مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 90-129
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابِ الطَّهَارَةِ

صفحات 90-129
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أَعْلَمُ.

ص (، وَإِنْ أُقِيمَتْ، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ قَطَعَ إنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ) ش: يَعْنِي يَقْطَعُ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُعِيدُ الصَّلَاتَيْنِ لِلتَّرْتِيبِ إنْ كَانَ الَّتِي كَانَ فِيهَا فَرِيضَةً غَيْرَ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي قَطَعَهَا نَافِلَةً، فَلَا يُعِيدُهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَطْعَهَا، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَمَنْ قَطَعَ نَافِلَةً عَمْدًا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا بِخِلَافِ الْمَغْلُوبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّمَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ عِنْدَنَا، وَلَا عُذْرَ لَهُ (فَائِدَةٌ) هَذِهِ إحْدَى الْأَشْيَاءِ السَّبْعِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالِائْتِمَامُ وَالطَّوَافُ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... يَلِيهَا طَوَافٌ وَاعْتِكَافٌ وَائْتِمَامٌ يُعِيدُهُمْ مَنْ كَانَ لِلْقَطْعِ عَامِدًا ... يُعِيدُهُمْ فَرْضًا عَلَيْهِ وَإِلْزَامُ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الْإِعَادَةِ فِي الِائْتِمَامِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ لُزُومِهِ انْتَهَى.
وَهُوَ كَذَلِكَ يَعْنِي بِهِ الدُّخُولَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عِنْدَنَا، لَكِنَّهُ إذَا قَطَعَ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ مَعَ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَوَقَّفَ أَوَّلُهَا عَلَى آخِرِهَا يَجِبُ إتْمَامُهَا أَصْلُهُ الْحَجُّ فَيَجِبُ إتْمَامُهُ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ الذَّخِيرَةَ فِي الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ فِيهِ: أَمَّا لَوْ شَرَعَ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ قَطْعَهُ لَا يُوجِبُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ الذَّخِيرَةِ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ السَّبْعَةَ قَالَ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالسَّفَرِ لِلْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ السَّبْعَ الْأُولَى بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالسَّفَرِ لِلْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: فَعَلَى هَذَا إذَا سَافَرَ لِلْجِهَادِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِشَيْءٍ وَاخْتُلِفَ إذَا خَرَجَ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ لِلسَّائِلِ فَلَمْ يَجِدْهُ هَلْ لَهُ أَكْلُهَا أَمْ لَا؟ قِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُعَيَّنًا أَكَلَهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيِّنٍ لَمْ يَأْكُلْهَا انْتَهَى.
وَنَظَمْت النَّظَائِرَ السَّبْعَ الْمَذْكُورَةَ فَقُلْت قِفْ وَاسْتَمِعْ مَسَائِلًا قَدْ حَكَمُوا ... بِكَوْنِهَا بِالِابْتِدَاءِ تَلْزَمُ صَلَاتُنَا وَصَوْمُنَا وَحَجُّنَا ... وَعُمْرَةٌ لَنَا كَذَا اعْتِكَافُنَا طَوَافُنَا مَعَ ائْتِمَامِ الْمُقْتَدِ ... فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِ عَامِدِ ص (وَإِلَّا أَتَمَّ النَّافِلَةَ أَوْ فَرِيضَةً غَيْرَهَا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَحْرَمَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ صَلَّاهَا، وَدَخَلَ مَعَهُ، وَإِلَّا قَطَعَ بِسَلَامٍ، وَدَخَلَ

مَعَهُ، وَلَا يَقْضِي النَّافِلَةَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ قَطْعَهَا ابْنُ نَاجِي زَادَ فِي الْأُمِّ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا، وَيَرْكَعُ وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ، وَيَقُومُ مِنْهَا أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ ثُمَّ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنَّهُ يَتَمَادَى، وَيُخَفِّفُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ وَنَحْوِهِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ سَلَّمَ، وَلَمْ يَدْعُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُطِيلُ فِي دُعَائِهِ مَا أَحَبَّ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَدْعُو مَا دَامَ الْأَذَانُ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُتِمُّ النَّافِلَةَ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ سَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَكَذَلِكَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي أُقِيمَتْ يُتِمُّهَا إذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ رَكْعَةٍ عَقَدَ رَكْعَةً أَوْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَرَّحَ بِهَذَا أَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ السَّيِّدُ الْقَابِسِيُّ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِتَشْهِيرِهِ فَسَقَطَ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُتِمُّ النَّافِلَةَ وَالْفَرِيضَةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً وَالْعَقْدُ مُشْتَرَكٌ فِي الْكُلِّ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا انْصَرَفَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ شَفْعٍ كَالْأُولَى إنْ عَقَدَهَا) ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَغْرِبَ أَوْ غَيْرَهَا، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ قَطَعَ وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، وَإِنْ صَلَّى اثْنَتَيْنِ أَتَمَّهَا ثَلَاثًا وَخَرَجَ، وَإِنْ صَلَّى ثَلَاثًا سَلَّمَ وَخَرَجَ، وَلَمْ يُعِدْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي الْمَغْرِبِ يَقْطَعُ، وَقِيلَ: كَغَيْرِهَا فَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ فَالْمَشْهُورُ: يُتِمُّ وَيَنْصَرِفُ كَمَا لَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ أَوْ كَانَ أَتَمَّهَا انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَثَرُ قَوْلِهِ: وَفِي الْمَغْرِبِ يَقْطَعُ، وَقِيلَ: كَغَيْرِهَا أَيْ يَقْطَعُ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنَفُّلِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِنِيَّةِ الْوَتْرِ، فَلَا يُسَلِّمُ عَلَى شَفْعٍ، وَفِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَرَأَى أَنَّ الْأَحْكَامَ جَرَتْ إلَيْهِ، وَقَالَ إثْرَ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي إذَا أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُضِيفُ إلَيْهَا ثَالِثَةً، وَيُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ يَصِيرُ مُتَنَفِّلًا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعَةِ يُسَلِّمُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِي إتْمَامِهَا مُخَالَفَةً عَلَى الْإِمَامِ وَإِيقَاعَ صَلَاتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ عَلَى الْإِتْمَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُمْ الْخِلَافَ إذَا رَكَعَ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْ وَيَنْوِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الرَّفْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إثْرَ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ يَعْنِي مِنْ الْمَغْرِبِ فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُتِمُّهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَيَنْصَرِفُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَادُ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا يَأْتِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ، أَوْ كَانَ أَتَمَّهَا يَعْنِي إنَّهُ إذَا قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ مِنْ الْمَغْرِبِ، أَوْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ، وَلَا يَقْطَعُ إنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ وَوَافَقَ الشَّاذُّ الَّذِي خَالَفَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ فَصَلَ الْمُؤَلِّفُ مَسْأَلَةَ تَمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ عَمَّا بَعْدَهَا، وَإِلَّا فَكَانَ يَكْتَفِي بِحُكْمِ الرَّكْعَتَيْنِ عَمَّا بَعْدَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ، فَلَا شَكَّ عَلَى قَوْلِ الْمُغِيرَةِ: إنَّهَا كَغَيْرِهَا، وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرْكَعْ قَطَعَ، وَإِنْ رَكَعَ فَقَوْلَانِ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَقْطَعُ، وَالشَّاذُّ أَنَّهُ يُضِيفُ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى، وَإِنْ رَكَعَ الثَّانِيَةَ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ وَيُضِيفُ ثَالِثَةً وَيَنْصَرِفُ، وَالشَّاذُّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِنْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ، فَلَا شَكَّ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يُتِمُّ الثَّالِثَةَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْجُلُوسِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِنْ رَكَعَ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَاخْتُلِفَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ اثْنَتَيْنِ هَلْ يُتِمُّ هَهُنَا أَوْ يَرْجِعُ إلَى الْجُلُوسِ؟ وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَقْدِ الرَّكْعَةِ هَلْ هُوَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ رَفْعُ الرَّأْسِ؟ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِذَا أُقِيمَتْ الْمَغْرِبُ

عَلَى مَنْ فِي أُولَاهَا قَطَعَ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا (قُلْت) لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ يُتِمُّهَا نَفْلًا، قَالَ: وَفِي ثَانِيَتِهَا فِي قَطْعِهِ وَإِتْمَامِهَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَتِهِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَعَ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ وَبَعْدَ إتْمَامِ الثَّانِيَةِ فِي قَطْعِهِ وَإِتْمَامِهَا رِوَايَةُ سَحْنُونٍ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهَا وَبَعْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ أَتَمَّهَا اتِّفَاقًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ أَتَمَّ رَكْعَتَيْنِ هَلْ مُرَادُهُ بِسَجْدَتَيْهَا أَمْ لَا؟ وَانْظُرْ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ كَالْأُولَى إنْ عَقَدَهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا: وَالْعَقْدُ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي بَابِ السَّهْوِ عَنْ الْبَيَانِ إنْ عَقْدَ الرَّكْعَةِ هُنَا أَتَمَّهَا بِسَجْدَتَيْهَا ذَكَرَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى عَقْدِ الرَّكْعَةِ، وَقَالَ قَبْلَهُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي وَافَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا أَشْهَبَ عَلَى أَنَّ عَقْدَهُ الرَّكْعَتَيْنِ يَكُونُ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ، وَمِنْهَا مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْمَغْرِبُ، وَهُوَ فِيهَا قَدْ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ فَرَآهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَوْتًا فِي الْمَجْمُوعَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَفِي عَقْدِهَا بِالرُّكُوعِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ اخْتِلَافٌ، وَقَوْلُهُ: خِلَافٌ يُوهِمُ كَوْنَهُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلَيْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا الصَّقَلِّيُّ هُنَا الْأَوَّلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَأَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالثَّانِي لَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَإِلَّا انْصَرَفَ فِي الثَّالِثَةِ عَنْ شَفْعٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَجْلِسُ وَيَنْصَرِفُ عَنْ شَفْعٍ (تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ الثَّالِثَةَ وَقُلْنَا يَشْفَعُهَا فَإِنَّمَا يَشْفَعُهَا بِنِيَّةِ كَمَالِهَا لَا أَنَّهُ يَجْعَلُهَا نَافِلَةً فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ صَلَّى ثَالِثَةً صَلَّى رَابِعَةً، وَلَا يَجْعَلُهَا نَافِلَةً وَسَلَّمَ وَدَخَلَ مَعَهُ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الذَّخِيرَةِ: فَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ فِي الْكِتَابِ: يُكْمِلُهَا وَيَدْخُلُ مَعَهُ، وَلَا يَجْعَلُ الْأُولَى نَافِلَةً انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا لَزِمَتْهُ) ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ صَلَّى مَا قَبْلَهَا أَمْ لَمْ يُصَلِّ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْهَوَّارِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْجَارِي عَلَى مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ غَيْرِهَا وَخَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَى مَنْ بِهِ، وَعَلَيْهِ مَا قَبْلَهَا فَفِي لُزُومِهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَخُرُوجِهِ لِمَا عَلَيْهِ نَقْلَا ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَحَدِ سَمَاعَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْآخَرُ مَعَ قَوْلِهِ فِيهَا: وَلَا يَتَنَفَّلُ مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ ابْنُ رُشْدٍ يَضَعُ الْخَارِجُ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ لِسَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْخَارِجِ لِإِقَامَةِ مَا لَا يُعَادُ انْتَهَى.

ص (وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَاءٍ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا) ش: قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَشُرُوطُ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ عَشْرَةٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ ذَكَرٌ مُسْلِمٌ صَالِحٌ قَارِئٌ فَقِيهٌ بِمَا يَلْزَمُهُ فِي صَلَاتِهِ فَصِيحُ اللِّسَانِ وَيُزَادُ فِي الْجُمُعَةِ حُرٌّ مُقِيمٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الذُّكُورِيَّةِ وَالصَّلَاحِ وَالْبُلُوغِ انْتَهَى.
ص (أَوْ مَجْنُونًا) ش: عَبَّرَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ بِالْمَعْتُوهِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ

ص (أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ) ش: اُخْتُلِفَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ بِالْجَوَارِحِ فَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ الْمَشْهُورُ إعَادَةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ أَبَدًا، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ هَذَا إذَا كَانَ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ

بِتَأْوِيلٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ فِسْقُهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ كَالزِّنَا وَغَصْبِ الْمَالِ أَجْزَأَتْهُ لَا إنْ تَعَلَّقَ بِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ شَارِبِ الْخَمْرِ أَعَادَ أَبَدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدِّي إلَيْهِ الطَّاعَةُ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَكْرَانَ حِينَئِذٍ قَالَهُ مَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
فَحَكَى فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ سِتَّةَ أَقْوَالٍ قَالَ وَيُطْلَبُ فِي الْإِمَامِ عَدَمُ فِسْقِهِ، وَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِ الْفَاسِقِ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا

ثَالِثُهَا إنْ تَأَوَّلَ، وَرَابِعُهَا: إنْ كَانَ وَالِيًا أَوْ خَلِيفَةً لَمْ يُعِيدُوا أَبَدًا، وَخَامِسُهَا: إنْ خَرَجَ فِسْقُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْ وَإِلَّا أَبَدًا، وَسَادِسُهَا: لَا إعَادَةَ لِنَفْلِ ابْنِ رَاشِدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ وَهْبٍ مَعَ مَالِكٍ وَالْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ وَاللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ: لَا يُعِيدُ مَأْمُومُ عَاصِرِ خَمْرًا انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ السِّتَّةَ الْأَقْوَالِ ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ كَغَيْرِهِ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ابْتِدَاءً، وَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَفِيهِ الْخِلَافُ كَغَيْرِهِ وَسُئِلَ عَنْهَا شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي دَارِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ هَلْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هِيَ جُرْحَةٌ فِي إمَامَتِهِ فَيُعْزَلُ أَمْ لَا؟ فَتَوَقَّفَ لِكَثْرَةِ الْغِيبَةِ فِي النَّاسِ، وَرَأَى إنْ هُوَ أَفْتَى بِجُرْحَتِهِ يُؤَدِّي إلَى عَزْلِ أَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدِينَ، فَقَالَ لِلسَّائِلِ: تَرَبَّصْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا، وَمَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَأَمَّا الْفَاسِقُ بِجَوَارِحِهِ فَإِنْ عُلِمَ مَنْ عَادَتُهُ التَّلَاعُبُ بِالصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا، وَعَدَمُ الْقِيَامِ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمَذْهَبُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ عَادَتِهِ التَّلَاعُبُ بِالصَّلَاةِ فَفِي الْمَذْهَبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: مَشْهُورُهَا: الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَقِيلَ: أَبَدًا، وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ، فَلَا إعَادَةَ حِينَئِذٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ.

وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ يَعْمَلُ الْمَعَاصِيَ هَلْ يَكُونُ إمَامًا؟ فَأَجَابَ أَمَّا الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ، فَلَا وَالْمَسْتُورُ الْمُعْتَرِفُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْكَامِلِ أَوْلَى وَخَلْفَهُ لَا بَأْسَ بِهَا.

وَسُئِلَ عَمَّنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْكَذِبُ الْعَظِيمُ أَوْ قَتَّاتٌ كَذَلِكَ هَلْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ فَأَجَابَ لَا يُصَلَّى خَلْفَ الْمَشْهُورِ بِالْكَذِبِ وَالْقَتَّاتِ وَالْمُعْلِنِ بِالْكَبَائِرِ، وَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَمَّا مَنْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، فَلَا يَتْبَعُ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ مَالِكٍ مَنْ هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ كَغَيْرِهِ.

وَسُئِلَ هَلْ يُصَلِّي خَلْفَ الْقَاتِلِ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ فَلَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَإِنْ تَابَ، وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا إذَا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، وَعُفِيَ عَنْهُ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَلَا إعَادَةَ إذَا فَعَلَ الْبُرْزُلِيُّ فَالْحُصُولُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ فِي إمَامَةِ الْفَاسِقِ خِلَافًا إذَا وَقَعَتْ هَلْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ لَا إعَادَةَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جُلِّ فَتَاوِيهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَبْعَدَ فِيهِ الْخِلَافُ انْتَهَى.

، وَقَالَ قَبْلَ هَذَا سُئِلَ التُّونُسِيُّ عَنْ إمَامَةِ مَنْ يَعْمَلُ بِالرِّبَا، وَيَظْلِمُ النَّاسَ، وَهَلْ يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَبَدًا أَوْ لَا فَأَجَابَ: لَا يَنْبَغِي إمَامَةُ مَنْ ذَكَرْت، وَلَا الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَلَهُ مَنْدُوحَةَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ لِضَرُورَةِ إقَامَتِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِدْعَتُهُمْ، وَقِيلَ: تُعَادُ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِجَوَازِ إخْلَالِهِمْ بِبَعْضِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَبَرِهِمْ وَهُنَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فِي الْقِيَاسِ وَلِابْنِ حَبِيبٍ مَعْنَى مِنْ هَذَا فِي وُلَاةِ الْجَوْرِ.

وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ الظَّاهِرِ الْجُرْحَةِ؟ فَأَجَابَ: الصَّلَاةُ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مُتَعَلِّقًا بِالصَّلَاةِ مِثْلَ أَنْ يُتَّهَمَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَنَحْوِهِ فَالْإِعَادَةُ فِي هَذَا أَبَدًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
وَسُئِلَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا مَأْمُونٍ؟ فَأَجَابَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: اسْتِحْبَابُ الْإِعَادَةِ وَعَنْ الْأَبْهَرِيِّ يُعِيدُ أَبَدًا، وَظَاهِرُ الْجُرْحَةِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِلنَّاسِ، وَإِنْ رَضَوْهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَهْوِينًا عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَتَعْزِيرًا لَهُمْ وَمَتَى صَحَّتْ وِلَايَةُ الْقَاضِي فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَ الْفِسْقِ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِهَانَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مُضَيِّعًا لِلصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، فَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَالْإِعَادَةُ أَبَدًا انْتَهَى.

ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفِ عَاقٍّ وَالِدَيْهِ فَأَجَابَ: الصَّلَاةُ

خَلْفَ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ.
وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ أَحَدِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ فَأَجَابَ إنْ كَانَ تَهَاجُرُهُمَا لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِمَا أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ أَحَدِهِمَا.

وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَأَقَامَ مَعَهَا فَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْتَهَى.

، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مَوَانِعِ الْإِمَامَةِ مَا يَرْجِعُ إلَى الْجَوَارِحِ، وَهُوَ الْفَاسِقُ بِجَوَارِحِهِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَمْكَنَ أَنْ يَتْرُكَ مَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي صَحَّتْ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْفُرُوضِ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ اضْطَرَّهُ هَوًى غَالِبٌ إلَى ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ مَعَ بَرَاءَتِهِ مِنْ التَّهَاوُنِ وَالْجُرْأَةِ صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ ص (أَوْ مَأْمُومًا) ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُومًا فَظَاهِرٌ، وَيَكُونُ فِي صُوَرٍ إحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا وَقَامَ لِيَقْضِيَ فَجَاءَهُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ مَأْمُومًا ثُمَّ ابْتَدَأَ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إمَامٌ، وَهُوَ مَأْمُومٌ وَصَلَاةُ الْكُلِّ عَلَى الْمَذْهَبِ بَاطِلَةٌ انْتَهَى.
أَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ فَنُقِلَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِيهَا الْبُطْلَانُ، وَنَصُّهُ: وَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فِي سَفَرٍ فَرَأَى قَوْمًا إمَامَهُ يُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ فَجَهِلَ فَصَلَّى بِهِمْ فَصَلَاتُهُ تُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ مَنْ خَلْفَهُ أَبَدًا، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ، وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ أَرَأَيْت رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَتَعَيَّا فِي قِرَاءَتِهِ فَفُتِحَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْقَهْ فَتَقَدَّمَ الْفَاتِحُ إلَى الْإِمَامِ فَوَقَفَ فِي مَوْضِعِهِ يَقْرَأُ بِهِمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ السُّورَةِ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الْقِبْلَةِ مُنْصِتٌ حَتَّى رَكَعَ بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ الْأَوَّلُ الْفَاتِحُ عَلَيْهِ وَمَنْ خَلْفَهُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ قَالَ مَا أَرَى صَلَاتَهُمْ كُلَّهُمْ الْفَاتِحَ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرَ الْفَاتِحِ إلَّا فَاسِدَةً قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمَأْمُومٍ فِي حُكْمِ الْإِمَامِ فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْإِمَامَةُ أَنْ يَتْبَعَ مُصَلٍّ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ غَيْرَ تَابِعٍ غَيْرَهُ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ مَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي الِاسْتِخْلَافِ، وَنَصُّهُ الْمَنْصُوصُ فِيمَنْ صَلَّى بِرَجُلٍ يَظُنُّهُ مُنْفَرِدًا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُؤْتَمٌّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ انْتَهَى.
مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ فَإِنْ رَفَعُوا مُقْتَدِينَ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ كَلَامِهِ فَحُكْمُهَا وَاضِحٌ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيمَا إذَا قَامَ الْمُسْتَخْلَفُ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ فَائْتَمَّ بِهِ مَسْبُوقٌ مِثْلُهُ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَالْأَصَحُّ: الْبُطْلَانُ، وَحَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فِي رَسْمٍ لَمْ يُدْرِكْ، وَفِي رَسْمٍ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَفِي سَمَاعِ مُوسَى، وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَجَعَلَ عِلَّةَ الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ كَوْنَهُمْ صَلَّوْا فِي جَمَاعَةٍ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ: وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُؤْتَمِّينَ بِهِ يَعْنِي بِالْمُسْتَخْلِفِ لَزِمَهُمْ حُكْمُ الْأَوَّلِ وَمِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ لَا يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامٍ غَيْرِهِ فَصَلَاتُهُ مَا فَاتَ وَرَاءَ الْمُسْتَخْلَفِ كَصَلَاتِهِ وَرَاءَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يَقْضِيَ فَذًّا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ مَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَيُشِيرُ إلَى صِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيلِ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ اتَّبَعَ الْمَأْمُومَ فِي الْقَضَاءِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤْتَمَّ بِمَأْمُومٍ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ يَقْتَضِي بُطْلَانَ صَلَاةِ مَنْ دَخَلَ مُؤْتَمًّا مَعَهُ فِي رَكْعَةِ الْفَوَاتِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: مَسْأَلَةٌ فِيمَنْ قَامَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَاتَهُ الْإِمَامُ بِهِمَا فَدَخَلَ رَجُلٌ فَاقْتَدَى بِهِ

فِيهِمَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ الْبُرْزُلِيُّ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ، وَنُقِلَ عَنْ السُّيُورِيِّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ مُحْدِثًا إنْ تَعَمَّدَ أَوْ عَلِمَ مُؤْتَمُّهُ) ش: هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَإِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ أَعَادَ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ تَامَّةٌ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ اسْتَخْلَفَ فَإِنْ تَمَادَى بَعْدَ ذِكْرِهِ جَاهِلًا أَوْ مُسْتَحْيِيًا أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ ثُمَّ تَمَادَى أَوْ ابْتَدَأَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ذَاكِرًا لِجَنَابَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِمْ وَتَلْزَمُ مَنْ خَلْفَهُ الْإِعَادَةُ مَتَى عَلِمُوا أَوْ مَنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ مِمَّنْ خَلْفَهُ، وَالْإِمَامُ نَاسٍ لِجَنَابَتِهِ فَتَمَادَى مَعَهُ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ يُعِيدُهَا أَبَدًا انْتَهَى.
ابْنُ نَاجِي، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إنَّهَا بَاطِلَةٌ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: إنْ قَرَءُوا خَلْفَهُ أَجْزَأَتْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَءُوا لَمْ تَجْزِهِمْ وَيَجْرِي فِيهَا قَوْلٌ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ قَرَءُوا قِيَاسًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا إذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ مَنْسِيَّةً انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ ذِكْرِهِ قَوْلَ ابْنِ الْجَهْمِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ مَنْ قَرَأَ وَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ الْإِمَامِ إنَّمَا يَنْبَنِي فِي حَقِّهِمْ عَلَى حُكْمِ اعْتِقَادِهِمْ فَإِنْ اعْتَقَدُوا فَسَادَ طَهَارَتِهِ ثُمَّ ائْتَمُّوا بِهِ لَمْ تُجْزِهِمْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةً فَكَذَا إذَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهَا تُجْزِيهِمْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي إمَامَةِ صَاحِبِ السَّلَسِ: إنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي إمَامَةِ الْجُنُبِ: اُخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ هَلْ هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ مَتَى فَسَدَتْ عَلَيْهِ فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مُصَلٍّ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ الثَّالِثُ: قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إلَّا فِي سَهْوِ الْأَحْدَاثِ.
الشَّيْخُ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ نَقْضٌ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي سَهْوِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلِّي بِثَوْبٍ نَجِسٍ سَاهِيًا أَجْزَأَتْ مَنْ خَلْفَهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ الْإِمَامُ النِّيَّةَ أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ تُجْزِهِمْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ يَدْخُلُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي نِسْيَانِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ: لَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ أَعَادَ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ أَبَدًا، وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ يَحْمِلُهَا عَنْهُمْ، وَلَا يَحْمِلُ الطَّهَارَةَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ إنْ كَانَ مَا أَفْسَدَ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَخَرَجَ بِالسُّنَّةِ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ بَقِيَ مَا عَدَاهُ (فَرْعٌ) وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِثَوْبٍ نَجِسٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ، وَلَا مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَيَخْتَلِفُ فِي إعَادَتِهِمْ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِعَادَةِ خَلْفَ الْجُنُبِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَا يُعِيدُونَ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْجَهْمِ: يُعِيدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَءُوا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُعِيدُونَ لَكِنَّ الْإِعَادَةَ هُنَا فِي الْوَقْتِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ اللَّخْمِيِّ.
، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ هُوَ أَوْ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ فَمَنْ عُلِمَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِالنَّجَاسَةِ اُنْظُرْ رَسْمَ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلَ وَقَعَتْ فِي فَتَاوَى بَعْضِ الْإِفْرِيقِيِّينَ: مَسْأَلَةٌ إمَامٌ ذَكَرَ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً، الْجَارِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْطَعُ وَيَقْطَعُونَ، وَقِيلَ: يَسْتَخْلِفُ كَذَاكِرِ الْحَدَثِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ قَطْعَ صَلَاتِهِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ قَطْعَ صَلَاتِهِ أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، وَمَنْ أَحْدَثَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَقَبْلَ السَّلَامِ أَعَادَ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ تَعَمَّدَ إمَامٌ قَطْعَ صَلَاتِهِ أَوْ خُرُوجَهُ مِنْهَا يُرِيدُ بِكَلَامٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ عَمِلَ بِهِمْ شَيْئًا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ فَفِي بُطْلَانِهَا عَلَيْهِمْ نَقْلَا اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ فِي رَسْمِ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إمَامٍ أَحْدَثَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ فَتَمَادَى حَتَّى سَلَّمَ مُتَعَمِّدًا أَرَى أَنْ تُجْزِئَ مَنْ خَلْفَهُ صَلَاتُهُمْ قَالَ عِيسَى: يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ ابْنُ رُشْدٍ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا

أَحْدَثَ فَتَمَادَى بِالْقَوْمِ أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُسْتَجِيبًا فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةَ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ صَلَاةً سَقَطَتْ عَنْهُمْ بِأَدَائِهِمْ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرُوا وَحَصَلَ هُوَ ضَامِنًا لَهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْإِمَامُ ضَامِنٌ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ صَلَاتَهُمْ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِصَلَاتِهِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ إمَامِهِمْ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ يُحْدِثُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَيَتَمَادَى: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا جَلَسَ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَخَرَجَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ هُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ السَّلَامَ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ مُوسَى مَعْلُومُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَطَعَ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا مُتَعَمِّدًا أَوْ تَمَادَى فِيهَا بَعْدَ حَدَثِهِ مُتَعَمِّدًا إنَّهُمْ بِمَنْزِلَتِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ حَاشَا أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُمَا ذَهَبَا إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَحْدَثَ وَتَمَادَى مُتَعَمِّدًا أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ مَضَى وَجْهُهُ فِي رَسْمِ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَ أَنْ يُحْدِثَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ انْتَهَى.
وَفِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ مَسْأَلَةٌ: مَنْ سَقَطَ ثَوْبُهُ فَرَدَّهُ فِي الْحَالِ فِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ انْتَهَى.

ص (وَبِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ) ش: مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَبِرَ فَانْحَنَى ظَهْرُهُ حَتَّى صَارَ كَالرَّاكِعِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ، وَقَدْ وَقَعَتْ فَأَجْرَيْنَاهَا عَلَى إمَامَةِ صَاحِبِ السَّلَسِ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ إمَامَتَهُ مَكْرُوهَةٌ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ص (أَوْ عَلِمَ) ش: قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ لِجَهْلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي صِحَّةِ الِائْتِمَامِ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: الْمَشْهُورُ: صِحَّةُ صَلَاتِهِ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ ص (إلَّا كَالْقَاعِدِ بِمِثْلِهِ فَجَائِزٌ) ش:

يُفْهَمُ مِنْ عُمُومِ كَلَامِهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ الْمُضْطَجِعِ بِالْمَرْضَى الْمُضْطَجِعِينَ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةِ أَوَاخِرِ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْقُعُودَ، وَكَانَ إمَامُهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ، فَلَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَا إمَامَةَ فِيهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا إمَامَةُ الْمُضْطَجِعِ الْمَرِيضِ بِالْمُضْطَجِعِينَ الْمَرْضَى فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ، وَالْقِيَاسُ: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اسْتَوَتْ حَالُهُمْ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ فِعْلَهُ لِأَجْلِ اضْطِجَاعِهِمْ فَيَكُونُ لِذَلِكَ وَجْهٌ فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَأَعَادَ الْقَوْمُ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَرُبَّمَا يُقَالُ: إنَّهُ يُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ تَكْبِيرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ فِي حَوَاشِي الْجُبَّائِيُّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ فَهِمُوا عَنْهُ بِالْإِشَارَةِ جَازَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَرَوَى مُوسَى مَنْعَ إمَامَةِ مُضْطَجِعٍ لِمَرْضَى مِثْلِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ: جَوَازُهُ إنْ أَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ الْمَازِرِيُّ، وَعَلَى إمَامَةِ الْجَالِسِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَؤُمُّ مُومِئٌ؛ إذْ لَا يَأْتَمُّ ذُو رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِمَنْ لَا يَفْعَلُهُمَا كَفَرْضٍ بِجِنَازَةٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: مَفْهُومُهُ لَوْ اسْتَوَيَا جَازَ كَابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا صَلَّى قَاعِدٌ بِمِثْلِهِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فَإِذَا صَحَّ بَعْضُ الْمُقْتَدِينَ فِيمَا يَفْعَلُ قَوْلَانِ قِيلَ: يَقُومُ يُتِمُّ لِنَفْسِهِ فَذًّا لِأَنَّهُ افْتَتَحَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَلَا يَصِحُّ إتْمَامُهُ مُقْتَدِيًا وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُتِمُّ مَعَهُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ قَائِمٌ، وَهُوَ تَعْوِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ أَوَّلًا وَمُرَاعَاةٌ لِلْخِلَافِ وَيَجْرِي قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ كَالْأَمَةِ تُعْتَقُ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يَسْتُرُ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ انْتَهَى.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا يَأْتِي، وَفِي مَرِيضٍ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ فَصَحَّ قَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الْإِيمَاءِ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِوَجْهٍ انْتَهَى.

ص (أَوْ بِأُمِّيٍّ إنْ وُجِدَ قَارِئٌ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالْأُمِّيُّ، إنْ وُجِدَ قَارِئٌ لَا إنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، قَوْلُهُ: فِيهِمَا أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُمَا مَسْأَلَةُ مَا إذَا وُجِدَ قَارِئٌ، وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ قَارِئٌ، وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْكَلَامَ فِي إمَامَتِهِمْ لِأَمْثَالِهِمْ، فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ وُجُودِ الْقَارِئِ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُمَا أَنْ يُصَلِّيَا خَلْفَ الْقَارِئِ، فَلَا، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قَالَ سَنَدٌ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْأُمِّيِّ إذَا أَمْكَنَهُ الِائْتِمَامُ بِالْقَارِئِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِقَارِئٍ كَالْمَرِيضِ الْجَالِسِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِقَائِمٍ (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: سُمِّيَ الْأُمِّيُّ أُمِّيًّا لِبَقَائِهِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا فَلَمْ يُحْسِنْ قِرَاءَةً، وَلَا كِتَابَةً انْتَهَى.
ص (أَوْ قَارِئًا بِكَقِرَاءَةٍ ابْنِ مَسْعُودٍ) ش: وَكَذَا مَنْ قَرَأَ بِمَا

نُسِخَ لَفْظُهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ: وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي تُسَرُّ فِي الصَّلَوَاتِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ قَارِئٍ بِشَاذِّ ابْنِ مَسْعُودٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ: " غَيْرِهِ " أَيْ مِنْ الشَّوَاذِّ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيُّ ص (وَبِغَيْرِهِ تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ تَجْزِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ: جَوَازُهُ زَادَ أَشْهَبُ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي قِيَامِ رَمَضَانَ ابْنُ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ، وَالْعَمَلُ عِنْدَنَا بِأَفْرِيقِيَّةَ اسْتَمَرَّ عَلَى جَوَازِهِ فِي التَّرَاوِيحِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَؤُمُّ الصَّبِيُّ فِي النَّافِلَةِ فَمَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ابْنُ يُونُسَ، وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَؤُمُّ فِي النَّافِلَةِ (قُلْت) هُوَ ظَاهِرُ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَهُوَ نَصُّ الْجَلَّابِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِأَفْرِيقِيَّةَ انْتَهَى.

ص (وَهَلْ بِلَاحِنٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ وَبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وَظَاءٍ خِلَافٌ) ش: ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافًا أَيْ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَشَارَ إلَى الْأُولَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: وَهَلْ بِلَاحِنٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْفَاتِحَةِ أَيْ: وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاقْتِدَاءِ بِاللَّاحِنِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ غَيَّرَ لَحْنُهُ الْمَعْنَى أَمْ لَا، أَوْ إنَّمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاقْتِدَاءِ بِاللَّاحِنِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا اللَّاحِنُ فِي غَيْرِهَا، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَقَدْ حَكَى اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ فِي إمَامَةِ اللَّحَّانِ

أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَفِي إمَامَةِ مَنْ يَلْحَنُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ جَائِزَةٌ، وَقِيلَ: مَمْنُوعَةٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا جَازَ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَصَّارُ إنْ كَانَ لَا يُغَيِّرُ مَعْنَى جَازَتْ إمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى فَيَقُولُ: إيَّاكِ نَعْبُدُ، وَأَنْعَمْت عَلَيْهِمْ، فَيَجْعَلُ الْكَافَ لِلْمُؤَنَّثِ، وَالْإِنْعَامَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ الَّذِي يَلْفِظُ بِالضَّادِ ظَاءً، وَالْأَلْثَغُ الَّذِي يَلْفِظُ بِالرَّاءِ خَفِيفَ الْغَيْنِ طَبْعًا فَتَصِحُّ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إحَالَةُ مَعْنًى، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانُ حُرُوفٍ، وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ ابْتِدَاءً إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ أَحْسَنُ، إذَا كَانَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُقَيِّمُ قِرَاءَتَهُ فَإِنْ أَمَّ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مَضَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ لَحْنَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا، وَمَعَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَلَامًا فِي صَلَاتِهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَكَلَّمَ جَهْلًا هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَيْفَ بِهَذَا، وَاللَّحْنُ لَا يَقَعُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ؟ وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُسْلِمُهُ مِنْ اللَّحْنِ لَأَجْزَأَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُغَيِّرُ مَعْنَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَقْصِدُ مُوجِبَ ذَلِكَ اللَّحْنِ، وَلَا يَعْتَقِدُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يَعْتَقِدُهُ مَنْ لَا لَحْنَ عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ ابْتِدَاءً إلَى آخِرِهِ رَاجِعٌ إلَى اللَّحَّانِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ فِي جَوَازِ إمَامَةِ اللَّحَّانِ ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، وَرَابِعُهَا: لِلْقَاضِي مَعَ ابْنِ الْقَصَّارِ إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى، وَالْأَحْسَنُ الْمَنْعُ إنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، فَإِنْ أَمَّ لَمْ يُعِدْ مَأْمُومُهُ انْتَهَى.
فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ خَامِسًا: وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ إمَامَتِهِ ابْتِدَاءً إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ فَإِنْ أَمَّ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ رَسْمِ الصَّلَاةِ: الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الَّذِي يُحْسِنُ الْقُرْآنَ أَيْ يَحْفَظُ، وَلَا يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ وَيُلْحِنُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُلْحِنْ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ يُلْحِنُ فِي سِوَاهَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَأْوِيلًا عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ فِي التَّأْوِيلِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي النَّظَرِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ لَا يُلْحِنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَا تَجُوزُ إذَا كَانَ يُلْحِنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ إذَا كَانَ لَحْنُهُ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ الْمَعْنَى مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إيَّاكِ بِكَسْرِ الْكَافِ، وَأَنْعَمْت بِرَفْعِ التَّاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ إذَا كَانَ لَحْنُهُ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْهُ الْمَعْنَى مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدِ لِلَّهِ بِكَسْرِ الدَّالِ مِنْ " الْحَمْدُ " وَرَفْعِ الْهَاءِ مِنْ " لِلَّهِ "، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ مَكْرُوهَةٌ فَإِنْ وَقَعَتْ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَقْصِدُ مَا يَقْتَضِيه اللَّحْنُ بَلْ يَعْتَقِدُ بِقِرَاءَتِهِ مَا يَعْتَقِدُ بِهَا مَنْ لَا يُلْحِنُ فِيهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمِنْ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَمَرَّ بِالْمَوَالِي، وَهُمْ يَقْرَءُونَ وَيَلْحَنُونَ، فَقَالَ: نِعْمَ مَا يَقْرَءُونَ، وَمَرَّ بِالْعَرَبِ، وَهُمْ يَقْرَءُونَ، وَلَا يَلْحَنُونَ، فَقَالَ هَكَذَا أُنْزِلَ» ، وَأَمَّا الْأَلْكَنُ الَّذِي لَا تَتَبَيَّنُ قِرَاءَتُهُ، وَالْأَلْثَغُ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى لَهُ النُّطْقُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ، وَالْأَعْجَمِيُّ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الظَّاءِ وَالضَّادِ وَالسِّينِ وَالصَّادِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ ائْتَمَّ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الِائْتِمَامُ بِهِمْ مَكْرُوهًا إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُرْضَى بِهِ سِوَاهُمْ انْتَهَى.
، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ، وَأَمَّا اللَّحَّانُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَلَوْ كَانَ لَحْنُهُ فِي غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ قَالَهُ ابْنُ اللَّبَّادِ وَوَافَقَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَرَأَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَيْضًا، وَقِيلَ: إنْ كَانَ لَحْنُهُ لَا يُغَيِّرُ مَعْنًى صَحَّتْ إمَامَتُهُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ فَتَفْسُدُ بِتَعَمُّدِهِ، وَإِنْ كَانَ لَحْنُهُ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِيَانِ، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ قَوْلًا رَابِعًا، وَهُوَ

الْجَوَازُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَمْ يَلْحَنْ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ فَلْيُعِدْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ تَسْتَوِيَ حَالُهُمْ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ الْقَابِسِيُّ: قَالَ هُوَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ الظَّاءَ مِنْ الضَّادِ، وَإِنْ لَحَنَ فِيمَا عَدَا أُمَّ الْقُرْآنِ فَذُكِرَ عَنْ ابْنِ اللَّبَّادِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ أَنَّهُ تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ: لَا تُجْزِئُهُ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا قَالَ: وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَنْ تَرَكَ السُّورَةَ عَامِدًا انْتَهَى.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ حَكَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ فِيمَنْ يَلْحَنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ أَنَّ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ فَاسِدَةٌ، قَالَا: وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ الظَّاءَ مِنْ الضَّادِ أَنَّهُ يُعِيدُ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ لِلْقَرَوِيِّينَ فِيمَنْ يَلْحَنُ فِيمَا عَدَا أُمَّ الْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ شَبْلُونٍ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ، وَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَا بَيْنَ غَيْرِهَا، قَالَ الشَّيْخُ: قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ عِنْدِي أَصَحُّ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ احْتَجَّ بِأَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَشَدَّ حَالًا مِمَّنْ تَرَكَ مَا عَدَا أُمَّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بِاللَّحْنِ، وَمَا لَا يَجُوزُ لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي يَحِلُّ أَنْ يَتْلُوَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَأَشْبَهَ الْكَلَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، وَقَدْ قَالَ فِي الْكِتَابِ: إنَّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَشَدُّ مِمَّنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ، وَهَذَا عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الَّذِي قَرَأَ، وَلَا يُحْسِنُ مَا يَقْرَأُ هُوَ يُشْبِهُ الْمُتَكَلِّمَ كَمَا ذَكَرْت، فَالتَّارِكُ أَيْسَرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي نَاسِي أُمِّ الْقُرْآنِ: هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَتُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّانِ إذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَصْوَبُ قِرَاءَةً مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَرْضِيُّ الْحَالِ، فَاللَّحَّانُ الْأَلْكَنُ، وَالْأُمِّيُّ الَّذِي مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُغْنِيهِ فِي صَلَاتِهِ أَوْلَى مِنْ قَارِئٍ لَا يُرْضَى حَالُهُ، وَقَالَ لَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ اللَّبَّادِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَلْحَنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ فَلْيُعِدْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِاللَّحَّانِ سِتَّةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ كَانَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ غَيَّرَ الْمَعْنَى أَوْ لَا، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَابِسِيِّ وَأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَصَحُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالشَّاذُّ الصِّحَّةُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ الْبُطْلَانُ لَكِنْ لَا أَعْلَمُ.
مَنْ صَرَّحَ بِتَشْهِيرِهِ نَعَمْ قَالَ الْقَابِسِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُصَلِّي مَنْ يُحْسِنُ خَلْفَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِهَا قَالَ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ فَاتِحَةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ مَنْ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ نَقَلَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ ابْنِ الْقَابِسِيِّ وَزَادَ فِيهِ إنْ لَمْ تَسْتَوِ حَالُهُمَا.
(قُلْت) ، وَلَمْ أَقِفْ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي قَوْلِ ابْنِ اللَّبَّادِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مُعْتَمِدًا عَلَى تَصْحِيحِ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ يُونُسَ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ ضَعَّفَهُ وَرَدَّهُ (الْقَوْلُ الثَّانِي) : إنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي غَيْرِهَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ اللَّبَّادِ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهَذَا كَانَ كَثِيرُ مَنْ أَدْرَكَنَا يُفْتِي انْتَهَى.
(قُلْت) : قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَشَاهَدْت شَيْخَنَا الشَّبِيبِيَّ يُفْتِي بِهِ بِالْقَيْرَوَانِ، وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَقَيَّدَهُ ابْنُ يُونُسَ بِأَنْ لَا تَسْتَوِيَ حَالُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) : إنْ كَانَ لَحْنُهُ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ (وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ) : أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ مَكْرُوهَةٌ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّهُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ (الْقَوْلُ الْخَامِسُ) أَنَّ إمَامَتَهُ مَمْنُوعَةٌ ابْتِدَاءً مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ

فَإِنْ أَمَّ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ، وَهَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ (الْقَوْلُ السَّادِسُ) أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ اللَّحَّانِ جَائِزَةٌ ابْتِدَاءً، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنْكَرَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: نَقْلُ اللَّخْمِيِّ الْجَوَازَ مُطْلَقًا لَا أَعْرِفُهُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ حَبِيبٍ وَاخْتَارَهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَزَا لِابْنِ حَبِيبٍ الْكَرَاهَةَ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي ظَاهِرٌ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِاللَّحَّانِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ: إنَّهُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ تَرْجِيحُهُ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ السَّادِسَ ضَعِيفٌ شَاذٌّ، وَأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ مُرَجَّحَةٌ مُصَحَّحَةٌ وَأَرْجَحُهَا ثَلَاثَةٌ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْقَوْلُ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَرْجَحُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ الَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَعُلِمَ أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالشَّاذُّ الصِّحَّةُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ غَيْرُ شَاذٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَالشَّاذُّ الْجَوَازُ (الثَّانِي) : تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِاللَّحَّانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ صَلَاتِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ لَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ صَلَاتِهِ هُوَ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ نُقُولِهِمْ السَّابِقَةِ، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي حُكْمِ صَلَاتِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ الْقَصَّارِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ يُغَيِّرَ لَحْنُهُ الْمَعْنَى أَوْ لَا، فَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّ صَلَاتَهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صَلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ اللَّبَّادِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ يَلْحَنُ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ، قَالَ: يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُهُمَا، وَذَكَرَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ الْقَابِسِيِّ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَعَبْدِ الْحَقِّ وَالْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي بِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ يُخْرِجُ اللَّحْنُ الْكَلِمَةَ الْمَلْحُونَ فِيهَا عَنْ كَوْنِهَا قُرْآنًا وَيُلْحِقُهَا بِكَلَامِ الْبَشَرِ أَوْ لَا يَخْرُجُهَا عَنْ كَوْنِهَا قُرْآنًا انْتَهَى.
كَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ السَّابِقُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ يَنُبْنِي عَلَى أَنَّ اللَّحْنَ هَلْ يُلْحِقُ الْقِرَاءَةَ بِكَلَامِ النَّاسِ وَيُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا أَمْ لَا انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يُفَصَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : إذَا وَقَعَ اللَّحْنُ مِنْ الْمُصَلِّي فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ سَهْوًا أَوْ غَيْرَ سَهْوٍ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا، فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ وَقَعَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ غَيَّرَ الْمَعْنَى أَمْ لَمْ يُغَيِّرْهُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا، وَغَايَتُهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اللَّاحِنُ أَسْقَطَ مِنْ الْفَاتِحَةِ كَلِمَةً أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا سَهْوًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ اللَّحْنُ سَهْوًا فِي الْغَالِبِ، وَذَلِكَ لَا يُبْطِلُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَكَيْفَ بِالْكَلِمَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَتْرُكْ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ اللَّحْنُ الْوَاقِعُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّهْوِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّوَابِ أَوْ أَتَى بِهِ الْمُصَلِّي لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّوَابِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّوَابِ، فَلَا شَكَّ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَصَلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ عَمْدًا، وَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ اللَّحْنُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالصَّوَابِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزٍ عَنْ التَّعْلِيمِ أَمَّا لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ

طَبْعًا كَبَعْضِ الْأَعَاجِمِ وَجُفَاةِ الْأَعْرَابِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ التَّعْلِيمِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِائْتِمَامِ بِمَنْ لَا يُلْحِنُ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِهِ وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَاللُّكْنَةِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي صَلَاةِ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَلُّمِ وَإِمْكَانِهِ وَإِمْكَانِ الِاقْتِدَاءِ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي صَلَاتِهِ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَقَدَرَ عَلَى الِائْتِمَامِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ الْبُطْلَانُ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ إلَى هَذَا وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ كَالْجَاهِلِ فِي الْبَابَيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يُرِيدُ بِالْبَابَيْنِ اللَّحَّانَ وَالْأَلْكَنَ، وَيَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَعَلَّمَ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ وَبِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وَظَاءٍ خِلَافٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي كَلَامِ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ بِالْبُطْلَانِ فِي ذَلِكَ إلَّا الْقَابِسِيُّ وَالشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَعَنْهُمَا نَقَلَ الْبُطْلَانَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ خِلَافً لِتَصْحِيحِ ابْنِ يُونُسَ وَعَبْدِ الْحَقِّ لِقَوْلِ الْقَابِسِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ الْقَوْلَ بِالصِّحَّةِ هُنَا أَقْوَى لِحِكَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) لَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمُقْتَدَى بِهِ وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْقَابِسِيِّ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ لِقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُهُمَا وَهَذَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ التَّعَلُّمِ، وَالِاقْتِدَاءُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ اللَّحْنِ الْخَفِيِّ وَأَنَّهُ لَا تَبْطُلُ بِهِ إلَّا مَعَ تَرْكِ ذَلِكَ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّحْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مَكِّيٍّ الصَّقَلِّيُّ فِي كِتَابِ تَثْقِيفِ اللِّسَانِ فِي بَابِ مَا يَغْلَطُ فِيهِ قُرَّاءُ الْقُرْآنِ وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ يَنْقُلُ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمْ مَا نَصُّهُ: " سَأَلْت أَبَا عَلِيِّ الْجَلُولِيَّ عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يُظْهِرُ النُّونَ الْخَفِيفَةَ وَالتَّنْوِينَ عِنْدَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ فَقَالَ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ وَقَرَأَ بِمَا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ، وَقَالَ لَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي لَا يَجُوزُ مِثْلُ إظْهَارِ هَذِهِ النُّونِ الْخَفِيفَةِ وَالتَّنْوِينِ عِنْدَ الْيَاءِ وَالْوَاوِ وَتَبْدِيلِ الضَّادِ ظَاءً وَالظَّاءِ ضَادًا أَوْ أَشْبَاهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْقَارِئِ لِذَلِكَ جَائِزَةٌ قَالَ وَمَنَعَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَإِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي غَيْرِ أُمِّ الْقُرْآنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَيَّرَ الْقُرْآنَ كَانَ مُتَكَلِّمًا فِي الصَّلَاةِ، إذْ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَلْحُونٍ فَلَيْسَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُهُ فَصَارَ كَمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا انْتَهَى.

[فَصَلِّ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ]

(فَصْلٌ وَكُرِهَ أَقْطَعُ وَأَشَلُّ) ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْإِمَامِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْأَوْصَافَ الْمَكْرُوهَةَ بِذِكْرِ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ كَمَا فَعَلَ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَاسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِذِكْرِ مَسَائِلَ مَكْرُوهَةٍ وَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ إنَّ مَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا رَاتِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِسْمٌ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ إمَامًا رَاتِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاتِبًا فَلَا تُكْرَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْأَقْطَعُ وَالْأَشَلُّ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَصَاحِبُ الْعُمْدَةِ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْجَلَّابِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَلَا يَؤُمُّ الْأَشَلُّ وَلَا الْأَقْطَعُ وَلَا الْأَعْرَجُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ قَائِمًا انْتَهَى.

وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي الْمَكْرُوهَاتِ: أَوْ أَقْطَعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي إمَامَةِ الْأَقْطَعِ وَالْأَعْرَجِ وَصَاحِبِ السَّلَسِ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ مَنْ انْحَنِي لِكِبَرٍ حَتَّى صَارَ كَالرَّاكِعِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَنَقَصَ قِيَامُهُ كَثِيرًا، وَقَدْ وَقَعَتْ وَأَجْرَيْنَاهَا عَلَى هَذَا وَجَوَّزَهُ لِي شَيْخُنَا الْإِمَامُ وَاخْتَارَ الْجَوَازَ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ وَكَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ لِكِبَرِ سِنِّهِ وَصَلَاحِهِ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِ فِي الطَّلَبِ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ إمَامَةَ صَاحِبِ السَّلَسِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَذُو سَلَسٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَذُو سَلَسٍ) ش: قَالَ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَتُكْرَهُ فَإِنْ صَلَّى أَجْزَأَتْهُمْ، قَالَ: كَانَ الْمُسْتَنْكِحُ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَمْ لَا ذَكَرَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُسْتَنْكِحِ فِي إمَامَتِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ بِالْإِمَامَةِ وَعَدَمِهَا، وَالثَّالِثُ لَا يَؤُمُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَالِحًا مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَرَّرَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْقُرْحَةِ وَانْظُرْ التَّنْبِيهَاتِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ.

ص (وَإِمَامَةُ مَنْ يُكْرَهُ) ش: قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَقَدَّمُ قَوْمًا فِي الصَّلَاةِ فَيَقُولُ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ: أَتَأْذَنُونَ، فَقَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، فَقِيلَ لَهُ: وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمْ، فَقَالَ: إنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَلِيَسْتَأْذِنَّهُمْ رُبَّمَا تَقَدَّمَ الْحُرُّ بِقَوْمٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَفَّفَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ رَأَى تَرْكَهُ الِاسْتِئْذَانَ أَحْسَنَ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُهُ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، إذْ قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إلَّا بِإِذْنِهِمْ» ، وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مَعَ قَوْمٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ بِالتَّقَدُّمِ وَالْفَضْلِ وَأَنَّ سُكُوتَهُمْ عَلَى تَقَدُّمِهِ بِهِمْ إذْنٌ مِنْهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَاسْتُحْسِنَ أَنْ لَا يَفْسَخَ بِاسْتِئْذَانِهِمْ فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إفْصَاحِهِمْ بِتَقْدِيمِهِ وَتَفْضِيلِهِ فَيَصِيرُ مُتَعَرِّضًا لِثَنَائِهِمْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُهُ فَلَا يَكْتَفِي بِسُكُوتِهِمْ حَتَّى يُصَرِّحُوا لَهُ بِالْإِذْنِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ قَدْ حَصَلَ إمَامًا فِي مَسْجِدٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ بِتَقْدِيمِ أَهْلِهِ إيَّاهُ فَطَرَأَتْ جَمَاعَةٌ فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يَكْرَهُ إمَامَتَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُمْ؛ لِأَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ مِنْهُمْ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جَمَاعَتَهُ أَوْ أَكْثَرَهَا أَوْ ذَا النُّهَى وَالْفَضْلِ مِنْهَا كَارِهُونَ لِإِمَامَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْإِمَامَةِ بِهِمْ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَمْسَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ» فَذَكَرَ فِيهِمْ الَّذِي يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَأَنْ أَقْرَبَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي إلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَؤُمَّ قَوْمًا وَهُمْ لِي كَارِهُونَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكْرَهْ إمَامَتَهُ مِنْ جَمَاعَتِهِ إلَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ التَّقَدُّمِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ إذَا خَافَ أَنَّ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يَكْرَهُ إمَامَتَهُ فَتَرْكُهَا إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ لَهُ وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ حَذَرَ أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةَ إمَامَتِهِ لِحَظٍّ دُنْيَوِيٍّ أَوْ نَفْسَانِيٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةً فَلَا يَتَقَدَّمُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ ثَلَاثًا رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَامْرَأَةً بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَرَجُلًا سَمِعَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَمْ يُجِبْ»

انْتَهَى.
، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: مَنَعَ إمَامَةَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِهَا وَالْأَنْكِحَةِ إمَامَةُ الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ طِيبِ نَفْسِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي إلَى إمَامَةِ الْإِمَامِ لِمَنْ هُوَ لَهُ كَارِهٌ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت: إنْ كَانَتْ كَرَاهَتُهُمْ لِأَجْلِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ بَلْ هَذَا يُوجِبُ كَمَالَ الْعَدَالَةِ وَكَوْنَهُ أَحَقَّ مَنْ أَمَّ وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ إذَا كَرِهَ الْجَمَاعَةُ إمَامَهُمْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا فَلَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجِبُ عَزْلًا انْتَهَى.

ص (وَأَغْلَفُ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَغْلَفَ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ تَرَتُّبُهُ لِلْإِمَامَةِ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ يَؤُمَّ الْأَغْلَفُ وَلَا الْمَعْتُوهُ، قَالَ سَحْنُونٌ فَإِنْ أَمَّهُمْ الْأَغْلَفُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْمَعْتُوهُ فَيُعِيدُونَ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْأَغْلَفُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُخْتَتَنْ، وَالْمَعْتُوهُ الذَّاهِبُ الْعَقْلِ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ مُبَيِّنٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ الْمَعْتُوهَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةٌ فَيُعِيدُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ أَبَدًا، وَأَمَّا الْأَغْلَفُ فَلَا يُخْرِجُهُ تَرْكُ الِاخْتِتَان عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مَبْلَغَ التَّفْسِيقِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَقَاتِلِ النَّفْسِ فَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ أَرْفَعُ مَرَاتِبِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَؤُمُّ إلَّا أَهْلُ الْكَمَالِ فَإِنْ أَمَّ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ ائْتَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ إذَا جَازَتْ لِنَفْسِهِ جَازَتْ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.

ص (وَمَجْهُولُ حَالٍ) ش: (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَأْتَمَّ إلَّا بِمَنْ يَعْرِفُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا انْتَهَى.
مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الزَّاهِي لَا يُؤْتَمُّ بِمَجْهُولٍ، وَقَالَ قَبْلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَمَّ بِمَجْهُولٍ إلَّا رَاتِبًا بِمَسْجِدٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت إنْ كَانَتْ تَوْلِيَةُ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ لِذِي هَوًى لَا يُقَدَّمُ فِيهَا بِمُوجَبِ التَّرْجِيحِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يُؤْتَمَّ بِرَاتِبٍ فِيهَا إلَّا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْهُ وَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ مَنْ أَدْرَكْتُهُ عَالِمًا دَيِّنًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَعَبْدٌ بِفَرْضٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إمَامًا رَاتِبًا فِي الْفَرَائِضِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْكَرَاهَةُ عَامَّةٌ حَتَّى فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَؤُمُّ الْعَبْدُ فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَلَا فِي جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ فَإِنْ أَمَّهُمْ فِي جُمُعَةٍ أَعَادَ وَأَعَادُوا إذْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ وَلَا عِيدَ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْكَرَاهَةُ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: إنَّهَا جَائِزَةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ أَصْلَحَهُمْ لَمْ يُكْرَهْ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمُ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ تَجُوزُ إمَامَتُهُ ابْتِدَاءً، وَقِيلَ إنْ اُسْتُخْلِفَ لِتَمَامِهَا جَازَ وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ فِي الْعِيدِ هُوَ الْمَنْصُوصُ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ جَوَازَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَعْنِي فِي الْفَرِيضَةِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ لِأَشْهَبَ نَصَّا وَيُرَدُّ التَّخْرِيجُ بِكَثْرَةِ مَنْ يَحْضُرُ الْعِيدَ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ إظْهَارٌ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَمَّ فِي الْجُمُعَةِ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ أَبَدًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ فِي الْعِيدِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ، وَهُوَ خِلَافٌ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُجْزِئُ وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ أَمَّهُمْ فِي جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ أَعَادُوا وَلَيْسَ فِي التَّهْذِيبِ ذِكْرُ الْعِيدِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي التَّعْلِيلِ وَفِي نُسَخٍ مِنْ الْبَرَاذِعِيِّ كَابْنِ يُونُسَ وَلَمْ أَقْرَأْهُ، وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ فِي الْأُمَّهَاتِ أَوْ عِيدٍ ذَكَرَهُ مُعْتَرِضًا عَلَى ابْنِ يُونُسَ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ نَاجِي (قُلْت) قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ فِي الْعِيدِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ الْإِعَادَةَ بِالْجُمُعَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْإِعَادَةِ فِي الْعِيدِ بَلْ لَفْظُ الْأُمِّ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَنَصُّهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ إمَامًا فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَلَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ وَلَا الْأَعْيَادِ، قَالَ: وَلَا يُصَلِّي الْعَبْدُ بِالْقَوْمِ الْجُمُعَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ وَأَعَادُوا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا جُمُعَةَ

عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهَا فِي الْأُمِّ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ قَالَ وَلَا يُصَلِّي الْعَبْدُ بِالنَّاسِ الْعِيدَ وَلَا الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ وَلَا عِيدَ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّهْذِيبِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ يُونُسَ هُوَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ مِنْ الْبَرَاذِعِيّ وَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأُمَّهَاتِ، قَالَ، وَذَكَرَهُ فِي التَّعْلِيلِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادُهُ فِي الْأَوَّلِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ التَّهْذِيبِ كَذَلِكَ وَاعْتَمَدَ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ فَنَسَبَ الْإِعَادَةَ فِي الْعِيدِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ فِي كَرَاهَتِهِ يَعْنِي الْعَبْدَ فِي السُّنَنِ، قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَخْرِيجُ الْمَازِرِيَّ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْفَرْضِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِيهَا إنْ أَمَّ فِي عِيدٍ أَعَادُوا، وَظَاهِرُ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ الْكَرَاهَةُ خِلَافُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِعَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْأُمِّ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَكَلَامُ الْأُمِّ كَالصَّرِيحِ فَإِنَّ إمَامَتَهُ فِي السُّنَنِ كَتَرَتُّبِهِ فِي الْفَرَائِضِ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ - فَرْعٌ -: لَوْ أَمَّهُمْ الْعَبْدُ فِي الْعِيدِ هَلْ يُعِيدُونَ مِثْلَ الْجُمُعَةِ؟ جَمَعَ ابْنُ الْجَلَّابِ بَيْنَهُمَا وَاعْتَلَّ بِأَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ وَلَا عِيدَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْعِيدَ مِنْ النَّوَافِلِ لَا مِنْ الْفَرَائِضِ، وَلَوْ فَاتَهُ الْعِيدُ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَهُ وَحْدَهُ فَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَحْدَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهِ، وَلِأَنَّ إحْرَامَ الْإِمَامِ فِي حُكْمِ إحْرَامِ الْمُنْفَرِدِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ لِتَوَفُّرِ الْجَمْعِ وَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَكُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ الْعَبْدُ إمَامًا رَاتِبًا فِي الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ كَالْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ عَزْمٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ، وَالْعَشَرَةُ أَوْصَافٍ الْمَكْرُوهَةِ فِي الْإِمَامِ قَدْ زِيدَ عَلَيْهَا إمَامَةُ الْعَبْدِ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَمَنْ يَلْحَنُ فِي قِرَاءَتِهِ وَمَنْ يَقْرَأُ بِالشُّذُوذِ وَالْجَالِسِ فَأُجْرِيَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلَانِ، وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الصَّبِيِّ إنَّمَا هُوَ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَمْثَالُهُ جَازَتْ قَوْلًا وَاحِدًا انْتَهَى.

ص (وَصَلَاةٌ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ) ش: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إمَّا لِتَقْطِيعِ الصُّفُوفِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ جَمْعِ النِّعَالِ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُحْدَثٌ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ عِنْدَ الضِّيقِ، وَأَمَّا مَعَ السَّعَةِ فَمَكْرُوهٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْوَاحِدُ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ أَمَامَ الْإِمَامِ بِلَا ضَرُورَةٍ) ش: وَكَذَلِكَ تُكْرَهُ مُحَاذَاتُهُ، قَالَهُ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ.
(فَرْعٌ) ، وَقَالَ ابْنُ عَزْمٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَسُنَّةُ الْإِمَامِ التَّقَدُّمُ وَسُنَّةُ الْمَأْمُومِ التَّأَخُّرُ فَإِنْ عُكِسَ الْأَمْرُ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ فِي حَقِّهِمَا، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ فَإِنْ اضْطَرَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى إلَى التَّقَدُّمِ جَازَ وَإِلَّا كُرِهَ انْتَهَى.

ص (وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ أَعْلَاهَا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي السَّفِينَةِ أَسْفَلُ وَالنَّاسُ فَوْقُ أَجْزَأَهُمْ إذَا كَانَ إمَامُهُمْ قُدَّامَهُمْ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ فَوْقُ وَهُمْ أَسْفَلُ لَكِنْ يُصَلُّونَ الَّذِينَ فَوْقُ بِإِمَامٍ وَاَلَّذِينَ أَسْفَلُ بِإِمَامٍ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: مَفْهُومُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قُدَّامَهُمْ لَمْ تُجْزِهِمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ صَلَاتُهُمْ مُجْزِئَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُدَّامَهُمْ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إذَا كَانَ قُدَّامَهُمْ فَتُجْزِئُهُمْ بِلَا كَرَاهَةٍ، ثُمَّ قَالَ فِي الْقَوْلَةِ الثَّانِيَةِ: أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِمُعَارَضَتِهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهَا لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَرْدَفَهَا بِقَوْلِهِ، وَقَالَ فِي السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْكَرَاهَةُ وَذَكَرْت هَذَا فِي دَرْسِ شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَقَرَّهُ وَاسْتَحْسَنَهُ وَيُرَدُّ بِأَنَّ السَّفِينَةَ لَيْسَتْ هِيَ مَحِلُّ الْكِبْرِ، قُصَارَى مَا فِي ذَلِكَ الْكَرَاهِيَةُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: يُعِيدُ الْأَسْفَلُونَ فِي الْوَقْتِ لَيْسَ هُوَ لِمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَإِنَّمَا

هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَوْجِيهِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يُمْكِنْ لَهُمْ مُرَاعَاةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ وَرُبَّمَا دَارَتْ السَّفِينَةُ فَتَخْتَلِطُ عَلَيْهِمْ أَفْعَالُ صَلَاتِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ كَالدُّكَّانِ يَكُونُ فِيهَا مَعَ الْإِمَامِ فَوْقُ، قَوْمٌ وَأَسْفَلُ قَوْمٌ فَافْتَرَقَا انْتَهَى.

ص (كَأَبِي قُبَيْسٍ) ش: يَعْنِي يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ بِأَبِي قُبَيْسٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَقُعَيْقِعَانَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ فِي صَلَاةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ، فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ مُرَاعَاةُ فِعْلِ الْإِمَامِ صَحَّتْ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بَطَلَتْ وَهَذَا يُعْلَمُ بِالْمُشَاهَدَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ: هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ يُونُسَ يُرِيدُ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ مُرَاعَاةَ فِعْلِهِ فِي الصَّلَاةِ.
(قُلْت) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يُعْجِبَنِي عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ إنَّمَا كَرِهَ الصَّلَاةَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ فَعَلَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَكَذَلِكَ رَأَيْت فِي مَسَائِلَ لِأَبِي الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيِّ أَنَّ الصَّلَاةَ تَامَّةٌ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ قَالُوا ذَلِكَ وَالْإِمَامُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ سَهْوٌ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ هُنَاكَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَقُعَيْقِعَانَ وَحْدَهُ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَإِنْ كَانَ يَعْلُو الْكَعْبَةَ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مِنْ الْأَرْضِ إلَى السَّمَاءِ انْتَهَى.
فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ صَلَاةَ مَنْ كَانَ بِأَبِي قُبَيْسٍ مُقْتَدِيًا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ مَكْرُوهَةٌ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ فَلَا شَكَّ فِي الْبُطْلَانِ وَلَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْجَائِزَاتِ وَعُلُوُّ مَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ لِكَثْرَةِ الْبُعْدِ هُنَا فَتَعْسُرُ الْمُرَاعَاةُ لِأَفْعَالِ الْإِمَامِ، وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِتَكَلُّفٍ وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى شَغْلِ الْبَالِ بِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَقَالَ فِيهَا: لَا يُعْجِبُنِي عَقِبَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، وَاخْتِيَارُهُ فِيهَا الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ نِسَاءٍ وَبِالْعَكْسِ) ش قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ رَوَى مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ النِّسَاءِ أَوْ امْرَأَةٌ أَمَامَ الرِّجَالِ كَرِهْتُهُ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ لَمَّا عَدَّ مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَسْمَائِهَا: وَصَلَاةُ الرَّجُلِ خَلْفَ صُفُوفِ النِّسَاءِ وَالْمَرْأَةِ أَمَامَ صُفُوفِ الرِّجَالِ، وَصَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجَنْبِ الْآخَرِ انْتَهَى.

ص (وَإِمَامَةٌ بِمَسْجِدٍ بِلَا رِدَاءٍ) ش: قَالَ فِي أَوَّل رَسْمٍ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ فَيُكْرَهُ تَرْكُ الِالْتِحَافِ بِالْعَمَائِمِ فِيهَا، وَيُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَقَايَا عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ انْتَهَى.

ص (وَتَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ) ش: يُرِيدُ وَجُلُوسُهُ فِيهِ بِلَا صَلَاةٍ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ

وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ تَحْوِيلُ الْهَيْئَةِ انْتَهَى.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا أَمْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، قَالَهُ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " الْعُلُومُ الْفَاخِرَةُ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي بَابِ جَامِعٍ لِأَحْوَالِ الْمَوْتَى، قَالَ فِي أَثْنَائِهِ - بَابٌ - وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الرُّؤْيَا الطَّوِيلَ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ جُلُوسِ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهٌ الَّذِي صَلَّى فِيهِ إذَا أَدَارَ وَجْهَهُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ لَا مَا يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَتَّى إنَّهُ يَقُومُ مِنْ حِينِ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ كَأَنَّمَا ضُرِبَ بِشَيْءٍ يُؤْلِمُهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ وَيَفُوتُهُ بِذَلِكَ خَيْرَانِ: - أَحَدُهُمَا اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ - الثَّانِي مُخَالَفَتُهُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي هِيَ نَصُّ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ «كَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ لَيْسَ إلَّا» وَلَمْ يَذْكُرْ الْقِيَامَ، وَلَوْ قَامَ لَأَخْبَرُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا مِنْ فِعْلِهِ يُخْبِرُونَ بِهِ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْت بِالْأَنْدَلُسِ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ يُقْبِلُونَ بِوُجُوهِهِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَدْرَكْنَا الْأَئِمَّةَ فِي الْجَوَامِعِ الْمُعَظَّمَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَهُوَ نَصٌّ جَلِيٌّ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَضْلِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ هَيْئَتَهُ فِي جُلُوسِهِ فِي الصَّلَاةِ فَيُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ لِمَا وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ» فَيَحْصُلُ لِفَاعِلِ ذَلِكَ امْتِثَالُ السُّنَّةِ وَبَقَاءُ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ اسْتِغْفَارَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ رَحْلِهِ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ بِجُلُوسِهِ فِيهِ وَتَغْيِيرُ الْهَيْئَةِ أَوْلَى كَذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقْعُدُ فِي مُصَلَّاهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْأَبِيَّ وَالْإِكْمَالَ وَالْقُرْطُبِيَّ، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَالْمُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ بَلْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَيُصَلِّي فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ انْتَهَى.
وَعَلَى قِيَاسِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنَّهُ كُلَّمَا رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ تَحَوَّلَ إلَى مَكَان آخَرَ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْبُخَارِيَّ وَانْظُرْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ.
(فَرْعٌ) وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ أَوْ يَنْصَرِفَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لِلنَّافِلَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى رَجُلًا قَامَ بِإِثْرِ فَرَاغِهِ مِنْ الْفَرْضِ إلَى النَّافِلَةِ فَقَامَ إلَيْهِ وَجَذَبَهُ بِثِيَابِهِ وَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، وَقَالَ لَهُ مَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَفْصِلُونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَرَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمِعَ مَقَالَتَهُ فَقَالَ لَهُ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا عُمَرُ» انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ شَارِحَ الرِّسَالَةِ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي إعْلَامِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسَاجِدِ: الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ اتِّخَاذُ الْمَحَارِيبِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ أَوَّلُ شِرْكٍ كَانَ فِي أَهْلِ الصَّلَاةِ هَذِهِ الْمَحَارِيبُ، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ صَلَّى وَاعْتَزَلَ الطَّاقَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَقَالَ: كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي طَاقِ الْمَسْجِدِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَعْمَرٌ، وَالْمُرَادُ بِطَاقِ الْمَسْجِدِ الْمِحْرَابُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فِي

الْمَسْجِدِ وَسُجُودُهُ فِي الطَّاقِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي الطَّاقِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ اخْتِلَافَ الْمَكَانَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الِانْفِرَادُ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَمْ يَزَلْ عَمَلُ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ انْتَهَى.

ص (وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وَإِنْ أَذِنَ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَرْعٌ) مُهِمٌّ اُخْتُلِفَ فِي جَمْعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي مَقَامَاتِهِمْ الْمَعْهُودَةِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فَيَكُونُ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَمَنْ بَعْدَهُ حُكْمُهُ حُكْمُ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ أَوْ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكَرَاهَةِ بَلْ رُبَّمَا انْتَهَى إلَى الْمَنْعِ لِمَا سَيَأْتِي، أَوْ صَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَمَقَامَاتُهُمْ كَمَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ فَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِأَنَّ صَلَاتَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ جَائِزَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا إذْ مَقَامَاتُهُمْ كَمَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ لِأَمْرِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَقَدْ زَالَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا كُرِهَ أَنْ تُصَلِّي جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ أَجْوِبَتَهُمْ بِلَفْظِهَا وَهُمْ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْقُرْطُبِيُّ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَعِيدٌ الرَّبَعِيُّ أَحَدُ قُضَاةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَقَاضِي قُضَاةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ، قَالَ وَكَانَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْوَرَعِ وَالتَّقْوَى، وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَرْجَانِيُّ وَالشَّيْخُ حَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْمَخِيلِيُّ، وَكَانَ الِاسْتِفْتَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْمِائَةِ السَّابِعَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَوَقَفْت بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة عَلَى تَأْلِيفٍ يُخَالِفُ مَا أَفْتَى بِهِ الْجَمَاعَةُ وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ هُوَ إمَامُ الْمَقَامِ وَلَا أَثَرَ لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ فِي رَفْعِ الْكَرَاهَةِ الْحَاصِلَةِ فِي جَمْعِ جَمَاعَةٍ بَعْدَ جَمَاعَةٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا، وَلَمْ يَحْضُرْنِي الْآنَ اسْمُ مُؤَلَّفِهِ - رَحِم اللَّهُ الْجَمِيعَ - انْتَهَى.
(قُلْت) قَدْ وَقَفْت عَلَى تَأْلِيفَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَحَدِهِمَا - لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُبَابِ السَّعْدِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي إبْرَاهِيمَ الْغَسَّانِيِّ الْمَالِكِيِّ فَأَمَّا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحُبَابِ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَفْتَى فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَنْعِ الصَّلَاةِ بِأَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَجَمَاعَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَهُمْ شَدَّادُ بْنُ الْمُقَدِّمِ وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ بْنُ عَوْفٍ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَجَعَ عَمَّا أَفْتَى بِهِ لَمَّا وَقَفَ عَلَى كَلَامِهِ، وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُهُمْ " إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا " خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ، وَإِنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً؛ لِأَنَّ الَّذِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَوْ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ جَمَاعَةً ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ فَأَرَادُوا إقَامَةَ تِلْكَ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَأَمَّا حُضُورُ جَمَاعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَيَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَيُصَلِّي وَأُولَئِكَ عُكُوفٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُوهُمْ إلَى ذَلِكَ تَارِكُونَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مُتَشَاغِلُونَ بِالنَّوَافِلِ وَالْحَدِيثِ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاةُ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي يَلِيهِ وَتَبْقَى الْجَمَاعَةُ الْأُخْرَى عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ يُصَلُّونَ أَوْ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ الْوَاحِدَةُ كَالْمَغْرِبِ فَيُقِيمُ كُلُّ إمَامٍ الصَّلَاةَ جَهْرًا يَسْمَعُهَا الْكَافَّةُ وَوُجُوهُهُمْ مُتَرَائِيَةٌ وَالْمُقْتَدُونَ بِهِمْ مُخْتَلِطُونَ فِي الصُّفُوفِ وَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قِرَاءَةَ الْآخَرِينَ وَيَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ فَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي الرُّكُوعِ وَالْآخَرُ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ وَالْآخَرُ فِي السُّجُودِ فَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ وَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا أَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً فَقَوْلُ الْقَائِلِ

إنَّهَا جَائِزَةٌ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا " خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَالسَّادِسِ إلَى حِينِ ظُهُورِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ: وَإِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ.
فَأَمَّا أَحْمَدُ فَكَفَانَا فِي الْمَسْأَلَةِ مُهِمَّةٌ فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إقَامَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِجَمَاعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ حُكِيَ لَكَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْي الَّذِينَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إقَامَةَ صَلَاةٍ بِإِمَامَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إقَامَةُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بِإِمَامَيْنِ رَاتِبَيْنِ يَحْضُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامَيْنِ فَيَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الَّذِي رُتِّبَ لِيُصَلِّيَ أَوَّلَ وَتَجْلِسُ الْجَمَاعَةُ الْأُخْرَى وَإِمَامُهُمْ عُكُوفًا حَتَّى يَفْرَغَ الْأَوَّلُ ثُمَّ يُقِيمُونَ صَلَاتَهُمْ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَلَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَحْكِيَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا فِعْلًا وَلَا قَوْلًا فَكَيْفَ بِإِمَامَيْنِ يُقِيمَانِ الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَهْلُ الْقُدْوَةِ مُخْتَلِطُونَ وَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ قِرَاءَةَ الْآخَرِ فَهَؤُلَاءِ زَادُوا عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي لِسَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا وَمُخَالَفَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ» وَاَللَّهِ لَمْ يَرْضَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُتَنَفِّلَيْنِ تَنَفُّلًا فِي الْمَسْجِدِ، بَلْ لَمْ يَرْضَهُ لِمُقْتَدٍ اقْتَدَى بِهِ فَصَلَّى خَلْفَهُ فَكَيْفَ يَرْضَى ذَلِكَ لِإِمَامَيْنِ مُنْفَرِدَيْنِ هَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ لَهُ نَظِيرًا فِي قَدِيمٍ وَلَا حَدِيثٍ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَأَمَّا إقَامَةُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يَسْتَحْسِنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ اسْتَقْبَحَهَا كُلُّ مَنْ سُئِلَ عَنْهَا وَمِنْهُمْ مِنْ بَادَرَ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إذْنُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُصَيِّرُهُ جَائِزًا كَمَا لَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْمَالِكِيِّ فِي بَيْعِ النَّبِيذِ أَوْ التَّوَضُّؤِ بِهِ أَوْ فِي أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا وَلَا يَقْرَأُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " أَوْ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيَّ وَالشَّيْخَ يَحْيَى الزَّنَاتِيَّ أَنْكَرَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَإِنَّهُمَا لَمْ يُصَلِّيَا خَلْفَ إمَامِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْحَرَمِ الشَّرِيفِ رَكْعَةً وَاحِدَةً، قَالَ وَكَانَ إمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرَ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ، وَهُوَ رَزِينٌ فِي أَيَّامِ الزَّنَاتِيِّ وَالْقَابِسِيُّ فِي أَيَّامِ الطُّرْطُوشِيِّ، ثُمَّ قَالَ وَحَالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مَشْهُورٌ عَنْ أَقْرَانِنَا وَمَنْ قَبْلَنَا بِيَسِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ وَرَدُوا إلَى مَكَّةَ فِي سَنَةِ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا صَلَاةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مُتَرَتِّبِينَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَعْهُودَةِ، وَإِنَّهُ عَرَضَ مَا أَمْلَاهُ فِي عَدَمِ جَوَازِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ إقَامَتَهَا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّهُمْ وَافَقُوهُ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا غَالِبُهُ بِالْمَعْنَى وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْغَسَّانِيُّ: إنَّ افْتِرَاقَ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ عَلَى أَئِمَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ: إمَامٍ سَاجِدٍ وَإِمَامٍ رَاكِعٍ وَإِمَامٍ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يُوجَدْ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَلَا أَذِنَ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا مَنْ صَحَّتْ عَقِيدَتُهُ وَلَا مَنْ فَسَدَتْ لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ وَلَا عِنْدَ تَلَاحُمِ السُّيُوفِ وَتَضَامِّ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ لِمَنْ تَقَدَّمَ فَيَكُونُ لَهُ بِهِ أُسْوَةٌ انْتَهَى.
وَسُئِلَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ عَنْ إقَامَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الْقَائِلُ فِي السُّؤَالِ: إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَلَا الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَا فِي زَمَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَعَنْ قَوْلِ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة: إنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَأَرْبَعَةِ مَسَاجِدَ، وَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] وَلِقَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَلَمْ يَقُلْ الْمَسَاجِدَ الْحَرَامَ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ صَلَاةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَغْرِبَ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الْبِدَعِ الْفَظِيعَةِ وَالْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي

لَمْ تَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُنْكِرُونَهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْقَدِيمِ وَيَرُدُّونَهَا عَلَى مُخْتَرِعِهَا الْقَادِمِ مِنْهُمْ وَالْمُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ كَلَامِ ابْنِ الْحُبَابِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَكَلَامِ الْغَسَّانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَفَانَا هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيمَا نَقَلَهُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا مِنْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ كِفَايَةٌ، قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ عَالِمِ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَفَضِيلَتِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَرَفَةَ فِي حَجَّتِهِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَبَشَاعَةُ ذَلِكَ وَشَنَاعَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّةٌ.
وَدَلَائِلُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمَوْسِمِ عَلَى الْمُصَلِّينَ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ لِلِاشْتِبَاهِ، وَجَمِيعُ الْبِلَادِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا هَذِهِ الْجَمَاعَاتُ يَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ الرَّاتِبُ الْأَوَّلُ كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَدِمَشْقَ وَغَيْرِهِمَا وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَجِبُ إنْكَارُهَا وَالسَّعْيُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَفْضِ مَنَارِهَا وَإِزَالَةِ شِعَارِهَا وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ، وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ وَيَنَالُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ وَيُؤْجَرُ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ الْوَافِرُ وَالْخَيْرُ الْعَظِيمُ الْمُتَكَاثِرُ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ فُقَهَاءِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَأَرْبَعَةِ مَسَاجِدَ فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ سَخِيفٌ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بِرَدٍّ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَحْسُوسَ وَالْأَدِلَّةَ الظَّاهِرَةَ الْمُتَكَاثِرَةَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ إذْ لَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ مُنَاقِضٌ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ تَعُودَ بَرَكَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى تَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَسْمَحْ الشَّارِعُ بِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ بِإِمَامَيْنِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ وَهِيَ حُضُورُ الْقِتَالِ مَعَ عَدُوِّ الدِّينِ بَلْ أَمَرَ بِقَسْمِ الْجَمَاعَةِ وَصَلَاتِهِمْ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - رَسُولَهُ بِهَدْمِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لَمَّا اُتُّخِذَ لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي وَالِدِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِعْلُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ يُشْبِهُ فِعْلَ مَسْجِدِ أَهْلِ الضِّرَارِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي الْمَغْرِبِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي حُرْمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ نَرَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَدْرَكْنَاهُ اجْتِمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِيهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَفِيُّ، وَكَانَ سَيِّدِي الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْكِرُ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ وَأَجَابَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ بِمَا صُورَتُهُ: أَمَّا اجْتِمَاعُ إمَامَيْنِ بِجَمَاعَتَيْنِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُبَابِ وَالشَّيْخُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْغَسَّانِيُّ وَالْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ الشَّافِعِيُّ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ سَأَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ مُوسَى الْمُنَاوِيُّ، وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْفَظِيعَةِ وَالْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُنْكِرُونَهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْقَدِيمِ وَيَرُدُّونَهَا عَلَى مُخْتَرِعِهَا الْقَادِمِ مِنْهُمْ وَالْمُقِيمِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَرَأَى اجْتِمَاعَ الْأَئِمَّةِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا قَالَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَبَشَاعَةُ ذَلِكَ وَشَنَاعَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّةٌ وَدَلَائِلُ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وَلَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْمُصَلِّينَ فِي الْمَوْسِمِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إزَالَةُ هَذِهِ الْبِدْعَةِ الْقَبِيحَةِ الشَّنِيعَةِ وَعَلَى كُلِّ

مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ، وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ سَدَّدَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ وَيَنَالُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ الدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةَ وَيُؤْجَرُ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ الْوَافِرُ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، بَلْ وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ وَقَادِحٌ فِي إمَامَتِهِ فَلَمَّا أَجَابَ سَيِّدِي الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِهَذَا الْجَوَابِ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ اجْتَمَعَ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَنَائِبُ جُدَّةَ وَمَلِكُ النَّجَّارِ وَأَئِمَّةُ فِي الْحَطِيمِ وَاتَّفَقَ أَمْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَنَفِيَّ يَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ وَإِذَا قَامَ الْحَنَفِيُّ لِرَكْعَتِهِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ شَرَعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ، وَيُطِيلُ الشَّافِعِيُّ الْقِرَاءَةَ حَتَّى لَا يَرْكَعَ فِي الْأَوَّلِ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْحَنَفِيِّ وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ سَنَةَ سِتٍّ، ثُمَّ أَمَرَ بَعْضُ نُوَّابِ جُدَّةَ أَئِمَّةَ الشَّافِعِيَّةِ أَلَّا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا يَشْرَعُوا فِي الْإِقَامَةِ حَتَّى يُسَلِّمَ الْحَنَفِيُّ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يُمْكِنْ مُخَالَفَتُهُ فَخَفَّتْ الْبِدْعَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتُمِرَّ عَلَى ذَلِكَ إلَى وَقْتِنَا هَذَا فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَجَمْعُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ كُلُّ جِهَةٍ بِإِمَامٍ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كُلُّ جِهَةٍ كَأَنَّهَا مَسْجِدٌ لِاخْتِصَاصِ إمَامٍ بِهَا، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ لَا يُصَلِّي فِيهِ إلَّا إمَامٌ وَاحِدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا - حَفِظَهُ اللَّهُ - يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ غَيْرُ هَذَا فَقَدْ وَهِمَ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ الْمَنْعُ، وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ، وَهُوَ الَّذِي شَاهَدْت شَيْخَنَا يُفْتِي بِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالْعَجَبُ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ يَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ مَسْجِدًا قَدْ جَمَعَ أَهْلُهُ، فَإِنْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِ جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ خَرَجَ، فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ فَيَجْمَعُوا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلْيُصَلُّوا فِيهِ أَفْذَاذًا انْتَهَى.
وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّهُمْ يَتَحَوَّلُونَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ وَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً، وَلَا يُقَالُ: إنَّ جَمْعَهُمْ الْآنَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَتَقْرِيرِهِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمٍ إذْ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ لَا يُفِيدُ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ فِي الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ لَا يُبِيحُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهُوَ الْمُوَفِّقُ.

[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ صَلَّى جَمَاعَتَانِ بِإِمَامَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) لَوْ صَلَّى جَمَاعَتَانِ بِإِمَامَيْنِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ أَسَاءُوا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي فَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الثَّانِي أَهْلُ السَّفِينَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا عَلَى طَائِفَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ]

(الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي السَّفِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضُهُمْ وَيَبْقَى بَعْضُهُمْ فَيُقِيمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي السَّفِينَةِ الصَّلَاةَ فَيُصَلُّونَ، ثُمَّ يَجِيءُ الَّذِينَ كَانُوا نَزَلُوا يَجْمَعُونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ فَقَالَ بِرَأْسِهِ لَا، فَرُوجِعَ فِيهَا فَقَالَ: إنَّمَا مِثَالُ الْجَمْعِ فِيهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ بِرَأْسِهِ لَا، قَالَ الْقَاضِي، وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَفْتَرِقَ فِي طَائِفَتَيْنِ فَتُصَلِّي كُلُّ جَمَاعَةٍ مِنْهَا بِإِمَامٍ عَلَى حِدَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 107] أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ لِلْغُزَاةِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَشَرَعَ لَهُمْ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ السَّفِينَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا عَلَى طَائِفَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ كُرِهَ لِلَّذِينَ نَزَلُوا إذَا جَاءُوا أَنْ يَجْمَعُوا الصَّلَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الَّذِينَ بَقُوا قَدْ جَمَعُوا تِلْكَ الصَّلَاةَ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ تَفَرُّقِ الْجَمَاعَةِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الَّذِينَ بَقُوا إنَّمَا جَمَعَ بِهِمْ إمَامٌ رَاتِبٌ لَهُمْ وَأَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُصَلِّيَ الَّذِينَ فَوْقَ سَقْفِ السَّفِينَةِ بِإِمَامٍ وَاَلَّذِينَ تَحْتَهُ بِإِمَامٍ؛ لِأَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ فَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى بِلَفْظِهِ.

[الثَّالِث يُصَلُّونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ]

(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ فِي سُؤَالِ قَصْرِ الْمَسِيرِ وَجَوَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِأَهْلِهِ فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: وَأَمَّا الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي وَقْتٍ

وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ وَيَتْبَعُ كُلَّ إمَامٍ طَائِفَةٌ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فَيُشْكِلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ هَلْ يَتْبَعُونَ إمَامَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مِمَّنْ صَارَ فِي شَكٍّ هَلْ اتَّبَعَ إمَامَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ اتَّبَعَ إمَامَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي شُغْلٍ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ قَدْ شَغَلَهُ التَّكَلُّفُ فِيهِ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي، وَلِكُلِّ إمَامٍ أَنْ يَتَحَرَّجَ مِنْ هَذَا إنْ تَعَيَّنَ بِفِعْلِهِ فِي فَسَادِهِ لِصَلَاةِ النَّاسِ وَلَكِنْ يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا فَيُصَلِّي قَبْلَ الْآخَرِ، ثُمَّ يُصَلِّي الْآخَرُ إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ ضِيقٌ مِثْلُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ وَلْيَنْضَمُّوا إلَى إمَامٍ وَاحِدٍ وَيَنْحَاشُوا إلَى الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ الْقَدِيمِ وَلَا تُدْخِلْ نَفْسَك فِيمَا تَشُكُّ انْتَهَى، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَخَرَجُوا إلَّا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ لِفَضْلِهَا.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ: تَضْعِيفُ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَاصٌّ بِالرِّجَالِ، قَالَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي تَرْغِيبِ النِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ فِي بُيُوتِهِنَّ نَاقِلًا لَهُ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَنَصُّهُ بَعْدَ «قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ صَلَاتُكِ فِي قَعْرِ بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي» وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بَابَ اخْتِيَارِ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ فِي حُجْرَتِهَا عَلَى صَلَاتِهَا فِي دَارِهَا وَصَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا عَلَى صَلَاتِهَا فِي مَسْجِد النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ» إنَّمَا أَرَادَ بِهِ صَلَاةَ الرِّجَالِ دُونَ صَلَاةِ النِّسَاءِ هَذَا كَلَامُهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.

ص (وَجَازَ اقْتِدَاءٌ بِأَعْمَى) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي " رَسْمِ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ " مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ بِكَوْنِ الْأَعْمَى إمَامًا رَاتِبًا بَأْسًا مِنْ أَجْلِ أَنَّ حَاسَّةَ الْبَصَرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَلَا سُنَّتِهَا وَلَا فَضَائِلِهَا، ثُمَّ قَالَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ حَاشَا السَّمْعَ وَالْبَصَرَ فَإِنَّ الْأَصَمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ إمَامًا رَاتِبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْهُو فَيُسَبَّحُ لَهُ فَلَا يَسْمَعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِفْسَادِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ الْأَعْمَى إمَامًا رَاتِبًا مَنْ كَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ غَيْرِ طَاهِرٍ أَوْ يُصَلِّي بِثَوْبٍ نَجِسٍ، وَأَمَّا نُقْصَانُ الْجَوَارِحِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إمَامَةِ الْأَقْطَعِ وَالْأَشَلِّ، وَقَدْ مَضَى فِي سَمَاعِ زُونَانَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ الْأَعْمَى الَّذِي عَرَضَ لَهُ صَمَمٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا تَصِحُّ بِهِ إمَامَتُهُ الْإِمَامَةُ تَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَى أَفْعَالِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْ يُنَبِّهُهُ عَلَى ذَلِكَ هَذَا عَلَى قَوَاعِدِ

الْمَذْهَبِ، وَلَمْ أَنْقُلْهُ انْتَهَى.

ص (وَمُخَالِفٌ فِي الْفُرُوعِ) ش: قَالَ فِي بَابِ السَّهْوِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَرَى السُّجُودَ فِي النُّقْصَانِ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا يُخَالِفْهُ ابْنُ نَاجِي زَادَ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ أَشَدُّ وَيُرْوَى أَشَرُّ بِالدَّالِ وَالرَّاءِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُرَابِطِ شَرٌّ، وَكَانَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّصْوِيرِ بَلْ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ (قُلْت) وَيَقُومُ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهَا إنَّ صَلَاةَ الْمَالِكِيِّ خَلْفَ الشَّافِعِيِّ جَائِزَةٌ، وَلَوْ رَآهُ يَفْعَلُ خِلَافَ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا كَانَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُفْتِي بِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ، وَأَمَّا مَعَ الرُّؤْيَةِ فَلَا انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالشَّرْطُ السَّادِسُ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ فِي الْوَاجِبَاتِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ أُصَلِّ خَلْفَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ عِنْدَ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ يُعِيدُ أَبَدًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُعِيدُ فِيهِمَا فِي الْوَقْتِ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ فِعْلُهُ لِلشَّرَائِطِ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا، وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ فَالشَّافِعِيُّ مَسْحُ جَمِيعِ رَأْسِهِ سُنَّةٌ فَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَّ فِي الْفَرِيضَةِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ أَوْ مَسَحَ رِجْلَيْهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُخَالِفِ فِي الْفُرُوعِ الْمَذْهَبُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ فِيمَا عُلِمَ خَطَؤُهُ كَنَقْضِ قَضَاءِ الْقَاضِي، قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَفْرِقَةُ أَشْهَبَ بَيْنَ الْقُبْلَةِ وَمَسِّ الذَّكَرِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالسَّبْعِينَ فَإِنَّهُ أَجَازَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُخَالِفِ، وَإِنْ رَآهُ يَفْعَلُ مَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ

ص (وَأَلْكَنُ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ إمَامَتَهُ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَدَمُ إلْصَاقِ مَنْ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ أَوْ يَسَارِهِ بِمَنْ حَذْوُهُ) ش: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ، قَالَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَظُنُّهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَقْصُورَةِ.
ص (وَصَلَاةُ مُنْفَرِدٍ خَلْفَ صَفٍّ) ش: يُرِيدُ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَرَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ الْمَسْأَلَةَ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى مَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ.

ص (وَإِسْرَاعٌ لَهَا بِلَا خَبَبٍ) ش:

قَالَ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبَيَانِ إذَا خَافَ الرَّجُلُ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِي مَشْيِهِ وَيُسْرِعَ فِيهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَرِّكَ دَابَّتَهُ لِيُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ: الْإِتْيَانُ بِالسَّكِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ وَفَضْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالسَّكِينَةِ انْتَهَى.

ص (وَإِحْضَارُ صَبِيٍّ بِهِ لَا يَعْبَثُ وَيَكُفُّ إذَا نُهِيَ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ إذَا كَانَ يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ فَلَا يَجُوزُ إحْضَارُهُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ مَجَانِينَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ» فَالشَّرْطُ فِي جَوَازِ إحْضَارِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا عَدَمُ عَبَثِهِ أَوْ كَوْنُهُ يَكُفُّ إذَا نُهِيَ عَنْ الْعَبَثِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يَكُفُّ عَنْ الْعَبَثِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي حَوَاشِي التُّجِيبِيِّ، قَالَ يَعْنِي يَكُفُّ إذَا نُهِيَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي يَكُونُ شَأْنُهُ اسْتِمَاعَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَتَرْكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ لَعِبِ الصِّبْيَانِ بَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وَلَوْ بِالْعِلْمِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي " رَسْمِ حَلَفَ " مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ إحْضَارِ الصَّبِيِّ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا عَدَمُ عَبَثِهِ أَوْ كَوْنُهُ يَكُفُّ إذَا نُهِيَ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْبَثَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ لَعِبِ الصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] الْآيَةَ انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْمَرَاوِحِ أَيُكْرَهُ أَنْ يُرَوَّحَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ]

(فَرْعٌ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرَاوِحِ أَيُكْرَهُ أَنْ يُرَوَّحَ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: نَعَمْ إنِّي لَأَكْرَهُ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي، وَهَذَا كَمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ الْمَرَاوِحَ إنَّمَا اتَّخَذَهَا أَهْلُ الطَّوْلِ لِلتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِ الْمَسَاجِدِ فَالْإِتْيَانُ إلَيْهَا بِالْمَرَاوِحِ مِنْ الْمَكْرُوهِ الْبَيِّنِ انْتَهَى " مِنْ رَسْمِ شَكَّ " مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَتَكَرَّرَتْ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبَصْقٌ بِهِ إنْ حَصَبٌ أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ الْمَسْجِدِ مُحَصَّبًا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُبْصَقُ فِي الْمَسْجِدِ فَوْقَ الْحَصِيرِ وَيَدْلُكُهُ بِرِجْلِهِ وَلَكِنْ تَحْتَهُ وَلَا فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ مُحَصَّبٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْنِ الْبُصَاقِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مُحَصَّبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ وَيَدْفِنَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَبَصْقٌ بِهِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ بِهِ شَامِلٌ لِلنُّخَامَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْبَاجِيّ وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَصُّهُ.
وَسُئِلَ عَنْ الَّذِي يَتَنَخَّمُ فِي النَّعْلَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: إنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَى مَوْضِعِ حَصِيرٍ يَتَنَخَّمُ تَحْتَهَا فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَإِنْ كَانَ يَصِلُ إلَى الْحَصِيرِ فَإِنِّي لَا أَسْتَحْسِنُهُ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَخَّمَ فِي نَعْلِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَكُرِهَ التَّنَخُّمُ فِي النَّعْلَيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَصِلَ إلَى الْحَصِيرِ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهِمَا وَرُبَّمَا وَضَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَيَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَكَانٌ فَلَا أَسْتَحْسِنُهُ فَإِنِّي أَسْتَقْبِحُهُ فَيَعُودُ الِاسْتِحْسَانُ إلَى التَّنَخُّمِ تَحْتَ الْحَصِيرِ إنْ كَانَ يَصِلُ إلَيْهَا، وَالِاسْتِقْبَاحُ لِلتَّنَخُّمِ فِي النَّعْلَيْنِ إنْ كَانَ يَصِلُ إلَى الْحَصِيرِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَا يُبْصَقُ فِي الْمَسْجِدِ فَوْقَ الْحَصِيرِ وَيَدْلُكُهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَنَخَّمَ عَلَى الْحَصِيرِ، ثُمَّ يَدْلُكُهُ بِرِجْلِهِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ أَثَرَهَا مِنْ عَلَى الْحَصِيرِ وَفِي ذَلِكَ إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي شَرْحِ قَوْلِهِ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - دُعِيَ لِجِنَازَةٍ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى ابْنُهُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مَسْحُهُ لَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي صَحْنِهِ مِنْ

رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ وَكَرِهَهُ سَحْنُونٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَجِّ الرِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا يَتَنَاثَرُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي نَظَافَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ غَطَّاهُ بِالْحَصْبَاءِ بِخِلَافِ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ النُّخَامَةَ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهَا بُدًّا وَلَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْمَسْجِدِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النُّخَامَةَ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْمَضْمَضَةُ تَنْدُرُ وَتُقْصَدُ فَلَا مَضَرَّةَ وَلَا مَشَقَّةَ فِي الْخُرُوجِ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرْوَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ انْتَهَى لَفْظُهُ وَانْظُرْ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى

(الثَّالِثُ) اُنْظُرْ هَلْ يَجُوزُ التَّمَخُّطُ فِي الْمَسْجِدِ وَدَفْنُهُ قِيَاسًا عَلَى النُّخَامَةِ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ النُّخَامَةِ وَأَنَّهُ مِثْلُ الْمَضْمَضَةِ فَتَأَمَّلْهُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: إنْ أَوْقَعْته فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اقْتَرَفْت سُوءًا وَكَفَّارَتُهُ دَفْنُهُ فِي الْحَصْبَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَطَّحًا فَكَفَّارَتُهُ مَسْحُهُ انْتَهَى، وَقَالَ قَبْلَهُ: الْمَسَاجِدُ أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] وَالْإِهَانَةُ ضِدُّ الرَّفْعِ وَالْبُزَاقُ مِنْ الْإِهَانَةِ فَإِنَّهُ طُرِحَ فِيهَا، وَقَدْ طَيَّبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْجِدَ مِنْ نُخَامَةٍ كَانَتْ فِي الْقِبْلَةِ بِشَيْءٍ مِنْ خَلُوقٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ طَرْحَهُ لِلْعَبْدِ ضَرُورَةً أَيْ فِي أَيِّ حَالٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِإِفّ أَوْ تُفْ أَوْ أَغْ أَوْ أَخْ أَوْ أَحْ أَحْ وَسُمِعَ فِيهِ كَذَلِكَ فَإِذَا فَعَلْته فَمِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا مَكْرَمَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَاطْرَحْهَا فِي ثَوْبِك انْتَهَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي بَابِ السَّهْوِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَائِدَة خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِيَدِهِ حَصْبَاءُ نَسِيَهَا أَوْ بِنَعْلِهِ]

(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ بِنَاءِ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِيَدِهِ حَصْبَاءُ نَسِيَهَا أَوْ بِنَعْلِهِ إنْ رَدَّهَا فَحَسَنٌ وَمَا ذَاكَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَيْهِ كَمَا أَنَّ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِ الصَّائِمِ مِنْ الطَّعَامِ إذَا ابْتَلَعَهُ فِي النَّهَارِ مَعَ رِيقِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ أَخْذَهُ مِنْ وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِي تَرْجَمَةِ التَّرْهِيبِ مِنْ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ أَبُو بَدْرٍ وَأَرَاهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْحَصَاةَ تُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدْ سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ: رَفْعُهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي بَدْرٍ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (ثُمَّ قُدَّامَهُ، ثُمَّ يَمِينَهُ) ش: عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ فِي يَسَارِهِ أَيْ فِي جِهَةِ يَسَارِهِ، ثُمَّ قُدَّامَهُ إلَى آخِرِهِ وَكَأَنَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَرَكَهُ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ الْجِهَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّنْبِيهَاتِ فَلَمَّا ذَكَرَ مَا عَدَاهَا مَعْطُوفًا بِثُمَّ عُلِمَ أَنَّهَا هِيَ الْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَخُرُوجُ مُتَجَالَّةٍ لِعِيدٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَشَابَّةٍ لِمَسْجِدٍ) ش: فِي الْحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّه» قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هُوَ إبَاحَةٌ لِخُرُوجِهِنَّ وَحَضٌّ أَنْ لَا يُمْنَعْنَ بِدَلِيلِ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، ثُمَّ قَالَ عَنْ الْقَاضِي وَشَرَطَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِهِنَّ أَنْ يَكُونَ بِلَيْلٍ غَيْرَ مُتَزَيِّنَاتٍ وَلَا مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا مُزَاحِمَاتٍ لِلرِّجَالِ وَلَا شَابَّةً مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ، وَفِي مَعْنَى الطِّيبِ إظْهَارُ الزِّينَةِ وَحُسْنُ الْحُلِيِّ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ مَنْعُهُنَّ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ تُمْنَعُ الشَّابَّةُ الْجَمِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ، قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ وَيُزَادُ لِتِلْكَ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَا تَتَّقِي مَفْسَدَتَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَإِذَا مُنِعْنَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَمِنْ غَيْرِهِ أَوْلَى انْتَهَى.
وَفِي مَنَاسِكَ ابْنِ الْحَاجِّ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ فِيمَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ لَابِسَةُ الْحُلِيِّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَعَلَيْهَا مَنَاجِدُ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا أَيَسُرُّكِ أَنْ يُحَلِّيَكِ اللَّهُ مَنَاجِدَ مِنْ نَارٍ قَالَتْ: لَا قَالَ: فَأَدِّ زَكَاتَهُ» ، وَالْمَنَاجِدُ الْحُلِيُّ الْمُكَلَّلُ بِالْفُصُوصِ أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَنْهَهَا عَنْ لِبَاسِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا فِيمَا لَيْسَ لَهُ صَوْتٌ وَلَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَالْمَنَاجِدُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ إلَّا الْمُتَجَالَّةَ الَّتِي انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ.
(قُلْت) فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الشَّوَابِّ أَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا فَأَسَاءَتْ عَلَيْهِ قَالَ: يُؤَدِّبُهَا وَيَمْنَعُهَا صَحَّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ وَاخْتَلَفَ التَّأْوِيلُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ هَلْ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْأَئِمَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ أَوْ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبَاجِيُّ انْتَهَى وَانْظُرْ الْمَدْخَلَ فِي فَصْلِ الْإِمَامِ وَنَهْيِهِ النِّسَاءَ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجُمُعَةِ وَانْظُرْ الْقُرْطُبِيَّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: 36] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: 37] وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ وَالْجُزُولِيَّ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدُ، وَانْظُرْ شُرُوحَ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» مَا نَصُّهُ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَلَاةِ النَّهَارِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ» ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ فِي جَمَاعَةٍ جَاءَ فِيهَا فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْمَشْيُ إلَى الْمَسَاجِدِ فَبِالنِّسَاءِ أَكْبَرُ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَمَا بِالرِّجَالِ وَيَرْجِعُ الْحَالُ إلَى شَأْنِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ عَرَفَ الرَّجُلُ مِنْهَا الدِّيَانَةَ وَالصِّحَّةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ عَرَفَ مِنْهَا الْمَكْرَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ أَنَّهَا تُرِيدُ الْمَسْجِدَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إلَيْهِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ، وَقَدْ «مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُوجَدُ مِنْهَا رِيحُ الْبَخُورِ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ بِاللَّيْلِ» ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ لِلشَّابَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَبْكَارَهُنَّ وَمَنْ ضَاهَاهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَوْ خَرَجَ جَمِيعُ النِّسَاءِ لَمَلَأْنَ الْمَسْجِدَ وَعَادَلْنَ الرِّجَالَ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَانَ يَتَّصِلُ بِهِ الْعَمَلُ فِي الْعَادَةِ وَكَرِهَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ تَرْدَادَ الْمُتَجَالَّةِ إلَيْهِ وَرَأَى فِي غَيْرِهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، ثُمَّ قَالَ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ خُرُوجَهُنَّ إلَيْهَا جَائِزٌ وَتَرْكَهُ أَحَبُّ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ.

ص (وَعُلُوُّ مَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ عُلُوَّ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي سَطْحٍ وَالْإِمَامُ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي السَّفِينَةِ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَرَجَعَ مَالِكٌ إلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَجَائِزٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ كَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِأَوَّلِ قَوْلِهِ أَقُولُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ إنَّمَا لَمْ

يَكْرَهْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِحُصُولِ السَّمَاعِ لِلْمَأْمُومِ هُنَاكَ غَالِبًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافًا فِي حَالٍ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّي قَوْمٌ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاتِهِ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَأَجَازَهُ أُخْرَى وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ بِالْبُعْدِ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ تَفْرِقَةِ الصُّفُوفِ وَعَدَمِ التَّحَقُّقِ لِمُشَاهَدَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَازُ إذَا قَرُبَ أَعْلَى الْمَسْجِدِ مِنْ أَسْفَلِهِ فَيَكُونُ خِلَافًا فِي حَالٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَقَالَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْإِمَامِ، وَقِيلَ لِكَوْنِهِ لَا يُشَاهِدُ أَفْعَالَهُ، وَقِيلَ لِتَفْرِيقِ الصُّفُوفِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ السَّطْحُ قَرِيبًا لَمْ يُكْرَهْ، وَعَلَى الثَّانِي إنْ شَاهَدَ أَفْعَالَ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يُكْرَهْ، وَعَلَى الثَّالِثِ يُكْرَهُ مُطْلَقًا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ التَّعْلِيلُ بِالْبُعْدِ فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا الْبُعْدَ يُمْكِنُ مَعَهُ مُرَاعَاةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ بِحُصُولِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ أَجَازَهُ وَكَرِهَهُ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي قُبَيْسٍ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَثْرَةِ الْبُعْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ لِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا عَكْسُهُ) ش: يَعْنِي، وَأَمَّا عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ عَلَى مَكَانِ أَعْلَى مِنْ مَكَانِ الْمَأْمُومِ فَلَا يَجُوزُ قَالَهُ الشَّارِحُ وَابْنُ غَازِيٍّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى أَنْشَزَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ انْتَهَى، وَمَعْنَى أَنْشَزَ أَرْفَعُ، وَذَكَرَ فِي الطِّرَازِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ وَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَتَبِعَهُ عَمَّارٌ حِينَ أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَحِمَهُ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» - أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَقَالَ عَمَّارٌ لِذَلِكَ اتَّبَعْتُك حِينَ أَخَذْت عَلَى يَدَيَّ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَقْتَضِي التَّرَفُّعَ فَإِذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ عُلُوُّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَانِ دَلَّ عَلَى قَصْدِهِ الْكِبْرَ انْتَهَى.

ص (وَبَطَلَتْ بِقَصْدِ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ بِهِ الْكِبْرَ) ش: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ النُّسَخُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَفِي بَعْضِهَا كَقَصْدِ إمَامٍ بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَبَطَلَتْ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ " لَا عَكْسُهُ " فَيَقْتَضِي أَنَّ عُلُوَّ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْكِبْرَ، ثُمَّ شَبَّهَ بِذَلِكَ فِي الْبُطْلَانِ مَا إذَا قَصَدَ الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ بِهِ الْكِبْرَ وَعَلَى ذَلِكَ شَرْحُ الشَّارِحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِقَصْدِ بِاللَّامِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ وَعَلَيْهَا تَكَلَّمَ ابْنُ غَازِيٍّ، قَالَ وَذَلِكَ أَمْثَلُ أَيْ وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ قَصْدِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِالْعُلُوِّ الْكِبْرَ كَأَنَّهُ تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِيمَا إذَا سَلِمَا مِنْ قَصْدِ الْكِبْرِ فَنَوَّعَهُ إلَى جَائِزٍ وَمَمْنُوعٍ قَائِلًا وَعُلُوُّ مَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ لَا عَكْسُهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثَانِيًا فِي قَصْدِ الْكِبْرِ فَقَطَعَ بِالْبُطْلَانِ فِيهِمَا وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ جَوَازِهِمَا، وَهَذَا الَّذِي سَلَكَ يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ مَعَ بَعْضِ النُّقُولِ انْتَهَى.
وَالنُّسْخَةُ الَّتِي بِاللَّامِ مُوَافِقَةٌ لِلنُّسْخَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا وَالنُّسْخَةُ الَّتِي بِالْكَافِ مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ مَا فِي التَّهْذِيبِ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى شَيْءٍ أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَإِنْ فَعَلَ أَعَادُوا أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ إلَّا الِارْتِفَاعَ الْيَسِيرَ مِثْلَ مَا كَانَ بِمِصْرَ فَتَجْزِيهِمْ الصَّلَاةُ انْتَهَى.
وَالنُّسْخَتَانِ الْأُخْرَيَانِ مُوَافِقَتَانِ لِظَاهِرِ أَصْلِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ، قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي إمَامٍ يُصَلِّي بِقَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِهَا، وَقَدْ أَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي اخْتِصَارِهِ اكْتِفَاءً مِنْهُ بِمَا بَعْدَهَا وَلَيْسَتْ بِمَعْنَاهَا اهـ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ أَرْفَعُ مِمَّا يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ خَلْفَهُ مِثْلُ الدُّكَّانِ يَكُونُ فِي الْمِحْرَابِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ قُلْت لَهُ فَإِنْ فَعَلَ قَالَ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْبَثُونَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى دُكَّانٍ يَسِيرِ الِارْتِفَاعِ مِثْلِ مَا كَانَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ تَامَّةٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ " لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ " لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ الصِّحَّةِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا

الْفَرْعَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ الَّذِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ يَعْبَثُونَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِيهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ صَلَاتِهِمْ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَعَ قَصْدِ الْكِبْرِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا أَحْدَثَهُ بَعْدَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ التَّكَبُّرِ عَنْ مُسَاوَاةِ النَّاسِ وَكَانُوا يَتَّخِذُونَ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا عَنْ مَحِلِّ مَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ تَكَبُّرًا وَعَبَثًا وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا لَوْ صَلَّى الْمُقْتَدُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ قَصْدًا لِلتَّكَبُّرِ عَنْ الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ صَلَاةَ الْقَاصِدِ إلَى ذَلِكَ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّكَبُّرِ فَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ يَسِيرًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ كَثِيرًا فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَعْلِيلِ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْبَثُونَ، وَقِيلَ بِالْبُطْلَانِ لِعُمُومِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ شَاسٍ إنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى أَرْفَعَ مِمَّا إمَامُهُ عَلَيْهِ أَوْ أَخْفَضَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى التَّكَبُّرِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ الِارْتِفَاعُ يَسِيرًا كَالشِّبْرِ وَعَظْمِ الذِّرَاعِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُرْتَفِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْبُطْلَانُ وَنَفْيُهُ وَمَأْخَذُهُمَا النَّظَرُ إلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ الْحَدِيثُ ص (أَوْ إلَى فَقْدِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ) ش وَالتَّفْرِقَةُ فَيُعْتَبَرُ قَصْدُ التَّكَبُّرِ فِي الْمَأْمُومِ وَتَبْطُلُ عَلَى الْإِمَامِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَصْدِ التَّكَبُّرِ جَمِيعًا لِلذَّرِيعَةِ، وَلَوْ قَصَدَ الْمُرْتَفِعُ مِنْهُمَا التَّكَبُّرَ لَعَصَى وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ لَفْظُ الْجَوَاهِرِ إلَّا أَوَّلَ الْكَلَامِ فَبِالْمَعْنَى وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ الْعُمُومَ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَ مِنْهُ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَصْدٍ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْإِمَامِ فِعْلٌ تَقَدَّمَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى جِهَةِ التَّكَبُّرِ فَمُنِعَ فِي الْقَاصِدِ وَغَيْرِهِ حَسْمًا لِلذَّرِيعَةِ انْتَهَى، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ قَصَدَ الْكِبْرَ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لَفْظَ التَّهْذِيبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَسْأَلَةَ التُّونُسِيُّ، وَقِيلَ لِأَبِي عِمْرَانَ هَلْ يُعِيدُ الْإِمَامُ فَقَالَ مَا هُوَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ هُنَاكَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ انْتَهَى، وَمَا قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَهَا غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْكِبْرِ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ قَصَدَ الْكِبْرَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَأْمُومِ فَقَدْ حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ نَحَا إلَى أَنَّ الْمَأْمُومِينَ لَوْ قَصَدُوا الْكِبْرَ بِفِعْلِهِمْ لَأَعَادُوا لِعَبَثِهِمْ انْتَهَى، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ بِالْبُطْلَانِ.
وَلَمْ يَحْكِيَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا كَمَا تَقَدَّمَ إذَا عَلِمْت الْحُكْمَ فِيمَا إذَا قَصَدَا الْكِبْرَ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْعُلُوِّ الْكِبْرَ فَالْمَأْمُومُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى اخْتِلَافِ النُّسَخِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَهَذَا الَّذِي سَلَكَ يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى بَعْضِ النُّقُولِ مَا نَصَّهُ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي، الْإِمَامِ فَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ فَقَالَ إنَّمَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ.
وَأَمَّا لَوْ ابْتَدَأَ لِنَفْسِهِ عَلَى دُكَّانٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى أَسْفَلَ مِنْهُ لَجَازَتْ صَلَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَا لَمْ يَقْصِدْ الْكِبْرَ وَكَذَا إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِلضِّيقِ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ فِي الَّذِي ابْتَدَأَهَا وَحْدَهُ وَكَذَا حَكَى ابْنُ يُونُسَ فِي الضِّيقِ عَنْ سَحْنُونٍ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَأَخَذَهُ فَضْلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ لَكِنْ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ لَا يَدُلُّ لِمَا قَصَدَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ التُّونُسِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَفَضْلٍ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعًا وَيَصِحُّ فَالْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ

فِي الطِّرَازِ فَإِنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا يُعْجِبُنِي عَلَى الْمَنْعِ وَذَلِكَ بَعْدَ حَمْلِ قَوْلِهِ لَا يُعْجِبُنِي عَلَى الْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةَ وَجَزَمَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِيمَنْ ابْتَدَأَهَا وَحْدَهُ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ بَلْ جَعَلَهُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ فَقَالَ.
(فَرْعٌ) لَوْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مُنْفَرِدًا فَجَاءَ رَجُلٌ فَائْتَمَّ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْصِدْ إلَى الْعَبَثِ وَالتَّكَبُّرِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ سَنَدٌ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ دَعَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ (فَرْعٌ) وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ الضَّرُورَةُ، فَأَمَّا إنْ دَعَتْ فَلَا بَأْسَ بِهِ رَوَى عَلِيٌّ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ وَبَعْضُهُمْ فَوْقَهُ وَبَعْضُهُمْ تَحْتَهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَجِدُوا بُدًّا فَذَلِكَ جَائِزٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَزْمٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
وَإِنْ ضَاقَ الْمَوْضِعُ وَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي مُرْتَفِعٍ وَلَا يَسَعُ زِيَادَةً عَلَيْهِ جَازَ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْكِبْرَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا لِكَرَاهَةٍ وَلَا يَأْبَى ذَلِكَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي بِالْبَاءِ وَاَلَّتِي بِاللَّامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا عَكْسُهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا أَوْ مَمْنُوعًا، وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُ قَوْلَهُ أَوَّلًا فِي الْمَكْرُوهَاتِ وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ بِمَنْ بِأَعْلَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَلَامُ ابْنِ نَاجِي الْمَذْكُورُ هُنَاكَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ دُخُولِ السُّيُولِ لَهُ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى سَطْحِهِ.
وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ صَحَّ تَمْشِيَتُهُ مَعَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا عُلِمَ ذَلِكَ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِالضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَبِأَنْ يَبْتَدِئَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا وَبِمَا إذَا قَصَدَ التَّعْلِيمَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَابْنُ غَازِيٍّ عَلَى وَجْهِ التَّقْيِيدِ لِلْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَقَالَ قَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُذْرِ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا.
(الثَّانِي) فِي مَعْنَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ الْعَبَثَ: هُوَ مَا يُفْعَلُ لِقَصْدِ الْكِبْرِ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبَثُونَ أَيْ يَقْصِدُونَ الْكِبْرَ وَالْجَبَرُوتَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: 128 - 129] أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ آيَةً أَيْ عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى تَكَبُّرِكُمْ تَعْبَثُونَ عَبَثًا مُسْتَغْنِينَ عَنْهُ انْتَهَى، وَقَالَ سَنَدٌ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْبِنَاءَ الْعَالِيَ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ عَبَثًا فَقَالَ عَلَى لِسَانِ بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: 128] وَمَوْضُوعُ الصَّلَاةِ يُنَافِي الْعَبَثَ وَالتَّكَبُّرَ فَإِنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى التَّمَكُّنِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الْإِعَادَةُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي السَّفِينَةِ يُصَلِّي أَهْلُهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ فَوْقُ: إنَّ الْأَسْفَلِينَ يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُعِيدُ الْإِمَامُ انْتَهَى، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ، وَكَذَلِكَ هُنَا وَانْظُرْ ذَلِكَ مَعَ مَا قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ السَّفِينَةِ وَغَيْرِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ فِي غَيْرِهَا لَا يُعِيدُونَ فِي الْوَقْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى شَرَفٍ أَوْ كُدْيَةٍ وَمَنْ خَلْفَهُ تَحْتَهُ فِي وِطَاءٍ وَذَلِكَ قَدْرٌ مُتَقَارِبٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يُعَدُّ أَرْضًا وَاحِدَةً وَمَكَانًا وَاحِدًا سِيَّمَا إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ بِخِلَافِ السَّقْفِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُمَا مَوْضِعَانِ وَمَكَانَانِ مُخْتَلِفَانِ انْتَهَى.
ص (إلَّا بِكَشِبْرٍ) ش: يَعْنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الِارْتِفَاعُ بِ كَشِبْرٍ، وَنَحْوُ الشِّبْرِ عَظْمُ الذِّرَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْكِبْرُ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ لَا عَكْسُهُ لَا كَمَا يَتَبَادَرُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَسْأَلَةِ قَصْدِ الْكِبْرِ أَوْ مَوْضِعِ قَصْدِهِ الْكِبْرَ لَا تَفْصِيلَ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ يَجُوزُ إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ تَرَدُّدٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ

مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ: لَا عَكْسُهُ سَوَاءٌ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَوْ كَانَ وَحْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَلَا كَرَاهَةَ وَيَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَلَّابِ سَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى: اُخْتُلِفَ فِي صُورَةِ ذَلِكَ هَلْ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ أَوْ سَوَاءٌ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ طَائِفَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَلَّابِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ كَغَيْرِهِمْ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ وَقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ قَالَ الشَّارِحُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا صَلَّى مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ فَخْرًا وَعَظَمَةً انْتَهَى، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ عِوَضَ قَوْلِهِ: وَاقْتِدَاءُ مَنْ بِأَسْفَلِ السَّفِينَةِ إلَى آخِرِهِ وَعُلُوُّ إمَامٍ إلَّا بِ كَشِبْرٍ أَوْ لِضَرُورَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ فَيَجُوزُ كَمَأْمُومٍ، وَلَوْ بِسَطْحٍ وَبَطَلَتْ لِقَصْدِ كِبْرٍ مُطْلَقًا وَهَلْ يَجُوزُ إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ وَلَا يُذْكَرُ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَهَلْ يَجُوزُ إلَى آخِرِهِ اكْتِفَاءً بِمَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص (وَمُسْمِعٌ وَاقْتِدَاءٌ بِهِ) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ جَوَازُ صَلَاتِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْعُلَمَاءُ مُتَوَافِرُونَ إلَى أَنْ قَالُوا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ حُجَّةٌ بَالِغَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ يَتَقَدَّمُ لَنَا هَلْ الْمُسْمِعُ نَائِبٌ وَوَكِيلٌ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ هُوَ عِلْمٌ عَلَى صَلَاتِهِ أَوْ أَنَّ الْإِذْنَ لَهُ نِيَابَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ تَسْمِيعُ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَمَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وَلَا يَنْوِي ذَلِكَ، وَأَنَّ فِي وَجِيزِ ابْنِ غَلَّابٍ عَلَى مَا نَقَلَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسْمِيعُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شَرَائِطَ الْإِمَامَةِ، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ عِلْمٌ وَمُخْبِرٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَبِالْأَوَّلِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ أَرَهَا مَنْصُوصَةً لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَالَ أَيْضًا قَبْلَهُ إثْرَ سُؤَالِ التُّونُسِيّ عَمَّنْ تَرَكَ الْوِتْرَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَعَمَّنْ جَهَرَ فِيمَا يُسَرُّ فِيهِ أَوْ الْعَكْسُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي صَلَاةِ الْمُسْمِعِ، وَذَكَرَ السِّتَّةَ أَقْوَالٍ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ فَلَا يَصِحُّ تَسْمِيعُ الْمَرْأَةِ وَلَا الصَّبِيِّ وَلَا مَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ يُسْمِعُ التَّكْبِيرَ، ثُمَّ يُنْشِئُ إحْرَامًا فَاَلَّذِي أَحْفَظُهُ عَنْ الْوَجِيزِ لِابْنِ مَخْلَدٍ أَنَّهُ اشْتَرَطَ بَعْضَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِمَا يُنَافِي الْإِمَامَةَ وَيَجْرِي عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي بَعْضُ شُيُوخِنَا وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ مُتَأَخِّرِي التُّونُسِيِّينَ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَتَجْرِي الْبَقِيَّةُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ خَاصَّةً لَا أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَمَنْ شَرَطَ إذْنَ الْإِمَامِ جَعَلَهُ خَلِيفَةً لَهُ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ انْتَهَى، وَمَا قَالَهُ: إنَّهُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا فِيمَنْ يُسْمِعُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ، وَهُوَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ قَالُوا: مَرَاتِبُ الِاقْتِدَاءِ أَرْبَعَةٌ

إمَّا رُؤْيَةُ أَفْعَالِ الْإِمَامِ أَوْ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ سَمَاعُ قَوْلِهِ أَوْ سَمَاعُ قَوْلِهِمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِمَنْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ خَارِجٌ عَنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فِي الْأَخِيرَةِ لِمَا ذُكِرَ فَيُحْمَلُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ أَيْضًا إذَا قَالَ الْمُسْمِعُ " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ " صَلَاةُ مَنْ سَمِعَهُ تَامَّةٌ وَفِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ،.
(قُلْت) مَنْ جَعَلَهُ كَالْإِمَامِ فِي أَحْكَامِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى بِالِارْتِبَاطِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَ الصَّغِيرُ وَمَنْ اقْتَدَى بِتَسْمِيعِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَوْ سَمَّعَ أَحَدٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَاحْتِيجَ إلَيْهِ.
(قُلْت) فِي كَلَامِهِ هَذَا تَدَافُعٌ فِي مَنْعِهِ تَسْمِيعَ الصَّغِيرِ ابْتِدَاءً وَصِحَّتِهِ إذَا وَقَعَ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْبَالِغِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَالْمَشْهُورُ صِحَّتُهَا مُطْلَقًا انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمُسْمِعِ سَرَى الْبُطْلَانُ إلَى صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِتَبْلِيغِهِ فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ مَسْأَلَةُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ الْمُسْمِعِ وَبَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
(قُلْت) إنْ سَمِعَ سَلَامَ الْإِمَامِ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَمَنْ سَلَّمَ حَدْسًا فَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا عَدَمَ التَّمَامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ التَّمَامَ انْتَهَى.
ص (وَشَرْطُ الِاقْتِدَاءِ نِيَّتُهُ) ش: عَدَّهَا هُنَا مِنْ شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ وَفِي فَصْلُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَنْوِيعٌ لِلْعِبَارَةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا سَوَاءٌ جُعِلَتْ فَرْضًا أَوْ شَرْطًا كَمَا صَرَّحَ بِبُطْلَانِهَا صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إنْ لَمْ يَنْوِ أَنَّهُ مُؤْتَمٌّ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرْطُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا نِيَّةُ اتِّبَاعِهِ إمَامَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمَأْمُومُ إنَّهُ مُؤْتَمٌّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ وَجَدَ إمَامًا يُصَلِّي أَوْ شَخْصًا يُصَلِّي، فَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَقْتَدِي بِهِ فَهُوَ مَأْمُومٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَنْوِ أَنَّهُ مُقْتَدٍ بِذَلِكَ الْإِمَامِ فَهُوَ مُنْفَرِدٌ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ فَفِي أَيْ صُورَةٍ يُحْكَمُ لَهُ بِأَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ وَيُحْكَمُ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ نَوَى أَنْ يَقْتَدِيَ بِشَخْصٍ آخَرَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَنَّهُ مَأْمُومٌ، وَلَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَيَرْجِعُ كَلَامُهُمْ إلَى أَنْ يُشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِهَا، فَإِنْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ وَفِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ قَوْلَهُ: فَلَا يَنْتَقِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ وَلَا بِالْعَكْسِ وَأُتِيَ بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا فَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ الْفِعْلِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِيهِ أَوْ رُكْنٌ، ثُمَّ رَأَيْت الْقَبَّابَ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَعَلَى الْمَأْمُومِ عَشْرُ وَظَائِفَ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِهِ وَكَوْنُهُ مَأْمُومًا مَا نَصُّهُ تَكَلَّمَ هُنَا عَلَى وُجُوبِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَمَا قَالَهُ تَصْحِيحٌ وَفِيهِ خِلَافٌ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَة لَوْ قَصَدَهُ مُصَلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ فَذًّا وَأَحْرَمَ وَنِيَّتُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى إمَامًا بَيْنَ يَدَيْهِ يُصَلِّي بِجَمَاعَةٍ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَيُتِمَّ خَلْفَهُ مَأْمُومًا أَمْ لَا الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ فَعَلَ، وَقِيلَ تَصِحُّ وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي إمَامٍ كَانَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ فِي السَّفَرِ فَرَأَى أَمَامَهُ جَمَاعَةً تُصَلِّي بِإِمَامٍ فَجَهِلَ وَصَلَّى بِصَلَاتِهِمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا وَأَعَادَ مَنْ وَرَاءَهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا إمَامَ لَهُمْ قَالَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ لَقِيتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ لَقِيَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ خِلَافُ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ

الِاقْتِدَاءِ فَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ شُيُوخِ شُيُوخِهِ: يَكْفِي فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ الْتِزَامًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ مَا يَنْتَظِرُ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالرُّكُوعِ أَوْ الْإِحْرَامِ لَقَالَ أَنْتَظِرُ الْإِمَامَ وَاَلَّذِي قَالَهُ وَاضِحٌ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ نَصٌّ أَوْ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا قَارَنَتْ الْأَفْعَالُ الْأَفْعَالَ بِقَصْدٍ لِذَلِكَ وَتَعَمُّدٍ لَهُ فَهَذَا مَعْنَى النِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ افْتِتَاحٍ بِهَا لِئَلَّا يَمْضِيَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ الْمُتَابَعَةَ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي مُعَارَضَةِ ذَلِكَ: إنَّ النِّيَّةَ مِنْ بَابِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ لَا مِنْ بَابِ الشُّعُورِ وَالْإِدْرَاكَاتِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا مُعَارَضَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ بِقَصْدِ الصَّلَاةِ وَقَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ لَا يُقَالُ فِيمَا فَعَلَ يُشْعِرُ بِمَجِيئِهِ إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ شَعَرَ بِانْتِظَارِهِ الْإِمَامَ، وَلَمْ يُرِدْهُ بَلْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلِائْتِمَامِ وَانْتَظَرَ الْإِمَامَ بِقَصْدٍ وَقَامَ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلدُّخُولِ لِلصَّلَاةِ وَبَقِيَ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ، كُلُّ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ وَقَصْدٍ انْتَهَى.

ص (وَلَوْ بِجِنَازَةٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ ابْنُ بَشِيرٍ مَسْأَلَةً أُخْرَى وَهِيَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَأَوْجَبَ فِيهَا عَلَى الْإِمَامِ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا وَصَرَّحَ فِي الْجَوَاهِرِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهَا انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِلْحَاقُ الْجِنَازَةِ بِالْجُمُعَةِ فِي وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ يُلْحِقُهَا بِهَا فِي نِيَّةِ الْإِمَامَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ كَانَ شَيْخُنَا الْقَرَافِيُّ يُضِيفُ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الْجَمْعَ وَالْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَهَلْ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِيهِمَا فِيهِ نَظَرٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْجِنَازَةُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا فَيُقَالُ يَنْوِي الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فِي ثَلَاثِ جِيمَاتٍ وَخَاءَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجِنَازَةِ بِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَهَذَا فَرْضٌ نَادِرٌ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْغَالِبِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ: الْجَمَاعَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهَا يُرِيدُ أَنَّهَا تَصِحُّ فُرَادَى، فَإِنْ قَصَدُوا الْجَمْعَ فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ نَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَصَاحِبِ الْمَعُونَةِ فَإِنَّهُمَا قَالَا الْجَمَاعَةُ فِيهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَشَرَطَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ فِيهَا الْجَمَاعَةَ قَالَ فَإِنْ فُعِلَتْ بِغَيْرِ إمَامٍ أُعِيدَتْ انْتَهَى.

ص (إلَّا جُمُعَةً وَجَمْعًا) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَهَذَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَا فِي كُلِّ جَمْعٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْخَوْفِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ مَا نَصُّهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَضَافَ الْجَمْعَ إلَّا الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْمُصَنَّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيّ وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ قَالَ: وَيَظْهَرُ لِي أَنْ يَلْحَقَ بِهَا جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ انْتَهَى (قُلْت) : وَكَأَنَّ ابْنَ عَطَاءِ اللَّهِ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ فَقَالَ وَعَلَى الْمَأْمُوم عَشْرُ وَظَائِفَ أَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ بِإِمَامِهِ وَكَوْنُهُ مَأْمُومًا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ إلَّا فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ كَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْجَمْعِ فَيَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَالْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَخْلَفُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ: قَوْلُهُ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْجَمْعِ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - جَمْعَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَأَمَّا جَمْعُ عَرَفَةَ أَوْ جَمْعُ الْمُسَافِرِ يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ فَيُقَدَّمُ أَوْ جَمْعُ الْمَرِيضِ يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ بِدُونِ جَمَاعَةٍ انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ إلَّا فِي جَمْعِ الْمَطَرِ وَبِهِ قَيَّدَ ابْنُ غَازِيٍّ إطْلَاقَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الْجَمْعَ، وَلَمْ أَقِفْ

عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ وَلَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.

ص (وَخَوْفًا) ش: يَعْنِي أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إذَا صَلَّيْت بِطَائِفَتَيْنِ فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَرَضَ عَلَى مَنْ جَعَلَ ضَابِطَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ فَقَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِخْلَافِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ أَتَمُّوا فُرَادَى صَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْخَوْفِ لَوْ صَلَّى كُلٌّ لِنَفْسِهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ انْتَهَى.
(قُلْت) لَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَلَاتِهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِخْلَافِ الْجَمَاعَةُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَ الْإِمَامِ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ.

ص (وَمُسْتَخْلَفًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَأْمُومًا فَطَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ عُذْرٌ فَاسْتَخْلَفَهُ لِيُكْمِلَ الصَّلَاةَ بِالْمَأْمُومِينَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ لِيُمَيِّزَ نِيَّةَ الْمَأْمُومِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ لَكِنْ قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهَا مَا قَالَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا طَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ عُذْرٌ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ وَصَلَّى الْقَوْمُ أَفْذَاذًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يَقُولُ: إنْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِي الِاسْتِخْلَافِ بِلَازِمَةٍ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْيِيدِ الَّذِي قَيَّدْنَاهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْقَاضِيَ عِيَاضًا وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْإِمَامَ إلَّا فِيمَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِالْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الِاسْتِخْلَافِ مَا نَصَّهُ (قُلْت) وَفِي قَوْلِهِ الِاسْتِخْلَافَ مَعَ ابْنِ بَشِيرٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ كَمُؤْتَمٍّ بِهِ ابْتِدَاءً لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ أَفْذَاذًا انْتَهَى.

ص (كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَاخْتَارَ فِي الْأَخِيرِ خِلَافَ الْأَكْثَرِ) ش: لَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّهُ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَائْتَمَّ بِهِ أَنَّهَا لَهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ، الشَّيْخَ يَعْنِي نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يَصِيرُ لَهُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) أَلْزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُعِيدَهَا هَذَا الْمُؤْتَمُّ بِهِ الَّذِي لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَسَلَّمَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَحْوَهُ وَنَصُّهُ عِنْدَ قَوْلٍ الْمُصَنِّفِ كَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ ابْنُ عَرَفَةَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي جَمَاعَةٍ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الظَّاهِرُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ، ثُمَّ دَخَلَ شَخْصٌ خَلْفَهُ فَنَوَى أَنْ يَؤُمَّهُ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِي قَوْلِهِمْ وَلَا يَنْتَفِلُ مُنْفَرِدٌ لِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى فَذًّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ لِفَوَاتِ مَحِلِّ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ.
(الثَّالِثُ) يُضَافُ لِمَا ذُكِرَ: الْإِمَامُ الرَّاتِبُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا نَوَى الْإِمَامَةَ.

(الرَّابِعُ) ذُكِرَ فِي سَمَاعِ مُوسَى أَنَّ مَنْ أَمَّ نِسَاءً تَمَّتْ صَلَاتُهُنَّ إنْ نَوَى إمَامَتَهُنَّ فَأَخَذَ ابْنُ زَرْقُونٍ وُجُوبَ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي إمَامَةِ النِّسَاءِ وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ مُقَابِلًا لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنَّهُ يَرَى وُجُوبَ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَوَجَّهَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْإِمَامَ ضَامِنٌ بِأَنَّهُ تَحَمَّلَ الْقِرَاءَةَ وَلَا ضَمَانَ وَلَا حَمْلَ إلَّا بِنِيَّةٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ، وَسَمِعَ مُوسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ أَمَّ نِسَاءً تَمَّتْ صَلَاتُهُنَّ إنْ نَوَى إمَامَتَهُنَّ فَأَخَذَ مِنْهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وُجُوبَهَا فِي

إمَامَةِ النِّسَاءِ انْتَهَى.
ص (وَمُسَاوَاةٌ فِي الصَّلَاةِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ

[فَرْعٌ دَخَلَ مَعَ قَوْمٍ فِي صَلَاةِ عَلَى أَنَّهَا الظُّهْرُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ]

(فَرْعٌ) مَنْ دَخَلَ مَعَ قَوْمٍ يَظُنُّهُمْ فِي الظُّهْرِ فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ لِمَالِكٍ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَقْطَعُ بِتَسْلِيمٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاتَيْنِ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ إنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَشْفَعْ بِأُخْرَى قَالَ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَذْكُرُ الظُّهْرَ، وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ يُصَلِّي الْعَصْرَ أَنَّهُ يَتَمَادَى مَعَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ قَالَ، وَلَوْ عَلِمَ سَاعَةَ دَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ أَنَّهَا الْعَصْرُ لَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ إلَى تَمَامِ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الثَّانِي، وَلَمْ يُتِمَّ مَعَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْمُوقِنَ إذَا ائْتَمَّ بِالشَّاكِّ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي بَابِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ: وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي رَجُلَيْنِ شَكَّ أَحَدُهُمَا فِي ظُهْرِ أَمْسِ، وَذَكَرَ الْآخَرُ نِسْيَانَهُ إنَّ الْمُوقِنَ إذَا ائْتَمَّ بِالشَّاكِّ أَعَادَ الْمَأْمُومُ خَاصَّةً، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمُوقِنُ أَجْزَأَتْهُمْ انْتَهَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ) ش: قَالَ بَهْرَامُ فِي الصَّغِيرِ هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَيْ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَتَّحِدَا فِي الْقَضَاءِ وَالْمُقْتَدَى بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْأَوْسَطِ: أَيْ وَمِمَّا هُوَ شَرْطٌ فِي الِاقْتِدَاءِ أَنْ تَتَّحِدَ صَلَاتَا الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فَلَا يُصَلِّي فَائِتَةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي وَقْتِيَّةً وَلَا الْعَكْسُ وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا فَائِتَةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي ظُهْرًا فَائِتَةً، وَلَوْ كَانَا مِنْ يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَهُمَا مُتَّحِدَتَانِ فِي الْفَوَاتِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى، وَقَالَ سَنَدٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْكَبِيرِ وَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَيْنِ الشَّرْحَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَفِي ظُهْرَيْنِ مِنْ يَوْمَيْنِ، أَيْ إذَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ ظُهْرٌ فَائِتَةٌ مِنْ يَوْمٍ وَعَلَى الْمَأْمُومِ ظُهْرٌ فَاتَهُ مِنْ يَوْمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسَاوِي الْيَوْمَيْنِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيسَى لَمْ يَقُلْ بِهِ وَنَصُّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ " فِي رَسْمِ جَاعٍ " قَالَ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَوْمَ إذَا نَسُوا الظُّهْرَ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَاجْتَمَعُوا فَأَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَنَا أَسْتَحْسِنُهُ وَآخُذُ بِهِ وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْوَادِي» وَالسَّاهِي كَالنَّائِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ كَانَتْ ظُهْرُهُمْ مِنْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا، وَإِنَّمَا يَجْمَعُونَ إذَا نَسُوا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ قَالَ عِيسَى وَالْإِعَادَةُ فِي هَذَا عَلَى الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلُهُ، وَلَوْ كَانَتْ ظُهْرُهُمْ مِنْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مَعْنَاهُ مِنْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَعْلَمُونَهَا بِأَعْيَانِهَا، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً لَا يَدْرِي مِنْ السَّبْتِ أَوْ الْأَحَدِ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ صَلَاةَ السَّبْتِ وَصَلَاةَ الْأَحَدِ وَأَمَّا عَلَى مَنْ لَا يُرَاعِي التَّعْيِينَ وَيَقُولُ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً يَنْوِي بِهَا الْيَوْمَ الَّذِي تَرَكَهَا فِيهِ كَانَ الظُّهْرُ أَوْ الْعَصْرُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً وَإِنْ كَانَتْ ظُهْرُهُمْ مِنْ أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ انْتَهَى، كَذَا رَأَيْت هَذَا الْكَلَامَ فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْبَيَانِ أَعْنِي كَلَامَ عِيسَى وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ، وَلَمْ يَنْفِ فِي كَلَامِ عِيسَى الْإِعَادَةَ إلَّا عَنْ الْإِمَامِ لَكِنْ فِي نَقْلِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ عَنْهُ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا إعَادَةَ فِي هَذَا عَلَى إمَامٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَذَكَرَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ فَعَلَا لَمْ تُجْزِ إلَّا الْإِمَامَ وَحْدَهُ، قَالَ سَنَدٌ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَقْيَسُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنَعَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَأَنْتَ تَرَى الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ سَنَدٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بَلْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَرَجَّحَهُ سَنَدٌ، وَقَالَ: إنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعِيسَى لَمْ يَقُلْ بِالْجَوَازِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا نَفَى الْإِعَادَةَ فَقَطْ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَصَاحِبُ النَّوَادِرِ، وَأَمَّا مَا فِي الْبَيَانِ فَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَاهَا عَنْ الْإِمَامِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ ابْتِدَاءً إلَّا

إجْرَاءَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ مُشْكِلٌ فَتَأَمَّلْهُ فَتَحْصُلُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الرَّاجِحُ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى نَقْلِ كَلَامِهِ فَقَطْ وَنَصَّهُ فِي شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ الصَّقَلِّيِّ وَفِي الْمَنْسِيِّ اتِّحَادُ يَوْمِهَا انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ ظُهْرَانِ فَإِنْ كَانَ مِنْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَيُخْتَلَفُ إنْ فَعَلَا هَلْ يُجْزِئُ الْمَأْمُومَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَا مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ جَازَ انْتَهَى.

ص (إلَّا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَنْعَ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ مَا نَصَّهُ الْمَازِرِيُّ، وَعَكْسُهُ جَائِزٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ بِأَرْبَعٍ أَوْ فِي السَّفَرِ انْتَهَى.
وَالتَّنَفُّلُ بِأَرْبَعٍ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا ذَكَرَ فِي قَوَاعِدِهِ أَنَّ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ النَّافِلَةِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي التَّلْقِينِ وَالِاخْتِيَارِ فِي النَّفْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ النَّافِلَةِ مَا نَصُّهُ: وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، قَالَ ابْنُ نَاجِي هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَدَدُ النَّوَافِلِ رَكْعَتَانِ لَيْلًا وَنَهَارًا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ إلَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ فِي جَوَازِ مَثْنَى مَثْنَى وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يَعْنِي السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى، وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ الْأُوَلِ، أَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَفِيفٌ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَقَدْ قَالَ سَنَدٌ فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ الصِّيَامِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِيمَنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ مَعَ الْإِمَامِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي بَيْتِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ الْوِتْرَ، ثُمَّ يَشْفَعَ بِأُخْرَى، قَالَ وَلَا يَضُرُّهُ جُلُوسُهُ عَلَى رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِحُكْمِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ كَمَا يَتَنَفَّلُ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا بِحُكْمِ الْمُتَابَعَةِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ ائْتِمَامِ نَاذِرِ رَكْعَتَيْنِ بِمُتَنَفِّلٍ]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَازِرِيُّ تَرَدَّدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ائْتِمَامِ نَاذِرِ رَكْعَتَيْنِ بِمُتَنَفِّلٍ وَخَرَّجَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى إمَامَةِ الصَّبِيِّ وَرُدَّ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ انْتَهَى.
ص (كَالْعَكْسِ) ش: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَائِلِ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ عُذْرٌ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ وَأَتَمَّ الْمَأْمُومُونَ أَفْذَاذًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا أَفْذَاذًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمُتَابَعَةٌ فِي إحْرَامٍ وَسَلَامٍ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَائِدَةٌ) تَقَدَّمَ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَجَهَرَ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ فَقَطْ عَنْ النَّوَادِرِ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ: إنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْزِمَ تَحْرِيمَهُ وَتَسْلِيمَهُ وَلَا يَمْطُطْهُمَا لِئَلَّا يَسْبِقَهُ بِهِمَا مَنْ وَرَاءَهُ، وَمَعْنَى الْجَزْمِ الِاخْتِصَارُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَيَخْطَفُ الْإِمَامُ إحْرَامَهُ وَسَلَامَهُ لِئَلَّا يُشَارِكَهُ الْمَأْمُومُ فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ.
(قُلْت) وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا فِقْهُ الْإِمَامِ وَثَانِيَتُهَا تَقْصِيرُ الْجُلُوسِ الْوَسَطُ وَثَالِثَتُهَا دُخُولُ الْإِمَامِ الْمِحْرَابَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِقَامَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ.

[فَرْعٌ وَيُحْرِمُ الْإِمَامُ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْإِرْشَادِ وَيُحْرِمُ الْإِمَامُ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ وَيَرْفُقُ بِهِمْ وَيُشْرِكُهُمْ فِي دُعَائِهِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ أَمَّا إحْرَامُهُ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ فَمُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْمُسْتَحَبَّ فَقَطْ، وَأَمَّا رِفْقُهُ بِهِمْ فَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَأَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي دُعَائِهِ، وَرُوِيَ " إنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ فَقَدْ خَانَهُمْ " انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق أَيْضًا - خَاتِمَةٌ - مِنْ جَهْلِ الْإِمَامِ الْمُبَادَرَةُ لِلْمِحْرَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْإِقَامَةِ وَالتَّعَمُّقُ فِي الْمِحْرَابِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَالتَّنَفُّلُ بِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَكَذَا الْإِقَامَةُ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

«أَسْمَعُ الدُّعَاءِ جَوْفُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» . وَخَرَّجَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَا يَجْتَمِعُ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ فَيَدْعُو بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمْ» ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ كَوْنَ الدُّعَاءِ بَعْدَهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَعْهُودَةِ مِنْ تَأْمِينِ الْمُؤَذِّنِ بِوَجْهٍ خَاصٍّ وَأَجَازَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَقَدْ أَلَّفَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِيهِ وَرَامَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَصْحَابُهُ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي الْكَرَاهَةَ عَنْ الْقَرَافِيِّ.
ثُمَّ قَالَ وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِأَفْرِيقِيَّةِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ يَنْصُرُهُ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْجَامِعِ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّين عَنْ الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَمُسْتَحَبَّةٌ أَمْ لَا؟ وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ السَّلَامِ مُسْتَحَبٌّ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَهَلْ يَلْتَفِتُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ أَمْ يَدْعُو مُسْتَقْبِلًا لَهَا؟ وَهَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ أَوْ يَخْفِضُ؟ وَهَلْ يَرْفَعُ الْيَدَ أَمْ لَا فِي غَيْرِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَهُ فِيهَا؟ (فَأَجَابَ) الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ مِنْ الْبِدَعِ إلَّا لِقَادِمٍ يَجْتَمِعُ بِمَنْ يُصَافِحُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمُصَافَحَةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الْقُدُومِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَأْتِي بَعْدَ السَّلَامِ بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَيَسْتَغْفِرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» . وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْصَرِفَ عَقِبَ السَّلَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي: قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: إذَا نَزَلَ بِالنَّاسِ نَائِبَةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ بِالدُّعَاءِ وَرَفْعِ الْأَيْدِي انْتَهَى.

ص (لَا الْمُسَاوَقَةُ) ش: قَالَ الشَّارِحُ: الْمُسَاوَقَةُ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُ الْمَأْمُومِ تَابِعَةً لِأَفْعَالِ الْإِمَامِ وَمِنْهُمْ مِنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْمُلَاحَقَةِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَيَانِ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ ابْتَدَأَهُ بَعْدَهُ فَأَتَمَّهَا مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَسْكُتَ الْإِمَامُ قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ إمَامُهُ بِحَرْفٍ بَطَلَتْ، ثُمَّ قَالَ قُلْت مَفْهُومُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ بَدَأَ بَعْدَ بَدْئِهِ التَّكْبِيرَ صَحَّ، وَإِنْ أَتَمَّ مَعَهُ، وَعُمُومُ مَفْهُومِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ لَمْ يَسْبِقْهُ إمَامُهُ بِحَرْفٍ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ فِي التَّمَامِ، وَالْأَظْهَرُ بُطْلَانُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ كُلُّ التَّكْبِيرِ لَا بَعْضُهُ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَتَأَخَّرَ عَنْهُ أَيْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِمَامِ الْمَأْمُومُ فِي التَّمَامِ وَمَا قَالَهُ مِنْ الْبُطْلَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْبِسَاطِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا أَتَمَّهَا قَبْلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بَعْدَهُ كَافٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي الْجَلَّابِ إنْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ فِي أَضْعَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ لَمْ يُجِزْهُ انْتَهَى.
ص (لَكِنَّ سَبْقَهُ مَمْنُوعٌ) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: الْمَنْصُوصُ عِنْدَنَا إنْ سَبَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ بِفِعْلِ الرُّكْنِ وَعَقَدَهُ قَبْلَهُ فَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُ الْإِمَامُ قَبْلَ كَمَالِهِ فَقَوْلَانِ الْمَشْهُورُ الصِّحَّةُ وَهِيَ عِنْدِي تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَرَكَةِ إلَى الْأَرْكَانِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ لِنَفْسِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا؟ فَلَا تُجْزِئُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَفْلَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ وَالْكَبِيرِ مَا نَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَعْمَى يُصَلِّي خَلْفَ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ سُجُودِهِ وَيُسَبَّحُ بِهِ فَلَا يَفْطِنُ حَتَّى إذَا قَضَى صَلَاتَهُ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، قَالَ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَمِنْ الْبُرْزُلِيِّ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ رَكَعَ فَرَكَعَ، ثُمَّ رَكَعَ إمَامُهُ فَمَنْ أَعَادَ رُكُوعَهُ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَقِيَ رَاكِعًا حَتَّى لَحِقَهُ الْإِمَامُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَلَمْ يُعِدْ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ.
(قُلْت) لِأَنَّهُ عَقَدَ رُكْنًا فِي نَفْسِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِذَا رَكَعَ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ مِنْ

الرُّكُوعِ مَعَهُ قَدْرَ الْوَاجِبِ فَهُوَ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى، فَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ إمَامِهِ سَاهِيًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ أَوْ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَإِنْ رَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِاتِّبَاعِ إمَامِهِ إنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّاعِسِ وَالْغَافِلِ يَفُوتُهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ فَيَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ وَقَعَ مِنْ رُكُوعِهِ فَقَدْ تَبِعَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِهِ بِمِقْدَارِ فَرْضِهِ أَوْ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ، فَإِنْ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ عِنْدِي حُكْمُ مَنْ رَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبِعَ الْإِمَامَ فِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَرُكُوعُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبِعَ أَمَامَهُ فِي فَرْضِهِ، ثُمَّ قَالَ - مَسْأَلَةٌ - وَهَذَا فِي الرَّفْعِ، فَأَمَّا الْخَفْضُ قَبْلَ الْإِمَامِ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مِقْدَارَ فَرْضِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِي خَفْضِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا مِقْدَارَ فَرْضِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لِاتِّبَاعِ إمَامِهِ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ انْتَهَى.
وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ قِيلَ لِسَحْنُونٍ: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ فَيَسْجُدُ قَبْلَهُ وَيَرْكَعُ قَبْلَهُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا قَالَ صَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَقَدْ أَخْطَأَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَعْدُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا إذَا سَجَدَ قَبْلَهُ وَرَكَعَ قَبْلَهُ فَأَدْرَكَهُ الْإِمَامُ بِسُجُودِهِ وَرُكُوعِهِ، وَهُوَ رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ فَرَفَعَ بِرَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ رَفَعَ قَبْلَهُ، وَأَمَّا إنْ رَكَعَ وَرَفَعَ وَالْإِمَامُ وَاقِفٌ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ وَيَسْجُدَ وَرَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَيْضًا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الْإِمَامُ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَاخْتُلِفَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَقِيلَ: تُجْزِئُهُ الرَّكْعَةُ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُهُ، وَقَدْ بَطَلَتْ عَلَيْهِ فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
ص (وَأَمْرُ الرَّافِعِ بِعَوْدِهِ إنْ عَلِمَ إدْرَاكَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ لَا إنْ خَفَضَ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ نُقُولِهِمْ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ إدْرَاكَ الْإِمَامِ فِيمَا فَارَقَهُ مِنْهُ اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الرَّافِعُ وَالْخَافِضُ فِي الْأَمْرِ بِالْعَوْدِ وَلَمْ تَخْتَلِفْ الطُّرُقُ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ إدْرَاكَهُ بِخِلَافِ مَا تُعْطِيهِ عِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مِنْ مُسَاوَاةِ الْخَافِضِ لِلرَّافِعِ فِيمَا إذَا عَلِمَ إدْرَاكَ إمَامِهِ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، قَالَ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الَّذِي يَسْبِقُ الْإِمَامَ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ يَسْجُدُ الْإِمَامُ، وَهُوَ سَاجِدٌ أَيَثْبُتُ عَلَى سُجُودِهِ أَمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى يَكُونَ سُجُودُهُ بَعْدَ الْإِمَامِ فَقَالَ: بَلْ يَثْبُتُ كَمَا هُوَ عَلَى سُجُودِهِ إذَا أَدْرَكَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ سَاجِدٌ، قَالَ الْقَاضِي وَمِثْلُ هَذَا الَّذِي يَسْبِقُ الْإِمَامَ بِلَا رُكُوعٍ يَرْجِعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ الْإِمَامُ، فَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ، وَهُوَ رَاكِعٌ ثَبَتَ عَلَى رُكُوعِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ رُكُوعُهُ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَلَا كَلَامَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ بِالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَسْبِقُ الْإِمَامَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَرْجِعُ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا حَتَّى يَكُونَ رَفْعُهُ مَعَ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَلْحَقَهُ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ فَيَثْبُتُ مَعَهُ بِحَالِهِ وَلَا يَعُودُ إلَى الرُّكُوعِ وَلَا إلَى السُّجُودِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ رَأَيْت لَهُ نَحْوَهُ فِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؟ هَذَا التَّحْوِيلُ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ عَلَى سَبِيلٍ مَجَازِيٍّ فَإِنَّ الْحِمَارَ مَوْصُوفٌ بِالْبَلَادَةِ وَيُسْتَعَارُ هَذَا الْمَعْنَى لِلْجَاهِلِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، قَالَ وَرُبَّمَا يُرَجِّحُ هَذَا الْمَجَازُ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ لَمْ يَقَعْ مَعَ كَثْرَةِ

رَفْعِ الْمَأْمُومِينَ قَبْلَ الْإِمَامِ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقِيلَ الْمُرَادُ تَحْوِيلُ صُورَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيُحْشَرَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَلَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ بْنُ فَضْلِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَعَلَ ذَلِكَ امْتِحَانًا فَحَوَّلَ اللَّهُ تَعَالَى رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، وَكَانَ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ خَلْفَ سِتْرٍ حَتَّى لَا يَبْرُزَ لِلنَّاسِ، وَكَانَ يُفْتِي مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ انْتَهَى.

[فَرْعٌ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ لِحُسْنِ صَوْتِهِ]

ص (وَنَدْبُ تَقْدِيمِ سُلْطَانٍ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَرْعٌ) ، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ لِحُسْنِ صَوْتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ رُشْدٍ: وَتَقْدِيمُ الْحَسَنِ الصَّوْتِ عَلَى كَثِيرِ الْفِقْهِ مَحْذُورٌ وَعَلَى مُسَاوِيهِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهَا مَزِيَّةٌ خُصَّ بِهَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد» انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي " رَسْمِ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ " مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ هَذَا زَبَدَتُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْجَامِعِ: حُسْنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مَوْهِبَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَطِيَّةٌ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الصَّوْتِ مِمَّا يُوجِبُ الْخُشُوعَ وَرِقَّةَ الْقُلُوبِ وَيَدْعُو إلَى الْخَيْرِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1] حُسْنُ الصَّوْتِ انْتَهَى.
ص (كَوُقُوفِ ذَكَرٍ عَنْ يَمِينِهِ) ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ اُنْظُرْ لَوْ أَقَامَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ هَلْ الْإِمَامُ يَتَقَدَّمُ أَمْ الرَّجُلُ يَتَأَخَّرُ، قَالَ رَأَيْنَا بَعْضَ أَهْلِ الْفَضْلِ صَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَخَّرَهُ عَنْ يَمِينِهِ انْتَهَى ص (وَنِسَاءٌ خَلْفَ الْجَمِيعِ) ش: قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي مَرَاتِبِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ: الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ امْرَأَةٌ أَوْ نِسَاءٌ فَيَقِفْنَ وَرَاءَهُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْ النِّسْوَةِ أَنْ يَؤُمَّهُنَّ لِلْخَلْوَةِ بِهِنَّ، وَهُوَ مَعَ الْوَاحِدَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ لَا رِجَالَ مَعَهُنَّ إذَا كَانَ صَالِحًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ: وَالْخُنْثَى يَكُونُ بَيْنَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ مُخْتَصَرِهِ ص (وَرَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا) ش: قَالَهُ فِي الصَّلَاةِ الْأُوَلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظِ الْأُمِّ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل