كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الضُّحَى فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهَذِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا ذَكَرَهَا شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى كَشْفَ الْغِطَاءِ فِي تَبْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَذَكَرَ السَّبْعَةَ الْأُوَلَ مِنْهَا صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنْ الْأَقْوَالِ الْأُخَرِ وَذَكَرَ الْجُزُولِيُّ قَوْلًا أَنَّهَا الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ زَرُّوق أَنَّهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيِّ وَقَالَ إنَّهُ خَارِجُ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ زَرُّوق قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ فَتَصِيرُ الْأَقْوَالُ عِشْرِينَ قَوْلًا.
وَالْوُسْطَى تَأْنِيثُ الْوَسَطِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) الْمُخْتَارُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] وَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: 28] .
(وَالثَّانِي) التَّوَسُّطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الصُّبْحِ.
أَمَّا فَضْلُهَا فَمَعْلُومٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَرِيبًا.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ فَهِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِ مُرْتَضِيًا لَهُ وَمُحْتَجًّا بِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّئًا مِنْهُ قَالَ وَذَكَرْتُ هَذَا فِي دَرْسِ شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ فَخَالَفَنِي جَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: إنَّمَا أَتَى بِذَلِكَ ارْتِضَاءً وَاسْتِدْلَالًا، وَقَالَ الشَّيْخُ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلَا أَدَاءٍ لَمْ يَعْصِ إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ) .
ش قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ يَجُوزُ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَزْمُ عَلَى الْأَدَاءِ عَلَى الرَّاجِحِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ إذَا لَمْ يَظُنَّ الْمَوْتَ أَيْ: لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِيهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ جَائِزٌ، وَلَا إثْمَ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ لَا يُقَالُ: شَرْطُ جَوَازِ التَّرْكِ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ إذْ لَمْ يُمْكِنْ الْعِلْمُ بِهَا فَيُؤَدِّي إلَى التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمْرُ فَإِنَّهُ لَوْ أَخَّرَهُ وَمَاتَ عَصَى وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ إلَى سَنَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِغَالِبٍ عَلَى الظَّنِّ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ إلَى سَنَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْمَالِكِيَّةِ.
(قُلْتُ:) وَفِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ عَصَاهُ مَا أَخَّرَ عِنْدَهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَالشَّافِعِيُّ: الَّذِي لَمْ يَعْصَ الشَّابُّ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِوَسَطِ الْوَقْتِ هُوَ مَا بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ لَا الْوَسَطُ الْحَقِيقِيُّ وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْمَوْتَ وَأَخَّرَهُ فَإِنَّهُ يَعْصَى وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْمَوْتَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ بِالْفِعْلِ فَإِنْ أَخَّرَ الْفِعْلَ عَصَى وَسَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ، أَوْ عَاشَ وَفَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، نَعَمْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا لَمْ يَمُتْ بَعْدَ أَنْ يَضِيقَ عَلَيْهِ الْوَقْتَ لِظَنِّهِ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ وَلَكِنَّ وَقْتَهَا بَاقٍ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا أَدَاءٌ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إنَّهَا قَضَاءٌ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأَصْلِيِّ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا، وَإِنْ عَصَى هُوَ بِالتَّأْخِيرِ كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَعْصَى بِالتَّأْخِيرِ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ فَالصَّلَاةُ أَدَاءٌ اتِّفَاقًا، وَلَا أَثَرَ لِلِاعْتِقَادِ الَّذِي تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ حَتَّى يُقَالَ: صَارَ وَقْتًا بِحَسَبِ ظَنِّهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَكُونُ قَضَاءً لِئَلَّا يَلْزَمَ مَنْ جَعَلَ ظَنَّ الْمُكَلَّفِ مُوجِبًا لِلْعِصْيَانِ بِالتَّأْخِيرِ أَنْ يَخْرُجَ مَا هُوَ وَقْتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهِ وَقْتًا وَلِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْقَضَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إطْلَاقُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ثُمَّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَّرَهُ عَنْ الْوَقْتِ الْمَظْنُونِ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ وَالْآخَرُ أَخَّرَهُ عَنْ الْوَقْتِ الْمَظْنُونِ قَبْلَ الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ.
(قُلْتُ:) وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ اسْتِمْرَارَ الْوَقْتِ فَأَخَّرَ ثُمَّ فَعَلَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي ظَنِّهِ فَإِذَا هُوَ بَعْدَ الْوَقْتِ أَنْ يَكُونَ أَدَاءً بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ قَالَهُ الرَّهُونِيُّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْأَصْلِيِّ وَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي أَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ قَدْ تَضِيقُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ظَنِّهِ فَكَأَنَّهُ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا قَالَ
الرَّهُونِيُّ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَالنِّزَاعُ فِي التَّسْمِيَةِ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ: (فَائِدَةٌ) اتَّضَحَ بِمَا تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ مِنْهُ أَدَاءً؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ بَلْ تَبَعٌ لِلظَّنِّ الْكَاذِبِ، وَقِيلَ: هُوَ قَضَاءٌ قَوْلَانِ لِلْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالسِّتِّينَ: (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالتَّوَسُّعِ فَهَلْ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا يَأْثَمُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، أَوْ لَا يَأْثَمُ لِإِذْنِ الشَّرْعِ فِي التَّأْخِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ اهـ. وَيُرِيدُ بِهَذَا مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ حُلُولُو فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْفِهْرِيِّ وَالْأَنْبَارِيِّ كَلَامًا فِيهِ طُولٌ وَالْفِهْرِيُّ الطُّرْطُوشِيِّ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى تَارِكِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَوْقَاتِ مَنْ حَلَفَ عَلَى صَلَاةٍ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا فَلَمَّا دَخَلَ وَقْتُهَا مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَاقَبٍ الَّذِي مَا صَلَّاهَا، وَلَا يَكْفُرُ بِتَصْمِيمِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي انْتَهَى.
(قُلْتُ:) هُوَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَاقَبٍ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مُعَاقَبٌ عَلَى تَصْمِيمِهِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالتَّصْمِيمَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا مَاتَ فَجْأَةً مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَالْأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقْدِيمُهَا مُطْلَقًا) .
ش لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ بَيَانِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى وَقْتِ فَضِيلَةٍ وَوَقْتِ تَوْسِعَةٍ شَرَعَ يُبَيِّنُ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ مِنْهُ وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ بَقِيَّتَهُ وَقْتُ تَوْسِعَةٍ فَذَكَرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْفَذِّ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: 238] وَمِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا الْإِتْيَانُ بِهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّلَاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ وَآخِرَ الْوَقْتِ عَفْوُ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي خُلَاصَةِ الْأَحْكَامِ إنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ضَعِيفَانِ وَذَكَرَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا لِوَقْتِهَا وَإِيرَادُ النَّوَوِيِّ لَهُ فِي بَابِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَكَذَا قَالَ فِيهِ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ فِيهِ الْبِدَارَ إلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إذَا أُقِيمَتْ لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَوَّلًا وَلَا آخِرًا انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اسْتِحْبَابُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ احْتِيَاطًا لَهَا وَمُبَادَرَةً إلَى تَحْصِيلِهَا انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) زَادَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: " وَفِي وَسَطِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ " قَالَ الْحَافِظ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ذِكْرُ وَسَطِ الْوَقْتِ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) مَا ذَكَرَهُ عَنْ الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَجَزَمَ بِهِ وَقَالَ وَقَوْلُهُ: " وَآخِرَهُ عَفْوُ اللَّهِ " يُرِيدُ بِهِ التَّوْسِعَةَ لَا عَلَى مَعْنَى الْعَفْوِ عَنْ الذَّنْبِ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ مُؤَخِّرَهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لَا يَلْحَقُهُ إثْمٌ وَلَا يُنْسَبُ إلَى التَّقْصِيرِ فِي وَاجِبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رِضْوَانُ اللَّهِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُحْسِنَيْنِ وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ
لِلْمُقَصِّرِينَ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِسْفَارُ بِالصُّبْحِ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَكُلَّمَا أَسْفَرْتُمْ بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِسْفَارَ إسْفَارَانِ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا انْتَهَى وَفِي التَّنْبِيهَاتِ نَحْوُهُ، وَالْمَعْنَى صَلُّوهَا حِينَ يَتَّضِحُ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَلَا يُشَكُّ فِيهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَقَدْ يُعْتَرَضُ هَذَا بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْفَجْرِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ فَلَا أَجْرَ فِيهَا حَتَّى يُقَالَ: إنَّ غَيْرَهَا أَعْظَمُ مِنْهَا أَجْرًا وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّا لَمْ نُرِدْ حَالَةَ الْتِبَاسِهِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ وُضُوحَ الْفَجْرِ يَتَفَاوَتُ فَأُمِرَ الْمُصَلِّي بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْوُضُوحِ التَّامِّ وَالْبَيَانِ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ وُقُوعُ الْتِبَاسٍ، وَلَا يُشَكُّ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالصُّبْحِ قَالَ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمُسَافِرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَتَرَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تُؤَخَّرَ قَلِيلًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مِنْ فِعْلِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا لَا يَجُوزُ.
الثَّانِي أَنْ يَسْتَيْقِنَ دُخُولَ الْوَقْتِ وَيَتَمَكَّنَ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ خَفِيٌّ لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بِظُهُورِ زِيَادَةِ الظِّلِّ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقًا يَعْنِي ظُهْرًا كَانَتْ، أَوْ غَيْرَهَا إذْ لَمْ يَعْرِضْ فِي الْفَذِّ عَارِضٌ يَنْقُلُهُ إلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَقِيلَ: الْمُنْفَرِدُ كَالْجَمَاعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(قُلْتُ:) هَكَذَا حَكَى الْبَاجِيّ عَنْ الْقَاضِي وَاَلَّذِي لَهُ فِي التَّلْقِينِ وَالْمَعُونَةِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِلْجَمَاعَةِ قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إلَى أَنْ يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْفَذِّ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ التَّعْجِيلُ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى الذِّرَاعِ لِعُمُومِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْفَيْءُ ذِرَاعٌ انْتَهَى.، وَلَمْ يَعْزُ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَوْلَ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ إلَّا لِلْقَاضِي فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَذَّ وَالْجَمَاعَةَ سَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ وَعَزَا مُقَابِلَهُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ وَإِلَيْهِ مَالَ الْفُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَلَمْ يَتَلَفَّتُوا إلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، حَمَلَهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ حَمْلُهُ بِصَحِيحٍ وَخَصَّصَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْخِلَافَ الَّذِي فِي إبْرَادِ الْمُنْفَرِدِ بِالصَّيْفِ قَالَ: وَلَا يُبْرِدُ الْمُنْفَرِدُ فِي الشِّتَاءِ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى عَزْوِ هَذَا الْقَوْلِ لِلْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ بِالْمُنْفَرِدِ الْجَمَاعَةَ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ غَيْرَهَا أَيْ: كَأَهْلِ الزَّوَايَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إلْحَاقُ اللَّخْمِيِّ الْجَمَاعَةَ الْخَاصَّةَ كَالْفَذِّ أَوَّلَ الْوَقْتِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ اخْتَارَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَكَلَامُهُ فِي التَّبْصِرَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْفَذُّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ، وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ إذَا اجْتَمَعَتْ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَكُونُوا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُمْ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ انْتَهَى.
قَالَ فِي الشَّامِلِ وَالْأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: كَالْجَمَاعَةِ وَأُلْحِقَ بِهِ أَهْلُ الرُّبُطِ وَالزَّوَايَا وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يَنْتَظِرُونَ غَيْرَهُمْ انْتَهَى.
وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي كَلَامَ اللَّخْمِيِّ خِلَافًا وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ وَنَصُّهُ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَا تَطْلُبُ غَيْرَهَا كَأَهْلِ الرَّبْطِ وَالْمَدَائِنِ كَغَيْرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ هِيَ كَالْمُنْفَرِدِ وَهُوَ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) تَعْلِيلُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِإِدْرَاكِ النَّاسِ الصَّلَاةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ هُوَ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَدْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ
أَفْضَلَ، أَوْ وَاجِبًا كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَرَجَا وُجُودَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَكَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَتَأَخَّرَ مَجِيءُ الْقَصَّةِ وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَرَجَا وُجُودَ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ وَكَذَا مَنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ مَنَعَهُ الْقِيَامَ وَرَجَا إزَالَتَهُ فِي الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ وَالْأَفْضَلُ لِلْمُنْفَرِدِ تَقْدِيمُ الْفَرْضِ عَلَى النَّفْلِ ثُمَّ يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ وَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ بَعْدَهَا، وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ كَالْعَصْرِ وَالصُّبْحِ فَلَا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ:) أَمَّا الصُّبْحُ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا فَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا إلَّا بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ إنَّهُ يُؤَخِّرُهَا، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَكُونُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ فِي خُصُوصِيِّهِ النَّفْلِ قَبْلَهَا فَيَنْبَغِي لِلْمُنْفَرِدِ الْمُبَادَرَةُ بِهَا، وَأَمَّا الْعَصْرُ فَقَدْ وَافَقَ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهَا كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا قَالَ إنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الظُّهْرَ كَذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إنَّهُ يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ النَّافِلَةِ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الشَّهِيدُ فِي مَنَاسِكِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى فَوْرِيَّة الْحَجِّ وَتَرَاخِيهِ: الصَّلَاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا فَإِنْ عَجَّلَهَا فِيهِ فَقَدْ أَدَّى فَرْضَهُ وَتَعْجِيلُهَا وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَأَدَاؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ أَفْضَلُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» فَلَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا بَعْدَ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى أَهْلُهُ فَجَائِزٌ أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إنْ كَانَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ قَوْلُهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَاءَ بِهِ عَلَى مَعْنَى الدَّلِيلِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ جَائِزٌ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَكْتُوبَةِ وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَعَلَى مَنْعِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الْمَكْتُوبَةِ وَمَعَ الِاتِّسَاعِ فَمَا الْأَحْسَنُ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلُهُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ أَتَى بِقَصْدِ الْفَرِيضَةِ فَإِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَيْهَا وَطَالِبًا لَهَا فَيُرْجَى حُصُولُ الثَّوَابِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لِوَقْتِ الْفَضِيلَةِ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَهَا نَافِلَةً، وَإِنْ كَانَ فِي سَعَةٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِالنَّافِلَةِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْفَرِيضَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ فِعْلِ ابْنُ عُمَرَ فَفِي كَلَامِهِمْ مَيْلٌ إلَى تَرْجِيحِ الِابْتِدَاءِ بِالْفَرِيضَةِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، أَوْ فِيمَا إذَا مَضَى مِنْهُ جَانِبٌ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُوقِعَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَالْأَوْلَى لَهُ الِابْتِدَاءُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَأْكِيدِ طَلَبِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ الْبُدَاءَةُ بِالنَّافِلَةِ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى جَمَاعَةٍ آخِرَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَذًّا أَفْضَلُ مِنْهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ رَوَى زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصُّبْحِ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي آخِرِهِ فِي جَمَاعَةٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاخْتَارَ سَنَدٌ أَنَّ فِعْلَهَا فِي الْجَمَاعَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا فَذَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَزَمَ بِهِ الْبَاجِيُّ
فِي الْمُنْتَقَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فَانْظُرْهُ.
وَقَوْلُهُ وَعَلَى جَمَاعَةٍ آخِرَهُ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ جَمَاعَةٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جَمْعِهِ آخِرَهُ بِلَفْظِ جَمْعٍ مُضَافًا إلَى الضَّمِيرِ وَفِي بَعْضِهَا جَمَاعَةٌ بِالتَّاءِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَا مَعْنَى لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِلْجَمَاعَةِ تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ)
ش: هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْأَفْضَلُ لِلْجَمَاعَةِ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إلَى ذِرَاعٍ وَبَعْدَهُ فِي الْحَرِّ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ رَاجِعٌ إلَى الظُّهْرِ لَا إلَى الْبَعْدِيَّةِ أَيْ: الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ لَا الْجُمُعَةِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا تُوقَعُ أَوَّلَ الْوَقْتِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ اُسْتُحِبَّ تَعْجِيلُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَعْجِيلِهَا فِي غَيْرِهَا لِرِفْقِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ يُهَجِّرُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَكَرْتُهُ لِمَالِكٍ فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ عَالِمٍ وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَهُوَ وَاسِعٌ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ حِصْنٍ عَلَى الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَمْ يُقَاتَلُوا، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ قُوتِلُوا.
ص (وَيُزَادُ لِشِدَّةِ الْحَرِّ)
ش: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ قَالَ أَشْهَبُ لَا يُنْتَهَى بِالْإِبْرَادِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُنْتَهَى إلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَخَّرَ إلَى أَنْ كَانَ لِلتُّلُولِ وَالْجِدَارَاتِ فَيْءٌ يُسْتَظَلُّ بِهِ» وَذَلِكَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ.
ص (وَإِنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَجُزْ، وَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ) .
ش قَالَ فِي الْإِرْشَادِ وَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ وَلْيَجْتَهِدْ وَيُؤَخِّرْ حَتَّى يَتَحَقَّقَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْوُقُوعَ قَبْلَهُ أَعَادَ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ يَعْنِي أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ كَوُجُوبِهَا فَلَا يَصِحُّ إيقَاعُهَا إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ بِعِلْمٍ، أَوْ ظَنٍّ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ سُنَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْغَيْمِ أَنْ تُؤَخَّرَ الظُّهْرُ وَتُقَدَّمَ الْعَصْرُ وَتُؤَخَّرَ الْمَغْرِبُ حَتَّى لَا يُشَكَّ فِي اللَّيْلِ وَيُقَدَّمَ الْعِشَاءُ وَيُؤَخَّرُ الصُّبْحُ حَتَّى لَا يُشَكَّ فِي الْفَجْرِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ لَكِنَّ مَسَائِلَهُمْ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الظَّنِّ الَّذِي فِي مَعْنَى الْقَطْعِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ثُمَّ مَعَ التَّحْقِيقِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنْ كَشَفَ الْغَيْبُ عَنْ خِلَافِهِ بَطَلَتْ كَمَا إذَا صَلَّى شَاكًّا، وَلَوْ صَادَفَ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي سُنَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْغَيْمِ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ وَقْتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعِشَاءُ يُصَلِّيهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَغِيبُ الشَّفَقِ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ وَيَتَحَرَّى ذَهَابَ الْحُمْرَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُشَارِكُ مَا قَبْلَهَا لَا يُؤَخِّرُهَا كَثِيرًا بَلْ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ صَلَّاهَا بِخِلَافِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا تُشَارِكُ مَا قَبْلَهَا كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ فَلَا يُصَلِّيهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ دُخُولَ الْوَقْتِ.
[فَرْعٌ إيقَاظِ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ
النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ إيقَاظِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ لِتُوتِرَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إيقَاظِ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ غَيْرُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَالضَّرُورِيُّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ لِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ وَلِلْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ) .
ش تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَقْتَ يَنْقَسِمُ إلَى اخْتِيَارِيٍّ وَضَرُورِيٍّ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَمَعْنَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهِ وَمَنْ أَخَّرَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ فَهُوَ آثِمٌ ثُمَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَنَّ الْأَدَاءَ فِيهِ يَخْتَصُّ بِأَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ فَمَنْ صَلَّى فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الضَّرُورَاتِ لَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا، وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الضَّرُورِيَّ يَدْخُلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَوَّلُ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ آخِرَهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الصَّلَوَاتِ فَفِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الظُّهْرَيْنِ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ لِلصُّبْحِ مِنْ الْإِسْفَارِ الْأَعْلَى إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلِلظُّهْرِ مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا إلَى الْغُرُوبِ وَلِلْعَصْرِ مِنْ الِاصْفِرَارِ إلَى الْغُرُوبِ فَمَا بَعْدَ الِاصْفِرَارِ ضَرُورِيٌّ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلِلْمَغْرِبِ مِنْ بَعْدِ مُضِيِّ مَا يَسَعُهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلِلْعِشَاءِ مِنْ بَعْدِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَمَا بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ ضَرُورِيٌّ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ يَدْخُلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مِنْ حِينِ تَضْيِيقِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ عَنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ صَارَ ضَرُورِيًّا فَيَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهُ اخْتِيَارِيٌّ ضَرُورِيٌّ نَعَمْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا يُدْرِكُ بِهِ الْمُكَلَّفُ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَلَا يَلْحَقُهُ إثْمٌ فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ بِرَكْعَةٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَذَكَرَ عَنْ صَاحِبِ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِهِ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ يُدْرَكُ بِالْإِحْرَامِ فَقَطْ وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى لَوْ صَلَّى مِنْ الظُّهْرِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي الْقَامَةِ الْأُولَى وَأَتَى بِالرَّابِعَةِ فِي الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِوَقْتِ الِاخْتِيَارِ يُرِيدُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْقَامَةِ الْأُولَى، وَإِنَّ الثَّانِيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَصْرِ الثَّانِي قَوْلُهُ لِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ وَلِلْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَى مِقْدَارِ تَمَامِ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الضَّرُورَةِ عَنْ رَكْعَةٍ خَرَجَ حِينَئِذٍ وَقْتُ الضَّرُورَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ وَقْتُ الضَّرُورَةِ مُمْتَدٌّ إلَى الْغُرُوبِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لَلَزِمَ أَنْ لَا يُدْرِكَ وَقْتَ الضَّرُورَةِ إلَّا بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً لَيْسَ إلَّا فَهُوَ مُدْرِكٌ لِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الصَّلَاةِ لَا تُدْرَكُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الضَّرُورَةِ قَدْ خَرَجَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ الضَّرُورِيَّ إلَى الْغُرُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ وَلِلْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَاءَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَصْرَ لَا تَخْتَصُّ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ بَلْ تُشَارِكُهَا الظُّهْرُ فِي ذَلِكَ وَهَذِهِ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى.
