كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ص (لَا فِي الْفَضَاءِ)
ش: أَيْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَعْنِي الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَالْوَطْءَ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا مُسْتَدِلًّا بِرِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنِ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ وَبِرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ الْمَنْعُ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ قَالَ: وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَرَامٌ فِي الْفَلَوَاتِ.
انْتَهَى
وَبَعْضُ شُيُوخِهِ هُوَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَفْظُهُ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ لَا يَسْتَقْبِلُ وَلَا يَسْتَدْبِرُ بِفَلَاةٍ عَلَى النَّهْيِ وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ وَرِوَايَةُ الْمَازِرِيِّ الْمَنْعُ فَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَبِهِ يُفَسَّرُ قَوْلُهَا كُرِهَ.
ص (وَبِسَتْرٍ قَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا)
ش: ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاجِحَ الْجَوَازُ مَعَ السَّاتِرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ نَاجِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مَعَ السَّاتِرِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي فَضَاءٍ أَوْ مَنْزِلٍ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُخْتَارُ التَّرْكُ فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُ مُطْلَقٌ فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ ذِكْرُ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَا قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفَضَاءِ فَقَطْ إذَا كَانَ فِيهِ سَاتِرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي اخْتَارَهُ تَجَنُّبَ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ وَأَطَالَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَمِنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ فَذَكَرَ فَتَحَرَّفَ عَنْهَا إجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ» لَهُ فَتَحَصَّلَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِي الصَّحَارِي وَالْفَيَافِي إذَا لَمْ يَكُنْ سَاتِرٌ بِلَا خِلَافٍ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمِرْحَاضِ إذَا كَانَ سَاتِرٌ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمِرْحَاضِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَاتِرٌ وَفِي الْفَضَاءِ وَالسُّطُوحِ بِسَاتِرٍ أَوْ بِغَيْرِ سَاتِرٍ وَفِي الْفَضَاءِ بَيْنَ الشَّوَارِعِ فِي الْمُدُنِ وَفِي الْفَيَافِي وَالصَّحَارِي إذَا كَانَ سَاتِرٌ عَلَى قَوْلَيْنِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَالْجَوَازُ أَرْجَحُ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَيَحْرُمُ فِي الْفَيَافِي وَالصَّحَارِي مِنْ غَيْرِ سَاتِرٍ وَيَجُوزُ فِي الْمَنْزِلِ إذَا كَانَ سَاتِرٌ وَيُخْتَلَفُ فِيهِ فِي السُّطُوحِ مِنْ غَيْرِ سَاتِرٍ وَفِي الْفَيَافِي بِسَاتِرٍ وَالْجَوَازُ أَرْجَحُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) يَنْبَغِي لِلشَّخْصِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ مُطْلَقًا إلَّا لِضَرُورَةٍ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ أَقِفْ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى نَصٍّ فِي مِقْدَارِ السُّتْرَةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: نَاقِلًا عَنْ مَذْهَبِهِمْ هِيَ قَدْرُ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ وَهُوَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ وَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا فَإِنْ زَادَ فَهُوَ حَرَامٌ كَالصَّحْرَاءِ وَمَا ذَكَرَهُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا أَخْذًا مِنْ السُّتْرَةِ.
انْتَهَى، وَنَقَلَهُ الْأَبِيُّ أَيْضًا عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِم ثُمَّ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا أَرْخَى ذَيْلَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَفَى قَالَ الْأَبِيُّ: وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا يَكْفِي عَلَى التَّعْلِيلِ بِحُرْمَةِ الْمُصَلِّينَ.
انْتَهَى
قُلْت لَمَّا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْخِلَافِ فِي التَّعْلِيلِ وَانْتَصَرَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ أَلْزَمَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ أَرْخَى ذَيْلَهُ أَنْ يَبُولَ.
ص (لَا الْقَمَرَيْنِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ: إنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا اسْتِقْبَالُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي آدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ: أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمَا يَلْعَنَانِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا آدَابَ التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ.
انْتَهَى
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الْقَمَرَيْنِ إنَّمَا هُوَ اسْتِقْبَالُهُمَا لَا اسْتِدْبَارُهُمَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَعَدَّ ابْنُ مُعَلَّى فِي مَنْسَكِهِ فِي الْآدَابِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَلَا يَسْتَدْبِرَهَا.
انْتَهَى، وَقَالَ الْمَوَّاقُ الْجُزُولِيُّ فِي آدَابِ الْأَحْدَاثِ: أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ وَلَا يَسْتَدْبِرَهُمَا.
ابْنُ هَارُونَ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ.
انْتَهَى.
ص (وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ)
ش: هَكَذَا قَالَ سَنَدٌ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قِبْلَةً انْتَهَى وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ بِاسْتِفْرَاغِ أَخْبَثَيْهِ)
ش: (الِاسْتِبْرَاءُ) فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ كَالِاسْتِسْقَاءِ طَلَبُ السَّقْيِ وَالِاسْتِفْهَامُ طَلَبُ الْفَهْمِ فَإِنَّ الِاسْتِفْعَالَ أَصْلُهُ الطَّلَبُ، وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ فِي الطَّهَارَةِ هُوَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَذَلِكَ بِاسْتِفْرَاغِ مَا فِي الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَخْبَثَيْنِ وَهُمَا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَهُوَ وَاجِبٌ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَهُوَ وَالِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ مُسْتَحَقٌّ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْمَخْرَجَيْنِ مِنْ الْأَذَى انْتَهَى وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَالَ وَتَغَوَّطَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ نَفْسَهُ وَيَسْتَنْثِرَ وَعَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ سُنَنِ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَالَ الْقِبَابُ فِي شَرْحِهِ لَا أَدْرِي لِمَ أَدْخَلَ الِاسْتِبْرَاءَ فِي بَابِ السُّنَنِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى وُجُوبِهِ إلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ أَنَّهُ أَرَادَ هَاهُنَا السُّنَّةَ بِمَعْنَى الطَّرِيقَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ تَكُونُ السُّنَّةُ كَوْنَهُ بِالسُّلْتِ وَالنَّتْرِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِلتَّخَلُّصِ.
انْتَهَى
قُلْت قَوْلُهُ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى وُجُوبِهِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ فِي صَاحِبِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ.
ص (مَعَ سَلْتِ ذَكَرٍ وَنَتْرٍ خَفَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْمَخْرَجَيْنِ مَعَ سَلْتِ الذَّكَرِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ وَيَمُرُّهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إلَى الْكَمَرَةِ وَنَتَرَهُ أَيْ جَذَبَهُ سَلْتًا وَنَتْرًا خَفِيفَيْنِ وَالنَّتْرُ بِالتَّاءِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ قَالَ الشَّارِحُ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مُسْنَدًا: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا وَيَجْعَلُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ فَيُمِرُّهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إلَى كَمَرَتِهِ» انْتَهَى، وَذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: النَّتْرُ جَذْبٌ فِيهِ قُوَّةٌ وَجَفْوَةٌ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ أَحَدَكُمْ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنْثِرُ عِنْدَ بَوْلِهِ.» الِاسْتِنْتَارُ الِاسْتِفْعَالُ مِنْ النَّتْرِ يُرِيدُ بِهِ الْحِرْصَ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامَ بِهِ وَهُوَ بَعْثٌ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْبَوْلِ انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: النَّتْرُ الْجَذْبُ بِجَفَاءٍ، نَتَرَهُ يَنْتُرُهُ فَانْتَتَرَ، وَاسْتَنْتَرَ الرَّجُلُ مِنْ بَوْلِهِ اجْتَذَبَهُ وَاسْتَخْرَجَ بَقِيَّتَهُ مِنْ الذَّكَرِ.
قَالَ اللَّيْثُ النَّتْرُ الْجَذْبُ فِيهِ جَفْوَةٌ.
انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالنَّتْرُ الْجَذْبُ بِجَفْوَةٍ وَمِنْهُ: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» انْتَهَى، وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوهُ فِي مَادَّةِ نَتَرَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ ثُمَّ ذَكَرُوا بَعْدَهُ مَادَّةَ نَثَرَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ بَالَ أَنْ يَقُومَ وَيَقْعُدَ أَوْ يَزِيدَ فِي التَّنَحْنُحِ وَلَكِنْ يَنْتُرُ وَيَسْتَفْرِغُ جَهْدَهُ عَلَى مَا يَرَى أَنَّ يَقْتَضِيهِ مِنْ إطَالَةٍ أَوْ إقْصَارٍ قَالَ فِي شَرْحِ غَرِيبِهِ يَنْتُرُ وَيَجْذِبُ، قَالَ اللَّيْثُ: النَّتْرُ جَذْبٌ فِيهِ قُوَّةٌ وَيُرِيدُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ كَذَا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ» أَيْ يَجْذِبُهُ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ يُرِيدُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ كَذَا كَأَنَّهُ يُشِيرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَى أَنَّ النَّتْرَ مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ الْجَذْبُ بِقُوَّةٍ وَلَكِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ إنَّمَا هُوَ النَّتْرُ الْخَفِيفُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ السَّلْتَ وَالنَّتْرَ وَاجِبَانِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْقَبَّابِ السَّابِقِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمُخْتَصَرِ: وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي يَسْتَبْرِئُ مِنْ الْبَوْلِ أَنْ يَنْتَفِضَ وَيَتَنَحْنَحَ وَيَقُومَ وَيَقْعُدَ وَلَا يَمْشِيَ وَيَسْتَبْرِئَ ذَلِكَ بِأَيْسَرِهِ بِالنَّفْضِ وَالسَّلْتِ الْخَفِيفِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّذِي يُكْثِرُ السَّلْتَ وَيَقُومُ وَيَقْعُدُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِصَوَابٍ.
انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْجَلَّابُ الِاسْتِبْرَاءُ إخْرَاجُ مَا بِالْمَحِلَّيْنِ مِنْ أَذًى وَاجِبٌ مُسْتَحَقٌّ، وَرُوِيَ بِالنَّفْضِ وَالسَّلْتِ الْخَفِيفَيْنِ بِالْيُسْرَى.
انْتَهَى، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا يَسْلِتُ ذَكَرَهُ إلَّا بِرِفْقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْمَحِلَّ كَالضَّرْعِ طَالَمَا أَنْتَ تَسْلِتُهُ يُعْطِي فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّنَظُّفِ.
انْتَهَى اللَّخْمِيُّ مِنْ عَادَتِهِ احْتِبَاسُهُ فَإِذَا قَامَ نَزَلَ مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يَقُومَ ثُمَّ يَقْعُدَ فَإِنْ أَبَى نَقَضَ وُضُوءَهُ مَا نَزَلَ مِنْهُ بَعْدَهُ.
مَالِكٌ رَبِيعَةُ أَسْرَعُ امْرِئٍ وُضُوءًا وَأَقَلُّهُ لُبْثًا فِي الْبَوْلِ وَابْنُ هُرْمُزَ يُطِيلُهُمَا وَيَقُولُ: مُبْتَلًى لَا تَقْتَدُوا بِي، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَيَعْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فَرُبَّ شَخْصٍ
يَحْصُلُ لَهُ التَّنْظِيفُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ عَنْهُ وَآخَرُ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقُومَ وَيَقْعُدَ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَمْزِجَتِهِمْ وَفِي مَآكِلِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ يَعْهَدُ مِنْ نَفْسِهِ عَادَةً، فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ يَتَوَسْوَسُ فِي طَهَارَتِهِ فَيَكُونُ يَعْمَلُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ حَالِ مِزَاجِهِ وَغِذَائِهِ وَزَمَانِهِ، فَلَيْسَ الشَّيْخُ كَالشَّابِّ وَلَا مَنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ كَمَنْ أَكَلَ الْخُبْزَ وَلَيْسَ الْحَرُّ كَالْبَرْدِ.
انْتَهَى، وَقَالَ: إذَا اسْتَنْجَى فَلْيَكُنْ الْإِنَاءُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لِيَسْكُبَ بِهَا الْمَاءَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى الْمَحِلِّ يَعْرُكُهُ وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ وَيُبَالِغُ فِي التَّنْظِيفِ خِيفَةَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْفَضَلَاتِ فَيُصَلِّيَ بِالنَّجَاسَاتِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، قَالَ: وَيَحْذَرُ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَشْرَارِ النَّاسِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ حَرَامٌ.
انْتَهَى، وَقَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق يَعْنِي وَلَا لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُشْبِهُ اللِّوَاطَ فِي الدُّبُرِ وَالسِّحَاقَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُبْتَدِعَةِ وَفِي السُّلَيْمَانِيَّة فِي اسْتِنْجَاءِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَغْسِلُ قُبُلَهَا كَغَسْلِ اللَّوْحِ وَلَا تُدْخِلُ يَدَيْهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا كَمَا تَفْعَلُ مَنْ لَا دِينَ لَهَا مِنْ النِّسَاءِ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: إذَا قَامَ يَسْتَبْرِئُ فَلَا يَخْرُجُ بَيْنَ النَّاسِ وَذَكَرُهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ ثَوْبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَوْهَةٌ وَمُثْلَةٌ وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا وَقَدْ نَهَى عَنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ضَرُورَةٌ فِي الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ إذْ ذَاكَ فَيَجْعَلُ عَلَى فَرْجِهِ خِرْقَةً يَشُدُّهَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَنَظَّفَ.
انْتَهَى
(الثَّانِي) يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَتْفِ إبْطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُبْطِئَ فِي خُرُوجِ الْحَدَثِ وَالْمَقْصُودُ الْإِسْرَاعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحِلِّ بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا يَسَّرَ عَلَيْهِ الطَّهَارَةَ.
انْتَهَى
[الْقِرَاءَةِ لِمَنْ يَتَنَشَّفُ]
(الثَّالِثُ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَةِ لِمَنْ يَتَنَشَّفُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالثَّالِثُ الْجَوَازُ إنْ لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ رُطُوبَةٌ ذُكِرَ هَذَا الْفَرْعُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ.
وَقَالَ أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّلَامَةَ حَرُمَ وَإِنْ تَحَقَّقَ جَازَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْت: الصَّوَابُ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهَانَةَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ عِنْدِي أَشَدُّ مِنْ دُخُولِ النَّجَاسَةِ مَلْفُوفَةً وَفِيهَا قَوْلَانِ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ عِنْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ]
(فَائِدَةٌ) يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ كَيْفَ صَارَ حَالُهُ فَإِنَّهُ كَانَ طَيِّبًا يُغَالِي فِيهِ وَيُزَاحِمُ عَلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي فَبِمُجَرَّدِ مُخَالَطَتِهِ لِلْآدَمِيِّ تَقَذَّرَ وَصَارَ نَجِسًا يُهْرَبُ مِنْهُ وَيَعَافُهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُخَالِطُهُ الْآدَمِيُّ مِنْ الثِّيَابِ النَّظِيفَةِ وَالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ عَنْ قَلِيلٍ يَتَقَذَّرُ وَيُعَافَ وَيَتَنَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَحْذَرُ مِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ آثَارُ الْخُلْطَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا خَالَطَهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسَبَبِ خُلْطَتِهِ كَمَا يُغَيِّرُ كُلُّ مَا خَالَطَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَيَتَنَبَّهُ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ هُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا دُفِنَ أَكَلَهُ الدُّودُ ثُمَّ يَرْمِيهِ مِنْ جَوْفِهِ قَذِرًا مُنْتِنًا، إلَّا أَنَّ ثَمَّ قَوْمًا لَا يَأْكُلُهُمْ الدُّودُ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمُؤَذِّنُونَ الْمُحْتَسِبُونَ، فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى لَا سَبِيلَ إلَيْهَا فَيُجْتَهَدُ فِي تَحْصِيلِ إحْدَى الدَّرَجَاتِ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ وَانْظُرْ الْمَدْخَلَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
ص (وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ) ش هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي بَابِ مَنْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ مَا نَصُّهُ، نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ، وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ.
انْتَهَى
قُلْت وَهَذَانِ النَّقْلَانِ غَرِيبَانِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِجْمَارَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بَلْ لَا أَعْرِفُهُمَا فِي الْمَذْهَبِ لَكِنْ نَقَلَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ
وَمَنْ اسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلَا الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَاءِ الْعَذْبِ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ كَمَا لَا تُزَالُ النَّجَاسَةُ بِالطَّعَامِ.
انْتَهَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُزُولِيِّ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا نَقَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَتَبَ قَبْلَ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ضَادًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَلَعَلَّهُ فِي الْإِكْمَالِ وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ غَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: شَذَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَمَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِعَذْبِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ مَنْعُهُ بِطَعَامٍ لِأَجْلٍ.
انْتَهَى، ثُمَّ وَقَفْت عَلَى كَلَامِهِ فِي الْإِكْمَالِ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ وَلَا بُدَّ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَحْجَارِ وَحْدَهَا مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَأَجْزَأَهُ وَلَكِنَّهُ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبَقِيَ هُنَا فَرْعٌ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ الْحَجُّ يُزِيلُ الْحُكْمَ أَوْ لَا يُزِيلُ الْحُكْمَ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالِاسْتِنْجَاءُ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالِاسْتِنْجَاءُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ: إنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ؟ ، وَحُكْمُ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى الْمَخْرَجَيْنِ تُزَالُ بِالْحَجَرِ أَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ الْحُكْمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْحُكْمَ وَنَصُّهُ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ وَلِأَنَّ الْمَحِلَّ بَعْدَ مَسْحِهِ بِالْأَحْجَارِ نَجِسٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غُسِلَ نَجِسَتْ غُسَالَتُهُ أَوْ لَا أَثَرَ لِلْحِجَارَةِ فِي تَطْهِيرِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ التَّخْفِيفُ فَقَطْ.
انْتَهَى، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ)
ش: فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَصَى وَالدُّودِ وَالدَّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ: وَيُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ فِي النَّادِرِ كَالْحَصَى وَالدَّمِ وَالدُّودِ كَمَا فِي الْغَائِطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآكِدٍ مِنْهُ.
انْتَهَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فَأَمَّا الْحَصَى وَالدُّودُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ بِلَّةٍ فَقَالَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَنْجِي مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ كَالرِّيحِ وَاَلَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَا يَسْتَنْجِي مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بِلَّةٌ فَمَاذَا يُزَالُ فَإِنْ تَخَيَّلَ فِيهِ أَدْنَى بِلَّةٍ فَذَلِكَ مِمَّا يُعْفَى عَنْ قَذِرِهِ وَكَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ وَأَمَّا إذَا خَرَجَ بِبِلَّةٍ طَاهِرَةٍ فَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ لِمَكَانِ الْبِلَّةِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاسْتِجْمَارُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَجَمَّرُ مِنْهُ بِخِلَافِ الدَّمِ انْتَهَى فَمَا ذَكَرَهُ فِي الدَّمِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْمَنِيُّ بِالْمَاءِ إنْ عُنِيَ بِهِ مَنِيُّ الصِّحَّةِ غَيْرَ مَنِيِّ صَاحِبِ السَّلَسِ فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ غُسْلَ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَإِنْ عُنِيَ بِهِ مَنِيُّ الْمَرَضِ كَمَنِيِّ صَاحِبِ السَّلَسِ فَلِمَ لَا يَكُونُ كَالْبَوْلِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ لِمَرَضٍ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَمَعَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ فَقَطْ.
انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ
قُلْت وَكَذَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَكَذَا مَنْ جَامَعَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْضُ الْمَنِيِّ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَبَوْلِ امْرَأَةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ بَوْلَ الْمَرْأَةِ يَتَعَيَّنُ فِي غُسْلِهِ الْمَاءُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى أَنَّ الْبَوْلَ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا بُدَّ فِيهِ أَيْضًا مِنْ الْمَاءِ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِجْمَارِ فِي حَقِّهَا وَكَذَلِكَ قَالَ سَنَدٌ: إنَّ الْمَرْأَةَ وَالْخَصِيَّ لَا يَكْفِيهِمَا الْأَحْجَارُ فِي الْبَوْلِ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
انْتَهَى، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي الذَّخِيرَةِ نَاقِلًا عَنْ سَنَدٍ: الْمَرْأَةُ لَا يُجْزِيهَا الْمَسْحُ بِالْحَجَرِ مِنْ الْبَوْلِ لِتَعَدِّيهِ مَخْرَجَهُ إلَى جِهَةِ الْمَقْعَدَةِ وَكَذَلِكَ الْخَصِيُّ.
انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْقَرَافِيِّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ وَالْقَرَافِيِّ نَاقِلٌ لَهُ عَنْ سَنَدٍ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَذَكَرَهُ سَنَدٌ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ: هَذَا وُضُوءُ النِّسَاءِ، فَقَالَ: يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ
فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُجْزِيهَا الْمَسْحُ بِالْحَجَرِ مِنْ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَدَّى مَخْرَجَهُ وَيَجْرِي إلَى مَقَاعِدِهِنَّ وَكَذَلِكَ الْخَصِيُّ انْتَهَى وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بَوْلُ امْرَأَةٍ أَنَّ حُكْمَهَا فِي الْغَائِطِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ]
(فَرْعٌ) إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ وَصَارَ الْخَارِجُ يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبِهِ فَهَلْ يَكْفِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ أَوْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ؟ قَالَ فِي الطِّرَازِ: رُخْصَةُ الِاسْتِجْمَارِ مُخْتَصَّةٌ بِمَحِلِّ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ دُونَ سَائِرِ الْجَسَدِ فَإِذَا خَرَجَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ عَدَا الْمَخْرَجَيْنِ أُمِرَ بِالْغُسْلِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَمَاعَةِ فَلَوْ انْفَتَحَ مَخْرَجٌ آخَرُ لِلْخُبُثِ هَلْ يَسْتَجْمِرُ فِيهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَجْمِرُ فِيهِ إذَا اسْتَمَرَّ وَصَارَ كَالْمُعْتَادِ انْتَهَى وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْفَتْحُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ فَإِنَّهُ صَارَ كَالْمَخْرَجِ كَمَا سَيَأْتِي فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُنْفَتِحُ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ لَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْفَتِحِ هَلْ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ أَمْ لَا؟ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالنَّقْضِ فَيَكْفِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ فَلَا يَكْفِي فَتَأَمَّلْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ لَا يَنْتَشِرُ عَنْ مَحِلِّ خُرُوجِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ يَنْتَشِرُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَوْلِ الْمَرْأَةِ وَالْخَصِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَمَذْيٌ بِغَسْلِ ذَكَرِهِ كُلِّهِ فَفِي النِّيَّةِ وَبُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِهَا أَوْ تَارِكِ كُلِّهِ قَوْلَانِ)
ش قَالَ فِي الْمُنْتَقَى لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى النِّيَّةِ وَأَمَّا غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ يَعْنِي نَفْسَهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَتَعَدَّى مَحِلَّ وُجُوبِهَا وَلَمْ يَعْزُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ إلَّا لِلْإِبْيَانِيِّ، وَكَذَا ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، انْتَهَى.
وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِبَعْضِهِمْ وَعَزَا مُقَابِلَهُ لِلشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَكَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ رَاشِدٍ.
وَقَوْلُهُ: وَبُطْلَانُ صَلَاةِ تَارِكِهَا يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فَغَسَلَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ أَوْ لَا تَبْطُلُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ؟ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ هُوَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا، قَالَ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا وَمَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ قَالَ: لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا وَكَلَامُهُ هُنَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ فَقَالَ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِغَسْلِ جَمِيعِهِ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوْ لَا ثُمَّ قَالَ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِافْتِقَارِهِ إلَى نِيَّةٍ لَوْ غَسَلَهُ بِلَا نِيَّةٍ وَصَلَّى هَلْ يُعِيدُ أَوْ لَا؟ وَمُقْتَضَى إيجَابِ النِّيَّةِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَتَرْكُ الْإِعَادَةِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ تَارِكِ كُلِّهِ، قَوْلَانِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ غَسْلَ ذَكَرِهِ كُلِّهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ مَحِلِّ الْأَذَى فَاخْتُلِفَ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْإِبْيَانِيِّ أَوْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَا يُعِيدُ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَقَالَ الْإِبْيَانِيُّ: يُعِيدُ أَبَدًا.
وَأَجْرَاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مَنْ لَمْ يَغْسِلْ إلَّا مَخْرَجَ الْأَذَى وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَغْسِلُهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ وَيَتَوَضَّأُ انْتَهَى فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ ذَكَرَهُ فَالْغَالِبُ أَنْ يُنْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَيَحْتَرِزَ مِنْ مَسِّ ذَكَرِهِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَجَنْبِهِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهُ صَحِيحٌ قَدْ صَلَّى بِهِ وَحُكِمَ بِصِحَّةِ بُطْلَانِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
قُلْت وَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلًا ثَالِثًا فَقَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ مَحَلِّ الْأَذَى فَقَالَ الْإِبْيَانِيُّ: يُعِيدُ أَبَدًا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ نَقَلَهُ الْقَفْصِيُّ فِي أَسْئِلَتِهِ عَنْهُ وَبِهِ كَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ يُفْتِي، انْتَهَى.
نَقَلَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ هَذَا الْقَوْلَ
الثَّالِثَ لَكِنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّهُ جَارٍ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَسْلُ الْمَذْيِ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ وَرَأَى أَنَّ غَسْلَهُ لَمَّا كَانَ تَعَبُّدًا أَشْبَهَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ وَاسْتَقْرَأَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَغْسِلُ الذَّكَرَ عِنْدَ إرَادَةِ الْوُضُوءِ فَإِنْ غَسَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَعُوِّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَمِنْ الْمَذْيِ إلَّا أَنَّهُ يُخْشَى أَنْ يُصِيبَهُمَا إنَّمَا عَلَيْهِ غَسْلُ ذَكَرِهِ فَعُوِّلَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ ظَانًّا أَنَّ مُرَادَهُ إنَّمَا عَلَيْهِ غَسْلُ ذَكَرِهِ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَهَذَا اسْتِقْرَاءٌ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا يَغْسِلَ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِنَّمَا يَغْسِلُ الذَّكَرَ خَاصَّةً انْتَهَى وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ بِاخْتِصَارٍ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ.
ص (وَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ رِيحٍ)
ش: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَسْتَنْجِي مِنْ الرِّيحِ قَالَ سَنَدٌ هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْإِشْرَافِ أَنَّ قَوْمًا يُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ كَأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ يَرَى أَنَّ الرِّيحَ تَنْقُلُ أَجْزَاءً مِنْ النَّجَاسَةِ تُدْرِكُ نَجَاسَةَ الشَّمِّ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرِّيحَ لَيْسَ بِنَجِسٍ وَلَوْ وَجَبَ مِنْهُ الِاسْتِنْجَاءُ لَوَجَبَ غَسْلُ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ يَلْقَاهُ فَإِنْ قِيلَ: تَصْحَبُهُ أَجْزَاءٌ نَجِسَةٌ، فَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ وَلَوْ ثَبَتَ فَقُدِّرَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مِنْهُ يَبْقَى بَعْدَ مَسْحِ الْأَحْجَارِ وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِمَا يُرْوَى لَيْسَ مِنَّا مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ الرِّيحِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا حَدِيثٌ أَسْنَدَهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ بَشِيرٌ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي زَهْرِ الْفِرْدَوْسِ وَقَالَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ شَرْقِيِّ بْنِ قَطَامِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.
ص (وَجَازَ بِيَابِسٍ طَاهِرٍ مُنَقٍّ غَيْرِ مُؤْذٍ وَلَا مُحْتَرَمٍ وَلَا مُبْتَلٍّ وَنَجِسٍ وَأَمْلُسَ وَمُحَدَّدٍ وَمُحْتَرَمٍ مِنْ مَطْعُومٍ وَمَكْتُوبٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجِدَارٍ وَرَوْثٍ وَعَظْمٍ)
ش: فَاعِلُ جَازَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَنُدِبَ جَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ بِكُلِّ يَابِسٍ طَاهِرٍ مُنَقٍّ غَيْرِ مُؤْذٍ وَلَا مُحْتَرَمٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلَةُ قَصْرُ الِاسْتِجْمَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَقَاسَ فِي الْمَشْهُورِ كُلَّ جَامِدٍ عَلَى الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِنْقَاءُ وَرَأَى فِي الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ فَيُقْتَصَرُ بِهَا عَلَى مَا وَرَدَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ لَا فِي الْمَفْعُولِ بِهِ وَتَعْلِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّوْثَةَ؛ لِأَنَّهَا رِجْسٌ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ غَيْرِ الْحَجَرِ وَإِلَّا لَعَلَّلَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَجَرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» وَلَا دَلِيلَ لَهُ يَعْنِي الْقَوْلَ الْآخَرَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوَّلًا: يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ رَاشِدٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَحْجَارَ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وُجُودًا.
(تَنْبِيهٌ) جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالْحَجَرِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: إنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدْرٍ أَوْ كِبْرِيتٍ وَنَحْوِهِ، أَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ كَالْخِرَقِ وَالْخَشَبِ وَشَبَهِهِ فَمَنَعَهُ دَاوُد وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، انْتَهَى.
وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَشْهُورَ وَذَهَبَ أَصْبَغُ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ إلَّا بِالْأَحْجَارِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَجْنَاسِ الْأَرْضِ كَالْخِرَقِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالنُّخَالَةِ وَالسُّحَالَةِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ يَمْسَحُ مَا فِي الْمَخْرَجِ مِنْ الْأَذَى بِمَدْرٍ يَعْنِي بِالْمَدْرِ الطُّوبَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْمَدْرُ الطِّينُ الْيَابِسُ وَغَيْرُهُ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْأَشْيَاءُ الَّتِي يُسْتَجْمَرُ بِهَا فِي الْجَوَازِ وَالْمَنْعُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ فَصِنْفٌ يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ وَصِنْفٌ يُمْنَعُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِجْزَاءِ إذَا
نَزَلَ وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فِي الْجَوَازِ وَفِي الْإِجْزَاءِ، فَالْأَوَّلُ الْأَرْضُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ صَخْرٍ وَمَدْرٍ وَكِبْرِيتٍ وَزِرْنِيخٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ، انْتَهَى.
وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ أَصْبَغَ يُخَالِفُ فِي غَيْرِ الْأَحْجَارِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ: تَمَسَّكَ دَاوُد بِلَفْظِ الْأَحْجَارِ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ يَسْتَحِبُّ الْحِجَارَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا انْتَهَى وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: يَابِسٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبْتَلَّةِ؛ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ تَنْشُرُ النَّجَاسَةَ وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي الْإِخْرَاجِ بِذِكْرِ الْمُبْتَلِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَائِعَاتِ مِنْ بَابٍ أَحْرَى، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: طَاهِرٍ، مِنْ النَّجِسِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يُبَاشِرُ بِهِ الْمَحِلَّ فَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْحَجَرِ نَجَاسَةٌ جَازَ الِاسْتِجْمَارُ بِالْجَنْبِ الْآخَرِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُنَقٍّ مِنْ الْأَمْلَسِ كَالزُّجَاجِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحْرِفٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: غَيْرِ مُؤْذٍ، مِنْ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ ضَرَرٌ كَالزُّجَاجِ الْمُحْرِفِ وَالْقَصَبِ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَلَا مُحْتَرَمٍ، مِمَّا لَهُ حُرْمَةً مِنْ الْمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا وَالْمَكْتُوبِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجِدَارِ وَالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ.
أَمَّا الْمَطْعُومَاتُ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا الْمَكْتُوبُ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ وَتَخْتَلِفُ الْحُرْمَةُ بِحَسَبِ مَا كُتِبَ قَالَ: وَفِي مَعْنَى الْمَكْتُوبِ الْوَرِقُ غَيْرُ الْمَكْتُوبِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّشَا، انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ وَلَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ بَاطِلًا كَالسِّحْرِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِلْحُرُوفِ وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ الصَّحِيفَةِ: قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كُتِبَتْ فِي أَثْنَاءِ مَا تَجِبُ إهَانَتُهُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَ تَحْرِيفِهِمَا فَيَجُوزُ إحْرَاقُهَا وَإِتْلَافُهَا وَلَا يَجُوزُ إهَانَتُهَا لِمَكَانِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا هُمَا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِمَا مِنْ التَّحْرِيفِ وَلَكِنْ حُرْمَةُ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَا تُبَدَّلُ عَلَى وَجْهٍ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَقَامَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حُرْمَةَ أَسْمَائِهِ بِأَنْ مَحَاهَا وَأَبْقَى مَا عَدَاهَا مِنْ الصَّحِيفَةِ.
فَلَوْلَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ مُتَمَيِّزَةً عَمَّا هِيَ فِيهِ بِحُرْمَةٍ لَمَا كَانَ لِتَمْيِيزِهَا بِالْمَحْوِ مَعْنًى وَلِهَذَا مُنِعَ الْكَافِرُ مِنْ كَتْبِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَآيَاتِهِ، وَتِلْكَ حُجَّةُ الْمَازِنِيِّ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنْ إقْرَاءِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ لِكَافِرٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى احْتِرَامِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ الْأَمْرُ إلَى إيجَابِ الطَّهَارَةِ لِمَسِّهَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْجَوْهَرُ وَالْيَاقُوتُ وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ كَالطَّعَامِ وَالْمِلْحِ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَلَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِمَسْجِدٍ لِحُرْمَتِهِ أَوْ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ أَوْ فِي وَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَهَذَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَكَثِيرًا مَا يُتَسَاهَلُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سِيَّمَا مَا سُبِّلَ لِلْوُضُوءِ فَتَجِدُ الْحِيطَانَ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَذَرِ لِأَجْلِ اسْتِجْمَارِهِمْ فِيهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْتَجْمَرَ فِي حَائِطِ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ الْمَطَرُ عَلَيْهِ أَوْ يُصِيبُهُ بَلَلٌ وَيَلْتَصِقُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ إلَيْهِ فَتُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ فَيُصَلِّي بِهَا، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَائِطِ حَيَوَانٌ فَيَتَأَذَّى بِهِ وَقَدْ رَأَيْت عِيَانًا بَعْضَ النَّاسِ اسْتَجْمَرَ فِي حَائِطٍ فَلَسَعَتْهُ عَقْرَبٌ كَانَتْ هُنَاكَ عَلَى رَأْسِ ذَكَرِهِ وَرَأَى فِي ذَلِكَ شِدَّةً عَظِيمَةً، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
قُلْت وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ حَضَرَ قِرَاءَةَ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِي سَنَةِ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللَّهُ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَتَسَامَحَ النَّاسُ بِالتَّمَسُّحِ بِالْحِيطَانِ وَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْضَمُّونَ إلَيْهَا لَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَبَلَلِ الثِّيَابِ قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فِي حِيطَانِ الْمَرَاحِيضِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهَا تَصِيرُ نَجِسَةً مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَيَكُونُ قَدْ اسْتَجْمَرَ بِنَجِسٍ،
انْتَهَى.
وَنَقَلَ بَعْضَهُ فِي التَّوْضِيحِ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ لِتَخْصِيصِ ابْنِ الْحَاجِبِ جِدَارَ الْمَسْجِدِ إلَّا الْأَوْلَوِيَّةُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْإِكْمَالِ يَنْبَغِي الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ، وَأَمَّا الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَجُوزُ بِنَجِسٍ وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ وَالْحُمَمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ مَا نَصُّهُ وَأَمَّا الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِمَا إذَا كَانَا طَاهِرَيْنِ وَيُحْتَمَلُ إذَا كَانَا نَجِسَيْنِ يَابِسَيْنِ وَيُحْتَمَلُ الْمَجْمُوعُ وَقَدْ حَكَى اللَّخْمِيُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَيْنِ، وَيَكُونُ وَجْهُ الْمَنْعِ فِي الطَّاهِرَيْنِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ: وَلَا تَأْتِينِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ، وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ انْهَ أُمَّتَك أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَنَا فِيهَا رِزْقًا.
فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ»
فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَا طَاهِرَيْنِ أَوْ نَجِسَيْنِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) الْمَنْعُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُسْتَجْمَرُ بِهَا هَلْ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى التَّحْرِيمِ، أَمَّا الْمَطْعُومَاتُ وَالْمَكْتُوبَاتُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يَجُوزُ بِنَجِسٍ وَلَا نَفِيسٍ وَلَا بِذِي حُرْمَةٍ كَطَعَامٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ بِشَيْءٍ مَكْتُوبٍ، وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ وَالْحُمَمَةُ عَلَى الْأَصَحِّ وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ وَقَبِلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ رَاشِدٍ وَكَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ فِي الْمَنْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا لَهُ حُرْمَةٌ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَكُلِّ مَا فِيهِ رُطُوبَةٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ رَاشِدٍ هَذَا فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُمْنَعُ بِذِي حُرْمَةٍ أَوْ شَرَفٍ كَالطَّعَامِ وَالْفِضَّةِ، انْتَهَى.
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى التَّحْرِيمِ إلَّا فِي جِدَارٍ يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا النَّجِسُ وَالْمُبْتَلُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْشُرُ النَّجَاسَةَ وَكَذَلِكَ الْأَمْلَسُ وَالْمُحَدَّدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَأَمَّا الرَّوْثُ وَالْعَظْمُ فَالنَّجِسُ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي حُكْمِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا الطَّاهِرُ مِنْهُمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَإِنَّ اللَّخْمِيَّ نَقَلَ فِيهَا وَفِي النَّجِسِ الْجَامِدِ قَوْلَيْنِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ فَغَايَرَ بَيْنَ عِبَارَتِهِ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، حَيْثُ عَبَّرَ بِالْمَنْعِ وَنَصُّ كَلَامِهِ الرَّابِعُ مَا كَانَ طَاهِرًا وَلَيْسَتْ لَهُ حُرْمَةٌ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُوَ الْعَظْمُ وَالْبَعْرُ، وَالْخَامِسُ مَا كَانَ مِنْ النَّجَاسَةِ جَامِدًا رَوْثًا أَوْ غَيْرَهُ، اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ نَهْيًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَكَرِهَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ فَجَحَفَ وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْجَلَّابِ: يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْعِظَامِ وَسَائِرِ الطَّعَامِ وَيُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالرَّوْثِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ إلَّا الْعَظْمَ الطَّاهِرَ وَالرَّوْثَ الطَّاهِرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُمَمَةً وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْحُمَمُ الْفَحْمُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْحُمَمَةُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الْأَصَحُّ فِيهَا عَدَمُ الْجَوَازِ وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ: إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَالنَّقْلُ يُؤَيِّدُهُ، قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَالْحُمَمَةِ، قَالَ: مَا سَمِعْت فِيهَا نَهْيًا وَلَا أَرَى بِهَا بَأْسًا فِي عِلْمِي، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قِيلَ: وَإِنَّمَا مَنَعْت الْحُمَمَةَ؛ لِأَنَّهَا تُسَوِّدُ الْمَحِلَّ وَلَا تُزِيلُ النَّجَاسَةَ، انْتَهَى.
قُلْت مَا ذَكَرَهُ عَنْ التِّلِمْسَانِيِّ هُوَ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ لَهُ وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ، أَمَّا الْفَحْمُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ وَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: اسْتَخَفَّ مَالِكٌ مَا سِوَى الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْخِيمِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحُمَمَةِ، قَالَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ: فَقَدْ رُجِّحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَقَدْ جَزَمَ فِي الشَّامِلِ بِالْجَوَازِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التُّرَابُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ فِي الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِجْمَارِ بِغَيْرِ الْحِجَارَةِ مِنْ الْمَدْرِ وَالْخَزَفِ وَالطِّينِ وَالْآجُرِّ وَلَا بَأْسَ بِالْخِرَقِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ التُّرَابِ وَالنُّخَالَةِ وَالسُّحَالَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَجَازَهُ فِي الْجَلَّابِ بِالتُّرَابِ، وَتَعْلِيلُ عِيَاضٍ مَنْعَ الْحُمَمَةِ بِأَنَّهَا كَالتُّرَابِ خِلَافُهُ وَبِالنُّخَالَةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ بِأَنَّ بِهَا طَعَامًا وَمَنَعَ سَحْنُونٌ غَسْلَ الْيَدِ بِهَا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَلَعَلَّهُ فِي الْخَالِصَةِ، انْتَهَى.
قُلْت كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ النُّخَالَةَ فِي نُسْخَتِهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِهِ: (النُّخَالَةُ) مَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَأْرَةِ عِنْدَ الْمَسْحِ (وَالسُّحَالَةُ) مَا يَخْرُجُ مِنْ الْخَشَبِ عِنْدَ النَّشْرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ النُّخَالَةُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْأَكْلِ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ جِنْسِ الْمَأْكُولَاتِ مُلْحَقَةٌ بِالْجَامِدَاتِ وَإِنَّمَا لَهَا حُرْمَةٌ عِنْدَ اخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا فَأَمَّا عِنْدَ انْفِرَادِهَا فَلَا، انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: وَيُسْتَنْجَى بِالسُّحَالَةِ وَالنُّجَارَةِ كَمَا يُسْتَنْجَى بِالتُّرَابِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) أَجَازَ فِي الْإِكْمَالِ الِاسْتِجْمَارَ بِالْأَرْضِ وَنَصُّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَجْمِرُ بِيَمِينِهِ أَمَّا مَتَى أَمْكَنَهُ حَجَرٌ ثَابِتٌ يَتَمَسَّحُ بِهِ أَوْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِرْخَاءُ حَتَّى يَتَمَسَّحَ بِالْأَرْضِ أَوْ بِمَا يُمْكِنُهُ التَّمَسُّحُ بِهِ مِنْ ثَابِتٍ طَاهِرٍ جَامِدٍ فَنَعَمْ، انْتَهَى.
فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِاسْتِجْمَارِ بِالتُّرَابِ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالُوا: وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْآجُرِّ وَالْخِرَقِ وَالتُّرَابِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَنْجَى بِالْأَرْضِ انْتَهَى.
ص (فَإِنْ أَنْقَتْ أَجْزَأَتْ كَالْيَدِ دُونَ الثَّلَاثِ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ مَا لَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ بَيَّنَ حُكْمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اسْتَجْمَرَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ إنْقَاءٌ أَجْزَأَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ إنْقَاءٌ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ إذَا اسْتَجْمَرَ بِيَدِهِ وَأَنْقَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ.
وَالثَّانِيَةَ أَنَّهُ إذَا اسْتَجْمَرَ بِدُونِ الثَّلَاثِ وَأَنْقَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَهِيَ مَا إذَا اسْتَجْمَرَ بِمَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ فَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَنَصُّهُ: فَلَوْ اسْتَجْمَرَ بِنَجِسٍ أَوْ مَا بَعْدَهُ فَفِي إعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ قَوْلَانِ، أَيْ مَا ذَكَرَ بَعْدَ النَّجِسِ مِنْ ذِي الْحُرْمَةِ وَالرَّوْثِ وَالْقَوْلُ بِإِعَادَتِهِ فِي الْوَقْتِ لِأَصْبَغَ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيُشْكَلُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ فِيمَا إذَا اسْتَجْمَرَ بِنَجِسٍ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، انْتَهَى.
قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِيمَا عَدَا النَّجِسَ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالنَّجِسِ لَا يَظْهَرُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِيمَنْ اسْتَجْمَرَ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ وَأَنْقَى: أَجْزَأَهُ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ بَقِيَ فِي الْمَحِلِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ الرَّطْبِ تَبْقَى رُطُوبَتُهُ أَوْ رَوْثٍ يَتَفَتَّتُ فَهَذَا لَا يُجْزِئُهُ وَيُؤْمَرُ بِغَسْلِ الْمَحِلِّ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ طَارِئَةٌ عَلَيْهِ وَقَالَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إنْ عَلِقَتْ رُطُوبَةُ الْمَيْتَةِ أَوْ تَفَتَّتْ الرَّوْثَةُ عَلَى الْمَحِلِّ تَعَيَّنَ الْغَسْلُ، انْتَهَى.
قُلْت يَعْنِي أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ غَسْلُ الْمَحِلِّ بِالْمَاءِ وَلَا يَكْفِي الِاسْتِجْمَارُ وَلَوْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ سَنَدٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ اسْتَنْجَى بِمَا فِيهِ رُطُوبَةٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ يُرِيدُ إذَا صَلَّى بِذَلِكَ نَاسِيًا مَا إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَلْيُعِدْ أَبَدًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قُلْت وَمِثْلُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالنَّجِسِ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَبْلُولِ فَإِنَّهُ يَنْشُرُ النَّجَاسَةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) لَا يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ أَبْقَتْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَعُودُ لِلْجَمِيعِ حَتَّى النَّجِسِ وَالْمَبْلُولِ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّجِسَ وَالْمَبْلُولَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا إنْقَاءٌ فَلَا يَدْخُلَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
الثَّانِي) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ شُرُوطَ الشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَجْمَرُ بِهِ وَهَكَذَا كُلُّهُ إذَا قَصَدَ الِاسْتِجْمَارَ الشَّرْعِيَّ وَإِلَّا اتَّقَى مَا لَهُ حُرْمَةٌ وَإِذَايَةٌ وَنَحْوُهُمَا، انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ إزَالَةَ عَيْنِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَحِلِّ لِيَغْسِلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيُزِيلَهَا بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُزَالَ بِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْ فِيهِ إذَايَةٌ وَقَوْلُهُ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا يَكُونُ مَائِعًا أَوْ مَبْلُولًا بَلَلًا يَنْشُرُ النَّجَاسَةَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ الِاسْتِجْمَارُ بِالْيَدِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ذَكَرَ فِي الْإِكْمَالِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ زَادَ فِي الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا احْتِرَازًا مِنْ يَدِ نَفْسِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الرِّسَالَةِ أَنَّهُ يَسْتَجْمِرُ بِيَدِهِ وَلَفْظُهُ ثُمَّ يَمْسَحُ مَا فِي الْمَخْرَجِ مِنْ الْأَذَى بِمَدْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِيَدِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ سَيِّدِي الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ أَنَّهُ إذَا عَدِمَ الْأَحْجَارَ فَلَا يَتْرُكُ فَضِيلَةَ الِاسْتِجْمَارِ بَلْ يَسْتَجْمِرُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى بَعْدَ غَسْلِهَا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ التَّوْضِيحِ: إنَّمَا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ الْمُجَرَّدِ، انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ الَّذِي يَعْقُبُهُ الِاسْتِنْجَاءُ قُلْت وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِالْإِجْزَاءِ فَقَالَ: لَوْ اسْتَنْجَى بِأُصْبُعِهِ وَأَنْقَى بِثَلَاثٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ وَلَا يُجْزِئُ كَالْعَقِبِ وَكَذَنَبِ دَابَّةٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْلَعَ صُوفًا مِنْ ذَنَبِ شَاةٍ فَيَتَمَسَّحَ بِهِ مُتَّصِلًا بِهَا لَكِنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ كَمَا يُتَّقَى مِنْ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِاخْتِصَارٍ فَقَالَ: لَوْ اسْتَنْجَى بِأَصَابِعِهِ أَوْ ذَنَبِ دَابَّةٍ أَوْ شَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ وَأَنْقَى أَجْزَأَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ انْتَهَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِالْيَدِ جَائِزٌ عَلَى مَا فِي الرِّسَالَةِ وَالْمَدْخَلِ فَإِنْ أَنْقَتْ أَجْزَأَتْ وَيُؤْمَرُ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ مِنْ يَدِهِ هَذَا إذَا أَرَادَ الِاسْتِجْمَارَ الشَّرْعِيَّ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لِيَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: قَوْلُهُ: بِيَدِهِ يَعْنِي الْيُسْرَى وَيَعْنِي إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَمُرَادُهُ بِالْيَدِ الْأُصْبُعُ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَيُجْزِئُهُ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا فِي الطِّرَازِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: إنَّ الْيَدَ مَعَ الْإِنْقَاءِ كَافِيَةٌ خِلَافًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْإِكْمَالِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ مَا إذَا أَنْقَى بِدُونِ الثَّلَاثِ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِنْقَاءُ دُونَ الْعَدَدِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَابْنُ شَعْبَانَ بِوُجُوبِ الْإِنْقَاءِ وَالْعَدَدِ فَإِنْ أَنْقَى بِحَجَرٍ أَوْ حَجَرَيْنِ أَجْزَأَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِالثَّلَاثِ وَأَنْقَى بِأَرْبَعٍ اُسْتُحِبَّ الْخَامِسُ لِلْوِتْرِ فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِخَمْسٍ وَأَنْقَى بِسِتٍّ اُسْتُحِبَّ السَّابِعُ ثُمَّ الْمَطْلُوبُ الْإِنْقَاءُ، اُنْظُرْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّبِيبِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَحَمَلَ شُيُوخُنَا حَدِيثَ الثَّلَاثِ عَلَى النَّدْبِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى
[فَصْلٌ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ]
ص (فَصْلٌ نَقْضُ الْوُضُوءِ بِحَدَثٍ وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ فِي الصِّحَّةِ)
ش هَذَا الْفَصْلُ يَذْكُرُ فِيهِ نَوَاقِضَ الْوُضُوءِ وَتُسَمَّى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ أَيْضًا وَاخْتَارَ التَّعْبِيرَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَمَعَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي التَّلْقِينِ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَقَالَ: بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا يُنْقِضُهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُوجِبَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْحَدَثَ السَّابِقَ عَلَى الْوُضُوءِ وَالنَّاقِضُ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُضُوءِ وَالنَّوَاقِضُ جَمْعُ نَاقِضٍ وَنَاقَضَ الشَّيْءَ وَنَقِيضُهُ مَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَتَعْبِيرُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالنَّوَاقِضِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِمَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْمُوجِبِ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ، انْتَهَى.
يَعْنِي وَكَانَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْوُضُوءِ نَاسَبَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهَا بِالنَّوَاقِضِ وَإِلَّا فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُوجِبِ أَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى السَّابِقِ وَعَلَى الْمُتَأَخِّرِ وَأَيْضًا فَالتَّعْبِيرُ بِالنَّقْضِ قَدْ يُوهِمُ بُطْلَانَ الطَّهَارَةِ السَّابِقَةِ وَإِذَا بَطَلَتْ بَطَلَ مَا فَعَلَ بِهَا مِنْ الْعِبَادَةِ وَلِهَذَا قَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ
لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الرَّفْضِ: لَا نَقُولُ: إنَّ الطَّهَارَةَ بَطَلَتْ بِالْحَدَثِ، وَلَكِنْ انْتَهَى حُكْمُهَا كَمَا يَنْتَهِي حُكْمُ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا إذَا تَوَضَّأَ وَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ لِلْحَدَثِ الثَّانِي لَا الْحَدَثِ الْأَوَّلِ انْتَهَى ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفَاعِلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا لِمُذَكَّرٍ عَاقِلٍ يَجُوزُ جَمْعُهُ عَلَى فَوَاعِلَ كَخَارِجٍ وَخَوَارِجَ وَطَالِقٍ وَطَوَالِقَ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ: وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَدُّوهُ مَسْمُوعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي صِحَّةِ هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوَاضِعَ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ: إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَإِذَا أَرَادَ فِيهِ كَلَامًا فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَقَرِيبٌ، انْتَهَى.
وَنَوَاقِضُ الْوُضُوءِ (أَحْدَاثٌ) وَأَسْبَابٌ فَالْأَحْدَاثُ جَمْعُ حَدَثٍ وَهُوَ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ (وَالْأَسْبَابُ) جَمْعُ سَبَبٍ وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ: الْحَبْلُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] أَيْ فَلْيُمْدِدْ بِحَبْلٍ إلَى سَقْفِ بَيْتِهِ فَإِنَّ السَّقْفَ يُسَمَّى سَمَاءً لِعُلُوِّهِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ السَّبَبُ فِي عِلَّةِ الشَّيْءِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ وَالسَّبَبُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ هُوَ مَا أَدَّى إلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ كَالنَّوْمِ الْمُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الرِّيحِ مَثَلًا وَاللَّمْسِ وَالْمَسِّ الْمُؤَدِّيَانِ إلَى خُرُوجِ الْمَذْيِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ أَنَّ الْحَدَثَ يُطْلَقُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا هَذَا وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ وَالِاعْتِيَادِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ فِي الصِّحَّةِ فَتَمَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا مِنْ مَخْرَجَيْهِ إلَخْ قَوْلُهُ: وَهُوَ الْخَارِجُ أَفَادَ بِهِ أَنَّ الدَّاخِلَ غَيْرُ حَدَثٍ وَلَا سَبَبَ فَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِحُقْنَةٍ، وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ مُوجِبٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ فَلَا يُعْتَرَضُ بِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَذْيُ الْمَرْأَةِ بِلَّةٌ تَجِدُهَا فَيَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَفِي الْجُزُولِيِّ الْكَبِيرِ ابْنُ حَبِيبٍ: مَذْيُ الْمَرْأَةِ بِلَّةٌ تَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ وَوَدْيُهَا يَخْرُجُ بِأَثَرِ الْبَوْلِ انْتَهَى.
ص (لَا حَصًى وَدُودٌ وَلَوْ بِبِلَّةٍ)
ش: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ الدَّمُ وَسَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ أَوْ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقَدَّمَ غَسْلُ ذَلِكَ وَالِاسْتِجْمَارُ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ جَافًّا بِغَيْرِ دَمٍ فَهَلْ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَمْ لَا قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ مُفَرَّعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَبِسَلَسٍ فَارَقَ أَكْثَرَ كَسَلَسِ مَذْيٍ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ وَنُدِبَ إنْ لَازَمَ أَكْثَرَ لَا إنْ شَقَّ)
ش هَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ فِي الصِّحَّةِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ لَا يُنْقَضُ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ لَا يُنْقِضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ.
وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّ السَّلَسَ يُنْقِضُ مُطْلَقًا وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ أَنَّ السَّلَسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يُلَازِمَ وَلَا يُفَارِقَ فَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَلَا يُسْتَحَبُّ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ صَاحِبِهِ بِالْبَوْلِ الْمُعْتَادِ.
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مُلَازَمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مُفَارِقَتِهِ فَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِبَرْدٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فَلَا يُسْتَحَبُّ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَتَسَاوَى إتْيَانُهُ
وَمُفَارَقَتُهُ فَفِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ وَاسْتِحْبَابِهِ قَوْلَانِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَفْصِيُّ: وَالْمَشْهُورُ لَا يَجِبُ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: الظَّاهِرُ الْوُجُوبُ.
(الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ مُفَارَقَتُهُ أَكْثَرَ فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبٌّ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوفٍ بِبَيَانِ حُكْمِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ وَبَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْوُضُوءُ وَمَا لَا يَجِبُ وَمَا يُسْتَحَبُّ وَمَا لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَبِسَلَسٍ فَارَقَ أَكْثَرَ، فَأَفَادَ أَنَّ الْوُضُوءَ يُنْقَضُ بِخُرُوجِ الْحَدَثِ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ إذَا كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ أَكْثَرَ، وَعُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ: فَارَقَ أَكْثَرَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ فِي الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا تَسَاوَى إتْيَانُهُ وَانْقِطَاعُهُ أَوْ كَانَ إتْيَانُهُ أَكْثَرَ أَوْ كَانَ مُلَازِمًا لَا يُفَارِقُ وَأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي مَسْأَلَةِ التَّسَاوِي، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ إذَا كَانَتْ مُلَازَمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ مَا لَمْ يَشُقَّ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَعَ التَّسَاوِي مِنْ بَابِ الْأَوْلَى فَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إذَا كَانَ لَا يُفَارِقُ أَصْلًا، فَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَخْصَرَ عِبَارَتَهُ وَمَا أَلْطَفَ إشَارَتَهُ وَكَمْ فِيهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الِاخْتِصَارِ الْعَجِيبِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ التَّحْقِيقِ بِأَوْفَرَ نَصِيبٍ.
وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا هَذَا التَّقْسِيمُ لَا يَخُصُّ حَدَثًا دُونَ حَدَثٍ وَقَدْ قَالَ الْإِبْيَانِيُّ فِيمَنْ بِجَوْفِهِ عِلَّةٌ وَهُوَ شَيْخٌ يَسْتَنْكِحُهُ الرِّيحُ: إنَّهُ كَالْبَوْلِ، وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ رَجُلٍ إنْ تَوَضَّأَ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ وَإِنْ تَيَمَّمَ لَمْ يُنْتَقَضْ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
وَرَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِ يُمْنَعُ كَوْنَهُ نَاقِضًا، انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ ذَكَرَهُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَحَكَى فِي الشَّامِلِ فِي ذَلِكَ عَنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَيْنِ وَلَفْظُ اللَّخْمِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَقَدْ سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ إنْ تَوَضَّأَ لَمْ تَسْلَمْ لَهُ صَلَاتُهُ حَتَّى تُنْتَقَضَ طَهَارَتُهُ وَإِنْ تَيَمَّمَ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ وَرَأَيْت أَنَّ صَلَاتَهُ بِالتَّيَمُّمِ أَوْلَى ذَكَرَهُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ الْإِبْيَانِيُّ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الْقِيَامِ كَخُرُوجِ رِيحٍ أَنَّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ لَا يَمْلِكُ خُرُوجَ الرِّيحِ إذَا قَامَ أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ عَنْهُ نَظَرٌ أَوْ أَنَّ خُرُوجَ الرِّيحِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَلَسٌ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ التَّيَمُّمِ عَنْ الطُّلَيْطِلِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ذُو مَرَضٍ مَا يُسَاعِدُ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَسَلَسِ مَذْيٍ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ فَيُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ سَلَسَ الْمَذْيِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَادِرًا عَلَى رَفْعِهِ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ وَلَا يُفْصَلُ فِيهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ كَثُرَ الْمَذْيُ لِلْعُزْبَةِ أَوْ التَّذَكُّرِ فَالْمَشْهُورُ الْوُضُوءُ.
وَفِي قَابِلِ التَّدَاوِي قَوْلَانِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَادِرِ لَا كَمَا يُعْطِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ طَلَبِ النِّكَاحِ، وَشِرَاءُ السَّرِيَّةِ مَعْذُورٌ أَوْ جَعَلَ قَوْلَهُ وَفِي قَابِلِ التَّدَاوِي قَوْلَانِ رَاجِعًا إلَى سَلَسِ الْبَوْلِ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ هَذَا فِي الْبَوْلِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَمَنْ سَلِسَ بَوْلُهُ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الْعِلَاجِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْقَادِرِ عَلَى رَفْعِ سَلَسِ الْمَذْيِ بِالتَّسَرِّي وَالتَّزْوِيجِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: سَلَسُ الْمَنِيِّ لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ ذَكَرَهُ فِي إعَادَةِ الْجُنُبِ الصَّلَاةَ وَالْغُسْلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: قَدْ يَخْرُجُ الْمَنِيُّ بِلَا لَذَّةٍ وَلَا إنْعَاظٍ وَهَذَا لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَنِيُّ السَّلَسِ.
ص (وَفِي اعْتِبَارِ الْمُلَازَمَةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَعْنَى الْمُلَازَمَةِ هُنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَأْتِيَهُ مِقْدَارُ ثُلُثَيْ سَاعَةٍ مَثَلًا وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ مِقْدَارَ ثُلُثِهَا ثُمَّ يَأْتِي ثُلُثَيْ سَاعَةٍ وَكَذَلِكَ يَعُمُّ سَائِرَ نَهَارِهِ وَلَيْلِهِ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقَيْنَاهُ يَقُولُ: إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْمُلَازَمَةُ وَمُفَارَقَتُهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ الزَّمَنُ الَّذِي يُخَاطَبُ فِيهِ بِالْوُضُوءِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ
مُنَاسِبًا لَكِنَّهُ مِنْ الْفَرْضِ النَّادِرِ وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ فَلَا يَخْلُو وَقْتٌ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ بَوْلٍ سَوَاءٌ لَازَمَ أَكْثَرَ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ أَقَلَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ النَّقْضِ فَتَسْتَوِي مَشَقَّةُ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَيَلْزَمُ اسْتِوَاءُ الْحُكْمِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا عِبْرَةَ بِمُفَارَقَتِهِ وَمُلَازَمَتِهِ إذْ لَيْسَ هُوَ مُخَاطَبًا حِينَئِذٍ بِالصَّلَاةِ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يَمِيلُ إلَيْهِ شَيْخُنَا وَكَانَ يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: إنَّهُ لَا تُؤْخَذُ مَسْأَلَةٌ عَلَى عُمُومِهَا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ بِمَا إذَا كَانَ إتْيَانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُخْتَلِفًا فِي الْوَقْتِ فَيُقَدِّرُ فِي ذِهْنِهِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ وَقْتُ إتْيَانِهِ مُنْضَبِطًا يَعْمَلُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَخَّرَهَا وَإِنْ كَانَ آخِرَ الْوَقْتِ قَدَّمَهَا، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَا رَدَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّهُ فَرْضٌ نَادِرٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ إذْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مِنْ الْفُرُوضِ النَّادِرَةِ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنُوفِيِّ فَقَالَ: وَالْمُلَازَمَةُ وَالْمُفَارَقَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً فَيُقَدِّرُ بِذِهْنِهِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ اللُّزُومُ وَقْتَ الصَّلَاةِ أَوْ الْأَيَّامَ قَوْلَا شَيْخَيْ شُيُوخِنَا ابْنِ جَمَاعَةَ وَالْبُوذَرِيِّ وَالْأَظْهَرُ عَدَدُ صَلَوَاتِهِ وَفَسَّرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَكْثَرَ بِإِتْيَانِ الْبَوْلِ ثُلُثَيْ سَاعَةٍ لَيْلًا وَنَهَارًا وَتَعَقَّبَهُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ نَادِرٌ بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ مِنْهُ قَصْرُ وُجُودِ الْبَوْلِ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَهْمٌ إنَّمَا مُرَادُ ابْنِ جَمَاعَةَ قَصْرُ الْمُعْتَبَرِ مِنْهُ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ أَيْضًا: إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ لَمْ يَخْلُ وَقْتُ صَلَاةٍ مِنْ بَوْلٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَا بُدَّ مِنْ نَاقِضٍ فَيَسْتَوِي مَشَقَّةُ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ، يُرَدُّ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ لِمَا اخْتَارَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَلَفَ التُّونُسِيُّونَ هَلْ تُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ وَقِيلَ بِالْأَيَّامِ قَالَهُ الشَّيْخُ الْبُوذَرِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِ وَرَدَّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، نَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِلَفْظِ وَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ اللُّزُومَ وَقْتَ الصَّلَاةِ أَوْ الْيَوْمَ قَوْلَا شَيْخَيْ شُيُوخِنَا إلَى آخِرِهِ، وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ جَمَاعَةَ الْمُعْتَبَرُ مُلَازَمَتُهُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ يَأْتِي فِي غَالِبِ وَقْتِ الصَّلَاةِ سَقَطَ الْوُضُوءُ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ هَارُونَ وَالشَّيْخُ الْمَنُوفِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ الثَّانِي تُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ بِالْأَيَّامِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّانِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الثَّالِثُ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الرَّابِعُ اخْتِيَارُ ابْنِ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ: وَأَمَّا السَّلَسُ وَالِاسْتِحَاضَةُ فَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْوُضُوءُ انْتَهَى فَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (مِنْ مَخْرَجَيْهِ أَوْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إنْ انْسَدَّا وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) ش: هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: الْخَارِجُ، يَعْنِي الْحَدَثُ هُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ، يَعْنِي الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ إذَا انْفَتَحَ لِخُرُوجِ الْحَدَثِ ثُقْبَةٌ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَانْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ هَكَذَا نُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَزِيزَةَ وَنَحْوُهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَقَوْلُهُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ يَدْخُلُ ثَلَاثُ صُوَرٍ الْأُولَى أَنْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ وَتَكُونَ الثُّقْبَةُ فَوْقَ الْمَعِدَةِ، الثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَنْسَدَّ أَوْ تَكُونَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَيْضًا، الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَنْسَدَّ أَيْضًا وَتَكُونَ الثُّقْبَةُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَهَكَذَا حَكَى فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَزِيزَةَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ تَرْجِيحُ عَدَمِ النَّقْضِ وَأَنَّهُ الْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَائِلِ بَابِ أَحْكَامِ النَّجَاسَةِ: إنْ لَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ فَلَا وُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ مُنْسَدًّا وَكَانَ الْفَتْحُ فِي الْمِعَى الْأَسْفَلِ وَدُونَ الْمَعِدَةِ فَهَذَا يُنْقَضُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ فَوْقَ الْمَعِدَةِ فَاخْتَلَفَ هَاهُنَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ
الْمُزَنِيّ: لَا وُضُوءَ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ الْوُضُوءُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَوْقِ الْمَعِدَةِ لَا يَكُونُ عَلَى نَعْتِ مَا يَكُونُ مِنْ أَسْفَلِهَا، انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) هَلْ يَكْفِي فِي هَذِهِ الثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ الِاسْتِجْمَارُ؟ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فَصْلِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: ثُقْبَةٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَضْمُومَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ (وَالْمَعِدَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَنُقِلَ أَيْضًا مِعْدَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَهُوَ مَوْضِعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَنْحَدِرَ إلَى الْأَمْعَاءِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَرِشِ لِلْحَيَوَانِ وَجَمْعُهَا مِعَدٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ كَذَا قَالَ فِي التَّسْهِيلِ، وَقَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ شُرُوحِ الشَّافِيَةِ لِابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّصْرِيفِ أَنَّ جَمْعَهَا مَعِدٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ.
قُلْت وَهَذَا لَيْسَ بِجَمْعٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَوْزَانِ الْجَمْعِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ جَمْعٍ نَحْوَ نَبْقٌ وَنَبْقَةٌ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَادَّعَى النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعِدَةِ السُّرَّةُ قَالَ: وَحُكْمُ الْمُنْفَتِحِ فِي السُّرَّةِ وَمَا حَاذَاهَا حُكْمُ مَا فَوْقَهَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهَا الْمَكَانُ الْمُنْخَسِفُ تَحْتَ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْأَطِبَّاءُ وَاللُّغَوِيُّونَ انْتَهَى.
قُلْت وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا خَرَجَ الْقَيْءُ بِصِفَةِ الْمُعْتَادِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَادِرًا لَمْ يُنْتَقَضْ الْوُضُوءُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْ مَحِلِّهِ وَصَارَ مَوْضِعُ الْقَيْءِ مَحِلًّا لَهُ وَجَبَ الْوُضُوءُ فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ مَحِلِّهِ أَكْثَرَ لَمْ يَجِبْ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ: قَوْلُهُ بِصِفَةِ الْمُعْتَادِ أَيْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَا بِكُلِّ الصِّفَاتِ انْتَهَى.
قُلْت أَمَّا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الثُّقْبَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْسَدَّا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ النَّقْضِ حِينَئِذٍ
ص (وَبِسَبَبِهِ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلٍ وَإِنْ بِنَوْمٍ ثَقُلَ وَلَوْ قَصُرَ لَا خَفَّ وَنُدِبَ إنْ طَالَ) ش لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهُوَ الْأَحْدَاثُ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَسْبَابُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا هُوَ مَا أَدَّى إلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ مَا نُقِضَ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ نَاقِضٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَذَا التَّعْرِيفُ وَقَعَ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ مُجْتَنَبٌ فِي التَّعْرِيفَاتِ، وَلَوْ قَالَ: وَهُوَ مَا كَانَ مُؤَدِّيًا إلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ لَكَانَ أَبْيَنَ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ: لَكَانَ أَحْسَنَ مَكَانَ أَبْيَنَ وَحَصَرَ الْمُصَنِّفُ الْأَسْبَابَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: زَوَالِ الْعَقْلِ وَلَمْسِ مَنْ يُشْتَهَى وَمَسُّ الذَّكَرِ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: تَرِدُ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ وَرَفْضُ الْوُضُوءِ وَالشَّكُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْأَحْدَاثِ وَلَا فِي الْأَسْبَابِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ حَصْرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، انْتَهَى يَعْنِي كَلَامَ ابْنِ هَارُونَ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَدْ يُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ نَوَاقِضُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَحْدَاثًا وَلَا تُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِهَا لِمَعْنًى آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْوُضُوءُ وَالرَّفْضُ إنَّمَا يُبْطِلُهُ لِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي النِّيَّةِ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ إنَّمَا يُوجِبُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهَا بِيَقِينٍ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِيهَا وَالشَّكُّ فِي حُصُولِ الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي حُصُولِ الْمَشْرُوطِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ النَّوْمِ، وَلَا يُفْصَلُ فِيهِ كَمَا يُفْصَلُ فِي النَّوْمِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ نَامَ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا الْخُطْوَةَ وَنَحْوَهَا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَثْقَلَ نَوْمَهُ وَطَالَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَنَوْمُهُ رَاكِبًا قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ طَوِيلٌ وَلَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ
نَامَ مُحْتَبِيًا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَشِبْهِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ وُضُوءٌ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: السُّنَّةُ فِيمَنْ نَامَ رَاكِبًا أَوْ سَاجِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ: مَنْ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ خُنِقَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا تَوَضَّأَ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَمَنْ فَقَدَ عَقْلَهُ بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ تَوَضَّأَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَالْأَوَّلُ وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لِكَيْفِيَّةِ نَقْضِهَا فِي طُولٍ أَوْ قِصَرٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَاقِضَةٌ مُطْلَقًا وَهُوَ الْحَقُّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْقَلِيلُ فِي ذَلِكَ كَالْكَثِيرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ حَدَثَانِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِمَا الثِّقَلُ كَمَا اشْتَرَطَهُ فِي النَّوْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُمَا سَبَبَانِ وَخَرَجَ عَلَى الْقَوْلِ مَنْ جُنَّ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا بِحَضْرَةِ قَوْمٍ وَلَمْ يُحِسُّوا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَاعْتُرِضَ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ لِابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا سَبَبَانِ إلَّا أَنَّهُ أَوْجَبَ عَنْهُمَا الْوُضُوءَ دُونَ تَفْصِيلٍ، وَالثَّانِي لِبَعْضِ شُيُوخِنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إحْسَاسِهِمْ عَدَمَ الْحَدَثِ وَيَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّوْمِ، انْتَهَى.
وَأَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِابْنِ عَرَفَةَ نَقَلَهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَلَفْظُهُ وَكَوْنُ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ حَدَثًا أَوْ سَبَبًا نَقْلًا اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ وَالْقَاضِي إلَخْ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ قَالَا: إنَّ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ يُنْقِضَانِ دُونَ تَفْصِيلٍ فَفَهِمَ اللَّخْمِيُّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا عِنْدَهُمَا حَدَثَانِ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا النَّوْمُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ حَدَثٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ سَبَبٌ، انْتَهَى.
قُلْت طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ وَهِيَ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ أَنَّ الثَّقِيلَ الطَّوِيلَ يُنْقِضُ بِلَا خِلَافٍ وَالثَّقِيلُ الْقَصِيرُ فِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ النَّقْضُ وَالْقَصِيرُ الْخَفِيفُ لَا يُنْقِضُ بِلَا خِلَافٍ وَالطَّوِيلُ الْخَفِيفُ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَعَلَامَةُ الِاسْتِثْقَالِ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ أَوْ انْحِلَالُ حَبْوَتِهِ أَوْ سَيَلَانُ رِيقِهِ أَوْ بُعْدُهُ عَنْ الْأَصْوَاتِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ وَلَا يَتَفَطَّنُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ مُحْتَبِيًا قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِهِ: يَعْنِي إذَا اسْتَيْقَظَ لِحَلِّ حَبْوَتِهِ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِحَلِّهَا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ وَكَذَلِكَ مَنْ بِيَدِهِ مِرْوَحَةٌ وَاسْتَيْقَظَ لِسُقُوطِهَا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا تَوَضَّأَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي تَيْسِيرِ الْمَقَاصِدِ: وَيُغْتَفَرُ النُّعَاسُ الْخَفِيفُ وَالْأَوْلَى لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ خَنْقَ الْجِنِّ غَيْرُ الْجُنُونِ وَهَكَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْمَظِنَّةُ الرَّابِعَةُ الْخَنْقُ مِنْ الْجِنِّ، الْخَامِسَةُ الْإِغْمَاءُ السَّادِسَةُ ذَهَابُ الْعَقْلِ بِالْجُنُونِ لَا بِالْجِنِّ.
(الثَّانِي) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ أَوْ سُكْرٍ يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَلَالٍ قَالَ فِي الْأُمِّ: أَوْ سُكْرٍ مِنْ لَبَنٍ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَوْلُهُ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مِنْ اسْتِتَارِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَزُولُ بِالنَّوْمِ وَلَا بِإِغْمَاءٍ وَالسُّكْرُ إنَّمَا يَسْتَتِرُ خَاصَّةً، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَجْنُونِ يَخْبِطُهُ الْجِنُّ ثُمَّ يَعُودُ إلَى حَالِهِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْوَى فِي النَّفْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبَقِ الَّذِي لَا يُفِيقُ فَإِنَّهُ قَدْ زَالَ عَقْلُهُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: زَوَالُ الْعَقْلِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاتِّسَاعِ وَالْمَجَازِ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) مَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي عَنْ اللَّخْمِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ نُقِلَ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ نَصَّا عَلَى أَنَّهُمَا حَدَثَانِ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمَا وَنَصُّهُ وَيَخْتَلِفُ فِي الْمَغْمِيِّ عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ خُنِقَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذُكِرَ عَنْهُ أَوَّلًا أَنَّ النَّوْمَ
حَدَثٌ.
[فَرْعٌ مَنْ غَلَبَهُ هَمٌّ حَتَّى ذَهِلَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَمَنْ غَلَبَهُ هَمٌّ حَتَّى ذَهِلَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، قِيلَ لَهُ: هُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الَّذِي يَخْتَارُهُ وَيَقُولَ بِهِ: إنَّهُ يَتَوَضَّأُ أَوْ يُرِيدَ أَنَّهُ إذَا كَانَ جَالِسًا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَالِسَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْأَرْضِ وَغَفْلَتُهُ فِي حُكْمِ غَفْلَةِ الْوَسْنَانِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِاخْتِصَارٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَمٌّ أَذْهَلَ عَقْلَهُ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ هَمٌّ أَذْهَلَ عَقْلَهُ: يَتَوَضَّأُ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ: وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ وَلَا يَزُولُ بِغَيْرِهَا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْهَمِّ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَذَكَرَ التَّادَلِيُّ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْبَةِ الْعَقْلِ بِالْوَجْدِ وَالْحَالِ وَنَظَرَهُ غَيْرُهُ بِمَنْ اسْتَغْرَقَ فِي حُبِّ الدُّنْيَا حَتَّى غَابَ عَنْ إحْسَاسِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ هَلْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا؟ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا فَيَكُونُ نَاقِضًا بِخِلَافِ غَيْبَةِ الْوَجْدِ، وَالْحَالُ أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْغَيْبَةِ فِي الْوَجْدِ وَالْمَعْنَى وَالْحَالُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ نَاقِضًا وَكَانَ هَذَا الْقَائِلُ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ التَّادَلِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: وَلَا وُضُوءَ مِنْ الْوَجْدِ إذَا اسْتَغْرَقَ عَقْلُهُ فِي حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى غَابَ عَنْ إحْسَاسِهِ فَهَذَا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ انْتَهَى.
ص (وَلَمْسٌ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَلْمُوسُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى أَمَّا الْأُنْثَى فَلَا كَلَامَ فِيهَا وَأَمَّا الذَّكَرُ فَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ السَّبْتِيُّ فِي مَنْسَكِهِ: قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ: يَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ النَّظَرِ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ حَالَ طَوَافِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّذَّةَ بِالنَّظَرِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَيَكُونُ طَوَافُهُ فَاسِدًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
(قُلْت) وَالْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ وَالْقَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ مُلَامَسَةِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهَا تُنْقِضُ الطَّهَارَةَ عِنْدَ قَوْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَذْهَبُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَيْضًا التَّحَفُّظُ مِنْ مُصَافَحَتِهِ وَمُعَانَقَتِهِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ (الثَّالِثُ) يَعْنِي مِنْ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ اللَّمْسُ لِلَّذَّةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَالْقُبْلَةُ وَالْجِسَةُ وَلَمْسُ الْغِلْمَانِ أَوْ فَرْجِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ قَالَ شَارِحُهُ سَيِّدِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَوْلُهُ " وَالْغِلْمَانِ " يَعْنِي أَنَّ لَمْسَ الْغِلْمَانِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ اللَّذَّةَ كَلَمْسِ النِّسَاءِ وَهَذَا فِعْلُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهَا دُونَ قَصْدٍ تَوَضَّأَ كَمَا مَضَى تَفْصِيلُ أَحْوَالِ الْمُلَامَسَةِ، انْتَهَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فَقَدْ ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَكَرِ الْغَيْرِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا مَسَّتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُلٍ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَبِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: يَعْنِي إذَا لَمَسَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَمَسَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ.
وَرَأَيْت فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَنْتَقِضُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ بَلْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى الْمُلَامِسِ كَيْفَ كَانَ وَكَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا لَمَسَ الْمَرْأَةَ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى
الْمَرْأَةِ إذَا لَمَسَتْ الرَّجُلَ انْتَهَى وَبَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ مَسُّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: فَرْعٌ وَلَمْسُ الْأَمْرَدِ بِلَذَّةٍ يُوجِبُ الْوُضُوءَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرْأَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ انْتَهَى وَقَالَ الْقَبَّابُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ: وَفُرُوجُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ ذَلِكَ يَعْنِي إذَا لَمَسَ رَجُلٌ فَرْجَ بَهِيمَةٍ قَاصِدًا الِالْتِذَاذَ أَوْ مَسَّتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ قَاصِدَةً التَّلَذُّذَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَاعْتَرَضَهُ وَنَصُّهُ نَاقِلًا عَنْ الْمَازِرِيِّ وَذَكَرُ الْبَهِيمَةِ كَالْغَيْرِ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُ ذَكَرُ الْبَهِيمَةِ كَالْغَيْرِ يُرِيدُ بِمُبَايِنَةِ الْجِنْسِيَّةِ، انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ عَنْ الذَّخِيرَةِ مَا نَصُّهُ: فَرْجُ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِلَّيْثِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ انْتَهَى.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " لَا " زَائِدَةً مِنْ النَّاسِخِ وَيَكُونُ التَّعْلِيلُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمَازِرِيُّ بِفَرْجِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّ فَرْجَ الْبَهِيمَةِ مَظِنَّةَ اللَّذَّةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْسُ اللَّمْسِ أَخَصُّ مِنْ الْمَسِّ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ الْمَعْنَى بِالْمُلَامَسَةِ الطَّلَبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: 8] أَيْ طَلَبْنَاهَا وَفِي الْحَدِيثِ «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» أَيْ اُطْلُبْ فَلَا يُقَالُ لِمَنْ مَسَّ شَيْئًا: لَمَسَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَسَّهُ ابْتِغَاءَ مَعْنًى يَطْلُبُهُ فِيهِ مِنْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ صَلَابَةٍ أَوْ رَخَاوَةٍ أَوْ عِلْمِ حَقِيقَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: 7] الْآيَةَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: تَمَاسَّ الْحَجَرَانِ، وَلَا يُقَالُ: تَلَامَسَا.
لَمَّا كَانَتْ الْإِرَادَةُ وَالطَّلَبُ مُسْتَحِيلَةً مِنْهُمَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: 8] أَيْ طَلَبْنَا السَّمَاءَ أَوْ أَرَدْنَاهَا وَفِي الْحَدِيثِ «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَالْمَسُّ الْتِقَاءُ الْجِسْمَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ لِقَصْدِ مَعْنًى أَوْ لَا وَاللَّمْسُ هُوَ الْمَسُّ لِطَلَبِ مَعْنًى وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ اللَّمْسُ نَاقِضًا عِنْدَنَا إلَّا مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِاللَّمْسِ، وَلَمَّا كَانَ مَسُّ الذَّكَرِ نَاقِضًا مُطْلَقًا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْمَسِّ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتُمْ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ اللَّذَّةَ وَوَجَدَهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ طَلَبٌ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ بِالطَّلَبِ كَانَ أَوْلَى بِالنَّقْضِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّمْسُ مُلَاصَقَةٌ مَعَ إحْسَاسٍ وَالْمَسُّ أَعَمُّ مِنْهُ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ عِلْمِ الْكَلَامِ: إنَّ اللَّمْسَ هُوَ الْقُوَّةُ الْمَبْثُوثَةُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ تُدْرَكُ بِهَا الْحَرَارَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ الِالْتِمَاسِ وَالِالْتِصَاقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ كَظُفُرٍ أَوْ شَعْرٍ)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ شَعْرَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ تَلَذُّذًا فَقَالَ: إنْ مَسَّهُ تَلَذُّذًا فَأَرَى عَلَيْهِ الْوُضُوءَ وَإِنْ مَسَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ وُضُوءًا وَمَا عَلِمْت أَحَدًا يَمَسُّ شَعْرَ امْرَأَتِهِ تَلَذُّذًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ: الشَّعْرُ لَا لَذَّةَ فِي مَسِّهِ بِمُجَرَّدِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إنْ مَسَّهُ تَلَذُّذًا فَأَرَى عَلَيْهِ الْوُضُوءَ إنْ مَسَّهُ عَلَى جِسْمِهَا فَيَكُونُ فِي مَسِّهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَمَسُّ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ عَلَى ثَوْبٍ مُتَلَذِّذًا بِذَلِكَ فَالْتَذَّ، أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ بِاتِّفَاقٍ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ كَثِيفًا وَأَمَّا أَنْ يَمَسَّهُ عَلَى غَيْرِ جِسْمِهَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ الْتَذَّ بِذَلِكَ وَاشْتَهَى إلَّا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ بُكَيْرٍ: إنْ الْتَذَّ مَعَ وُجُودِ اللَّذَّةِ دُونَ لَمْسٍ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عِنْدِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، انْتَهَى.
ص (أَوْ حَائِلٍ وَأُوِّلَ بِالْخَفِيفِ وَبِالْإِطْلَاقِ) ش قَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَا يُمْنَعُ حَائِلٌ مُطْلَقًا وَإِنْ خَفَّ تَأْوِيلَانِ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ النَّقْضَ مُطْلَقًا وَقَيَّدَهُ ابْنُ زِيَادٍ بِمَا إذَا كَانَ خَفِيفًا وَحَمَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْخِلَافِ وَحَمَلَهُ فِي الْبَيَانِ
وَالْمُقَدِّمَاتِ عَلَى التَّفْسِيرِ فَالْأَوَّلُ تَأْوِيلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالثَّانِي تَأْوِيلُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ رِوَايَةُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ إنْ كَانَ بِالْيَدِ وَإِنْ ضَمَّهَا فَالْكَثِيفُ كَالْخَفِيفِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَائِلِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْيَدِ وَأَمَّا لَوْ ضَمَّهَا إلَيْهِ فَالْحَائِلُ كَالْعَدَمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ زَادَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَوْ قَبَضَ مِنْهَا، انْتَهَى.
يُرِيدُ بِيَدِهِ.
ص (كَإِنْعَاظٍ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنْعَاظِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَسِيسٌ فَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُمْذِيَ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْكَسِرُ إلَّا عَنْ مَذْيٍ وَهَذَا مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ وَأَرَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَادَتِهِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْذِي كَانَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ يُمْذِي نُقِضَ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُ تَوَضَّأَ أَيْضًا وَإِنْ اخْتَبَرَ ذَلِكَ بِالْحَضْرَةِ أَوْ بَعْدَ التَّرَاخِي فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا كَانَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِنْ أَنْعَظَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يُمْذِي مَضَى عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُمْذِي قَطَعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِنْعَاظُ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَلَا يُخْشَى مِنْ مِثْلِهِ الْمَذْيُ.
وَإِنْ كَانَ شَأْنُهُ الْمَذْيَ بَعْدَ زَوَالِ الْإِنْعَاظِ وَلَا يُخْشَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلُ فَيَقْضِي الصَّلَاةَ، وَلَوْ شَكَّ اُخْتُلِفَ هَلْ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: إنَّهُ لَا وُضُوءَ فِيهِ بِمُجَرَّدِهِ فَإِنْ انْكَسَرَ عَنْ مَذْيٍ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا وَلَيْسَ الْمَذْيُ عِنْدِي مِنْ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُ مَظِنَّةً، انْتَهَى.
وَفِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيّ عَنْ الْإِنْعَاظِ بِتَذَكُّرٍ هَلْ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَوْ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ مَا أَفْسَدَهَا فَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الْفَحْلِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَنْكَسِرُ إلَّا عَنْ بِلَّةٍ قَالَ: قَدْ قِيلَ: وَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ عِنْدِي.
الْبُرْزُلِيُّ: إنْ وَقَعَ انْكِسَارُهُ عَنْ بِلَّةٍ ظَهَرَتْ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ نَاقِضٌ إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ وَيَشُقَّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى رَفْعِهِ فَيَكُونَ كَتَكْرِيرِ الْمَذْيِ وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَالْمَشْهُورُ صِحَّتُهَا.
يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَرَزَ لِقَنَاةِ الذَّكَرِ وَاخْتَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنْ أَنْعَظَ فِي صَلَاتِهِ يَتَذَكَّرُ الْمَوْتَ وَالنَّارَ وَمَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهُ وَيَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنْ ظَهَرَتْ بِلَّةٌ أَعَادَ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ قَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ عَدَمَ الْوُضُوءِ، وَلَوْ خَرَجَ إذْ لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَهُ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ قَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مَعَ عَدَمِ التَّكَرُّرِ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَذَّةٍ بِمَحْرَمٍ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: كَلَامُ سَنَدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّذَّةَ بِالْمَحْرَمِ تَنْقُضُ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَلَا أَثَرَ لِمَحْرَمٍ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ وَإِنْ وُجِدَتْ اللَّذَّةُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ اللَّذَّةُ فِي لَمْسِ ذَاتِ الْمَحْرَمِ اُنْتُقِضَتْ الطَّهَارَةُ لَا يَبْعُدُ إجْرَاءُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُرَاعَاةِ الصُّوَرِ النَّادِرَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ الْتَذَّ بِالْمَحْرَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْجَلَّابِ وَنَصَّ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ اللَّذَّةُ انْتَقَضَ وَبُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصُّوَرِ النَّادِرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ: النِّسَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا يُوجَدُ فِي تَقْبِيلِهِنَّ لَذَّةٌ وَهُنَّ الصِّغَارُ اللَّوَاتِي لَا يُشْتَهَى مِثْلُهُنَّ فَلَا وُضُوءَ فِي تَقْبِيلِهِنَّ وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ اللَّذَّةَ وَوَجَدَهَا بِقُبْلَةٍ، إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ فِي التَّذْكَارِ بِالِالْتِذَاذِ، وَقِسْمٌ لَا يَنْبَغِي فِي تَقْبِيلِهِنَّ لَذَّةٌ وَهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ فَلَا وُضُوءَ فِي تَقْبِيلِهِنَّ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ إلَى الِالْتِذَاذِ بِذَلِكَ مِنْ الْفَاسِقِ الَّذِي لَا يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي تَقْبِيلِهِنَّ الْحَنَانُ وَالرَّحْمَةُ فَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقْصِدَ سِوَاهُ، وَقِسْمٌ يَبْتَغِي فِي تَقْبِيلِهِنَّ اللَّذَّةَ وَهُنَّ مَنْ سِوَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ بِتَقْبِيلِهِنَّ مَعَ وُجُودِ اللَّذَّةِ أَوْ الْقَصْدِ إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ.
وَاخْتُلِفَ إذَا عُدِمَ الْأَمْرَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَحْرَمِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
هَذَا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَقَبِلَ الْمَازِرِيُّ كَلَامَ
الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَجَعَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الْأَصَحُّ عَدَمُ النَّقْضِ وَلَوْ وُجِدَتْ اللَّذَّةُ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ غَازِيٍّ قَائِلًا وَالْحَقُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَالْآخَرُ غَايَتُهُ أَنَّهُ تَخْرِيجٌ أَوْ تَمَسُّكٌ بِظَاهِرٍ سَهْلِ التَّأْوِيلِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ هُوَ الْأَصَحُّ؟ ، انْتَهَى.
قُلْت وَالظَّاهِرُ النَّقْضُ كَمَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْإِرْشَادِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَمُطْلَقُ مَسِّ ذَكَرِهِ الْمُتَّصِلِ وَلَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا)
ش: احْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا مَسَّ ذَكَرَ الْغَيْرِ فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُلَامَسَةِ إنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا وَالْمَلْمُوسُ إنْ وَجَدَ لَذَّةً انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْمَازِرِيَّ خِلَافَهُ فَانْظُرْهُ وَقَوْلُهُ الْمُتَّصِلِ احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمُنْقَطِعِ فَلَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ ثُمَّ مَسَّهُ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عَلَى أَنَّ بَزِيزَةَ حَكَاهُ فِي الْمَذْهَبِ فَقَالَ: إذَا مَسَّهُ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى أَنَّ بَزِيزَةَ حَكَاهُ فِي الْمَذْهَبِ فَقَالَ إذَا مَسَّ ذَكَرَ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا أَوْ ذَكَرَ صَبِيٍّ أَوْ فَرْجَ صَبِيَّةٍ فَهَلْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَلَوْ مَسَّ مَوْضِعَ الْجَبِّ فَلَا نَصَّ عِنْدَنَا وَحَكَى الْغَزَالِيُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ وَالْجَارِي عَلَى أَصْلِنَا نَفْيُهُ لِعَدَمِ اللَّذَّةِ غَالِبًا انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ
(قُلْت) نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي فَقَالَ: وَالْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ مِثْلُ الْمَرْأَةِ، وَالْخَصِيُّ الْقَائِمُ الذَّكَرِ مِثْلُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً، انْتَهَى.
وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعَارِضَةِ فَقَالَ: إذَا مَسَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَلَيْسَ يَصِحُّ هَذَا شَرِيعَةً وَلَا حَقِيقَةً، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: لَا وُضُوءَ عَلَى الْمَجْبُوبِ مِنْ مَسِّ مَوْضِعِ الْقَطْعِ كَمَسِّ الدُّبُرِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَالْعِنِّينُ وَالْحَصُورُ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَوَاءٌ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لَا الْقِيَاسِ قَالَ: وَلَوْ مَسَّتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ مَيِّتٍ بَالِغٍ لَمْ يَنْقُضْ ذَلِكَ طُهْرَهَا إلَّا أَنْ يُحَرِّكَ مِنْهَا لَذَّةً، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا مَسَّهُ عَلَى حَائِلٍ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ الْخَفِيفِ فَيُنْقِضُ وَبَيْنَ الْكَثِيفِ فَلَا يُنْقِضُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ رَاشِدٍ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْأَشْهَرُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
وَرَوَى عَلِيٌّ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَقَالَ فِي الْبَيَانِ: وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ النَّقْضِ مُطْلَقًا لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ» انْتَهَى.
قُلْت وَهَذَا الْفَرْعُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَسِّ ذَكَرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ فِي الْغَالِبِ لِمَسٍّ دُونَ حَائِلٍ، وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) عَكَسَ ابْنِ عَرَفَةَ النَّقْلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَسُّهُ فَوْقَ كَثِيفٍ لَغْوٌ وَفَوْقَ خَفِيفٍ.
الْأَشْهَرُ رِوَايَةُ عَلِيٍّ يُنْقَضُ، انْتَهَى.
كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْت مِنْهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ الْأَشْهَرَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا مَسَّ خُنْثَى ذَكَرَهُ وَقُلْنَا بِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّ فَرْجَهُ فِي الْفَتْوَى وَالتَّوْجِيهِ انْتَهَى مِنْ الْعَارِضَةِ.
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فَرْعٌ فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ فَمَنْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَإِنْ قُلْنَا بِنَفْيِ الْوُجُوبِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ.
وَالثَّانِيَةُ لَا يُعِيدُهَا لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُوَطَّإِ آثَارٌ تَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّيْخِ زَرُّوق إنْ مَسَّ ذَكَرَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ أَعَادَ أَبَدًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: فِي الْوَقْتِ، وَثَالِثُهَا فِي الْعَمْدِ أَبَدًا وَفِي السَّهْوِ فِي الْوَقْتِ وَرَابِعُهَا مِثْلُهُ وَفِي السَّهْوِ السُّقُوطُ وَخَامِسُهَا أَبَدًا فِي الْكَمَرَةِ وَفِي الْعَسِيبِ السُّقُوطُ وَسَادِسُهَا لَا إعَادَةَ وَسَابِعُهَا يُعِيدُ فِيمَا قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ، ذَكَرَهَا كُلَّهَا الشَّبِيبِيُّ فِي اخْتِصَارِ الْفَاكِهَانِيِّ.
ص (وَبِرِدَّةٍ)
ش: يَعْنِي إذَا تَابَ قَبْلَ نَقْضِ وُضُوئِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَمَّا الْغُسْلُ فَلَا تُبْطِلُهُ الرِّدَّةُ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِفَرْضِ الْعَيْنِ: وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْهُ مُوجِبُ الْغُسْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَصُّهُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَالرِّدَّةِ: وَهِيَ أَنْ يَكْفُرَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ، انْتَهَى.
وَفِي الْعَارِضَةِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِي بَابِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ عِنْدَمَا يُسْلِمُ مَا نَصُّهُ: تَفْرِيعٌ: إنْ اغْتَسَلَ وَصَلَّى ثُمَّ ارْتَدَّ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ هَلْ يُنْقَضُ غُسْلُهُ وَوُضُوءُهُ؟ وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ الْكُلِّ، انْتَهَى.
وَمِنْ النُّكَتِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ الْقَرَوِيِّينَ: إذَا اغْتَسَلَ رَجُلٌ مِنْ جَنَابَتِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَا وُضُوءَ إذَا ارْتَدَّ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا اسْتِحْبَابًا، وَإِنَّمَا قَالَ بِإِيجَابِ الْوُضُوءِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَأَعْرِفُ فِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْمُرْتَدِّ: يَغْتَسِلُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، انْتَهَى.
ص (وَبِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ) ش: هَذَا إذَا شَكَّ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا إذَا صَلَّى ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَفِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى فِي مَسْأَلَةِ مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا لَا يَدْرِي مَتَى وَقَعَ مِنْهُ وَقَالَ سَنَدٌ الشَّكُّ
فِي الْحَدَثِ لَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَخَيَّلَ لَهُ الشَّيْءُ فَلَا يَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ أَهُوَ حَدَثٌ أَمْ لَا؟ وَالْأُخْرَى أَنْ يَشُكَّ هَلْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ وَشِبْهُهُ؟ وَهَذَا ظَاهِرُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ: لَا يَدْرِي أَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ وَالصُّورَتَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا أَمَّا مَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ يَتَخَيَّلَ لَهُ الشَّيْءُ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ غَيْرُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ وَجَدَ بَلَلًا وَشَكَّ فِيهِ فَلَمْ يَدْرِ مِنْ الْمَاءِ هُوَ أَوْ مِنْ الْبَوْلِ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَا سَمِعْت مَنْ أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْ مِثْلِ هَذَا وَإِذَا فَعَلَ هَذَا تَمَادَى بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ تَأْخُذُهُ الْوَسْوَسَةُ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ شَكٌّ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ كَانَ شَكُّهُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِلْوُضُوءِ كَالتَّرَدُّدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ مَعَ تَقَدُّمِ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْحَدَثِ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) فَرَّعَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ لِلشَّكِّ لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيّ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاللَّخْمِيِّ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ ذِكْرِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْفَرْعَ قَرِيبًا.
ص (إلَّا الْمُسْتَنْكِحُ) ش: (الْمُسْتَنْكِحُ) هُوَ الَّذِي يَشُكُّ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ أَوْ يَطْرَأُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَطْرَأْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكِحٍ كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا بِمَسِّ دُبُرٍ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ فَرْجِ صَغِيرَةٍ أَوْ قَيْءٍ أَوْ أَكْلِ جَزُورٍ أَوْ ذَبْحٍ أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ قَهْقَهَةٍ بِصَلَاةٍ)
ش لَا بِمَسِّ دُبُرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَحَمْدِيسٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا بِمَسِّ أُنْثَيَيْنِ وَهُمَا الْخُصْيَتَانِ خِلَافًا لِعُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ أَدْخَلَهُمَا فِي مَعْنَى الْفَرْجِ وَلَا بِمَسِّ صَغِيرَةٍ وَكَذَا فَرْجُ صَغِيرَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَا بِخُرُوجِ قَيْءٍ أَوْ قَلْسٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُنْتَقَضُ بِأَكْلِ جَزُورٍ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَلَا بِمَسِّ صَلِيبٍ وَذَبْحِ بَهِيمَةٍ وَمَسِّ وَثَنٍ وَكَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ وَقَلْعِ ضِرْسٍ وَإِنْشَادِ شِعْرٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ، وَلَا بِخُرُوجِ دَمِ حِجَامَةٍ وَفَصَادَةٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَا بِقَهْقَهَةٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(وَالدُّبُرُ) يُسَمَّى الشَّرَجَ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِشَرَجِ السُّفْرَةِ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا وَهُوَ مُجْتَمَعُهَا، وَكَذَلِكَ تُسَمَّى الْمَجَرَّةُ شَرَجَ السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهَا بَابُهَا وَمُجْتَمَعُهَا.
(فَرْعٌ) (الْإِرْفَاغُ) وَاحِدُهَا رُفْغٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَعْلَى أَصْلِ الْفَخِذِ مِمَّا يَلِي الْجَوْفَ وَيُقَالُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقِيلَ: هُوَ الْعَصَبُ الَّذِي بَيْنَ الشَّرَجِ وَالذَّكَرِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا.
[فَرْعٌ فَرْجُ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا]
(فَرْعٌ) فَرْجُ الْبَهِيمَةِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا خِلَافًا لِلَّيْثِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ، انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ.
ص (وَنُدِبَ غَسْلُ فَمٍ مِنْ لَحْمٍ وَلَبَنٍ) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ اللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَيَغْسِلَ الْغَمَرَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ قَوْلَهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ يَعْنِي وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَإِنْ غَسَلْت يَدَك مِنْ الْغَمَرِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمِيمِ الدَّسَمُ وَاللَّبَنُ فَحَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الصَّلَاةِ أَبُو عِمْرَانَ إنْ صَلَّى شَارِبُ اللَّبَنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ تَرَكَ مُسْتَحَبًّا، انْتَهَى.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ يَقْطَعُ اللَّحْمَ النِّيءَ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ أَتَرَى أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ؟ قَالَ: يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَا اسْتَحَبَّهُ هُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْمُرُوءَةَ وَالنَّظَافَةَ مِمَّا شُرِعَ فِي الدِّينِ وَقَدْ اسْتَحَبَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ اللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَيَغْسِلَ مِنْ الْغَمَرِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فَكَيْفَ بِاللَّحْمِ النِّيءِ؟ ، انْتَهَى مِنْ رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ السُّؤَالِ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا أَكَلَ مَسَحَ يَدَهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ وَمَعْنَى مَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ إذَا أَكَلَ مَسَحَ يَدَهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِي مِثْلِ التَّمْرِ وَالشَّيْءِ الْجَافِّ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِيَدِهِ إلَّا مَا يُذْهِبُهُ أَدْنَى الْمَسْحِ وَأَمَّا مِثْلُ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَمَا يَكُونُ لَهُ الدَّسَمُ وَالْوَدَكُ فَلَا؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ «، وَقَدْ تَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ السَّوِيقِ» وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ، وَغَسَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَدَهُ مِنْ اللَّحْمِ وَتَمَضْمَضَ مِنْهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ: تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ التُّونُسِيِّينَ هَلْ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَيَغْسِلَ الْغَمَرَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: يَتَمَضْمَضَ، فَيَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ أَوْ هُوَ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ فَيَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ آكَدَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ صَلَّى بِذَلِكَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ قَالَ فِيهِ.
[فَرْعٌ مَنْ مَسَحَ إبِطَهُ أَوْ نَتَفَهُ]
(فَرْعٌ) مَنْ مَسَحَ إبِطَهُ أَوْ نَتَفَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ إبِطِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ عَنْ ثَوْبِهِ مَا أَصَابَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَرْوِحَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ كَالْبَيْضِ إذَا كَانَ فِيهِ رِيحٌ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ فَانْظُرْهُ.
ص (وَتَجْدِيدُ وُضُوءٍ إنْ صَلَّى بِهِ)
ش: ظَاهِرُهُ صَلَّى بِهِ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ أَوْ طَافَ بِهِ سَبْعًا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ أَحْكَامِ النِّيَّةِ.
(فَرْعٌ) رَوَى مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ
فِيمَنْ تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ.
قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهَذَا يُوهِمُ بِظَاهِرِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّافِلَةِ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ غَيْرُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ فَسَّرَهُ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ طُهْرٌ عَلَى طُهْرٍ لَا عَلَى الْإِيجَابِ يُرِيدُ كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَدِّدَ لِلْفَرْضِ طُهْرًا اُسْتُحِبَّ أَيْضًا فِي النَّافِلَةِ مِثْلُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي أَوَائِلِ تَبْصِرَتِهِ وَلَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرَارِ الْغُسْلِ عَقِيبَ الْغُسْلِ وَلَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ إلَّا مَا وَرَدَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَوُقُوفِ عَرَفَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْوُضُوءُ الْمَمْنُوعُ تَجْدِيدُهُ قَبْلَ أَدَاءِ فَرِيضَةٍ بِهِ وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلشَّبِيبِيِّ فِي الْوُضُوءِ الْمُسْتَحَبِّ وَتَجْدِيدُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ صَلَاةٍ فَرْضٌ ثُمَّ قَالَ: الْمَمْنُوعُ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ تَجْدِيدُهُ قَبْلَ صَلَاةِ فَرْضٍ بِهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَفِعْلُهُ لِغَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ أَوْ أُبِيحَ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجَدِّدُ إذَا صَلَّى وَفَعَلَ فِعْلًا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجَدِّدُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ بِالْوُضُوءِ وَبِالطُّهْرِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ وَإِنَّمَا شُرِطَ فِي الِاسْتِعْدَادِ بِالْغُسْلِ وُجُوبُهُ دُونَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ بِهِ يَكُونُ دُونَ وُجُوبٍ إذْ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ بَعْدَ صَلَاتِهِ بِهِ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَرْضًا بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِدْعَةً وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعِبَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إنْ لَمْ يُصَلِّ بِالْوُضُوءِ فَلَا يُعِيدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَوَضَّأَ أَوَّلًا وَاحِدَةً وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَكِنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُفْعَلُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ) ش وَانْظُرْ هَلْ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ أَوْ بِالتَّمَادِي يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْبَاجِيِّ عَنْ سَنَدٍ، وَسُئِلَ عَمَّنْ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيَجِدُ بَلَلًا فَيَقْطَعُ فَلَا يَبْدُ شَيْئًا ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَيَجِدُ الْبَلَلَ كَيْفَ يَصْنَعُ هَلْ يُجْزِئُهُ التَّمَادِي عَلَى الشَّكِّ وَيَخْتَبِرُ بَعْدَ السَّلَامِ؟ فَأَجَابَ أَنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَسْتَبْرِئُ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الشَّكِّ وَظَهَرَتْ السَّلَامَةُ صَحَّتْ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَعَادَهَا عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، انْتَهَى، مِنْ مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ.
ص (وَمَسُّ مُصْحَفٍ وَإِنْ بِقَضِيبٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحْدِثَ يُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ فِي «كِتَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرًا» وَيَحْرُمُ مَسُّ جِلْدِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَحْرَى طَرَفُ الْوَرَقِ الْمَكْتُوبِ وَمَا بَيْنَ الْأَسْطُرِ مِنْ الْبَيَاضِ وَيَحْرُمُ مَسُّهُ وَلَوْ بِقَضِيبٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ بُكَيْرٍ: وَلَا يُقَلِّبُ وَرَقَهُ بِعُودٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ يُقَلَّبُ لَهُ أَوْرَاقُهُ وَلَا يَجُوزُ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمَسَّ الطُّرَةَ وَالْهَامِشَ وَالْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأَسْطُرِ وَلَوْ بِقَضِيبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مُصْحَفًا جَامِعًا أَوْ جُزْءًا أَوْ وَرَقَةً فِيهَا بَعْضُ سُورَةٍ أَوْ لَوْحًا أَوْ كَتِفًا مَكْتُوبَةً انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالْحُكْمُ فِي كُتُبِ الْمُصْحَفِ كَالْحُكْمِ فِي مَسِّهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاسْتَخَفَّ مَالِكٌ أَنْ يَكْتُبَ الْآيَةَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْكِتَابِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَكْتُبَ صَحِيفَةً فِيهَا الْبَسْمَلَةُ وَشَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمَوَاعِظِ
وَلَا بَأْسَ بِمَا يُعَلَّقُ فِي عُنُقِ الصَّبِيِّ وَالْحَائِضِ مِنْ الْقُرْآنِ إذَا خُرِزَ عَلَيْهِ أَوْ جُعِلَ فِي شَمْعٍ وَلَا يُعَلَّقُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى الْحَامِلُ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ لَوْ خَافَ عَلَى الْمُصْحَفِ غَرَقًا أَوْ حَرْقًا أَوْ يَدَ كَافِرٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ الثَّانِي قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ خَافَ عَلَى الْمُصْحَفِ غَرَقًا أَوْ حَرْقًا أَوْ يَدَ كَافِرٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا لِلضَّرُورَةِ وَيُكْرَهُ كَتْبُ الْقُرْآنِ فِي حَائِطِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْخَاتَمِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ وَكَذَا الْخِلَافُ فِي اسْتِصْحَابِ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّخُولُ بِهِ الْخَلَاءَ وَالْمُجَامَعَةُ وَكَذَا حَمْلُ الْخَتْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْحِرْزِ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ فِيهِ خِلَافٌ.
[فَرْعٌ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِلْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ مِنْ الْقُرْآن]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأَصْلِيِّ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِلْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ يَعْنِي كَآيَةِ الرَّجْمِ وَهِيَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةَ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ذَكَرَهَا فِي الْمُوَطَّإِ بِدُونِ قَوْلِهِ إذَا زَنَيَا وَكَآيَةِ الرَّضَاعِ قَالَ الرَّهُونِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْأَشْبَهُ عِنْدَ الْآمِدِيِّ الْمَنْعُ، وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ إذْ لَمْ يَبْقَ قُرْآنًا مَتْلُوًّا وَلَيْسَ مِنْ الْمُصْحَفِ وَتَضَمُّنُهُ لِلْحُكْمِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ كَالْأَخْبَارِ الْأُلْهِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَهُ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَمَّا مَا نُسِخَ حُكْمُهُ دُونَ لَفْظِهِ فَلَهُ حُكْمُ مَا لَمْ يُنْسَخْ بِإِجْمَاعٍ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالْآمِدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ حَنْبَلِيَّ الْمَذْهَبِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ مَسِّهِ لِلْمُحْدِثِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
[فَائِدَةٌ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي أَكْفَانِهِ خَتْمَةُ قُرْآنٍ]
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ زِيَادَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي أَكْفَانِهِ خَتْمَةُ قُرْآنٍ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ جُزْءٍ مِنْ أَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ أَوْ أَدْعِيَةٍ حَسَنَةٍ هَلْ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ تُنَفَّذْ وَقَدْ عَمِلَ ذَلِكَ فَهَلْ يُنْبَشُ وَيُخْرَجُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: لَا أَرَى تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ وَتُجَلُّ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الصَّدِيدِ وَالنَّجَاسَةِ فَإِنْ فَاتَ فَأَمْرُ الْأَدْعِيَةِ خَفِيفٌ وَالْخَتْمَةُ يَجِبُ أَنْ تُنْبَشَ وَتُخْرَجَ إذَا طُمِعَ فِي الْمَنْفَعَةِ بِهَا وَأُمِنَ مِنْ كَشْفِ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَمَضَرَّتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَتِهِ.
قُلْت وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِتُونُسَ فَحَكَى شَيْخُنَا عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ فِي الَّذِي أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ مَعَهُ إجَارَتُهُ أَنَّهَا تُجْعَلُ بَيْنَ أَكْفَانِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ وَتُخْرَجُ إذَا أَرَادُوا دَفْنَهُ وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا تُجْعَلُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَوْقَ جِسْمِهِ بِحَيْثُ لَا يُخَالِطُهَا شَيْءٌ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا مِنْ التُّرَابِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ رُطُوبَاتِ الْمَيِّتِ.
وَفِي بَعْضِ التَّوَارِيخِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ مَعَهُ جُزْءٌ أَلِفَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَأَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، وَكَذَا أَوْصَى آخَرُ أَنْ يُدْفَنَ بِخَاتَمٍ فِيهِ مَكْتُوبُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ وَهَذَا عِنْدِي قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ التَّلْقِينُ وَالْبَرَكَةُ وَقَدْ أَجَازَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ.
ص (وَتَفْسِيرٍ) ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَسْأَلَةٌ لَا يُكْرَهُ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ لِلْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا بَلْ لَوْ كُتِبَ الْقُرْآنُ بِالْقَلَمِ الْأَعْجَمِيِّ جَازَ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ بَلْ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ بُدِّلَتْ فَلَا نَعْلَمُ أَنَّهَا هِيَ أَوْ غَيْرُهَا انْتَهَى وَنَقَلَهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَجُزْءٍ لِمُتَعَلِّمٍ وَإِنْ بَلَغَ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ الْكَامِلَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَسُّ الصِّبْيَانِ
لِلْمَصَاحِفِ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ جَائِزًا، انْتَهَى مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُخْتَلِفِينَ إلَى مَكَّةَ بِالْفَوَاكِهِ وَالطَّعَامِ يَقُومُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخِطَابَيْنِ هَذِهِ أَنَّ مَنْ كَثُرَ تَرْدَادُهُ إلَى الْمَسْجِدِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّحِيَّةُ وَمِثْلُهُ مَنْ خَرَجَ إلَى السُّوقِ لَا يَلْزَمُهُ السَّلَامُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيَ وَمِثْلُهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ لِلْمُتَعَلِّمِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَالنَّاسِخِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ لِلنَّاسِخِ أَنْ يَكْتُبَ الْمُصْحَفَ مُحْدِثًا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَّا مُتَطَهِّرًا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ مُلَازَمَةِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَبْعُدُ جَرْيُهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُعَلَّمِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا هَلْ تَجِبُ طَهَارَتُهُ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
[فَصْلٌ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى وَهِيَ الْغُسْلُ]
ص (فَصْلٌ يَجِبُ غُسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِمَنِيٍّ)
ش: لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَهِيَ الْوُضُوءُ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ (الْغُسْلُ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَأَمَّا الْغِسْلُ بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُغْتَسَلُ بِهِ مِنْ أُشْنَانٍ وَسِدْرٍ وَنَحْوِهِمَا وَالْأُشْنَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَقَوْلُهُ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ تَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَلَيْسَتَا وَاجِبَتَيْنِ وَإِنَّمَا هُمَا سُنَّتَانِ، وَكَذَلِكَ مَسْحُ دَاخِلِ الْأُذُنِ وَهُوَ الصِّمَاخُ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْغُسْلِ وَهُوَ تَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ظَاهِرِ الْجَسَدِ، الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا أَصْحَابُنَا فِي بَابِ الْغُسْلِ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيُتَابِعُ عُمْقَ سُرَّتِهِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: لَا سِيَّمَا إنْ كَثُرَتْ تَكَامِيشُهُ أَوْ ارْتَفَعَتْ دَائِرَتُهُ لِسِمَنٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ إنْ شَقَّ جِدًّا وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِوَجْهٍ سَقَطَ ثُمَّ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَتَحْتَ جَنَاحَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: أَيْ مَا سَتَرَهُ الذَّقَنُ لِسِمَنٍ وَنَحْوِهِ وَجَنَاحَيْهِ أَيْ إبْطَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَالسُّرَّةِ فِي الْخَفَاءِ وَاجْتِمَاعِ الْعَضَلَاتِ، ثُمَّ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي وُضُوئِهِ: إنْ قَدَّمَهُ وَإِلَّا فَفِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ وُجُوبًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: نَدْبًا كَمَا فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ: كَمَا يَفْعَلُ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ فَيَعْرُكُ عَقِبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ وَمَا لَا يَكَادُ يُدَاخِلُهُ الْمَاءُ بِسُرْعَةٍ مِنْ جَسَاوَةٍ أَوْ شُقُوقٍ وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا مَا فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَشْهُورُ النَّدْبُ، انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي بَابِ حُكْمِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ.
فَرْعٌ إذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ فَهَلْ يَجِبُ مِثْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: مَا عَلِمْت ذَلِكَ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِيمَنْ تَرَكَ تَدْلِيكَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْجَنَابَةِ لَا يُجْزِئُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ فَرْضَ الْغَسْلِ فِي هَذَا الْعُضْوِ فِي الْجَنَابَةِ مُجَانِسٌ لِغَسْلِ الْوُضُوءِ وَكِلَاهُمَا تَعَبَّدْنَا فِيهِمَا بِتَحْصِيلِ اسْمِ الْغَسْلِ فَمَا وَجَبَ فِي مَحِلِّ الْغَسْلِ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَ فِي الْآخَرِ، انْتَهَى.
ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي حَصْرِ أَسْبَابِهِ: فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ هُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِسَبَبِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ فَقَوْلُهُ: بِمَنِيٍّ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ وَحَذْفِ صِفَةِ الْمَوْصُوفِ أَيْ بِسَبَبِ خُرُوجِ مَنِيٍّ كَائِنٍ لِلَّذَّةِ الْمُعْتَادَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَحْذُوفَةِ قَوْلُهُ: لَا بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
ص (وَإِنْ بِنَوْمٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ غُسْلُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ لِلَّذَّةِ
الْمُعْتَادَةِ وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ فِي حَالَةِ النَّوْمِ فَإِنْ حَصَلَتْ اللَّذَّةُ فِي النَّوْمِ وَخَرَجَ الْمَنِيُّ مَعَهَا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَإِنْ حَصَلَتْ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ فِي النَّوْمِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا غُسْلَ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الذَّخِيرَةِ وَذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَنِيَّ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ احْتَلَمَ فَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ وَنَصُّهُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ الْمَنِيَّ وَلَمْ يَرَ احْتِلَامًا أَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: قَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ «عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، قَالَ: عَلَيْهِ الْغُسْلُ» ، انْتَهَى وَانْظُرْ هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَعَ مَا مَرَّ نَقَلَهُ.
ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَنَصُّهُ: وَإِنْ وَجَدَ الْأَثَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ احْتَلَمَ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ وَلَمْ يَغْتَسِلْ)
ش يَعْنِي، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْغُسْلُ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَنِيُّ بِسَبَبِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ بِلَا جِمَاعٍ وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَ ذَهَابِهَا وَكَانَ لَمْ يَغْتَسِلْ لِتِلْكَ اللَّذَّةِ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ لِتِلْكَ اللَّذَّةِ ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ، الْمَفْهُومُ هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِبَيَانِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي وُجُودِ اللَّذَّةِ مَعَ عَدَمِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ هَذَا أَوْلَى مَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بُعْدٌ فَغَيْرُهُ مِمَّا اعْتَذَرَ بِهِ أَشَدُّ تَكَلُّفًا كَمَا سَيَأْتِي وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ، وَلَوْ اغْتَسَلَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَبْيَنَ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِعَدَمِ الْمُقَارَنَةِ لِلَّذَّةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مِمَّا اُعْتُذِرَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ: (إحْدَاهُمَا) أَنْ لَا يَكُونَ خَرَجَ مَعَ اللَّذَّةِ الْمُعْتَادَةِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنِيِّ.
(وَالثَّانِي) أَنْ تَكُونَ خَرَجَ مَعَهَا بَعْضُ مَنِيٍّ ثُمَّ خَرَجَتْ بَقِيَّتُهُ بَعْدَ ذَهَابِهَا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَنِيِّ شَيْءٌ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِسَبَبِ اللَّذَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِسَبَبِ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَنِيِّ أَوَّلًا، فَإِنْ اغْتَسَلَ لَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْغُسْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " وَلَمْ يَغْتَسِلْ " عَائِدٌ إلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ مَفْهُومُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ لَمْ يَغْتَسِلْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ الْأَوَّلَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ؛ وَلِذَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ بِهِ " وَلَمْ يَغْتَسِلْ " وَهُوَ إصْلَاحٌ بِتَكَلُّفٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ الْتَذَّ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَهَابِهَا جُمْلَةٌ فَثَالِثُهَا إنْ كَانَ عَنْ جِمَاعٍ وَقَدْ اغْتَسَلَ فَلَا يُعِيدُ مَا نَصُّهُ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقَدْ اغْتَسَلَ " لَا فَائِدَةَ لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ الشَّخْصَ إذَا الْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ أَنْزَلَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ مِمَّا لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ ثُمَّ أَنْزَلَ فَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مُرَاعَاةً لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ؛ مُرَاعَاةً لِوُجُودِ اللَّذَّةِ، انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْوَسَطِ.
قُلْت قَوْلُهُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ، غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ أَرَهُ فِيهِ إنَّمَا قَالَهُ فِيمَنْ جَامَعَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَقَالَ فِي الصَّغِيرِ: يَعْنِي لَوْ الْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَمْنَى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، انْتَهَى.
وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ وَكَلَامُهُ فِي الشَّامِلِ حَسَنٌ نَحْوُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ
الْمُتَقَدِّمِ وَتَفْرِيقُ الشَّارِحِ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَغْتَسِلَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ لَا فَائِدَةَ لَهُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: إذَا انْتَقَلَ الْمَنِيُّ وَلَمْ يَظْهَرْ لَمْ يُوجِبْ غُسْلًا، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُوجِبُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ حَصَلَتْ لَمْ تَكْمُلْ وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ فَلَمْ تَلْزَمْ الطَّهَارَةُ إلَّا بِظُهُورِهِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي الْمَنَامِ: وَلَوْ اضْطَرَبَ الْبَدَنُ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ أَوْ وَصَلَ لِأَصْلِ الذَّكَرِ أَوْ وَسَطِهِ فَلَا غُسْلَ وَلَوْ وَصَلَ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي تَغْسِلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ اغْتَسَلَتْ وَالْبِكْرُ لَا يَلْزَمُهَا حَتَّى يَبْرُزَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا كَدَاخِلِ الْإِحْلِيلِ، انْتَهَى.
وَجَزَمَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ فَانْظُرْهُ، وَفِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ جَوَابُك فِي رَجُلٍ احْتَلَمَ وَهَمَّ أَنْ يُنْزِلَ فَانْتَبَهَ أَوْ نُبِّهَ فَلَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا فَلَمَّا أَنْ قَامَ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ أَنْزَلَ هَلْ عَلَيْهِ غُسْلٌ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ جَامَعَ فَقُطِعَ عَلَيْهِ أَوْ كَسِلَ فَاغْتَسَلَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَنْزَلَ هَلْ عَلَيْهِ غُسْلٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ أَمَّا الَّذِي احْتَلَمَ وَلَمْ يُنْزِلْ حَتَّى اسْتَيْقَظَ وَتَوَضَّأَ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَأَمَّا الَّذِي جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ حَتَّى اغْتَسَلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، انْتَهَى.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: أَوْ بَعْدَ ذَهَابِ لَذَّةٍ بِلَا جِمَاعٍ وَذَكَرَ فِي الطِّرَازِ قَوْلًا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ فَيَتَحَصَّلُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مُقَارَنَتُهُ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ أَوْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِلَا جِمَاعٍ، احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ بِالْجِمَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ غُسْلٌ إذَا كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ لِلْجِمَاعِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: كَمَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى.
ص (لَا بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ)
ش: قَالُوا: كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ أَوْ نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ أَوْ رَكَضَ دَابَّتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَحَسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ ثُمَّ اسْتَدَامَ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْحَجِّ: إنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ فَانْظُرْهُ.
ص (وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ)
ش: يَرْجِعُ إلَى مَسْأَلَةِ مَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى وَإِلَى مَسْأَلَةِ مَنْ الْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: أَمَّا إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْغُسْلِ فَفِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ وَرَجَّحَ عَدَمَ الْإِعَادَةِ قَالَ: وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ الْمَوَّازِ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ جُنُبًا بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ قَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ انْتَهَى.
ص (وَمَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ)
ش: قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ:
جَاءَتْ السُّنَّةُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَذَلِكَ إذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلَا جَمِيعًا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ مُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ نَائِمَيْنِ أَوْ مُسْتَيْقِظَيْنِ طَائِعَيْنِ أَوْ مُكْرَهَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَمَنْ قَعَدَ عَنْ الْمَحِيضِ مِنْ النِّسَاءِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ فِي مَيْتَةٍ أَوْ فَرْجِ بَهِيمَةٍ أَوْ امْرَأَةٌ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ مِنْ ذَكَرِ بَهِيمَةٍ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَالْمَرْأَتَانِ يَفْعَلَانِ مَا يَفْعَلُ شِرَارُ النِّسَاءِ يَغْتَسِلَانِ بِالْإِنْزَالِ لَا بِالْفِعْلِ وَيُؤَدَّبَانِ أَدَبًا بَلِيغًا يَبْلُغُ مِائَةَ سَوْطٍ وَهُوَ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ وَقَدْ قِيلَ: مِائَةُ سَوْطٍ غَيْرُ سَوْطٍ؛ كَيْ لَا يَبْلُغَ بِهِمَا الْحَدُّ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ أَثَرٌ مَرْفُوعٌ وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالْأَدَبِ الْمُجَاوِزِ لِلْحَدِّ فِيمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَيْ يَتَنَاهَى عَنْ مُوَافَقَةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْبَسَانِ مَعَ هَذَا إنْ كَانَتَا بَالِغَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَبْلُغْ زُجِرَتْ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْأَدَبِ، انْتَهَى، مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(فَرْعٌ) مِنْهُ قَالَ وَلَوْ غَابَتْ حَشَفَةُ الْعِنِّينِ فِي فَرْجِ زَوْجَتِهِ أَوْجَبَ ذَلِكَ الْغُسْلَ عَلَيْهِمَا وَالصَّدَاقُ وَإِفْسَادَ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَلَمْ يُحْصِنْهَا وَلَمْ يُحِلَّهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هُوَ فَقِيلَ: يَتَحَصَّنُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَتَحَصَّنُ.
وَالصَّحِيحُ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّهُ مَتَى غَيَّبَ ذَلِكَ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَعَلَيْهَا وَالِاخْتِيَارُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً وَلَا تَحِلُّ وَإِنَّمَا مُنِعَ إحْلَالُهَا؛ لِحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَا لَا يَحِلُّ لَا يُحْصِنُ وَلَوْ قِيسَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَغَيْرُهُ لَكَانَ قِيَاسًا مُحْتَمَلًا لَوْلَا كَرَاهَةُ الشُّذُوذِ عَنْ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ حَشَفَةَ مَيِّتٍ فِي فَرْجِهَا لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ اللَّذَّةِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي ذَكَرِ الصَّغِيرِ بَلْ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا فِي مَغِيبِ حَشَفَةِ الْمُرَاهِقِ وَهُوَ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَهَذَا مَا لَمْ تُنْزِلْ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِلْإِنْزَالِ، وَقَوْلُهُ: بِمَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ غَابَ بَعْضُ الْحَشَفَةِ لَا غُسْلَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّ غَيْرَهَا كَاللَّخْمِيِّ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحُلَلِ عَنْ غَيْرِ اللَّخْمِيِّ إنْ غَابَ الثُّلُثَانِ مِنْهَا وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا.
قُلْت وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ: بَعْضُ الْحَشَفَةِ لَغْوٌ انْتَهَى.
وَبَعْضُهَا أَعَمُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي قَوْلِهِ: " وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ يُوجِبُ الْغُسْلَ ": يُغْنِي إذَا غَابَتْ كُلُّهَا لَا بَعْضُهَا انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ وَلَوْ كَانَتْ مَلْفُوفَةً وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ اللَّفُّ رَقِيقًا وَأَمَّا الْكَثِيفُ فَلَا وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ يُخَرِّجُ فِيهِ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْغُسْلِ مُطْلَقًا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي لَمْسِ النِّسَاءِ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ كَثِيفٍ.
قُلْت وَلَا يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلٌ بِنَفْيِ الْغُسْلِ مُطْلَقًا مِنْ أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ أَخَصُّ فِي اسْتِدْعَاءِ اللَّذَّةِ وَقَالَ التَّادَلِيُّ اُخْتُلِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الْحَائِلُ رَقِيقًا وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَعْرِفُهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أَيْ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ قِيَاسًا عَلَى مَسِّ الذَّكَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ مَلْفُوفَةً الْأَشْبَهُ إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً أَوْجَبَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ التَّادَلِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْفِهْرِيِّ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي قَوْلِهِ: وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَفِي كَوْنِهَا بِحَائِلٍ ثَلَاثَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّمْسِ وَمَسِّ الذَّكَرِ، وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَإِنْ أَدْخَلَتْ امْرَأَةُ الْعِنِّينِ فَرْجَهُ وَجَبَ الْغُسْلُ فَظَاهِرُهُ لَا يُشْتَرَطُ الِانْتِشَارُ فَانْظُرْ ذَلِكَ، انْتَهَى.
ص (فِي فَرْجِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ يَعْنِي فِي مَحِلِّ الِافْتِضَاضِ وَأَمَّا فِي مَحِلِّ الْبَوْلِ فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَأَبْعَدَهُ التَّادَلِيُّ قَائِلًا: قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ كَالدُّبُرِ وَهُوَ يُوجِبُ الْغُسْلَ.
قُلْت يُرِيدُ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَحَكَى ابْنُ رَاشِدٍ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ لَا غُسْلَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ لَهُ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي
الْعَارِضَةِ إذَا غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَيَكُونَ عُضْوًا زَائِدًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَإِذَا أَلْغَيْت الشَّكَّ أَسْقَطْت الْغُسْلَ وَإِنْ اعْتَبَرْتُهُ أَوْجَبْت الْغُسْلَ، بِخِلَافِ دُبُرِهِ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ فِيهِ وَجَبَ الْغُسْلُ لِأَنَّك إنْ قَدَّرْته رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، انْتَهَى.
نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَمِنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ وَجَدَتْ امْرَأَةٌ إنْسِيَّةٌ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهُ يَطَؤُهَا جِنِّيٌّ وَتَنَالُ مِنْهُ مَا تَنَالُ مِنْ الْإِنْسِيِّ مِنْ اللَّذَّةِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَبِهِ أَقُولُ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى وَمَا قَالَهُ ظَاهِرُ مَا لَمْ تُنْزِلْ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِلْإِنْزَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ كَذَلِكَ.
ص (وَإِنْ مِنْ بَهِيمَةٍ وَمَيِّتٍ)
ش: قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَمَغِيبُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ مُكْرَهٍ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُعَادُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ إنْ كَانَتْ قَدْ غُسِّلَتْ قُبَيْلَ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَادُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ سَاقِطٌ عَنْهَا وَمَا تَعَبَّدَ بِهِ الْحَيُّ مِنْ غُسْلِهَا قَدْ انْقَضَى عَلَى وَجْهِهِ، انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ لِمُرَاهِقٍ كَصَغِيرَةٍ وَطِئَهَا بَالِغٌ) .
ش: الصُّوَرُ الْعَقْلِيَّةُ أَرْبَعٌ: (الْأُولَى) أَنْ يَكُونَا بَالِغَيْنِ فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ.
(الثَّانِي) عَكْسُهُ أَنْ يَكُونَا غَيْرَ بَالِغَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْمُرَاهِقِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ لَا غُسْلَ وَقَدْ يُؤْمَرَانِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ (الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا غُسْلَ إلَّا أَنْ تُنْزِلَ.
(الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ الْمَوْطُوءَةُ غَيْرَ بَالِغَةٍ وَهِيَ مِمَّنْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ: لَا غُسْلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُمِرَتْ بِالْوُضُوءِ لِيُسْرِهِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ كَمَا أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتُؤْمَرُ الصَّغِيرَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا وَطِئَهَا الْكَبِيرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ طَهَارَةٌ كَالْوُضُوءِ فَتُؤْمَرُ بِهِ أَوَّلًا لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ كَالصَّوْمِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ سَحْنُونٍ قَالَا: وَإِنْ صَلَّتْ بِغَيْرِ غُسْلٍ أَعَادَتْ، قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا تُعِيدُ بِقُرْبِ ذَلِكَ لَا أَبَدًا وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، انْتَهَى وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ وُجُوبًا وَتُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ عِنْدَ أَشْهَبَ أَبَدًا، مَا نَصُّهُ: وَفِي كَوْنِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ مِثْلَهَا أَيْ مِثْلَ الْبَالِغَةِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ قَوْلَا ابْنِ سَحْنُونٍ مَعَ الصَّقَلِّيِّ عَنْ أَشْهَبَ وَالْوَقَارِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ صَلَّتْ دُونَ غُسْلٍ فِي إعَادَتِهَا أَبَدًا أَوْ بِالْقُرْبِ قَوْلَا أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ انْتَهَى وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهَلْ يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِالْغُسْلِ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّبِيَّةِ يَطَؤُهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ أَشْهَبُ: إذَا كَانَتْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَإِنْ صَلَّتْ بِلَا غُسْلٍ أَعَادَتْ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ لَا تَغْتَسِلُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَقَدْ تَكُونُ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً فَتُؤْخَذُ بِذَلِكَ تَمْرِينًا، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِيمَا صَلَّتْهُ بِلَا غُسْلٍ تُعِيدُهُ فِيمَا قَرُبَ وَلَا تُعِيدُ أَبَدًا أَحْسَنُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِهَا تَمْرِينًا فَالْإِعَادَةُ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُؤْمَرْ بِذَلِكَ تَرَكَتْ الْغُسْلَ كُلَّ حِينٍ وَلَا تُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ سِيمَةِ الْفَرَائِضِ وَلَا فَرْضَ، انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: فَإِنْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ صَغِيرَةً جِدًّا فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: إذَا جُومِعَتْ بِكْرٌ فَحَمَلَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحْمِلُ حَتَّى تُنْزِلَ أَفَادَ فِيهَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْفِهْرِيُّ، انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَتُعِيدُ مَا صَلَّتْ مِنْ يَوْمِ جُومِعَتْ إلَى ظُهُورِ حَمْلِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (وَاسْتُحْسِنَ وَبِغَيْرِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ اسْتَحْسَنَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ لِلنِّفَاسِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ بِلَا دَمٍ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ
إذَا خَرَجَ الْوَلَدُ بِغَيْرِ دَمٍ وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ اُسْتُحْسِنَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ وَلَدَتْ بِغَيْرِ دَمٍ فَرِوَايَتَانِ مَا نَصُّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ الْوُجُوبُ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلَيْنِ وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِمَا فِي حِكَايَةِ الرِّوَايَةِ بِنَفْيِ الْغُسْلِ أَوْ الْقَوْلِ بِنَفْسِهِ وَنَصُّهُ: وَسَمِعَ أَشْهَبُ مَنْ وَلَدَتْ دُونَ دَمٍ اغْتَسَلَتْ اللَّخْمِيُّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ لِلدَّمِ لَا لِلْوَلَدِ وَلَوْ اغْتَسَلَتْ لِخُرُوجِهِ لَا لِلدَّمِ لَمْ يُجْزِهَا ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَى سَمَاعِ أَشْهَبَ دُونَ دَمٍ كَثِيرٍ إذْ خُرُوجُهُ بِلَا دَمٍ وَلَا بَعْدَهُ مُحَالٌ عَادَةً وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ نَفْيَهُ رِوَايَةً وَابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
قُلْت إنْ أَرَادَ نَفْيَ الْوُجُوبِ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَنَصُّهُ: وَإِذَا كَانَتْ الْوِلَادَةُ وَلَمْ تُرَدْ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غُسْلٌ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْغُسْلَ وَقَالَ: لَا يَأْتِي الْغُسْلُ إلَّا بِخَيْرٍ.
انْتَهَى.
وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ اسْتِحْبَابِهِ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ بَلْ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَيُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ انْتَهَى وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ فِي بَابِ النِّفَاسِ وَنَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّتِي تَلِدُ وَلَا تَرَى دَمًا تَغْتَسِلُ أَوْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ: لَا يَأْتِي الْغُسْلُ إلَّا بِخَيْرٍ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ اغْتِسَالَ النُّفَسَاءِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ خُرُوجِ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ لِأَجْلِ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ وَلَوْ نَوَتْ الِاغْتِسَالَ لِخُرُوجِ الْوَلَدِ دُونَ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ مَا أَجْزَأَهَا طُهْرُهَا، انْتَهَى.
فَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ مَالِكٍ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ اسْتِحْسَانٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّخْمِيَّ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ، أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ اسْتِحْسَانٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَابِ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَيَتَّفِقُ كَلَامُهُ (فَإِنْ قُلْتُ) فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ إلَّا الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ فَأَيْنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ قُلْت حَكَاهُ فِي التَّلْقِينِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ فَقَالَ: السَّبَبُ الْخَامِسُ إلْقَاءُ الْوَلَدِ جَافًّا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِخُرُوجِ مَائِهَا وَالْوَلَدُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَائِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا بِخُرُوجِهِ وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مَاءَهَا قَدْ اسْتَحَالَ عَنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي بِهَا يَجِبُ الْغُسْلُ فَأَشْبَهَ حَالَةَ السَّلَسِ بَلْ هَذَا أَشَدُّ بُعْدًا، انْتَهَى.
قُلْت مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهَا قَدْ اغْتَسَلَتْ لِتِلْكَ الْجَنَابَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ عَنْ إيلَاجٍ أَوْ حَمَلَتْ وَهِيَ بِكْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْبِكْرِ إذَا حَمَلَتْ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ إنْزَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ يَحْكِي عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ خُرُوجَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ بِلَا دَمٍ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَعْقُبْهُ دَمٌ بَعْدَهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: لَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ جَافًّا بِغَيْرِ دَمٍ فَهَلْ يُنْقَضُ الْوُضُوءُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ مُفَرَّعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَبَرَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْعِلَّةِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهَا لِانْقِطَاعِهِ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا تَغْتَسِلُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ وَاخْتَارَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً بِوُجُوبِ الْغُسْلِ لِانْقِطَاعِهِ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: اسْتَشْكَلُوا ظَاهِرَ الرِّسَالَةِ بِوُجُوبِهِ إنْ كَانَ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُدَوَّنَةَ فَالْمَشْهُورُ قَدْ لَا يَتَقَيَّدُ بِهَا وَإِنْ كَانَ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ فَقُصُورٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَوْلُهُ: وَانْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، تَوَسُّعٌ فِي
الْعِبَارَةِ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ مِنْهُ اسْتِنَانًا وَإِنَّمَا خَلَطَهُ بِذِكْرِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِهِ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: وَلَا خِلَافَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ انْقِطَاعَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا وَاخْتُلِفَ هَلْ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ أَمْ لَا ثُمَّ أَطَالَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمَتْيَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ اسْتِحَاضَةٌ، إذَا لَمْ تَكُنْ اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ عِنْدَ دُخُولِهَا فِي الِاسْتِحَاضَةِ كَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَانْظُرْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيَجِبُ غُسْلُ كَافِرٍ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَا ذُكِرَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَتَلَفَّظَ بِالشَّهَادَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لِلْمَرْأَةِ فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ سَبَبٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: الْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
وَأَلْزَمَهُ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَقُولَ بِسُقُوطِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ إنْ كَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنْ حَدَثٍ فِي حَالِ الْكُفْرِ جَبَّ فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) هَكَذَا حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِلْجَنَابَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ تَعَبُّدٌ وَإِنَّ قَوْلَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ ثَالِثٌ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّعَبُّدِ قَالَ بِالِاسْتِحْبَابِ، لَكِنْ الْمُصَنِّفُ مَعَ ابْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ قَالَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ هَلْ ذَلِكَ لِلْإِسْلَامِ أَوْ لِأَنَّ الْكَافِرَ، جُنُبٌ انْتَهَى.
قُلْت بَلْ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ لِلْإِسْلَامِ جَعَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَنَصُّهُ: الِاغْتِسَالَاتُ الْوَاجِبَةُ خَمْسَةٌ: وَهِيَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي هَذَا الْأَخِيرِ، انْتَهَى.
هَكَذَا قَالَ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَفِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ.
وَالْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّهُ جُنُبٌ ثُمَّ زَادَ فِيهِ وَقَالَ: وَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ الْفَخَّارِ عَلَى الشَّيْخِ قَوْلَهُ: لِأَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيُّ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ يَنْوِ جَنَابَةً وَإِنَّمَا يَقْصِدُ التَّنَظُّفَ وَزَوَالَ الْأَوْسَاخِ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ انْتَهَى، وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ إذَا اغْتَسَلَ نَوَى الْجَنَابَةَ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ وَنَوَى بِهِ الْإِسْلَامَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الطُّهْرَ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ فِيهِ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّهُ وَيَنْوِي بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ اعْتَقَدَ بِهِ الْإِسْلَامَ وَلَمْ تَخْطِرْ الْجَنَابَةُ بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: إنْ اغْتَسَلَ لِلْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ: وَإِنْ تَيَمَّمَ أَوْ اغْتَسَلَ لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الطُّهْرَ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) لَوْ كَانَ الْكَافِرُ يَعْتَقِدُ دِينًا يَرَى الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَاغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَتِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ تَخْرِيجًا عَلَى صِحَّةِ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ فَإِنَّهَا إذَا أَسْلَمَتْ بَقِيَ زَوْجُهَا عَلَى اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ بِذَلِكَ الْغُسْلِ قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الذِّمِّيَّةِ وَقَعَ صَحِيحًا حَالَ الْكُفْرِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَلَمْ يَقَعْ عِبَادَةً، وَصِحَّةُ الْغُسْلِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَكُونُ إلَّا بِوُقُوعِ الْغُسْلِ مِنْهَا عِبَادَةً وَقُرْبَةً وَالْكُفْرُ لَا يَصِحُّ مَعَهُ قُرْبَةٌ بِوَجْهٍ، انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ إذَا أَسْلَمَتْ يَجُوزُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْحَيْضِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَيُؤْمَرُ مَنْ أَسْلَمَ بِأَنْ يَخْتَتِنَ وَأَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ إنْ كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ عَلَى غَيْرِ زِيِّ الْعَرَبِ كَالْقَزَعَةِ وَشِبْهِهَا وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَحْلِقَ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَسْلَمْت، فَقَالَ لَهُ: أَلْقِ شَعْرَ الْكُفْرِ.
وَأَنَّهُ قَالَ لِلْآخَرِ: أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» وَقَوْلُهُ: شَعْرَ الْكُفْرِ أَيْ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ
مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَدْخُلُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَلَمْ يُرَوْا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لَعَلَّهُ وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ الْقَرَافِيُّ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِلَفْظِ وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا وَآخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا الْإِسْلَامُ إلَّا لِعَجْزٍ)
ش: ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَّلِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الشِّفَاءِ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الشَّهَادَةِ بِلِسَانِهِ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلْجَنَّةِ وَذَكَرَ فِيمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَطَالَتْ مُهْلَتُهُ وَعُلِمَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا وَلَا مَرَّةً فِي عُمْرِهِ قَوْلَيْنِ أَيْضًا، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَإِذَا جَمَعْت الْمَسْأَلَتَيْنِ حَصَلَ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا وَعَدَمُهُ وَثَالِثُهَا الصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَنَحْوُهُ فِي الْقَبَّابِ وَالتُّونُسِيِّ.
ص (وَإِنْ شَكَّ أَمَذْيٌ أَمْ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ وَأَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ كَتَحَقُّقِهِ)
ش قَوْلُهُ: أَمَذْيٌ، لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَذْيِ بَلْ إذَا شَكَّ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَمْ لَا قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ بَلَلًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنَامَ فِيهِ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَنَمْ فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَامَ فِيهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ احْتِلَامٌ أَمْ شَكَّ فَإِنْ شَكَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ أَوْ اُسْتُحِبَّ عَلَى الْقَوْلِ بِإِلْغَاءِ الشَّكِّ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ احْتَلَمَ وَجَبَ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْغُسْلِ إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ غَيْرُهُ وَأَمَّا إذَا لَبِسَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْتَلِمُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُحْتَلِمُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْغُسْلِ: أَسْبَابُهُ سَبْعٌ: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالشَّكُّ فِي أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يَسْتَنْكِحْ ذَلِكَ وَتَجْدِيدُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْوِلَادَةِ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ جَافًّا وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُ دَمِ النِّفَاسِ وَالْمَوْتُ فِي غَيْرِ الشُّهَدَاءِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: السَّبَبُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَاهِرِ الشَّكُّ فِي تَحَقُّقِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ بِأَنْ وَجَدَ بَلَلًا وَهُوَ لَا يَدْرِي أَهُوَ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَرَقٍ، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَغْتَسِلُ.
وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْوُضُوءُ مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ.
وَقَالَ ابْنِ سَابِقٍ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ، انْتَهَى.
ص (وَوَاجِبُهُ نِيَّةٌ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيَنْوِي الطَّهَارَةَ عِنْدَ أَوَّلِ وَاجِبِهِ كَالْوُضُوءِ.
ص (وَمُوَالَاةٌ كَالْوُضُوءِ)
ش: مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ مَنْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ لِخَوْفِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ يَدَعُ جَسَدَهُ حَتَّى يَجِفَّ ثُمَّ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ فَيَغْسِلَ رَأْسَهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الْغُسْلَ قَالَ سَنَدٌ: فَلَوْ بَدَأَ غُسْلَهُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَكَمَّلَ غُسْلَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِتَبْعِيضِ النِّيَّةِ، انْتَهَى.
ص (وَتَخْلِيلُ شَعْرٍ)
ش: أَطْلَقَ فِيهِ لِيَعُمَّ كُلَّ شَعْرٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْأَشْهَرُ وُجُوبُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَمُرَادُهُ بِغَيْرِهِمَا شَعْرُ الْحَاجِبِينَ وَالْهُدْبِ وَالشَّارِبِ وَالْإِبِطِ وَالْعَانَةِ
إنْ كَانَ فِيهِمَا شَعْرٌ انْتَهَى ص (وَدَلْكٌ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَغْسُولِ حَيْثُ الْإِمْكَانُ وَالْقُرْبُ فَإِنْ بَعُدَ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، وَإِنْ صَلَّى أَعَادَ أَبَدًا انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يَعْنِي إذَا تَرَكَ الدَّلْكَ ثُمَّ قَالَ: وَلْيَحْذَرْ مِنْ أُمُورٍ: أَحَدُهَا التَّدَلُّكُ بِالْحَائِطِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأَهْلِهَا وَرُبَّمَا كَانَتْ بِهَا نَجَاسَةٌ أَوْ بَعْضُ الْمُؤْذِيَاتِ إلَّا مَا يَكُونُ مُعَدًّا لِذَلِكَ وَحَائِطِ الْحَمَّامِ خُصُوصًا قَالُوا: تُورِثُ الْبَرَصَ وَتَمْكِينُ الدَّلَّاكِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ وَتَمْكِينُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ مِنْ دَلْكِ بَدَنِهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ نَاعِمًا وَيَتَّقِي الْوَسْوَسَةَ جَهْدَهُ وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، إنْ كَانَ مُبْتَلًى بِهَا كَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ مِرَارًا وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُوعَبُ جَمِيعُ جَسَدِهِ يَعْنِي بِحَيْثُ يَتَحَقَّقُ دَلْكُهُ وَلَا يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا يَكْفِيهِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
ص (أَوْ اسْتِنَابَةٌ)
ش: هَذَا إذَا كَانَ ضَرُورَةً قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: فَإِنْ وَكَّلَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقِيلَ: يُجْزِئُهُ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ فَعَلَ حَرَامًا وَيُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
وَفِي نَظْمِ ابْنِ رُشْدٍ: وَلَا يَصِحُّ الدَّلْكُ بِالتَّوْكِيلِ إلَّا لِذِي آفَةٍ أَوْ عَلِيلٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يُدَلِّكَ لِزَوْجَتِهِ مَا لَا تَصِلُ إلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَصِلْ لِغَسْلِ فَرْجِهَا لِلسِّمَنِ الَّذِي بِهَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْسِلَ لَهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ تُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ وَلَا تُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ فِعْلِهِ وَهِيَ عَاصِيَةٌ إنْ تَسَبَّبَتْ لِلسِّمَنِ غَيْرُ عَاصِيَةٍ إنْ لَمْ تَتَسَبَّبْ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ لَا يَجِبُ عَلَى امْرَأَتِهِ غَسْلُ عَوْرَتِهِ إذَا لَمْ يَصِلْ لَهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً إنْ قَدَرَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ غَسْلِهِ وَهُوَ فِي الْعِصْيَانِ وَعَدَمِهِ كَالْمَرْأَةِ إلَّا أَنَّ التَّسَبُّبَ مِنْهُ أَقْبَحُ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ الْمَدْخَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصِلُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ سَقَطَ وَلْيُكْثِرْ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِي مَحِلِّهِ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى.
ص (وَسُنَنُهُ غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا وَصِمَاخُ أُذُنَيْهِ)
ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ وَاجِبَاتِ الْغُسْلِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ سُنَنِهِ وَذَكَرَ مِنْهَا أَرْبَعًا وَبَقِيَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ خَامِسَةٌ وَهِيَ الِاسْتِنْثَارُ وَكَأَنَّهُ تَرَكَهَا اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الِاسْتِنْشَاقِ، وَلَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، السُّنَّةُ الْأُولَى غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا أَيْ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الْوُضُوءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْعَبًا.
السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ مَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا تَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَلَا بَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ أَيْ الصِّمَاخُ وَمَسْحُهُ سُنَّةٌ، انْتَهَى.
وَجَعَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُسْتَحَبًّا فَقَالَ: وَبَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ الصِّمَاخُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُهُ وَظَاهِرُهُمَا كَالْجَسَدِ، انْتَهَى.
وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ غَسْلَ الصِّمَاخَيْنِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيَغْسِلُ أَشْرَافَ أُذُنَيْهِ وُجُوبًا وَصِمَاخَهُمَا سُنَّةً، وَلَا يَصُبُّ الْمَاءَ فِيهَا صَبًّا بَلْ يُكْفِئُهُمَا عَلَى كَفِّهِ مَمْلُوءَةً مَاءً وَيُدِيرُ أُصْبُعَهُ إثْرَ ذَلِكَ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ، انْتَهَى.
فَتَبِعَ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْبِيرِ غَسْلَ الصِّمَاخَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَتِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُرَاعَى فِي غَسْلِ بَاطِنِ الْأُذُنَيْنِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى التَّجَعُّدِ وَالتَّكَسُّرِ بِحَمْلِ الْمَاءِ فِي الْيَدِ إلَى الْأُذُنِ وَوَضْعِهَا فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُدَلِّكُهَا، اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ جَمَاعَةَ التُّونُسِيِّ انْتَهَى.
قُلْت وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ جَمَاعَةَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ بِأَعْلَاهُ وَمَيَامِنِهِ.
ص (وَمَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ فِي الْغُسْلِ كَمَا أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ: " وُضُوءُ الصَّلَاةِ " ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ وَتَقَدَّمَ وَيُثَلِّثُ مَغْسُولَهُ
وَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَسُنَّةٌ كَالْوُضُوءِ وَمِثْلُهُمَا بَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ يَعْنِي الصِّمَاخَيْنِ وَكَذَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، وَأَمَّا تَكَرُّرُ الْمَغْسُولِ فَقَالَ خَلِيلٌ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ وَلَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُسْلِ، انْتَهَى خَلِيلٌ، أَمَّا مَسْحُ الرَّأْسِ فَإِنْ قَدَّمَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَلَى تَأْخِيرِهِمَا فَفِي تَرْكِ الْمَسْحِ رِوَايَتَانِ: وَجْهُ التَّرْكِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ يَغْسِلُهُ حِينَئِذٍ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَخَرَجَتْ الرِّجْلَانِ بِدَلِيلِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمَا عَلَى الْأَصْلِ، انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ إلَّا أَنَّهُمَا تَبَعُ الرَّأْسِ انْتَهَى.
فَأَمَّا مَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ فَسُنَّةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ بَدْءٌ بِإِزَالَةِ الْأَذَى)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِيَقَعَ الْغُسْلُ عَلَى أَعْضَاءٍ طَاهِرَةٍ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الْأَكْمَلَ أَنْ يَغْسِلَ مَوَاضِعَ الْأَذَى ثُمَّ يَغْسِلَ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَيَبْدَأُ الْجُنُبُ بِغَسْلِ مَوَاضِعِ الْأَذَى ثُمَّ يَغْسِلُ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ فِي حِينِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغَسَلَ غُسْلًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ انْتَهَى وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: هَذَا هُوَ الْغُسْلُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ غَسْلَةً وَاحِدَةً يَنْوِي بِذَلِكَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَزَالَتْ مَعَ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ أَجْزَأَهُ.
وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِمَا خِلَافُ مَا يُعْطِيهِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ وُجُوبِ الْإِزَالَةِ أَوَّلًا كَمَا يُفْهِمُهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كَلَامِهِ، وَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ حَقٌّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ فِيهِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ مُطْلَقًا وَلَوْ انْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِحُصُولِ الطَّهَارَةِ لِهَذَا الْمُتَطَهِّرِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَبْلَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ، انْتَهَى.
قُلْت مَا ذَكَرَهُ عَنْ شَيْخِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَبْلَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ حُصُولِهِمَا مَعًا، وَفِي الْجُزُولِيِّ الْكَبِيرِ وَاخْتُلِفَ إذَا غَسَلَ مَوَاضِعَ الْأَذَى بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَزَوَالِ النَّجَاسَةِ غُسْلًا وَاحِدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَوْ شَرَّكَ بَيْنَهُمَا الْمَازِرِيُّ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ.
انْتَهَى.
وَفِي الطِّرَازِ فِي بَابِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَرْعٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى ذَكَرِهِ نَجَاسَةٌ فَغَسَلَهُ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ أَجْزَأَهُ وَفِي تَهْذِيبِ عَبْدِ الْحَقِّ حِكَايَةٌ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحَوَائِلِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِنْ نَوَاهُ حَتَّى يَغْسِلَ الْمَحِلَّ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى بَشَرَتِهِ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَدَثِ فَقَدْ وَفَّى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ حَقِيقَةِ الْغُسْلِ وَإِنْ بَقِيَ حَائِلٌ فَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَزُولَ، وَلَا أَثَرَ لِلنِّيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَاعَى حَقِيقَةً غَسْلُ الْبَشَرَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: شَرْطُهَا ذَلِكَ.
ص (ثُمَّ بِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُزِيلَ الْأَذَى ثُمَّ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَضَّأَ، أَيْ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ وَلَوْ نَوَى الْفَضِيلَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إعَادَةُ غُسْلِهَا انْتَهَى قَوْلُهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ يُرِيدُ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَنَصُّهُ: ثُمَّ يَتَوَضَّأَ.
اللَّخْمِيُّ.
وَيَنْوِيَ الْجَنَابَةَ وَإِنْ نَوَى الْوُضُوءَ أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
وَفِي الْجُزُولِيِّ الْكَبِيرِ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَيُجْزِئُهُ وَهُوَ إنَّمَا يَنْوِي رَفْعَ الْجَنَابَةِ فَإِنْ نَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تُجْزِئُهُ، وَفِيهِ خِلَافُ الْمَازِرِيِّ وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ فِيمَا يَأْتِي، وَغُسْلُ الْوُضُوءِ عَنْ غُسْلِ مَحِلِّهِ وَلَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ وَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ جَعَلَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ خِلَافَ
الْمَشْهُورِ وَنَصُّهُ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ وَلَوْ نَوَى بِهَذَا الْوُضُوءِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَكْبَرَ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْأَصْغَرِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى سَاقِطَةٌ عَنْهُ وَالْحَدَثُ فِي الْكُبْرَى ثَابِتٌ عَلَيْهِ وَالسَّاقِطُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الثَّابِتِ وَقِيلَ: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ نَابَ عَنْ فَرْضٍ نَقَلَهُ فِي التَّبْصِرَةِ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْجَنَابَةَ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فَيُكْمِلُ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ الْغُسْلِ، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ غَرَّهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ نَوَى الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ ذَاكِرًا أَنَّهُ مُحْدِثٌ الْحَدَثَ الْأَكْبَرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا أَنَّ نِيَّةَ الْأَصْغَرِ تُجْزِئُ عَنْ الْأَكْبَرِ فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى رَفْعَ الْأَصْغَرِ فَقَطْ لَا رَفْعَ الْأَكْبَرِ فَهَذِهِ نِيَّةٌ مُتَدَافِعَةٌ فَلَا يُجْزِئُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ: مَنْ نَسِيَ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ تَوَضَّأَ بَعْدَهُ انْتَهَى مُحَرَّرًا مِنْ بَابِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: كَامِلَةً، يَعْنِي فَيُقَدِّمُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَلَا يُؤَخِّرُهُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا إلَى آخِرِ غُسْلِهِ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ آخِرَ ذَلِكَ يَجْمَعُ ذَلِكَ فِيهِمَا لِتَمَامِ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ إنْ كَانَ آخِرَ غُسْلِهِمَا.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ وَالْغُسْلُ تَابِعٌ مَنْدُوبٌ فَيَكُونُ فَاصِلًا وَفِيهِ بَحْثٌ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ شَاءَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَخَيَّرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَاسْتَحَبَّ الْبَاجِيُّ تَأْخِيرَ غَسْلِهِمَا لِيَأْتِيَ بِالْغُسْلِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَهَذَا لِتَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى حَدِيثُ مَيْمُونَةَ بِتَفْرِيقِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ وَأَتَى حَدِيثُ عَائِشَةَ بِكَمَالِهِ أَوَّلًا، وَلَمْ يَدْرِ الْمُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِ فَاخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّفْرِيقَ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْن الْمَوَّازِ تَمَامَهُ أَوَّلًا إلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا إذَا فَرَّقَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ عَنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُجْزِئُهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: إنْ اغْتَسَلَ فِي مَوْضِعِ طِينٍ فَتَأْخِيرُهُمَا أَوْلَى وَإِنْ اغْتَسَلَ فِي مَوْضِعٍ نَقِيٍّ فَتَقْدِيمُهُمَا أَوْلَى، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا يُرِيدُ فِي الْغُسْلِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ الْمُسْتَحَبِّ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْفَوْرِ انْتَهَى.
ص (وَأَعْلَاهُ وَمَيَامِنُهُ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ ظَوَاهِرَ نُصُوصِهِمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْلَى بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَسْفَلِ بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ وَمَيَامِنُ كُلٍّ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَيَاسِرِ كُلٍّ، بَلْ صَرِيحُ عِبَارَةِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ وَنَصُّهُ، وَأَمَّا صِفَةُ الْكَمَالِ فَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُزِيلَ الْأَذَى إنْ كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْوِيَ رَفْعَ حَدَثِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَغْسِلَ السَّبِيلَيْنِ وَمَا وَالَاهُمَا، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وَيَنْوِيَ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَإِذَا أَكْمَلَ وُضُوءَهُ غَمَسَ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ وَخَلَّلَ بِهِمَا شَعْرَ رَأْسِهِ ثُمَّ يَغْرِفَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ حَتَّى يُوعَبَ غُسْلُهُ ثُمَّ يُضْغِثَهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُنْقِلَ الْمَاءَ إلَى أُذُنَيْهِ يَغْسِلُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا ثُمَّ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَعُنُقِهِ وَعَضُدَيْهِ ثُمَّ مَا تَحْتَ إبِطَيْهِ وَيُخَلِّلَ عُمْقَ سُرَّتِهِ بِأُصْبُعِهِ، ثُمَّ يُفَرِّغَ الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَجْمَعَ يَدَيْهِ خَلْفَهُ فِي التَّدَلُّكِ ثُمَّ يَغْسِلَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ ثُمَّ مَا تَحْتَ الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ السَّاقَ الْيُمْنَى ثُمَّ السَّاقَ الْيُسْرَى ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ وَإِنْ اسْتَعَانَ بِإِنَاءٍ لَهُ أُنْبُوبٌ يُفَرِّعُ عَلَى جَسَدِهِ بِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ السَّرَفِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَيُقَدِّمُ أَعَالِيَهُ وَيَخْتِمُ بِصَدْرِهِ وَبَطْنِهِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِحْبَابٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ تَأْخِيرَ صَدْرِهِ عَنْ ظَهْرِهِ انْتَهَى.
ص (وَتَثْلِيثُ رَأْسِهِ)
ش: قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: ثُمَّ يَغْمِسُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق إثْرَ وُضُوئِهِ وَمَا قَدَّمَ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ يُفَرِّغُ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ وَيَرْفَعُهُمَا مِنْ الْإِنَاءِ أَوْ غَيْرِهِ غَيْرَ قَابِضٍ بِهِمَا شَيْئًا مِنْ
الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهِمَا أُصُولَ شَعْرِهِ؛ لِيَأْنَسَ بِبَرْدِ الْمَاءِ فَلَا يَتَضَرَّرُ وَيَقِفُ الشَّعْرُ فَيَدْخُلُ الْمَاءُ عِنْدَ الْغُسْلِ لِأُصُولِهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَيْهِ وَفْرَةٌ أَمْ لَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ الْجُورَائِيُّ: وَيَبْدَأُ فِي ذَلِكَ مِنْ مُؤَخَّرِ الْجُمْجُمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الزُّكَامِ وَالنَّزْلَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ ثُمَّ يَغْرِفُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ إثْرَ تَخْلِيلِهِ وَالتَّثْلِيثُ مُسْتَحَبٌّ.
ابْنُ حَبِيبٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَوْ عَمَّ بِوَاحِدَةٍ زَادَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ إذْ كَذَلِكَ فُعِلَ، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَوْ اجْتَزَأَ بِالْوَاحِدَةِ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ لَمْ تَكْفِ الثَّلَاثُ زَادَ إلَى الْكِفَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عِيَاضٌ يُفَرَّقُ الثَّلَاثُ عَلَى الرَّأْسِ فَلِكُلِّ جَانِبٍ وَاحِدَةٌ وَالثَّالِثَةُ لِلْوَسَطِ وَقِيلَ: الْكُلُّ لِلْكُلِّ وَكُلٌّ جَائِزٌ اهـ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: أَعْلَمُ أَنَّ لِلتَّخْلِيلِ فَائِدَتَيْنِ فِقْهِيَّةً وَطِبِّيَّةً: وَهُمَا سُرْعَةُ إيصَالِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ وَلِتَأْنَسَ رَأْسُهُ بِالْمَاءِ فَلَا يَتَأَذَّى لِانْقِبَاضِهِ عَلَى الْمَسَامِّ، انْتَهَى.
ص (وَقِلَّةُ الْمَاءِ بِلَا حَدٍّ)
ش: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ: وَقِلَّةُ الْمَاءِ بِلَا حَدٍّ كَالْغُسْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ وَمِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّرَفُ فِي الطَّهَارَةِ وَلَوْ كَانَ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الرِّسَالَةِ وَالسَّرَفُ مِنْهُ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ وَكُلُّ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ ذِي الْوَسْوَاسِ وَأَمَّا الْمُوَسْوِسُ فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَيُغْتَفَرُ فِي حَقِّهِ لِلِابْتِدَاءِ بِهِ، انْتَهَى.
ص (وَوُضُوءُهُ لِنَوْمٍ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: لَا يَنَامُ الْجُنُبُ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ حَتَّى يَتَوَضَّأَ جَمِيعَ وُضُوئِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَائِضِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وُضُوءُ الْجُنُبِ لِنَوْمِهِ.
وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ نَهَارًا، وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ، رَوَاهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا: لَا تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ بِتَرْكِهِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ذَلِكَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ.
وَالظَّاهِرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي كِتَابِ الذِّكْرِ: قَوْلُهُ: إذَا أَخَذْت مَضْجَعَك أَيْ إذَا أَرَدْت أَنْ تَنَامَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَتَضَمَّنَ ثَلَاثَ سُنَنِ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ لِيَمُوتَ عَلَى طَهَارَةٍ وَاخْتَلَفَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ غَيْرِنَا هَلْ يَسْتَبِيحُ بِهَذَا الْوُضُوءِ الصَّلَاةَ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِهِ لِيَبِيتَ عَلَى طَهَارَةٍ اسْتَبَاحَ بِهِ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا.
قَالَ: لِلْأَثَرِ.
قُلْت وَهَذَا الْوُضُوءُ يُنْقِضُهُ الْحَدَثُ الْوَاقِعُ قَبْلَ الِاضْطِجَاعِ لَا الْوَاقِعِ بَعْدَهُ، وَالسُّنَّةُ الثَّانِيَةُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالنَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، انْتَهَى.
مُحَرَّرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ مِنْ الْإِكْمَالِ.
ص (لَا تَيَمُّمٌ) هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ يَتَيَمَّمُ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَعَلَيْهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ.
تَنْبِيهٌ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَتَيَمَّمُ عَلَى الْحَجَرِ بَلْ عَلَى التُّرَابِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْوَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَوْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ قَالَ: فَإِنْ عَجَزَ الْجُنُبُ عَنْ الْوُضُوءِ فَلْيَتَيَمَّمْ وَلَا يَتَيَمَّمُ إلَّا مِنْ جِدَارِ تُرَابٍ يَعْلَقُ تُرَابُهُ بِالْكَفَّيْنِ فَأَمَّا الْجِدَارُ يَكُونُ حَجَرًا فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهِ وَكَذَلِكَ فَسَّرَ لِي أَصْبُغ بْن الْفَرَجِ وَأَخْبَرَنِي عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْسِيرِ انْتَهَى وَلَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَيَمَّمَ عَلَى الْحَائِطِ فَكَانَ رُخْصَةً لَا يَتَعَدَّى بِهَا مَحِلَّهَا وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّشَاطِ إذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ لِلْغُسْلِ لَمْ يَتَوَضَّأْ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ.
ص (وَلَمْ يَبْطُلْ إلَّا بِجِمَاعٍ)
ش: قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ هَذَا الْوُضُوءِ لَمْ يُنْتَقَضْ وَلَا يُنْقِضُهُ إلَّا مُعَاوَدَةُ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ لِرَفْعِ حَدَثٍ فَيُنْقِضُهُ الْحَدَثُ، وَإِنَّمَا شُرِعَ عِبَادَةً فَلَا يُنْقِضُهُ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ، انْتَهَى.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ لِغَيْرِ الْجُنُبِ قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ.
وَإِنْ نَامَ
الرَّجُلُ عَلَى طَهَارَةٍ وَضَاجَعَ زَوْجَتَهُ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ إلَّا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ اللَّذَّةَ، انْتَهَى.
ص (وَتَمْنَعُ الْجَنَابَةُ مَوَانِعَ الْأَصْغَرِ وَالْقِرَاءَةَ إلَّا كَآيَةٍ لِلتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تَمْنَعُ الْمَوَانِعَ الَّتِي تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ يَمْنَعُ مِنْهَا وَيَزِيدُ بِمَنْعِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا كَالْآيَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ الْآيَتَانِ وَالثَّلَاثُ، وَقَوْلُهُ: لِلتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْقِرَاءَةِ بَلْ عَلَى مَعْنَى التَّعَوُّذِ وَالرُّقَى وَالِاسْتِدْلَالِ وَنَحْوِهِ لِلْمَشَقَّةِ فِي الْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا يُعَدُّ قَارِئًا وَلَا لَهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ (تَنْبِيهٌ) : حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا لَا يُذْكَرُ إلَّا قُرْآنًا كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: 160] فَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقِرَاءَةِ لَا تَعَوُّذَ فِيهِ، وَثَانِيهِمَا مَا هُوَ تَعَوُّذٌ كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فَتَجُوزُ قِرَاءَتُهُمَا لِلضَّرُورَةِ وَدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْمُتَعَوَّذِ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمُعَوِّذَتَانِ جَمِيعًا فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَكْتُبَ صَحِيفَةً فِيهَا الْبَسْمَلَةُ وَشَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمَوَاعِظِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: وَلَا يَجُوزُ إسْرَارٌ مِنْ غَيْرِ حَرَكَةِ لِسَانٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ لَمْ يَقْرَأْ وَإِنَّمَا فَكَّرَ، وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ ذَلِكَ؟ انْتَهَى.
قُلْت نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْقَلْبِ لَا يَحْنَثُ بِهَا وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ وَلَا يُحَرِّكَ لِسَانَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي تُسَرُّ فِي الصَّلَاةِ كُلُّهَا هِيَ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ فَمَنْ قَرَأَ فِي قَلْبِهِ فَكَالْعَدِمِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ فِي قَلْبِهِ انْتَهَى.
ص (وَدُخُولُ مَسْجِدٍ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَسْجِدِ بَيْتِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَفِي الطِّرَازِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْمُحْبَسِ وَالْمُسْتَأْجَرِ إنْ كَانَ يَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْإِجَارَةِ حَانُوتًا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ مَالِكٌ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُفْرَشُ لَهُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ فِي الصَّيْفِ فَيَبِيتُ فِيهِ وَلَا تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ وَلَا تَقْرَبُهُ وَكَانَ فَقِيهًا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: لَا خِلَافَ إنَّ لِظَهْرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمَسْجِدِ إلَخْ فَانْظُرْهُ.
ص (وَلِلْمَنِيِّ تَدَفُّقٌ وَرَائِحَةُ طَلْعٍ أَوْ عَجِينٍ)
ش: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: خَوَاصُّ الْمَنِيِّ ثَلَاثَةٌ: الْأُولَى الْخُرُوجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِبَهُ.
الثَّانِيَةُ الرَّائِحَةُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ قَرِيبَةٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَجِينِ.
الثَّالِثَةُ الْخُرُوجُ بِتَدَفُّقٍ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ إذَا
انْفَرَدَتْ اقْتَضَتْ كَوْنَهُ مَنِيًّا وَإِنْ فُقِدَتْ كُلُّهَا فَلَيْسَ بِمَنِيٍّ.
ص (وَغَسْلُ الْوُضُوءِ عَنْ غُسْلِ مَحِلِّهِ) ش: قَالَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ إلَخْ ابْنُ نَاجِي يَقُومُ مِنْ هَذَا إنَّ مَنْ نَوَى بِوُضُوءِ غَسْلِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَغَسَلَ بَقِيَّةَ جَسَدِهِ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَبِهِ الْفَتْوَى انْتَهَى.
[فَصْلُ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ]
ص (فَصْلُ رُخِّصَ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ) .
ش إنَّمَا ذَكَرَ الْمَرْأَةَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَى الرَّجُلِ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يَضْطَرُّ غَالِبًا إلَى الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ وَتَوْطِئَةً لِذِكْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
ص (وَإِنْ مُسْتَحَاضَةً)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَمْسَحُ الْمُسْتَحَاضَةُ عَلَى خُفِّهَا وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا فِي الْمَسْحِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهَا إذَا لَبِسَتْ بَعْدَ تَطَهُّرِهَا وَقَبْلَ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا شَيْءٌ مَسَحَتْ كَمَا يَمْسَحُ غَيْرُهَا، وَإِنْ لَبِسَتْهُ وَالدَّمُ سَائِلٌ مَسَحَتْ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا عَلَى قَوْلِ: أَوْ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى قَوْلٍ حَكَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ قَالَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا سَوَاءٌ لَبِسَتْهُ بَعْدَ طُهْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ بَعْدَ أَنْ سَالَ؛ لِأَنَّ مَا سَالَ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ إلَّا أَنَّا إذَا اسْتَحْبَبْنَا أَنْ تُطَهِّرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِمَكَانِ مَا يَسِيلُ مِنْ الدَّمِ اسْتَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ لُبْسُهَا لِلْخُفِّ عَقِيبَ غُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ أَوْ وُضُوئِهَا قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَالَ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ لَبِسَتْ خُفَّهَا وَاسْتَحْبَبْنَا لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِمَكَانِ مَا خَرَجَ مِنْهَا كَانَ لِذَلِكَ الْخَارِجِ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَضَّأُ مِنْ خَارِجٍ تَقَدَّمَ عَلَى لُبْسِ الْخُفِّ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إنْ كَانَ انْقِطَاعُ الدَّمِ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ إتْيَانِهِ، وَقُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهَا لِلْخُفِّ قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلِأَنَّهَا إنْ لَبِسَتْهُ بَعْدَ أَنْ سَالَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ لَهَا الْمَسْحُ؛ لِأَنَّهَا لَبِسَتْ الْخُفَّ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (مَسْحُ جَوْرَبٍ جِلْدٍ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ)
ش: قَوْلُهُ مَسْحُ هُوَ نَائِبُ فَاعِلِ رُخِّصَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْجَوْرَبُ مَا كَانَ عَلَى شَكْلِ الْخُفِّ مِنْ كَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: جِلْدٍ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ " أَيْ مِنْ فَوْقِ الْقَدَمِ وَتَحْتِهَا، وَلَا يُرِيدُ بِالْبَاطِنِ مَا يَلِي الرِّجْلَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْنِ عَلَى خُفَّيْنِ مَسَحَ عَلَى الْأَعْلَى مِنْهُمَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَكَانَ يَقُولُ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُمَا وَتَحْتَهُمَا جِلْدٌ مَخْرُوزٌ وَقَدْ بَلَغَ الْكَعْبَيْنِ فَيُمْسَحُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا أَصْلًا، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ " مِنْ فَوْقِهِمَا وَمِنْ تَحْتِهِمَا جِلْدٌ مَخْرُوزٌ " أَيْ أَنَّ الْجِلْدَ مِنْ فَوْقِ الْقَدَمِ وَمِنْ تَحْتِ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ مِنْ تَحْتِهِمَا مَا يَلِي الرِّجْلَ، انْتَهَى.
وَالْجُرْمُوقَانِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ جَوْرَبٌ مُجَلَّدٌ مِنْ تَحْتِهِ وَمِنْ فَوْقِهِ.
ص (وَخُفٍّ وَلَوْ عَلَى خُفٍّ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَوْ كَانَا فَوْقَ خُفَّيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَيَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِلَوْ وَالْخِلَافُ جَارٍ سَوَاءٌ لَبِسَ الْأَعْلَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْأَسْفَلَيْنِ أَوْ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَزَعَمَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا لَبِسَ الْأَعْلَيَيْنِ عَقِبَ طَهَارَةِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَأَمَّا إذَا لَبِسَ الْأَوَّلَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفًّا آخَرَ ثُمَّ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْأَعْلَى قَوْلًا وَاحِدًا وَتَأْوِيلُهُ هَذَا لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ الْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ مُطْلَقًا، بَلْ الصُّورَةُ الَّتِي جَعَلَ فِيهَا الْخِلَافَ هِيَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ قَوْلًا وَاحِدًا وَاَلَّتِي جَعَلَ فِيهَا الْجَوَازَ قَوْلًا وَاحِدًا هِيَ أَحْرَى بِالْخِلَافِ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) شَرْطُ مَسْحِهِ عَلَى الْأَعْلَيَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَبِسَهُمَا وَهُوَ عَلَى الطُّهْرِ الَّذِي لَبِسَ بَعْدَهُ الْأَسْفَلَيْنِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَمَسَحَ عَلَى الْأَسْفَلَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَيْنِ عَلَى طُهْرٍ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ الْأَعْلَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَمْسَحَ عَلَى الْأَسْفَلَيْنِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الْأَعْلَيَيْنِ ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ يُونُسَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَلْبَسَ خُفًّا عَلَى خُفٍّ، أَوْ جَوْرَبًا مُجَلَّدًا عَلَى خُفٍّ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَا لَوْ لَبِسَ جَوْرَبًا تَحْتَ الْخُفِّ، أَوْ لَفَّ عَلَى رِجْلَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِمَا لَفَائِفَ ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفُّ فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ لَبِسَ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ خُفَّيْنِ وَفِي الْأُخْرَى خُفًّا وَاحِدًا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ نَزَعَ إحْدَى الْخُفَّيْنِ الْأَعْلَيَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ نَزْعٌ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَنَّهُ إذَا نَزَعَ إحْدَى الْأَعْلَيَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ الْآخَرِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ أَنَّ مِنْ حُجَّةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقِيَاسَ عَلَى مَا إذَا لَبِسَ خُفَّيْنِ عَلَى نَعْلَيْنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الْمِهْمَازُ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَنَصُّهَا: " وَسُئِلَ عَنْ الرُّكُوبِ بِالْمَهَامِيزِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَرَاهُ خَفِيفًا ". ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُمْلَكُ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا مَا أَذِنَ اللَّهُ مِنْ رُكُوبِهَا إلَّا بِهِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ فَقِيلَ: لِسَحْنُونٍ فَإِذَا سَافَرَ بِمَهَامِيزَ هَلْ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ وَلَا يَنْزِعُ الْمَهَامِيزَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَرَاهُ خَفِيفًا.
ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ شَأْنُهُ التَّخْفِيفُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَتَبَّعَ الْغُضُونَ وَقَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِمَّا سَتَرَهُ الْمَهَامِيزُ؟ انْتَهَى.
وَحَكَاهَا فِي النَّوَادِرِ بِلَفْظِ: قَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ بِالْمَهَامِيزِ وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَلَا يَنْزِعُهَا، وَهَذَا خَفِيفٌ.
(قُلْتُ) فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ عَدَمَ نَزْعِ الْمَهَامِيزِ خَاصٌّ بِالْمُسَافِرِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ وَلَا يَنْزِعُهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وَلَا يَنْزِعُهُمَا لِلْمَسْحِ، وَلَا بَعْدَهُ، يَعْنِي لِأَنَّهُ صَارَ بَعْضَ الْمَمْسُوحِ فَإِذَا نَزَعَهُ صَارَ لُمْعَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ سَحْنُونٍ جَوَازُ الرُّكُوبِ بِالْمَهَامِيزِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ فِي الْحَجِّ عَلَى الدَّوَابِّ وَأَكْرَهُ الْمَهَامِيزَ يُدْمِيهَا، وَلَا يُصْلِحُ الْفَسَادَ وَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَقَهَا وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْخُسَهَا حَتَّى يُدْمِيَهَا، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَا ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْمَهَامِيزِ بَيِّنٌ لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالرَّاكِبِ
وَشَأْنُ الرُّخَصِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ تَكُونَ أَسْبَابُهَا عَامَّةً قَالَ ابْنُ نَاجِي: غَيْرُ الرَّاكِبِ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى ذَلِكَ.
ص (طَاهِرٍ) ش: فَلَا يُمْسَحُ عَلَى خُفٍّ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، وَلَوْ دُبِغَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ.
ص (وَسَتَرَ مَحَلَّ الْفَرْضِ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا قُطِعَ الْخُفُّ إلَى فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ شُرِخَ عَلَى مَوْضِعِ الْغَسْلِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَلَلٌ لَا يُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ فِيهِ شَرْخٌ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ فَإِذَا غَلَقَهُ جَازَ الْمَسْحُ وَإِذَا فَتَحَ غَلْقَهُ بَطَلَ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُبَيِّنُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَشَى بَانَ مِنْهُ، انْتَهَى.
ص (بِطَهَارَةِ مَاءٍ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ وُضُوءٍ، أَوْ غُسْلٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِمَا فِي طَهَارَةِ الْغُسْلِ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا تَضَمَّنَ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ اللُّبْسِ، وَطَهَارَتُهُمَا تَحْصُلُ مِنْ الْوُضُوءِ كَمَا تَحْصُلُ مِنْ الْغُسْلِ، انْتَهَى.
وَقَبِلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ فِي الطِّرَازِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُمْسَحُ عَلَى لُبْسٍ عَلَى طَهَارَةِ الْغُسْلِ، لَا أَعْرِفُهُ.
(قُلْتُ) وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّخْمِيّ يَصِحُّ الْمَسْحُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: لُبْسُهُمَا وَهُوَ كَامِلُ الطَّهَارَةِ وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَادَةِ لَا يُخَفِّفُ عَلَى نَفْسِهِ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَكَوْنُهُ مُتَوَضِّئًا لَا مُتَيَمِّمًا وَكَوْنُ طَهَارَتِهِ الْآنَ لِلْوُضُوءِ لَا لِغُسْلِ جَنَابَةٍ، وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطَّهَارَةُ الَّتِي يُمْسَحُ فِيهَا لِقَوْلِهِ وَكَوْنُ طَهَارَتِهِ الْآنَ وَلَعَلَّ لَفْظَةَ " الْآنَ " سَقَطَتْ مِنْ نُسْخَةِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) وَيَدْخُلُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ مَا إذَا لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْنِ آخَرَيْنِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْأَعْلَيَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ
ص (وَعِصْيَانٍ بِلُبْسِهِ، أَوْ سَفَرِهِ) . ش قَالَ فِي الطِّرَازِ قُلْنَا: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ فَهَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ، وَلَا يَتَرَخَّصُ بِرُخْصَةٍ حَتَّى يَتُوبَ، وَقِيلَ: يَمْسَحُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ لَا تَخْتَصُّ رُخْصَتُهُ بِالسَّفَرِ حَتَّى إذَا جَعَلْنَا سَفَرَهُ مَلْغِيًّا لَا حُكْمَ لَهُ وَجَبَ أَنْ يُبْقِيَ رُخَصَ السَّفَرِ وَيُلْغِيَ مَعَهُ فَاللُّبْسُ عَلَى هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِحَالٍ، وَلَا بِسَفَرٍ وَلَا بِحَضَرٍ، انْتَهَى.
ص (لَا أَقَلَّ إنْ الْتَصَقَ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا لَا دُونَهُ إنْ الْتَصَقَ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ وَقَفَ عَلَى نُسْخَةٍ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كِلْتَا اللَّفْظَتَيْنِ لَيْسَتَا فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّهُ رَأَى بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ فِي حَاشِيَةِ الْمُبَيَّضَةِ أَنِّي مُقْتَصِرٌ فِي هَذَا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ أَحَدِ اللَّفْظَتَيْنِ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَلَفْظَةُ " لَا أَقَلَّ " أَخَصْرُ فَهِيَ أَوْلَى، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفِيهِ طُولٌ وَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَاتِ فَاسْتَقْرَيْنَا مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخَرْقِ الْيَسِيرِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخَرْقِ الْكَبِيرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ وَقَامَتْ الْأَدِلَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