كِتَابِ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ أَوْلَى بِمُقَدَّمِ الدَّابَّةِ صَاحِبُهَا عَبْدُ الْحَقِّ جَاءَتْ هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْقَهَ أَوْلَى مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ أَعْلَمُ بِطِبَاعِهَا وَمَوَاضِعِ الضَّرْبِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الدَّارِ أَعْلَمُ بِقِبْلَتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكَانَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ فِيهَا رَجُلَانِ وَكِلَاهُمَا رَاكِبُهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِمُقَدَّمِهَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ انْتَهَى.
وَيُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا اكْتَرَى شَخْصٌ مِنْ صَاحِبِ دَابَّةٍ حَمَلَهُ عَلَيْهَا مَعَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّقَدُّمَ فَيُقَالُ رَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ بِلَا تَأْخِيرٍ)
ش: ذَكَرَ التِّلِمْسَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْفُقُ فِي مَشْيِهِ لِيَقُومَ الْإِمَامُ
ص (وَقَامَ بِتَكْبِيرٍ إنْ جَلَسَ فِي ثَانِيَتِهِ إلَّا مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ)
ش: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَنْطُوقِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ وَالتَّقْيِيدِ لَهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ لَهُ كَمُدْرِكِ رَكْعَتَيْنِ قَامَ بِتَكْبِيرٍ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي، قَالَ الْمَغْرِبِيُّ اُنْظُرْ قَوْلَهُ قَامَ بِتَكْبِيرٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا فِيمَا تَقَدَّمَ إلَّا فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى فَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِيُبَيِّنَ هَلْ يُكَبِّرُ أَمْ لَا، وَعَوَّلَ فِي مَا تَقَدَّمَ عَلَى مَحِلِّ التَّكْبِيرِ.
(قُلْت) وَمَا ذَكَرَهُ صَوَابٌ وَلَفْظُ اللَّخْمِيِّ: وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ كَبَّرَ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا انْتَهَى.
وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ إنْ جَلَسَ فِي ثَانِيَتِهِ أَنَّهُ إنْ جَلَسَ فِي غَيْرِ الثَّانِيَةِ، أَمَّا فِي الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُورِيُّ: وَأَنَا أُفْتِي بِهِ الْقَوْمَ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ الْأَمْرُ وَيَتَشَوَّشُونَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) وَمِثْلُ مُدْرِكِ التَّشَهُّدِ مُدْرِكُ السُّجُودِ فَقَطْ، قَالَ فِيهِ فِي آخِرِ رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مُدْرِكِ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ: إنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى قِيَاسِ أَصْلِهِ فِيهَا مِنْ أَنَّهُ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ قَامَ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ فَهُوَ تَنَاقُضٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِتَفْرِيقٍ ضَعِيفٍ لَا يَسْلَمُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - انْتَهَى.
(الثَّانِي) مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ وَجَلَسَ مَعَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ مَعَهُ، قَالَهُ أَشْهَبُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَمَّنْ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا صَلَّى مَعَهُ جَلَسَ الْإِمَامُ لِيَتَشَهَّدَ أَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ وَهِيَ لَهُ وَاحِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ يَتَشَهَّدُ، قَالَ الْقَاضِي وَجْهُ قَوْلِهِ لَمَّا جَلَسَ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعُ جُلُوسِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَجَبَ أَنْ يَتَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعُ تَشَهُّدٍ، وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ فَقَالَ
لَمَّا جَلَسَ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ صَارَ ذَلِكَ مَوْضِعَ جُلُوسٍ يُوجِبُ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَأَنْ يَقُومَ بِتَكْبِيرٍ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَشَهَّدْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ جُلُوسٍ، وَإِنَّمَا تَشَهُّدٍ لِمَا لَزِمَهُ مِنْ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى حُكْمِ صَلَاتِهِ فَلَا يُكَبِّرُ إذْ قَدْ كَبَّرَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ انْتَهَى.
ص (وَقَضَى الْقَوْلَ وَبَنَى الْفِعْلَ)
ش: الْجُزُولِيُّ وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَذِّ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَلَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوِهِ فِي قَضَائِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
ص (وَرَكَعَ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ دُونَ الصَّفِّ إنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ يَدِبُّ كَالصَّفَّيْنِ لِآخَرِ فُرْجَةٍ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا لَا سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا)
ش: اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ إذَا تَمَادَى إلَى الصَّفِّ وَظَنَّ أَنَّهُ إذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ يُدْرِكُهَا وَيُدْرِكُ الصَّفَّ بِالدَّبِّ إلَيْهِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عَنْ مَالِكٍ: الْأَوَّلُ - مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَيَدِبُّ إلَى الصَّفِّ.
الثَّانِي - رَوَاهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ.
الثَّالِثِ - رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ أَوْ يَقْرَبَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الصَّفَّ فِي دَبِّهِ فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ، وَأَنَّهُ يُدْرِكُهُ بَعْدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ إذَا رَفَعَ بَلْ يَتَمَادَى إلَى الصَّفِّ وَإِنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ، فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَلَا يَمْشِي إلَى الصَّفِّ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ حَتَّى يُتِمَّ الرَّكْعَةَ وَيَقُومَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ.
وَصَوَّبَ أَبُو إِسْحَاقَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الصَّفَّ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَا يُكَبِّرُ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى مِنْ رَسْمِ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَوَافَقَ أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى غَالِبِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ أَعْنِي فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الصَّفَّ، وَلَوْ دَبَّ إلَيْهِ لِبُعْدِهِ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْخُذَ مَكَانَهُ مِنْ الصَّفِّ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَخِيرَةَ، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَمَادَى فَاتَتْهُ فَهَاهُنَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَادَى فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَفَاتَهُ الصَّفُّ جَمِيعًا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ فِيهِ.
وَصَرَّحَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ ابْنُ عَزْمٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَصُّهُ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ وَخَافَ إنْ تَمَادَى إلَى الصَّفِّ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا آخِرُ الصَّلَاةِ رَكَعَ فِي مَوْضِعِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ الْأَخِيرَةِ فَالْجُمْهُورُ يَرْكَعُ بِمَوْضِعِهِ كَالْأَوَّلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَقَدَّمُ بِاتِّفَاقٍ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَرِيبًا دَبَّ إلَى الصَّفِّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْأَخِيرَ هَذَا خِلَافُ رِوَايَةِ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ إنْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ إنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَبَّرَ وَرَكَعَ عَلَى بَلَاطٍ خَارِجَهُ انْتَهَى.
فَيَكُونُ فِيهِ قَوْلَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: قَائِمًا، يُرِيدُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَا فِي قِيَامِهِ بَعْدَ الرُّكُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَكَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّالِثِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَصُوَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا عَجَّلَ الْإِمَامُ فَرَفَعَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ الدَّبُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَدِبَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ وَأَنْ يَدِبَّ رَاكِعًا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ رَأَى فُرْجَةً أَمَامَهُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَرْخَصَ مَالِكٌ لِلْعَالِمِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ
أَصْحَابِهِ بِمَوْضِعِهِ بِبُعْدٍ مِنْ الصُّفُوفِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الصُّفُوفِ فُرَجًا فَلْيَسُدَّهَا، وَفِي الصَّحِيحِ «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَهُ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ
ص (وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا)
ش: يُرِيدُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ إدْرَاكَهُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ اتِّفَاقًا، قَالُوا: وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَلْ يَهْوِي لِسُجُودِهِ مِنْهُ بَعْدَ إمَامِهِ، فَإِنْ رَفَعَ فَحَكَى الزُّهْرِيُّ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ صَاحِبِ الْوَثَائِقِ أَنَّهُ حَكَى الْبُطْلَانَ وَعَزَاهُ لِمَالِكٍ، وَسَوَاءٌ أَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَوَقَفْت عَلَيْهِ أَيْضًا فِي جُزْءٍ أَلَّفَهُ الْجَزِيرِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْعِبَادَاتِ كَذَلِكَ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَخَّارِ الْخُزَامِيُّ فِي شَرْحِ الطُّلَيْطِلِيِّ عَنْ نَصِّ كِتَابِ التَّدْرِيبِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ شَيْخُنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَذَكَرَهَا أَيْضًا خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُحَرِّرْ نَقْلَهُ فَانْظُرْهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ زَرُّوق هَذَا الْفَرْعَ أَيْضًا فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: فَإِنْ فَعَلَ وَرَفَعَ مَعَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَخَّارِ الْخُزَامِيُّ فِي شَرْحِ الطُّلَيْطِلِيِّ لَهُ، وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ كِتَابِ التَّدْرِيبِ.
(قُلْت) وَذَكَره الْجَزِيرِيُّ صَاحِبُ الْوَثَائِقِ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ أَوْقَفَنَا عَلَيْهِ الْأَخُ - فِي اللَّهِ تَعَالَى - أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ الْأَغْطَاوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَعْدَةِ أَحَدُ الْمُدَرِّسِينَ بِجَامِعِ الْقَرَوِيِّينَ بِفَاسَ وَنَقَلَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى قَوَاعِدِ عِيَاضٍ، وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُحَرِّرْ نَقْلَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْحَقُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِي يَقُولُ يَبْقَى كَذَلِكَ فِي صُورَةِ الرَّاكِعِ حَتَّى يَهْوِيَ الْإِمَامُ لِلسُّجُودِ فَيَخِرَّ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ، قَالَ: لِأَنَّ رَفْعَ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ عَقْدٌ لِلرَّكْعَةِ فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ قَاضِيًا فِي حُكْمِ إمَامِهِ، وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ ضَعِيفٌ لَا سِيَّمَا عَلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَاضِيًا لَوْ كَانَ رَافِعًا مِنْ رُكُوعٍ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافَقَةٌ لِلْإِمَامِ كَمَا فِي السُّجُودِ، انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَهُوَ حَسَنٌ قَوِيٌّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَقَفْت عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ التَّدْرِيبِ لَكِنْ كَلَامُ الشَّيْخِ زَرُّوق أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِ التَّدْرِيبِ غَيْرُ صَاحِبِ الْوَثَائِقِ، وَأَنَّ ابْنَ الْفَخَّارِ نَقَلَهَا عَنْ الثَّانِي، وَقَدْ نَقَلَ الْهَوَّارِيُّ الْمَسْأَلَةَ عَنْ كِتَابِ التَّدْرِيبِ عَنْ الْجَزِيرِيِّ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ فِي تَقْيِيدِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ، ثُمَّ قَالَ الْهَوَّارِيُّ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَلَا اطَّلَعْت عَلَى نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ لِسِوَاهُ وَفِيمَا قَالَهُ عِنْدِي نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ عَلَى حَالَتِهِ مُخَالَفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ وَكَوْنَ رَفْعِهِ مَعَهُ زِيَادَةً مُسْتَغْنًى عَنْهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ خَلْفَهُ وَرَكَعَ رَاجِيًا إدْرَاكَهُ فَانْكَشَفَ خِلَافُهُ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
ص (وَإِنْ كَبَّرَ لِرُكُوعٍ وَنَوَى بِهَا الْعَقْدَ أَوْ نَوَاهُمَا أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا أَجْزَأَ)
ش: ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثَلَاثَ صُوَرٍ الْأُولَى إذَا نَسِيَ الْمَأْمُومُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ عِنْدَ رُكُوعِهِ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَنَوَى، أَيْ عِنْدَ الرُّكُوعِ بِتَكْبِيرِهِ لِلرُّكُوعِ الْعَقْدَ أَيْ الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ كَانَ أَوْقَعَ التَّكْبِيرَةَ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَلَا إشْكَالَ فِي إجْزَائِهَا وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَبَّرَ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ فَاخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهَا، وَقِيلَ يُجْزِئُهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ كَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ كَالْبَاجِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُكَبِّرَ قَائِمًا، وَهُوَ تَأْوِيلُ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اكْتَفَى عَنْ ذِكْرِ هَذَا الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ: أَوَّلَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَقِيَامٌ لَهَا إلَّا الْمَسْبُوقَ فَتَأْوِيلَانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: وَأَمَّا إنْ لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا، وَهُوَ رَاكِعٌ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرِ فِي حَالِ
الْقِيَامِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ الَّذِي فِي حَالِ الرُّكُوعِ بَاقٍ، وَإِنَّمَا نُفِيَ الِاعْتِدَادُ بِالرَّكْعَةِ نَفْسِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ إذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَيْضًا وَنَوَى بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ مَعًا فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِبِ النُّكَتِ وَجَعَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَيَأْتِي فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا تَقَدَّمَ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ فَإِذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ كَبَّرَ عِنْدَ رُكُوعِهِ، وَلَمْ يَنْوِ بِهَا الرُّكُوعَ وَالْإِحْرَامَ فَنَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُهُ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ الْوَانُّوغِيُّ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ جَارٍ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَفِيهِ الْخِلَافُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) نَصُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ مَا نَوَى أَنَّهُ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ وَنَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَجْزَأَهُ انْتَهَى، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ يَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ مَعَهُ لَا فِي الْمَسْبُوقِ كَمَا فَرَضَهُ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ مِنْ بَابِ أَحْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، فَإِنْ شَكَّ فِيهَا أَيْ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ وَحْدَهُ أَوْ إمَامٌ فَقِيلَ: إنَّهُ يَتَمَادَى حَتَّى يُتِمَّ وَيُعِيدَ، فَإِنْ كَانَ إمَامًا سَأَلَ الْقَوْمَ، فَإِنْ أَيْقَنُوا بِإِحْرَامِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُوقِنُوا أَعَادُوا الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَيْقَنَ يَقْطَعُ مَتَى عَلِمَ، وَقِيلَ: إنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ قَطَعَ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ تَمَادَى وَأَعَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا فَيُوقِنُ الْقَوْمُ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَمَ، وَفِي رُجُوعِهِ إلَى يَقِينِ الْقَوْمِ بِإِحْرَامِهِ وَإِجْزَائِهِ بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إجَازَةِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ نَاسِيًا تَمَادَى الْمَأْمُومُ فَقَطْ)
ش: يَعْنِي: وَإِنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَكَبَّرَ بِنِيَّةِ الرُّكُوعِ فَقَطْ، وَلَمْ يَنْوِ الْإِحْرَامَ نَاسِيًا لَهُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُكْمِلُ صَلَاتَهُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ فَلَا يُبْطِلُهَا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) فِي هَذَا الْقِسْمِ حَالَاتٌ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَمَادَى، وَقِيلَ: يَقْطَعُ فَإِنْ ذَكَرَ فِي الرُّكُوعِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ وَأَحْرَمَ لَمْ يُدْرِكْ الْإِمَامَ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ: أَشْهَرُهَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ، وَالثَّانِي - يَبْتَدِئُ، وَالثَّالِثُ - هُوَ بِالْخِيَارِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَفَعَ وَأَحْرَمَ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ رَفْعِهِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ يَقْطَعُ وَيُحْرِمُ وَرَآهُ خَفِيفًا وَأَقْطَعُ لِلشَّكِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ لَا يَقْطَعُ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
جَمِيعُهُ مِنْ التَّوْضِيحِ وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ حَيْثُ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَقُومُ وَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ.
(الثَّانِي) ، قَالَ فِيهِ أَيْضًا هَلْ مِنْ شَرْطِ تَمَادِيهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَبَّرَ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ.
(الثَّالِثُ) هَلْ يَتَمَادَى وُجُوبًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ اسْتِحْبَابًا وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ، قَالَهُ أَيْضًا فِي التَّوْضِيحِ.
(الرَّابِعُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا اكْتِفَاءً بِمَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِالْإِعَادَةِ وَهَلْ وُجُوبًا، وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، أَوْ اسْتِحْبَابًا وَعَزَاهُ فِي الْإِرْشَادِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ.
الْخَامِسُ) قَوْلُهُ نَاسِيًا لَهُ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ عَامِدًا قَطَعَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ خِلَافَ سَعِيدٍ وَابْنِ شِهَابٍ إنَّمَا هُوَ إذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ غَيْرَ ذَاكِرٍ لِلْإِحْرَامِ، وَلَوْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْإِحْرَامِ مُتَعَمِّدًا لَمَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ بِإِجْمَاعٍ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَتَمَادَى حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْخِلَافِ الْمُرَاعَى، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِالنِّسْيَانِ فِي الصُّوَرِ الْأُوَلِ؛ لِأَنَّ الْعَامِدَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِبَيَانِ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَوْلُهُ تَمَادَى الْمَأْمُومُ فَقَطْ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْفَذَّ لَا يَتَمَادَيَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْمَأْمُومِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَطْ فَإِنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى إنَّمَا تُجْزِئُ الْمَأْمُومَ فَقَطْ وَلَا تُجْزِئُ الْإِمَامَ وَالْفَذَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرُهُ.
(السَّابِعُ) لَوْ نَابَهُ مَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَحُكْمُهَا كَالْأُولَى إنْ لَمْ يَنْوِ الْإِحْرَامَ تَمَادَى وَأَعَادَ بَعْدَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِحْرَامَ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَقَضَى الرَّكْعَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، كَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: بَلْ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الثَّامِنُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ حَبِيبٍ فِي الْجُمُعَةِ يَقْطَعُ بِسَلَامٍ، ثُمَّ يُحْرِمُ لِحُرْمَةِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(التَّاسِعُ) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لَوْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى وَنَسِيَ الْإِحْرَامَ وَتَكْبِيرَ الرُّكُوعِ فِي الْأُولَى وَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَنْوِ بِهَا الْإِحْرَامَ فَقَالَ مَالِكٌ: يَقْطَعُ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذِهِ وَالْأُولَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ تُبَاعِدُ مَا بَيْنَ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الْعَاشِرُ) حَيْثُ أَمَرَ بِالْقَطْعِ فَهَلْ بِسَلَامٍ أَمْ لَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَخَصَّهُمَا بِمَا إذَا ذَكَرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ، قَالَ، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ رَكْعَةٍ قَطَعَ بِغَيْرِ سَلَامٍ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ فِي ذَلِكَ كَالْمَأْمُومِ انْتَهَى.
ص (وَفِي تَكْبِيرِهِ لِلسُّجُودِ تَرَدُّدٌ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي تَكْبِيرِ السُّجُودِ هَلْ هُوَ كَتَكْبِيرِ الرُّكُوعِ فَإِذَا كَبَّرَ لِلسُّجُودِ وَنَوَى بِهَا الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ نَوَى بِهَا السُّجُودَ دُونَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ وَيَتَمَادَى أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ نَوَى الْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُجْزِهِ وَيَقْطَعْ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ وَكَبَّرَ لِلسُّجُودِ قَطَعَ مَا لَمْ يَرْكَعْ الثَّانِيَةَ كَبَّرَ لَهَا أَوْ لَمْ يُكَبِّرْ، قَالَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، فَإِنْ رَكَعَ تَمَادَى وَأَعَادَ بَعْدَ قَضَاءِ رَكْعَةٍ وَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ السُّجُودَ وَالْإِحْرَامَ أَجْزَأَهُ وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ فِي الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَلَا لِلرُّكُوعِ لَمْ يُجْزِهِ تَكْبِيرُهُ لِلسُّجُودِ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ خِلَافٌ إلَّا مَا يُذْكَرُ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ تَكْبِيرِ الرُّكُوعِ الشَّيْخُ، وَفِي كَوْنِ تَكْبِيرِ السُّجُودِ مِثْلَهُ وَلَغْوُهُ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ وَقَوْلُهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا إذَا نَوَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ الْإِحْرَامِ وَوَافَقَهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ فَهَذَا يُجْزِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْجَلَّابِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَاللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ إذَا كَبَّرَ لِلسُّجُودِ وَالْإِحْرَامِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ فَانْظُرْهُ، وَفِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا نَوَى بِتَكْبِيرِ السُّجُودِ الْإِحْرَامَ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرَهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الرُّكُوعِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْأَقْفَهْسِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ، قَالَ: أَرَدْت بِالتَّرَدُّدِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَا إذَا كَبَّرَ لِلسُّجُودِ، وَلَمْ يَنْوِ الْإِحْرَامَ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ اسْتَأْنَفَ) ش: يَعْنِي، وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ
حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَرَكَعَهَا مَعَهُ ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ، وَكَانَ الْآنَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاةِ وَيَقْضِي رَكْعَةً بَعْدَ الْإِمَامِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ وَلَا لِلرُّكُوعِ ابْتَدَأَ حَيْثُمَا ذَكَرَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْ الْمَأْمُومِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ انْتَهَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ رَجُلَيْنِ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يُحْدِثُ الْإِمَامُ فَيَسْتَخْلِفُ صَاحِبَهُ]
ص (فَصْلٌ نُدِبَ لِإِمَامٍ خَشِيَ تَلَفَ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ مُنِعَ الْإِمَامَةَ لِعَجْزٍ أَوْ الصَّلَاةَ بِرُعَافٍ أَوْ سَبْقِ حَدَثٍ أَوْ ذَكَرَهُ اسْتِخْلَافٌ) ش: اعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِخْلَافُ إذَا كَانَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ
وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْوَاحِدُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ، قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ: سُئِلَ أَصْبَغُ عَنْ رَجُلَيْنِ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يُحْدِثُ الْإِمَامُ فَيَسْتَخْلِفُ صَاحِبَهُ، قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ آخَرُ فَيَكُونُ خَلِيفَةً عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ وَيَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ اسْتَخْلَفَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ، قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ، وَقَالَ: إنَّهُ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ وَحْدَهُ عَلَى أَصْلِهِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ فَصَلَّى فَذًّا أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجْزِئُهُ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " رَسْمِ جَاعٍ "، " وَرَسْمِ إنْ خَرَجَتْ " مِنْ سَمَاعِ عِيسَى انْتَهَى.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهَا تَصِحُّ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ: وَأَتَمُّوا وُحْدَانًا أَوْ بَعْضُهُمْ أَوْ بِإِمَامَيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَوَّلًا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُنِعَ الْإِمَامَةَ لِعَجْزٍ؛ يَعْنِي عَنْ رُكْنٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يَسْتَخْلِفُ لِحَصْرِ قِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِي مَفْهُومِهِ بِحَصْرِهِ عَنْ كُلِّهَا نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً عَلَيْهِ لَا فَوَاتَ رُكْنٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ الصَّلَاةَ بِرُعَافٍ تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَوْ ظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهُ رَعَفَ وَاسْتَخْلَفَ فَلَمَّا خَرَجَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْعُفْ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى مَنْ خَلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِمَا يَجُوزُ لَهُ وَلْيَبْتَدِئْ هُوَ صَلَاتَهُ خَلْفَ الْمُسْتَخْلَفِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ: " أَوْ سَبْقِ حَدَثٍ أَوْ ذَكَرَهُ " يُرِيدُ وَكَذَا إذَا سَقَطَتْ عَلَى الْإِمَامِ نَجَاسَةٌ أَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَصَّ عَلَيْهِ فِي سَمَاعِ مُوسَى، وَأَمَّا الثَّانِي فَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رَسْمِ " أَوَّلِ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ " مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى وَنَصَّ عَلَيْهِ قَبْلَهُ أَيْضًا فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
[فَرْعٌ رَأَى الْمَأْمُومُ نَجَاسَةً فِي ثَوْبِ الْإِمَامِ]
(فَرْعٌ) وَإِذَا رَأَى الْمَأْمُومُ نَجَاسَةً فِي ثَوْبِ الْإِمَامِ أَرَاهُ إيَّاهَا إنْ قَرُبَ مِنْهُ، فَإِنْ بَعُدَ كَلَّمَهُ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَيَبْتَدِئُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَبْنِي ابْنُ نَاجِي، قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِهَا، وَعَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِهَا لَا يُبْطِلُهُ وَسَحْنُونٌ عَلَى أَصْلِهِ فِيهِ، انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى إمَامَةِ الْجُنُبِ، وَحُكْمُ مَنْ عَلِمَ بِحَدَثِ إمَامِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى النَّجَاسَةَ فِي ثَوْبِ إمَامِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ الْمَذْكُورِ وَفِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْأَفْرِيقِيِّينَ مِنْ الْبُرْزُلِيّ إذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً فَالْجَارِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَقْطَعُ وَيَقْطَعُونَ، وَقِيلَ يَسْتَخْلِفُ كَذَاكِرِ الْحَدَثِ وَفِيهِ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ اخْتَطَفَهُ السَّبُعُ قَدَّمُوا رَجُلًا يُتِمُّ بِهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ: كُلُّ مَا أَبْطَلَ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَبْطَلَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ إلَّا فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي ذَلِكَ، وَفِي ذِكْرِ النَّجَاسَةِ وَسُقُوطِهَا، وَيُزَادَ أَيْضًا إلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ انْكِشَافِ عَوْرَةِ الْإِمَامِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَمَسْأَلَةُ سُجُودِ الْمَأْمُومِ لِلسَّهْوِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ، وَعَدَمُ سُجُودِ الْإِمَامِ وَيُضَافُ لِذَلِكَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْإِمَامِ يَخَافُ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَتَمُّوا وُحْدَانًا)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الرَّاعِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْآجُرُّومِيَّةِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاتِّبَاعُ بَعْدَ الْقَطْعِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِمَسْجِدِ قَيْسَارِيَّةَ غَرْنَاطَةَ أَنْتَظِرُ سَيِّدَنَا وَشَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ سَمْعَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ طَلَبَتِهِ وَكُنْتُ إذْ ذَاكَ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا وَأَقَلَّهُمْ عِلْمًا فَدَخَلَ سَائِلٌ فَسَأَلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ نَصُّهَا أَنَّ إمَامًا صَلَّى
بِجَمَاعَةٍ جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ فَخَرَجَ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ لَهُمْ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَصَلَّى وَحْدَهُ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَخْلَفُوا مَنْ أَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ فَهَلْ تَصِحُّ تِلْكَ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عِنْدَ الْحَاضِرِينَ جَوَابٌ فَقُلْت: أَنَا أُجَاوِبُ فِيهَا بِجَوَابٍ نَحْوِيٍّ، فَقَالُوا: هَاتِ الْجَوَابَ فَقُلْت: هَذَا اتِّبَاعٌ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فَصَلَاةُ هَؤُلَاءِ بَاطِلَةٌ فَاسْتَظْرَفَهَا مِنِّي مَنْ حَضَرَ لِصِغَرِ سِنِي، ثُمَّ طَلَبْنَا النَّصَّ فِيهَا فَلَمْ نُلْفِهِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ، وَلَوْ أَلْفَيْنَاهُ لَكَانَ الْجَوَابُ حَسَنًا انْتَهَى.
ص (وَصَحَّتْ بِإِدْرَاكِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ)
ش: أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ إدْرَاكُ الْمُسْتَخْلَفِ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ أَيْ مَا قَبْلَ تَمَامِ الرُّكُوعِ يُرِيدُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْمُسْتَخْلَفِ فِيهَا فَلَوْ فَاتَهُ رُكُوعُ الْأُولَى وَأَدْرَكَ سُجُودَهَا وَاسْتَمَرَّ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَحَصَلَ لَهُ عُذْرٌ حِينَئِذٍ فَاسْتَخْلَفَهُ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا الثَّانِيَةَ لَصَحَّ اسْتِخْلَافُهُ فِيهَا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السُّجُودِ فَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرُّكُوعَ مِنْ الرَّكْعَةِ الْمُسْتَخْلَفِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِخْلَافُهُ بَعْدُ، وَلَوْ كَانَ إحْرَامُهُ قَبْلَ حُصُولِ الْعُذْرِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ فَلْيُقَدِّمْ غَيْرَهُ، أَوْ يُقَدِّمُ الْمَأْمُومُونَ غَيْرَهُ، فَإِنْ اقْتَدَوْا بِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالذَّخِيرَةِ والْهَوَّارِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ قَوْلَيْنِ صَدَرُوا بِالْبُطْلَانِ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ الْبُطْلَانُ وَصَرَّحَ فِي اللُّبَابِ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْبُطْلَانُ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرُوا حُكْمَ صَلَاةِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَنْصُوصَةً وَلَكِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَفِي تَعْلِيلِ سَنَدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ إنْ بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا إنْ تَرَكَ السُّجُودَ فَلَا تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ أحرم وَالْإِمَام رَاكِع فِي الْجُمُعَةَ فِي الثَّانِيَة فَاسْتَخْلَفَهُ قَبْل أَنْ يركع الدَّاخِل]
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الْجُمُعَةِ فِي الثَّانِيَةِ فَاسْتَخْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الدَّاخِلُ فَلْيَرْكَعْ الدَّاخِلُ وَالْقَوْمُ رُكُوعٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ بِهِمْ وَيَكُونُ مِمَّنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَتَصِحُّ لَهُ وَلَهُمْ جُمُعَةٌ، وَلَوْ رَفَعُوا قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْمُسْتَخْلَفُ فَكَمَنْ رَفَعَ قَبْلَ إمَامِهِ فَلْيَرْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا بِرَفْعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعُودُوا أَجْزَأَهُمْ، وَلَوْ خَرَجَ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ فَقَدَّمُوا هَذَا أَوْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ قَدَّمُوا غَيْرَهُ، أَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ غَيْرَهُ فَرَفَعَ الْمُسْتَخْلَفُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الدَّاخِلُ فَلَا يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ انْتَهَى.
وَمِنْ النَّوَادِرِ أَيْضًا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدَّمَ مَنْ أَحْرَمَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ فَلْيُقَدِّمْ هُوَ مَنْ أَدْرَكَهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَتَمَّهَا بِهِمْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَشْهَبُ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَقَدَّمَهُ، فَإِنْ أَتَمَّ بِهِمْ لَمْ تُجْزِهِمْ؛ لِأَنَّ السَّجْدَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ فَرْضِهِ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا قَدَّمَهُ - يَعْنِي الْمَسْبُوقَ - وَهُوَ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ فَأَتَمَّ بِهِمْ وَقَضَى رَكْعَةً، ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِحْرَامِ فَلْيُعِيدُوا كُلُّهُمْ الْجُمُعَةَ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ أَوْ بَنَى بِالْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا) ش: هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيٍّ كَمَا، قَالَ
ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ لِلْإِمَامِ الْعُذْرُ الْمُوجِبُ لِلِاسْتِخْلَافِ فَإِنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اتِّفَاقًا، قَالَ: وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْمٍ أَحْرَمُوا قَبْلَ إمَامِهِمْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُحْرِمِ بَعْدَ الْعُذْرِ فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ انْتَهَى.
(قُلْت) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ خَلْفَ شَخْصٍ يَظُنُّهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ أَتْبَاعِ الْإِمَامِ وَالْعَمَلَ قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَوْمٌ قَبْلَ إمَامِهِمْ، ثُمَّ أَحْدَثَ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَقَدَّمَ أَحَدَهُمْ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّوْا فُرَادَى حَتَّى يُجَدِّدُوا إحْرَامًا انْتَهَى.
وَكَرَّرَهَا أَيْضًا فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَوْ يَذْكُرُ جَنَابَةً أَوْ صَلَاةً.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ، هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا قَرَأَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْضِهَا مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَالَ لِلْمَسْبُوقِ أَسْقَطْت رُكُوعًا عَمِلَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ وَسَجَدَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ) ش: وَقِيلَ يَسْجُدُ بَعْدَ إكْمَالِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بِهِمْ لِلنَّقْصِ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ قَبْلَ إكْمَالِ
صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَلَوْ سَهَا فِيمَا يَأْتِي بِهِ سَهْوًا يُوجِبُ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ سَجَدَهُ وَحْدَهُ وَلَا يَسْجُدُونَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ تَمَّتْ، وَلَوْ سَهَا فِي بَقِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ سَجَدَ لِسَهْوِ الْإِمَامِ بِالنَّقْصِ وَكَفَاهُ عَنْ سَهْوِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ سَهْوُ الْإِمَامِ لِزِيَادَةٍ فَلَا يَسْجُدُهَا الْمُسْتَخْلَفُ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ سَهَا الْمُسْتَخْلَفُ الْمَسْبُوقُ فِيمَا اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ فِيمَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءً كَانَ سَهْوُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَجْزَأَهُ سُجُودُهُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إذَا كَانَ سُجُودُهُ الْأَوَّلُ بِزِيَادَةٍ وَسُجُودُ الْمُسْتَخْلَفِ بِنَقْصٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بِهِمْ قَبْلَ السَّلَامِ وَيَجْزِيهِ لِلسَّهْوَيْنِ، انْتَهَى جَمِيعُهُ مِنْ النَّوَادِرِ بِالْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودٌ بَعْدِيٌّ، ثُمَّ سَهَا الْمَسْبُوقُ بِنَقْصٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ صَلَاةُ السَّفَرِ]
ص (فَصْلٌ سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ) ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: السَّفَرُ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: سَفَرُ الظَّاهِرِ وَسَفَرُ الْبَاطِنِ فَسَفَرُ الْبَاطِنِ السَّفَرُ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّفَكُّرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَسَفَرُ الظَّاهِرِ عَلَى قِسْمَيْنِ: سَفَرُ طَلَبٍ وَسَفَرُ هَرَبٍ فَسَفَرُ الْهَرَبِ وَاجِبٌ، وَهُوَ إذَا كَانَ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرَامُ وَيَقِلُّ فِيهِ الْحَلَالُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ مِنْهُ إلَى بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَلَالُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهُرُوبُ مِنْ مَوْضِعٍ يُشَاهِدُ فِيهِ الْمُنْكَرَ مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَشْهَدُ فِيهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُذِلُّ فِيهِ نَفْسَهُ إلَى بَلَدٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُعِزُّ فِيهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا كُنْتَ فِي أَرْضٍ يَذِلُّك أَهْلُهَا ... وَلَمْ تَكُ ذَا عِزٍّ بِهَا فَتَغَرَّبْ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ ... بِمَكَّةَ حَالٌ فَاسْتَقَامَ بِيَثْرِبِ ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ لَا عِلْمَ فِيهِ إلَى بَلَدٍ فِيهِ الْعِلْمُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ يَسْمَعُ فِيهَا سَبَّ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَلَوْ كَانَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فَهَذَا سَفَرُ الْهُرُوبِ، وَأَمَّا سَفَرُ الطَّلَبِ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ كَسَفَرِ الْحَجِّ لِلْفَرِيضَةِ وَالْجِهَادِ إذَا تَعَيَّنَ، وَمَنْدُوبٌ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ، وَقُرْبَةٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كَالسَّفَرِ لِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِلتَّفَكُّرِ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُبَاحٌ وَهُوَ سَفَرُ
التِّجَارَةِ، وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ سَفَرُ صَيْدِ اللَّهْوِ، وَمَمْنُوعٌ وَهُوَ السَّفَرُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالسَّفَرُ الَّذِي تَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةُ هُوَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، وَلَا يُبَاحُ الْقَصْرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَسَفَرِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ يُبَاحُ فِيهِمَا، انْتَهَى مِنْ بَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ حُكْمَ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ كَفُّ الْأَهْوَاءِ كَحُكْمِ الْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَيْضًا وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ، قَالَ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَمْنُوعِ: اُخْتُلِفَ فِي الْقَصْرِ فِي هَذَيْنِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُمْنَعُ وَأَرَى أَنْ يَجُوزَ فِي سَفَرِ الصَّيْدِ وَيُمْنَعَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ فِي صَيْدِ اللَّهْوِ ثَابِتٌ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ كَانَ لِلَّهْوِ فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ، وَلَا آمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ قَسَّمَ السَّفَرَ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَمَّا الْمَكْرُوهُ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى بَيَانِ حُكْمِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ قُلْنَا: يُكْرَهُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ يَعْنِي فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَرَوَى زِيَادٌ أَنَّهُ يَقْصُرُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: أَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ صَاحِبُهُ تَحْرِيمًا، وَقِيلَ يَقْصُرُ، رَوَاهُ زِيَادٌ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ، وَقَالَ قَبْلَهُ: الظَّاهِرُ حَمْلُ قَوْلِهَا لَا أُحِبُّ عَلَى بَابِهِ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى بَابِهَا أَوْ عَلَى التَّحْرِيمِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَوْلَانِ لِلْأَشْيَاخِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَا أَعْرِفُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ تَأْوِيلًا عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لَمَّا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ كَصَيْدِ اللَّهْوِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ تَحْرِيمُ الْقَصْرِ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْصُرَ، فَإِنْ قَصَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْمُدَوَّنَةُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُرَادَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَنَّ الْعَطْفَ إنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ لَا يَقْصُرُ وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَيُقَالُ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَبِعَ ظَاهِرَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَتَأَمَّلْهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَلَا يَقْصُرُ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ، فَإِنْ قَصَرَ فِي الْمَكْرُوهِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إنْ قَصَرَ لَمْ يُعِدْ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَوْ قَصَرَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَانْظُرْ هَلْ يُرَاعَى فِيهِ الْخِلَافُ كَمَا رُوعِيَ فِي الْمَكْرُوهِ أَمْ لَا، وَالصَّوَابُ لَا يُعِيدُ وَيُرَاعَى فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ بِجَوَازِ الْقَصْرِ فِيهِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَ سَفَرُهُ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ، ثُمَّ طَرَأَتْ الْمَعْصِيَةُ قَالُوا: لَمْ يَتَرَخَّصْ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ عَادَ مَعْصِيَةً، وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً، ثُمَّ طَرَأَتْ التَّوْبَةُ تَرَخَّصَ إذَا صَحَّتْ التَّوْبَةُ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ مِنْ الْآنَ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، انْتَهَى مِنْ ابْن الْفَاكِهَانِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (أَرْبَعَةُ بُرُدٍ)
ش: وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ ابْتِدَاءً فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ قَصَرَ فِيمَا دُونَ الثَّمَانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ، وَإِنْ قَصَرَ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ فَقِيلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَقِيلَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَصَرَ فِيمَا دُونَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آخِرِ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: إنْ قَصَرَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ قَصَرَ فِيمَا دُونَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى.
وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَصَرَ
فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَعَادَ أَبَدًا بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَنُقِلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَعَادَ أَبَدًا، وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَلَّابِ بِقِيلَ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ.
(قُلْت) ، وَفِي جَعْلِهِ الْمَذْهَبَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلَيْنِ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمِهَا، وَلَمْ يَحْكِ الْإِعَادَةَ أَبَدًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ لَا يُعِيدُ فَيَكُونُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ سَافَرَ مَسَافَة تقصر فِيهَا الصَّلَاةُ ثُمَّ اسلم فِي أَثْنَائِهَا أَوْ احتلم]
(فَرْعٌ) قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيمَنْ سَافَرَ مَسَافَةً تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهَا إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ احْتَلَمَ إنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَسَافَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْصُرُونَ، وَيَتَخَرَّجُ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلٌ: إنَّهُمْ يَقْصُرُونَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ - فَرْعٌ - قَالَ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ فِي النَّصْرَانِيِّ يَقْدَمُ مِنْ مِصْرَ يُرِيدُ الْقَيْرَوَانَ فَأَسْلَمَ بِقَلْشَانَةَ: إنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، قَالَ: لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ سَفَرِهِ لَا يُقْصَرُ فِيهِ وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ بَطِرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُرَاعَى مِقْدَارُ السَّيْرِ مِنْ حِينِ الْبُلُوغِ فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، وَكَذَلِكَ يُرَاعَى فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ، إذَا عَقَلَ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، قَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِي: وَفِي طُهْرِ الْحَائِضِ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ نَظَرٌ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَتَّضِحُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِالصَّلَاةِ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا إجْمَاعًا، وَالْكَافِرُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْإِيمَانِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، فَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرُ مَا مَضَى مِنْ سَفَرِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي خِطَابِهِ فَالْحَائِضُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي سُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَائِضَ كَانَتْ قَبْلَ حَيْضَتِهَا مُخَاطَبَةً بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ ارْتَفَعَ الْخِطَابُ لِمَانِعٍ، وَالْمَانِعُ مُتَوَقَّعٌ ارْتِفَاعُهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ السَّفَرِ فَخَالَفَتْ بِهَذَا مَنْ ذُكِرَ مَعَهَا فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ انْتَهَى.
وَفِي حَاشِيَتِهِ عَلَى هَذَا الْمَحِلِّ مِنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَلَوْ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي السُّلَيْمَانِيَّةِ لَوْ أَسْلَمَ قَاصِدٌ مِنْ مِصْرَ الْقَيْرَوَانَ بِقَلْشَانَةَ لَمْ يَقْصُرْ اللَّخْمِيُّ وَكَذَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَفِي طُهْرِ الْحَيْضِ نَظَرٌ الْمَازِرِيُّ وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ أَحْرَى؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِهَا عَلَى رَأْيٍ وَهِيَ لَا إجْمَاعًا وَالْفَرْقُ أَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ قَبْلَهُ إجْمَاعًا وَالْمَانِعُ مُتَوَقَّعُ الرَّفْعِ.
(قُلْت) وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَوَّلِ انْتَهَى.
[فَائِدَتَانِ الْمِيلِ هَلْ هُوَ أَلْفَا ذِرَاعٍ وَشُهِرَ أَوْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ]
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى) اُخْتُلِفَ فِي الْمِيلِ هَلْ هُوَ أَلْفَا ذِرَاعٍ وَشُهِرَ، أَوْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَصُحِّحَ، أَوْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، أَوْ أَلْفُ بَاعٍ بِبَاعِ الْفَرَسِ أَوْ بَاعِ الْجَمَلِ أَوْ مَدِّ الْبَصَرِ أَقْوَالٌ، وَإِلَى هَذَا يُرْجَعُ إلَى مَا رُوِيَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَالذِّرَاعُ قَالَ الْقَرَافِيُّ: قِيلَ هُوَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شُعَيْرَاتِ بَطْنُ إحْدَاهُمَا لِظَهْرِ الْأُخْرَى، وَكُلُّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعَرَاتِ الْبِرْذَوْنِ انْتَهَى.
(الثَّانِيَةُ) قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُوَطَّإِ: بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَمَكَّةَ وَجُدَّةَ، وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمَطَالِعِ: إنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، وَعُسْفَانُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بِهَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَسُمِّيَ عُسْفَانَ؛ لِأَنَّ السُّيُولَ عَسَفَتْهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَقَفَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَوْ بِبَحْرٍ) ش: الْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ هَلْ هُوَ اعْتِبَارُ الْأَرْبَعَةِ بُرُدٍ فِي الْبَحْرِ، أَوْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الزَّمَانُ لَا الْقَصْرُ إذْ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ الْقَصْرِ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فِي الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي الْبَرِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ: يَقْصُرُ يَوْمًا تَامًّا؛ لِأَنَّ الْأَمْيَالَ لَا تُعْرَفُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ يَوْمًا وَلَيْلَةً
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَسَافَةَ فِيهِمَا يَعْنِي أَرْبَعَةَ بُرُدٍ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ خَالَفْنَا فِيهِمَا وَجَبَ التَّلْفِيقُ، وَهَلْ يَقْصُرُ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ قَرْيَتِهِ؟ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَرِّ مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَكَانَ الْمَرْكَبُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِالرِّيحِ فَلَا يَقْصُرُ فِي الْبَرِّ حَتَّى يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ وَيَبْرُزَ عَلَى الْمَرْسَى، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ بِالرِّيحِ وَغَيْرِهَا فَلْيَقْصُرْ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ فِي الْبَرِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْصِرُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَوَجَّهَ الْبَاجِيُّ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ: وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى مَسِيرِ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَحُكْمُهُ الْقَصْرُ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ عَزْمُهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزْمُهُ فَلَا يَمْنَعُهُ انْتِظَارُ الرِّيحِ كَمَا لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ، قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْعَزْمُ عَلَى اتِّصَالِ الْمَسِيرِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَسَافَةِ فِي الْبَرِّ فَإِنَّ حُكْمَ الْبَحْرِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْبَرِّ، فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ فِي أَقْصَاهُ بِاتِّصَالِ الْبَرِّ مَعَ الْبَحْرِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَصَرَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ: فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى سَيْرِ أَرْبَعَةٍ بُرُدٍ فَحُكْمُهُ الْقَصْرُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَغَيُّرِ عَزْمِهِ، وَهَذَا مُتَيَقِّنٌ لِلسَّفَرِ عَازِمٌ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُهُ الْقَصْرَ انْتِظَارُ الرِّيحِ كَمَا لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ وَجْهَ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَيْنِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ حَتَّى يَرْكَبَ وَيَبْرُزَ عَنْ مَوْضِعِ نُزُولِهِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ مَا نَصُّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ فِي سَفَرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا يُقْصَرُ فِيهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: وَحَمَلَ الْبَاجِيُّ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ الْمَوَّازِ عَلَى الْخِلَافِ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ، وَفِي شَامِلِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالظَّاهِرُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ إيمَاءٌ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ذَهَابًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ بُرُدٍ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ ذَهَابًا وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَهَا الرُّجُوعُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ وَجْهًا وَاحِدًا، لَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةً مُسْتَقِيمَةً، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ أَنْ تَكُونَ الْجِهَةُ الَّتِي يَقْصِدُهَا أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَدُورُ فِي الْقُرَى وَفِي دَوَرَانِهِ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ: إنَّهُ يَقْصُرُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ السُّعَاةُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: الْمُرَادُ هُنَا بِالسُّعَاةِ سُعَاةُ الْمَاشِيَةِ، وَقِيلَ الْمَسَاكِينُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الدَّوْرَانِ وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ، فَإِنْ خَرَجَ يَمِينًا، ثُمَّ رَجَعَ أَمَامًا، ثُمَّ شِمَالًا، ثُمَّ انْعَطَفَ رَاجِعًا حَتَّى يَدْخُلَ الْبَلَدَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ بِمَا كَانَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَمَامًا مَا لَمْ يَسْتَدْبِرْ فَيَصِيرُ وَجْهُهُ فِي تَصَرُّفِهِ ذَلِكَ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَالرَّاجِعِ فَلَا يُحْتَسَبُ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ الرُّجُوعَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَقِيلَ: أَكْثَرُ الشُّيُوخِ تُقَيِّدُهُ بِذَلِكَ، وَجَعَلَهُ سَنَدٌ خِلَافًا انْتَهَى.
وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِ سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (قُصِدَتْ دَفْعَةً) ش: اُحْتُرِزَ مِمَّا لَوْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ طَوِيلٍ إلَّا أَنَّهُ نَوَى أَنْ يَسِيرَ مَا لَا تُقْصَرُ
فِيهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يُقِيمَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَسِيرُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَسَافَةِ فَلَا شَكَّ فِي إتْمَامِهِ فِي مُقَامِهِ، وَهَلْ يَقْصُرُ فِي سَيْرِهِ وَيُلَفِّقُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ؟ قَوْلَانِ: الْقَوْلُ بِالْإِتْمَامِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْن الْمَوَّازِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَالْقَوْلُ بِالْقَصْرِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ
ص (إنْ عَدَّى الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ) ش أَيْ الَّتِي لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا أَهْلُهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّرُوعِ مُجَاوَزَةُ بِنَاءِ خَارِجِ الْبَلَدِ، وَبَسَاتِينِهِ الَّتِي فِي حُكْمِهِ بِنَاءُ خَارِجِ الْبَلَدِ هِيَ الْأَرْبَاضُ، وَبَسَاتِينُهُ الَّتِي فِي حُكْمِهِ مِنْ الْبَسَاتِينِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ عِمَارَتُهَا انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُهَا مُلَازِمِينَ لِلسُّكْنَى بِهَا، وَقَدْ قَالَ سَنَدٌ فِي تَعْلِيلِ اعْتِبَارِ الْبَسَاتِينِ: لِأَنَّ عِمَارَتَهَا مُتَّصِلَةٌ بِعِمَارَةِ الْقَرْيَةِ فَهِيَ مِنْ تَوَابِعِهَا، وَقَدْ يَسْكُنُ فِيهَا أَهْلُهَا، وَقَدْ قَالُوا: لَوْ كَانَ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ مَسَاكِنُ خَرِبَتْ وَخَلَتْ مِنْ السُّكَّانِ إلَّا أَنَّ أَبْنِيَتَهَا قَائِمَةٌ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَهَا فَبِأَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ الْقَائِمَةِ الْبُنْيَانُ وَالْعِمَارَةُ الْمُتَّصِلَةُ أَوْلَى انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْبَسَاتِينَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْقَرْيَةِ، وَبِذَلِكَ صَدَّرَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: وَإِذَا كَانَتْ بَسَاتِينُ الْقَرْيَةِ مُتَّصِلَةً بِهَا لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَهَا، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ الِاتِّصَالِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: لَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ يَتَّصِلُ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُمَا فِي حُكْمِ الْقَرْيَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَضَاءٌ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ حُكْمُ الِاسْتِقْلَالِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ الْأَبِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ فَفِيهِ زِيَادَةٌ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ سَافَرَ مِنْ مِصْرٍ لَا بِنَاءَ حَوْلَهُ وَلَا بَسَاتِينَ قَصَرَ بِمُفَارَقَتِهِ لِسُورِهِ، وَقِيلَ: حَتَّى يُجَاوِزَ الْبَلَدَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَإِنْ كَانَ حَوْلَ الْمِصْرِ بِنَاءَاتٌ مَعْمُورَةٌ وَبَسَاتِينُ فَإِنْ اتَّصَلَتْ بِهِ وَكَانَتْ فِي حُكْمِهِ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَهَا، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ وَكَانَتْ قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا قَصَرَ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْهَا، وَإِنْ سَافَرَ مِنْ قَرْيَةٍ لَا تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَلَا بِنَاءَاتٍ مُتَّصِلَةً بِهَا وَلَا بَسَاتِينَ قَصَرَ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ الْبَلَدِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهَا بِنَاءَاتٌ وَبَسَاتِينُ فَكَمَا قُلْنَاهُ فِي الْمِصْرِ، وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ مِنْ بُيُوتِ الْعَمُودِ فَإِذَا فَارَقَ الْحُلَلَ الَّتِي سَافَرَ عَنْهَا قَصَرَ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ كَانَ الشَّيْخُ - يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَعْتَبِرُ الْبَسَاتِينَ الَّتِي فِي حُكْمِ الْمِصْرِ كَالْبَسَاتِينِ الَّتِي يَرْتَفِقُ سَاكِنُهَا بِمَرَافِقِ الْمِصْرِ مِنْ أَخْذِ نَارٍ وَطَبْخٍ وَخَبْزٍ وَمَا يَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ فِي الْحَالِ وَيُمَثَّلُ ذَلِكَ بِرَأْسِ الطَّابِيَةِ وَمَا قَارَبَهَا انْتَهَى.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ قَصَرَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ]
(فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: فَلَوْ قَصَرَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ عَلَى الْمَشْهُورِ قِيلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَوْ مُطْلَقًا، أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ انْتَهَى.
[الثَّانِي الْقَوْمِ يَبْرُزُونَ مِنْ مَكَّة إلَى ذِي طُوًى يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ أَيَقْصُرُونَ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ وَدَّعَ وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى ذِي طُوًى فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ: فَلَا يَرْجِعْ لِلْوَدَاعِ وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ بِذِي طُوًى مَا دَامُوا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَكَّةَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي " رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا " مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَبْرُزُونَ مِنْ مَكَّةَ إلَى ذِي طُوًى يُرِيدُونَ الْمَسِيرَ أَيَقْصُرُونَ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَرَى لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَزَادَ: لِأَنَّ ذَا طُوًى عِنْدِي مِنْ مَكَّةَ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِلْحَجِّ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ رَاشِدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ يُتِمُّ بِذِي طُوًى يَظْهَرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ الْبَلَدَ وَبُيُوتَهُ وَبَسَاتِينَهُ؛ لِأَنَّ ذَا طُوًى مُنْفَصِلٌ عَنْ بُيُوتِ مَكَّةَ بِمَسَافَةٍ كَثِيرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا حَكَمَ بِالْإِتْمَامِ لِمَنْ كَانَ بِذِي طُوًى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِهَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ مَكَّةَ وَكَأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ انْتَهَى.
[الثَّالِث صَلَاة الْقَصْر لِمَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْر]
(الثَّالِثُ) مَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا - يَقْصُرُ بِمُجَاوَزَةِ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَتَخْلِيفِهَا، وَالثَّانِيَةُ - إذَا تَوَارَى
عَنْ الْبُيُوتِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: إذَا جَاوَزَ الْبُيُوتَ وَوَقَعَ فَلْيَقْصُرْ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ أَصْبَغُ وَإِذَا أَقْلَعُوا فَجَرَوْا نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، ثُمَّ حُبِسُوا لِمَنْ وَرَاءَهُمْ، فَإِنْ حَبَسَهُمْ الرِّيحُ قَصَرُوا، وَإِنْ حُبِسُوا لِغَيْرِ ذَلِكَ أَتَمُّوا، قَالَ: وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَمَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ مِنْ وَطَنِهِ إلَى مَا يُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فَرَدَّتْهُ الرِّيحُ إلَى بُيُوتِ قَرْيَتِهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ، قَالَ: تَبْطُلُ كَمَا لَوْ نَوَى فِيهَا الْإِقَامَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي الْحَضَرِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، ثُمَّ مَشَتْ بِهِ يَعْنِي السَّفِينَةَ حَتَّى خَرَجَ عَنْ الْقَرْيَةِ حَيْثُ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ: قَالَ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ صَلَاةَ حَضَرٍ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا عَلَى مَا يَجُوزُ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: قَالَ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي مُسَافِرِ الْبَحْرِ يَقْصُرُ إذَا تَوَارَى عَنْ الْبُيُوتِ، قَالَ أَيْضًا إذَا خَلَفَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ وَتَقَدَّمَ نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ لِلْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّخْمِيُّ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ حَتَّى يَدْفَعُوا مِنْ الْمَرْسَى، وَأَنَّهُمْ مَا دَامُوا مُقِيمِينَ فِي الْمَرْسَى فَإِنَّهُمْ يُتِمُّونَ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ الْمُتَقَدِّمِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ بِبَحْرٍ، صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
[الرَّابِع بَانَ الْمُسَافِرُ عَنْ أَهْلِهِ ثُمَّ نَوَى الرَّجْعَةَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَنَوَى السَّفَرَ]
(الرَّابِعُ) ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ بَانَ الْمُسَافِرُ عَنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ نَوَى الرَّجْعَةَ بَعْدَ مَا بَرَزَ عَنْهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَنَوَى السَّفَرَ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَظْعَنَ عَنْ مَوْضِعِهِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَأَ السَّفَرَ الْآنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَقَالَهُ أَيْضًا فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ الْمُسَافِرِينَ لِيُشَيِّعَهُمْ فَقَدَّمُوهُ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَيَنْوِيَ السَّفَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ: إنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ مُقِيمٍ انْتَهَى.
ص (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ بِقَرْيَةٍ الْجُمُعَةُ)
ش: هَذَا قَوْلٌ ثَانٍ مُقَابِلٌ لِلْأَوَّلِ، وَتُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَيْضًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالثَّلَاثَةُ الْأَمْيَالُ هُنَا مُعْتَبَرَةٌ مِنْ سُورِ الْقَرْيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ حُكْمَهُمْ فِي الْمَشْهُورِ بِأَنَّ مَنْ جَاوَزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ يَقْصُرُ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ مَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِلْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَجَابَ بِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ هُنَا مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَنَاسَبَ اعْتِبَارُهَا، وَمَا كَانَ هُنَاكَ مُسْتَقِلٌّ فَنَاسَبَ إلْغَاؤُهُ.
(قُلْت) يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ النِّدَاءَ قِبَلَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي: إذَا فَرَّعْنَا عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ فَهَلْ الثَّلَاثَةُ أَمْيَالٍ مَحْسُوبَةٌ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَوَّلًا، وَسَأَلْت عَنْهَا شَيْخَنَا أَبَا مَهْدِيٍّ فَقَالَ: لَا أَدْرِي وَاخْتَارَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ أَنَّهَا تُحْسَبُ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي عَكْسُهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، انْتَهَى وَيَعْنِي شَيْخَهُ الْبُرْزُلِيَّ.
(قُلْت) وَالصَّوَابُ مَا اخْتَارَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
(الثَّالِثُ) تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقَوْلَ بِقَرْيَةِ الْجُمُعَةِ قَيْدُ ابْنِ بَشِيرٍ، وَنَقَلَ سَنَدٌ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ اعْتِبَارَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ سَنَدٌ رِوَايَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْجُمُعَةِ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِإِطْلَاقِ الْجَلَّابِ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ سَنَدًا هُوَ النَّاقِلُ هَذَا الْقَوْلَ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَزَاهُ لِلْمَعُونَةِ كَالْمُسْتَغْرِبِ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْعَمُودِيُّ حِلَّتُهُ)
ش: وَالْبَدْوِيُّ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَ جَمِيعَ بُيُوتِ الْحَيِّ وَيَبْرُزَ عَنْهَا وَلَوْ كَانَتْ الْبُيُوتُ مُتَفَرِّقَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً بِحَيْثُ يَجْمَعُهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ الْجَمِيعَ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْفَضَاءِ، وَالرِّحَابُ تَكُونُ بَيْنَ بُنْيَانِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَجْمَعُهَا اسْمُ الْحَيِّ وَاسْمُ الدَّارِ جَازَ أَيْ جَازَ الْقَصْرُ، أَيْ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ حِلَّتِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ فَرْحُونٍ
ص (وَانْفَصَلَ غَيْرُهُمَا)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَالسَّاكِنِينَ فِي الْجِبَالِ وَالْأَخْصَاصِ نَحْوِ رَابِغٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَشِبْهِهِ، وَكَذَلِكَ الدُّورُ الْمُنْفَرِدَةُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) ، وَفِي الطِّرَازِ لَوْ كَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي عَرْضِ وَادٍ أَيْ بَطْنِهِ، فَإِنْ جَعَلُوا جَانِبَ
الْوَادِي لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ السُّورِ عَلَى الْبَلَدِ اُعْتُبِرَ الْبُرُوزُ عَنْ عَرْضِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْبُرُوزُ عَنْ طُولِهِ، وَقَدْ يَطُولُ الْوَادِي جِدًّا، وَإِنْ كَانَ عَرْضُهُ مُتَّسِعًا وَنَزَلُوا فِي بَعْضِهِ رُوعِيَ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ وَالْبُرُوزُ عَنْهَا لَا مُفَارَقَةُ الْوَادِي انْتَهَى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إنَّمَا حُكِمَ بِالْإِتْمَامِ بِذِي طُوًى؛ لِأَنَّهَا مَعَ مَكَّةَ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ نَهْرٌ جار مجاور مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ فَهَلْ يُقَصِّر]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ نَهْرٌ جَارٍ، مِثْلُ بَغْدَادَ مُجَاوِزٌ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ الْجَانِبَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَدِ كَالرَّحْبَةِ الْوَاسِعَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ)
ش: فَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ وَابْنُ الْفُرَاتِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَسُنَنُهَا سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ: وَسُنَنُهَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَّا فِي أَخِيرَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ وَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ وَنَحْوُهُ فِي الْإِرْشَادِ.
(فَرْعٌ) وَيَجْهَرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مَعًا فِي الْعِشَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَعُونَةِ هُنَا وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ)
ش: أَيْ فِي السَّفَرِ، وَسَوَاءٌ قَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي وَقَوْلُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَى وَقْتِ الذِّكْرِ لَا أَعْرِفُهُ فَلَوْ صَلَّى صَلَاةَ السَّفَرِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا فَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَنْسِيَّةٌ فَبِالْفَرَاغِ مِنْهَا خَرَجَ وَقْتُهَا
ص (وَإِنْ نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ)
ش: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ لَا يَقْصُرُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ مُقِيمٌ فِي مَسْكَنِهِ وَمَالِهِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلِعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» وَالْفَرْضُ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَهُوَ عَامٌّ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّ أَحَدَنَا يَخْرُجُ فِي السَّفِينَةِ يَجْعَلُ فِيهَا أَهْلَهُ وَمَتَاعَهُ وَدَاجِنَهُ وَدَجَاجَهُ أَيُتِمُّ الصَّلَاةَ؟ .
قَالَ إذَا خَرَجَ فَلْيَقْصُرْ الصَّلَاةَ، وَإِنْ خَرَجَ بِذَلِكَ، وَكَوْنُ أَهْلِهِ مَعَهُ وَمَتَاعِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّرَخُّصِ بِالسَّفَرِ كَالْجَمَّالِ.
قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأَقَامَ شَيْخُنَا مِنْهَا أَنَّ الْعَرَبَ إذَا سَافَرُوا بِأَهْلِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ السَّفَرَ الطَّوِيلَ الْمَعْزُومِ أَنَّهُمْ يَقْصُرُونَ وَأَفْتَى بِهِ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ
ص (إلَى مَحِلِّ الْبَدْءِ)
ش: نَحْوُهُ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الرِّسَالَةِ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي رُجُوعِهِ فِيهَا - يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ - قَصْرٌ.
وَلَوْ عَلَى مِيلٍ مِنْهَا حَتَّى يَدْخُلَهَا أَوْ قَرُبَهَا وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَذَلِكَ مَنْ أَقَامَ عَلَى مِيلٍ حَتَّى اللَّيْلِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهَا نَهَارًا الشَّيْخُ سَمِعَ أَشْهَبَ مَنْ قَرُبَ بِمِيلٍ وَنَحْوِهِ أَتَمَّ وَلَمْ أَجِدْ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْقَاضِي وَرِوَايَةُ الْأَخَوَيْنِ مَبْدَؤُهُ مُنْتَهَاهُ الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ، وَرُوِيَ حَتَّى يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ إلَى مَحِلِّ الْبَدْءِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَلَدِ الَّتِي هِيَ مُنْتَهَى سَفَرِهِ أَتَمَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ سَافَرَ مِنْهَا كَانَ مَحِلًّا لِابْتِدَاءِ الْقَصْرِ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ، قَالَ، وَأَمَّا مُنْتَهَى السَّفَرِ فَهُوَ الْعَوْدَةُ مِنْهُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ بِمُفَارَقَتِهِ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[فَرْعٌ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْخُصُوصِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ وَمَنْ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْخُصُوصِ، ثُمَّ قَدِمَ فَأَلْفَى أَهْلَهُ قَدْ انْتَقَلُوا فَلْيُتِمَّ مِنْ مَوْضِعٍ تَرَكَهُمْ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ سَارُوا إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ بُرُدٍ انْتَهَى.
ص (إلَّا كَمَكِّيٍّ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَكِّيَّ وَمَنْ كَانَ فِي حُكْمِهِ مِنْ الْمُقِيمِينَ
فِي مَكَّةَ يَقْصُرُونَ فِي خُرُوجِهِمْ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِمْ لِلسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقَوْلُهُ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ ظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مِنًى، وَحَكَى سَنَدٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي أَنَّ مَالِكًا وَقَفَ فِي ذَلِكَ، قَالَ سَنَدٌ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقْصُرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْطَى سَفَرَهُ حُكْمَ الْقَصْرِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ، وَأَمَّا إذَا وَصَلَ إلَى مِنًى فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ وَكَذَا فِي ذَهَابِهِ إلَى عَرَفَةَ وَفِي عَرَفَةَ، وَفِي رُجُوعِهِ لِلْمُزْدَلِفَةِ وَفِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَفِي رُجُوعِهِ لِمِنًى، وَفِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ بِمِنًى إلَّا أَهْلَ كُلِّ مَحِلٍّ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ فِي مَحِلِّهِمْ فَلَا يَقْصُرُ الْعَرَفِيُّ فِي عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفِيُّ فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَالْمَنْوِيُّ فِي مِنًى فَإِذَا رَمَوْا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَتَوَجَّهُوا إلَى الْمُحَصَّبِ فَنَزَلُوا بِهِ وَأَقَامُوا بِمِنًى لِيَخِفَّ النَّاسُ أَوْ أَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ فَفِي قَصْرِهِمْ وَإِتْمَامِهِمْ قَوْلَانِ رَجَعَ مَالِكٌ إلَى الْقَصْرِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَقْصِيرِهِ فِي جَمِيعِ مَوَاطِنِ الْحَجِّ إلَّا فِي رُجُوعِهِ إلَى مَكَّةَ فِي مِنًى بَعْدَ انْقِضَاءِ حَجِّهِ وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُهُ وَاخْتَلَفَ فِيهَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرُجُوعِهِ أَنَّهُ مَشَى عَلَيْهِ أَعْنِي الْقَوْلَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، أَمَّا مَنْ قَدِمَ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَعَزْمُهُ أَنْ لَا يُقِيمَ بَعْدَهُ أَرْبَعًا فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسَافِرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَلَّ بِهِ فَإِنْ أَقَامَ قَبْلَ الْحَجِّ أَرْبَعًا أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَعَزَمَ عَلَى الْحَجِّ وَالسَّفَرِ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ إقَامَةً بِمَكَّةَ أَصْلًا فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ بِمَكَّةَ فَذَكَرَ سَنَدٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُتِمُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ فِيهِ الْقَوْلَانِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا مُتَوَطَّنٌ كَمَكَّةَ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْحَجِّ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَكِنَّ نِيَّتَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ الْحَجِّ أَرْبَعًا فَأَكْثَرَ فَفِيهِ خِلَافٌ اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ لَهُ حُكْمَ السَّفَرِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَقَدْ أَشْبَعْت الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذَكَرْت نُصُوصَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيهَا فِي حَاشِيَةِ الْمَنَاسِكِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجَمْعٌ وَقَصْرٌ إلَّا لِأَهْلِهَا مَزِيدُ كَلَامٍ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ) ش: مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، قَالَ يَقْصُرُ مَنْ رَجَعَ إلَى شَيْءٍ نَسِيَهُ وَالْخِلَافُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَطَنَهُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ دَخَلَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُتِمُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَكَانُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَطَنًا لَهُ، وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهِ فَالْخِلَافُ جَارٍ فِي إتْمَامِهِ وَقَصْرِهِ، وَلَوْ دَخَلَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَكَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ وَالْكَلَامُ فِيمَنْ رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ مُقِيمًا بِهِ، وَلَوْ رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فِي غَيْرِهِ قَصَرَ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْضًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
ص (وَلَا عَادِلَ عَنْ قَصِيرٍ بِلَا عُذْرٍ) ش: أَيْ عَنْ طَرِيقٍ قَصِيرٍ لَا يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَانْظُرْ لَوْ كَانَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا أَطْوَلُ وَسَلَكَ الطُّولِيَّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يَقْصُرُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الطَّوِيلَةُ أَمْ لَا؟ وَتَعْلِيلُهُمْ - بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ
عَلَى أَنَّ اللَّاهِيَ بِسَفَرِهِ لَا يَقْصُرُ - يَقْتَضِي عَدَمَ التَّقْصِيرِ ص (وَلَا مُنْفَصِلٌ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً) ش: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَبْدَأِ سَفَرِهِ إلَى أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يُقِيمَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَ عَازِمًا عَلَى السَّفَرِ وَشَكَّ هَلْ يَلْحَقُونَهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَمْ لَا أَتَمَّ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
[فَرْعٌ سَافَرَ الْعَبْدُ بِسَفَرِ سَيِّدِهِ وَالْمَرْأَةُ بِسَفَرِ زَوْجِهَا وَنَوَوْا الْقَصْرَ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ اُنْظُرْ مَا الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِنَا فِيمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ إذَا سَافَرَ الْعَبْدُ بِسَفَرِ سَيِّدِهِ وَالْمَرْأَةُ بِسَفَرِ زَوْجِهَا وَالْجُنْدُ بِسَفَرِ الْأَمِيرِ وَلَا يَعْلَمُونَ قَصْدَهُمْ لَمْ يَتَرَخَّصْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِنْ عَلِمُوا قَصْدَهُمْ وَنَوَوْا الْقَصْرَ قَصَرُوا، وَهَذَا صَوَابٌ لِقَوْلِنَا: شَرْطُهُ الْعَزْمُ مِنْ أَوَّلِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُوَطَّإِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَسِيرِ فَقَالَ: مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ انْتَهَى.
هَذَا فِي الْأَسِيرِ الْمُقِيمِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُتِمُّ الْأَسِيرُ بِدَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنْ يُسَافَرَ بِهِ فَيَقْصُرَ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِهِ: سَفَرُهُ وَمُقَامُهُ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَمْلِكُهُ فَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إتْمَامِهِ وَقَصْرِهِ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَفِي ابْنِ يُونُسَ فِي الْعَسْكَرِ يُقِيمُ بِهِمْ الْإِمَامُ وَلَا يَدْرُونَ كَمْ يُقِيمُ يَقْصُرُونَ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ يُقِيمُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ انْتَهَى.
ص (وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ، وَإِنْ بِرِيحٍ) ش، قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: الدُّخُولُ فِي هَذِهِ بِالرُّجُوعِ وَبَلَدُهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَقَدَّمَتْ لَهُ فِيهِ إقَامَةٌ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ وَطَنِهِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالدُّخُولُ فِي الَّتِي بَعْدَهَا الْمُرُورُ وَوَطَنُهُ أَخَصُّ مِنْ بَلَدِهِ وَالرِّيحُ فِي هَذِهِ أَلْجَأَتْهُ لِدُخُولِ الرُّجُوعِ، وَفِي الَّتِي بَعْدَهُ أَلْجَأَتْهُ لِدُخُولِ الْمُرُورِ انْتَهَى.
(قُلْت) تَفْسِيرُهُ الدُّخُولَ فِي الْأُولَى بِالرُّجُوعِ ظَاهِرٌ إذْ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ حِينِ الْأَخْذِ فِي الرُّجُوعِ لَكِنَّهُ أَجْمَلَ فِيهِ إذْ لَمْ يُبَيِّنْ مَبْدَأَ الرُّجُوعِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا رَجَعَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَإِنَّ رُجُوعَهُ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ فِي رُجُوعِهِ وَبَعْدَ وُصُولِهِ الْبَلَدَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَلَا رَاجِعَ لِدُونِهَا، وَلَوْ بِشَيْءٍ نَسِيَهُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا الْمُصَنِّفُ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَسْأَلَةِ الرِّيحِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّيحِ فَنَصَّ عَلَيْهَا اللَّخْمِيُّ، قَالَ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا فِي الْبَحْرِ فَسَارَ أَمْيَالًا، ثُمَّ رَدَّتْهُ الرِّيحُ فَقَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ الصَّلَاةَ يُرِيدُ فِي رُجُوعِهِ، وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي أَقْلَعَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنًا إذَا كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ رَفْضُهُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَقْصُرُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنًا يُرِيدُ مَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ كَالْمُكْرَهِ انْتَهَى.
وَتَفْسِيرُ ابْنِ غَازِيٍّ الْبَلَدَ وَالْوَطَنَ ظَاهِرٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ الْوَطَنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا أَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا مُتَوَطَّنٌ كَمَكَّةَ بِمَعْنَى الْوَطَنِ فِي قَوْلِهِ وَقَطَعَهُ دُخُولُ وَطَنِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّوَطُّنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ الْمُرَادُ بِهِ طُولُ الْإِقَامَةِ وَالْوَطَنُ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ الْمَحِلُّ الَّذِي يَسْكُنُهُ الشَّخْصُ بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إلَّا مُتَوَطَّنٌ كَمَكَّةَ إلَى أَنَّ مَنْ سَافَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ
ثُمَّ رَجَعَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ أَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ وَلَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةٍ أَيَّامٍ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَوْطَنَهَا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُحْفَةِ لِيَعْتَمِرَ، ثُمَّ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ وَيُقِيمَ بِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهَا فَقَالَ مَالِكٌ يُتِمُّ فِي يَوْمَيْهِ، ثُمَّ، قَالَ يَقْصُرُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ الْإِتْمَامِ أَنَّهُ لَمَّا أَوْطَنَهَا وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا صَارَ لَهَا حُكْمُ الْوَطَنِ فَكَأَنَّهُ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ: " يَقْصُرُ " أَنَّهَا لَيْسَتْ وَطَنَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا أَتَمَّ بِنِيَّةِ الْفِعْلِ لَمَّا نَوَى الْإِقَامَةَ، وَأَمَّا وَطَنُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إذَا رَجَعَ إلَيْهِ إلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فَمَا كَانَ لَا يُتِمُّ فِيهِ إلَّا بِنِيَّةٍ أَضْعَفَ مِمَّا يُتِمُّ فِيهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَقَدْ سَافَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سَفَرَ قَصْرٍ فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ عَلَى نِيَّةِ سَفَرِهِ حَتَّى يَنْوِيَ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ اعْتِمَارُهُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ أَوْ مَا لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَأَتَمَّ فِي ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نِيَّتِهِ الْأُولَى فِي الْإِتْمَامِ فَلَا يُزِيلُهَا إلَّا خُرُوجُهُ إلَى سَفَرِ الْقَصْرِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ اللَّخْمِيُّ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْقَصْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ كَوْنُهُ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَافَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَالْمُوجِبُ لِعَدَمِهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَوْنُهُ لَمْ يُسَافِرْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ " وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ " وَبَيْنَ مَا اسْتَثْنَاهُ لَكِنْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ بِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَتَى بِالْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَمَكَّةَ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَمْ تَكُنْ وَطَنَهُ
وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا فَالْمُرَادُ بِالْوَطَنِ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ طُولُ الْإِقَامَةِ وَمَهَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ اسْتِيطَانٌ فَرَجَعَ إلَيْهِ مِنْ الطَّوِيلِ غَيْرُنَا وَإِقَامَةٌ كَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ خَرَجَ وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ فَأَحْرَى مَنْ سَافَرَ، وَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْعَوْدَ، ثُمَّ عَادَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِأَمْرٍ عَرَضَ لَهُ أَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ مَنْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ يَجْرِي عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى نِيَّةِ السَّفَرِ بِأَنْ يَكُونَ إنَّمَا رَجَعَ لِحَاجَةٍ أَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ يَقْصُرُ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ بَاقِيَةً عَلَى السَّفَرِ فِي رُجُوعِهِ، وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَافَرَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ يَقْصُرُ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ يُتِمُّ وَيَقْصُرُ هُنَا عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ: إنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ فِي الثَّانِيَةِ الْمُرُورُ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الْمُرُورِ بِالْوَطَنِ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، وَلَوْ حَاذَاهُ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا اُعْتُرِضَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ: إنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورَ بِشَرْطِ دُخُولِهِ أَوْ نِيَّةِ دُخُولِهِ لَا إنْ اجْتَازَ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ بِالدُّخُولِ فِي الثَّانِيَةِ حَقِيقَةُ الدُّخُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ يَرْجِعُ مُكْرَهًا يَقْصُرُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ: وَلَوْ رَدَّهُ غَاصِبٌ لَكَانَ عَلَى الْقَصْرِ فِي رُجُوعِهِ وَإِقَامَتِهِ إلَّا إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالرِّيحِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ سَافَرَ بِالرِّيحِ شَاكًّا مِنْ أَوَّلِ سَفَرِهِ هَلْ يُتِمُّ أَمْ لَا فَكَانَ قَرِيبًا مِمَّنْ يَنْتَظِرُ صَاحِبًا لَا يَسِيرُ إلَّا بِسَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مَكَانِ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ) ش: عَطْفُهُ مَكَانَ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَطَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُسَمَّى الْوَطَنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْوَطَنَ هُوَ مَحِلُّ السُّكْنَى كَمَا تَقَدَّمَ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَطَنِ
مَوْضِعُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالسُّرِّيَّةِ يُرِيدُونَ: وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ سُكْنَاهُ عِنْدَهُمَا انْتَهَى.
فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ أَدْخَلَا مَكَانَ الزَّوْجَةِ فِي مُسَمَّى الْوَطَنِ فَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَقَطْ احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ كَانَ لَهُ بِقَرْيَةٍ وَلَدٌ أَوْ مَالٌ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ وَطَنًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مَكَانُ السُّرِّيَّةِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَخْرَجَهُ إلَّا الشَّارِحَ فِي الْأَوْسَطِ بَلْ نَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَلَى إلْحَاقِهَا بِالزَّوْجَةِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْوَطَنُ هُنَا مَا فِيهِ زَوْجَةٌ مَدْخُولٌ بِهَا أَوْ سُرِّيَّةٌ بِخِلَافِ وَلَدِهِ وَخَدَمِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَوْطِنَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَطَنُ مَسْكَنُهُ أَوْ مَا بِهِ سُرِّيَّةٌ سَكَنَ إلَيْهَا أَوْ زَوْجَةٌ بَنَى بِهَا لَا مَالُهُ وَوَلَدُهُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الزَّوْجَةِ يُرِيدُ أَوْ سُرِّيَّةً نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَبِلُوهُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بِهَا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ سُرِّيَّةٌ يَسْكُنُ إلَيْهَا أَتَمَّ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَنِيَّةُ دُخُولِهِ)
ش: هُوَ مَعْطُوفُ عَلَى فَاعِلِ قَطَعَهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ نِيَّةَ دُخُولِ الْوَطَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا قَرُبَ مِنْ وَطَنِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ، وَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ وَمَنَعَهُ نِيَّةُ دُخُولِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ سَافَرَ سَفَرَ الْقَصْرِ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى وَطَنِهِ وَنَوَى أَنْ يَمُرَّ بِوَطَنِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ مَسَافَةٌ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ وَإِلَّا فَلَا، فَإِذَا وَصَلَ إلَى وَطَنِهِ وَسَافَرَ مِنْهُ اُعْتُبِرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُنْتَهَى سَفَرِهِ، فَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعُ صُوَرٍ يَقْصُرُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَبَعْدَهُ دُونَهَا وَعَكْسُهُ وَذَلِكَ وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنِيَّةُ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَقْطَعُهُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَرْبَعَةٍ أَيَّامٍ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ عِشْرُونَ صَلَاةً، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَيَّامِ تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَلَوْ دَخَلَ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَنَوَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فِي
الْيَوْمِ الرَّابِعِ، ثُمَّ يَخْرُجَ فَقَدْ نَوَى عِشْرِينَ صَلَاةً وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَى الْأَيَّامِ فَلَا يُعْتَدُّ بِيَوْمِ الدُّخُولِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلَهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ يُرِيدُ قَبْلَ الْفَجْرِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: فَإِنْ أَجْمَعَ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيُلْغِي الدَّاخِلَ وَالْخَارِجَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ عِشْرِينَ صَلَاةً فَيُلَفِّقُ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَوْمِ خُرُوجِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالْيَوْمِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ الْخُرُوجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ زَرُّوق، وَذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ نِيَّتُهُ الْخُرُوجَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهِ أَيْضًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا تِسْعَةَ عَشْرَ صَلَاةً وَأَيْضًا فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَالْقَاضِي فِي تَلْقِينِهِ وَمَعُونَتِهِ وَابْنُ جُزَيٍّ وَالْوَقَارُ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ الْقَصْرِ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَانْظُرْ مُخْتَصَرَ الْوَاضِحَةِ فَإِنَّهُ أَوْضَحُ مِنْ الَّذِي تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَأَرْبَعِ لَيَالٍ، فَإِنْ أَقَامَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَتِمَّ، وَإِنْ أَقَامَ أَرْبَعَ لَيَالٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُتِمَّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إذَا عَلِمَ ذَلِكَ، فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ يَوْمَ الدُّخُولِ فَالْإِقَامَةُ الْقَاطِعَةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ نِيَّتُهُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي الْيَوْمَ الرَّابِعَ لِيَكْمُلَ لَهُ بِذَلِكَ عِشْرُونَ صَلَاةً وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يُقِيمَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ عَزَمَ الْقَصْر بَعْدَ نِيَّةِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى السَّفَرِ]
(فَرْعٌ) إذَا عَزَمَ بَعْدَ نِيَّةِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى السَّفَرِ فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يَظْعَنَ كَالِابْتِدَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْصُرُ دَفْعًا لِلنِّيَّةِ بِالنِّيَّةِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَزَادَ فَقَالَ: وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي شَاهَدْت شَيْخَنَا يُفْتِي بِهِ.
[فَرْعٌ نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ بِنِيَّةٍ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ بِنِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ)
ش: نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ وَرِوَايَةُ اللَّخْمِيِّ مَنْ قَدِمَ بَلَدَ الْبَيْعِ يَتَّجِرُ شَاكًّا فِي قَدْرِ مُقَامِهِ أَتَمَّ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ ابْتِدَاءُ سَفَرٍ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ رُجُوعَهُ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ لَمْ يَنْوِ أَرْبَعَةً قَصَرَ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ أَبَدًا، وَلَوْ مُنْتَهَى سَفَرِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ لِابْنِ نَاجِي وَنَصُّهُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَنَّهُ يَقْصُرُ وَإِنْ وَصَلَ مُنْتَهَى سَفَرِهِ، وَهُوَ نَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَبِهِ أَقُولُ وَشَاهَدْت شَيْخَنَا - حَفِظَهُ اللَّهُ - يُفْتِي بِهِ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ، وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ قَدِمَ لِبَلَدٍ لِبَيْعِ تَجْرٍ شَاكًّا فِي قَدْرِ مُقَامِهِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ ابْتِدَاءُ سَفَرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاجَتُهُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَفْرُغُ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَقْصُرَ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ نَحْوَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ: لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةً غَيْرَ مَحْدُودَةٍ لِيُنْجِزَ حَاجَتَهُ، وَفِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهَا تُنْجَزُ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ فَهَذَا يَقْصُرُ مُدَّةَ مُقَامِهِ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ فِيمَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِ إنْجَازَ حَاجَتِهِ قَبْلَ
الْأَرْبَعَةِ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ فِي الشَّاكِّ وَالْمُتَوَهِّمِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ كَعَكْسِهِ وَتَأَكَّدَ وَتَبِعَهُ، وَلَمْ يُعِدْ)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ إمَامٍ: وَإِنَّمَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ بِإِتْمَامِ إمَامِهِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً وَدَخَلَ مَعَهُ فِي الْجُلُوسِ أَوْ سُجُودٍ مِنْ آخِرِ رَكْعَةٍ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ قَصْرُهَا انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ سَمِعْت مَالِكًا، قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ سَفْرٍ أَنْ يُقَدِّمُوا مُقِيمًا يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَكِنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، فَإِنْ صَلَّى بِهِمْ فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ لَكِنْ إنْ قَدَّمُوهُ لِسِنِّهِ أَوْ لِفَضْلِهِ أَوْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَيَأْتَمُّوا بِصَلَاتِهِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا نَحْوُ مَا يَأْتِي فِي " رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ "، وَفِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ الَّذِي تَأْتِي عَلَيْهِ مَسَائِلُهُمْ وَمَسَائِلُهُ إنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا إلَى غَيْرِهِ خَطِيئَةٌ فَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا مُقِيمًا يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ السُّنَّةِ فِي الْقَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَاسْتَحَبَّ أَنْ يُقَدِّمُوا ذَا السِّنِّ وَالْفَضْلِ لِمَا فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ مِنْ الرَّغِيبَةِ أَوْ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لِمَا فِي تَرْكِ ائْتِمَامِهِمْ بِهِ مِنْ بَخْسِ حَقِّهِ إذْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي مَنْزِلِهِ بِهِمْ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
ص (، وَإِنْ أَتَمَّ مُسَافِرٌ نَوَى إتْمَامًا أَعَادَ بِوَقْتٍ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِهِ يَصِحُّ الْكَلَامُ، فَإِنْ حَضَرَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَهَا أَرْبَعًا كَمَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ، ثُمَّ حَضَرَ فِي الْوَقْتِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
ص (وَإِنْ سَهْوًا سَجَدَ)
ش: أَيْ وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ سَهْوًا أَيْ سَهَا عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا أَوْ سَهَا عَنْ التَّقْصِيرِ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَالْأَصَحُّ إعَادَتُهُ كَمَأْمُومِهِ بِوَقْتٍ)
ش: قَالُوا سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا (قُلْت) ، وَهَذَا إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِتْمَامَ كَمَا نَوَى الْإِمَامُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ظَانًّا أَنَّ إمَامَهُ أَحْرَمَ كَذَلِكَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ نَوَى الْإِتْمَامَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ وَيُعِيدُ أَبَدًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ، وَإِنْ ظَنَّهُمْ سَفْرًا فَظَهَرَ خِلَافُهُ أَعَادَ أَبَدًا إنْ كَانَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ نَوَى الْقَصْرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِمُخَالَفَةِ نِيَّتِهِ لِنِيَّةِ الْإِمَامِ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَوْنِ الْإِمَامِ فِي ذَاتِهِ حَضَرِيًّا أَوْ سَفَرِيًّا، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَانَ قَصَرَ عَمْدًا)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يُقَالُ قَصَرَ وَقَصَّرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ
ص (وَكَانَ أَتَمَّ وَمَأْمُومُهُ بَعْدَ نِيَّةٍ قَصَرَ عَمْدًا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَأْمُومِيهِ اتَّبَعُوهُ أَمْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ
ص (وَسَبَّحَ مَأْمُومُهُ وَلَا يَتْبَعُهُ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا فِي السَّهْوِ وَالْجَهْلِ وَانْظُرْ بِمَاذَا يُعْلِمُونَ أَنَّهُ قَامَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَانْظُرْ لَوْ تَبِعُوهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَمَسْأَلَةِ قِيَامِ الْإِمَامِ الْخَامِسَةَ سَهْوًا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (إنْ كَانَ مُسَافِرًا)
ش: وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُقِيمًا فَلَا إعَادَةَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِمُوَافَقَةِ نِيَّتِهِ لِنِيَّةِ إمَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ كَانَ يُتَوَهَّمُ الْمُخَالَفَةَ، وَلَمْ تَقَعْ
ص (كَعَكْسِهِ)
ش: أَيْ إذَا ظَنَّ الْمُسَافِرُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ مُقِيمُونَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِمُخَالَفَةِ نِيَّةِ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةَ مُقِيمٍ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ فَقَدْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ لِنِيَّةِ إمَامِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: صَلَاتُهُ تُجْزِئُهُ، حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ " كَعَكْسِهِ " لَكَانَ حَسَنًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ، فَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ كَعَكْسِهِ فَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ مُقِيمًا وَاضِحَةٌ، وَقَدْ حَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: صِحَّةَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا وَالْإِعَادَةَ فِيهِمَا وَالْإِعَادَةَ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَعَكْسَهُ وَعَلَى الْإِعَادَةِ فَهَلْ فِي الْوَقْتِ أَوْ أَبَدًا.
[فَرْعٌ دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْقَوْمِ وَيَظُنُّهُمْ مُقِيمِينَ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ
الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْقَوْمِ وَيَظُنُّهُمْ مُقِيمِينَ فَلَمَّا صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ سَلَّمَ إمَامُهُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَكَانُوا مُقِيمِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ لَأَتَمَّ صَلَاةَ مُقِيمٍ أَرْبَعًا، ثُمَّ أَعَادَ صَلَاةَ مُسَافِرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا، وَلَوْ دَخَلَ خَلْفَهُمْ يَنْوِي صَلَاتَهُمْ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ أَوْ مُسَافِرِينَ لَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ)
ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَدِيَّةٍ إنْ طَالَ سَفَرُهُ بِقَدْرِ حَالِهِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَلَا يَفْتَتِحُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَا يَفْتَتِحُ بِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ "
ص (وَالدُّخُولُ ضُحًى)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَقْدَمُ عِشَاءً عَلَى أَهْلِهِ أَتَرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ تِلْكَ السَّاعَةَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُطْرَقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ إلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً فَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ رَأَى النَّهْيَ الْوَارِدَ نَهْيَ إرْشَادٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ انْتَهَى.
ص (وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ) ش: الضَّمِيرُ لِلْمُسَافِرِ
وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا شَكَّ فِي جَمْعِهِ، وَأَمَّا الرَّاجِلُ فَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجْمَعُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ؛ لِأَنَّ جَدَّ السَّيْرِ يُوجَدُ مِنْهُ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: تَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ فِي جَمْعِ الرَّاجِلِ وَرَاءَهُ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ فَلَا يَجْمَعُ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ الْمَوَّاقُ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ زَرُّوق وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الْغُرَرِ لَعَلَّهُ وَلِابْنِ عَاتٍ فِي الطُّرَرِ
ص (وَهَلْ الْعِشَاءَانِ كَذَلِكَ تَأْوِيلَانِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الرِّحْلَةَ مِنْ الْمَنْهَلِ، قَالَ سَحْنُونٌ: هُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَجْمَعُ بِالسَّفَرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلَا كَرَاهَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي الْجَمْعِ عِنْدَ الرَّحِيلِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْحُكْمُ مُسَاوٍ فَقِيلَ تَفْسِيرٌ، وَقِيلَ خِلَافٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: حَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَلَامَ سَحْنُونٍ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَحَمَلَهُ الْبَاجِيُّ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي سَفَرِهِ إلَى تَبُوكَ» انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْعِشَاءَيْنِ كَالظُّهْرَيْنِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ قَدِمَ، وَلَمْ يَرْتَحِلْ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ فَجَمَعَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ عَنْ السَّيْرِ فَلَمْ يَرْتَحِلْ وَأَقَامَ بِالْمَنْهَلِ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا، وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا فَهِمَهُ فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ الْفَرْعَيْنِ اللَّذَيْنِ نَقَلَهُمَا عَنْ التِّلِمْسَانِيِّ فَرْعٌ وَاحِدٌ
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُمَا فَرْعَانِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ جَمَعَهُمَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلَمْ يَرْحَلْ، قَالَ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ سَبَبُ الضَّرُورَةِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ فَتَعَلَّقَ بِهِ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ فَلَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِيهِ أَبَدًا إلَّا أَنَّ مَحْضَ الضَّرُورَةِ لَمَّا لَمْ يَكْمُلْ اُسْتُحِبَّتْ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ.
[فَرْعٌ جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِشِدَّةِ السَّيْرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ]
(فَرْعٌ) فَلَوْ جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِشِدَّةِ السَّيْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ أَوْ أَتَاهُ أَمْرٌ تَرَكَ لَهُ جَدَّ السَّيْرِ، قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ، قَالَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ التَّامَّةِ فَتَعَلَّقَتْ بِالْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، فَزَوَالُ الضَّرُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهَا وَلَا يُوجِبُ إعَادَتَهَا كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الْحَضَرِ لِلْمَطَرِ، ثُمَّ كَفَّتْ الْمَطَرُ بَعْدَ الْجَمْعِ، وَكَمَا لَوْ أَمِنَ بَعْدَ صَلَاةِ الْخَوْفِ انْتَهَى.
فَتَعْلِيلُهُ كُلَّ فَرْعٍ عَلَى حِدَّتِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فَرْعَانِ لَا فَرْعٌ وَاحِدٌ، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ الْفَرْعَ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ " فَإِنْ جَمَعَ فِي الْمَنْهَلِ " قَالَ مَالِكٌ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مَا دَامَ الْوَقْتُ انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْفَرْعُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُوَ الْفَرْعُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ نَزَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَجَمَعَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الرَّحِيلَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ والتِّلِمْسَانِيُّ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي الْمَنْهَلِ، وَهُوَ لَمْ يَرْحَلْ أَيْ لَمْ يُرِدْ رَحِيلًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الذَّخِيرَةِ جَمَعَ فِي الْمَنْهَلِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ - أَعْنِي مَنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ عِنْدَهُ - عَنْ عَلِيٍّ عَنْ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ والتِّلِمْسَانِيُّ وَأَيْضًا فَقَدْ، قَالَ الْمَازِرِيُّ لَمَّا عَلَّلَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ إلَى الظُّهْرِ: إذَا كَانَ عَزْمُهُ الرَّحِيلَ مَا نَصُّهُ وَإِذَا كَانَتْ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الزَّوَالِ لِعُذْرِ الرَّحِيلِ فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ بِأَنْ نَزَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ لَا لِعُذْرِ اسْتِيفَاءِ الرَّحِيلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعَصْرَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، رَوَاهُ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَابْنُ زِيَادٍ هُوَ عَلِيٌّ، وَأَمَّا الْفَرْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ كِنَانَةَ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ جَمَعَ وَنِيَّتُهُ الرَّحِيلُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ أَوْ أَتَاهُ أَمْرٌ تَرَكَ لِأَجْلِهِ جَدَّ السَّيْرِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ " لِشِدَّةِ السَّيْرِ " بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي اشْتِرَاطِ جَدِّ السَّيْرِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا بِالْإِعَادَةِ إلَّا عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْفَرْعَيْنِ فَرْعٌ وَاحِدٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ إمَامُ الْحُفَّاظِ وَالْمُتَصَدِّي لِنَقْلِ الْأَقْوَالِ وَعَزْوِهَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا ذَكَرَهُ، قَالَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: مَنْ جَمَعَ لِجَدِّ السَّيْرِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَانِهِ لَمْ يُعِدْ، يُعَارِضُهُ جَمْعُ خَائِفٍ فَقَدَ عَقْلَهُ وَيُوَافِقُهُ نَصُّ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُعِيدُ مُصَلٍّ جَالِسًا لِعُذْرِ زَالَ فِي الْوَقْتِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَيُتْرَكُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَة نَفْسِهَا، هَذَا بَعِيدٌ، وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ كِنَانَةَ مُشْتَمِلٌ عَلَى صُورَتَيْنِ: الْأُولَى مِنْهُمَا أَنْ يَجْمَعَ ثُمَّ تَبْدُوَ لَهُ فَيُقِيمَ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَجْمَعَ ثُمَّ يَعْرِضَ لَهُ أَمْرٌ يَتْرُكَ لِأَجْلِهِ السَّيْرَ، وَإِذَا حُكِمَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ أَحْرَى، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا: وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَهَا فَلَا تَبْطُلُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِوُقُوعِ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ فَكَانَ كَالْمُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ، وَلَوْ قِيلَ بِالْإِعَادَةِ قِيَاسًا عَلَى خَائِفِ الْإِغْمَاءِ إذَا لَمْ يُغْمَ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيَاسًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْإِعَادَةَ فِي حَقِّ مَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا بَعْدُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي لِوُقُوعِ الصَّلَاتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْجَمْعِ وَهَلْ تُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ صَلَاةِ الْقَصْرِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُهُ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِلَافِ فِي نَفْيِ الْإِعَادَةِ فِيمَنْ جَمَعَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَقَامَ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِي تَخْرِيجِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ مَالِكٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ
الْأَوَّلُ، هَذَا غَرِيبٌ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، فَإِنْ قِيلَ كَلَامُ ابْنِ كِنَانَةَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ - أَعْنِي قَوْلَهُ " وَأَتَاهُ أَمْرٌ " - فَهُوَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ لَا صُورَتَانِ وَهِيَ لَيْسَتْ عَيْنَ صُورَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ بَلْ هِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَعَلْتُمُوهَا فِي كَلَامِ ابْنِ كِنَانَةَ، قِيلَ: أَمَّا أَوَّلًا فَلَوْ سَلَّمَ هَذَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَحْرَى بِعَدَمِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ - الشَّخْصَ بَاقٍ عَلَى السَّفَرِ لَوْلَا مَا أَتَاهُ مِنْ الْأَمْرِ، وَفِي الْأُخْرَى تَرَكَ السَّفَرَ وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ، فَفَرْعُ ابْنِ كِنَانَةَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْخِلَافِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَاعْلَمْ أَنَّ فَرْعَ ابْنِ كِنَانَةَ بِأَوْ لَا بِالْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَتَيْنِ عَتِيقَتَيْنِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَفِي سَنَدٍ، وَفِي الذَّخِيرَةِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ سَنَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْ التِّلِمْسَانِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ جَمَعَ فِي السَّفَرِ فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَلَ الْجَمْعُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَمَعَ فِي السَّفَرِ، وَكَانَ حُكْمُهُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ إلَى الْأُولَى فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَقَدْ بَطَلَ الْجَمْعُ، وَالْإِقَامَةُ هُنَا مُقَابِلَةُ السَّفَرِ هُنَاكَ، أَعْنِي كَمَا لَا يُشْتَرَطُ طُولُ السَّفَرِ فَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ بُطْلَانَ الْجَمْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ؛ فَلِهَذَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَقَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالثَّانِيَةِ صَحَّتْ الْأُولَى وَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُهَا، وَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ الْأُولَى أَيْضًا وَيَقْطَعُ الثَّانِيَةَ أَوْ يُسَلِّمُ عَلَى نَافِلَةٍ، وَهُوَ أَوْلَى وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَتَمَادَى عَلَيْهَا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَتَصِحُّ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُشِيرُ بِقَوْلِ أَشْهَبَ إلَى مَا حَكَى عَنْهُ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ إجَازَةِ الْجَمْعِ بِالسَّبَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ فَرْعَ التِّلِمْسَانِيِّ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ لَوْ تَمَادَى لَأَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا إلَّا أَنَّهُ يَقْطَعُ عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ التَّنَفُّلُ فِي السَّفَرِ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ، إنَّمَا لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا أَبَاحَهُ ضَرُورَةُ الْجَدِّ فِي السَّيْرِ فَتَسْقُطُ مُرَاعَاةُ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالتَّنَفُّلُ يُشْعِرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ فَلَمَّا نَافَى التَّنَفُّلُ فِي السَّفَرِ مَا وُضِعَ الْجَمْعُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِإِدْخَالِهِ فِي الْجَمْعِ مَعْنًى انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي صِفَةِ الْجَمْعِ: وَذَلِكَ أَنْ يُقَدِّمَ الْأُولَى مِنْهُمَا وَيَنْوِيَهُ فِي أَوَّلِهَا وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: مِنْ صِفَةِ الْجَمْعِ الْمُوَالَاةُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ إقَامَةٍ أَوْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ عَلَى الْخِلَافِ وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَفَّلَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا قَدَّمَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ هَلْ تُبَاحُ لَهُ النَّافِلَةُ أَوْ تُكْرَهُ
ص (وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ)
ش: فِي كَوْنِ الْجَمْعِ رَاجِحًا أَوْ مَرْجُوحًا طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ رَاجِحٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رُخِّصَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ جَمْعِ الْبَادِيَةِ فِي وَسَطِ النَّزْلَةِ]
(مَسْأَلَةٌ) ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلْت عَنْ جَمْعِ الْبَادِيَةِ فِي وَسَطِ النَّزْلَةِ فَأَجَبْت إنْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ رَاتِبٌ وَيَجْعَلُونَ مَوْضِعًا لِصَلَاتِهِمْ أَيْنَمَا نَزَلُوا فَإِنَّهُمْ يَجْمَعُونَ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ " أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ إمَّا بِمُسَمِّعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ إذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ انْتَهَى.
ص (وَأَخَّرَ قَلِيلًا) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ تَرَدَّدَ شُيُوخُنَا هَلْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَمْرٌ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ أَمْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى
الثَّانِي انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَرَدَّدَ شُيُوخِي هَلْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ قَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ؟ (قُلْت) الصَّوَابُ الثَّانِي انْتَهَى.
[فَرْعٌ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ]
(فَرْعٌ) ، قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الْحَجِّ: وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى فَرَمَى وَانْصَرَفَ، وَلَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَلَزِمَهُ الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ حِينَ رَمَى، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ " ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ": وَالشَّفَقُ الْإِسْفَارُ الْبَيَاضُ الْبَاقِي مِنْ النَّهَارِ، وَقَوْلُهُ " قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ " تَفْسِيرٌ فَلَوْ قَعَدُوا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ أَعَادُوا الْعِشَاءَ، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُونَ، وَثَالِثُهَا إنْ قُعِدَ الْجُلُّ أَعَادُوا لَا الْأَقَلُّ انْتَهَى.
وَفِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ لَا يُعِيدُونَ وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْمَطَرِ أَرَأَيْت إنْ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَنَتُوا؟ قَالَ: هُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ لِلْعِشَاءِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: إنَّ هَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ عِيسَى وَأَصْبَغَ وَالْعُتْبِيِّ وَابْنِ مُزَيْنٍ فِي الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ: إنَّهُ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا إنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ عِنْدِي بِصَحِيحٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي خَشِيَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَصَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ يُؤْمَرُ أَنْ يُعِيدَ لِيُدْرِكَ مَا نَقَصَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَاَلَّذِينَ جَمَعُوا ثُمَّ قَنَتُوا لَا يُؤْمَرُونَ بِالْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا فِي جَمَاعَةٍ فَمَعَهُمْ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ فَضْلِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ: إنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ كَانَ أَتَمَّ وَحْدَهُ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الْقَصْرِ، وَلَا يُعِيدُ إنْ كَانَ أَتَمَّ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ مَعَهُ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ مَكَانَ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضْلِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ الْمَغْرِبَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ مُجَمِّعُونَ، وَقَدْ صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يُصَلُّوا الْعِشَاءَ: إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى مَعَهُمْ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الَّذِي يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ لَا قَوْلَ عِيسَى وَمَنْ تَابَعَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَى ابْنُ لُبَابَةَ انْتَهَى.
ص (ثُمَّ صَلَّيَا وَلَاءً)
ش: لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِجَمْعِ الْمَطَرِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِلْجَمْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَقَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ: وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ إنْ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَإِنْ جَمَعَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا أَثَرَ لِلْمُوَالَاةِ إلَّا فِي الْخَلَاصِ مِنْ عُهْدَةِ الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّأْثِيمِ انْتَهَى.
ص (وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْجَمْعِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ سَنَدٌ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَتَنَفَّلُ عِنْدَ أَذَانِ الْعِشَاءِ لِزِيَادَةِ الْقُرْبَةِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَتَنَفَّلُ فَتَنَفَّلَ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْجَمْعَ قِيَاسًا عَلَى الْإِقَامَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ انْتَهَى.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَيْ لَمْ يَمْنَعْ التَّنَفُّلُ الْجَمْعَ
ص (وَلِمُعْتَكِفٍ فِي الْمَسْجِدِ) ش: أَيْ تَبَعًا لِلْجَمَاعَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلِأَجْلِ التَّبَعِيَّةِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ الْمُعْتَكِفِ أَنْ
يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وُجُوبُ اسْتِخْلَافِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ بِجَمْعِ جَارِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَرُبَ أَبُو عِمْرَانَ، وَالْغَرِيبُ يَبِيتُ بِهِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ، وَالْمُعْتَكِفُ عَبْدُ الْحَقِّ إنْ كَانَ إمَامُهُمْ جَمَعَ مَأْمُومًا وَنَقْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتِحْبَابَ ائْتِمَامِهِ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
ص (وَلَا مُنْفَرِدٌ بِمَسْجِدٍ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ أَقَامَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إذَا كَانَ وَحْدَهُ يَجْمَعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَأَنَّهُ يَقُولُ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " فَقَطْ، وَسَلَّمَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ مَشَايِخِنَا فِي الْأُولَى، وَخَالَفَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَرَأَى أَنَّهُ يَزِيدُ " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ "، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي هُوَ الْأَوَّلُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِهِ " قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ ": قَالَ شَيْخُنَا وَفِي أَنَّهُ يَجْمَعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ شَرْطُ الْجُمُعَةِ]
(فَصْلٌ) (شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي يَذْكُرُهَا مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا وَسَنُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ وُقُوعُ كُلِّهَا إلَخْ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَقَاءِ رَكْعَةٍ لِلْعَصْرِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْعَصْرِ شَيْئًا قَبْلَ الْغُرُوبِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَخْطُبُ فِيهِ وَيُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا لِقَوْلِهِ: وُقُوعُ كُلِّهَا بِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَبُو عُمَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ غَرَبَتْ أَتَمَّهَا انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا قَصَدَ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ الْخُطْبَةِ قَبْلَ وَقْت الظُّهْر فَتَأَمَّلْهُ وَاللَّه أَعْلَم.
[تَنْبِيه أَخَّرَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ الصَّلَاةَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عذر]
(تَنْبِيهٌ) هَذَا الْحُكْمُ إذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ الصَّلَاةَ لِعُذْرٍ أَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا أَتَى مِنْ تَأْخِيرِ الْأَئِمَّةِ مَا يُسْتَنْكَرُ جَمَعُوا دُونَهُ إنْ قَدَرُوا وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا وَتَنَفَّلُوا مَعَهُ قَالَ سَنَدٌ يُرِيدُ إذَا أَخَّرَهَا إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِهَا الظُّهْرُ وَتَدْخُلُ بِالزَّوَالِ فَمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْجُمُعَةِ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُصَلُّونَهَا أَفْذَاذًا كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ الْجَمَاعَةُ تَشْبِيهًا بِمَنْ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ مِنْ أَهْلِهَا.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ خَشُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا ثُمَّ جَاءَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ لَزِمَتْهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا ظَنُّوهُ وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُمْ قَدْ سَقَطَ بِفِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الظُّهْرِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ فِي الْأَوَّلِ لَمَّا عَلِمُوا بِأَنَّهُ يَأْتِي لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فَصَلَاتُهُمْ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا وَفِي الثَّانِي لَوْ عَلِمُوا بِأَنَّهُ فِي وَقْتِهِ صَلَّوْا وَلَمْ يَلْزَمْهُمْ تَأْخِيرُ فَرْضِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَيَتَنَفَّلُونَ مَعَهُ، فَجَعَلَهَا نَافِلَةً وَالنَّافِلَةُ لَا تَلْزَمُ، وَعَلَى
قَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى الْغُرُوبِ لَا يَأْثَمُ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُجْزِئَهُمْ وَأَنْ تَلْزَمَهُمْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ كَانَ لَهُمْ جَائِزٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ فَإِذَا قُلْنَا لَا تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ فَإِنْ أَعَادُوا فَلْيُعِيدُوا بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فُرَادَى ثُمَّ أَعَادَهَا جَمَاعَةً فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ ثُمَّ قَالَ فَرْعٌ وَهَلْ تُجْزِئُ الْإِمَامَ إذَا صَلَّوْا مَعَهُ، إنْ كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ تَسْتَقِلُّ بِهِمْ الْجُمُعَةُ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّا وَإِنْ فَوَّضْنَا أَمَرَ صَلَاتِهِمْ إلَى اللَّهِ فَلَا نَقْطَعُ بِتَعْيِينِ فَرْضِهِمْ مَعَهُ فَلَا تُجْزِئُ الْإِمَامَ الْجُمُعَةُ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرِ مُفْتَرِضِينَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بِالصِّبْيَانِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ التُّونُسِيُّ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ إذَا هَرَبَ عَنْهُ النَّاسُ أَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالنَّاسَ يَنْتَظِرُونَ إلَّا أَنْ يَخَافُوا دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِنْ خَافُوا دُخُولَ وَقْتِ الْعَصْرِ صَلَّوْا ظُهْرًا أَرْبَعًا ثُمَّ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فِي تَخَلُّفِ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ بَلْ يَنْتَظِرُونَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ إلَّا بَعْضَهَا قَالَ وَرُبَّمَا تَبَيَّنَ لِي أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِلْعَصْرِ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ سَحْنُونٌ إذَا رَجَوْا إتْيَانَهُ فَأَمَّا إنْ أَيْقَنُوا بِعَدَمِ إتْيَانِهِ فَلَا يُؤَخِّرُوا الظُّهْرَ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سَحْنُونٌ ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ التُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ سَحْنُونٍ عَلَى مَا إذَا أَخَّرَ لِعُذْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَة لِمَ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةَ بِالْجُمُعَةِ]
(فَائِدَةٌ) الْجُمُعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِيهَا وَتُسَمَّى جُمُعَةً بِالسُّكُونِ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ النَّاسَ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي اعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ الْجُمُعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ وَالْجُمُعَةُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتَهَى.
وَقَرَأَ الْجَمَاعَةُ بِالضَّمِّ وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَحُكِيَ كَسْرُ الْمِيمِ انْتَهَى.
وَقُرِئَ بِالثَّلَاثِ فِي الشَّوَاذِّ وَقَرَأَ الْجَمَاعَةُ بِالضَّمِّ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةَ؟ فَقُلْ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ جُمُعَةً؟ فَقُلْ: لَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَخُصُّ الشَّيْءَ بِاسْمِهِ إذَا كَثُرَ ذَاكَ مِنْهُ انْتَهَى.
ص (وَهَلْ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَصُحِّحَ أَوْ لَا) ش: يَعْنِي أَنَّ قَوْلَنَا إنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ مُمْتَدٌّ لِلْغُرُوبِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَخْطُبَ وَيُصَلِّي وَيَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ مَا يُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْعَصْرَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ؟ قَوْلَانِ رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَتَّابٍ وَإِذَا أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَلْيُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِهِمْ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّمْسُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْعَصْرَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ عَتَّابٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ بَعْضَ الْعَصْرِ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَصُحِّحَ.
ص (وَبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ)
ش: لَا إشْكَالَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا بُدَّ فِي
الْجَامِعِ مِنْ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ خَارِجًا عَنْ بِنَاءِ الْقَرْيَةِ قَالَ سَنَدٌ أَمَّا الْمَسْجِدُ فَهُوَ شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا أَبِي ثَوْرٍ وَشَيْءٌ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ مَالِكٍ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ الْمَسْجِدُ إلَّا دَاخِلَ الْمِصْرِ وَلَا تُصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْعِيدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ خَارِجَ الْمِصْرِ قَرِيبًا نَحْوَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جُعِلَتْ مُصَلًّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ الْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ، أَعْنِي إذَا سَافَرُوا عَنْ الْمِصْرِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ كَالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنْهُ، وَتُفَارِقُ الْجُمُعَةُ الْعِيدَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجُمُعَةَ مَرْدُودَةٌ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ فِعْلُهَا بِمَكَانٍ وَأَنْ يَخْتَلِفَ فِيهَا الْمِصْرُ وَخَارِجُهُ كَصَلَاةِ السَّفَرِ، وَالْعِيدُ لَيْسَتْ مَرْدُودَةً مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ سَنَدٌ لَا تَكُونُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا دَاخِلَ الْمِصْرِ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ مُصَلَّى الْعِيدِ تَشْبِيهًا لِلْجُمُعَةِ بِالْعِيدِ لَنَا أَنَّهُ مَكَانٌ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَيَكُونُ مُنَافِيًا لِمُوجَبِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْجَامِعُ شَرْطٌ وَاتِّصَالُهُ بِالدُّورِ شَرْطٌ فَلَوْ انْفَرَدَ الْجَامِعُ مِنْ الْبُيُوتِ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ الْمَوْصُوفَةُ حَيْثُ الْجَامِعُ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجَامِعِ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ وَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِمَّنْ يَقْرُبُ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ إقَامَتِهَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِانْفِرَادِهِ فَلَا تَصِحُّ بِمَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ بِالْقُرَى يَكُونُ الْجَامِعُ خَارِجَ الْقَرْيَةِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَإِنَّهَا تُقَامُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَوَجَدْت فِي تَعَالِيقِي - وَلَمْ أَدْرِ مِنْ أَيْنَ نُقِلَتْ - أَنَّ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالْجَامِعِ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِذَا قُلْنَا فِي الْجَامِعِ إنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْقَرْيَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ دُخَانُ الْمَنْزِلِ يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَنْزِلِ وَقَرُبَ مِنْهُ أَجْزَأَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ بَعُدَ لَمْ تُجْزِ فِيهِ.
قَالَ بَعْضُ: الشُّيُوخِ وَحَدُّ الْقُرْبِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ أَرْبَعُونَ بَاعًا انْتَهَى.
(قُلْت) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الطِّرَازِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ الْجَوَازُ إذَا كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ قَرِيبًا مِنْهُ إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَلَوْ سَبَقَ فِي الْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَدِيدِ انْتَهَى.
نَصَّ عَلَى الْأَوَّلِ سَنَدٌ فِي الطِّرَازِ وَأَمَّا الثَّانِي فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فَاعْتِرَاضُ الْمَوَّاقِ غَيْرُ وَاضِحٍ وَانْظُرْ الطِّرَازَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فُرُوعًا تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَحَلِّ
ص (وَفِي اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ)
ش: الظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ سَقْفِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَشَيْخُهُ ابْنُ زَرْقُونٍ وَابْنُ الْحَاجِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَلِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ فَضَاءً حَوْلَ الْكَعْبَةِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَخِلَافَةِ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ تُقَامُ فِيهِ وَلَمْ يُذْكَرُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ بِهِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ السَّقْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لَوْ هُدِمَ الْمَسْجِدُ فَظُلِّلَ مَوْضِعُ السَّقْفِ بِسُتُورٍ وَنَحْوِهَا قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ نَقَضَ الْكَعْبَةَ وَجَعَلَ أَعْمِدَةً سَتَرَ عَلَيْهَا مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي إنَّمَا يُمْنَعُ إقَامَتُهَا بِالْمَسْجِدِ الَّذِي انْهَدَمَ لِسَقْفِهِ إذَا لَمْ يُظَلَّلْ عَلَى السَّقْفِ بِسُتُورٍ وَأَمَّا لَوْ ظَلَّلُوا بِهَا لَنَابَتْ السُّتُورُ عَنْ السَّقْفِ كَمَا نَابَتْ عَنْ الْجُدُرِ فِي قَضِيَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَلْ أَحْرَى وَنَزَلْتُ بِتُونُسَ لَمَّا نَزَلَ سَقْفُ جَامِعِهَا الْأَعْظَمِ وَخَطِيبُهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ فَأَمَرَ أَنْ يُظَلَّلَ بِالْحُصْرِ وَخَطَبَ تَحْتَهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَرَوِيُّ وَكَانَ شَيْخُنَا
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِقَامَةِ الْخَمْسِ تَرَدُّدٌ) ش أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَسُكُوتِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَنُزِّلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَانْظُرْ عَزْوَهُمْ اشْتِرَاطَ إقَامَةِ الْخَمْسِ لِابْنِ بَشِيرٍ وَقَدْ نَقَلَ سَنَدٌ عَنْ الْمُخْتَصَرِ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: إنْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ بُيُوتُهَا مُتَّصِلَةً وَطُرُقُهَا فِي وَسَطِهَا وَفِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ تُجْمَعُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ فَلْيَجْمَعُوا كَانَ لَهُمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا انْتَفَيَا)
ش: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا يُفْهَمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ الْمَوَّاقُ.
ص (وَبِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوْ لَا بِلَا حَدٍّ وَإِلَّا فَتَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا) ش: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ
كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَيْ يُطْلَبُ حُضُورُهُمْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بَاقِينَ لِسَلَامِهَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِمَعْنَى أَنْ يُطْلَبَ وُجُودُهُمْ فِي الْقَرْيَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ الصَّلَاةَ لَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ.
وَنَصُّ كَلَامِهِ: الَّذِي يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إقَامَتِهَا فِي الْبَلَدِ وَوُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ هَذَا الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ الْيَوْمَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا انْتَهَى.
وَنَحْوُ هَذَا فِي الْإِكْمَالِ وَنَصُّهُ نَاقِلًا عَنْ الْمَازِرِيِّ، وَمَالِكٌ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ أَيْ الْعَدَدِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ الْجُمُعَةُ حَدًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ وَنَصْبُ لِأَسْوَاقِ عِيَاضٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ هُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي إجْزَائِهَا وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا إجَازَتُهَا مَعَ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَحَكَى أَبُو يَعْلَى الْعَبْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ رَأَيْت لِمَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَلَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْمُنْتَقَى: الْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ لَهَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِانْفِرَادِهِمْ وَتُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ؛ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ وَاسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ الْعِيرِ يَقْتَضِي إجَازَتَهُمْ لِلْجُمُعَةِ مِنْ اثْنَيْ عَشَر رَجُلًا مَعَ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ هَذَا عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِتَكَلُّفٍ وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَفِي صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ إقَامَتِهَا جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَوَّلًا أَيْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَصِحَّتِهَا مِنْهُمْ لَا فِي حُضُورِهَا وَإِلَّا فَيَجُوزُ إذَا حَضَرَهَا اثْنَا عَشَر رَجُلًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاسْتَفْسَرَهُ فَقَالَ: إنْ أَرَادَ أَنَّ عَدَدَ الْجَمَاعَةِ شَرْطُ كِفَايَةٍ فِيهَا فَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا لَا فِي أَدَائِهَا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ شَرْطٌ فِي الْأَدَاءِ وَإِلَّا أَجْزَأَ الْفِعْلُ قَبْلَ وُجُوبِهِ عَنْهُ بَعْدَهُ وَإِنْ أَرَادَ صِحَّتَهَا بِاثْنَيْ عَشَر قَبْلَ إحْرَامِهَا أَوْ بَعْدَ فَهَذَا مَا تَقَدَّمَ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
(قُلْت) لَمْ يُرِدْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ شَرْطُ كِفَايَةٍ وَلَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ دُونَ الْأَدَاءِ بَلْ أَرَادَ الْوَجْهَ الثَّالِثَ وَهُوَ أَنَّ وُجُودَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَفِي الْأَدَاءِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمْ بَلْ تَصِحُّ بِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ فَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ سَافَرَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ فَإِنْ سَافَرُوا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِنْ سَافَرُوا لِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ وَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إذَا كَانَ بِالْقَرْيَةِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ تَفَرَّقُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي أَشْغَالِهِمْ مِنْ حَرْثٍ أَوْ حَصَادٍ حَتَّى لَا يَبْقَى بِهَا إلَّا الْعَدَدُ الَّذِي لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ فَكَانَ الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ إذَا بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْقَرْيَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا جَمَعُوا انْتَهَى مُخْتَصَرًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ أَيْ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ أَيْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ: لَا حَدَّ لِمَنْ يُقَامُ بِهِمْ بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ بِهَا آمِنِينَ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى
الْجِهَاتِ فِي كَثْرَةِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فَفِي الْجِهَاتِ الْآمِنَةِ تَتَقَرَّى بِالنَّفَرِ الْيَسِيرِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِمَّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الْخَوْفُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الثَّوَاءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ فَالْبِلَادُ الَّتِي سَلِمَتْ مِنْ الْفِتَنِ تَتَقَرَّى الْقَرْيَةُ فِيهَا بِجَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ فِي الْخُصُوصِ وَغَيْرُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ مَعْنَى يُمْكِنُهُمْ الثَّوَاءُ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ كَالرَّوْحَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْخُصُوصِ كَانَ عَلَيْهِمْ وَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ مَرَّةً: الْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ الْبُنْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْأَسْوَاقُ يَجْمَعُ أَهْلُهَا، وَمَرَّةً لَمْ يَذْكُرْ الْأَسْوَاقَ انْتَهَى.
قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْأَسْوَاقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ النَّاسِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ فَلَوْ اجْتَمَعَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ وَلَا سُوقَ عِنْدَهُمْ جَمَعُوا قَالَ وَأَمَّا اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ فَشَرْطٌ فَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ كَدُورِ جِرْبَةَ وَدُورِ جِبَالِ الْغَرْبِ لَمْ يَجْمَعُوا.
بِهَذَا وَقَعَتْ الْفُتْيَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا مِنْ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي ضَرُورِيَّاتِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ جَمَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ وَهُمْ كَذَلِكَ بِحُكْمِ الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ انْتَهَى.
(قُلْت) مَا اسْتَظْهَرَهُ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فَقَالَ: وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اتِّصَالِ بُنْيَانِ الْقَرْيَةِ فَإِنْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا بِحَيْثُ لَوْ سَافَرَ مَنْ فِي بَعْضِهَا قَصَرَ إذَا فَارَقَ بُيُوتَهُ وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ الْبَاقِيَ فَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَجْعَلُهَا فِي حُكْمِ الْقُرَى وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلَةِ وَقَدْ يَخْرَبُ بَعْضُ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ فَتَنْهَدِمُ وَتَحْتَرِقُ فَيَكُونُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْبَيْتِ هَذَا الْقَدْرُ انْتَهَى.
وَالثَّوَاءُ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمَدِّ وَأَمَّا الْتَوَى بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَالْقَصْرِ فَمَعْنَاهُ الْهَلَاكُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمْنُ بِمَحَلَّتِهِمْ وَأَمْكَنَهُمْ الْمُقَامُ بِمَوْضِعِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا مَعْنَى التَّقَرِّي وَهُوَ أَنْ تُمْكِنَهُمْ الْإِقَامَةُ آمِنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَاجِيِّ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَدَدٌ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِانْفِرَادُ بِالِاسْتِيطَانِ فَصَحَّ أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هُوَ الْإِقَامَةُ بِنِيَّةِ التَّأْبِيدِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَابْنُ الْفُرَاتِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجِّ حَقِيقَةُ التَّوَطُّنِ الْإِقَامَةُ بِعَدَمِ نِيَّةِ الِانْتِقَالِ وَلَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِيطَانِ كَوْنُهُمْ يَخْرُجُونَ فِي أَيَّامِ الْمَطَرِ نَحْوَ الشَّهْرَيْنِ فَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ تَعَالِيقِ أَبِي عِمْرَانَ فِي الْجَمَاعَةِ يُقِيمُونَ بِمَوْضِعٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُقِيمُونَ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَقَرْيَتَيْنِ إذَا حَلُّوا بِإِحْدَاهُمَا أَقَامُوا فِيهَا وَإِذَا حَلُّوا بِالْأُخْرَى أَقَامُوا فِيهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ فِي الْقَوْمِ يَمُرُّونَ بِثَغْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَيُقِيمُونَ فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ هَذِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاسْتِيطَانِ وَقَيَّدَهَا ابْنُ رُشْدٍ بِكَوْنِ أَهْلِ الثَّغْرِ تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا اسْتِيطَانٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ أَبِي عِمْرَانَ انْتَهَى.
وَقَالُوا أَيْضًا فِي شُرُوطِ التَّمَتُّعِ فِيمَنْ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إذَا أَقَامَ فِي إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ جُعِلَ وَطَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ بِمَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ.
وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقِيمُهَا الثَّلَاثُونَ وَمَا قَارَبَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ بَيْتًا» وَالْبَيْتُ مَسْكَنُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ وَمَا قَارَبَهَا فَكَانَ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ يَقُولُ كَالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ لَا أَقَلَّ وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَقُولُ كَالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ وَبِهِ أَقُولُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَدَدِ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهَذَا إذَا كَمُلَ بِهِمْ عَدَدُ الْجَمَاعَةِ لَا أَنَّهُمْ
كُلَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مُسَافِرُونَ انْتَهَى.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي الْمُغْنِي لَا تُجْزِئُ الْأَرْبَعَةُ وَالْخَمْسَةُ إلَى الْعَشَرَةِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ حَيْثُ يَسْتَغْنُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ لَا النَّادِرَةِ بِحَيْثُ يَدْفَعُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ؟ .
عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ ذَلِكَ فَفِي الْوَاضِحَةِ لَا دُونَهَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَمْسِينَ وَفِي اللُّمَعِ عَشَرَةٌ وَفِي غَيْرِهِ اثْنَيْ عَشَرَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالْمُشْتَرَطُ حُصُولُ الْعَدَدِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعِيرِ مَا نَصُّهُ وَاخْتَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ زَادَ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ وَرَجَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِلْأَوَّلِ انْتَهَى.
ص (وَبِإِمَامٍ مُقِيمٍ)
ش: اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْمُقِيمِ، الْمُسْتَوْطِنِ أَوْ الْمُقِيمِ إقَامَةً تُسْقِطُ حُكْمَ السَّفَرِ؟ .
فَأَفْتَى الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَطِّنًا مُسْتَنِدًا لِمَا ذَكَرَهُ الطَّرَابُلُسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَ كَلَامَهُ فِي التَّلْقِينِ وَنَصُّهُ: قَالَ الطَّرَابُلُسِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيِّ مَا نَصُّهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا يُصَلِّي بِهِمْ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَمَنْ هُوَ خَارِجَ الْبَلَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَدُونَ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُسَافِرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ أَهْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَتَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمِصْرِ، وَقِسْمٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ، وَقِسْمٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَجِبُ بِهِمْ وَهُمْ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْأَمْيَالِ الثَّلَاثَةِ وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْإِمَامُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ وَلَيْسَ فِي الْمِصْرِ إمَامٌ هَلْ يُقِيمُ هَذَا الَّذِي خَارِجَ الْمِصْرِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ الْجُمُعَةَ أَمْ لَا؟ .
قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ لَا يُقِيمُهَا بِهِمْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ قَالَ الْفَقِيهُ رَاشِدٌ: يُقِيمُهَا بِهِمْ كَمَا يُصَلِّيهَا بِهِمْ الْمُسَافِرُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ لَا مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمِصْرِ مَنْ يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ إمَامٌ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى آخِرِ كَلَامِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَهْلُ قَرْيَةٍ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ لَا مَنْ يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ وَيَأْتِي مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ مِنْ خَارِجِ الْقَرْيَةِ وَدَاخِلِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَجَرَتْ الْفُتْيَا فِي زَمَانِنَا هَذَا بِجَوَازِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الطَّرَابُلُسِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ لَمْ أَرَهُ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يُقِيمُهَا الْمُقِيمُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُقِيمًا ثُمَّ يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ مُرَادَهُمْ الْإِقَامَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلسَّفَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْجُزُولِيِّ: كَمَا يُصَلِّيهَا بِهِمْ الْمُسَافِرُ.
غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الْخَلِيفَةَ يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ جُمُعَةً) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِالْخَلِيفَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا فِي تَهْذِيبِ الْبَرَاذِعِيّ فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِالْإِمَامِ وَلَفْظُ الْأُمِّ يَدُلُّ
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْخَلِيفَةِ وَأَنَّ كُلَّ أَمِيرٍ إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِمَّا فِي عَمَلِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةَ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمِيرِ الْمُؤَمَّرِ عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ مُسَافِرًا: إنَّهُ إنْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُ يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا الْجُمُعَةُ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ مَرَّ بِمَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ فِي عَمَلِهِ جَمَعَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنْ جَمَعَ فِي قَرْيَةٍ لَا يَجْمَعُ فِيهَا أَهْلُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا تُجْزِئُهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْقُرَى الَّتِي يُجْمَعُ فِي مِثْلِهَا إذَا كَانَ فِي عَمَلِهِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إمَامُهُمْ انْتَهَى.
ص (وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: عَزَا هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَاسْتَظْهَرَهُ وَلَهُمَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَزَا الِاسْتِخْلَافَ لِمَالِكٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ إنْ كَانَ قَرِيبًا قَالَ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَنَحْوُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَكِنَّ صَاحِبَ الطِّرَازِ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْكَرُوفِ فِي الْوَافِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً)
ش: جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَقَلَّهَا حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحْذِيرٌ وَتَبْشِيرٌ وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ وَيَقْرَأُ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَكَى الْمُؤَرِّخُونَ عَنْ عُثْمَانَ كِذْبَةً عَظِيمَةً أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَارْتَجَّ عَلَيْهِ فَقَالَ كَلَامًا مِنْ جُمْلَتِهِ وَأَنْتُمْ أَحْوَجُ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ أَقُولُ يَاللَّهُ وَلِلْعُقُولِ، إنْ قُلْنَا الْيَوْمَ لَا يُرْتَجُّ عَلَيْهِ فَكَيْفَ عُثْمَانُ لَا سِيَّمَا وَأَقْوَى أَسْبَابِ الْحَصْرِ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُرْضِي السَّامِعِينَ وَيُمِيلُ قُلُوبَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ الظُّهُورَ عِنْدَهُمْ وَمَنْ كَانَتْ خُطْبَتُهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ يُحْصَرُ عَنْ حَمْدٍ وَصَلَاةٍ وَحَضٍّ عَلَى خَيْرٍ وَتَحْذِيرٍ مِنْ شَرِّ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَا يُحْصَرُ إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ غَيْرُ الْخَيْرِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ وَالسُّلْطَانُ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَسْأَلَةٍ حَاصِلُهَا مَا حُكْمُ ذِكْرِ خَطِيبِ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَتِهِ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَالسُّلْطَانَ - سَدَّدَهُ اللَّهُ - وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ لَا يُخَالَفُ أَوْ وَاجِبٌ لَا يُتْرَكُ وَجَوَابُهَا أَنَّ نَقُولَ: أَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا عِنْدِي جَائِزٌ حَسَنٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَعْظِيمِ مَنْ عُلِمَ تَعْظِيمُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً وَنَظَرًا وَلَا سِيَّمَا إذَا مَزَجَ ذَلِكَ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَذْلِ نُفُوسِهِمْ فِي إظْهَارِ الدِّينِ وَأَمَّا بِدْعَةُ ذِكْرِ السَّلَاطِينِ بِالدُّعَاءِ وَالْقَوْلِ السَّالِمِ مِنْ الْكَذِبِ فَأَصْلُ وَضْعِهَا فِي الْخُطْبَةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ حُسْنِهَا فِيمَا أَعْلَمُ.
وَأَمَّا بَعْدَ إحْدَاثِهَا وَاسْتِمْرَارِهَا فِي الْخُطَبِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَصَيْرُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِهَا مَظِنَّةَ اعْتِقَادِ السَّلَاطِينِ فِي الْخَطِيبِ مَا يُخْشَى غَوَائِلُهُ وَلَا تُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ فَذِكْرُهُمْ فِي الْخُطَبِ رَاجِحٌ أَوْ وَاجِبٌ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسَّلَاطِينِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ مُحْدَثٌ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضِ لِابْنِ الْمُقْرِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسَّلَاطِينِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُجَاوَزَةٌ فِي وَصْفِهِ؛ إذْ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بِصَلَاحِ السُّلْطَانِ انْتَهَى.
ص (تَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ)
ش: يُرِيدُ وُجُوبًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيُّ لَا نَصَّ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا وَقَالَ الْبَاجِيُّ الْوُجُوبُ نَصُّهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا لَا يُجْمَعُ إلَّا بِجَمَاعَةٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَصَوَّبَهُ عِيَاضٌ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ
صَاحِبُ الطِّرَازِ الَّذِي حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ مُقْتَضَى الْكِتَابِ ثُمَّ جَعَلَهُ الْمَذْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَوْجِيهِهِ: وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُصَلِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ جُمُعَةً إلَّا بِخُطْبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ الْمَوْعِظَةُ وَالتَّذْكِيرُ وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ وَاحِدَةً.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْجَمَاعَةِ لِلْعَهْدِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ إلَّا بِهِمْ وَهُوَ الِاثْنَا عَشَرَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ فَإِنْ فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ خَطَبَ وَإِلَّا انْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ.
(الثَّانِي) مِنْ شَرْطِهَا اتِّصَالُهَا بِالصَّلَاةِ وَاسْتِمَاعُهَا.
ص (وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ) ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ فَقَوْلُهُ مَعَ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وُجُوبَ اسْتِقْبَالِ الْخَطِيبِ مَنْ بِالْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ عَنْ مَالِكٍ كَالْإِنْصَاتِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيِّ وَكَانَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ يَحْمِلُ قَوْلَهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَقُولُ: إنَّ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَا يُحْفَظُ وُجُوبُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَصَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ مَعَ الْإِمَامِ وَتَرْكُهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ وَلَا يُفَوِّتُ وَاجِبًا كَالنَّظَرِ إلَى الْإِمَامِ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِنَصِّ مَالِكٍ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ يَلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا قَالَ الْبَاجِيُّ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَقْبَلَهُمْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي وَعْظِهِمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوهُ إجَابَةً لَهُ وَطَاعَةً وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَلْزَمُ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ مَنْ لَا يَسْمَعُهُ وَلَا يَرَاهُ مِمَّنْ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَلِلْمُسْتَقْبِلِ أَنْ يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَشِمَالًا زَادَ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ وَإِنْ حَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ قَوْلَ السُّنَّةِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ حَمَلَهُ عَلَى مُوَافَقَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَتَحَصَّلَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ طَرِيقَانِ الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ فِي اسْتِثْنَاءِ مَنْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُ خِلَافَ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْمَغْرِبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ السَّطِّيُّ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ كَغَيْرِهِ فَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُهَا انْتَهَى.
(قُلْت) : وَكَلَامُ الْمُوَطَّإِ نَصٌّ أَوْ كَالنَّصِّ فِي خِلَافِ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ)
ش: أَيْ طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ قِيَامِ الْخَطِيبِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً طَرِيقَانِ: الْأَكْثَرُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ انْتَهَى.
(قُلْت) وَفِي عَزْوِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَحْدَهُ نَظَرٌ، فَقَدْ وَافَقَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَلَى ذَلِكَ وَتَبِعَ الْقَاضِيَ عَلَى ذَلِكَ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ يُدْرِكُهُ الزَّوَالُ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ غَيْرَ مُسَافِرٍ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لَهَا مُسْتَكْبِرًا عَنْهَا وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ
غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا عُذْرٍ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ شُهُودُ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا مِرَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَكَى فِي تَرْكِهَا الْقَتْلَ وَسَمِعْت أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلًا ضَعِيفًا فِي قَتْلِهِ وَأَمَّا الْمُعَاقَبَةُ فَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْإِمَامَ يُعَزِّرُهُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشُّرْبِ وَرَأَيْت فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَا نَصُّهُ: قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي تَارِكِ الْجُمُعَةِ بِقَرْيَةٍ يُجْمَعُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا تَرَكَهَا ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ قَالَ أَصْبَغُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتْرُك الْجُمُعَةَ نَرَى أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ وَيُكْشَفُ فَإِنْ عُلِمَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ وَجَعٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ اخْتِفَاءٍ مِنْ دَيْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَأَرَى أَنْ لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ رَأَيْت أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى الدِّينِ وَلَا عَلَى الْجُمُعَةِ لِبُرُوزِهِ فِي الصَّلَاحِ وَعِلْمِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ.
قَالَ أَصْبَغُ وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ إذَا تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَهَاوُنًا بِهَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا يُنْظَرُ بِهَا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْفَرِيضَةِ مَرَّةً وَثَلَاثًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ سَوَاءٌ هِيَ فَرِيضَةٌ مَفْرُوضَةٌ مُفْتَرَضٌ إتْيَانُهَا كَفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا فَلَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا مُتَعَمِّدًا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ أَصْلًا لِلْأَبَدِ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ لِلَّهِ فِي قَلِيلِ فِعْلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَمُتَعَدٍّ لِحُدُودِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 14] وَاَلَّذِي قِيلَ فِيمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا: طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِثْمِ وَالنِّفَاقِ وَيُنْتَظَرُ فِي الثَّالِثَةِ التَّوْبَةُ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي التَّرْكِ لَهُ عَمَلًا وَلَا فِي إبْطَالِ شَهَادَتِهِ لَا بَلْ تُطْرَحُ شَهَادَتُهُ وَيُوقَفُ وَيُعَاقَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ مِمَّنْ مَضَى مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ وُجِدَ لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ رُبِطَ فِي عَمُودٍ وَعُوقِبَ وَأُرَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُ سَحْنُونٍ: إنَّ شَهَادَةَ التَّارِكِ بِقَرْيَةٍ تُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَا تُرَدُّ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْبَغُ مِنْ أَنَّهَا تُرَدُّ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ إذَا تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْعُذْرِ بِخِلَافِ مَنْ عُلِمَ بِالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُون مُخَالِفًا لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا يُجْرَحَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ بِمَا دُونَ الْكَبَائِرِ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا صَغَائِرُ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْكَبَائِرِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ مِنْهَا فَيُعْلَمُ أَنَّ غَيْرَ الصَّغَائِرِ لَا تُخْرِجُ الْعَدْلَ عَنْ عَدَالَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِهَا وَغَيْرَ مُتَوَقٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْعَدَالَةِ وَلِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ بِطَابَعِ النِّفَاقِ» دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي عِظَمِ الْإِثْمِ وَكَثْرَةِ الْوَعِيدِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً اشْتِغَالًا بِمَا سِوَاهَا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ فَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُتَهَاوِنٌ بِدِينِهِ غَيْرُ مُتَوَقٍّ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَارِكِ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَكْثُرَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَاحْتِجَاجُ أَصْبَغَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ [النساء: 14] الْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ وَتَعَدَّى حُدُودَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَةِ الْكُفَّارِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْبَغَ شَبَّهَ تَرْكَ الْجُمُعَةِ بِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ
وَقْتُهَا فِي أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُؤَخَّرُ فَكَذَلِكَ تَارِكُ الْجُمُعَةِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَلَا يُؤَخَّرُ وَلَمْ يُشَبِّهْ تَرْكَ الْجُمُعَةِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالَ مُطَرِّفٌ إذَا تَرَكَهَا مِرَارًا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُ مَطْرُوحَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ عُذْرٌ وَيَظْهَرَ وَلَا يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ بِجَهَالَةٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ هَذَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْعُذْرُ لِلنَّاسِ وَالْمَرْءُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِحَالٍ لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ وَلَيْسَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا عَلَى النَّاسِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحَرِّقَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا بَيْتَهُ هِيَ الْجُمُعَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْفَضْلِ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ عَفَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ انْتَهَى.
ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ لِصَفْوَانَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ وَتَرَكَهَا مَرَّاتٍ ثَلَاثًا أَوْ غَيْرَهَا وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ الظُّهْرَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِ الْجُمُعَةِ لَا عُذْرَ لَهُ يَحْبِسُهُ عَنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُقِرًّا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ كَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا وَهُوَ يُقِرُّ بِهِ انْتَهَى.
فَانْظُرْ قَوْلَهُ كَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا وَهُوَ يُقِرُّ بِهِ.
وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ مِنْ حَيْثِيَّةِ عَدَمِ كُفْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الصَّلَاةُ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمِنًى]
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ حَبَسَهُ كَرِيهٌ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمَكَّةَ حَتَّى يُصَلِّيَ أَهْلُ مَكَّةَ الْجُمُعَةَ قَالَ أَرَى عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُقِيمًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَلْحَقُ الْإِمَامَ فَإِنْ أَدْرَكَ الظُّهْرَ بِمِنًى وَإِلَّا صَلَّى فِي الطَّرِيقِ أَفْضَلُ انْتَهَى.
فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَفْضَلُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمِنًى أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ)
ش: أَتَى بِالْكَافِ لِيُنَبِّه عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ فَلِذَا لَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ زِيَادَةً يَسِيرَةً تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهَلْ الثَّلَاثَةُ تَحْدِيدٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهَا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ أَوْ تَقْرِيبٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَتَجِبُ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهَا: وَيَجِبُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي فَسَّرَ الْمَغْرِبِيُّ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ بِرُبْعِ الْمِيلِ وَثُلُثِهِ قَالَ وَسَأَلْت شَيْخَنَا لِمَ اعْتَبَرَ فِي الْكِتَابِ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ مَعَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ هُوَ الَّذِي يَبْلُغُهُ الصَّوْتُ الرَّفِيعُ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ تَحْقِيقٌ لِلثَّلَاثَةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِكَفَرْسَخٍ مُتَعَلِّقٌ بِنَائِيَةٍ أَيْ بَعِيدَةٍ مِنْ النَّأْيِ وَهُوَ الْبَعْدُ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِثَانِيَةٍ وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّارِحِ كَذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ هُوَ الْمُرَاعَى شَخْصُهُ أَوْ مَسْكَنُهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ أَوْ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ وَأَخَذَهُ الْوَقْتُ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ الشَّيْخُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي هَكَذَا حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ طَالَ عَهْدِي بِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْجُزُولِيِّ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ أَبْعَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَكَانَ فِي وَقْتِ السَّعْيِ فِي ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَإِنْ كَانَ مُجْتَازًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّعْيُ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَلَهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) هَذَا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَنْزِلِهِ وَالْجَامِعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (كَانَ أَدْرَكَ الْمُسَافِرُ النِّدَاءَ قَبْلَهُ) ش نَحْوُهُ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ بِأَنْ يُدْرِكَهُ الْأَذَانُ لَا بِالزَّوَالِ
فَلَوْ زَالَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الطِّرَازِ فَقَالَ وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَزَالَتْ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ فَإِنْ لَمْ يُؤَذَّنْ لِلْجُمُعَةِ حَتَّى جَاوَزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ تَمَادَى وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَذَانِ وَوَقْتَ ابْتِدَاءِ السَّفَرِ لَمْ تَجِبْ الْجُمُعَةُ فَلَا يُرَاعَى الْوَقْتُ بِمُجَرَّدِهِ وَإِنْ أُذِّنَ لَهَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأَمْيَالِ قَالَ الْبَاجِيُّ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
ثُمَّ وَجَّهَ النَّظَرَ بِنَحْوِ مَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَنَصُّ كَلَامِ الْبَاجِيِّ: فَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأُذِّنَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ بِمَوْضِعٍ يَلْزَمُ مِنْهُ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ انْتَهَى.
وَعَلَّقَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَرَفَةَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ فَحَضَرَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَ الثَّلَاثَةَ الْأَمْيَالِ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْجُمُعَةِ لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ رَفَضَ الْإِقَامَةَ وَحَصَلَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ نِيَّةً وَفِعْلًا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا الْمُسَافِرَ قَبْلَ وَقْتِ الْمَنْعِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ قَوْلَا الْبَاجِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ الْأَمْرُ بِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا أَوْ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْهَا وَأَمَّا إنْ كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ رُجُوعَهُ لَا يُدْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِهِ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (لَا بِالْإِقَامَةِ إلَّا تَبَعًا)
ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى الْإِقَامَةُ اعْتِقَادُ الْمَقَامِ بِمَوْضِعٍ مُدَّةً يَلْزَمُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِهَا وَالِاسْتِيطَانُ نِيَّةُ التَّأْبِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ مَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فَإِنْ حَضَرَهَا صَحَّتْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُهَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ إذَا كَانَ لَا مَضَرَّةَ عَلَيْهِ فِي الْحُضُورِ وَلَا يَشْغَلُهُ عَنْ حَوَائِجِهِ انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ تَحْسِينُ هَيْئَةٍ وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) ش قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَتُسْتَحَبُّ الزِّينَةُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَالسِّوَاكُ وَجَمِيلُ الثِّيَابِ انْتَهَى، وَقَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
ص (وَمَشْيٌ) ش: قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالرَّوَاحِ إلَيْهَا وَالْمَشْيُ إلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَاءٌ أَوْ طِينٌ أَوْ بُعْدُ مَكَان وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ أَدْرَكَنِي أَبُو عِيسَى وَأَنَا ذَاهِبٌ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» انْتَهَى.
ص (وَتَهْجِيرٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ التَّهْجِيرَ مُسْتَحَبٌّ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ التَّبْكِيرِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهَذَا وَاضِحٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ وَلَا الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بَهْرَامُ فِي شُرُوحِهِ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّهْجِيرِ الْمَطْلُوبِ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَنَصُّهُ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: التَّهْجِيرُ أَفْضَلُ مِنْ التَّبْكِيرِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ هَلْ أَوَّلُهُ الْفَجْرُ أَوْ الشَّمْسُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمُوَطَّإِ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» فَحَمَلُوا السَّاعَةَ عَلَى الْعَادِيَّةِ وَقَسَّمَ مَالِكٌ السَّاعَةَ السَّادِسَةَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ فَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الرَّوَاحَ لُغَةً لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