مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 481-520
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابِ الطَّهَارَةِ

صفحات 481-520
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

انْتَهَى وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ قَالَهُ اللَّخْمِيّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ انْتَهَى وَيُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ كَمَا قَالُوا وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الدَّمِ لِلْبِنَاءِ أَنْ يَكُونَ مَسِيرُهُ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ انْتَهَى وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الضَّرُورَةَ هُوَ كَوْنُ الْمَاءِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِلَا عُذْرٍ وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلُهُ وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَسَنَد.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَخْرُجُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ سَوَاءٌ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي خُرُوجِهِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ مَا أَمْكَنَهُ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ قَوْلٌ بَعِيدٌ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الشُّيُوخِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ غَالِبًا وَنَحْوُهُ لِصَاحِبِ الْجَمْعِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ (الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ أَوَّلُهُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ مُخَالِفٌ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ بِالْبُطْلَانِ (الثَّالِثُ) إذَا وَجَدَ مَاءً قَرِيبًا لَكِنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ إذَا خَرَجَ إلَيْهِ وَفِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ مَاءٌ أَبْعَدُ مِنْهُ فَهَلْ يَذْهَبُ إلَى الْمَاءِ الْقَرِيبِ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَوْ يَذْهَبُ إلَى الْأَبْعَدِ وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمَكَانِ الْقَرِيبِ وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ أَخَفُّ مِنْ كَثْرَةِ الْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَوْلُهُ وَيَطَأُ نَجَاسَةً هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ لَا يَطَأَ فِي مَشْيِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ غَيْرُ مُتَكَلِّمٍ وَلَا مَاشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ فَإِنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ فَثَالِثُهَا يَبْطُلُ فِي الْمُضِيِّ لَا فِي الْعَوْدِ إلَيْهَا وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ (وَلْنَذْكُرْ نُصُوصَ الْمَذْهَبِ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إنْ وَطِئَ عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ اُنْتُقِضَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ إنْ مَشَى عَلَى قَشَبٍ يَابِسٍ فَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ تُنْتَقَضُ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا تُنْتَقَضُ وَأَمَّا مَشْيُهُ فِي الطَّرِيقِ لِغَسْلِ الدَّمِ وَفِيهَا أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَلَا تُنْتَقَضُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ لِغَسْلِ الدَّمِ كَمَا يُضْطَرُّ لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ إلَى الْمَشْيِ عَلَى الْقَشَبِ قَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ انْتَهَى.
قَالَ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ قَالُوا: إنْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ وَكَانَتْ رَطْبَةً بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ أَيْ عُذْرَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَشَبِ الْيَابِسِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي إذَا مَشَى عَلَيْهَا غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا وَأَمَّا إذَا تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَتْ الْعُذْرَةُ رَطْبَةً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْبُطْلَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَلَّابٍ النَّجَاسَةُ الرَّطْبَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى إبْطَالِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْعُذْرَةُ الرَّطْبَةُ لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا لَا تُبْطِلُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْبَوْلَ رَطْبٌ، قَالَ: وَأَمَّا عَدَمُ الْبُطْلَانِ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَمُعَلَّلٌ بِضَرُورَةِ الْمَشْيِ عَلَيْهَا لِكَثْرَتِهَا فِي الطُّرُقَاتِ وَلِلِاخْتِلَافِ أَيْضًا فِي نَجَاسَتِهَا وَأَمَّا الدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَزِبْلُ الْكِلَابِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَغَيْرُ مُغْتَفَرٍ ثُمَّ قَالَ: (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) أَطْلَقَ الْمُؤَلَّفُ الْقَوْلَ فِي النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، (الثَّانِي) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي الْكَلَامِ يَجْرِيَ فِي الْمَشْيِ عَلَى النَّجَاسَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ أَرَ فِي مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ إلَّا الْقَوْلَيْنِ يُرِيدُ فِي الْقَشَبِ الْيَابِسِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ

مُوَافِقٌ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ فَانْظُرْ نُصُوصَ الْمُتَقَدِّمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَأَمَّا مَشْيُهُ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطَّرِيقِ وَمُبَاشَرَتُهُ لِغَسْلِ الدَّمِ فَمُغْتَفَرٌ قَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشْيَهُ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا غَيْرُ مُبْطِلٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ وَلَوْ كَانَتْ رَطْبَةً كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَمَنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَمْعِ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا خِلَافَ فِيمَا إذَا مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ أَنَّهُ لَا يُبْنَى وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ وَذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالنَّجَاسَةُ الْمُرَادَةُ هِيَ الْعُذْرَةُ وَأَمَّا أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا فَيُبْنَى إذَا مَشَى عَلَيْهَا مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَخْلُو مِنْهَا وَلِلْخِلَافِ فِيهَا وَلِذَلِكَ رَاعَاهُ مَالِكٌ وَقَالَ مَنْ وَطِئَ بِخُفَّيْهِ أَوْ نَعْلَيْهِ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ الرَّطْبَةِ وَأَبْوَالِهَا وَصَلَّى بِهَا الْمَسْأَلَةُ يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةِ الْخُفِّ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَابِ الْمَعْفُوَّاتِ قُلْتُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا وَطِئَهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لِعُمُومِهَا وَانْتِشَارِهَا فِي الطَّرِيقِ وَأَمَّا إنْ وَطِئَهَا عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِسَعَةِ الطَّرِيقِ وَعَدَمِ عُمُومِهَا وَإِمْكَانِ عُدُولِهِ عَنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الضَّرُورَةُ (الثَّانِي) مُبَاشَرَتُهُ لِغَسْلِ الدَّمِ مِنْ أَنْفِهِ مُغْتَفَرٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْجَمْعِ وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْعُذْرَةِ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَزِبْلِ الْكِلَابِ وَالدَّجَاجِ الَّتِي تَأْكُلُ النَّجِسَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ وَكَذَا إنْ كَانَتْ يَابِسَةً وَوَطِئَهَا عَامِدًا كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً وَوَطِئَهَا سَهْوًا فَفِيهَا الْخِلَافُ حَكَى الْمُتَقَدِّمُونَ فِيهَا قَوْلَيْنِ بِالْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْبُطْلَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ الْمُصَلَّى فِي صَلَاتِهِ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ أَرَ مَنْصُوصًا فِي مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ إلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ وَالْمَشْيَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُسْتَوِيَانِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مَشْيُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ مِثْلُ كَلَامِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَلَمْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِمَا إذَا عَلِمَ قَبْلَ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ وَطِئَ نَجَاسَةً سَهْوًا وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا ظَاهِرٌ (الرَّابِعُ) الْقَشْبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْعُذْرَةُ الْيَابِسَةُ هَكَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا عَلِمَ هَذَا فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عُمُومِهِ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا فِي الشَّامِلِ وَقَوْلُهُ وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَإِنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فَحَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِيهِ قَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْنِي لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا جَاءَتْ فِي بِنَاءِ الرَّاعِفِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَخُصَّ نَاسِيًا مِنْ مُتَعَمِّدٍ وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يَبْنِي وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ وَالْإِمَامُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ قُلْتُ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ عَلَى حُكْمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الرَّاعِفِ وَالْأَوَّلُ قَصَرَ الرُّخْصَةَ عَلَى مَحِلِّ وُرُودِهَا وَأَيْضًا إذَا حَصَلَ الْكَلَامُ كَثُرَتْ الْأَفْعَالُ الْمُنَافِيَةُ لِلصَّلَاةِ وَوَجَّهَ صَاحِبُ الطِّرَازِ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ لَمَّا كَانَتْ مُنَافِيَةً لِحَالِ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُصَلِّينَ إلَّا تَرْكُ الْكَلَامِ فَقَطْ فَإِذَا انْخَرَمَ هَذَا الْوَصْفُ انْسَلَبَتْ عَنْهُ سَائِرُ صِفَاتِ الْمُصَلِّينَ وَخَرَجَ مِنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ يُونُسَ ثَالِثًا عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ فِي ذَهَابِهِ أُبْطِلَ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي رُجُوعِهِ لِلصَّلَاةِ لَمْ تُبْطَلْ قَالَ

ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ رَاجِعًا فَهُوَ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ كَلَامَهُ سَهْوًا فِي إضْعَافِ الصَّلَاةِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي انْصِرَافِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَغِلٌ بِغَسْلِ الدَّمِ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَائِمٌ سَوَاءٌ تَكَلَّمَ فِي سَيْرِهِ أَوْ فِي رُجُوعِهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ رَابِعًا عَكْسَ الثَّالِثِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ فِي مَسِيرِهِ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي عَوْدَتِهِ بَطَلَتْ وَلَمْ يَعْزُوَاهُ انْتَهَى.
قُلْتُ عَزَوْهُ لِابْنِ بَشِيرٍ سَهْوًا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَهُ عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاعْتَرَضَهُ فَقَالَ: وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ الثَّالِثَ مَعْكُوسًا خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَوْلُ خَلِيلٍ حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَهُمْ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ عَلَى أَنَّهُ رَابِعٌ بَلْ قَالَ: فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا فَفِي الْبُطْلَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَلِذَلِكَ قَوَّى الظَّنَّ بِأَنَّهُ وَهْمٌ فِي النَّقْلِ وَكَذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ وَهْمٌ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَرَادَ نَقْلَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ بَشِيرٍ فَوَهَمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) نَسَبَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ بِالْكَلَامِ سَهْوًا مُطْلَقًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَنَسَبَ الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الذَّهَابِ أَوْ فِي الرُّجُوعِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ فَلَعَلَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ سَهْوًا وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ سَهْوًا لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِخْلَافِ: وَإِنْ قَالَ: يَا فُلَانُ تَقَدَّمْ فَإِنْ كَانَ رَاعِفًا فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَبْنِي انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَكِنْ قُوَّةَ الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَمْدًا وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي بَابِ الرُّعَافِ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَإِنْ رَعَفَ الْإِمَامُ فَلَمَّا خَرَجَ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَكَلَّمَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ لِلْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: لَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَلَوْ سَهْوًا مَعْنًى لِأَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ عَدَمِيَّةٌ مَجْمُوعُهَا مَلْزُومُ الصِّحَّةِ وَضِدُّ أَحَدِهَا مَلْزُومٌ لِضِدِّ الصِّحَّةِ وَالْمُبَالَغَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي هَذَا فَتَأَمَّلْهُ قُلْتُ بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ لِذَلِكَ فَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ فِي الْبِنَاءِ عَدَمَ الْكَلَامِ بَالَغَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ سَهْوًا فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) لَوْ تَكَلَّمَ عَمْدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَيُمْنَعُ الْبِنَاءُ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) اُخْتُلِفَ فِي الْمَأْمُومِ إذَا انْصَرَفَ لِغَسْلِ الدَّمِ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، (الثَّالِثُ) إنْ رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مَعَهُ رَكْعَةً خَرَجَ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حُكْمِهِ، (الرَّابِعُ) النَّظَرُ إلَى مَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُهُ فَإِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَانَ فِي حُكْمِهِ حَالَ خُرُوجِهِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً حِينَ خُرُوجِهِ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ خُرُوجِهِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ حَتَّى يَرْجِعَ يَقُولُ: إنْ أَفْسَدَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعْ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ سَهْوًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَمْ يَحْمِلْ عَنْهُ ذَلِكَ الْإِمَامُ خِلَافَ أَصْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَإِنْ ظَنَّ الْإِمَامُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَوْ مَضَى لَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَمْ يَلْزَمْهُ سَهْوُهُ وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِهِ يَقُولُ: إنْ أَفْسَدَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا فَسَدَتْ عَلَيْهِ هُوَ صَلَاتُهُ وَإِنْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ مَضَى لَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ لَزِمَهُ سَهْوُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا حَمَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ خِلَافَ أَصْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمَذْكُورِ وَإِنْ قَرَأَ الْإِمَامُ بِسَجْدَةٍ فَسَجَدَهَا فَرَجَعَ هُوَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأهَا وَيَسْجُدَهَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى قِيَاسِ هَذَا الْقَوْلِ انْتَهَى.
وَالثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ تُؤْخَذُ مِنْ

كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ كَمَا حَصَّلَهَا ابْنُ نَاجِي مِنْ كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قُلْتُ وَالْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ أَتَمَّ مَكَانَهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تُبُيِّنَ خَطَؤُهُ وَصَوَّبَ ابْنُ يُونُسَ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (إنْ كَانَ بِجَمَاعَةٍ وَاسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ وَفِي بِنَاءِ الْفَذِّ خِلَافٌ) ش هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ مِنْ شُرُوطِ الْبِنَاءِ وَلَمَّا كَانَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ وُجُودِيٌّ وَمَا قَبْلَهُ عَدَمِيٌّ فَصَّلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ وَكَرَّرَ أَدَاةَ الشَّرْطِ لِلتَّفْصِيلِ الَّذِي فِيهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّاعِفَ يَبْنِي إذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ سَوَاءً كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِخْلَافِ اسْتِحْبَابًا كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الِاسْتِخْلَافِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ اسْتَخْلَفُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَصَلَّوْا وُحْدَانًا وَأَمَّا إنْ كَانَ فَذًّا فَفِي بِنَائِهِ خِلَافٌ أَيْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَبْنِي كَمَا يَبْنِي الَّذِي فِي جَمَاعَةٍ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَبْنِي فِي الرُّعَافِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ كَالْمَأْمُومِ فَاَلَّذِي صَحَّ لَهُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِهِ حَاجَةٌ إلَى حِفْظِهِ بِإِكْمَالِ الصَّلَاةِ كَالْمَأْمُومِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَذِّ فَأَجَازَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنْ يَبْنِيَ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ لِأَنَّ مَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَمَا لَا يَمْنَعُهُ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفَذُّ وَغَيْرُهُ كَالسَّلَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِيمَا طَالَ وَفِيمَا قَصُرَ وَلِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلُهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ حَازَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ فَلَا يَفُوتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ بِالْبِنَاءِ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ فِي الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَذِّ فَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْنِي لِأَنَّ الْبِنَاءَ إنَّمَا هُوَ لِيَحُوزَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يَبْنِي وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْعُتْبِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْفَذَّ يَبْنِي عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّ الْفَذَّ يَبْنِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: إنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءُ الْفَذِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَا شَكَّ فِي أَخْذِ بِنَاءِ الْمَأْمُومِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي أَخْذِ بِنَاءِ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ مِنْهَا نَظَرٌ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ وَحَكَى الْبَاجِيّ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْفَذِّ عَدَمُ الْبِنَاءِ انْتَهَى وَإِلَى تَشْهِيرِ الْبَاجِيِّ وَمَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَشَارَ بِالْخِلَافِ (تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ فِي بِنَاءِ الْإِمَامِ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ فَرْحُونٍ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ وَغَيْرُهُمَا هُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ مِنْ اتِّفَاقِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ عَلَى بِنَاءِ الْإِمَامِ وَنَحْوِهِ لِلَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْكَ فِي بِنَاءِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ خِلَافٌ ثُمَّ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي الْفَذِّ وَذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ يَعْنِي الْقَوْلَ بِجَوَازِ بِنَائِهِ قَالَ وَلَيْسَ الْبِنَاءُ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ فَتَحَصَّلَ فِي بِنَاءِ الْإِمَامِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَهُ الْبِنَاءُ بِاتِّفَاقٍ وَالْأُخْرَى فِيهِ قَوْلَانِ أَرْجَحُهُمَا جَوَازُ الِاسْتِخْلَافِ

ص (وَإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ) ش يَعْنِي أَنَّ الرَّاعِفَ إذَا بَنَى وَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ وَخَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَغَسَلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ رَجَعَ لِيُكْمِلَ صَلَاتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِالرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ بِسَجْدَتَيْهَا فَلَوْ رَعَفَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ وَسَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِذَلِكَ كُلَّهُ إذَا رَجَعَ وَيَبْتَدِئُ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَمْ تَتِمَّ مِنْ أَوَّلِهَا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ السُّورَةِ وَلَا يَبْنِي عَلَى شَيْءٍ مِمَّا مَضَى سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ فِي

التَّوْضِيحِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ يَبْنِي عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ صَلَاتِهِ سَوَاءً رَعَفَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ رَعَفَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا فَإِذَا رَجَعَ رَكَعَ وَلَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ رَعَفَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ وَإِنْ رَعَفَ وَهُوَ رَاكِعٌ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ لِلرُّعَافِ فَذَلِكَ رَفْعٌ مِنْ الرَّكْعَةِ فَإِذَا رَجَعَ لِلْقِيَامِ وَخَرَّ مِنْهُ لِلسُّجُودِ وَإِنْ رَعَفَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَفَعَ لِلرُّعَافِ فَذَلِكَ رَفْعٌ لِلسَّجْدَةِ فَإِذَا رَجَعَ سَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَإِنْ رَعَفَ وَهُوَ جَالِسٌ لِلتَّشَهُّدِ فَقِيَامُهُ لِلرُّعَافِ قِيَامٌ مِنْ الْجِلْسَةِ فَإِذَا رَجَعَ ابْتَدَأَ بِقِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مُبْتَدَأِ الْجُلُوسِ قَبْلَ تَمَامِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْجُلُوسِ حَتَّى يُتِمَّ التَّشَهُّدَ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَزَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَاسْتَظْهَرَهُ هُوَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُمَا وَحَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ أَلْغَى مَا مَضَى مِنْهَا وَاسْتَأْنَفَ الرَّكْعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْقِرَاءَةِ وَرَابِعًا وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْأُولَى اسْتَأْنَفَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا رَوَى هَذَا عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَزَا الثَّالِثَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا وَتُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الثَّالِثَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْأُولَى فَلَا يُبْنَى عَلَى جُزْئِهَا وَغَيْرِ الْأُولَى يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْأَوَّلَ بِإِحْرَامٍ وَعَزَاهُ لِابْنِ حَارِثٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِفَوَاتِ الرَّكْعَةِ إذَا فَصَلَ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا بِرُكُوعِ رَكْعَةٍ أُخْرَى سَهْوًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْخُرُوجَ لِغَسْلِ الدَّمِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَلَا فَاصِلًا بَيْنَ رَكَعَاتِهَا لَمْ يَكُنْ فَاصِلًا بَيْنَ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فَصْلٌ مُبَاحٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا كَالْكَذِبِ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ زِيَادَةً فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ رَكَعَاتِهَا وَلَا بَيْنَ أَجْزَاءِ رَكَعَاتِهَا فَمَنْ لَاحَظَ أَنَّ الرُّعَافَ مُخِلٌّ بِهَا سَوَّى بَيْنَ الرَّكَعَاتِ وَأَجْزَائِهَا وَمَنْ لَاحَظَ أَنَّ الرُّكُوعَ الْوَاحِدَ كَالْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَالصَّلَاةِ الْمُنْفَرِدَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ خَصَّهَا بِأَحْكَامِ إدْرَاكِ الْأَوْقَاتِ وَفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَاتِ وَتَحْصِيلِ الْأَدَاءِ فَصَارَتْ أَوْلَى بِالْمُوَالَاةِ فِي نَفْسِهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إهْمَالِ الْمُوَالَاةِ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ إهْمَالُهَا فِي الرَّكْعَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْأُخَرُ فَوَجْهُهَا أَنَّ الْبِنَاءَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَسَاسٍ فَإِذَا لَمْ يَعْقِدْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ أَسَاسٌ يَبْنِي عَلَيْهِ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ وَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ (الثَّانِي) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ لَوْ فَعَلَ الرَّاعِفُ بَعْدَ رُعَافِهِ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ وَيُبْنَى عَلَيْهِ أَمْ لَا فَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَهُوَ رَاعِفٌ وَمِنْ السُّجُودِ أَوْ قِيَامِهِ أَيْ الثَّالِثَةِ بَعْدَ فَرَاغِ تَشَهُّدِهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى إذَا حَصَلَ لَهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَلَا رُعَافَ بِهِ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الرُّعَافُ فَرَفَعَ مِنْهُمَا فَإِنَّ الرَّفْعَ مِنْهُمَا يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُهُ إذَا أَعَادَ الْبِنَاءَ قَالَ: وَقَدْ قَدَّمْنَا اضْطِرَابَ الْقَوْلِ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ هَلْ هُوَ فَرْضٌ فِي نَفْسِهِ؟ وَذَكَرْنَا مَا قَالَهُ النَّاسُ فِي الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَعَنَى أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ قَبْلَ الرُّعَافِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَلَا يَحْتَسِبُ الرَّاعِفُ بِمَا فَعَلَهُ بَعْدَ رُعَافِهِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ثَلَاثٍ وَذَكَرهَا (الثَّالِثُ) هَذَا حُكْمُ الْفَذِّ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ بِنَائِهِ، وَحُكْمُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ فَرَغَ وَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَتْبَعُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ وَلَا يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ.
(الرَّابِعُ) هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ

أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: إذَا عَادَ فَعَلَ الْأَجْزَاءَ الْبَاقِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ تَشَاغُلُهُ بِفِعْلِهَا يُفْتِيهِ مَعَ الْإِمَامِ عُقِّدَ الرَّكْعَةَ الَّتِي صَادَفَهُ فِيهَا وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ وَإِكْمَالِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّكْعَةِ صَلَاةُ الْإِمَامِ رَكْعَةً فِي غِيبَتِهِ بِخِلَافِ النَّاعِسِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ فَانْظُرْهُ أَيْضًا.
(الْخَامِسُ) فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْمُصَنِّفُ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ حُكْمُهَا مِنْ كَلَامِهِ وَهُوَ مَنْ رَعَفَ بَعْد أَنْ أَحْرَمَ وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ هَلْ يَصِحُّ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ حَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ أَحَدَهَا أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ مُطْلَقًا جُمُعَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ فَذًّا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، الثَّانِي لَا يَبْنِي وَيَسْتَأْنِفُ الْإِقَامَةَ وَالْإِحْرَامَ جُمْلَةً أَيْضًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمِثْلُهُ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، الثَّالِثُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ جُمُعَةً ابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ جُمُعَةٍ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي الرَّابِعُ أَنَّهُ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ إمَامًا ابْتَدَأَ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ انْتَهَى فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَنَّهُ يَبْنِي وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً لَكِنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ بَعْدَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي عَزَاهُ لِمَالِكٍ وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَهُ وَصَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ ذَكَرَ ذَلِكَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَرْبَعَةَ الْأَقْوَالِ كَمَا ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنَّهُ عَزَا الثَّالِثَ لِابْنِ وَهْبٍ وَنَصَّهُ وَقَدْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبِنَاءِ قَبْلَ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ عَنْ سَحْنُونٍ يَبْنِي وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَبْنِي وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ يَبْنِي إلَّا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ يَبْنِي الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْح الْمُدَوَّنَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَبْنِي وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ ظَاهَرَهُ رَفْعٌ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ أَوْ بَعْدَ مَا رَكَعَ ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ مَذْهَبِهِ فِي الْكِتَابِ فَقِيلَ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ إلَّا لِمَنْ صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَرَعَفَ فِي الْأُخْرَى كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِلَّا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بِإِقَامَةٍ وَإِحْرَامٍ وَقِيلَ مَذْهَبُهُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يُتِّمَ رَكْعَةً وَقِيلَ بَلْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يُبْنَى عَلَى إحْرَامٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ انْتَهَى قُلْتُ: اُنْظُرْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَكَأَنَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ: إنَّهُ وَهْمٌ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقَالَ لَا شَكَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِذَا عَقَدَ رَكْعَةً وَسَجَدَ ثُمَّ رَعَفَ أَلْغَاهَا إذَا بَنَى وَإِنْ عَقَدَهَا بِسَجْدَتَيْهَا بَنِي عَلَيْهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: فَقَوْلُهُ أَلْغَاهَا إذَا بَنَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْإِحْرَامِ وَقَالَ فِي الْجُمُعَةِ: فَإِنْ رَعَفَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَهَا بِسَجْدَتَيْهَا فَوَجَدَ الْإِمَامَ حِينَ رَجَعَ قَدْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ فَلْيَبْتَدِئْ ظُهْرًا أَرْبَعًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يُطْلَقُ الْبِنَاءُ فِي بَابِ الرُّعَافِ عَلَى مَعْنِيَّيْنِ بِنَاءٌ فِي مُقَابَلَةِ قَطْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ يَعْنِي فِي قَوْلِهِمْ فِي حَالَةِ الرُّعَافِ يَجِبُ الْبِنَاءُ فِي حَالَةِ الْأُولَى وَيَجِبُ الْقَطْعُ فِي الثَّانِيَةِ وَيَجُوزُ الْأَمْرَانِ فِي الثَّالِثَةِ وَبِنَاءٌ فِي مُقَابَلَةِ عَدَمِ اعْتِدَادٍ وَهَذَا الثَّانِي إنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ حُصُولِ الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ أَيْ إذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ فَهَلْ يَعْتَدُّ بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ وَيَبْنِي عَلَيْهِ أَوْ لَا يَعْتَدُّ انْتَهَى أَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ قُلْتُ وَيُطْلَقُ الْبِنَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَعْنًى ثَالِثٍ فِي مُقَابَلَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ مَا فَاتَ الْمَأْمُومَ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَ بِنَاءٌ وَقَضَاءٌ (السَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إذَا

فَرَغَ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ وَرَجَعَ لِصَلَاتِهِ يَرْجِعُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ صَلَاتِهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ لِصَلَاتِهِ بِتَكْبِيرِ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا بِسَلَامٍ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَأَتَمَّ مَكَانَهُ إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وَأَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ إلَيْهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَرَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ وَلَوْ بِتَشَهُّدٍ وَفِي الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا الْأَوَّلُ الْجَامِعُ وَإِلَّا بَطَلَتَا) ش يَعْنِي أَنَّ الرَّاعِفَ إذَا غَسَلَ الدَّمَ وَأَرَادَ إتْمَامَ الصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَتْ جُمُعَةً فَسَيَأْتِي حُكْمُهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ جُمُعَةٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَإِنْ ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ وَأَحْرَى إنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ ظَاهِرًا تَتَهَيَّأُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَغْسِلُ فِيهِ الدَّمَ لِنَجَاسَتِهِ أَوْ لِضِيقِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِمَّا يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ فَيُتِمُّ فِيهِ صَلَاتَهُ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَتَمَّ مَكَانَهُ وَإِلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ أَيْ فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ مَكَانَهُ مَعَ ظَنِّهِ مَعَ فَرَاغِ الْإِمَامِ بَلْ رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْإِمَامُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَكَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِتْمَامُ بِمَوْضِعِهِ وَقُلْنَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى الْأَقْرَبِ فَتَجَاوَزَهُ إلَى الْأَبْعَدِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَمَّا إنْ ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ حَتَّى يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ وَلَوْ التَّشَهُّدُ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ هَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا إنْ أَصَابَهُ الرُّعَافُ فِي الْجُمُعَةِ وَخَرَجَ لِغَسْلِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مُطْلَقًا إلَى أَوَّلِ مَكَان مِنْ الْجَامِعِ أَيْ سَوَاءٌ ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ ظَنَّ فَرَاغَهُ وَعَلِمَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْجَامِعِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَى الْبُطْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ بَطَلَتَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مُسْتَنِدُ الظَّنِّ فِي فَرَاغِ الْإِمَامِ وَبَقَائِهِ يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيرِهِ وَاجْتِهَادِهِ أَوْ إلَى خَبَرِ عَدْلٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ (الثَّانِي) قَوْلُهُ إذَا ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ أَتَمَّ مَكَانَهُ يُرِيدُ سَوَاءً ظَنَّ فَرَاغَهُ عِنْدَ إتْمَامِ غَسْلِهِ وَظَنَّ أَنَّهُ الْآنَ بَاقٍ وَلَكِنَّهُ يَفْرُغُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ يُتِمُّ مَكَانَهُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ قَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا غَسَلَ الرَّاعِفُ الدَّمَ أَتَمَّ فِي مَوْضِعِهِ إذَا كَانَ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا وَكَانَ إذَا رَجَعَ وَلَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ إمَامِهِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) إذَا ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ فَرَجَعَ ثُمَّ ظَنَّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَرَاغَ الْإِمَام فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يُمْكِنهُ الْإِتْمَامُ فِيهِ فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ ابْنِ الْحَاجِبِ.
(الرَّابِعُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ أَتَمَّ مَكَانَهُ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَسْجِدِ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْبَاجِيُّ فَجَعَلَ الرُّجُوعَ لِفَضِيلَةِ الْمَكَانِ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرِ الْكِتَابِ: إنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَغَيْرِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا مُطْلَقًا قَالَ الْبَاجِيُّ: فَجَعَلَ الرُّجُوعَ لِفَضِيلَةِ الْمَكَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ وَغَيْرِهِ مِنْ شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَجَعَلُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ خِلَافَ الْمَشْهُورِ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهَا الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ قَالَ: فَرْعٌ وَلَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَرَاعَى فَضْلَ الْبُقْعَةِ وَعَلَى قَوْل ابْنِ شَعْبَانَ لَا يَرْجِعُ لِذَلِكَ انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ وَصَدَّرَ بِالرُّجُوعِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ لَا يَرْجِعُ وَيَعْنِي بِقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ مَا سَيَأْتِي لَهُ أَنَّ الرَّاعِفَ لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَأَمَّا إنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَعَهُ رَكْعَةً فَلَا يَرْجِعُ لِأَنَّ مَا يُدْرِكْهُ

فِي حُكْمِ النَّافِلَةِ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا ضَرُورَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَجَزَمَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهَا وَقَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةَ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْمُعَظَّمَيْنِ فَاخْتَلَفَ هَلْ هِيَ تَقْيِيدٌ فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي غَيْرِهِمَا وَيَرْجِعُ فِيهِمَا أَوْ هِيَ خِلَافٌ فَيَكُونُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَرْجِعُ مُطْلَقًا وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَمُقَابِلُهُ تَبْطُلُ فِي غَيْرِهِمَا انْتَهَى قُلْتُ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى وَمِنْهُمْ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) إذَا ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ وَأَتَمَّ مَكَانَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ سَوَاءً أَصَابَ ظَنُّهُ أَوْ أَخْطَأَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ اللَّخْمِيُّ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي التَّقْدِيرِ وَأَنَّهُ كَانَ يُدْرِكُهُ لَوْ رَجَعَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ غَيْرُ اللَّخْمِيِّ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ إذَا ظَنَّ الرَّاعِفُ فَرَاغَ الْإِمَامِ وَكَمُلَ فِي مَوْضِعِهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمَ تَكْمِيلِهِ فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ الْإِعَادَةِ وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ قَوْلًا إذَا أَخْطَأَ ظَنُّهُ بِالْبُطْلَانِ فَإِنْ خَالَفَ ظَنَّهُ وَرَجَعَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَصَابَ ظَنُّهُ أَوْ أَخْطَأَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلٌ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا خَالَفَ ظَنَّهُ وَتَبَيَّنَ خَطَأَ ظَنِّهِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامُ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ تَأَوَّلَ وُجُوبَ الرُّجُوعِ فَيَخْتَلِفُ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ كَالْعَامِدِ أَوْ كَالنَّاسِي انْتَهَى قُلْتُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ، (السَّادِسُ) إذَا ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً أَمْ لَا قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّاعِفَ يَرْجِعُ مَا دَامَ إمَامُهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ صَلَاتِهِ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ شَعْبَانَ: إنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً وَإِلَّا صَلَّى مَكَانَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ إذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَوْ السَّلَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: إنْ لَمْ يَطْمَعْ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ لَمْ يَرْجِعْ انْتَهَى.
وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ السَّلَامَ وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَطْمَعْ فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ فِي مَكَانِهِ وَتَصِحُّ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَعَهُ رَكْعَةً خَرَجَ مِنْ إمَامَتِهِ وَسَقَطَ حُكْمُ مُرَاعَاتِهِ قَالَ: وَرَأَيْت نَحْوَهُ لِابْنِ شَعْبَانَ انْتَهَى قُلْتُ وَيَأْتِي مِثْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ الْآنَ أَنَّ الْإِمَامَ بَاقٍ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَبْنِي مَكَانَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ كَمَا إذَا تَبَيَّنَ خَطَأَ ظَنِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ (السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا قُلْنَا يَرْجِعُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يُصَلِّي فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى مَحَلِّ مُصَلَّاهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَعَلَى هَذَا إذَا قَرُبَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَارَ فِي مَوْضِعٍ يَصِحُّ لَهُ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ بِحَيْثُ صَارَ يُدْرِكُ أَفْعَالَ الْإِمَامِ وَأَفْعَالَ الْمَأْمُومِينَ أَوْ أَقْوَالَهُمْ وَكَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ وَإِنْ تَعَدَّاهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (الثَّامِنُ) إذَا ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ أَوْ شَكَّ وَرَجَعَ وَأَصَابَ ظَنُّهُ فَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فَإِنْ أَخْطَأَ ظَنُّهُ وَوَجَدَ الْإِمَامَ قَدْ فَرَغَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَيُتِمُّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ فِيهِ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ إذَا أَمْكَنَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَهُ رَجَعَ فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ أَتَمَّ هُوَ وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَتَخَرَّجُ فِيهَا قَوْلٌ بِالْبُطْلَانِ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ ظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ وَأَتَمَّ مَكَانَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأَ ظَنِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَيَّرُ خِلَافَ الرُّجُوعِ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ هُوَ الْأَصْلُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى رُجُوعِ الرَّاعِفِ

بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ (تَنْبِيهٌ) تَعَارَضَ هُنَا مَحْذُورٌ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُفَارِقَةٌ الْإِمَامَ بَعْدَ الْتِزَامِهِ الصَّلَاةَ مَعَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي الْحَرَكَاتُ إلَى الْإِمَامِ فِعْلٌ زَائِدٌ فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا بُدَّ لِلرَّاعِفِ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ فَالْمَشْهُورُ مُرَاعَاةُ الْأَوَّلِ وَوُجُوبُ الرُّجُوعِ لِأَوْجُهِ أَحَدِهَا.
إنَّ وُجُوبَ الِاقْتِدَاءِ رَاجِحٌ بِالِاسْتِصْحَابِ لِثُبُوتِهِ قَبْلَ الرُّعَافِ بِخِلَافِ الْآخِرِ، وَثَانِيهَا أَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ وَتُفْسِدُ إذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنْ الْقِرْبَةِ وَهَذِهِ وَسِيلَةٌ إلَى الْقِرْبَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ فَتَكُونُ قِرْبَةً وَثَالِثُهَا أَنَّ هَذِهِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ فَتُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْحَرَكَاتِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ الِاقْتِدَاءِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرُّجُوعَ هُوَ الْأَصْلُ فَالْإِتْيَانُ بِهِ أَرْجَحُ فَتَأَمَّلْهُ.
(التَّاسِعُ) إذَا ظَنَّ بَقَاءَ الْإِمَامِ أَوْ شَكَّ، وَقُلْنَا إنَّهُ يَرْجِعُ فَخَالَفَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ مَكَانَهٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَهُوَ أَحَدُ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا بَطَلَتَا وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ وَافَقَ ظَنُّهُ حَالَ الْإِمَامِ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فَيَشْرَحُهُ: إنْ وَافَقَ ظَنُّهُ حَالَ الْإِمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا وَإِنْ خَالَفَ ظَنُّهُ حَالَ الْإِمَامِ فَإِنْ تُبُيِّنَ أَنَّ الْإِمَامَ فَرَغَ بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ قُلْتُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا لِغَيْرِهِ بَلْ ذَكَرَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ وَلَوْ تَبَيَّنَ خِلَافَ ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَنَصُّهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ شَكَّ وَبَنَى فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ تُبُيِّنَ لَهُ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ قَالُوا مِنْ غَيْرِ خِلَافِ الشَّيْخِ وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفَ فِيمَنْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هَلْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ كَمَنْ صَلَّى خَامِسَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ انْتَهَى.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا التَّقْسِيمُ ظَاهِرٌ فِي الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَخْلَفَ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ وَأَمَّا الْفَذُّ فَيُتِمُّ مَكَانَهُ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ بِمَوْضِعِ غَسْلِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) مَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا لِلْجَامِعِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَأَتَمَّ مَكَانَهُ أَوْ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ بَطَلَتْ جُمُعَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَبْنِي فِي أَقْرَبِ مَسْجِدٍ إلَيْهِ وَهَذَا ظَاهِرُ تَعْلِيلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُصَلَّى فِي الْبُيُوتِ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى نَفْسِ الْجَامِعِ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: أَوْ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ: وَإِنْ أَتَمَّ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الرُّجُوعَ لِلْجَامِعِ فَضِيلَةٌ وَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِأَوَّلِ الْجَامِعِ فَإِنْ تَعَدَّاهُ بَطَلَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ بِلَفْظِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَبْنِي فِي أَدْنَى مَوْضِعٍ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ وَأَنَّ مَا يُصَلِّيهَا مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِضَرُورَةِ الزِّحَامِ وَلَا يَجِدُ مَكَانًا وَهَذَا الرَّاعِفُ إنَّمَا يُتِمُّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَسَعُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَبِأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ اسْتِكْمَالِ الشُّرُوطِ وَقَدْ فَاتَتْ الْجَمَاعَةُ وَالْإِمَامُ فَلَا يَجِبُ الْجَامِعُ، وَبِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ ثَمَّةَ أَحَدٌ رَكْعَةً وَهُوَ مَسْبُوقٌ وَاتَّصَلَتْ بِهِ الصُّفُوفُ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَانْفَضَّ النَّاسُ فَإِنَّمَا يَأْتِي بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِلْمَسْجِدِ فَقَدْ صَارَ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ إذَا وَصَلَ لِأَوَّلِ مَوْضِعٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ طُرُقِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ يُتِمُّ هُنَاكَ، قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ ابْتَدَأَهَا فِي الْجَامِع وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّه - تَعَالَى - أَعْلَم.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ

فَذَكَرَ الْمَشْهُورَ وَقَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ: وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: إنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ وَادٍ فَلِيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوْلَى وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ يُونُسَ أَيْ جَعَلُوا قَوْلَ الْمُغِيرَةِ تَفْسِيرًا لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ثَالِثُهَا إنْ أَمْكَنَهُ رَجَعَ وَإِلَّا فَمَكَانُهُ غُرُورٌ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ وَأَخَذَ ابْنُ يُونُسَ الثَّالِثَ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ مَنْ هَرَبَ مَأْمُومُهُ بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمَّهَا جُمُعَةً انْتَهَى.
وَلِذَا جَعَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ تَفْسِيرًا وَكَذَا صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ فِيهَا: حُكْمُ الرَّاعِفِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ رَعَفَ فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ حَتَّى أَتَمَّ الْإِمَامُ فَلَا يُصَلِّي الثَّانِيَةَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ الصَّلَاةَ فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إلَى الْمَسْجِدِ وَادٍ وَأَمْرٌ غَالِبٌ أَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَةً وَصَلَّى أَرْبَعًا، قَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَالثَّانِي: إذَا رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ثُمَّ لَمْ يَفْرُغْ حَتَّى أَتَمَّ الصَّلَاةَ لَا يَبْنِي عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ تَمَامَ رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْإِحْرَامِ فِي الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَتَابِعِيهِ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَمْ يَعْزِهِ لَكِنْ ذُكِرَ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ إنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ حَائِلٌ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ فِي مَوْضِعِ غَسْلِ الدَّمِ وَإِلَّا رَجَعَ إلَى الْجَامِعِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إنَّ هَذَا وَهْمٌ مِنْهُ بَلْ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ الرُّجُوعِ إلَى الْمَسْجِدِ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ حَتَّى لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ جُمُعَتُهُ قُلْتُ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي أَفْنِيَةِ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ صَلَّى فِي أَفْنِيَةِ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ قَضَى فِيهِ رَكَعَاتٍ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ رُعَافٍ غَسَلَهُ وَهُوَ يَجِدُ مَوْضِعًا فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَخَالَفَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ: يُعِيدُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِضِيقِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي عَشَرَ) حَيْثُ قُلْنَا يَرْجِعُ لِلْجَامِعِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ لِلْجَامِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فِيهِ، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهَا.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَطَلَتْ أَيْ لِأَيِّ جُزْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى لَوْ رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِيُوقِعَ السَّلَامَ فِي الْجَامِعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ ابْنُ هَارُونَ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا رَعَفَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ قَبْل سَلَامِ الْإِمَامِ ذَهَبَ فَغَسَلَ الدَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَتَشْهَدَ وَسَلَّمَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: قَوْلُهُ رَجَعَ مَعْنَاهُ إذَا طَمَعَ بِإِدْرَاكِ الْإِمَامِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ وَفِيهِ الْخِلَافُ مَعَ ابْنِ شَعْبَانَ أَوْ يَكُونُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَوْلُهُ لِأَوَّلِ الْجَامِعِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْجَامِعِ لِزِحَامٍ أَوْ ضِيقٍ، وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ابْتَدَأَهَا خَارِجَهُ وَنَصُّهُ - نُقِلَ فِي الرُّجُوعِ فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الرُّجُوعُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ رَعْيًا لِمَا ابْتَدَأَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا طُلِبَ ابْتِدَاءً طَلَبُ دَوَامِهِ.
وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ ابْتَدَأَهَا فِي مَوْضِعٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِضِيقِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَلَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي وَقَبِلَهُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَبَحَثَ فِيهِ فَقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كَانَ ذَلِكَ لِمُوجِبٍ وَقَدْ انْتَفَى فَيَنْبَغِي الْإِتْمَامُ ثَمَّةَ وَيَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى.
قُلْتُ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْجَامِعِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) هَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ إذَا

