مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 201-240
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابِ الطَّهَارَةِ

صفحات 201-240
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي الْجِسْمِ يَكُونُ حَائِلًا إلَّا إذَا كَانَ رَقِيقًا جِدًّا كَاَلَّذِي يَعْمَلُهُ النِّسَاءُ فِي أَظْفَارِهِنَّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَبْقَى أَثَرُهُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى رِقَّةِ الْعَفْصِ وَثُخْنِهِ وَتَجَسُّدِهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ التُّونُسِيِّينَ فِي النَّشَادِرِ فَقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِلُمْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَقِيلَ: لُمْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَشَّرُ وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّائِلَ قِشْرَةُ الْيَدِ لِحَرَارَةِ مَائِهَا وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ الْقَيْرَوَانِيُّ بِأَنَّ الْحُرْقُوصَ لُمْعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ مِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الشَّفَتَيْنِ انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِالسِّوَاكِ الْجَوْزَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمِدَادُ فَجَعَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَائِلِ وَنَصُّهُ أَثَرُ كَلَامِهِ السَّابِقِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا مِنْ مِثْلِهِ فَهَلْ يُعْفَى عَنْهُ وَيَنْتَقِلُ الْفَرْضُ لِلْجِسْمِ الْحَائِلِ كَمَا فِي الظُّفْرِ يُكْسَى مَرَارَةً مِنْ ضَرُورَةٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَعَلَى يَدَيْهِ مِدَادٌ فَرَآهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عَلَى حَالِهِ: إنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ إذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى الْمِدَادِ، ثُمَّ قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي كَتَبَ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْكَاتِبَ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْكَاتِبِ، وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الْمِدَادِ وَاضِحٌ فِي إعْطَاءِ الْمِدَادِ حُكْمَ مَا تَحْتَهُ، فَإِنْ قِيلَ: الْمِدَادُ غَيْرُ حَائِلٍ وَإِنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ مَا يَصْبُغُ كَالْحِنَّاءِ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحِنَّاءَ تُزَالُ وَيَبْقَى أَثَرُهَا بِخِلَافِ الْمِدَادِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ حَائِلٍ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ هُوَ الْكَاتِبَ مَعْنًى انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ قَبْلَ فَصْلِ التَّيَمُّمِ بِيَسِيرٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَفْظُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ: وَمَنْ تَوَضَّأَ عَلَى مِدَادٍ بِيَدِهِ لَمْ يَضُرَّهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى مِدَادِ يَدَيْهِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى مِدَادٍ بِيَدِهِ أَجْزَأَهُ وَعَزَاهُ الطِّرَازُ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَقَيَّدَهُ بِالْكَاتِبِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِرِقَّتِهِ وَعَدَمِ تَجَسُّدِهِ إذْ هُوَ مِدَادُ مَنْ مَضَى انْتَهَى.
(قُلْتُ) قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ بِالْكَاتِبِ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ أَنَّ الْمُقَيِّدَ لَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَمُحَمَّدٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ فَإِنَّ لَفْظَهُ: ثُمَّ قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي كُتِبَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا مِنْ الرِّوَايَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَقْيِيدَ بَعْضِ شُيُوخِ ابْنِ عَرَفَةَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ إنَّ الْكَاتِبَ قَيَّدَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا إلَخْ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ غَازِيٍّ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ السُّيُورِيّ هَلْ يَلْزَمُ زَوَالُ وَسَخِ الْأَظْفَارِ فِي الْوُضُوءِ؟ فَأَجَابَ لَا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِهَذَا إنْ أَطَعْتَنِي وَاتْرُكْ الْوَسْوَاسَ وَاسْلُكْ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ الصَّالِحِ تَسْلَمْ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: أَرَادَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ تَرْكُ هَذَا التَّعَمُّقِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْعَجِينِ وَالْمِدَادِ فِي الظُّفْرِ الَّذِي فِيهِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ هَذَا حُكْمُ دَاخِلِ الْجِسْمِ وَلِتَكَثُّرِهِ فِي الْإِنْسَانِ فَأَشْبَهَ مَا عُفِيَ عَنْهُ مِنْ جِلْدِ الْبَثْرَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَخْلُو الْجِسْمُ مِنْهُ غَالِبًا وَإِنْ كَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ حَكَى فِيهِ الْخِلَافَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَظَاهِرُ الشَّرِيعَةِ التَّسَامُحُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَا وَسْوَسَةٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَذَكَرَ نَحْوَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَخْلِيلِ قَصِّ الْأَظْفَارِ إذْ قَدْ يَحْصُلُ تَحْتَهَا مَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا فِيمَا لَمْ يَطُلْ مِنْهَا طُولًا غَيْرَ مُعْتَادٍ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَمَا يَكُونُ تَحْتَ رُءُوسِ الْأَظْفَارِ مِنْ الْوَسَخِ مَانِعٌ إذَا طَالَتْ انْتَهَى.
يُرِيدُ إذَا خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَبِيِّ وَبِهَذَا أَيْضًا يُقَيَّدُ إطْلَاقُ الْبُرْزُلِيِّ وَمَا فِي نَظْمِ قَوَاعِدِ ابْنِ رُشْدٍ أَعْنِي قَوْلَهُ

وَوَسَخُ الْأَظْفَارِ إنْ تَرَكْتَهُ ... فَمَا عَلَيْكَ حَرَجٌ أَوْ زِلْتَهُ.

(فَرْعٌ) قَدْ يَتَرَبَّى عَلَى الشَّعْرِ الَّذِي فِي الْإِبْطِ وَفِي رَأْسِ الْفَخْذَيْنِ شَيْءٌ مِنْ الْوَسَخِ وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ، وَيَلْتَصِقُ بِالشَّعْرِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْحَكِّ وَيَكْثُرُ ذَلِكَ وَيَشُقُّ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ إذَا لَمْ يُتْرَكْ الشَّعْرُ مُدَّةً طَوِيلَةً تَزِيدُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ وَفِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَأَمَّا مَا يُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ مِنْ حِنَّاءَ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا يَكْثُرُ بِهِ الشَّعْرُ مِنْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، وَكَذَا الْكَلَامُ عَلَى التَّلْبِيدِ وَقَدْ أَطَلْتُ الْكَلَامُ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمَسْحُ مَا عَلَى الْجُمْجُمَةِ) ش: هَذِهِ الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَهِيَ مَسْحُ الرَّأْسِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِهِ وَاجِبٌ فَإِنْ تُرِكَ بَعْضُهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُجْزِئُ الثُّلُثَانِ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الثُّلُثُ وَقَالَ أَشْهَبُ: تُجْزِئُ النَّاصِيَةُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ يَعُمَّ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَكَيْفَمَا مَسَحَ أَجْزَأَهُ إذَا أَوْعَبَ رَأْسَهُ.
ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ بَعْضَهُ وَإِنْ قَلَّ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ وَيَصِحُّ فِي عَلَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّف: مَا عَلَى الْجُمْجُمَةَ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ الْعُلُوِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: 4] وَعَلَى هَذَا فَالْجُمْجُمَةُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَلَا يَصِحُّ هُنَا أَنْ تَكُونَ اسْمًا لِعَدَمِ دُخُولِ مِنْ عَلَيْهَا وَأَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ وَالْجُمْجُمَةُ مَجْرُورَةً بِهَا، وَالْجُمْجُمَةُ هِيَ عَظْمُ الرَّأْسِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الدِّمَاغِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ مَسْحُ مَا عَلَى الْجُمْجُمَةِ فَائِدَتَيْنِ الْأُولَى: أَنَّ الْفَرْضَ مَسْحُ مَا كَانَ فَوْقَ الْجُمْجُمَةِ مِنْ الشَّعْرِ إنْ كَانَ ثَمَّ شَعْرٌ أَوْ الْجِلْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَعْرٌ، فَالشَّعْرُ هُوَ الْأَصْلُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ غَسْلِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ فِيهِ.

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] إنْ رَاعَيْنَا الِاشْتِقَاقَ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا عَلَا فَيَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الشَّعْرَ لِعُلُوِّهِ وَالْبَشَرَةَ عِنْدَ عَدَمِهِ لِعُلُوِّهِ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّعٍ وَلَا رُخْصَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الرَّأْسَ هُوَ الْعُضْوُ فَثَمَّ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْسَحُوا شَعْرَ رُءُوسِكُمْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَسْحُ الْبَشَرَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي عَدَمِ الشَّعْرِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ الشَّعْرُ أَصْلًا فِي الرَّأْسِ فَرْعًا فِي اللِّحْيَةِ وَالْأَصْلُ الْوَجْهُ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّ مُنْتَهَى الرَّأْسِ آخِرُ الْجُمْجُمَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ سَنَدٌ: وَأَمَّا آخِرُهُ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُنْتَهَى الْجُمْجُمَةِ حَيْثُ يَتَّصِلُ عَظْمُ الرَّأْسِ بِفَقَارِ الْعُنُقِ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: إلَى آخِرِ مَنْبَتِ الشَّعْرِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُبَايِنٌ لِلرَّأْسِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُوضِحَةٌ كَمَا فِي الرَّأْسِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَأ الْوَجْهِ وَآخِرُهُ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ وَقِيلَ: مَنَابِتُ شَعْرِ الْقَفَا الْمُعْتَادِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِهِ كَابْنِ هَارُونَ وَابْنِ رَاشِدٍ وَالْأَبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَعَزَوْا الشَّاذَّ لِابْنِ شَعْبَانَ، وَنَحْوُهُ لِلْقَرَافِيِّ وَالْفَاكِهَانِيِّ وَابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَعَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي صِفَةِ الْمَسْح: يَبْدَأُ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ.
فَفَهِمَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ كَقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ فَقَالَ فِي حَدِّ الرَّأْسِ: وَهُوَ مِنْ مُلَاصِقِ الْوَجْهِ، وَآخِرُهُ فِيهَا، وَفِي سَمَاعِ مُوسَى رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ حَتَّى آخِرَ شَعْرِ الْقَفَا وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ شَعْبَانَ وَجَعَلَ الْمَذْهَبَ حَتَّى آخِرَ الْجُمْجُمَةِ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي سَمَاعِ مُوسَى قَالَ مَالِكٌ: يَمْسَحُ رَأْسَهُ فَيَمُرُّ بِيَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى قَفَاهُ.
(قُلْتُ) وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا الرَّأْسُ فَهُوَ مَا صَعِدَ عَنْ الْجَبْهَةِ إلَى آخِرِ الْقَفَا طُولًا وَإِلَى الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا، وَكَذَا فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ كُلَّهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ

صَاحِب الطِّرَازِ وَيُمْكِنُ رَدُّ ذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إلَى آخِرِ شَعْرِ رَأْسِهِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ.
(الثَّانِيَةُ) الْقَفَا مَقْصُورٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَجَمْعُهُ أَقْفِيَةٌ وَقُفِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَفِيهِ لُغَاتٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْجَمِيعِ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَكَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِي يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الْخِلَافَ ابْتِدَاءً فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ أَرَهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَلَمْ يَرْتَضِ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ قَالَ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ إثْرَ ذِكْرِهِ الْأَقْوَالَ.
هَذَا الْقَدْرُ الْوَاجِبُ وَالْكَمَالُ فِي الْإِكْمَالِ اتِّفَاقًا وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً وَهُوَ ظَاهِرُ عَزْوِ ابْنِ رُشْدٍ لِأَشْهَبَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ تَرَكَ غَيْرَ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وُضُوءُهُ جَائِزٌ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُتَعَلِّقُ الْإِجْزَاءِ ظَاهِرُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَقْوَالٍ وَمَذَاهِبَ لَا فِي مُرَاعَاةِ خِلَافٍ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ شَيْءٍ قَبْلَ فِعْلِهِ وَسُقُوطِهِ بِتَرْكِهِ لَا عَلَى مَعْنَى رَعْيِ الْخِلَاف لَا يُعْقَلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِانْقِلَابِ الْوَاجِبِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَقَوْلُهُ: مُتَعَلِّقُ الْإِجْزَاءِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ عَزْوِ ابْنِ رُشْدٍ لِأَشْهَبَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى إجَازَةِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ سَنَدٌ: وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّ مَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَعُمَّهُ؟ فَقَالَ: يُعِيدُ أَرَأَيْت إنْ غَسَلَ بَعْضَ وَجْهِهِ وَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرٌ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الْوَجْهِ فَكَمَا لَمْ يَقَعْ الِامْتِثَالُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ بِالِاسْتِيعَابِ كَذَلِكَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَاعْتِبَارًا بِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَفْعَالُ الْقُرَبِ تُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَأَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ يَبْطُلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: 43] وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ» كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَجْزَأَهُ الْمَسْحُ عَلَى النَّاصِيَةِ لَمَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ لِلضَّرُورَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَأَكْثَرُهُ يُجْزِئُ عَنْ أَقَلِّهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّ الثُّلُثَ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ الْأَخْذُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ (الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ الثَّانِي: اُنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فِي قَوْلٍ أَوْ بَعْضِ شَعْرَةٍ فِي قَوْلٍ؟ لَكِنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ رَأْسَهُ ظَاهِرُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ مُعْتَبَرٍ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ فَقَالَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ لَمْ يَعُمَّ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ بِإِجْزَاءِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَعُمَّ عُرْفًا أُخِذَ جُزْءٌ جَيِّدٌ مِنْهُ.
(قُلْتُ) وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ مِنْ سَمَاع أَشْهَبَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى إجَازَةِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَشْهَبُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَذَهَبَ أَشْهَبُ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ تَبَعًا لِابْنِ هَارُونَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ قَوْلُهُ الْمُطْلَقُ إلَى قَوْلِهِ الْمُقَيَّدِ، زَادَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَفْظُهُ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ لِقَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَعُمَّ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنَّهُ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ الْمُقَيَّدِ بِالنَّاصِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ: إنَّمَا شَرَّكَ بَيْنَهُمْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْبَعْضِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَكُلُّ

هَذَا الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ إذَا وَقَعَ الْمَسْحُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَكْفِي بَعْضُهُ اتِّفَاقًا، وَضَعَّفَهُ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُدَاءَةِ بِالْمُقَدَّمِ أَوْ بِغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَيُرَدُّ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَطِيَّةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى النَّصِّ بِذَلِكَ فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ اتِّفَاقًا إنَّمَا هِيَ حَيْثُ التَّعْمِيمِ، أَمَّا حَيْثُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ غَرِيبٌ وَمَا قَالَهُ الشَّبِيبِيُّ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَانْظُرْ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ كَافِيًا فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَمْسُوحُ مِمَّا يُحَاذِي الرَّأْسَ إذَا كَانَ الشَّعْرُ طَوِيلًا؟ فَإِنْ كَانَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ يَذْهَبُ إلَى سُقُوطِ مَسْحِ مَا اسْتَدْلَى مِنْ الشَّعْرِ عَلَى الرَّأْسِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ مَسْحُ مَا طَالَ مِنْ الشَّعْرِ.
(قُلْتُ) هَذَا الرَّدُّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ بَحْثَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي صِفَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَيُفْرِغُهُ عَلَى بَاطِنِ يَدِهِ الْيُسْرَى قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: يَعْنِي وَيُرْسِلُهُمَا حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِمَا إلَّا الْقَلِيلُ وَإِنْ شَاءَ غَمَسَهُمَا فِي الْمَاءِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا لَكِنَّ اخْتِيَارَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلُ وَاخْتِيَارَ مَالِكٍ الْأَخِيرُ اسْتِحْبَابًا فِيهِمَا انْتَهَى.
(السَّادِسُ) اُخْتُلِفَ إذَا جَفَّ الْبَلَلُ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ اسْتِيعَابِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ يُجَدِّدُ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: قَدْ يَكْثُرُ الْمَاءُ فَيَكْفِي الْمُسَبِّحَةُ الْوَاحِدَةُ وَقَدْ يَقِلُّ فَتَكُونُ اثْنَيْنِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْحِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُجَدَّدُ وَقَالَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ مُوسَى أَنَّ مَسْحَهُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، وَعَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ الْأَوَّلُ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَيْسَ فِيهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَيَّدَ عَبْدُ الْحَقِّ إجْزَاءَ الْأُصْبُعِ بِتَكْرَارِ إدْخَالِهَا فِي الْمَاءِ، زَادَ ابْنُ نَاجِي وَأَطْلَقَهُ اللَّخْمِيُّ.
(قُلْتُ) سَبَقَ عَبْدَ الْحَقِّ بِالتَّقْيِيدِ الْمَذْكُورِ صَاحِبُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ رِوَايَةَ الْعُتْبِيَّةِ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ تَكَرُّرَ بَلَلِ أُصْبُعِهِ بِالْمَاءِ، وَكَذَا ابْنُ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ وَنَصُّهُ: يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ وَلَا يُؤْمَرُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي صِفَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ تَرْجِيحٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بِالْمَاءِ أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْمَحَلِّ، وَيُفَارِقُ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّأْسَ هُوَ الْمُطَهَّرُ بِالْمَاءِ وَالْخُفُّ لَيْسَ هُوَ الْمُطَهَّرُ وَإِنَّمَا الْمُطَهَّرُ الرِّجْلُ فَلَا مَعْنَى لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَحَلٍّ لَا يَتَطَهَّرُ، لَكِنْ شُرِعَ نَقْلُ الْمَاءِ فِيهِ ابْتِدَاءً وَلِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ لَهُ تَأْكِيدُ الْأَصْلِيَّةِ وَمَسْحَ الْخُفِّ لَهُ تَخْفِيفُ الْبَدَلِيَّةِ وَلِأَنَّ الْمَاءَ يُفْسِدُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَيْفِيَّةِ نَقْلِ الْمَاءِ وَحُكْمِهِ إذَا مَسَحَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ وَذِرَاعَيْهِ فِي الدَّلْكِ.
(السَّابِعُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَبْدَأَ الْمَسْحِ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَجْهِ فَإِنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مَبْدَأٌ لِلْوَجْهِ وَلِلرَّأْسِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَبْدَؤُهُ مِنْ عِنْدِ الْوَجْهِ الثَّانِي.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَيَمْسَحُ الرَّأْسَ إلَخْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْهُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (بِعَظْمِ صُدْغَيْهِ مَعَ الْمُسْتَرْخِي) ش: مَا ذَكَرَهُ هُوَ حَدُّ الرَّأْسِ عَرْضًا وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، يَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجُمْجُمَةِ مَعَ مَا عَلَى عَظْمَاتِ صُدْغَيْهِ مَعَ مَا اسْتَرْخَى مِنْ الشَّعْرِ وَطَالَ وَلَوْ نَزَلَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصُّدْغَ هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَأَنَّ مَا كَانَ عَنْهُ فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ عَلَى الْعَارِضَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ النَّزَعَتَانِ وَمَوْضِعُ

التَّحْذِيفِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي دَوْرِ الْوَجْهِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيَمْسَحُ النَّزَعَتَيْنِ وَمَا ارْتَفَعَ إلَى الرَّأْسِ مِنْ شَعْرِ الصُّدْغَيْنِ وَيَمْسَحُ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: يَمْسَحُ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَشَعْرِ الرَّأْسِ خَلْفَ الْأُذُنِ، وَمَتَى تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ جُزْءًا مِنْ الرَّأْسِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسْحِ شَعْرِ الْمُسْتَرْخِي عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَتَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا كَالرَّجُلِ وَتَمْسَحُ عَلَى الْمُسْتَرْخِي مِنْ شَعْرِهَا نَحْوَ الدَّلَالَيْنِ، وَكَذَلِكَ الطَّوِيلُ الشَّعْرِ مِنْ الرِّجَالِ، وَالدَّلَالَيْنِ تَثْنِيَةُ دَلَالٍ هُوَ مَا اسْتَرْخَى مِنْ الشَّعْرِ قَالَ عِيَاضٌ هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَرْخَى عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ، وَعَزَاهُ ابْنُ نَاجِي لِأَبِي الْفَرَجِ وَابْنِ عَرَفَةَ لِلْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ لِظَاهِرِ مَا فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ لَيْسَ بِرَأْسٍ.
قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ لَمَّا نَبَتَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِهِ كَمَا أَنَّ مَا نَبَتَ فِي الْحَرَمِ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْحَرَمِ وَإِنْ طَالَ وَخَرَجَ عَنْهُ إلَى الْحِلِّ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ مَسْحُ الْمُنْسَدِلِ فَهَلْ يُسَنُّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَوْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَمْسَحَ إلَى قَفَاهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِاسْتِيعَابِهِ كَمَالُ الْإِيعَابِ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ (قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ الِاسْتِحْبَابُ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ مَطْلُوبٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ عَارَضَ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ فِي الضَّحَايَا لَا بَأْسَ بِصَيْدِ طَائِرٍ عَلَى غُصْنٍ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يُحْكَمْ لِلْفَرْعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ وَرَدَّهُ ابْنُ نَاجِي بِأَنَّ وِزَانَ مَا طَالَ مِنْ الشَّعْرِ طَرَفُ الْغُصْنِ لَا الطَّائِرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ) ش: الضَّفْرُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَتْلُ الشَّعْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَالْعَقْصُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ جَمْعُ مَا ضُفِرَ مِنْهُ قُرُونًا صِغَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَهُوَ مَصْدَرُ عَقَصَ شَعْرَهُ يَعْقِصُهُ عَقْصًا، قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَقْصُ ضَرْبٌ مِنْ الضَّفْرِ وَهُوَ أَنْ يَلْوِيَ الشَّعْرَ عَلَى الرَّأْسِ، وَقَالَ اللَّيْثُ هُوَ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ كُلَّ خُصْلَةٍ مِنْ شَعْرِهَا فَتَلْوِيَهَا ثُمَّ تَعْقِدَهَا فَيَبْقَى فِيهَا الْتِوَاءٌ ثُمَّ تُرْسِلَهَا فَكُلُّ خُصْلَةٍ عَقِيصَةٌ وَرُبَّمَا اتَّخَذَتْ الْمَرْأَةُ عَقِيصَةً مِنْ شَعْرِ غَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: عَقَصَتْ شَعْرَهَا شَدَّتْهُ فِي قَفَاهَا وَلَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: عَقِيصَةٌ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ فِي تَقْيِيدِ أَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ الْعَقْصُ أَنْ تَجْمَعَ ضَفْرَهُ وَتَرْبِطَهُ بِخَيْطٍ وَالضَّفْرُ أَنْ تَرْبِطَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّ الْعَقْصَ جَمْعُ عِقَاصٍ قَالَ: وَهُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْمَرْأَةُ مَا تَضْفُرُهُ مِنْ شَعْرِهَا إلَى خَلْفِهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ شَعْرُهَا مَعْقُوصًا مَسَحَتْ عَلَى ضَفْرِهَا وَلَا تَنْقُضُ شَعْرَهَا قَالَ فِي الطِّرَازِ: لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ التَّخْفِيفُ وَفِي نَقْضِ الشَّعْرِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ أَعْظَمُ مَشَقَّةٍ وَلِأَنَّ الْعِقَاصَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَفَا فَأَمْرُهُ خَفِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَأْتِي عَلَيْهِ الْمَسْحُ وَمَا انْسَدَلَ مِنْ الشَّعْرِ عَنْ الْقَفَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعْقُوصًا وَمَرَّ الْمَسْحُ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْعِقَاصِ فَهُوَ يُعَدُّ مَمْسُوحًا مَعَ خِفَّةِ أَمْرِهِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْكِتَابِ: تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى وَجْهِ شَعْرِهَا الْمَعْقُوصِ وَالضَّفَائِرِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تَنْقُضُ عِقَاصَهَا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: ضَفْرَهُ عَائِدٌ إلَى مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الرُّتْبَةِ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ: إنَّهُ يَعُودُ إلَى الشَّعْرِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ حَلُّ الْعِقَاصِ لَمْ يَلْزَمْ حَلُّ الضَّفْرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَقْضِ الضَّفْرِ عَدَمُ نَقْضِ الْعَقْصِ؛ لِأَنَّ

الْعَقْصَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ هُوَ جَمْعُ مَا ضُفِرَ مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تَمْسَحُ عَلَى عِقَاصِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهَا وَلَا تَنْقُضُ شَعْرَهَا وَقَدْ نَسَبَ فِي الذَّخِيرَةِ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ الْمَعْقُوصِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْعَقِيصَةُ الَّتِي يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مَا تَكُونُ بِخَيْطٍ يَسِيرٍ وَأَمَّا لَوْ كَثُرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَائِلٌ قَالَ الْبَاجِيُّ وَكَذَلِكَ لَوْ كَثَّرَتْ شَعْرَهَا بِصُوفٍ أَوْ شَعْرٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الِاسْتِيعَابِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ أَصْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ قُرُونُ شَعْرِهَا مِنْ شَعْرِ غَيْرِهَا أَوْ مِنْ صُوفٍ أَسْوَدَ كَثَّرَتْ بِهِ شَعْرَهَا لَمْ يُجْزِهَا الْمَسْحُ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْزِعَهُ إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى شَعْرِهَا مِنْ أَجَلِهِ، وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة» وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَإِذَا كَانَ مَا كَثَّرَتْ بِهِ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْقَفَا أَوْ نَازِلًا عَنْهُ دَخَلَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي مَسْحِ مَا انْسَدَلَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: هَذَا إذَا كَانَ عِقَاصُهَا مِثْلَ عِقَاصِ الْعَرَبِ تَفْتِلُهُ ضَفَائِرَ صِغَارًا وَتَرْبِطُهُ بِالْخَيْطِ وَالْخَيْطَيْنِ، وَأَمَّا إنْ فَتَلَتْهُ عَلَى نَاحِيَتَيْنِ وَأَكْثَرَتْ عَلَيْهِ الْخُيُوطَ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِّهِ وَإِنْ مَسَحَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَنَحْوُهُ لِلْجُزُولِيِّ.
(قُلْتُ) وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا كَانَ مَا كَثَّرَتْ بِهِ شَعْرَهَا ظَاهِرًا فَوْقَ الشَّعْرِ فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مُسْتَبْطَنِ الشَّعْرِ فَلَا يَضُرُّ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنَّاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَصْلُ الشَّعْرِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَهَذَا إذَا وُصِلَ بِمَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ، وَأَمَّا خَيْطُ الْحَرِيرِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَغَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا قُصِدَ بِهِ الْوَصْلُ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ التَّجَمُّلُ وَالتَّحْسِينُ نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ الْإِكْمَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا تَنْقُضُ عَقْصَهَا: يَعْنِي وَلَكِنْ تَسْقِيهِ الْمَاءَ وَتَضْغَثُهُ بِيَدِهَا ضَغْثًا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ دَاخَلَ الشَّعْرَ وَبَلَّ الْبَشَرَةَ.
وَهَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ سَرَى ذِهْنُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى الْغُسْلِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَلَوْ رَفَعَتْ الضَّفَائِرَ مِنْ أَجْنَابِ الرَّأْسِ وَعَقَصَتْ الشَّعْرَ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ وَهُوَ لَوْ تُرِكَ انْسَدَلَ عَنْ الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ حَائِلٌ دُونَ مَا يَجِبُ مَسْحُهُ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هُوَ كَالْعِمَامَةِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّأْسِ حِنَّاءُ فَلَا تَمْسَحُ حَتَّى تَنْزِعَهُ فَتَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ.
قَالَ فِي الطِّرَازِ: إنَّ جَعْلَ الْحِنَّاءِ لِلضَّرُورَةِ وَالتَّدَاوِي مِنْ حَرٍّ وَشِبْهِهِ جَازَ وَلَا يَجِبُ نَزْعُهُ كَالْقِرْطَاسِ عَلَى الصُّدْغِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَاسَّةٍ وَهِيَ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ إيصَالَ الْمَسْحِ لِلرَّأْسِ كَالثَّوْبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ حِنَّاءٌ وَكَانَتْ لِضَرُورَةٍ فَهِيَ كَالدُّهْنِ يُمْسَحُ عَلَيْهَا كَالْحَائِلِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَعْضِهِ فَإِنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ مَسَحَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى مَا بَقِيَ عَلَى قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي الْقَدْرِ الْمُجْزِئِ، وَلَا يُجْزِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا إذَا كَانَ الْجَمِيعُ.
(قُلْتُ) قَوْلُهُ: إنْ كَانَ التَّدَاوِي فَلَا يَنْزِعُهُ يُرِيدُ إذَا خَافَ بِنَزْعِهِ ضَرَرًا فَإِنْ كَانَ الْحِنَّاءُ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ وَهُوَ لِضَرُورَةٍ مَسَحَ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ وَعَلَى الْحِنَّاءِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ نَزَعَهُ، فَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْحِنَّاءِ وَكَانَ عَلَى جَمِيعِ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِهِ وَذَلِكَ وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الرَّأْسِ قَالَهُ ابْنُ نَاجِي وَذَكَرَ الشَّيْخُ زَرُّوق عَنْ شَيْخِهِ الْقُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأُفْتِي النِّسَاءَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْحِنَّاءِ

لِأَنَّا إذَا مَنَعْنَاهُمْ مِنْهُ تَرَكْنَ الصَّلَاةَ وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ فِعْلِهَا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فَارْتِكَابُ الْأَخَفِّ أَوْلَى فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) يُشِيرُ بِالْخِلَافِ إلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ بِجَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فِي الْفَرْعِ الْآتِي بَعْدَهُ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا وَلَا غَيْرِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ أَعَادَتْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ.
قَالَ فِي الطِّرَازِ: يُرِيدُ إذَا أَمْكَنَهَا الْمَسْحُ عَلَى رَأْسِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ اخْتِيَارًا وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاشْتَرَطَ ابْنُ حَنْبَلٍ أَنْ يُلْبَسَ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ تَكُونَ الْعِمَامَةُ تَحْتَ الْحَنَكِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهَا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَوَازِ إذَا مَسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ وَمُتَعَلِّقُهُمْ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَمَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّهُ «مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ مَسَحَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ» قَالَ: وَحُجَّتُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَالْعِمَامَةُ لَا تُسَمَّى رَأْسًا، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ الْبَاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَأَنَّهُ قَالَ امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ نَفْسَهَا وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمَرَافِقِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ» الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ» وَكَانَ قَدْ مَسَحَ رَأْسَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ فِيهِ لَكَانَ مَسْحُهَا شَرْطًا وَلَا قَائِلَ بِهِ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُعْرَفْ لِذَلِكَ نَكِيرٌ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ فَإِنْ مَسَحَتْ عَلَى الْخِمَارِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَعَادَتْ الصَّلَاةَ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُعِيدُ الْوُضُوءَ قَالَ سَحْنُونٌ: لِأَنَّهَا مُتَعَمِّدَةٌ.
يُرِيدُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَرَكَتْهُ سَهْوًا وَإِنَّمَا فَعَلَتْهُ جَهْلًا وَالْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ سَوَاءٌ.
(قُلْتُ) وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَعَادَتْ الْوُضُوءَ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَامِدَةً وَكَذَا إنْ كَانَتْ جَاهِلَةً؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ كَالْعَامِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كَالسَّاهِي، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ سَاهِيَةً فَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا فَقَطْ وَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَأَمَّا إنْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَتْ سَاهِيَةً مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَتَى مَا ذَكَرَتْ وَأَعَادَتْ غَسْلَ رِجْلَيْهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ، وَحَدُّهُ جَفَافُ الْأَعْضَاءِ الْمُعْتَدِلَةِ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ كَانَتْ عَامِدَةً أَوْ جَاهِلَةً فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ جِدًّا فَإِنَّهَا تُزِيلُ الْحَائِلَ وَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا وَتُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهَا، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ أَعَادَتْ الْوُضُوءَ وَلَا يُحَدُّ الْقُرْبُ هُنَا بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ بَلْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُوَالَاةِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ وَقَعَ الْمَسْحُ عَلَى الْحِنَّاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَنَزَعَهُ بِالْقُرْبِ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَعَادَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَلَا يُشْبِهُ مَنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ عَبَثًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَإِنْ طَالَ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ كَالْعَامِدِ لَا كَالسَّاهِي، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا مَسَحَ رَأْسَهُ مَتَى مَا ذَكَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ وَالصَّلَاةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَاسِدَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: فَرْعٌ إنْ مَسَحَتْ عَلَى الْوِقَايَةِ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ مَسَحَ رَجُلٌ عَلَى الْعِمَامَةِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَبَطَلَ وُضُوءُهُ وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَهُ جَهْلًا فَقَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَمْسَحُ عَلَى حَائِلٍ مَعَ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَجَائِزٌ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ الطِّرَازِ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ عِنْدِي أَقْرَبُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرَجِّحُهُ شَيْخُنَا، يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ وَلَا يُفْتِي بِهِ وَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَاوَمَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ مُدَاوَمَتَهُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لِيُؤْذِنَ بِالْإِبَاحَةِ، وَكَوْنُهُ

لِعُذْرٍ دَعْوَى.
(قُلْتُ) يَرُدُّ مَا قَالَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي أَنَّهُ حَضَرَ ابْنُ رَاشِدٍ دَرْسَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ الْمُدَرِّسُ: الدَّلِيلُ لَنَا عَلَى مَالِكٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أَصْلُهُ الشَّعْرُ فَإِنَّهُ حَائِلٌ، فَأَجَابَهُ ابْنُ رَاشِدٍ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا تَعَذَّرَتْ اُنْتُقِلَ إلَى الْمَجَازِ إنْ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَإِلَى الْأَقْرَبِ مِنْهُ إنْ تَعَدَّدَ وَالشَّعْرُ هُنَا أَقْرَبُ وَالْعِمَامَةُ أَبْعَدُ فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الشَّعْرِ فَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا وَنَهَضَ قَائِمًا وَأَجْلَسَهُ بِإِزَائِهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عِيَاضٌ الْحِنَّاءُ مَمْدُودٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: الْحِنَّاءُ مُذَكَّرٌ مَمْدُودٌ وَاحِدُهُ حِنَّاءَةٌ.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ كَانَتْ الْحِنَّاءُ فِي مُسْتَبْطَنِ الشَّعْرِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَمْنَعْ؛ لِأَنَّ مُسْتَبْطَنَ الشَّعْرِ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَسْحِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ الْمَسْحُ بِظَاهِرِ الضَّفِيرَةِ دُونَ بَاطِنِهَا، وَقَدْ أَجَازَ الشَّرْعُ التَّلْبِيدَ فِي الْحَجِّ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوهُ وَلَفْظُ ابْنِ عَرَفَةَ: الطِّرَازِ: إنْ كَانَ الْحِنَّاءُ بِبَاطِنِ الشَّعْرِ لَمْ يَمْنَعْ كَالتَّلْبِيدِ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَتَّى يَنْزِعَهُ: هَلْ بِالْمَاءِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الشُّيُوخِ؟ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ بِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ الشَّيْخُ وَمَنْ يَقُولُ بِالْمَاءِ يَقُولُ لِئَلَّا يَنْضَافَ الْمَاءُ الَّذِي يَمْسَحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِأَوَّلِ مُلَاقَاتِهِ بِيَدِهِ يَنْضَافُ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَكُونُ أَعْضَاؤُهُمْ غَيْرَ نَقِيَّةٍ مِنْ الدَّنَسِ فَإِذَا فَرَّغَ الْمَاءَ عَلَى أَوَّلِ الْعُضْوِ لَمْ يَصِلْ إلَى آخِرِهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ مِنْ الدَّنَسِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ذَهَبَتْ الْحِنَّاءُ أَوْ انْتَشَرَ بَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ بَعْضِ الشُّيُوخِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْحِنَّاءِ.
قَالَ ابْنُ هَارُونَ: يُرِيدُ إذَا كَانَ مُتَجَسِّدًا وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى صَبْغِهِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ هَارُونَ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَجَسِّدًا مِمَّا تَرُشُّ بِهِ رَأْسَهَا أَوْ تَجْعَلُهُ فِي شَعْرِهَا وَمَا زَالَ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ يَجْعَلْنَ الطِّيبَ فِي رُءُوسِهِنَّ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِهِ وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يُضِيفُ الْمَاءَ حَالَةَ الْمَسْحِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَهْلِ بِالسُّنَّةِ وَالتَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الْقَذْفِ فِي الْمَرْأَةِ تَعْمَلُ نَضُوحًا مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَتَمْتَشِطُ بِهِ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ابْنُ رُشْدٍ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَفِيهِ إجَازَتُهُ أَيْضًا عَلَى تَرْخِيصٍ، وَالْكَرَاهَةُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَائِلٌ يَمْنَعُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَهَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ مَا هُوَ مُتَجَسِّدٌ يَحُولُ بَيْنَ الشَّعْرِ وَالْمَاءِ وَأَمَّا النَّضُوحُ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَإِنَّهُ يُلَبِّدُ الشَّعْرَ وَيَضُمُّهُ عَنْ الِانْتِشَارِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ جَوَازُ تَصْمِيغِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ وَمَسْأَلَةُ الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْأَشْرِبَةِ وَالْحُدُودِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْكَرَاهَةُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَائِلٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُبَّائِيُّ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إضَافَةَ الْمَاءِ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْعُضْوَ لَا تَضُرُّ وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَدْهُنُونَ وَيَتَمَنْدَلُونَ بِأَقْدَامِهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَاءَ يَنْضَافُ بِمُلَاقَاتِهِ لِلْعُضْوِ مِمَّا عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ الْمُتَقَدِّمَ وَزَادَ عَلَيْهِ قَالَ: وَقَدْ نَصَّ أَبُو زَيْدٍ الْبُرْنُوسِيُّ فِي تَقْيِيدِهِ عَلَى الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إذَا نَقَضَتْهَا وَزَالَ نَقْضُهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الطِّيبِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنَّاءِ: قَالَ الْفَقِيهُ: لَا يَمْسَحُ حَتَّى يُزِيلَهَا بِالْمَاءِ وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا نَقَضَهَا، وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى هُنَاكَ مَا يُضِيفُ الْمَاءَ انْتَهَى.
وَزَادَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ وَالطَّفْلِ وَالْمَشْطِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْشُطْهُ بِالطَّفْلِ يَنْضَافُ الْمَاءُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ انْتَهَى (قُلْتُ) وَمَا قَالَ الْجُزُولِيُّ إنَّهُ الْأَبْيَنُ هُوَ الَّذِي ضَعَّفَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمَا وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ

عَنْ الْقَرَافِيِّ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ فِي الْعُضْوِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ.
وَبِيصُ الطِّيبِ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ وَهُوَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ وَالنَّضُوحُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى وَزْنِ صَبُورٍ مَا يَنْضَحُ بِهِ مِنْ الطِّيبِ أَيْ يَرُشُّ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّضْحِ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْحَائِلِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ الدُّهْنَ لِعِلَّةٍ بِهِ فَإِنَّهُ يَمْسَحَ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَى الدُّهْنِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ بِأَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْحِنَّاءِ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ لِئَلَّا يَنْضَافَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ وَيَتَجَسَّدَ عَلَى الشَّعْرِ حَتَّى يَصِيرَ حَائِلًا يَمْنَعُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَإِذَا مَسَحَتْ عَلَى الْحِنَّاءِ لِعِلَّةٍ ثُمَّ أَزَالَتْهُ وَهِيَ عَلَى وُضُوءٍ مَسَحَتْهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْجَبِيرَةِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَابْنِ نَاجِي أَنَّ الْمُلَبَّدَ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ الْمُلَبَّدِ وَلَا يَكُونُ حَائِلًا وَقَالَ الْجُزُولِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ: وَانْظُرْ الْمُحْرِمَ إذَا لَبَّدَ رَأْسَهُ قَالُوا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ وَلَا رَاعَوْا الْحَائِلَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا الشَّارْمَسَاحِيُّ وَقَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَيْضًا قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ الْحَجِّ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى التَّلْبِيدِ فِي الْوُضُوءِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْإِضَافَةُ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُضِيفُ الْمَاءَ إضَافَةً تُؤَثِّرُ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْحَائِلِ انْتَهَى.
(الثَّانِيَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَكَذَلِكَ الْقَطْرَانُ الَّذِي يَجْعَلُهُ الْعَوَاتِقُ فِي رُءُوسِهِنَّ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْمُلَبَّدِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: يُمْسَحُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا كُلُّهُ يَرُدُّ مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ ذَلِكَ يُضِيفُ الْمَاءَ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرَّجُلَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ وَضَفْرُهُ أَوْ عَقَصَهُ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمَرْأَةِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا فَتَلَ رَأْسَهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ وَحَكَى الْبَلَنْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْتِلَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَزَادَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَتَمْسَحُ عَلَى مَا اسْتَرْخَى مِنْ شَعْرِهَا: وَكَذَلِكَ طَوِيلُ الشَّعْرِ مِنْ الرِّجَالِ.
ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ طَوِيلُ الشَّعْرِ مِنْ الرِّجَال وَإِنْ كَانَ مَضْفُورًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَنَقَلَ الْمَغْرِبِيُّ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ وَاسْتَشْكَلَهُ؛ لِأَنَّ الضَّفْرَ فِي حَقِّهِ مُبَاحٌ (فَإِنْ قُلْتُ) قَدْ نَصَّ الْبَلَنْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ أَنْ يُضَفِّرُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: وَلَوْ ضَفَرَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَمْسَحُ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الرَّابِعُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
نَبَّهَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي هَذَا الْفَرْضِ دُونَ سَائِرِ الْفُرُوضِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْوُضُوءِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا لَبَّدَتْ رَأْسَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطِّيبِ وَرُبَّمَا ضَفَرَتْهُ بِشَعْرِ غَيْرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ بِمَسْحِ جَمِيعِهِ كَالرَّجُلِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: نَبَّهَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ الْمُسَامَحَةَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُهُ: رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ رَاجِعٌ إلَى الْمَاسِحِ يَعْنِي وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَعْنِي مَسْحَ الْجَمِيعِ وَالصُّدْغَيْنِ وَالْمُسْتَرْخِيَ وَعَدَمَ نَقْضِ الضَّفْرَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا كَانَ فِي الشَّعْرِ صُوفٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَرْكَبُ الشَّعْرَ وَيَمْنَعُ مُبَاشَرَتَهُ أَوْ الْتَصَقَ بِالشَّعْرِ شَمْعٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَمْنَعُ غَسْلَهُ وَمَسْحَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَعْدَ وُضُوئِهِ قَرَضَهُ بِمِقْرَاضٍ هَلْ يُجْزِئُهُ وُضُوءُهُ؟ يَخْرُجُ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ مَا غُسِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هَلْ يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْحَدَثِ عَنْهُ وَيَطْهُرُ فِي نَفْسِهِ أَوْ لَا يَرْتَفِعُ حَتَّى يَكْمُلَ الْجَمِيعُ؟

فَإِنْ قُلْنَا: يَرْتَفِعُ صَلَّى بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا فِعْلٌ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْتَفِعُ أَعَادَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ نَاقِصَةً وَتَعَذَّرَ تَمَامُهَا.
(قُلْتُ) الْمَشْهُورُ هُوَ الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: يُعِيدُ الطَّهَارَةَ مُشْكِلٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَغْسِلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَقَوْلُهُ: تَعَذَّرَ إتْمَامُهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّعْرِ إذَا قُرِضَ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ نُتِفَ مِنْ أَصْلِهِ فَمَوْضِعُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ: وَأُرَخِّصُ لِلْعَرُوسِ أَيَّامَ سَابِعِهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى مَا فِي رَأْسِهَا مِنْ الطِّيبِ وَتَتَيَمَّمَ إنْ كَانَ فِي جَسَدِهَا؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ انْتَهَى.
وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(السَّادِسَ عَشَرَ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ حُكِيَ فِي تَعَالِيقِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى سَحْنُونٍ وَقَالَ: تَوَضَّأْتُ لِلصُّبْحِ وَصَلَّيْتُ بِهِ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ أَحْدَثْتُ وَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ أَنَّنِي نَسِيتُ مَسْحَ رَأْسِي مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ فَقَالَ: لَهُ امْسَحْ رَأْسَكَ وَأَعِدْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فَذَهَبَ وَأَعَادَهَا وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ، فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: امْسَحْ رَأْسَكَ وَأَعِدْ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا فَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ، وَوَجْهُ الْفِقْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ لِلْجَمِيعِ وَالذِّمَّةُ مَعْمُورَةٌ بِالصَّلَوَاتِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْبَرَاءَةُ، فَلَمَّا أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ صَارَتْ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ قَدْ صُلِّيَتْ بِوُضُوءَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَأَحَدُهُمَا صَحِيحٌ جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَسِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَصُلِّيَتْ وَأُعِيدَتْ بِوُضُوئِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِيهِ فَتَجِبُ إعَادَتُهَا بَعْدَ الْمَسْحِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ كُلُّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِوُضُوءٍ، وَهَذَا فَرْعٌ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَاجِبٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ وُضُوءِ أَحَدِهَا مَسَحَهُ وَأَعَادَ الْخَمْسَ فَلَوْ أَعَادَهَا نَاسِيًا فَجَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ بِمَسْحِهِ وَإِعَادَةِ الْعِشَاءِ فَقَطْ، وَتَوْهِيمُهُ مَنْ قَالَ: يُعِيدُ الْخَمْسَ وَاضِحُ الصَّوَابِ، وَعَزْوُ الْقَرَافِيِّ جَوَابَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ بَعْضِ التَّعَالِيقِ لِسَحْنُونٍ لَمْ أَجِدْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي الرَّأْسِ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا: (الْأَوَّلُ) هَلْ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ أَوْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى؟ (الثَّانِي) هَلْ يُجَدِّدُ الْمَاءَ أَوْ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ؟ . (الثَّالِثُ) نَقْلُ الْمَاءِ إلَيْهِ.
(الرَّابِعُ) إذَا غَسَلَهُ بَدَلًا مِنْ مَسْحِهِ.
(الْخَامِسُ) صِفَةُ مَسْحِهِ.
(السَّادِسُ) هَلْ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا؟ (السَّابِعُ) إذَا حَلَقَهُ.
(الثَّامِنُ) هَلْ الْبَدْءُ مِنْ مُقَدَّمِهِ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ (التَّاسِعُ) هَلْ الرَّدُّ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضٌ؟ . (الْعَاشِرُ) إذَا جَفَّ الْمَاءُ فِي أَثْنَاءِ مَسْحِهِ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) هَلْ يَمْسَحُ مَا طَالَ مِنْ الشَّعْرِ أَمْ لَا؟ (الثَّانِيَ عَشَرَ) إذَا مَسَحَ بَعْضَهُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) هَلْ يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ؟ . (الرَّابِعَ عَشَرَ) هَلْ يَمْسَحُ عَلَى الْقَفَا؟ وَزَادَ خَامِسَ عَشَرَ وَهُوَ هَلْ يَمْسَحُ بَعْضَ الْوَجْهِ مَعَ الرَّأْسِ؟ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، أَمْ لَا يَمْسَحُ؟ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ عَشْرَ وَهِيَ الْعَاشِرُ وَمَا بَعْدَهُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التِّسْعَةِ الْأُوَلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص (وَيُدْخِلَانِ يَدَيْهِمَا تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا كَانَ شَعْرُهُمَا مَضْفُورًا أَوْ مَعْقُوصًا أَوْ مَسْدُولًا مِنْ غَيْرِ ضَفْرٍ وَلَا عَقْصٍ وَمَسَحَا عَلَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى آخِرِ الْمُنْسَدِلِ مِنْهُ وَالْمَضْفُورِ وَالْمَعْقُوصِ فَإِنَّهُمَا إذَا رَدَّا أَيْدِيَهُمَا إلَى الْمُقَدَّمِ يُدْخِلَانِ أَيْدِيَهُمَا تَحْتَهُ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَتُدْخِلُ يَدَيْهَا مِنْ تَحْتِ عِقَاصِ شَعْرِهَا فِي رُجُوعِ يَدَيْهَا فِي الْمَسْحِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهَا: لِتَمْسَحْ مَا غَابَ عَنْهَا وَمَا وَالَى ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِهَا وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ، وَهَلْ إدْخَالُ الْيَدَيْنِ تَحْتَ الْعِقَاصِ مَنُوطٌ بِالْوُجُوبِ لِتَمَامِ الْمَسْحِ أَوْ بِالرَّدِّ؟ لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَانْظُرْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: وَيُدْخِلُ الْمَعْقُوصُ شَعْرُهُ يَدَيْهِ تَحْتَهُ

عِنْدَ رَدِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: وَسُنَّةُ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ كَسُنَّةِ وُضُوءِ الرَّجُلِ سَوَاءً غَيْرَ أَنَّهَا إذَا مَسَحَتْ رَأْسَهَا بَدَأَتْ مِنْ أَصْلِ شَعْرِ قُصَّتِهَا فَتَذْهَبُ بِيَدِهَا عَلَى جَمِيعِ شَعْرِ قُصَّتِهَا وَأَدْلَتْهَا وَجَمِيعَ شَعْرِ رَأْسِهَا، مَضْفُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَضْفُورٍ، مَجْمُوعًا كَانَ أَوْ مَسْدُولًا عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّى تَبْلُغَ إلَى آخِرِهِ، ثُمَّ تُدْخِلُ يَدَيْهَا مِنْ تَحْتِهِ فَتُحَوِّلُهُ حَتَّى تَرُدَّ يَدَيْهَا بِهِ أَوْ بِضَفَائِرِهَا الْمُرْسَلَةِ إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْمَعَهُ فِي قَبْضَتِهَا جَمَعَتْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهَا إلَّا أَنْ تَنْتَقِلَ بِيَدَيْهَا فَعَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الْمَاءَ ثَانِيَةً، وَإِنْ شَاءَتْ اكْتَفَتْ بِالْأُولَى إنْ كَانَ بَقِيَ فِي يَدَيْهَا مِنْ بَلَلِهَا شَيْءٌ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ ذَاتُ الْقُرُونِ إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَعُمَّ بِيَدَيْهَا رَأْسَهَا وَقُرُونَهَا، فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي ذَلِكَ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهَا الْإِعَادَةُ مَتَى عَلِمَتْ قُبْحَ مَا صَنَعَتْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ بِاخْتِصَارِ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ بِتَمَامِهِ.

ص (وَغَسْلُهُ مُجْزِئٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا غَسَلَ رَأْسَهُ فِي الْوُضُوءِ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ فَإِنَّ غَسْلَهُ يُجْزِئُهُ عَنْ مَسْحِهِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ هُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَقِيلَ: لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغَسْلِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ إعْمَالًا لِدَلِيلِ الْجَوَازِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ سَابِقٍ وَلَمْ يَعْزُهُمَا، وَعَنْهُ نَقَلَهُمَا ابْنُ شَاسٍ وَشُرَّاحُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَإِجْزَاءُ غَسْلِهِ لِابْنِ شَعْبَانَ، ابْنُ سَابِقٍ: أَبَاهُ غَيْرُهُ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ: وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ أَصَحُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ قَدْ رَجَحَ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ مَعْرُوفٌ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَرَّحَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِتَشْهِيرِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ غَسْلَهُ مُجْزِئٌ إلَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّاسِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَوَّاقُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ.
(الثَّانِي) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَسْلُهُ مُجْزِئٌ لَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ ابْتِدَاءً وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ بِالْإِجْزَاءِ الْجَوَازُ ابْتِدَاءً وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ نَصٌّ بِجَوَازِهِ ابْتِدَاءً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَسْلُهُ ثَالِثُهَا يُكْرَهُ: ظَاهِرُ هَذَا النَّقْلِ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِالْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَفِي وُجُودِهِ عِنْدِي نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَجَعْلُهُمْ الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَإِذَا كَانَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ ابْتِدَاءً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُجْزِي فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي أَنَّ الْمُغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ فَغُسْلُهُ لَهُ فِي الْجَنَابَةِ يُجْزِيهِ عَنْ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَأَيُّ وُضُوءٍ أَعَمُّ مِنْ الْغُسْلِ.
وَقَرَّرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ هَارُونَ وَلَمْ يَعْتَرِضَا عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّفَقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ هَلْ تَضْمَحِلُّ شُرُوطُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى أَوْ إنَّمَا يَضْمَحِلُّ مِنْهَا مَا تُوَافِقُ فِيهِ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى؟ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُجْزِئُ فِي الْغُسْلِ اتِّفَاقًا: إنْ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ فَحَقٌّ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْوِيُّ، وَإِنْ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ حُصُولِ فَضْلِ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ فَلَا لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ الْقَاسِمِ مَنْعَ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَيْ السَّاقَيْنِ) ش: هَذِهِ الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا وَهِيَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَبِوُجُوبِ غَسْلِهِمَا قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ

بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْل، وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَقَالَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ الْوَاجِبُ الْمَسْحُ وَلَا يَجُوزُ الْغَسْلُ، وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يُكْتَرَثُ بِمَنْ يَخْرُجُ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَالْغَسْلُ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَشَارَ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى وُجُوبِهِمَا مَعًا وَهُوَ بَعِيدٌ.
(قُلْتُ) بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ مَنْ تَقَدَّمَهُ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالْمَسْحِ وَالتَّخْيِيرِ: وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ.
قَالَ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الْقِرَاءَتَيْنِ فَعَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ يَكُونُ وُجُوبُ الْغَسْلِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجَرِّ فَظَاهِرُهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمَسْحِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ إلَّا الْغَسْلُ فَيَتَعَيَّنُ وَيُجَابُ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى الرُّءُوسِ وَإِنَّمَا هِيَ مَخْفُوضَةٌ عَلَى الْجَوَازِ.
حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ وَرَأَوْا أَنَّ الْخَفْضَ عَلَى الْجِوَارِ لَا يَحْسُنُ فِي الْمَعْطُوفِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ حَاجِزٌ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ وَمُبْطِلٌ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَرَأَوْا أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى شَاذٍّ يَنْبَغِي صَوْنُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَقَالُوا: الْخَفْضُ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطْفِ عَلَى لَفْظِ الرُّءُوسِ، فَقِيلَ: الْأَرْجُلُ مَغْسُولَةٌ لَا مَمْسُوحَةٌ فَأَجَابُوا بِوَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَسْحَ هُنَا هُوَ الْغَسْلُ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: حَكَى لَنَا مَنْ لَا يُتَّهَمُ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ قَالَ: الْمَسْحُ خَفِيفُ الْغَسْلِ يُقَالُ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ وَخُصَّتْ الرِّجْلَانِ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْمَغْسُولَاتِ بِاسْمِ الْمَسْحِ لِيَقْتَصِدَ فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتَا مَظِنَّةَ الْإِسْرَافِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: بِكَعْبَيْهِ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ مَعَ كَعْبَيْهِ وَالْمَشْهُورُ دُخُولُهُمَا فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا يَجِبُ إدْخَالُهُمَا وَقِيلَ: يَدْخُلَانِ احْتِيَاطًا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْخِلَافُ فِي دُخُولِهِمَا فِي الْغَسْلِ كَالْخِلَافِ فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَفَرَّقَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ بِدُخُولِ الْكَعْبَيْنِ بِخِلَافِ الْمِرْفَقَيْنِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الرِّجْلِ لَا يَتَنَاوَلُ السَّاقَ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْكَعْبَيْنِ لَمْ يَدْخُلَا فَلَا بُدَّ لِذِكْرِهِمَا مِنْ فَائِدَةٍ ثُمَّ رَدَّ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ الْكَعْبَانِ كَالْمِرْفَقَيْنِ.
عِيَاضٌ قَدْ يُفَرِّقُ بِأَنَّ الْقَطْعَ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ بِخِلَافِ الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ فَسَّرَ الْمُصَنِّفُ الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِهِ: النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَيْ السَّاقَيْنِ، وَالنَّاتِئُ الْمُرْتَفِعُ مِنْ نَتَأَ يَنْتَأُ نُتُوءًا وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ إبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْكَعْبَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقِيلَ: هُمَا الْكَائِنَانِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعِيَاضٌ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ مَالِكًا أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: زَادَ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: وَقِيلَ: هُمَا مُجْتَمَعُ الْعُرُوقِ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ ظَاهِرِ كِتَابِ الْوَقَارِ وَنَصُّهُ: وَقِيلَ: هُمَا الْمِفْصَلَانِ اللَّذَانِ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِظَاهِرِ كِتَابِ الْوَقَارِ (قُلْتُ) وَقِيلَ: إنَّهُمَا مُؤَخَّرَا الرِّجْلِ حَكَاهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ: وَيُنْسَبُ لِمَالِكٍ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَلِأَنَّ الْكَعْبَ مَا نَتَأَ وَظَهَرَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّكَعُّبِ وَهُوَ الظُّهُورُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ كَاعِبٌ إذَا ارْتَفَعَ ثَدْيُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ارْتِفَاعَ اللَّذَيْنِ فِي طَرَفِ السَّاقِ أَظْهَرُ وَلِأَنَّ الْأَرْجُلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ وَاسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ وَالْعَامُّ يَقَعُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَيَكُونُ كُلُّ رِجْلٍ مَعْنَاهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال فِي مَجْلِسِ الرَّبَعِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ

فَمَا بَقِيَ فِي الْمَجْلِسِ إلَّا مَنْ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ وَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَرَافِيَّ فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ لَقَالَ إلَى الْكِعَابِ كَمَا قَالَ إلَى الْمَرَافِقِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ حِينَئِذٍ كَعْبَيْنِ كَمَا أَنَّ لِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقًا فَيُقَابَلُ الْجَمْعُ بِالْجَمْعِ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْهُ إلَى التَّثْنِيَةِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْكَعْبَانِ اللَّذَانِ فِي طَرَفِ السَّاقِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى اغْسِلُوا كُلَّ رِجْلٍ إلَى سَاقِهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ بَشِيرٍ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الَّذِينَ يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي الْكَعْبَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي مُنْتَهَى الْغَسْلِ وَأَنَّ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: يَنْتَهِي الْغَسْلُ إلَى الْكَعْبِ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِي الْمَذْهَبِ وَلَا خَارِجِهِ وَنَقَلَ ابْنُ الْفَرَسِ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ إلَيْهِمَا انْتَهَى حَدُّ الْوُضُوءِ هُمَا النَّاتِئَانِ فِي السَّاقَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَقَلَ الزَّنَاتِيُّ أَيْضًا اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمَا اللَّذَانِ فِي جَنْبَيْ السَّاقَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ رَاجِعٌ إلَى اللُّغَةِ وَكَذَا قَالَ الزَّنَاتِيُّ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْكَعْبِ النَّاتِئِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَمَا فَوْقَهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْفَرَسِ وَالزَّنَاتِيُّ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَكَلَامُ مَنْ تَقَدَّمَ يُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فِيهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَالَ: تَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ فَلَا خِلَافَ فِي دُخُولِهِمَا فِي الْغَسْلِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَوْرَدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ عَدَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْفَرَائِضِ مَعَ أَنَّ غَسْلَهُمَا عَلَى التَّعْيِينِ لَيْسَ بِفَرْضٍ لِجَوَازِ تَرْكِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
(قُلْتُ) وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ، وَالْوَاجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا) ش: يَعْنِي أَنَّ تَخْلِيلَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَهَذَا الْقَوْلُ عَزَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ شَعْبَانَ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ قَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَالتَّخْلِيلُ أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِابْنِ حَبِيبٍ قَالَ وَلِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ كَابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ: وَفِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ وَفِي أَثْنَائِهِ إنْكَارُهُ.
(قُلْتُ) يُشِيرُ بِالْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ قَالَ: يُجْزِئُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ تَخْلِيلَهُمَا حَسَنٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَفِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا يُخَلِّلُ وَنَحْوَهُ.
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَلَا خَيْرَ فِي الْجَفَاءِ وَالْغُلُوِّ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ قَالَ فِي اللِّحْيَةِ: يُحَرِّكُ ظَاهِرَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِيهَا وَهُوَ مِثْلُ أَصَابِعِ الرِّجْلِ وَالْيَدُ لَا تُخَلَّلُ، وَهَذَا هُوَ الثَّانِي وَهُوَ الْقَوْلُ بِالْإِنْكَارِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَفِي أَثْنَائِهِ إنْكَارُهُ.
عَزَا فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِالْإِنْكَارِ لِرِوَايَةِ أَشْهَبَ فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: رَجَّحَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَزِيزَةَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْوُجُوبَ فِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يُنْكِرُ التَّخْلِيلَ قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَرَجَعَ إلَيْهِ انْتَهَى.
يَعْنِي الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا أَتَى فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ قَوْلٌ بِالْإِنْكَارِ وَلَمْ يَأْتِ فِي الْيَدَيْنِ لِالْتِصَاقِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ

فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهُمَا الْبَاطِنَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْقَوْلِ بِالْإِنْكَارِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَيْضًا، لَكِنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ يَصِحُّ أَنْ يُفَرَّقَ بِهِ لِلْمَشْهُورِ حَيْثُ كَانَ فِي الْيَدَيْنِ الْوُجُوبُ وَفِي الرِّجْلَيْنِ الِاسْتِحْبَاب وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يُوَافِقُ الْمَشْهُورَ فِي وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَذَكَرَ فَرْقَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَدَيْنِ فَرْضُهُمَا الْغَسْلِ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرِّجْلَيْنِ هَلْ فَرْضُهُمَا الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ كَمَا تَقَدَّمَ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يَسْقُطُ غَسْلُهُمَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَيَسْقُطَانِ فِي التَّيَمُّمِ بِخِلَافِ الْيَدَيْنِ وَذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ الشَّبِيبِيّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي إلَى أَنْ مَاتَ بِتَخْلِيلِ مَا بَيْنَ إبْهَامِ الرِّجْلِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ فَقَطْ لِانْفِرَاجِ مَا بَيْنَهُمَا وَعَزَا لِلرِّسَالَةِ الْإِبَاحَةَ قَالَ: فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
يُرِيدُ بِفَتْوَى شَيْخِهِ وَبِمَا عَزَاهُ لِلرِّسَالَةِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّارِحُ وَالشَّيْخُ زَرُّوق فَكَانَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَتِهِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ رَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَزِيزَةَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ الصَّحِيحُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَبْدَأُ بِتَخْلِيلِ خِنْصَرِ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِهَا وَيَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِهَا، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَقَدَّمَ عَنْ الْجُزُولِيِّ أَنَّهُ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ الرِّجْلَيْنِ مِنْ أَسْفَلَ بِخِلَافِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ يُخَلِّلُهُمَا مِنْ ظَاهِرِهِمَا وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَإِنْ شَاءَ خَلَّلَ أَصَابِعَهُ.
يَعْنِي بِأَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ فِي خِلَالِ أَصَابِعِهِمَا مَعَ الْمَاءِ.
قَالُوا: وَالْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُخَلِّلَهُمَا مِنْ أَسْفَلِهِمَا وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالنَّحْرِ وَعَنْ تَخْلِيلِ الْيَدَيْنِ بِالذَّبْحِ وَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ» وَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ حَدِيثًا آخَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ بِالْمُسَبِّحَةِ» وَهُوَ أَمْكَنُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْغَسْلِ فَأَمَّا أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ تَخْلِيلَهُمَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ فِي الْوُضُوءِ فَأَحْرَى أَنْ يَجِبَ فِي الْغُسْلِ، وَأَمَّا أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّ حُكْمَهُمَا فِي الْغَسْلِ كَحُكْمِهِمَا فِي الْوُضُوءِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ: وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا مَا فِي الْوُضُوءِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ النَّدْبُ وَقَالَ الْمَوَّاقُ بْنُ حَبِيبٍ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَوَاجِبٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ وَاسْتِحْبَابُهُ فِي الْوُضُوءِ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ خُصُوصًا فِي الْغُسْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ لِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَمَ ظُفْرَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) ش: الظُّفْرُ بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةُ وَضَمُّ الْفَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَانِيَةٌ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ بِضَمِّ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ أُظْفُورٌ عَلَى وَزْنِ عُصْفُورٍ وَقَوْلُهُ: قَلَمَ مُقْتَضَى كَلَامِ الصِّحَاحِ أَنَّهُ مَعَ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ.
قَالَ: فِيهَا قَلَّمْتُ ظُفْرِي وَقَلَّمْتُ أَظْفَارِي يُشَدَّدُ لِلْكَثْرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ: قَلَّمْتُ ظُفْرِي يُرِيدُ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ فِي

الْمُحْكَمِ: قَلَمَ ظُفْرَهُ يَقْلِمُهُ قَلْمًا وَقَلَّمَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ يُقَالُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مَعَ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ غَسْلَ مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ وَلَا يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصِّهَا عَلَى اخْتِصَارِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَهُ ثَانِيَةً، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ بَعْدَ كَلَامِ مَالِكٍ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي مُرَادِهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُخْتَصِرِينَ، وَأَسْقَطَ الْبَرَاذِعِيُّ فِي اخْتِصَارِهِ تَقْلِيمَ الْأَظَافِرِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي مُرَادِهِ فَإِنَّ اللَّحَنَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ الصَّوَابُ وَأَصْلُهُ الْفِطْنَةُ، وَبِسُكُونِهَا مَعْنَاهُ الْخَطَأُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ بِالسُّكُونِ عَلَى الصَّوَابِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ اللَّحْنَ مِنْ الْأَضْدَادِ، يُطْلَقُ عَلَى الصَّوَابِ وَعَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْأَضْدَادِ إذَا كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَوْلُ ابْنِ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ فِيهِ تَأْوِيلَانِ فَقِيلَ: يَعْنِي مِنْ صَوَابِ الْفِقْهِ، وَقِيلَ: يَعْنِي مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ.
قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ صَوَابِ الْفِقْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إلَى جَوَابِ مَالِكٍ أَوْ إلَى الْفِعْلِ أَيْ أَنَّهُ صَوَابٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ يَعْنِي إعَادَةَ الْمَسْحِ وَغَسْلَ الْأَظْفَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ.
غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِعِلْمِ الرَّجُلِ أَنَّهُ عَابَ فِعْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ وَكَذَا قَالَ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الصَّوَابُ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِنَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْخَطَأُ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي مَسْلَمَةَ مُوَافِقٌ لِمَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِ مَالِكٍ: هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ وَاَلَّذِي تَأَوَّلَهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي إشْرَاقِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَالِكٍ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: رَوَيْنَاهُ بِسُكُونِ الْحَاءِ وَكُتِبَتْ مِنْ أَصْلِ الشَّيْخِ قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَاهُ مِنْ خَطَأِ الْفِقْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لَا غَيْرُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ مَنْ قَالَ: يُرِيدُ بِالْخَطَأِ قَوْلَ مَنْ خَالَفْنَا، وَلَا إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: صَوَابُ الْفِقْهِ يَعْنِي قَوْلَنَا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ لَا يُوَافِقُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَيَرَى عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ أَيْضًا وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّوَابَ فَتُفْتَحُ الْحَاءُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: بَلْ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ أَنَّ مُرَادَهُ الْخَطَأُ فَتُسَكَّنُ الْحَاءُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَذْهَبُهُ الْإِعَادَةَ فَلَا يُصَوَّبُ غَيْرُ مَذْهَبِهِ.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَصْوِيبُ مَذْهَبِهِ عَلَى كِلَا الضَّبْطَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ بِالسُّكُونِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ مَالِكٍ غَيْرَ أَنَّ السُّكُونَ يَتَرَجَّحُ بِقَوْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رَوَيْنَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ: " يُعِيدُ الْوُضُوءَ " أَنَّ وُضُوءَهُ انْتَقَضَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي وَمِثْلُهُ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ بِلَفْظِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ وَاخْتَارَهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ لَا أَنَّهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِنَفْسِ الْإِزَالَةِ.
(قُلْتُ) فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَكَذَا يَحْكِي ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَقَالَ: وَلَوْ حَلَقَهُ فَفِي إعَادَةِ مَسْحِهِ ثَالِثُهَا يَبْتَدِئ الْوُضُوءَ، وَعَنْ الْأَوَّلِ مِنْهَا وَهُوَ إعَادَةُ مَسْحِهِ فَقَطْ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ، وَالثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ إعَادَةِ مَسْحِهِ لِلْمَذْهَبِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ إعَادَةُ الْوُضُوءِ لِنَقْلِ عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَنَزْعِ الْخُفِّ وَظَاهِرُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ نَاجِي أَنَّ الْوُضُوءَ يَبْطُلُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَلَوْ أَعَادَ غَسْلَ مَوْضِعِ الْأَظْفَارِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ بِالْقُرْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُضُوءَ يَبْطُلُ بِنَزْعِ الْخُفِّ وَأَنَّ

غَسْلَ مَا تَحْتَهُ بِالْقُرْبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ: إنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ بِمَا نَقَلَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ مَعَ الطُّولِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ مَسْأَلَةِ مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْهُ الْآتِيَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ لَهُ وَفْرَةٌ فَحَلَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْمَسْحَ انْتَهَى.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ فَلَا يَعُودُ بِزَوَالِ شَيْءٍ مِنْهُ كَمَا إذَا مَسَحَ وَجْهَهُ فِي التَّيَمُّمِ أَوْ غَسَلَهُ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفُهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ بِمِنًى ثُمَّ يَنْزِلُونَ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَعَادَ مَسْحَ رَأْسِهِ إذَا حَلَقَهُ لِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ لِطَهَارَةِ الْجَنَابَةِ وَهِيَ كَانَتْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنَابِتَ الشَّعْرِ لَمْ تُغْسَلْ وَهِيَ مِنْ الْبَشَرَةِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ نَزْعِ الْخُفِّ وَسُقُوطِ الْجَبِيرَةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَسْحَ الشَّعْرِ أَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ غَسْلُ الْأَظْفَارِ، بِخِلَافِ مَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَمْ يُعِدْ غُسْلَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْمُخَالِفِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِمَّنْ هُوَ خَارِجُ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَفِي لِحْيَتِهِ قَوْلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَفِي غَسْلِ مَحَلِّهَا قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَلَا يَغْسِلُ مَحَلَّهَا وَقَالَ الشَّارِقِيُّ: يَغْسِلُهُ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَ لِابْنِ بَطَّالٍ وَعَزَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَبِيرَةِ لِابْنِ الطَّلَّاعِ قَالَ: وَبِهِ فَتْوَى الشُّيُوخِ قِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرَّأْسِ أَنَّ شَعْرَهُ أَصْلِيٌّ بِخِلَافِ شَعْرِهَا وَاقْتَصَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَصِّ الشَّارِبِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَنَصُّهُ وَمَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ هَلْ يُعِيدُ غَسْلَهُ؟ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ لَا وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ وَالرَّأْسُ وَالْأَظْفَارُ بَابٌ وَاحِدٌ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ (قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ

[تَنْبِيهَاتٌ إذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) وَانْظُرْ إذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ وَحَلَقَتْهَا هَلْ حُكْمُهَا كَحُكْمِ الرَّجُلِ أَوْ يُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا لِلْخِلَافِ فِي جَوَازِ حَلْقِهَا إيَّاهَا؟ لَمْ أَقِفْ فِيهَا عَلَى نَصٍّ وَظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ الْإِطْلَاقُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) وَانْظُرْ إذَا حَلَقَهَا بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ هَلْ يُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ غَسْلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّأْسِ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالْأَرْجَحُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَدَمُ الْإِعَادَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ بِضْعَةٌ الْآتِيَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْلِقَ لِحْيَتَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَحْلِقَهَا الْغَيْرُ أَوْ تَسْقُطَ فَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَدْ فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ وَفَرَضَهَا الْأَقْفَهْسِيُّ فِيمَنْ حُلِقَتْ لِحْيَتُهُ فَقَالَ: لَوْ حُلِقَتْ لِحْيَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ.
وَفَرَضَهَا ابْنُ نَاجِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجَبِيرَةِ فِيمَنْ سَقَطَتْ لِحْيَتُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُحْلَقَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا أَوْ شَارِبُهُ قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْوَغْلِيسِيَّةِ قَالَ: وَمِنْهُ تَحْذِيفُ الْمَغَارِبَةِ لِمَا حَوَالَيْ الْعَارِضَيْنِ وَالشَّارِبِ وَحَكَى الْجُزُولِيُّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ.
(الرَّابِعُ) وَحَلْقُ اللِّحْيَةِ لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ وَهُوَ مُثْلَةٌ وَبِدْعَةٌ، وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ أَوْ شَارِبَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَيَخْشَى طُولَ شَارِبِهِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي جَامِعِهِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْفَى شَارِبَهُ يَوْجَعُ ضَرْبًا وَهُوَ بِدْعَةٌ وَإِنَّمَا الْإِحْفَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَجِّ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْفَى شَارِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَطُولَ فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ وَيُؤْذِيَهُ، وَقَدْ رُخِّصَ لَهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا دَعَتْ

ضَرُورَةٌ إلَى حَلْقِهِ أَوْ حَلْقِ اللِّحْيَةِ لِمُدَاوَاةِ مَا تَحْتَهَا مِنْ جُرْحٍ أَوْ دُمَّلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَكَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْفِطْرَةِ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خُلِقَ لَهَا لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَحْلِقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ بِحِلَاقِ غَيْرِهَا مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ مَا نَصُّهُ مِنْهُمْ مِنْ جَعَلَ حِلَاقَ شَعْرِ الْجَسَدِ سُنَّةً وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ مُبَاحٌ، الْجُزُولِيُّ وَهَذَا لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَحَلْقُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ مُثْلَةٌ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الطَّبَرِيِّ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَلْقُ شَعْرِ جَسَدِهَا لِلْمُثْلَةِ فَمُثْلَةُ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ أَشَدُّ فَتَأَمَّلْهُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ الزَّنَاتِيِّ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الطَّبَرِيِّ وَلَعَلَّ الزَّنَاتِيَّ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الطَّبَرِيَّ أَوْ حَكَاهُ عَنْهُ، فَظَنَّ النَّاقِلُ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - جَوَازُ حَلْقِ الْمَرْأَةِ مَا نَبَتَ لَهَا مِنْ لِحْيَةٍ أَوْ شَارِبٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

(السَّادِسُ) مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةُ لَحْمٍ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَوْ قُشِّرَ مِنْهَا جِلْدَةٌ أَوْ قِشْرَةٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَلَا مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِ الْجِلْدِ.
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ لَغَسَلَ مَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَسَحَهُ إنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي غَسْلِهِ انْتَهَى.
وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَقَالَ وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ احْتَجَّ فِي مَسْأَلَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ بِزَوَالِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَلَا يَصْلُحُ الِاحْتِجَاجُ إلَّا بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ الْعُضْوَ ثُمَّ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ بَاطِنِهِ وَجَبَ غَسْلُهُ فِي تِلْكَ الطَّهَارَةِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَلْحَقُهُمْ الْجِرَاحُ وَيُصَلُّونَ بِحَالِهِمْ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا طَهَّرَ جُرْحَهُ لِمَكَانِ وُضُوئِهِ أَوْ غَسَلَهُ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَلَمْ يَعْزُهُ لَهُ بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ قِيلَ: وَأَمَّا مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ بِضْعَةُ لَحْمٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ أَوْ يَمْسَحُهُ إنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ وَرَدَّهُ سَنَدٌ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُجْرَحُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ بِلَا إعَادَةٍ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ حَلْقِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ: فَإِيجَابُ اللَّخْمِيِّ عَمَّنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْهَا غَسَلَ مَا ظَهَرَ أَوْ مَسَحَهُ إنْ شَقَّ حِلَاقُهَا.
وَخَطَأُ الطِّرَازِ يُخْرِجُهُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ انْتَهَى.
وَتَبِعَهُ ابْنُ نَاجِي فَقَالَ: وَأَوْجَبَ اللَّخْمِيُّ عَلَى مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْهَا غَسْلَ مَا ظَهَرَ أَوْ مَسْحَهُ إنْ شَقَّ قِيلَ: وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ ذَكَرَ رَدَّ صَاحِبِ الطِّرَازِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَعَزَا شَيْخُنَا الْبُرْزُلِيُّ مَا نُسِبَ لِلْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَذَلِكَ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ لَا يَغْسِلُ مَوْضِعَهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَكَذَلِكَ الشَّارِبُ وَالْبِضْعَةُ وَالشَّوْكَةُ إذَا قَطَعَ عَنْهَا وَاللِّحْيَةُ إذَا حُلِقَتْ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمَ، وَرَدَّ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَمِثْلُهُ الْجِلْدُ إذَا كُشِطَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَهَذَا مِنْ التَّعَمُّقِ وَالْغُلُوِّ، وَقَالَ فِي أَلْغَازِهِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَشَرَ قِشْرَةً.
(فَإِنْ قُلْتَ) رَجُلٌ صَلَّى بِلُمْعَةٍ فِي أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ وَهُوَ صَحِيحُ الْجَسَدِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (قُلْتُ) هَذَا فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَشَرَ قِشْرَةً مِنْ يَدِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَلَا مَوْضِعِ الْقَشْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الطِّيبِيُّ فِي طُرَرِهِ عَلَى التَّهْذِيبِ وَذَكَره أَبُو عَلِيِّ بْنُ قَدَّاحٍ فِي الْقِشْرَةِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ فِيمَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ قَشَرَ جِلْدَةً مِنْ بَثْرَةٍ أَوْ جَرَبٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَتَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ خِلَافُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ قَشَرَ قِشْرَةً مِنْ جِلْدِهِ أَوْ جُرْحٍ أَوْ بَثْرَةٍ أَوْ قَطَعَ قِطْعَةَ لَحْمٍ

مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَوْ غَسَلَهُ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَلَا مَوْضِعِ الْقِشْرَةِ، خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا مَا يَنْبُتُ بِإِزَاءِ الظُّفْرِ الَّذِي يُسَمَّى بِالسَّيْفِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَحَلِّهِ إذَا زَالَ، بِذَلِكَ أَفْتَى شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ وَقَالَ لِلسَّائِلِ: بِهَذَا قَالَ صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَيْدٍ إذْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ دَارِ الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ الْمَدْفُونِ بِهَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَاتِهِ، وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ لَا يُجِيزُ فِي هَذِهِ لِنُدُورِ مَسْأَلَتِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ مَسْأَلَتِنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (وَالدَّلْكُ) ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْفَرَائِضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَبَدَأَ مِنْهَا بِالدَّلْكِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَةِ الْغَسْلِ وَلِهَذَا لَمْ يَعُدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَرِيضَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ ذَكَرَهُ مَعَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الدَّلْكَ فَرْضٌ فِي مَغْسُولِ الْوُضُوءِ جَمِيعِهِ: الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، بِخِلَافِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الدَّلْكِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ لَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؟ الْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي حُصُولِ مُسَمَّى الْغَسْلِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «وَادْلُكِي جَسَدَكِ بِيَدِكِ» وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ عِلَّتَهُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَسَدِهِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى غَسْلًا، وَقَدْ فَرَّقَ أَهْلُ اللُّغَةِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالِانْغِمَاسِ، وَالثَّانِي نَفْيُ وُجُوبِهِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ اسْمِ الْغَسْلِ بِدُونِهِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِتَحَقُّقِ إيصَالِ الْمَاءِ فَمَنْ تَحَقَّقَ إيصَالَ الْمَاءِ لِطُولِ مُكْثٍ أَجْزَأَهُ وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِأَبِي الْفَرَجِ وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ عَزَاهُ لَهُ وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِأَبِي الْفَرَجِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ إلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الدَّلْكِ، وَالْخِلَافُ فِي الْغَسْلِ كَالْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْغَسْلِ فَقَطْ دُونَ الْوُضُوءِ أَيْ فَيَجِبُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَحَكَى الْمِسْنَاوِيُّ قَوْلًا بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَا أَعْرِفُهُ فَيَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
(قُلْتُ) بَلْ خَمْسَةٌ وَالْخَامِسُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ، وَإِنْكَارُ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ عَجِيبٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: التَّدَلُّكُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيِّ وَغَيْرُهُ: مُسْتَحَبٌّ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ.
وَابْنُ الْقَصَّارِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُمْ يُطْلِقُونَ الْمُسْتَحَبَّ عَلَى السُّنَّةِ ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْمُوَالَاةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّدَلُّكِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ.
الشَّيْخُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ فِيهَا فَاغْسِلُوا وَآيَةَ الْغُسْلِ فِيهَا فَاطَّهَّرُوا، وَأَحَادِيثُ الْوُضُوءِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّدَلُّكِ وَأَحَادِيثُ الْغُسْلِ إنَّمَا فِيهَا أَفَاضَ الْمَاءَ وَاغْتَسَلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْغُسْلِ فَقَطْ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعَةُ فُرُوعٍ: حَقِيقَةُ الدَّلْكِ وَمُقَارَنَتُهُ لِلْمَاءِ وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهِ وَنَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ.
(فَرْعٌ) فَأَمَّا حَقِيقَةُ الدَّلْكِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَهِيَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي نَهْرٍ يَنْوِي بِهِ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَمُرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَمُرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي بَابِ الْغُسْلِ: وَعَلَى الْمُغْتَسِلِ وَالْمُتَوَضِّئِ أَنْ يُمِرَّ الْيَدَ مَعَ الْمَاءِ فِي حِينِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ، فَإِنْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ حِينَ غُسْلِهِ أَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ أَوْ غَمَسَهَا فِي الْمَاءِ وَلَمْ يُمِرَّ الْيَدَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ عِنْدَ مَالِكٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ: فَيُفْرِغُهُ

عَلَيْهِ غَاسِلًا لَهُ بِيَدَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدْلُكُهُ بِهِمَا مَعَ الْمَاءِ أَوْ أَثَرِهِ مُتَّصِلًا بِهِ دَلْكًا وَسَطًا إذْ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ الْوَسَخِ الْخَفِيِّ بَلْ مَا ظَهَرَ وَحَالَ بَيْنَ مُبَاشَرَةِ الْمَاءِ لِلْعُضْوِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَا يَلْزَمُ إزَالَةُ الْوَسَخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَجَسِّدًا، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: وَالْغَسْلُ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْوَجْهِ لَا إرْسَالُ الْمَاءِ فَقَطْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْلُكَ وَجْهَهُ وَإِنْ طَافَهُ وَخَفَّ إمْرَارُ الْيَدِ يُجْزِي إذَا كَانَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَسْلِ، وَمَا أَنْقَى مِنْ بَشَرَتِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ إذَا كَانَ لَا وِقَايَةَ لِلْوَجْهِ مِمَّا يُوقَى بِهِ سَائِرُ الْجَسَدِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مُقَارَنَةُ الدَّلْكِ لِصَبِّ الْمَاءِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْأَكْمَلُ وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُقَارِنًا لِصَبِّ الْمَاءِ وَلَا يَكْفِي إذَا كَانَ عَقِبَ الصَّبِّ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الثَّانِيَةُ غَسْلُ الْوَجْهُ بِنَقْلِ الْمَاءِ إلَيْهِ مَعَ الدَّلْكِ.
قَوْلُهُ: مَعَ الدَّلْكِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْقَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الدَّلْكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِصَبِّ الْمَاءِ وَلَا يَكْفِي إذَا كَانَ بِأَثَرِ الصَّبِّ وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَابِسِيِّ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يَكْفِي كَوْنُهُ عَقِبَ صَبِّ الْمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلُزُومِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ هَارُونَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الْغُسْلِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ.
فَقَالَ: وَلَوْ تَدَلَّكَ عَقِيبَ الِانْغِمَاسِ أَوْ الصَّبِّ أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَسَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْغُسْلِ: وَدَلَكَ وَلَوْ بَعْدَ الْمَاءِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ: الدَّلْكُ إمْرَارُ الْيَدِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مَعَ الْمَاءِ وَفِي اشْتِرَاطِ مُقَارَنَتِهِ لِصَبِّ الْمَاءِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهَا يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ وَلِأَنَّ الْمَاءَ إذَا صُبَّ عَلَى الْجَسَدِ يَبْقَى زَمَانًا فَإِذَا تَدَلَّكَ عَقِبَ الصَّبِّ وَالْمَاءُ يَسِيلُ عَلَى جَسَدِهِ كَانَ كَمَنْ تَدَلُّكَ مَعَ صَبِّ الْمَاءِ، وَقَالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَعْرُكُهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى.
وَالْعَرْكُ الدَّلْكُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْإِفَاضَةِ فِي كُلِّ مَغْسُولٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأُ مِنْ الْخِلَافِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ جَوَازَ التَّعَقُّبِ مَعَ الِاتِّصَالِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: الْفَرْضُ السَّابِعُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَالدَّلْكِ وَحَقِيقَتِهِ إمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى أَثَرِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ وَتَرْجِيحُهُ لِقَوْلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ عَنْ الْبَاجِيِّ نَحْوَ قَوْلِ الْقَابِسِيِّ وَنَصُّهُ: شُرِطَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ قَبْلَ ذَهَابِ الْمَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ مَسْحٌ ابْنُ عَرَفَةَ يَأْتِي فِي الْغُسْلِ فِيهِ خِلَافٌ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْغُسْلِ وَقَدْ حَكَى ابْنُ هَارُونَ وَصَاحِبُ الْجَمْعِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ الْخِلَافَ هُنَا كَالْخِلَافِ هُنَاكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الِاسْتِنَابَةُ فِي الدَّلْكِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ضَرُورَةٍ جَازَتْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَيَنْوِي الْمَغْسُولُ لَا الْغَاسِلُ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ هَلْ يُجْزِيهِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ غَاسِلًا لَهُ: لَا خِلَافَ فِي النِّيَابَةِ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَيُؤْخَذُ جَوَازُهَا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ إذْ كَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا عَلَى الْفِعْلِ فَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَيَنْوِي الْمَفْعُولُ لَا الْفَاعِلُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ هَلْ يُجْزِيهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَلَوْ وَكَّلَ جَمَاعَةً عَلَى أَنْ يَغْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ عُضْوًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ فَقَوْلَانِ، مَنْ قَالَ التَّرْتِيبُ فَرْضٌ لَا يُجْزِيهِ، وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي بَابِ الْغُسْلِ وَشَهَرَ الْإِجْزَاءُ، وَلَفْظُ الشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ: فَإِنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقِيلَ: يُجْزِيهِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ فَعَلَ حَرَامًا وَيُجْزِيهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ شَعْبَانَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِجْزَاءُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَسْمِ النُّذُورِ وَالْجَنَائِزِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غَسْلِ

الْجَوَارِي رِجْلَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلصَّلَاةِ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيٍ، قِيلَ لَهُ: أَلَا تَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ اللَّمْسِ قَالَ: لَا لَعَمْرِي وَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شُغْلٍ أَوْ عُذْرٍ يَجِدُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ فِي لَمْسِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ الِالْتِذَاذَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ، فَلَوْ الْتَذَّ ابْنُ عُمَرَ لَمَا صَلَّى بِذَلِكَ الْوُضُوءِ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَلِيَ الْمُغْتَسِلُ أَوْ الْمُتَوَضِّئُ أَوْ الْمُتَيَمِّمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ وَلِيَ ذَلِكَ غَيْرُهُ أَجْزَأَهُ، وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ اسْتِنْكَافًا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِكْبَارًا عَنْهَا وَتَهَاوُنًا بِهَا انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَنَصُّهُ: سَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَمَّنْ تَوَضَّأَ عَلَى نَهْرٍ فَلَمَّا فَرَغَ خَضْخَضَ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ فَقَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: يَغْسِلُهُمَا وَلَا يُجْزِيهِ قَالَ أَصْبَغُ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى؟ قَالَ: لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ يُجْزِيهِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ الْغَسْلَ فِي اللُّغَةِ لَا يُفْعَلُ إلَّا بِصَبِّ الْمَاءِ وَإِمْرَارِ الْيَدِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ مِنْ دَلْكِ إحْدَى رِجْلَيْهِ بِالْأُخْرَى فِي دَاخِلِ الْمَاءِ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا بِيَدَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ دَلْكَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَا يُمْكِنُهُ أَوْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ اسْتِخْفَافًا مِنْ فَاعِلِهِ وَتَهَاوُنًا إذَا فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا الِاسْتِنَابَةُ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ فَتَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ: فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْوُضُوءِ؟ قُلْتُ أَمَّا فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ فَتَجُوزُ، وَأَمَّا فِي الدَّلْكِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنِيبُ مَرِيضًا.
قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: مَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ غَسْلِ وَجْهِهِ وَلَّى غَيْرَهُ مِنْهُ مِثْلَ الَّذِي كَانَ يَلِي مِنْ نَفْسِهِ، وَأَجْزَأَ ذَلِكَ الْغَسْلُ عَنْ مُرَادِهِ، وَنِيَّتُهُ بِحَسَبِ مَا نَوَاهُ وَأَرَادَهُ وَغَيْرُ نَافِعٍ لَهُ مَا يَنْوِيه الْمَأْمُورُ مِنْ وِفَاقِهِ أَوْ خِلَافِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَلِيَ مِنْهُ مَا كَانَ يَلِي مِنْ جَمِيعِ أَعْضَائِهِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ فِيهَا الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ كَانَ كَمَا وَصَفْنَا، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْوُضُوءِ: وَلَوْ وَلَّى ذَلِكَ يَعْنِي غَسْلَ أَعْضَائِهِ مِنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مُكْرَهًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَجْزَأَهُ وَلَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ عِنْدَ فِعْلِ الْفَاعِلِ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَأَحْدَثَ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْفَاعِلِ تَمَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ نَوَى الطَّهَارَةَ بَعْدَ أَنْ غُسِلَتْ بَعْضُ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أُمِرَ بِإِعَادَةِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بِذَلِكَ أَعَادَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ بَعْضَ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَلَّى بَعْدَ أَنْ أَعَادَ ذَلِكَ الْعُضْوَ وَحْدَهُ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنَكِّسِ.
هَذَا إذَا أَعَادَ غَسْلَهُ بِالْقُرْبِ وَإِلَّا كَانَ مُفَرِّقًا لِلطَّهَارَةِ عَمْدًا فَلَا يُجْزِيهِ انْتَهَى.
بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى (قُلْتُ) وَقَدْ تَجِبُ الِاسْتِنَابَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَقْطَعِ وَكَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْغُسْلِ وَفِي آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ، فَلَوْ أَرْسَلَ الْمَاءَ مِنْ يَدَيْهِ ثُمَّ مَرَّ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ لَمْ يُجْزِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغَسْلٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّقْلِ حَمْلُ الْمَاءِ بِالْيَدِ إلَى الْعُضْوِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، فَلَوْ أَصَابَ الْمَطَرُ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ أَوْ جَسَدِهِ أَوْ خَاضَ بِرِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ أَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَاءِ وَتَدَلَّكَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا أَنَّ الْجُنُبَ إذَا انْغَمَسَ فِي نَهْرٍ وَتَدَلَّكَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إذَا نَصَبَ يَدَيْهِ لِلْمَطَرِ حَتَّى حَصَلَ فِيهِمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ

فِي التَّوْضِيحِ: الصُّوَرُ ثَلَاثٌ مِنْهَا مَا اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ النَّقْلِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّهْرِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إذَا انْغَمَسَ فِي النَّهْرِ وَتَدَلَّكَ فِيهِ لِلْغُسْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ الْمَاءَ بِيَدِهِ إلَيْهِ وَلَا صَبَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ سَحْنُونٍ وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
(قُلْتُ) لِسَحْنُونٍ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَكُونُ فِي السَّفَرِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ فَيُصِيبُهُ الْمَطَرُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْصِبَ يَدَيْهِ لِلْمَطَرِ وَيَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ فَإِنْ كَانَ جُنُبًا هَلْ يَتَجَرَّدُ وَيَتَطَهَّرُ بِالْمَطَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَزِيرًا؟ قَالَ: إذَا وَقَعَ عَلَيْهِ مَا يَبُلُّ جِلْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَجَرَّدَ وَيَتَطَهَّرَ.
ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا إذَا نَصَبَ يَدَهُ لِلْمَطَرِ فَحَصَلَ فِيهَا مِنْ الْمَطَرِ مَا يَكُونُ بِنَقْلِهِ إلَى وَجْهِهِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ غَاسِلًا لَهُ وَمِنْ بَلَّتِهِ مَا يَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّةِ وُضُوئِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الرَّأْسِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِمَا أَصَابَهُمَا مِنْ الْمَطَرِ دُونَ أَنْ يَنْقُلَ إلَيْهِمَا الْمَاءَ بِيَدَيْهِ مِنْ الْمَطَرِ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ سَحْنُونٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ رَوَاهُ عَنْهُ عِيسَى فِيمَا حَكَى الْفَضْلُ وَذَلِكَ أَيْضًا قَائِمٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَأَبْقَى رِجْلَيْهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَغَسَلَهُمَا فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إذَا نَوَى بِهِ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِمَا الْمَاءَ بِيَدَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوُضُوءِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إجْمَاعَهُمْ عَلَى إجْزَاءِ انْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ وَتَدَلُّكِهِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوُضُوءِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ كُلَّ صُوَرِ الْغَسْلِ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْلِ فِيهَا، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى صُوَرِ الِانْغِمَاسِ وَلَوْ اغْتَسَلَ خَارِجَ الْمَاءِ كَانَ كَالْوُضُوءِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَقَالَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَبِالثَّانِي قَطَعَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ غَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الْمَطَرِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ قَوْلَانِ، مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَوَازُ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَائِضِ فِي النَّهْرِ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا لَوْ لَاقَى بِرَأْسِهِ الْمَطَرَ ثُمَّ مَسَحَهُ بِيَدَيْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ حُكِيَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْمُنْتَقَى: لَوْ مَسَحَ بِمَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ بَلَلِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمُ وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونًا قَالَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْمَطَرِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَى هَذَا فَاتَّفَقَ نَقْلُ الْبَاجِيِّ وَابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِجْزَاءِ فِي الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَسْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْبَاجِيِّ: وَأَمَّا إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ يَعْنِي الرَّأْسَ فَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ بَلَلَ الْمَاءِ بِيَدِهِ إلَيْهِ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُمِرَّ يَدَهُ جَافَّةً عَلَى بَلَلِ رَأْسِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْحٌ بِيَدِهِ، حَكَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاَلَّذِي يَتَوَضَّأ بِالْمَطَرِ يَنْصِبُ يَدَيْهِ لِلْمَطَرِ فَيَمْسَحُ بِالْبَلَلِ رَأْسَهُ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى جَسَدِهِ بِمَا صَارَ فِيهِ مِنْ مَاءِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَاءَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ لَمْ يَكُنْ الْمَاسِحُ مَاسِحًا بِالْمَاءِ وَمَاءُ الْغُسْلِ يَعْلَقُ بِالْيَدِ وَيَتَصَرَّفُ مَعَهَا عَلَى أَعْضَاءِ الْغُسْلِ كَانَ فِي الْيَدِ مَاءٌ أَمْ لَا لِكَثْرَتِهِ فَيَكُونُ غَاسِلًا بِالْمَاءِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] يَقْتَضِي وُجُوبَ النَّقْلِ إذْ التَّقْدِيرُ أَلْصِقُوا بَلَلَ أَيْدِيكُمْ بِرُءُوسِكُمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ

الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ وَأَقَامَ مِنْهَا عَدَمَ وُجُوبِ النَّقْلِ هِيَ قَوْلُهَا: وَمَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَدَلَكَهُمَا فِيهِ بِيَدَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ تَمَامَ وُضُوئِهِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ اهـ. (قُلْتُ) وَيَقُومُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَة أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي نَهْرٍ إلَى آخِرِهِ.
وَقَدْ أَقَامَهُ مِنْهَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ نَاجِي فِيهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا وَنَصِّ مَا فِي سَمَاعِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمُ عَنْ الَّذِي يَتَوَضَّأ وَيَنْسَى غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَيَمُرُّ بِنَهْرٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ وَيَخُوضُهُ هَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ غَسْلِ رِجْلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا دَلَكَ إحْدَى رِجْلَيْهِ بِالْأُخْرَى أَجْزَأَهُ.
ابْنُ الْقَاسِمُ إذَا دَلَكَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَكَانَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَسِيَهَا وَفَارَقَ مَحَلَّ وُضُوئِهِ عَلَى أَنَّهُ أَكْمَلَهُ ارْتُفِضَتْ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَلَزِمَهُ تَجْدِيدُهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَأَبْقَى رِجْلَيْهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا وَغَسَلَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْقَاهُمَا ظَنًّا أَنَّهُ أَكْمَلَ وُضُوءَهُ، فَإِنْ أَبْقَاهُمَا قَاصِدًا لِغَسْلِهِمَا فِي النَّهْرِ لَمْ يَحْتَجْ لِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ وَأَجْزَأَهُ غَسْلُهُمَا فِي النَّهْرِ دُونَ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى النَّهْرِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ أَدْخَلَهُمَا فِيهِ وَدَلَكَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ انْتَهَى.
وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهِ لَا يَعْنِي مَا يُعْطِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ مِنْ رَفْعِ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ أَوْ بِيَدِ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ بَلْ حُصُولَهُ عَلَى سَطْحِ الْوَجْهِ كَيْفَمَا اتَّفَقَ حَتَّى لَوْ أَلْقَى وَجْهَهُ إلَى مِيزَابٍ أَوْ مَطَرٍ وَابِلٍ وَأَتْبَعَ الدَّلْكَ لَكَفَاهُ وَكَذَا الْمَنْقُولُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
(فَإِنْ قُلْتُ) لَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى بَيَانٍ لِأَنَّ مِثْلَ مَا ذَكَرْت لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ (قُلْتُ) قَدْ يَلْتَبِسُ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي الْمَسْحِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ أَنْ يُلَاقِيَ بِرَأْسِهِ مَاءَ الْمَطَرِ ثُمَّ يَمْسَحَهُ بِيَدَيْهِ فَقَدْ يُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ كَمَا غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَلِذَلِكَ اُحْتِيجَ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي تَغْلِيطِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ قُصُورٌ يَعْنِي لِأَنَّ الْخِلَافَ مَنْقُولٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْضًا جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ مَسْحَ رَأْسِهِ بِمَا نَالَهُ مِنْ رَشٍّ دُونَ يَدَيْهِ مُجْزِئًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافَ، نَقْلِ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَمَنْ لَقِينَاهُ عَدَمَ إجْزَائِهِ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْعَمَلِ فِي الْوُضُوءِ وَفِي بَابِ مَا جَاءَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ ابْنُ هَارُونَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَحَكَى ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِهِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَأْتِي الْخِلَافُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَهُوَ مُنْغَمِسٌ فِي الْمَاءِ وَالْأَظْهَرُ الْجَوَازُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا غُسْلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِ الْمَاءَ بَلْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ نَقْلِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَدْفَعُ أَنْ يُسَمَّى هَذَا غُسْلًا انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ مِنْ صُوَرِ النَّقْلِ فَقَالَ: وَمِنْهَا مَا اُتُّفِقَ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ النَّقْلِ وَهِيَ إذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ الْمَاءَ ثُمَّ نَفَضَهُ مِنْ يَدِهِ وَمَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْعُضْوِ فَلَا يُجْزِئُهُ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغُسْلٍ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُتَوَضِّئُ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ الْمَاءَ مِنْ يَدَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى وَجْهِهِ لَا مَاءَ فِيهِمَا إلَّا الْبَلَّةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَكُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ مَاسِحٌ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ الْمَسْحَ وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِمِثْلِ الْخُفَّيْنِ وَالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ فَهَذَا الشَّأْنُ فِيهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ أَوْ يُرْسِلَهُ بِالْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ يَمْسَحُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ أَصْبَغَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ عَنْ الشَّيْخِ زَرُّوق أَنَّ نَفْضَ الْيَدِ قَبْلَ إيصَالِ

الْمَاءِ إلَى الْوَجْهِ مُبْطَلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ صَبُّهُ مِنْ دُونِ الْجَبْهَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِهِ خِلَافُ مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ.
وَنَصُّهُ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ يَبُلُّ يَدَيْهِ بِالْمَاءِ وَيُمِرُّهُمَا عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هَلْ يُجْزِيهِ ذَلِكَ أَوْ يَلْزَمُ نَقْلُ الْمَاءِ إلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَلَا يَجْتَزِئُ بِالْبَلَلِ؟ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ النَّقْلُ.
(قُلْتُ) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ نَقْلَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ - بِمَعْنَى إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ - وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَأَمَّا حَمْلُ الْمَاءِ إلَيْهِ بِالْيَدِ فَلَا يَجِبُ أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ انْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِي النَّهْرِ فَبِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَصَابَ الْمَطَرُ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ أَوْ جِسْمِهِ أَوْ خَاضَ بِرِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ أَوْ تَوَضَّأَ فِي الْمَاءِ فَعَلَى الرَّاجِحِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْبَلَلِ الْحَاصِلِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَمَسْحُهُ بِبَلَلٍ لِحْيَتَهُ أَوْ ذِرَاعَيْهِ يَأْتِي فِي الْمُوَالَاةِ.
ص (وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا وَإِنْ عَجَزَ بَنَى مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَا أَوْ سَنَةٍ؟ خِلَافٌ) ش هَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ وَهِيَ الْمُوَالَاةُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ فِي الْأَجْسَامِ وَهِيَ الْمُجَاوَرَةُ فِي الْأَمَاكِنِ، مَجَازٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَمِنْهُ الْوَلَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالتَّوَالِي انْتَهَى.
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الطَّهَارَةِ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَشَدُّ لِكَوْنِهَا تَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ فِيمَا بَيْنَ الْأَعْضَاءِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْعُضْوِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا لَفْظُ الْفَوْرِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا الصَّحِيحُ عَدَّهَا مِنْ الْفَرَائِضِ وَأَشَارَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَنَاهِي وَالتُّرُوكِ، احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي تَرْكِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَهُوَ أَصْلُ التُّرُوكِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي حُكْمِ الْمُوَالَاةِ قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَّرَهُ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا سُنَّةٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَشَهَّرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) لَكِنَّهُ وَافَقَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، فَجَعَلَ التَّفْرِيقَ عَمْدًا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ فِيهَا: وَأَمَّا الْفَوْرُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: فَرْضٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ، وَسُنَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالثَّالِثُ فَرْضٌ فِيمَا يُغْسَلُ سُنَّةً فِيمَا يُمْسَحُ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، وَعَلَى الثَّانِي إنْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَرَّقَهُ عَامِدًا فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ لِتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا عَامِدًا؛ لِأَنَّهُ كَاللَّاعِبِ الْمُتَهَاوِنِ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ هَذَا فِي الْفَوْرِ أَنَّهُ فَرْضٌ بِالذِّكْرِ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَزَعَمَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْمُوَالَاةِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ فَحَكَى الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَعْنِي الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ: وَالْخَامِسُ وَاجِبَةٌ فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ الْبَدَلِيِّ دُونَ الْأَصْلِيِّ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَالسَّادِسُ مُسْتَحَبَّةٌ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَجَعَلَهُ

ابْنُ هَارُونَ سَادِسًا كَمَا قُلْنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ يُطْلِقُونَ عَلَى السُّنَّةِ الِاسْتِحْبَابَ، وَالسَّابِعُ وَاجِبَةٌ إذَا تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَغَيْرُ وَاجِبَةٍ إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ حَكَاهُ ابْنُ جَمَاعَةَ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَحْكِي الْخَمْسَةَ الْأَقْوَالَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فِي حُكْمِهَا ابْتِدَاءً وَابْنُ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الْخِلَافَ أَوَّلًا فِي حُكْمِهَا بِالسُّنِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ ثُمَّ حَكَى فِيهَا الْخِلَافَ إذَا نَزَلَ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَعْنِي الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وَالْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَأَقْوَى مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْوُجُوبِ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَإِنَّ الْعَطْفَ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَعَطْفُ الْأَعْضَاءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي جَعْلَهَا فِي حُكْمِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ.
(قُلْتُ) وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ لِلْفَوْرِ وَبِأَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَمِنْ حَقِّ الْجَزَاءِ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْ الشَّرْطِ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» فَنَفَى الْقَبُولَ عِنْدَ انْتِفَائِهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَرَّةٌ مَرَّةً عَلَى الصَّحِيحِ لَا إلَيْهِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْقُيُودِ وَإِلَّا لَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَخْصُوصُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ: وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْإِشَارَةُ إلَى الْمَجْمُوعِ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ بِالْإِجْمَاعِ بَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِصُورَةِ النِّزَاعِ، أَمَّا إسْقَاطُ الْوُجُوبِ مَعَ النِّسْيَانِ فَلِضَعْفِ مَدْرَكِ الْوُجُوبِ بِالْمُتَأَكِّدِ بِالنِّسْيَانِ، وَالْكَلَامُ فِي الِاسْتِدْلَالِ وِرْدُهُ يَطُولُ.
(قُلْتُ) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ فَرَّقَ الطَّهَارَةَ عَامِدًا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا، وَمَنْ فَرَّقَهَا نَاسِيًا أَوْ عَاجِزًا بَنَى، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ هَذَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا سُنَّةٌ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعْبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّفْرِيقَ عَمْدًا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ بَلْ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ (قُلْتُ) وَحَكَى الِاتِّفَاقَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيّ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ.
وَنَصُّهُ: وَأَمَّا التَّفْرِيقُ غَيْرُ الْمُتَفَاحِشِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِيهِ الِاتِّفَاقَ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَقَالَ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ يَعْنِي إذَا فَرَّقَ الْوُضُوءَ تَفْرِيقًا يَسِيرًا فَهُوَ مُغْتَفَرٌ فَيَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُضُوئِهِ.
وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِيهِ الِاتِّفَاقَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا قَارَبَ الشَّيْءَ هَلْ يُعْطَى حُكْمُهُ أَمْ لَا؟ وَنَحْوَهُ حَكَى صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا قُلْنَا التَّفْرِيقُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الْعَمْدُ فَهَلْ يَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عُذْرٌ مَشْهُورُ؟ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ الْمُوَالَاةَ وَحُكْمَ الْفَوْرِ لَا يُفْسِدُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُغْتَسِلِ مِنْ الْجَنَابَةِ: إذَا مَسَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ يَمُرُّ بِيَدَيْهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَيُجْزِيهِ وَهَذَا تَفْرِيقٌ فِي الْغُسْلِ، وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ مِنْ وُضُوئِهِ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ: لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ وَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اغْتَسَلَ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» وَبِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمِّ فَتَرَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءَهُ وَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ حَتَّى غَسَلَهُمَا» . (الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا: إنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ مَكْرُوهٌ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ مُوَافِقًا، وَقَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ وَابْنِ الْجَلَّابِ وَغَيْرِهِ يَحْكِي الْمَنْعَ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّلْقِينِ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ لَكِنَّ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ التَّفْرِيقُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ الْيَسِيرَةُ فَغَيْرُ مُفْسِدَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ إلَّا أَنَّهَا تُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَحَدُّ الْيَسِيرِ مَا لَمْ تَجِفَّ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ، كَمَا قَالُوا فِي حَقِّ مَنْ قَصُرَ مَاؤُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ نَحْوُ مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ.
(قُلْتُ) هَذَا خِلَافُ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مُغْتَفَرٌ وَهَذَا عِنْدِي لَا يُحَدُّ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ كَمَا حُدَّ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ لِلْمَاءِ بَلْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ عُذْرِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهُ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعَجْزَ عُذْرًا يُعْذَرُ بِهِ فِي التَّفْرِيقِ مَعَ عَدَمِ جَفَافِ الْأَعْضَاءِ، وَالتَّفْرِقَةُ الْيَسِيرَةُ مُغْتَفَرَةٌ وَلَوْ كَانَتْ بِلَا عُذْرٍ فَتَأَمَّلْهُ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَأَخَذَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَا إذَا تَرَكَ الْمُوَالَاةَ نِسْيَانًا أَوْ عَجْزًا وَبَدَأَ بِالنِّسْيَانِ فَقَالَ: وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ لُمْعَةً مِنْهُ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى وُضُوئِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَيَغْسِلُ ذَلِكَ الْعُضْوَ أَوْ اللُّمْعَةَ مُطْلَقًا طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ.
يُرِيدُ وَيُعِيدُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعُضْوِ أَوْ تِلْكَ اللُّمْعَةِ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ مَفْرُوضَةً كَانَتْ أَوْ مَسْنُونَةً.
قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ ذَكَرَ بِالْقُرْبِ قَبْلَ جَفَافِ أَعْضَائِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الطُّولِ بِجَفَافِ أَعْضَائِهِ لَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَلَا مَا بَعْدَ تِلْكَ اللُّمْعَةِ، قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهُ أَعَادَ ذَلِكَ وَمَا يَلِيهِ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ أَعَادَهُ فَقَطْ، وَحَدُّ الطُّولِ الْجَفَافُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذَا بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنْ إعَادَةِ الْمُنَكَّسِ، وَحَدُّهُ إنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ وَإِلَّا فَيُعِيدُهُ مَعَ تَابِعِهِ وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَ الْمُنَكَّسِ وَالْمَنْسِيِّ فِي الْإِعَادَةِ سَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ إعَادَةَ مَا بَعْدَهُ إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ فَلَوْ لَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالشَّيْخُ زَرُّوق وَالْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا كَانَتْ إعَادَةُ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ حُصُولِ التَّرْتِيبِ فَتَكُونُ الْإِعَادَةُ سُنَّةً وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ زَرُّوق وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَإِنَّمَا يُعِيدُ مَا يَلِيه إذَا كَانَ بِالْقُرْبِ لِلتَّرْتِيبِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ سُنَّةٌ فَلَوْ تَرَكَ إعَادَةَ مَا يَلِيه لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ: إنَّ السُّنَنَ الَّتِي يَتَدَارَكُهَا وَيَأْتِي بِهَا أَرْبَعَةٌ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَمَسْحُ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَالتَّرْتِيبُ، وَلَا مَعْنَى لِتَدَارُكِهِ لِلتَّرْتِيبِ إلَّا إتْيَانَهُ لِمَا فَعَلَهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَإِعَادَةُ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلتَّرْتِيبِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْجُزُولِيِّ وَالشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالِاسْتِحْبَابِ مَا يُقَابِلُ الْوُجُوبَ فَهُوَ شَامِلٌ لِلسُّنَّةِ أَيْ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالْمُسْتَحَبِّ الَّذِي هُوَ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ السُّنَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِلتَّرْتِيبِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا يُقَالُ فِي إعَادَةِ مَا بَعْدَ الْمُنَكَّسِ الْآتِي ذِكْرُهُ وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
(الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ مِنْ

مَسْنُونَاتِ الْوُضُوءِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ التَّبَعِ لِلْفَرَائِضِ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ مُسْتَحَبٌّ وَأَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّالِثُ) مَا وَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَإِعَادَةِ مَا بَعْدَ الْمَنْسِيِّ فِي الْقُرْبِ وَعَدَمِ الْإِعَادَةِ مَعَ الْبُعْدِ؟ فَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: بِنِيَّةٍ يَعْنِي إذَا قُلْنَا فِي النِّسْيَانِ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ فَلَوْ حَصَلَ غَسْلُ الْعُضْوِ الْمَنْسِيِّ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَدَلَكَهُمَا بِيَدِهِ فِيهِ وَلَمْ يَنْوِ تَمَامَ وُضُوئِهِ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ رِجْلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ أَكْمَلَ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يُطِلْ لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ نَسِيَ الْمُوَالَاةَ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ تَرَكَهَا عَجْزًا كَمَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ وَقَامَ لِطَلَبِهِ فَيَبْنِي مَا لَمْ يُطِلْ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ فَأُهْرِيقَ أَوْ غُصِبَ أَوْ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ بِمَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ كِفَايَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْبَاجِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَوَضَّأَ بَعْضِ وُضُوئِهِ فَعَجَزَ مَاؤُهُ فَقَامَ لِطَلَبِهِ فَإِنْ قَرُبَ بَنَى وَإِنْ تَبَاعَدَ وَجَفَّ وَضُوءُهُ ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ قَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه فَكَانَ كَالْمُفَرِّطِ وَالْمُغَرِّرِ وَلَوْ أَعَدَّ مَا يَكْفِيهِ فَأُهْرِيقَ لَهُ أَوْ غُصِبَ لَكَانَ حُكْمُهُ كَالنَّاسِي وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَبْنِي إذَا عَجَزَ وَإِنْ طَالَ، وَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ عَلَى الْخِلَافِ وَقَالَ غَيْرُهُ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمُوَالَاةَ وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَهَذَا إذَا ذَكَرَ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) وَبَعْضُ الشُّيُوخِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عِيَاضٌ هُوَ اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيمَا إذَا غُصِبَ مِنْهُ الْمَاءُ أَوْ أُهْرِيقَ أَنَّهُ يَبْنِي وَلَوْ طَالَ وَنَصُّهُ: وَيَنْبَغِي مُوَالَاةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَإِنْ غُلِبَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ ثُمَّ غَصَبَهُ أَوْ أُهْرِيقَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ وَإِنْ بَعُدَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ، وَاخْتَلَفَ إذَا فَرَّقَهُ نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى التَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ يَبْنِي وَإِنْ طَالَ بِلَا خِلَافٍ وَنَصُّهُ: التَّفْرِيقُ لِلْعُذْرِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُجْبَرًا عَلَى التَّفْرِيقِ وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَأَلْحَقَ بِهِ اللَّخْمِيُّ مَنْ ابْتَدَأَ بِمَاءٍ كَافٍ فَأَرَاقَهُ لَهُ رَجُلٌ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ، قَالَ: فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَإِنْ طَالَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.
الثَّانِي: أَنْ يُفَرِّقَ نَاسِيًا وَهَذَا يَبْنِي وَإِنْ طَالَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْجَزَ مَاؤُهُ وَقَدْ ابْتَدَأَ بِمَا ظَنَّهُ كَافِيًا وَهَذَا يَبْنِي فِيمَا قَرُبَ دُونَ مَا بَعُدَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْذَرَ بِاجْتِهَادِهِ، وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ إنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه ثُمَّ غُصِبَ لَهُ أَوْ أُرِيقَ لَهُ أَوْ أَرَاقَهُ هُوَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَإِنْ طَالَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ، وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ بَزِيزَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ الْبِنَاءُ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنِ بَزِيزَةَ: ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْعَاجِزِ ثَلَاثَ صُوَرٍ.
(الْأُولَى) أَنْ يَقْطَعَ أَنَّ الْمَاءَ يَكْفِيه.
(الثَّانِيَةُ) أَنْ يَقْطَعَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَكْفِيه.
(الثَّالِثَةُ) أَنْ يَشُكَّ فِي ابْتِدَاءِ وُضُوئِهِ هَلْ يَكْفِيه أَمْ لَا فَفِي كُلِّ صُورَةٍ قَوْلَانِ الِابْتِدَاءُ وَالْبِنَاءُ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْأُولَى الْبِنَاءُ وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الِابْتِدَاءُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي وَقَالَ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ: مَنْ أَخَذَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه فَأُهْرِيقَ أَوْ غُصِبَ سَوَّى اللَّخْمِيُّ بَيَّنَهُ وَبَيَّنَ النَّاسِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَلَّابِ أَوْ نَصُّهُ خِلَافُ هَذَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذْ النِّسْيَانُ يَتَعَذَّرُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَالْإِهْرَاقِ فَإِنَّهُ نَادِرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَاجِزَ إذَا أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيه ثُمَّ غُصِبَهُ أَوْ أُهْرِيقَ لَهُ أَوْ أَهْرَاقَهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّفْرِيقِ يَبْنِي وَإِنْ طَالَ كَالنَّاسِي بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ وَعِنْد بَعْضِهِمْ عَلَى الرَّاجِحِ.
فَكَانَ يَنْبَغِي

لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ هَذِهِ الصُّورَةَ أَوْ يَحْكِيَ فِيهَا خِلَافًا إنْ كَانَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ كَلَامُ الْبَاجِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَحَكَى فِي الطِّرَازِ عَنْ التُّونُسِيِّ تَرَدُّدًا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَجِّحَ أَحَدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا.
(تَنْبِيهٌ) اسْتَثْنَى الرَّجْرَاجِيُّ مِنْ صُوَرِ الْعَجْزِ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ مَا إذَا أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ قَطْعًا فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ تَعَمَّدَ وَأَخَذَ مَا لَا يَكْفِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَمَّدَ إلَى تَفْرِيقِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَشَذَّالِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَعَجَزَ مَاؤُهُ يُرِيدُ إذَا أَعَدَّ مَا يَكْفِيهِ وَإِلَّا ابْتَدَأَ.
(قُلْتُ) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا مِمَّا يُغْتَفَرُ ابْتِدَاءً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنٍ اعْتَدَلَا أَيْ الْأَعْضَاءُ وَالزَّمَانُ وَهَذَا بَيَانٌ لِحَدِّ الطُّولِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْجِسْمِ الْمُعْتَدِلِ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَفَافِ مَظِنَّةُ الْقُرْبِ فِي الْعَادَةِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُفُوفِ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ فَكَانَ قِيَامُ الْبَلَلِ عِنْدَهُمْ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَيَتَّصِلُ الْأَخِيرُ بِأَثَرِ الْغَسْلِ السَّابِقِ وَقِيلَ: بَلْ الطُّولُ مُحَدَّدٌ بِالْعُرْفِ حَكَاهُ الْقَابِسِيُّ وَعِيَاضٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَزَا الْفَاكِهَانِيُّ الْأَوَّلَ لِابْنِ حَبِيبٍ فَقَطْ وَهُوَ قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْتُ) قَدْ عَزَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي بَاب صِفَةِ الْوُضُوءِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ وَأَمَّا حَدُّ التَّفَاحُشِ فَأَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّ الضَّابِطَ فِي التَّفَاحُشِ أَنْ يَجِفَّ مَا غُسِلَ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ وَالْمِزَاجِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ النَّاسِ وَأَمَّا فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ فَعَزَاهُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَنَصُّهُ: وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ مِقْدَارُهُ مَا يَجِفُّ وَضُوءُهُ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَزِيدُ فِي الْأَعْضَاءِ الْمُعْتَدِلَةِ يُرِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرُّطُوبَةِ وَالْقَشَابَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ مُرَادُهُ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ الْجِسْمَ الْمُعْتَدِلَ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ الْبَدَنَ الْمُعْتَدِلَ اعْتِدَالُ الْمِزَاجِ، لَا كَوْنُ الشَّخْصِ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالشُّيُوخَةِ بَلْ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ غَالِبًا، وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الطُّولِ التَّحْدِيدُ بِالْعُرْفِ، وَلَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: هُنَا دَقِيقَةٌ فِي اعْتِبَارِ الْجَفَافِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرْ الْجَفَافُ مِنْ آخِرِ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ الْمَأْتِيِّ بِهِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الْأَعْضَاءِ حَتَّى لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ وَقَعَ فَصْلٌ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ جَفَافِ مَاءِ الْيَدَيْنِ وَبَعْدَ جَفَافِ مَاءِ الْوَجْهِ هَلْ يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ وَكَذَلِكَ هَلْ الِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَوْ الْأُولَى حَتَّى لَوْ طَالَ الْفَصْلُ نِسْيَانًا بَيْنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَغَسَلَ الثَّالِثَةَ ثُمَّ غَسَلَ الْعُضْوَ الَّذِي يَلِي الثَّانِيَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَجِفُّ فِيهَا بَلَّةُ الْأُولَى دُونَ الثَّالِثَةِ هَلْ يَضُرُّ أَمْ لَا؟ قَالَهُ تَقِيُّ الدِّينِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ اغْتِفَارُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَأَنَّهُ مَا دَامَ الْبَلَلُ مَوْجُودًا جَازَ الْبِنَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَبْنِي فِي النِّسْيَانِ مُطْلَقًا فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ عِنْدَ ذِكْرِهِ فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَامِدًا بَطَلَ وُضُوءُهُ إنْ تَفَاحَشَ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ لَمْ يَبْطُلْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ أَخَّرَ حِينَ ذَكَرَهُ فَكَالْمُتَعَمِّدِ وَسَيَأْتِي لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي النُّكَتِ وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ هَذِهِ اللُّمْعَةَ لَمْ يَغْسِلْهَا فِي الْوَقْتِ ثُمَّ غَسَلَهَا بِالْقُرْبِ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَرَاخَى الْمِقْدَارَ الَّذِي لَوْ فَرَّقَ فِيهِ طَهَارَتَهُ لَمْ يَبْتَدِئْ الطَّهَارَةَ لِقُرْبِ ذَلِكَ لَمْ يَبْتَدِئْ جَمِيعَ طَهَارَتِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ ابْتِدَاءُ طَهَارَتِهِ مِنْ أَوَّلِهَا نَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ذَكَرَ اللُّمْعَةَ أَوْ الْعُضْوَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ فَحَكَى فِي النُّكَتِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدِ مِنْ شُيُوخِهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ إنْ طَالَ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ ابْتَدَأَ جَمِيعَ طَهَارَتِهِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لَهُ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِلْإِبْيَانِيِّ أَنَّهُ يَبْنِي مُطْلَقًا وَجَدَ الْمَاءَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ، وَمَضَى مُبَادِرًا، وَالثَّانِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ النُّكَتِ وَنَصُّهُ بَعْدَ

مَا ذَكَرَ كَلَامَ الْإِبْيَانِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ النُّكَتِ خِلَافَ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا وَأَنَّهُ كَمَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ فِي ابْتِدَاءِ طَهَارَتِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لِابْنِ حَبِيبٍ مِثْلُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنْ شُيُوخِنَا ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْإِبْيَانِيِّ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنَّهُ عَزَاهُمَا لِلْإِبْيَانِيِّ وَشُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي وَلَمْ يَعْزُوَاهُ لِلْوَاضِحَةِ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَسِيَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ ثُمَّ نَسِيَ فَهَلْ يَبْنِي فِي النِّسْيَانِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَرَكَ بَعْضَ مَفْرُوضِ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْضَ الْغُسْلِ أَوْ لُمْعَةً عَامِدًا حَتَّى صَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ سَهْوًا حَتَّى طَاوَلَ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَقَطْ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ حِينَ ذَكَرَهُ اسْتَأْنَفَ الْغُسْلَ أَوْ الْوُضُوءَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ تَرْكُ ذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي وَمِثْلُهُ فِي الصِّيَامِ الْمُتَتَابِعِ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَصِلُهُ بِآخِرِ صَوْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَصِلْهُ ابْتَدَأَ.
ظَاهِرُهُ وَلَوْ سَهْوًا وَيُعَارِضُهُمَا غَسْلُ النَّجَاسَةِ إذَا رَآهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى وَنَسِيَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَرَهَا.
وَأُجِيبَ بِضَعْفِ النَّجَاسَةِ وَقَدْ قِيلَ فِيهَا بِالْفَضِيلَةِ وَبِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا عِنْدَ رُؤْيَتِهَا بِخِلَافِ اللُّمْعَةِ فَإِنَّ غَسْلَهَا وَاجِبٌ فَوْرًا لِذَاتِهَا لِيَصِحَّ الْوُضُوءُ الَّذِي هِيَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ عُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي خِلَافُ فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَجَبَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ وُضُوءِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ يَمْسَحُهُ وَيُعِيدُ الْخَمْسَ، فَإِنْ أَعَادَ الْخَمْسَ نَاسِيًا لِمَسْحِ رَأْسِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَمْسَحُهُ وَيُعِيدُ الْعِشَاءَ فَقَطْ وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ سَحْنُونٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي عُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُعْذَرُ بِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّجَاسَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَتْ اللُّمْعَةُ مِنْ مَغْسُولِ الْوُضُوءِ غَسَلَ مَوْضِعَهَا ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ إنْ نَسِيَ عُضْوًا غَسَلَهُ ثَلَاثًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ غَسَلَ ذَلِكَ مَرَّةً وَمَرَّةً وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْبُعْدِ غَسَلَ مَوْضِعَ اللُّمْعَةِ فَقَطْ ثَلَاثًا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالشَّبِيبِيُّ قَالَ الْجُزُولِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا غَسَلَ تِلْكَ الْأَعْضَاءَ أَوَّلًا مَرَّةً مَرَّةً فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
(فَرْعٌ) إذَا تَحَقَّقَ مَوْضِعَ اللُّمْعَةِ غَسَلَهَا خَاصَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَوْضِعَهَا غَسَلَ الْعُضْوَ كُلَّهُ.
(قُلْتُ) وَهَذَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ لُمْعَةً أَوْ عُضْوًا فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ بَلْ شَكَّ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ فَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ غَسَلَهُ فَلْيَغْسِلْ مَا شَكَّ فِيهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ بِحِدْثَانِ وُضُوئِهِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُضْوِ بَلَلٌ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَلَلٌ غَسَلَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ طُولٍ مِمَّا يَجِفُّ فِيهِ لَوْ كَانَ غَسَلَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) مَنْ ذَكَرَ لُمْعَةً مِنْ غُسْلِهِ أَوْ عُضْوًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ وُضُوئِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُزُولِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَغْسِلُهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الْغُسْلِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَأَعْرِفُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ ذَكَرَ لُمْعَةً مِنْ الْوُضُوءِ مِنْ إحْدَى يَدَيْهِ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ يَدٍ هِيَ إلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ مَوْضِعَهَا مِنْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَعَادَ بَقِيَّةَ وُضُوئِهِ، وَإِنْ طَالَ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا.

[مسح بَعْض الأعضاء بِمَا تَبْقَى مِنْ مَاء فِي اللِّحْيَة أَوْ غَيْرهَا]

(فَرْعٌ) فَإِنْ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَهُ بِمَا فِي ذِرَاعَيْهِ أَوْ لِحْيَتِهِ مِنْ

بَلَلٍ لِقِلَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِحْيَتُهُ عَظِيمَةً بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ كِفَايَةُ الْمَسْحِ فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ذَكَرَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ قَطَعَ وَلَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُ بِمَا فِي لِحْيَتِهِ مِنْ بَلَلٍ وَيَسْتَأْنِفُ مَسْحَهُ وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ وَضَوْءُهُ قَدْ جَفَّ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ أَعَادَ أَبَدًا وَهُوَ كَذَلِكَ، عَزَاهُ الْعُتْبِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَاهُ غَيْرُهُ لِمَالِكٍ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَسْحِ رَأْسِهِ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ قَالَ: لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَلَوْ مَسَحَ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ وَبِفَضْلِ لِحْيَتِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ قَالَ: يُعِيدُ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَسْحُ رَأْسِهِ بِفَضْلِ ذِرَاعَيْهِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْمَسْحُ وَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَا أُحِبُّ دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُحِبُّ فِيمَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادِ، وَيَكْتَفُونَ بِقَوْلِهِمْ أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ.
فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ اللِّحْيَةِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْمَسْحِ، وَعَلَى هَذَا تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ عَظُمَتْ لِحْيَتُهُ فَكَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَاءِ كِفَايَةٌ لِلْمَسْحِ وَأَجَازَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِمَنْ ذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَقَدْ بَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ أَنْ يَمْسَحَ بِذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْخِلَافُ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلَ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ خَرَّجَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْتُ) وَكَذَا ابْنُ بَشِيرٍ وَفِي التَّخْرِيجِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا أَوْ كَانَ الْمَاءُ مِنْهُ قَرِيبًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَفْسِيرًا لِلْمُدَوَّنَةِ لَا خِلَافًا، وَلِهَذَا قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَجْهُ الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِنَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ هُوَ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَلَلِ فِي شَعْرِ وَجْهِهِ لَا يَكَادُ فِي غَالِبِ النَّاسِ أَنْ تَقَعَ بِهِ الْكِفَايَةُ فِي إيعَابِ يَدَيْهِ فَضْلًا عَنْ إيصَالِ الْبَلَلِ مِنْ يَدَيْهِ إلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ: إنْ لَمْ يُوعِبْ جَمِيعَ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ مَسْحًا لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُوعِبْ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ غَسْلًا فَإِنْ صَوَّرَ مُصَوِّرٌ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَجِدُ مِنْ الْمَاءِ كِفَايَتَهُ يَعْنِي فِي لِحْيَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ إلَّا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تَقِلُّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِعُمُومِ الْمَاءِ غَالِبَ الْأَحْوَالِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ: إنْ كَانَ الْبَلَلُ لَمْ يَعُمَّ رَأْسَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ لَكِنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِأَوْسَاخٍ لَمْ يُجْزِهِ لِأَنَّهُ مُضَافٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ قَرِيبٌ فَمَذْهَبُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِيَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَا خِلَافٌ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي كَلَامَ ابْنِ رَاشِدٍ وَاسْتَبْعَدَهُ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
قَالَ: وَيَرُدُّهُ نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ بَعُدَ عَنْ الْمَاءِ فَلْيَمْسَحْ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي بَلَلِ الذِّرَاعَيْنِ أَنَّهُ كَبَلَلِ اللِّحْيَةِ وَرَدَّهُ بِنَقْلِ الشَّيْخِ عَنْ

ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ مَسَحَ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (وَنِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ وَجْهِهِ أَوْ الْفَرْضِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ) ش: هَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ السَّابِعَةُ وَكَانَ حَقُّهَا التَّقْدِيمَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا الْمُصَنِّفُ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنِ حَارِثٍ: اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: عَلَى الْأَشْهَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَآخِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا نَصٌّ فِي وُجُوبِهَا مِنْ أَوَّلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] لِأَنَّهُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ إلَّا فِعْلُ أَمْرٍ لِأَجْلِ فِعْلِ أَمْرٍ آخَرَ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» وَالشَّطْرُ هُنَا النِّصْفُ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا فِي الْإِيمَانِ، وَإِذَا وَجَبَتْ فِي الْكُلِّ وَجَبَتْ فِي الشَّطْرِ وَمُقَابِلِ الْأَشْهَرِ، وَالْأَصَحُّ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْمَازِرِيُّ نَصًّا فِي الْوُضُوءِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ: وَيَتَخَرَّجُ فِي الْغُسْلِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي التَّخْرِيجِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ فِي الْغُسْلِ أَقْوَى انْتَهَى.
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ فِي الطَّهَارَةِ شَائِبَتَيْنِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا النَّظَافَةُ تُشْبِهُ مَا صُورَتُهُ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَمِنْ حَيْثُ مَا شُرِطَ فِيهَا مِنْ التَّحْدِيدِ فِي الْغَسَلَاتِ وَالْمَغْسُولِ وَالْمَاءِ أَشْبَهَتْ التَّعَبُّدَ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَهُ صَحِيحٌ وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الْأَصَحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(تَنْبِيهٌ) الْكَلَامُ عَلَى النِّيَّةِ طَوِيلٌ مُتَشَعِّبٌ وَقَدْ صَنَّفَ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِتَابًا يَتَعَلَّقُ بِهَا سَمَّاهُ الْأُمْنِيَةُ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ وَهُوَ كِتَابٌ حَسَنٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَجَعَلَ كِتَابَهُ الْمَذْكُورَ مُشْتَمِلًا عَلَى عَشْرَةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ النِّيَّةِ، الثَّانِي: فِي مَحَلِّهَا مِنْ الْمُكَلَّفِ، الثَّالِثُ: فِي دَلِيلِ وُجُوبِهَا، الرَّابِعُ: فِي حِكْمَةِ إيجَابِهَا، الْخَامِسُ: فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، السَّادِسُ: فِي شُرُوطِهَا، السَّابِعُ: فِي أَقْسَامِ النِّيَّةِ، الثَّامِنُ: فِي أَقْسَامِ الْمَنْوِيِّ، التَّاسِعُ: فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَطَهِّرُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، الْعَاشِرُ: فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ النِّيَّةُ تَقْبَلُ الرَّفْضَ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ يَتَعَلَّقُ بِهَا تِسْعَةُ أَبْحَاثٍ فَذَكَرَ التِّسْعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَتَكَلَّمَ عَلَى الْعَاشِرِ أَعْنِي الرَّفْضَ فِي السَّابِعِ أَعْنِي بَيَانَ أَقْسَامِهَا، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: النَّظَرُ فِي النِّيَّةِ فِي عَشْرَةِ أَبْحَاثٍ فَذَكَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي ذَكَرهَا الْقَرَافِيُّ ثَمَانِيَةً وَتَرَكَ الثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ وَجَعَلَ بَدَلَهُمَا بَيَانَ مَحَلِّهَا مِنْ الْفِعْلِ وَبَيَانَ كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِهَا، وَزَادَ فِي الْعَاشِرِ بَيَانَ عُزُوبِهَا أَيْضًا، فَأَمَّا بَيَانُ مَحَلِّهَا مِنْ الْفِعْلِ فَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي شُرُوطِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَعَلُّقِهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَأَمَّا عُزُوبُهَا فَذَكَرَهُ فِي أَقْسَامِهَا، فَتَكُونُ الْأَبْحَاثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنِّيَّةِ عَشْرَةً كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ.
(الْأَوَّلُ) فِي حَقِيقَتِهَا قَالَ النَّوَوِي: هِيَ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ وَالْعَزِيمَةُ عَلَى فِعْلِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَاهِلِيَّةِ نَوَاك اللَّهُ بِحِفْظِهِ أَيْ قَصَدَكَ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: هِيَ قَصْدُ الْإِنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا يُرِيدُهُ بِفِعْلِهِ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْعَزْمِ وَالْإِرَادَاتِ لَا مِنْ بَابِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِرَادَةِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بِخِلَافِهَا كَمَا يُرِيدُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتُسَمَّى شَهْوَةً وَلَا

تُسَمَّى نِيَّةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزْمِ أَنَّ الْعَزْمَ تَصْمِيمٌ عَلَى إيقَاعِ الْفِعْلِ وَالنِّيَّةَ تَمْيِيزٌ لَهُ فَهِيَ أَخْفَضُ مِنْهُ رُتْبَةً وَسَابِقَةٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ: هِيَ إرَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِمَالَةِ الْفِعْلِ إلَى بَعْضِ مَا يَقْبَلُهُ لَا بِنَفْسِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ قَصْدِنَا لِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ قَصْدِنَا لِكَوْنِ ذَلِكَ قُرْبَةً أَوْ فَرْضًا أَوْ أَدَاءً فَالصِّفَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِيجَابِ وَالْكَسْبِ تُسَمِّي إرَادَةً، وَالصِّفَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِإِمَالَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ إلَى بَعْضِ مَا يَقْبَلُهُ تُسَمَّى نِيَّةً، وَتُفَارِقُ النِّيَّةُ الْإِرَادَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ النَّاوِي، وَالْإِرَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ كَمَا نُرِيدُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِحْسَانَهُ وَلَيْسَتْ فِعْلَنَا انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا وَعَرَّفَهَا ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهَا صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِإِمَالَةِ فِعْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ إلَى بَعْضِ مَا يَقْبَلُهُ.
(الثَّانِي) فِي بَيَانِ مَحَلِّهَا مِنْ الْمُكَلَّفِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَكْثَرُ الْمُتَشَرِّعِينَ وَأَقَلُّ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَأَقَلُّ الْمُتَشَرِّعِينَ وَأَكْثَرُ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّهَا فِي الدِّمَاغِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ أَنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّمَاغِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَحَلُّهَا الْقَلْبُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَيْلِ وَالنَّفْرَةِ وَالِاعْتِقَادِ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْعَقْلَ فِي الدِّمَاغِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الدِّمَاغِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ كُلَّهَا أَعْرَاضُ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ فَحَيْثُ وُجِدَتْ النَّفْسُ وُجِدَ الْجَمِيعُ قَائِمًا بِهَا، فَالْعَقْلُ سَجِينُهَا وَالْعُلُومُ وَالْإِرَادَاتُ صِفَاتُهَا وَيَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11] ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] وَلَمْ يَضِفْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ إلَى الدِّمَاغِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَازِرِيِّ أَكْثَرُ الْمُتَشَرِّعِينَ إلَى آخِرِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ عِيَاضٌ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ: قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَأَقَلُّ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ، وَأَكْثَرُ الْفَلَاسِفَةِ وَأَقَلُّ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِي الدِّمَاغِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ إذَا أُصِيبَ الدِّمَاغُ فَسَدَ الْعَقْلُ وَبَطَلَتْ الْعُلُومُ وَالْفِكْرُ وَأَحْوَالُ النَّفْسِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْتِقَامَةَ الدِّمَاغِ لَعَلَّهَا شَرْطٌ وَالشَّيْءُ يَفْسُدُ لِفَسَادِ شَرْطِهِ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ فَلَا جَزْمَ بَلْ النُّصُوصُ وَارِدَةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْقَلْبِ وَذَكَرَ الْآيَاتِ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ لَزِمَ عَلَى أُصُولِنَا أَنَّ النَّفْسَ فِي الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْسَبُ لِلْعَقْلِ مِنْ الْفِكْرِ وَالْعُلُومِ صِفَاتٌ لِلنَّفْسِ فَتَكُونُ النَّفْسُ فِي الْقَلْبِ عَمَلًا بِظَاهِرِ النُّصُوصِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ النَّفْسَ هِيَ الرُّوحُ وَهِيَ الْعَقْلُ تُسَمَّى نَفْسًا بِاعْتِبَارِ مَيْلِهَا إلَى الْمَلَاذِّ وَالشَّهَوَاتِ وَرُوحًا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالْجَسَدِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَقْلًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مُحَصِّلَةً لِلْعُلُومِ فَصَارَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ وَالْمَوْصُوفُ وَاحِدٌ، وَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ فِي الْقَلْبِ كَانَتْ النِّيَّةُ وَأَنْوَاعُ الْعُلُومِ وَجَمِيعُ أَحْوَالِ النَّفْسِ فِي الْقَلْبِ، وَالْعِبَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ لَمْ أَرَهَا فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ وَإِنَّمَا رَأَيْت الْعِبَارَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ الْأُخْرَى ذَكَرَهَا الْمَازِرِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَزَادَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَيْنِ: وَهَذَا أَمْرٌ لَا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ السَّمْعُ وَظَوَاهِرُ السَّمْعِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْجِسْمَ قَالِبٌ لِلنَّفْسِ هِيَ فِيهِ كَالسَّيْفِ فِي الْغِمْدِ وَكَالسُّلْطَانِ الْجَالِسِ بِقُبَّتِهِ، وَالْقَلْبُ سَرِيرٌ وَالدِّمَاغُ كُرْسِيُّهُ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّأْسِ عَشْرَ حَوَاسَّ: خَمْسًا ظَاهِرَةً: الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ وَيُشَارِكُهُ فِي هَذَا سَائِرُ الْبَدَنِ، وَخَمْسًا بَاطِنَةً: هِيَ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَمَرْكَزُهُ مُقَدَّمُ الدِّمَاغِ، وَالْقُوَّةُ الْمُصَوَّرَةُ وَهِيَ أَعْلَى مِنْهُ، وَالْقُوَّةُ الْخَيَالِيَّةُ وَهِيَ فِي وَسَطِ الدِّمَاغِ، وَالْقُوَّةُ الْحَافِظَةُ فِي مُؤَخَّرِ الدِّمَاغِ، وَالْقُوَّةُ الْوَهْمِيَّةُ أَعْلَى مِنْهَا.

وَالْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ تُوَصِّلُ لِلْبَاطِنَةِ وَهِيَ تُوَصِّلُ لِلنَّفْسِ وَالْمُحَرِّكُ لِلْحَوَاسِّ هُوَ الْقَلْبُ اللَّحْمَانِيُّ وَالنَّفْسُ وَالرُّوحُ بِمَعْنًى.
(تَنْبِيهٌ) يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ مِنْ الْجِرَاحِ وَهِيَ مَنْ شُجَّ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةٌ أَوْ مُوضِحَةٌ خَطَأً فَذَهَبَ عَقْلُهُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَلَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ دِيَةُ الْعَقْلِ وَدِيَةُ الْمَأْمُومَةِ أَوْ الْمُوضِحَةِ لَا يُدْخِلُ بَعْضَ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ إذْ لَيْسَ الرَّأْسُ عِنْدَهُ مَحَلَّ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَلْبُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الشَّرْعِ، فَهُوَ كَمَنْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ وَأَذْهَبَ سَمْعَهُ فِي ضَرْبَةٍ وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّمَا لَهُ دِيَةُ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الرَّأْسُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفَلَاسِفَةِ وَهُوَ كَمَنْ أَذْهَبَ بَصَرَ رَجُلٍ وَفَقَأَ عَيْنَهُ فِي ضَرْبَةٍ، وَهَذَا فِي الْخَطَأِ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَوَاضِحٌ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ فَدِيَةُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي وَفِي الْمَأْمُومَةِ لَهُ دِيَتُهَا وَدِيَةُ الْعَقْلِ.
(الثَّالِثُ) فِي دَلِيلِ وُجُوبِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ لَمَّا ذَكَرْنَا حُكْمَهَا وَبِهِ عَبَّرَ ابْنُ رَاشِدٍ فَقَالَ: الثَّانِي فِي بَيَانِ حُكْمِهَا وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
(الرَّابِعُ) فِي حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ لِيَتَمَيَّزَ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى عَمَّا لَيْسَ لَهُ أَوْ تَتَمَيَّزَ مَرَاتِبُ الْعِبَادَاتِ فِي أَنْفُسِهَا لِتَمْيِيزِ مُكَافَأَةِ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ وَيَظْهَرُ قَدْرُ تَعْظِيمِهِ لِرَبِّهِ، فَمِثَالُ الْأُولَى الْغُسْلُ يَكُونُ عِبَادَةً وَتَبَرُّدًا وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ يَكُونُ لِلصَّلَاةِ وَفُرْجَةً وَالسُّجُودُ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ، وَمِثَالُ الثَّانِي الصَّلَاةُ لِانْقِسَامِهَا إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَالْفَرْضُ إلَى فَرْضٍ عَلَى الْأَعْيَانِ وَفَرْضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ وَفَرْضٍ مَنْذُورٍ وَفَرْضٍ غَيْرِ مَنْذُورٍ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ كَيْفِيَّةُ تَعَلُّقِهَا بِالْفِعْلِ فَإِنَّهَا لِلتَّمْيِيزِ، وَتَمْيِيزُ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِإِضَافَتِهِ إلَى سَبَبِهِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ بِوَقْتِهِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ بِحُكْمِهِ الْخَاصِّ بِهِ كَالْفَرِيضَةِ أَوْ بِوُجُودِ سَبَبِهِ كَرَفْعِ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ سَبَبٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ارْتَفَعَ وَصَحَّ الْوُضُوءُ، وَلَمَّا كَانَتْ حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا ذُكِرَ كَانَتْ الْقُرَبُ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ وَجَلَالِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عَذَابِهِ وَالرَّجَاءِ لِثَوَابِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْمَحَبَّةِ لِجَمَالِهِ وَكَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِجَنَابِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ مُنْصَرِفَةٌ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِصُورَتِهَا فَلَا جَرَمَ، وَلَمْ تَفْتَقِرْ النِّيَّةُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى وَلَا حَاجَةَ لِلتَّعْلِيلِ بِأَنَّهَا لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَكَذَلِكَ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى نِيَّةٍ مُفْرَدَةٍ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْفِعْلِ مُفْرَدًا لِانْصِرَافِهَا بِصُورَتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْفِعْلُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا هُوَ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِنْسَانِ يُثَابُ عَلَى نِيَّتِهِ حَسَنَةً وَاحِدَةً وَعَلَى فِعْلِهِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إذَا نَوَى فَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ هِيَ الْمَقَاصِدُ وَالنِّيَّاتُ وَسَائِلُ وَالْوَسَائِلِ أَنْقَصُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَعُلِمَ مِنْ الْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا كَانَتْ نُصُوصًا فِي شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَكَذَلِكَ الْأَعْيَانُ الْمُسْتَأْجَرَةُ إذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مُتَعَيِّنَةً لَمْ تَحْتَجْ إلَى تَعْيِينٍ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ خِبَاءً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ النُّقُودُ إذَا كَانَ بَعْضُهَا غَالِبًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ الْحُقُوقُ إذَا تَعَيَّنَتْ لِرَبِّهَا كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا.
وَلِمُلَاحَظَةِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النِّيَّةِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَفِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِمَا فَمَنْ رَأَى أَنَّهُمَا مُتَعَيِّنَانِ لِلَّهِ تَعَالَى بِصُورَتِهِمَا قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ فِيهِمَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي رَمَضَانَ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الْغِذَاءِ وَنَحْوِهِ وَقَلَّمَا يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ يَكُونُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ لِلتَّجْدِيدِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ أَوْجَبَ النِّيَّةَ.
(الْخَامِسُ) فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا إمَّا مَطْلُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ، وَالْمُبَاحُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ فِيهِ، وَالْمَطْلُوبُ نَوَاهٍ وَأَوَامِرُ، فَالنَّوَاهِي يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ إلَيْهَا، فَزَيْدٌ الْمَجْهُولُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا دَمَهُ وَمَالَهُ وَعِرْضَهُ وَقَدْ خَرَجْنَا عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ لَمْ نَشْعُرْ بِهِ،

نَعَمْ إنْ شَعَرْنَا بِالْمُحَرَّمِ وَنَوَيْنَا تَرْكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَنَا مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الثَّوَابِ لَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَالْأَوَامِرُ مِنْهَا مَا يَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا، وَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِلِ فَيَخْرُجُ الْإِنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَالصَّلَوَاتِ وَالطَّهَارَاتِ وَالصِّيَامِ وَالنُّسُكِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخُضُوعُ لَهُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا قُصِدَتْ مِنْ أَجَلِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالنِّيَّاتِ.
(السَّادِسُ) فِي شُرُوطِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبٍ لِلنَّاوِي فَإِنَّهَا مُخَصَّصَةٌ وَتَحْصِيلُ غَيْرِ الْمَفْعُولِ لِلْمُخَصِّصِ مُحَالٌ، وَكَذَلِكَ امْتَنَعَ نِيَّةُ الْإِنْسَانِ لِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَيَشْكُلُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ نِيَّةُ الْإِمَامِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ حَالَ الْإِمَامَةِ مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاتِهِ حَالَ الِانْفِرَادِ وَالْإِمَامَةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَالنِّسَبُ عَدَمِيَّةٌ وَالْعَدَمُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ فَهَذِهِ النِّيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُكْتَسَبٍ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ النِّيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِمُكْتَسَبٍ وَلَا مُكْتَسَبَ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَبَعًا لِمُكْتَسَبٍ كَالْوُجُوبِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ فِي صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَيْسَ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ بِمُكْتَسَبٍ لِلْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ فَحَسُنَ الْقَصْدُ إلَيْهَا تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكْتَسَبِ فَكَذَلِكَ الْإِمَامَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِعْلًا زَائِدًا عَلَى الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِمُكْتَسَبٍ وَهُوَ الصَّلَاةُ فَأَمْكَنَ الْقَصْدُ إلَيْهَا تَبَعًا.
(الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ مَعْلُومَ الْوُجُوبِ أَوْ مَظْنُونَ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْمَشْكُوكَ تَكُونُ النِّيَّةُ فِيهِ مُتَرَدِّدَةً فَلَا تَنْعَقِدُ فَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ طَهَارَةُ الْكَافِرِ قَبْلَ اعْتِقَادِهِ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ وَلَا مَظْنُونَيْنِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الشَّرْطِ فُرُوعٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْمَنْوِيِّ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ لَوْ عَرَا عَنْ النِّيَّةِ لَكَانَ أَوَّلُهَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا، وَآخِرُ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا فَإِذَا كَانَ أَوَّلُهَا مُتَرَدِّدًا كَانَ آخِرُهَا كَذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ لِلْمَشَقَّةِ فَجَوَّزُوا عَدَمَ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِأَوَّلِ الْمَنْوِيِّ لِإِتْيَانِ أَوَّلِ الصَّوْمِ حَالَةَ النَّوْمِ غَالِبًا، وَالزَّكَاةُ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى إخْرَاجِهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا.
(السَّابِعُ) فِي أَقْسَامِهَا النِّيَّةُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَكِنَّهَا تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ مَا يَعْرِضُ لَهَا إلَى قِسْمَيْنِ: فِعْلِيَّةٌ مَوْجُودَةٌ وَحُكْمِيَّةٌ مَعْدُومَةٌ فَإِذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ فَهَذِهِ نِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ، ثُمَّ إذَا ذَهَلَ عَنْهَا فَهِيَ نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِاسْتِصْحَابِهَا وَكَذَلِكَ الْإِخْلَاصُ وَالْإِيمَانُ وَالنِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ وَجَمِيعُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ إذَا شَرَعَ فِيهَا وَاتَّصَفَ الْقَلْبُ بِهَا كَانَتْ فِعْلِيَّةً، ثُمَّ إذَا ذَهَلَ عَنْهَا حَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِبَقَاءِ أَحْكَامِهَا لِمَنْ اتَّصَفَ بِهَا حَتَّى لَوْ مَاتَ الْإِنْسَانُ مَغْمُورًا بِالْمَرَضِ لَحَكَمَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِالْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِالْوِلَايَةِ أَوْ الصِّدِّيقِيَّةِ وَجَمِيعِ الْمَعَارِفِ، وَعَكْسُهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ ثُمَّ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: 74] مَعَ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ أَحَدٌ مُجْرِمًا وَلَا كَافِرًا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا أَيْضًا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى عُزُوبِهَا.
(الثَّامِنُ) فِي أَقْسَامِ الْمَنْوِيِّ وَأَحْوَالِهِ الْمَنْوِيُّ مِنْ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ، وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَيْضًا مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ كَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ نَظَافَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ لِلصَّلَاةِ مُكَمِّلٌ لِحُسْنِ هَيْئَاتِهَا، وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ فَقَطْ كَالتَّيَمُّمِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ، وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ فَلَا جَرَمَ إذَا نَوَى التَّيَمُّمَ دُونَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ بِالنِّيَّةِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَالثَّانِي: يُجْزِئُهُ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً، وَاَلَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ يَتَخَيَّرُ الْمُكَلَّفُ بَيْنَ قَصْدِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ

مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ وَبَيْنَ قَصْدِهِ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ دُونَهُ، فَالْأَوَّلُ كَقَصْدِهِ الْوُضُوءَ وَالثَّانِي كَقَصْدِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ فَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ أَوْ شَيْئًا لَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِبَاحَةُ صَحَّ لِاسْتِلْزَامِ هَذِهِ الْأُمُورِ رَفْعَ الْحَدَثِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا فُرُوعٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا.
(التَّاسِعُ) فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَطَهِّرُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
(الْعَاشِرُ) فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ النِّيَّةُ تَقْبَلُ الرَّفْضَ وَفِي مَعْنَى عُزُوبِهَا وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَرَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْأَبْحَاثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّيَّةِ مُخْتَصَرًا مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ وَكِتَابِ الْأُمْنِيَّةِ وَمِمَّا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَمِنْ التَّوْضِيحِ، وَلْنَرْجِعْ إلَى حَلِّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
فَقَوْلُهُ: وَنِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ وَجْهِهِ أَوْ الْفَرْضِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ كَيْفِيَّةَ النِّيَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ هِيَ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ وَالْعَزْمُ عَلَيْهِ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ، فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ هِيَ الْقَصْدُ إلَيْهِ بِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ أَحْكَامِهِ كَرَفْعِ الْحَدَثِ، أَيْ الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ إذْ هُمَا مُتَلَازِمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّ فِي الْوُضُوءِ يَنْوِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَرُفِعَ الْمَنْعُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ طَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ.
وَأَمَّا فِي التَّيَمُّمِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ حَتَّى يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَانْظُرْ كَلَامَ التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ الْفَرْضِ أَيْ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا كَانَ الْحَدَثُ مَانِعًا مِنْهُ سَوَاءٌ نَوَى اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِهِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ الْجَمِيعَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْمَطْلُوبُ مِنْ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ يَنْوِيَ أَحَدَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمَّا رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَهَذِهِ مَتَى حَضَرَ ذَكَرَ جَمِيعَهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ ذِكْرَ أَحَدِهَا دُونَ الْآخَرِ بَلْ هِيَ مُتَلَازِمَةٌ.
وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ بَعْضُهَا أَجْزَأَ عَنْ جَمِيعِهَا وَلَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ جَمِيعُهَا وَقَصَدَ بِطَهَارَتِهِ بَعْضَهَا نَاوِيًا عَدَمَ حُصُولِ الْآخَرِ فَالطَّهَارَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: أَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا أَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ، أَوْ أَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَلَا رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ أَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِيجَابِ وَلَا أَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَلَا أَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَهَذَا أَتَى بِنِيَّةٍ مُتَضَادَّةٍ شَرْعًا فَتَتَنَافَى النِّيَّةُ وَتَكُونُ كَالْعَدَمِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَكَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ مَا لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَأَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ لَوْ نَوَى فَرْضَ الْوُضُوءِ أَوْ الْوُضُوءَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ لَصَحَّ وُضُوءُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَرْزُوقٍ التِّلِمْسَانِيُّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ الْفَرْضِ: هَذِهِ النِّيَّةُ إذَا صَاحَبَتْ وَقْتَ الْفَرْضِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ فَفِي صِحَّتِهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ رَخَّصُوا فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ.
(قُلْتُ) أَمَّا نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْفَرْضِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى فَرْضِيَّةَ وُضُوئِهِ ذَلِكَ فَكَذِبٌ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ لَمْ يَحْضُرْ، وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الْوُضُوءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْمَنْوِيِّ، وَإِنْ نَوَى فَرْضَ مَا يَأْتِي لَمْ يَصِحَّ الْجَزْمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَصِلُ إلَيْهِ أَوْ لَا؟ وَإِنْ نَوَى إنْ بَقِيَتْ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ كَمُغْتَسِلٍ قَالَ: إنْ كُنْتُ جُنُبًا فَهَذَا لَهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْكِتَابِ عَنْ الْقَرَافِيِّ أَنَّ الْفَرْضَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَالثَّانِي مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ، كَقَوْلِنَا: الْوُضُوءُ لِلنَّافِلَةِ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْفَرْضُ الْمَنْوِيُّ هُنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعَ مِنْهَا الْحَدَثُ فَهُوَ

رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى اسْتِبَاحَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَدَثُ وَإِلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ بَعْدُ: إنَّ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ مُتَلَازِمَةٌ مَتَى ذُكِرَ جَمِيعُهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْصَدَ ذِكْرُ أَحَدِهَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ أَبِي شَرِيفٍ الشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهَذَا إذَا كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ لَمْ يَدْخُلْ أَوْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ الَّتِي يَتَوَضَّأُ لَهَا غَيْرَ فَرْضٍ وَأَمَّا إذَا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا أَعْطَى نِيَّةَ الْفَرْضِ بِالْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ: فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَتَرَ وَاسْتَقْبَلَ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ فِعْلًا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ اسْتِبَاحَةُ مَمْنُوعٍ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَحُكْمُ الْغُسْلِ حُكْمُ الْوُضُوءِ فَمَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ جَنَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَلَا أَحْفَظُ فِيهَا نَصًّا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا لَيْسَ الْغُسْلُ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ وَاسْتِبَاحَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ نَوَى قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ لَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا تَتَضَمَّنُ رَفْعَ الْحَدَثِ.
انْتَهَى.
وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِي الْغُسْلِ: وَاجِبُهُ نِيَّةٌ وَمُوَالَاةٌ كَالْوُضُوءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: عِنْدَ وَجْهِهِ يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ عِنْدَ أَوَّلِ الْفَرَائِضِ وَهُوَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ: يَبْدَأُ بِالنِّيَّةِ أَوَّلَ الْفِعْلِ وَيَسْتَصْحِبُهَا إلَى أَوَّلِ الْمَفْرُوضِ انْتَهَى.
وَهَكَذَا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَنَصُّهُ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفُتْيَا وَعَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ يَنْوِيهَا أَوَّلَهُ وَيَسْتَصْحِبُهَا ذِكْرًا إلَى غَسْلِ الْوَجْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَالظَّاهِرُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي؛ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّمَا يَنْوِي عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَعْرَى غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَنْ نِيَّةٍ فَإِنْ قَالُوا يَنْوِي لَهُ نِيَّةً مُفْرَدَةً فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لِلْوُضُوءِ نِيَّتَانِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ.
(قُلْتُ) يَلْزَمُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْ يَقُولُوا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّتَيْنِ قَطْعًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا قَائِلَ بِذَلِكَ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ نُصُوصَهُمْ كَالصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالُوا: يَغْسِلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا بِنِيَّةٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: الْمَضْمَضَةُ غَسْلُ بَاطِنِ الْفَمِ بِنِيَّةٍ انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ مِثْلُ الْمَضْمَضَةِ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يَنْوِي بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ أَنَّهَا سُنَنٌ لِلْوُضُوءِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ، ثُمَّ يَنْوِي عِنْدَ وَجْهِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ مَعَ تَبَرُّدٍ) ش: يَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمَذْكُورَةَ إذَا صَحِبَهَا قَصْدُ التَّبَرُّدِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا يَضُرُّهَا مَا صَحِبَهَا وَبِذَلِكَ صُدِّرَ فِي الذَّخِيرَةِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَوَضَّأَ لِحَرٍّ يَجِدُهُ لَا يَنْوِي بِهِ غَيْرَهُ لَمْ تُجْزِهِ لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ وَلَا مَسِّ مُصْحَفٍ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ وَلَا لِنَحْوِهِ وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى مَعَ التَّبَرُّدِ الصَّلَاةَ لَأَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ فَإِذَا نَوَاهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُضَادًّا لِلْوُضُوءِ وَلَا مُؤَثِّرًا فِي التَّطْهِيرِ مِنْ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فَوَجَبَ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْحَدَثِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَا تَضَادَّ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعِبَادَةِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ وَهَا هُنَا الْبَاعِثُ الْأَمْرَانِ انْتَهَى.
وَكَانَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِلَوْ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ.
(قُلْتُ) وَمَسْأَلَةُ الْبَرْدِ قَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ فِيهَا فِي شَرْحِ

مَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (أَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْمُسْتَبَاحِ) ش: مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ وَلَا يُصَلِّي بِهِ الْعَصْرَ أَوْ يَنْوِيَ أَنْ يَمَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ دُونَ الصَّلَاةِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى اسْتِنَابَةَ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ وَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، لَكِنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ جَارِيَةٌ فِي السُّورَتَيْنِ فَقِيلَ: يَسْتَبِيحُ الْجَمِيعَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا، وَقِيلَ: يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ.
أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فِيهَا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَحَكَى الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ أَنَّهُ حَكَى الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِيهَا، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ اتِّفَاقًا، وَفِي غَيْرِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ يَسْتَبِيحُهُ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ أَعْنِي إذَا أَخْرَجَ بَعْضَ الْأَحْدَاثِ وَالْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إذَا أَخْرَجَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي رَفْعَ الْحَدَثِ وَالْفَرْضِ وَاسْتِبَاحَةَ مَمْنُوعٍ حَيْثُ قُلْتُمْ بِالْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ الْأُخْرَيَيْنِ؟ (فَالْجَوَابُ) مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ إخْرَاجَ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ رَاجِعٌ إلَى مُتَعَلِّقِ النِّيَّةِ، وَإِخْرَاجَ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ رَاجِعٌ إلَى نَفْسِ النِّيَّةِ فَالتَّنَاقُضُ الْأَوَّلُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ، وَالثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَاهِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَكَذَا إخْرَاجُ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ رَاجِعٌ إلَى الْمَاهِيَّةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (أَوْ نَسِيَ حَدَثًا لَا أَخْرَجَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ أَحْدَاثًا فَنَوَى حَدَثًا مِنْهَا نَاسِيًا غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ فَإِنْ نَوَى حَدَثًا وَأَخْرَجَ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَنَوَى رَفْعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّ النِّيَّةَ تَفْسُدُ بِذَلِكَ لِلتَّنَاقُضِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَوَى حَدَثًا وَلَمْ يَنْوِ الْآخَرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَيَتَعَارَضُ فِيهِ مَفْهُومَا كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ نَسِيَ حَدَثًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لَهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ أَخْرَجَهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ أَجْزَأَهُ وَالثَّانِي أَظْهَرُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ فَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْإِجْزَاءُ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ الْحَدَثَ الْأَوَّلَ أَمْ لَا وَالْخِلَافُ خَارِجُ الْمَذْهَبِ كَثِيرٌ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْحَدَثَ الْأَوَّلَ فَيُجْزِئُهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُ فَلَا يُجْزِئُهُ إذْ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَلَوْ نَوَى حَدَثًا غَيْرَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ غَلَطًا فَنَصَّ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ.
(قُلْتُ) وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ غَلَطًا أَنَّهُ لَوْ نَوَى حَدَثًا غَيْرَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ عَمْدًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (أَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ: لَوْ قَصَدَ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ قِسْمَانِ: طَهَارَةُ نَجَسٍ وَطَهَارَةُ حَدَثٍ، فَإِذَا قَصَدَ قَصْدًا مُطْلَقًا وَأَمْكَنَ صَرْفُهُ لِلنَّجَسِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ فِي الشَّامِلِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيِّ: وَمَنْ تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ قِرَاءَةِ مُصْحَفٍ أَوْ لِيَكُونَ عَلَى طُهْرٍ أَجْزَأَهُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ بِهِ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْأُمِّ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَوَضَّأَ يُرِيدُ صَلَاةَ النَّافِلَةِ أَوْ قِرَاءَةً فِي الْمُصْحَفِ أَوْ يُرِيدُ بِهِ طُهْرَ صَلَاةٍ فَذَلِكَ يُجْزِئُهُ.
قَالَ سَنَدٌ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَهَذَا هُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ مُطْلَقًا

أَنْ يُرِيدَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَتَعْيِينٍ وَلَمْ يَنْقُلْهُ الْبَرَاذِعِيُّ عَلَى هَذَا وَإِنَّمَا قَالَ: أَوْ لِيَكُونَ عَلَى طُهْرٍ، وَهَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ إذَا نَوَى بِوُضُوئِهِ التَّطْهِيرَ وَلَمْ يَرْتَبِطْ قَصْدُهُ بِصَلَاةٍ وَلَا بِذِكْرِ حَدَثٍ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: يُجْزِئُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَقَعُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَعَلَى إزَالَةِ النَّجَسِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينٍ، وَذَكَرَ الْبَاجِيّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ شَعْبَانَ فِيمَنْ اغْتَسَلَ يَنْوِي التَّطْهِيرَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَنَابَةَ فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: لَا يُجْزِيهِ، وَقَالَ مَرَّةً: يُجْزِيهِ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَيَتَخَرَّجُ فِي الْوُضُوءِ مِثْلُهُ فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ فِي الْوُضُوءِ نِيَّةً تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَهِيَ غَسْلُ أَعْضَائِهِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ قَرَائِنُ: الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَتَقْدِمَةُ الْوُضُوءِ وَتَخْلِيلُ أُصُولِ الشَّعْرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ إثْرَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَنَصَّهُ، الْمَازِرِيُّ: نِيَّةُ التَّطْهِيرِ الْأَعَمِّ مِنْ الْخَبَثِ وَالْحَدَثِ لَغْوٌ.
الْبَاجِيُّ: فِي إجْزَاءِ نِيَّةِ التَّطْهِيرِ لَا الْجَنَابَةِ رِوَايَتَا ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ: وَعَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ اللَّخْمِيُّ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ يُرِيدُ الطُّهْرَ لَا الصَّلَاةَ أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
وَفِيهَا مَنْ تَوَضَّأَ لِيَكُونَ عَلَى طُهْرٍ أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمَازِرِيِّ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ قَصَدَ الطُّهْرَ الْأَعَمَّ وَتَعَلُّقَ قَصْدِهِ بِالطُّهْرِ يُفِيدُ كَوْنَهُ أَعَمَّ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ فَمَا قَالَاهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمَا مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْبَاجِيُّ أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ قَصَدَ الطَّهَارَةَ وَلَمْ يَرْتَبِطْ قَصْدُهُ بِكَوْنِهَا مِنْ حَدَثٍ فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَاز وَالْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ فِعْلِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الطَّهَارَةَ مِنْ الْحَدَثِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَانْظُرْ تَحْرِيرَ الشَّامِلِ

ص (أَوْ اسْتِبَاحَةَ مَا نُدِبَتْ لَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ فِعْلٍ نُدِبَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ وَلَا يَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا مَنَعَهُ الْحَدَثُ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي قَصَدَ إلَيْهِ يَصِحُّ فِعْلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْقَصْدُ إلَيْهِ الْقَصْدَ بِرَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا تَضَمَّنَهُ الْقَصْدُ إلَى مَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ فِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَاعِدَةُ هَذَا أَنَّ مَنْ نَوَى مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِطَهَارَةٍ كَالصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافِ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ بِذَلِكَ الطُّهْرِ غَيْرَهُ، وَمَنْ نَوَى شَيْئًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ كَالنَّوْمِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ غَيْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: يَسْتَبِيحُ لِأَنَّهُ نَوَى أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ فَنِيَّتُهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْوُضُوءَ لِلنَّوْمِ أَوْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا أَوْ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَفَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ مِنْ فِعْلِهَا عَلَى طَهَارَةٍ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَازِرِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ لَكَ وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ قَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى طَهَارَةٍ وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْوُضُوءِ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) لَا يُقَالُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اسْتِبَاحَةُ مَا نُدِبَتْ لَهُ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبَاحَةَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَمَا نُدِبَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ لَمْ يَكُنْ الْمُكَلَّفُ مَمْنُوعًا مِنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص (أَوْ قَالَ إنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَلَهُ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ وَقَالَ: إنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَهَذَا الطُّهْرُ لِذَلِكَ الْحَدَثِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ

كَانَ مُحْدِثًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ عِيسَى مِنْ رَأْيِهِ يُجْزِيهِ، وَقَالَ الْبَاجِيّ: أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غُسْلِ الشَّاكِّ فَيُجْزِيهِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فَالْقَوْلَانِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيّ وَعَبْدِ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ سَمَاعَ عِيسَى فِي الْوَهْمِ لَا الشَّكِّ، وَالظَّنُّ بَاقٍ فِي الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي.
وَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَنْ شَكَّ هَلْ أَجْنَبَ أَمْ لَا؛ اغْتَسَلَ وَيَخْتَلِف هَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَوْ اسْتِحْبَابٌ فَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا أَجْزَأَهُ غُسْلُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ شَكَّ فِي الظُّهْرِ فَصَلَّاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ تُجْزِيهِ، وَإِنْ قَالَ: أَتَخَوَّفُ أَنْ أَكُونَ أَجْنَبْتُ وَلَيْسَ بِشَكٍّ عِنْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَنَسِيتُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا اغْتَسَلَ وَلَمْ يُجْزِهِ الْغُسْلُ الْأَوَّلُ انْتَهَى.
وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرِّوَايَةَ إنْ كَانَتْ فِي الشَّكِّ فَهِيَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِ طُهْرِ الشَّاكِّ وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْوَهْمِ وَالتَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ انْتَهَى.
كَلَامُهُ.
(قُلْتُ) يَقَعُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ غَازِيٍّ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ سَقْطٌ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَلِذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: شَكُّ الْجَنَابَةِ كَالْحَدَثِ وَتَجْوِيزُ جَنَابَتِهِ دُونَ شَكٍّ لَغْوٌ لَوْ اغْتَسَلَ لَهُ ثُمَّ تَيَقَّنَ لَمْ يُجْزِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ أَوَّلًا هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا لَا تَجِبُ فَتَوَضَّأَ أَوْ تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا بَنَيْنَا عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الشَّكَّ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَتَوَضَّأَ أَوْ تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْفَضِيلَةَ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ رَفْعَ الْحَدَثِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ: إنْ جَزَمَ بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا اتِّفَاقًا فَإِنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ عِيسَى وَإِنْ تَرَجَّحَ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ لِلِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ فَيُجْزِئُهُ عَلَى قَوْلِ عِيسَى، وَفِي إجْزَائِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرٌ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَإِنْ شَكَّ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ وُجُودُ الْحَدَثِ وَلَا نَفْيُهُ فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ فَيُجْزِئُهُ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ أَمْ لَا، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ فَتَوَضَّأَ لَهُ فَقَوْلَانِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
(قُلْتُ) قَوْلُهُ: لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا اتِّفَاقًا أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّجْدِيدُ إذَا صَلَّى بِهِ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا عَجِيبٌ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نُصُوصِهِمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ كَانَ شَكُّهُ غَيْرَ مُقْتَضٍ لِلْوُضُوءِ كَالتَّرَدُّدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ مَعَ تَقَدُّمِ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْحَدَثِ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ قَاصِدًا أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ مِنْهُ حَدَثٌ فَهَذَا الْوُضُوءُ لَهُ لَا يُجْزِئُهُ وُضُوءُهُ لِلتَّرَدُّدِ الْحَاصِلِ فِي النِّيَّةِ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ وُضُوءُ الشَّاكِّ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ وُضُوءَهُ قَدْ بَطَلَ بِالشَّكِّ وَأَنَّهُ صَارَ مُحْدِثًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَيَنْوِي حِينَئِذٍ رَفْعَ الْحَدَثِ جَزْمًا فَهَذَا يُجْزِئُهُ وُضُوءُهُ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ كُنْتُ أَحْدَثْتُ فَهَذَا الْوُضُوءُ لِذَلِكَ الْحَدَثِ فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْوُضُوءُ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ أَمْ لَا فَإِنْ صَلَّى بِهِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ.
هَذَا إذَا كَانَ قَدْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا وَهْمٌ وَتَجْوِيزٌ فَيُجْزِئُهُ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَإِنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَقَصَدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحْدَثَ فَهَذَا الْوُضُوءُ لَهُ ثُمَّ صَلَّى بِذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمَ حَدَثِهِ فَيُجْزِئُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ سَلَّمَ عَلَى الشَّكِّ ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ وَنَظَائِرِهَا، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ

فَإِنَّهُ قَالَ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلَ عِيسَى مَا نَصُّهُ: وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا إذَا تَطَهَّرَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهَذَا تَعْلِيقُ نِيَّةٍ لَا تَنْجِيزُ نِيَّةٍ، وَجَزْمُ النِّيَّةِ إذَا عُدِمَ كَانَ خَلَلًا فِي الشَّرْطِ فَوَجَبَ مِنْهُ الْخَلَلُ فِي الْمَشْرُوطِ؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ قَصْدٌ وَهَذَا تَرَدُّدٌ لَا قَصْدٌ فَلَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ، وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ الشَّاكُّ إذَا لَزِمَ التَّطْهِيرَ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ لَا تَرَدُّدَ فِيهَا انْتَهَى بِلَفْظِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ عَائِدًا إلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَقَطْ.

ص (أَوْ جَدَّدَ فَتَبَيَّنَ حَدَثَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةِ التَّجْدِيدِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ بِوُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ الْفَضِيلَةَ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ رَفْعَ الْحَدَثِ.

ص (أَوْ تَرَكَ لُمْعَةً فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ الْفَضْلِ) ش: قَالَ فِي الْقَامُوسِ: اللُّمْعَةُ بِالضَّمِّ قِطْعَةٌ مِنْ النَّبَاتِ أَخَذَتْ فِي الْيُبْسِ، وَالْمَوْضِعُ لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ مَغْسُولِ الْوُضُوءِ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى فَانْغَسَلَتْ فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَهَا عَمْدًا حَتَّى طَالَ بَطَلَ وُضُوءُهُ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْقَوْلَانِ يُشْبِهَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُجَدِّدِ، وَرَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْإِجْزَاءَ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ هُنَا بَاقِيَةٌ مُنْسَحِبَةٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُجَدِّدِ وَرُدَّ بِأَنَّ الِانْسِحَابَ فِي النِّيَّةِ إنَّمَا يُجْزِئُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَلِّ نِيَّةٌ مُضَادَّةٌ لَهُ وَهُنَا نِيَّةُ الْفَضِيلَةِ مَوْجُودَةٌ وَهِيَ مُضَادَّةٌ لِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ يَنْوِي فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ الْفَرِيضَةَ أَوْ الْفَضِيلَةَ؟ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

ص (أَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْأَعْضَاءِ) ش: قَالَ سَنَدٌ صُورَتُهُ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي تَمَامِ وُضُوئِهِ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ انْتَهَى.
يُرِيدُ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ وَنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ وَيَكْمُلُ وُضُوءُهُ إلَّا بِالْجَمِيعِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ اسْتِشْكَالَ تَصْوِيرِ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إنْ لَمْ يَنْوِ الْعُضْوَ مُعَيَّنًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ نَوَاهُ مُعَيَّنًا فَقَدْ زَادَ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُعَيَّنًا أَتَمُّ مِنْ نِيَّتِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ضَرُورَةَ رُجْحَانِ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ عَلَى دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ نِيَّتَهُ مُعَيَّنًا إنْ كَانَ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ بِالْمَجْمُوعِ فَهُوَ كَمَا قُلْتُمْ، يَعْنِي أَنَّهُ زَادَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ رَفْعَهُ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَكَذَا سَائِرُ أَعْضَائِهِ فَهُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، بَلْ قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِلَى اسْتِظْهَارِ ابْنِ رُشْدٍ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْأَظْهَرُ فِي الْأَخِيرِ الصِّحَّةُ

[مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى عُزُوبُ النِّيَّة وَهُوَ انْقِطَاعُهَا وَالذُّهُولُ عَنْهَا]

ص (وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَرَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ) ش ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ (الْأُولَى) مِنْهُمَا عُزُوبُ النِّيَّةِ وَهُوَ انْقِطَاعُهَا وَالذُّهُولُ عَنْهَا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ عَائِدٌ إلَى الْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ وَجْهِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الذُّهُولَ عَنْ النِّيَّةِ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي مَحَلِّهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ مُغْتَفَرٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ مُغْتَفَرٌ يُعْطِي أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُهَا

إلَى آخِرِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ.
(قُلْتُ) مَا لَمْ يَأْتِ مَا يُضَادُّهَا إمَّا نِيَّةٌ مُضَادَّةٌ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَعْتَقِدَ انْقِضَاءَ الطَّهَارَةِ وَكَمَالَهَا، وَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ بَعْضَهَا ثُمَّ يَأْتِي بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَا يُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُوَالَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَفْضُ النِّيَّةِ]

(وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) رَفْضُ النِّيَّةِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ مُغْتَفَرٌ أَيْضًا، وَالرَّفْضُ فِي اللُّغَةِ التَّرْكُ، وَمَعْنَاهُ هُنَا تَقْدِيرُ مَا وُجِدَ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالنِّيَّةُ كَالْمَعْدُومِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الرَّفْضَ لَا يَضُرُّ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ الْوُضُوءِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ إذَا رَجَعَ وَكَمَّلَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِالْقُرْبِ عَلَى الْفَوْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، أَمَّا إذَا رَفَضَ النِّيَّةَ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ لَمْ يُكْمِلْهُ أَوْ كَمَّلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنَظُّفِ أَوْ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ بَعْدَ طُولٍ فَلَا إشْكَالَ فِي بُطْلَانِهِ، وَأَمَّا إذَا كَمَّلَهُ بِالْقُرْبِ فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ هُنَا وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَمَاعَةَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوخِ، وَقَالَ: إنَّ الَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ النُّكَتِ مِنْ غَرَائِبِ أَنْقَالِهِ.
وَأَمَّا إذَا رَفَضَ الْوُضُوءَ بَعْدَ كَمَالِهِ فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ أَنَّ رَفْضَ الْوُضُوءِ بَعْدَ كَمَالِهِ لَا يُؤَثِّرُ، وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَفِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَحَكَى ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْخِلَافَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَالَ: الْفَتْوَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ.
وَرَجَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ الرَّفْضَ لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ الْقِيَاسُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي تَأْثِيرِ رَفْضِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْمَشْهُورُ فِي الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ عَدَمُ الرَّفْضِ، عَكْسُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ قَالَ: رَفْضُ النِّيَّةِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ كَمَالِ الْعِبَادَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْعَبْدِيُّ فَذَكَرَ الْكَلَامَ السَّابِقَ ثُمَّ قَالَ وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ انْتَهَى.
وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فَانْظُرْهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ الشُّيُوخِ يُنْكِرُ إطْلَاقَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ: إنَّ الْعِبَادَةَ الْمُشْتَرَطَ فِيهَا النِّيَّةُ إمَّا أَنْ تَنْقَضِيَ حِسًّا وَحُكْمًا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِمَا، أَوْ لَا تَنْقَضِيَ حِسًّا وَحُكْمًا كَمَا فِي حَالِ التَّلَبُّسِ بِهَا، أَوْ تَنْقَضِيَ حِسًّا دُونَ الْحُكْمِ كَالْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ انْقَضَى حِسًّا لَكِنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ بَاقٍ، فَالْأَوَّلُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ فِيهِ، وَالثَّانِي لَا خِلَافَ فِي تَأْثِيرِهِ فِيهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ هُوَ الثَّالِثُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ لَوْ سَاعَدَتْ الْأَنْقَالُ انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ صَاحِبُ النُّكَتِ فِي بَابِ الصَّوْمِ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَفَضَ الْوُضُوءَ وَهُوَ لَمْ يُكْمِلْهُ أَنَّ رَفْضَهُ لَا يُؤَثِّرُ إذَا أَكْمَلَ وُضُوءَهُ بِالْقُرْبِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إذَا رَفَضَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ قَالَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حَيِّزِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَوَى الرَّفْضَ وَفَعَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ، فَهَذَا رَفْضٌ يُعَدُّ كَالتَّارِكِ لِذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَكَلَامُهُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ هُوَ مَا نَصَّهُ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا الْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ؟ قِيلَ: لَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ تُوجِبْ فِيهِ النِّيَّةَ، وَالْحَجُّ مُحْتَوٍ عَلَى أَعْمَالٍ مَالِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ لَمْ يَتَأَكَّدْ طَلَبُ النِّيَّةِ فِيهِمَا فَرَفْضُ النِّيَّةِ فِيهِمَا رَفْضٌ لِمَا هُوَ غَيْرُ مُتَأَكَّدٍ وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّفْضِ وَلِأَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَ عِبَادَةً شَاقَّةً وَيَتَمَادَى فِي فَاسِدِهِ نَاسَبَ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل