كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مُضْطَرًّا فَقَدْ أَدْخَلَ احْتِمَالَ الْخَلَلِ فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الثَّوْبَيْنِ، أَوْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَيَتَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ فَلَا فَائِدَةَ لِلتَّحَرِّي فِيهِ إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ التَّوْضِيحِ وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُ بِهِ الثَّوْبَ وَضَاقَ الْوَقْتُ، وَهَكَذَا قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ وَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ بِأَنَّهُ إذَا تَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ صَلَّى بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ وَالشَّكِّ فِي جَمِيعِ الثَّوْبِ فَيَغْسِلَ جَمِيعَهُ.
قَالَ: وَفِي التَّحْقِيقِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَقَدْ أَغْفَلُوا كُلُّهُمْ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرَ عَنْهُ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ مَالِكٍ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا كَمَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَالثَّانِي عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ يُعِيدُ فِي الْآخَرِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ يَرَى إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَعَادَ فِي الْآخَرِ مَكَانَهُ فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّ إحْدَى صَلَاتَيْهِ قَدْ وَقَعَتْ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَعْزِمْ فِي صَلَاتِهِ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ إذَا صَلَّى بِنِيَّةِ الْإِعَادَةِ فَحَصَلَتْ النِّيَّةُ غَيْرُ مُخْلَصَةٍ لِلْفَرْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعَادَهَا لَمْ يُخْلِصْ نِيَّتَهُ فِي إعَادَتِهِ لِلْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَنَّهَا صَلَاتُهُ إنْ كَانَ هَذَا الثَّوْبُ هُوَ الطَّاهِرَ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ فَيَتَحَرَّى صَلَاتَهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَصَلَّى بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِنَجَاسَتِهِ لَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ثُمَّ إنْ وَجَدَ فِي الْوَقْتِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَعَادَ اسْتِحْبَابًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَعَادَ فِي الْآخَرِ يَأْتِي نَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي اشْتِبَاهِ الْأَوَانِي وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يُصَلِّي بِأَحَدِهِمَا أَيْ بَعْدَ أَنْ يَتَحَرَّى وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يُجِيزُ لَهُ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِهِمَا بِلَا تَحَرٍّ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرِّي اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَحَرَّى أَيْ اجْتَهَدَ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ إذْ هُوَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُرَجِّحُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنِ هَارُونَ أَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ وَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِفُرُوقٍ ضَعِيفَةٍ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ الطَّهَارَةُ عَلَى انْفِرَادِهِ فَيَسْتَنِدُ إلَى أَصْلٍ، وَلَا كَذَلِكَ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ قَدْ بَطَلَ لِتَحَقُّقِ حُصُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَكَذَا قَالُوا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَلَوْ فَصَلَ هَذَا الثَّوْبَ نِصْفَيْنِ بَقِيَ وُجُوبُ الْغَسْلِ عَلَى مَا كَانَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَسْمُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَجِسًا وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُمَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فِيهِمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ: وَلَوْ فَصَلَهُمَا جَازَ لَهُ التَّحَرِّي إجْمَاعًا يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فِي الثَّوْبَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ فِيمَا إذَا قَسَمَ الثَّوْبَ: فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ قَسَمَ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ بَلْ النَّجَاسَةُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ لَكَانَ مِثْلَ أَحَدِ الْكُمَّيْنِ انْتَهَى.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحَرِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لِثُبُوتِ النَّضْحِ فِيمَا شَكَّ فِي وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَالْيَقِينُ وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ فِي الثَّوْبَيْنِ.
(قُلْتُ:) وَإِذَا مَشَيْنَا عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَصَدَّرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ بِالْقَوْلِ
بِالتَّحَرِّي ثُمَّ قَالَ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا قُلْنَا لَا يَتَحَرَّى إلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُتَيَمِّمِ فَالْآيِسُ يَتَحَرَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالرَّاجِي فِي آخِرِهِ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي وَسَطِهِ أَوْ يُقَالُ لَا يُصَلِّي بِالتَّحَرِّي إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ.
تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْجَمْعِ، وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى الثَّانِي قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةٍ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا بَدَلَ لَهَا فَيُؤَخَّرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ثُمَّ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَلٍّ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّى إلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَأَنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ كَالتَّيَمُّمِ وَأَنَّهُ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا، أَوْ مَا يَغْسِلُ بِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا بِالتَّحَرِّي مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا غَسْلُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مَا حَكَمَ اجْتِهَادُهُ بِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا إذَا لَبِسَهُمَا وَصَلَّى بِهِمَا قَالَ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ وَهُوَ الَّذِي غَسَلَهُ، وَالْآخَرَ طَاهِرٌ بِالِاجْتِهَادِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ وَبَعْضُهُ طَاهِرٌ، قَالَ: وَهَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ لَا يَكُونُ الثَّوْبَانِ ثَوْبًا، وَلَا الثَّوْبُ ثَوْبَيْنِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) لَا اعْتِبَارَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْعَدَدِ عِنْدَنَا بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي عَيْنِهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ، وَفِي حُكْمِهَا إصَابَةُ الْمَاءِ الْمَحَلَّ وَاسْتَحَبَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ لِحَدِيثِ الْقَائِمِ مِنْ النَّوْمِ وَأَوْجَبَ ابْنُ حَنْبَلٍ التَّسْبِيعَ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ إلَّا الْأَرْضَ فَوَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
ص (بِطَهُورٍ مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ) ش: هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَغْسِلُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحَلَّ النَّجِسَ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ بِشَرْطِ أَنْ يَنْفَصِلَ الْمَاءُ عَنْ الْمَحَلِّ طَهُورًا بَاقِيًا عَلَى صِفَتِهِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخَبَثِ يُرْفَعَانِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الطَّهُورُ فَلِمَ أَعَادَهُ فَالْجَوَابُ إنَّمَا أَعَادَهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ كَذَلِكَ أَيْ طَهُورًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي قَوْلِهِ يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ أَنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ؛ لِأَنَّهُ كَالْحَدِّ لِمَا يُرْفَعُ بِهِ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ وَتَابِعُوهُ قَوْلًا أَنَّهَا تُزَالُ بِكُلِّ قُلَاعٍ كَالْخَلِّ وَإِنَّمَا حُكِيَ فِي النَّوَادِرِ الْخِلَافُ فِي الْمَاءِ الْمُضَافِ قَالَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَأَبُو الْفَرَجِ: اُخْتُلِفَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ فَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ اللَّخْمِيَّ ذَكَرَ خِلَافًا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعِ قَالَ وَأَرَاهُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا بَصَقَ دَمًا ثُمَّ بَصَقَ حَتَّى زَالَ إنَّهُ يَطْهُرُ وَرُدَّ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا اغْتَفَرَهُ لِيَسَارَتِهِ لِاشْتِرَاطِهِ عَدَمَ تَفَاحُشِهِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْتُ: بَلْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي فِي مَسْحِ السَّيْفِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ لَوْ جَفَّفَتْ الشَّمْسُ مَوْضِعَ بَوْلٍ لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا يَكْفِي فَرْكُ الْمَنِيِّ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَالْفَرْكُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ النَّارُ لَا تُطَهِّرُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ مُتَغَيِّرًا فَالْمَحَلُّ نَجِسٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَغُسَالَتُهَا أَيْ النَّجَاسَةِ مُتَغَيِّرَةٌ نَجِسَةٌ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَمَغْسُولِهَا، وَغَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ قَالُوا: طَاهِرَةٌ كَمَغْسُولِهَا اهـ. ثُمَّ بَحَثَ فِي كَوْنِ الْغُسَالَةِ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ طَاهِرَةً وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرَةِ طَاهِرَةٌ: وَلَا يَضُرُّ بَلَلُهَا؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْمُنْفَصِلِ يَعْنِي مَا غُسِلَ بِهِ لِنَجَاسَةٍ إذَا انْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا فَهُوَ وَالْمَحَلُّ نَجِسَانِ وَإِنْ انْفَصَلَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ فَهُمَا طَاهِرَانِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اُسْتُدِلَّ بِالتَّغَيُّرِ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ جُزْءُ الْبَاقِي فِي الثَّوْبِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَغَيِّرَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ وَعُلِمَ أَنَّ الثَّوْبَ لَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ وَعُلِمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ الثَّوْبِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ التَّغَيُّرُ
مِنْ أَوْسَاخٍ فِي الثَّوْبِ مُتَكَاثِفَةٍ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْحَالِ فَتَأَمَّلْهُ.
قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قُلْتُ: الصَّوَابُ التَّنْجِيسُ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَهَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ بَقَاءِ الْمَحَلِّ إذْ يَبْعُدُ أَنْ تَخْرُجَ النَّجَاسَةُ وَيَبْقَى الْوَسَخُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ صَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يَخْرُجُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِخُرُوجِ الْآخَرِ اهـ.
(قُلْتُ:) مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذَا زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَطَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَرِيحُهَا، أَوْ زَالَ الطَّعْمُ وَعَسُرَ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ وَتَحَقَّقَ أَنَّ التَّغَيُّرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَوْسَاخِ أَمَّا إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مِنْ صِبَاغٍ الثَّوْبِ كَالْمَصْبُوغِ بِالنِّيلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ الصَّبْغِ، وَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي أَحَادِيثِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ: إنَّ الْمَصْبُوغَ بِالنِّيلِ الْمُتَنَجِّسِ يَطْهُرُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِهِ أَنْ يَنْقَطِعَ النِّيلُ اهـ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ طَهُرَ مَا صُبِغَ بِبَوْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ تَرْكُ الصَّبْغُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ اهـ. وَمُرَادُهُ بِمَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ مَا جُعِلَ الْبَوْلُ فِي صِبَاغِهِ وَلَيْسَ الْبَوْلُ نَفْسُهُ صَبْغًا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَانِي الْخَمْرِ خِلَافًا فَرُوِيَ عَنْهُ تُغْسَلُ وَتُسْتَعْمَلُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا طُبِخَ فِيهَا الْمَاءُ وَغُسِلَتْ طَهُرَتْ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تُكْسَرُ وَتُشَقُّ الظُّرُوفُ فَقِيلَ: عُقُوبَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ وَقِيلَ إنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهَا تَغُوصُ فِيهَا قَالَ الْأَبِيُّ: وَاخْتَارَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ لِلْغَوْصِ وَالْتَزَمَ عَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ صُبِغَ بِهِ ثَوْبٌ لَمْ يَطْهُرْ فَعُورِضَ بِمَا صُبِغَ بِالْوَرْجَلَةِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْوَرْجَلَةَ مُتَنَجِّسَةٌ لَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ قَالَ الْأَبِيُّ وَالظَّاهِرُ طَهَارَةُ إنَاءِ الْخَمْرِ إذَا غُسِلَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ لَا يَضُرُّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَى مَا يَصِلُ إلَيْهِ الْخَمْرُ، وَكَذَا أَفْتَى الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ بِأَنَّ أَلْوَاحَ الْبَتَّاتِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقَفَ بِهَا الْمَسْجِدَ قَالَ.
وَأَمَّا الْأَقْبَابُ الْمَصْنُوعَةُ مِنْهَا فَمَاؤُهَا طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ اهـ.
ص (وَلَا يَلْزَمُ عَصْرُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النَّجَسِ إذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَانْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْ الْمَحَلِّ طَهُورًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَصْرُهُ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ انْفَصَلَ طَهُورًا، وَالْمَاءُ الْبَاقِي فِي الْمَحَلِّ كَالْمُنْفَصِلِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالُوا لَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ حَتَّى يُعْصَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَعَ زَوَالِ طَعْمِهِ لَا لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسِرَا)
ش: قَوْلُهُ مَعَ مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَأَجَازَ الْبِسَاطِيُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَلْزَمُ عَصْرُهُ وَهُوَ بَعِيدٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَحَلَّ النَّجَسِ يَطْهُرُ بِكَذَا مَعَ زَوَالِ طَعْمِ النَّجَسِ فَإِنْ بَقِيَ طَعْمُ النَّجَسِ لَمْ يَطْهُرْ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّعْمِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ الطَّعْمِ، وَإِنْ عَسِرَ، وَقَوْلُهُ: " لَا لَوْنٍ وَرِيحٍ " مَعْطُوفَانِ عَلَى زَوَالٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ، لَا زَوَالَ لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسِرَ زَوَالُهُمَا أَيْ يَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ بِكَذَا بِشَرْطِ زَوَالِ طَعْمِ النَّجَسِ لَا بِشَرْطِ زَوَالِ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ إذَا عَسِرَ، أَوْ إنْ لَمْ يَعْسُرْ زَوَالُهُمَا لَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ مَعَ بَقَاءِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَبَقَاءُ اللَّوْنِ أَشَدُّ مِنْ بَقَاءِ الرِّيحِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَوْ بَقِيَ الطَّعْمُ بَعْدَ زَوَالِ الْجُرْمِ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ فَالْمَحَلُّ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ دَلِيلٌ عَلَى بَقَائِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ، أَوْ الرِّيحُ وَقَلْعُهُ مُتَيَسِّرٌ بِالْمَاءِ فَإِنْ تَعَسَّرَ قَلْعُهُ عُفِيَ عَنْهُ وَكَانَ الْمَحَلُّ طَاهِرًا وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَزَادَ كَمَا يُعْفَى عَنْ الرَّائِحَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إذَا عَسِرَ زَوَالُهَا مِنْ الْيَدِ أَوْ الْمَحَلِّ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ إدْرَاكُ بَقَاءِ الطَّعْمِ فَإِنَّ ذَوْقَ النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ أَيْ لَوْ ذَاقَ فَوَجَدَ الطَّعْمَ لَمْ يَطْهُرْ وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فِيمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْفَمِ أَوْ دَمِيَتْ اللِّثَةُ قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ زَادَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّة، وَكَذَا لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ الطَّعْمِ فَيَجُوزُ لَهُ ذَوْقُ الْمَحَلِّ اسْتِظْهَارًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الْمُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ ذَلِكَ هُوَ الْإِزَالَةُ بِالْمَاءِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْجَوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ: " وَقَلْعُهُ تَيَسَّرَ بِالْمَاءِ " فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ زَوَالُ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ بِغَيْرِ الْمَاءِ لَمْ يَجِبْ وَهُوَ كَذَلِكَ وَنَحْوُهُ فِي
كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَلَوْ أَمْكَنَ زَوَالُ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ بِأُشْنَانٍ، أَوْ صَابُونٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَفِي حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ فِي الدَّمِ الْعَسِرِ الزَّوَالِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَكْفِيكَ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكَ أَثَرُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقِيسَ الرِّيحُ عَلَى اللَّوْنِ بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ.
(الثَّالِثُ) لَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ مَعًا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
(الرَّابِعُ) إذَا عُسِرَ زَوَالُ اللَّوْنِ، أَوْ الرِّيحِ فَالْمَحَلُّ طَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَكَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ نَجَسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِاغْتِفَارِهِ الرَّائِحَةَ فِي الْمَاءِ أَنْ يَغْتَفِرَهَا فِي الْإِزَالَةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ تَعْسُرْ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّيْءِ عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ أَضْعَفُ مِنْهَا عَلَى بَقَائِهِ لِقُوَّتِهِ بِالِاسْتِصْحَابِ فَإِنَّ الْمَاءَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
ص (وَالْغُسَالَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ نَجِسَةٌ) . ش الْغُسَالَةُ هِيَ الْمَاءُ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، وَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا إذَا كَانَتْ مُتَغَيِّرَةً وَسَوَاءٌ كَانَ تَغَيُّرُهَا بِالطَّعْمِ، أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرِّيحِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَتْ كَحُكْمِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ تَغَيُّرُهَا بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِوَسَخٍ فِي الثَّوْبِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ تَغَيُّرُهَا بِصَبْغٍ فِي الثَّوْبِ وَبُولِغَ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ حَتَّى غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ التَّغَيُّرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الصَّبْغِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَغَيِّرَةً كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ مُضَافًا بِغَيْرِ شَيْءٍ طَاهِرٍ وَغُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ حَتَّى زَالَ عَيْنُهَا وَأَثَرُهَا وَخَرَجَ الْمَاءُ كَهَيْئَتِهِ الْأُولَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ الْغُسَالَةِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَرْعِ الْآتِي أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ أَصْلًا فِي مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَحْكُمُوا بِنَجَاسَةِ الْبَلَلِ الَّذِي فِي الثَّوْبِ فَكَذَلِكَ الْبَلَلُ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ انْفَصَلَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ وَإِلَّا كَانَ هَذَا مُعَارِضًا لِلْفَرْعِ الْآتِي فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْغُسَالَةَ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ طَاهِرَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فَلَا شَكَّ فِي طَهَارَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً فَقَالُوا كَذَلِكَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ وُرُودِهَا عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فَيُشَكِّلُ مَذْهَبَهُ مِنْ جُلِّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرَةِ قَالُوا طَاهِرَةً كَمَغْسُولِهَا.
(قُلْتُ:) يُرَدُّ بِانْتِقَالِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ لَهَا وَبِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مَا تَوَضَّأَ بِهِ لَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ طَاهِرًا وَعَلَى قَوْلِهِمْ الْتَزَمَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ لَوْ غُسِلَتْ قَطْرَةٌ مِنْ بَوْلٍ فِي بَعْضِ جَسَدٍ، أَوْ ثَوْبٍ وَشَاعَتْ غُسَالَتُهَا غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ لَمْ تَنْفَصِلْ عَنْهُ كَانَ طَاهِرًا اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْأَبِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ.
(قُلْتُ:) اسْتِشْكَالُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ لِلْغُسَالَةِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَرَدَّهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْعِ انْتِقَالِهَا بَلْ نَقُولُ: الْمَاءُ قَهَرَهَا وَغَلَبَهَا فَكَأَنَّهُ أَعْدَمَهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ وَهَلْ يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَزَوَالُ النَّجَاسَةِ بِهَذِهِ الْغُسَالَةِ؟ أَجْرَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْمَاءِ الْيَسِيرِ تَحُلُّهُ نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيُزِيلُ النَّجَسَ، وَلَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ اهـ.
(قُلْتُ:) ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ الْغُسَالَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا خِلَافًا فِيمَا رَأَيْنَاهُ اهـ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ هَارُونَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
(قُلْتُ:) قَالَ سَنَدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُؤْرِ مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَيَتَيَمَّمُ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إنَّهُ إذَا غَسَلَ
النَّجَاسَةَ رَجَعَ فَاسْتَعْمَلَ غُسَالَتَهَا فِي طَهَارَتِهِ اهـ. وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ تَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ نَجِسَةً إذَا كَانَ تَغَيُّرُهَا بِالنَّجَاسَةِ لَا بِالْأَوْسَاخِ.
ص (وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا) . ش يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أُزِيلَتْ النَّجَاسَةُ بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إمَّا بِمَاءٍ مُضَافٍ، أَوْ بِشَيْءٍ قُلَاعٍ غَيْرِ الْمَاءِ كَالْخَلِّ وَنَحْوِهِ وَقُلْنَا إنَّ ذَلِكَ لَا يُطَهِّرُ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ وَإِنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ ثُمَّ لَاقَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَهُوَ مَبْلُولٌ شَيْئًا، أَوْ لَاقَاهُ شَيْءٌ مَبْلُولٌ بَعْدَ أَنْ جَفَّ، أَوْ فِي حَالِ بَلَلِهِ فَهَلْ يَتَنَجَّسُ مَا لَاقَاهُ، أَوْ لَا يَتَنَجَّسُ قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدَمِ التَّنْجِيسِ زَادَ الْمُصَنِّفُ إذْ الْأَعْرَاضُ لَا تَنْتَقِلُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ اخْتَلَفَ الشَّيْخَانِ الْقَابِسِيُّ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ إذَا دَهَنَ الدَّلْوَ الْجَدِيدَ بِالزَّيْتِ وَاسْتَنْجَى مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَالَ الْقَابِسِيُّ وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الثِّيَابِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءَ دُونَ غَسْلِ ثِيَابِهِ اهـ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ بِمَاءٍ مُضَافٍ، أَوْ بِشَيْءٍ قُلَاعٍ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ لَوْ زَالَ عَيْنُهَا بِمُضَافٍ أَوْ قُلَاعٍ فِي تَنْجِيسِ رَطْبٍ بِمَحَلِّهَا نَقْلًا عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَابِسِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ مُجَهِّلًا لِمُخَالِفِهِ وَالتُّونُسِيُّ مَعَ عَبْدِ الْحَقِّ وَمَعْرُوفٌ قَوْلُ الْقَابِسِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ وَابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا اتِّفَاقًا فَعُزِيَ الْقَوْلُ بِالتَّنْجِيسِ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَابِسِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَعَزَا الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَلِلشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَلِابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا اتِّفَاقًا وَلِعَبْدِ الْحَقِّ وَالْقَابِسِيِّ أَيْضًا فَيَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ مَعْرُوفُهُمَا الثَّانِي عَلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ: إنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا وَمَا عَزَاهُ لِابْنِ رُشْدٍ اُنْظُرْهُ فِي سَمَاعِ مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَمِثْلُ هَذَا مَا إذَا اسْتَجْمَرَ بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ عَرِقَ الْمَحَلُّ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ الثِّيَابَ وَيُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَثَرٌ مَعْفُوٌّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: لَا يُعْفَى عَنْهُ.
(قُلْتُ:) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَفْوِ صَحِيحٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمَعْفُوَّاتِ فِيمَا إذَا اتَّصَلَ بِالْمَعْفُوِّ مَائِعٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَا بَاقِيَةٌ، وَالْمَحَلُّ الَّذِي تُصِيبُهُ نَجِسٌ لَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا الثَّوْبَ وَجَبَ نَضْحُهُ)
ش: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا تَحَقَّقَ النَّجَاسَةَ وَتَحَقَّقَ إصَابَتَهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا شَكَّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَشُكَّ فِي الْإِصَابَةِ أَيْ هَلْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ أَمْ لَا.
وَالثَّانِي أَنْ يَتَحَقَّقَ الْإِصَابَةَ وَيَشُكَّ فِي الْمُصِيبِ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَشُكَّ فِيهِمَا أَيْ فِي الْإِصَابَةِ، وَفِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَقْسَامِ الشَّكِّ قِسْمًا آخَرَ وَهُوَ إذَا تَحَقَّقَ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ وَشَكَّ فِي الْإِزَالَةِ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهَا إلَّا بِيَقِينٍ وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَالضَّمِيرُ فِي إصَابَتِهَا لِلنَّجَاسَةِ يَعْنِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا تَحَقَّقَ نَجَاسَةَ شَيْءٍ وَشَكَّ هَلْ أَصَابَ ذَلِكَ الشَّيْءُ النَّجَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَمْ يُصِبْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحَهُ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ النَّضْحِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا الْقِسْمُ مُتَّفَقٌ فِيهِ عَلَى النَّضْحِ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: يَلْزَمُ النَّضْحُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ.
(قُلْتُ:) حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ ذَهَبَ إلَى غَسْلِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَلَمْ يَرَ النَّضْحَ إلَّا مَعَ الْغَسْلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ يَعْنِي قَوْلَهُ اغْسِلْ ذَكَرَك وَأُنْثَيَيْك وَانْضَحْ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَعَلَّ ابْنَ بَشِيرٍ لَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَلِهَذَا جَزَمَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُ النَّضْحُ بِلَا خِلَافٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ النَّضْحِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَقَدْ قَالَ سَنَدٌ: اُخْتُلِفَ فِي النَّضْحِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ
أَوْ مُسْتَحَبٌّ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ شَيْئًا وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَتَحَصَّلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وُجُوبُ النَّضْحِ وَاسْتِحْبَابُهُ وَوُجُوبُ الْغَسْلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مَشَى الْمُصَنِّفُ لِقَوْلِ سَنَدٍ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ اللُّبَابِ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَدَلِيلُهُ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ بِنَضْحِ الْحَصِيرِ الَّذِي اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ وَذَلِكَ لِحُصُولِ الشَّكِّ فِيهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ شَكَّ فِي ثَوْبِهِ هَلْ أَصَابَهُ مَنِيٌّ: اغْسِلْ مَا رَأَيْت وَانْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُسْتَدِلًّا عَلَى ثُبُوتِ النَّضْحِ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَمْعِ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغَسْلِ وَالنَّضْحِ فِيمَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَخَالَفَنَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَوَافَقَهُمَا ابْنُ لُبَابَةَ هُنَا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّضْحِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ فَالنَّضْحُ يَنْشُرُهَا اهـ. إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ يُوَافِقُهُمَا فِي الْقَوْلِ بِعَدَمِ النَّضْحِ، وَإِنْ خَالَفَهُمَا فِي وُجُوبِ غَسْلِ مَا شَكَّ فِيهِ، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمَسْأَلَةَ بِالثَّوْبِ احْتِرَازٌ مِنْ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ سَيَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَاكَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَمَثَّلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا شَكَّ الْجُنُبُ، أَوْ الْحَائِضُ هَلْ أَصَابَ ثَوْبَهُمَا شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا يَخْفَى أَثَرُ الدَّمِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ فَلَا أَثَرَ لِلِاحْتِمَالِ وَهُوَ وَهْمٌ قَالَ مَعْنَاهُ فِي الْجَلَّابِ اهـ.
وَنَحْوُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِيمَنْ تَرَكَ النَّضْحَ، وَكَذَا لَوْ نَامَ فِي ثَوْبِهِ وَرَأَى فِي جِهَةٍ مِنْهُ بَلَلًا وَشَكَّ فِي الْأُخْرَى هَلْ أَصَابَهَا شَيْءٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ مَا رَأَى وَيَنْضَحُ مَا لَمْ يَرَ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ النَّضْحَ إنَّمَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ، وَالشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فَأَمَّا الْوَهْمُ فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ شُبْهَةٌ.
وَأَمَّا الظَّنُّ فَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ إلَّا صَاحِبَ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ النَّضْحَ لِلشَّكِّ، وَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّ أَنَّ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً فَلْيَرُشَّهُ اهـ.
(قُلْتُ:) وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَوِّلْ فِي أَمْرِ النَّجَاسَةِ إلَّا عَلَى الْمُحَقَّقِ فَأَجَازَ الصَّلَاةَ بِالنِّعَالِ الَّتِي يُمْشَى بِهَا فِي الطُّرُقَاتِ، وَفِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَقَبِلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ.
وَالْمُزِيلُ لِلْوَسْوَاسِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ خُلِقَتْ طَاهِرَةً بِيَقِينٍ فَمَا لَا يُشَاهَدُ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَلَا يَعْلَمُهَا يَقِينًا يُصَلِّي بِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَصَّلَ بِالِاشْتِبَاهِ إلَى تَقْدِيرِ النَّجَاسَاتِ اهـ. فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مُنَاطَةٌ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَفِي رَسْمِ نَذْرٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَسَأَلْتُهُ عَنْ جِدَارِ الْمِرْحَاضِ يَكُونُ نَدِيًّا يُلْصِقُ بِهِ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ قَالَ أَمَّا إنْ كَانَ نَدَاهُ شَبِيهًا بِالْغُبَارِ فَلْيَرُشَّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَلَلًا أَوْ شَبِيهًا بِهِ فَلْيَغْسِلْهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا كَانَ شَبِيهًا بِالْغُبَارِ فَلَا يُوقَنُ بِتَعَلُّقِهِ بِثَوْبِهِ فَكَذَلِكَ قَالَ يَنْضَحُهُ؛ لِأَنَّ النَّضْحَ طُهُورٌ لِمَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ مِنْ الثِّيَابِ وَإِنْ كَانَ بَلَلًا، أَوْ شَبِيهًا بِالْبَلَلِ فَلَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِثَوْبِهِ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُ النَّجَاسَةِ لِلثَّوْبِ وَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ نَدَاوَةُ الْجِدَارِ شَبِيهَةً بِالْبَلَلِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُهَا لِلثَّوْبِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ أَيْضًا قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ بَالَ فِي رِيحٍ فَظَنَّ أَنَّ الرِّيحَ رَدَّتْ عَلَيْهِ مِنْ بَوْلِهِ فَلْيَغْسِلْهُ إنْ أَيْقَنَ بِذَلِكَ وَلَا يَنْضَحْهُ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ كَالْغَسْلِ) . ش يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ النَّضْحِ فَتَرَكَهُ وَصَلَّى فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ كَمَا يُعِيدُهَا مَنْ تَرَكَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ فَإِنْ كَانَ عَامِدًا، أَوْ جَاهِلًا أَعَادَ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا، أَوْ عَاجِزًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ، وَفِي الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ وَعَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَعَزَاهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَقَطْ وَعَزَاهُ ابْنُ مُعَلَّى لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعِيسَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ
أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِ حَبِيبٍ وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَبِهِ صَدَّرَ فِي الشَّامِلِ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلَعَلَّ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ قَوْلَانِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إعَادَةَ أَصْلًا وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بِأَنَّ النَّضْحَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَهُمْ انْتَهَى.
وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّضْحَ وَاجِبٌ وَلَكِنَّهُ فَرْضٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَيْسَ إلَّا لِلصَّلَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِيهَا كَالْغَسْلِ بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: تَنْبِيهٌ: قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمُ يُعِيدُ الْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ أَبَدًا بِخِلَافِ النَّاسِي مُقَيَّدٌ فِي الْوَاضِحَةِ بِمَا إذَا شَكَّ هَلْ أَصَابَ ثَوْبَهُ شَيْءٌ مِنْ جَنَابَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا مَنْ وَجَدَ أَثَرَ الِاحْتِلَامِ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى وَجَهِلَ أَنْ يَنْضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا صَلَّى وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحَهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ قَالَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ انْتَهَى.
فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ مُنَاقَشَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ ثُمَّ إنَّ ابْنَ حَبِيبٍ قَيَّدَهُ، وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَطْلَقَاهُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِنَفْيِ الْإِعَادَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا احْتَلَمَ وَغَسَلَ مَا رَأَى وَلَمْ يَنْضَحْ مَا لَمْ يَرَهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ بِتَرْكِ النَّجَاسَةِ وَأَنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلًا بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا مَعَ النِّسْيَانِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي النَّضْحِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِانْخِفَاضِ رُتْبَتِهِ عَنْ الْغَسْلِ.
(الرَّابِعُ) لَوْ تَرَكَ النَّضْحَ وَغَسَلَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أُمِرَ بِمَسْحِ رَأْسِهِ، أَوْ خُفَّيْهِ فَغَسَلَ ذَلِكَ وَالْأَقْيَسُ الْإِجْزَاءُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّخْرِيجِ نَظَرٌ قَالَ الْبِسَاطِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ هُنَا فِي الْإِجْزَاءِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْتُ:) ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِالْإِجْزَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ تَقْلِيمِ ظُفُرِ الْمُحْرِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(الْخَامِسُ) إذَا تَرَكَ نَضْحَ الْجَسَدِ وَصَلَّى فَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي الثَّوْبِ ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ.
ص (وَهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ النَّضْحَ هُوَ الرَّشُّ بِالْيَدِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هُوَ غَمْرُ الْمَحَلِّ بِالْمَاءِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَيَتَعَيَّنُ لِأَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ فَفِي مَحَلِّ الشَّكِّ يُحْمَلُ عَلَى الرَّشِّ وَفِي التَّحْقِيقِ عَلَى الصَّبِّ فَيَرُشُّ الْجِهَةَ الَّتِي شَكَّ فِيهَا، وَلَا يَرُشُّ جِهَتَيْ الثَّوْبِ إلَّا أَنْ يَشُكَّ فِيهِمَا مَعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي صِفَتِهِ طُرُقٌ عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ رَشُّ ظَاهِرِ مَا شَكَّ فِيهِ وَبَاطِنَهُ.
عِيَاضٌ هَذَا فِيمَا شَكَّ فِي نَاحِيَتِهِ وَإِلَّا فَاَلَّتِي شَكَّ فِي نَيْلِهَا فَقَطْ.
الْقَابِسِيُّ رَشُّ مَوْضِعِ الشَّكِّ بِيَدِهِ رَشَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّهُ، وَإِنْ رَشَّهُ بِفِيهِ أَجْزَأَهُ.
عِيَاضٌ لَعَلَّهُ بَعْدَ غَسْلِ فِيهِ مِنْ بُصَاقِهِ وَإِلَّا كَانَ مُضَافًا انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ عِيَاضٌ فِي رَشِّ الْجِهَتَيْنِ، وَفِي الرَّشِّ بِالْفَمِ تَفْسِيرٌ لَا خِلَافٌ، وَكَذَا مَا قَالَهُ الْقَابِسِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْمِيمُ الْمَحَلِّ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْآتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فِي النَّضْحِ وَأَنَّهُ إنْ رَشَّهُ بِفِيهِ بَعْدَ تَنْظِيفِهِ مِنْ الْبُصَاقِ أَجْزَأَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ وَشَامِلِهِ الْقَوْلَ بِالرَّشِّ بِالْفَمِ وَلَمْ يُقَيِّدَاهُ بِمَا قَيَّدَهُ بِهِ عِيَاضٌ وَجَعَلَاهُ خِلَافَ الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
ص (بِلَا نِيَّةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ النَّضْحَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَلَوْ رَشَّ الْمَحَلَّ مَطَرٌ وَنَحْوُهُ كَفَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَجَاسَةٌ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى قَوْلِهِ إنْ كَانَتْ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّا نَمْنَعُ كَوْنَ
النَّضْحِ تَعَبُّدًا قَالَ: لِأَنَّ حُكْمَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ غَلَبَةُ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِمْ الْغُسَالَةُ الْغَيْرُ الْمُتَغَيِّرَةُ طَاهِرَةٌ وَمَاءُ النَّضْحِ غَالِبٌ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَتْ.
قَالَ فَإِنْ رَدَّ بِأَنَّ الرَّشَّ غَيْرُ مَلْزُومٍ لِوُصُولِ الْمَاءِ النَّجَاسَةَ لِكَوْنِهِ رَشًّا لَا يَعُمُّ سَطْحَ الْمَحَلِّ الْمَشْكُوكِ فِيهِ بِلَا غَلَبَةٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ كَثْرَةَ نُقَطِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِهِ فَقَطْ مَظِنَّةٌ لِنَيْلِ نَجَاسَتِهِ إنْ كَانَتْ وَالظَّنُّ كَافٍ انْتَهَى.
وَقِيلَ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِظُهُورِ التَّعَبُّدِ فِيهِ إذْ هُوَ تَكْثِيرٌ لِلنَّجَاسَةِ لَا إزَالَةٌ لَهَا، وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ التَّعَبُّدَ فِيمَا تَقَعُ بِهِ الْإِزَالَةُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلنِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَصَرُوا الْإِزَالَةَ عَلَى الْمَاءِ فِي الْمَشْهُورِ؟ وَذَلِكَ تَعَبُّدٌ لَا تَلْزَمُ النِّيَّةُ مَعَهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَكَمَا لَا تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي الْغُسْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِهِ فَكَذَلِكَ فِي النَّضْحِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ: وَالْقَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْأَوَّلَ لِابْنِ مُحْرِزٍ وَالثَّانِي لِبَعْضِهِمْ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ افْتِقَارِهِ لِلنِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُلْنَا فِي الْجَسَدِ إنَّهُ يُنْضَحُ، أَوْ فِي الْأَرْضِ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (لَا إنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهِ الشَّكِّ وَهُوَ مَا إذَا تَحَقَّقَ الْإِصَابَةَ وَشَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ النَّضْحِ، وَقَالَ الْبَاجِيّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: فِيهِ النَّضْحُ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِجَامِعِ حُصُولِ الشَّكِّ وَأَيْضًا فَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ طَهُورٌ لِكُلِّ مَا شَكَّ فِيهِ وَاسْتَضْعَفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ النَّضْحَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ هُنَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّ أَكْثَرَ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا طَاهِرَةٌ فَإِلْحَاقُ هَذَا الْمُصِيبِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ أَوْلَى وَلِأَنَّ هَذَا الْمُصِيبَ إنْ رُجِعَ فِيهِ إلَى الْأَصْلِ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ رُجِعَ إلَى الْغَالِبِ فَالْغَالِبُ كَذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ لَا إنْ شَكَّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ شَكَّ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ مَعْطُوفٌ عَلَى وَجَبَ مُقَدَّرٌ بِشَرْطِهِ أَيْ، وَلَا يَجِبُ نَضْحُهُ إنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ ثُمَّ قَالَ (فَإِنْ قُلْتَ:) مَا مَعْنَى مُقَدَّرٌ بِشَرْطِهِ (قُلْتُ:) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُ الْمُتَأَخِّرِ شَرْطًا (فَإِنْ قُلْتَ:) عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْجَزَاءِ.
(قُلْتُ:) نَعَمْ حَالَ التَّلَفُّظِ بِهِ وَلَيْسَ كُلُّ مُقَدَّرٍ يَكُونُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ سَوَاءٌ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا إنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ نَجَاسَةُ الْمُصِيبِ أَمَّا إذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ وَشَكَّ هَلْ أُزِيلَتْ عَنْهُ النَّجَاسَةُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا كَالثَّوْبِ مَثَلًا، أَوْ الْجَسَدِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ وَشَكَّ فِي إزَالَتِهَا عَنْهُ ثُمَّ أَصَابَ غَيْرَهُ وَهُوَ رَطْبٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِمْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ وَأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ وَجَبَ نَضْحُهُ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (أَوْ فِيهِمَا)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَشُكَّ فِي الْإِصَابَةِ، وَفِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ وَالنَّضْحُ سَاقِطٌ هُنَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَمَّا تَرَكَّبَ مِنْ وَجْهَيْنِ ضَعُفَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا الْفَرْعَ تَتْمِيمًا لِلْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَاسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ.
ص (وَهَلْ الْجَسَدُ كَالثَّوْبِ أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ خِلَافٌ) . ش يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْجَسَدِ هَلْ هُوَ كَالثَّوْبِ فَإِذَا شَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا وَجَبَ نَضْحُهُ، أَوْ لَيْسَ هُوَ كَالثَّوْبِ بَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ شَاسٍ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ الْأَصَحُّ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ طَهُورٌ لِكُلِّ مَا شَكَّ فِيهِ وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ شَعْبَانَ وَضَعَّفَهُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاخْتِصَارِ الْبَرَاذِعِيِّ وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ لِأَبِي عِمْرَانَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ الْمَذْهَبَ وَعَزَا مُقَابِلَهُ لِابْنِ شَعْبَانَ وَضَعَّفَهُ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ مِنْ
الْمَذْيِ إلَّا أَنْ يَخْشَى إصَابَتَهُ إيَّاهُمَا، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْبَيَانِ أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ غَسْلِ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَأَصْلُ مَالِكٍ أَنَّ مَا شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ مِنْ الْأَبْدَانِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ بِخِلَافِ الثِّيَابِ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدِ لِلشَّكِّ فِي نَجَاسَتِهَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَنْضَحُ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَزَادَ بَعْدَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ: " وَهَذَا شُذُوذٌ " وَلَعَلَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ سَقَطَتْ مِنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا لَذَكَرَهَا فَإِنَّهَا أَبْيَنُ فِي تَضْعِيفِ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ مِمَّا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَلِذَا عَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ شَاذِّ قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ وَكَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هَذَا شَرْحُهَا: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ نَضْحِ الثَّوْبِ فَقَالَ: تَخْفِيفٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَأُنْثَيَيْكَ وَانْضَحْ» وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَنْضَحُ وَهُوَ حَسَنٌ وَتَخْفِيفٌ يُرِيدُ تَخْفِيفًا لِمَا شُكَّ فِيهِ فَإِنَّ ظَاهِرَ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي النَّضْحَ فِي الْجَسَدِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ مِنْ الْمَذْيِ إلَّا أَنْ يَخْشَى إصَابَتَهُ إيَّاهُمَا فَأَخَذَ مِنْهُ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ إذَا خَشَى إصَابَتَهُمَا يَغْسِلُهُمَا وَرَدَّ الْمَازِرِيُّ الْأَخْذَ بِأَنَّهُ تَعَلُّقٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَضَعَّفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ الْأَخْذَ لِجَوَازِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا أَيْ لَكِنْ إنْ خَشِيَ إصَابَتَهُمَا وَجَبَ النَّضْحُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى إلَّا أَنْ يَخْشَى إصَابَتَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ إصَابَتَهُمَا، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا أَعْرِفُهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَسَنَدٌ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْغَسْلُ فِي الْجَسَدِ مَعَ الشَّكِّ وَفَرَّقَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبِ بِأَنَّ النَّضْحَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَصِيرِ، وَفِي الثَّوْبِ وَلِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي غَسْلِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ جَفَافُهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا قَالَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى خُصُوصِ الْجَسَدِ أَمَرَ بِالْغَسْلِ وَإِنَّمَا أُخِذَ النَّضْحُ فِيهِ مِنْ تَعْمِيمِهِ بِقَوْلِهِ هُوَ طَهُورٌ لِكُلِّ مَا شُكَّ فِيهِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ انْتَهَى.
بَلْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْخَاصَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ، وَاعْتَرَضَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ عَلَى ابْنِ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ مُسَاوَاةُ الْجَسَدِ لِلثَّوْبِ بِمَا قَالَهُ سَنَدٌ وَعَبْدُ الْحَقِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِغَسْلِ الْجَسَدِ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِنَضْحِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) اللَّفْظُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَذْيِ هُوَ الَّذِي فِي الْأُمَّهَاتِ وَاخْتَصَرَهَا الْبَرَاذِعِيُّ بِلَفْظِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا مِنْهُ، وَاعْتَرَضَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَقْتَضِي الْغَسْلَ مَعَ الشَّكِّ بِخِلَافِ لَفْظِ الْأُمَّهَاتِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَاجِي بِقَوْلِهِ: هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاخْتِصَارِ الْبَرَاذِعِيِّ.
(الثَّانِي) ذَكَرَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ابْنَ شَعْبَانَ قَالَ يَغْسِلُ الْجَسَدَ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهْمٌ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي اُخْتُلِفَ فِي الْبُقْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ لَا يَكْفِي النَّضْحُ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ لِيُسْرِ الِانْتِقَالِ إلَى الْمُحَقَّقِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّطِّيُّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ثُبُوتُ النَّضْحِ فِيهَا قَالَ وَمِثْلُهُ فِي قَوَاعِدِ عِيَاضٍ وَزَعَمَ التَّادَلِيُّ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ هُوَ ظَاهِرُ اسْتِدْلَالِ ابْنِ يُونُسَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ النَّضْحِ بِنَضْحِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَصِيرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَصِيرُ كَالثَّوْبِ لِمَشَقَّةِ غَسْلِهَا انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَرَفَة فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا: وَالْبُقْعَةُ تُغْسَلُ اتِّفَاقًا لِيُسْرِ الِانْتِقَالِ إلَى مُحَقَّقٍ وَبَعْضُ شُيُوخِنَا الْفَاسِيِّينَ كَالْجَسَدِ وَنَقَلَهُ عَنْ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ فَبَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِهِ هُوَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَبَعْضُ شُيُوخِهِ هُوَ السَّطِّيُّ وَنَقَلَهُ الْمَشَذَّالِيُّ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَاجِي ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْجَسَدِ وَنَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ الشَّارْمَسَاحِيِّ أَنَّهَا تُغْسَلُ اتِّفَاقًا.
(قُلْتُ:) وَجَزَمَ الشَّيْبِيُّ فِي
شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فَقَالَ: وَلَا يُجْزِئُ النَّضْحُ فِي الْأَرْضِ بِحَالٍ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ الْبُقْعَةَ كَالْجَسَدِ وَأَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ إنْ أَرَادَ بِكَوْنِهَا كَالْجَسَدِ أَنَّهَا تُنْضَحُ وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى النَّضْحَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فِي الْقَوَاعِدِ جَعَلَهَا مُخَالِفَةً لِلْجَسَدِ فَإِنَّهُ حَكَى فِي الْجَسَدِ الْخِلَافَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا، وَإِنْ أَرَادَ بِكَوْنِهَا كَالْجَسَدِ أَنَّ فِيهَا الْخِلَافَ كَمَا فِيهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقَوَاعِدِ، وَنَصُّهَا: الْمُزَالُ عَنْهُ النَّجَاسَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَسَدُ الْمُصَلِّي وَمَا هُوَ حَامِلٌ لَهُ مِنْ لِبَاسٍ وَخُفٍّ وَسَيْفٍ وَشِبْهِهِ وَمَا هُوَ مُصَلٍّ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَالنَّضْحُ يَخْتَصُّ بِكُلِّ مَا شَكَّ فِيهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ نَجَاسَةٌ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الْجَسَدَ فَقِيلَ: يُنْضَحُ، وَقِيلَ: يُغْسَلُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ وَنَحْوَهُمَا يُنْضَحَانِ إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِمَا وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ، وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ الْوَانُّوغِيِّ فِي قَوْلِهِ " وَهُوَ طَهُورٌ لِكُلِّ مَا شُكَّ فِيهِ ": لَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ صِدْقِ هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ لِمَنْ شَذَّا طَرَفًا مِنْ التَّحْصِيلِ لِنَقْضِهَا بِالْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: أَمَّا الْأَرْضُ فَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْمَطْعُومَاتُ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ.
(قُلْتُ:) وَلَا شَكَّ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا الْإِصَابَةَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ، وَلَا لَوْنُهُ، وَلَا رِيحُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا كَآنِيَةِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ هَذَا مَعَ التَّحْقِيقِ وَالظَّاهِرُ انْتِفَاءُ الْكَرَاهَةِ مَعَ الشَّكِّ، وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا: إنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِذَلِكَ الْمَاءُ، وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى ذَلِكَ بِكَرَاهَةِ سُؤْرِ مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا إلَّا الشَّكُّ إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ وَشُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ أَمْ لَا فَإِنَّهُ طَهُورٌ.
وَأَمَّا الْمَطْعُومَاتُ فَالْأَمْرُ فِيهَا أَظْهَرُ، وَقَدْ قَالُوا فِي سُؤْرِ مَا لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ مِنْ الطَّعَامِ إنَّهُ لَا يُطْرَحُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ الشَّكُّ وَالطَّعَامُ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا تَحَقَّقَتْ الْإِصَابَةُ لِلْجَسَدِ وَشُكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصَّا صَرِيحًا وَالظَّاهِرُ أَنَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ كَالثَّوْبِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا حُكْمُهُ الْغَسْلُ فَإِنْ مَشَيْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَضْحٌ فَكَذَلِكَ الْجَسَدُ، وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ النَّضْحُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ غَسْلُ الْجَسَدِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ، أَوْ نَجِسٍ صَلَّى بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ إنَاءٍ)
ش: هَذِهِ مَسْأَلَةُ اشْتِبَاهِ الْأَوَانِي وَالْخِلَافُ فِيهَا شَهِيرٌ كَثِيرٌ وَالْأَوَانِي جَمْعُ آنِيَةٍ وَآنِيَةٌ جَمْعُ إنَاءٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ صُورَتَيْنِ: الْأُولَى: إنْ اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِالْمُتَنَجِّسِ وَذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَوَانِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ كَثِيرَةٌ تُغَيِّرُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ تَغَيُّرَ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْأَوَانِي جَمِيعِهَا بِقَرَارِهِ، أَوْ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، أَوْ تَكُونُ الْأَوَانِي مُتَغَيِّرَةً تَغَيُّرًا وَاحِدًا بَعْضُهَا بِشَيْءٍ طَاهِرٍ لَمْ يَسْلُبْهُ التَّطْهِيرَ وَبَعْضُهَا بِشَيْءِ نَجِسٍ كَانَ مُتَغَيِّرًا، أَحَدُهُمَا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ طُرِحَ فِيهِ وَالْآخَرُ بِتُرَابٍ نَجِسٍ طُرِحَ فِيهِ، أَوْ يَكُونَ الْمَاءُ يَسِيرًا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَبِهَ الطَّهُورُ بِالنَّجِسِ كَمَا إذَا اشْتَبَهَ الْمَاءُ بِالْبَوْلِ الْمَقْطُوعِ الرَّائِحَةِ الْمُوَافِقِ لِصِفَةِ الْمَاءِ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا تَعَدُّدَ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ لَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ الْحَاجِبِ لِكَيْفِيَّةِ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ إذْ لَا يَلْزَمُ الْعَالِمَ أَنْ يُبَيِّنَ صُورَةَ مَسْأَلَةٍ فِي جُزْئِيَّةٍ إلَّا بِحَسَبِ التَّبَرُّعِ وَتَقْرِيبِ الْبَيَانِ لَكِنَّ مَسْأَلَةَ الْأَوَانِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تُهْمَلَ مِنْ فَرْضِهَا فِي جُزْئِيَّةٍ، أَوْ أَكْثَرَ إنْ أَمْكَنَ لِاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ صِحَّةَ فَرْضِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ فَرْضُهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ أَنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ مَنْصُوصٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَخَرَّجَهَا الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى الْأُولَى وَرَأَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُنَا وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ اشْتِبَاهُ إنَاءِ بَوْلٍ كَمُتَنَجِّسٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ إنَاءٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْ آخَرَ وَيُصَلِّي يَفْعَلُ ذَلِكَ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَتْ الْأَوَانِي خَمْسَةً وَالنَّجِسُ مِنْهَا اثْنَانِ فَيَتَوَضَّأُ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا وَيُصَلِّي بِكُلِّ وُضُوءٍ صَلَاةً، وَإِنْ كَانَ النَّجِسُ ثَلَاثَةً تَوَضَّأَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا وَصَلَّى بِكُلِّ وُضُوءٍ صَلَاةً، وَإِنْ كَانَ النَّجِسُ أَرْبَعَةً تَوَضَّأَ مِنْهَا جَمِيعَهَا وَصَلَّى، كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ.
(وَحَاصِلُ) مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ فِيمَا عَلِمْتَ: الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِسَحْنُونٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(الثَّانِي) كَالْأَوَّلِ بِزِيَادَةِ وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ بِالْمَاءِ الثَّانِي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِقَوْلِ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ زَادَ فِي التَّوْضِيحِ فِي نَقْلِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ.
(الثَّالِثُ) يَتَحَرَّى أَحَدَهُمَا وَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُصَلِّي وَتَحَرِّيهِ كَمَا يَتَحَرَّى فِي الْقِبْلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الرَّابِعُ كَقَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ إنْ قَلَّتْ الْأَوَانِي وَكَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ سَحْنُونٍ إنْ كَثُرَتْ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ.
(الْخَامِسُ) يَتْرُكُ الْجَمِيعَ وَيَتَيَمَّمُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُرِيقَهَا قَبْلَ تَيَمُّمِهِ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُرِيقُهَا وَيَتَيَمَّمُ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الْمَاءِ وَسَحْنُونٌ جَعَلَ وُجُودَهَا كَالْعَدَمِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَزْوُ الْبَاجِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ: التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْقَوْلِ الرَّابِعِ لِابْنِ الْقَصَّارِ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ مَسْلَمَةَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ إنَاءٍ وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ مِمَّا سَبَقَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ مُقَيِّدًا، فَقَالَ إلَّا أَنْ تَكْثُرَ الْمِيَاهُ فَلَا يَغْتَسِلُ ثَلَاثِينَ مَرَّةً اهـ. وَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ.
(الثَّانِي) ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي حَتَّى يَفْرُغَ فَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ يَتَطَهَّرُ بِالْجَمِيعِ ثُمَّ اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِعَدَدِ النَّجَسِ وَزِيَادَةِ إنَاءٍ مِثْلُ مَا قِيلَ: فِي الثِّيَابِ وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَهُ الْوُصُولُ إلَى تَعْيِينِ الطَّهَارَةِ، وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ وَهْمٌ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِظَاهِرٍ فَاسِدٍ وَقَبِلَهُ مَعَ يَسِيرِ تَقْيِيدِهِ إذْ لَا يَقُولُ أَحَدٌ فِي أَوَانٍ ثَلَاثٍ أَحَدُهَا نَجِسٌ: إنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي بِعَدَدِهَا اهـ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الْخِلَافُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَوَانٍ فِيهَا وَاحِدٌ نَجِسٌ فَمَا وَجْهُ التَّيَمُّمِ وَمَعَهُ مَاءٌ مُحَقَّقُ الطَّهَارَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَمَا وَجْهُ مَنْ يَقُولُ يُسْتَعْمَلُ الْجَمِيعُ وَنَحْنُ نَقْطَعُ إذَا اسْتَعْمَلَ إنَاءَيْنِ تَبْرَأُ ذِمَّتَهُ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُ النَّجِسِ مِنْ الطَّاهِرِ، أَوْ تَعَدَّدَ النَّجِسُ وَاتَّحَدَ الطَّاهِرُ اهـ.
(الثَّالِثُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ بِالْمَاءِ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ كَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْلَمَةَ يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ مِمَّا أَصَابَهُ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ بِالْمَاءِ الَّذِي بَعْدَهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا، وَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ غَسْلَ الْوُضُوءِ كَافِيًا فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى أَعْضَاءٍ طَاهِرَةٍ كَابْنِ الْجَلَّابِ، قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَالظَّاهِرُ مِنْ نَقْلِ الشُّيُوخِ أَنَّهُمَا مُخَالِفَانِ لِابْنِ مَسْلَمَةَ وَإِنَّمَا تَرَكَ الْغَسْلَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَجَاسَةِ مَا تَطْهُرُ بِهِ وَلِأَنَّ
الْأَصْلَ عَدَمُ التَّنْجِيسِ اهـ.
(قُلْتُ:) مَا ذَكَرَهُ أَخِيرًا هُوَ الظَّاهِرُ فِي تَوْجِيهِ تَرْكِ الْغَسْلِ إلَّا أَنَّ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلْوُضُوءِ ثَانِيَةً يُجْزِي عَنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِذَلِكَ فَيُشْكِلُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَا أَصَابَ غَيْرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ ابْنَ مَسْلَمَةَ قَالَ يَغْسِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَتَأَمَّلْهُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلَ ابْنِ مَسْلَمَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِثْلَهُ إلَّا الْغَسْلَ مِنْ الْإِنَاءِ الثَّانِي لِعَدَمِ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الْعِبَارَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَمَّا حَكَيْنَا قَوْلَ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَهِيَ عِبَارَةُ النَّوَادِرِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ مِمَّا قَبْلَهُ لِإِيهَامِهَا أَنَّ الْغَسْلَ مَقْصُورٌ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ بِمُتَنَجِّسٍ، أَوْ نَجِسٍ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِطَاهِرٍ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا وَيُصَلِّي صَلَاةً وَاحِدَةً قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الْخَامِسُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِعَدَدِ النَّجِسِ هُوَ حَيْثُ يَعْلَمُ عَدَدَ النَّجِسِ وَعَدَدَ الطَّاهِرِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي بِعَدَدِ الْجَمِيعِ أَيْ يُصَلِّي بِكُلِّ وُضُوءٍ صَلَاةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ.
(السَّادِسُ) تَقَدَّمَ أَنَّ أَحَدَ أَوْجُهِ الصُّورَةِ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَسِيرًا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ فَحُكْمُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِأَحَدِهِمَا وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يَتَوَضَّأَ بِالثَّانِي وَيُصَلِّيَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ شَاسٍ: مِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْيَقِينِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَاءً طَاهِرًا مُحَقَّقَ الطَّهَارَةِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّحَرِّي، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّوَضِّي بِعَدَدِ النَّجِسِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ إنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَنَصُّهُ إنْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ عَلَى فَاقِدِهِ بِنَجَسٍ فَفِي تَيَمُّمِهِ وَتَعَدُّدِ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ بِعَدَدِهِ وَوَاحِدٌ إلَى آخِرِهِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ يَعْنِي التَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ الظَّنُّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا التَّوَضُّؤُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ بِعَدَدِ النَّجِسِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ التَّطْهِيرَ بِمُتَحَقِّقِ الطَّهَارَةِ يَتَعَيَّنُ؛ لِأَنَّ إعَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَخِلَافِ مَا رُوِيَ فَتَرْكُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ اهـ.
وَقَدْ فَهِمَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ عَلَى هَذَا فَقَالَ: وَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ وَجَدَ مَاءً تَيَقَّنَ طَهُورِيَّتَهُ لَمْ يَجْتَهِدْ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلِلْأَصْحَابِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَذَكَرَهَا فَجَعَلَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ مَعَ عَدَمِ الْوُجُودِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى اسْتِعْمَالِ مَاءٍ مَشْكُوكٍ فِي نَجَاسَتِهِ فِي أَعْضَائِهِ وَثِيَابِهِ.
(الثَّامِنُ) إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ أَحَدِهِمَا عَمِلَ عَلَيْهِ إنْ بَيَّنَ وَجْهَ النَّجَاسَةِ، أَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ كَمَذْهَبِهِ وَإِلَّا فَلَا، نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ أُخْبِرَ بِطَهَارَةِ أَحَدِهَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ قَالَ لَا نَصَّ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجْرِي عَلَى مَا قَالُوا فِي النَّجَاسَةِ فَلَا يَقْبَلْهُ إلَّا بِأَحَدِ الشَّرْطَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَانْضَافَ إلَى ذَلِكَ خَبَرُ الْعَدْلِ فَيَسْتَعْمِلُهُ.
(قُلْتُ:) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي الْمَاءِ مَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ، أَوْ عَدَمَ طَهُورِيَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَبِلَ خَبَرَ الْوَاحِدِ.
(التَّاسِعُ) الْأَعْمَى كَالْبَصِيرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالِاجْتِهَادِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ كَالْبَصِيرِ، أَوْ لَا، قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الذَّخِيرَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاجْتِهَادُ.
(الْعَاشِرُ) إذَا أُهْرِيقَتْ الْأَوَانِي وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ لَا نَصَّ وَيَتَيَمَّمُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ زَادَ عَنْهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْبُدَاءَةِ بِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَاءِ الْمَشْكُوكِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي يَعْمَلُ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَإِنْ غَلَبَ
عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ تَرَكَهُ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فِي تَحْدِيدِ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الِاشْتِبَاهُ الِالْتِبَاسُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فَلَا بُدَّ هُنَاكَ مِنْ أَمَارَةٍ، أَوْ دَلِيلٍ فَلَيْسَ الِالْتِبَاسُ بِحَقِيقِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَمَارَاتِ.
(قُلْتُ:) وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ سَحْنُونٍ الْقَائِلَيْنِ بِالتَّحَرِّي، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ الْأَوَانِي إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَطَلَبِ عَلَامَةٍ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الطَّهَارَةَ اهـ. فَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ عَلَامَةٌ فَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِهِمَا أَنَّهُ يَتْرُكُ الْجَمِيعَ وَيَتَيَمَّمُ وَنَقَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ الْغَزَالِيِّ مُتَمِّمًا بِهِ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَوْلَ ابْنِ الْقَصَّارِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّانِي عَشَرَ) عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي لَوْ صَلَّى بِمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِنْ كَانَ إلَى الْيَقِينِ فِي اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَإِنْ تَغَيَّرَ إلَى الظَّنِّ فَيَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي نَقْضِ الظَّنِّ بِالظَّنِّ كَالْمُصَلِّي إلَى الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَخْطَأَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: عَلَى التَّحَرِّي، إنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِعِلْمٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَبِظَنٍّ قَوْلَانِ كَنَقْضِ ظَنِّ الْحَاكِمِ بِظَنِّهِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِعِلْمٍ عَمِلَ عَلَيْهِ لَا بِظَنٍّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) فِي تَوْجِيهِ الْأَقْوَالِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ هَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَ لَهَا مَأْخَذٌ مِنْ نَصٍّ يَمَسُّهَا أَوْ يُقَارِبُهَا وَإِنَّمَا اسْتَدَلُّوا بِعُمُومَاتٍ بَعِيدَةٍ، مِثْلُ مَا اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ التَّحَرِّي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2] ، وَأَصْحَابُ التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» اهـ. وَقَدْ وَجَّهَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِوُجُوهٍ نَذْكُرُ بَعْضَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ.
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فَلِأَنَّ الشَّخْصَ مَعَهُ مَاءٌ مُحَقَّقُ الطَّهَارَةِ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَيَقُّنِ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ إلَّا بِذَلِكَ وَلَمْ تُغْسَلْ الْأَعْضَاءُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهَا.
وَهُوَ وَجْهُ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ رَأَى الْغَسْلَ أَقْرَبَ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِلطَّهَارَةِ لِتَيَقُّنِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَبْلَ الْوُضُوءِ الثَّانِي.
وَوَجْهُ الثَّالِثِ الْقِيَاسُ عَلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ.
وَوَجْهُ الرَّابِعِ أَنَّ الْغَالِبَ مَعَ الْكَثْرَةِ إصَابَةُ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْقِلَّةِ وَلِأَنَّهُ مَعَ الْكَثْرَةِ يَشُقُّ اسْتِعْمَالُهَا.
وَأَمَّا مَعَ الْقِلَّةِ فَيَخِفُّ أَمْرُهَا.
وَوَجْهُ الْخَامِسِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَهُوَ هُنَا عَادِمٌ لَهُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ، وَإِلْزَامُ وُضُوءَيْنِ وَصَلَاتَيْنِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالتَّحَرِّي لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيهِمَا خِفَّةُ أَمْرِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ الِاخْتِلَافِ فِي إزَالَتِهَا، وَلَا كَذَلِكَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي اشْتِرَاطِ الْمُطْلَقِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا فَانْظُرْهُ.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ إنْ كَانَ الْقَائِلُ هُنَا بِالتَّحَرِّي يَقُولُ فِي الْأَوَانِي بِهِ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَمُشْكِلٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَنَّهُ يُصَلِّي بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ غَيْرَ جَازِمَةٍ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِمَا صَلَّى وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ إنْ نَوَى بِهَا الْفَرْضَ كَانَ ذَلِكَ رَفْضًا لِلْأُولَى، وَإِنْ نَوَى بِهَا النَّفَلَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَإِنْ نَوَى التَّفْوِيضَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِمَا صَلَّى لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ وَاحِدٍ فَلَا يَكْتَفِي بِدُونِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَنِيَّتُهُ جَازِمَةٌ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُهُ وَهُوَ لَازِمٌ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَدْرِي عَيْنَهَا وَهَذَا وَهْمٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَبِهَذَا يَسْقُطُ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الثَّانِيَةَ إنْ نَوَى بِهَا الْفَرْضَ كَانَ ذَلِكَ رَفْضًا لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَجْمُوعِ فَرْضُهُ، وَبِهِ يَسْقُطُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْوِيضِ اهـ.
وَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ
صَاحِبُ الْجَمْعِ بِهِ يُجَابُ عَنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ فِي الثِّيَابِ.
(السَّادِسَ عَشَرَ) إذَا اشْتَبَهَتْ الْأَوَانِي عَلَى رَجُلَيْنِ فَأَكْثَرَ فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ فَيَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْأَوَانِي بِعَدَدِ النَّجِسِ وَيُصَلُّونَ وَيَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فَإِنْ اتَّفَقَ تَحَرِّيهِمْ عَلَى إنَاءٍ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ فَتَحَرَّى كُلُّ وَاحِدٍ خِلَافَ مَا تَحَرَّاهُ الْآخَرُ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَمْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمْ بِصَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَطَهَّرَ لَهَا بِالْمَاءِ الَّذِي خَالَفَهُ فِيهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَثُرَتْ الْأَوَانِي وَكَثُرَ الْمُجْتَهِدُونَ وَاخْتَلَفُوا فَكُلُّ مَنْ ائْتَمَّ مِنْهُمْ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ مَا نَصُّهُ: عَدَمُ الِائْتِمَامِ عِنْدِي مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الطَّاهِرُ مِنْهَا وَاحِدًا.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّاهِرُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَجَازَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ إذْ لَا يَجْزِمُ بِخَطَأِ إمَامِهِ هَذَا إنْ كَانَ مَذْهَبُهُ تَصْوِيبَ الْمُجْتَهِدِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الصَّوَابَ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَثُرَتْ الْأَوَانِي فَلَا يَمْتَنِعُ الِائْتِمَامُ إلَّا بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَطَهَّرَ بِالنَّجِسِ، وَقَدْ بَحَثَ صَاحِبُ الْجَمْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَطَالَ.
(السَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ذَكَرَ فِي الْجَوَاهِرِ فَرْعًا مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ لَوْ كَانَ مَعَهُ إنَاءَانِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُمَا وَصَلَّى عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ طَهَارَتُهُ بَاقِيَةً وَهُوَ يَعْلَمُ الْإِنَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ آخِرًا صَلَّى صَلَاةً بِالطَّهَارَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ مِنْ الْإِنَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا وَصَلَّى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ، أَوْ كَانَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَعْلَمْ الْإِنَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ آخِرًا تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءَيْنِ كَمَا فَعَلَ أَوَّلًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ مِنْ الْإِنَاءِ الَّذِي يَبْتَدِئُ الْآنَ مِنْهُ الطَّهَارَةَ.
(قُلْتُ:) مَا ذَكَرَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَنَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ عَرَفَ الْآخَرَ وَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَلَا يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ النَّوَادِرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ إجْرَاءٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ نَصٌّ عَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَفَرَّعُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَصَّ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ: " غَسَلَ أَعْضَاءَهُ مِنْ الْإِنَاءِ الثَّانِي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ " وَرَأَى أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ ثُمَّ يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ خَاصَّةً ثُمَّ يُصَلِّيَ وَرَوَى بَعْضُ أَشْيَاخِي أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ جَرَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ وَمَذْهَبُهُ صِحَّةُ رَفْضِ الطَّهَارَةِ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ رَفَضَ الطَّهَارَةَ الْأُولَى، قَالَ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَحْقِيقٍ يَطُولُ الْكَلَامُ مِنْ أَجْلِهَا انْتَهَى.
وَلَعَلَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَمْعِ ذَكَرَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْإِشْكَالَ فَحَكَى لَهُ أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ أَوْرَدَهُ عَلَى ابْنِ جَمَاعَةَ التُّونُسِيّ حِينَ وَصَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةِ وَأَنَّ ابْنَ جَمَاعَةَ جَاوَبَهُ بِالْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ثُمَّ بَحَثَ فِي الْجَوَابِ وَأَطَالَ.
وَمِمَّا يَرُدُّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورِ أَنَّ سَحْنُونًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ ذَكَرَاهُ أَيْضًا وَلَيْسَ مَذْهَبُهُمَا الرَّفْضَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْجَوَابُ لَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ الثَّانِي مَلْزُومًا لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْتَزَمَ رَفْضَ الْأَوَّلِ نِيَّةً وَفِعْلًا فَتَأَمَّلْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ أَحْدَثَ بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ غَسْلُ إنَاءِ مَاءٍ وَيُرَاقُ لَا طَعَامٌ وَحَوْضٌ سَبْعًا) ش: لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَبَيَّنَ مَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ
وَحُكْمَ الشَّكِّ تَعَرَّضَ هُنَا لِحُكْمِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ إذْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ وَتَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَهَلْ هُوَ لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ تَعَبُّدٌ فَحَسُنَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ذِكْرُهُ بِأَثَرِ الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهَا بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَفِي الْمُوَطَّإِ وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ: إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» هَذَا لَفْظُ الْمُوَطَّإِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَبْعًا، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ» ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» ، وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ السَّابِعَةَ بِالتُّرَابِ» وَرُوِيَ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ النَّدْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ النَّدْبِ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ لِلْوُجُوبِ وَلَكِنْ هُنَا قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ لِلْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَهِيَ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ النَّدْبُ، أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَلَغَ الْكَلْبُ فِي لَبَنٍ، أَوْ طَعَامٍ أُكِلَ وَلَا يُغْسَلُ مِنْهُ الْإِنَاءُ، وَإِنْ كَانَ يُغْسَلُ سَبْعًا لِلْحَدِيثِ فَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ وَكَانَ يُضَعِّفُهُ، وَقَالَ قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ وَكَانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ السِّبَاعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَعْنَى يُضَعِّفُ الْوُجُوبَ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ عِيَاضٌ: تُنُوزِعَ كَثِيرًا فِي الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ يُضَعِّفُهُ فَقِيلَ: أَرَادَ تَضْعِيفَ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَعَارَضَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، وَقِيلَ: أَرَادَ تَضْعِيفَ الْوُجُوبَ، وَقِيلَ: تَوْقِيتَ الْعَدَدِ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ الْوُجُوبَ كَمَا نَحَا إلَيْهِ الْقَابِسِيُّ انْتَهَى.
وَمَا اخْتَارَهُ عِيَاضٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ الْأَشْهَرُ وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمُعَارَضَةُ الْآيَةِ مُنْتَفِيَةٌ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ بَعْدَ غَسْلِ الصَّيْدِ، أَوْ تَقْيِيدِ الْحَدِيثِ بِالْمَاءِ فَقَطْ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَفَهِمَ سَنَدٌ الِاسْتِحْبَابَ إنْ كَانَ نَفْيُ الْمَاءِ وَحْدَهُ قَالَ: فَإِنَّهُ يُقِيمُ مِنْهُ التَّرْخِيصَ وَعَدَمَ التَّحَتُّمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ وَالْوُجُوبَ رِوَايَتَانِ، قَالَ: وَفِي وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ رِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُمَا مُسْتَنْبَطَانِ فَالِاسْتِحْبَابُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَالْوُجُوبُ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ كَابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ: وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ لِوُلُوغِ الْكَلْبِ مِنْ مَائِهِ سَبْعًا نَدْبًا وَرُوِيَ وُجُوبًا وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّدْبِ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْوَافِي، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ إنَاءُ مَاءٍ يَعْنِي أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْغَسْلِ مُخْتَصٌّ بِمَا إذَا وَلَغَ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ.
وَأَمَّا إذَا وَلَغَ فِي إنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ، أَوْ مَا لَيْسَ فِي إنَاءٍ بَلْ فِي حَوْضٍ، أَوْ بِرْكَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْدَبُ غَسْلُ إنَاءِ الطَّعَامِ، وَلَا الْحَوْضِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُغْسَلُ إنَاءُ الطَّعَامِ أَيْضًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: بَنَى الْمَازِرِيُّ الْخِلَافَ عَلَى خِلَافِ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ إذْ الْغَالِبُ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الْمَاءِ لَا الطَّعَامِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَنَّ الْوُلُوغَ هَلْ يَخْتَصُّ بِالْمَاءِ، أَوْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ وَجَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ بِبِنَائِهِ عَلَى الثَّانِي وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الثَّانِيَ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَوَجَّهَ سَنَدٌ الْمَشْهُورَ بِأَنَّ الْغَسْلَ تَعَبُّدٌ؛ لِأَنَّ لُعَابَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ فَيَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ» إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْأَغْلَبِ وَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْأَوَانِيَ الَّتِي تَبْتَذِلُهَا الْكِلَابُ هِيَ أَوَانِي الْمَاءِ لَا أَوَانِي الزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَشِبْهِهِ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهَا مُصَانَةٌ فِي الْعَادَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَى غَسْلِ إنَاءِ الطَّعَامِ فِي طَرْحِهِ ثَالِثُهَا إنْ قَلَّ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ رِوَايَتَيْ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَازِرِيِّ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُطْرَحُ، وَلَوْ عُجِنَ بِمَائِهِ طُرِحَ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ أَدْخَلَهَا الْمُكَلَّفُ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ: إذَا قُلْنَا بِغَسْلِ إنَاءِ الطَّعَامِ فَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ جَامِدًا فَلَحِسَ مِنْهُ الْكَلْبُ هَلْ يُغْسَلُ اعْتِبَارًا بِالْمَائِعِ، أَوْ لَا يُغْسَلُ كَمَا لَوْ خَطَفَ سَهْمَ لَحْمٍ مِنْ الْجِيفَةِ، أَوْ طَائِرًا وَقَعَ فِي إنَاءٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُغْسَلُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ وُلُوغًا بِخِلَافِ مَا خَطِفَهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِغَسْلِ جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ فِي إنَاءِ الطَّعَامِ.
وَأَمَّا الْحَوْضُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْغَسْلُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنَاءِ فَلَوْ وَلَغَ فِي حَوْضٍ لَمْ يُغْسَلْ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَعْرِفُهُ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِنَاءَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ الْأَعَمُّ الْأَغْلَبُ وَقَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ.
(قُلْتُ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ قَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ: وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ فِي الْوَقْتِ قَالَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يُعْجِبُنِي ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ بِهِ إنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْكَثِيرِ كَالْحَوْضِ وَنَحْوِهِ، وَفِي آخِرِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ الْحِيَاضِ وَإِنْ كَانَتْ الْكِلَابُ تَشْرَبُ مِنْهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ لِقَوْلِ عُمَرَ لَا تَضُرُّنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابًا وَطَهُورًا» وَالْكَلْبُ أَيْسَرُ مُؤْنَةً مِنْ السِّبَاعِ إذْ قِيلَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يُوقَنَ أَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْجَلَّابِ أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ مَكْرُوهَانِ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي خَطْمِهِمَا نَجَاسَةٌ وَمَعْنَاهُ إذَا شَرِبَ مِنْ الْمَاءِ الْيَسِيرِ.
وَأَمَّا إذَا شَرِبَ مِنْ الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَمِنْ الْحَوْضِ فَلَا وَجْهُ لِلْكَرَاهَةِ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قَصْرُ الْغَسْلِ عَلَى إنَاءِ الْمَاءِ صَوَابٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَبُّدِ ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ وَلَغَ فِي حَوْضٍ، أَوْ نَهْرٍ لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ فَيَضْعُفُ الْخِلَافُ أَوْ لِلْحَمْلِ عَلَى الْغَالِبِ انْتَهَى.
فَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرَاقَةَ وَكَرَاهَةَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَغَسْلَ الْإِنَاءِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي إنَاءِ الْمَاءِ لَا فِي الْحَوْضِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الْجَمْعِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: " وَيُرَاقُ " يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْإِنَاءِ بَعْدَ أَنْ يُرَاقَ الْمَاءُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاقَ الْمَاءُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَلَا يُرَاقُ الطَّعَامُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ بِاسْتِجَازَةِ طَرْحِ الْمَاءِ قَالَ وَأَرَاهُ عَظِيمًا أَنْ يُعْمَدَ إلَى رِزْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَيُلْقَى لِكَلْبٍ وَلَغَ فِيهِ، وَقِيلَ: يُرَاقُ الْمَاءُ وَالطَّعَامُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِنَاءً عَلَى التَّعْلِيلِ بِالنَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: لَا يُرَاقَانِ لِلتَّعَبُّدِ وَنُسِبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: سُؤْرُ الْمَأْذُونِ طَاهِرٌ وَسُؤْرُ غَيْرِهِ نَجِسٌ، وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَدْوِيِّ فَيُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالْحَضَرِيِّ فَيُحْمَلُ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: يَسِيرُ الْمَاءِ كَالطَّعَامِ وَلَا يُرَاقُ الْحَوْضُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا.
(فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَهَلْ يُشْرِبُ ذَلِكَ الْمَاءُ وَيُؤْكَلُ مَا عُجِنَ بِهِ؟ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْلَ تَعَبُّدٌ، أَوْ لِتَشْدِيدِ النَّهْيِ جَازَ، وَإِنْ قُلْنَا لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ لِلْقَذَارَةِ، أَوْ مَخَافَةَ الْكَلْبِ مُنِعَ انْتَهَى.
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعًا تَعَبُّدًا يَجُوزُ شُرْبُهُ، وَلَا يَنْبَغِي الْوُضُوءُ بِهِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ لِلْخِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ وَعَلَى أَنَّ لِلنَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ بِالْمَاءِ الْمَوْلُوغِ فِيهِ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: قَالَ الْقَزْوِينِيُّ: لَا أَعْلَمُ لِأَصْحَابِنَا نَصًّا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُجْزِي لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُغْسَلُ لِلنَّجَاسَةِ
لَا يَجُوزُ غَسْلُ الْإِنَاءِ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَبُّدِ لَا يَنْبَغِي غَسْلُ الْإِنَاءِ بِهِ إذَا وَجَدَ غَيْرَهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَقِيلَ إنَّهُ يَغْسِلُ الْإِنَاءَ بِهِ كَمَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ الْإِنَاءَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ أَنْ يُغْسَلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَاءِ وَيَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ هَذَا أَنْ يُغْسَلَ مِنْ مَاءٍ غَيْرِهِ قَدْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ الْإِنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ فَإِنْ غَسَلَهُ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بِهِ يُجْزِيهِ فَمَا يَصِحُّ بِهِ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ غَسْلُ الْإِنَاءِ، وَمَنْ يَقُولُ إنَّهُ نَجِسٌ يَقُولُ إنَّهُ لَا يُجْزِيهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُغْسَلُ بِهِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ فَلْيُرِقْهُ وَيَغْسِلْهُ سَبْعًا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُغْسَلُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ تَعَبُّدًا إلَّا لِلنَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فَارَقَ سُؤْرُ الْكَلْبِ سُؤْرَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ سَبْعًا وَفِي إرَاقَتِهِ وَكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ بِهِ وَإِنْ عُلِمَتْ طَهَارَتُهُ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ إنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَةُ فَمِهِ فَلَا يُرَاقُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ سُؤْرَهُ أَخَفُّ مِنْ سُؤْرِ غَيْرِهِ وَأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ.
ص (تَعَبُّدًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْغَسْلَ الْمَذْكُورَ تَعَبُّدٌ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ لِطَهَارَةِ الْكَلْبِ وَقِيلَ لِقَذَارَتِهِ، وَقِيلَ: لِنَجَاسَتِهِ وَعَلَيْهِمَا فَكَوْنُهُ سَبْعًا قِيلَ: تَعَبُّدًا وَقِيلَ لِتَشْدِيدِ الْمَنْعِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ نُهُوا فَلَمْ يَنْتَهُوا قَبْلَهُ وَهَذَا غَيْرُ لَائِقٍ بِالصَّحَابَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْضُ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْإِسْلَامُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَشْدِيدِ الْمَنْعِ وَكَوْنِهِمْ نُهُوا فَلَمْ يَنْتَهُوا أَنَّ الْأَوَّلَ تَشْدِيدُ ابْتِدَاءٍ وَالثَّانِيَ تَشْدِيدٌ بَعْدَ تَسْهِيلٍ وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ كَوْنَ الْمَنْعِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ كَلْبًا فَيَكُونَ قَدْ دَاخَلَ مِنْ لُعَابِهِ الْمَاءَ مَا يُشْبِهُ السُّمَّ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّ السَّبْعَ مِنْ الْعَدَدِ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ التَّدَاوِي لَا سِيَّمَا فِيمَا يُتَوَقَّى مِنْهُ السُّمُّ، وَقَدْ قَالَ فِي مَرَضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ» ، وَقَالَ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ» ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِنَقْلِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ الْكَلْبَ يَمْتَنِعُ مِنْ وُلُوغِ الْمَاءِ، وَأَجَابَ حَفِيدُهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ الْكَلْبُ أَمَّا فِي أَوَائِلِهِ فَلَا.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ التَّعَبُّدَ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مَعَ أَنَّا نَجْزِمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حِكْمَتِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّا اسْتَقْرَيْنَا عَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَدْنَاهُ جَالِبًا لِلْمَصَالِحِ دَارِئًا لِلْمَفَاسِدِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: إذَا سَمِعْت نِدَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ إنَّمَا يَدْعُوكَ لِخَيْرٍ أَوْ يَصْرِفُكَ عَنْ شَرٍّ كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَاتِ لِسَدِّ الْخَلَّاتِ وَأَرْشِ جَبْرِ الْجِنَايَاتِ الْمُتْلِفَاتِ وَتَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسُّكْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ صَوْنًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَنْسَابِ وَالْعُقُولِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ عَنْ الْمُفْسِدَاتِ وَيُقَرِّبُ لَك مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِثَالٌ فِي الْخَارِجِ: إذَا رَأَيْنَا مَلِكًا عَادَتُهُ يُكْرِمُ الْعُلَمَاءَ وَيُهِينُ الْجُهَّالَ ثُمَّ أَكْرَمَ شَخْصًا غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ عَالِمٌ فَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إذَا شَرَعَ حُكْمًا عَلِمْنَا أَنَّهُ شَرَعَهُ لِحِكْمَةِ ثُمَّ إنْ ظَهَرَتْ لَنَا فَنَقُولُ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ فَنَقُولُ هُوَ تَعَبُّدٌ انْتَهَى.
ص (بِوُلُوغِ كَلْبٍ مُطْلَقًا لَا غَيْرِهِ) . ش يَعْنِي أَنَّ الْغَسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ سَبَبُ وُلُوغِ الْكَلْبِ فَقَطْ فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يُغْسَلْ خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ عِنْدَنَا تَعَبُّدٌ وَعِنْدَهُ لِلنَّجَاسَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ غَالِبُ ظَنِّي أَنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قَالَ سَنَدٌ: لَا يَتَنَزَّلُ إدْخَالُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مَنْزِلَةَ الْوُلُوغِ، وَفِي ابْنِ عَاتٍ يَتَنَزَّلُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ، أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَغْسِلْهُ وَنَقَلَهُ خَلِيلٌ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَذْهَبِ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) نَقَلَهُ سَنَدٌ وَنَصُّهُ: وَالْغَسْلُ مُتَعَلِّقٌ
بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فَقَطْ، وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَمْ يُغْسَلْ سَبْعًا خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ إذَا لَعِقَ الْكَلْبُ يَدَ أَحَدِكُمْ لَا يَغْسِلُهَا.
وَيُقَالُ: وَلَغَ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وُلُوغًا بِضَمِّ الْوَاوِ إذَا شَرِبَ.
أَبُو عُبَيْدَةَ فَإِذَا شَرِبَ كَثِيرًا فَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَيُسْتَعْمَلُ الْوُلُوغُ فِي الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْآدَمِيِّ وَيُسْتَعْمَلُ الشُّرْبُ فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّيْرِ يَلَغُ إلَّا الذُّبَابُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا يَعْنِي أَنَّ الْغَسْلَ لَا يَخْتَصَّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ بَلْ يَغْسِلُ مِنْ وُلُوغِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَافِي قَالَهُ السَّيِّدُ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْكِتَابِ لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ، أَوْ لِلْعَهْدِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ ثَالِثًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ زَرْقُونٍ بِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْحَضَرِيِّ وَعَزَيَاهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ وَتَفْسِيرُ اللَّخْمِيّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ ثَالِثًا يَعْنِي أَنَّ اللَّخْمِيَّ فَسَّرَ الْحَضَرِيَّ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الْحَضَرِ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا مَنْهِيًّا عَنْ اتِّخَاذِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " لَا غَيْرِهِ " يَعْنِي أَنَّ الْغَسْلَ خَاصٌّ بِالْكَلْبِ فَلَا يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يُلْحَقُ بِهِ الْخِنْزِيرُ وَهُمَا رِوَايَتَانِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّعَبُّدِ، أَوْ لِلْقَذَارَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِذَا أُلْحِقَ بِهِ الْخِنْزِيرُ فَيُلْحَقُ بِهِ سَائِرُ السِّبَاعِ لِاسْتِعْمَالِهَا لِلنَّجَاسَةِ وَانْدِرَاجِهَا فِي الِاسْمِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ فَعَدَا عَلَيْهِ الْأَسَدُ فَأَكَلَهُ» .
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ هَارُونَ وَانْظُرْ لَوْ نَشَأَ وَلَدٌ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِالْكَلْبِ قَالَ وَالْأَحْوَطُ وُجُوبُ الْغَسْلِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِتَبَعِيَّةِ أُمِّهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ لِقَوْلِهِ: كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا.
ص (عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ)
ش: أَيْ لَا يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ الْإِنَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْأَكْثَرِ وَلِرِوَايَةِ عَبْدِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ بِفَوْرِ الْوُلُوغِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِتَخْرِيجِ الْمَازِرِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَلِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبَنَى ابْنُ رُشْدٍ وَعِيَاضٌ الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ تَعَبُّدٌ فَيَجِبُ عِنْدَ الْوُلُوغِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُؤَخَّرُ، أَوْ لِلنَّجَاسَةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُبْنَى الْخِلَافُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَمْرِ هَلْ هُوَ لِلْفَوْرِ، أَوْ لِلتَّرَاخِي؟ اهـ.
قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الذَّخِيرَةِ تَرْجِيحُ الثَّانِي لِتَقْدِيمِهِ إيَّاهُ، قَالَ: وَانْظُرْ هَلْ مُرَادُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ هَلْ يُغْسَلُ فَوْرًا، أَوْ عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ مُرَادُهُ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ اسْتِعْمَالُهُ غُسِلَ عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ اتَّصَلَ الِاسْتِعْمَالُ بِالْقَصْدِ، أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ؟ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ اسْتِعْمَالَهُ فَإِنَّهُ لَا يُغْسَلُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ الْآخَرُ يُغْسَلُ وَلَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ كُسِرَ لَزِمَ غَسْلُ شِقَاقِهِ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ اهـ. وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرُبَّمَا بِمَا ذُكِرَ فِي ثَمَرَةِ الْخِلَافِ هُنَا هَلْ يَلْزَمُ غَسْلُ الْإِنَاءِ إذَا كُسِرَ وَفِيهِ بُعْدٌ اهـ. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَالَ سَنَدٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ غَسْلُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِفَوْرِ الْوُلُوغِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ غَسْلَهُ إنَّمَا يُرَادُ لِيُسْتَعْمَلَ أَرَأَيْت لَوْ كُسِرَ بَعْدَ الْوُلُوغِ أَكَانَ يُغْسَلُ شِقَاقُهُ؟ اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ بِغَسْلِ شِقَاقِهِ، فَتَأَمَّلْهُ.
ص (بِلَا نِيَّةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ النِّيَّةُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ قَالَا وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ التَّعَبُّدُ إلَى النِّيَّةِ
إذَا فَعَلَهُ الشَّخْصُ فِي نَفْسِهِ أَمَّا هَذَا وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَمَا شَابَهَهُمَا فَلَا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ قِيَاسًا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي النَّضْحِ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْغَسْلَ هُنَا يُزِيلُ اللُّعَابَ فَالنَّضْحُ لَا يُزِيلُ شَيْئًا فَكَانَ تَعَبُّدًا بِخِلَافِ إنَاءِ الْكَلْبِ وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ قَالَ: فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ فِي الْمَاءِ فَهَلْ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعًا، أَوْ بِحَسَبِ الْمَاءِ الَّذِي أَلْقَاهُ فِيهِ وَاسْتَعْمَلَهُ مَرَّةً فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ قَالَ الْبَاجِيُّ لَا نِيَّةَ وَهَلْ يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ قِيَاسًا عَلَى النَّضْحِ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، الْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ.
(فَرْعٌ) آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ غَسْلِهِ لَا يَسْقُطُ الْغَسْلُ، وَلَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ طَهَارَتُهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) هَلْ يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَالظَّاهِرُ عَلَى أُصُولِنَا الِاشْتِرَاطُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ عِنْدَنَا لَا تَتِمُّ حَقِيقَتُهُ إلَّا بِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ لَا نَصَّ إنْ أَرَادَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَمَمْنُوعٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ لَكِنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فَقَالَ: فَرْعٌ وَإِذَا شُرِطَ فِيهِ النِّيَّةُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ الْحَكُّ بِالْيَدِ كَمَا يُشْتَرَطُ التَّدَلُّكُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ أَوْ يُجْزِي تَمَضْمُضُهُ بِالْمَاءِ؟ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ أَصْلًا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يُشْتَرَطُ دَلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ فِيهِ خَرَجَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ غَسْلِ الْأَوَانِي، وَقَدْ يُطْلَقُ الْغَسْلُ مِنْ غَيْرِ دَلْكٍ يُقَالُ: غَسَلَتْ السَّمَاءُ الْأَرْضَ بِالْمَطَرِ اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَا يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ، وَفِي كَلَامِهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِهَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَإِنَّهُ الْمَذْهَبُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي أَنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْغُسْلِ فَقِيلَ: هُوَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ، وَقِيلَ: هُوَ إمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ، أَوْ عَرْكُ الْمَحَلِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَبُّ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ شَيْءٍ فَإِذَا زَالَ كَانَ غُسْلًا وَكَانَ الْمَحَلُّ مَغْسُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ غَسْلَ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُزَالُ؟ اهـ.
ص (وَلَا تَتْرِيبَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ تَتْرِيبَ الْإِنَاءِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ قَالَهُ عِيَاضٌ، أَوْ لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَفِي بَعْضِهَا إحْدَاهُنَّ، وَفِي بَعْضِهَا أُولَاهُنَّ وَبَعْضُهَا فِي أُخْرَاهُنَّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِالتَّعْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ.
ص (وَلَا يَتَعَدَّدُ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ) ش: أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ الْمَذْكُورُ بِتَعَدُّدِ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ، وَلَا بِتَعَدُّدِ الْكِلَابِ فَلَوْ وَلَغَ كَلْبٌ فِي إنَاءٍ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أَوْ وَلَغَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْكِلَابِ فِي إنَاءٍ كَفَى فِي ذَلِكَ سَبْعُ غَسَلَاتٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إذَا تَسَاوَتْ مُوجِبَاتُهَا اُكْتُفِيَ بِأَحَدِهَا كَتَعَدُّدِ النَّوَاقِضِ فِي الطَّهَارَةِ وَالسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَمُوجِبَاتِ الْحُدُودِ، وَقِيلَ يَتَعَدَّدُ حَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا نَصَّ فِيهِ وَالْأَظْهَرُ فِيهِ عَدَمُ التَّكَرُّرِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ حِكَايَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَتَعَدَّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ سَنَدٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: عَدَمُ التَّعَدُّدِ يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِالنَّجَاسَةِ وَالِاسْتِقْذَارِ، وَالتَّعَدُّدُ يُنَاسِبُ مَنْ قَالَ بِالتَّعَبُّدِ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ مَا قَالَ، وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْكَلْبِ هَلْ هِيَ لِلْمَاهِيَّةِ، أَوْ لِلْجِنْسِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَكَرَّرُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَتَكَرَّرُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي الصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِعَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ وَبِالتَّعَدُّدِ فِي وُلُوغِ الْكِلَابِ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ وَفَضَائِلَهُ]
ص (فَصْلٌ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ، وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ)
ش أَيْ هَذَا فَصْلٌ أَذْكُرُ فِيهِ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَسُنَنَهُ وَفَضَائِلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْقَضَى كَلَامُهُ عَلَى وَسَائِلِ الطَّهَارَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ بَيَانُ الْمَاءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَبَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، وَبَيَانُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ إزَالَتِهَا وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ الْوُضُوءُ، وَنَوَاقِضُهُ، وَالْغُسْلُ، وَنَوَاقِضُهُ وَمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ أَوْ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْفُصُولُ الثَّلَاثَةُ وَسَائِلَ؛ لِأَنَّ بِمَعْرِفَتِهَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَوَسِيلَةُ الشَّيْءِ مَا يُوصِلُ إلَيْهِ وَبَدَأَ مِنْ الْمَقَاصِدِ بِالْوُضُوءِ لِتَكَرُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ إمَّا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا.
وَالْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَهِيَ الْأَمْرُ الَّذِي يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: فَرْضٌ وَيُجْمَعُ عَلَى فُرُوضٍ، وَيُطْلَقُ الْفَرْضُ شَرْعًا عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ وَجَوَازُ الْإِتْيَانِ بِهَا كَوُضُوءِ النَّافِلَةِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَيُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ بِدُونِهِ، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ مَعَ تَرْكِ الْعِبَادَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ.
وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ الْفَتْحُ فِيهِمَا وَعَنْ غَيْرِهِ الضَّمُّ فِيهِمَا وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ.
حَكَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدِّ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ، وَيُطْلَقُ الْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى غَسْلِ عُضْوٍ فَمَا فَوْقَهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْيَدِ وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا مَا إذَا أَصَابَهَا أَذًى مِنْ عَرَقٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ وَيُصَحِّحُ الْبَصَرَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَمْعِ وَذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: وَيُصَحِّحُ الْبَصَرَ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ غَسْلُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
فَوَائِدُ: (الْأُولَى) اُخْتُلِفَ مَتَى فُرِضَتْ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ فُرِضَتْ الصَّلَاةُ وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ فَهَمَزَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَقِبِهِ فَتَوَضَّأَ وَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ: كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ سُنَّةً ثُمَّ فُرِضَتْ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ.
نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَكَلَامُ الْقَاضِي أَتَمُّ فَلْيُنْظَرْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوُضُوءِ: جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يُشَرَّعْ إلَّا بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
(الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ فِي غَزْوَةِ السَّوِيقِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا مَا نَصُّهُ فِيهِ أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ بَقَايَا دِينِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا بَقِيَ فِيهِمْ الْحَجُّ وَالنِّكَاحُ، وَلِذَلِكَ سَمَّوْهَا جَنَابَةً، وَقَالُوا: رَجُلٌ جُنُبٌ لِمُجَانَبَتِهِمْ الْبَيْتَ الْحَرَامَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَلِذَلِكَ عَرَفُوا مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْقُرْآنِ أَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَلَمْ يَحْتَاجُوا إلَى تَفْسِيرِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مُحْدِثًا فَلْيَتَوَضَّأْ، بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ فَبَيَّنَ الْوُضُوءَ وَأَعْضَاءَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَسَبَبَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ فِي الْجَنَابَةِ انْتَهَى.
(الثَّالِثَةُ) قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَعَارَضَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَالْأُمَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ لَا بِالْوُضُوءِ (وَأُجِيبَ) بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ أَنَّهُ اخْتَصَّتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ دُونَ أُمَمِهَا إلَّا أُمَّةَ
مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ حَجَرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
(قُلْتُ) : وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فِي حَدِيثِ جُرَيْجٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فَيَتَّجِهُ حُجَّةً عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا وَتَصْحِيحٌ لِتَأْوِيلِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، فَتَحَصَّلَ مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، وَاخْتُلِفَ فِي اخْتِصَاصِهَا بِهِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اخْتِصَاصِهَا.
وَالسِّيمَا بِكَسْرِ السِّينِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ: الْعَلَامَةُ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ قَوْلَ الْأَصِيلِيِّ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعَةُ) الْوُضُوءُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ فَرْضٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَمُبَاحٌ، وَمَمْنُوعٌ.
(فَالْوُضُوءُ الْفَرْضُ) لِكُلِّ عِبَادَةٍ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فَرْضُهُمَا وَنَفْلُهُمَا وَلَمْسُ الْمُصْحَفِ، وَقِيلَ: إنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّفْلِ مِنْهُمَا وَمَسَّ الْمُصْحَفِ سُنَّةٌ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَرُدَّ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ وَأَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ تِلْكَ النَّافِلَةُ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا بَلْ عَدَّ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ فِيمَا يَكْفُرُ بِهِ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، (وَالْمُسْتَحَبُّ) الْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إذَا كَانَ قَدْ فُعِلَتْ بِهِ عِبَادَةٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَوُضُوءُ الْإِمَامِ لِخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: فَرِيضَةٌ وَالْوُضُوءُ لِلْأَذَانِ وَالْإِقَامَةُ وَلِلنَّوْمِ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا، وَقِيلَ: إنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ سُنَّةٌ وَلِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا، وَلِقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَلِاسْتِمَاعِهِمَا، وَلِلدُّعَاءِ، وَالْمُنَاجَاةِ، وَلِلذِّكْرِ، وَلِصَاحِبِ السَّلَسِ، وَمِنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا كَانَ إتْيَانُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَيَا كَمَا سَيَأْتِي، وَلِأَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلِّهَا مَا عَدَا الطَّوَافَ وَالصَّلَاةَ فَيَجِبُ لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ لِلْجُنُبِ إلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ خِلَافًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ: وَمَحْمَلُ الْحَدِيثِ فِي أَمْرِ الْجُنُبِ بِالْوُضُوءِ لِلْأَكْلِ عِنْدَنَا عَلَى غَسْلِ الْيَدِ وَهَلْ ذَلِكَ لِأَذًى أَصَابَهَا؟ (وَالْمُبَاحُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: هُوَ الْوُضُوءُ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَلِرُكُوبِ الْبَحْرِ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمَخَاوِفِ، وَلِيَكُونَ الشَّخْصُ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَا يُرِيدُ بِهِ صَلَاةً يَعْنِي اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ يُرِيدُ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ فِي هَذَا كُلِّهِ: إنَّهُ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ.
(قُلْتُ) وَجَزَمَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ لِذَلِكَ وَزَادَ وَلِقِرَاءَةِ الْعِلْمِ.
قَالَ: وَالْمُبَاحُ الْوُضُوءُ لِلتَّنْظِيفِ وَالتَّبَرُّدِ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بِاسْتِحْبَابِهِ لِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: مِنْ الْمُبَاحِ الْوُضُوءُ لِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا كُلِّهِ الِاسْتِحْبَابُ مَا عَدَا التَّنْظِيفَ وَالتَّبَرُّدَ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ التَّنْظِيفَ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا شَرْعًا لَمْ يُطْلَبْ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِخُصُوصِهَا لَهُ.
وَحَدِيثُ «بُنِيَ الدِّينُ عَلَى النَّظَافَةِ» ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا وَفِي الضُّعَفَاءِ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «تَنَظَّفُوا فَإِنَّ الْإِسْلَامَ نَظِيفٌ» وَلِلطَّبَرَانِيِّ سَنَدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا «النَّظَافَةُ تَدْعُو إلَى الْإِيمَانِ» انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ» الْحَدِيثَ.
وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ إيَاسٍ وَهُوَ مُضَعَّفٌ (وَالْوُضُوءُ الْمَمْنُوعُ) هُوَ الْمُحَدَّدُ قَبْلَ أَنْ تُفْعَلَ بِهِ عِبَادَةٌ، وَالْوُضُوءُ لِغَيْرِ مَا شُرِّعَ لَهُ الْوُضُوءُ أَوْ أُبِيحَ.
وَجَعَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ جُزَيٍّ وَالشَّبِيبِيُّ الْوُضُوءَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ وَزَادُوا الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ وَعَدُّوا فِيهِ وُضُوءَ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ، وَزَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضُوءَ النَّافِلَةِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَالْمَشْهُورُ فِي الْأَوَّلَيْنِ الِاسْتِحْبَابُ، وَفِي وُضُوءِ النَّافِلَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ الْفَرِيضَةُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُ هَذَا الْقِسْمَ.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: الْوُضُوءُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ بِلَا خِلَافٍ
وَأَمَّا الْوُضُوءُ لِغَيْرِ الْفَرْضِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ كَحُكْمِ مَا يُفْعَلُ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ نَافِلَةٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ فَرْضٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا فَالْمَجِيءُ بِهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ وَاسْتِخْفَافٌ بِالْعِبَادَةِ، فَيَلْزَمُ الْمَجِيءُ بِشُرُوطِهَا فَرْضًا، كَمَا أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا.
قَالَ الْقَبَّابُ: وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ إلَّا الْقَوْلَ الثَّانِيَ، قَالَ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَخْتَلِفَا فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَمْنُوعَةٌ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّافِلَةِ لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ فَعَادَ الْخِلَافُ إلَى عِبَادَةٍ، فَمَنْ لَاحَظَ كَوْنَ النَّافِلَةِ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَأْثَمْ وَكَذَلِكَ طُهْرُهَا قَالَ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَمَنْ لَاحَظَ كَوْنَهُ إذَا تَلَبَّسَ بِهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَثِمَ قَالَ: إنَّهُ فَرْضٌ.
(قُلْتُ) وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى التَّفْسِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لِلْفَرْضِ فَمَنْ نَفَاهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الثَّانِيَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَمَا حُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالطَّبَرِيِّ مِنْ تَجْوِيزِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ بَاطِلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسَةُ) لِلْوُضُوءِ شُرُوطٌ، وَفُرُوضٌ، وَسُنَنٌ، وَفَضَائِلُ، وَمَكْرُوهَاتٌ، وَمُبْطِلَاتٌ، وَهِيَ نَوَاقِضُهُ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَرَائِضَهُ، وَسُنَنَهُ، وَفَضَائِلَهُ، وَيَذْكُرُ نَوَاقِضَهُ فِي فَصْلٍ بَعْدَ هَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ شُرُوطَهُ، وَلَا مَكْرُوهَاتِهِ فَنَذْكُرُ الشُّرُوطَ هُنَا لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَنَذْكُرُ الْمَكْرُوهَاتِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَنَقُولُ: شُرُوطُ الْوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا، وَمِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ فَقَطْ، وَمِنْهَا: مَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ فَقَطْ.
فَالْأَوَّلُ خَمْسَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ بُلُوغُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعَقْلُ، وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ، وَانْقِطَاعُ دَمِ النِّفَاسِ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
وَالثَّانِي سِتَّةٌ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَتَذَكُّرُ الْفَائِتَةِ، وَالْبُلُوغُ، وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِهِ، وَعَدَمُ السَّهْوِ وَالنَّوْمِ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبِ لَهَا الْوُضُوءُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْحَدَثِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَالثَّالِثُ) هُوَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ، وَشُرُوطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ كَالْوُضُوءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا فَرَائِضِ الْوُضُوءِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي عَدَدِهَا فَعَدَّهَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا سِتَّةً: الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمُوَالَاةُ.
وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَجَعَلُوا الدَّلْكَ رَاجِعًا لِلْغُسْلِ، وَعَدَّهَا ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُمَا سَبْعَةً: السِّتَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ.
وَعَدَّهَا ابْن رُشْدٍ ثَمَانِيَةً: السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَالتَّرْتِيبُ.
وَعَدَّهَا غَيْرُهُ ثَمَانِيَةً أَيْضًا لَكِنَّهُ جَعَلَ بَدَلَ التَّرْتِيبِ الْجَسَدَ الطَّاهِرَ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى عَدِّ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ: وَأَمَّا النِّيَّةُ فَنَعْتُهَا بِالشَّرْطِيَّةِ أَظْهَرُ مِنْ نَعْتِهَا بِالْفَرْضِيَّةِ.
وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الدَّلْكَ وَالْمُوَالَاةَ يَرْجِعَانِ إلَى صِفَةِ الْغُسْلِ، وَعَدَّهَا الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً: الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَالنِّيَّةُ وَالدَّلْكُ، وَالْمُوَالَاةُ.
إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، وَلَمْ يَعُدَّ التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي، وَلَمْ يَعُدَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يُعِدَّ الْجَسَدَ الطَّاهِرَ كَمَا عَدَّهُ الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي ارْتَضَاهُ فِي تَوْضِيحِهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَابْنُ عَرَفَةَ هُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْمَحَلِّ قَبْلَ وُرُودِ الْمَاءِ لِغَسْلِ الْوُضُوءِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ عَبْدِ الْحَقِّ وَبَعْضِ شُيُوخِهِ فِي انْغِمَاسِ الْجُنُبِ وَالْمَازِرِيِّ فِي نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَسَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِوُضُوئِهِ بِطَهُورٍ يَنْقُلُهُ لِأَعْضَائِهِ وَبِهَا مَاءٌ نَجِسٌ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فِي مَاءٍ تَوَضَّأَ بِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ
غَيْرَهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرًا.
عَدَمُ شَرْطِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ قَبْلَ وُرُودِ الْمَاءِ لِغَسْلِ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ فِي اشْتِبَاهِ الْآنِيَةِ وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فَمَا قَبْلَهُ يُرَدُّ بِكَوْنِهِ لِاحْتِمَالِ قُصُورِ وُضُوئِهِ الثَّانِي عَنْ مَحَلِّ الْأَوَّلِ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْبَاجِيِّ: رَأَيْت لِابْنِ مَسْلَمَةَ مَنْ كَانَ بِذِرَاعِهِ نَجَاسَةٌ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُنَقِّهَا أَعَادَ أَبَدًا يُرَدُّ بِأَنَّ نَصَّهَا فِي النَّوَادِرِ بِزِيَادَةٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ مَحَلَّهَا وَلَوْ كَانَتْ بِرَأْسِهِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ لَا شَيْءَ فِيهِ، فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ إعَادَتَهُ لِتَرْكِ مَحَلِّهَا إذَا كَانَتْ فِي الرَّأْسِ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ كَصَلَاتِهِ بِنَجَاسَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيث مَيْمُونَةَ فِي الْغُسْلِ: وَإِنْ شَاءَ نَوَى الْجَنَابَةَ عِنْدَ غَسْلِ الْأَذَى وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ مَحَلِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُرَدَّ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: شَرْطُهَا ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَأْتِي فِي بَابِ الْغُسْلِ مَعَ كَلَامِ الْجُزُولِيّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَغَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ إذَا غَسَلَ مَوْضِعَ الْأَذَى بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ هُوَ قَوْلُهُ فِيمَنْ نَزَلَ فِي حَوْضٍ نَجِسٍ ثُمَّ خَرَجَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَغَرَفَ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَفِيهِ الْمَاءُ النَّجِسُ ثُمَّ رَدَّهُمَا وَغَرَفَ بِهِمَا وَغَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ وَأَرَاهُ سَهْلًا، وَقَدْ قَالَ: هَذَا مِمَّا أَجَازَهُ النَّاسُ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ نَجَسَ طَهُورُهُ بِرَدِّ يَدَيْهِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ مَسَّ بِهِمَا جِسْمَهُ فِي نَقْلِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَغَسْلِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَنْجَسَ الْمَاءُ الَّذِي نَقَلَهُ إلَيْهِ بِمُلَاقَاتِهِ إيَّاهُ فَلَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَفِي الْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِ هَذَا مَا يَقْضِي بِفَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ طُهْرَهُ يَنْجَسُ بِذَلِكَ وَإِنَّ الْغُسْلَ لَا يُجْزِي وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا أَصَابَهُ إنْ كَانَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوَّلًا طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: يَقُومُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّ الْمُتَوَضِّئِ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ صَحِيحٌ بِالْإِطْلَاقِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْجَلَّابِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ: تَحِلُّهُ النَّجَاسَةُ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَعِبَارَةُ الْجَلَّابِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيمَا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهَا وَنَصُّهَا: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْمَكَانِ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ مَعَ وُجُودِهَا فِيهَا، فَوَجَبَ إزَالَتُهَا لِذَلِكَ لَا لِنَفْسِهَا فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحِنَّاءِ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ مِنْ الدَّنَسِ.
وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا انْضَافَ الْمَاءُ بَعْدَ وُصُولِهِ لِلْعُضْوِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَعَلَى الدَّلْكِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَقَوْلُ الشَّيْخِ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: إنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحِلُّهُ نَجَاسَةٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْضَافُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْعُضْوِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَقِسْمٌ اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْفَوْرُ وَالتَّرْتِيبِ.
(قُلْتُ) وَمَا حَكَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ حَكَاهُ ابْنُ حَارِثٍ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا الْخِلَافَ وَسَيَأْتِي، وَيُزَادُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ الدَّلْكُ وَالْجَسَدُ الطَّاهِرُ فَتَتِمُّ الْجُمْلَةُ عَشْرَةً، وَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَعَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْآيَةِ فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ حَدِّهِ عَرْضًا وَطُولًا فَقَالَ: فَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، يَعْنِي أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ سَبْعٌ
(الْفَرِيضَةُ) الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ وَفَرْضِيَّتُهَا ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَحَدُّهُ عَرْضًا مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَهَذَا
أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ لِلْخِلَافِ فِي الْغَايَةِ هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُغَيَّا أَمْ لَا؟ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ نَقِيَّ الْخَدِّ فَكَالْأَوَّلِ وَإِلَّا فَكَالثَّانِي.
حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَانْفَرَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ غَسْلَ مَا بَيْنِ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْوَجْهِ وَجَبَ وَإِلَّا سَقَطَ وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ سُنَّةً إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَثْبُتْ فَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَأَنَّ مَا بَيْنَ الْعِذَارَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِالْجَمِيعِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ غَالِبًا.
وَوَجْهُ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ ظَاهِرٌ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ التَّنَازُعُ فِي الْمُوَاجَهَةِ هَلْ تَتَنَاوَلُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَالْعِذَارُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَارِضِ وَالْعَارِضُ صَفْحَةُ الْخَدِّ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ: وَانْظُرْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَغْسِلُ مِنْ الْعِذَارِ إلَى الْعِذَارِ، هَلْ يَدْخُلُ الْعِذَارُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ دُخُولُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْتُ: الْأَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَدَمُهُ.
(قُلْتُ) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيُّ خَفِيفُ الْعِذَارِ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ عِذَارٌ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(الثَّالِثُ) عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ سُنَّةٌ فَيَغْسِلُهُ مَعَ الْوَجْهِ وَلَا يُفْرِدُهُ بِالْغَسْلِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْأُذُنِ حَيْثُ طَلَبَ لَهَا تَجْدِيدَ الْمَاءِ أَنَّ إفْرَادَهُ بِالْغَسْلِ يُؤَدِّي إلَى التَّكْرَارِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا فَقَالَ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ.
يَعْنِي أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ لِحْيَةٌ وَأَمَّا مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ظَاهِرَهَا وَلَوْ طَالَتْ.
وَالذَّقَنُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ تَثْنِيَةُ لَحْيٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاء أَيْضًا، وَحُكِيَ كَسْرُ اللَّامِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَاللَّحْيُ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ اللِّحْيَةُ.
هَكَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي تَنْبُتُ فِيهِ الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَتَنْبُتُ اللِّحْيَةُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمَا أَدْرِي لِمَ قَيَّدُوهُ بِالْأَسْنَانِ السُّفْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي بَابِ الْجِرَاحِ: اللَّحْيُ الْأَعْلَى وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْجِرَاحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ تَفْسِيرَ اللَّحْيِ الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ اللَّحْيَيْنِ اللَّذَانِ أُخِذَا فِي تَفْسِيرِ الذَّقَنِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَكَسْرُ اللَّامِ فِي اللِّحْيَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا، وَتَسْمِيَةُ اللِّحْيَةِ دَقْنًا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا تَقُولُهُ الْعَامَّةُ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي اللُّغَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ إنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى الْأُذُنَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَمَا بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ اقْتَضَى كَلَامُهُ خُرُوجَ الذَّقَنِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ، وَقَدْ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ الذَّقَنَ دَاخِلٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا فِي الْمِرْفَقِ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَعْطُوفًا عَلَى " مَا " مِنْ قَوْلِهِ: غَسْلَ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَزِمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَفْحَشُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ غَسْلَهُمَا فَقَطْ.
(قُلْتُ) قَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي: إنَّ غَسْلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ غَسْلِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالذَّقَنِ يَسْتَكْمِلُ غَسْلَ جَمِيعِ الْوَجْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ الْوَجْهِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ: وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأُذُنَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَالذَّقَنِ وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ مَعْطُوفَانِ عَلَى مَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ الذَّقَنِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ لِحْيَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ لِحْيَةٌ فَيَغْسِلُ ذَلِكَ مَعَ غَسْلِ ظَاهِرِهَا.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ يَعْنِي الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا فِي الْعَادَةِ أَنْ يَنْبُتَ فِيهَا شَعْرُ الرَّأْسِ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ الْغَمَمِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَمِيمَيْنِ
وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبْهَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ ذَلِكَ، يُقَالُ: رَجُلٌ غَمٌّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذِمُّ بِهِ وَتَمْدَحُ بِالنَّزْعِ؛ لِأَنَّ الْغَمَمَ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالنَّزْعُ بِضِدِّ ذَلِكَ قَالَ:
فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَالْجَبْهَةُ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَالْجَبِينَانِ مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ وَالْعَارِضَانِ وَالْعَنْفَقَةُ وَأَهْدَابُ الْعَيْنِ وَالشَّارِبِ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ فَمَا كَانَ كَثِيفَ الشَّعْرِ غُسِلَ ظَاهِرُهُ وَلَمْ يَجِبْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَمَا كَانَ خَفِيفًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
(قُلْتُ) لَهُ وَمَا حَدُّ الْوَجْهِ الَّذِي إذَا قَصُرَ عَنْهُ الْمُتَوَضِّئُ أَعَادَ فَقَالَ لِي: دَوْرُ الْوَجْهِ.
(قُلْتُ) فَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ وَالذَّقَنُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ فِيهِ مُوضِحَةٌ، فَقَالَ: أَخْطَأَ مَنْ يَقُولُ هَذَا قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْأَنْفَ لَا مُوضِحَةَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
وَاللَّحْيُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الذَّقَنُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَا تَحْتَهُ وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَفِي النَّوَادِرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ وَمَا تَحْتَ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِلرِّسَالَةِ وَزَادَ فِيهِ: وَلَقَدْ رَأَيْت شَيْخَ الْمَالِكِيَّةِ نُورَ الدِّينِ السَّنْهُورِيَّ يَغْسِلُهُ وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَلَا أَدْرِي لِوَرَعٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْوَجْهِ.
قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ: لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى.
وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الصَّلَعِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ خُلُوُّ النَّاصِيَةِ مِنْ الشَّعْرِ، وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَلَا تَدْخُلُ فِي حَدِّ الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ النَّزَعَتَانِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا وَالنَّزَعَتَانِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْعَيْنِ تَثْنِيَةُ نَزَعَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْضًا وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنْ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيْ الْجَبِينِ الذَّاهِبَتَيْنِ عَلَى جَنْبَيْ الْيَافُوخِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ وَيُقَالُ لَهُمَا الْجَلَحَتَانِ مِنْ الْجَلَحِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ، وَفِي الصِّحَاحِ رَجُلٌ أَنْزَعُ بَيْنَ النَّزَعِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ عَنْ جَانِبَيْ جَبْهَتِهِ وَمَوْضِعُهُ النَّزَعَةُ وَهُمَا النَّزَعَتَانِ قَالَهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْجَلَحُ فَوْقَ النَّزَعِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشَّعْرِ عَنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ، أَوَّلُهُ النَّزَعُ ثُمَّ الْجَلَحُ ثُمَّ الصَّلَعُ وَقَدْ جَلِحَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَجْلَحُ بَيِّنُ الْجَلَحِ وَاسْمُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْجَلَحَةُ، وَقَالَ سَنَدٌ: النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ وَهُمَا الْجَلَحَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي سَمْتِ النَّاصِيَةِ وَمَا يَلِي الْجَلَحَتَيْنِ إلَى الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ انْتَهَى فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لَا مِنْ الْوَجْهِ.
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْحِ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي مِنْ فَوْقِ الْعَظْمِ مِنْ حَيْثُ يَعْرِضُ الصُّدْغُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَحْلِقُهُ الْمُحْرِمُ وَأَمَّا مَا دُون ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْخِفَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ لَزِمَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَحَيْثُ يَبْتَدِئُ نَبَاتُ الشَّعْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: النَّزَعَتَانِ مِنْ الرَّأْسِ يُمْسَحَانِ وَلَا يُغْسَلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلٌ مِنْهُ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ اهـ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: الْمَوْضِعُ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ وَهُوَ الدَّاخِلُ إلَى الْجَبِينِ مِنْ جَانِبَيْ الْوَجْهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ:
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ التَّحْذِيفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ إذْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ الْوَجْهِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْجَبِينِ جِدًّا وَيُجَاوِزُ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ السَّابِقُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي تَفْسِيرِ مَوْضِعِ التَّحْذِيفِ: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ مُتَّصِلًا بِالصُّدْغِ وَضَابِطُهُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى طَرَفِ الْأُذُنِ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَشْرَافَ يَحْذِفُونَ الشَّعْرَ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّعْرَ الَّذِي فِي الصُّدْغَيْنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ إلَّا مَا كَانَ دَاخِلًا مِنْ ذَلِكَ فِي دَوْرِ الْوَجْهِ كَالْأَغَمِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُبَيِّنُوا فِي الْمَذْهَبِ حَدَّ الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْأُذُنِ إلَى طَرَفِ الْجَبْهَةِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ وَفِي تِلْكَ الْجِهَةِ يَنْبُتُ الشَّعْرُ عَادَةً لِغَيْرِ الْأَغَمِّ، فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حَدَّدُوهُ فِي الطُّولِ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى مَا حُدُودُهُ فِي الْعَرْضِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحِدُّهُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ دَخَلَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى دُخُولِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِغَسْلِهِ إمَّا عَلَى أَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَدَّ الْوَجْهِ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ سَوَاءٌ فِي الْجَبْهَةِ أَوْ فِي الصُّدْغِ إلَى آخِرِ الذَّقَنِ وَعَرْضًا مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ، وَلَيْسَ وَتَدَا الْأُذُنِ مِنْهُ، وَمِنْهُ الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ، وَطَرَفُ اللَّحْيِ الْأَسْفَلُ الْخَارِجُ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ وَاللَّحْيَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْأُذُنِ فِي سَمْتِ الْأُذُنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْرَجَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّحْيَ الْأَسْفَلَ مِنْ الْوَجْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّدْغَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ كَذَا فَسَّرَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَبِهِ فَسَّرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْهُ دُونَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ وَمَا كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ، وَقَوْلُهُمْ: يَجِبُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْأُذُنِ يَعْنُونَ بِهِ مَا كَانَ تَحْتَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ: وَظَاهِرِ اللِّحْيَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ طَالَتْ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ إلَّا مَا اتَّصَلَ مِنْهَا بِوَجْهِهِ لَا مَا طَالَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاع مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَزَمَ بِنِسْبَةِ الثَّانِي لِسَمَاعِ مُوسَى قَالَ: وَقَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسْحِ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَا حَاذَى الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ هَلْ يُعْتَبَرُ الْأَصْلُ فَيَجِبُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْمُحَاذَى وَهُوَ الصَّدْرُ فَلَا يَجِبُ؟ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: وَاعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِغَسْلِ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهَا مَعَ الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهَا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَا خِلَافَ أَنَّ التَّحْرِيكَ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ سَنَدٌ: إذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مَعَ الْيَدِ وَيُحَرِّكُ يَدَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ
فَيَمْنَعُ بَعْضُهُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا حَرَّكَ ذَلِكَ حَصَلَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ ظَاهِرِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا التَّحْرِيكُ غَيْرُ التَّخْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي التَّخْلِيلِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ هُوَ أَنْ يُدَافِعَ مَا انْصَبَّ مِنْ الْمَاءِ عَلَيْهَا حَتَّى يُدَاخِلَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ بِالْأَصَابِعِ: وَلَفْظُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَعْنَى تَحْرِيكِهَا تَحْرِيكُ الْيَدِ عَلَيْهَا عِنْدَ مُرُورِ الْيَدِ عَلَيْهَا لِيُدَاخِلَهَا الْمَاءُ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: يَنْبُو أَيْ يَنْدَفِعُ وَيَتَبَاعَدُ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ لَمْ يُمِرَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ أَعَادَ وَلَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ انْتَهَى.
(الثَّانِي) إذَا كَانَ عَلَى الشَّعْرِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ وَجَبَ إزَالَتُهُ فَإِنْ لَمْ يُزِلْهُ ثُمَّ قَصَّ الشَّعْرَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْحَائِلُ هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِيُسْتَكْمَلَ غَسْلُ الْوَجْهِ، كَمَا يَجِبُ مَسْحُ بَعْضِ الْوَجْهِ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ لِيَسْتَكْمِلَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَهُمَا مِنْ بَابِ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُحَرِّكُ اللِّحْيَةَ فِي الْوُضُوءِ وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَغْسِلُ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ لِيَتَحَقَّقَ تَعْمِيمُ الْوَجْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ الْوَجْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ اتِّفَاقًا إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ.
وَأَجَبْتُهُ بِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْوَجْهُ إلَّا بَعْدَ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْحِ الْجَبِيرَةِ: إذَا بَرِئَتْ وَنَسِيَ غَسْلَهَا انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِشَيْخِهِ الْبُرْزُلِيِّ وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ أَحَدُ نَقْلَيْ شُيُوخِنَا وَهُمَا جَارِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَا اُخْتُلِفَ هَلْ يَجِبُ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّوْمِ؟ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَصْلُهُ لِابْنِ هَارُونَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ " وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَأِ الْوَجْهِ ": هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِاسْتِيعَابِ الْوَجْهِ كَمَا لَا يَجِبُ مَسْحُ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ لِاسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، فَأَوْجَبَهُ بَعْضُهُمْ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ (الرَّابِعُ) قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فِي صِفَةِ غَسْلِ الْوَجْهِ غَاسِلًا لَهُ مِنْ أَعْلَى جَبْهَتِهِ: قَالَ شَارِحُهَا الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ شَعْبَانَ: السُّنَّةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَسْفَلِهَا أَجْزَأَهُ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا لِيمَ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا عُلِّمَ، وَعَدَّ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ تَرْتِيبَ أَعْلَى الْعُضْوِ عَلَى أَسْفَلِهِ وَسَيَأْتِي فِي غَسْلِ الْيَدِ نَحْوُهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَعَدَّ فِي اللُّمَعِ فِي فَضَائِلِ الْوُضُوءِ أَنْ يَبْدَأَ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْعَامَّةِ فِي الْوُضُوءِ أُمُورٌ مِنْهَا صَبُّ الْمَاءِ مِنْ دُونِ الْجَبْهَةِ وَهُوَ مُبْطَلٌ، وَنَفْضُ الْيَدِ قَبْلَ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ لِلشَّيْطَانِ» قَالَ الدَّمِيرِيُّ: لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَطْمُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَهُوَ جَهْلٌ لَا يَضُرُّ.
وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ فِي مَرَاقِي الزَّلَفِ، وَالتَّشَهُّدُ وَأَنْكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَالْأَذْكَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْأَعْضَاءِ لَا أَصْلَ لَهَا وَأَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُضُوءِ ذِكْرٌ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ أَوَّلَهُ وَالتَّشَهُّدُ آخِرَهُ، نَعَمْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ عَلَى وُضُوئِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَهَلْ تَرَكَ مِنْ خَيْرٍ؟» فَتَرْجَمَ النَّسَائِيُّ لِذَلِكَ فَقَالَ: بَابُ
مَا يَقُولُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَابْنُ السِّينِيِّ بَابُ مَا يَقُولُ بَيْنَ ظَهْرَانِي وُضُوئِهِ وَذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ: وَلَا يَنْفُضُ يَدَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهِمَا إلَى وَجْهِهِ فَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ بِاتِّفَاقٍ وَلَا يَرُشُّهُ رَشًّا وَلَا يَلْطِمُهُ لَطْمًا وَلَا يَكُبُّ وَجْهَهُ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ، بَلْ يُفَرِّغُهُ تَفْرِيغًا حَالَ كَوْنِهِ غَاسِلًا لَهُ بِيَدَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُدَلِّكُهُ بِهِمَا مَعَ الْمَاءِ أَوْ أَثَرِهِ مُتَّصِلًا بِهِ دَلْكًا وَسَطًا إذْ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ الْوَسَخِ الْخَفِيِّ بَلْ مَا ظَهَرَ وَحَالَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْعُضْوِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
ص (فَيَغْسِلُ الْوَتَرَةَ وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ) .
ش: الْوَتَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَهِيَ الْحَاجِزُ بَيْنَ ثُقْبَيْ الْأَنْفِ.
وَالْأَسَارِيرُ جَمْعُ أَسِرَّةِ وَهِيَ خُطُوطُ الْجَبْهَةِ وَالْكَفِّ، الْوَاحِدُ سِرَرُ بِوَزْنِ عِنَبٍ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ جَمْعُ أَسْرَارٍ كَأَعْنَابٍ فَالْأَسَارِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَفِي الْحَدِيثِ: تَبْرُقُ أَسَارِيرُ جَبْهَتِهِ وَفِي الْمُفْرَدِ لُغَةٌ أُخْرَى وَهِيَ سِرَارٌ وَجَمْعُهُ أَسِرَّةٌ كَزِمَامٍ وَأَزِمَّةٍ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: هِيَ التَّكَاسِيرُ أَوْ الْعُطُوفُ أَوْ الطَّيَّاتُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ دَاخِلَةٌ فِي تَحْدِيدِ الْوَجْهِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهَا لِآنِ الْمَاءَ يَنْبُو عَنْهَا، قَالَ الْجُزُولِيُّ فَيَلْزَمُ الْمُتَوَضِّئَ أَنْ يَتَحَفَّظَ عَلَيْهَا فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا كَانَ كَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» فَنَبَّهَ عَلَى الْوَتَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْحَدِرُ مِنْ أَعْلَى الْأَنْفِ فَلَا يُصِيبُهَا، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَمَا تَحْتَ مَارِنِهِ مِنْ ظَاهِرِ أَنْفِهِ وَالْمَارِنُ طَرَفُ الْأَنْفِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ، وَنَبَّهَ عَلَى الْأَسَارِيرِ لِاحْتِيَاجِهَا أَيْضًا إلَى إمْرَارِ الْيَدِ لِنُبُوِّ الْمَاءِ عَمَّا أَصَابَتْهَا: وَنَبَّهَ عَلَى ظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمَا مِنْ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَدَاخِلِ الْأَنْفِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَغَسْلُ مَا بَيْنَ الْمَنْخَرَيْنِ وَظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ فَرْضٌ انْتَهَى.
فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَنْ لَا يَضُمَّ شَفَتَيْهِ فَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ حِينَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَقَدْ تَرَكَ لَمْعَةً مِنْ وَجْهِهِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَلَا يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ خِيفَةَ أَنْ تَبْقَى هُنَاكَ لَمْعَةٌ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى مَا غَار مِنْ الْأَجْفَانِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُتَحَفَّظُ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا جُرْحًا بَرَأَ.
ص (بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَخْلِيلُهَا مُطْلَقًا فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ إلَخْ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ يَجِبُ غَسْلُ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ وَالذَّقَنِ وَغَسْلُ ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ مَعَ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ الَّذِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ وَالْبَشَرَةُ الْجِلْدُ وَالْمُرَادُ ظُهُورُهَا عِنْدَ التَّخَاطُبِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْلِيلِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَخْلِيلُ الْكَثِيفِ وَهُوَ مَا لَا تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَذَكَرَ الشَّعْرَ لِيَعُمَّ شَعْرَ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا كَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْحَاجِبِ وَالْهُدْبِ.
قَالَ فِي التَّلْقِينِ: فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ شَعْرٌ لَزِمَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْظُرُ فَمَا كَانَ كَثِيفًا قَدْ سَتَرَ الْبَشَرَةَ سَتْرًا لَا تَتَبَيَّنُ مَعَهُ انْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهِ وَسَقَطَ فَرْضُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا تَتَبَيَّنُ مَعَهُ الْبَشَرَةُ لَزِمَ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْبَشَرَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَدٍّ أَوْ شَفَةٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ عِذَارٍ أَوْ عَنْفَقَةٍ وَيَلْزَمُ فِيمَا انْسَدَلَ عَنْ الْبَشَرَةِ كَلُزُومِهِ فِيمَا تَحْتَ الْبَشَرَةِ انْتَهَى.
وَالْهُدْبُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تَضُمُّ الشَّعْرَ النَّابِتَ عَلَى أَجْفَانِ الْعَيْنِ وَاحِدُهُ هُدْبَةٌ وَكَذَلِكَ هُدْبَةُ الثَّوْبِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي آدَابِ الْكِتَابَةِ فِي بَابِ مَا يَضَعُهُ النَّاسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ: مِنْ ذَلِكَ أَشْفَارُ الْعَيْنِ يَذْهَبُ النَّاسُ إلَى أَنَّهَا الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى حَرْفِ الْعَيْنِ وَذَلِكَ غَلَطٌ إنَّمَا الْأَشْفَارُ حَرْفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهَا الشَّعْرُ، وَالشَّعْرُ هُوَ الْهُدْبُ وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ الْفُصَحَاءِ سَمَّى الشَّعْرَ شَفْرًا فَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِمَنْبَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ
الشَّعْرِ دُونَ كَثِيفِهِ فِي اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْهُدْبِ، وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْخَفِيفُ مَا تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ مِنْ تَحْتِهِ وَالْكَثِيفُ مَا لَا تَظْهَرُ قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ، وَقَوْلُهُ: يَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعْرِ أَيْ بِأَنْ يُوَصِّلَ الْمَاءَ إلَى الْبَشَرَةِ، وَقَوْلُهُ: دُونَ كَثِيفِهِ أَيْ فَلَا يَجِبُ انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّخْلِيلِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَلِهَذَا قَالَ سَنَدٌ: الْمَذْهَبُ اسْتِوَاءُ كَثِيفِ اللِّحْيَةِ وَخَفِيفِهَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ التَّخْلِيلِ وَقَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْخَفِيفِ: " يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ " لَا يُنَاقِصُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى عَارِضَيْهِ وَحَرَّكَهُمَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى كُلِّ مَحَلٍّ مَكْشُوفٍ مِنْ الشَّعْرِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مِنْ الْيَدِ وَيُحَرِّكُ يَدَهُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا لَيْسَ خِلَافًا فِي الْمَعْنَى وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّخْلِيلِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَذَكَرَ الْهُدْبَ لِمَا رَآهُ لِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَفِي الْحَاجِبَيْنِ مِنْ سُقُوطِ التَّخْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي شَعْرِهِمَا الْخِفَّةُ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْهُدْبِ مُتَّجِهٌ أَيْ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْخِفَّةُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا لَصِقَ مِنْ الْقَذَى فِي قَوْلِهِ: وَنَفْضُ غَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ سُقُوطِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ كَثِيفَةً، وَلَا يَصِلُ إلَى بَشَرَتِهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَجْهَ اسْمٌ لِمَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَقَدْ خَرَجَ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ عَنْ الْمُوَاجَهَةِ وَانْتَقَلَتْ الْمُوَاجَهَةُ إلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الشَّعْرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ نَفَى التَّخْلِيلَ وَعَابَ تَخْلِيلَهَا فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْإِبَاحَةَ وَالْكَرَاهَةَ اهـ.
(قُلْتُ) جَزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ بِالثَّانِي فَإِنَّهُ عَزَا الْكَرَاهَةَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ فِي تَخْلِيلِهَا فِي الْوُضُوءِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهَا لَا تُخَلَّلُ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ: إنَّ تَخْلِيلَهَا مَكْرُوهٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: إنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: عَابَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْهَا: وَعَابَ مَالِكٌ تَخْلِيلَهَا فِي الْوُضُوءِ.
قَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَمْ يَأْتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ فِي وُضُوئِهِ، وَجَاءَ أَنَّهُ خَلَّلَ أُصُولَ شَعْرِهِ فِي الْجَنَابَةِ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَيُحَرِّكُهَا فِي الْوُضُوءِ بِأَنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَلَا يُخَلِّلُهَا.
قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْوُجُوبُ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ.
يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ وَكَثِيفُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي بِلَا قِيَاسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْغَسْلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الِاسْتِحْبَابُ لِابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ أَتُخَلِّلُ لِحْيَتَكَ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي؟ لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ» .
(قُلْتُ) حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مَعْلُولٌ وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ: لَيْسَ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ صَحِيحٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ شَيْءٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَقَوْلُ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمُ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَنَقَلَ ابْنُ نَاجِي عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهَا فِي الْوُضُوءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ أَرَادَ دَلَالَةَ ذَلِكَ وَكَثِيرًا مَا يَتَسَامَحُ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا ابْنُ الْجَلَّابِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ لَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ فِيمَا عَلِمْتَ وَإِنَّمَا هُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَلَهُ نَحْوُهُ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ: وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى عَدَمِ ارْتِضَائِهِ
بِذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالُوا: وَالْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقِيلَ: إنَّ تَخْلِيلَهَا سُنَّةٌ ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ الزَّنَاتِيِّ شَارِحِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ لَا يَأْبَاهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْخِلَافُ فِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ فِي الْغَسْلِ يَأْتِي فِي فَصْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ فِي اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ، فَأَمَّا الْخَفِيفَةُ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ لِمَا تَحْتَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَقَالَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ تَخْلِيلِ الْكَثِيفَةِ فَهَلْ ذَلِكَ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى دَاخِلِ الشَّعْرِ فَقَطْ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ؟ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمَازِرِيُّ.
(قُلْتُ) حَكَاهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ الْغُسْلِ عَنْ الْمَازِرِيِّ، وَذَكَرَ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تَخْلِيلُهَا وَاجِبٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ انْتَهَى.
وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي أَيْضًا وَهَلْ يَضْرِبُ أَصَابِعَهُ فِيهَا مِنْ أَعْلَاهَا أَوْ مِنْ أَسْفَلِهَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لِنُدُورِهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ فِي نُزْهَةِ الطَّالِبِ.
(قُلْتُ) وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَحَكَاهُ سَنَدٌ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ.
(الرَّابِعُ) فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشْهُورِ هُنَا وَبَيْنَ الْمَشْهُورِ فِي الْغَسْلِ فَإِنَّهُ يَجِب فِيهِ تَخْلِيلُ الْكَثِيفِ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْغَسْلِ الْمُبَالَغَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَلَكِنْ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ فِيهِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْوَجْهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (لَا جُرْحًا بَرَأَ أَوْ خُلِقَ غَائِرًا)
ش: يُقَالُ: بَرَأَ الْجُرْحُ يَبْرَأُ وَيَبْرُؤُ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِي الْمَاضِي، وَبِفَتْحِهَا وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَالضَّمُّ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: بَرِيءَ يَبْرَأُ بِكَسْرِهَا فِي الْمَاضِي، وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَبَرُؤَ يَبْرُؤ بِضَمِّهَا فِيهِمَا، وَأَمَّا إبْدَالُ هَمْزَتِهِ أَلِفًا بَعْدَ الْفَتْحَةِ وَوَاوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ وَيَاءً بَعْدَ الْكَسْرَةِ فَشَاذٌّ؛ لِأَنَّ إبْدَالَ الْهَمْزَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ شَاذٌّ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجُرْحِ إذَا بَرَأَ غَائِرًا وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ غَسْلُ مَا خُلِقَ مِنْ وَجْهِهِ غَائِرًا مِنْ أَجْفَانِهِ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَوْلُهُ: غَائِرًا حَالٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ خُلِقَ وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ لِفَاعِلِ بَرَأَ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ فِي الْحَالِ.
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ اسْتِغْوَارُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّوَادِرِ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ.
قَالَ فِيهَا نَاقِلًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: وَلْيُحَافِظْ عَلَى غَسْلِ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ بِيَدِهِ وَمَا غَارَ مِنْ أَجْفَانِهِ وَأَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا غَارَ مِنْ جُرْحٍ بَرَأَ عَلَى اسْتِغْوَارٍ كَثِيرٍ أَوْ كَانَ خَلْقًا خُلِقَ بِهِ، وَلَا غَسْلُ مَا تَحْتَ ذَقَنِهِ انْتَهَى.
قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ ظَاهِرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ وَشَقَّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ كَجُرْحٍ بَرَأَ عَلَى اسْتِغْوَارٍ كَثِيرٍ، وَمَا كَانَ خَلْقًا خُلِقَ بِهِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ بِالْيَدِ، وَلَوْ كَانَ أَثَرُ الْجُرْحِ ظَاهِرًا لَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ وَغَسْلُهُ كَمَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنْ الْكُوعِ وَأَصَابِعِ الْقَدَمِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ: هَذَا يَرْجِعُ إلَى حَرْفٍ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ كُلَّ مَا أَمْكَنَهُ غَسْلُهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَغَوْرُ الْعَيْنِ مِمَّا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ وَهُوَ مِمَّا يُوَاجَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ غَوْرُ الْجُرْحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَوْرًا دَاخِلًا أَوْ طَالِعًا بِحَيْثُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى جَمِيعِهِ أَوْ لَا يُوَاجَهُ بِجَمِيعِهِ، أَوْ يَكُونُ ضَيِّقًا فَيَغْسِلُ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ طَالِعًا كَذَا رَأَيْتُهُ فِي ثَلَاثِ نُسَخٍ مِنْ الطِّرَازِ وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّ جَوَانِبَ الْغَوْرِ طَالِعَةٌ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ كَلَامَ النَّوَادِرِ وَقَبِلَهُ وَكَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَغَيْرِهِ وَقَبِلُوهُ بَلْ لَمْ يَذْكُرُوا خِلَافَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَيَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ وَظَاهِرِ شَفَتَيْهِ وَأَسَارِيرِ
جَبْهَتِهِ وَغَائِرِ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ وَغَائِرِ أَجْفَانِهِ لَا مَا غَارَ جِدًّا مِنْ جُرْحٍ أَوْ خِلْقَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ: وَوَصْفُ الِاسْتِغْوَارَ بِكَوْنِهِ كَثِيرًا هُوَ الصَّوَابُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِغْوَارَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْكَثْرَةِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ سُقُوطِ غَسْلِهِ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا فِي الِاسْتِغْوَارِ الْكَثِيرِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مَحْدُودٌ بِرُؤْيَةِ قَعْرِهِ عِنْدَ الْمُوَاجَهَةِ وَعَدَمِهَا.
(قُلْتُ) وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا أَطْلَقَهُ وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَمِيلُ إلَى حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَوَابٍ.
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَلْكٍ وَجَبَ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: لَوْ انْتَقَبَتْ كَفُّهُ بِسَهْمٍ وَنَفَذَتْ وَانْدَمَلَتْ نَافِذَةً لَزِمَهُ غَسْلُ دَاخِلِهَا إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَيْهَا، وَلَوْ اتَّصَلَ طَرَفَاهَا وَانْدَمَلَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَقْبُهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَيُؤْثَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى عَمِيَ.
(قُلْتُ) وَاسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ.
قَالَ: وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَنْ هَذَا احْتَرَزَ الشَّيْخُ فِي الرِّسَالَةِ.
وَيُمِرُّ يَدَيْهِ عَلَى مَا غَارَ مِنْ ظَاهِرِ أَجْفَانِهِ كَمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ)
ش: هَذِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَهِيَ ثَانِيَةٌ أَيْضًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمِرْفَقُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا وَهُوَ آخِرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَفْصِلِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَّكِئَ يَرْتَفِقُ بِهِ إذَا أَخَذَ بِرَاحَتِهِ رَأْسَهُ مُتَّكِئًا عَلَى ذِرَاعَيْهِ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِمِرْفَقَيْهِ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، وَبِهَذَا عَبَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَعَدَلُوا عَنْ لَفْظِ الْآيَةِ إلَيْهَا لِبَيَانِ وُجُوبِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ فَإِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: 14]- رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] أَوْ تَقُولُ: الْيَدُ حَقِيقَةً مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَ " إلَى " لِلْغَايَةِ، وَالْغَايَةُ إذَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ الْمُغَيَّا فَهِيَ دَاخِلَةٌ أَوْ " إلَى " غَايَةٌ لِلْمَتْرُوكِ أَيْ اُتْرُكُوا مِنْهَا إلَى الْمَرَافِقِ وَقِيلَ: إنَّ لَفْظَةَ الْيَدِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعَانٍ ثَلَاثٍ: مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ، وَمِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقِ، وَمِنْ الْأَصَابِعِ إلَى آخِرِ الْعَضُدِ، وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ إجْمَالٌ، وَإِنْ قُلْنَا: " إلَى " بِمَعْنَى مَعَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ الْيَدِ إلَى الْكُوعِ ثُمَّ يَغْسِلُ الْمِرْفَقَ، وَمِثْلُهُ يَكُونُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ شَارَكَهُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْعَضُدِ.
وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ»
وَمِثْلُهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَسْلَ يَدَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمِرْفَقَ» وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَيِّنٌ فَلَمَّا أَدْخَلَ الْمِرْفَقَيْنِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِمَا وَقِيلَ: إنَّ الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبْلُغَهُمَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ، وَقِيلَ يَدْخُلَانِ لَا لِأَجْلِهِمَا بَلْ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِدُخُولِهِمَا وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَبِي الْفَرَجِ وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّيْخِ فِي الرِّسَالَةِ، وَإِدْخَالُهُمَا أَحْوَطُ لِزَوَالِ تَكَلُّفِ التَّحْدِيدِ لَكِنْ فَسَّرَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِالِاسْتِحْبَابِ فَيَكُونُ رَابِعًا.
ص (وَبَقِيَّةُ مِعْصَمٍ إنْ قُطِعَ)
ش: الْمِعْصَمُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مَوْضِعُ السِّوَارِ مِنْ الْيَدِ وَرُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْيَدِ.
قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا قُطِعَ بَعْضُ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
«إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِذَا قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ الْكُوعِ وَجَبَ غَسْلُ الْمِعْصَمِ وَإِذَا قُطِعَ بَعْضُ الْمِعْصَمِ وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي مِنْهُ، وَالْكُوعُ رَأْسُ الذِّرَاعِ مِمَّا يَلِي الْإِبْهَامَ، وَالْكُرْسُوعُ بِضَمِّ الْكَافِ رَأْسُهُ مِمَّا يَلِي الْخِنْصَرَ، وَيُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا زَنْدٌ بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُمَا زَنْدَانِ، وَقَوْلُهُ: إنْ قُطِعَ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِبَيَانِ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَا يُقَالُ: لَهُ بَقِيَّةُ غَالِبًا إلَّا إذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ وَلَوْ قَالَ: وَبَقِيَّةُ مِعْصَمٍ قُطِعَ بِدُونِ إنْ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَحْسَنَ، وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا: كَكَفٍّ بِمَنْكِبٍ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قُلْتُ) وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ الْمِرْفَقِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: سَقَطَ يَعْنِي الْفَرْضَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَغْسِلُ أَقْطَعَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَوْضِعَ الْقَطْعِ وَبَقِيَّةَ الْكَفَّيْنِ إذْ الْقَطْعُ تَحْتَهُمَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ: قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] وَالْكَعْبَانِ اللَّذَانِ إلَيْهِمَا حَدُّ الْوُضُوءِ هُمَا اللَّذَانِ فِي السَّاقَيْنِ، وَلَا يَغْسِلُ ذَلِكَ أَقْطَعَ الْمِرْفَقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمِرْفَقَ فِي الذِّرَاعَيْنِ وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ إلَّا أَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ وَالنَّاسُ أَنَّهُ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْعَضُدَيْنِ فَيَغْسِلُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ وَبَقِيَّتَهُمَا وَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) تَعَقَّبَ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَدًّا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ قِصَاصًا فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْجَنَابَةِ بِالْمِرْفَقَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ دُونَهُمَا وَأَجَابَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ جَوَابٌ لِمَسْأَلَةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَمُرَادُهُ بِالْعَرَبِ الْعَرَبُ الَّذِينَ لَمْ تُغَيَّرْ طِبَاعُهُمْ الْعَجَمِيَّةُ، وَبِالنَّاسِ الْعَارِفُونَ بِكَلَامِ الْعَرَبِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ يُشِيرُ إلَى تَرَدُّدٍ عِنْدَهُ فِي حَقِيقَةِ الْمِرْفَقِ هَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ طَرَفِ السَّاعِدِ أَوْ عَنْ مَجْمَعِ طَرَفَيْ السَّاعِدِ وَالْعَضُدِ لِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ؟ قَالَ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ قَطَعَ الْمِرْفَقَ سَقَطَ إجْمَالًا وَإِذَا أُخِذَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ مَا يُسَمَّى مِرْفَقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ سَقَطَ الْوُجُوبُ لِسُقُوطِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيمَا إذَا فُصِلَ عَظْمُ الذِّرَاعِ عَنْ عَظْمِ الْعَضُدِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْعَضُدِ أَمْ لَا؟ وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ الِاخْتِلَافُ فِي مُنْتَهَى الْمِرْفَقِ، هَلْ هُوَ طَرَفُ عَظْمِ السَّاعِدِ وَقَدْ زَالَ بِالْقَطْعِ فَلَا يُغْسَلُ أَوْ هُوَ مَجْمَعُ الْعَظْمَاتِ وَقَدْ بَقِيَ أَحَدُهُمَا فَيُغْسَلُ؟ فَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا الَّذِي تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ سَابِقٍ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الْمَذْهَبِ وَلِهَذَا قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ: نَقُولُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] لَمْ يَذْكُرْ الْمَرَافِقَ إلَّا لِامْتِدَادِ الْغَسْلِ إلَيْهِمَا سَوَاءٌ قُلْنَا إلَى ابْتِدَائِهِمَا أَوْ إلَى اسْتِغْرَاقِهِمَا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي دُخُولِهِمَا فِي الْغَسْلِ لَا فِي وُجُوبِ مَزِيدٍ عَلَيْهِمَا.
وَالْمَرَافِقُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُنْتَهَى الذِّرَاعَيْنِ فَإِذَا خَرَجَ الذِّرَاعُ بِنِهَايَتِهِ فَقَدْ خَرَجَ الْمِرْفَقُ قَطْعًا إلَّا أَنْ يَزْهَقَ الْقَاطِعُ فَيَفْصِلُ بَقِيَّةً مِنْ الْمِرْفَقِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْعَضُدِ يَعْرِفُ ذَلِكَ النَّاسُ وَتَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلِيَغْسِلْ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ إذَا زَادَ الْمَاءُ عَلَى مِرْفَقَيْهِ فَذَلِكَ لِضَرُورَةِ اسْتِيعَابِ الْمِرْفَقَيْنِ كَمَا يُمْسِكُ الصَّائِمُ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ، فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ تَوَابِعِ الْمِرْفَقَيْنِ فَإِذَا زَالَ الْمِرْفَقَانِ سَقَطَ حُكْمُ تَوَابِعِهِمَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَلَوْ وَقَعَ الْقَطْعُ دُونَ الْمِرْفَقِ فَانْكَشَطَتْ جِلْدَةٌ وَبَقِيَتْ مُعَلَّقَةً فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالذِّرَاعِ أَوْ بِالْمِرْفَقِ وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ جَاوَزَتْ الْعَضُدَ إلَى الْمِرْفَقِ وَبَقِيَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْعَضُدِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا اعْتِبَارًا بِأَصْلِهَا فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الذِّرَاعِ وَسَيَكُونُ لِلذِّرَاعِ جِلْدَةٌ أُخْرَى،
وَكَذَلِكَ إنْ قُطِعَتْ مِنْ الْعَضُدِ وَبَلَغَتْ إلَى الْمِرْفَقِ أَوْ الذِّرَاعِ وَبَقِيَتْ مُتَدَلِّيَةً فِيهِ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الذِّرَاعِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهَا وَمَوْضِعِ اسْتِمْدَادِ حَيَاتِهَا.
قَالَ: وَهَذَا التَّفْرِيعُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَنْهَجِ الصَّوَابِ إلَّا الْفَرْعَ الْأَخِيرِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِرْفَقِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مِنْ قَبْلُ، وَمَا لَا يَجِبُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَصِيرُ وَاجِبًا انْتَهَى.
وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ سَابِقٍ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ وَقَعَ الْقَطْعُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمِرْفَقِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ ذَلِكَ وَلَا مَسْحُهُ خِلَافًا لِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِظَاهِرِ الْيَدِ وَقَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طُهْرٌ ثَانٍ إلَّا بِوُجُودِ سَبَبِ أَصْلِ الطَّهَارَةِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فِي كَفِّهِ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْيَدِ وَالْيَدُ تَتَنَاوَلُهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا إحْسَاسٌ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ إنْ وَجَدَ الْأَقْطَعُ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ بِأُجْرَةٍ، كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَدَرَ عَلَى لَمْسِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَدَلُّكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَأْتِي بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْوُضُوءِ وَيَسْقُطُ مَا عَجَزَ عَنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّدَلُّكِ فَإِذَا فَاتَ التَّدَلُّكُ فَلَا غَسْلَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ وَجْهِهِ بِالْأَرْضِ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّهِ وَاعْتِبَارًا بِمَا تَصِلُ إلَيْهِ الْيَدُ مِنْ الظَّهْرِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ.
(قُلْتُ) وَمَا اسْتَظْهَرَهُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا وَجْهَ لِمُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّ الدَّلْكَ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ كَمَا ذُكِرَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا عَجَزَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَسْلِ فَرْجِهِ، وَفِي فَصْلِ الْغُسْلِ الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَى بَدَنِهِ، وَفِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ سَمَاع ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَقْطَعِ أَيَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: كَيْفَ يَتَوَضَّأُ؟ قِيلَ: يُوَضِّئُهُ غَيْرُهُ.
فَقَالَ: كَمَا يَتَوَضَّأُ كَذَلِكَ يَتَيَمَّمُ التَّيَمُّمُ مِثْلُ الْوُضُوءِ.
وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ طَالَتْ أَظَافِرُهُ وَخَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ كَأَهْلِ السِّجْنِ وَغَيْرِهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَصَلَّى فَهَلْ يَخْرُجُ عَلَى مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَنْ حَدِّ الْعُضْوِ أَوْ لَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يُعَدُّ زِيَادَةً فِي الْعُضْوِ بِخِلَافِ الظُّفْرِ فَإِنَّهُ مِنْ نَفْسِ الْيَدِ، وَلِهَذَا نَجِدُ أَصْلَهُ حَيًّا كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَإِنَّمَا هُوَ لَمَّا طَالَ انْقَطَعَتْ الْحَيَاةُ عَنْهُ فَصَارَ كَأُصْبُعٍ لَحِقَهَا شَلَلٌ أَوْ زَمَانَةٌ؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى مِنْ الطِّرَازِ وَجَزَمَ ابْنُ عَرَفَةَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: وَغَسْلُ مَا طَالَ مِنْ الظُّفْرِ كَالْمَسْجُونِ كَمَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِيمَا طَالَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ جَزَمَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَرَكَهُ وَصَلَّى فَهَلْ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ لَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ؟ .
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَلَوْ سَلَّمْنَا دُخُولَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ وُجُوبُ غَسْلِ مَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا طَالَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَلَامُ عَلَى إزَالَةِ وَسَخِ الْأَظْفَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَنَقْضِ غَيْرِهِ.
ص (كَكَفٍّ بِمَنْكِبٍ)
ش: الْكَفُّ الْيَدُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَالْمَنْكِبُ مَجْمَعُ عَظْمَاتِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ خُلِقَتْ لَهُ كَفٌّ فِي مَنْكِبِهِ وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ عَضُدٌ وَلَا سَاعِدٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ تِلْكَ الْكَفِّ وَقَالَهُ فِي السُّلَيْمَانِيَّة وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَنْ نَبَتَتْ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا مِنْ مِرْفَقِهِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْعَضُدِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي شَامِلِهِ
إنْ كَانَتْ قَصِيرَةً لَا تَبْلُغُ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةً بِحَيْثُ تُحَاذِي الذِّرَاعَ فَهَلْ لَا يَجِبُ إذْ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ أَوْ يَجِبُ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى يَدًا؟ قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي ذَكَرَهُ لِلشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ أَيْضًا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَلَكِنَّهُ رَآهُ عَنْهُ مُوَافِقًا لِلْمَذْهَبِ فَذَكَرَهُ وَكَلَامُ الطِّرَازِ أَتَمُّ تَحْرِيرًا مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَالَ: لَوْ كَانَتْ لَهُ كَفٌّ زَائِدَةٌ فَإِنْ كَانَتْ فِي ذِرَاعِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدَّرْنَا يَدًا زَائِدَةً فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ فَإِنْ كَانَتْ بِمِرْفَقٍ وَجَبَ غَسْلُهَا إلَى الْمِرْفَقِ لَتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِمِرْفَقٍ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ سَوَاءٌ بَلَغَتْ أَصَابِعُهَا إلَى حَدِّ الْمِرْفَقِ أَمْ لَمْ تَبْلُغْ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَذُكِرَ عَنْهُمْ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ نَبَتَ ذِرَاعٌ فِي الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا وَإِنْ نَبَتَ فِي الْعَضُدِ فَلَمْ يَمْتَدَّ إلَى الذِّرَاعِ الْأَصْلِيَّةِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ امْتَدَّ إلَى الذِّرَاعِ الْأَصْلِيَّةِ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَجَعَلَهَا عَبْدُ الْحَمِيدِ مَسْأَلَةَ نَظَرٍ وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
وَأَجْحَفَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي اخْتِصَارِهِ فَقَالَ: لَوْ نَبَتَ فِي ذِرَاعٍ أُخْرَى أَوْ فِي الْعَضُدِ وَامْتَدَّتْ إلَى الذِّرَاعِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْجَبَ بَعْضُهُمْ غَسْلَ الثَّانِيَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَمْتَدَّ الذِّرَاعُ إلَى الذِّرَاعِ الْأَصْلِيَّةِ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَلَوْ كَانَتْ لَهَا مِرْفَقٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَيَشْهَدُ لَهُ الْفَرْعُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ هَذَا عَنْ السُّلَيْمَانِيَّة.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي السُّلَيْمَانِيَّة فِي امْرَأَةٍ خُلِقَتْ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى أَسْفَلَ خِلْقَةَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَى فَوْقٍ خِلْقَةَ امْرَأَتَيْنِ: أَنَّهَا تَغْسِلُ مِنْهَا مَحَلَّ الْأَذَى وَتَغْسِل الْوَجْهَيْنِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً وَالْأَيْدِي الْأَرْبَعَ وَتَمْسَحُ الرَّأْسَيْنِ وَتَغْسِلُ الرِّجْلَيْنِ، نَقَلَهُ عَنْهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي وَغَيْرُهُمْ، وَقَوْلُهُ: فَرْضًا أَوْ سُنَّةً يَعْنِي تَغْسِلُ الْمَفْرُوضَ وَالْمَسْنُونَ كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ زَادَ فِي السُّلَيْمَانِيَّة قِيلَ لَهُ: أَفَتُوطَأُ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِلَفْظِ وَيَصِحُّ وَطْؤُهَا بِنِكَاحٍ وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَنْعِ ذَلِكَ لِوَحْدَةِ مُتْعَةِ الْوَطْءِ لِاتِّحَادِ مَحَلِّهِ.
(قُلْتُ) وَانْظُرْ لَوْ كَانَ رَجُلًا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَيْضًا امْرَأَةً نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ مَحَلِّ الْوَطْءِ أَوْ يُمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَا امْرَأَةً وَاحِدَةً فَتَأَمَّلْهُ أَيْضًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَرَأَيْت فِي تَارِيخِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ أَنَّ صَبِيَّةً وُلِدَتْ لَهَا رَأْسَانِ وَرَقَبَتَانِ وَوَجْهَانِ وَأَرْبَعُ أَيْدٍ عَلَى بَدَنٍ وَاحِدٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ فِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي آخِرِهَا: رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ بَلْدَةً مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ فَرَأَيْت بِهَا إنْسَانًا مِنْ وَسَطِهِ إلَى أَسْفَلِهِ بَدَنُ امْرَأَةٍ وَمِنْ وَسَطِهِ إلَى فَوْقِهِ بَدَنَانِ مُفْتَرِقَانِ بِأَرْبَعِ أَيْدٍ وَرَأْسَيْنِ وَوَجْهَيْنِ وَهُمَا يَتَقَاتَلَانِ وَيَتَلَاطَمَانِ وَيَصْطَلِحَانِ وَيَأْكُلَانِ وَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ غِبْتُ عَنْهُمَا سَنَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعْتُ فَقِيلَ أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ فِي أَحَدِ الْجَسَدَيْنِ تُوُفِّيَ وَرُبِطَ مِنْ أَسْفَلِهِ بِحَبْلٍ وَثِيقٍ وَتُرِكَ حَتَّى ذَبُلَ ثُمَّ قُطِعَ، فَعَهْدِي بِالْجَسَدِ الْآخَرِ فِي السُّوقِ جَائِيًا وَذَاهِبًا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي السُّلَيْمَانِيَّة: وَمَنْ خُلِقَ بِلَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ وَلَا دُبُرٍ وَلَا ذَكَرٍ وَيَتَغَوَّطُ وَيَبُولُ مِنْ سُرَّتِهِ يَغْسِلُ مَكَانَ الْقَذَرِ وَيَفْعَلُ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ خَاصَّةً نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِلَفْظِ: وَمَنْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا رِجْلَ وَلَا دُبُرَ وَلَا ذَكَرَ وَفَضْلَتُهُ مِنْ سُرَّتِهِ فَهِيَ كَدُبُرِهِ، وَفَرْضُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ سَاقِطٌ فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: كَدُبُرِهِ أَنَّهُ إذَا مَسَّهَا لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
ص (بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ)
ش: كَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا بِالْبَاءِ الَّتِي لِلْمُصَاحَبَةِ يَعْنِي أَنَّ الْفَرِيضَةَ الثَّالِثَةَ هِيَ غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ
مَعَ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ وَكَأَنَّهُ فِي نُسْخَةِ الْبِسَاطِيِّ بِالْوَاوِ فَقَالَ: مَرْفُوعٌ بِالْعَطْفِ عَلَى غَسْلِ وَيُحْتَمَلُ النَّصْبُ عَلَى الْمَعِيَّةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى قَوْلِهِ بِمِرْفَقِيِّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ هُوَ الْمَشْهُور قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي طَلَبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الطَّلَبِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ نَدْبٌ؟ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْوُجُوبُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) قَوْلُهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي طَلَبِهِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَبِالِاسْتِحْبَابِ لِابْنِ شَعْبَانَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْأَوَّلُ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ التَّدَلُّكِ وَالثَّانِي عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ أَوْ لِأَنَّهَا يَحْتَكُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ التَّدَلُّكِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَأَمَّا ابْنُ بَشِيرٍ فَحَكَى الْوُجُوبَ وَالسُّقُوطَ وَظَاهِرُهُ الْإِبَاحَةُ فَتَكُونُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ إلَى النَّدْبِ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا.
(قُلْتُ) حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ فِي التَّخْلِيلِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَالَ: وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا أَوْجَبَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ شَعْبَانَ.
ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ رَجَعَ مَالِكٌ عَنْ إنْكَارِهِ لِوُجُوبِهِ لَمَّا أَخْبَرْتُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَلِّلُهُمَا فِي وُضُوئِهِ» انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: فِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبُ وَالِاسْتِحْبَابُ وَالْإِنْكَارُ انْتَهَى.
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَصُّهُ: وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي طَلَبِ التَّخْلِيلِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ دَلِيلٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِابْنِ لَهِيعَةَ: ثَالِثُهَا مَا سُمِعَ مِنْهُ قَبْلَ حَرْقِ كُتُبِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: فِي رُجُوعِ مَالِكٍ إلَى الْوُجُوبِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَخْلِيلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعَمُّ مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَرُجُوعِ مَالِكٍ إلَى مَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ لِمَكَانَتِهِ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ قَرَأَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ عَالِمٍ وَمَعَ هَذَا كَانَ يَقُولُ: لَوْلَا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَضَلَلْتُ.
وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الطِّرَازِ لِلْوُجُوبِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد بِأَنَّ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَوَجَبَ دَلْكُهُ، وَاسْتَدَلَّ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَقَلَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصِّحَاحِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ يَتَخَلَّلُ الْأَصَابِعَ وَهِيَ تَمَاسُّ بَعْضَهَا فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ الْغَسْلِ وَنَحْوُهُ لِلْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ: لَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْيَدِ، وَإِنَّمَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيلِهَا لِيَحْصُلَ اسْتِيعَابُهَا أَوْ ذَلِكَ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ لِاحْتِكَاكِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؟ .
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بِحَيْثُ يُدْخِلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي خِلَالِ الْيُمْنَى مِنْ ظَاهِرِهَا لَا مِنْ بَاطِنِهَا وَالْيُمْنَى فِي خِلَالِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَا يُدْخِلُهَا مِنْ بَاطِنِهَا؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيكٌ وَالتَّشْبِيكُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَا يَتَوَصَّلُ لِمَقْصُودِ دَلْكِ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ مُسْتَوْفًى انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَصِفَةُ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَنْ يُدْخِلَ بَعْضَهَا فِي فَرْجِ بَعْضٍ مِنْ ظَاهِرٍ لَا مِنْ بَاطِنٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ بِخِلَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إنَّمَا تُخَلَّلُ مِنْ أَسْفَلِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ، وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى فِي غَسْلِهَا وَأَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي غَسْلِهَا، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُكْرَهُ التَّشْبِيكُ إلَّا فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُعْتَبَرُ مَا فِي التَّعَالِيقِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْوُضُوءِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا كُلُّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْ جِهَةُ الْأَوْلَى، وَكَيْفَمَا خَلَّلَ أَجْزَاهُ،
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْجُزُولِيِّ وَيُخَلِّلُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ.
(الثَّانِي) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَيْضًا: ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّحَفُّظَ عَلَى الْبَرَاجِمِ وَهِيَ عُقُودُ الْأَنَامِلِ مِنْ مَحَلِّ اشْتِرَاكِهَا، وَعَلَى الرَّوَاجِبِ وَهِيَ رُءُوسُ الْأَصَابِعِ قَائِلًا: يَجْمَعُهَا ثُمَّ يَحُكُّهَا فِي كَفِّهِ وَالتَّحَفُّظُ عَلَى بَاطِنِ الْكَفِّ أَيْضًا انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَنَحْوُهُ لِلْجُزُولِيِّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَفِي الصِّحَاحِ الْبَرْجَمَةُ بِالضَّمِّ وَاحِدَةُ الْبَرَاجِمِ وَهِيَ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ الَّتِي بَيْنَ الْأَشَاجِعِ، وَالرَّوَاجِبُ وَهِيَ رُءُوسُ السُّلَامَيَاتِ مِنْ ظَاهِرِ الْكَفِّ إذَا قَبَضَ الْقَابِضُ كَفَّهُ نُشِرَتْ وَارْتَفَعَتْ انْتَهَى.
وَقَالَ: الْأَشَاجِعُ أُصُولُ الْأَصَابِعِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِعَصَبِ ظَاهِرِ الْكَفِّ، الْوَاحِدُ شَجَعٌ وَنَاسٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَشْجَعَ مِثْلُ أَصْبَعٍ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَبُو الْغَوْثِ وَقَالَ: وَالرَّاجِبَةُ فِي الْأَصَابِعِ وَاحِدَةُ الرَّوَاجِبِ وَهِيَ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ الَّتِي تَلِي الْأَنَامِلَ ثُمَّ الْبَرَاجِمَ ثُمَّ الْأَشَاجِعَ اللَّاتِي يَلِينَ الْكَفَّ، وَفِي الْقَامُوسِ الرَّوَاجِبُ وَهِيَ أُصُولُ الْأَصَابِعِ أَوْ بُطُونُ مَفَاصِلِهَا أَوْ هِيَ قَصَبُ الْأَصَابِعِ أَوْ مَفَاصِلُهَا أَوْ ظَاهِرُ السُّلَامَيَاتِ أَوْ مَا بَيْنَ الْبَرَاجِمِ مِنْ السُّلَامَيَاتِ، وَاحِدَتُهَا رَاجِبَةٌ وَرُجْبَةٌ وَفَسَّرَ الْأَشَاجِعَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الصِّحَاحِ وَقَالَ: الْبُرْجُمَةُ بِالضَّمِّ الْمِفْصَلُ الظَّاهِرُ أَوْ الْبَاطِنُ مِنْ الْأَصَابِعِ أَوْ رُءُوسُ السُّلَامَيَاتِ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: السُّلَامَيَاتُ عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْإِشَارَاتِ وَقَالَ: أَرَى وَاحِدَهَا سُلَامَى بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالْجَمْعُ سُلَامَيَاتٌ قَالَ: وَهِيَ الْمَفَاصِلُ وَالْأَعْضَاءُ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الْبَرَاجِمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمَّهَا وَهِيَ الْعُقَدُ الْمُشَنَّجَةُ الْجِلْدِ فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ وَهِيَ مَفَاصِلُهَا فِي وَسَطِهَا بَيْنَ الرَّوَاجِبِ وَالْأَشَاجِعِ، وَالرَّوَاجِبُ هِيَ الْمَفَاصِلُ الَّتِي تَلِي رُءُوسَ الْأَصَابِعِ، وَالْأَشَاجِعُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْمَفَاصِلُ الَّتِي تَلِي ظَهْرَ الْكَفِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الرَّوَاجِبُ وَالْبَرَاجِمُ جَمِيعًا هِيَ مَفَاصِلُ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا كَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَآخَرُونَ: وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْبَرَاجِمِ وَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَمْ أَرَ مَنْ فَسَّرَ الرَّوَاجِبَ بِأَنَّهَا رُءُوسُ الْأَصَابِعِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَنْ يَخْتِمَ الْمُتَطَهِّرُ أَبَدًا بِالْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ مُرَاعَاةً لِظَاهِرِ الْغَايَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، لَكِنَّ الْأَدَبَ أَوْلَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِغَسْلِ أَوَّلِهَا.
ص (لَا إجَالَةِ خَاتَمِهِ)
ش: بِالْجَرِّ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ أَيْ الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ مَعَ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ لَا مَعَ إجَالَةِ خَاتَمِهِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ إجَالَةَ الْخَاتَمِ أَيْ تَحْرِيكَهُ لَا تَجِبُ فِي الْوُضُوءِ يُرِيدُ وَلَا فِي الْغُسْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ ضَيِّقًا أَوْ وَاسِعًا وَهَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَدْ عَضَّ فِي أُصْبُعِهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ خَاتَمِهِ فِي الْوُضُوءِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا فِي الْغُسْلِ وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ.
قَالَ: لَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُحَرِّكَ خَاتَمَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِثْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِأَبِي زَيْدٍ فِي الَّذِي يَكُونُ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ قَدْ عَضَّ وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ سَلِسًا فَالْمَاءُ يَصِلُ إلَى مَا تَحْتَهُ وَيَغْسِلُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَضَّ بِأُصْبُعِهِ صَارَ كَالْجَبِيرَةِ لِمَا أَبَاحَ الشَّارِعُ لَهُ مِنْ لِبَاسِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِيمَنْ لَصِقَ بِذِرَاعِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعَجِينِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: كَلَامُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ تَعْلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَاتَمَ لَمَّا كَانَ لِبَاسُهُ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ كَالْخُفِّ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ لِرِقَّتِهِ يَصِلُ إلَى مَا تَحْتَهُ.
قَالَ
ابْنُ فَرْحُونٍ: وَالتَّعْلِيلَانِ ضَعِيفَانِ (أَمَّا الثَّانِي) فَلِأَنَّ الْإِجَالَةَ مَطْلُوبَةٌ لِتَحْصِيلِ الدَّلْكِ لَا لِوُصُولِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ مَسْحٌ وَالْأَصْلُ الْغَسْلُ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْخُفِّ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَعَلَى صِحَّتِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِكَوْنِ لُبْسِهِ مَطْلُوبًا وَلِيَسَارَةِ مَحَلِّهِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ تَقْوِيَةٌ لِهَذَا الْقَوْلِ وَكَذَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ تَجِبُ إجَالَتُهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ تَعْمِيمَ الْيَدِ وَاجِبٌ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِبَاحَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّهُ الظَّاهِرُ وَقِيلَ: تَجِبُ إجَالَةُ الضَّيِّقِ دُونَ الْوَاسِعِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْزِعُهُ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّدْبَ وَالْوُجُوبَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إنْ أَرَادَ النَّدْبَ فَلَهُ وَجْهٌ لِتَيَقُّنِ حُصُولِ الدَّلْكِ وَإِنْ أَرَادَ الْوُجُوبَ فَلَا مَعْنَى لَهُ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ مُحْتَمِلُ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ يُرَدُّ بِأَنَّ لَفْظَ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهُ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَلِهَذَا قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَجَعَلَ الْقَابِسِيُّ الثَّالِثَ تَفْسِيرًا انْتَهَى.
وَأَكْثَرُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ وَحَكَى ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْجُزُولِيِّ قَوْلًا بِعَكْسِ الثَّالِثِ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا تَجِبُ إجَالَتُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا وَجَبَتْ إجَالَتُهُ وَهُوَ غَرِيبٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَكَانَ ضَيِّقًا فَيَنْبَغِي إذَا نَزَعَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ أَنْ يَغْسِلَ مَحَلَّهُ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُ لَمْ يُجْزِهِ كَالْجَبِيرَةِ، إلَّا إنْ كَانَ يَتَيَقَّنُ إيصَالَ الْمَاءِ وَإِصَابَتَهُ لِمَا تَحْتَهُ انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ نَاقِلًا عَنْ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَقَالَ: وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَكَانَ ضَيِّقًا فَنَزَعَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَهُ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ إصَابَةَ الْمَاءِ لِمَا تَحْتَهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْجَبِيرَةِ وَعَبَّرَ عَنْ غَسْلِ الْخَاتَمِ بِالْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْفَرْضُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ صَارَ كَالْجَبِيرَةِ الَّتِي حُكْمُهَا الْمَسْحُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الطِّرَازِ هَذَا حُكْمُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ وَلَا يُعْفَى عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهُ وَدَلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِهِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ حَتَّى قَالَ سَحْنُونٌ: يُعِيدُ لَابِسُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَبِلُوهُ وَنَحْوُهُ مَا حَكَى ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ شَيْخِهِ الشَّبِيبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِعَدَمِ الْإِجَالَةِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ مُطْلَقًا وَيُخَصَّصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِلُبْسِهِ الْمَعْصِيَةَ فَإِنْ قَصَدَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إجَالَتِهِ وَنَزْعِهِ.
قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْعَاصِيَ لَا يَتَرَخَّصُ بِالْقَصْرِ وَالْفِطْر، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ هُنَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ يَقُولُ هَذَا الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِلِبَاسِهِ الْمَعْصِيَةَ وَأَمَّا إنْ قَصَدَ ذَلِكَ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى النَّزْعِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ لَا أَعْرِفُهُ، وَأُصُولُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ عُمُومًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَهَلْ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَكِنَّ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّبِيبِيُّ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: " لَا بُدَّ مِنْ إجَالَتِهِ أَوْ نَزْعِهِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَوْ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا كَافٍ وَيَأْتِي الْكَلَامُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى بِخَاتَمِ الذَّهَبِ فِي فَصْلِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَاتَمَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ لَا يَنْتَهِي إلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ كَمَا فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِنَزْعِهِ ابْتِدَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَرَاهَةِ لُبْسِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَنَقْصِ غَيْرِهِ)
ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ هَذِهِ
اللَّفْظَةُ مِمَّا تَحَيَّرَ الشُّرَّاحُ فِي ضَبْطِهَا وَمَعْنَاهَا وَعَلَى أَيْ شَيْءٍ مَعْطُوفَةٍ فَمِنْ قَائِلٍ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ مِنْ النُّقْصَانِ، وَيَجْعَلُهُ مَصْدَرًا مُضَافًا لِغَيْرِ مَعْطُوفًا عَلَى مِعْصَمٍ أَيْ يَجِبُ غَسْلُ بَقِيَّةِ مِعْصَمٍ وَبَقِيَّةِ نَقْصِ غَيْرِهِ قَالَ: وَأَرَادَ بِهِ مَسْأَلَةَ السُّلَيْمَانِيَّة يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَةَ فِيمَنْ خُلِقَ بِلَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ وَلَا ذَكَرٍ وَلَا دُبُرٍ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: قَالَ هَذَا الْقَائِلُ، وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ قَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ: وَيَغْسِلُ أَقْطَعَ الرِّجْلَيْنِ مَوْضِعَ الْقَطْعِ وَبَقِيَّةَ الْكَعْبَيْنِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَقُولُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي دُخُولِ مَسْأَلَةِ السُّلَيْمَانِيَّة تَحْتَ كَلَامِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى إجَالَةٍ أَيْ وَلَا غَسْلِ عُضْوٍ مَنْقُوصٍ غَيْرِ الْمِعْصَمِ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى لَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عُضْوِ الْمَحْذُوفِ انْتَهَى.
أَكْثَرُهُ بِالْمَعْنَى، وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالضَّبْطِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِغَيْرِ وَأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمِعْصَمِ لَكِنَّهُ جَعَلَ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى بَقِيَّةٍ أَيْ يَجِبُ غَسْلُ بَقِيَّةِ الْمِعْصَمِ وَغَسْلُ نَقْصِ غَيْرِهِ أَيْ بَقِيَّتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَسَطِ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مُبْتَدَأً أَوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ نَقْصُ غَيْرِ الْمِعْصَمِ كَذَلِكَ أَيْ كَنَقْصِ الْمِعْصَمِ يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا إذَا خُلِقَ نَاقِصَ الْمِعْصَمِ وَخُلِقَتْ كَفُّهُ بِمَنْكِبِهِ سَقَطَ غَسْلُ الْمِعْصَمِ.
كَذَلِكَ إذَا خُلِقَ نَاقِصَ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ غَيْرَ الْمِعْصَمِ سَقَطَ غَسْلُ ذَلِكَ الْعُضْوِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ السُّلَيْمَانِيَّة.
ذَكَرَ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْكَبِيرِ لَكِنْ بِعِبَارَةٍ مُخْتَصَرَةٍ قَدْ يَعْسُرُ فَهْمُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي مِنْهُمَا هُوَ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي الْمُتَقَدِّمُ فِي كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ ثُمَّ قَالَ الْبِسَاطِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَقَالَ آخَرُ: هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَقَالَ يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ لُصِقَ بِذِرَاعِهِ قَدْرُ الْخَيْطِ مِنْ الْعَجِينِ لَا يَصِلُ الْمَاءُ لِمَا تَحْتَهُ فَصَلَّى بِذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى إجَالَةٍ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى بَقِيَّةٍ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَقُولُ مَا مَعْنَى النَّقْضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِزَالَةُ فَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا تَكَلَّمَا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَكَلَامُهُ الْآن فِيمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَوَضِّئُ وَعِنْدِي أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى إجَالَةٍ وَأَنَّهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُضَافًا إلَى غَيْرِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى هَكَذَا وَلَا تَجِبُ إجَالَةُ الْخَاتَمِ وَلَا نَقْضُ غَيْرِهِ أَيْ إزَالَتُهُ مِمَّا يُشْبِهُ كَالْحِلَقِ الَّتِي تَلْبَسُهَا الرُّمَاةُ بَلْ يَكْفِي إجَالَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَنُقِضَ غَيْرُهُ أَيْ نُزِعَ وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ ذَلِكَ مَنْقُولًا وَلَا يَبْعُدُ عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ انْتَهَى.
وَفِي عِبَارَتِهِ مُسَامَحَةٌ حَيْثُ جَزَمَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى إجَالَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الِاحْتِمَالَيْنِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي مِنْهُمَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْعَطْفِ وَإِنَّمَا تَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
(قُلْتُ) وَتَحَصَّلَ لِي فِي ذَلِكَ مِمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الشُّرَّاحِ احْتِمَالَاتٌ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ " نَقْصِ " إنْ كَانَ بِسُكُونِ الْقَافِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا مَعْطُوفًا عَلَى بَقِيَّةِ أَيْ يَجِبُ غَسْلُ بَقِيَّةِ مِعْصَمٍ وَيَجِبُ غَسْلُ نَقْصِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَيْ بَقِيَّتِهِ.
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالْعَطْفِ عَلَى كَفٍّ بِمَنْكِبٍ وَهُوَ كَالْأَوَّلِ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَيْ وَنَقْصُ غَيْرِ الْمِعْصَمِ كَذَلِكَ أَيْ كَنَقْصِ الْمِعْصَمِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَمَا قَبْلَهُ
(الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالْعَطْفِ عَلَى إجَالَةِ أَيْ لَا تَجِبُ إجَالَةُ الْخَاتَمِ وَلَا غَسْلُ عُضْوٍ مَنْقُوصٍ غَيْرَ الْمِعْصَمِ يَعْنِي أَنَّ الْعُضْوَ إذَا نَقَصَ مِنْ الشَّخْصِ سَقَطَ عَنْهُ غَسْلُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ عَائِدٌ عَلَى الْمِعْصَمِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ يَدُورُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي شُرُوحِهِ أَيْ وَنَقْصُ غَيْرِ الْمِعْصَمِ كَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ بَقِيَّةَ غَيْرِ الْمِعْصَمِ كَبَقِيَّةِ الْمِعْصَمِ وَأَنْ
يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ إذَا نَقَصَ مِنْ الشَّخْصِ عُضْوٌ غَيْرُ الْمِعْصَمِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ غَسْلُهُ كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ الْمِعْصَمِ إذَا لَمْ يُخْلَقْ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَطْفِ عَلَى إجَالَةٍ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ الْبِسَاطِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَاسْتَبْعَدَهُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ نَقْضٍ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا، فَإِنْ جُعِلَ اسْمًا فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالْعَطْفِ عَلَى بَقِيَّةٍ أَيْ يَجِبُ نَقْضُ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ عَجِينٍ وَشَمْعٍ وَغَيْرِهِ.
(الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالْعَطْفِ عَلَى إجَالَةِ أَيْ لَا يَجِبُ نَقْضُ غَيْرِ الْخَاتَمِ أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ وَيُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةِ مَنْ لُصِقَ بِذِرَاعِهِ أَوْ ظُفْرِهِ قَدْرُ الْخَيْطِ مِنْ الْعَجِينِ وَنَحْوِهِ وَصَلَّى، فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى بَقِيَّةٍ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى إجَالَةٍ فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ ابْنِ دِينَارٍ هَكَذَا ذَكَرَ الْبِسَاطِيُّ عَنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
(قُلْتُ) وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَى بَقِيَّةٍ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى: وَيَجِبُ غَسْلُ بَقِيَّةِ مِعْصَمٍ وَغَسْلُ نَقْضِ غَيْرِهِ وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ وَإِذَا جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَى إجَالَةٍ يَصِيرُ الْمَعْنَى لَا تَجِبُ إجَالَةُ الْخَاتَمِ وَلَا نَقْصُ غَيْرِهِ أَيْ نَقْضُ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ الْحَائِلَاتِ الْمَانِعَةِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ إزَالَتُهُ ابْتِدَاءً وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَائِلُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، وَقَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْيَسِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَائِدٌ إلَى الْخَاتَمِ وَغَيْرُ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ السِّتَّةِ مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ.
وَإِنْ جَعَلْنَا اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ فِعْلًا فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَوْ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ إلَى الْمُتَوَضِّئِ وَغَيْرُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَعَلَى الثَّانِي فَغَيْرُ مَرْفُوعَةٌ عَلَى النِّيَابَةِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ غَيْرُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَائِدٌ إلَى الْخَاتَمِ أَيْضًا كَالْوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ غَازِيٍّ وَقَالَ: هَذَا أَمْثَلُ مَا يُضْبَطُ بِهِ وَأَبْعَدُهُ مِنْ التَّكَلُّفِ وَالضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ لِلْخَاتَمِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ إذْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ أَيْ وَنَزْعُ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ كُلِّ حَائِلٍ فِي يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَا يَجْعَلهُ الرُّمَاةُ وَغَيْرُهُمْ فِي أَصَابِعِهِمْ مِنْ عَظْمٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا يُزَيِّنُ بِهِ النِّسَاءُ وُجُوهَهُنَّ وَأَصَابِعَهُنَّ مِنْ النَّقْطِ الَّذِي لَهُ جَسَدٌ وَمَا يُكَثِّرْنَ بِهِ شُعُورَهُنَّ مِنْ الْخُيُوطِ وَمَا يَكُونُ فِي شَعْرِ الْمَرْأَةِ مِنْ حِنَّاءَ أَوْ حَنْتِيتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَهُ تَجَسُّدٌ أَوْ مَا يُلْصَقُ بِالظُّفْرِ أَوْ بِالذِّرَاعِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ عَجِينٍ أَوْ زِفْتٍ أَوْ شَمْعٍ أَوْ نَحْوِهَا وَكَوْنُهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُعَيَّنَةً فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الضَّبْطِ وَإِرَادَةِ هَذَا الْعُمُومِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَا سِيَّمَا الْحِنَّاءُ فَإِنَّهُ سَكَتَ عَنْ تَعْيِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَشَاهِيرِ الْكُتُبِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا لَا يُسْكَتُ عَنْهُ غَالِبًا إلَّا إذَا أَدْرَجَهُ فِي عُمُومٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمَّا تَحَدَّثَ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْخَاتَمِ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَقَدْ لُصِقَ بِظُفْرِهِ أَوْ بِذِرَاعِهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْ الْعَجِينِ أَوْ الْقِيرِ أَوْ الزِّفْتِ قَوْلَيْنِ وَقَالَ: الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا تَخْفِيفُ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو زَيْدِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْعُتْبِيَّةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلِ أَشْهَبَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْعُتْبِيَّةِ.
.
(قُلْتُ) لَا خَفَاءَ أَنَّ هَذَا فِي الْيَسِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ، وَكَوْنُ ابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْخَاتَمِ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ لَفْظَ الْمُؤَلِّفِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) لَا خَفَاءَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَفِي كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ مَا اسْتَظْهَرَهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ أَيْضًا: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ
قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ وَمُوَالَاتِهِ: أَمَّا حُكْمُ اللُّمْعَةِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْإِيعَابِ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ مَفْرُوضَاتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ لَصِقَ بِذِرَاعَيْهِ قَدْرُ الْخَيْطِ مِنْ الْعَجِينِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ فَيُصَلِّي بِذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمُ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَهَذَا لَمْ يَغْسِلْ وَجْهَهُ وَإِنَّمَا غَسَلَ وَجْهَهُ إلَّا لُمْعَةً وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» وَقَوْلُهُ لِمَنْ تَرَكَ قَدْرَ ظُفْرٍ عَلَى رِجْلِهِ «أَعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ اسْمَ الْغَسْلِ يَثْبُتُ بِدُونِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ مِنْ الرَّأْسِ فِي مَسْحِهِ هَذَا الْقَدْرُ لَأَجْزَاهُ، فَكَذَلِكَ الْوَجْهُ فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَاغْتِفَارُ ذَلِكَ الْقَدْرِ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَالْخَاتَمِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَرْكِ الْيَسِيرِ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ فِيمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إذَا كَانَتْ لُمْعَةً يَسِيرَةً كَالْخَيْطِ الرَّقِيقِ مِنْ الْعَجِينِ وَالْمَشْهُورُ اغْتِفَارُهُ ذَكَرَهُ فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ بِهِ وَصَرَّحَ الْبُرْزُلِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَقْضِ غَيْرِهِ مَا يَجْعَلُهُ الرُّمَاةُ وَغَيْرُهُمْ فِي أَصَابِعِهِمْ مِنْ عَظْمٍ وَنَحْوِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - إذَا كَانَ ذَلِكَ ضَيِّقًا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ وَاسِعًا يَدْخُلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ فَتَكْفِي إجَالَتُهُ، وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ فَإِنَّهُ إنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا هُوَ حَائِلٌ فَقَالَ: أَيْ وَنَقْضِ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْ كُلِّ حَائِلٍ فِي يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبُرْزُلِيِّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ عَنْ السُّيُورِيِّ يُزَالُ الْقَذْيَ مِنْ أَشْفَارِ الْعَيْنِ إذَا لَمْ يَشُقَّ جِدًّا، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فَإِنْ صَلَّى بِهِ وَكَانَ يَسِيرًا مِثْلَ خَيْطِ الْعَجِينِ وَالْمِدَادُ فِيهِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ فِيهِ الْإِعَادَةُ وَأَحْفَظُ لِابْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ مُغْتَفَرٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَنْ صَلَّى ثُمَّ وَجَدَ فِي عَيْنِهِ عَمَشًا أَنَّهُ قَالَ: صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ دَلَكَ عَيْنَيْهِ بِيَدَيْهِ فِي وُضُوئِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِالْقَذَى، بَلْ كُلُّ حَائِلٍ حُكْمُهُ كَذَلِكَ وَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ طَرَأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ طَرَأَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعِيدُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا، وَالْقَذَى مَقْصُورٌ وَأَشْفَارُ الْعَيْنِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا أَثَرُ الْحِنَّاءِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَلَيْسَ بِلُمْعَةٍ قَالَ فِي رَسْمِ الْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تُخَضِّبُ يَدَيْهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ مِمَّا كَانَ النِّسَاءُ يَتَحَرَّيْنَهُ لِئَلَّا يَنْقُضَ خِضَابُهُنَّ الطُّهُورَ لِلصَّلَاةِ.
ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ وَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ؛ لِأَنَّ صَبْغَ الْخِضَابِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي يَدَيْهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ عَنْهَا بِالْغُسْلِ إذَا اغْتَسَلَتْ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَتْ بِلُمْعَةٍ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا أَثَرُ النَّشَادِرِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ: كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنَّاءِ وَلَا يَعُدُّهُ لُمْعَةً وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ يَعُدُّهُ لُمْعَةً وَيَنْقُلُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَائِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ الْعَجِينِ وَنَحْوِهِ، فَعَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْخِضَابُ بِهِ وَكَذَا عِنْدَهُ الْحُرْقُوصُ الَّذِي لَا يُزَالُ بِالْمَاءِ بَلْ بِالتَّقْشِيرِ.
قَالَ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَزُولُ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهُ كَالْحُرْقُوصِ الْمُسَمَّى بِالْغُبَارِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) الظَّاهِرُ فِي النَّشَادِر مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَخُرُوجُ أَثَرِهِ عِنْدَ الْعَجِينِ وَنَحْوِهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَائِلًا؛ لِأَنَّ الْحِنَّاءَ أَيْضًا كَذَلِكَ يَخْرُجُ أَثَرُهُ عَنْ الْعَجِينِ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَعُدُّوهُ حَائِلًا، وَأَمَّا الْحُرْقُوصُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَفْصُ وَالْغَالِبُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا عُمِلَ