حَصَّلَ لَهُ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ بِسَجْدَتَيْهَا قَبْلَ رُعَافِهِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُحَصِّلْ لَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَظَنَّ فَرَاغَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا فِي مَحِلِّهِ أَوْ فِي أَيْ مَحِلٍّ شَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا فِي مَحَلِّهِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي عَقِبَ هَذَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ الرُّعَافُ فِي الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَلَمْ يَلْحَقْ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا اتِّفَاقًا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَهَلْ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَوْ لَا؟ الْمَشْهُورُ لَا بُدَّ مِنْ ابْتِدَائِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ: وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ شَاءَ قَطَعَ وَابْتَدَأَ كَالْمَذْهَبِ وَإِنْ شَاءَ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ وَإِنْ شَاءَ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ فِعْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ أَشْهَبَ لَمْ يَسْتَحِبَّ شَيْئًا وَاَلَّذِي حَكَى عَنْهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا اسْتِحْبَابَ الْقَطْعِ انْتَهَى.
وَجَعَلَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ سَحْنُونٍ تَفْسِيرًا لِلْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ وَحَمَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْخِلَافِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ إذَا رَعَفَ فِي الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ قَبْل أَنْ يُكْمِلَهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَبْتَدِئُ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَقَالَ سَحْنُونٌ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ ظُهْرًا وَقَالَ أَشْهَبُ: اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَبْتَدِئَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَإِنْ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ أَجْزَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَجَدَ سَجْدَةً فَسَجَدَ أُخْرَى وَصَلَّى ثَلَاثًا أَجْزَاهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ فَاتَتْهُ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ وَأَدْرَكَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجْدَةً فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَتُجْزِئُهُ جُمُعَتُهُ فَعَلَى هَذَا تُجْزِئُ الرَّاعِفَ الْجُمُعَةُ إذَا رَعَفَ فِي الْأُولَى وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا سَجْدَةٌ، فَيَأْتِي بِسَجْدَةٍ وَرَكْعَةٍ وَتُجْزِئُهُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُقَدِّمَاتِ فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ وَإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ.
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) : قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا اتِّفَاقًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ إتْمَامِهَا جُمُعَةً وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ خَرَّجَ قَوْلًا بِجَوَازِ إتْمَامِهَا جُمُعَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ الْمَنْصُوصَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ تَخْرِيجَ شَيْخِهِ اللَّخْمِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَحَثَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ جِدًّا فَلْيَنْظُرْهُ مِنْ أَرَادَهُ، (الثَّانِي) : لَوْ لَمْ يَقْطَع وَبَنَى عَلَى إحْرَامِهِ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ سَحْنُونٍ وَأَشْهَبَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ تَقُولُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصَّا صَرِيحًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ

ص. (وَسَلَّمَ وَانْصَرَفَ إنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لَا قَبْلَهُ) ش يَعْنِي أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي مَنْعِهِ أَنْ يُسَلِّمَ حَتَّى يَغْسِلَ الدَّمَ إنْ كَانَ الدَّمُ كَثِيرًا إلَّا أَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالنَّجَاسَةِ كَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالْمَشْهُورُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ اُسْتُخِفَّ سَلَامُهُ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى خُرُوجِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ كَثْرَةِ الْمَنَافِي وَخِفَّةِ لَفْظِ السَّلَامِ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ فَرْضٍ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَالْأَكْثَرُونَ لَمْ يَعْرُجُوا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لَا قَبْلَهُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا رَعَفَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَلَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُسَلِّمَ فَإِذَا غَسَلَ الدَّمَ فَإِنْ طَمَعَ بِإِدْرَاكِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ رَجَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ بِإِدْرَاكِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِ لِأَوَّلِ الْجَامِعِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ جَلَسَ مَكَانَهُ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : عُلِمَ مِمَّا قَرَرْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ خَاصٍّ بِالْجُمُعَةِ بَلْ جَارٍ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَتَمَّ مَكَانَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شُرَّاحُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَجَعَلَ

الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ خَاصًّا بِمَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَكَذَلِكَ ابْنُ هَارُونَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(الثَّانِي) : لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هُنَا هَلْ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ إذَا غَسَلَ الدَّمَ وَأَرَادَ السَّلَامَ أَمْ لَا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ أَيْ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ التَّشَهُّدُ وَأَمَّا لَوْ تَقَدَّمَ فَلَا يُعِيدُهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ رَعَفَ بَعْدَ تَشْهَدْهُ لَمْ يُعِدْهُ خِلَافُ نَصِّهَا الْمَقْبُولِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهَا السَّابِقِ.

، وَإِذَا رَعَفَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ ذَهَبَ فَغَسَلَ الدَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ يَتَشَهَّدُ ثَانِيًا وَقَدْ كَانَ تَشَهَّدَ أَوَّلًا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ رَعَفَ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ لَمْ يَتَشَهَّدْ أَوَّلًا وَأَمَّا لَوْ تَشَهَّدَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ دُونَ تَشَهُّدٍ وَقَبِلَهُ خَلِيلٌ وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِصَرِيحِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ سَجَدَ السُّجُودَ الْقِبْلِيَّ فَإِنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ اكْتِفَاءً بِتَشَهُّدِ الصَّلَاةِ وَكُنْتُ أُجِيبُهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا سَوَاءً لِقُرْبِ السَّلَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ فِي الرُّعَافِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ وَغَسْلَهُ وَرُجُوعَهُ مَظِنَّةٌ لِلطُّولِ غَالِبًا، (الثَّانِي) هَبْ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ قُصَارَى الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ وَهُوَ قَصْدٌ إلَى ذِكْرِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَخْرَجَ الْمَذْهَبَ انْتَهَى.
وَلَفْظُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ هَذَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ تَشَهُّدُهُ قَبْلَ الرُّعَافِ وَلَوْ تَقَدَّمَ أَوْ تَقَدَّمَ مِنْهُ مِقْدَارَ السُّنَّةِ لَسَلَّمَ إذَا رَجَعَ انْتَهَى.
وَتَعَقَّبَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْضًا كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّهُ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ وَلَوْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَتَّصِلَ بِالسَّلَامِ وَلَا يَتَرَاخَى عَنْهُ وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّنْجِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ وَيَتَشَهَّدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ وَعَلَّلَهُ بِمَا تَقَدَّمَ قَالَ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى قُلْتُ: وَكَذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّهُ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ وَعَلَّلَهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ السَّلَامَ إنَّمَا شُرِعَ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ وَمُتَّصِلًا بِهِ وَتَبِعَ صَاحِبُ الشَّامِلِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ، وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ كَمَا عَلِمْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الثَّالِثُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَا يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ بِالْحَضْرَةِ قَبْلَ انْصِرَافِهِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ رَعَفَ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَرَجَعَ فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نَصَّ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ انْصِرَافِهِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَيُجْزِئُهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْصَرِفُ مَنْ رَعَفَ وَالْإِمَامُ يَتَشَهَّدُ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ حَتَّى يُسَلِّمَ وَهُوَ رَاعِفٌ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَكُلُّ أَشْيَاخِي يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.

. قُلْتُ وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: لَوْ أَنَّ هَذَا الْمَأْمُومَ رَعَفَ فَهَمَّ بِأَنْ يَنْصَرِفَ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَسَلَّمَ أَجْزَأَهُ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى.
وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ: إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ الْإِمَامُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ فَيَكُونُ كَلَامُهُ وِفَاقَا انْتَهَى.
وَعَزَا فِي الشَّامِلِ التَّقْيِيدَ لِلَّخْمِيِّ.
وَكَلَامُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عِنْدَهُ وِفَاقٌ أَوْ خِلَافٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَوَّلَ الْمَذْهَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا رَجَعَ إلَى الصَّلَاةِ رَجَعَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، قَالَهُ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ ابْنَ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ صَلَاتِهِ بِالرُّعَافِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا بِسَلَامٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) هَذَا حُكْمُ الْمَأْمُومِ.

وَانْظُرْ لَوْ رَعَفَ الْإِمَامُ قَبْل سَلَامِهِ أَوْ الْفَذُّ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بِنَائِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ الرُّعَافُ بَعْد أَنْ

أَتَى بِمِقْدَارِ السُّنَّةِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ مِنْ يُتِمُّ بِهِمْ التَّشَهُّدَ وَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ ثُمَّ يُتِمُّ مَكَانَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَا يَبْنِي بِغَيْرِهِ) ش: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِغَيْرِهِ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي غَيْرِ الرُّعَافِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ لَا يَبْنِي بِسَبَبٍ غَيْرِ الرُّعَافِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ سَبْقِ حَدَثٍ أَوْ تَذَكُّرِهِ أَوْ سُقُوطِ نَجَاسَةٍ أَوْ تَذَكُّرِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ بَلْ يَقْطَعُهَا وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَبْنِي إلَّا فِي الرُّعَافِ وَحْدَهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبِنَاءَ فِي الْحَدَثِ الْغَالِبِ، وَالرُّعَافُ عِنْدَهُ حَدَثٌ غَالِبٌ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ لِمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ أَوْ جَسَدِهِ نَجَاسَةً أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَبْنِي.
وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْهُ اسْتِحْبَابُ الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ لِإِنْقَاذِ صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَوْ خَوْفًا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ: إنَّهُ يَقْطَعُ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ مَا نَصُّهُ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى أَجْزَاهُ قِيَاسًا عَلَى أَصْلِهِ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ دَمٍ رَآهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ لِقَيْءٍ، قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَشْهَبَ هُنَا مَعَ مَا نَقَلُوهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ فِي طَوَافِهِ قَطَعَ وَابْتَدَأَهُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ حَكَى الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَقُولُ فِيمَنْ رَأَى نَجَاسَةً فِي ثَوْبِهِ فِي الصَّلَاةِ: إنَّهُ يَغْسِلُهَا وَيَبْنِي وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ يُوهِمُ انْفِرَادَهُمَا بِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيّ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ مُدَوَّنَةِ أَشْهَبَ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَشْهَبَ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَبْنِي فِي الْحَدَثِ انْتَهَى.
وَهَذَا غَرِيبٌ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْبِنَاءُ بَعْدَ حُصُولِ الْمُنَافِي فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمَزْحُومُ وَالنَّاعِسُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُمَا يَبْنِيَانِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَبْنِي فِي قُرْحَةٍ وَلَا حَرَجَ وَيَعْنِي بِذَلِكَ إذَا انْفَجَرَتْ الْقُرْحَةُ فِي الصَّلَاةِ وَسَالَ مِنْهَا دَمٌ كَثِيرٌ وَرَجَا انْقِطَاعَهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْد قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَثَرُ دُمَّلٍ لَمْ يُنْكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[تَنْبِيه حَصَلَ لَهُ رُعَافٌ فَخَرَجَ لَهُ وَغَسَلَ الدَّمَ وَرَجَعَ إلَى الصَّلَاةِ]

(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: لَوْ حَصَلَ لَهُ رُعَافٌ فَخَرَجَ لَهُ وَغَسَلَ الدَّمَ وَرَجَعَ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ رُعَافٌ آخَرُ لَمْ يَبْنِ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَلَامُ الْمُؤَلَّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا انْتَهَى قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ صَرِيحًا إلَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَسَائِلِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْبُطْلَانِ.

ص (كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ رُعَافٌ فِي الصَّلَاةِ فَخَرَجَ لِيَغْسِلَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُعَافِ وَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ بَلْ يَبْتَدِئُهَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ بِهِ ابْتَدَأَ وَإِذَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ قَطْعَ صَلَاتَهُ أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفِهِ انْتَهَى، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ رَعَفَ أَوْ أَحْدَثَ فَخَرَجَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ هَلْ يَبْنِي؟ وَإِنْ كَانَ إمَامًا هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ يَبْتَدِئُ وَلَا يَبْنِي وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا كَانَ إمَامًا لَا تُفْسَدُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِمَا يَجُوزُ لَهُ وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ خَلْفَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: إنْ بَنَى أَبْطَلَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمِحْرَاب إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَبْنِي وَلَا يُبْطِلُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِمَنْزِلَةِ مِنْ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ فَخَرَجَ ثُمَّ عَادَ فَسَلَّمَ وَهُوَ أَقْيَسُ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ

أَنَّهُ خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ وَتَكَلَّمَ ثُمَّ بَنَى انْتَهَى.
فَحَكَى فِي الْقَطْعِ وَالْبِنَاءِ قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ الِانْصِرَافِ لِلْحَدَثِ فِي فَصْلِ السَّهْوِ وَعَزَا الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ الْفَرْعَيْنِ هُنَا وَفِي بَابِ السَّهْوِ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَزَا الْقَوْلَ بِالْبِنَاءِ فِي الْفَرْعَيْنِ لِسَحْنُونٍ وَتَبِعَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الذَّخِيرَةِ فَإِنَّهُ عَزَا الْقَوْلَ بِالْبِنَاءِ لِسَحْنُونٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الطِّرَازِ عَزَوْهُ لِسَحْنُونٍ وَأَحَالَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعْزِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إلَّا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَلَعَلَّهُ نَقَلَهُ عَنْ سَحْنُونٍ أَيْضًا أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فِي الطَّهَارَةِ سَهْوٌ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى الشَّارِحُ فِي الشَّامِلِ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فَلَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ بِالْبِنَاءِ وَلَمْ يُعْزِ الْفَرْعَ لِأَحَدٍ وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ وَيَسْتَخْلِفُ أَوْ يَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَبْطُلُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّنْبِيهَاتِ وَنَصَّهُ وَأَكْثَرُ الشَّارِحِينَ وَالْمُخْتَصِرِينَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ إمَامًا فَإِنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ عِنْدنَا فِي الْإِمَامِ إذَا قَطَعَ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ وَحَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَاحْتَجَّ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا لِرُعَافٍ أَوْ حَدَثٍ ظَنَّهُ فَبَانَ كَذِبُهُ لَلْمَشْهُورُ وَاللَّخْمِيُّ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ كَانَ إمَامًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَأْمُومِيهِ، ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ عِلْمٌ كَذِي ظُلْمَةٍ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا لِلْبَاجِيِّ مَعَ الشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَيَحْيَى بْنِ عُمَرَ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ أَشْهَبَ لَا يُبْطِلُهَا ضَحِكٌ عَمْدًا وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا لِلْمُدَوَّنَةِ مَعَ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَالْبَاجِيِّ عَنْ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ التَّفْصِيلُ لِلصَّقَلِّيِّ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ سَحْنُونٍ انْتَهَى بِلَفْظِهِ إلَّا عَزْوَ الْأَقْوَالِ فَفَصَّلْتُهُ لِأَجَلِ الْبَيَانِ فَيَكُونُ لِسَحْنُونٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَعَزَا الثَّانِي لِلْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مُتَّصِلًا بِالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَنَصَّهُ قَالَ: وَمَنْ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ لِحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ بِهِ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ إمَامًا أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ الْإِمَامَ إذَا قَطَعَ صَلَاتَهُ مُتَعَمِّدًا أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ سَحْنُونٍ بِالتَّفْصِيلِ وَيُؤَيِّدُ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الشَّارِحِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا اللَّخْمِيُّ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ وَقَالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ أَظْهَرُ مِمَّا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الشَّارِحِينَ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْإِمَامِ ظَنَّ وَبَيْنَ كَوْنِهِ تَعَمَّدَ لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا أَفْسَدَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى قُلْتُ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ أَرْجَحُ لِكَوْنِهِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ عَنْ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَصَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ بَاطِلَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَرَجَ مِنْهُ إلَخْ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فَجَعَلَ الثَّالِثَ تَفْسِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: مَنْ ظَنَّ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ بِتَمَادِيهِ بِرُعَافٍ أَوْ حَدَثٍ فَانْصَرَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ ظَنِّهِ فَأَمَّا فِي الرُّعَافِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ صِحَّةُ مَا ظَنَّهُ قِبَلَ انْصِرَافِهِ فَانْصَرَفَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ لِأَنَّهُ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ وَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَفِي بِنَائِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَبْنِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالشَّاذُّ أَنَّهُ يَبْنِي وَهُمَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي الْمُجْتَهِدِ يُخْطِئُ هَلْ يُعْذَرُ بِاجْتِهَادِهِ أَمْ لَا وَأَمَّا

فِي الْحَدَثِ فَإِنْ لَمْ يُطِلْ فِعْلَهُ بَعْدَ الظَّنِّ كَانَ كَالرُّعَافِ وَإِنْ طَالَ فِعْلُهُ أَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ هَذَا انْصَرَفَ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَالرَّاعِفَ انْصَرَفَ عَلَى أَنَّهُ يَغْسِلُ الدَّمَ ثُمَّ يَبْنِي انْتَهَى قُلْتُ الظَّاهِرُ فِي الْحَدَثِ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَلَا يَظْهَرُ لِلْقَوْلِ بِالْبِنَاءِ، وَجْهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمُحْدِثَ خَرَجَ عَلَى اعْتِقَادِ الْبُطْلَانِ وَلَا يُشْبِهُ مِنْ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى اعْتِقَادِ تَمَامِ صَلَاتِهِ وَصِحَّتِهَا، نَعَمْ إنَّمَا يَتَأَتَّى الْقَوْلُ بِالْبِنَاءِ عَلَى مَنْ يُجِيزُ الْبِنَاءَ فِي الْحَدَثِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي فَصْلِ الرُّعَافِ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ لِرُعَافٍ ثُمَّ شَكَّ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ يَغْسِلُ الدَّمَ فَرَفَعَ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ فَابْتَدَأَ الْوُضُوءَ فَلَمَّا تَوَضَّأَ ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَفَى ابْنُ يُونُسَ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَهُ رُعَافٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَخَرَجَ يَغْسِلُهُ فَإِذَا هُوَ مَاءٌ فَقَدْ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ قَالَ وَلَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ حِينَ هَمَّ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ شَيْئًا بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ انْتَهَى قُلْتُ إذَا عَزَمَ عَلَى رَفْضِ الصَّلَاةِ وَهَمَّ بِالْوُضُوءِ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ نَعَمْ إنْ تَفَكَّرَ قَلِيلًا لَمَا حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ فَهَذَا يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَمَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) ش ذَرَعَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَلَبَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَيَتَمَادَى فِيهَا فَإِنْ خَرَجَ لِغَسْلِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ الْقَيْءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَيْءُ طَاهِرًا أَوْ لَمْ يَرُدُّهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ إلَى مَحِلٍّ يُمْكِنُ طَرْحُهُ فَإِنْ كَانَ الْقَيْءُ نَجِسًا بِأَنْ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَةِ الطَّعَام عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ قَارَبَ أَوْصَافَ الْعُذْرَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَيْءُ طَاهِرًا وَرَدَّهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ إلَى مَحِلٍّ يُمْكِنُ طَرْحُهُ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ وَأَمَّا إنْ رَدَّهُ طَائِعًا غَيْرَ نَاسٍ فَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَلْنَذْكُرْ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ الشُّيُوخِ عَلَيْهَا قَالَ فِي آخِرِ بَابِ الرُّعَافِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَمَنْ تَقَيَّأَ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ وَلَا يَبْنِي إلَّا فِي الرُّعَافِ وَحْدَهُ قَالَ فِي الطِّرَازِ الْقَيْءُ فِي الصَّلَاةِ يُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْهُ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فِي الْمَشْهُورِ وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ وَمِنْهُ مَا لَا يُبْطِلُهَا إلَّا إنْ تَعَمَّدَهُ فَالْأَوَّلُ هُوَ مَا كَانَ نَجِسًا مِمَّا خَرَجَ عَنْ صِفَةِ الطَّعَامِ وَالثَّانِي مَا كَانَ طَاهِرًا فَيَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَامِدُ مِنْ غَيْرِهِ كَالْأَكْلِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الْأَكْلِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَيُخْتَلَفُ فِي الْقَيْءِ النَّجِسِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ هَلْ يَغْسِلُهُ عَنْهُ وَيَبْنِي فَعِنْد أَشْهَبَ يَبْنِي فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي مُدَوَّنَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَ الْمَشْهُورِ فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ فِي غَيْرِ الرُّعَافِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَا يَفْسُدُ صِيَامُهُ بِخِلَافِ الَّذِي يَسْتَقِي طَائِعًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمٍ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إنْ رَدَّهُ بَعْدَ فُصُولِهِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ يُرِيدُ إنْ رَدَّهُ نَاسِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَأَمَّا إنْ رَدَّهُ طَائِعًا غَيْرَ نَاسٍ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَصَلَاتَهُ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَغْلُوبَ أَعَذْرُ مِنْ النَّاسِي وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لِتَغَيُّرِهِ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ إلَى حَالِ الرَّجِيعِ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ إذْ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إلَّا مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مِنْ الْمُعْتَادِ عَلَى الْعَادَةِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ بِاخْتِلَافٍ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ غَلَبَةً فَالْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَأَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الْقَيْءَ أَوْ رَدَّهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ طَائِعًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَعَمْدُ قَيْئِهِ وَابْتِلَاعُهُ بَعْدَ فَصْلِهِ مُبْطِلٌ انْتَهَى، وَإِنْ رَدَّهُ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا فَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَغْلُوبَ أَعْذَرُ مِنْ النَّاسِي وَيَتَحَصَّلُ أَيْضًا فِي رُجُوعِهِ غَلَبَةً أَوْ

نِسْيَانًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ نَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي فَصْلِ السَّهْوِ وَنَصَّهُ وَفِي بُطْلَانِهَا بِابْتِلَاعِ مَفْصُولِهِ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً، ثَالِثُهَا إنْ سَهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ انْتَهَى.
إذَا عَلِمَ هَذَا فَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ مُشْكِلٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَفِي بَعْضِ الْمُقَيَّدَاتِ فِي هَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْكَثِيرَ أَوْ النَّجَسَ أَوْ الْمَرْدُودَ بَعْدَ إمْكَانِ الطَّرْحِ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ قِيلَ لِأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ لِلْقَيْءِ لَا يَعُودُ لِلْبِنَاءِ كَمَا فِي الرُّعَافِ، فَقَالَ: صَوَابٌ إلَّا أَنَّ الشُّيُوخَ حَمَلُوهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَيُعَضِّدُ مَا صَوَّبَهُ قَوْلُهُ بَعْدُ وَلَا يُبْنَى إلَّا فِي الرُّعَافِ وَإِنَّ أَشْهَبَ يُخَالِفُ فِيهِ، وَكَذَا نَقُولُ هُنَا إنَّ غَيْرَ الْمَغْلُوبِ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُبْنَى بِغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي السَّهْوِ إذْ قَالَ: وَبِتَعَمُّدِ كَسَجْدَةٍ أَوْ نَفْخٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ قَيْءٍ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ بَعْضِ الْمُقَيَّدَاتِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَيْءَ الْكَثِيرَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا أَوْ كَانَ غَلَبَةً وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَنَصَّهُ وَالْقَلْسُ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ الِامْتِلَاءِ أَوْ بَرْدِ الْمِزَاجِ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ الطَّعَامُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَهُوَ لَيْسَ بِنَجِسٍ، لَكِنَّهُ إنْ خَرَجَ فِي الصَّلَاةِ وَكَثُرَ قَطَعَ لَيْسَ لِنَجَاسَتِهِ بَلْ لِأَنَّهُ مُشْغِلٌ عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَلَّ لَمْ يَقْطَعْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَبِلَهُ، وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْدُودَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ بِاخْتِيَارِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِي الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ.
(تَنْبِيهٌ) (الْقَلْسُ) مَاءٌ حَامِضٌ كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَصَرَّحَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَلْسُ مَاءٌ حَامِضٌ تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ انْتَهَى.
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَيْءِ فَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ نَجِسٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَيْءِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَلَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا غَلَبَةً فَإِنْ تَعَمَّدَ الْقَلْسَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ تَعَمُّدِ الْقَيْءِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ ابْتَلَعَهُ بَعْدَ أَنْ وَصَلَ إلَى مَحِلٍّ يُمْكِنُ طَرْحُهُ فَاخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ إذَا كَانَ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ عِيسَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَلَبَةُ الْقَلْسِ لَغْوٌ فَإِنْ ابْتَلَعَهُ بَعْدَ فَصْلِهِ عَمْدًا فَفِي بُطْلَانِهَا نَقَلَا الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَسَاءَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ فِي رَسْمٍ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ لَمَّا حَكَى رِوَايَةَ ابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْقَيْءَ الْمُتَغَيِّرَ عَنْ هَيْئَةِ الطَّعَامِ طَاهِرٌ مَا لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعُذْرَةِ وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَفْصِلُ فِي الْقَلْسِ كَمَا يَفْصِلُ فِي الْقَيْءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (قَدَّمَ الْبِنَاءَ وَجَلَسَ فِي آخِرَةِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَتَهُ) ش هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ كُلِّهَا حَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ الَّذِي أَدْرَكَ ثَانِيَةَ إمَامٍ مُسَافِرٍ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْبِنَاءِ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيُخْتَلَفُ هَلْ يَجْلِسُ أَمْ لَا فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَجْلِسُ ثُمَّ يَأْتِي بِأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ

وَخَوْفٌ بِحَضَرٍ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوصٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَصَوَّرَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ، وَصَوَّرَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مُسَافِرًا وَصَلَّى فِي الْحَضَرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الْحَضَرِيِّينَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَكُونُ فِي صَلَاةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الْقَضَاءُ وَهِيَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَالْبِنَاءُ وَهُوَ الرَّكْعَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ سَتَرَ الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة]

. (فَصْلٌ هَلْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِكَثِيفٍ وَإِنْ بِإِعَارَةٍ أَوْ طَلَبٍ إلَى قَوْلِهِ خِلَافٌ) ش أَيْ هَلْ هُوَ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَشَرْطٌ فِيهَا مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ، وَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ الْقُدْرَةِ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ وَالشَّرْطِيَّةُ وَلِذَلِكَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْقَبَسِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ التُّونُسِيُّ السَّتْرُ فَرْضٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي افْتِقَارِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَى ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ أَوْ هِيَ فَرْضٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَتَّى إذَا صَلَّى مَكْشُوفًا مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ اخْتِيَارُ أَبِي الْفَرَجِ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ بُكَيْرٍ وَقَوْلُهُ بِكَثِيفٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّاتِرُ الْخَفِيفُ كَالْعَدَمِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَالْبُنْدُقِيِّ الرَّفِيعِ انْتَهَى.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: الْكَثِيفُ السَّاتِرُ الثَّخِينُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ بِإِعَارَةٍ مُبَالَغَةٌ يُرِيدُ أَنَّ السِّتْرَ مَطْلُوبٌ وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ لِغَيْرِهِ فَإِنْ أَعَارَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ فَإِنَّهُ وَاجِدٌ لِلسَّتْرِ كَهِبَةِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ لِقِلَّةِ الْمِنَّةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ طَلَبَ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَلَامُهُ فِي وُجُوبِ الطَّلَبِ إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنْ لَا يَبْخَلَ بِذَلِكَ وَإِنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْإِجَابَةِ سَقَطَ وُجُوبُ الطَّلَبِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ

ص (وَإِنْ بِخَلْوَةٍ لِلصَّلَاةِ) ش: قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي

تَيْسِيرِ الْمَقَاصِدِ: وَاجِبَاتُ الصَّلَاةِ الطَّهَارَةُ وَالسَّاتِرُ الْمُغَطِّي لِلْعَوْرَةِ بِلَا خِرَقٍ وَلَا شُفُوفٍ وَلَا وَصْفٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَزْيَدَ مِنْ قَمِيصٍ اتَّزَرَ تَحْتَهُ وَإِنْ بِخِرْقَةٍ انْتَهَى وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَمِيصُ شَفَّافًا.
(فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ) إمَامٌ سَقَطَ سَاتِرُ عَوْرَتِهِ فِي رُكُوعِهِ فَرَدَّهُ قَرَّبَهُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ مُوسَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَهُ بِالْقُرْبِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِالْقُرْبِ لَأَعَادَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا يَخْرُجُ وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِالْقَوْمِ صَلَاتَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَمَادَى بِهِمْ فَإِنْ اسْتَتَرَ بِالْقُرْبِ فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ خِلَافُ قَوْلِهِ هُنَا انْتَهَى.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ، وَأَنَّ مَنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَاقْتَصَرَ فِي التَّلْقِينِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَأَزَالَهَا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مَسْأَلَةُ مَنْ سَقَطَ ثَوْبُهُ فَرَدَّهُ فِي الْحَالِ فِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
الْمَشْهُورُ الْبُطْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، (الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ فَتَنْكَشِفُ فَخْذُهُ أَوْ بَعْضُ عَوْرَتِهِ وَهُوَ وَحْدَهُ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فَقَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ وَفَخْذَهُ فَإِنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْفَخْذُ فَلْيَسْتُرْهُ قُلْتُ: مَا قَالَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فَرْقَ فِي السُّتْرَةِ بَيْنَ الظَّلَّامِ وَغَيْرِهِ وَلَا بُدَّ مِنْهَا وَأَعْرِفُ فِي زَهْرِ الْكِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ رَجُلٍ حُصِّلَ فِي شَجَرَةٍ عُرْيَانًا فَحَلَفَ لَهُ آخَرُ إنَّك لَا تَنْزِلُ إلَّا مُسْتَتِرًا وَلَا يَمُدُّ لَكَ أَحَدٌ مَا تَسْتَتِرُ بِهِ، فَأَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّهُ يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ وَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ وَتَلَا قَوْلَهُ: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَهَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ بَيِّنٌ وَعَلَى مُرَاعَاةِ الْعُرْفِ أَوْ الْبِسَاطِ أَوْ النِّيَّةِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فَلَا بُدَّ مِنْ حِنْثِهِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَلْزَمَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ إنْ دَخَلْتُمَا هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ إذَا دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَسْتُرُهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَهِيَ مِنْ رَجُلٍ وَأَمَةٍ وَإِنْ بِشَائِبَةٍ وَحُرَّةٍ مَعَ امْرَأَةٍ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) ش قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا خِلَاف أَنَّ مَا فَوْقَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَلَا فِي أَنَّ سَوْأَتَيْهِ عَوْرَةٌ وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَسْتُرَ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ الْقَذَارَةِ: إنَّ إظْهَارَ بَعْضِ الْفَخْذِ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ حَرَامٌ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا حُكْمُهَا أَيْ الْمَرْأَةُ مَعَ النِّسَاءِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَحُكْمِ الرِّجْلِ مَعَ الرَّجُلِ أَنَّ الْفَخْذَ كُلَّهُ عَوْرَةٌ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ فِي

شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ قَالَ: فَرْعُ مَنْعِ الْأَبِ وَالِابْنِ مِنْ تَجْرِيدِ الْبِنْتِ وَالْأُمِّ وَجُعِلَ لِلنِّسَاءِ تَجْرِيدُ الْمَرْأَةِ لِلْغُسْلِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَهُوَ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ فَقَطْ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَنَصَّهُ فِي فَصْلِ لِبَاسِ الصَّلَاةِ، وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَحُكْمُهُمَا أَنَّ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ لَا يَكْشِفُهُ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْبَدَنِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: إذَا لَبِسَتْ السَّرَاوِيلَ تَحْتَ السُّرَّةِ فَتَكُونُ قَدْ ارْتَكَبَتْ النَّهْيَ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى حَدِّ السَّرَاوِيلِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَى الْفَخْذِ، وَأَمَّا تَمْكِينُ مَنْ يُدَلِّكُ فَذَلِكَ حَرَامٌ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَدْخَلِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ عَدَّ مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ دُخُولِهِ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُ دَلَّاكًا يُدَلِّكُ لَهُ فَخْذَيْهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبِسَاطِيّ فِي هَذَا الْمَحِلِّ بَلْ صَرِيحُهُ، وَأَمَّا الضَّرْبُ عَلَى الْفَخِذِ فَاخْتَارَ ابْنُ الْقَطَّانِ جَوَازَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: قَالَ مَالِكٌ: السُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِفَ فَخْذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسِ لِابْنِ شِهَابٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَبْلَ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ عَنْ السَّوْأَتَيْنِ فَقَالَ: هُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَمِنْ الدُّبُرِ مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَأَمَةٌ يُرِيدُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَمَعَ الرَّجُلِ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى مَا تَحْتَ ثِيَابِهَا لِغَيْرِ سَيِّدِهَا وَتَأَمُّلُ ثَدْيِهَا وَصَدْرِهَا وَمَا يَدْعُو إلَى الْفِتْنَةِ مِنْهَا وَيُسْتَحَبُّ لَهَا كَشْفُ رَأْسِهَا وَيُكْرَهُ لَهَا كَشْفُ جَسَدِهَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ بِشَائِبَةٍ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ أَحْكَامِ النَّظَرِ لِلْقَبَّابِ مَسْأَلَةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا حُكْمُهَا كَحُكْمِ الْحُرَّةِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ انْتَهَى مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ

ص (وَمَعَ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ش قَالَ الْأَبِيُّ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَقِيلَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ خُشِيَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْفِتْنَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ هَذَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا

وَأَمَّا الرَّجُلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِلَّذَّةِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ اللَّذَّةِ فَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ عِنْد قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا إلَخْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ فِي أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّظَرَ لِوَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِغَيْرِ لَذَّةٍ جَائِزٌ بِغَيْرِ سَتْرٍ، قَالَ: وَالنَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا لِغَيْرِ لَذَّةٍ جَائِزٌ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يُنْظَرُ إلَيْهِ وَكَلَامُهُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ النَّظَرُ لِوَجْهِ الْمُتَجَالَّةِ دُونَ الشَّابَّةِ إلَّا لِعُذْرٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.

ص (كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخْذًا لَا رِجْلًا) ش: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَصْلُ الْعَوْرَةِ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلُ وَلَوْ صَلَّتْ هِيَ وَالرَّجُلُ مَكْشُوفَيْ الْبَطْنِ أَضَرَّهُمَا وَلَوْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الْفَخْذِ لَأَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ عِنْدَ أَصْبَغَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ إذَا صَلَّى مَكْشُوفَ الْفَخْذِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ سَحْنُونٌ فِي كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَنْ نَظَرَ إلَى إمَامِهِ مُنْكَشِفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا تَعَمَّدَ النَّظَرَ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ لِلْمَحْظُورِ فِي صَلَاتِهِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ إذْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِصْيَانِ، خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَ لِرَجُلٍ انْتَهَى مِنْ سَمَاعِ مُوسَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَعَمَّدَ نَظَرَ عَوْرَتِهِ مِنْ مَأْمُومِيهِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَالتُّونُسِيُّ وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِمَا بُطْلَانَهَا بِغَصْبٍ فِيهَا وَنَقَلَ ابْنُ حَارِثٍ قَوْلَ سَحْنُونٍ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَيْشُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مَسْأَلَةُ مَنْ سَقَطَ ثَوْبُهُ فَرَدَّهُ فِي الْحَالِ فِي صَلَاتِهِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَبْلَهُ مَسْأَلَةُ مَنْ حَسَّ فِي ذَكَرِهِ نَدَاوَةً وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَهُ وَنَظَرَهُ فَلَمْ يَرَ بِهِ شَيْئًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ انْتَهَى.

ص (وَمَعَ مَحْرَمٍ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ) ش: قَالَ الْأَبِيُّ عَنْ عِيَاضٍ: وَعَوْرَتُهَا عَلَى ذِي الْمَحْرَمِ مَا سِوَى الذِّرَاعَيْنِ وَسِوَى مَا فَوْقَ الْمَنْحَرِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَعَوْرَتُهَا أَيْ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ مِنْ الرِّجَالِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَأَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكُوعَيْنِ وَالشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى شَعْرِ أُمِّ زَوْجَتِهِ وَلَا يَنْبَغِي إنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَنْ تُعَانِقَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْمُوَطَّإِ فِي فَصْلِ السُّنَّةِ مِنْ الشَّعْرِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَوْ شَعْرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ، قَالَ الْبَاجِيُّ: قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ إلَخْ، يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ: وَأَظُنُّهُ عَنْ النَّوَوِيِّ وَكُلُّ مَا أُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا هُوَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَأَمَّا مَعَ الشَّهْوَةِ فَمُمْتَنِعٌ حَتَّى نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى ابْنَتِهِ وَأُمِّهِ وَكُلِّ مَا مُنِعَ النَّظَرُ إلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا هُوَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ جَازَ وَانْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَامِعِ الْكَافِي: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى وَجْهِ أُمِّ امْرَأَتِهِ وَشَعْرِهَا وَكَفَّيْهَا وَكَذَلِكَ زَوْجَةُ أَبِيهِ وَزَوْجَةُ ابْنِهِ وَلَا يَنْظُرُ مِنْهُنَّ إلَى مِعْصَمٍ وَلَا سَاقٍ وَلَا جَسَدٍ وَلَا يَجُوزُ تَرْدَادُ النَّظَرِ وَإِدَامَتُهُ إلَى امْرَأَةٍ شَابَّةٍ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ أَوْ غَيْرِهِنَّ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا وَإِنَّمَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا وَالسَّلَامَةُ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْهَا كُلُّ مَنْ نَظَرَ إلَيْهَا بِغَيْرِ رِيبَةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَأَمَّا النَّظَرُ لِلشَّهْوَةِ فَحَرَامٌ تَأَمُّلُهَا مِنْ فَوْقِ ثِيَابِهَا بِالشَّهْوَةِ فَكَيْفَ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا مُسْفِرَةً انْتَهَى

ص (وَتَرَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ مَا يَرَاهُ مِنْ مَحْرَمِهِ) ش قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ

أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَمَّامِ: اُخْتُلِفَ فِي بَدَنِ الرَّجُلِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُ إلَّا مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ إلَّا مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ انْتَهَى.

ص (وَلَا تُطْلَبُ أَمَةٌ بِتَغْطِيَةِ رَأْسٍ) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْأَمَةِ وَمَنْ لَمْ تَلِدْ مِنْ السَّرَارِي وَالْمُكَاتِبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا الصَّلَاةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ وَلَا يُصَلِّينَ إلَّا بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِالْقِنَاعِ؛ لِأَنَّ اللَّام لِلتَّخْيِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَضْرِبُ مَنْ تُغَطِّي رَأْسَهَا مِنْ الْإِمَاءِ لِئَلَّا يُشْتَبَهْنَ بِالْحَرَائِرِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِيهِ لِأَنَّ نَصَّهَا: وَالْأَمَةُ تُصَلِّي بِغَيْرِ قِنَاعٍ وَذَلِكَ شَأْنُهَا وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فَمَا اخْتَصَرَهُ الْبَرَاذِعِيُّ خِلَافُ مَا فِيهَا وَأَجَابَ الْمَغْرِبِيُّ بِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ حُكْمَهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ خِلَافُ قَوْلِ الْجَلَّابِ، وَالْمُكَاتَبَةُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَذَلِكَ وَفِي الْجَلَّابِ: أَنَّ الْمُعْتَقَةَ لِأَجَلٍ كَالْأَمَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَنْبَغِي أَنْ تَلْحَقَ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَقَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّينَ إلَّا بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ هُوَ الْمَطْلُوبُ انْتَهَى، وَقَالَ سَنَدٌ: اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ وَذَلِكَ شَأْنُهَا هَلْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ فَفِي التَّفْرِيعِ: يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَكْشِفَ رَأْسَهَا، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ كَالرَّجُلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا لِلرَّجُلِ وَإِنَّمَا هُوَ جَائِزٌ فَفِي الْأَمَةِ أَوْلَى انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَتَكْرَهُ أَنْ تَخْرُجَ الْجَارِيَةُ الْمَمْلُوكَةُ مُتَجَرِّدَةً؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَضْرِبُهَا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ مُتَجَرِّدَةً مَكْشُوفَةَ الظَّهْرِ أَوْ الْبَطْنِ، وَأَمَّا خُرُوجُهَا مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَهُوَ سُنَّتُهَا لِئَلَّا تُشْتَبَهَ بِالْحَرَائِرِ اللَّوَاتِي أَمَرَهُنَّ اللَّهُ بِالْحِجَابِ، قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: وَمَا رَأَيْت بِالْمَدِينَةِ أَمَةً تَخْرُجُ وَإِنْ كَانَتْ رَائِعَةً إلَّا وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ فِي ضَفَائِرِهَا أَوْ فِي شَعْرِ مُحَمَّمٍ لَا تُلْقِي عَلَى رَأْسِهَا جِلْبَابًا لِتُعْرَفَ الْأَمَةُ مِنْ الْحُرَّةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي الْيَوْمَ لِعُمُومِ الْفَسَادِ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ فَلَوْ خَرَجَتْ الْيَوْمَ جَارِيَةٌ رَائِعَةً مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْأَزِقَّةِ لَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُلْزِمَ الْإِمَاءَ مِنْ الْهَيْئَةِ فِي لِبَاسِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ بِهِ مِنْ الْحَرَائِرِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا خَشِيَ مِنْ الْأَمَةِ الْفِتْنَةَ وَجَبَ السَّتْرُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ انْتَهَى

ص (وَأَعَادَتْ إنْ رَاهَقَتْ لِلِاصْفِرَارِ) ش: ابْنُ نَاجِي قَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَا الصَّبِيُّ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَإِنْ صَلَّيَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ

أَعَادَا أَبَدًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُعِيدَانِ فِيمَا قَرُبَ وَلَا يُعِيدَانِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكِلَاهُمَا حَكَاهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَوْلُ أَشْهَبَ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ قَلَبَ النَّفَلَ فَرْضًا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ: يُعِيدُ أَبَدًا، فَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: قَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ تَمْرِينًا انْتَهَى.

ص (كَكَفْتِ كُمٍّ وَشَعْرٍ لِصَلَاةٍ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ كَفْتُ الْكُمِّ وَالشَّعْرِ وَشَدِّ الْوَسَطِ لَهَا: الْمَشْهُورُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِشُغْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كُرِهَ، وَفِي الْإِكْمَالِ كَرَاهِيَتُهُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، قَالَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ السَّلَفِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ: وَأَمَّا صِفَةُ الْكَمَالِ فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ أُهْبَتَهُ الْمُعْتَادَةَ مِنْ كَمَالِ الزِّيِّ وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْأَئِمَّةِ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ رِدَاءٍ، وَالرِّدَاءُ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ زِيَّهُمْ الْمُعْتَادَ أَوْ الْحَالَةَ الَّتِي أَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَالْأَكْمَلُ إرْسَالُ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِثَوْبٍ مَا نَصُّهُ: يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَلَحْمُ كَتِفِهِ بَارِزٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا يَسْتُرُهُ بِهِ مِنْ اللِّبَاسِ لَا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ رِدَاءً وَنَحْوَهُ عَلَى قَمِيصٍ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مَا فِي مَعْنَى الْقَمِيصِ مِمَّا هُوَ سَاتِرٌ لِكَتِفَيْهِ نَعَمْ ذَلِكَ أَوْلَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى وَاضِحٌ بَيِّنٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ ثُمَّ نَقَلَ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي مِئْزَرٍ أَوْ سَرَاوِيلَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ كَانَ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَزِدْ شَيْئًا آخَرَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ سَاتِرٌ لَهُمَا وَهُوَ وَهْمٌ لَا شَكَّ فِيهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى انْتَهَى.
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ شَدُّ الْوَسَطِ لِلصَّلَاةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ.

ص (وَتَلَثُّمٌ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَيُمْنَعُ التَّلَثُّمُ فِي

الصَّلَاةِ: أَمَّا التَّلَثُّمُ فَيُمْنَعُ إذَا كَانَ لِكِبْرٍ وَنَحْوِهِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَأْنَهُ كَأَهْلِ الْمُتُونَةِ أَوْ كَانَ فِي شُغْلٍ عَمِلَهُ مِنْ أَجَلِهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ وَتَنَقُّبُ الْمَرْأَةِ لِلصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي السَّتْرِ انْتَهَى.

ص (كَكَشْفِ مُشْتَرٍ صَدْرًا أَوْ سَاقًا) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُشْتَرِي الْأَمَةِ كَشْفُ صَدْرِهَا أَوْ سَاقَهَا لِلتَّقْلِيبِ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِفَ مِنْ الْأَمَةِ عِنْدَ اسْتِعْرَاضِهِ إيَّاهَا شَيْئًا لَا مِعْصَمًا وَلَا صَدْرًا وَلَا سَاقًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُسْدِلٌ عِوَضُ مُشْتَرٍ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ سَادِلٌ مِنْ سَدَلَ ثُلَاثِيًّا انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ ابْنُ الْحَاجِبِ نَظَرُهُ لِلْأَمَةِ لِيَبْتَاعَهَا مُبَاحٌ قُلْتُ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْخِيَارِ وَقَدْ تَجَرَّدَ لِلتَّقْلِيبِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ ظَاهِرُ هَذَا يُوهِمُ جَوَازَ تَجْرِيدِ الرَّقِيقِ عِنْدَ الشِّرَاءِ لِيُنْظَرَ إلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَظَاهِرُ مَا حَكَى هَذَا الشَّيْخُ أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا مُبَاحٌ عَلَى حَدِّ مَا يَجُوزُ فِي الْحَرَائِرِ فِي الْخِطْبَةِ وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُونَ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُ يَحْبِسُ صَدْرَهَا وَثَدْيَهَا وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ النَّظَرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ فِيمَا أَعْلَمُ لَا سِيَّمَا مِنْ بَعْضِ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ - تَعَالَى - انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْي لَا يَجُوزُ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصَمَّاءَ بِسِتْرٍ) ش: مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَحْلُولَ الْأَزْرَارِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَلَا مِئْزَرٌ وَهُوَ أَسْتَرُ مِنْ الَّذِي يُصَلِّي مُتَوَشِّحًا بِثَوْبٍ، وَمَنْ صَلَّى بِسَرَاوِيلَ أَوْ مِئْزَرٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الثِّيَابِ لَمْ يَعُدْ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهَا قَالَ ابْنُ نَاجِي (الْأَزْرَارُ) جَمْعُ زِرٍّ وَهِيَ الْأَقْفَالُ الَّتِي يُقْفَلُ بِهَا الثَّوْبُ مِنْ نَاحِيَةِ الصَّدْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ، هَذَا إذَا كَانَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ لِئَلَّا تُرَى عَوْرَتُهُ (وَالتَّوَشُّحُ) قَالَ الْبَوْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ وَيُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَيَعْقِدَهُ فِي عُنُقِهِ ابْنُ يُونُسَ (وَالسَّدْلُ) أَنْ يُسْدِلَ طَرْفَ إزَارِهِ وَيَكْشِفَ صَدْرَهُ وَفِي وَسَطِهِ مِئْزَرٌ أَوْ سَرَاوِيلُ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: (الْأَزْرَارُ) جَمْعُ زِرٍّ وَهِيَ الْأَقْفَالُ الَّتِي يُقْفِلُ بِهَا الثَّوْبُ الَّذِي يَكُونُ مَشْقُوقًا مِنْ تَحْتِ حَلْقِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ: إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ لِحْيَتُهُ كَثِيفَةً لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَسَوَاءٌ كَانَ مُلْتَحِيًا أَوْ غَيْرَهُ انْتَهَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي أَنَّ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ تَقْيِيدٌ لِلْكِتَابِ وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَفِي رَسْمٍ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْبُرْنُسِ قَالَ: هِيَ مِنْ لِبَاسِ الْمُصَلِّينَ وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ الْقَدِيمِ وَمَا أَرَى بِهَا بَأْسًا وَأَسْتَحْسِنُ لِبَاسَهَا، وَقَالَ: هِيَ مِنْ لِبَاسِ الْمُسَافِرِينَ لِلْبَرْدِ وَالْمَطَرِ، قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ مِنْ عُبَّادِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا وَلَهُمْ ثَوْبَانِ بُرْنُسٌ يَغْدُو بِهِ وَخَمِيصَةٌ يَرُوحُ بِهَا، وَلَقَدْ رَأَيْت النَّاسَ يَلْبَسُونَ الْبَرَانِسَ فَقِيلَ لَهُ: مَا كَانَ أَلْوَانُهَا، قَالَ: صُفْرٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: (الْبَرَانِسُ) : ثِيَابٌ مِتَانٌ فِي شَكْلِ الْقَفَايِزِ عِنْدنَا مَفْتُوحَةٌ مِنْ أَمَامٍ، تُلْبَسُ عَلَى الثِّيَابِ فِي الْبَرْدِ وَالْمَطَرِ مَكَانَ الرِّدَاءِ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَحْدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهَا قَمِيصٌ أَوْ إزَارٌ أَوْ سَرَاوِيلُ؛ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ تَبْدُو مِنْ أَمَامِهِ وَهَذَا فِي الْبَرَانِسِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَمَّا الْبَرَانِسُ الْعَجَمِيَّةُ فَلَا خَيْرَ فِي لِبَاسِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهَا مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَشَكْلِهِمْ، وَأَمَّا الْخَمَائِصُ فَهِيَ أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوفٍ رِقَاقٌ مُعَلَّمَةٌ وَغَيْرُ مُعَلَّمَةٍ يُلْتَحَفُ فِيهَا كَانَتْ مِنْ لِبَاسِ الْإِشْرَافِ فِي

أَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَوْلُهُ بُرْنُسٌ يَغْدُو بِهِ مُجْمَلٌ يُرِيدُ يَلْبَسُهُ عَلَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الثِّيَابِ وَخَمِيصَةٌ يَرُوحُ فِيهَا يَعْنِي يَلْتَحِفُهَا عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا السَّمَاعَ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ بِاخْتِصَارٍ أَجْحَفَ فِيهِ إلَى الْغَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَسْأَلَةِ ابْنِ حَبِيبٍ: يُحَرَّمُ لُبْسُ الْبَرَانِسِ الَّتِي مِنْ زِيِّ النَّصَارَى وَيُؤَدَّبُ لَابِسُهُ وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْفِدْيَةُ إنْ لَبِسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ذَكَرَهُ فِي تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَجِّ وَيُحَرَّمُ عَلَى الرَّجُلِ لِبَاسُ الْمَخِيطِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي آخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ أُسَامَةَ: (الْبُرْنُسُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَالنُّونِ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مِنْ دُرَّاعَةٍ كَانَ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا انْتَهَى

ص (وَعَصَى وَصَحَّتْ إنْ لَبِسَ حَرِيرًا أَوْ ذَهَبًا) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) لِبَاسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ الْخَالِصِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ انْتَهَى مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلُبْسُ الرَّجُلِ الْحَرِيرَ الْخَالِصَ حَرَامٌ انْتَهَى وَأَمَّا الْخَزُّ فَقَالَ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ: قَالَ مَالِكٌ رَأَيْت رَبِيعَةَ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَتَهُ وَبِطَانَتُهَا وَظِهَارَتُهَا خَزٌّ وَهُوَ إمَامٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ الْخَزُّ مَا كَانَ سَدَّاهُ مِنْ حَرِيرٍ، وَاللَّحْمُ بِالْوَبَرِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَفِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَاهُ مِنْ الثِّيَابِ الْمَحْشُوَّةِ بِالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ كَالْمُحَرَّرَاتِ الَّتِي سَدَّاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلَحْمَتُهَا قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ لِبَاسَهَا جَائِزٌ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ مَنْ لَبِسَهَا لَمْ يَأْثَمْ وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُؤْجَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ.
(الثَّانِي) أَنَّ لِبَاسَهَا غَيْرُ جَائِزٍ وَإِنْ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَرَامٌ فَمَنْ لَبِسَهَا أَثِمَ وَمَنْ تَرَكَهَا نَجَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ.
(الثَّالِثُ) أَنَّ لِبَاسَهُ مَكْرُوهٌ فَمَنْ لَبِسَهُ لَمْ يَأْثَمْ وَمَنْ تَرَكَهُ أُجِرَ وَهَذَا هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ لِتُكَافِئَ الْأَدِلَّةُ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ الَّتِي قَالَ فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ اتَّقَاهَا فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَأْتِي مَا حَكَى مُطَرِّفٌ مِنْ أَنَّهُ رَأَى عَلَى مَالِكٍ إبْرَيْسَمَ كَسَاهُ إيَّاهُ هَارُونَ الرَّشِيدِ إذْ لَمْ يَكُنْ يَلْبَسُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِلِبْسِهِ.
(الرَّابِعُ) الْفَرْقُ بَيْنَ ثِيَابِ الْخَزِّ وَسَائِرِ الثِّيَابِ فَيَجُوزُ لِبَاسُ الْخَزِّ وَلَا يَجُوزُ لِبَاسُ مَا سِوَاهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ

[مَسْأَلَةٌ سُتُورِ الْحَرِيرِ الْمُعَلَّقَةِ فِي الْبُيُوتِ]

(مَسْأَلَةٌ) سَتْرُ الْحِيطَانِ بِهِ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ كَلَامِهِ فِي الْبَسْطِ بِخِلَافِ سُتُورِ الْحَرِيرِ الْمُعَلَّقَةِ فِي الْبُيُوتِ: لَا بَأْسَ بِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ لِبَاسٌ لِمَا سَتَرَتْهُ مِنْ الْحِيطَانِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَيَأْتِي نَحْوُهُ عَنْ النَّوَادِرِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِلْمَحْمَلِ أَنَّ مَسَانِدَ الْحَرِيرِ وَالْبَشْخَانَاتِ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى السَّرِيرِ لَا تَجُوزُ لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ انْتَهَى وَهُوَ غَرِيبٌ أَمَّا النِّسَاءُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِنَّ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ اللِّبَاسِ وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِنَادَهُمْ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا الْبَشْخَانَاتُ الْمُعَلَّقَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي السُّتُورِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَمُنِعَ دُخُولُ الْكَعْبَةِ لِأَنَّ سَقْفَهَا مَكْسُوٌّ بِالْحَرِيرِ وَكَسْوُهَا بِالْحَرِيرِ جَائِزٌ بَلْ مَنْدُوبٌ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ هُنَا وَفِي فَصْلِ الْوَلِيمَةِ وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي

الْكِتَابَةِ فِي الْحَرِيرِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي إجَازَةِ لِبَاسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ، فَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاهَاتِ وَالْإِرْهَابِ وَلِمَا بَقِيَ عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ النَّبْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ السِّلَاحِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَحَكَاهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي رَسْمٍ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ: وَأَمَّا اتِّخَاذُ الرَّايَةِ مِنْ الْحَرِيرِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: وَأَجَازَ مِنْهُ الرَّايَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَتَعْلِيقَهُ سِتْرًا وَالْكُلُّ خَيْطُ الْعَلَمِ وَالْخِيَاطَةَ بِهِ وَجَوَّزَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَازِرِيَّ الطَّوْقَ وَاللَّبِنَةَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ جَيْبٌ وَلَا زِرٌّ انْتَهَى يُوهِم أَنَّ غَيْرَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ لُبْسَهُ لِحَكَّةٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لِلْجِهَادِ وَرَوَاهُ وَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُمَا انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ فِي الْجَلَّابِ عَلَى إجَازَةِ لُبْسِهِ لِلْحَكَّةِ وَالْجِهَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[مَسْأَلَةٌ الْقَطِيفَةُ مِنْ الْحَرِيرِ والشَّمْلَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْوِسَادَةُ مِنْ الْحَرِيرِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ: وَسَأَلْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْقَطِيفَةُ مِنْ الْحَرِيرِ أَوْ الشَّمْلَةِ مِنْ الْحَرِيرِ فَيَلْتَحِفُهَا أَوْ تَكُونُ لَهُ الْوِسَادَةُ مِنْ الْحَرِيرِ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا أَوْ يَجْلِسُ فَهَلْ الْجُلُوسُ عَلَى الْحَرِيرِ وَالِالْتِحَافُ بِهِ مُحَرَّمٌ كَتَحْرِيمِ لِبَاسِهِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بَسْطُهُ فَلَا بَأْسَ قَدْ فَعَلَهُ النَّاسُ وَأَمَّا مَا يُلْبَسُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْمِلْحَفَةُ مِنْ اللِّبَاسِ ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي اسْتِعْمَالِ الرِّجَالِ لَهُ فِي غَيْرِ اللِّبَاسِ كَالْبَسْطِ وَالِارْتِفَاقِ بِهِ وَشَبَهِهِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ إجَازَةُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ افْتِرَاشَهُ وَالِاتِّكَاءَ عَلَيْهِ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ يُجَوِّزُ لِلزَّوْجِ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى وَابْنُ الْعَرَبِيِّ حُجَّةٌ حَافِظٌ وَقَالَ بِجَوَازِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَنَاهِيكَ بِهِمَا فِي الْوَرَعِ وَالتَّشْدِيدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلزَّوْجَةِ وَلَا يَدْخُلُ الْفِرَاشَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهَا وَلَا يُقِيمُ فِيهِ بَعْدَ قِيَامِهَا وَإِذَا قَامَتْ لِضَرُورَةِ ثُمَّ تَرْجِعُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى مَوْضِعٍ يُبَاحُ لَهُ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى فِرَاشِهَا وَإِنْ قَامَتْ وَهُوَ نَائِمٌ فَتُوقِظُهُ أَوْ تُزِيلُهُ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهَا ذَلِكَ انْتَهَى مِنْ فَصْلِ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِلْمَحْمَلِ.
وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ فَانْظُرْهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ نَاجِي حَيْثُ جَزَمَ بِمَنْعِ ذَلِكَ فَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُتْعَةُ بِهِ بِحُكْمِ التَّبَعِ لِزَوْجَتِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
مَعَ أَنَّ شَيْخَهُ ابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَجْزِمْ بِذَلِكَ

[مَسْأَلَةٌ مَا رُقِّمَ بِالْحَرِيرِ]

(مَسْأَلَةٌ) مَا رُقِّمَ بِالْحَرِيرِ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ النَّوَادِرِ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: وَلَا يُجْعَلُ مِنْ الْحَرِيرِ لَا جَيْبٌ فِي فَرْوٍ وَلَا زِرٌّ وَلَا يُفْرَشُ وَلَا يُصَلَّى عَلَى بُسُطِهِ وَلَا يَتَّكِئ عَلَيْهِ وَلَا يُلْتَحَفُ بِمِلْحَفَةٍ أَوْ مَا بُطِّنَ بِحَرِيرٍ أَوْ بِمَسَانِدِ الصُّوفِ الْمَرْقُومَةِ بِالْحَرِيرِ وَلَا بِدِيبَاجٍ وَهُوَ كَاللِّبَاسِ بِخِلَافِ السِّتْرِ مِنْ الْحَرِيرِ وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَلَّقَ سِتْرًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ ثِيَابِ الْحَرِيرِ مَا عَدَا مَا وَصَفْت لَكَ وَفَرْقٌ بَيْنَ السِّتْرِ وَمَا يُلْبَسُ وَمَا يُنْتَقَبُ بِهِ وَيُتَّكَئُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَرِيرِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُخَاطَ الثَّوْبُ بِحَرِيرٍ انْتَهَى وَفِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ فِي اللِّبَاسِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَا بُطِّنَ بِالْحَرِيرِ أَوْ حُشِيَ بِهِ أَوْ رُقِّمَ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: يُرِيدُ إذَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى

[فَرْعٌ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلصِّبْيَانِ الذُّكُورِ]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكَرِهَ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلصِّبْيَانِ الذُّكُورِ كَمَا كَرَّهَهُ لِلرِّجَالِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْخَزُّ لِلصِّبْيَانِ خَفِيفًا انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ هَذَا النَّقْلُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرَ مُجَلَّى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ

فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ خُرُوجِ النِّسَاءِ لِلْمَحْمَلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ وَلَا الْتِحَافُهُ بِهِ إلَّا تَبَعًا لِلزَّوْجَةِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الذُّكُورُ فَفِيهِمْ خِلَافٌ وَالْمَنْعُ أَوْلَى وَيُسْتَخَفُّ ذَلِكَ فِي الرَّضِيعِ لِلْمَشَقَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أُمِّهِ انْتَهَى

[فَرْعٌ خير الْأَلْوَانُ مِنْ اللِّبَاسِ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ: وَأَمَّا الْأَلْوَانُ مِنْ اللِّبَاسِ فَخَيْرُهُ الْبَيَاضُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ خَلِقًا فَيُكْرَهُ لِحَدِيثِ الْإِنْكَارِ عَلَى الرَّاعِي فِي لُبْسِ ثَوْبَيْنِ خَلِقَيْنِ حَتَّى لُبْسُهُمَا جَدِيدَيْنِ وَأَمَّا الْأَحْمَرُ وَمِنْهُ الْمُعَصْفَرُ وَالْمُزَعْفَرُ فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ الْمُزَعْفَرَ لِلرِّجَالِ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْبَاجِيّ: وَالْمُمَشَّقُ بِالْمُغْرَا مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى جَوَازِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ نَظَرَهُ وَانْظُرْ رَسْمَ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ وَرَسْمَ نَذَرَ سُنَّةً مِنْهُ وَانْظُرْ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ مَنْ الْمُعَلَّمُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[فَرْعٌ التَّجَمُّل بِأَحْسَنِ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْكَافِي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَجَمَّلَ بِأَحْسَنِ الثِّيَابِ فِي الصَّلَاةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَفْضَلُ ذَلِكَ وَأَحْسَنُهُ زِينَةً كَالرِّدَاءِ وَشَبَهِهِ انْتَهَى.

ص (أَوْ ذَهَبَا) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ: وَاخْتُلِفَ فِي التَّوَضُّؤِ مِنْ آنِيَة الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَعِنْدنَا أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ تَحْرِيمِ فِعْلِهِ وَقَالَ دَاوُد: إنَّهُ لَا يَصِحُّ انْتَهَى

ص (أَوْ نَظَرَ مُحَرَّمًا فِيهَا) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: ظَاهِرُهُ حَتَّى عَوْرَةُ إمَامِهِ وَعَوْرَةُ نَفْسِهِ خِلَافًا لِابْنِ عَيْشُونٍ الطُّلَيْطِلِيِّ إذْ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ نَظَرَ عَوْرَةَ إمَامِهِ أَوْ عَوْرَةَ نَفْسِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ أَوْ يَتَلَذَّذْ بِهِ انْتَهَى.
فَقِفْ عَلَى جَعْلِهِ النَّظَرَ إلَى عَوْرَةِ نَفْسِهِ مُحَرَّمًا وَقَادِحًا إلَّا أَنَّ هَذَا فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ أَنَّ مِنْ آدَابِ الْإِحْدَاثِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى عَوْرَتِهِ وَلَا إلَى الْخَارِجِ مِنْهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ.
وَقَوْلُهُ: جَعْلُهُ أَيْ جَعْلُ ابْنِ عَيْشُونٍ الطُّلَيْطِلِيِّ وَفِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مَنْ حَسَّ فِي ذَكَرِهِ نَدَاوَةً وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَرَفَعَهُ وَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ: مَنْ نَظَرَ إلَى عَوْرَةِ إمَامِهِ مُنْكَشِفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ إذَا تَعَمَّدَ النَّظَرَ لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ لِلْمَحْظُورِ فِي صَلَاتِهِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَنْظُرْ إذْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِصْيَانِ خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، قَالَ أَرَأَيْت لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَ لِرَجُلٍ انْتَهَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَعَمَّدَ نَظَرَ عَوْرَةٍ مِنْ مَأْمُومِهِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَالتُّونُسِيِّ وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَيْهِمَا بُطْلَانَهَا بِغَصْبٍ فِيهَا وَنَقَلَ ابْنُ حَارِثٍ قَوْلَ سَحْنُونٍ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَيْشُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ مَا نَصُّهُ: حَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ فِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ عَوْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَيْنِ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ، قَالَ

التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ اُبْتُلِيَ بِالزِّنَا انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق.
وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ لِابْنِ الْقَطَّانِ إنَّمَا هُوَ قَوْلٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِالْكَرَاهَةِ وَرَدِّهِ وَكَذَلِكَ اخْتَصَرَهُ الْقَبَّاب وَهَذَا نَصُّ مَا اخْتَصَرَهُ الْقَبَّابُ

[مَسْأَلَةٌ نَظَرُ الْإِنْسَانِ إلَى فَرْجِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ]

(مَسْأَلَةٌ) هَلْ يَجُوزُ نَظَرُ الْإِنْسَانِ إلَى فَرْجِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَرَّهَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُرُوءَةِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ انْتَهَى، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّهَا حَازَتْ فِقْهَ الْأَصْلِ جَمِيعَهُ وَحَذَفَتْ أَدِلَّتَهُ وَأَبْحَاثَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا سِتْرًا لِأَحَدِ فَرْجَيْهِ) ش قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: مَا صَحَّ عَنْ الْمَازِرِيِّ: يَجِبُ عَلَيْهِ سِتْرُ مَا قَدَرَ مِنْ عَوْرَتِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَكْفِيهِ إلَّا لِبَعْضِهَا انْتَهَى.

ص (فَإِنْ عَلِمَتْ فِي صَلَاةٍ بِعِتْقٍ مَكْشُوفَةَ رَأْسٍ أَوْ وَجَدَ عُرْيَانٌ ثَوْبًا اسْتَتَرَا إنْ قَرُبَ وَإِلَّا أَعَادَا بِوَقْتٍ) ش يَعْنِي أَنَّ الْأَمَةَ إذَا صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ثُمَّ عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ رَأْسَهَا إنْ وَجَدَتْ عِنْدَهَا شَيْئًا قَرِيبًا تَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا أَوْ وَجَدَتْ شَيْئًا بَعِيدًا فَإِنَّهَا تُكْمِلُ صَلَاتَهَا وَتُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا يَسْتَتِرُ بِهِ ثُمَّ وَجَدَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ أَخَذَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا فَإِنَّهُ يُكْمِلُ صَلَاتَهُ ثُمَّ يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ لَا عَاجِزَ صَلَّى عُرْيَانًا وَفِي رَسْمٍ يُوصَى لِمُكَاتِبِهِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْغَرِيقِ يُصَلِّي عُرْيَانًا ثُمَّ يَجِدُ ثَوْبًا وَهُوَ فِي الْوَقْتِ هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ إذْ هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ انْتَهَى.

[فَصْلٌ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ]

(فَصْلُ وَمَعَ الْأَمْنِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ) ش يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْأَمْنِ يُرِيدُ وَالْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ اسْتِقْبَالَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَخْ وَقَوْلُنَا: وَالْقُدْرَةِ لِيَخْرُجَ الْمَرِيضُ وَالْمَرْبُوطُ وَمَنْ تَحْتَ الْهَدْمِ وَقَوْلُنَا: وَالذِّكْرِ لِيَخْرُجَ النَّاسِي وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاسْتِقْبَالُهُ الْكَعْبَةَ فَرْضٌ فِي الْفَرْضِ إلَّا لِعَجْزٍ قَتَّالٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ رَبْطٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ خَوْفِ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: وَوَقْتُهُ كَالتَّيَمُّمِ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَمَعَ الْقُدْرَةِ لَشَمَلَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِنَفْسِهِ حُوِّلَ إلَيْهَا فَإِنْ عُجِزَ عَنْ تَحْوِيلِهِ سَقَطَ حُكْمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي حَقِّهِ كَالْمُسَايِفِ وَفِي الْكِتَابِ إذَا صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَهُوَ قَادِرٌ

عَلَى التَّحَوُّلِ وَالتَّحْوِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ يُحَوِّلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي إعَادَتِهِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي الْمَرِيضِ يُعْدَمُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ ثُمَّ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ انْتَهَى.
وَفِي الْوَاضِحَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَرِيضُ مَنْ يُحَوِّلُهُ لِلْقِبْلَةِ صَلَّى عَلَى حَالِهِ قَالَهُ فِي التَّيَمُّمِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ وَالْقَادِمِ وَمَنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلْيُصَلِّ الْمَرِيضُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَلَا يُصَلِّي إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ عَسُرَ تَحْوِيلُهُ إلَيْهَا اُحْتِيلَ فِيهِ فَإِنْ صَلَّى إلَى غَيْرِهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ إلَيْهَا ابْنُ يُونُسَ وَوَقْتُهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ الْغُرُوبُ كَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ التَّحْوِيلَ إلَى الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُحَوِّلُهُ فَيُصَلِّي كَمَا هُوَ فَإِذَا قَدَرَ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ وَلَوْ كَانَ وَاجِدًا مَنْ يُحَوِّلُهُ فَتَرَكَهُ وَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَعَادَ أَبَدًا كَالنَّاسِي انْتَهَى.
وَقَوْله اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ يُرِيدُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَلَوْ خَرَجَ عُضْوٌ مِنْهُ عَنْ الْكَعْبَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُعَلَّى فِي مَنَاسِكِهِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْإِحْرَامِ وَبَيَانِ الْمَنَاسِكِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْقَرَافِيِّ وَنَصَّهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ قَرُبَ مِنْ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِذَا صُفَّ صَفٌّ مَعَ حَائِطِ الْكَعْبَةِ فَصَلَاةُ الْخَارِجِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ بِجُمْلَتِهِ الْكَعْبَةَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ اسْتَدَارَ قَالَ: وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ دَائِرَةً وَقَوْسًا إنْ قَصَرُوا عَنْ الدَّائِرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: الْفَرْضُ فِي الِاسْتِقْبَالِ لِمَنْ عَايَنَ الْبَيْتَ عَيْنَهُ وَلِمَنْ غَابَ عَنْهُ نَحْوَهُ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: يَلْزَمُ طَلَبُ الْعَيْنِ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ لِأَحَدٍ وَمَا لَا يُمْكِنُ لَا يَقَعُ بِهِ التَّكْلِيفُ وَإِنَّمَا الْمُمْكِنُ طَلَبُ الْجِهَةِ فَكُلُّ أَحَدٍ يَقْصِدُ قَصْدَهَا وَيَنْحُو نَحْوَهَا بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَلَّدَ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ الْعَامِّيُّ: يُصَلِّي فِي كُلِّ مَسْجِدٍ أَوْ جَنْبٍ كُلُّ أَحَدٍ وَالْمُجْتَهِدُ يَجْتَنِبُ الْمَسَاجِدَ الْمُخَالِفَةَ لِلْحَقِّ فَإِنْ دَعَتْهُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَصَلَّى وَانْحَرَفَ إنْ أَمِنَ مِنْ الْمَقَالَةِ السَّيِّئَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ صَلَّى هُنَالِكَ وَأَعَادَ فِي بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى الصَّوَابِ انْتَهَى.

. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَحْثِ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ: قُلْنَا إذَا اجْتَهَدَ فِي مَكَّةَ فَأَخْطَأَ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ لِوُجُودِ النَّصِّ وَإِذَا اجْتَهَدَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يُعِدْ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنْ السَّمْتِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ وَكَذَا مَنْ بِمَكَّةَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اسْتَبْدَلَ فَإِنْ قَدَرَ بِمَشَقَّةٍ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنْ السَّمْتِ وَاضِحٌ لِكَوْنِهِ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَنْ بِمَكَّةَ أَيْ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُسَامَتَةُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَعْرِفَ سَمْتَ الْكَعْبَةِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اسْتَدَلَّ كَمَا لَوْ كَانَ بِلَيْلٍ مُظْلِمٍ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْمَطَالِعِ وَالْمَغَارِبِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَرَ بِمَشَقَّةٍ أَيْ عَلَى الْمُسَامَتَةِ كَمَا لَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى صُعُودِ السَّطْحِ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ أَوْ مَرِيضٌ وَالتَّرَدُّدُ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اسْتَدَلَّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِأَعْلَامِ الْبَيْتِ مِثْلِ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ يَسْتَدِلُّ بِالْمَطَالِعِ وَالْمَغَارِبِ إنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ.
ص (فَإِنْ شُقَّ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ الْمَنْعُ.
ص (وَبَطَلَتْ إنْ خَالَفَهَا وَلَوْ صَادَفَ) ش: يُشِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: قَالَ إذَا أَدَّاهُ الِاجْتِهَادُ إلَى جِهَةٍ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ قَالَ: كَمَا لَوْ صَلَّى ظَانًّا أَنَّهُ مُحْدِثٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ انْتَهَى

ص (وَصَوْبَ سَفَرٍ قَصَرَ لِرَاكِبٍ دَابَّةً فَقَطْ) ش: قَوْلُهُ: قَصَرَ هُوَ شَرْطٌ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الدَّابَّةِ اسْتَقْبَلَ أَمْ لَا وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ سَفَرَ قَصْرٍ فَلَا يَتَنَفَّلُ عَلَى الدَّابَّةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ فِي تَرْجَمَةِ الَّذِي يَقْدَحُ الْمَاءَ مِنْ عَيْنَيْهِ: وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى الْأَرْضِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَر فِي مِثْلِهِ عَلَى دَابَّتِهِ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ الْوِتْرَ وَرَكْعَتِي الْفَجْرِ وَالنَّافِلَةَ وَيَسْجُدَ إيمَاءً وَإِذَا قَرَأَ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ أَوْمَأَ فَأَمَّا فِي سَفَرٍ لَا يُقْصَر فِيهِ أَوْ فِي حَضَرٍ فَلَا وَإِنْ كَانَ إلَى الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَلَا يَتَنَفَّلُ الْمُسَافِرُ وَهُوَ مَاشٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا انْحَرَفَ إلَى جِهَةٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا سَهْوٍ فَإِنْ كَانَتْ الْقِبْلَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنَّهَا الْأَصْلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فَلَوْ وَصَلَ مَنْزِلًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ وَأَتَمَّ بِالْأَرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْإِيمَاءَ فِي النَّافِلَةِ لِلصَّحِيحِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلَ إقَامَةٍ خَفَّفَ قِرَاءَتَهُ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ لِأَنَّهُ يَسِيرُ انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ.

ص (وَإِنْ بِمَحْمَلٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ تَنَفَّلَ فِي مَحْمَلِهِ فَقِيَامُهُ تَرَبُّعٌ وَيَرْكَعُ كَذَلِكَ وَيَدَاهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِذَا رَكَعَ رَفَعَهُمَا وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ وَقَدْ ثَنَى رِجْلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِر أَوْمَأَ مُتَرَبِّعًا وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمُصَلِّي فِي مَحْمَلِهِ يَعْيَا فَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ أَرْجُو خِفَّتَهُ وَلَا يُصَلِّي مُحَوِّلًا وَجْهَهُ لِدُبُرِ الْبَعِيرِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ كَانَ تَحَوُّلُهُ تِلْقَاءَ الْكَعْبَةِ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ لَا بَأْسَ بِتَنْحِيَةِ وَجْهِهِ عَنْ الشَّمْسِ تَسْتَقْبِلُهُ وَرَوَى اللَّخْمِيُّ يَرْفَعُ عِمَامَتَهُ عَنْ جَبْهَتِهِ إذَا أَوْمَأَ وَيَقْصِدُ الْأَرْضَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَسْجُدْ عَلَى قَرَبُوسِهِ وَيَضْرِبْ دَابَّةَ رُكُوبِهِ وَغَيْرَهَا وَلَا يَتَكَلَّمْ.
ص (فِي نَفْلٍ) ش: يَخْرُجُ بِهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهَا لَا تُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْجَوَاهِرِ قَالَ فِي الطِّرَازِ الثَّانِي: الَّذِي يَسْتَقْبِلُ فِيهِ وَلَا يُصَلِّي فَرِيضَةً وَلَا صَلَاةَ جِنَازَةٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ انْتَهَى وَذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ فِي أَوَّلِ بَابِ الِاسْتِقْبَالِ.
ص (وَإِنْ وَتْرًا) ش وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَتْرَهُ بِالْأَرْضِ وَلَوْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

ص (وَقَلَّدَ غَيْرَهُ عَارِفًا مُكَلَّفًا) ش: قَالَ

الشَّارِحُ الضَّمِيرُ الْمَخْفُوضُ بِغَيْرِ رَاجِعٌ إلَى الْمُجْتَهِدِ أَيْ وَقَلَّدَ غَيْرَ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ الْأَعْمَى الْعَاجِزُ وَالْبَصِيرُ الْجَاهِلُ مُكَلَّفًا عَارِفًا انْتَهَى.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَأَمَّا الْبَصِيرُ الْجَاهِلُ بِالْأَدِلَّةِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لَاهْتَدَى لَزِمَهُ السُّؤَالُ وَلَا يُقَلِّدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُهْتَدَى يَجْتَهِدُ فَفَرْضُهُ التَّقْلِيدُ

ص (وَمُنْحَرِفٌ يَسِيرًا) ش: هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ انْحَرَفَ يَسِيرًا بِغَيْرِ مَكَّةَ بَنَى مُسْتَقْبِلًا انْتَهَى.
وَلَمْ يَنْقُلْ فِيهِ خِلَافًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ) ش:.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي إعْلَامِ السَّاجِدِ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَخَصَائِصِهِ السَّابِعِ قَالَ ابْنُ الْقَاضِي: مَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَأَخْطَأَ إلَى الْحَرَمِ جَازَ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَالْحَرَمُ لِأَهْلِ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا» هَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْإِشْرَافِ عَنْ غَوَامِضِ الْحُكُومَاتِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَقَدْ نَقَلَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ أَيْضًا فِي أَوَاخِرِ آدَابِ الْقَضَاءِ عَنْهُ عَنْ أَصْحَابِنَا فَقَالَ ابْنُ أَبِي أَحْمَدَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: مَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْبَيْتِ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ فَأَخْطَأَ إلَى الْحَرَامِ جَازَ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثُ انْتَهَى.
وَهَذَا شَيْءٌ لَا نَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا.
نَعَمْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكَعْبَةُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهَذَا النَّقْلُ عَنْهُ غَرِيبٌ قُلْتُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَكِّيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَيْهِ انْتَهَى.

ص (وَجَازَتْ سُنَّةً فِيهَا وَفِي الْحِجْرِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَظَاهِرُهُ وَتْرًا أَوْ غَيْرَهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا: لَا يُصَلَّى فِيهَا فَرْضٌ أَوْ وَتْرٌ أَوْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَوْ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَرَجَعَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَنْعِ رَكْعَتِي الْفَجْرِ فِيهِ إلَى جَوَازِهِمَا فِيهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ: وَيَلْتَحِقُ بِالْفَرِيضَةِ نَوَافِلُ فِي كَوْنِهَا لَا تُصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ الْمَكِّيُّ

فِي تَارِيخِهِ الْمُسَمَّى شِفَاءَ الْغَرَامِ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَهِيَ السُّنَنُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْوَتْرِ وَرَكْعَتِي الْفَجْرِ وَرَكْعَتِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ فَإِنْ صَلَّيْت هَذِهِ النَّوَافِلَ فِي الْكَعْبَةِ فَلَا تُجْزِئُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَتُجْزِئُ عَلَى رَأَى أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُعِيدُ الْفَرْضَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَا يُعِيدُهَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا يُعِيدُهَا وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَلْزَمُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَنَصُّهُ: وَلَا يُصَلِّي فِيهِ يَعْنِي الْحِجْرَ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ السُّنَنَ فَإِنْ صَلَّى فِيهِ أَوْ فِيهَا رَكْعَتِي الطَّوَافِ فَهَلْ يُكْتَفَى بِهِمَا؟ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ وَهُمَا عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ فِي الْمُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ هَلْ يُعِيدُ أَبَدًا أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ النَّاسِيَ إنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، فَالنَّاسِي هُنَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَامِدُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ النَّاسِي وَأَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُعِيدُ هَذِهِ النَّوَافِلَ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ أَيْ مِنْ أَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ لَا تُجْزِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ كَالصَّلَاةِ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ رَكَعَ رَكْعَتِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ فِي الْحِجْرِ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُهُمَا وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ فَأَجْرَاهُ مَجْرَى مَنْ لَمْ يَرْكَعْهُمَا وَقَدْ تُعُقِّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي بَطْنِ الْكَعْبَةِ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ عِنْدنَا وَإِنَّمَا يُعِيدُ لِيَأْتِيَ بِمَا هُوَ أَكْمَلُ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُعِيدَ بِهَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ إذَا وَصَلَ إلَى بَلَدِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ فِي الْحِجْرِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ رَكَعَ فِيهِ الرَّكْعَتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ عَنْ طَوَافِ السَّعْي وَالْإِفَاضَةِ أَعَادَ وَاسْتَأْنَفَ مَا كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَكَعَهُمَا وَبَعَثَ بِهَدْيٍ ابْنُ يُونُسَ حَمَلَهُ فِي الْفَرِيضَةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُعِيدَ الرَّكْعَتَيْنِ إذَا بَلَغَ بَلَدَهُ لِذَهَابِ الْوَقْتِ وَيَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَنْ يُعِيدَ الْفَرِيضَةَ أَبَدًا وَإِلَّا كَانَتْ تَنَاقُضًا ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ سَبَقَهُ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْزِ مَا تَقَدَّمَ إلَّا لِأَصْبَغَ انْتَهَى، وَكَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ وَفِي التَّهْذِيبِ عَنْ أَصْبَغَ: يُعِيدُ الْفَرْضَ فِي الْوَقْتِ وَرَكْعَتَا طَوَافِ السَّعْي وَالْإِفَاضَةِ كَتَرْكِهِمَا عَبْدُ الْحَقِّ تَنَاقُضٌ فَيَخْرُجُ قَوْلُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَنَاقُضٍ وَإِنَّمَا قَالَ: يُعِيدُ الرُّكُوعَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ تَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ لِيَكُونَ لَهُ بَدَلًا مِثْلُ مَا قِيلَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْفَجْرُ يُصَلِّيه بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِيَكُونَ لَهُ بَدَلًا وَتَأَسُّفًا عَلَى مَا فَاتَهُ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّ صَلَاةَ هَذِهِ السُّنَنِ فِي الْكَعْبَةِ وَالْحِجْرِ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ وَبَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ تُجْزِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إعَادَةِ الْفَرْضِ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، وَالرَّاجِحُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَعَلَى الرَّاجِحِ إذَا صَلَّى هَذِهِ السُّنَنَ فِي الْحِجْرِ أَوْ فِي الْكَعْبَةِ أَجْزَأَتْهُ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ وَجَعَلَهُ الْمَشْهُورَ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجَازَتْ سُنَّةً أَيْ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ لَا أَنَّهَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (لِأَيِّ جِهَةٍ) ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحِجْرِ جَائِزَةٌ أَيْضًا لِأَيِّ جِهَةٍ وَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْبَيْتَ أَوْ انْحَرَفَ عَنْهُ إلَى الشَّرْقِ أَوْ الْغَرْبِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجُوزُ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ اسْتِقْبَالِ الْحِجْرِ مِنْ خَارِجٍ قَالَ اللَّخْمِيّ: وَمَنَعَ مَالِكٌ الصَّلَاةَ فِي الْحِجْرِ وَلَمْ يَقُلْ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَارِجٍ شَيْئًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ إلَيْهِ بَاطِلَةٌ لَا تُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ أَخْبَارٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَلِهَذَا

تُرِكَ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَمَرَّتْ الْأَعْصَارُ عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَخْبَارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَلَوْ صَلَّى مُصَلٍّ إلَيْهَا لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً وَهَذَا فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ وَأَمَّا مَا زِيدَ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا زِيدَ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَرْكَنًا فَيُؤْذِي الطَّائِفِينَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَلِهَذَا تُرِكَ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ إلَخْ يَعْنِي وَلِأَجَلِ أَنَّ الْحِجْرَ مِنْ الْبَيْتِ تُرِكَ الْبَيْتُ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ: ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ اللَّخْمِيّ الْمَذْكُورَ وَقَوْلَ عِيَاضٍ: الْمَقْصُودُ اسْتِقْبَالُ بِنَائِهِ لَا بُقْعَتِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْبُقْعَةُ لَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْحِجْرِ يُبْطِلُهَا وَلَوْ تُيُقِّنَ كَوْنُهُ مِنْهَا انْتَهَى.
وَمَوْضِعُ اسْتِدْلَالِ عِيَاضٍ الْمَقْصُودُ اسْتِقْبَالُ بِنَائِهِ لَا بُقْعَتِهِ لَا قَوْلُهُ لَاتَّفَقُوا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْي الِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَدَّعِهِ اللَّخْمِيُّ وَلَا غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ اسْتِقْبَالِهِ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ لَمَّا حَكَى الْخِلَافَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْمَقْصُودُ فِي الِاسْتِقْبَالِ بَعْضُ هَوَائِهَا أَوْ بَعْضُ بِنَائِهَا أَوْ جُمْلَةُ بِنَائِهَا وَهَوَائِهَا؟ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَوَّى بَيْنَ دَاخِلِ الْبَيْتِ وَظَهْرِهِ لِوُجُودِ الْهَوَاءِ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَسَوَّى بَيْنَ جُزْءِ الْبِنَاءِ دَاخِلَ الْبَيْتِ.
وَعَلَى ظَهْرِهِ، وَالثَّالِثُ مَذْهَبُنَا وَهُوَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ النُّصُوصِ، فَإِنَّ جُزْءَ الْبِنَاءِ لَا يُسَمَّى بِنَاءً وَلَا كَعْبَةً وَأَبْعَدُ مِنْهُ جُزْءُ الْهَوَاءِ انْتَهَى.
وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَوْ تَنَفَّلَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي خَارِجِ الْكَعْبَةِ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ وَوَلَّاهَا ظَهْرَهُ لَعُوقِبَ انْتَهَى، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ هَذَا الْعُمُومُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ صَلَّى بِمَكَّةَ إلَى الْحِجْرِ فَقِيلَ: لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَقِيلَ تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَذَلِكَ فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِنَّمَا زِيدَ فِيهِ لِئَلَّا يَكُونَ مَرْكَنًا فَيُؤْذِي الطَّائِفِينَ انْتَهَى، وَذُكِرَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ مُخْتَصَرًا قَالَ: وَحَكَى فِي الْبَيَانِ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْقَوْلَيْنِ هُمَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمَ وَفِي مَنَاسِكَ ابْنِ جَمَاعَةَ الْكَبِيرِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ الْعَاشِرِ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّي الْحِجْرَ وَلَمْ يَسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ الشَّرِيفَةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ اللَّخْمِيّ: إنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَيْهِ مُصَلٍّ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً فِي مِقْدَارِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَة فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَالْحِجْرِ لَا يُصَلَّى إلَى الْحِجْرِ فَانْظُرْهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَيِّ جِهَةٍ رَاجِعٌ لِلْكَعْبَةِ وَنَصُّهُ قَوْلُهُ لِأَيِّ جِهَةٍ أَيْ وَلَوْ جِهَةُ بَابِهَا وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُصَلِّي إلَى جِهَةِ بَابِهَا، قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَاسْتُحِبَّ أَيْضًا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي جَاءَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى إلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِهِ وَقَوْلُهُ لِأَيِّ جِهَةٍ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْهُ اسْتِحْبَابُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَى الْبَابِ وَفِي الْبَيَانِ رَأَى مَالِكٌ أَوَّلًا الصَّلَاةَ فِيهَا إلَى أَيِّ نَوَاحِيهَا شَاءَ إذْ لَا فَرْقَ ثُمَّ اُسْتُحِبَّ الصَّلَاةُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَيْهَا انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْبَيَانِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ هُوَ فِي رَسْمِ الْقَرِينَانِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ تَخْيِيرَهُ الرَّاكِعَ فِيهِ فِي أَيِّ نَوَاحِيه ثُمَّ رَجَعَ إلَى اسْتِحْبَابِ جَعْلِ الْبَابِ خَلْفَهُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ فَانْظُرْ - رَحِمَك اللَّهُ - بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ وَتَأَمَّلْ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَيِّ جِهَةٍ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ لِلْحِجْرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الصِّحَّةِ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَكَلَّمُ فِي الْجَوَازِ ابْتِدَاءً

ثُمَّ إنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ اسْتِقْبَالِهِ إنَّمَا هُوَ لِلَّخْمِيِّ وَلَمْ يُرَجِّحْهُ أَحَدٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ شَيْئًا يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنُ جَمَاعَةَ رَجُلٌ ثِقَةٌ فِي النَّقْلِ وَأَيْضًا فَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لَنُقِلَ بَلْ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ وَكَانَتْ قِبْلَتُهُ إلَى الشَّامِ كَانَ يُحِبُّ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ فَكَانَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ فَإِذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَهَا وَهِيَ غَيْرُ قِبْلَةٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ اسْتِدْبَارُهَا مَعَ كَوْنِهَا قِبْلَةً وَأَيْضًا فَمِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي بَابِ الْقِبْلَةِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْقِبْلَةَ الْمَقْطُوعَ بِهَا وَيُصَلِّي إلَى مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَاخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي قَدْرِهِ وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأُدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ وَيَسْتَقْبِلَ الشَّامَ أَوْ يَجْعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَيَسْتَقْبِلَ الشَّرْقَ أَوْ الْغَرْبَ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيُنْهَى عَنْهُ مَنْ فَعَلَهُ فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجَازَتْ سُنَّةً فِيهَا وَفِي الْحِجْرِ لِأَيِّ جِهَةٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ فِي الْكَعْبَةِ الْمَذْكُورَةِ قِيلَ وَفِي الْحِجْرِ لِأَنَّهُ مِنْهَا لِأَيِّ جِهَةٍ كَانَ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بَعْضًا مِنْهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ انْتَهَى كَلَامُهُ، هَذَا مُشْكِلٌ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لِأَيِّ جِهَةٍ عَائِدٌ عَلَى الْحِجْرِ وَالْكَعْبَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ الْبِسَاطِيُّ فِي آخِرِ فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ كَلَامًا أَشَدَّ مِنْ الْأَوَّلِ فَانْظُرْهُ.
ص (لَا فَرْضٌ فَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ) ش: يَعْنِي لَا يُصَلَّى فِيهَا وَلَا فِي الْحِجْرِ فَرْضٌ وَهَلْ النَّهْيُ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَلَا السُّنَنُ وَلَا النَّافِلَةُ الْمُؤَكَّدَةُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيِّ: كَرِهَ الْفَرْضَ فِيهَا مَالِكٌ وَأَعَادَهُ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْمُسَمَّى شِفَاءَ الْغَرَامِ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ لَا تَصِحُّ فِي الْكَعْبَةِ وَأَنَّ مَنْ صَلَّاهَا فِيهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ وَاخْتَلَفَ شُيُوخُ الْمَذْهَبِ فِي الْإِعَادَةِ هَلْ تَكُونُ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا انْتَهَى، وَهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّاذَرْوَانَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْبَيْتِ كَمَا يَقُولُ فِي الْحِجْرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ صَلَّى مُلَاصِقًا لِلْبَيْتِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا رَكَعَ صَارَ رَأْسُهُ وَصَدْرُهُ عَلَى الشَّاذَرْوَانَ فَهَلْ يُعِيدُ أَوْ لَا؟ يُعِيدُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُعِيدُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُعِيدُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هَلْ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ أَوْ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ فَرِيضَةً أَعَادَ فِي الْوَقْتِ كَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ شَبَّهَ هَذِهِ بِتِلْكَ وَتِلْكَ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا) ش اتَّفَقَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَة عَلَى نَقْلِ الْمَنْعِ فِيهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّنَفُّلَ فَوْقَهَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْفَرْضُ عَلَى ظَهْرِهَا مَمْنُوعٌ ابْنُ حَبِيبٍ وَالنَّفَلُ الْجَلَّابُ لَا بَأْسَ بِنَفْلِهِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ: وَأَمَّا النَّافِلَةُ عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ فَلَا تَصِحُّ عَلَى مُقْتَضَيْ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ

إذَا كَانَتْ النَّافِلَةُ مُتَأَكَّدَةٌ كَالسُّنَنِ وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتِي الْفَجْرِ وَرَكْعَتِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ لِمُسَاوَاةِ هَذِهِ النَّوَافِلِ لِلْفَرِيضَةِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَفِي صِحَّةِ النَّفْلِ غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ فِي سَطْحِ الْكَعْبَةِ نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى رَأْيِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ لِغَيْرِهَا) ش: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ أَوْ بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا لِخَضْخَاضٍ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَالْمُسَافِرُ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ إلَخْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَخْشَى عَلَى ثِيَابِهِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ يَسْجُدُ وَإِنْ تَلَطَّخَتْ ثِيَابُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: الْمُسَافِرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا خُرِّجَ لِلْغَالِبِ وَالْحُكْمُ فِيهِ وَفِي الْحَاضِرِ سَوَاءٌ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَيَنْوِي بِإِيمَائِهِ مَوَاضِعَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِيمَاءِ أَهُوَ مِنْهُ قَوْلُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ يَعْنِي الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ تَأْخِيرُهُ بِحَيْثُ يَضِيقُ جِدًّا انْتَهَى.

ص (أَوْ لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ فَلَهَا) ش: يَعْنِي أَنَّ صَلَاةَ الرَّاكِبِ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ لِمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِمَرَضٍ حَالَةَ كَوْنِ الرَّاكِبِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ يُؤَدِّيهَا أَيْ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الدَّابَّةِ كَالْأَرْضِ يَعْنِي أَنَّهُ لِأَجْلِ الْمَرَضِ لَا يُؤَدِّيهَا عَلَى الْأَرْضِ إلَّا إيمَاءً كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً لِمَرَضٍ فَلْيُصَلِّ عَلَى الدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ التَّاجِرِ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ وَفِي فَصْلِ الْحَجِّ لَكِنْ يُومِئُ إلَى الْأَرْضِ بِالسُّجُودِ لَا إلَى كُورِ الرَّاحِلَةِ فَإِنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ فَرَائِضُ الصَّلَاةِ]

(فَصْلٌ فَرَائِضُ الصَّلَاةِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) ش قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي أَوَّلِ بَابِ الْعَمَلِ فِي صِفَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْإِحْرَامُ نِيَّةٌ وَابْنُ عَرَفَةَ الْإِحْرَامُ ابْتِدَاؤُهَا مُقَارِنٌ لِنِيَّتِهَا انْتَهَى.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ عَقْدٍ: هُوَ النِّيَّةُ، وَقَوْلٍ: هُوَ التَّكْبِيرُ، وَفِعْلٍ: هُوَ الِاسْتِقْبَالُ وَنَحْوِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَهُوَ حَدِيثٌ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق.
ص (إلَّا لِمَسْبُوقٍ فَتَأْوِيلَانِ) ش: فَسَّرَهَا ابْنُ يُونُسَ بِمَا إذَا كَبَّرَ قَائِمًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَصَرَّحَ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِمَشْهُورِيَّتِهِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّيْخِ زَرُّوقٍ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ عَلَى تَشْهِيرِهِ.
ص (وَإِنَّمَا يُجْزِئُ اللَّهُ أَكْبَرُ) ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ صَاحِبُ

الطِّرَازِ: لَا يُجْزِئُ إشْبَاعُ فَتْحَةِ الْبَاءِ حَتَّى تَصِيرَ أَكْبَارُ بِالْأَلِفِ وَإِنَّ الْأَكْبَارَ جَمْعُ كَبَرٍ وَالْكَبَرُ الطَّبْلُ، وَلَوْ أَسْقَطَ حَرْفًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينَ مَنْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَارُ بِالْمَدِّ، لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ وَكْبَرُ، بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ وَاوًا أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْقَاضِي سَنَدٍ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْعَامِّيِّ: اللَّهُ وَكَبَرْ، فَلَهُ مَدْخَلٌ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إذَا وَلِيَتْ ضَمَّةً جَازَ أَنْ تُقْلَبَ وَاوًا، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْقَرَافِيُّ وَقَبْلَهُ خَلِيلٌ: وَهُوَ عِنْدِي خِلَافُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ، انْتَهَى.
وَالْكَلَامُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ اُنْظُرْ كَلَامَ الْقَبَّابِ فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَيَنْوِي بِالتَّكْبِيرِ الْإِحْرَامَ، وَيَحْذَرُ أَنْ يَمُدَّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ فَيُوهَمُ الِاسْتِفْهَامُ وَأَنْ يَمُدَّ بَيْنَ الْبَاءِ وَالرَّاءِ فَيَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى وَأَنْ يُشْبِعَ ضَمَّةَ الْهَاءِ حَتَّى تَتَوَلَّدَ الْوَاوُ وَأَنْ يَقِفَ عَلَى الرَّاءِ بِتَشْدِيدٍ، هَذَا كُلُّهُ لَحْنٌ وَيُخَافُ مِنْهُ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ وَيَنْتَظِرُ الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ إلَى أَنْ تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، انْتَهَى.
ص (وَنِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ) ش: قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتُ: النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: تَعْيِينُ الصَّلَاةِ وَالتَّقَرُّبُ بِهَا وَوُجُوبُهَا وَآدَابُهَا، وَاسْتِشْعَارُ الْإِيمَانِ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ فَإِنْ سَهَا عَنْ الْإِيمَانِ أَوْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ كَوْنِهَا أَدَاءً أَوْ التَّقَرُّبِ بِهَا لَمْ تَفْسُدْ إذَا عَيَّنَهَا؛ لِاشْتِمَالِ التَّعْيِينِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَالْمُعِيدُ لِلصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَالصَّبِيُّ لَا يَتَعَرَّضَانِ لِفَرْضٍ وَلَا لِنَفْلٍ، انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ وَقَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ صَلَّى ثُمَّ أَمَّ وَانْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَعَادَ مُؤْتَمٌّ بِمُعِيدٍ وَمِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: النَّوَافِلُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُقَيَّدَةٍ وَمُطْلَقَةٍ فَالْمُقَيَّدَةُ السُّنَنُ الْخَمْسُ: الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْوَتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ، فَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ إمَّا بِأَسْبَابِهَا أَوْ بِأَزْمَانِهَا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ التَّعْيِينِ، فَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا إلَى هَذِهِ لَمْ يَجُزْ وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِهَذِهِ قِيَامَ رَمَضَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَالْمُطْلَقَةُ مَا عَدَا هَذِهِ فَتَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي لَيْلٍ فَهُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ أَوْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ أَوْ كَانَ مِنْهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَهُوَ الضُّحَى أَوْ عِنْدَ دُخُولِ مَسْجِدٍ فَهُوَ تَحِيَّةٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ مِنْ حَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ عُمْرَةٍ لَا يُفْتَقَرُ إلَى التَّعْيِينِ فِي مُطْلَقَةٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ أَصْلُ الْعِبَادَةِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ: وَفِيهَا مَنْ أَدْرَكَ جُلُوسَ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا، ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ يُحْرِمُ.
(قُلْت) هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ شُيُوخِ شُيُوخِنَا يُحْرِمُ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لِمُوَافَقَةِ نِيَّةِ إمَامِهِ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ أَحْرَمَ إثْرَ رَفْعِ الْإِمَامِ

ظَانًّا أَنَّهُ فِي الْأُولَى فَبَانَ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ؛ فَرَوَى مُحَمَّدٌ: يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَرْبَعًا وَاسْتُحِبَّ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ فِي عَدَمِ بِنَاءِ الرَّاعِفِ عَلَى إحْرَامِ الْجُمُعَةِ لَا يَبْنِي هَذَا، انْتَهَى.
وَفِي أَسْئِلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَجِدَ الرَّجُلُ الْإِمَامَ فِي تَشَهُّدِ الْجُمُعَةِ فَيَدْخُلَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْمَأْمُومُ أَرْبَعًا فَيَذْكُرُ الْإِمَامُ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَيَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَهُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَتَكُونُ لَهُ جُمُعَةً تَامَّةً، وَقِيلَ: إنَّهُ يُعِيدُهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِنِيَّةِ أَرْبَعٍ وَحَوَّلَهَا إلَى نِيَّةِ الْجُمُعَةِ، وَعَكْسُهَا أَنْ يَجِدَ الْإِمَامَ قَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَيُكَبِّرَ وَيَدْخُلَ مَعَهُ وَهُوَ يَظُنُّهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقِيلَ: إنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامِهِ أَرْبَعًا، وَقِيلَ: إنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ رَكْعَتَانِ انْتَهَى وَلَفْظُهُ وَاسِعٌ.
ص (وَالْجَهْرُ بِهِ بِدْعَةٌ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ) ش وَإِنْ تَخَالَفَا فَالْعَقْدُ قَالَ فِي الْإِرْشَادُ وَالْإِعَادَةُ أَحْوَطُ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ لِلْخِلَافِ وَالشُّبْهَةِ إذْ يُحْتَمَلُ سَبْقُ اللِّسَانِ تَعَلُّقَ نِيَّتِهِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْفُؤَادِ وَاللِّسَانُ رَائِدُهُ انْتَهَى.
ص (كَسَلَامٍ أَوْ ظَنَّهُ فَأَتَمَّ بِنَفْلٍ إنْ طَالَتْ أَوْ رَكَعَ وَإِلَّا فَلَا) ش يَعْنِي وَكَذَلِكَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ فِيمَا إذَا سَلَّمَ ظَانًّا إتْمَامَ صَلَاتَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ وَهِيَ فِي الصُّورَةِ إتْمَامٌ لِصَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُسَلِّمْ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَتَمَّ وَسَلَّمَ فَقَامَ إلَى نَافِلَةٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ فِي الصُّورَتَيْنِ إنْ أَطَالَ الْقِرَاءَةَ أَوْ رَكَعَ، وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَرْكَعْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَفِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
ص (كَأَنْ لَمْ يَظُنَّهُ) ش: يَعْنِي وَأَمَّا إنْ قَامَ إلَى نَافِلَةٍ وَلَمْ يَظُنَّهُ أَيْ السَّلَامَ بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ فِي نَافِلَةٍ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَيُجْزِئُهُ مَا صَلَّى بِنِيَّتِهِ النَّافِلَةَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا نَوَى الظُّهْرَ ثُمَّ نَسِيَ وَظَنَّ أَنَّهُ فِي الْعَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا فَقَالَ ابْنُ فَرْحُونَ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَمَّا الْعَامِدُ فَإِنْ قَصَدَ بِنِيَّتِهِ رَفْعَ الْفَرِيضَةِ وَرَفْضَهَا بَطَلَتْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ رَفْضَهَا لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً؛ لِأَنَّ النَّفَلَ مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ وَمُطْلَقُ الطَّلَبِ مَوْجُودٌ فِي الْوَاجِبِ فَتَصِيرُ نِيَّةُ النَّفْلِ مُؤَكِّدَةً لَا مُخَصِّصَةً انْتَهَى.
ص (أَوْ لَمْ يَنْوِ الرَّكَعَاتِ أَوْ الْأَدَاءَ أَوْ ضِدَّهُ)

ش: وَلَا يَنْوِي الْأَيَّامَ اتِّفَاقًا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ حَضَرْت شَيْخَنَا عَبْدَ الْحَمِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَتَاهُ بَعْضُ الْخَوَاصِّ يُعِيدُ عِنْدَهُ بَعْضَ مَا كَانَ يَقْرَأُ مَعَنَا عَلَيْهِ مِمَّنْ اشْتَهَرَ بِالْوَسْوَسَةِ فَقَالَ لَهُ: كُنْت الْبَارِحَةَ أُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي مَسْجِدِ فُلَانٍ فَأَتَى هَذَا الْفَتَى وَأَشَارَ إلَى الْمُوَسْوِسِ فَصَلَّى إلَى جَنْبِي فَسَمِعْته عِنْدَ الْإِحْرَامِ يَقُولُ: الْمَغْرِبَ لَيْلَةَ كَذَا، فَأَنْكَرْت فِي نَفْسِي تَسْمِيَةَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ خَشِيت أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ إنَّمَا هُوَ لِمَا سَمِعَ مِنْك فَجِئْت أَسْأَلُك فَأَنْكَرَ شَيْخُنَا عَلَى صَاحِبِنَا وَاعْتَذَرَ لِلسَّائِلِ عَنْهُ بِمَا اشْتَهَرَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ السَّائِلُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا جُمْلَةُ أَهْلِ الْمِيعَادِ فَقَالَ: هَلْ يَتَخَرَّجُ مِنْ الْمَذْهَبِ اعْتِبَارُ ذِكْرِ الْقَلْبِ يَوْمَ الصَّلَاةِ عِنْدَ النِّيَّةِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ فَأَشَارَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي مُرَاعَاةِ الْأَيَّامِ، فِي هَذَا الْبَابِ يَعْنِي بَابَ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ اضْطِرَابِ الْأَصْحَابِ فِي مُرَاعَاةِ اخْتِلَافِ الْأَيَّامِ، وَذَكَرَ مَا قِيلَ فِي إمَامَةِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ نَسِيَهَا مِنْ يَوْمٍ آخَرَ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ التَّخْرِيجِ يَفْتَقِرُ إلَى بَسْطٍ طَوِيلٍ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ وَلِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَى مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُصَلِّي حِينَ عَقْدِ النِّيَّةِ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ بَسْطُهُ هَهُنَا، انْتَهَى كَلَامُ الْمَازِرِيِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ: الْمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَكَذَا ذِكْرُ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) هَلْ تَنُوبُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ؟ اُنْظُرْ كِتَابَ الصِّيَامِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنَ عَرَفَةَ فِي مَسْأَلَةِ صَوْمِ الْأَسِيرِ، وَفِي الطِّرَازِ فِي مَسْأَلَةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ لَا يَجُوزُ أَدَاءُ ظُهْرِ يَوْمٍ بِتَحْرِيمِهِ ظُهْرَ يَوْمٍ آخَرَ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَيَّامًا فَيُعِيدُ الصَّلَاةَ لِجَمِيعِ الْأَيَّامِ وَلَا يَحْتَسِبُ بِصَلَاةِ الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي صَوْمِ الْأَسِيرِ

ص (وَجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ) ش قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ دَخَلَ مُسَافِرٌ أَوْ مُقِيمٌ مَعَ إمَامٍ لَا يَدْرِي أَمُقِيمٌ هُوَ أَمْ مُسَافِرٌ وَنَوَى صَلَاتَهُ أَجْزَأَهُ مَا صَلَّى مَعَهُ فَإِنْ خَالَفَ فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مُقِيمًا أَتَمَّ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَتَمَّ مَعَهُ وَيُجْزِئُهُ.
قَالَ أَشْهَبُ: وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ الْجَامِعَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاتِهِ لَا يَدْرِي أَهِيَ الْجُمُعَةُ أَمْ ظُهْرُ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَنَوَى صَلَاةَ إمَامِهِ فَهَذَا يُجْزِئُهُ مَا صَادَفَ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى أَنَّهَا إحْدَاهُمَا فَصَادَفَ الْأُخْرَى فَلَا تُجْزِئُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَيُجْزِئُهُ فِي الَّذِي نَوَى صَلَاةَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لَهُ وَقَدْ قَصَدَ مَا عَلَيْهِ كَمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ لَا يَدْرِي فِي ظِهَارٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِيمَنْ ظَنَّ الظُّهْرَ جُمُعَةً وَعَكْسُهَا مَشْهُورُهَا تُجْزِئُ فِي الْأُولَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ بِالْإِجْزَاءِ فِيهِمَا وَعَدَمِهِ فِيهِمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَمْ لَا، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ أَخَصُّ وَنِيَّةُ الْأَخَصِّ تَسْتَلْزِمُ نِيَّةَ الْأَعَمِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ قَوْلًا رَابِعًا بِعَكْسِ الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
وَأَمَّا إذَا ظَنَّهُمْ سَفْرًا فَظَهَرَ خِلَافُ ظَنِّهِ أَوْ الْعَكْسُ فَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي السَّفَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَجَازَ لَهُ دُخُولٌ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَعَلَى مَسْأَلَةِ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إطْلَاقِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ مَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ الْإِمَامُ يُصَلِّي فِي الْعَصْرِ أَوْ فِي الظُّهْرِ؟ يُحْرِمُ عَلَى مَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُسَاوَاةِ فَرْضِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ وَلَا بُدَّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ مِنْ تَعْيِينِهَا مِنْ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ ابْنُ نَاجِي نَقَلَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَنْ اللَّخْمِيِّ مَسْأَلَةَ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْخَمِيسِ مَا نَصُّهُ (قُلْت) وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِفَرْضِ مَا ذُكِرَ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ فِي الظُّهْرِ أَوْ فِي الْعَصْرِ؟ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ شَاهَدْت شَيْخَنَا حَفِظَهُ اللَّهُ يُفْتِي غَيْرَ مَا مَرَّةٍ بِمَا ذُكِرَ، انْتَهَى.
فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي

شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَالْقَوْمُ فِي الظُّهْرِ فَظَنَّ أَنَّهُمْ فِي الْعَصْرِ (فَرْعٌ) فَلَوْ أَحْرَمَ الْمَأْمُومُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَلَا يَعْنِيَهَا قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا نَوَى صَلَاةَ إمَامِهِ أَجْزَأَهُ مَا صَادَفَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَكْتُوبَةَ تَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ فَإِذَا لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى الْإِمَامُ لَمْ يَدْرِ بِمَا أَحْرَمَ وَجَهْلُهُ بِمَا أَحْرَمَ مُضَادٌّ لِتَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَإِنْ أُخِذَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْحَجِّ فَذَلِكَ لَا حُجَّةَ فِيهِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ فَرْضًا فَالْحَجُّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَخْصِيصِهَا بَلْ إذَا أَطْلَقَ نِيَّةَ الْحَجِّ انْصَرَفَ إلَى الْحَجَّةِ الْمَفْرُوضَةِ إجْمَاعًا وَالصَّلَاةُ إذَا أَحْرَمَ بِأَنَّهُ يُصَلِّي لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْفَرْضِ إجْمَاعًا حَتَّى يُعَيِّنَ أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي فَإِذَا افْتَرَقَا فِي تَعْيِينِ صِفَةِ الْعِبَادَةِ جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي تَعْيِينِ أَصْلِهَا وَالْحَجُّ لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ قَوِيٌّ فِي الثُّبُوتِ حَتَّى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ مَا يُنَافِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ أَشْهَبَ إنَّمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ فِيمَنْ لَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ الظُّهْرِ وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ: إنَّهُ الْأَمْرُ فِي الصَّلَاةِ، فَيَجُوزُ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَدْرِي مَا هِيَ أَنْ يُحْرِمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ انْتَهَى.

ص (وَبَطَلَتْ بِسَبْقِهَا إنْ كَثُرَ وَإِلَّا فَخِلَافٌ) ش قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَوَائِلِ الْعَارِضَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ تَقَدُّمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ قِيَاسًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مُتَّفِقٌ عَلَيْهَا أَصْلٌ وَالنِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ مُخْتَلِفٌ فِيهَا فَرْعٌ لَهَا، وَمِنْ الْجَهْلِ حَمْلُ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ يَسْتَطِيلُونَ عَلَى الْعُلُومِ بِغَيْرِ مَحْصُولٍ، انْتَهَى.

ص (وَفَاتِحَةٌ بِحَرَكَةِ لِسَانٍ) ش: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي تَفَقُّدِ الْعَالِمِ أَحْوَالَ أَهْلِهِ: وَمِنْ أَهَمِّ الْأَشْيَاءِ وَآكِدِهَا تَفَقُّدُ الْقِرَاءَةِ إذْ الْقِرَاءَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبَةٌ وَسُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ، فَالْوَاجِبَةُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِجَمِيعِ حُرُوفِهَا وَحَرَكَاتِهَا وَشَدَّاتِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا، وَالسُّنَّةُ سُورَةٌ مَعَهَا وَالْفَضِيلَةُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، أَعْنِي فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي وَلَدِهِ وَعَبْدِهِ وَأَمَتِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهِمْ عُجْمَةٌ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى النُّطْقِ فَلَا حَرَجَ، انْتَهَى.
ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ فِي ذِكْرِ مَسَائِلَ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَفْرِيقِيِّينَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِيمَا عَدَا الْفَرَائِضِ سُنَّةٌ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (عَلَى إمَامٍ وَفَذٍّ) ش: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهَا عَنْهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ وَهَذَا الْحَمْلُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْإِمَامِ فَلَوْ نَوَى الْإِمَامُ أَنْ لَا يَحْمِلَ الْقِرَاءَةَ أَوْ السَّهْوَ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ فَانْظُرْهُ.
ص (وَقِيَامٌ لَهَا) ش: أَيْ لِلْفَاتِحَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَامِ لِلْفَاتِحَةِ هَلْ هُوَ لِأَجْلِهَا أَوْ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَقُدِّرَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى الْمَأْمُومِ لِلْفَاتِحَةِ إلَّا مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا، انْتَهَى.

ص (وَإِلَّا ائْتَمَّ) ش: يَعْنِي إنْ وُجِدَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِنْ انْفَرَدَ فَفِي صِحَّتِهَا قَوْلَا أَشْهَبَ

وَمُحَمَّدٍ مَعَ سَحْنُونٍ انْتَهَى قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ تَرَكَ الِائْتِمَامَ وَصَلَّى وَحْدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ لِعَجْزِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُعَوِّضَ الْقِرَاءَةَ بِمَعْنَاهَا فِي لُغَتِهِ، انْتَهَى.

وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ (فَرْعٌ) قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: مَنْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا مِنْ التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ وَهُوَ كَالْكَلَامِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ طَرَأَ عَلَى الْأُمِّيِّ قَارِئٌ فِي الصَّلَاة]

(فَرْعٌ) لَوْ طَرَأَ عَلَى الْأُمِّيِّ قَارِئٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقْطَعَ لِيَأْتَمَّ بِهِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ التَّلْقِينِ لِلْمَازِرِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ إلَخْ.

[فَرْعٌ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فِيهَا]

(فَرْعٌ) مَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْقِرَاءَةِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَمِعَ مَنْ قَرَأَهَا فَعَلِقَتْ بِحِفْظِهِ مِنْ مُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا مَضَى عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرَ فَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، انْتَهَى مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ وَيَكْفِي الْأَخْرَسَ نِيَّتُهُ فِي الصَّلَاة]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَكْفِي الْأَخْرَسَ نِيَّتُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي لَا خِلَافَ فِيهِ، انْتَهَى.

ص (وَإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَرْعٌ مُرَتَّبٌ، فَعَلَى هَذَا إذَا ابْتَدَأَ الْمُصَلِّي بِالْفَاتِحَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ كَانَ قَرَأَ فِي حَالِ قِيَامِهِ آيَةً وَنَحْوَهَا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ آيَةٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْفَاتِحَةِ كُلِّهَا لَكِنَّهُ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ فِي بَعْضِهَا، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا صَلَّوْا فِي سَفِينَةٍ تَحْتَ سَقْفِهَا مُنْخَفِضَةً رُءُوسُهُمْ قَالَ مَالِكٌ: صَلَاتُهُمْ أَفْذَاذًا عَلَى ظَهْرِهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صَلَاتِهِمْ جَمَاعَةً مُنْخَفِضَةٌ رُءُوسُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الِاعْتِدَالَ وَهُوَ سُنَّةٌ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الْخِبَاءِ نَحْوِ السَّفِينَةِ، اُنْظُرْ تَقْيِيدَ أَبِي الْحَسَنِ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ تَمَامِ الِاعْتِدَالِ شَيْئًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَحَالَةُ النَّافِلَةِ فِي ذَلِكَ أَخَفُّ مِنْ حَالِ الْفَرِيضَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَشَارَكْت فِي ذَلِكَ الشَّيْخَ الْإِمَامَ الْعَلَامَةَ الْحَافِظَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَرَفَةَ التُّونُسِيَّ فَقَالَ: حَالَةُ النَّافِلَةِ فِي ذَلِكَ خَفِيفٌ، فَسَأَلْته عَنْ الْفَرِيضَةِ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ لِعَارِضٍ عَرَضَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، انْتَهَى.
وَفِيهَا حَجَّ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَكَنَ فِي الْمَدِينَةِ فِي مَنْزِلِ الشَّيْخِ ابْنِ فَرْحُونٍ كَذَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الدِّيبَاجِ.

ص (وَرُكُوعٌ تُقَرَّبُ رَاحَتَاهُ فِيهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَنُدِبَ تَمْكِينُهُمَا مِنْهُمَا وَنَصْبُهُمَا) ش

يَعْنِي مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ الرُّكُوعُ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ حَتَّى تَقْرُبَ فِيهِ رَاحَتَا كَفَّيْهِ أَيْ بُطُونُهُمَا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَكِّنَ الرَّاحَتَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ وَيَنْصِبَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ ابْنُ نَاجِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ، خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِذَا مَكَّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يُسَبِّحْ أَوْ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ فَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ مُطْمَئِنًّا قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهَا: ظَاهِرُهُ أَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ شَرْطٌ لَا يُسَمَّى رُكُوعًا إلَّا بِذَلِكَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَاجِيُّ فَقَالَ الْمُجْزِئُ مِنْ الرُّكُوعِ أَنْ يُمَكِّنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: أَخَفُّهُ بُلُوغُ يَدَيْهِ آخِرَ فَخْذَيْهِ بِهِ وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ نَحْوَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ وَضْعُهُمَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَيُجْزِئُ وَضْعُهُمَا عَلَى أَطْرَافِ الْفَخِذَيْنِ، وَيَتَحَصَّلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ أَلْبَتَّةَ فَلَا خِلَافَ فِي الْبُطْلَانِ وَإِنْ وَضَعَهُمَا كَمَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَفْهَمُ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ أَصْلَ وَضْعِهِمَا مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ لَمْ يَضَعْهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِئَةٌ وَيُفْتِي بِذَلِكَ وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو يُوسُفَ الزُّغْبِيُّ يُفْتِي بِأَنَّ الصَّلَاةَ بَاطِلَةٌ وَاخْتَلَفَتْ فَتْوَى شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ وَالشَّبِيبِيِّ فَكَانَ يُفْتِي بِالْبُطْلَانِ ثُمَّ أَفْتَى بِالصِّحَّةِ إلَى أَنْ مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ صَوَابَهُ فَكَانَا يُفْتِيَانِ وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ التَّامَّةُ فَقَطْ، وَلَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ غَيْرِهَا وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: أَمَّا تَمْكِينُ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ فَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْكَافَّةِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، انْتَهَى.
وَلِهَذَا اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى قَوْلِهِ: أَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَذَكَرَ هَذِهِ النُّقُولَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ نَاجِي ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي: فَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّسْبِيحَ لَيْسَ بِفَرْضٍ يُرِيدُ وَكَذَلِكَ فِي السُّجُودِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفِي الْمَبْسُوطُ لِيَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِي رُكُوعِهِ وَلَا سُجُودِهِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، قَالَ عِيَاضٌ: فَتَأَوَّلَهُ شَيْخُنَا التَّمِيمِيُّ بِتَرْكِ ذَلِكَ لِتَرْكِ الطُّمَأْنِينَةِ الْوَاجِبَةِ وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ حَتَّى التَّكْبِيرَ كَتَعَمُّدِ تَرْكِ السُّنَّةِ.
(قُلْت) وَمَا قَالَهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ إنَّمَا قَالَاهُ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَوْ كَانَ بِيَدَيْهِ مَا يَمْنَعُ وَضْعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ قِصَرٌ كَثِيرٌ لَمْ يُزِدْ فِي الِانْحِنَاءِ عَلَى تَسْوِيَةِ ظَهْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَقْطُوعَةً وَضَعَ الْبَاقِيَةَ عَلَى رُكْبَتِهَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ جَمِيعَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَقَلَ فِي الْفَرْعِ الْأَخِيرِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَضَعُ الْيَدَ الْبَاقِيَةَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ جَمِيعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَسُجُودٌ عَلَى جَبْهَتِهِ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: فَتُمَكِّنُ جَبْهَتَك وَأَنْفَك مِنْ الْأَرْضِ يَعْنِي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَالتَّمَكُّنُ الْمَذْكُورُ إلْصَاقُهَا بِالْأَرْضِ إلْصَاقًا تَسْتَقِرُّ مَعَهُ عَلَيْهَا مُنْبَسِطَةً إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ أَدْنَى جُزْءٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ شَدَّ جَبْهَتِهِ فِي سُجُودٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنْكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَنْ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي جَبْهَتِهِ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا جَاهِلُ الرِّجَالِ وَضَعَفَةُ النِّسَاءِ وقَوْله تَعَالَى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29] يَعْنِي خُضُوعَهُمْ وَخُشُوعَهُمْ، انْتَهَى.
وَلَفْظُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ السُّجُودُ وَهُوَ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، يَعْنِي بِلَفْظِ التَّمْكِينِ أَنَّهُ يَضَعُ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ بِالْأَرْضِ عَلَى أَبْلَغِ مَا يُمْكِنُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَيَكْفِي فِيهِ وَضْعُ أَيْسَرِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْجَبْهَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي حَدِّ السُّجُودِ: وَالسُّجُودُ مَسُّ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ سَطْحِ مَحِلِّ الْمُصَلَّى كَالسَّرِيرِ بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، انْتَهَى.

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل