيَازَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا قَدِيمًا وَقَامَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقِّهِ وَذَلِكَ الْقِيَامُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا أَخَذَهُ بِهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ أَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَانِ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً وَالْأَرْبَعِينَ وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْأَصْلِ إذَا طَالَ زَمَانُهَا هَكَذَا وَمَنْ هِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ حُضُورٌ فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا بِطُولِ الزَّمَانِ فَيَقُولُ قَدْ قَضَيْتُك وَبَادَ شُهُودِي بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمِدْيَانِ غَيْرُ الْيَمِينِ.
قَالَ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَقُومُ عَلَيْهِ الْيَتِيمُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ وَيُنْكِرُ قَبْضَ مَالِهِ مِنْ الْوَصِيِّ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةٌ يَهْلِكُ فِي مِثْلِهَا شُهُودُ الْوَصِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ رَأَيْت جَوَابًا وَأَظُنّهُ لِلْمَازِرِيِّ فِي الدُّيُونِ فَقَالَ إذَا طَالَ الزَّمَانُ عَلَى الطَّالِبِ وَبِيَدِهِ وَثَائِقُ وَأَحْكَامٌ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَ الْمَطْلُوبِ وَلَا عُذْرَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّلَبِ مِنْ ظُلْمٍ وَنَحْوِهِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي حَدِّ السُّكُوتِ الْقَاطِعِ لِطَلَبِ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الْوَثَائِقِ وَالْأَحْكَامِ هَلْ حَدُّ ذَلِكَ عِشْرُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ أَوْ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ لِطَلَبِ الطَّالِبِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ مُعَلَّلٌ بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الطَّلَبِ بِالْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَبِ مَعَ الْحُضُورِ حَتَّى إذَا ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ مِنْ الطَّلَبِ كَانَ طُولُ الْمُدَّةِ مَعَ السُّكُوتِ وَالْحُضُورِ دَلَالَةٌ يَقْوَى بِهَا سَبَبُ الْمَطْلُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَلَى خَصْمِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» فَأَطْلَقَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكْرَ الْحِيَازَةِ فَهُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَا يُحَازُ مِنْ رَبْعٍ وَمَالٍ مُعَيَّنٍ وَغَيْرِهِ وَمَنْ اجْتَهَدَ فَحَدَّ فِي الرِّبَاعِ الْعَشْرَ سِنِينَ وَحَّدَ فِي الدَّيْنِ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الطَّالِبِ مَعَ الْمَطْلُوبِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى حَالِهِ كَثْرَةُ الْمُشَاحَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ خَصْمِهِ عَشْرَ سِنِينَ جَعَلَهَا حَدًّا قَاطِعًا وَمَنْ جَعَلَهَا عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثِينَ أَيْ أَنَّهَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ السُّكُوتُ فِي بَيْعِ الْمُتَحَمَّلِ فَجَعَلَهُمَا حَدًّا قَاطِعًا لِأَعْذَارِ الطَّالِبِينَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِ أَنَّهُ قَضَاءٌ وَقَدْ قَضَى بِتَغْلِيبِ الْأَحْوَالِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ لَهُ شَيْءٌ تَرَكَ غَيْرَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسْقِطُ الْمِلْكَ وَيَمْنَعُ الطَّالِبَ مِنْ الطَّلَبِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَإِذَا كَانَ طُولُ الْمُدَّةِ مَعَ حُضُورِ الطَّالِبِ وَسُكُوتِهِ مَانِعًا لَهُ مِنْ الطَّلَبِ فَالطَّلَبُ مَمْنُوعٌ فِي سَائِرِ الْمَطَالِبِ دُونَ وَثَائِقَ وَأَحْكَامٍ وَرِبَاعٍ بِدَلِيلِ أَنَّ السُّكُوتَ فِي ذَلِكَ يُعَدُّ كَالْإِقْرَارِ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا تِبَاعَةَ وَلَا طَلَبَ (قُلْت) هَذَا الْجَوَابُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِذَا أَجْرَاهُ عَلَى مَسَائِلِ الْحِيَازَةِ فَفِيهَا قَرِيبُ الْقَرَابَةِ وَالْبَعِيدُ وَالْمُتَوَسِّطُ وَالْمُقَاطِعُ لِقَرِيبِهِ وَالْمُوَاصِلُ لَهُ فَيَجْرِي عَلَيْهَا وَفِي بَعْضِهَا مَا يَبْلُغُ الْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ مَعَ أَنِّي أَحْفَظُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ الدَّيْنُ وَثَبَتَ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ طَالَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِوَثِيقَةٍ مَكْتُوبَةٍ وَهِيَ فِي يَدِ الطَّالِبِ وَالطَّلَبُ بِسَبَبِهَا لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِيَدِ رَبِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ دِينَهُ إذْ الْعَادَةُ إذَا قَبَضَ دَيْنَهُ أَخَذَ عَقْدَهُ أَوْ مَزَّقَهُ بِخِلَافِ إذَا كَانَتْ الدُّيُونُ بِغَيْرِ عُقُودٍ وَلَوْ وُجِدَتْ بِغَيْرِ الْمَطْلُوبِ وَإِلَّا فَفِيهَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ
وَخَرَّجَهُمَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْن إذَا وُجِدَ بِيَدِ الرَّاهِنِ هَلْ هُوَ إبْرَاءٌ لَهُ أَمْ لَا؟ لِجَوَازِ وُقُوعِهِ وَسُقُوطِهِ أَوْ التَّسَوُّرِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقِيَاسُهُ عَلَى بَابِ الْحِيَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ تَرْجِيحَ الْحِيَازَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ أَصْلُهُ بِكِرَاءٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَزَالُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَالدَّيْنُ إنْ ثَبَتَ أَصْلُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافٌ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا ذَكَرَهُ خِلَافًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ وَعَلَيْهِ جَرَى عَمَلُ الْقُضَاةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِتُونُسَ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الدَّيْنِ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ فَيُعْمَلُ عَلَيْهَا فِي الْبَرَاءَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ: وَقِيَاسُهُ عَلَى بَابِ الْحِيَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ تَرْجِيحَ الْحِيَازَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ إلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلْنَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ وَكَلَامَهُ عَلَيْهَا وَنَصّهَا.
[مَسْأَلَة تَرَكَتْ بَعْض مَا أصدقها وَالِد زَوْجهَا حتي مَاتَ ثُمَّ أَرَادَتْ الْمَرْأَة أَخَذَهَا فمنعها ورثة الحمو]
مَسْأَلَةٌ قَالَ يَحْيَى وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَنْ ابْنِهِ مَنْزِلًا فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُهُ بِالْمَرْأَةِ أَخَذَتْ الْمَنْزِلَ إلَّا حُقُولًا يَسِيرَةً تَرَكَتْهَا فِي يَدِ حَمُوهَا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ ثُمَّ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ أَخْذَهَا فَمَنَعَهَا وَرَثَةُ الْحَمْوِ وَقَالُوا قَدْ عَايَنْتهَا زَمَانًا مِنْ دَهْرِك وَهِيَ فِي يَدِهِ وَلَا تَشْهَدِي عَلَيْهِ بِعَارِيَّةٍ وَلَا كِرَاءٍ وَلَا نَدْرِي لَعَلَّك أَرْضَاك مِنْ حَقِّك أَتَرَى لِلْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حَقًّا؟ قَالَ: نَعَمْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ تِلْكَ الْحُقُولَ الَّتِي هِيَ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَهَا الْحَمْوُ عَنْ ابْنِهِ وَلَا يَضُرُّهَا طُولُ مَا تَرَكَتْ ذَلِكَ فِي الْحَمْوِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِالصَّدَقَةِ فَتَلْزَمُ حِيَازَتُهَا وَإِنَّمَا الصَّدَاقُ ثَمَنٌ مِنْ الْأَثْمَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَتْ كُلَّ مَا أَصْدَقَهَا فِي يَدِ الْحَمْوِ لَمْ يَضُرَّهَا ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لَا إشْكَالَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ لِأَنَّ حَقَّهَا تَرَكَتْهُ فِي يَدِ حَمُوهَا فَلَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» وَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْحَائِزُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَرَابَةِ وَالْأَجْنبِيِّينَ وَالْأَصْهَارِ فِيهَا إذْ قَدْ عُرِفَ وَجْهُ كَوْنِ الْأَحْقَالِ بِيَدِ الْحَمْوِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ حَتَّى يُعْرَفَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَائِزَ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ إلَّا إذَا جَهِلَ أَصْلَ مَدْخَلِهِ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِالْحِيَازَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[بَاب أَحْكَامَ الدِّمَاءِ وَأَحْكَامَ الْقِصَاصِ]
ص (بَابٌ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ إلَخْ) ش: هَذَا بَابٌ يَذْكُرُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ الدِّمَاءِ وَأَحْكَامَ الْقِصَاصِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ بَابٌ مُتَّسِعٌ
مَتْرُوكٌ يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مِنْ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى حِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالنُّفُوسِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَنْسَابَ عِوَضَ الْأَمْوَالِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْهَا وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَأُخِذَ لِمَالِكٍ الْقَوْلَانِ فَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ.
عَدَمُ الْقَبُولِ.
وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: لِيُكْثِرَ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالصَّدَقَةِ وَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ.
الْقَبُولُ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَخْلِيدِهِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ تَخْلِيدِهِ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَخْذَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ التَّوْبَةَ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ الْإِمَامَةِ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ.
وَنَصُّ كَلَامِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَتْلُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْهُ وَفِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَإِنْفَاذِ وَعِيدِهِ مَذْهَبَا الصَّحَابَةِ.
وَإِلَى إنْفَاذِ وَعِيدِهِ ذَهَبَ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ (قُلْت) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِعَدَمِ رَفْعِ سَابِقِ حُرْمَتِهِ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ وَقَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلُ مَالِكٍ لِيُكْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالصَّدَقَةَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ وَيَلْزَمَ الثُّغُورَ مَنْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْقَوَدُ.
دَلِيلٌ عَلَى الرَّجَاءِ عِنْدَهُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ.
خِلَافُ قَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ قَالَ وَالْقَوْلُ بِتَخْلِيدِهِ خِلَافُ السُّنَّةِ وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ قَوَدًا وَدِيَةً اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا فِي التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ رَدَّ التَّبِعَاتِ.
وَرَدُّ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَقْتُولِ مُتَعَذِّرٌ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ الْمَقْتُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ إذَا سُئِلَ عَنْ تَوْبَتِهِ سَأَلَ هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَالَ لَا تَوْبَةَ.
وَإِلَّا قَالَ لَهُ التَّوْبَةُ وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْفَتْوَى انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْكَلَامَ عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ وَالْمِقْدَادِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْأَبِيِّ وَعِيَاضٍ وَالْقُرْطُبِيِّ
[فَرْعٌ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا قِيلَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» وَقِيلَ لَيْسَ بِكَفَّارَاتٍ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الْقِصَاصِ بَلْ مَنْفَعَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ زَجْرًا أَوْ تَشَفِّيًا وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةُ.
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: 32] الْآيَةَ.
فِيهَا سُؤَالٌ وَهُوَ وَجْهُ تَشْبِيهِ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِقَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ وَإِحْيَائِهَا بِإِحْيَاءِ جَمِيعِ النَّاسِ؟ وَالتَّشْبِيهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَقَارِبِينَ جِدًّا وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بُعْدًا شَدِيدًا وَكَذَلِكَ إحْيَاؤُهَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَابِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إمَامٌ مُقْسِطٌ أَوْ حَاكِمٌ عَدْلٌ أَوْ وَلِيٌّ تُرْتَجَى بَرَكَتُهُ
الْعَامَّةُ فَلِعُمُومِ مَنْفَعَتِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُمْ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ وَإِلَّا فَالتَّشْبِيهُ مُشْكِلٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا كَانَ قَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَزِيدُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى عُقُوبَةِ قَاتِلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ شَبَّهَهُ بِهِ.
قَالَ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَاتِ وَلِذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ قَاتِلَ الْوَاحِدِ بِعَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِيدُهُ، اعْتَقَدْنَا مُضَاعَفَتَهُ فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ النَّاسِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
(الثَّانِيَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] قِيلَ الْخِطَابُ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُمْ إذَا اقْتَصُّوا فَقَدْ سَلِمُوا وَحَيُوا بِدَفْعِ شَرِّ هَذَا الْقَاتِلِ عَنْهُمْ الَّذِي صَارَ عَدُوَّهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِطَابُ لِلْقَاتِلِينَ لِأَنَّهُ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُمْ فَقَدْ مُحِيَ إثْمُهُ فَحَيِيَ حَيَاةً مَعْنَوِيَّةً.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا إضْمَارَ وَقِيلَ الْخِطَابُ لِلنَّاسِ.
وَالتَّقْدِيرُ وَلَكُمْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ يَكُفُّ عَنْ الْقَتْلِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيرٌ أَيْضًا وَيَكُونَ الْقِصَاصُ نَفْسُهُ فِيهِ الْحَيَاةُ.
أَمَّا لِغَيْرِ الْجَانِي فَلِانْكِفَافِهِ وَأَمَّا لِلْجَانِي فَلِسَلَامَتِهِ مِنْ الْإِثْمِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[أَرْكَان الْقِصَاص فِي الْقَتْل]
وَالْقِصَاصُ تَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ وَتَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالْأَطْرَافِ.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَالْقَتْلُ فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَالَ: إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ إلَخْ.
وَإِنَّمَا قَالَ أَتْلَفَ وَلَمْ يَقُلْ قَتَلَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَشْمَلُ الْمُبَاشَرَةَ وَالتَّسَبُّبَ وَالْقَتْلُ إنَّمَا يَتَبَادَرُ لِلْمُبَاشَرَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا وَهُوَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَعَمْدُهُمَا كَالْخَطَإِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ذَكَرْتهَا فِي حَاشِيَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ.
(تَنْبِيهٌ) الْمَرْفُوعُ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ الْإِثْمُ وَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا الضَّمَانُ فَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ.
وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ هِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ.
وَشَرْطٌ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَخِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ الْخِطَابُ بِكَثِيرِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَلَا قُدْرَتُهُ وَلَا كَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَيَضْمَنُ النَّائِمُ مَا أَتْلَفَهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي مَالِهِ وَكَذَلِكَ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الدِّمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَإِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُعَارِضٍ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: إذَا وَقَعَ هَذَا فِي الْوُجُودِ فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَتَلَ الْمَجْنُونُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ إفَاقَتِهِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ يُسْلَمُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَهُ إنْ شَاءُوا قَالَ وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ لَمْ أَقْتُلْهُ حَتَّى يَصِحَّ لِأَنِّي أَدْرَأُ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا أَقُولُ هَذَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ.
وَرَدَّ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا هَذَا الْمَجْنُونَ وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا أَتْبَعُوهُ بِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ إفَاقَتِهِ فَهَلْ يُسْلَمُ لِلْقَتْلِ أَوْ تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهِ؟ قَوْلَانِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ انْتَهَى فَسَاوَوْا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّ الثَّانِي لِابْنِ الْمَوَّازِ (فَرْعٌ) فَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى الْبَيِّنَةِ أَقَتَلَ فِي حَالِ عَقْلِهِ أَوْ جُنُونِهِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَشْهَدَ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَتَلَ فِي حَالِ كَوْنِهِ فِي عَقْلِهِ.
انْتَهَى.
وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ السَّكْرَانُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالرَّقِيقُ وَلِهَذَا بَالَغَ بِهِ فَقَالَ وَإِنْ رَقَّ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ غَيْرُ حَرْبِيٍّ يَعْنِي أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إذَا قَتَلَ فِي حَالِ حِرَابَتِهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ
بِقَوْلِهِ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ يَعْنِي فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُرُّ كَافِرًا وَالْعَبْدُ مُسْلِمًا فَيُقْتَلُ الْحُرُّ الْكَافِرُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَوْلُهُ أَوْ إسْلَامَ أَيْ فَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا وَالْكَافِرُ حُرًّا قَالَ فِي الْبَيَانِ اتِّفَاقًا وَقَوْلُهُ حِينَ الْقَتْلِ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّكَافُؤِ حِينَ الْقَتْلِ فَلَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ كَافِرًا قُتِلَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَ قَتْلِهِ عَبْدًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا عَمْدًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَ: الْعَفْوُ عَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا صَارَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ الْآنَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَقْتُولِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدًا كَانَ الْقَوَدُ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ إلَّا لِغِيلَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحِرَابَةِ الْغِيلَةُ أَنْ يَخْدَعَ غَيْرَهُ لِيُدْخِلَهُ مَوْضِعًا وَيَأْخُذَ مَالَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَتْلُ الْغِيلَةِ حِرَابَةٌ وَهُوَ قَتْلُ الرَّجُلِ خُفْيَةً لِأَخْذِ مَالِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَتْلُ الْغِيلَةِ هُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ خُفْيَةً فَإِذَا صَارَ فِيهِ قَتَلَهُ فَهَذَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا عَفْوَ فِيهِ.
قَالَ: وَنُقِلَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَظُنُّهُ الْبَوْنِيَّ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ.
قَالَ: وَأَمَّا لِنَائِرَةٍ بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْعَدَاوَةُ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا أَظُنُّهُ عَنْ الْبَوْنِيِّ مِثْلُهُ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ الْعُتْبِيَّة وَالْمَوَّازِيَّةِ وَذَكَرَ لَفْظَهُ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْبَاجِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَقَبِلَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ انْتَهَى.
وَقَالَ عِيَاضٌ يَعْنِي اغْتَالَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ وَلَوْ كَانَ لِنَائِرَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِيهِ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحَارِبٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْمَالِ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَرِضَ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ أَنَّ قَتْلَ الْغِيلَةِ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ]
(فَرْعٌ) وَالْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ كَالْغِيلَةِ فِي النَّفْسِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ عَلَى وَجْهِ الْغِيلَةِ فَلَا قِصَاصَ لَهُ وَالْحُكْمُ لِلْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْغِيلَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هُنَا فَرْعٌ اُخْتُلِفَ إذَا قَامَ بِقَتْلِ الْغِيلَةِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ هَلْ فِيهِ قَسَامَةٌ أَمْ لَا اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَتَلَ وَلِيَّهُ غِيلَةً فَصَالَحَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ لِلْإِمَامِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الرُّكْنِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ مَعْصُومًا يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا وَظَاهِرُهُ وَسَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ أَمْ لَا.
وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى وَعِيسَى وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الدِّيَاتِ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ فِيمَنْ أَجْهَزَ عَلَى مَنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ شَخْصٌ آخَرُ هَلْ يُقْتَلُ بِهِ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ قَوْلَيْنِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَوْ أَنْفَذَ وَاحِدٌ مَقَاتِلَهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ثَانٍ قُتِلَ وَعُوقِبَ الْأَوَّلُ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
ص (وَأُدِّبَ كَمُرْتَدٍّ وَزَانٍ أُحْصِنَ)
ش: وَكَذَا الْمُحَارِبُ وَالزِّنْدِيقُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ زِنْدِيقًا.
اللَّخْمِيُّ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ وَلَا دِيَةَ لَهُمْ إنْ قُتِلُوا خَطَأً وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَهُ دِيَتُهَا فَعَلَيْهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي هَذَيْنِ إنْ قُتِلَا خَطَأً وَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا عُضْوٌ فَلَهَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْعُضْوِ قَالَ عِيسَى مَنْ اغْتَاظَ مِنْ ذِمِّيٍّ يَشْتُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ شَتْمًا يُوجِبُ قَتْلَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ عَامًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصَّ عَلَى نَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ قَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصْرَانِيًّا اهـ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَبُولِهِ فِي الدِّيَاتِ أَنَّ دِيَةَ الْمُرْتَدِّ كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى هُنَا الْقِصَاصَ وَالْكَلَامُ هُنَاكَ فِي
الدِّيَاتِ وَنَفْيُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ فَلَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَكَأَنَّ قَاتِلَهُ قَتَلَ كَافِرًا مُحَرَّمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي مِقْدَارِ أَدَبِهِمْ فَمَنْ طُلِبَ السَّتْرُ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ تَكُونُ الْجُرْأَةُ عَلَى الْقَاضِي بِقَتْلِهِ أَكْثَرَ وَكُفْرُ الزَّنْدَقَةِ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الِارْتِدَادِ الظَّاهِرِ انْتَهَى.
يَعْنِي فَيَكُونُ الْأَدَبُ فِي كُفْرِ الِارْتِدَادِ أَشَدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ قَالُوا: وَهَذَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُنْصِفُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ حَقِّهِ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ الَّذِي يَقْتُلُ وَلِيَّهُ رَجُلٌ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَقْتُلُ الْوَلِيُّ قَاتِلَ وَلِيِّهِ غِيلَةً أَوْ بِاحْتِيَالٍ أَنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ يُنْصِفُهُ فَهُوَ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ تَجْرِي عِنْدِي عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَوْ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَفَعَ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
ص (فَالْقَوَدُ عَيْنًا)
ش: يَعْنِي إذَا وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ الْقَوَدُ أَيْ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوا عَلَى الدِّيَةِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجِرَاحِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ الْوَاجِبُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدِّيَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِتَخْيِيرِ الْأَوْلِيَاءِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدِّيَةِ فَإِنْ طَلَبَ الْأَوْلِيَاءُ مِنْهُ الدِّيَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ وَقَاتِلُ الْعَمْدِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَوْلِيَاءُ الدِّيَةَ فَيَأْبَى إلَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْقَتْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا لِأَنَّهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ لِيَتْرُكَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ مَضَارُّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ جَعَلَ لِلْأَوْلِيَاءِ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا فَلِيَقْتُلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ وَأَمَّا جِرَاحُ الْعَمْدِ فَيُوَافِقُ أَشْهَبُ الْمَشْهُورَ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التَّخْيِيرُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ كَالنَّفْسِ وَفَرَّقَ الْبَاجِيُّ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الْجَارِحَ يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَالْقَاتِلُ إنَّمَا يَتْرُكُ الْمَالَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَضَارُّ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ الدِّيَةِ انْتَهَى.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ وَارِثُهُ أَعَزُّ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[تَنْبِيه جَرَحَ الْعَبْدُ مِثْلَهُ أَوْ قَتَلَهُ]
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا إذَا جَرَحَ الْعَبْدُ عَبْدًا مِثْلَهُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّ لِسَيِّدِ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَخْذَ الْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ اسْتَحْيَا الْعَبْدُ الْجَانِي خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي فِدَائِهِ بِدِيَةِ الْحُرِّ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَفِي إسْلَامِهِ وَفِي الْجِرَاحِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْجُرْحِ إنْ كَانَ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى فَإِنْ حَصَلَ عَنْهُ عَيْبٌ خُيِّرَ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِمَا يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ عَيْبٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا.
(تَنْبِيهٌ) فَإِذَا جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا وَبَرِيءَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يُدْعَى الْجَارِحُ فَيُقَالُ: صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَى مَا ذَكَرْت فَإِنْ امْتَنَعَ فَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ سَوَاءً أَرَادَ الْقِصَاصَ أَوْ أَرَادَ أَخْذَ الْأَرْشِ أَوْ يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ قِيلَ لِلْعَبْدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاقْتَصَّ وَإِنْ أَرَادَ الْأَرْشَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَامَ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْجُرْحِ فَهَلْ يَحْلِفُ السَّيِّدُ مَعَهُ مُطْلَقًا سَوَاءً أَرَادَ الْقِصَاصَ أَوْ الْأَرْشَ قَالَ فِي