ص (وَتُدْرَكُ فِيهِ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ لَا أَقَلَّ) . ش يَعْنِي أَنَّ الصُّبْحَ تُدْرَكُ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ
فَإِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ، وَلَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ السُّجُودِ بَلْ يَكْفِي إدْرَاكُ الرُّكُوعِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» انْتَهَى.
(قُلْتُ:) يَعْنِي هَلْ الْمُرَادُ بِالرَّكْعَةِ الرَّكْعَةُ بِتَمَامِهَا، أَوْ الْمُرَادُ بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى لِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِمَشْهُورِيَّتِهِ انْتَهَى.
[تَنْبِيهَاتٌ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُدْرِكًا لِلْأَدَاءِ أَوْ الْوُجُوبِ فِي الْوَقْتِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَهَذِهِ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُدْرِكًا لِلْأَدَاءِ أَوْ الْوُجُوبِ فِي الْوَقْتِ هِيَ قَدْرُ مَا يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَيَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ قِرَاءَةً مُعْتَدِلَةً وَيَرْكَعُ وَيَرْفَعُ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَيَطْمَئِنُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الطُّمَأْنِينَةَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُوجِبُ أُمَّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَكْفِيهِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامُ لَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قِرَاءَةً مُعْتَدِلَةً وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيُخْتَلَفُ هَلْ تُقَدَّرُ الطُّمَأْنِينَةُ أَمْ لَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَتَرَدَّدَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْجُلِّ هَلْ يُرَاعَى قَدْرُهَا فِي الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَقْدِيمَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوْ لَا يُرَاعَى إذْ لَا تُعْتَبَرُ فِيهَا؟ خَلِيلٌ وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ تُؤَخِّرَ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
(قُلْتُ) الَّذِي فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ تَرَدُّدٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا فَرَّعَ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ وَضَعَّفَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرَدُّدِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ التَّرَدُّدُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَسَيَأْتِي لَفْظُ اللَّخْمِيِّ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِهَا أَيْ: الرَّكْعَةِ بِقِرَاءَتِهَا وَطُمَأْنِينَتِهَا قَوْلُ الْقَاضِي مَعَ ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّتِهَا يُقْتَضَى، جَزْمَ اللَّخْمِيِّ بِذَلِكَ وَاَلَّذِي فِي كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ التَّرَدُّدُ نَعَمْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ الْجَزْمُ بِذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: وَأَرَى أَنْ يُرَاعَى قَدْرُ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ " الْحَمْدُ " عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمُعْتَدِلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَخْتَلِفُ هَلْ تُقَدَّرُ الطُّمَأْنِينَةُ فَمَنْ قَالَ الطُّمَأْنِينَةُ فَرْضٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَدَّرَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُرَاعَى أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ " الْحَمْدُ " عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي رَكْعَةٍ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِسُجُودِهَا دُونَ الْقِرَاءَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: لَهُ اقْرَأْ بِهَا فِي بَاقِي الصَّلَاةِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لِي أَنْ أُعَجِّلَهَا وَأُقَدِّمَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى وَإِذَا أَعْجَلْتُهَا لَمْ أُدْرِكْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي الْوَقْتِ فَيَسْقُطُ عَنِّي الْخِطَابُ بِهَا انْتَهَى.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوْ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ قَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ تَخْرِيجٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ.
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ السُّورَةَ فِي رَكْعَةٍ خَرَجَ الْوَقْتُ أَنَّهُ يَتْرُكُ قِرَاءَةَ السُّورَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى ظَنَّهُ وَيَبْقَى النَّظَر فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ السُّورَة فِي الرَّكْعَةِ وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ فَهَلْ يَقْرَأُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِرَكْعَةٍ، أَوْ يُقَالُ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ السُّورَةَ وَيَقْتَصِرَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ بَعْضِ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ لَا يَجُوزُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْوِتْرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْوِتْرِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِمَا الصُّبْحَ وَيَتْرُكُ الْوِتْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ مَعَ أَنَّهُ أَوْكَدُ السُّنَنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتْرُكُ السُّورَةَ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا فِي الْوَقْتِ، نَعَمْ إذَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ مِنْ الْوَقْتِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ
فَإِنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الْأُولَى أَمْ لَمْ يَقْرَأْهَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) هَذَا حَدُّ الرَّكْعَةِ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا الْأَدَاءَ، أَوْ الْوُجُوبَ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ، وَأَمَّا الرَّكْعَةُ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فَهِيَ أَنْ يُكَبِّرَ لِإِحْرَامِهِ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعَ وَيُمَكِّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ مَا لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ قَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَهَا وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَإِنَّمَا يَحْصُلُ فَضْلُهَا بِرَكْعَةٍ " وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[يَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَحْكَامٌ]
(الْخَامِسُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَحْكَامٌ: (الْأَوَّلُ) مَنْ زَالَ عَنْهُ الْعُذْرُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
(الثَّانِي) إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ.
(الثَّالِثُ) إذَا سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
(الرَّابِعُ) إذَا دَخَلَ الْمُسَافِرُ مَحَلَّ الْإِقَامَةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ.
(الْخَامِسُ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ فَالصَّلَاةُ كُلُّهَا أَدَاءٌ.
وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَحْكَامِ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
(السَّادِسُ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(السَّابِعُ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ إمَامًا، وَلَا مَأْمُومًا وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ فِي فَصْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
. (الثَّامِنُ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَزِمَهُ سُجُودُ السَّهْوِ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْإِمَامِ سَوَاءٌ أَدْرَكَ مُوجِبَهُ أَمْ لَا، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ السَّهْوِ.
(التَّاسِعُ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ.
الْعَاشِرُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَسَلَامُهُ كَسَلَامِ الْمَأْمُومِ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالشَّيْخُ زَرُّوق وَغَيْرُهُمْ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً فَسَلَامُهُ كَسَلَامِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَسْبُوقِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ وَكَلَامُ النَّوَادِرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرَدَّ مُقْتَدٍ عَلَى إمَامِهِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) إذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ قَالَهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي فَصْلِ صَلَاةِ السَّفَرِ.
(الثَّانِيَ عَشَرَ) مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَهَا صَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) الرَّاعِفُ إذَا أَكْمَلَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهَا، وَأَمَّا الرَّكْعَةُ الَّتِي لَمْ يُكْمِلْهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَيْهَا بَلْ يَبْتَدِئُهَا مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الرُّعَافِ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِثْمُ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا نُوِّعَتْ مَسَائِلُ إدْرَاكِ وَقْتِ الْوُجُوبِ بِسَبَبِ زَوَالِ الْعُذْرِ وَمَسَائِلُ سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ حُصُولِ الْعُذْرِ بِحَسَبِ الْأَعْذَارِ الْآتِي ذِكْرُهَا زَادَ عَدَدُ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ نَوَّعَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بَعْضَ مَسَائِلِ الْأَعْذَارِ فَعَدَّ الْأَحْكَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهِيَ تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْكُلُّ أَدَاءٌ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ
بِهِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ حُلُولُو التُّونُسِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي قَوْلِهِ وَالْأَدَاءُ فِعْلُ بَعْضٍ، وَقِيلَ: كُلَّمَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنْ كَلَامِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَمُقَابِلُهُ عِنْدَنَا مَا صَلَّى فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا صَلَّى مِنْهَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَدَاءَ فِعْلُ كُلِّ الْعِبَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَلَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ وَمِمَّا يَنْبَنِي عِنْدِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مِنْ الْمَسَائِلِ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيمَا يُصَلِّي مِنْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ فَإِنَّا نَشْتَرِطُ فِي الْمَشْهُورِ الْمُوَافَقَةَ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ صَلَّى الْأُولَى فِي الْوَقْتِ فَلَا يَقْتَدِي بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ كُلَّهَا أَدَاءٌ، وَصَلَاةَ الْمَأْمُومِ كُلَّهَا قَضَاءٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كُلَّهَا قَضَاءٌ يَصِحُّ وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ قَضَاءٌ وَالْأُولَى أَدَاءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ بَابِ الْكُلِّ، أَوْ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَمِنْهَا إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً قَبْلَهُ هَلْ هُوَ كَمَا لَوْ نَوَى فِي الْوَقْتِ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: (فَإِنْ قُلْتَ) إمَامٌ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ وَيَدْخُلُ مَعَهُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ؟ (قُلْتُ:) نَعَمْ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامُ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةً فَصَلَّى الْأُولَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَّى الثَّانِيَةَ بَعْدَ طُلُوعِهَا فَدَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ اُنْظُرْ مَسَائِلَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ قَدَّاحٍ انْتَهَى.
وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ لِابْنِ قَدَّاحٍ هُوَ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْهُ وَنَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: إذَا صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْأُخْرَى بَعْدَ طُلُوعِهَا وَدَخَلَ مَعَهُ رَجُلٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَهَلْ يَدْخُلُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ أَمْ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ؟ الْمَذْهَبُ أَنَّ إحْدَاهُمَا تَنُوبُ عَنْ الْأُخْرَى انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إثْرَهُ: (قُلْتُ:) يَتَخَرَّجُ عِنْدِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ هَلْ الصَّلَاةُ كُلُّهَا أَدَاءٌ، أَوْ قَضَاءٌ؟ وَهَذَانِ مُخَرَّجَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالثَّالِثُ مَا أَدْرَكَهُ أَدَاءٌ وَمَا لَمْ يُدْرِكْهُ قَضَاءٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فَيَنْوِي الْمَأْمُومُ مَا نَوَاهُ إمَامُهُ انْتَهَى، فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ الشَّيْخِ حُلُولُو.
[فَرْعٌ فاجأ الْمَرْأَة الْحَيْض فِي الصَّلَاة]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَائِلِ الْمُنْتَقَى إذَا ثَبَتَ أَنَّ إدْرَاكَ وَقْتِ الْعَصْرِ يَكُونُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: فَإِذَا أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ بِالْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ فَلَمَّا كَانَتْ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْهَا وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَاضَتْ فَإِنَّهَا تَقْضِي الْعَصْرَ؛ لِأَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ رَأَيْت لِأَصْبَغَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ وَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَقْضِي وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَأَثِمَ إلَّا لِعُذْرٍ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيَعْنِي أَنَّ مَنْ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ إذَا أَخَّرَهَا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَدِّيًا، وَهَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ فِيهَا اتَّفَقَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ الْمُسْتَحَبِّ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَهُوَ فِي الْقَامَةِ الظُّهْرُ وَالْقَامَتَانِ، أَوْ الِاصْفِرَارُ فِي الْعَصْرِ وَمَغِيبُ الشَّفَقِ فِي الْمَغْرِبِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ وَانْقِضَاءُ نِصْفِ اللَّيْلِ فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالْإِسْفَارُ فِي الصُّبْحِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى أَنَّ لَهَا وَقْتَ ضَرُورَةٍ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُضَيِّعٌ لِصَلَاتِهِ مُفَرِّطٌ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ حِفْظِهَا وَرِعَايَتِهَا آثِمٌ لِتَضْيِيعِهِ وَتَفْرِيطِهِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا غَيْرَ قَاضٍ، وَأَمَّا تَرْكُهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَهُوَ مِنْ الْغَيِّ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: 59] الْآيَةَ وَإِضَاعَتُهَا عَلَى مَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ تَأْخِيرُهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا وَالْغَيُّ بِئْرٌ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَقِيلَ: الْخُسْرَانُ، وَقِيلَ: الشَّرُّ انْتَهَى.
[فَرْعٌ صَلَاة الرَّسُول يَوْم الْوَادِي وَيَوْم الْخَنْدَق]
(فَرْعٌ) سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ هَلْ يُقَالُ: فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْوَادِي وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ أَدَاءٌ، أَوْ قَضَاءٌ فَأَجَابَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ مَعْنَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ قَضَاءٌ لَا أَدَاءٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَيْضِ مَا نَصُّهُ لَا يَسْتَوِي
فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا وَفِعْلُهَا بَعْدَ وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُكَلَّفُ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ فَالْعُذْرُ إنَّمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ مَعَ وُجُودِهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا وَفِعْلَهَا بَعْدَ وَقْتِهَا مُتَسَاوٍ فِي الثَّوَابِ، وَلَا إشْكَالَ أَنَّ مَنْ نَامَ وَاسْتَرْسَلَ عَلَيْهِ النَّوْمُ، أَوْ غَلَبَهُ السَّهْوُ حَتَّى مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَنَّهُ يَقْضِي، وَلَا يَكُونُ أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي هَذَا أَنَّ الْحَيْضَ عُقُوبَةٌ عَلَى النِّسَاءِ فِي مَنْعِهِنَّ بِسَبَبِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمِنْ الصِّيَامِ فِي وَقْتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصِبَا)
ش: الصِّبَا بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْمَدِّ وَبِكَسْرِهَا وَالْقَصْرِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَلَوْ صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ لِمَا يُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً بَعْدَ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي الصَّبِيِّ إذَا صَلَّى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ احْتَلَمَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ احْتَلَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ احْتَلَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْتُ:) نَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ: عَدَمُ إعَادَتِهِمَا عَنْ الْمَذْهَبِ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة فَلْيُنْظَرْ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَنَوْمٍ)
ش: قَالَ الْبَاجِيّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَرْقُدْ» الْحَدِيثَ هَذَا اللَّفْظُ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ الْغَالِبَ لَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَكَانَ فِي الْوَقْتِ مِنْ السَّعَةِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ فِيهِ النُّعَاسُ وَيُدْرِكُ صَلَاتَهُ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ فَلْيَرْقُدْ لِيَتَفَرَّغَ لِإِقَامَةِ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَقَدَ فَاتَتْهُ فَلْيُصَلِّ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ وَلْيُجْهِدْ نَفْسَهُ فِي تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ ثُمَّ يَرْقُدْ فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنْهَا بِالْفَرْضِ وَإِلَّا قَضَاهَا بَعْدَ نَوْمِهِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ صَلَّى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مَنْ يُوقِظُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّانِي وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَقَالَ لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا وَفِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ كَانَ يُصَلِّي أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ، وَإِذَا أَصَابَهُ النَّوْمُ فَلْيَرْقُدْ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْحُ وَهُوَ نَاعِسٌ فَلَا يَفْعَلْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُدْرِكُهُ فُتُورٌ وَكَسَلٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا قِيَامُ جُلِّ اللَّيْلِ إذَا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي قِيَامِ جَمِيعِهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَّا وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ، فَيَحْصُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي قَدْ نُهِيَ عَنْهَا، أَوْ يَرْقُدَ فَتَفُوتَهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ وَقَدْ قَالَ عُثْمَانُ لَأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً وَذَلِكَ لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ قَالَ الْمَشَايِخُ وَاِتِّخَاذُ ذَلِكَ عَادَةً مِنْ غَيْرِ حَالَةٍ غَالِبَةٍ لَيْسَ شَأْنَ السَّلَفِ، هَذَا وَإِذَا أَدَّى لِفَوَاتِ الْجَمَاعَةِ يُكْرَهُ، وَأَمَّا إنْ أَدَّى لِفَوَاتِ الْوَقْتِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَوْ تَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ سُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قُرْبُ أَهْلِهِ إلَّا بِلَيْلٍ وَإِذَا فَعَلَ أَخَّرَ أَهْلُهُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا
لِتَكَاسُلِهَا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَدَّى إلَى إخْلَالِهَا بِالصَّلَاةِ أَمْ لَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ لَيْلًا وَيَأْمُرَهَا بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ فَإِذَا أَطَاعَتْ فَقَدْ سَعِدَ وَسَعِدَتْ وَإِذَا خَالَفَتْ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ.
(قُلْتُ:) قَوْلُهُ لِئَلَّا يَحْتَمِلَ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا مَقْصُودًا إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ غُسْلٌ وَلَا صَلَاةٌ فَلَا يَتْرُكُ مَا وَجَبَ لَهُ لِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا، وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَظُنُّهُ فِي حَدِيثِ الْوَادِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنَامَ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ جُوِّزَ أَنَّ نَوْمَهُ يَبْقَى حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصُّبْحِ إذْ لَا يَتْرُكُ أَمْرًا جَائِزًا لِشَيْءٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، أَوْ يُصَلِّيَهَا، وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَطَأُ الْمُسَافِرُ زَوْجَتَهُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا وَيُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ النَّدْبِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَرَّجَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَوْلُهُ: " أَدَّى مَا عَلَيْهِ " ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ طَلَاقُهَا إذَا كَانَتْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، أَوْ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا الضَّرُورِيُّ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ وَخَرَّجَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ هَلْ هُوَ مُرْتَدٌّ أَوْ لَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاصٍ فَعَلَيْهِ لَا يَجِبُ طَلَاقُهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَهِجْرَانِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْوَادِي قَالَ عِيَاضٌ فِيهِ النَّوْمُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَشِيَ الِاسْتِغْرَاقَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَهَذَا لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ انْتَهَى.
ص (أَوْ ذَكَرَ مَا يُرَتَّبُ)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى مَسْأَلَةٌ، وَلَوْ أَنَّ مُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا قَبْلَ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ قَبْلَ الْإِغْمَاءِ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَقْتٌ لِلصَّلَاتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا صَلَّى مَا أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ الْوَقْتِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ فِي كِتَاب مُحَمَّدٍ لَا يُصَلِّي ظُهْرًا وَلَا عَصْرًا وَاخْتَارَهُ أَصْبَغُ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يُصَلِّي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ رَوَاهُ الْقَاضِي إِسْحَاقُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ثَلَاثُ صَلَوَاتٍ وَاسْتَوْعَبَتْ الصَّلَاةُ الْأُولَى الْوَقْتَ سَقَطَ فَرْضُ مَا بَعْدَهَا لَمَّا كَانَتْ أَحَقَّ بِالْوَقْتِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ مُغْمًى عَلَيْهِ أَدْرَكَ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِمَا، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَيْهَا الْفَائِتَةُ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِأَنَّ الْوَقْتَ مُخْتَصٌّ بِهَا وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ أَوْ إحْدَاهُمَا صَلَّى مَا أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَيُخْتَلَفُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى كَمَا يُخْتَلَفُ إذَا فَاتَا جَمِيعًا وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الْجَارِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ
ص (وَأَسْقَطَ عُذْرٌ حَصَلَ غَيْرَ نَوْمِ وَنِسْيَانِ الْمُدْرِكِ) .
ش ذَكَرَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ الرَّهُونِيُّ شَارِحِ الرِّسَالَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهَا: وَإِنْ حَاضَتْ الْأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ أَنَّهَا لَوْ أَخَّرَتْ ذَلِكَ عَامِدَةً عَالِمَةً بِأَنَّهُ يَوْمُ حَيْضَتِهَا لَزِمَهَا الْقَضَاءُ وَقَالَ كَذَلِكَ مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْإِفْطَارِ يُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ فَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ الشَّيْخَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ وَالْجُزُولِيَّ وَنَقَلْتُ كَلَامَهُمَا فِي الصَّوْمِ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْخُلَطَاءِ وَأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الْأَوْقَاتِ وَكَلَامَ التَّوْضِيحِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَقِيلَ: قَاضٍ
إلَخْ، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِأَنَّهَا لَا تَقْضِي، وَلَوْ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ عَامِدَةً مِنْ غَيْرِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ، وَلَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَامِدًا وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ
ص (وَأُمِرَ صَبِيٌّ بِهَا لِسَبْعٍ وَضُرِبَ لِعَشْرٍ) .
ش يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ» وَعَنْ شُبْرُمَةَ بْنِ مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَشُبْرُمَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْجُهَنِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ نِسْبَةً إلَى جُهَيْنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَمُرُوهُ بِالصَّلَاةِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ وَيُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثْغَرُوا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» انْتَهَى.
وَهَكَذَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ يُقَالُ: أَثْغَرَ الصَّبِيُّ بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ إذَا سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ وَإِذَا نَبَتَتْ، وَقِيلَ: أَثْغَرَ وَثَغَرَ إذَا سَقَطَتْ وَاثَّغَرَ بِالتَّشْدِيدِ إذَا نَبَتَتْ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ وَيُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثْغَرُوا وَهُوَ حِينَ تُنْزَعُ أَسْنَانُهُمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إذَا أَثْغَرَ الصَّبِيُّ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ وَأُدِّبَ عَلَيْهَا، وَلَا يُضْرَبُ بَعْضَ الضَّرْبِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ، وَلَا يُضْرَبُ بَعْضَ الضَّرْبِ الَّذِي يَضْرِبُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَيَتَعَدَّى فِي الضَّرْبِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ إلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا وَقَوْلُهُ: إنَّهُ يُؤَدَّبُ إذَا أَثْغَرَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: إنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ إذَا أَثْغَرُوا وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَيْضًا وَقَالَ عِيسَى حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ قَالَ عِيسَى وَبِهِ أَخَذَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ مَعَ الْحَدِيثِ وَاتِّبَاعُ ظَاهِرِهِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ هُوَ الصَّوَابُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عِيسَى انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثْغَرُوا وَفِي تَفْرِقَتِهِمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَدَبِهِمْ عَلَى تَرْكِهَا حِينَئِذٍ، أَوْ إذَا بَلَغُوا الْعَشْرَ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِ عِيسَى وَالثَّانِي ابْنُ رُشْدٍ مَعَ عِيسَى مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِيَ فِي الثَّانِي انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَقَوْلُهُ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالصَّوَابُ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ فِي كِلَا السَّمَاعَيْنِ ذَكَرَ الضَّرْبَ وَالتَّفْرِقَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ضِيقِ الِاخْتِصَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ: وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا مَعَ هَذَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ فَقِيلَ: بِظَاهِرِهِ، وَقِيلَ: إذَا مَيَّزَ الْحَسَنَاتِ مِنْ السَّيِّئَاتِ؛ لِأَنَّ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ عَنْ يَمِينِهِ وَكَاتِبَ السَّيِّئَاتِ عَنْ شِمَالِهِ ذَكَرَ التَّأْوِيلَيْنِ التَّادَلِيُّ انْتَهَى وَنَحْوُهُ لِلْفَاكِهَانِيِّ وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ وَابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يُضْرَبُونَ لِسَبْعٍ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَعَزَاهَا صَاحِبُ الطِّرَازِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ فَقَالَ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ يُؤَدَّبُونَ بِغَيْرِ ضَرْبٍ قَبْلَ الْعَشَرَةِ وَعِنْدَ الْعَشَرَةِ يُضْرَبُونَ انْتَهَى.
وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ وَسَمَاعُ عِيسَى قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثْغَرَ وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدَّبُ فِيهِ عَلَى تَرْكِهَا وَمَتَى
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ هَلْ ذَلِكَ إذَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ، أَوْ حِينَ يَبْلُغُونَ عَشْرَ سِنِينَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا أَثْغَرَ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ وَأُدِّبَ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحِينَئِذٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَتَجَرَّدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ أَبَوَيْهِ وَلَا مَعَ إخْوَتِهِ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَوْبٌ وَلَيْسَ هَذَا بِحَسَنٍ وَأَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا جُمْلَةً وَسَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ إنَاثًا فَإِنْ عَمِلَ بِذَلِكَ لِسَبْعٍ حَسُنَ.
وَإِنْ أَخَّرَ لِعَشْرٍ فَوَاسِعٌ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَبَعْدَ الْعَشْرِ وَكَرِهَ فُضَيْلٌ وَسُفْيَانُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَقَالَا أَرْشِهِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ بَعْدَ أَنْ أُرْشِيَ ضُرِبَ عَلَيْهَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) جَعَلَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا إذَا أَثْغَرَ مُغَايِرًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ قَالَ: لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مُغَايَرَتَهُمَا فِي بَابِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا.
(قُلْتُ:) وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُمَا قَوْلٌ وَاحِدٌ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي عَنْ شَيْخِهِ يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ أَنَّهُ كَانَ جَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَاجِعًا لِأَوَّلِ الْحَدِيثِ وَابْنُ وَهْبٍ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ.
(الثَّالِثُ) الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ كُلِّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِبُلُوغِهِ السَّبْعَ دُخُولُهُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْمُرَادُ بِبُلُوغِ الْعَشْرِ دُخُولُهُ فِيهَا لَا إكْمَالُ السَّبْعِ وَإِكْمَالُ الْعَشْرِ وَنُصُوصُهُمْ الْمُتَقَدِّمَةُ كَالصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ: وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَبَعْدَ الْعَشْرِ فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مُرَادَهُ فَبَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ لَا بَعْدَ إكْمَالِهَا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ بِالتَّأَمُّلِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) هَلْ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ الصِّبْيَانُ أَوْ الْأَوْلِيَاءُ؟ فَقِيلَ: إنَّ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ وَإِنَّ الصَّبِيَّ لَا يُخَاطَبُ بِنَدْبٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ الصِّبْيَانُ وَإِنَّ الْبُلُوغَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ لَا فِي الْخِطَابِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ فِي الْمَوَاقِيتِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ شَرْطًا فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الصَّبِيَّ يُنْدَبُ وَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ الْمَنْدُوبَاتِ إذَا فَعَلَهَا لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ، وَلَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِنَدْبٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ الْمُخَاطَبُ الْوَلِيُّ، وَأَمْرُ الصَّبِيِّ بِالْعِبَادَاتِ عَلَى سَبِيل الْإِصْلَاح كَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» .
(وَالْجَوَابُ) أَنَّ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ أَخُصُّ مِنْ هَذَا فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ قَالَ: وَأَمَّا التَّمْيِيزُ فَهُوَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إجْمَاعًا، فَالصَّبِيُّ قَبْلَ التَّمْيِيزِ كَالْبَهِيمَةِ لَا يُخَاطَبُ بِإِبَاحَةٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
(قُلْتُ:) وَهَذَا جَارٍ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ: إنَّ الصَّغِيرَ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَقَالَ فِي رَسْمِ الْخِيَارِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ إنَّ الْمُرَاهِقَ لَا يُؤَاخَذُ بِذَنْبٍ، وَلَا يُثَابُ عَلَى طَاعَاتِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَاتِهِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ تَضْعِيفُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَى طَاعَتِهِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ النُّذُورِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ أَوَّلِ حَدِيثٍ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُفْيَانَ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْبَزَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى الْبَكَّاءُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يُكْتَبُ لِلصَّغِيرِ حَسَنَاتُهُ، وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ وَقَالَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ فِي النِّكَاحِ قَالَ عُمَرُ: يُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ حَسَنَاتُهُ، وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ خِلَافُ هَذَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهَى كَلَام الْمُقْرِي وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَاتِ
لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى شُرُوطِ التَّكْلِيفِ: لِلصَّبِيِّ حَالَانِ: حَالٌ لَا يَعْقِلُ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَهُوَ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ وَالْمَجْنُونِ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِعِبَادَةٍ، وَلَا مَنْدُوبٍ إلَى فِعْلِ طَاعَةٍ.
وَحَالٌ يَعْقِلُ فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ فِيهَا مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَمَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ وَلِيَهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِتَعْلِيمِهِ وَتَدْرِيبِهِ وَالْمَأْجُورُ عَلَى ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُمَا جَمِيعًا مَنْدُوبَانِ إلَى ذَلِكَ مَأْجُورَانِ عَلَيْهِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذَتْ بِضَبْعَيْ الصَّبِيِّ وَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» ، وَهَذَا وَاضِحٌ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الصَّغِيرُ وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إلَّا أَنَّهُ يُنْدَبُ إلَى الْقُرَبِ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْوَلِيُّ يُنْدَبُ لِذَلِكَ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ هُمَا جَمِيعًا مُخَاطَبَانِ مَأْجُورَانِ؟ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) إذَا قُلْنَا: إنَّ الْأَوْلِيَاءَ هُمْ الْمَأْمُورُونَ أَوْ الْأَمْرُ لَهُمْ وَلِلصِّبْيَانِ فَهَلْ الْوَلِيُّ مَأْمُورٌ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، أَوْ النَّدْبِ؟ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ النَّدْبُ وَأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالْأَقْفَهْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
(السَّادِسُ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ لِلصَّبِيِّ فَاخْتُلِفَ فِي ثَوَابِ الصَّلَاةِ فَقِيلَ: لِلصَّبِيِّ، وَقِيلَ: لِوَالِدَيْهِ وَلَهُ قَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَاخْتُلِفَ لِمَنْ أَجْرُ الصَّلَاةِ فَقَالَ لِوَالِدَيْهِ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَقِيلَ: الثُّلُثُ لِلْأَبِ وَالثُّلُثَانِ لِلْأُمِّ وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ هَذَا كُلَّهُ، وَقِيلَ: إنَّمَا يَكُونُ لِلصَّبِيِّ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لِوَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: إنَّ الصِّبْيَانَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا يَتَفَاوَتُ الْكِبَارُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] انْتَهَى.
(السَّابِعُ) مَعْنَى التَّفْرِقَةِ فِي الْمَضَاجِعِ قَالَ الْمَوَّاقُ قَالَ اللَّخْمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِرَاشٌ عَلَى حِدَتِهِ، وَقِيلَ: أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمْ ثَوْبٌ حَائِلٌ، وَلَوْ كَانَ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَتَجَرَّدْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَلَا مَعَ إخْوَتِهِ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَوْبٌ وَلَيْسَ هَذَا بِحَسَنٍ وَأَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا جُمْلَةً وَسَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ إنَاثًا، أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَإِنْ عَمِلَ بِذَلِكَ لِسَبْعٍ فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَخَّرَ لِعَشْرٍ فَوَاسِعٌ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَبَعْدَ الْعَشْرِ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) قَالَ الْمَوَّاقُ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّأْدِيبِ أَنَّهُ يَكُونُ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ انْتَقَلَ إلَى الضَّرْبِ بِالسَّوْطِ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ ضَرْبَ إيلَامٍ فَقَطْ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ وَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَصُّهُ: " وَعَلَيْهِ أَنْ يَزْجُرَ الْمُتَخَاذِلَ فِي حِفْظِهِ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُعَلِّمِينَ لِلصَّبِيِّ يَا قِرْدُ يَا عِفْرِيتُ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ انْتَقَلَ لِلضَّرْبِ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ ضَرْبَ إيلَامٍ فَقَطْ دُونَ تَأْثِيرٍ فِي الْعُضْوِ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ زَادَ إلَى عَشْرٍ " قَالَ وَمَنْ نَاهَزَ الْحُلُمَ وَغَلَظَ حَلْقُهُ، وَلَمْ تَرْدَعْهُ الْعَشَرَةُ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
(قُلْتُ:) الصَّوَابُ اعْتِبَارُ حَالِ الصِّبْيَانِ شَاهَدْتُ بَعْضَ مُعَلِّمِينَا الصَّالِحِينَ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ فَوْقَ الْعِشْرِينَ وَأَزْيَدَ وَكَانَ مُعَلِّمُنَا يَضْرِبُ مَنْ عَظُمَ جُرْمُهُ بِالْعَصَا فِي سَطْحِ أَسْفَلِ رِجْلَيْهِ الْعِشْرِينَ وَأَكْثَرَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ يَضْرِبُونَ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ عَلَى الظَّهْرِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ وَيَضْرِبُ تَحْتَ الْقَدَمِ عُرْيَانًا، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا كَانَ قِصَاصًا فَإِنْ نَشَأَ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُضْرَبُونَ عَلَى الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ وَعَلَى الْأَلْوَاحِ خَمْسَةً وَعَلَى السَّبِّ سَبْعَةً وَعَلَى الْهَرَبِ عَشَرَةً وَيَكُونُ ذَلِكَ بِسَوْطٍ لَيِّنٍ انْتَهَى.
زَادَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَإِنْ زَادَ اُقْتُصَّ مِنْهُ.
ص (وَمُنِعَ نَفْلٌ وَقْتَ طُلُوعِ شَمْسٍ وَغُرُوبِهَا وَخُطْبَةِ جُمُعَةٍ) . ش لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ شَرَعَ الْآنَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَوْقَاتِ النَّافِلَةِ يُرِيدُ النَّافِلَةَ
الْمُطْلَقَةَ فَأَمَّا أَوْقَاتُ السُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ فَسَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي بَابِهَا، وَكَذَلِكَ وَقْتُ الرَّغِيبَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهِيَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي أَوْقَاتِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَمِنْ النَّفْلِ مَا يُقَيَّدُ بِالْإِضَافَةِ لِوَقْتِهِ كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ وَصَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ بِالْإِضَافَةِ لِسَبَبِهِ كَالرُّكُوعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَرَكْعَتَيْ الِاسْتِخَارَةِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي فَصْلِ النَّفْلِ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ أَوْقَاتَ النَّافِلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: وَقْتُ تَحْرِيمٍ وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ، وَبَيَّنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّ الثَّالِثَ مَا عَدَاهُمَا وَذَكَرَ أَنَّ النَّافِلَةَ تَحْرُمُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَعِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَالْأَوْقَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا ثَلَاثَةٌ مَمْنُوعَةٌ وَثَلَاثَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَالْمَمْنُوعَةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَمْرَاءَ إلَى بَيَاضِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا صَفْرَاءَ إلَى ذَهَابِهَا وَعِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إلَّا التَّحِيَّةَ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ ظُهُورِ حَاجِبِ الشَّمْسِ مِنْ الْأُفُقِ حَتَّى يَرْتَفِعَ جَمِيعُهَا قِبَلَ الْأُفُقِ، وَبِالْغُرُوبِ إلَى مَغِيبِ قُرْصِ الشَّمْسِ الَّذِي يَلِي الْأُفُقَ إلَى أَنْ يَذْهَبَ جَمِيعُ قُرْصِهَا وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَقْتِ الْعَصْرِ أَنَّهَا لَا تَزَالُ نَقِيَّةً حَتَّى تَغِيبَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ غَالِبُ عِبَارَةِ الْأَصْحَابِ هُنَا الْكَرَاهَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ النَّهْيِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا أَوْقَاتُ النَّوَافِلِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ حَكَى ابْنُ بَشِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ إيقَاعِهَا عِنْدَ الطُّلُوعِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ.
(الثَّانِي) إنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: " وَخُطْبَةِ جُمُعَةٍ " يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَلَ إنَّمَا يَحْرُمُ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّ النَّفَلَ يَحْرُمُ لِخُرُوجِ الْإِمَامِ أَيْ: بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْخُطْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ هُنَا عَلَى ذِكْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي جَمْعِ النَّظَائِرِ مُجْمَلَةً مُعْتَمِدًا عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِهَا.
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُمْنَعُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ مَنْسِيَّةً وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَصْلِ الْجُمُعَةِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْخُطَبِ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الرُّكُوعَ لَا يُمْنَعُ لِقَوْلِهِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ وَلَيْسَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا كَمَنْ تَكَلَّمَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوُهُ فِي الْكَبِيرِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ فَقَالَ وَاحْتُرِزَ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مِنْ خُطْبَةِ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا لَا تُمْنَعُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْمَنْعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا قَالَ سَنَدٌ فَإِنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ، وَلَا يُصَلِّي وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُصَلَّى، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ لَمْ يُحَرَّمْ فِي خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَالْإِنْصَاتُ مُسْتَحَبٌّ كَمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يَحْرُمُ فِيهَا النَّافِلَةُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فَالْجَوَابُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ النَّافِلَةِ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِخُصُوصِيَّةِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي أُقِيمَتْ وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الطَّعْنِ عَلَى الْإِمَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ خَاصًّا بِالنَّافِلَةِ بَلْ يَحْرُمُ حِينَئِذٍ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا الْإِمَامُ؟ وَمِثْلُ هَذَا تَنَفُّلُ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى خَافَ خُرُوجَ وَقْتِهَا وَتَنَفُّلُ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ فَالْمَنْعُ مِنْ النَّفْلِ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى الْوَقْتِ
وَإِنَّمَا هُوَ لِأَمْرٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ: وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لَيْسَ لِخُصُوصِيَّةِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الِاشْتِغَالِ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ فَالْجَوَابُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَقْتُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ مُنْضَبِطًا مُتَكَرِّرًا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَكَانَ الْمَنْعُ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ فَقَطْ أَشْبَهَ الْوَقْتَ الَّذِي يُمْنَعُ فِيهِ النَّفَلُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَنْعِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَنْ قُرِّبَ لِلْقَتْلِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي
[فَرْعٌ قَضَاء التَّطَوُّع]
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ: قُلْتُ: لِشَيْخِنَا مَا تَرَى فِي قَضَاءِ التَّطَوُّعِ الْمُفْسَدِ هَلْ يُلْحَقُ بِالْفَرَائِضِ فَيُوقَعُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، أَوْ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّطَوُّعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يُوقَعُ فِيهَا؟ قَالَ الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا كَالتَّطَوُّعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ قُلْتُ لَهُ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ تَقْيِيدِ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ تَلَافِيَ الْمَغْرِبِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ فَإِذَا مَنَعَهُ مِنْ نَفْلٍ رَعْيًا لِأَصْلِهِ فَأَحْرَى عَلَى أَصْلِهِ بِكَمَالِهِ فَصَوِّبْهُ، انْتَهَى.
ص (وَكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ وَفَرْضِ عَصْرٍ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ وَتُصَلَّى الْمَغْرِبُ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوِرْدَ قَبْلَ الْفَرْضِ لِنَائِمٍ عَنْهُ وَجِنَازَةً وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ) .
ش لَمَّا ذَكَرَ الْأَوْقَاتَ الَّتِي تَحْرُمُ فِيهَا النَّافِلَةُ شَرَعَ يَذْكُرُ الْأَوْقَاتَ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا النَّافِلَةُ فَذَكَرَ أَنَّ النَّفَلَ يُكْرَهُ فِي وَقْتَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيُرِيدُ الْفَجْرَ الصَّادِقَ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ عَنْ الْأُفُقِ قِيدَ رُمْحٍ أَيْ قَدْرَ رُمْحٍ وَالْقِيدُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ بِمَعْنَى الْقَدْرِ.
وَالْوَقْتُ الثَّانِي بَعْدَ إيقَاعِ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَتُصَلَّى الْمَغْرِبُ فَقَوْلُهُ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ فَجْرٍ وَقَوْلُهُ وَتُصَلَّى الْمَغْرِبُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ فَرْضِ عَصْرٍ فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّافِلَةَ تُكْرَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَتَحْرُمُ حِينَئِذٍ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ زَالَ التَّحْرِيمُ وَعَادَتْ الْكَرَاهَةُ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ وَقَوْلُهُ قِيدَ رُمْحٍ قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الشَّارِحُ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ جَوَازَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: تَجُوزُ النَّافِلَةُ مَا لَمْ تَطُلْ انْتَهَى.
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ فَيُشِيرُ بِهِ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الْفَجْرِ يَرْكَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ رَأْيَ أَبِي الْحَسَنِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنَّ النَّاسَ لَيُنْكِرُونَ التَّنَفُّلَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَمَا هُوَ بِالضَّيِّقِ جِدًّا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ السُّنَّةِ كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
(الثَّانِي) فِي بَابِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَفِي الْإِكْمَالِ وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ - يَعْنِي مَالِكًا - وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْفَجْرِ قَدْرَ سِتِّ رَكَعَاتِ قَالُوا: وَمَا خَفَّ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يُؤَخَّرَ الصُّبْحُ بِسَبَبِ تَطْوِيلِ النَّفْلِ وَتَكْثِيرِهِ حِينَئِذٍ وَأَجَازَ غَيْرُهُ التَّنَفُّلَ مَا لَمْ تُصَلَّ الصُّبْحُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: وَلَا بَأْسَ بِالتَّنَفُّلِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ أَيْضًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ)
وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْقَلْشَانِيِّ شَارِحِ الرِّسَالَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِيهَا: وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ يُرِيدُ وَالْأَوْتِرَةَ وَحِزْبَهُ الَّذِي غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْهُ، أَوْ خُسُوفَ قَمَرٍ وَسُجُودَ التِّلَاوَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَرُوِيَ جَوَازُ مَا قَلَّ مِنْ النَّافِلَةِ كَأَرْبَعٍ وَسِتٍّ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا بَأْسَ بِالنَّفْلِ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ بِالنَّهْيِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَوْلَيْنِ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُصَلَّى بَعْدَ الْفَجْرِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ وَالنَّائِمُ عَنْ وِرْدِهِ إنْ أَصْبَحَ لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ صَلَّاهُ وَإِلَّا بَادَرَ إلَى فَرْضِهِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ أَمَّا النَّائِمُ عَنْ وِرْدِهِ فَلِنَصِّ الْحَدِيثِ فِيهِ وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ خِلَافُ مَا هُنَا مِنْ اعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ إذْ قَالَ: فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ أَهَمُّ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ نَافِلَةٍ لَكِنَّنِي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ حِزْبَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا سُومِحَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْهُ انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الْمُؤَخِّرَ لِذَلِكَ عَمْدًا لَا يُصَلِّيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ " وَمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ": الْغَلَبَةُ شَرْطٌ فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا، وَشَرْطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَادَتِهِ الِانْتِبَاهُ آخِرَ اللَّيْلِ وَلَهُ وِرْدٌ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَفَضْلُ الْجَمَاعَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى وِرْدِهِ كَمَا أَنَّ وِرْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَنَصَّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَغَيْرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَرَادِعِيِّ أَنَّ الْعَامِدَ كَالْمَغْلُوبِ وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلَّا فِيمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ لَفْظَ الْبَرَادِعِيِّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِغَيْرِ سَبَبٍ.
(قُلْتُ:) عَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ وَعَبَّرَ غَيْرُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشُّيُوخِ بِالْمَنْعِ ابْنُ حَارِثٍ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْعِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ أَسِيرٍ قُرِّبَ لِلْقَتْلِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَكْعَتَيْهِ حِينَئِذٍ فَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ الْجَوَازَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ الْمَنْعَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ ذَكَرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ أَنَّهُ صَلَّاهَا شَفَّعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ نَفْلًا ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ النَّفْلِ فِي الْوَقْتَيْنِ لِلذَّرِيعَةِ خَوْفَ أَنْ يُوقِعَ النَّفَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، أَوْ الطُّلُوعِ، وَلِذَا جَازَ أَنْ يَتَنَفَّلَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ بَعْدَ صَلَاةٍ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَنْعُ لِذَاتِ الْوَقْتِ مَا جَازَ وَكَانَ الشَّيْخُ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ فَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا أَفْعَلُهُ يَوْمَ يَفُوتُنِي مُعْتَادِي مِنْ الصَّلَاةِ بِالنَّهَارِ انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخِ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ فِي بَابِ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَيُكْرَهُ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا وَتَقَدَّمَ بَحْثُنَا مَعَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَيْنَ الْغُرُوبِ وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ وَقْتُ نَهْيٍ، وَقِيلَ: لَا وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا لِمَنْ كَانَ فِيهِ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفْتِي بِجَوَازِ الْجُلُوسِ، وَلَا يُرَجِّحُ الْوُقُوفَ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ يُرَجِّحُ وُقُوفَهُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ انْتَهَى.
وَبَحْثَهُ مَعَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: " وَمَنْ أَحْرَمَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ قَطَعَ " يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
(قُلْتُ:) لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِمَكْرُوهٍ ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَطْعِهِ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَكْرُوهِ مَا فِي تَرْكِهِ الثَّوَابُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي النَّافِلَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ يُثَابُ بِتَرْكِهِ وَلَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ.
فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى اسْتِحْبَابٍ، ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْنَا خَلِيلٌ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْتُهُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْبَيَانِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ
الصَّلَاةَ قَدْ حَلَّتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ قَدْ وَجَبَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ عِنْدَ مَنْ رَأَى وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لَهَا يَتَّسِعُ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَخَّرَ عَنْهُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَدْرَكَ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَظْهَرُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: " وَجِنَازَةً وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ قَبْلَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ " اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَسْجُدُهَا قَارِئُهَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى أَنَّ الْجِنَازَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِقِيَاسِهِ سُجُودَ التِّلَاوَةِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاس عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَرْضًا لَبَطَلَ حُكْمُ الْقِيَاسِ انْتَهَى مِنْ ابْنِ نَاجِي عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْإِسْفَارِ وَالِاصْفِرَارِ فَمَنَعَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَمُنِعَتْ صَلَاةُ جِنَازَةٍ وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ عِنْدَ إسْفَارٍ وَاصْفِرَارٍ إلَّا لِخَوْفِ تَغَيُّرِ مَيِّتٍ وَفِيمَا بَيْنَ إسْفَارٍ وَفَجْرٍ أَوْ اصْفِرَارٍ وَصَلَاةِ عَصْرٍ ثَلَاثَةٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّأِ وَابْنِ حَبِيبٍ ثَالِثُهَا الْجَوَازُ فِي الصُّبْحِ فَقَطْ انْتَهَى.
الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ بِالْجَوَازِ فِيهِمَا
[فَرْعٌ الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الَّتِي لَا يَجُوز الصَّلَاة فِيهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَلَوْ صَلَّيْت فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَجُوزُ كَعِنْدِ الْغُرُوبِ فَقِيلَ: لَا إعَادَةَ، وَقِيلَ: مِثْلُهُ إنْ وَقَّتَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ ابْنُ يُونُسَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَرَأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فِي فَرِيضَةٍ صَلَّاهَا فِي وَقْتِ نَهْيٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَسْجُدُ إذَا قَرَأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فِي فَرِيضَةٍ فِي وَقْتِ نَهْيٍ.
الْبُرْزُلِيُّ: لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِقِرَاءَةِ الْفَرِيضَةِ فَأَشْبَهَتْ سُجُودَ السَّهْوِ.
ص (وَقَطَعَ مُحْرِمٌ بِوَقْتِ نَهْيٍ) ش: سَوَاءٌ كَانَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ، أَوْ وَقْتَ تَحْرِيمٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ زَادَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ عَنْ النَّوَادِرِ لَكِنَّ الْقَطْعَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي الْمُتَقَدِّمِ فَتَأَمَّلْهُ
ص (وَجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ) . ش نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمَرَابِضِ لِلْغَنَمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ لِلْبَقَرِ، وَأَمَّا الْغَنَمُ فَالْمُسْتَعْمَلُ لَهَا الْمَرَاحُ انْتَهَى.
وَرَدَّهُ ابْنُ الْفُرَاتِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تُيُقِّنَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَأَنَّهُ إنْ صَلَّى فِيهِ ذَاكِرًا قَادِرًا أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ إمَّا جَائِزٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، فَأَخَذَ يُبَيِّنُ الْجَائِزَ مِنْهَا وَالْمَكْرُوهَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (كَمَقْبَرَةٍ، وَلَوْ لِمُشْرِكٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ وَعَلَى الثَّلْجِ وَفِي الْحَمَّامِ إذَا كَانَ مَكَانُهُ طَاهِرًا وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِي مَرَابِضِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ قَالَ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَقَابِرَ الْكُفَّارِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُرِيدُ مَا لَمْ تَظْهَرْ أَجْزَاءُ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ
نَجَاسَةُ الْمَيِّتِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا إذَا أَمِنَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَوْتَى وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ مُطْلَقًا رَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ تُكْرَهُ بِالْجَدِيدَةِ، وَلَا تَجُوزُ بِالْقَدِيمَةِ إنْ نُبِشَتْ إلَّا إنْ بَسَطَ طَاهِرًا عَلَيْهَا، وَتُكْرَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِالْجَدِيدَةِ وَتُكْرَهُ بِالْقَدِيمَةِ قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَكِلَاهُمَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقِيلَ: تَجُوزُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَتُكْرَهُ بِمَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ إذَا كَانَ مَكَانُهُ طَاهِرًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ انْتَهَى.
وَالْمَقْبَرَةُ مُثَلَّثَةُ الْبَاءِ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالْكَسْرُ قَلِيلٌ قَالَهُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ
ص (وَكُرِهَتْ بِكَنِيسَةٍ، وَلَمْ تُعَدْ)
ش: الْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَفْيِ الْإِعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَالْمُحَشِّي: لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَلِتَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ فِي هَذِهِ فَقَطْ عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ قَالَ فِيهَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إنْ عَلَّلْنَا بِالصُّوَرِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالنَّجَاسَةِ قَالَ سَحْنُونٌ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ يُعِيدُ أَبَدًا فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ انْتَهَى.
وَالتَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا]
(فَائِدَةٌ) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: أَحَدُهَا قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَأَمَامَهُ جِدَارُ مِرْحَاضٍ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إنْ كَانَ ظَاهِرُهُ طَاهِرًا لَا يَرْشَحُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ مُسْتَقْبِلًا أَحْسَنَ الْجِهَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ - تَعَالَى - وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا كَانَ أَمَامَهُ مَجْنُونٌ، أَوْ صَبِيٌّ فَلْيَتَنَحَّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ.
فَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَرْشَحُ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ بِغَيْرِ إعَادَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ إلَى نَجَاسَةٍ أَمَامَهُ أَعَادَ إلَّا أَنْ تَبْعُدَ جِدًّا وَيُوَارِيَهَا عَنْهُ شَيْءٌ، فَقَاسَ الْمُصَلَّى إلَيْهِ عَلَى الْمُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَقِيسُهَا عَلَى مَا عَلَى يَمِينِهِ، أَوْ شِمَالِهِ، أَوْ خَلْفَهُ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ " وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ " مَا نَصُّهُ: وَالْمَشْهُورُ فِي اسْتِقْبَالِهِ مَحَلَّ النَّجَسِ الْكَرَاهَةُ إنْ بَعُدَ عَنْ مَسِّهَا وَهِيَ فِي قِبْلَتِهِ انْتَهَى.
وَثَانِيهَا: الثَّلْجُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الثَّلْجِ قَالَ فِي الطِّرَازِ يُكْرَهُ لِفَرْطِ بُرُودَتِهِ الْمَانِعَة مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ السُّجُودِ كَالْمَكَانِ الْحَرِجِ.
وَثَالِثُهَا: الْمَقْبَرَةُ.
وَرَابِعُهَا: الْحَمَّامُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إذَا كَانَ مَوْضِعُهُ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ مَعَ سَطْحِهِ.
وَخَامِسُهَا: مَعَاطِنُ الْإِبِلِ.
وَسَادِسُهَا: الْكَنَائِسُ.
وَسَابِعُهَا: قَارِعَةُ الطَّرِيقِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَالطَّرِيقُ الْقَلِيلَةُ الْمَخَاطِرِ فِي الصَّحَارِي تُخَالِفُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ لَا تَصِلُ إلَيْهِ الدَّوَابُّ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّوَادِرِ فِي مَسَاجِدِ الْأَفْنِيَةِ يَمْشِي عَلَيْهَا الدَّجَاجُ وَالْكِلَابُ وَغَيْرُهَا لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنْتُ شَابًّا عَزَبًا وَكَانَتْ الْكِلَابُ تُدْبِرُ وَتُقْبِلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ، وَهَذَا إذَا صَلَّى فِي الطَّرِيقِ اخْتِيَارًا، وَأَمَّا لِضِيقِ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَمَّامِ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ وَقَالَ وَلَا خِلَافَ فِي طَهَارَةِ الدَّارِسَةِ الْعَافِيَةِ مِنْ آثَارِ أَهْلِهَا مَزْبَلَةً كَانَتْ، أَوْ مَجْزَرَةً، أَوْ كَنِيسَةً، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِهَا انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّيْخِ زَرُّوق.
وَثَامِنُهَا: الْمَجْزَرَةُ.
وَتَاسِعُهَا: الْمَزْبَلَةُ.
وَعَاشِرُهَا: فِي الْجَوَاهِرِ بَطْنُ الْوَادِي؛ لِأَنَّ الْأَوْدِيَةَ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ وَالْأَرْبَعِينَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ وَغَيْرَهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ جَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كُلِّهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنْ اعْتَلَّ
بِأَنَّ مَوْضِعَ النَّوْمِ عَنْ الصَّلَاةِ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ وَمَوْضِعُ مَلْعُونٍ لَا يَجِبُ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَلِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْفَكُّ مِنْ الشَّيَاطِينِ، وَلَا الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا بِالْوَادِي وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الْمَذْهَبِ لَا أَعْرِفُهُ فِيهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ قِيلَ: إنَّ الْمُصَنِّفَ انْفَرَدَ بِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَذَكَرَهُ فِي كَلَامِهِ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَنَقَلَهُ عَنْ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَحَادِيَ عَشَرِهَا: الْقِبْلَةُ تَكُونُ فِيهَا التَّمَاثِيلُ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي كَرَاهَتِهَا اعْتِبَارًا بِالْأَصْنَامِ فَإِنْ كَانَتْ فِي سِتْرٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الْكَرَاهَةُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا أَكْرَهُهُ وَكُرِهَ فِي الْكِتَابِ الصَّلَاةُ بِالْخَاتَمِ فِيهِ تِمْثَالٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ.
وَثَانِيَ عَشَرِهَا: كُرِهَ فِي الْكِتَابِ الصَّلَاةُ إلَى حَجَرٍ مُنْفَرِدٍ فِي الطَّرِيقِ أَوْ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ الْحِجَارَةِ الْكَثِيرَةِ لِشَبَهِهِ بِالْأَصْنَامِ.
وَثَالِثَ عَشَرِهَا: قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَسْتَنِدُ الْمَرِيضُ لِحَائِضٍ، وَلَا لِجَنْبٍ.
وَرَابِعَ عَشَرِهَا: مَنْ صَلَّى فِي بَيْتِ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ مُسْلِمٍ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ النَّجَاسَةِ أَعَادَ أَبَدًا انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَبَعْضُهُ فِيهِ اخْتِصَارٌ، وَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ عَدُّ بَعْضِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ وَقَالَ فِي تَوْضِيحِهِ عِنْدَ عَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ بَطْنَ الْوَادِي مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَأَنْتَ تَرَى نَقْلَ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ خَامِسَ عَشَرَ؛ وَهُوَ الْمَكَانُ الشَّدِيدُ الْحَرِّ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ السُّجُودِ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الثَّلْجِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى فِيهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا أُحِبُّ الصَّلَاةَ فِي بَيْتٍ مَنْ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ الْخَمْرِ وَالْبَوْلِ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ أَبَدًا وَأَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى حَصِيرٍ أَوْ بِسَاطٍ مُبْتَذَلٍ يَمْشِي عَلَيْهِ الصَّبِيُّ وَالْخَادِمُ وَمَنْ لَا يَتَحَفَّظُ وَلْيَتَّخِذْ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ مَوْضِعًا يَصُونُهُ لِصَلَاتِهِ، أَوْ حَصِيرًا نَقِيًّا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّى حَيْثُ شَاءَ مِنْ بَيْتِهِ وَلَا يُوقِنُ فِيهِ بِنَجَاسَةٍ لَمْ يَعُدْ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحَمَّامِ وَلِابْنِ رُشْدٍ الْمَقْعَدُ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الثِّيَابُ مِنْهُ بِخَارِجِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ وَخَفَّفَ أَبُو عِمْرَانَ مَا يَقْطُرُ مِنْ عَرَقِ الْحَمَّامِ، وَإِنْ أَوْقَدَ تَحْتَهُ بِالنَّجَاسَةِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِمَعْطِنِ إبِلٍ) . ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُجْتَمَعُ صَدْرِهَا مِنْ الْمَنْهَلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِهَا عِنْدَ صَدْرِهَا مِنْ الْمَاءِ.
وَالْمَعْطِنُ هُوَ الصَّدْرُ يُقَالُ: فُلَانٌ وَاسِعُ الْمَعْطِنِ أَيْ: الصَّدْرِ فَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ مَبَارِكُهَا عِنْدَ الْمَاءِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَوْضِعَ مَبِيتِهَا لَيْسَ بِمَعْطِنٍ، وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلِابْنِ الْكَاتِبِ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمَعَاطِنِ الَّتِي اعْتَادَتْ الْإِبِلُ أَنْ تَغْدُوَ مِنْهَا وَتَرُوحَ إلَيْهَا فَأَمَّا إنْ بَاتَتْ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ لَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى إلَى بَعِيرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: الْمَعْطِنُ صَدْرُ الْبَعِيرِ سُمِّيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرْقُدُ فِيهِ بِهِ.
ص (وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أُخِّرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا، وَلَوْ قَالَ أَنَا أَفْعَلُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرَ فَاضِلٍ، وَلَا يَطْمِسُ قَبْرَهُ، لَا فَائِتَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْجَاحِدُ كَافِرٌ) . ش تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَوَاتٍ حَتَّى خَرَجَ أَوْقَاتُهُنَّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ إذَا كَانَ مُسْتَفْتِيًا، وَمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ صَلَوَاتٍ مُسْتَخِفًّا بِهَا وَمُتَوَانِيًا أُمِرَ بِفِعْلِهَا، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ
ذَلِكَ هُدِّدَ وَضُرِبَ فَإِذَا قَامَ عَلَى امْتِنَاعِهِ قُتِلَ حَدًّا لَا كُفْرًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِهَا وَغَيْرَ جَاحِدٍ لَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِهِ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: وَأَمَّا الصِّيَامُ فَإِنَّهُ كَالصَّلَاةِ يُقْتَلُ تَارِكُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُقْتَلُ عِنْدَ مَالِكٍ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْعِرَاقِيُّونَ مِنَّا لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهَا فَيُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْهُ كُرْهًا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِي حُكْمِ مَنْ قَالَ لَا أُصَلِّي، مَنْ قَالَ لَا أَتَوَضَّأُ، وَلَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا أَصُومُ رَمَضَانَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّارِكِ الْأَبِيِّ خَاصَّةً فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ بَعْضُ الِاسْتِهْزَاءِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْأَشْقِيَاءِ إذَا أُمِرَ بِهَا: إذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَأَغْلِقْ الْبَابَ خَلْفَكَ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الدِّينِ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي كُفْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ صَلَاةَ الْمُنْكِرِ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِنَّهَا لَمْ تَنْهَهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَهُوَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا صَلَّى فِي حَالِ تَهْدِيدِهِ فَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مُكْرَهًا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لَوْ أُكْرِهَ الْجُنُبُ عَلَى الْغُسْلِ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ وَمِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا إنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مُكْرَهًا لَمْ يُجْزِهِ انْتَهَى.
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ يُقْتَلُ بِهَا كَالصَّلَاةِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مُكْرَهًا، وَيُقَالُ لَهُ: صَلِّ، فَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ إنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ انْتَهَى.
وَكَانَ هَذَا الْخِلَافُ ضَعِيفًا فَلَمْ تُرَاعِهِ الْأَصْحَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا، وَإِنْ بَقِيَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَمْسُ رَكَعَاتٍ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَثَلَاثُ رَكَعَاتٍ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ
[فَرْعٌ يَتْرُك الصَّلَاة لِفَتَرَاتِ مُتَقَطِّعَة وَيَقُول إِن اللَّه غَفُور رَحِيم]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعْرُوفًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فَيُوَبَّخُ وَيُخَوَّفُ بِاَللَّهِ فَيُصَلِّي الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى تَرْكِهَا فَيُعَادُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنِّي مُذْنِبٌ، وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ إمَامًا وَيَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ؟ وَهَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ وَتُؤْكَلُ هَدِيَّتُهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ؟ وَكَيْفَ لَوْ كَانَ هَذَا حَالَ امْرَأَتِهِ؟ هَلْ يَسَعُ لِزَوْجِهَا الْمَقَامُ مَعَهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَتُؤْكَلُ هَدِيَّتُهُ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا حَالَ زَوْجَتِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِرَاقُهَا، قِيلَ لَهُ: فَالرَّجُلُ يَنْقُرُ صَلَاتَهُ وَهُوَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ، وَلَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا فَيُعَاتَبُ عَلَى ذَلِكَ فَيَنْتَهِي ثُمَّ يَعُودُ،؟ فَقَالَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَا إمَامَتُهُ وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ يَسْتَأْجِرَ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ]
(مَسْأَلَةٌ) وَفِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْبَلُ النِّيَابَةُ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْحَاوِي، وَلَوْ صَلَّى إنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ بِمَعْنَى أَنْ يُشْرِكَهُ فِي ثَوَابِ صَلَاتِهِ لَجَازَ ذَلِكَ انْتَهَى.
[فَصَلِّ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ]
(فَصْلُ سُنَّ الْأَذَانِ لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا) الْأَذَانُ: الْإِعْلَامُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 3] وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْأَذَنِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَصْلُهُ مِنْ الْأُذُنِ بِالضَّمِّ كَأَنَّهُ أَوْدَعَ مَا عَلِمَهُ أُذُنَ صَاحِبِهِ ثُمَّ اُشْتُهِرَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ بِالْإِعْلَامِ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَاخْتَصَّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ كَمَا اخْتَصَّ لَفْظُ الدَّابَّةِ وَالْقَارُورَةِ وَالْخَابِيَةِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِهَا، وَأَذَّنَ بِفَتْحِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِهَا إذَا أَعْلَمَ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ بِكَسْرِ الذَّالِ مُخَفَّفَةً أَيْ: أَبَاحَهُ وَيُقَالُ بِمَعْنَى عَلِمَ، وَمِنْهُ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] ، وَبِمَعْنَى اسْتَمَعَ، وَمِنْهُ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] ، وَمِنْ السُّنَّةِ
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ لِيُعْمَلَ حَتَّى يُضْرَبَ بِهِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فَقُلْتُ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ، قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَذَكَرَ الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فَلْيُؤَذِّنْ فَفَعَلْتُ فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ الْأَذَانَ خَرَجَ مُسْرِعًا يَسْأَلُ عَنْ الْخَبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ مَا رَأَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَمْدُ لِلَّهِ» .
وَعَنْ أَبِي دَاوُد قَالَ: «اهْتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ فَقِيلَ لَهُ: نَنْصِبُ رَايَةً فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَذَكَرُوا لَهُ الْقُنْعَ يَعْنِي: الشَّبُّورَ فَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ، فَذَكَرُوا لَهُ النَّاقُوسَ، فَقَالَ هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى» وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ يُرْوَى الْقُبَعُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَفْتُوحَةً وَبِالنُّونِ سَاكِنَةً، قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ يَقُولُ: الْقُثْعُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْجَمِيعُ أَسْمَاءٌ لِلْبُوقِ فَبِالنُّونِ مِنْ إقْنَاعِ الصَّوْتِ، وَالرَّأْسِ وَهُوَ رَفْعُهُ، وَبِالْبَاءِ مِنْ السَّتْرِ يُقَالُ: قَبَعَ رَأْسَهُ إذَا أَدْخَلَهُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الشَّبُّورُ عَلَى وَزْنِ التَّنُّورِ: الْبُوقُ، وَيُقَالُ هُوَ مُعَرَّبٌ.
(فَائِدَةٌ) أُخْرَى وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عُنُقٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَطْوَلُ النَّاسِ تَشَوُّفًا إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمُتَشَوِّفَ يُطِيلُ عُنُقَهُ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إذَا أَلْجَمَ النَّاسَ الْعَرَقُ طَالَتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ الدُّنُوُّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ رُءُوسٌ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ أَتْبَاعًا، وَقِيلَ: أَكْثَرُ النَّاسِ أَعْمَالًا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إسْرَاعًا إلَى الْجَنَّةِ مِنْ سَيْرِ الْعُنُقِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ مُعْنِقًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا يَعْنِي مُتَبَسِّطًا فِي سَيْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ أَمْ الْإِقَامَةُ أَفْضَلُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ وَنَحْوُهُ لِلْبَرْزَلِيِّ وَزَادَ فَقَالَ لِلِاحْتِجَاجِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعَجِّلُوا لَحِقَتْهُمْ الْعُقُوبَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63] وَأَمَّا الْخُلَفَاءُ فَمَنَعَهُمْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عُمَرُ لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّمَا أَفْضَلُ الْأَذَانُ أَوْ الْإِمَامَةُ فَقِيلَ: الْأَذَانُ أَفْضَلُ وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقِيلَ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْمِصْرِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ خِلَافُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ، وَنَصُّهُ: " الْأَذَانُ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ كَافَّةً يُقَاتَلُونَ لِتَرْكِهِ " أَبُو عُمَرَ، رَوَى الطَّبَرِيُّ إنْ تَرَكَهُ أَهْلُ مِصْرٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَرَوَى أَشْهَبُ: إنْ تَرَكَهُ مُسَافِرٌ عَمْدًا أَعَادَ صَلَاتَهُ.
(قُلْتُ) هَذَا الَّذِي عَزَاهُ عِيَاضٌ لِرِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ قَالَ: وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ بِوُجُوبِهِ، وَفِي كَوْنِهِ بِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ سُنَّةً أَوْ وَاجِبًا طَرِيقًا لِلْبَغْدَادِيَّيْنِ وَالشَّيْخِ وَفِي الْمُوَطَّإِ: إنَّمَا يَجِبُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ الْمَازِرِيُّ فَسَّرَ الْقَاضِي الْوُجُوبَ بِالسُّنَّةِ، وَغَيْرُهُ السُّنَّةَ بِعَدَمِ الشَّرْطِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْأَذَانَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ فَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ لَمْ يَسْمَعْ الْأَذَانَ أَغَارَ وَإِلَّا أَمْسَكَ» ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ لِلْإِعْلَامِ وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ وَبِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فَأَوْجَبَهُ فِي الْمُوَطَّإِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ: إنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ لِأَنَّ إقَامَةَ السُّنَنِ الظَّاهِرَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ لَوْ تَرَكَهُ أَهْلُ بَلَدٍ
قُوتِلُوا، وَلِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: أَمَّا لِهَذَا الْوَجْهِ فَفَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَهُوَ أَكْثَرُ مَقْصُودِ الْأَذَانِ إذْ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا غَزَا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ» ، فَإِذَا قَامَ بِهِ عَلَى هَذَا وَاحِدٌ فِي الْمِصْرِ وَظَهَرَ الشِّعَارُ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْمَعْنَى الثَّانِي بِتَعْرِيفِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ الْخِلَافُ فِيهِ عَنْ الْأَئِمَّةِ وَاَلَّذِي اخْتَلَفَ لَفْظُ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي إطْلَاقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ وُجُوبُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى الْكِفَايَةِ إذْ مَعْرِفَةُ الْأَوْقَاتِ فَرْضٌ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا فَقَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ وَتَأَوَّلَ هَذَا قَوْلَ الْآخَرِينَ: سُنَّةً أَيْ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِمْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَجَزَمَ بِهِ فَانْظُرْهُ وَلَعَلَّهُ هُوَ الْمُرَادُ بِبَعْضِ شُيُوخِهِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي وُجُوبِهِ فِي الْمِصْرِ خِلَافًا وَجَعَلَ مَحِلَّ الْخِلَافِ، وُجُوبَهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا " يُرِيدُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ إلَيْهَا كَالْجَوَامِعِ، وَالْمَسَاجِدِ وَكَعَرَفَةَ، وَمِنًى، وَالْعَدَدِ الْكَثِيرِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ إمَامُ الْمِصْرِ يَخْرُجُ إلَى الْجِنَازَةِ فَتَحْضُرُهُ الصَّلَاةُ فَيُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالْأَذَانُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سُنَّةٌ لَا تُتْرَكُ، وَهُوَ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ حِفْظٌ لِلْأَوْقَاتِ وَلِإِقَامَةِ الْجَمَاعَاتِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَذَانُ مَسْجِدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ لَا يَكْفِي عَنْهُ فِي الْآخَرِ انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَسْجِدٍ بَيْنَ قَوْمٍ فَتَنَازَعُوا فِيهِ وَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فَضَرَبُوا وَسَطَهُ حَائِطًا أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنُهُمْ وَاحِدًا، وَإِمَامُهُمْ وَاحِدًا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ سَبَّلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانُوا بَنَوْهُ جَمِيعًا، وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلُهُ وَلَا يَجْزِيهِمْ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ وَلَا إمَامٌ وَاحِدٌ، قَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمْ قَدْ ارْتَفَعَ عَنْهُ حِينَ سَبَّلُوهُ فَإِنْ فَعَلُوا فَلَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدَيْنِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِمَامِ حِينَ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا بِحَائِزٍ يُبَيِّنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ انْتَهَى.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " طَلَبَتْ غَيْرَهَا " سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
ص (فِي فَرْضٍ)
ش: اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ فَإِنَّ الْأَذَانَ لَهَا مَكْرُوهٌ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأَمَّا غَيْرُ الْفَرَائِضِ فَلَا يُؤَذَّنُ لَهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اتِّفَاقًا، وَحَكَى زِيَادٌ النِّدَاءَ لِلْعِيدَيْنِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي إنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْأَذَانِ فَهُوَ يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَإِنْ عَنَى بِهِ: " الصَّلَاةَ جَامِعَةً " مَثَلًا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ فَلَا تَنَاقُضَ انْتَهَى.
ص (وَقْتِيٍّ)
ش: فَلَا يُؤَذَّنُ لِلْفَائِتَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهَا تَفْوِيتًا وَلَمْ يَحْكِ اللَّخْمِيُّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَالَ: إنَّ الْأَذَانَ لَهَا مَكْرُوهٌ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَذُكُورَةٌ " وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَا أَذَانَ لِلْفَائِتَةِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ شَاذٍّ.
(قُلْتُ) : قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤَذَّنُ لِلْفَوَائِتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: لَا يُؤَذَّنُ لَهَا قَالَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ نَقْلُ الْأَكْثَرِ، وَبِهِ الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِأَفْرِيقِيَّةَ، قَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَقِيلَ يُؤَذَّنُ لِأُولَى الْفَوَائِتِ حَكَاهُ الْأَبْهَرِيُّ رِوَايَةً عَنْ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ إنْ رَجَا اجْتِمَاعَ النَّاسِ لَهَا أَذَّنَ وَإِلَّا فَلَا وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلْفَوَائِتِ، وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِحَدِيثِ: «الْوَادِي قُصُورٌ» انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَقْتِيٍّ " أَنَّ الْأَذَانَ مَطْلُوبٌ وَلَوْ صُلِّيَتْ الصَّلَاةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَانْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ الْوَقْتَ الضَّرُورِيَّ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمُخْتَارِ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّهُ إنَّمَا
يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلْمَغْرِبِ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، فَقَالَ مُوَجِّهًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ مَا نَصُّهُ: " لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ وَوَقْتُ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِهَا الْمُخْتَارِ انْتَهَى ". وَقَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَذَانِ الصُّبْحِ وَذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا مِنْ حِينِ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَهُوَ عِنْدِي شَطْرُ اللَّيْلِ مَا نَصُّهُ: " لَمَّا كَانَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْأَذَانُ لِغَيْرِهَا امْتَنَعَ الْأَذَانُ فِيهِ لَهَا وَالشَّطْرُ الثَّانِي لَا يُؤَذَّنُ فِيهِ لِغَيْرِهَا فَكَانَ وَقْتًا لِأَذَانِهَا انْتَهَى ". وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّهُ لَا أَذَانَ لِوَقْتِيَّةٍ يُفِيتُهَا الْأَذَانُ انْتَهَى.
وَفِي مَسَائِلِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا بَأْسَ بِالْأَذَانِ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ وَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَوْلَى انْتَهَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ جُمُعَةً) ش: حَكَى اللَّخْمِيُّ فِي وُجُوبِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ قَوْلَيْنِ وَاخْتَارَ هُوَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْوُجُوبَ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَعَزَا صَاحِبُ الطِّرَازِ الْوُجُوبَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّا لَمْ نَشْتَرِطْ فِي الْجُمُعَةِ الْإِقَامَةَ، وَهِيَ أَخَصُّ بِالصَّلَاةِ مِنْ الْأَذَانِ فَكَيْفَ نَشْتَرِطُ الْأَذَانَ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ السَّعْيِ وَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ قُلْنَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَوُجُوبِهِ وَإِنَّمَا هِيَ مُرَاعَاةُ وُجُوبِهِ انْتَهَى.
ص (وَهُوَ مُثَنَّى)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: أَيْ مُثَنَّى التَّكْبِيرِ لَا مُرَبَّعَ التَّكْبِيرِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُخَالِفُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ جُمَلِ الْأَذَانِ كَمَا قَالَ فِي الْإِقَامَةِ: مُفْرَدَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ "، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ أَعْنِي قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْأَذَانِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُثَنَّى الْجُمَلِ إلَّا الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " مُثَنَّى " بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ التَّثْنِيَةِ وَلَيْسَ مَفْتُوحَ الْمِيمِ سَاكِنَ الثَّاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُولٌ مِنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَيَقْتَضِي أَنَّ جُمَلَهُ مُرَبَّعَةٌ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُرَادِ، وَتَعْبِيرُنَا بِالْجُمَلِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ بَعْضِهِمْ بِالْكَلِمَاتِ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْأَذَانُ سَبْعَ عَشَرَةَ جُمْلَةً، وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ سَبْعَ عَشَرَةَ كَلِمَةً مَجَازٌ عَبَّرُوا بِالْكَلِمَةِ عَنْ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَكَلِمَاتُهُ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ كَلِمَةً انْتَهَى.
(قُلْتُ) هَذَا فِي غَيْرِ أَذَانِ الصُّبْحِ وَيَزِيدُ أَذَانَ الصُّبْحِ ثَمَانِ كَلِمَاتٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَازِرِيُّ لَوْ أَوْتَرَ الْأَذَانَ لَمْ يُجْزِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا، وَإِنْ أَذَّنَ فَأَخْطَأَ فَأَقَامَ سَاهِيًا ابْتَدَأَ الْأَذَانَ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ أَرَادَ الْأَذَانَ فَأَقَامَ لَمْ يُجْزِهِ، وَفِي الْعَكْسِ قَوْلَا مَالِكٍ وَأَصْبَغَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شَفَعَ الْإِقَامَةَ غَلَطًا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُجْزِئُ وَالْمَشْهُورُ لَا يُجْزِئُ وَعَنْ ابْنِ يُونُسَ الْأَوَّلُ: لِأَصْبَغَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَأَقَامَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمَازِرِيِّ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَوْ: شَفَعَ الْإِقَامَةَ غَلَطًا لَأَجْزَأَهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ أَوْتَرَ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ الْأَذَانُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يُوتِرُ.
(تَنْبِيهٌ) ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقَةِ: النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَذَانِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَغَلِطَ فَأَقَامَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَذَانًا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إقَامَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْإِقَامَةَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ فَأَذَّنَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقَامَةً مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ إقَامَةٍ، وَقَالَ قَبْلَهُ مَنْ أَخَذَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ عَقِبَ مَا كَبَّرَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْأَذَانَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يُبْنَى عَلَى تَكْبِيرِهِ الَّذِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَذَانٌ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: إنْ أَرَادَ الْأَذَانَ فَأَقَامَ أَوْ الْإِقَامَة فَأَذَّنَ أَعَادَ حَتَّى يَكُونَ عَلَى نِيَّةٍ لِفِعْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ نِيَّةَ
التَّقَرُّبِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ الْقُرُبَاتِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَبْهَرِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فَتَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَذَلِكَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ نِيَّةَ الْفِعْلِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ لِوُجُودِهَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ بِدُونِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ يُعِيدُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى صَوَابٍ مِنْ فِعْلِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: وَقِيلَ: إنْ أَرَادَ الْأَذَانَ فَأَقَامَ لَا يُعِيدُ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُثَنَّى، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ فَإِنَّهُ صَحَّحَ الْإِقَامَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التَّقَرُّبَ بِهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ أَذَانِهِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ مِنْ مَوْضِعِ نَسِيَ إنْ كَانَ تَرَكَ جُلَّ أَذَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " مَرَّةً فَلَا يُعِدْ شَيْئًا، وَإِنْ تَبَاعَدَ لَمْ يُعِدْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ يَنْبَغِي إنْ كَانَ مَا تَرَكَ كَثِيرًا أَعَادَ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْهُ، وَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْضَهُ وَلَعَلَّ الْبَاقِيَ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةٍ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنْ نَكَّسَ ابْتَدَأَ انْتَهَى.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ بَدَأَ " بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " قَبْلَ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَلْيَقُلْ بَعْدَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُجْزِئُهُ انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ نَاجِي عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ مِنْ صِفَاتِ الْأَذَانِ أَنْ لَا يُنَكِّسَهُ فَإِنْ فَعَلَ ابْتَدَأَ إذْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إلَّا بِتَرْتِيبِهِ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ فَلَا تُغَيَّرُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوْ قَدَّمَ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ أَعَادَ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَا قُدِّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَالْعَدَمِ فَلَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ وَيُعَادُ لِتَحْصِيلِ التَّرْتِيبِ.
ص (وَلَوْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُثَنِّيهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ وَهْبٍ يُفْرِدُهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ قَوْلُهَا لِمَنْ يُؤَذِّنُ فِي نَفْسِهِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ فِيمَنْ كَانَ فِي ضَيْعَةٍ مُتَحَيِّزًا عَنْ النَّاسِ فَتَرَكَ ذَلِكَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ، وَحَمَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلَافِ، قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَزِيدُ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَسْمَعَهُ مَنْ كَانَ فِي مَضْجَعِهِ فَيَنْشَطَ لِلصَّلَاةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ مَنْ لَيْسَ بِنَائِمٍ فَلَا مَعْنًى لِذَلِكَ انْتَهَى.
وَرَدَّهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَقَالَ: هَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْأَذَانَ يُتْبَعُ عَلَى مَا شُرِعَ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْسِنَ تَرْكَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَمُجْمَلُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْأَذَانُ بِتَرْكِ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُهُ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) وَاخْتُلِفَ فِي حِينِ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا اللَّفْظِ فَفِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ يُؤْذِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لِلصَّلَاةِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ، وَقِيلَ: أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَاقْتَصَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الثَّانِي، فَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ» صَادِرٌ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَكَرَهُ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ: اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ إنْكَارٌ عَلَى الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ التَّلْبِيَةَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مُرَجَّعُ الشَّهَادَتَيْنِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ صِفَةِ الْأَذَانِ أَنْ يَكُونَ مُرَجَّعَ الشَّهَادَتَيْنِ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ سَبَبَهُ إغَاظَةُ الْمُشْرِكِينَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبَا مَحْذُورَةَ بِالْإِعَادَةِ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْبُغْضِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَمَّا أَسْلَمَ وَأَخَذَ فِي الْأَذَانِ
وَوَصَلَ الشَّهَادَتَيْنِ أَخْفَى صَوْتَهُ حَيَاءً مِنْ قَوْمِهِ فَدَعَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّرْجِيعِ وَقَدْ انْتَفَى السَّبَبُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَنْتَفِي سَبَبُهُ وَيَبْقَى كَالرَّمَلِ فِي الْحَجِّ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا أَنَّهُمْ إذَا كَثُرُوا يُرَجِّعُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَا أَرَى كَانَ الْأَذَانُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ يُثَنِّي كُلُّهُمْ فَلَمَّا كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ خَفَّفُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَصَارَ لَا يُثَنِّي مِنْهُمْ إلَّا الْأَوَّلَ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اُبْتُدِعَ، لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا كَثُرُوا خَفَّفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَيْ لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَكَى مَا رَأَى وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ارْتَضَاهُ حَتَّى يُجْعَلَ قَوْلًا لَهُ فَضْلًا أَنْ يُجْعَلَ تَرْكًا لِقَوْلٍ قَدْ عُرِفَ مِنْهُ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى مُخْتَصِرًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ التَّرْجِيعُ.
وَذَكَرَ عِيَاضٌ: التَّخْيِيرَ فِيهِ لِأَحْمَدَ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَجْهُولِ آخِرُهَا، قَالَ وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَنْ مَالِكٍ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيَاضٍ هُوَ فِي الْإِكْمَالِ فَإِنْ تَرَكَ التَّرْجِيعَ فَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ أَعَادَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ طَالَ صَحَّ أَذَانُهُ وَلَمْ يُعِدْ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّرْجِيعَ اسْمٌ لِلْعَوْدِ إلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَقِيلَ: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْعَوْدِ وَقِيلَ: لِمَا يَأْتِي بِهِ أَوَّلًا وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ أَوَّلًا)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ فِي التَّرْجِيعِ فَقَطْ فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ مَرْفُوعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ بِغَيْرِ رَفْعٍ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْأَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ الثَّانِيَ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَرْتَضِ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ عَلَى الْأَوَّلِ.
(تَنْبِيهٌ) اُتُّفِقَ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ فِي آخِرِ الْأَذَانِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَكُونُ صَوْتُهُ فِي تَرْجِيعِ الشَّهَادَتَيْنِ أَرْفَعَ مِنْ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ صَوْتٌ يُسْمَعُ، وَأَنَّهُ لَا يُخْفِيهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَذَانِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَفْضٍ لَا يَقَعُ بِهِ إعْلَامٌ وَإِنَّمَا هُوَ رَفْعٌ دُونَ رَفْعٍ انْتَهَى، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ رُبَّمَا غَلِطَ بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ فَيُخْفِي صَوْتَهُ حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَهَذَا غَلَطٌ.
ص (مَجْزُومٌ)
ش: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَوْصَافِ الْوَاجِبَةِ فِي الْأَذَانِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ: اخْتَارَ شُيُوخُ صِقِلِّيَةَ جَزْمَ الْأَذَانِ، وَشُيُوخُ الْقَرَوِيِّينَ إعْرَابَهُ، وَالْجَمِيعُ جَائِزٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيَجْزِمُ آخِرَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَذَانِ، وَلَا يَصِلُهَا بِمَا بَعْدَهَا، وَيَدْمُجُ الْإِقَامَةَ لِلْعَمَلِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْإِقَامَةُ مُعْرَبَةٌ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: الْإِقَامَةُ مُعْرَبَةٌ إذَا وَصَلَ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ فَإِنْ وَقَفَ وَقَفَ عَلَى السُّكُونِ وَأَمَّا الْأَذَانُ فَإِنَّهُ عَلَى الْوَقْفِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْأَذَانُ وَالتَّكْبِيرُ كُلُّهُ جَزْمٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَعَوَامُّ النَّاسِ يَضُمُّونَ الرَّاءَ مِنْ " اللَّهُ أَكْبَرُ " الْأَوَّلِ، وَالصَّوَابُ جَزْمُهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ سُمِعَ مَوْقُوفًا، وَمَنْ أَعْرَبَ " اللَّهُ أَكْبَرُ " لَزِمَهُ أَنْ يُعْرِبَ " الصَّلَاةَ " " وَالْفَلَاحَ " بِالْخَفْضِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِلَفْظِ لِأَنَّ الْأَذَانَ مَوْقُوفًا سُمِعَ إلَخْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: الْأَذَانُ مَوْقُوفٌ، وَمَنْ حَرَّكَهُ فَإِنَّمَا يُحَرِّكُ الرَّاءَ بِالْفَتْحِ، قَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: وَيَجُوزُ فِي الرَّاءِ مِنْ " أَكْبَرُ "
الْأَوَّلِ السُّكُونُ وَالتَّحْرِيكُ بِالْفَتْحِ، وَفِي الثَّانِي السُّكُونُ لَا غَيْرُ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَبَعْضُ الْعَوَامّ يَضُمُّونَ الرَّاءَ الْأُولَى، وَإِنَّمَا هِيَ سَاكِنَةٌ وَيَجُوزُ تَحْرِيكُهَا بِالْفَتْحِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيَجُوزُ فِيهَا الْجَزْمُ وَالتَّحْرِيكُ بِالضَّمِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ) التَّحْرِيكُ بِالْفَتْحِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَكَلُّفٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ وَصْلٌ بِنْيَةِ الْوَقْفِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ: هِيَ حَرَكَةُ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ يَكْسِرُوا حِفْظًا لِتَفْخِيمِ اللَّامِ، وَقِيلَ: حَرَكَةُ هَمْزَةِ الْوَصْلِ نُقِلَتْ إلَى الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي: وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ وَلَيْسَ لِهَمْزَةِ الْوَصْلِ ثُبُوتٌ فِي الدَّرْجِ فَتَثْبُتُ حَرَكَتُهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جُمَلِ الْأَذَانِ كُلِّهَا وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّكْبِيرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّهُ نَطَقَ بِهِ إلَّا مَوْقُوفًا.
ص (بِلَا فَصْلٍ وَلَوْ بِإِشَارَةٍ لِكَلَامٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ كَلِمَاتِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ نِظَامِهِ فَلَا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ وَلَا سَلَامٍ، وَلَا رَدِّهِ وَلَوْ بِإِشَارَةٍ لِرَدِّ سَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ وَلَا فِي تَلْبِيَتِهِ وَلَا يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمَا، قَالَ سَنَدٌ: أَمَّا كَلَامُهُ فَمَكْرُوهٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَيُمْنَعُ الْأَكْلَ، وَالشُّرْبَ، وَالْكَلَامَ وَرَدَّ السَّلَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَأَمَّا اشْتِغَالُهُ بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ أَكْلٍ أَوْ كَلَامٍ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اُضْطُرَّ لِلْكَلَامِ مِثْلَ أَنْ يَخَافَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ، فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ وَيَبْنِي، قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ مَا لَمْ يُطِلْ فَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَ وَلَوْ كَانَ لِحِفْظِ آدَمِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا قُلْنَا لَا يَرُدُّ بِإِشَارَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ إذَا أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا انْتَهَى.
(قُلْتُ) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَرُدُّ أَيْضًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِ حَاضِرًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا وَيَرُدُّ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الشَّامِلِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ مُوسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: إنْ رَعَفَ مُقِيمٌ أَوْ أَحْدَثَ قَطَعَ وَأَقَامَ غَيْرُهُ، وَإِنْ رَعَفَ مُؤَذِّنٌ تَمَادَى فَإِنْ قَطَعَ وَغَسَلَ الدَّمَ ابْتَدَأَ، اللَّخْمِيُّ إنْ قَرُبَ يَبْنِي انْتَهَى.
وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ نَاجِي، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِهِ فَلَا يَفْعَلُ وَلْيَبْتَدِئْ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَذَانِ أَوْ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ بَنَى فِيمَا قَرُبَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْإِقَامَةِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ أَشْهَبَ فِي الْإِقَامَةِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ، وَنَصَّهُ: " أَشْهَبُ إنْ رَعَفَ مُقِيمٌ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ مَاتَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ابْتَدَأَ فَإِنْ بَنَى هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَجْزَأَ الشَّيْخُ يُرِيدُ تَوَضَّأَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، وَصَحَّحَ إقَامَةَ الْمُحْدِثِ، وَتَعَقَّبَهُ التُّونُسِيُّ بِأَنَّ وَضُوءَهُ طُوِّلَ وَإِقَامَةَ الْمُحْدِثِ لَا تَجُوزُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي، وَقَالَ قَبْلَهُ: وَإِنْ رَعَفَ أَوْ أَحْدَثَ فِي الْإِقَامَةِ فَلْيَقْطَعْ وَيُقِمْ غَيْرَهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ حُكْمُ الْإِقَامَةِ]
(فَرْعٌ) وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَحُكْمِ الْأَذَانِ كَمَا، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَا يَفْصِلُ الْمُؤَذِّنُ وَالْمُقِيمُ مَا شَرَعَا فِيهِ بِسَلَامٍ ابْتِدَاءً وَلَا بِرَدِّ سَلَامٍ وَلَا بِتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، وَلَا كَلَامٍ أَلْبَتَّةَ فَإِنْ فَرَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ بِمَا ذُكِرَ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ سُكُوتٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ
غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا بَنَى، وَإِنْ كَانَ مُتَفَاحِشًا اسْتَأْنَفَ.
ص (وَبَنَى إنْ لَمْ يُطِلْ)
ش: يَعْنِي فَإِنْ فَصَلَ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ بِكَلَامٍ أَوْ سَلَامٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْفَصْلُ يَسِيرًا كَرَدِّ سَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ يَسِيرٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْأَذَانَ مِنْ أَوَّلِهِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ فَإِنْ فَعَلَ بَنَى إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَوْ دَابَّةٍ أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ وَشَبَهِهِ فَلْيَتَكَلَّمْ وَيَبْنِي، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ مُهِمَّةٌ فَلْيَتَكَلَّمْ وَيَبْنِي انْتَهَى.
زَادَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَكَذَلِكَ فِي التَّلْبِيَةِ وَلَا يَفْعَلُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ انْتَهَى، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَعَادَ بِالْقُرْبِ بَنَى عَلَى مَا مَضَى، وَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَمِثْلُهُ إنْ عَرَضَ لَهُ رُعَافٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْطَعُ أَذَانَهُ أَوْ خَافَ تَلَفَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ خَافَ تَلَفَ أَحَدٍ أَعْمَى أَوْ صَبِيٍّ أَنْ يَقَعَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى أَذَانِهِ فَيَبْنِي إنْ قَرُبَ وَيَبْتَدِئُ إنْ بَعُدَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: إنْ خَشِيَ تَلَفَ مَالِهِ، بَلْ وَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ تَلَفَ مَالِ غَيْرِهِ لِوُجُوبِ حِفْظِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِذَلِكَ وَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ فَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَعَادَ الْأَذَانَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجُزْ وَلْيُعْلِمْ أَهْلَ الدُّورِ أَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ كَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَيُعِيدُ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ فَرَجَعَ فَنَادَى: أَلَا إنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ» .
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا إذَا عَلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا وَأَمَّا لَوْ صَلَّوْا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يُعِيدُونَ الْأَذَانَ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَخَافَةَ أَنْ يُقْبِلَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ صُلِّيَتْ فَيَتْعَبُوا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَلِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ لِلِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ وَهَذَا إذَا وَقَعَتْ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فَيُعِيدُونَ الْأَذَانَ وَالصَّلَاةَ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَمَنْ أَذَّنَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ أَعَادَ الْأَذَانَ، قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ فَلَا يُعِيدُ أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ.
ص (إلَّا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ) ش يَعْنِي أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدَّمَ أَذَانُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا بِمِقْدَارِ سُدُسِ اللَّيْلِ كَمَا صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا حَمَلَ الْجُزُولِيُّ عَلَيْهِ قَوْلَ الرِّسَالَةِ: وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا إلَّا الصُّبْحَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ فَإِنَّ لَفْظَ لَا بَأْسَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَحَبِّ فِعْلُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الْأَمْرِ الْمُبَاحِ الَّذِي يَسْتَوِي فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ كَمَا، قَالَهُ فِي رَسْمِ الْمُحْرِمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَالْمُعْتَبَرُ اللَّيْلُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُزُولِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا أَذَّنَ لَهَا فِي السُّدُسِ الْآخِرِ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ آخَرُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ، قَالَ: ذَهَبَ النَّاسُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ إذَا كَانَ ثَمَّ مُؤَذِّنٌ آخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْأَذَانَ الْوَاقِعَ قَبْلَ الْفَجْرِ إنْ كَانَ يُحْسَبُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ أُذِّنَ لَهَا فَلَا حَاجَةَ لِأَذَانٍ ثَانٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسَبُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا يَكُونُ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِالْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَذِّنُ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ عَشَرَةٌ، وَفِي
الْعَصْرِ خَمْسَةٌ، وَفِي الْمَغْرِبِ وَاحِدٌ.
التُّونُسِيُّ أَوْ جَمَاعَةٌ مَعًا، وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ: مَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْأَذَانَ لَهَا عِنْدَ الْفَجْرِ مَشْرُوعٌ فَإِنَّهُ، قَالَ: وَقَدْ رَتَّبَ الشَّارِعُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لِلصُّبْحِ أَذَانًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَذَانًا عِنْدَ طُلُوعِهِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْأَذَانِ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَوْقَاتُهَا مُمْتَدَّةٌ فَيُؤَذِّنُونَ فِي الظُّهْرِ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي الْعَصْرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ، وَفِي الْعِشَاءِ كَذَلِكَ، وَالصُّبْحُ يُؤَذَّنُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ سُدُسِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ الْأَخِيرَ لَهَا يُؤَذِّنُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ إنَّمَا شُرِعَ لَهَا الْأَذَانُ فَقَطْ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُونَ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ ابْنِ شَعْبَانَ بِدْعَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْهَى الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّسْبِيحِ بِاللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنًا سِرًّا وَعَلَنًا لَكِنْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِعُ وَلَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، وَقَدْ رَتَّبَ الشَّارِعُ لِلصُّبْحِ أَذَانًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَذَانًا عِنْدَ طُلُوعِهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَفَاسِدُ مِنْهَا التَّشْوِيشُ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ يَتَهَجَّدُ أَوْ يَقْرَأُ، وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ الْعَوَامّ لِسَمَاعِ تِلْكَ الْأَلْحَانِ، فَيَقَعُ مِنْهُمْ زَعَقَاتٌ وَصِيَاحٌ عِنْدَ سَمَاعِهَا، وَمِنْهَا خَوْفُ الْفِتْنَةِ بِصَوْتِ الشَّبَابِ الَّذِينَ يَصْعَدُونَ عَلَى الْمَنَائِرِ لِلتَّذْكَارِ ثُمَّ، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُنْهَى الْمُؤَذِّنُونَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ التَّسْحِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى، وَذَكَرَ اخْتِلَافَ عَوَائِدِ النَّاسِ فِي التَّسْحِيرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُسَحِّرُ بِالْآيَاتِ، وَالْأَذْكَارِ عَلَى الْمَوَادِنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَحِّرُ بِالطَّبْلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَحِّرُ بِدَقِّ الْأَبْوَابِ وَيَقُولُونَ: قُومُوا كُلُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَحِّرُ بِالطَّارِّ، وَالشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَحِّرُ بِالْبُوقِ، وَالنَّفِيرِ وَكُلُّهَا بِدَعٌ وَبَعْضُهَا أَشْنَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ يَقُولُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَأَنْكَرَ أَيْضًا تَعْلِيقَ الْفَوَانِيسِ فِي الْمَنَائِرِ عَلَمًا عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ وَعَلَى تَحْرِيمِهِمَا إذَا أَنْزَلُوهَا، قَالَ وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِأَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهَا: أَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا لِلصَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْطَفِئُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا يَرَاهُ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فَيَتْرُكُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَقَدْ يَنْسَاهُ مَنْ هُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَيَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فَيَفْسُدُ صَوْمُهُ، ثُمَّ قَالَ وَيَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ التَّذْكَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ بَعْدَهُ مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ بَلْ هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ، وَهُوَ الَّذِي أَحْدَثَ التَّغَنِّيَ بِالْأَذَانِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ وَالْمَسِيلِيِّ أَنَّهُمَا أَجَازَا قِيَامَ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ دَحُونٍ وَابْنُ جُرْجٍ خَالَفَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَا فِي مُؤَذِّنٍ يَقُومُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَيُؤَذِّنُ وَيَتَهَلَّلُ بِالدُّعَاءِ وَيَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُصْبِحَ، وَقَامَ عَلَيْهِ قَائِمٌ، وَقَالَ: إنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْجِيرَانِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَقْطَعَ الضَّرَرَ وَيَجْرِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْأَذَانِ الْمَعْهُودِ فِي اللَّيْلِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الصَّالِحِينَ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ وَجَزَمَ بِأَنَّ قِيَامَ الْمُؤَذِّنِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي قِيَامِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ:
" وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ بِالْمَسْجِدِ آخِرَ اللَّيْلِ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَجَوَازُهُ بِعَسْعَسَةِ اللَّيْلِ مَعَ مُضِيِّ نِصْفِهِ وَمَنَعَهُ نَقْلًا ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ مُحْتَجًّا بِقَوْلِ مَالِكٍ بِعَدَمِ مَنْعِ صَوْتِ ضَرْبِ الْحَدِيدِ مَعَ الْمَسِيلِيِّ وَابْنِ دَحُونٍ مَعَ ابْنِ جُرْجٍ مُحْتَجِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَتَنَحْنُحُ الْمُؤَذِّنِ فِي السَّحَرِ مُحْدَثٌ وَكَرِهَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ لِلْبَقَاعِيِّ الشَّافِعِيِّ: إنَّ التَّسْبِيحَ مَشْرُوعٌ لِانْطِلَاقِ عِلَّةِ الْأَذَانِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ» رَوَاهُ السِّتَّةُ إلَّا التِّرْمِذِيُّ وَأَيْضًا فَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ انْتَهَى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ بِأَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ أَعْلَمَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالسُّنَّةِ الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ لَمَّا نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النِّدَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَكُنْ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ تَكْبِيرًا أَوْ تَسْبِيحًا كَمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ، قَالَ: هَذَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مُحْدَثٌ قَطْعًا وَقَدْ تَظَافَرَتْ الطُّرُقُ عَلَى التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْأَذَانِ فَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مُقَدَّمٌ وَلَوْ كَانَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ لَمَا الْتَبَسَ عَلَى السَّامِعِينَ، وَمَسَاقُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ الِالْتِبَاسَ، وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْمُنِيرِ: أَنَّ حَقِيقَةَ الْأَذَانِ جَمِيعُ مَا يَصْدُرُ عَنْ الْمُؤَذِّنِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَهَيْئَةٍ، وَقَالَ: إنَّهُ غَرِيبٌ، قَالَ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا أَطْلَقَ لَكَانَ مَا أُحْدِثَ مِنْ التَّسْبِيحِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَقَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جُمْلَةِ الْأَذَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّسْبِيحَ وَالتَّذْكِيرَ مُحْدَثٌ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي فِعْلِهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَرَدَّ السَّخَاوِيُّ عَلَى الْبِقَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ صَحِيحٌ، وَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ صَحِيحٌ، قَالَ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ وَلَا الْعِرَاقِيِّ وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ لَهُ مُنَازِعٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْهَاهُمْ الْإِمَامُ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَحْدَثُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَرْبَعِ مَوَاضِعَ لَمْ يَكُنْ يُفْعَلْ فِيهَا فِي عَهْدِ مَنْ مَضَى مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْحُدُوثِ، وَهِيَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ كُلِّ لَيْلَةٍ وَبَعْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِيَرْقَى الْمِنْبَرَ وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ وَالْكُلُّ فِي الْأَحْدَاثِ قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ أَعْنِي فِي زَمَانِنَا هَذَا انْتَهَى، وَقَالَ السَّخَاوِيُّ فِي الْقَوْلِ الْبَدِيعِ: أَحْدَثَ الْمُؤَذِّنُونَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ الْأَذَانِ لِلْفَرَائِضِ الْخَمْسِ إلَّا الصُّبْحَ وَالْجُمُعَةَ فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَذَانِ وَإِلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَفْعَلُونَهُ لِضِيقِ وَقْتِهَا وَكَانَ ابْتِدَاءُ حُدُوثِهِ فِي أَيَّامِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ وَبِأَمْرِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَمْرَ الصَّلَاحِ بْنِ أَيُّوبَ بِذَلِكَ كَانَ فِي أَذَانِ الْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ الْمُؤَذِّنِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ عَقِبَ كُلِّ أَذَانٍ فَسُرَّ الْمُحْتَسِبُ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا فَأَمَرَ بِذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ بِدْعَةٌ أَوْ مَشْرُوعٌ؟ وَاسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: " وَافْعَلُوا الْخَيْرَ " وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ مِنْ أَجَلِّ الْقُرَبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ عَلَى الْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الدُّعَاءِ عَقِبَهُ، وَالثُّلُثِ الْأَخِيرِ وَقُرْبِ الْفَجْرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَفَاعِلُهُ بِحَسَبِ نِيَّتِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ أَحْدَثَ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلصُّبْحِ أَنْ يَقُولَ: يَا دَائِمَ الْمَعْرُوفِ يَا كَثِيرَ الْخَيْرِ يَا مَنْ هُوَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا، وَذَكَرَ الْبُرْهَانُ الْبِقَاعِيُّ أَنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ فُقَهَاءِ مَكَّةَ اخْتِلَافٌ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ، وَفِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِحَيْثُ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ ثُمَّ إنَّهُ أُحْدِثَ فِي مِصْرَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسَبْعِينَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ فَأَلَّفَ فِيهِ جُزْءًا سَمَّاهُ
الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ فِي مَسْأَلَةِ يَا دَايِمَ الْمَعْرُوفِ} ، وَخَالَفَهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ وَأَلَّفَ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ سَمَّاهُ ﴿الْقَوْلُ الْمَأْلُوفُ فِي الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِ الْمَعْرُوفِ﴾ ، وَقَالَ فِيهِ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ: فَعُلِمَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ قَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ شَرِيفَةٍ، وَهِيَ الدُّعَاءُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَرْجُوِّ الْإِجَابَةُ، وَكَوْنُهُ جَهَرَ بِهِ مُلْتَحِقٌ بِالْمَوَاطِنِ الَّتِي جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْجَهْرِ فِيهَا فَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ سُنَّةٌ، وَمَا ذَكَرَهُ يَعْنِي الْبِقَاعِيَّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَيْسَ بِمُنْحَطِّ الرُّتْبَةِ عَنْ التَّسْبِيحِ الَّذِي كَادَ يُسَمِّيهِ سُنَّةً انْتَهَى.
يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ مَشْرُوعٌ، وَأَمَّا الْمَفْسَدَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْبِقَاعِيُّ فَهُوَ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ مُتَّصِلًا بِالْأَذَانِ وَبِصَوْتِ الْأَذَانِ عَلَى الْمَنَارِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَذَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّخَاوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَفْتَوْا بِجَوَازِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مُحْدَثٌ، وَكَرِهَهُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا الْأَذَانُ، وَالْإِقَامَةُ فَقَطْ فَأَمَّا دُعَاءٌ فِي آخِرِ الْأَذَانِ غَيْرَهُمَا فَلَا، وَاسْتَحَبَّ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُثَوَّبَ فِي الصُّبْحِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو شُجَاعٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّثْوِيبُ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَذَانِ يُرِيدُ بِهِ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " قَالَ: وَالثَّانِي بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَرَوَى مَنْ احْتَجَّ لَهُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ بِلَالًا كَانَ إذَا أَذَّنَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ» ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَرَوَوْا أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ جَاءَ أَبُو مَحْذُورَةَ وَقَدْ أَذَّنَ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَيْحَكَ أَمَجْنُونٌ أَنْتَ؟ ، مَا كَانَ فِي دُعَائِكَ الَّذِي دَعَوْتَ، مَا نَأْتِيكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا وَلَوْ كَانَ سُنَّةً لَمْ يُنْكِرْهُ إمَامُنَا مَالِكٌ فَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ التَّثْوِيبُ بِصَوَابٍ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ: أَنَّ التَّثْوِيبَ بَعْدَ الْأَذَانِ فِي الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ عَلَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: وَتَنَحْنُحُ الْمُؤَذِّنِ فِي السَّحَرِ فِي رَمَضَانَ مُحْدَثٌ وَكَرِهَهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَحْنَحُونَ لِيُعْلِمُوا النَّاسَ بِالْفَجْرِ فَيَرْكَعُونَ فَكَرِهَ ذَلِكَ وَرَآهُ مِمَّا اُبْتُدِعَ، قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْإِمَامِ كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ حَدَثَ فِي عَهْدِ مُعَاوِيَةَ فَكَانَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ عَلَى الصَّوْمَعَةِ دَارَ إلَى الْأَمِيرِ، وَاخْتَصَّهُ بِأَذَانٍ ثَانٍ مِنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةَ إلَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ يَقُولُ: الصَّلَاةُ الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ.
وَأَقَرَّ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ جَوَازُهُ وَذَكَرَ فِي صِفَةِ التَّسْلِيمِ أَنْ يَقُولَ: " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ ". قَالَ وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ قَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ، وَعَادَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَمْنَعُ مِنْ ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ: التَّثْوِيبُ ضَلَالٌ أَنَّهُ أَرَادَ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا التَّثْوِيبُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اسْمٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَابَ إلَيْهِ جِسْمُهُ إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْمَرَضِ، وَمِنْهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125] أَيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَصْلُهُ مِنْ الْإِعْلَامِ يُقَالُ: ثَوَّبَ إذَا لَوَّحَ بِثَوْبِهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ انْتَهَى.
أَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ، وَقَالَ فِي الزَّاهِي: وَيَدْعُو الْمُؤَذِّنُ سُلْطَانَهُ بِأَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَيَدُورُ فِي الْأَذَانِ، وَالتَّثْوِيبُ مِنْ الضَّلَالِ انْتَهَى.
وَهُوَ نَحْوُ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْمَبْسُوطِ، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ بِلَفْظِ التَّثْوِيبِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: هُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَكَلَامُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ فِي رَسْمِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَلَفْظُهُ: " وَسُئِلَ عَنْ التَّثْوِيبِ فِي
رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِصَوَابٍ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْمَدِينَةِ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ حَتَّى نُهِيَ عَنْهُ فَتَرَكَهُ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَرَوَى مُجَاهِدٌ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا وَقَدْ أُذِّنَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: اُخْرُجْ بِنَا عَنْ هَذَا الْمُبْتَدِعِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ التَّثْوِيبَ هُوَ قَوْلُ الْمُؤَذِّنِ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ زَادَهَا مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ مِنْ الشِّيعَةِ، وَرَجَّحَ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ التَّثْوِيبَ فِي اللُّغَةِ الرُّجُوعُ إلَى الشَّيْءِ يُقَالُ: ثَابَ إلَى عَقْلِهِ أَيْ رَجَعَ، وَثَوَّبَ الرَّاعِي أَيْ: كَرَّرَ النِّدَاءَ، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْإِقَامَةِ تَثْوِيبٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْأَذَانِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا، وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» وَقَدْ يَقَعُ التَّثْوِيبُ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بِلَالٍ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَثْوِيبَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا صَلَاةَ الْفَجْرِ» .
وَلَيْسَ هَذَا التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى ". وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: التَّثْوِيبُ الرُّجُوعُ فَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلَهُ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَثَّ عَلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ عَادَ إلَى الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّثْوِيبُ هُوَ الْمُشْعِرُ بِحُضُورِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، وَقِيلَ: إنَّمَا قِيلَ لِقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ تَثْوِيبٌ؛ لِأَنَّهُ تَكْرِيرٌ لِمَعْنَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، وَقِيلَ: لِتَكْرِيرِهَا مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ ذَكَر الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةَ التَّثْوِيبِ وَأَنَّ التَّحْضِيرَ الْمُسْتَعْمَلَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ أَعْنِي قَوْلَهُمْ: الصَّلَاةُ حَضَرَتْ، وَكَذَلِكَ التَّأْهِيبُ لِلْجُمُعَةِ أَعْنِي قَوْلَهُمْ: تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَقَالَ لَمْ يَقُلْ بِالتَّحْرِيمِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بَلْ النَّاسُ فِيهِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحْسَنَهُ وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى اسْتِحْسَانِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التَّصْبِيحُ يَعْنِي قَوْلَهُمْ: أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَذَكِرَ كَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ فِي قِيَامِ الْمُؤَذِّنِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَيْضًا مَا يُفْعَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْبُوقِ وَالنَّفِيرِ فِي الْمَنَارِ فِي التَّسْحِيرِ فِي رَمَضَانَ، وَمَالَ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ الْقَرَوِيِّينَ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّهُ مَعْصِيَةٌ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ، وَأَفْضَلِ الْأَمَاكِنِ وَأَنَّ قَاضِيَ الْقَيْرَوَانِ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَأَجَابَهُ: إنْ عَادَ إلَى مِثْلِ هَذَا فَأَدِّبْهُ، وَقَالَ إنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الرَّجُلُ إذْ لَمْ يُجِزْ الْبُوقَ فِي الْأَعْرَاسِ إلَّا ابْنُ كِنَانَةَ فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: تِلْكَ الْبُوقَاتُ الْمُنْكَرَةُ إلَّا فِي الْأَعْرَاسِ لَهَا لَذَّةٌ فِي النَّغَمَاتِ، وَسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَنْدَلُسِ وَأَمَّا هَذِهِ فَأَصْوَاتٌ مُفْزِعَةٌ تُفْزِعُ حَتَّى الْحِمَارِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُحْدَثَةٌ مِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ فِي الْمَنَارِ وَالتَّثْوِيبِ، وَالتَّأْهِيبِ، وَالتَّصْبِيحِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ جَائِزٌ: كَالْأَبْوَاقِ وَالنَّفِيرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا حَرَامًا، وَأَنَّ غَايَةَ مَا يَقُولُ الْمُخَالِفُ فِيهَا بِالْكَرَاهَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ إنْكَارُ ذَلِكَ، وَإِنْكَارُ الْأَبْوَاقِ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ.
(قُلْتُ) وَمَنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَفْعَلُونَهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْأَذَانِ الثَّانِي لِلصُّبْحِ عَلَى سَطْحِ زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: الصَّلَاةَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إعْلَامًا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَ الْأَذَانِ الثَّانِي عَلَى حَزْوَرَةٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: 111] إلَى آخِرِ السُّورَةِ فَمَنْ أَجَازَ مَا تَقَدَّمَ يُجِيزُ هَذَا، وَمَنْ كَرِهَهُ يَكْرَهُهُ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: إنَّ الْإِمَامَ يَنْهَى الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95] وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] عِنْدَ إرَادَتِهِمْ الْأَذَانَ لِلْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلُّهَا بَرَكَةً، وَخَيْرًا لَكِنْ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَضَعَ الْعِبَادَةَ
إلَّا حَيْثُ وَضَعَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - انْتَهَى.
وَعَنْ أَبِي الضِّيَاءِ: مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْأَذَانُ الثَّانِي عَلَى حَزْوَرَةٍ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَذَكَرَ أَنَّ مِنْ مَفَاسِدِهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ إلَّا إذَا سَمِعَهُ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَهُ أَوْ يَدْخُلُ عَقِبَيْهِ بِسُرْعَةٍ فَتَفُوتُ الشَّخْصَ الصَّلَاةُ.
(قُلْتُ) وَفِي جَعْلِهِ مُنْكَرًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْمُؤَذِّنِينَ وَتَرْتِيبَهُمْ مَطْلُوبٌ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فَذَلِكَ لِعَدَمِ ضَبْطِ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَعَمْ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَذَانُهُمْ عَلَى حَزْوَرَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ دُخُولِ الْإِمَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، وَالْحَزْوَرَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى وَزْنِ قَسْوَرَةٍ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَبَعْضُ النَّاسِ يُشَدِّدُ الْوَاوَ، وَيَفْتَحُ الزَّايَ، وَالْعَامَّةُ يَقُولُونَ: عَزُّورَةً، وَهُوَ غَلَطٌ كَانَ سُوقَ مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ أُدْخِلَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
[تَنْبِيه الْأَذَانُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ]
(تَنْبِيهٌ) حَيْثُ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامُ إلَى ذِكْرِ مَا أَحْدَثَهُ الْمُؤَذِّنُونَ فَلْنَخْتِمْ ذَلِكَ بِفُرُوعٍ ثَلَاثَةٍ لَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا.
(أَحَدُهَا) الْأَذَانُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ، قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى تَسْمِينِ النِّسَاءِ: وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْبِدَعِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ تَنْظِيفَ الْبَيْتِ وَكَنْسَهُ عَقِبَ سَفَرِ مَنْ سَافَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَتَشَاءَمُونَ بِفِعْلِ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَيَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ لَا يُرْجِعُ الْمُسَافِرَ، وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَهُ حِينَ خُرُوجِهِمْ مَعَهُ إلَى تَوْدِيعِهِ فَيُؤَذِّنُونَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَرُدُّهُ إلَيْهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَمَنْ الْعَوَائِدِ الَّتِي أُحْدِثَتْ بَعْدَهَا فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كَمَا يَذْكُرُ النَّاسُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ شُؤْمِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالتَّدَيُّنِ بِالْبِدْعَةِ فَعُومِلُوا بِالضَّرَرِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ وَقَدْ شَاءَ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْمَكْرُوهَاتِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِالِامْتِثَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ النَّاشِرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْإِيضَاحِ يُسْتَحَبُّ الْأَذَانُ لِمُزْدَحَمِ الْجِنِّ، وَفِي أُذُنِ الْحَزِينِ وَالصَّبِيِّ عِنْدَمَا يُولَدُ فِي الْيَمِينِ، وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى، وَالْأَذَانُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ وَالْإِقَامَةُ، وَفِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ، هَلْ وَرَدَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ خَبَرٌ؟ فَالْجَوَابُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ وُرُودَ خَبَرٍ وَلَا أَثَرٍ إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَعَلَّهُ مَقِيسٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ فَإِنَّ الْوِلَادَةَ أَوَّلُ الْخُرُوجِ إلَى الدُّنْيَا وَهَذَا أَوَّلُ الْخُرُوجِ مِنْهَا وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: " لِمُزْدَحَمِ الْجِنِّ " وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ «إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ» كَمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فِي أُذُنِ الْحَزِينِ " فَيُشِيرُ إلَى مَا أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَزِينًا، فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَرَاك حَزِينًا فَمُرْ بَعْضَ أَهْلِكَ يُؤَذِّنْ فِي أُذُنِكَ فَإِنَّهُ دَوَاءٌ لِلْهَمِّ، فَجَرَّبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ كَذَلِكَ» ، وَقَالَ كُلُّ مَنْ رَوَى مِنْ رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ: إنَّهُ جَرَّبَهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ أَيْضًا عَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَمَّنْ سَاءَ خُلُقُهُ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ فَأَذِّنُوا فِي أُذُنِهِ» انْتَهَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ صَاحِبُ تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ: أَنَّ الْأَذَانَ عِنْدَ رُكُوبِ الْبَحْرِ مِنْ الْبِدَعِ.
(الثَّانِي) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ فِي بَابِ ﴿مَا يَقُولُ إذَا عَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ﴾ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَوَّذَ ثُمَّ يَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ ثُمَّ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ أَذَانَ الصَّلَاةِ فَقَدْ رَوَيْنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ أَنَّهُ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ، وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنَّكَ إذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُسْتَحَبُّ إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَاهُ جَابِرٌ
إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ فَنَادُوا بِالْأَذَانِ» وَالْغِيلَانُ: طَائِفَةٌ مِنْ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَهُمْ سَحَرَتُهُمْ وَمَعْنَى تَغَوَّلَتْ تَلَوَّنَتْ فِي صُوَرٍ انْتَهَى.
وَزَادَ فِي الْأَذْكَارِ، فَقَالَ: وَالْمُرَادُ ادْفَعُوا شَرَّهُمْ بِالْأَذَانِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَدْبَرَ انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَهِيَ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ مِنْهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَا الْقُرْطُبِيُّ وَلَا الْأَبِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ بِإِثْرِ الْعَقِيقَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْخِتَانِ، وَالْخِفَاضِ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِهِ حِينَ يُولَدُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ الصَّبِيِّ وَيُقِيمَ حِينَ يُولَدُ انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ الصَّبِيِّ الْيُمْنَى، وَيُقِيمَ الصَّلَاةَ فِي أُذُنِهِ الْأُخْرَى، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي الْأُذُنِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ جَرَى عَمَلُ النَّاسِ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَصِحَّتُهُ بِإِسْلَامٍ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْكَافِرِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْكَافِرِ فَإِنْ أَذَّنَ كَانَ أَذَانُهُ إسْلَامًا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْبِسَاطِيِّ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَإِذَا أَذَّنَ كَافِرٌ كَانَ أَذَانُهُ إسْلَامًا انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَإِنْ ارْتَدَّ بَعْدَ أَذَانِهِ حُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ، وَيُظْهِرَ الْعُذْرَ الَّذِي ادَّعَاهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّدَّةِ فِيمَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ أَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَقَالَ إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ خَوْفًا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ عُذْرُهُ عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَلَهُمْ خِلَافٌ فِي وُقُوعِ الشَّرْطِ مَعَ الْمَشْرُوطِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَانْظُرْ هَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا أَنَّ أَذَانَهُ يُجْزِئُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيِّ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لَا يُجْزِئُ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَجْمَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِقَلْبِهِ، وَاغْتَسَلَ أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ.
(قُلْتُ) قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا يُوهِمُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَأَمَّا بَحْثُهُمَا فِي الْإِجْزَاءِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ أَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَلِتَصْرِيحِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ أَذَانَ الْكَافِرِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَلِأَنَّ أَوَّلَ الْأَذَانِ أَوْقَعَهُ قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ إلَّا بَعْدَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَيْضًا فَسَيَأْتِي أَنَّ الرِّدَّةَ يَبْطُلُ بِهَا الْأَذَانُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي بَابِ الرِّدَّةِ مِنْ التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: وَإِنْ أَذَّنَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الرِّدَّةِ هَلْ تُبْطِلُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا أَوْ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرِّدَّةَ بِمُجَرَّدِهَا تُبْطِلُ الْعَمَلَ وَلِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ بِبُطْلَانِ أَذَانِهِ، فَقَالَ: وَلَوْ ارْتَدَّ بَعْدَهُ بَطَلَ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنْ أَعَادُوا فَحَسَنٌ، وَإِنْ اجْتَزُوا بِذَلِكَ أَجْزَاهُمْ انْتَهَى.
ص (وَعَقْلٍ) ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَجْنُونِ وَلَا السَّكْرَانِ وَلَا الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَفِي النَّوَادِرِ وَإِذَا أَذَّنَ لِقَوْمٍ سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ لَمْ يُجْزِهِمْ فَإِنْ صَلَّوْا لَمْ يُعِيدُوا
ص (وَذُكُورَةٍ) ش: فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ امْرَأَةٍ وَهَلْ أَذَانُ الْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ أَوْ مَمْنُوعٌ؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْأَذَانُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: سُنَّةٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ
مَمْنُوعٌ ثُمَّ، قَالَ الْخَامِسُ: الْأَذَانُ لِلْفَوَائِتِ وَالسُّنَنِ كَالْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَأَذَانِ النِّسَاءِ لِلْفَرَائِضِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، فَاعْتَمَدَ فِي الشَّامِلِ آخِرَ كَلَامِهِ، فَقَالَ: وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ وَكَذَا، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَرَاهَةُ التَّأْذِينِ لِلْمَرْأَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ مَكْرُوهٌ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَتَرْكِ الْحَيَاءِ، وَإِنَّمَا تُسْمِعُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَمَنْ يَدْنُو مِنْهَا فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ كَصَلَاتِهَا وَتَلْبِيَتِهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَقَبِلَهُ، وَنَقَلَ فِي الْقَوَانِينِ: أَنَّ أَذَانَ الْمَرْأَةِ حَرَامٌ، وَالْأَذَانَ لِلْفَوَائِتِ مَكْرُوهٌ، وَكَذَلِكَ، قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِظَاهِرٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الْكَرَاهَةُ فِي آخِرِ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ عَلَى الْمَنْعِ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا الْأَذَانُ فَلَا يُطْلَبُ مِنْ النِّسَاءِ اتِّفَاقًا، وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَمَّا الْأَذَانُ فَمَمْنُوعٌ فِي حَقِّهِنَّ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، ثُمَّ قَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى شُرُوطِ الْمُؤَذِّنِ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَكَانَ يَنْبَغِي قَبُولُ قَوْلِهَا إنْ اتَّصَفَتْ بِالْعَدَالَةِ لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ الْأَذَانِ، وَأَقْدَمَتْ عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عُقُوبَةً لَهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ، نَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ: بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّ رَفْعَ صَوْتِهَا عَوْرَةٌ؛ لِرِوَايَةِ الصَّحَابَةِ عَنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَقَالَهُ ابْنُ هَارُونَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: لِضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا انْتَهَى.
ص (وَبُلُوغٍ)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ أَذَانَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًا رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْحَاوِي وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ كَانَ مَعَ النِّسَاءِ وَفِي مَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ رَابِعًا وَعَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَذَانُهُ إذَا كَانَ ضَابِطًا وَأَذَّنَ تَبَعًا لِبَالِغٍ، وَنَصُّهُ: " وَفِي صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ ضَابِطًا تَابِعًا لِبَالِغٍ لِرِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ وَلَهَا وَلِرِوَايَةِ أَشْهَبَ وَاللَّخْمِيِّ انْتَهَى ".
(قُلْتُ) مَا عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي الصَّبِيِّ قَوْلَانِ مَا نَصُّهُ: " إنْ كَانَ مَحِلُّ الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُخَاطِبُ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَحِلُّ الْخِلَافِ كَوْنَهُ مُوَقِّتًا يُعْتَمَدُ عَلَى إخْبَارِهِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ، وَإِنْ صَحَّ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مَحْكُومٍ لَهُ بِالْعَدَالَةِ انْتَهَى.
فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِيمَا إذَا كَانَ تَبَعًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ كَمَا، قَالَ وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقِيمُ وَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ احْتِجَاجِهِ أَنَّ مَا يُخَاطَبُ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ يُؤْمَرُ بِهِ قَبْلَهُ تَمْرِينًا لَهُ فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ إذَا سَافَرَ يُؤْمَرُ بِالْأَذَانِ وَكَذَا لَوْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَالْأَذَانُ يَجْمَعُهُمْ لَأُمِرُوا بِالْأَذَانِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّهِمْ، وَجَعَلَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي أَذَانِ الصَّبِيِّ إنَّمَا هُوَ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، فَقَالَ: وَهَلْ يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْجُنُبِ وَالصَّبِيِّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ: الْكَرَاهَةُ وَالْجَوَازُ، فَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَاعٍ إلَى الصَّلَاةِ، وَهَذَانِ لَيْسَا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ إلَيْهَا، وَالْجَوَازُ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَهَذَانِ مِنْ أَهْلِهِ انْتَهَى.
فَلَمْ يُحْكَ فِيهِ إلَّا الْكَرَاهَةُ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، فَقَالَ: وَيُكْرَهُ أَذَانُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَعْنِي أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي الْمَنْعِ مِنْ كَوْنِهِ مُوَقِّتًا يُعْتَمَدُ عَلَى أَذَانِهِ فَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا وَلَا إشْكَالَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ، وَأَذَّنَ أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَضْبِطُ الْأَوْقَاتَ وَيَأْمُرُ
الصَّبِيَّ بِالْأَذَانِ فَهَلْ يَصِحُّ أَذَانُهُ، وَتَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ وَيَسْقُطُ بِهِ الْوُجُوبُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ أَمْ لَا هَذَا مَحِلُّ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَبِهَذَا يَتَحَرَّرُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَدَّ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْبُلُوغَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَجِبُ كَوْنُهُ عَدْلًا عَالِمًا بِالْوَقْتِ إنْ اُقْتُدِيَ بِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَأَمَّا صِفَاتُ الْكَمَالِ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ إلَى آخِرِهَا فَيُحْمَلُ كَلَام ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً، وَكَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ غَيْرُ الْعَدْلِ وَغَيْرُ الْعَارِفِ بِالْأَوْقَاتِ صَحَّ أَذَانُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَمَّا عَدَّ شُرُوطَ الْمُؤَذِّنِ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِيهَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ مِنْ عَدِّهِ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الْمُؤَذِّن، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ يَشْتَرِطُ فِي الْمُؤَذِّنِ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ سَالِمًا مِنْ اللَّحْنِ فِيهِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ ابْتِدَاءً، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا مُمَيِّزًا ذَكَرًا بَالِغًا عَدْلًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْجَوَاهِرِ: ﴿الْفَصْلُ الثَّالِثِ فِي صِفَةِ الْمُؤَذِّنِ﴾ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا مُمَيِّزًا ذَكَرًا ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ فِي الْأَذَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَلْيَكُنْ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا حَسَنَ الصَّوْتِ، ثُمَّ قَالَ: وَلْيَكُنْ عَدْلًا عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ لِتَقَلُّدِهِ عُهْدَتَهَا انْتَهَى.
وَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ عَنْ السُّيُورِيِّ: يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ إقَامَتُهُ، وَمِنْ إقَامَةِ الْحَقِّ أَنْ يُوَكِّلَ بِالْأَوْقَاتِ مَنْ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ كُلَّهَا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْ سَبْقِهِ فَإِنْ انْتَهَوْا وَإِلَّا تُوُعِّدُوا فَإِنْ عَادُوا سُجِنُوا، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: وَمَنْ تَعَدَّى بَعْدَ النَّهْيِ عُوقِبَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ التُّونُسِيِّ: إنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا أَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَيُنْهَى أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ أَدَبًا وَجِيعًا، وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَمَنْ صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
الثَّانِي عَدَّ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْحُرِّيَّةَ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ الْعَدَالَةَ، وَمَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ فِي الْمُؤَذِّنِ الْحُرِّيَّةَ، فَيَصِحُّ أَذَانُ الْعَبْدِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى أَذَانِ الصَّبِيِّ، وَذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَفَضَّلَهُ عَلَى أَذَانِ الْأَعْرَابِيِّ، وَوَلَدِ الزِّنَا وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا وَالْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا ذَكَرًا، وَفِي الصَّبِيِّ قَوْلَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ كَافِرٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ، وَلَا امْرَأَةٍ، هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَذَانِ مَا عَدَا الذُّكُورِيَّةَ.
شَرْطٌ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُؤَذِّنُ وَلَا يُقِيمُ إلَّا مَنْ احْتَلَمَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ مَا ذَكَرَاهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيهَا وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ: وَلَا يُؤَذِّنُ وَلَا يَؤُمُّ إلَّا مَنْ احْتَلَمَ، وَهَكَذَا فِي الْأُمِّ وَلَفْظُهَا: " وَلَا يُؤَذِّنُ إلَّا مَنْ احْتَلَمَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ إمَامٌ وَلَا يَكُونُ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ إمَامًا " انْتَهَى.
وَعَلَى ذَلِكَ اخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُمَا نَعَمْ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يُؤَذِّنُ الصَّبِيُّ وَلَا يُقِيمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ نِسَاءٍ أَوْ بِمَوْضِعٍ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ فَلْيُؤَذِّنْ وَيُقِيمُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُقِمْ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْمُقِيمِ لِلْجَمَاعَةِ الْبَالِغِينَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا بَالِغًا، وَأَمَّا إذَا صَلَّى الصَّبِيُّ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ مُتَطَهِّرٌ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ إلَى الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا بَادَرَ إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ، فَيَكُونُ كَالْعَالِمِ الْعَامِلِ إذَا تَكَلَّمَ انْتَفَعَ النَّاسُ بِعِلْمِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ
وَتُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ فِي الْأَذَانِ وَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ شَدِيدَةٌ وَفِي الْإِقَامَةِ أَشَدُّ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ بِأَذَانِ الْجُنُبِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يُؤَذِّنُ الْجُنُبُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: حَمَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلِابْنِ نَافِعٍ مِثْلُ قَوْلِ سَحْنُونٍ وَبِهِ كَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي إلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فَكَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الْأَذْكَارِ اتِّفَاقًا غَيْرَ الْقُرْآنِ، فَكَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الْأَذَانِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ: إنَّ الْجُنُبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَابِرِ سَبِيلٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ وَالِاسْتِحْبَابُ لِلْمُقِيمِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُ إلَّا مَنْ يُشَارِكُ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُصَلُّونَ أَوْ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ وَهَذِهِ تَفْرِقَةٌ كَثِيرَةٌ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الِاعْتِبَارِ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُقِيمُ، وَقَدْ يَفْتَرِقُ حَالُ الْكَرَاهَةِ بِالْقُوَّةِ، وَالضَّعْفِ فِي حَقِّ مَنْ يُخَفِّفُ الْوُضُوءَ أَوْ كَانَ مُتَيَمِّمًا وَتَقَدَّمَ حُكْمُ أَذَانِ الْجُنُبِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ: وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ جَوَازَهُ لِلْقَاعِدِ، وَكَذَلِكَ رَوَى فِي الْجُنُبِ كَمَذْهَبِ سَحْنُونٍ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ انْتَهَى.
أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْكَرَاهَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ حَتَّى، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ فِي تُبَّانٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ سَرَاوِيلَ فَلْيُعِدْهُمَا إنْ لَمْ يُصَلُّوا، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَفْظُهُ: يُسْتَحَبُّ حُسْنُ الْهَيْئَةِ إلَخْ.
ص (صَيِّتٌ)
ش: الْمُرَادُ بِالصَّيِّتِ: الْمُرْتَفِعُ الصَّوْتُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَإِذَا كَانَ صَيِّتًا كَانَ أَبْلَغَ فِي الْإِسْمَاعِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجَوَاهِرِ، وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَابْنُ نَاجِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «قُمْ يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَأَنْتَ أَنْدَى مِنْهُ صَوْتًا» ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ قِيلَ: أَرْفَعُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَحْسَنَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَإِنَّكَ فَظِيعُ الصَّوْتِ، فَفِيهِ أَنَّهُ يُخْتَارُ لِلْأَذَانِ أَصْحَابُ الْأَصْوَاتِ النَّدِيَّةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَيُكْرَهُ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ غِلْظَةٌ أَوْ فَظَاعَةٌ أَوْ تَكَلُّفُ زِيَادَةٍ، وَلِذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَهُ مُؤَذِّنٌ يَطْرَبُ فِي أَذَانِهِ، فَقَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْأَذَانُ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا فَأَذِّنْ وَإِلَّا فَلَا» انْتَهَى، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مُعْلَنًا يُرْفَعُ بِهِ الصَّوْتَ، وَعَدَّ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ لَحَّانٍ، وَأَنْ يَكُونَ جَهِيرَ الصَّوْتِ، وَأَنْ يَكُونَ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يُؤَانِسَ الْغَرِيبَ، وَأَنْ لَا يَغْضَبَ عَلَى مَنْ أَذَّنَ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنْ يَكُونَ صَادِقَ الْقَوْلِ، وَيَحْفَظَ حَقَّهُ عَنْ ابْتِلَاعِ الْحَرَامِ، وَأَنْ يُؤَذِّنَ لِلَّهِ خَالِصًا، وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي صِفَاتِ الْأَذَانِ: الْأُولَى أَنْ يُبَالِغَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِمَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِعْلَامُ فَكُلَّمَا رَفَعَ صَوْتَهُ كَانَ أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُودِ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُتَرَسِّلًا أَيْ: مُتَمَهِّلًا مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلَا مَدٍّ مُفْرِطٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَيَجْتَهِدُ مُؤَذِّنُو مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ فِي مَدِّ أَذَانِهِمْ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ لِانْتِفَاعِ أَهْلِ الْبُيُوتِ وَلِاقْتِدَاءِ مُؤَذِّنِي الْعَشَائِرِ بِهِمْ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ وَالتَّطْرِيبُ تَقْطِيعُ الصَّوْتِ وَتَرْعِيدُهُ، وَأَصْلُهُ خِفَّةٌ تُصِيبُ الْمَرْءَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ أَوْ مِنْ شِدَّةِ التَّحْزِينِ، وَهُوَ مِنْ الِاضْطِرَابِ أَوْ الطَّرِبَةِ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ مُنْكَرٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ
مِنْ غَيْرِ تَطْرِيبٍ وَلَا يَنْبَغِي إمَالَةُ حُرُوفِهِ وَالتَّغَنِّي فِيهِ وَالسُّنَّةُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُحْدَرًا مُعْلَنًا يُرْفَعُ بِهِ الصَّوْتُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالتَّطْرِيبُ: مَدُّ الْمَقْصُورِ، وَقَصْرُ الْمَمْدُودِ، وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلًا يُطْرِبُ فِي أَذَانِهِ، فَقَالَ لَوْ كَانَ عُمَرُ حَيًّا فَكَّ لَحْيَيْكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: يُكْرَهُ التَّطْرِيبُ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَالْوَقَارَ، وَيَنْحُو إلَى الْغِنَاءِ وَالْكَرَاهَةُ فِي التَّطْرِيبِ عَلَى بَابِهَا إنْ لَمْ تَتَفَاحَشْ وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ، وَأَلْحَقَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّحْزِينَ بِالتَّطْرِيبِ، نَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَمَّا الْحَسَنُ الصَّوْتِ فَحَسَنٌ كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: رَأَيْت الْمُؤَذِّنِينَ بِالْقَاهِرَةِ يَسْتَعْمِلُونَ التَّطْرِيبَ وَأَظُنُّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَخْشَعُ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، وَتَمِيلُ إلَيْهِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ النُّفُوسُ تَخْشَعُ لِلصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا تَخْشَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ.
ابْنُ نَاجِي فَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ وَالتَّطْرِيبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: يُكْرَهُ التَّطْرِيبُ فِي الْأَذَانِ، وَكَذَلِكَ التَّحْزِينُ وَيُكْرَهُ إمَالَةُ حُرُوفِهِ وَإِفْرَاطُ الْمَدِّ فِيهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ، ثُمَّ قَالَ: وَلْيَحْذَرْ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالْأَلْحَانِ مِمَّا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ حَتَّى لَا يُعْلَمَ مَا يَقُولُهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَهْجَنَةٌ قَرِيبَةُ الْحُدُوثِ أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْأُمَرَاءِ بِمَدْرَسَةٍ بَنَاهَا ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: وَمِمَّا أَحْدَثُوهُ: التَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ، وَهُوَ مِنْ الْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ، قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ لِابْنِ عُمَرَ: إنِّي لَأُحِبّكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إنِّي لَأَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ؛ لِأَنَّكَ تُغَنِّي فِي أَذَانِكَ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ أَجْرًا انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَالتَّطْرِيبُ وَالتَّحْزِينُ مَكْرُوهٌ وَالْمُغَيِّرُ لِلْمَعْنَى أَوْ الْقَادِحُ فِيهِ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
فَتُحَصِّلُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ، وَمُرْتَفِعَ الصَّوْتِ، وَأَنْ يُرْجِعَ صَوْتَهُ، وَيُكْرَهُ الصَّوْتُ الْغَلِيظُ الْفَظِيعُ، وَالتَّطْرِيبُ وَالتَّحْزِين إنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ وَإِلَّا حَرُمَ.
(فَوَائِدُ الْأُولَى) فِي بَيَانِ أُمُورٍ يَغْلَطُ فِيهَا الْمُؤَذِّنُونَ مِنْهَا: مَدُّ الْبَاءِ مِنْ " أَكْبَرُ " فَيَصِيرُ جَمْعَ كَبَرٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَهُوَ الطَّبْلُ فَيَخْرُجُ إلَى مَعْنَى الْكُفْرِ، وَمِنْهَا: الْمَدُّ فِي أَوَّلِ " أَشْهَدُ " فَيَخْرُجُ إلَى حَيِّزِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا إنْشَائِيًّا، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُونَ فِي أَوَّلِ الْجَلَالَةِ، وَمِنْهَا الْوَقْفُ عَلَى " لَا إلَهَ " وَهُوَ كُفْرٌ وَتَعْطِيلٌ، قَالَ الْقَرَافِيُّ وَقَدْ شَاهَدْتُ مُؤَذِّنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة يَمُدُّ إلَى أَنْ يَفْرُغَ نَفَسُهُ هُنَاكَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ " إلَّا اللَّهُ "، وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُدْغِمُ تَنْوِينَ مُحَمَّدًا فِي الرَّاءِ بَعْدَهَا، وَهُوَ لَحْنٌ خَفِيٌّ عِنْدَ الْقُرَّاءِ، وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَنْطِقُ بِالْهَاءِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " وَلَا بِالْحَاءِ مِنْ " حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَيَخْرُجُ إلَى الدُّعَاءِ إلَى " صَلَا النَّارِ " فِي الْأَوَّلِ وَإِلَى " الْفَلَا " فِي الثَّانِي وَالْفَلَا: جَمْعُ فَلَاةٍ، وَهِيَ الْمَفَازَةُ نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْقَرَافِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَزَادَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَدَّ هَمْزَةِ " أَكْبَرُ " وَتَسْكِينَهَا، وَفَتْحَ النُّونِ مِنْ " أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "، وَالْمَدَّ عَلَى هَاءِ " إلَهَ " وَتَسْكِينَهَا أَوْ تَنْوِينَهَا، وَهُوَ أَفْحَشُ، وَالْإِتْيَانَ بِهَاءٍ زَائِدَةٍ بَعْدَ الْهَاءِ مِنْ " إلَهَ " وَضَمَّ " مُحَمَّدًا "، وَمَدَّ " حَيَّ " أَوْ تَخْفِيفَهَا، وَإِبْدَالَ هَمْزَةِ " أَكْبَرُ " وَاوًا، وَقَدْ اسْتَخَفُّوهُ فِي الْإِحْرَامِ فَيَكُونُ هُنَاكَ أَحْرَى انْتَهَى.
مُخْتَصِرًا.
(قُلْتُ) وَيَبْقَى شَيْءٌ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهُوَ: إشْبَاعُ مَدِّ أَلْفِ الْجَلَالَةِ الَّتِي بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ سَبَبٌ لَفْظِيٌّ يَقْتَضِي إشْبَاعَ مَدِّهَا فِي الْوَصْلِ أَمَّا إذَا وَقَفَ عَلَيْهَا كَمَا فِي آخِرِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، فَالْمَدُّ حِينَئِذٍ جَائِزٌ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، نَعَمْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي النَّشْرِ فِي بَابِ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَمُدُّ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ، وَعِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ الشَّيْءِ، وَيَمُدُّونَ مَا لَا أَصْلَ لَهُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ انْتَهَى.
ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ مَا نَصُّهُ: " وَقَصْرُ الْأَلْفِ الثَّانِي مِنْ اسْمِ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا فِي الشِّعْرِ، وَالْإِسْرَافُ فِي مَدِّهِ مَكْرُوهٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْمَدِّ انْتَهَى.
(الثَّانِيَةُ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي " أَكْبَرَ " هَلْ مَعْنَاهُ كَبِيرٌ لِاسْتِحَالَةِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِهِ فِي الْكِبْرِيَاءِ، وَصِيغَةُ أَفْعَلَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ الشَّرِكَةِ أَوْ مَعْنَاهُ: أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ وَغَيْرَهُمْ فِي الْعَادَةِ يُوصَفُونَ
بِالْكِبْرِيَاءِ فَحَسُنَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ انْتَهَى.
وَمَعْنَى " أَشْهَدُ " أَتَيَقَّنُ وَأَعْلَمُ، " وَالْإِلَهُ " الْمَعْبُودُ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَعْبُودِ كَيْفَ كَانَ، لِوُجُودِ الْمَعْبُودِينَ فِي الْوُجُودِ كَالْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ، بَلْ ثَمَّ صِفَةٌ مُضْمَرَةٌ تَقْدِيرُهَا " لَا مَعْبُودَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ إلَّا اللَّهُ "، وَمَنْ لَمْ يُضْمِرْ هَذِهِ الصِّفَةَ لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ تَشَهُّدُهُ كَذِبًا، " وَحَيَّ " اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى: أَقْبِلْ يُقَالُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ تَقُولُ الْعَرَبُ: حَيَّ عَلَى الثَّرِيدِ، أَيْ: أَقْبِلْ، وَيُقَالُ: هَلًا عَلَى الثَّرِيدِ بِمَعْنَاهُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيُقَالُ: " حَيَّ هَلًا " بِالتَّنْوِينِ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ بِتَسْكِينِ اللَّامِ، وَبِتَحْرِيكِهَا بِالْفَتْحِ مَعَ الْأَلْفِ، وَيُعَدَّى بِعَلَى كَمَا فِي الْأَذَانِ، وَبِإِلَى وَبِالْبَاءِ، قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلَا بِعُمَرَ» ، " وَالْفَلَاحُ " فِي اللُّغَةِ: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، أَفْلَحَ الرَّجُلُ: إذَا أَصَابَ خَيْرًا انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: الْفَلَاحُ الْبَقَاءُ فِي الْجَنَّةِ الزَّنَاتِيُّ: الْفَلَاحُ بِالْفَوْزِ بِالْمُنَى بَعْدَ النَّجَاةِ مِمَّا يُتَّقَى انْتَهَى.
وَلَا بُدَّ مِنْ مُضَافٍ أَيْ عَلَى سَبَبِ الْفَوْزِ أَوْ سَبَبِ الْبَقَاءِ فِي الْجَنَّةِ أَوْ سَبَبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ حَدِيثٌ وَإِنَّمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَالْحَرِيرِيُّ فِي الْمُقَامَةِ التَّاسِعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: الْأَذَانُ عَلَى قِلَّةِ أَلْفَاظِهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَسَائِلِ الْعَقِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَكْبَرِيَّةِ، وَهِيَ وُجُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَوُجُوبُهُ وَكَمَالُهُ ثُمَّ ثَنَّى بِالتَّوْحِيدِ، وَنَفْيِ التَّشْرِيكِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِإِثْبَاتِ الرِّسَالَةِ، ثُمَّ دَعَا مَنْ أَرَادَ مَنْ لِطَاعَتِهِ، ثُمَّ ضَمِنَ ذَلِكَ بِالْفَلَاحِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ ثَمَّ جَزَاءً، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْمُعَادِ، ثُمَّ أَعَادَ مَا أَعَادَ تَوْكِيدًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَأَصْلُهُ لِلْقَاضِيَّ عِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعَةُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي أَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ لَهُ جَعْلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي أَذَانِهِ لِمَالِكٍ وَالْأُمَّهَاتِ، وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ الْإِقَامَةَ، وَقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلْمُؤَذِّنِ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ انْتَهَى.
وَإِذَا اُسْتُحِبَّ فِي الْأَذَانِ اُسْتُحِبَّ فِي الْإِقَامَةِ كَمَا قَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَهُ فِيهَا عَلَى جَوَازِهِ فِي الْأَذَانِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْإِقَامَةَ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ جَازَ فِي الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَوْضِعِهَا كَمَا لَا يُخِلُّ بِمَوْضِعِهِ انْتَهَى.
وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ حَكَاهُ فِي النَّوَادِرِ وَلَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الطِّرَازِ اسْتِحْبَابَهُ إلَّا عَنْ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَرْجَحُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَحْسِنِ لَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ بِهِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ انْتَهَى.
وَنُقِلَ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: وَرَأَيْت الْمُؤَذِّنِينَ بِالْمَدِينَةِ لَا يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُ قَالَ وَرَأَيْت الْمُؤَذِّنِينَ بِالْمَدِينَةِ يَفْعَلُونَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ " لَا "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (مُرْتَفِعٌ)
ش: الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي ﴿بَابِ مَا جَاءَ فِي الْأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ﴾ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، قَالَتْ: كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَحْمَدُكَ وَأَسْتَعِينُك عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ، قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ، قَالَتْ وَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُهُ كَانَ يَتْرُكُهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً أَيْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا غَيْرُهُ، قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي الْقَوْلِ الْمَأْلُوفِ: وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ النَّوَّازِ أُمِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَتْ كَانَ بَيْتِي أَطْوَلَ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ فَوْقَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا أَذَّنَ إلَى أَنْ بَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْجِدَهُ فَكَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ رُفِعَ لَهُ شَيْءٌ فَوْقَ ظَهْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَمَنْ السُّنَّةِ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَعَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى بَابِهِ وَكَانَ
الْمَنَارُ عِنْدَ السَّلَفِ بِنَاءً يَبْنُونَهُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَهَيْئَتِهِ الْيَوْمَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَحْدَثُوا فِيهِ أَنَّهُمْ عَمِلُوهُ مُرَبَّعًا عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ، وَكَانَ فِي عَهْدِ السَّلَفِ مُدَوَّرًا، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ خِلَافًا لِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ تَعْلِيَةِ الْمَنَارِ، وَذَلِكَ يُمْنَعُ لِوُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) : مُخَالَفَةُ السَّلَفِ (الثَّانِي) : أَنْ يَكْشِفَ حَرِيمَ الْمُسْلِمِينَ (الثَّالِثُ) : أَنَّ صَوْتَهُ يَبْعُدُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَنِدَاؤُهُ إنَّمَا هُوَ لَهُمْ وَقَدْ بَنَى بَعْضُ مُلُوكِ الْعَرَبِ مَنَارًا زَادَ فِي عُلُوِّهِ فَبَقِيَ الْمُؤَذِّنُ إذَا أَذَّنَ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ مِنْ تَحْتِهِ صَوْتَهُ، وَهَذَا إذَا تَقَدَّمَ وُجُودُ الْمَنَارِ عَلَى بِنَاءِ الدُّورِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الدُّورُ مَبْنِيَّةً ثُمَّ جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ الْمَنَارَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَلَيْهِمْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَنَارِ وَالدُّورِ سِكَكٌ وَبُعْدٌ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا طَلَعَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى الْمَنَارِ، وَيَرَى النَّاسَ فِي أَسْطِحَةِ بُيُوتِهِمْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْهُمْ فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ الْمَنَارُ أَعْلَى مِنْ الْبُيُوتِ قَلِيلًا أَسْمَعَ النَّاسَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُرْتَفِعًا كَثِيرًا انْتَهَى.
وَالْمَنَارُ فِي اللُّغَةِ عَلَمُ الطَّرِيقِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْمَنَارَةُ: الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهَا، وَالْمَنَارَةُ أَيْضًا يُوضَعُ فَوْقَهَا السِّرَاجُ، وَهِيَ مَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْجَمْعُ الْمَنَاوِرُ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النُّورِ، وَمَنْ قَالَ: مَنَائِرُ، وَهَمَزَ فَقَدْ شَبَّهَ الْأَصْلَ بِالزَّائِدِ انْتَهَى.
وَهُوَ شَاذٌّ وَيُقَال لَهَا أَيْضًا: الْمِئْذَنَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، ثُمَّ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَيَجُوزُ إبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ كُرَاعٍ أَنَّهُ يُقَالُ: مَأْذَنَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ آخِرِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَنَارُ سَابِقًا عَلَى بِنَاءِ الدُّورِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الصُّعُودِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْبَيَانِ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الصُّعُودِ وَلَوْ كَانَ الْمَنَارُ قَدِيمًا، قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ قِيلَ لِسَحْنُونٍ: فَالْمَسْجِدُ يُجْعَلُ فِيهِ الْمَنَارُ فَإِذَا صَعِدَ الْمُؤَذِّنُ فِيهِ عَايَنَ مَا فِي الدُّورِ الَّتِي يُجَاوِرُهَا الْمَسْجِدُ فَيُرِيدُ أَهْلُ الدُّورِ مَنْعَهُ مِنْ الصُّعُودِ وَرُبَّمَا كَانَتْ بَعْضُ الدُّورِ عَلَى الْبُعْدِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَكُونُ بَيْنَهُمْ الْفِنَاءُ الْوَاسِعُ أَوْ السِّكَّةُ الْوَاسِعَةُ؟ قَالَ: يُمْنَعُ مِنْ الصُّعُودِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ، قَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْأَذَانِ فِي أَنَّ الِاطِّلَاعَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي يَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِهِ، وَكَذَا يَجِبُ عِنْدِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي مِلْكِهِ اطِّلَاعًا عَلَى جَارِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِسَدِّهِ، وَيُقَالُ لِجَارِهِ اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّ الْمَنَارَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْمُؤَذِّنِ وَإِنَّمَا يَصْعَدُ عَلَيْهِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى حُرَمِ النَّاسِ مَحْظُورٌ، وَلَا يَحِلَّ الدُّخُولُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدُّورُ عَلَى الْقُرْبِ أَوْ عَلَى الْبُعْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبُعْدُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ مَعَهُ الْأَشْخَاصُ وَالْهَيْئَاتُ، وَلَا الذُّكْرَانُ مِنْ الْإِنَاثِ فَلَا يُعْتَبَرُ الِاطِّلَاعُ مَعَهُ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَيَنْهَى الْإِمَامُ الْمُؤَذِّنِينَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ أَذَانِ الشَّبَابِ عَلَى الْمَنَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ مَنْ مَضَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَتْقَاهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الشَّبَابِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ الَّذِي يَصْعَدُ عَلَى الْمَنَارِ أَنْ يَكُونَ مُتَزَوِّجًا؛ لِأَنَّهُ أَغَضُّ لِطَرَفِهِ، وَالْغَالِبُ فِي الشَّبَابِ عَدَمُ ذَلِكَ وَالْمَنَارُ لَا يَصْعَدُهُ إلَّا مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ بِمَدِينَةِ فَاسَ يَصْحَبُ إمَامَ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُنَاكَ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلَدٌ حَسَنُ الصَّوْتِ فَطَلَبَ مِنْ الْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِوَلَدِهِ فِي الصُّعُودِ عَلَى الْمَنَارِ لِيُؤَذِّنَ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ تَمْنَعُهُ؟ قَالَ: إنَّ الْمَنَارَ لَا يَصْعَدُهُ عِنْدَنَا إلَّا مَنْ شَابَ ذِرَاعَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الطَّعْنِ فِي السِّنِّ، وَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تُحْدِثَ الْفِتْنَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ فَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَنَارِ، وَأَمَّا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ عَلَى سَطْحِهِ إذَا كَانَ لَا يَكْشِفُ أَحَدًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَيَحِقُّ عَلَى إمَامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الِاخْتِيَارِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مُؤَذِّنِيهِمْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ أَهْلَ الْفَضْلِ وَالسِّنِّ وَالرِّضَا؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُونُونَ