مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 170-207
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابِ الطَّهَارَةِ

صفحات 170-207
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12] فَالْمَجَازُ لَازِمٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَمَذْهَبُنَا أَقْرَبُهُمَا لِلْحَقِيقَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الْخَامِسَةَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ بَعْدَ الْخَامِسَةِ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَإِلَّا لَوَقَعَتْ الصَّلَاةُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِذَا بَطَلَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ؛ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَتَقْسِيمُ السَّادِسَةِ لِصَاحِبِ الْمُنْتَقَى وَصَاحِبِ الِاسْتِذْكَارِ وَالْعَبْدِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَقَالَ اللَّخْمِيّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَصَاحِبُ الْمُعْلِمِ وَابْنُ يُونُسَ وَجَمَاعَةٌ: التَّقْسِيمُ فِي السَّابِعَةِ وَالْمَوْجُودُ لِمَالِكٍ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ أَرَى هَذِهِ السَّاعَاتِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «كُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْجُدْرَانُ لَيْسَ لَهَا فَيْءٌ» وَإِذَا كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ بَطَلَ الْحَدِيثُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تِلْكَ الْأَزْمِنَةَ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَأْبَاهُ وَالْقَوَاعِدَ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَيْضَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مِنْ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَتَحَمُّلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا يَقْتَضِي هَذَا التَّفْصِيلَ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلْحَدِيثِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى هُوَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَصُّهُ: ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ هَذِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَلَمْ يَرَ التَّبْكِيرَ لَهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّاعَاتِ الْمَعْلُومَاتِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْقَاتِ فِي ذَلِكَ أَوَّلُ سَاعَةِ النَّهَارِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ مِنْ النَّهَارِ لَمْ يَذْكُرْ فَضِيلَةَ مَنْ جَاءَ فِيهَا وَلَيْسَتْ بِوَقْتِ قُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بِوَقْتِ اسْتِمَاعِ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَرْتَفِعُ فَضِيلَةُ الرَّوَاحُ وَتَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ لِلذِّكْرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِالسَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السَّاعَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ تَصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الذِّكْرِ، وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَتِلْكَ السَّاعَةُ يَصِحُّ تَجْزِئَتُهَا عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ثُمَّ رَاحَ» . وَالرَّوَاحُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ الْجُزُولِيُّ فِي أَحَدِ شُرُوحِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ عَلَى نَقْلِ كَلَامِ الْبَاجِيِّ وَأَمَّا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ نَاجِي فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِتَبْيِينِ الْوَقْتِ.
وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ وَالْمَوْجُودُ لِمَالِكٍ إنَّمَا هُوَ إلَى آخِرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ مَالِكٍ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ فَتَقَوَّى الْقَوْلُ الَّذِي صَحَّحَهُ الْقَرَافِيُّ وَزَادَ صِحَّةً عَلَى صِحَّةٍ بِوُرُودِ النَّصِّ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَقْفِهِ وَتَقْرِيرِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ وَقْتَ الرَّوَاحِ يَدْخُلُ بِأَوَّلِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ التَّهْجِيرَ يَكُونُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ إلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا سَيَأْتِي وَنَصُّهُ مَسْأَلَةٌ.
وَسُئِلَ عَنْ التَّهْجِيرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ يُهَجِّرُ بِقَدَرٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] وَقَالَ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُونَ إلَى الْجُمُعَةِ هَكَذَا وَأَنَا أَكْرَهُ هَذَا الْقَدْرَ هَكَذَا حَتَّى إنَّ الْمَرْءَ لَا يُعْرَفُ بِهِ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى هَذَا الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ وَأَنْ يُحِبَّ أَنْ يُعْرَفَ بِهِ فَأَنَا أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ وَلَكِنْ رَوَاحًا بِقَدَرٍ وَقَدْ سَمِعْت السَّائِلَ يَسْأَلُ رَبِيعَةَ يَقُولُ لَأَنْ أُلْقَى فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُلْقَى فِي طَرِيقِ السُّوقِ فَقِيلَ لِمَالِكٍ مَا تَقُولُ أَنْتَ فِي هَذَا؟ . فَقَالَ هَذَا مَا لَا يَجِدُ أَحَدٌ مِنْهُ بُدًّا قِيلَ لَهُ أَفَتَرَى أَنْ يَرُوحَ قَبْلَ الزَّوَالِ؟ . قَالَ نَعَمْ فِي رَأْيِي.
قِيلَ لَهُ: أَتُهَجِّرُ بِالرَّوَاحِ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ . فَقَالَ: نَعَمْ، فِي ذَلِكَ سَعَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ كَرِهَ مَالِكٌ الْغُدُوَّ بِالرَّوَاحِ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ

ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ الْمَعْمُولِ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا لَا يَغْدُونَ إلَى الْجُمُعَةِ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُرِدْ بِالْخَمْسِ سَاعَاتٍ فِي قَوْلِهِ: «ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ سَاعَاتِ النَّهَارِ الْمَعْلُومَةَ مِنْ أَوَّلِهَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَنَّهُ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ سَاعَةَ الرَّوَاحِ وَهِيَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالزَّوَالِ وَقْتَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فَهِيَ الَّتِي تَنْقَسِمُ عَلَى الْخَمْسِ فَيَكُونُ الرَّائِحُ فِي الْأُولَى مِنْهَا كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَفِي الثَّانِيَةِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَفِي الثَّالِثَةِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا أَقْرَنَ وَفِي الرَّابِعَةِ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً وَفِي الْخَامِسَةِ كَالْمُتَّصِلَةِ بِالزَّوَالِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ السَّاعَةُ مُنْقَسِمَةً عَلَى الْخَمْسِ سَاعَاتِ مَحْدُودَةً بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَيُعْلَمُ حَدُّهَا حَقِيقَةً وَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي قَدْرِهَا إلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ وَأَخَذَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ فَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُهَجِّرُ بِقَدَرٍ أَيْ يَتَحَرَّى قَدْرَ تَهْجِيرِ السَّلَفِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فَيَغْدُو مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَذَّ عَنْهُمْ فَصَارَ كَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَفْهَمُوهُ أَوْ رَغِبَ مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَمْ يَرْغَبُوهُ انْتَهَى.
وَقَدْ أَغْفَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبِسَاطِيُّ هَذِهِ النُّقُولَ وَاقْتَصَرَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ.
وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَا ابْنِ حَبِيبٍ وَمَالِكٍ انْتَهَى.
وَفِي إطْلَاقِهِ التَّبْكِيرَ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مُسَامَحَةٌ وَنَصُّ الْبِسَاطِيِّ وَأَمَّا مَنْدُوبِيَّةُ التَّهْجِيرِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَةِ الْأُولَى.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ السَّاعَةَ الْأُولَى فِي الْحَدِيثِ طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ كَذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ: السَّاعَةُ الَّتِي بَعْدَ الزَّوَالِ تَنْقَسِمُ سَاعَاتٍ انْتَهَى.
وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْإِمَامِ بِأَثَرِ الزَّوَالِ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَصَرَّحَ الرَّجْرَاجِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ: اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ التَّبْكِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَبْلَ الزَّوَالِ انْتَهَى.

ص (وَسَلَامُ خَطِيبٍ لِخُرُوجِهِ لَا صُعُودِهِ) ش: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ أَنَّ الْخَطِيبَ وَالْمُؤَذِّنَ الَّذِي يُنَاوِلُهُ الْعَصَا يُسَلِّمَانِ إذَا دَخَلَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَكُونُ مَعَ الْخَطِيبِ مُؤَذِّنٌ يُنَاوِلُهُ الْعَصَا وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ سَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ إذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ انْتَهَى.

ص (وَجُلُوسِهِ أَوَّلًا وَبَيْنَهُمَا) ش أَمَّا الْجُلُوسُ الثَّانِي فَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَى فِيهِ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ الْمَشْهُورَ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِالِاسْتِحْبَابِ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَّرَهُ وَحَكَى فِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا بِالْوُجُوبِ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْحَاصِلُ أَنْ كُلًّا مِنْ الْجَلْسَتَيْنِ سُنَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَلَسَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ لِلْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ؟ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَجْلِسُ وَإِنَّمَا يَجْلِسُ فِي الْجُمُعَةِ انْتِظَارًا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَفْرُغَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَكَانَ يَرَى إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ خَطَبَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ فِيهِمَا مُؤَذِّنًا.
قَالَ الشَّيْخُ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ ذَلِكَ أَهْدَى لِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْتَتِحَهُ وَفِيهِ زِيَادَةُ وَقَارٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَفِي وَسَطِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَمِقْدَارُ الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ مِقْدَارُ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ بَيْنَ مُشْتَبِهَتَيْنِ كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَافِي

يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] انْتَهَى.

ص (وَرَفْعُ صَوْتِهِ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إسْرَارُهَا كَعَدَمِهَا وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ: فَلَوْ أَسَرَّ حَتَّى لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ أَجْزَأَتْ وَأَنْصَتَ لَهَا لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ

ص (وَاسْتِخْلَافُهُ لِعُذْرٍ حَاضِرَهَا) ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ فَلَا يُتِمَّهَا وَلَكِنْ يَسْتَخْلِفُ مَنْ شَهِدَهَا فَيُتِمَّ بِهِمْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فَصَلَّى بِهِمْ أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ لَمْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا وَيَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا أَجْزَأَتْهُمْ وَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وَإِنْ تَقَدَّمَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَدِّمُوهُ وَلَا إمَامُهُمْ أَجْزَأَتْهُمْ، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

ص (وَخَتْمُ الثَّانِيَةِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَأَجْزَأَ اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُسْتَحَبُّ بَدْؤُهَا بِالْحَمْدِ وَخَتْمُهَا بِأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ انْتَهَى.

ص (وَتَوَكُّؤٌ عَلَى كَقَوْسٍ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي اسْتِحْبَابِ تَوَكُّئِهِ عَلَى عَصًا بِيَمِينِهِ خَوْفَ الْعَبَثِ مَشْهُورُ رِوَايَتَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَاذَّتُهُمَا.
وَفِي إغْنَاءِ الْقَوْسِ عَنْهَا مُطْلَقًا أَوْ بِالسَّيْفِ فَقَطْ رِوَايَتَا ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ زِيَادٍ.

وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ عَلَى مِنْبَرٍ قُرْبَ الْمِحْرَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْيِيرَ مَنْ لَا يَرْقَاهُ فِي قِيَامِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَرَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ يَمِينَهُ لِمَنْ مَسَكَ عَصًا بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ وَيَسَارَهُ لِتَارِكِهَا لِيَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدِي الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.

ص (وَأَخَّرَ الظُّهْرَ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ) ش: لَوْ قَالَ: وَتَأْخِيرُ رَاجٍ زَوَالَ عُذْرِهِ الظُّهْرَ لَكَانَ أَبَيْنَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَاسْتُؤْذِنَ

إمَامٌ لَوْ قَالَ وَاسْتِئْذَانُ إمَامٍ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.

ص (وَلَا يَجْمَعُ الظُّهْرَ إلَّا لِعُذْرٍ) ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّ الْمُصَلِّينَ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا حَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَرْبَعُ طَوَائِفَ: طَائِفَةٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَهُمْ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَأَهْلُ السُّجُونِ فَهَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ جَاءَتْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ لِعُذْرٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْمَعُونَ أَمْ لَا عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعَ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فَإِنْ جَمَعُوا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فَهَؤُلَاءِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَقَدْ قِيلَ يَجْمَعُونَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَإِنْ جَمَعُوا لَمْ يُعِيدُوا.
وَطَائِفَةٌ تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يَجْمَعُونَ.
وَاخْتُلِفَ إنْ جَمَعُوا فَقِيلَ يُعِيدُونَ وَقِيلَ لَا يُعِيدُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمٍ نَقَدَهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَيْضًا فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَحَوْلَهَا مَنَازِلُ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ تَفُوتُهُمْ الْجُمُعَةُ إنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا قَالَ فَإِنْ صَلَّوْا ظُهْرًا جَمَاعَةً فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ قَالَ وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ: إنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إذَا فَاتَتْهُمْ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُهُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إنْ جَمَعُوا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الْجَمْعِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ أَوْ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِأَهْلِ الْبِدَعِ فَإِذَا جَمَعُوا وَجَبَ أَنْ لَا يُعِيدُوا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَأَشْهَبَ وَكَذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَالِبٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ إلَّا أَنَّهُمْ إنْ جَمَعُوا فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ إذَا قِيلَ إنَّهُمْ يَجْمَعُونَ وَإِنْ كَانُوا تَعَذَّرُوا فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُحْرَمُوا فَضْلَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِهَا: وَإِذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجْمَعُوا قُوَّةُ لَفْظِهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا تَخَلَّفَتْ عَنْ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِ بَيْعَةِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ فَإِنَّهُمْ لَا يَجْمَعُونَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ لَمَّا وَقَعَتْ بِهِمْ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَجَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ بِمَنْ حَضَرَ وَرَأَى أَنَّهُمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَلَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَهُمْ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى شُهُودِهَا فَقَدِمُوا عَلَى مَالِكٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَا يَجْمَعُوا وَقَالَ: لَا يَجْمَعُ إلَّا أَهْلُ السِّجْنِ وَالْمَرْضَى وَالْمُسَافِرُونَ وَلَمَّا بَانَ كُفْرُ عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّعْبِيِّ فِي الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْقَيْرَوَانِ تَرَكَ جَبَلُ بْنُ حَمُّودٍ الصَّلَاةَ فِي الْجَامِعِ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِإِمَامٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَكَانَ مِنْ رِجَالِ سَحْنُونٍ صَحِبَهُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ فَقَالَ لَهُ: نَحْنُ أَقَمْنَا أَنْفُسَنَا مَقَامَ الْمَسْجُونِينَ وَوَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى بِقُرْطُبَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَابَ الْأَمِيرُ وَكَانَ مُحْتَجِبًا لَا تُسْتَطَاعُ رُؤْيَتُهُ فَأَفْتَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنْ يَجْمَعَ النَّاسُ ظُهْرًا وَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يُصَلُّوا

أَفْذَاذًا فَنَفَذَ رَأْيُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَخَرَجَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَلَّى وَحْدَهُ فَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَقَالَ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ (قُلْت) وَمَحْمَلُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يُقِيمُوا الْجُمُعَةَ مَعَ غِيبَتِهِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاضِحٌ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا لَمْ تُجْزِ) ش: كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ لَمْ تُجْزِ مِنْ الْإِجْزَاءِ.
وَهَكَذَا نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ: يُرِيدُ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ لَا تَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَنَحْوُهُ فِي الطِّرَازِ وَفَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّهُمْ إذَا مَنَعَهُمْ وَأَمِنُوا أَقَامُوهَا وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ فَإِذَا نَهَجَ السُّلْطَانُ فِيهَا مَنْهَجًا فَلَا يُخَالَفُ وَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِقَضِيَّةٍ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ حُكْمَهُ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ؛ وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ حُكْمِ السُّلْطَانِ سَبَبُ الْفِتْنَةِ وَالْهَرَجِ وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ انْتَهَى، وَهَذَا التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَازَ فِيمَا إذَا أَمِنُوا فَتَأَمَّلْهُ.

ص (وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ» قَالَ الْبَاجِيُّ قَوْلُهُ: غَسْلَ الْجَنَابَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غُسْلًا عَلَى صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْجُنُبَ الْمُغْتَسِلَ لِجَنَابَتِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ أَوْ غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ يَسْمَعُ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» انْتَهَى.
مِنْ التَّرْغِيبِ وَقَالَ إثْرَهُ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَظَافِرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّوْكِيدُ؛ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى غَسَّلَ غَسَلَ رَأْسَهُ خَاصَّةً وَاغْتَسَلَ غَسَلَ سَائِرَ الْجَسَدِ.
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ غَسَّلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ

خُرُوجِهِ إلَى الْجُمُعَةِ لِيَكُونَ أَمْلَكَ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ وَهِيَ أَوَّلُهَا وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَتَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَنْ قَالَ غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامَعَ وَمَنْ قَالَ غَسَلَ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غَسَلَ رَأْسَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ اغْتَسَلَ وَرَاحَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَمْ يَنْتَقِضْ غُسْلُهُ وَإِنْ تَبَاعَدَ أَوْ سَعَى فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ أَوْ تَغَدَّى أَوْ نَامَ انْتَقَضَ غُسْلُهُ وَأَعَادَ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ قَوْلُهُ ثُمَّ أَحْدَثَ أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ فَيُعِيدُ الْغُسْلَ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ النَّوْمِ وَالْغِذَاءِ انْتَهَى.
وَلَوْ أَجْنَبَ بَعْدَ غُسْلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ غُسْلَهُ يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا كَانَ جُنُبًا وَنَوَى غُسْلَ الْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَوْ أَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ لَا عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا عَنْ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّ شَرْطَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حُصُولُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَحُكِيَ فِي تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْإِنْسَانِ يَذْكُرُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَغْتَسِلَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ حَتَّى تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجُ وَيُصَلِّيهَا بِغَيْرِ غُسْلٍ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِي الْإِكْمَالِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِلْغُسْلِ لِظَاهِرِ إنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُثْمَانَ؛ وَلِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ فَلَا يُتْرَكُ لِسُنَّةٍ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا فِي التَّعَالِيقِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ سَمَاعَ الْخَطِيبِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ الْغُسْلُ لِمَنْ لَا رَائِحَةَ لَهُ حَسَنٌ وَلِمَنْ لَهُ رَائِحَةٌ وَاجِبٌ كَالْحَوَّاتِ وَالْقَصَّابِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ بَابِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ مِنْ التَّبْصِرَةِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ التَّلْقِينِ وَأَمَّا غُسْلُ الْجُمُعَةِ فَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَمْ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ بِهَا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ إزَالَةَ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْخِطَابِ بِهَا النَّظَافَةَ وَإِزَالَةَ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَقَدْ يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ لَا رَائِحَةَ عِنْدَهُ يُزِيلُهَا فَأُلْحِقَتْ بِحُكْمِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تُزَالُ بِهَا عَيْنٌ وَلِهَذَا مُنِعَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ أَنْ يَغْتَسِلَ لَهَا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمَاءِ الْمُضَافِ الَّذِي لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا فِي أَصْلِ الشَّرْعِ إزَالَةُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ فَأُلْحِقَتْ بِطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي الْغَرَضُ بِهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ الصَّحِيحُ افْتِقَارُهُ إلَى النِّيَّةِ

ص (وَجَازَ تَخَطٍّ قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ) ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ إذَا رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً وَلْيَرْفُقْ فِي ذَلِكَ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّخَطِّيَ بَعْدَ جُلُوسِهِ لَا يَجُوزُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَظَاهِرُهَا الْكَرَاهَةُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي كَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ آذَيْت وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ بِنَفْسِ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَمْتَنِعُ التَّخَطِّي وَإِنْ لَمْ يُشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ كَذَلِكَ (قُلْت) فِي نَقْلِهِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ قُصُورٌ فَقَدْ صَرَّحَ بِمَنْعِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَبِمَنْعِ جُلُوسِهِ التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَيَجُوزُ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَقَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا

بَيْنَ نُزُولِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلرَّمَّاحِ وَأَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدَلِيِّ (قُلْت) وَخَرَّجَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَحَكَى فِيهِ رِوَايَتَيْنِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْمَشْيُ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَيَجُوزُ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ.

ص (وَاحْتِبَاءٌ فِيهَا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الِاحْتِبَاءُ وَالْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ وَيُشِيرُ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِاحْتِبَاءٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَمَّا احْتِبَاءُ الْإِمَامِ إذَا جَلَسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَا يُقَالُ فِيهِ احْتِبَاءٌ فِيهَا.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَيْهِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَهُ أَنْ يَحْتَبِيَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَيَمُدَّ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ فَلْيَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَرْفَقُ لَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ» قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَبِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَكَانَ أَنَسٌ وَجُلُّ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَكَرِهَ قَوْمٌ الْحَبْوَةَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَرَخَّصَ فِيهَا آخَرُونَ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ وَكَرِهَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهَا تَجْلِبُ النَّوْمَ فَتُعَرِّضُ طَهَارَتَهُ لِلنَّقْضِ وَتَمْنَعُ مِنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
(فَائِدَةٌ) الِاحْتِبَاءُ هُوَ أَنْ يَضُمَّ الْإِنْسَانُ رِجْلَيْهِ إلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ يَجْمَعُهُمَا بِهِ مَعَ ظَهْرِهِ وَيَشُدَّ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يَكُونُ الِاحْتِبَاءُ بِالْيَدَيْنِ عِوَضَ الثَّوْبِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ احْتَبَى يَحْتَبِي احْتِبَاءً وَالِاسْمُ الْحَبْوَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْجَمْعُ حِبًا وَحِبَاءٌ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ «الِاحْتِبَاءُ حِيطَانُ الْعَرَبِ» يَعْنَى لَيْسَ فِي الْبَرَارِي حِيطَانٌ فَإِذَا أَرَادُوا الِاسْتِنَادَ احْتَبَوْا؛ لِأَنَّ الِاحْتِبَاءَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ السُّقُوطِ وَيَصِيرُ لَهُمْ كَالْجِدَارِ انْتَهَى.

ص (كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ) ش: لَيْسَ هَذَا مِثَالًا لِلذِّكْرِ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَالذِّكْرُ الْخَفِيفُ فِيهِ قَوْلَانِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الذِّكْرِ شَيْئًا يَسِيرًا فِي نَفْسِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا بَأْسَ وَتَرْكُ ذَلِكَ أَحْسَنُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ وَالتَّأْمِينِ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ أَسْبَابَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجْهَرُ أَوْ يُسِرُّ عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فِي الطِّرَازِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ الِاتِّفَاقَ عَلَى إجَازَةِ الثَّانِي وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ قَالَ وَالْقَوْلُ بِإِسْرَارِ ذَلِكَ لِمَالِكٍ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَالْقَوْلُ بِالْجَهْرِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَا نُقِلَ فِي الطِّرَازِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَيُؤَمِّنَ النَّاسُ وَيَجْهَرُوا بِذَلِكَ جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي وَلَا يُكْثِرُوا مِنْهُ انْتَهَى.
(قُلْت) فَعُلِمَ أَنَّ الْجَهْرَ الْعَالِيَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَوَازَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ مُسْتَحَبٌّ فَلَا

يَنْبَغِي تَشْبِيهُ الثَّانِي بِهِ

ص (وَنَهْيُ خَطِيبٍ وَأَمْرُهُ وَإِجَابَتُهُ) ش: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي فِي حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَحَدَّثُ فَمَضَى فِي حَدِيثِهِ مَا نَصُّهُ: أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُ الْخُطْبَةَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ بَلْ إذَا فَرَغَ يُجِيبُهُ وَفَصَلَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ وَاجِبَاتِهَا فَيُؤَخِّرُ الْجَوَابَ أَوْ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ فَيُجِيبُ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَلَا سِيَّمَا إنْ اخْتَصَّ بِالسَّائِلِ فَيُسْتَحَبُّ إجَابَتُهُ ثُمَّ يُتِمُّ الْخُطْبَةَ وَكَذَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤَخِّرُهَا وَكَذَا يَقَعُ فِي أَثْنَاءِ الْوَاجِبِ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْجَوَابِ لَكِنْ إذَا أَجَابَ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ بِمُهْتَمٍّ بِهِ فَيُؤَخَّرُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُهُ فِي الَّذِي سَأَلَ عَنْ السَّاعَةِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ وَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِهِ ضَرُورَةً نَاجِزَةً فَيُقَدِّمُ إجَابَتَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ «قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا يَدْرِي دِينَهُ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ فَتَرَكَ خُطْبَتَهُ وَأَتَى بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يُعَلِّمُهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا» وَكَمَا فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَتَى أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبِّ وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قَضِيَّةِ «سُلَيْكٍ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ أَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ» . الْحَدِيثُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ فَيَعْرِضُ الرَّجُلُ فَيُحَدِّثُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى رُبَّمَا نَعَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ وُقُوعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ

ص (وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا) ش: أَيْ يُكْرَهُ تَرْكُ الْعَمَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُرِيدُ إذَا تَرَكَهُ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَمُبَاحٌ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَتَرْكُهُ لِلِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ دُخُولِ حَمَّامٍ وَتَنْظِيفِ ثِيَابٍ وَسَعْيٍ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ بُعْدِ مَنْزِلٍ فَحَسَنٌ يُثَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.

ص (أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ) ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ هُوَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى إمَامٍ أَيْ وَكُرِهَ تَنَفُّلُ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ بِالْأَذَانِ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّارِحِ: يُكْرَهُ أَيْضًا لِمَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُومَ يَتَنَفَّلُ حِينَئِذٍ وَأَخْرَجَ بِهِ الدَّاخِلَ حِينَئِذٍ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُتَنَفِّلًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْأَذَانُ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكْرَهُ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ بَعْدَ أَنْ جَمَعَ الْمَكْرُوهَاتِ فِي قَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَا تَنَفُّلُ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَنَصُّ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ جَالِسًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْأَذَانِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: جَالِسًا مِمَّا لَوْ كَانَ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ قَائِمًا يَتَنَفَّلُ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: مَحْمُولٌ عَلَى أَذَانِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا نَاقَضَ مَا يَأْتِي مِنْ تَحْرِيمِ ابْتِدَاءِ صَلَاةٍ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَانِ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْجُمُعَةِ بَلْ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ عِنْدَ الْأَذَانِ لِغَيْرِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي كَلَامِهِ

الْمُتَقَدِّمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْعَ التَّنَفُّلِ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفَ بِمَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَنَصُّهُ: قَالَ الْأَصْحَابُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ خَشْيَةَ اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِ فَلَوْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ اسْتِنَانًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَيَنْهَى الْإِمَامُ النَّاسَ عَمَّا أَحْدَثُوهُ مِنْ الرُّكُوعِ بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُمْنَعُ الرُّكُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَسَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَجَازَ قَبْلَهُ وَحَرُمَ بِالزَّوَالِ) ش: وَكَذَلِكَ فِي الْعِيدِ يُكْرَهْ السَّفَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَحْرُمُ بَعْدَ طُلُوعِهَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعِيدِ.

ص (كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ) ش: اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَأَمَّا الْعِيدُ وَالِاسْتِسْقَاءُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُنْصِتُ لَهُمَا كَمَا يُنْصِتُ لِلْجُمُعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا وَاضِحٌ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْإِنْصَاتِ وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ إلَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ كَخُطَبِ الْحَجِّ فَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الصَّلَاةِ الْخُطَبُ ثَلَاثٌ: خُطْبَةٌ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَيْهَا وَالِاسْتِمَاعُ إلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّهَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَلَا الِاسْتِمَاعُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهِيَ خُطَبُ الْحَجِّ وَهُنَّ ثَلَاثٌ: أَوَّلُهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالثَّانِيَةُ: خُطْبَةُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالثَّالِثَةُ: ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى بَعْدَ الظُّهْرِ؛ إذْ لَا اخْتِلَافَ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ يُخْتَلَفُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لَهَا وَالِاسْتِمَاعِ إلَيْهَا وَهِيَ خُطْبَةُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ شَرْحُ قَوْلِهِ وَسُئِلَ عَنْ الْإِمَامِ يَخْطُبُ مِنْ أَمْرِ كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْجُمُعَةِ وَلَا الصَّلَاةِ أَنْ يُنْصِتَ مَنْ سَمِعَهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ بِالصَّلَاةِ لِاتِّصَالِهَا بِهَا وَكَوْنِهَا بِمَعْنَاهَا فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْبَلَنْسِيُّ الْخُطَبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُنْصَتُ فِيهِ وَهِيَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَقِسْمٌ لَا يُنْصِتُ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْحَجِّ كُلُّهَا وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِنْصَاتَ فِيهِمَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْكَلَامُ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ بِكَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ: خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْإِمَامُ شَافِعِيًّا يُسَلِّمُ بَعْدَ رُقِيِّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَمْنَعُ جُلُوسَهُ لَهَا التَّخَطِّي لِفُرْجَةٍ وَالتَّنَفُّلُ وَلَوْ تَحِيَّةً ابْنُ بَشِيرٍ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمِمَّا يَحِلُّ مَحَلَّ الْكَلَامِ تَحْرِيكُ مَا لَهُ صَوْتٌ كَالْحَدِيدِ أَوْ الثَّوْبِ الْجَدِيد وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَرَّكَ الْحَصْبَاءَ فَقَدْ لَغَا» انْتَهَى.

ص (بِقِيَامِهِ) ش: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِخُطْبَتِهِ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ بِقِيَامِهِ بَلْ رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا خَطَبَ قَائِمًا ص (وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ) ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَسْجِدِ

أَوْ خَارِجِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَقِيلَ: يَجِبُ إذَا دَخَلَ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ هَكَذَا نَقَلَ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَجِبُ اسْتِمَاعُهَا وَالصَّمْتُ لَهَا وَبَيْنَهُمَا وَفِي غَيْرِ سَامِعِهِمَا وَلَوْ بِخَارِجِ الْمَسْجِدِ طُرُقٌ الْأَكْثَرُ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتِّفَاقًا وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا عِنْدَ كَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَبَيْنَ خُطْبَتَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ لَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ مَسْأَلَةٍ فِي رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ فِي طَرِيقِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الْخُطْبَةِ وَكَانَ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ كَلَامَ الْإِمَامِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْإِنْصَاتَ لَا يَجِبُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَقِيلَ: يَجِبُ مُنْذُ يَدْخُلُ رِحَابَ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ مِنْ ضِيقِ الْمَسْجِدِ انْتَهَى ص (أَوْ إشَارَةٌ لَهُ) ش: هَكَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الطِّرَازِ عَنْ الْمَبْسُوطِ جَوَازُهَا ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ ثُمَّ قَالَ وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ أَبْيَنُ فَإِنَّ الْخُطْبَةَ غَايَتُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا حُرْمَةُ الصَّلَاةِ.

ص (وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْخَطِيبَ إذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ مِنْ دَارِ الْخَطَابَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ وَلَوْ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: ابْتِدَاءُ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُتِمَّهَا وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْنَى خُرُوجِ الْإِمَامِ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِلَوْ لَكَانَ أُجْرِيَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ فَإِنَّ السُّيُورِيَّ يُجَوِّزُ التَّحِيَّةَ لِلدَّاخِلِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْرِفُهُ هَذَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّ النَّفَلَ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَى الْجَالِسِ اتِّفَاقًا وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَخُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ وَرِوَايَةُ الْمُخْتَصَرِ: الْجَوَازُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمٍ سَلَفَ فِي الْمَتَاعِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَقْعُدُ لِلتَّشَهُّدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي نَافِلَةٍ فَيَخْرُجُ الْإِمَامُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسْمَعَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ قَالَ بَلْ يُسَلِّمُ إلَى أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَدْعُو ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا السَّلَامُ أَنْ يَدْعُوَ وَلَا يُسَلِّمَ مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ.
وَالْقِيَاسُ مَا فِي الْكِتَابِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) هَذَا حُكْمُ النَّقْلِ وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الْمُسْتَمِعُ لِلْخُطْبَةِ مَنْسِيَّةً فَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي اسْتِلْحَاقِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَقُومُ فَيُصَلِّي وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي ذَكَرَهَا فَرْضٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَخْرُجُ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ إذَا ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي عَنْ النَّوَادِرِ وَإِنْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ صَلَاةً صَلَّاهَا وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا لَا يُبَالِي أَيَّ وَقْتٍ كَانَ وَإِنْ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ أَوْ كَانَ عِنْدَ غُرُوبِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ: أَيَّ وَقْتٍ كَانَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا لِبَعْضِهِمْ نَظَرٌ (قُلْت) فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا ذَكَرَ الصُّبْحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَقُولُ لِمَنْ يَلِيهِ: أَنَا أُصَلِّي الصُّبْحَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَوْ

ذَكَرَهَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَمَادَى وَصَلَّى مَا نَسِيَ وَفِي إعَادَةِ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا اخْتِلَافٌ انْتَهَى.
فَجَوَابُهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى الْجُمُعَةَ قَالَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا قَالَ الْقَاضِي وَالْوَقْتُ فِي ذَلِكَ النَّهَارُ كُلُّهُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا وَلَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ يَخْرُجُ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنْ لَمْ يُوقِنْ بِذَلِكَ تَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ وَأَعَادَ ظُهْرًا أَرْبَعًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: إنَّ السَّلَامَ مِنْ الْجُمُعَةِ خُرُوجُ وَقْتِهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْ الظُّهْرِ وَوَقْتُ الظُّهْرِ قَائِمٌ وَجَبَ أَنْ يَعُدَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرًا أَرْبَعًا لِتَعَذُّرِ إقَامَتِهَا جُمُعَةً وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَمَنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ إقَامَتُهَا جُمُعَةً كَمَا كَانَ صَلَّاهَا سَقَطَتْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ؛ إذْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُتَكَرِّرَةً فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) وُجُوبُ السَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ فَلَوْ بَقِيَ لِفِعْلِ الْجُمُعَةِ مَا لَوْ سَارَ إلَى الْجُمُعَةِ مَا أَدْرَكَهَا سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ السَّعْيِ وَصَحَّ مِنْهُ فِعْلُ الظُّهْرِ قَالَهُ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الْمُخْتَصَرِ

ص (وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَلَا يَقْطَعُهَا إنْ كَانَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ إلَى الْخُطْبَةِ أَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَالِسًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الدَّاخِلَ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ لَا يَرْكَعُ فَأَحْرَمَ جَاهِلًا أَوْ غَافِلًا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ حَتَّى قَامَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ؛ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَقْطَعُ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَحْرَمَ لَتَمَادَى عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهَذَا فِي حَقِّ الدَّاخِلِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَيُحْرِمَ وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ مَنْ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ النَّفْلِ لَهُ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَجَازَ لَهُ التَّنَفُّلَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ لِخُرُوجِهِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءُ صَلَاةٍ حِينَئِذٍ لَا إتْمَامُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ التَّمَادِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُخَفِّفُ صَلَاتَهُ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ: يُتِمُّ قِرَاءَتَهُ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ وَهُوَ مَعْنَى سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ؛ سَلَّمَ وَلَمْ يَدْعُ وَقِيلَ: يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُخَفِّفُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ يُطِيلُ فِي دُعَائِهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يَدْعُو مَا دَامَ الْمُؤَذِّنُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَفَسْخُ بَيْعٍ) ش: ذِكْرُ الْفَسْخِ اسْتِلْزَامُ التَّحْرِيمِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ حِينَئِذٍ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَنَصُّ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ: وَإِذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ الرَّجُلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ النِّدَاءِ عِنْدَ مَنْعِ الْبَيْعِ فَلَمْ يَجِدْ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ إلَّا بِثَمَنٍ فَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يَفْسُدُ شِرَاؤُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ هَذَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ شِرَاءِ الْمَاءِ لِمَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِالثَّمَنِ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ وَابْنُ يُونُسَ وَلَمْ يُحْفَظْ غَيْرُهُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ

فِي ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي الْمَذْكُورِ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ: اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ أَيَّدَهُ اللَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ لِلْمُشْتَرِي وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِضَرُورَةِ الْأَوَّلِ وَعَدَمِ ضَرُورَةِ الثَّانِي كَقَوْلِ أَشْهَبَ فِي شِرَاءِ الزِّبْلِ: وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ بَلْ يَجُوزُ لِيُعِينَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ بِالرُّخْصَةِ لَهُمَا مَعًا وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَمِمَّا يَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ الْبِيَعِ الشُّرْبُ مِنْ السِّقَاءِ بَعْدَ النِّدَاءِ إذَا كَانَ بِثَمَنٍ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ مَا لَمْ تَدْعُ إلَى الشُّرْبِ ضَرُورَةٌ انْتَهَى.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَاقِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا لِمَنْعٍ فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْأَسْوَاقِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِيَةِ رَسْمٍ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّ الْأَسْوَاقَ يُمْنَعُ أَنْ يَبِيعَ فِيهَا الْعَبِيدَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنْ بَاعَ فِيهَا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لَمْ يُفْسَخْ بَيْعُهُ وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَسْوَاقِ فَجَائِزٌ لِلْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَأَهْلِ السُّجُونِ وَالْمَرْضَى أَنْ يَتَبَايَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنْ بَاعَ مِنْهُمْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ فُسِخَ بَيْعُهُ كَمَا يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ص (بِأَذَانٍ ثَانٍ) ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ الْأَذَانُ الثَّانِي بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ وَهَلْ يَحْرُمُ بِأَوَّلِ الْأَذَانِ أَوْ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ قَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِالشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ سَنَدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَ وَنَصُّهُ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَذَانِ بِأَوَّلِهِ لَا بِتَمَامِهِ فَإِذَا كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ مُتَعَلِّقٌ بِالنِّدَاءِ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) مُنْتَهَى الْمَنْعِ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ جُزَيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا تَعَدَّدَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاءُ بِجَايَةَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ التُّونُسِيِّينَ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ عِنْدَ سَمَاعِ الثَّالِثِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ إنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَمَنْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا بِحَيْثُ إنْ لَمْ يَسْعَ عِنْدَ الْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا جِدًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحْضُرُ الْخُطْبَةَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُكْتَفَى بِهِمْ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِقْدَارُ وَقْتِهَا الضَّرُورِيُّ إلَّا مَا يُوقِعُهَا فِيهِ فَبَاعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: يُفْسَخُ بَيْعُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ هُنَا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُفْسَخُ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ الْفَسْخِ هُنَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَمِنْ الْمَصْلَحَةِ مَنْعُ مَا أَدَّى إلَى افْتِرَاقِ جَمْعِهِمْ وَالْإِخْلَالِ بِشَرْطٍ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْجَمَاعَاتِ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا انْتَهَى.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي تَفْرِقَةِ الْمَازِرِيِّ: نَحْنُ لَمْ نُفْسِدْ بَيْعَهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ إنَّمَا أَفْسَدْنَاهُ لِلْإِخْلَالِ بِالْوَقْتِ الْمُؤَدِّي إلَى كَوْنِ الصَّلَاةِ قَضَاءً وَإِلَى تَأْثِيمِ فَاعِلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ صَوَّبَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ عَدَمَ الْفَسْخِ قَالَ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى انْتَهَى.

وَجَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأُلْزِمَ الْقَائِلُ بِالْبُطْلَانِ أَنْ يُبْطِلَ بِيَاعَاتِ الْغُصَّابِ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي زَمَنٍ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّشَاغُلُ بِرَدِّ الْغُصُوبَاتِ وَأَلْحَقَ الْغَرْنَاطِيُّ بِالْبَيْعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْبَيْعَ وَقْتَ الْفِتْنَةِ يُرِيدُ: فِي حَقِّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْخُرُوجُ ابْنُ رُشْدٍ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ) ش قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِيهِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَيَصِحُّ بِتَقْدِيرِ: كَغَيْرِهِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.

ص (لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ) ش: نَفَى الْمُصَنِّفُ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْفَسْخَ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُرْمَةِ وَلَا ثُبُوتِهَا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَكِنْ لَا تُفْسَخُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ كُلِّ مَا يَشْغَلُ وَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إذَا وَقَعَ وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ وَقَعَتْ فَاخْتُلِفَ فِي فَسْخِهَا وَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ لَمَّا عَدَّ الْأَنْكِحَةَ الْفَاسِدَةَ: وَأَمَّا يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَعَدَمَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَالصَّحِيحُ فَسْخُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ يَشْغَلُ عَنْ الْجُمُعَةِ مِنْ الْعُقُودِ كُلِّهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا، مَفْسُوخٌ رَدْعًا انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمَوَّاقِ يَقْتَضِي جَوَازَهَا ابْتِدَاءً وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَا يَفْسَخُ، دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُ فِي النِّكَاحِ وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ وَهُوَ عِنْدِي بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَدْخُلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِعِلَّةِ التَّشَاغُلِ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ مَنَعَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَضَارَعَهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْبَيْعِ فَمَا ضَارَعَهُ مِثْلُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ جَائِزَةٌ أَنَّهَا مَاضِيَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ثَانِيَةِ رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَيُفْسَخُ عِنْدَ أَصْبَغَ

وَإِنْ فَاتَ بِالدُّخُولِ وَيَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى.
حَكَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْهُ انْتَهَى.

ص (وَإِشْرَافُ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ) ش: فَفِي رَسْمٍ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِ مَيِّتٍ مِنْ إخْوَانِهِ مِمَّا يَكُونُ مِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ وَخَافَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرَ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ بِالْوَاوِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَوْ وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ إنْ خَافَ ضَيَاعَهُ أَوْ تَغْيِيرَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا لِجِنَازَةِ بَعْضِ أَهْلِهِ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَلِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَسَحْنُونٍ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ لِأَجْلِ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَيَاعَهُ وَتَغَيُّرَهُ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا خَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرَ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ بَلَغَهُ وَهُوَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ أَبَاهُ أَصَابَهُ وَجَعٌ وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَقَدْ اسْتَصْرَخَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بَعْدَ أَنْ تَأَهَّبَ لِلْجُمُعَةِ فَتَرَكَهَا وَخَرَجَ إلَيْهِ لِلْعَقِيقِ قَالَهُ سَنَدٌ وَالْمَازِرِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَعُرْيٌ) ش: قَالَ فِي الْكَبِيرِ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَدَمَ وُجْدَانِ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ انْتَهَى.
فَحُمِلَ الْعُرْيُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعُرْيُ مِمَّا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَامِلِهِ أَيْضًا وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَزَادَ فَقَالَ وَرُبَّمَا يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ.

ص (وَأَكْلُ كَثُومٍ) ش: هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَكْلُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ . الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأَبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَزُولُ مِنْ فِيهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.
الْحَدِيثُ أَجَازَ الْجُمْهُورُ أَكْلَ هَذِهِ الْخُضَرِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ لِأَصْحَابِهِ وَعَلَّلَ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُنَاجِي مَنْ لَا يُنَاجَى، وَحَرَّمَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِمَنْعِهِ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ.
(قُلْت) وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ لَا يَبْعُدُ عِنْدِي كَرَاهَةُ أَكْلِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنِّي أَكْرَهُ رِيحَهَا وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرِ أَنَّهُ مَا أَدْخَلَ دَارِهِ ثُومًا وَلَا بَصَلًا وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ إدْخَالَهَا ذَرِيعَةٌ لِأَكْلِهَا، وَكَذَلِكَ أَكْلُهَا ذَرِيعَةٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الْمَسْجِد قَالَ الْمَازِرِيُّ وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِذَلِكَ أَهْلَ الصَّنَائِعِ الْمُنْتِنَةِ كَالْحَوَّاتِينَ وَالْجَزَّارِينَ.
عِيَاضٌ وَكَذَلِكَ الْفُجْلُ لِمَنْ يَتَجَشَّؤُهُ، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْمُرَابِطِ بِذَلِكَ دَاءَ الْبَخَرِ وَالْجُرْحَ الْمُنْتِنَ.
(قُلْت) وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِذَلِكَ الصُّنَانَ وَالْبَرَصَ الَّذِي يُتَأَذَّى بِرِيحِهِ وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ بِمَنْعِ ذِي الْبَرَصِ أَنْ يَبِيعَ مَا عَمِلَ بِيَدِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَمِلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ التَّاسِعِ لِابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ قَوْلُهُ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِلَّا لَمَا كَانَ يُبَاحُ مَا يَحْبِسُ عَنْ الْفَرْضِ وَقَدْ أَبَاحَتْ السُّنَّةُ لِآكِلِ الثُّومِ التَّخَلُّفَ عَنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَكْلَهُ مُبَاحٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا نُودِيَ لَهَا حَرُمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ كُلُّ مَا يَحْبِسُ مِنْ بَيْعٍ وَقُعُودٍ وَرُقَادٍ وَصَلَاةٍ وَكُلُّ مَا يُشْغَلُ بِهِ الْمَرْءُ عَنْهَا وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ حَاضِرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَحْبِسُهُ عَنْهَا.
    فَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فَرْضًا؛ كَانَ أَكْلُ الثُّومِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ حَرَامًا وَقَدْ ثَبَتَتْ إبَاحَتُهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي إخْرَاجِ آكِلِ الثُّومِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُتَأَذَّى بِهِ فَفِي الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ جِيرَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنْ يَكُونَ ذَرِبَ اللِّسَانِ سَفِيهًا مُسْتَطِيلًا أَوْ كَانَ ذَا رَائِحَةٍ لَا تُؤْلِمُهُ لِسُوءِ صِنَاعَتِهِ أَوْ عَاهَةٍ مُؤْذِيَةٍ كَالْجُذَامِ وَشِبْهِ أَذًى، وَكُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ إذَا وُجِدَ فِي أَحَدِ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ وَأَرَادُوا إخْرَاجَهُ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادَهُ عَنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِيهِ حَتَّى تَزُولَ فَإِذَا زَالَتْ بِالْعَافِيَةِ أَوْ بِتَوْبَةٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ زَالَتْ كَانَ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْمَسْجِدِ وَقَدْ شَاهَدْت شَيْخَنَا أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَفْتَى فِي رَجُلٍ تَشَكَّاهُ جِيرَانُهُ وَأَثْبَتُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُؤْذِيهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ فَأَفْتَى بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ وَإِبْعَادِهِ عَنْهُمْ وَأَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَهُمْ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
    وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الثُّومِ وَقَالَ: إنَّهُ أَشَدُّ مِنْهُ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
    (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ.
    عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَعَلَى مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا نِيًّا أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» فَأَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِذَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَلِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ وَكَانَ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَاجِبًا وَجَبَ أَنْ يُزِيلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الرَّوَائِحِ انْتَهَى مِنْ تَبْصِرَتِهِ انْتَهَى.
    (الثَّانِي) قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي حُضُورِ الْأَجْذَمِ: وَهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُونَ فِيهِ مِمَّا تُجْزِئُ فِيهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدُوا؛ لَوَجَبَتْ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَمُنِعَتْ الْمُخَالَطَةُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا حِينَئِذٍ إقَامَةُ الْحَقَّيْنِ جَمِيعًا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ النَّاسِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَامِعَ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ وَأَتَوْا الصَّلَاةَ مُتَمَيِّزِينَ عَنْ النَّاسِ فِي الْأَفْنِيَةِ بِمَوْضِعٍ لَا يَلْحَقُ النَّاسَ ضَرَرُهُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمْ إذَا صَلَّوْا بِمَكَانٍ لَا يَلْحَقُ ضَرَرُهُمْ النَّاسَ وَكَانَ الْمَكَانُ مِمَّا تُجْزِي فِيهِ الْجُمُعَةُ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا لَمْ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ وَلَا رِحَابَهُ يَشْهَدُ الْجُمُعَةُ.
    فَأَنْتَ تَرَاهُ كَيْفَ أَشَارَ إلَى اجْتِنَابِ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ خَاصَّةً وَاجْتِنَابِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ بِالرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ دُونَ أَنْ يُشِيرَ إلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا قَالَهُ فِي أَكْلِ الثُّومِ إذَا مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَرِحَابِهِ هَلْ تَكُونُ صَلَاتُهُ بِالْفِنَاءِ مَعَ اتِّسَاعِ الْجَامِعِ لِدُخُولِهِ مُجْزِئَةً عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْأَفْنِيَةِ اخْتِيَارًا مَعَ سَعَةِ الْجَامِعِ لَا تُجْزِئُ فِي الْجُمُعَةِ لِكَوْنِ هَذَا مَمْنُوعًا مِنْ الدُّخُولِ إلَى الْجَامِعِ شَرْعًا فَأَشْبَهَ مَنْ صَلَّى بِالْفِنَاءِ وَقَدْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ عَنْهُ، أَوْ يَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي صَلَاتِهِ فَسَادٌ لِسَعَةِ الْجَامِعِ إيَّاهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ الشَّرْعُ عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.

ص (كَرِيحٍ عَاصِفَةٍ بِلَيْلٍ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) أَمَّا الْحَرُّ وَالشَّمْسُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ قَاطِعٍ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُهَا فِي حَرِّ أَرْضِ الْحِجَازِ بِأَصْحَابِهِ وَيَقْصِدُونَ فِنَاءَ الْحِيطَانِ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ.
قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَبْتَغِي الْفَيْءَ، أَوْ قَالَ: الظِّلَّ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ ذَلِكَ تُحْتَمَلُ وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَقَلَّبُونَ فِي

تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرِّ وَكَذَلِكَ فِي الْبَرْدِ إلَّا أَنْ يَهِيجَ سَمُومُ رِيحٍ حَارَّةٍ كَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ حَتَّى يَذْهَبَ بِالْمَاءِ مِنْ الْقِرَبِ وَالْأَسْقِيَةِ فَمِثْلُ ذَلِكَ يَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهٌ انْتَهَى.

ص (أَوْ عَمًى) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْعَمَى لَا يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ وَلَوْ كَانَ الْأَعْمَى لَا يَجِدُ مَنْ يَقُودُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَنَصِّهِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا الْأَعْمَى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَتْ عَلَى الْأَعْمَى إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِدٌ يَقُودُهُ إلَيْهَا كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ الزِّحَامُ وَتَكْثُرُ الدَّوَابُّ فِي الْعَادَةِ فَيَقَعُ الْأَعْمَى فِي مَشَقَّةٍ بَالِغَةٍ وَقَدْ تُهْلِكُهُ الدَّوَابُّ سِيَّمَا فِي الْأَمْصَارِ الْوَاسِعَةِ وَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَأَمَّا فِي الْقُرَى وَفِيمَا قَرُبَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَلِكَ خَفِيفٌ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَالنَّاسُ يَوْمئِذٍ يَكْثُرُونَ فِي الشَّوَارِعِ وَيَهْدُونَهُ فِي مُضِيِّهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَيُمْكِنُهُ التَّبْكِيرُ وَالْجُلُوسُ بَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَجِبْ» انْتَهَى.

[فَصَلِّ صَلَاةُ الْخَوْفِ]

ص (فَصْلٌ رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ) ش: يُشِيرُ لِقَوْلِ سَنَدٍ: إقَامَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ رُخْصَةٌ لَيْسَتْ سُنَّةً وَلَا فَرِيضَةً.
قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاَلَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ شَرْطًا وَلَا كَانَ يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُمْ عَلَى خِلَافِ هَذَا التَّرْتِيبِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْخَوْفُ بِحَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ عَلَى الْأَشْهَرِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَعَلَى الْأَشْهَرِ فَالْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ: فَإِنْ حَضَرَ الْخَوْفُ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ فِي مَرْكَبٍ وَاحِدٍ فَهُمْ كَأَهْلِ الْبَرِّ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْمَرَاكِبُ صَلَّى أَهْلُ كُلِّ مَرْكَبٍ بِإِمَامٍ وَقَسَمَهُمْ وَإِنْ أَمِنُوا؛ صَلَّوْا بِإِمَامٍ وَاحِدٍ وَقَسَمَ أَهْلُ كُلِّ مَرْكَبٍ قِسْمَيْنِ أَوْ قَسَمَ الْمَرَاكِبَ قِسْمَيْنِ فَصَلَّى بِنِصْفِهِمْ وَيَحْرُسُ النِّصْفُ الْآخَرُ، وَأَمَّا الْمَرْكَبُ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ فَيُقْسَمُ طَائِفَتَيْنِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي حُكْمِ الْقِتَالِ الْجَائِزِ الْخَوْفُ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ.
الْقِتَالُ ثَلَاثَةٌ: وَاجِبٌ كَقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ وَمَنْ يُرِيدُ الدَّمَ عَلَى الْخِلَافِ، وَمُبَاحٌ كَمُرِيدِ الْمَالِ، وَحَرَامٌ كَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْحِرَابَةِ.
فَالْوَاجِبُ وَالْمُبَاحُ سَوَاءٌ فِي هَذِهِ الرُّخْصَةِ وَلَا يُتَرَخَّصُ فِي الْحَرَامِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ انْهَزَمُوا مِنْ الْعَدُوِّ وَكَانَ الْوَاحِدُ مُنْهَزِمًا مِنْ اثْنَيْنِ كَانُوا عُصَاةً فَلَا يُتَرَخَّصُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ وَإِلَّا جَازَ التَّرَخُّصُ انْتَهَى.
ص (قَسْمُهُمْ) ش: هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ فِي رُخِّصَ يَعْنِي أَنَّهُ يُرَخَّصُ لِلْإِمَامِ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ ص (قِسْمَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّ

السُّنَّةَ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ بِالنِّصْفِ وَإِنْ قُوتِلَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لِلْآخَرِ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُوقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَانْظُرْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ الْقَسْمِ حَيْثُ أَمْكَنَ تَرْكُ الْقِتَالِ لِبَعْضِهِمْ بَلْ هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَهَلْ يُصَلِّيهَا النَّفَرُ الْيَسِيرُ كَالثَّلَاثَةِ؟ . الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: الطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ وَأَنْكَرَ أَنْ يُصَلَّى بِأَقَلَّ مِنْ طَائِفَةٍ وَأَنْ يَحْرُسَهُ أَقَلُّ مِنْ طَائِفَةٍ كَأَنَّهُ رَاعَى ظَاهِرَ لَفْظِ الْقُرْآنِ.
وَنَقُولُ: الْقَصْدُ مَعْقُولٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَغْفُلُوا عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا عَنْ شَأْنِ الْعَدُوِّ، فَقَالَ: يَلْقَى ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةً مِنْ الْكُفَّارِ فَيَقُومُ وَاحِدٌ لِحِرَاسَتِهِمْ وَيُصَلِّي الْآخَرَانِ مَعَ الْإِمَامِ انْتَهَى.
ص (وَعِلْمُهُمْ) ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ الْوُجُوبُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا خَافَ التَّخْلِيطَ ص (فِي الثُّنَائِيَّةِ) ش: كَالصُّبْحِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا قَصَرَ وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَأْتِي الْمُسَافِرُونَ بِرَكْعَةٍ وَيُسَلِّمُونَ وَيَأْتِي الْحَاضِرُونَ بِثَلَاثٍ وَإِنْ كَانَ حَضَرِيًّا صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَأَتَمَّ كُلُّ مَنْ كَانَ خَلْفَهُ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يُسِرُّ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ وَيَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ ص (ثُمَّ قَامَ سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا أَوْ قَارِئًا فِي الثُّنَائِيَّةِ) ش: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ فِي قِيَامِهِ مِنْ الثُّنَائِيَّةِ، وَأَمَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الدُّعَاءِ وَالسُّكُوتِ فَقَطْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَتَعَيَّنُ الدُّعَاءُ بَلْ وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ وَقَوْلُهُ أَوْ قَارِئًا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهُ حَتَّى تُكَبِّرَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: التَّنْبِيهُ الثَّانِي إذَا انْتَظَرَ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ، وَقُلْنَا: يَقُومُ وَيَقْرَأُ فَهَلْ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَا يَقْرَؤُهَا حَتَّى تَدْخُلَ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ؟ . فِي ذَلِكَ خِلَافٌ انْتَهَى.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ قِيَامِهِ إلَى الثَّانِيَةِ فَلْيُقَدِّمْ مَنْ يَقُومُ بِهِمْ ثُمَّ يَثْبُتُ الْمُسْتَخْلَفُ وَيُتِمُّ مَنْ خَلْفَهُ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّانِيَةِ فَلَا يَسْتَخْلِفُ؛ لِأَنَّ مَنْ خَلْفَهُ خَرَجُوا مِنْ إمَامَتِهِ حَتَّى لَوْ تَعَمَّدَ حِينَئِذٍ الْحَدَثَ أَوْ الْكَلَامَ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ عَنْهُ ابْنُهُ.
فَإِذَا أَتَمَّ هَؤُلَاءِ وَذَهَبُوا أَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى بِإِمَامٍ فَقَدَّمُوهُ وَإِذَا أَحْدَثَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مِنْ الْمَغْرِبِ فَلْيَسْتَخْلِفْ انْتَهَى.
نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَالْفَاكِهَانِيُّ.
(الثَّانِي) مَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ أَدْرَكَ الرَّابِعَةَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الرُّعَافِ وَلَكِنْ مَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ هَلْ يَقُومُ لِلْقَضَاءِ وَالْبِنَاءِ إذَا أَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى أَوْ يُمْهِلُ بِالْقَضَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ سَائِرِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَوْلَانِ نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ ص (وَفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ) ش

أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِطَرِيقَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَلِطَرِيقَةِ ابْنُ بَزِيزَةَ فَإِنَّ ابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَحْكُونَ فِي قِيَامِهِ فِي غَيْرِ الثَّانِيَةِ قَوْلَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ: يَنْتَظِرُهُمْ قَائِمًا.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالشَّاذُّ لِابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ أَوْ الصُّبْحَ قَامَ بِلَا خِلَافٍ وَعَكَسَ ابْنِ بَزِيزَةَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ جُلُوسٍ فَهَلْ يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا قَوْلَانِ فَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِنَقْلِ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَشْهُورَ الْقِيَامُ، وَنَقَلَ ابْنُ بَزِيزَةَ أَنَّهُ يَجْلِسُ بِلَا خِلَافٍ.
(قُلْت) وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيَثْبُتُ قَائِمًا وَيُتَمِّمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَحْدَهَا وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ فَقَالَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ حَارِثٍ طَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ قَائِمًا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا حَاشَا الْمَغْرِبَ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَنْتَظِرُهُمْ جَالِسًا.
قَالَ فِي الطِّرَازِ عَنْ الرَّجْرَاجِيِّ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: وَمَتَى يَقُومُ فَإِنْ سَبَقَ إلَيْهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ؛ لَمْ يَقُمْ، وَإِنْ جَاءَتْ جَمَاعَةٌ قَامَ فَيُكَبِّرُ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَوْ صَلَّوْا بِإِمَامَيْنِ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا جَازَ) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَّجَهَا اللَّخْمِيُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ رُخْصَةٌ نَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ وَلَوْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ بِإِمَامٍ وَبَعْضُهُمْ فَذًّا أَجْزَأَتْ اللَّخْمِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ صَلَاةِ طَائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ إمَامَةَ إمَامَيْنِ أَثْقَلُ مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَدْ نَقَلْتُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ بِإِمَامَيْنِ مُشْكِلٌ؛ إذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ إلَّا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ: مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ صَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ بِإِمَامٍ وَبَعْضُهُمْ فَذًّا؛ جَازَ.
قَالَ: قَالَ اللَّخْمِيّ وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ صَلَاةِ الطَّائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ إمَامَةَ إمَامَيْنِ أَشَدُّ مِنْ تَأْخِيرِ بَعْضٍ.
فَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ النَّصِّ وَذَكَرَ الْمَخْرَجَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ انْتَهَى كَلَامُ الْبِسَاطِيِّ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضٌ.
فَإِذَا جَازَ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُفَرَّعُ عَلَيْهِ جَوَازُ صَلَاةِ طَائِفَتَيْنِ بِإِمَامَيْنِ وَلَكِنَّ شَرْحَهُ أَوَّلًا يَأْبَى هَذَا فَإِنَّهُ شَرَحَهَا، وَلَعَلَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا دَهَمَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الْمُسَايَفَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُمْكِنُهُمْ إلَّا ذَلِكَ وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُمْ الْقَسْمُ فَإِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَوْ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ أَمْنٍ فَطَرَأَ الْخَوْفُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَالْحُكْمُ أَنْ تَقْطَعَ طَائِفَةٌ وَتَكُونَ وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِاَلَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ يَفْعَلُ عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إنْ شَرَعَ فِيهِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ طَائِفَةٍ وَيُتِمُّ بِالْأُولَى وَتُصَلِّي الثَّانِيَةُ لِنَفْسِهَا إمَّا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامٍ آخَرَ

ص (وَعَدَمُ تَوَجُّهٍ) ش: قَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ) ش: قَالَ فِي الْعُمْدَةِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنَوْا عَنْهُ وَيَأْمَنُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ) ش الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ بِنَوْعَيْهَا وَهُوَ الْأَحْسَنُ أَمَّا صَلَاةُ الْمُسَايَفَةِ فَحُكْمُهَا ظَاهِرٌ يُتِمُّ كُلُّ إنْسَانٍ صَلَاتَهُ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً فَيَسْتَمِرُّ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا وَإِنْ أَتَمَّ أَجْزَأَتْهُ وَمَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ أُمْهِلَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ مَا صَلَّى الْمَأْمُومُ ثُمَّ يَقْتَدِي بِهِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ بَشِيرٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوَّلًا تُصَلِّي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِإِمَامٍ غَيْرِهِ وَلَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَوَجَّهَهُ فِي الطِّرَازِ بِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَ الْإِحْرَامَ بِصَلَاةِ خَوْفٍ وَكَانَ إتْمَامُهَا صَلَاةَ أَمْنٍ إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الْحَالِ؛ كَانَ حُكْمُ إحْرَامِهِ حُكْمَ الضَّرُورَةِ فَصَارَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَحْرَمَ جَالِسًا بِجُلُوسٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَقَامَ فَإِنَّهُ لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ خَلْفَهُ قَائِمًا.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْأَمْنِ فَحَدَثَ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ قَطَعُوا وَعَادُوا إلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَوْ قَبْلَهَا انْتَهَى مِنْ الْفَاكِهَانِيِّ.
(الثَّانِي) اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ: إنْ أَمِنُوا بِهَا أُتِمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ مَعَ قَوْلِهِمْ فِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ: إنَّهُ إذَا انْقَطَعَ الْمَطَرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْجَمْعَ بَلْ يَتَمَادَى وَقَوْلُهُمْ فِي الْكُسُوفِ: إنَّهَا إذَا انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي إتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ قَوْلَانِ.
(الثَّالِثُ) مَشْرُوعِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ تَدُلُّ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ اسْتِيفَاءِ الْأَرْكَانِ وَحُصُولِ الْخُشُوعِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَإِلَّا لَجَوَّزَ الشَّارِعُ التَّأْخِيرَ لِلْأَمْنِ مَعَ أَنَّا لَمْ نَشْعُرْ بِمَصْلَحَةِ الْوَقْتِ أَلْبَتَّةَ وَبِتَحَقُّقِ شَرَفِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ.
وَنَظِيرُهُ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ طَهَارَةِ الْمَاءِ انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ.
(قُلْت) يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ: الِاخْتِيَارِيِّ مُسَاعَدَةُ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي قَوْلِهِ: أَخَّرَ وَالْآخِرُ الِاخْتِيَارِيُّ وَصَلَّوْا إيمَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلٍّ رَكْعَةً بَطَلَتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْأَرْجَحِ) ش: هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ عِنْدَهُ أَيْضًا بَاطِلَةٌ، وَأَمَّا عَلَى

الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَصَحِيحَةٌ وَمِثْلُ هَذَا مَا إذَا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ فَرَوَى سَحْنُونٌ: صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ تُعِيدُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَقَطْ وَنَصُّ كَلَامِ سَحْنُونٍ عَلَى مَا فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ سَحْنُونٌ.
(قُلْت) : وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ بِأَرْبَعِ طَوَائِفَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً أَنَّ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ تَامَّةٌ وَتَفْسُدُ عَلَى الْبَاقِينَ وَقَالَ سَحْنُونٌ بَلْ تَفْسُدُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً جَهْلًا أَوْ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّتَهَا وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ لِوُقُوفِهِ فِي مَوْضِعِ غَيْرِ قِيَامٍ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ]

ص (فَصْلٌ سُنَّ لِعِيدٍ رَكْعَتَانِ لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ) ش: هَذَا الْفَصْلُ يُذْكَرُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالْعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَوْدِ وَهُوَ الرُّجُوعُ وَالتَّكَرُّرُ؛ لِأَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ فِي أَوْقَاتِهِ، وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ تُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ.
(قُلْت) وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لِعَوْدِهِ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ عَلَى النَّاسِ وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا بِأَنْ يَعُودَ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ النَّاسِ.
وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَارَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِنَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ: لَا يَبْعُدُ كَوْنُهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا إظْهَارٌ لِأُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ إلَّا أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ عَلَيْهِمْ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِهَا، وَالْإِجْمَاعُ يَمْنَعُهُ؛ إذْ هُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ إلَّا أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ عَنْ الْحَوَاضِرِ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ صَحِيحٌ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا السُّنَّةُ فَخَمْسُ صَلَوَاتٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوِتْرُ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَالْعِيدَانِ وَقَدْ قِيلَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: إنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ بِالسُّنَّةِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِلَى هَذَا كَانَ يَذْهَبُ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ ابْنُ رِزْقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ عَلَى الْأَعْيَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا يَقْتَضِي الْخِلَافَ هَلْ هُمَا سُنَّتَانِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَوْ سُنَّتَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ - بَعِيدٌ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي مَهْدِيِّ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ) ش: يَعْنِي أَنَّ

صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ إنَّمَا هِيَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْجُمُعَةِ يُرِيدُ وُجُوبًا وَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الصِّغَارِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ فَلَيْسَتْ فِي حَقِّهِمْ سُنَّةً وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ إقَامَتُهَا كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِقَامَةُ مِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَلَوْ تَرَكُوا الْجُمُعَةَ وَهِيَ عَلَيْهِمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا الْعِيدَ بِخُطْبَةٍ وَجَمَاعَةٍ انْتَهَى.
وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: لِمَأْمُورِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَيَنْزِلُ إلَيْهَا مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ انْتَهَى.
وَخَرَجَ مِنْهُ الْحَاجُّ بِمِنًى إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَهِيَ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بِمِنًى صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا يُصَلِّي أَهْلُ الْآفَاقِ، وَإِنَّمَا صَلَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وُقُوفُهُمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاتُهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ وُقُوفُهُمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا أَرَى لِأَهْلِ مِنًى الْمُقِيمِينَ بِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يُطَوِّلَ الْعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ لِبِدْعَةِ ذَلِكَ بِمِنًى وَلَوْ صَلَّاهَا مُصَلٍّ لِنَفْسِهِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى أَهْلِ مَكَّةَ صَلَاةُ الْعِيدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مِنًى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ: وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى كَصَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى.
(وَقَالَ) الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَا يُجْزِي نَحْرُ الْهَدْيِ إلَّا نَهَارًا بَعْدَ الْفَجْرِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بِمِنًى وَلَوْ قَبْلَ الْإِمَامِ وَقَبْلَ الشَّمْسِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَقْتُ الرَّمْيِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبْلَ الْإِمَامِ إلَى آخِرِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي الْعِيدِ لَمَّا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ نَاسَبَ أَنْ يَتَوَقَّفَ الذَّبْحُ عَلَى ذَبْحِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ إلَّا صَلَاةَ عِيدٍ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْفَجْرِ مَا نَصُّهُ: وَقْتُ الرَّمْيِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَذَلِكَ الذَّبْحُ إلَّا أَنَّ الرَّمْيَ يُسْتَحَبُّ ضَحْوَةً فَكَذَلِكَ الذَّبْحُ.
وَيُخَالِفُ الْهَدْيُ الْأُضْحِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَلَا تُصَلَّى الْعِيدُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَلَا عِيدَ عَلَى أَهْلِ مِنًى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ الْهَدْيِ: وَالضَّحَايَا مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْحَاجُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ صَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تُشْرَعُ لِلْحَاجِّ بِمِنًى لَا سُنَّةً وَلَا اسْتِحْبَابًا انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: لَا يَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَؤُمَّ الْعَبْدُ وَلَا الْمُسَافِرُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَا فِي الْعِيدِ وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمَا الْإِمَامُ فِيهِمَا بَعْدَ إحْرَامِهِمَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجُمُعَةُ انْتَهَى.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا أَيْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْمَرَانِ بِهِمَا عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَتَقَدَّمَ حُكْمُ إمَامَتِهِمَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمِ الْمُحْرِمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُسَافِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَقِيلَ: لَهُ فَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: غَيْرُ شَيْءٍ وَاحِدٍ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَى مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَافِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَرِهَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِشُهُودِ الْعِيدِ بَعْدُ، وَلَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِسَفَرٍ وَيَدَعَ الْخُرُوجَ لِشُهُودِ صَلَاةِ الْعِيدِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْجِبُنِي السَّفَرُ بَعْدَ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ صَلَاتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ حَرُمَ سَفَرُهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت الصَّوَابُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ سُنَّةٌ وَالْجُمُعَةُ فَرْضٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ يَقْتَضِي إثْمُ مَنْ تَرَكَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجَمْعِ، وَلَمْ أَرَ

مَنْ قَالَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الَّذِي تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ شُيُوخِنَا: إنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ بِدْعَةٌ لِعَدَمِ وُرُودِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَإِنْ كَانَتْ بِدْعَةً.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي قَوْلِهِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ: كَوْنُهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ خَوَاصِّ الْفَرَائِضِ وَلَكِنْ يُنَادِي فِيهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَظَاهِرُ الرِّسَالَةِ خِلَافُهُ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلُ وَالْجُزُولِيُّ أَنَّهُ يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ قَالَ فِي الشَّامِلِ بِخِلَافِ الْكُسُوفِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ: هَذَا ظَاهِرٌ وَصَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَادَى فِيهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ قَالَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ انْتَهَى.

ص (وَافْتَتَحَ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ بِالْإِحْرَامِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَالْأُولَى مِنْهُنَّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّلْقِينِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ بَيِّنٌ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ وَفِي الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ لَمْ يُتْبَعْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ سَوَاءٌ زَادَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ وَنَصُّهُ إذَا زَادَ لَا يُتْبَعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَوَابٍ وَالْخَطَأُ لَا يُتْبَعُ فِيهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) لَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى أَنَّ التَّكْبِيرَ دُونَ السَّبْعِ فِي الْأُولَى وَدُونَ الْخَمْسِ فِي الثَّانِيَةِ هَلْ يَتْبَعُهُ الْمَأْمُومُ أَوْ يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ؟ . لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لَوْ جَهِلَ إمَامٌ أَوْ سَهَا أَوْ حُصِرَ فَلَمْ يُكَبِّرْ السَّبْعَ وَالْخَمْسَ لَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُكَبِّرُوا انْتَهَى.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمَسْبُوقِ بِالتَّكْبِيرِ هَلْ يُكَبِّرُ السَّبْعَ أَوْ وَاحِدَةً وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ السَّبْعَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ التَّكْبِيرَ وَيَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ كَبَّرَ هُوَ أَيْضًا وَلَا يُنْصِتُ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ وَرَأَيْت فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَقِفُ فِي تَكْبِيرِ صَلَاةِ الْعِيدِ هُنَيْهَةً قَدْرَ مَا يُكَبِّرُ لِلنَّاسِ وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ دُعَاءٌ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَأَمَّا تَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَمَا أَسْتَحْسِنُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ التَّرَبُّصِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ الْعِيدَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ فِي الْعِيدَيْنِ مَنْ تَابَعَ التَّكْبِيرَ خَلَطَ عَلَى الْقَوْمِ.
وَأَمَّا تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ فَكُلٌّ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ يُعْتَبَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ لَكَبَّرَ الْقَوْمُ وَأَمَّا تَكْبِيرُ الْعِيدِ فَلَا يُكَبِّرُوا إلَّا بِتَكْبِيرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حَالِ الصَّلَاةِ مَعَهُ لَا يُخَالِفُونَهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا تَرَكَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ لَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ فَتَأَمَّلْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمْ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالتَّكْبِيرِ بَلْ يَتْبَعُونَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى التَّكْبِيرَ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ كَالْحَنَفِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَخِّرُ التَّكْبِيرَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ كَمَا إذَا أَخَّرَ الْقُنُوتَ أَوْ السُّجُودَ الْقَبْلِيَّ.
(الرَّابِعُ) فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُؤَخِّرُ تَكْبِيرَ الثَّانِيَةِ وَيَنْقُصُ مِنْهُ وَقُلْنَا: يَتْبَعُهُ فِي التَّكْبِيرِ وَكَانَ يَنْقُصُ مِنْهُ فَهَلْ يَتْبَعُهُ فِي النَّقْصِ أَيْضًا؟ الْأَمْرُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلْيَجْهَرْ مَنْ خَلْفَهُ بِالتَّكْبِيرِ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: وَأَمَّا جَهْرُ الْمَأْمُومِ بِالتَّكْبِيرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجْهَرُ النَّاسُ بِالتَّكْبِيرِ جَهْرًا يُسْمِعُ مِنْ يَلِيهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ فِي جَهْرِهِ لِيُسْمِعَ مَنْ يَقْرُبُ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ وَيَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ أَيْضًا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةً مِنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ وَذَكَرَ أَنَّ مَالِكًا وَأَبَا ثَوْرٍ قَالَا يَسْجُدُ وَاحْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَنَّهَا

هَيْئَةٌ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْجُدُ بِتَرْكِهَا كَوَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ: مَنْ سَهَا فِي الْعِيدِ فَزَادَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَمْ يُرَاعِ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ خِفَّةَ السَّهْوِ انْتَهَى.
فَانْظُرْهُ ص (ثُمَّ بِخَمْسٍ غَيْرِ الْقِيَامِ) ش: الْأُولَى هِيَ تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ وَالْجَوَاهِرِ.
(فَائِدَةٌ) اتَّفَقَتْ عِبَارَةُ الشُّيُوخِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فِي الْأُولَى سَبْعُ تَكْبِيرَاتٍ بِالْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ غَيْرِ الْقِيَامِ قَالَ ابْنُ نَاجٍ: وَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَالُوا فِي الْأُولَى أَنْ يَقُولُوا: يُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ بِالْقِيَامِ أَوْ يَقُولُوا: يُكَبِّرُ السِّتَّ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا يُجِيبُ بِأَنَّ سِرَّ ذَلِكَ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ لَمَّا كَانَ يُؤْتَى بِهَا فِي حَالِ الْقِيَامِ صَارَتْ كَالْمُغَايِرَةِ لِمَا بَعْدَهَا فَلِذَلِكَ قَالُوا فِيهَا: غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، بِخِلَافِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ مَا بَعْدَهَا انْتَهَى.
ص (مُوَالٍ إلَّا بِتَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: تَنْبِيهٌ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يُتَابِعُ التَّكْبِيرَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَتَرَبَّصُ خَشْيَةَ التَّخْلِيطِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ انْتَهَى.

ص (وَكَبَّرَ نَاسِيهِ إنْ لَمْ يَرْكَعْ وَسَجَدَ بَعْدَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ مَا لَمْ يَرْكَعْ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى رَكَعَ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ التَّكْبِيرَ بِالرُّكُوعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ لِلسَّائِلِ الَّتِي عَقَدَ الرَّكْعَةَ فِيهَا بِالِانْحِنَاءِ وَإِذَا كَبَّرَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْقِرَاءَةَ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَكَرِ السُّجُودِ عَنْ ذِكْرِ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ بِسَبَبِ إعَادَتِهَا وَلِلَّهِ دَرُّهُ مَا أَلْطَفَ اخْتِصَارَهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ السُّجُودَ بِغَيْرِ الْمُؤْتَمِّ هُنَا كَمَا قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا تَرْتِيبُ السُّجُودِ عَلَى الْمُؤْتَمِّ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ فِيهَا عَلَى إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ وَالْمُؤْتَمُّ لَا تُطْلَبُ مِنْهُ الْقِرَاءَةُ وَهَذَا وَاضِحٌ ص (وَإِلَّا تَمَادَى وَسَجَدَ غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ قَبْلَهُ) ش: أَيْ وَإِنْ رَكَعَ تَمَادَى فَأَحْرَى إنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَا يَقْضِي تَكْبِيرَ رَكْعَةٍ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى انْتَهَى.
وَقَيَّدَ السُّجُودَ هُنَا بِغَيْرِ الْمُؤْتَمِّ لِمَا تَقَدَّمَ وَرُبَّمَا يُقَالُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ قَوْلِهِ: غَيْرُ الْمُؤْتَمِّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ السَّهْوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمُدْرِكُ الْقِرَاءَةِ يُكَبِّرُ) ش: فَأَحْرَى مَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَالْخِلَافُ فِي الْفَرْعَيْنِ سَوَاءٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَمُقَابِلُهُ لَا يُكَبِّرُ مَا فَاتَهُ وَإِنَّمَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ فِي حُكْمِ الْإِمَامِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ وَهْبٍ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لَهُمَا وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِيهِ الْخِلَافَ ص (فَمُدْرِكُ الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ خَمْسًا) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَعُدُّ فِي الْخَمْسِ تَكْبِيرَاتٍ الْإِحْرَامَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخْتَلَفُ إذَا وَجَدَهُ فِي الثَّانِيَةِ هَلْ يُكَبِّرُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَلَى الْقَوْلِ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ؛ يُكَبِّرُ خَمْسًا وَيَقْضِي سَبْعًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّلَهَا؛ يُكَبِّرُ سَبْعًا وَيَقْضِي خَمْسًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ - وَسَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ

فِي الثَّانِيَةِ كَبَّرَ خَمْسًا وَفِي الْقَضَاءِ سَبْعًا وَعَنْهُ أَيْضًا سِتًّا ابْنُ حَبِيبٍ سِتًّا فِيهَا وَفِي الْقَضَاءِ وَالسَّابِعَةِ تَقَدَّمَتْ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا فِي الثَّانِيَةِ فَلْيُكَبِّرْ خَمْسًا وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا يُكَبِّرُ إلَّا وَاحِدَةً وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَدْرَكَهُ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ خَمْسًا غَيْرَ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا قَضَى كَبَّرَ سِتًّا وَالسَّابِعَةُ قَدْ كَبَّرَهَا لِلْإِحْرَامِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ خَمْسًا وَقَضَى رَكْعَةً بِسَبْعٍ بِالْقِيَامِ وَقِيلَ: يُكَبِّرُ سِتًّا وَيَقْضِي رَكْعَةً بِسِتٍّ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافٌ لِلْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُرَادَهُ مِنْ قَالَ: يُكَبِّرُ خَمْسًا أَنْ لَا يَعُدَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا جَعْلُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُكَبِّرُ سِتًّا خِلَافًا لِلْأَوَّلِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقُولُ: يُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا سِتًّا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ يَصِيرُ التَّكْبِيرُ الْوَاقِعُ فِي الْأُولَى أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَسْبُوقُ هَلْ الرَّكْعَةُ أُولَى أَوْ ثَانِيَةٌ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا ص (ثُمَّ سَبْعًا بِالْقِيَامِ) ش: هَذَا خِلَافُ أَصْلِهِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَنَّ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسٍ أَنَّهُ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ فَاتَتْ قَضَى الْأُولَى بِسِتٍّ) ش: أَيْ فَإِنْ فَاتَتْ الثَّانِيَةُ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَجْلِسُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ يَقْضِي الْأُولَى بِسِتٍّ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا وَذَكَرَ فِي الطِّرَازِ فِي اسْتِحْبَابِ قَطْعِهَا وَابْتِدَائِهَا بِإِحْرَامٍ قَوْلَيْنِ ثُمَّ تَأَوَّلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ سِتًّا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ.

ص (وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ) ش: قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» قَالَ: رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظٌ آخَرُ: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَلَيْلَةَ الْأَضْحَى لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» قَالَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَفْظٌ آخَرُ: «مَنْ أَحْيَا اللَّيَالِيَ الْأَرْبَعَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ لَيْلَةَ الْعَرُوبَةِ وَلَيْلَةَ عَرَفَةَ وَلَيْلَةَ النَّحْرِ وَلَيْلَةَ الْفِطْرِ» رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ مُعَاذٍ وَلَفْظٌ آخَرُ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْعِيدِ مُحْتَسِبًا لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَكْحُولٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْفُرَاتِ: اُسْتُحِبَّ إحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ لِلْحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ؛ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ وَقِيلَ: يَحْصُلُ بِسَاعَةٍ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِلنَّوَوِيِّ فِي الْأَذْكَارِ رَوَاهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَدْخَلِهِ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ بِلَفْظِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» وَبِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ الدَّمِيرِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لَكِنْ قَالَ الدَّمِيرِيُّ إثْرَهُ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي عِلَلِهِ قَالَ: وَالْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ عَلَى مَكْحُولٍ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا بِعَنْعَنَةِ بَقِيَّةَ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ مَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ السُّيُوطِيّ فَإِنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَاخْتَلَفَا فِي لَفْظِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ مُوَافِقٌ لِمَا لِلنَّوَوِيِّ فِي الْأَذْكَارِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَم

ص (وَغُسْلٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ لِلْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَرَجَّحَ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ: إنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ سُنَّةٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَنْ كَانَ ذَا رِيحٍ وَأَحَبَّ شُهُودَ الْعِيدِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ ص (وَبَعْدَ الصُّبْحِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْعِيدَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ فَاتَهُ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ قَالَ سَنَدٌ: وَإِذَا قُلْنَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَهَلْ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ؟ يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي وَقْتِ أَذَانِ الصُّبْحِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاتِّصَالُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْغُسْلُ ابْنُ حَبِيبٍ أَفْضَلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ هُوَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسِعٌ ابْنُ زَرْقُونٍ ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَدَا بَعْدَ الْفَجْرِ ابْنُ رُشْدٍ: لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ اتِّصَالُهُ بِالْغُدُوِّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَسْنُونٍ ثُمَّ قَالَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَمْ يُجْزِهِ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَالْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.

ص (وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ) ش جَعَلَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ رَاجِعٌ إلَى التَّطَيُّبِ وَالتَّزَيُّنِ فَقَطْ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ فَقَالَ: اُنْظُرْ هَلْ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلْيَوْمِ؟ . ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَغْتَسِلُ إلَّا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَأَمَّا الطِّيبُ وَالزِّينَةُ فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُصَلِّي وَمَنْ لَا يُصَلِّي وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ؟ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ هُوَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَنَصُّهُ: وَيَغْتَسِلُ مَنْ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ لَا يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَخِلَافِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَنَصُّهُ: وَفِي حَوَاشِي الْبُخَارِيِّ الْغُسْلُ يُؤْمَرُ بِهِ الْمُصَلِّي وَغَيْرُهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْغُسْلِ، وَأَيْضًا هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ مِنْ كَمَالِ التَّطَيُّبِ وَالتَّزَيُّنِ، بَلْ لَا يَظْهَرُ لِلطِّيبِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَدَنُ نَظِيفًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ إذَا خَرَجْنَ فَإِنَّهُنَّ لَا يَتَزَيَّنَّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الطِّرَازِ وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا خَرَجَ النِّسَاءُ فَيَخْرُجْنَ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَلَا يَلْبَسْنَ الْحَسَنَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ لِخَوْفِ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْعَجُوزُ وَغَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ يَجْرِي ذَلِكَ فِي حُكْمِهَا انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: هَذِهِ سُنَّةٌ فِي إظْهَارِ الزِّينَةِ فِي الْأَعْيَادِ بِالطِّيبِ وَالثِّيَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ زُهْدًا وَتَقَشُّفًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَيَرَى أَنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ لِمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَذَلِكَ بِدْعَةٌ مِنْ صَاحِبِهَا انْتَهَى.

ص (وَمَشْيٌ فِي ذَهَابِهِ) ش: قَالَ سَنَدٌ: اتَّفَقَ الْكَافَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمَشْيِ إلَى الْمُصَلَّى ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْعِيدِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالزِّينَةِ وَذَلِكَ يَوْمُهَا انْتَهَى.

ص (وَفِطْرٌ قَبْلَهُ فِي الْفِطْرِ) ش: قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَطْعَمَ يَوْمَ الْفِطْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ شَيْئًا مِنْ الْحُلْوِ إنْ أَمْكَنَ قَبْلَ صُعُودِهِ الْمُصَلَّى انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى تَمَرَاتٍ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» زَادَ الْبَغَوِيّ فِيهِ وَيَأْكُلهُنَّ وِتْرًا انْتَهَى.
ص (وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ) ش: نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ وَتَأْخِيرُهُ فِي النَّحْرِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ وَالْجَوَاهِرِ وَكَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ لِقَوْلِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَضْحَى.

ص (وَخُرُوجٌ بَعْدَ الشَّمْسِ) ش: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا قَالَ ابْنُ نَاجِي، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ فَيَأْتِي بِحَيْثُ يَكُونُ وُصُولُهُ قَبْلَ وُصُولِ الْإِمَامِ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِينَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغُدُوُّ الْإِمَامِ رَوَى أَبُو عُمَرَ: قَدْرَ مَا يَصِلُ إلَى الْمُصَلَّى وَقَدْ بَرَزَتْ الشَّمْسُ وَرَوَى اللَّخْمِيُّ: قَدْرَ مَا يَصِلُ لَهُ حَلَّتْ الصَّلَاةُ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا حَلَّ النَّفَلُ وَفَوْقَهُ إذَا كَانَ فِيهِ رِفْقٌ بِالنَّاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ وَالسُّنَّةُ فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَتَحِلُّ

النَّافِلَةُ وَقَبْلَ ذَلِكَ قَلِيلًا إنْ كَانَ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ، وَأَمَّا الْمُصَلُّونَ فَبِحَسَبِ قُرْبِ مَنَازِلِهِمْ وَبُعْدِهَا، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُ الْإِمَامِ بَعِيدًا مِنْ الْمُصَلَّى أُمِرَ بِالْخُرُوجِ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَانَتْ الصَّلَاةُ انْتَهَى.

ص (وَتَكْبِيرٌ فِيهِ حِينَئِذٍ) ش: يَعْنِي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا قَبْلَهُ، وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَمَنْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنْهُمْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَبَّرَ فِي حَالِ ذَهَابِهِ مُعْلِنًا بِهِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِهَا لَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُكَبِّرُ مُطْلَقًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي ابْتِدَائِهِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ الْإِسْفَارِ أَوْ انْصِرَافِ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
رَابِعُهَا وَقْتُ غُدُوِّ الْإِمَامِ تَحَرِّيًا.
الْأَوَّلُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُمَا، وَالثَّانِي لِابْنِ حَبِيبٍ، وَالثَّالِثُ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، وَالرَّابِعُ لِابْنِ مَسْلَمَةَ انْتَهَى.
وَرِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَصُحِّحَ خِلَافُهُ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ قَوْلًا لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: هُوَ الْأَوْلَى لَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ ابْتِدَاءَهُ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ ص (وَجَهْرٌ بِهِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يَعْقِرَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَعْقِرَ حَلْقَهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ إذْ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَا ذُكِرَ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ يُخْرِجُ عَنْ حَدِّ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ أَعْنِي فِي التَّكْبِيرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُؤَذِّنًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِمْ أَجْمَعِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ إلَّا لِلنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْمِعُ نَفْسَهَا لَيْسَ إلَّا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ فَكَأَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِ، فَتَجِدُ الْمُؤَذِّنِينَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَسْتَمِعُونَ لَهُمْ وَلَا يُكَبِّرُونَ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ كَأَنَّ التَّكْبِيرَ إنَّمَا شُرِعَ لَهُمْ وَهَذِهِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَمْشُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ أَنْ يُكَبِّرَ كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ وَلَا يَمْشِي عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ.

ص (وَإِيقَاعُهَا بِهِ) ش: أَيْ بِالْمُصَلَّى وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَضَاءُ وَالصَّحْرَاءُ، وَأَمَّا الْبِنَاءُ الْمُتَّخَذُ فِيهِ فَبِدْعَةٌ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ الْمَوْضِعُ مَكْشُوفًا لَا بِنَاءَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيمَا حَوَاهُ الْبُنْيَانُ وَيُصَلِّي خَارِجَهُ فِي الْبَرَاحِ فَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَالْأَوْلَى فِي حَقِّهِ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ الْيَوْمَ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ أَيْضًا: فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الصَّحْرَاءِ وَخَطَبَ فَلْيَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَا يَخْرُجُ إلَيْهَا بِمِنْبَرٍ انْتَهَى.
وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَنَصُّهُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ إنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْبَرٌ وَالْأَوْلَى فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَنْ يَخْطُبَ بِالْأَرْضِ لِقَصْدِ الذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ وَلَا بَأْسَ فِي الْعِيدَيْنِ بِاِتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَمَا

فَعَلَهُ عُثْمَانُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا إقَامَةُ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِيهِ أَيْضًا: وَصَلَاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِدْعَةٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ كَوْنَهُ بِدْعَةً بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يَخْرُجْنَ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَمَرَ الْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ أَنْ يَخْرُجْنَ فَقَالَتْ إحْدَاهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ فَقَالَ: تُعِيرُهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا شَرَعَ لَهُنَّ الْخُرُوجَ وَشَرَعَ الصَّلَاةَ فِي الْبَرَاحِ؛ لِإِظْهَارِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَلِيَحْصُلَ لَهُمْ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بَاعِدُوا بَيْنَ أَنْفَاسِ النِّسَاءِ وَأَنْفَاسِ الرِّجَالِ» فَمَا أُمِرْنَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَعَلَهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَكَانَ النِّسَاءُ بَعِيدًا مِنْ الرِّجَالِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ جَاءَ إلَى النِّسَاءِ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَلَوْ كُنَّ قَرِيبًا لَسَمِعْنَ الْخُطْبَةَ، وَلَمَا احْتَجْنَ إلَى تَذْكِيرِهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ هَذَا وَجْهٌ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَلَوْ كَبُرَ فَهُمْ مَحْصُورُونَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ أَبْوَابِهِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ فَتُتَوَقَّعُ الْفِتْنَةُ فِي مَوَاضِعِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ الْبَرَاحِ وَهَذَا بِعَكْسِ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ وَهُوَ أَنَّ الْمَسْجِدَ عِنْدَهُمْ كَبِيرٌ وَالْأَبْوَابُ شَتَّى لَا يَخْرُجُونَ إلَى الْبَرَاحِ؛ لِكَوْنِهِ أَوْسَعَ وَهُوَ السُّنَّةُ وَبَنَوْا فِي ذَلِكَ الْبَرَاحِ مَوْضِعًا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ قَدْرَ صَحْنِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ أَصْغَرَ، وَجَعَلُوا لَهُ بَابَيْنِ لَيْسَ إلَّا فَيَجْتَمِعُ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَتَقِفُ الدَّوَابُّ وَالْخَيْلُ عَلَى الْبَابَيْنِ وَالْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ إذَا خَرَجْنَ لِغَيْرِ الْعِيدِ يَلْبَسْنَ الْحَسَنَ مِنْ الثِّيَابِ وَيَسْتَعْمِلْنَ الطِّيبَ وَيَتَحَلَّيْنَ فَمَا بَالُكَ بِالْعِيدِ.
وَالرِّجَالُ أَيْضًا يَتَجَمَّلُونَ فَيَقَعَ الضَّرَرُ وَتَتَلَوَّثَ الْقُلُوبُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَزَّهَ الْمَوْضِعُ عَنْ هَذَا وَيُتْرَكَ مَكْشُوفًا لَا بِنَاءَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقْدَرُ عَلَى إزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ الْبِنَاءِ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِيمَا حَوَاهُ الْبِنَاءُ وَيُصَلِّي خَارِجًا عَنْهُ فِي الْبَرَاحِ وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ الْيَوْمَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا كَانَ الْمَطَرُ وَالطِّينُ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْمُصَلَّى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ عَلَى سُنَّةِ الْعِيدِ فِي الْمُصَلَّى انْتَهَى.
مِنْ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَلَّى فِي مَوْضِعَيْنِ قَالَ سَنَدٌ: يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ بِخُطْبَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي الْمِصْرِ الْوَاحِدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَسْقَطَهَا الْبَرَاذِعِيّ مِنْ تَهْذِيبِهِ وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَنَصُّهُ وَفِي الْكِتَابِ وَلَا تُصَلَّى فِي الْمِصْرِ فِي مَوْضِعَيْنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَسَمَاعُهُمَا) ش: يَعْنِي أَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَتَيْنِ مُسْتَحَبٌّ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ بَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُهَا وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْإِنْصَاتَ فِيهِمَا مُسْتَحَبٌّ، وَفِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ مَالِكٌ: يُنْصِتُ النَّاسُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ كَمَا يُنْصِتُونَ فِي الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا خُطْبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْخُطْبَةِ فِي الْإِنْصَاتِ لَهَا.
وَذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ إلَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ لَا لِلصَّلَاةِ كَخُطْبَةِ الْحَجِّ فَلَا يُنْصَتُ لَهَا وَدَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ إلَى الْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ» وَكَذَلِكَ خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ؛ إذْ لَا صَلَاةَ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْخُطْبَةِ فِي الْإِنْصَاتِ لَهَا يَعْنِي أَنَّهُ يُطْلَبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا كَمَا يُطْلَبُ الْإِنْصَاتُ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِيهِمَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ: يُنْصَتُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ كَالْجُمُعَةِ

وَرَوَى الْقَرِينَانِ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيٌّ: لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ وَإِنْ أَحْدَثَ فِيهَا تَمَادَى وَفِي تَكْبِيرِهِمْ بِتَكْبِيرِهِ قَوْلَا مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَبِيبٍ وَيَذْكُرُ فِيهَا فِي الْفِطْرِ سُنَّةَ زَكَاتِهِ وَيَحُضُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَفِي الْأَضْحَى الْأُضْحِيَّةَ وَالذَّكَاةَ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: الْخُطَبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُنْصَتُ فِيهِ وَهُوَ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ، وَقِسْمٌ لَا يُنْصَتُ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْحَجِّ كُلِّهَا، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ خُطَبُ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِنْصَاتَ فِيهِمَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ تَمَادَى وَهَكَذَا قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيّ وَنَصُّهُ: وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ تَمَادَى وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ لَا يَخْطُبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَفْظُ الْأُمِّ قُلْت أَرَأَيْت الْإِمَامَ إذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى أَيَسْتَخْلِفُ أَمْ يَخْطُبُ بِهِمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ . قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يَسْتَخْلِفَ وَأَنْ يُتِمَّ بِهِمْ الْخُطْبَةَ انْتَهَى.
ص (وَأُعِيدَتَا إنْ قُدِّمَتَا) ش: فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُمَا أَجْزَأَتْهُ أَيْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ

ص (وَإِقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَوْ فَاتَتْهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا بِانْصِرَافِ الْإِمَامِ وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْنَ النِّسَاءُ؛ فَمَا عَلَيْهِنَّ بِوَاجِبٍ أَنْ يُصَلِّينَ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُنَّ أَنْ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا وَلَا تَؤُمُّهُنَّ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ صَلَّيْنَ أَفْذَاذًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ تَخَلَّفَ لِعُذْرٍ فَهَلْ يَجْمَعُ بِهِنَّ يُخْتَلَفُ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَنَعَهُ الْعُذْرُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْعِيدَيْنِ هَلْ يَجْمَعُ دُونَهُ؟ وَسَيَأْتِي، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: إنْ جَاءَ مَنْ فَاتَتْهُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ فَاتَتْ جَمَاعَةٌ فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا بِجَمَاعَتِهِمْ فَهَلْ يَجُوزُ؟ . يُخْتَلَفُ فِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ فَاتَتْهُ الْعِيدُ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَهَا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى أَنْ يَجْمَعُوا وَإِنْ أَحَبُّوا صَلَّوْا أَفْذَاذًا ثُمَّ قَالَ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ لَا يَخْطُبُونَ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّيهَا أَهْلُ الْقُرَى كَأَهْلِ الْحَضَرِ فَحَمَلَهُ سَنَدٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلُ الْقُرَى الصِّغَارِ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا ثُمَّ قَالَ: إذَا قُلْنَا لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ مَوْطِنِ اسْتِيطَانٍ وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُقِيمُوهَا فَهَلْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ شَاءَ مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوهَا بِإِمَامٍ فَعَلُوا وَلَكِنْ لَا خُطْبَةَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ خَطَبُوا فَحَسَنٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ عِيسَى هُوَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ هُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي رَسْمِ الْعِيدَيْنِ آخِرَ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ الْمُشَارِ إلَيْهِ: لَمْ يَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ وَخُطْبَةٍ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ فِي الرِّوَايَة انْتَهَى.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إقَامَةُ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَوْ فَاتَتْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَهَلْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ أَفْذَاذًا؟ . قَوْلَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ جَمْعُهَا، قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِقَامَتُهَا لِمَنْ فَاتَتْهُ وَلِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ فَذًّا وَكَذَلِكَ جَمَاعَةً عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا انْتَهَى.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ تَرْجِيحُ جَوَازِ الْجَمْعِ

وَعَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ لِمَنْ فَاتَتْهُ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ لَا يَخْطُبُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِعُذْرٍ وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ وَالْمُسَافِرُونَ وَاخْتُلِفَ فِي أَهْلِ الْقُرَى الصِّغَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَهَا مَنْ فَاتَتْهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الْمُصَلَّى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

(الثَّانِي) يُسْتَحَبُّ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حُضُورِ الْعِيدِ

ص (وَتَكْبِيرُهُ إثْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةٍ) ش لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لِبَيَانِ صِفَةِ التَّكْبِيرِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: قَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ أَهْلَ الْآفَاقِ يُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَيَّامِ إقَامَةِ الْحَاجِّ بِمِنًى فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كَبَّرَ تَكْبِيرًا يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ كُلُّ وَاحِدٍ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ لَا يَمْشِي عَلَى صَوْتِ غَيْرِهِ عَلَى مَا وُصِفَ مِنْ أَنَّهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ.
فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ زَعَقَاتِهِمْ وَيُطَوِّلُونَ فِيهِ وَالنَّاسُ يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِمْ وَلَا يُكَبِّرُونَ فِي الْغَالِبِ وَإِنْ كَبَّرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَصْوَاتِهِمْ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ وَفِيهِ إخْرَامُ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ وَالتَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالتَّالِينَ وَالذَّاكِرِينَ انْتَهَى.
ص (وَكَبَّرَ نَاسِيهِ إنْ قَرُبَ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ لَكَبَّرَ بِالْقُرْبِ، وَالْقُرْبُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ قَالَ سَنَدٌ: وَأَمَّا حَدُّ الطُّولِ فِي ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: يُكَبِّرُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فَإِذَا قَامَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْكَلَامُ هُنَا كَالْكَلَامِ فِيمَنْ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَمَا مَنَعَ الْبِنَاءَ فِيهِ مَنَعَ التَّكْبِيرَ هُنَا وَمَا لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ لَمْ يَمْنَعْهُ انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ وَهُوَ بِالْقُرْبِ رَجَعَ فَكَبَّرَ وَإِنْ بَعُدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ تَقَدَّمَ الشَّاذُّ أَنَّهُ يُكَبِّرُهُ وَإِنْ بَعُدَ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ وَإِنْ قَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ حَكَاهُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَالْمَازِرِيِّ أَبُو إبْرَاهِيمَ قَوْلُهُ: رَجَعَ.
يَعْنِي: بِالْقَوْلِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ كَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَمِثْلُهُ لِلْمَغْرِبِ وَمَا ذَكَرَاهُ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ.
وَمَنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ مُصَلَّاهُ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَكَبَّرَ عَلَى سُنَّةِ ذَلِكَ وَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَانَ شَيْخُنَا يَنْقُلُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ سَحْنُونَ بْنَ سَعِيدٍ جَرَى لَهُ ذَلِكَ فَكَبَّرَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ قَائِمًا وَبَعْضَهُ جَالِسًا، وَانْظُرْ مَا حَدُّ الْقُرْبِ هَلْ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ الْبِنَاءُ أَوْ هُوَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ تَكْبِيرَتَيْنِ) ش: يُرِيدُ وَتَكُونُ التَّكْبِيرَةُ الثَّانِيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى التَّهْلِيلَةِ بِالْوَاوِ وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ.

ص (وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ بِمُصَلًّى قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا لَا بِمَسْجِدٍ فِيهِمَا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِي مُصَلًّى الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا، وَأَمَّا الْمَسْجِدُ فَلَا يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِيهِ لَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْإِمَامِ.
قَالَ فِي الطِّرَازِ وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا فَهَلْ نُطْلِقُهُ لِلْإِمَامِ؟ بَلْ سُنَّةُ الْإِمَامِ إذَا قَدِمَ أَنْ يَبْدَأَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ إلَّا أَنْ يَقُومَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتِ التَّنَفُّلِ أَيْضًا انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا: إنَّ النَّافِلَةَ جَائِزَةٌ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِلْمَأْمُومِ فَهَلْ تَحْرُمُ أَوْ تُكْرَهُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ عَلَى النَّاسِ أَوْ تُبَاحُ؟ . لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَأَمَّا التَّنَفُّلُ فِي الْبُيُوتِ يَوْمَ الْعِيدِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى جَوَازِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: صَلَاةُ الْعِيدِ سُبْحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلْيُقْتَصَرْ عَلَيْهَا إلَى الزَّوَالِ وَجَنَحَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعِيدِ حَظَّهُ مِنْ النَّافِلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ.
وَهَذَا مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ بِاتِّفَاقِ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ: لَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ قَوْلَ النَّاسِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى.
وَانْظُرْ النَّوَادِرَ وَالْمَدْخَلِ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: قَالَ النَّحَّاسُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ: الِاتِّفَاقُ عَلَى كَرَاهَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَحِيَّةُ الزَّنَادِقَةِ، وَفِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: صَدَقْت أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ فَإِنْ صَحَّ بَطَلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا يُنْكَرُ فِي الْعِيدَيْنِ اللَّعِبُ لِلْغِلْمَانِ بِالسِّلَاحِ وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ لَعِبُ الصِّبْيَةِ بِالدُّفُوفِ وَشِبْهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ لَعِبَ الْحَبَشَةِ قَالَ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ لَعِبَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ تَرَاهُمْ انْتَهَى.

[فَصَلِّ صَلَاةُ الْكُسُوفِ]

ص (فَصْلٌ سُنَّ وَإِنْ لِعَمُودِيٍّ وَمُسَافِرٍ لَمْ يُجِدَّ سَيْرَهُ) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ لَا تُتْرَكُ مِثْلُ صَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ لَا تُتْرَكُ؟ . قَالَ: نَعَمْ قَالَ سَنَدٌ: وَهَذَا مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَفَهَا بِالْوُجُوبِ، وَنَحْنُ لَا نَتَحَاشَى أَنْ نَقُولَ: تَجِبُ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا بِالْجَمَاعَةِ وَأَمَرَ بِهَا وَهِيَ مِنْ شِعَارِ الدِّينِ وَشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ إظْهَارُهَا إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ لِمَا بَيَّنَّا فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ أَنَّهُ لَا مَفْرُوضَ إلَّا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَمَنْ عَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ: إنْ تَطَوَّعَ مَنْ يُصَلِّي بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ؛ فَلَا بَأْسَ ابْنُ رُشْدٍ يُرِيدُ: الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ، وَأَمَّا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِمْ الْجَمْعَ لِلْكُسُوفِ انْتَهَى.
وَأَتَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ الْمُؤْذِنَةِ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَأْتِ بِلَوْ الْمُشِيرَةِ إلَى الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا إلَّا مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ فِيهَا خَمْسُونَ رَجُلًا وَمَسْجِدٌ يَجْمَعُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعُوا صَلَاةَ الْخُسُوفِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَأَجْرَاهَا مَجْرَى الْجُمُعَةِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَكَالْعِيدَيْنِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: وَفِيمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ نَظَرٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا تُسْقِطُهُ عَمَّنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْجُمُعَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعُوهَا يُرِيدُ أَنَّ جَمْعَهُمْ بِهَا أَصْوَبُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الِانْفِرَادِ، وَمَنْ لَا جُمُعَةَ لَهُمْ إنْ

شَاءُوا جَمَعُوا وَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا مُنْفَرِدِينَ، أَمَّا أَنْ يَتْرُكُوهَا فَلَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي جَمْعِهَا فَقَطْ انْتَهَى.
ص (لِكُسُوفِ الشَّمْسِ) ش: سَوَاءٌ كَانَ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْكُسُوفُ عِبَارَةٌ عَنْ ظُلْمَةِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَوْ بَعْضِهَا انْتَهَى.
وَفِي الطِّرَازِ: وَلَوْ انْكَسَفَ كُلُّ الشَّمْسِ فَلَمْ يُصَلُّوا حَتَّى انْجَلَى بَعْضُهَا فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ لِقِيَامِ الْوَقْتِ وَرَغْبَةً فِي إكْمَالِهَا كَمَا لَوْ انْكَسَفَ بَعْضُهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ الرَّابِعِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُنَجِّمِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى مُدَّةِ مَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: فَإِذَا قَدَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا أَحْكَمَهُ مِنْ أَمْرِهِ وَقَدَّرَهُ مِنْ مَنَازِلِهِ فِي مَسِيرِهِ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ الشَّمْسِ فِي النَّهَارِ فَمَا بَيْنَ الْأَبْصَارِ وَبَيْنَ الشَّمْسِ سَتْرُ جُرْمِهِ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ كُلِّهِ إنْ كَانَ مُقَابِلًا لَهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضُهُ إنْ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدُّعَاءِ عِنْدَ ذَلِكَ وَسُنَّ لَهُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ اُنْظُرْ هَلْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نُصَلِّي إلَّا إذَا خَسَفَتْ كُلُّهَا، الشَّيْخُ: أَوْ جُلُّهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكُلِّ حُكْمُ الْجُلِّ انْتَهَى.
وَلَا تُصَلَّى إذَا خَسَفَتْ بَعْضُهَا أَبُو عِمْرَانَ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ تَفْسِيرُ الشَّيْخِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ وَاخْتُلِفَ مَتَى تُصَلَّى؟ . قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: حِينَ تَغِيبُ كُلُّهَا وَتَسْوَدُّ وَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ جُلُّهَا تُصَلَّى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجُلِّ حُكْمُ الْكُلِّ، وَأَمَّا إذَا خَسَفَ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مَا رَأَيْت مَنْ قَالَ يُصَلَّى انْتَهَى.
(قُلْت) يُحْمَلُ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ وَلَا يُدْرِكُهُ إلَّا مَنْ لَدَيْهِ شُعُورٌ مِنْ أَهْلِ عِلْمِ الْفَلَكِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا تُصَلَّى إذَا ظَهَرَ الْكُسُوفُ لِلنَّاسِ وَلَوْ فِي بَعْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْكُسُوفِ فِي الشَّمْسِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِعْمَالِ الْخُسُوفِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى مَنْعِهِ وَصَارَ إلَى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: وَالْأَكْثَرُونَ يُقَالُ خَسَفَتْ وَكَسَفَتْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْئِهِمَا انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا يُصَلَّى لِزِلْزَالٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْآيَاتِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ الصَّلَاةَ وَاخْتَارَهُ انْتَهَى.
ص (رَكْعَتَانِ سِرًّا) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ اُخْتُلِفَ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ إمَامِهِ فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَقْرَأُ وَقَالَ أَصْبَغُ: يَقْرَأُ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ

ص (وَرَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ كَالنَّوَافِلِ) ش: مَشَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ وَالْجَلَّابِ قَالَ الشَّارِحُ وَشَهَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ.
(قُلْت) وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ مَا نَصُّهُ: صَرَّحَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ سُنِّيَّةُ الصَّلَاةِ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ فِي التَّوْضِيحِ

عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ؛ قَالَ الشَّارِحُ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَصَدَّرَ بِهِ فِي شَامِلِهِ فَقَالَ وَصَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ فَضِيلَةٌ وَقِيلَ: سُنَّةٌ وَشُهِرَ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِ بَشِيرٍ وَالتَّلْقِينِ فَقَالَ: وَصَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ اللَّخْمِيُّ وَالْجَلَّابُ سُنَّةٌ ابْنُ بَشِيرٍ وَالتَّلْقِينُ فَضِيلَةٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِلَا جَمْعٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ الْقَمَرِ إنَّمَا تُصَلَّى أَفْذَاذًا لَا جَمَاعَةً قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ جَمَعُوا أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ سَائِرَ النَّوَافِلِ إذَا وَقَعَتْ جَمَاعَةً صَحَّتْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ الْجَمَاعَةُ مِنْ سُنَنِهَا أَوْ لَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ تُصَلَّى جَمَاعَةً وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الِانْجِلَاءِ سُنَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْمُصَلَّى وَقِيلَ وَالْمُصَلَّى قَوْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ يُرِيدُ مَخَافَةَ انْجِلَائِهَا فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي الْمُصَلَّى هُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى، وَفُهِمَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ لِإِتْيَانِهِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجَمْعِ وَهَذَا إذَا وَقَعَتْ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي اشْتِرَاطِهَا بِالْجَمَاعَةِ قَوْلَا ابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَشْهُورِ انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ فِي الْمَسْجِدِ) ش: هَذَا رَاجِعٌ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا إذَا وَقَعَتْ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّاسَ يُصَلُّونَهَا فِي بُيُوتِهِمْ وَلَا يُكَلَّفُونَ الْخُرُوجَ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجْمَعُونَ وَأَجَازَ أَشْهَبُ الْجَمْعَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قُلْنَا: لَا يَجْمَعُونَ لِمَا فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يُمْنَعُوا قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ الشَّمْسِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ وَالْمَشْهُورُ كَوْنُهَا فِي الْبُيُوتِ وَلَا يُجْمَعُ وَرَوَى عَلِيٌّ: يَفْزَعُونَ لِلْجَامِعِ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا وَيُكَبِّرُونَ وَيَدْعُونَ وَصَوَّبَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ أَشْهَبَ يَجْمَعُونَ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْمَسْجِدُ؟ . يُخْتَلَفُ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَيَفْزَعُ النَّاسُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ إلَى الْجَامِعِ فَيُصَلُّونَ أَفْذَاذًا وَيُكَبِّرُونَ وَيَدْعُونَ وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ يُصَلِّيهَا النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ فُرَادَى وَهَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ لَيْلًا مَعَ الِانْكِشَافِ مَشَقَّةً وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ عَادَتَهُمْ إنَّمَا كَانَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْ يَفْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ قَالَ أَنَسٌ إنْ كَانَتْ الرِّيحُ تَشْتَدُّ فَبَادِرْ الْمَسْجِدَ مَخَافَةَ الْقِيَامَةِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ لَهَا حَالَ الْكُسُوفِ اتِّعَاظٌ وَادِّكَارٌ وَشُهُودُ الْآيَةِ يَنْصَرِفُونَ فِي ظُلُمَاتِ الْكُسُوفِ وَيَنْصَرِفُونَ مِنْهُ فِي ضَوْءِ الْكَمَالِ انْتَهَى.

ص (وَقِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ ثُمَّ مُوَالِيَاتِهَا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيُعِيدُ الْفَاتِحَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي وَالرَّابِعِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: لَا يُعِيدُهَا؛ لِأَنَّهَا رَكْعَتَانِ، وَالْفَاتِحَةُ لَا تُقْرَأُ فِي رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ كُلِّ رُكُوعٍ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ فَاتِحَةٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ مَسْأَلَةٌ قَالَ وَالِاسْتِفْتَاحُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمَّا قَوْلُهُ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ فَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْحَمْدِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْأُولَيَيْنِ وَلَا فِي الرَّابِعَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ الرُّكُوعَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي رَكْعَةٍ

وَاحِدَةٍ فَلِهَذَا مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ الرُّكُوعَيْنِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَنَقُولُ لَيْسَ هِيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُكُوعَيْنِ وَهُمَا رَكْعَتَانِ فِيهَا كَالسَّجْدَتَيْنِ جَازَ أَنْ تَكُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَفِيهَا قِرَاءَتَانِ وَرَكْعَتَانِ كَالرُّكُوعَيْنِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ كَمَا فِي الرُّكُوعَيْنِ فَإِنَّهُ بِإِدْرَاكِ أَحَدِهِمَا يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَاجِبًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَسْنُونَةَ يُسَنُّ تَكْرِيرُهَا وَهِيَ السُّورَةُ الزَّائِدَةُ فَيُصَلِّي فِي الْقِيَامَيْنِ بِسُورَتَيْنِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ تَكْرِيرَهَا أَيْضًا فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّ مَسْنُونَ الْقِرَاءَةِ تَبَعٌ لِمَفْرُوضِهَا فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْمَتْبُوعُ لَمْ يُشْرَعْ التَّبَعُ فَكُلُّ قِيَامٍ فِي الصَّلَاةِ تُسَنُّ فِيهِ الْقِرَاءَةُ وَجَبَ فِيهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ إمَامِهِ قَوْلَا أَصْبَغَ وَأَشْهَبَ انْتَهَى.
قَالَ: ابْنُ نَاجِي وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِهَا أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا سِرًّا فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَصْبَغُ بَلْ يَقْرَأُ وَكِلَاهُمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِي الِاسْتِلْحَاقِ وَالْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ قَوْلُ أَصْبَغَ قِيَاسًا عَلَى الْفَرْضِ فِي الْمَشْهُورِ انْتَهَى.

ص (وَوَعْظٌ بَعْدَهَا) ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْإِسْرَارِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْجَهْرِ وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً يَجْهَرُ فِيهَا» يَعْنِي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَحْمُولٌ عَلَى صَلَاةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهَا فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَاعْتِبَارُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فَاسِدٌ وَذَلِكَ أَنَّ نَوَافِلَ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا شَبِيهَةٌ بِفَرَائِضِهِ وَفَرَائِضِهِ لَا يُشْرَعُ فِيهَا جَهْرٌ إلَّا مَا كَانَتْ فِيهِ خُطْبَةٌ بِدَلِيلِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلْتَكُنْ النَّوَافِلُ كَذَلِكَ وَالْعِيدُ وَالِاسْتِسْقَاءُ لَهَا خُطْبَةٌ فَكَانَتْ فِي الْجَهْرِ كَالْجُمُعَةِ، وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ لَا خُطْبَةَ لَهَا فَكَانَتْ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بَعْدَ سَلَامِهِمْ يَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرَكَعَ كَالْقِرَاءَةِ) ش: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا كَنَحْوِ قِيَامِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: قُوَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تُعْطِي أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ صِفَةُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ لَا أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَإِلَّا قَالَ: وَرُكُوعٌ كَالْقِيَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يَجْعَلُ طُولَهُ دُونَ قِرَاءَتِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِي الرُّكُوعِ بَلْ يُسَبِّحُ وَهُوَ يَدْعُو يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ ثُمَّ قَالَ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَقُولُ الْمُقْتَدُونَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ قَالَ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ الثَّانِي اعْتَدَلَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَمْ يَزِدْ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَيُسَبِّحُ اللَّهَ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَدْعُو وَلَا يَقْرَأُ انْتَهَى.
ص (وَسَجَدَ كَالرُّكُوعِ) ش: هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالسُّجُودُ مِثْلُ الرُّكُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ وَإِذَا قُلْنَا: يُسَنُّ طُولُ السُّجُودِ فَمَنْ سَهَا عَنْ تَطْوِيلِهِ سَجَدَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ تَكْبِيرَ الْعِيدِ وَيُفَارِقُ تَطْوِيلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَضَائِلِهَا ثُمَّ قَالَ وَالْحُكْمُ فِي تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ يَجْرِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي السُّجُودِ (فَرْعٌ) قَالَ فِيهِ أَيْضًا وَلَا يُطِيلُ الْفَصْلَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا التَّشَهُّدَ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَإِنْ قَصَّرَ فِي مَحَلِّ الطُّولِ؛ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَا يُطِيلُ الْفَصْلَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَإِذَا قُلْنَا يُسَنُّ طُولُ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَطْوِيلِهِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى تَطْوِيلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَوَقْتُهَا كَالْعِيدِ) ش: أَيْ مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقْتُهَا وَقْتُ الْعِيدَيْنِ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا

وَعَلَى الِاسْتِسْقَاءِ بِجَامِعِ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ فَجُعِلَ لِلسُّنَنِ الْمُسْتَقِلَّةِ تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ النَّوَافِلِ التَّابِعَةِ انْتَهَى.
مِنْ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ طَلَعَتْ مَكْسُوفَةً؛ لَمْ تُصَلَّ حَتَّى تَبْرُزَ الشَّمْسُ وَيَأْتِي وَقْتُ النَّافِلَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقِفُوا وَيَدْعُوا؟ . قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: وَلَا تُصَلَّى فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ أَنْ تَبْرُزَ وَتَحِلُّ النَّافِلَةُ وَلَكِنْ يَقِفُونَ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَإِنْ تَمَادَتْ صَلَّوْهَا وَإِنْ انْجَلَتْ حَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلُّوهَا، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا قِيَامَ عَلَيْهِمْ وَلَا اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، وَلَوْ فَعَلَهُ أَحَدٌ؛ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا.
فَظَاهِرُ مَا فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّ ذَلِكَ مَسْنُونٌ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْنُونٍ إلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَمْ يُعَدَّ بِدْعَةً وَلَمْ تَزَلْ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ يَتَضَرَّعُونَ وَيَدْعُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى قِيَامًا مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ وَمُبْتَهِلِينَ لَا يُنْكِرُ الْقَائِمُ عَلَى الْجَالِسِ وَلَا الْجَالِسُ عَلَى الْقَائِمِ وَلَا الدَّاعِي عَلَى السَّاكِتِ وَلَا السَّاكِتُ عَلَى الدَّاعِي انْتَهَى.
وَمِنْهُ أَيْضًا إذَا قُلْنَا لَا تُصَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ فَانْكَشَفَتْ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَغَابَتْ مُنْكَسِفَةً؛ لَمْ تُصَلَّ إجْمَاعًا وَسَلَّمَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ فِي الْقَمَرِ إذَا غَابَ مُنْكَسِفًا بِلَيْلٍ فَلْيُصَلَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَهَذَا لِأَنَّ سُلْطَانَ الشَّمْسِ قَدْ ذَهَبَ، وَوَقْتَهَا قَدْ فَاتَ وَهُوَ النَّهَارُ وَإِنَّمَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رَغْبَةً لِيُرَدَّ ضَوْءُهَا إلَيْنَا وَتَعُودَ مَنْفَعَتُهَا عَلَيْنَا وَهَذَا الْمَعْنَى يَذْهَبُ بِفَقْدِ الشَّمْسِ رَأْسًا فَيَسْقُطُ حُكْمُهَا بِفَقْدِهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ سَنَدٌ فَإِنْ طَلَعَ الْقَمَرُ مَخْسُوفًا بَدَأَ بِالْمَغْرِبِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ افْتِقَارُهَا إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهَا بِخِلَافِ الْكُسُوفِ فَإِنْ انْكَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ وُجُودُ ضَوْئِهِ لَيْلًا لِتَحْصُلَ مَصْلَحَتُهُ وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ فَلَوْ خَسَفَ فَلَمْ يُصَلُّوا حَتَّى غَابَ بِلَيْلٍ لَمْ يُصَلُّوا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْجُزُولِيُّ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَوْلَيْنِ وَاقْتَصَرَ التِّلْمِسَانِيُّ عَلَى أَنَّهَا تُصَلَّى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتُدْرَكُ الرَّكْعَةُ بِالرُّكُوعِ) ش: أَيْ الثَّانِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَمْ يَقْضِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ إنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا يَقْضِي رَكْعَةً فِيهَا رَكْعَتَانِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: حَاصِلُهُ أَنَّ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ، وَالثَّانِيَ هُوَ الْفَرْضُ فَذَلِكَ إذَا أَدْرَكَ الثَّانِيَ مِنْ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الثَّانِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّهِ فَيُصَلَّى أَوَّلُهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ بِالسُّجُودِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَنْ الْمَسْبُوقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا إنْ رَكَعَ بِنِيَّةِ الثَّانِي وَسَهَا عَنْ الْأَوَّلِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَإِنْ رَكَعَ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ وَسَهَا عَنْ الثَّانِي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَرَكَ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ اُنْظُرْ لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ وَفَاتَهُ الثَّانِي لِرُعَافٍ أَوْ نَحْوَهُ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي آخِرِ انْحِطَاطِهِ لِلسُّجُودِ هَلْ يَقْضِيهِ؟ . ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَقْضِيهِ فَإِنَّهُ نَفَى الْقَضَاءَ عَمَّنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ الْعَكْسُ مُسَاوِيًا؛ لَمَا كَانَ لِاخْتِصَاصِهِ فَائِدَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَوَّلَ وَاجِبٌ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ سَنَدٍ إنْ سَهَا عَنْ الْأَوَّلِ سَجَدَ لَهُ قَبْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى السُّنَنِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ، فِيهِ نَظَرٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَوْلُهُ: أَجْرَاهُ مَجْرَى السُّنَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِهِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ يُرِيدُ وَلَوْ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْأَوَّلَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُ مَا لَمْ يَعْقِدْ الرَّكْعَةَ الَّتِي تَلِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ فَاتَتْهُ مَعَ الْإِمَامِ صَلَاة الْكُسُوف]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ فَاتَتْهُ مَعَ الْإِمَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَإِنْ فَعَلَ

مَا دَامَتْ الشَّمْسُ مُنْكَسِفَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.

ص (وَلَا تُكَرَّرُ) ش أَيْ لَا تُكَرَّرُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ يَجِبُ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ مَا لَمْ تَنْجَلِ فَإِنْ أَتَمَّهَا عَلَى سُنَّتِهَا قَبْلَ الِانْجِلَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمْعُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عَلَى سُنَّتِهَا، وَلَكِنْ لِلنَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ وَيَدْعُوا وَيَذْكُرُوا اللَّهَ انْتَهَى.
، وَأَمَّا لَوْ تَكَرَّرَ الْكُسُوفُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَسَأَلْنَاهُ هَلْ يُسْتَسْقَى فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَهَذَا قَوْلُ الْكَافَّةِ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ وَلَيْسَ أَسْتَحِبُّ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: 94] وَقَوْلُهُ ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: 43] فَرَبَطَ التَّضَرُّعَ بِالْحَالِ الْمُؤَدِّيَةِ بِهِ وَفِي الْحَدِيثِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلِاسْتِسْقَاءِ أَوَّلًا هِيَ الْغَيْثُ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْغَيْثِ قَائِمَةٌ وَهَكَذَا لَوْ خَسَفَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْكُسُوفَ كُلَّ مَرَّةٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَسْقِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ تِلْكَ الْمَرَّةِ إلَى اسْتِسْقَاءٍ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي إتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ قَوْلَانِ) ش: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ أَعْنِي الْخِلَافَ فِي إتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ فِي السُّورَتَيْنِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ فَإِنْ انْجَلَتْ بَعْدَ إتْمَامِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا [] فَلَا خِلَافَ.
أَنَّهَا لَا تُقْطَعُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُتِمُّهَا عَلَى سُنَّتِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ أَوْ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَعْنَى الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إنَّمَا هُوَ فِي عَدَدِ الرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ دُونَ الْإِطَالَةِ، وَإِنْ انْجَلَتْ قَبْلَ إتْمَامِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَاخْتُلِفَ هَلْ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ أَوْ يَقْطَعُ هَكَذَا حَصَلَ الْخِلَافُ ابْنُ نَاجِي، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِيَيْنِ عَدَمُ الْقَطْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَقُدِّمَ فَرْضٌ خِيفَ فَوَاتُهُ ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ عِيدٌ وَأُخِّرَ الِاسْتِسْقَاءُ لِيَوْمٍ آخَرَ) ش أَمَّا كُسُوفُ الشَّمْسِ فَلَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا إلَى الزَّوَالِ إلَّا عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِيمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ فَوَقْتُهَا إذَا اسْتَيْقَظَ فَتَأَمَّلْهُ، وَأَمَّا فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ فَمُمْكِنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ عِيدٌ فَفِيهِ سُؤَالَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا مُحَالٌ عَادَةً؛ لِأَنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَمَرِ إذَا حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا فِي دَرَجَتِهَا يَوْمَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَعِيدُ الْفِطْرِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ دَرَجَةً مَنْزِلَةً تَامَّةً وَالْأَضْحَى يَكُونُ بَيْنَهُمَا نَحْوُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ دَرَجَةً عَشْرَ مَنَازِلَ.
نَعَمْ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنْ يَذْهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْقَمَرِ كَمَا يُمْكِنُ حَيَاةُ إنْسَانٍ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهِ وَإِخْلَاءِ جَوْفِهِ وَالْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مُنْكَرٌ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ تَحَدَّثُوا فِيهِ.
(السُّؤَالُ الثَّانِي) أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَابِ النَّفْلِ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِتَقْدِيمِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْكُسُوفَ يُخْشَى ذَهَابُ سَبَبِهِ بِخِلَافِ الْعِيدَيْنِ كَمَا فِي جَوَابِ الْأَذَانِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: زَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بُطْلَانَ كَوْنِ الْكُسُوفِ بِحَيْلُولَةِ الْقَمَرِ وَكَوْنِ خُسُوفِهِ بِدُخُولِهِ فِي ظِلِّ الْأَرْضِ لِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ خِلَافَ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَالْجَمَاعَةِ: فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ لَا سُؤَالَ.
انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الْقَرَافِيُّ إذَا اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عِنْدَ خَوْفِ فَوَاتِهَا وَإِنْ أَمِنَ قَدَّمَ الْكُسُوفَ، وَتُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ عَلَى الْجُمُعَةِ وَالْخُسُوفِ، إلَّا أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصَلِّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ]

ص (فَصْلٌ سُنَّ الِاسْتِسْقَاءُ لِزَرْعٍ أَوْ شُرْبٍ بِنَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ بِسَفِينَةٍ رَكْعَتَانِ جَهْرًا) ش الِاسْتِسْقَاءُ: طَلَبُ السَّقْيِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: الِاسْتِسْقَاءُ يَكُونُ لِأَرْبَعٍ: الْأَوَّلُ لِلْمَحَلِّ وَالْجَدْبِ، وَالثَّانِي: عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى شُرْبِ شِفَاهِهِمْ أَوْ دَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ فِي سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ أَوْ فِي سَفِينَةٍ أَوْ فِي الْحَضَرِ وَالثَّالِثُ: اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ وَلَا حَاجَةٍ إلَى الشُّرْبِ وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْ الْغَيْثِ مَا إنْ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ كَانُوا فِي دُونِ السَّعَةِ، فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا وَيَسْأَلُوا اللَّهَ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ قَوْمٍ احْتَاجُوا زِيَادَةً إلَى مَا عِنْدَهُمْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَسْقُوا، وَالرَّابِعُ: اسْتِسْقَاءُ مَنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَنْ كَانَ فِي جَدْبٍ وَمَحَلٍّ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَالْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا وَالثَّالِثُ مُبَاحٌ وَالرَّابِعُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ بِأَنَّهُ رَدَّ الرَّابِعَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدُّعَاءُ وَنَصُّهُ اللَّخْمِيُّ وَلِنُزُولِ الْجَدْبِ بِغَيْرِهِمْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَلِحَدِيثِ «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» «وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ» وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ الدُّعَاءُ لَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَأَنْكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الصَّلَاةَ فِي الثَّالِثِ وَتَأَوَّلَ الِاسْتِسْقَاءَ فِيهِ بِالدُّعَاءِ وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي رَسْمِ الِاسْتِسْقَاءِ فِي أَهْلِ قَرْيَةٍ: إنَّمَا يَشْرَبُونَ مِنْ الْأَمْطَارِ إذَا كَانَ سَالَ وَادِيهِمْ فَيَزْرَعُونَ وَيَشْرَبُونَ وَكَانَ عَامٌ قَلَّ الْمَطَرُ عَلَيْنَا فَنُمْطَرُ مَا نَزْرَعُ عَلَيْهِ الزَّرْعَ الْكَثِيرَ وَلَا يَسِيلُ وَادِينَا فَنَسْتَسْقِيَ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: إنَّهُ قِيلَ: الِاسْتِسْقَاءُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ وَأَنْتُمْ قَدْ مُطِرْتُمْ وَقَدْ زَرَعْتُمْ عَلَيْهِ زَرْعًا كَثِيرًا فَقَالَ: مَا قَالُوا شَيْئًا، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ إنَّهُمْ يَسْتَسْقُونَ يُرِيدُ الدُّعَاءَ لَا الْبُرُوزَ إلَى الْمُصَلَّى عَلَى سُنَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ إلَى الْغَيْثِ حَيْثُ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبُرُوزَ إلَى الْمُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ انْتَهَى.
فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنَّ الِاسْتِسْقَاءَ سُنَّةٌ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ لَيْسَ سُنَّةً بَلْ إمَّا مُبَاحٌ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ أَوْ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَسَيُصَرِّحُ بِحُكْمِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالدُّعَاءِ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي جَوَازِهِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا أَضَرَّ الْمَطَرُ بِالنَّاسِ دَعَوْا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا إلَيْهِ وَلَا يُقِيمُونَ لَهُ صَلَاةً.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَإِذَا تَضَرَّرُوا مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ فَلْيَسْأَلُوا الِاسْتِصْحَاءَ، قَالَ: وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «اللَّهُمَّ مَنَابِتَ الشَّجَرِ وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ وَظُهُورَ الْآكَامِ» فِيهِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِصْحَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ ارْفَعْهُ عَنَّا؛ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ وَنِعْمَةٌ فَكَيْفَ يُطْلَبُ رَفْعُهُ وَلَمْ يَقُلْ: اللَّهُمَّ اصْرِفْهُ إلَى مَنَابِتِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِوَجْهِ

اللُّطْفِ وَطَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ انْتَهَى.
وَالْجَدْبُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نَقِيضُ الْخِصْبِ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْجَدْبُ خَاصٌّ بِاحْتِيَاجِ الزَّرْعِ إلَى الْمَاءِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي احْتِيَاجِ الْحَيَوَانِ انْتَهَى.

ص (وَخَرَجُوا ضُحًى مُشَاةً) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنَّمَا تُصَلَّى ضَحْوَةً وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ فَهِمَهَا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا ضَحْوَةً فَقَطْ وَلَا تُصَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا تُصَلَّى مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى الزَّوَالِ وَتَرَدَّدَ سَنَدٌ فِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ هَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ خِلَافٌ؟ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ فَإِنَّهُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَخْرُجُ الْإِمَامُ كَذَلِكَ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ غَيْرَ مُتَوَكِّئٍ إلَى الْمُصَلَّى، وَرَوَى الشَّيْخُ لَا يُكَبِّرُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ إلَّا فِي الْإِحْرَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ فِي الْغُدُوِّ لَهَا جَهْرٌ بِتَكْبِيرٍ وَلَا اسْتِغْفَارٍ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ فِي مَمْشَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ: الْمَشْهُورُ يُكَبِّرُونَ فِي غُدُوِّهِمْ انْتَهَى.

ص (وَكَرَّرَ إنْ تَأَخَّرَ) ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَيَّامًا مُتَوَالِيَاتٍ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ مِنْ إبْطَاءِ النِّيلِ قَالَ أَصْبَغُ وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا مُتَوَالِيَاتٍ يَسْتَسْقُونَ عَلَى سُنَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَرِجَالٌ صَالِحُونَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ انْتَهَى.

[تَنْبِيه الْخُرُوجَ إلَى الصَّحْرَاءِ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

(تَنْبِيهٌ) أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا الْخُرُوجَ إلَى الصَّحْرَاءِ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ مَكَّةَ كَمَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُصَلُّونَ الِاسْتِسْقَاءَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جُبَيْرٍ فِي رِحْلَتِهِ وَكَانَتْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسمِائَةِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ صَلَّوْا صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَدْ أَلْصَقَ بِالْبَيْتِ عَلَى الْعَادَةِ وَأَنَّهُمْ كَرَّرُوا ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (بِبِذْلَةٍ) ش: هِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبِذْلَةُ مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالتَّبَذُّلُ تَرْكُ التَّزَيُّنِ ص (وَلَا يُمْنَعُ ذِمِّيٌّ وَانْفَرَدَ لَا بِيَوْمٍ) ش قَالَ فِي الطِّرَازِ وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُمْنَعُونَ فَهَلْ يَخْرُجُونَ بِإِشْهَارِ الصَّلِيبِ وَإِظْهَارِ شِعَارِ الْكُفْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّطَوُّفِ بِصَلِيبِهِمْ شِرْكِهِمْ إذَا بَرَزُوا بِذَلِكَ وَتَنَحَّوْا بِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (ثُمَّ خَطَبَ كَالْعِيدِ) ش: يَعْنِي فِي كَوْنِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ فِي ابْتِدَاءِ الْخُطْبَةِ الْأُولَى

وَبَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا يَدْعُوا فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ إلَّا فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ لَا لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ بِسَبِّحْ وَالشَّمْسِ وَبِلَا أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ص (ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ) ش: لَعَلَّهُ إنَّمَا أَتَى بِثُمَّ لِيُنَبِّهَ عَلَى التَّحْوِيلِ بَعْدَ الِاسْتِقْبَالِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِذَا فَرَغَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا فَحَوَّلَ مَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْ رِدَائِهِ عَلَى يَسَارِهِ وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا يَقْلِبُهُ فَيَجْعَلَ الْأَسْفَلَ الْأَعْلَى وَالْأَعْلَى الْأَسْفَلَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنَّمَا يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ انْتَهَى.
ص (بِلَا تَنْكِيسٍ) ش: التَّنْكِيسُ أَنْ يَجْعَلَ الْحَاشِيَةَ الَّتِي تَلِي عَجُزَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَبِالْعَكْسِ عَلَى مَا فَهِمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْبَرَانِيسِ وَالْغَفَائِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ لَا تُحَوَّلُ خِلَافًا لِابْنِ عَيْشُونٍ وَنَصَّ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَوِّلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ قَالَ ابْنُ نَاجِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ وَعَنْهُ إنْ شَاءَ انْصَرَفَ وَإِنْ شَاءَ حَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى النَّاسِ فَكَلَّمَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ فِي الصَّدَقَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
ص (وَبَدَّلَ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَبَالَغَ فِي الدُّعَاءِ آخِرَ الثَّانِيَةِ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ بِالسُّقْيَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَيَصِلُ كَلَامَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَ مَالِكٍ: أَنْكَرَ أَبُو مَسْلَمَةَ عَلَى رَجُلٍ رَآهُ قَائِمًا عِنْدَ الْمِنْبَرِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالدُّعَاءِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا أَنْكَرَ الْكَثِيرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِكَانَةِ فَمَحْمُودٌ وَأَجَازَهُ فِيهَا فِي مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ وَفَعَلَهُ وَاسْتَحَبَّهُ وَكَفَّيْهِ بُطُونُهُمَا لِلْأَرْضِ وَسَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي رَفْعُهُمَا فِي الدُّعَاءِ ابْنُ رُشْدٍ: ظَاهِرُهُ خِلَافُ إجَازَةِ رَفْعِهِمَا فِيهِ فِي مَوَاضِعِهِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَعَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمَقَامَيْ الْجَمْرَتَيْنِ وَالْأَوْلَى حَمْلُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَتَهُ فِي غَيْرِ مَوَاطِنِهِ فَلَا يَكُونُ خِلَافًا؛ الشَّيْخُ رَوَى عَلَى اسْتِحْسَانِ رَفْعِهِمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ انْتَهَى.
ص (وَصَدَقَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَحُضُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَأْمُرُ فِيهَا بِالطَّاعَةِ وَيُحَذِّرُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى.
ص (وَجَازَ تَنَفُّلٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ) قَالَ الْمَازِرِيُّ وَإِذَا فَاتَتْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ مَالِكٌ إنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]

[فَصَلِّ غُسْلِ الْمَيِّتِ]

ص (فَصْلٌ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ وَكَفَنِهِ وَسُنِّيَّتِهِمَا خِلَافٌ) ش: اشْتِرَاطُهُ هُنَا فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ بِمُطَهِّرٍ مُوَافِقٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ أَنَّ الْغُسْلَ تَعَبُّدٌ

وَقَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ، يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَحْسَنُ مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَفِي الْآخِرَةِ كَافُورًا إنْ تَيَسَّرَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَنَّهُ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُدَلَّكَ الْمَيِّتُ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْيَاخِي وَالْمُدَوَّنَةُ قَابِلَةٌ لَهُ، وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَكُونُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَحَمَلَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَخَذَ مِنْهَا جَوَازَ غُسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ كَقَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ وَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافًا، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ اخْتِيَارِ أَشْيَاخِهِ ظَاهِرٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ إذَا وَرَدَ عَلَى الْعُضْوِ طَهُورًا وَانْضَافَ فِيهِ لَا يَضُرُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ التُّونُسِيِّ: خَلْطُ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ يُضِيفُهُ، وَصَبُّهُ عَلَى الْجَسَدِ بَعْدَ حَكِّهِ بِهِ لَا يُضِيفُهُ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ بِالْمُخْتَصَرِ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ مَا نَصُّهُ: اُخْتُلِفَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ حَاشَا الشَّهِيدَ شَرَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ بِحَنُوطٍ وَكَفَنٍ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ وَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ ثُمَّ أَقْبَرُوهُ وَأَلْحَدُوهُ وَنَصَبُوا اللَّبِنَ عَلَيْهِ وَابْنُهُ شِيثٌ مَعَهُمْ فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ هَكَذَا فَاصْنَعْ بِوَلَدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ انْتَهَى.

وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِزَمْزَمَ يُرِيدُ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ لِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ كَرِهْنَا غُسْلَهُ بِهِ؛ لِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي النَّجَاسَاتِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ أَجَزْنَا غُسْلَهُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ: قَالُوا وَلَوْ كَانَ فِي جَسَدِ الْمَيِّتِ نَجَاسَةٌ كُرِهَ غَسْلُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ انْتَهَى.

[فَرْعٌ التَّكْفِين بِثَوْبِ غَسَلَ بِمَاء زَمْزَم]

(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ قَالَ: وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ هَذَا لَا يَجْرِي إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ الَّذِي يَمْنَعُ غَسْلَ النَّجَاسَةِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ أَجْزَاءَ الْمَاءِ قَدْ ذَهَبَتْ حِسًّا وَمَعْنًى، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ نَظَرٌ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْمَاءِ مِنْ حَلَاوَةٍ وَمُلُوحَةٍ، وَبَعْضُ شُيُوخِهِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل