غسل الزوجين للآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كَذَاكَ رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ مُسَطَّرًا ... وَمَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ سَطَرْنَاهُ
قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي مَنَاسِكِهِ: وَإِنَّمَا أُتِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي عَدَمِ قَبُولِ عِبَادَاتِهِمْ وَعَدَمِ اسْتِجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ لِعَدَمِ تَصْفِيَةِ أَقْوَاتِهِمْ عَنْ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَبْرُورٍ انْتَهَى، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَبْرُورَ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ مَأْثَمٌ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُقُوعُهُ فِي الْإِثْمِ وَقَدْ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ تَعَاطَى الشُّبُهَاتِ وَدَاوَمَ أَفْضَتْ بِهِ إلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ تَعَاطَى الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَشْعُرُ بِهَا فَمُنِعَ مِنْ تَعَاطَى الشُّبُهَاتِ لِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ فَمَنْ تَعَاطَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ لَا يُحْرَمُ فَإِنَّهُ آثِمٌ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الشُّبُهَاتِ حَرَامٌ وَقِيلَ: إنَّهَا حَلَالٌ وَصَوَّبَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ لِلْفَاكِهَانِيِّ وَلِأَنَّهُمْ عَدُّوا مِنْ الشُّبُهَاتِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَالزَّنَاتِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَابْنُ نَاجِي وَمَنْ ارْتَكَبَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ لَا نَقُولُ فِيهِ إثْمٌ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَإِنْ حَجَّ بِشُبْهَةٍ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ حَجُّهُ مَبْرُورًا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَلَالِ هَلْ هُوَ مَا عُلِمَ أَصْلُهُ أَوْ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ: وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ الثَّانِي مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْفَاكِهَانِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي أَمْرِ الزَّادِ وَمَا يُنْفِقُهُ فَيَكُونُ مِنْ أَطْيَبِ جِهَةٍ لِأَنَّ الْحَلَالَ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُكَسِّلُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَكَانَ السَّلَفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَتْرُكُونَ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ هَذَا وَهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِغَيْرِ الْحَجِّ فَمَا بَالُكَ بِالْحَجِّ انْتَهَى، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَكَلَ الْحَلَالَ أَطَاعَ اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى وَمَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ عَصَى اللَّهَ شَاءَ أَوْ أَبَى» ذَكَرَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «طَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ» وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَمْسَى وَانِيًا مِنْ طَلَبِ الْحَلَالِ بَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» وَقَوْلُهُ وَانِيًا مِنْ قَوْلِهِمْ وَنَى إذَا تَعِبَ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْمُؤْمِنُ قَالَ الَّذِي إذَا أَصْبَحَ سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصُهُ وَإِذَا أَمْسَى سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصُهُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ قَالَ: قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ غَشَمُوا الْمَعِيشَةَ غَشْمًا» أَيْ تَعَسَّفُوا تَعَسُّفًا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عِمَادُ الدِّينِ وَقَوَامُهُ طِيبُ الْمَطْعَمِ فَمَنْ طَابَ كَسْبُهُ زَكَا عَمَلُهُ وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ فِي طِيبِ مَكْسَبِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تُقْبَلَ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَحَجُّهُ وَجِهَادُهُ وَجَمِيعُ عَمَلِهِ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] انْتَهَى
[تَنْبِيهَاتٌ خَرَجَ لِحَجٍّ وَاجِبٍ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: قَالَ الْغَزَالِيُّ مَنْ خَرَجَ لِحَجٍّ وَاجِبٍ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَكُونَ قُوتُهُ مِنْ الطَّيِّبِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَمِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ إلَى التَّحَلُّلِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَجْتَهِدْ يَوْمَ عَرَفَةَ لِئَلَّا يَكُونَ قِيَامُهُ بَيْنَ يَدْيِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدُعَاؤُهُ فِي وَقْتٍ مَطْعَمُهُ فِيهِ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ فَإِنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا هَذَا لِلْحَاجَةِ فَهُوَ نَوْعُ ضَرُورَةٍ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُلْزِمْ قَلْبَهُ الْخَوْفَ وَالْغَمَّ لِمَا هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ مِنْ تُنَاوِلْ مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ فَعَسَاهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُ بِسَبَبِ حُزْنِهِ وَخَوْفِهِ وَكَرَاهَتِهِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَقَالَ قَبْلَهُ: وَجَدْت بِخَطِّ الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْأَمِينِ مِنْ تَلَامِذَةِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى ظَهْرِ شَرْحِهِ لِكِتَابِ الْمُوَطَّإِ مَا نَصُّهُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ بِمَالٍ فِيهِ شَيْءٌ أَنْ يُنْفِقَهُ فِي سَفَرِهِ وَمَا يُرِيدُ مِنْ حَوَائِجِهِ وَلْيَتَحَرَّ أَطْيَبَ مَا يَجِدُ فَيُنْفِقُهُ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ فِيمَا يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ إحْرَامِهِ وَشِبْهُ هَذَا وَرَأَيْتُهُ يَسْتَحِبُّ هَذَا وَيُعْجِبُنِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ
ابْنُ فَرْحُونٍ جَمِيعَهُ قَالَ: وَذَكَرَهُ بَعْضُ السَّلَفِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا عَجَزَ عَنْ الْمَالِ الْحَلَالِ السَّالِمِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالْحَرَامِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: فَلْيَقْتَرِضْ مَالًا حَلَالًا يَحُجُّ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا انْتَهَى.
وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ جَمَاعَةَ الْكَبِيرِ: وَإِنْ اقْتَرَضَ لِلْحَجِّ مَالًا حَلَالًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَهُ وَفَاءٌ بِهِ وَرَضِيَ الْمُقْرِضُ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
فَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَعْنِي رِضَا الْمُقْرِضِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ وَرِعٌ فِي حَجِّهِ غَيْرُ وَرِعٍ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ كَمَنْ يَقْتَرِضُ مَالًا حَلَالًا لِيُنْفِقَهُ وَيَقْضِيَهُ مِنْ مَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ طَرَفًا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الثَّالِثُ) كَمَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الَّذِي يَحُجُّ بِهِ خَالِصًا مِنْ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ كَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - بَلْ هُوَ أَهَمُّ فَلَا يَخْرُجُ لِيُقَالَ: إنَّهُ حَاجٌّ أَوْ لِيُعَظَّمَ أَوْ لِيُعْطَى الْفُتُوحَاتِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ رِيَاءٌ وَالرِّيَاءُ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: وَأَهَمُّ مَا يَهْتَمُّ بِهِ قَاصِدُ الْحَجِّ إخْلَاصُهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ» وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الْإِحْيَاءِ: وَلْيَجْعَلْ عَزْمَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بَعِيدًا عَنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَلْيَتَحَقَّقْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ قَصْدِهِ وَعَمَلِهِ إلَّا الْخَالِصَ فَإِنَّ مِنْ أَفْحَشِ الْفَوَاحِشِ أَنْ يَقْصِدَ بَيْتَ الْمَلِكِ وَحُرْمَتَهُ وَالْمَقْصُودُ غَيْرُهُ فَلْيُصَحِّحْ مَعَ نَفْسِهِ الْعَزْمَ وَتَصْحِيحُهُ بِإِخْلَاصِهِ وَإِخْلَاصُهُ بِاجْتِنَابِ كُلِّ مَا فِيهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ انْتَهَى.
وَاسْتَحَبُّوا لَهُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ يَدُهُ فَارِغَةً مِنْ التِّجَارَةِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ فَقَطْ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ حَجِّهِ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ لِلْحَاجِّ مَعَ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَأَنَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ شِرْكًا وَلَا يَخْرُجُ بِهِ الْمُكَلَّفُ عَنْ رَسْمِ الْإِخْلَاصِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ أَمَّا الْحَجُّ دُونَ تِجَارَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ لِعَرْوِهَا عَنْ شَوَائِبِ الدُّنْيَا وَتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا تُعَارِضُ التِّجَارَةُ نِيَّةَ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: 198] الْآيَةُ قَالُوا: يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ مُعَلَّى وَقَالَ الشَّيْخُ يَحْيَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ الْحَجِّ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ فَارِغَةً مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْغِلُ الْقَلْبَ قَالَ: فَإِنْ اتَّجَرَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ حَجِّهِ.
((قُلْتُ)) : إطْلَاقُ الشَّيْخِ اسْتِحْبَابَ تَرْكِ التِّجَارَةِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ وَتَعْلِيلُهُ بِشُغْلِ الْقَلْبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ إلَى آخِرِ حَجِّهِ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا حِينَئِذٍ مُبَدِّدٌ لِلْخَاطِرِ وَمُصْرِفٌ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْإِقْبَالِ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَأَمَّا فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ فَلَا وَجْهَ لِاسْتِحْبَابِ تَرْكِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ التِّجَارَةُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهَا فِي ابْتِدَاءِ سَفَرِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَسَادِ سِلْعَتِهِ وَعَدَمِ نَفَادِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصِدُهُ فَيَمْتَنِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْحَجِّ أَوْ لَا يَسَعُهُ الْوَقْتُ لِمُحَاوِلَةِ بَيْعِهَا فَيَقْطَعُهُ عَنْ مَقْصُودِهِ وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا سَمِعْت بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: خَرَجْت لِلْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلْت تُونُسَ أَشَارَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّاسِ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ أَحْمِلُهَا إلَى مَكَّةَ فَفَعَلَتْ فَدَخَلَتْهَا فِي سَابِعِ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ بَيْعِهَا فَعَزَمْت عَلَى الْقُعُودِ إلَى سَنَةٍ أُخْرَى فَقَيَّضَ اللَّهُ لِي مُسَلِّفًا فَخَرَجْت فِي الْحِينِ.
قُلْت: فَإِذَا كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ فَالْجَزْمُ تَرْكُهَا أَوْ يُقَالُ: وَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ إخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلْعِبَادَةِ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ اسْتَحَبَّ تَرْكَهَا ذَاهِبًا
وَرَاجِعًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْمُعَلَّى وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الشَّيْخِ يَحْيَى النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ رَاجِعًا إذَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ فِي الذَّهَابِ وَلَمْ تَشْغَلْهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ فَإِنْ اتَّجَرَ إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ بِشَرْطِ أَنْ يُخْلِصَ لِلْحَجِّ النِّيَّةَ وَتَكُونَ التِّجَارَةُ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَا بِالْعَكْسِ وَقَدْ بَالَغَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِخْلَاصِ فِي النِّيَّةِ وَحُكْمِ الْعِبَادَةِ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا أَغْرَاضًا دُنْيَوِيَّةً وَحَرَّرَهُ غَايَةَ التَّحْرِيرِ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» الْحَدِيثُ، فَقَالَ: يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ الْإِخْلَاصِ فِي الْجِهَادِ وَكَذَلِكَ هُوَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ مَصْدَرُ أَخْلَصْتُ الْعَسَلَ إذَا صَفَّيْته مِنْ شَوَائِبِ كَدَرِهِ فَالْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِهِ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُهَا مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى عَمَلِهَا قَصْدَ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا فَلَا تَكُونُ عِبَادَةً بَلْ تَكُونُ مُصِيبَةً مُوبِقَةً لِصَاحِبِهَا فَإِمَّا كُفْرٌ وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ وَإِمَّا رِيَاءٌ وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَمَصِيرُ صَاحِبِهِ إلَى النَّارِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ فِيهِ.
((قُلْتُ)) : الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي مُسْلِمٍ وَنَصُّهُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ اللَّهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْت فِيهَا، قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اُسْتُشْهِدْت، قَالَ: كَذَبْت وَلَكِنْ قَاتَلْت لِيُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْت لِي فِيهَا قَالَ: تَعَلَّمْت الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتَهُ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا فَعَلْت فِيهَا قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ» .
قَالَ الْإِمَامُ الْمَذْكُورُ: هَذَا إذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْغَرَضُ الدُّنْيَوِيُّ وَحْدَهُ بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَ ذَلِكَ الْغَرَضُ لَتَرَكَ الْعَمَلَ وَأَمَّا لَوْ انْبَعَثَ لِلْعِبَادَةِ بِمَجْمُوعِ الْبَاعِثَيْنِ بَاعِثُ الدِّينِ وَبَاعِثُ الدُّنْيَا فَإِنْ كَانَ بَاعِثُ الدُّنْيَا أَقْوَى أَوْ مُسَاوِيًا لَحِقَ بِالْقَسَمِ الْأَوَّلِ فِي الْحُكْمِ بِإِبْطَالِ الْعَمَلِ عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» فَأَمَّا لَوْ كَانَ بَاعِثُ الدِّينِ أَقْوَى فَقَدْ حَكَمَ الْمُحَاسِبِيُّ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ مُتَمَسِّكًا بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا بِصِحَّةِ الْعَمَلِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ فُرُوعِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ رَجُلًا مُمْسِكًا فَرَسَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَجَعَلَ الْجِهَادَ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُتَّخَذَ لِلْمَعَاشِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَاعِثُ الدِّينِ الْأَقْوَى كَانَ ذَلِكَ الْغَرَضُ مُلْغًى فَيَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ قَاصِدًا رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ فَأَمَّا لَوْ انْفَرَدَ بَاعِثُ الدِّينِ بِالْعَمَلِ ثُمَّ عَرَضَ بَاعِثُ الدُّنْيَا فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ فَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ انْتَهَى كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ مُعَلَّى وَالْقُرْطُبِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ إبْرَاهِيمَ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتّمِائَةِ وَالْقُرْطُبِيُّ الْمُتَقَدِّمُ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ هُوَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فَرَجٍ مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَلِلْقَرَافِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ كَلَامٌ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُعَلَّى رَأَيْت أَنْ أَذْكُرَهُ بِكَمَالِهِ كَمَا ذَكَرْت الْأَوَّلَ لِتَتِمَّ الْفَائِدَةُ وَيُحِيطَ النَّاظِرُ بِهَا عِلْمًا وَنَصُّهُ الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ
وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِيهَا، اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاءَ شِرْكٌ وَتَشْرِيكٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ فِي تِلْكَ الْعِبَادَاتِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُحَاسِبِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُعَضِّدُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ خَرَّجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لَهُ أَوْ تَرَكْتُهُ لِشَرِيكِي» فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلِصِ لِلَّهِ - تَعَالَى - غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَسِرُّهَا وَضَابِطُهَا أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمُتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ فَيَصِلُ إلَيْهِ نَفْعُهُمْ أَوْ يَنْدَفِعَ بِهِ ضَرَرُهُمْ فَهَذَا هُوَ قَاعِدَةُ أَحَدِ مُسَمِّي الرِّيَاءِ، وَالْقِسْمُ الْآخَرُ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ النَّاسَ فَقَطْ وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ رِيَاءَ الْإِخْلَاصِ وَالْأَوَّلُ رِيَاءَ الشِّرْكِ وَأَغْرَاضُ الرِّيَاءِ ثَلَاثَةٌ التَّعْظِيمُ وَجَلْبُ الْمَصَالِحِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَخِيرَانِ يَتَفَرَّعَانِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إذَا عُظِّمَ انْجَلَبَتْ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ وَانْدَفَعَتْ عَنْهُ الْمَفَاسِدُ فَهُوَ الْغَرَضُ الْكُلِّيُّ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا مُطْلَقُ التَّشْرِيكِ كَمَنْ يُجَاهِدُ لِتَحْصِيلِ طَاعَةِ اللَّهِ بِالْجِهَادِ وَلِيَحْصُلَ لَهُ الْمَالُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ هَذَا فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَفَرْقٌ بَيْنَ جِهَادِهِ لِيَقُولَ النَّاسُ هَذَا شُجَاعٌ أَوْ لِيُعَظِّمَهُ الْإِمَامُ فَيُكْثِرَ عَطَاءَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ هَذَا وَنَحْوُهُ رِيَاءٌ حَرَامٌ وَبَيْنَ أَنْ يُجَاهِدَ لِتَحْصِيلِ السَّبَايَا وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ.
مَعَ أَنَّهُ قَدْ شَرَّكَ وَلَا يُقَالُ لِهَذَا رِيَاءٌ بِسَبَبِ أَنَّ الرِّيَاءَ أَنْ يَعْمَلَ لِيَرَاهُ غَيْرُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَالرُّؤْيَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ الْخَلْقِ فَمَنْ لَا يَرَى وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُقَالُ فِي الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ رِيَاءٌ وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الْغَنِيمَةِ وَنَحْوُهُ لَا يُقَالُ أَنَّهُ يَرَى وَيُبْصِرُ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَفْظُ الرِّيَاءِ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِيهَا وَكَذَلِكَ مَنْ حَجَّ وَشَرَّكَ فِي حِجِّهِ غَرَضَ الْمَتْجَرِ وَيَكُونُ جُلُّ مَقْصُودِهِ أَوْ كُلُّهُ السَّفَرُ لِلتِّجَارَةِ خَاصَّةً وَيَكُونُ الْحَجُّ إمَّا مَقْصُودًا مَعَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَيَقَعُ تَابِعًا اتِّفَاقًا فَهَذَا أَيْضًا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَلَا يُوجِبُ إثْمًا وَلَا مَعْصِيَةً وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ لِيَصِحَّ جَسَدُهُ أَوْ لِيَحْصُلَ لَهُ زَوَالُ مَرَضٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي يُنَافِيهَا الصَّوْمُ وَيَكُونُ التَّدَاوِي هُوَ مَقْصُودُهُ أَوْ بَعْضُ مَقْصُودِهِ وَالصَّوْمُ مَقْصُودٌ مَعَ ذَلِكَ.
وَأَوْقَعَ الصَّوْمَ مَعَ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ لَا يَقْدَحُ فِي صَوْمِهِ بَلْ أَمَرَ بِهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ فَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّوْمِ لِهَذَا الْغَرَضِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعِبَادَةِ إلَّا مَعَهَا وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ التَّبَرُّدُ أَوْ التَّنَظُّفُ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا تَعْظِيمُ الْخَلْقِ بَلْ هِيَ لَتَشْرِيكِ أُمُورٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لَيْسَ لَهَا إدْرَاكٌ وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِدْرَاكِ وَلَا لِلتَّعْظِيمِ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِبَادَاتِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِيهَا غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ تَشْرِيكٌ، نَعَمْ لَا يَمْنَعُ أَنَّ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ الْمُخَالِطَةِ لِلْعِبَادَةِ قَدْ تُنْقِصُ الْأَجْرَ وَأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْهَا زَادَ الْأَجْرُ وَعَظُمَ الثَّوَابُ أَمَّا الْإِثْمُ وَالْبُطْلَانُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَمِنْ جِهَتِهِ حَصَلَ الْفَرْقُ لَا مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّشْرِيكَ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ لَا يَحْرُمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ فَرْضٌ وَمَنْ كَانَ الْبَاعِثُ الْأَقْوَى عَلَيْهِ بَاعِثَ النَّفْسِ لَمْ يُخْلِصْ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ مُطْلَقَ الرِّيَاءِ وَلَوْ قَلَّ يُحْبِطُ الْعَمَلَ وَيَصِيرُ لَا ثَوَابَ لَهُ أَصْلًا وَفِيهِ نَظَرٌ وَانْظُرْ أَوَّلَ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْبَيَانِ وَقَدْ حَرَّرَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ
أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْإِخْلَاصِ مِنْ رُبْعِ الْمُنْجِيَاتِ وَكِتَابِ الرِّيَاءِ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ وَفِي الْمِنْهَاجِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَمَلَ لِأَجْلِ حَظِّ النَّفْسِ دَاخِلٌ فِي الرِّيَاءِ عَارٍ عَنْ الْإِخْلَاصِ كَمَنْ صَامَ لِيَسْتَنْفِعَ بِالْحَمِيَّةِ وَمَنْ يُعْتِقُ عَبْدًا لِيَخْلُصَ مِنْ مُؤْنَتِهِ أَوْ يَغْزُوَ لِيُمَارِسَ الْحَرْبَ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ: وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِلَفْظِ الرِّيَاءِ وَاشْتِقَاقِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْإِرَادَةُ الْفَاسِدَةُ رِيَاءً لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا تَقَعُ مِنْ قِبَلِ رُؤْيَةِ النَّاسِ قَالَهُ فِي الْمِنْهَاجِ.
وَتَلْخِيصُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ فَهُوَ سَبَبُ الثَّوَابِ وَإِنْ كَانَ خَالِصًا لِلرِّيَاءِ أَوْ لَحَظِّ النَّفْسِ فَهُوَ سَبَبُ الْعِقَابِ لَا لِأَنَّ طَلَبَ الدُّنْيَا حَرَامٌ وَلَكِنَّ طَلَبَهَا بِأَعْمَالِ الدِّينِ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَتَغْيِيرِ الْعِبَادَةِ عَنْ وَضْعِهَا وَإِنْ اخْتَلَطَ الْقَصْدَانِ فَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ مُسَاوِيًا لِلْبَاعِثِ النَّفْسِيِّ تَقَاوَمَا وَتَسَاقَطَا وَصَارَ الْعَمَلُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ النَّفْسِيُّ أَقْوَى وَأَغْلَبُ فَلَيْسَ الْعَمَلُ بِنَافِعٍ بَلْ هُوَ مُضِرٌّ نَعَمْ هُوَ أَخَفُّ مِنْ الْعَمَلِ الْمُتَجَرِّدِ لَحَظِّ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ أَقْوَى فَلَهُ ثَوَابٌ بِقَدْرِ مَا فَضَلَ مِنْ قُوَّةِ الْبَاعِثِ الدِّينِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8]
وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وَلَيْسَ مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ وَالْحَجِّ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ إذَا سَلِمَ مِنْ قَصْدِ الرِّيَاءِ فَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ وَمُبَاشَرَةِ الْمَنَاسِكِ الْبَاعِثُ الدِّينِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَجَّ وَيَتَّجِرَ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يُعْطَى لَهُ مَالٌ لَأَمْكَنَ أَنْ يُفْرَضَ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ وَيَصِيرَ كَمَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِنِيَّةِ الْغَنِيمَةِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ وَأَمَّا سَفَرُهُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ فَيَدْخُلُهُ التَّفْصِيلُ وَقَدْ قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ حَاجًّا وَمَعَهُ تِجَارَةٌ صَحَّ حَجُّهُ وَأُثِيبَ عَلَيْهِ وَقَدْ امْتَزَجَ بِهِ حَظٌّ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يُثَابُ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَى مَكَّةَ وَتِجَارَتُهُ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ فَهُوَ خَالِصٌ وَإِنَّمَا الْمُشْتَرَكُ طُولُ الْمَسَافَةِ وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: مَهْمَا كَانَ الْحَجُّ هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَصْلِيُّ وَغَرَضُ التِّجَارَةِ كَالْمُعِينِ وَالتَّابِعِ فَلَا يَنْفَكُّ نَفْسُ السَّفَرِ عَنْ ثَوَابٍ وَمَا عِنْدِي أَنَّ الْغُزَاةَ لَا يُدْرِكُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ تَفْرِقَةً بَيْنَ غَزْوِ الْكُفَّارِ فِي جِهَةٍ تَكْثُرُ فِيهَا الْغَنَائِمُ وَبَيْنَ جِهَةٍ لَا غَنِيمَةَ فِيهَا وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إدْرَاكُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ يُحْبِطُ بِالْكُلِّيَّةِ ثَوَابَ جِهَادِهِمْ بَلْ الْعَدْلُ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ وَالْمُزْعِجُ الْقَوِيُّ هُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا الرَّغْبَةُ فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ فَلَا يُحْبَطُ بِهِ الثَّوَابُ نَعَمْ لَا يُسَاوِي ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الْغَنِيمَةِ أَصْلًا فَإِنَّ هَذَا الِالْتِفَاتَ نُقْصَانٌ لَا مَحَالَةَ
وَقَالَ بَعْدَهُ: وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ مَنْ كَانَ دَاعِيَتُهُ الدِّينِيَّةُ تُزْعِجُهُ إلَى الْغَزْوِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَنِيمَةٌ وَقَدَرَ عَلَى غَزْوِ طَائِفَتَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ إحْدَاهُمَا غَنِيَّةٌ وَالْأُخْرَى فَقِيرَةٌ فَمَالَ إلَى جِهَةِ الْأَغْنِيَاءِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَلِلْغَنِيمَةِ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى غَزْوِهِ أَلْبَتَّةَ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حَرَجٌ فِي الدِّينِ وَمَدْخَلٌ لِلْيَأْسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الشَّوَائِبِ التَّابِعَةِ قَدْ لَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ عَنْهَا إلَّا عَلَى النُّدُورِ فَيَكُونُ تَأْثِيرُ هَذَا فِي نُقْصَانِ الثَّوَابِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي إحْبَاطِهِ فَلَا، نَعَمْ الْإِنْسَانُ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ الْبَاعِثَ الْأَقْوَى هُوَ قَصْدُ التَّقَرُّبِ وَيَكُونُ الْأَغْلَبُ عَلَى سِرِّهِ الْحَظُّ النَّفْسِيُّ وَذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى غَايَةَ الْخَفَاءِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ إلَّا لِخَوْفٍ) ش يَعْنِي أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَوْفٌ فَلَا يَكُونُ أَفْضَلَ هَذَا حَلُّ كَلَامِهِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَفِي رَسْمِ يُوصِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَنَصُّهَا: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْغَزْوِ وَالْحَجِّ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك قَالَ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَنَةَ خَوْفٍ قِيلَ فَالْحَجُّ وَالصَّدَقَةُ قَالَ الْحَجُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ سَنَةَ مَجَاعَةٍ قِيلَ لَهُ فَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ قَالَ: الصَّدَقَةُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ إنَّ الْحَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَوْفٌ مَعْنَاهُ فِي حَجِّ
التَّطَوُّعِ لِمَنْ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ» وَلِأَنَّ الْجِهَادَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ إذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ قَدْ لَا يَفِي أَجْرُهُ فِيهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْجَنَّةَ كَالْحَجِّ وَأَمَّا الْغَزْوُ مَعَ الْخَوْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الْغَازِيَ مَعَ الْخَوْفِ قَدْ بَاعَ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَاسْتَوْجَبَ بِهِ الْجَنَّةَ وَالْبُشْرَى مِنْ اللَّهِ بِالْفَوْزِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: 111] الْآيَةُ وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّ الْحَجَّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ سَنَةَ مَجَاعَةٍ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ سَنَةَ مَجَاعَةٍ كَانَتْ الْمُوَاسَاةُ عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ وَاجِبَةً فَإِذَا لَمْ يُوَاسِ الرَّجُلُ فِي سَنَةِ مَجَاعَةٍ مِنْ مَالِهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْمُوَاسَاةِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ أَثِمَ وَقَدْرُ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً فَالتَّوَقِّي مِنْ الْإِثْمِ بِالْإِكْثَارِ مِنْ الصَّدَقَةِ أَوْلَى مِنْ التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ الَّذِي لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ «أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشْعَرْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: أَوَفَعَلْت، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتهَا أَخْوَالَكَ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» وَهَذَا نَصٌّ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بِرَفْعِ مُؤْنَةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِالظَّوَاهِرِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَلِلْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ: حَجُّ التَّطَوُّعِ مَعَ الْغَزْوِ التَّطَوُّعِ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْخَوْفِ، وَحَجُّ الْفَرْضِ مَعَ الْغَزْوِ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْخَوْفِ أَيْضًا وَحَجُّ الْفَرْضِ مَعَ الْغَزْوِ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْخَوْفِ وَحَجُّ التَّطَوُّعِ مَعَ الْغَزْوِ وَفِي سَنَةِ الْخَوْفِ أَيْضًا.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ حُكْمُ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ ثِنْتَانِ بِالْمَنْطُوقِ وَوَاحِدَةٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ.
أَمَّا الْأُولَى فَقَدْ صَرَّحَ بِحُكْمِهَا وَأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ بِالْغَزْوِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ تَطَوُّعُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ ابْنُ سَحْنُونٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ تَطَوُّعُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الْحَجِّ انْتَهَى، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَيُؤْخَذُ حُكْمُ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بِالْأَحْرَوِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الْجِهَادِ نَدْبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي وَوُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ وَعَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ أَعْنِي رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ الْمُتَقَدِّمَةَ تُجْرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ فَيُقَدَّمُ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ كَالنَّقْلِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ نَدْبًا فِي غَيْرِ حَقِّ حُمَاةِ الدِّينِ وَالْقَائِمِينَ بِهِ وَوُجُوبًا فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّ الْجِهَادَ صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِتَعَيُّنِهِمْ لَهُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ الْحَجِّ إلَّا مَنْ بَلَغَ الْمُعْتَرَكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ بِالْأَصَالَةِ وَالْجِهَادُ إنَّمَا صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِتَعَيُّنِهِمْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
وَحُكْمُ الثَّالِثَةِ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنْ قُلْت: الْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي فَيُقَدَّمُ الْجِهَادُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ نُظِرَ إلَى كَثْرَةِ الْخَوْفِ الْمُتَوَقَّعِ وَقِلَّتِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِيهَا وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَأَمَّا الْغَزْوُ مَعَ الْخَوْفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَإِنَّ الْفَرْضَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْأَجْوِبَةِ إجْرَاؤُهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ وَتَرَاخِيهِ فَعَلَى الْفَوْرِ يُقَدَّمُ الْحَجُّ وَعَلَى التَّرَاخِي يُؤَخَّرُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ الْخَوْفَ لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ لِأَنَّ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ كَانَتْ إذْ ذَاكَ فِيهَا الْخَوْفُ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَجِبْ الْجِهَادُ عَلَى الْأَعْيَانِ بِأَنْ يَفْجَأَ الْعَدُوُّ مَدِينَةَ قَوْمٍ فَإِنْ وَجَبَ فَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ وَنَصُّهُ: جَوَابُك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ - فِيمَنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ فِي وَقْتِنَا هَذَا هَلْ الْحَجُّ أَفْضَلُ لَهُ أَمْ الْجِهَادُ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ فَأَجَابَ فَرْضُ الْحَجِّ سَاقِطٌ عَنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ فِي وَقْتِنَا هَذَا لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوُصُولِ مَعَ
الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَإِذَا سَقَطَ فَرْضُ الْحَجِّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ صَارَ فِعْلًا مَكْرُوهًا لِتَقَحُّمِ الْغَرَرِ فِيهِ فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْجِهَادَ الَّذِي لَا تُحْصَى فَضَائِلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْآثَارِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِنَّ ذَلِكَ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى السُّؤَالِ عَنْهُ وَمَوْضِعُ السُّؤَالِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ قَدْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ وَالسَّبِيلُ مَأْمُونَةٌ هَلْ الْحَجُّ أَفْضَلُ أَمْ الْجِهَادُ؟
وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ: إنَّ الْجِهَادَ لَهُ أَفْضَلُ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ وَالسَّبِيلُ مَأْمُونَةٌ فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي وَهَذَا إذَا سَقَطَ فَرْضُ الْجِهَادِ عَنْ الْأَعْيَانِ لِقِيَامِ مَنْ قَامَ بِهِ وَأَمَّا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِيهِ عَلَى الْأَعْيَانِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَرِيضَةِ قَوْلًا وَاحِدًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الْعَدْوَةِ هَلْ هُمْ كَأَهْلِ الْأَنْدَلُسِ؟ فَقَالَ: سَبِيلُهُمْ سَبِيلُ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ إذَا كَانُوا لَا يَصِلُونَ إلَى مَكَّةَ إلَّا بِخَوْفٍ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَالْجِهَادُ لَهُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ تَعْجِيلِ الْحَجِّ إذْ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ مَنْ عَدَا مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْجِهَادِ وَأَمَّا مَنْ يَقُومُ بِهِ مِنْ حُمَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْنَادِهِمْ فَالْجِهَادُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ تَعْجِيلُ الْحَجِّ مِنْهُمْ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَ الْمُعْتَرَكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى التَّرَاخِي لَهُ حَالَةٌ يَتَعَيَّنُ فِيهَا وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ يَفُوتُ بِتَأْخِيرِهِ وَالْحَدُّ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مُعْتَرَكُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ» انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُخْتَصَرًا فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَقَالَ: قُلْت فِي قَوْلِهِ نَفْلًا مَكْرُوهًا نَظَرٌ لِأَنَّ النَّفَلَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ وَالْمَكْرُوهُ ضِدَّانِ وَالشَّيْءُ لَا يُجَامِعُ الْأَخَصَّ مِنْ ضِدِّهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْلًا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ مَكْرُوهًا بِاعْتِبَارِ عَارِضِهِ كَقِسْمِ الْمَكْرُوهِ مِنْ النِّكَاحِ مَعَ أَنَّ مُطْلَقَ النِّكَاحِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ مَكْرُوهًا نَظَرٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ لَا مَكْرُوهٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَدَّى فَرْضَهُ فَجِهَادُهُ أَفْضَلُ.
(قُلْت) : هُوَ نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ انْتَهَى، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا التَّنْبِيهُ عَلَى قَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ فَرْضَهُ يَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فَوْرِ الْحَجِّ وَتَرَاخِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ الَّتِي أَفْتَى بِهَا لَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَرِيضَةِ قَوْلًا وَاحِدًا بَلْ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ الْجِهَادُ وَتَرْكُ الْحَجِّ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ وَقَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ مَنْ عَدَا مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْجِهَادِ إلَخْ كَأَنَّهُ تَأَكَّدَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ لِكَوْنِهِمْ عُيِّنُوا لَهُ فَصَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَالْجِهَادُ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ تَقَدُّمِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ إلَّا مَنْ بَلَغَ الْمُعْتَرَكَ أَيْ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْحَجِّ وَتَرْكُ الْجِهَادِ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَمِنْ أَنَّ تَطَوُّعَ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَكَلَامُهُ هُنَا يُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَتْ الْفُتْيَا بِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَمِنَ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ فِي سُلْطَانٍ يَخَافُ إذَا حَجَّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ الْكُفَّارُ عَلَى بِلَادِهِ وَيَخَافُ أَنْ يَفْسُدَ أَمْرُ الرَّعِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَاشْتِغَالُهُ بِالْجِهَادِ أَوْلَى وَخُرُوجُهُ لِلْحَجِّ مَكْرُوهٌ بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ وَمَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَإِنْ وَجَبَ الْجِهَادُ عَلَى الْأَعْيَانِ قُدِّمَ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ الْفَرْضِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ الَّذِي لَا يَجِبُ سِوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْجِهَادُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَلَا يَخْلُو الشَّخْصُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ أَوْ لَا فَمَنْ حَجَّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَنَةِ خَوْفٍ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ خَوْفٍ فَالْجِهَادُ أَوْلَى اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَنَةَ خَوْفِ فَالْحَجُّ أَوْلَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْجِهَادُ أَوْلَى عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَفَتْوَى ابْنِ وَهْبٍ وَهَذَا وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ لِلْجِهَادِ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ فَهُوَ الْمُتَعَيِّنُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ.
وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَحْرَوِيَّةِ مِمَّا سَيَقُولُهُ فِي الْقِسْمِ الْآتِي، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا مِنْ أَنْ تَكُونَ سَنَةَ خَوْفٍ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَنَةَ خَوْفٍ فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا إشْكَالَ فِي تَقْدِيمِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ وُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِيَّةِ وَنَدْبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْقَائِمِينَ بِالْجِهَادِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ يُنْظَرُ فَإِنْ قُلْنَا: عَلَى الْفَوْرِ قَدَّمَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْقَائِمِينَ بِالْجِهَادِ أَمْ لَا وَإِنْ قُلْنَا: بِالتَّرَاخِي قُدِّمَ الْجِهَادُ نَدْبًا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْقَائِمِينَ بِالْجِهَادِ وَوُجُوبًا إنْ كَانَ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ بَلَغَ الْمُعْتَرَكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ خَوْفٍ فَصَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ بِتَقْدِيمِ الْجِهَادِ عَلَى الْحَجِّ لَكِنْ حَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْفَرْضَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَكَلَامُهُ فِي الْأَجْوِبَةِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ وَتَرَاخِيهِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَحُجَّ الْفَرْضَ وَالسَّبِيلُ مَأْمُونَةٌ إلَخْ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ مَعَ وُجُودِ الْخَوْفِ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ فَعَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَأَنَّ تَطَوُّعَ الْجِهَادِ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ الْجِهَادِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ وَإِنَّ تَطَوُّعَ الْحَجِّ مُقَدَّمٌ عَلَى تَطَوُّعِ الْجِهَادِ فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْحَجِّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيمَا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَقُلْنَا: إنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى تَطَوُّعِ الْجِهَادِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ فَيُرْتَكَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْمِائَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ لِأَنَّ الْغَزْوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْحَجُّ فَرْضُ عَيْنٍ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ مُرَادَ مَالِكٍ بِالْحَجِّ الْمُفَضَّلِ حَجُّ الْفَرِيضَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَقَةِ فَقَدْ نَصَّ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ سَنَةِ الْمَجَاعَةِ وَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ فَأَحْرَى الْفَرِيضَةُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَحُجُّ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَمَّا فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ فَتُقَدَّمُ الصَّدَقَةُ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهَذَا مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ الْمُوَاسَاةُ بِأَنْ يَجِدَ مُحْتَاجًا يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَاسَاتُهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَصْرِفُهُ فِي حَجِّهِ فَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْحَجِّ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالْحَجُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَخَلَ الْكُوفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَإِذَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ عَلَى مَزْبَلَةٍ تَنْتِفُ بَطَّةً فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهَا مَيْتَةٌ فَوَقَفَ وَقَالَ: يَا هَذِهِ أَمَيْتَةٌ أَمْ مَذْبُوحَةٌ، فَقَالَتْ: مَيْتَةٌ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آكُلَهَا وَعِيَالِي، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَأَنْتِ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَقَالَتْ: يَا هَذَا انْصَرِفْ عَنِّي فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُهَا الْكَلَامَ حَتَّى عَرَفَ مَنْزِلَهَا ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَعَلَ عَلَى بَغْلٍ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَزَادًا وَجَاءَ فَطَرَقَ الْبَابَ فَفَتَحَتْ فَنَزَلَ عَنْ الْبَغْلِ وَضَرَبَهُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: هَذَا الْبَغْلُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالزَّادِ لَكُمْ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى جَاءَ الْحَجُّ فَجَاءَهُ قَوْمٌ يُهَنِّئُونَهُ بِالْحَجِّ فَقَالَ: مَا حَجَجْت السَّنَةَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَمْ أُودِعْك نَفَقَتِي وَنَحْنُ ذَاهِبُونَ إلَى عَرَفَاتٍ وَقَالَ الْآخَرُ: أَلَمْ تَسْقِنِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَلَمْ تَشْتَرِ لِي كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَحُجَّ الْعَامَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ أُتِيَ فِي مَنَامِهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ قَدْ قَبِلَ اللَّهُ صَدَقَتَك وَأَنَّهُ بَعَثَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِك فَحَجَّ عَنْكَ انْتَهَى مِنْ مَنَاسِكِ ابْنِ جَمَاعَةَ.
وَقَوْلُهُ: الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ ظَاهِرٌ وَسَيَأْتِي فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَالطَّعَامُ فِي الْغَلَاءِ وَالْعِتْقُ فِي الرَّخَاءِ فَتَأَمَّلْ هَلْ يَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِكَمَالِهِ وَهَذَا الْفَرْضُ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ صَلَاةً وَاحِدَةً فَرِيضَةً أَفْضَلُ مِنْ
الْحَجِّ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ إذَا خِيفَ فَوَاتُهَا سَقَطَ وُجُوبُهُ وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَفْضَلُ مِمَّنْ حَجَّ حَجَّةَ تَطَوُّعٍ وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُهُ بَلْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا خَرَجَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ وَاشْتَغَلَ آخَرُ بِالنَّوَافِلِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إلَى الْحَجِّ إلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ لَكَانَ الْحَجُّ أَفْضَلَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّوْمِ وَأَمَّا الْحَجُّ وَالصَّوْمُ فَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا أَعْنِي فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ شَخْصٌ يُكْثِرُ الصَّوْمَ وَإِذَا سَافَرَ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي جُعِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَلَهُ الصِّيَامُ الَّذِي لَا إفْطَارَ فِيهِ وَالْقِيَامُ الَّذِي لَا فُتُورَ فِيهِ مُدَّةَ خُرُوجِ الْمُجَاهِدِ وَرُجُوعِهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ وَلَفْظُ الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ» انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْحَجُّ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَأَيْضًا فَإِنَّا دُعِينَا إلَيْهِ فِي الْأَصْلَابِ كَالْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقُرْبَى أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قَالَ الْمُحِبُّ: (أَحَدُهَا) الصَّلَاةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَقَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، (الثَّانِي) الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّوْمِ لَا مِثْلَ لَهُ «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (الثَّالِثُ) الْحَجُّ انْتَهَى
[فَرْعٌ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ الطَّوَافُ لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ شَبِيهٌ بِهَا وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ فَيَكُونُ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْوُقُوفِ عَلَى سَائِرِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ مُعْظَمُ الْحَجِّ وُقُوفُ عَرَفَةَ لِعَدَمِ انْحِصَارِهِ أَيْ الْحَجِّ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ قُلْنَا: بَلْ مُقَدَّرٌ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ إدْرَاكُ عَرَفَةَ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا وَفِي الرِّسَالَةِ: وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الطَّوَافِ، وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ وَهَذَا لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: فَذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْعِلَّةَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهِيَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ مُقِيمُونَ فَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ الطَّوَافُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادُوهُ فَكَانَ التَّنَفُّلُ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلَ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ وَالْغُرَبَاءُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ لِأَوْطَانِهِمْ فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الطَّوَافِ فَكَانَ الطَّوَافُ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى فَوَاتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: وَهَذَا فِي الْمَوْسِمِ لِئَلَّا يُزَاحِمُوا الْغُرَبَاءَ فِي الطَّوَافِ وَالْغُرَبَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: تَعْلِيلُهُ بِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنَفُّلِ بِالطَّوَافِ وَلِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْغُرَبَاءِ وَأَهْلِ مَكَّةَ إذْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَفْضَلِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَفْضُولِ لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِمُسَاوَاةِ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ فِي الْفَضْلِ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّنَفُّلَ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنَفُّلِ بِالطَّوَافِ وَإِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْقُرْبَى وَغَيْرُهُ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُخَلِّيَ نَفْسَهُ مِنْ الطَّوَافِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَقَدْ قِيلَ مِنْ الْحِرْمَانِ أَنْ يُقِيمَ الْإِنْسَانُ بِمَكَّةَ يَمْضِي عَلَيْهِ يَوْمٌ بِلَا طَوَافٍ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٍ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ يُحْصِيهِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ سَيِّئَةٌ وَرُفِعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ وَكَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
وَمَعْنَى يُحْصِيهِ أَيْ يَتَحَفَّظُ فِيهِ لِئَلَّا يَغْلَطَ
قَالَهُ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ» أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْجُنْدِيُّ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْبَى وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُرَادُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - خَمْسُونَ أُسْبُوعًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَطَافَ خَمْسِينَ أُسْبُوعًا كَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَوْقُوفًا وَجَاءَ الْحَدِيثُ أَيْضًا خَمْسِينَ أُسْبُوعًا مَكَانَ مَرَّةٍ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَمُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَفِيهَا رَدٌّ لِمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرَّةِ الشَّوْطُ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً بَلْ الْمُرَادُ أَنْ تُوجَدَ فِي صَحِيفَةِ حَسَنَاتِهِ وَلَوْ فِي عُمْرِهِ كُلِّهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ رَحْمَةٍ سِتُّونَ مِنْهَا لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْعَاكِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ لِلْبَيْتِ وَفِي رِوَايَةٍ يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ مَكَّةَ كُلَّ يَوْمٍ وَقَالَ فِيهِ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ» وَلَا مُضَادَّةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ الْبَيْتَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] وَيَحْتَمِلُ قِسْمَةُ الرَّحَمَاتِ بَيْنَهُمْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الرُّءُوسِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قِلَّةِ عَمَلٍ وَلَا إلَى كَثْرَتِهِ وَيَكُونُ لِمَنْ كَثُرَ عَمَلُهُ ثَوَابًا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْقَسْمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَعْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ طَائِفٍ سِتُّونَ أَوْ السِّتُّونَ لِجَمِيعِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَهُ فِي الْقُرْبَى وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ شِفَاءِ الْغَرَامِ أَنَّ صَاحِبَ الْقُرْبَى ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرَ أَنَّ تَعَدُّدَ الطَّوَافِ سَبْعُ مَرَاتِبَ: الْأُولَى خَمْسُونَ أُسْبُوعًا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، الثَّانِيَةُ أَحَدَ وَعِشْرُونَ فَقَدْ قِيلَ سَبْعُ أَسَابِيعَ بِعُمْرَةٍ وَوَرَدَ ثَلَاثُ عُمَرَ بِحَجَّةٍ، الثَّالِثَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَدْ وَرَدَ عُمْرَتَانِ بِحَجَّةٍ وَهَذَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ فِيهِ كَحَجَّةٍ، الرَّابِعَةُ اثْنَا عَشَرَ أُسْبُوعًا خَمْسَةٌ بِالنَّهَارِ وَسَبْعَةٌ بِاللَّيْلِ وَرُوِيَ أَنَّهُ طَوَافُ آدَمَ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، الْخَامِسَةُ سَبْعُ أَسَابِيعَ، السَّادِسَةُ ثَلَاثَةُ أَسَابِيعَ، السَّابِعَةُ أُسْبُوعٌ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالْعُمْرَةُ فَنَصَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَلَى أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِالْعُمْرَةِ وَبِهِ قَيَّدَ قَوْلَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا بِأَنْ لَا يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ الطَّوَافِ وَلَا يُضْعِفَهُ بِحَيْثُ يَقْطَعُهُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْهُ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ شَغْلَ قَدْرِ وَقْتِ الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنْ شَغْلِهِ بِهَا انْتَهَى.
وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْمُقِيمِينَ فِيهَا أَنْ يَتْرُكُوا الطَّوَافَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ تَوْسِعَةً عَلَى الْحُجَّاجِ وَقَدْ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ صِفَةَ مَا يَفْعَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَأَنَّهُ يَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ ثُمَّ يَسْعَى مَا نَصُّهُ: فَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكْثِرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ إلَّا وَقْتَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَطُوفَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَّا لِحَاجَةٍ تَدْعُوهُ لِلطَّوَافِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الطَّوَافِ أَنْ يَأْتِيَ عَقِبَهُ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُؤَخِّرَ الرُّكُوعَ لَهُ إلَى بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ مَغِيبِهَا وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حَوَائِجِهِ وَضَرُورَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ رَجَعَ إلَى الطَّوَافِ فَإِنْ تَعِبَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَجَلَسَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ فَحَصَلَ لَهُ النَّظَرُ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «النَّظَرُ إلَى الْبَيْتِ عِبَادَةٌ» وَيَحْصُلُ لَهُ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ فَإِذَا ذَهَبَ تَعَبُهُ قَامَ وَشَرَعَ فِي الطَّوَافِ يُفْعَلُ ذَلِكَ إلَى الْيَوْمِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ مَكَّةَ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُمْ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ التَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ
بَيْنَهُمَا أَنَّ الْآفَاقِيَّ هَذِهِ الْعِبَادَةُ مَعْدُومَةٌ عِنْدَهُ فَيَبْغَتُهَا بِخِلَافِ أَهْلِ مَكَّةَ فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَةٌ ثَمَّ عَلَيْهِمْ طُولَ سَنَتِهِمْ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُمْ إلَى مُزَاحَمَةِ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ انْتَهَى.
وَقَدْ انْجَرَّ الْكَلَامُ إلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ إذَا طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى هَلْ يُطْلَبُ بِالطَّوَافِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ أَمْ لَا وَالثَّانِيَةُ فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُبَاحُ فِيهَا الطَّوَافُ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يُمْنَعُ وَالْأَلْيَقُ بِالثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْغُرُوبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَأَمَّا الْأُولَى فَنَذْكُرُهَا هَهُنَا حَيْثُ جَرَى ذِكْرُهَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَنَقْلُهُ أَيْضًا مُنَاسِبًا لِذِكْرِهَا عِنْدَهُ فَنَقُولُ الَّذِي يَنْقُلُهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحُجُّ إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِكَثْرَةِ الطَّوَافِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ: ثُمَّ يَعُودُ إلَى التَّلْبِيَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَبْقَى عَلَى حَالِهِ مِنْ إحْرَامِهِ مُتَصَرِّفًا فِي حَوَائِجِهِ مُجْتَنِبًا لِمَا أُمِرَ بِهِ فِي إحْرَامِهِ وَلْيُكْثِرْ مِنْ الطَّوَافِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِلَا رَمَلٍ وَلَا سَعْيٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُصَلِّي لِكُلِّ السُّبُوعِ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَثْرَةُ الطَّوَافِ مَعَ كَثْرَةِ الذِّكْرِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَمَلِ فِي الطَّوَافِ: فَإِذَا فَرَغْت مِنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَارْجِعْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَكْثِرْ مِنْ الطَّوَافِ مَا كُنْتَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَمِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ انْتَهَى.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي اسْتِحْبَابِ كَثْرَةِ طَوَافٍ لَهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنَاسِكِهِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ فَصْلِ السَّعْيِ ثُمَّ تُعَاوِدُ التَّلْبِيَةَ بَعْدَ السَّعْيِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلْتُكْثِرْ مِنْ الطَّوَافِ فِي مَقَامِكَ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَرُكُوبٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْحَجِّ عَلَى الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ لِأَنَّهُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الشُّكْرِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ مَالِكٌ: الْحَجُّ عَلَى الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَشْيِ لِمَنْ يَجِدُ مَا يَتَحَمَّلُ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي آخَرِينَ إلَى أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَالرُّكُوبُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا أَفْضَلُ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى، وَكَلَامُهُ الْأَخِيرُ يُوهِمُ أَنَّ الرُّكُوبَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ أَفْضَلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَشْيُ فِيهِمَا عِنْدَهُ مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَمِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ الَّذِي يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَالرُّكُوبُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ عَلَى الْمَعْرُوفِ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الشُّكْرِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ وَلَوْ كَانَ الْحَجُّ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ مِنْ تَفْسِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
(الثَّانِي) مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رُكُوبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمَعْرُوفُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُشَاةً مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ» لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا فِيهَا بِلَا شَكٍّ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ.
(الثَّالِثُ) اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ تَفْضِيلَ الْمَشْيِ عَلَى الرُّكُوبِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَأَجَابَا عَنْ رُكُوبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ لَوْ مَشَى مَا وَسِعَ أَحَدٌ الرُّكُوبَ وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَنُّ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَشْيِ وَلِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ فَيَقْتَدُونَ بِهِ وَلِهَذَا طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ وَنَصُّ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ رَاكِبًا مِنْهُ مَاشِيًا لِأَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِاتِّفَاقِ الْكَافَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا وَحَجَّ مَاشِيًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَوْ نَذَرَهُ مَاشِيًا مَا وَسِعَهُ أَنْ يَحُجَّهُ إلَّا مَاشِيًا إذَا كَانَ يُطِيقُهُ فَلَوْ كَانَ رَاكِبًا أَفْضَلَ مَا أُمِرَ بِالْمَشْيِ بَلْ كَانَ يُنْدَبُ إلَى الرُّكُوبِ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَدِدْت أَنِّي حَجَجْت مَاشِيًا وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ أَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ التَّخْفِيفَ عَلَى الْأُمَّةِ وَلَوْ مَشَى مَا رَكِبَ أَحَدٌ مِمَّنْ حَجَّ مَعَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُقْتَدَى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَكَانَ يَظْهَرُ لِلنَّاسِ عَلَى بَعِيرِهِ وَيَلْحَظُونَهُ وَلِهَذَا طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا لِغَيْرِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَشْيِ فَكَانَ فِيهِ فِي حَقِّهِ أَكْبَرُ مَشَقَّةً وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَنَفَّلُ جَالِسًا لِمَشَقَّةِ الْقِيَامِ فَكَيْفَ بِالْمَشْيِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ قَالَ: أَرَى أَنْ أَمْشِيَ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ الْحَدِيثُ فَدَخَلَ فِيهِ الْمَشْيُ لِلْحَجِّ وَالْمَسَاجِدِ وَالْغَزْوِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَنَّهُ خَرَجَ لِجِنَازَةٍ مَاشِيًا وَرَجَعَ رَاكِبًا» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ لِلْعِيدَيْنِ مَاشِيًا» وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ لِلْعِيدَيْنِ وَقَالَ فِيمَنْ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ يَخْرُجُ مَاشِيًا مُتَوَاضِعًا غَيْرَ مُظْهِرٍ لِزِينَةٍ وَكُلُّ هَذِهِ طَاعَاتٌ يُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْتِيَ مَوْلَاهُ مُتَذَلِّلًا مَاشِيًا وَقَدْ رُئِيَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ لَهُ: أَرَاكِبًا جِئْت؟ قَالَ: مَا حَقُّ الْعَبْدِ الْعَاصِي الْهَارِبِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَوْلَاهُ رَاكِبًا وَلَوْ أَمْكَنَنِي لَجِئْت عَلَى رَأْسِي وَأَمَّا حَجُّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى أُمَّتِهِ وَقَدْ كَانَ أَسَنَّ فَكَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ جَالِسًا انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضْلِ الْمَشْيِ فَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مُنْهَبِطًا مِنْ ثَنِيَّةِ هَرْشَى مَاشِيًا» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَانُوا يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ مُشَاةً حُفَاةً وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ حُفَاةً مُشَاةً «وَيُرْوَى أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَجَّ عَلَى رِجْلِهِ سَبْعِينَ حَجَّةً» أَخْرَجَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مِنْ الْهِنْدِ عَلَى رِجْلَيْهِ قِيلَ لِمُجَاهِدٍ أَفَلَا كَانَ يَرْكَبُ؟ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَحْمِلُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - حَجَّا مَاشِيَيْنِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَجَّ مَاشِيًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا آسَى عَلَى شَيْء مَا آسَى عَلَى أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ مَرِضَ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ مَاشِيًا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ: كُلُّ حَسَنَةٍ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ وَتُصَافِحُ الرُّكْبَانَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدَّمَ الْمُشَاةَ عَلَى الرُّكْبَانِ فِي الْآيَةِ لِيُزِيلَ مُكَابَدَةَ مَشَقَّةِ الْمَشْيِ وَالْعَنَاءِ بِفَرَحِ التَّقْدِيمِ وَالِاجْتِبَاءِ انْتَهَى جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ ابْنِ جَمَاعَةَ
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى عَلَى رِجْلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَشَاعِرِ إلَّا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَرَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَإِنَّ الرُّكُوبَ فِيهِمَا أَفْضَلُ وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَمْشِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَالْمَشَاعِرَ وَالنَّجَائِبُ تُقَادُ إلَى جَانِبِهِ وَقَدْ نُقِلَ فِي تَفْسِيرِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنَّهُ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَلِينُ الْكَلَامِ وَالْمَشْيُ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْمَشَاعِرِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى عَرَفَاتٍ ثُمَّ إلَى مُزْدَلِفَةَ ثُمَّ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ إلَى مِنًى ثُمَّ إلَى الْمُحَصَّبِ ثُمَّ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى عَلَى رِجْلَيْهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي السَّعْيِ سُنَّةٌ يَجِبُ فِي تَرْكِهِ الدَّمُ لَا مُسْتَحَبٌّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ إثْرَ كَلَامِ
الْقُرْطُبِيِّ وَكَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَا ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْعُمْرَةِ: إنَّ الْمَشْيَ فِيهَا كَالْمَشْيِ فِي الْحَجِّ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ، قَالَ وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ بِمَكَّةَ هَلْ الْمَشْيُ فِيهَا أَفْضَلُ أَمْ يَكْتَرِي حِمَارًا بِدِرْهَمٍ قَالَ: إنْ كَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ أَشَدَّ عَلَيْهِ فَالْكِرَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ أَشَدَّ عَلَيْهِ كَالْأَغْنِيَاءِ فَالْمَشْيُ لَهُ أَفْضَلُ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ التَّاجِرِ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِسَفَرِهِ مَرْكُوبًا جَيِّدًا يَأْمَنُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْقَطِعَ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُقَتَّبٌ)
ش: أَيْ وَفُضِّلَ الْمُقَتَّبُ عَلَى الْمَحْمِلِ يُرِيدُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي مَنْسَكِهِ وَنَصُّهُ: وَالْمُقَتَّبُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَحْمِلِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلِإِرَاحَةِ الدَّابَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَالْحَجُّ عَلَى الْقَتَبِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَحْمِلِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَكَرِهُوا الْهَوَادِجَ وَالْمَحَامِلَ إلَّا لِعُذْرٍ أَوْ ضَرُورَةٍ وَلَيْسَتْ الرِّيَاسَةُ وَارْتِفَاعُ الْمَنْزِلَةِ عُذْرًا فِي تَرْكِ السُّنَّةِ انْتَهَى.
وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ اسْتَحَبَّ الرُّكُوبَ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ: وَالتَّنَطُّفُ فِي الْحَجِّ أَوْلَى مَا يَفْعَلُهُ الْمُكَلَّفُ لِأَنَّهَا السُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ انْتَهَى.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَيَرْكَبُ فِي الْمَحْمِلِ وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَأَرْبَابُ الضَّرُورَاتِ لَهُمْ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُمْ وَإِنَّمَا كَانَ بِدْعَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَرَكِبَ النَّاسُ سُنَّتَهُ وَكَانَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِهِ يَتْرُكُونَهَا وَيَكْرَهُونَ الرُّكُوبَ فِيهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ مَكِّيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ: وَأَخَافُ أَنَّ بَعْضَ مَا يَكُونُ مِنْ تَفَاوُتِ الْإِبِلِ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبُهُ ثِقَلُ مَا تَحْمِلُهُ وَلَعَلَّهُ عَدْلُ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ وَزِيَادَةٌ مَعَ طُولِ الْمَشَقَّةِ وَقِلَّةِ الْمَطْعَمِ.
وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا نَظَرَ إلَى مَا أَحْدَثَ الْحَجَّاجُ مِنْ الزِّيِّ وَالْمَحَامِلِ يَقُولُ الْحَاجُّ: قَلِيلٌ وَالرَّكْبُ كَثِيرٌ انْتَهَى.
وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَدَرْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَوْمَ الصَّدْرِ فَمَرَّتْ بِنَّا رُفْقَةٌ يَمَانِيَّةٌ رِحَالُهُمْ الْأُدْمُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنْ اخْتَارَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَشْبَهِ رُفْقَةٍ وَرَدَتْ الْحَجَّ الْعَامَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ إذَا قَدِمُوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذِهِ الرُّفْقَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ انْتَهَى مِنْ مَنْسَكِ ابْنِ جَمَاعَةَ، ذَكَرَهُ فِي فَضْلِ حَجِّ الْمَاشِي وَفِيهِ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَيُسْتَحَبُّ الْحَجُّ عَلَى الرَّحْلِ وَالْمُقَتَّبِ دُونَ الْمَحْمِلِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ اقْتِدَاءٌ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَالْمَسْكَنَةِ وَلَا يَلِيقُ بِالْحَاجِّ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ تُسَوَّى ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ حَجَّةٌ بِلَا رِيَاءٍ فِيهَا وَلَا سُمْعَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَبَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَائِشَةَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَيُرْوَى أَفْضَلُ الْحَجِّ الشَّعِثُ التَّفِلُ وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي كَرَاهَةِ رُكُوبِ الْمَحْمِلِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِهِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيِّ الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَرَفِّهِينَ وَقَالَ طَاوُسٌ: حَجُّ الْأَبْرَارِ عَلَى الرِّحَالِ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ الْمَحَامِلَ الْحَجَّاجُ وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إذَا مَرَّتْ بِنَّا رُفْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَدْ أَحَقَبُوا بِالْمَاءِ وَالْحَطَبِ قَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا رَأَيْت رُفْقَةً أَشْبَهَتْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَؤُلَاءِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ انْتَهَى.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَسُئِلَ عَنْ الْحَاجِّ فَقَالَ: الشَّعِثُ التَّفِلُ» انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَالْمُقَتَّبُ بِالتَّشْدِيدِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا وَلَمْ أَقِفْ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ قَتَّبَ بِالتَّشْدِيدِ بَلْ الَّذِي فِي
الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَقْتَبَ بِالْهَمْزِ بِالْبَعِيرِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ: مُقْتَبٌ بِالتَّخْفِيفِ كَمُكْرَمٍ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَفُضِّلَ رُكُوبٌ عَلَى مُقَتَّبٍ وَالْمُقَتَّبُ سَوَاءٌ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ أَوْ بِالتَّخْفِيفِ هُوَ الَّذِي جُعِلَ لَهُ قَتَبٌ وَالْقَتَبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ رَحْلٌ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ السَّنَامِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَحْمِلُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَمَجْلِسٍ وَاحِدُ مَحَامِلِ الْحَاجِّ وَكَسَفَرْجَلٍ عَلَاقَةُ السَّيْفِ انْتَهَى.
وَرَأَيْت فِي نُسْخَةِ حَاشِيَةِ الصِّحَاحِ عَنْ السَّيِّدِ أَنَّ مِحْمَلِ الْحَاجِّ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ)
ش: أَيْ وَفُضِّلَ تَطَوُّعُ وَلِيِّ الْمَيِّتِ عَنْهُ بِغَيْرِ الْحَجِّ كَصَدَقَةٍ عَنْهُ وَالْعِتْقِ عَنْهُ وَالْإِهْدَاءِ عَنْهُ وَالدُّعَاءِ لَهُ عَلَى تَطَوُّعِهِ عَنْهُ بِالْحَجِّ وَأَتَى بِالْكَافِ لِيَدْخُلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِهْدَاءِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي: وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ صَرُورَةٌ وَلَمْ يُوصِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَدٌ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ بِذَلِكَ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَلْيَتَطَوَّعْ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ صَرُورَةٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الصَّرُورَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُحَجَّ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ حَيٍّ زَمِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ صَرُورَةٍ كَانَ أَوْ لَا وَلْيَتَطَوَّعْ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ أَوْ يُعْتِقَ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَوْلَى لِوُصُولِهَا إلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ انْتَهَى، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَالدُّعَاءُ جَارٍ مَجْرَى الصَّدَقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ وَثَوَابُ الْحَجِّ هُوَ لِلْحَاجِّ وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ وَثَوَابُ الْمُسَاعِدَةِ وَعَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِمَا تَصَرَّفَ مِنْ حَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَائِدَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ بِالْإِجْمَاعِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَرَدِّ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النِّيَابَةَ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ لَا تَصِلُ عَلَى الْمَذْهَبِ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَالشَّيْخُ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وُصُولُ الْقِرَاءَةِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُبُورِ نَقَلَهُ سَيِّدِي ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا قِيلَ لَهُمْ وَمَاذَا لَقُوا وَنَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِالتَّدَبُّرِ فِي الْقُرْآنِ فَآلَ الْأَمْرُ إلَى إسْقَاطِ أَحَدِ الْعَمَلَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: اُخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النِّيَابَةَ مِنْ الْحَيِّ وَالْعَاجِزِ وَأَمَّا الْقَادِرُ فَلَا يَقْبَلَانِ اتِّفَاقًا فَإِنْ أَوْصَى بِالْحَجِّ وَمَاتَ نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ وَفِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْحَجِّ انْتَهَى، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْحَاوِي لَوْ صَلَّى إنْسٌ عَنْ غَيْرِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْرِكُهُ فِي ثَوَابِ صَلَاتِهِ جَازَ ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْحَجِّ وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِأَنْ يُقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ بِأُجْرَةٍ فَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْن عَاتٍ: وَهُوَ رَأْيُ شُيُوخِنَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَتْ بِمَالٍ لِمَنْ يُصَلِّي عَنْهَا أَوْ يَصُومُ وَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ فِي الثُّلُثِ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْوَصَايَا فِي مَسْأَلَةٍ جَامِعَةٍ لِوُجُوهٍ مِنْ الْوَصَايَا وَفِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَأْجَرَ قَارِئًا يَقْرَأُ عَنْهُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ فِي الثُّلُثِ يَعْنِي الْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ وَبِأَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بِأُجْرَةٍ وَلَا يُرِيدُ الْوَصِيَّةَ لِمَنْ يُصَلِّي عَنْهُ أَوْ يَصُومُ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نَافِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْأَشْيَاءِ
الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيهَا الْوَكَالَةُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ لَا عَنْ الْحَيِّ وَلَا عَنْ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا وَنَصُّهُ: وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ مَعَ الْحَيَاةِ وَأَمَّا مَعَ الْمَوْتِ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَالْمُخَالِفُ أَخَذَ بِهَذَا عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا الْمُعَلِّمِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْحَاوِي وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فَلَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِمَا وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بِخِلَافِ الْحَجِّ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا حُكْمُ التَّطَوُّعِ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْحَجِّ مَا هُوَ وَحُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا وَمَنْعُ اسْتِنَابَةٍ صَحِيحٌ فِي فَرْضٍ وَإِلَّا كُرِهَ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُتَطَوِّعُ عَنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَكَمَا يُكْرَهُ عَنْ الْمَيِّتِ فَهُوَ عَنْ الْحَيِّ أَشَدُّ وَيَصِحُّ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِبْهُ أَحَدٌ وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي الْحَيِّ إنْ وَقَعَ وَلَا يَكُونُ فِي الْفَرْضِ بِوَجْهٍ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: وَالْكَلَامُ هُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ الْمَيِّتِ حَكَمَ الْجَمِيعُ بِانْعِقَادِ إحْرَامِهِ انْتَهَى
[مَسْأَلَةٌ إهْدَاء الْقُرَبِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي كِتَابِ كَنْزِ الرَّاغِبِينَ الْعُفَاةِ فِي الرَّمْزِ إلَى الْمَوْلِدِ وَالْوَفَاةِ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ مُؤَلِّفِهِ وَلَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا فَإِنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ عَنْ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَدْرَكْتُهُمْ كَالشَّيْخِ زَكَرِيَّا وَالشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ حَمْزَةَ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَأَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالسُّبْكِيِّ وَالْبَارِزِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ كَابْنِ عَقِيلٍ تَبَعًا لِعَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ.
وَكَانَ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ وَكَأَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إهْدَاءَ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي هُوَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ الَّذِي سُقْنَاهُ قَرِيبًا وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ مَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْمَانِعِينَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ يَمْنَعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُتَجَرَّأُ عَلَى الْجَنَابِ الرَّفِيعِ إلَى آخِرِ لَفْظِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ لِمَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ بِخِلَافِ الرَّحْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ وَقَالَ ابْنِ قَاضِي شُهْبَةَ فِي شَرْحِهِ كَانَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْقَرَوِيُّ يَمْنَعُ مِنْهُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالْأَدَبُ مَعَ الْكِبَارِ مِنْ الْأَدَبِ وَالدِّينِ وَأَعْمَالُ الْأُمَّةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فِي صَحِيفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ الْحَنْبَلِيُّ فِي اخْتِيَارَاتِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّ إهْدَاءَ الْقُرَبِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وَأَنَّهُ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ.
وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ إهْدَاءُ الثَّوَابِ إلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ كَانُوا يَدْعُونَ لَهُمْ فَلَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ لَهُمْ وَلَمْ يَرَهُ مَنْ لَهُ أَجْرُ الْعَامِلِ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ بِخِلَافِ وَالِدِ الشَّخْصِ فَإِنَّ لَهُ أَجْرًا كَأَجْرِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يُثَابُ عَلَى إهْدَائِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا مِثْلُهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» قَالَ: وَأَقْدَمُ مَنْ بَلَغَنَا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ وَأَنَّهُ كَانَ أَقْدَمَ مِنْ الْجُنَيْدِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَطَبَقَتَهُ وَعَاصَرَهُ وَعَاشَ بَعْدَهُ وَأَصْحَابُنَا إنَّمَا قَالُوا: إنَّهُ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ
وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ الْعَطَّارِ تِلْمِيذُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ هَلْ تَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَإِهْدَاءُ الثَّوَابِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَهَلْ فِيهِ أَثَرٌ؟ فَأَجَابَ بِمَا هَذَا لَفْظُهُ: أَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَمِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ وَأَمَّا إهْدَاؤُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ أَثَرٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّهَجُّمِ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ مَعَ أَنَّ ثَوَابَ التِّلَاوَةِ حَاصِلٌ لَهُ بِأَصْلِ شَرْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَمِيعُ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ فِي مِيزَانِهِ وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحَثَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ وَالسُّؤَالِ بِجَاهِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ هَدِيَّةَ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى لَا تَكُونُ إلَّا بِالْإِذْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
قَالَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ تِلْمِيذُ شَيْخِنَا قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ حَجَرٍ فِي مَنَاقِبِهِ الَّتِي أَفْرَدَهَا أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْته زِيَادَةً فِي شَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَابَ هَذَا مُخْتَرَعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْقُرَّاءِ لَا أَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا فِيهِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْكُرْدِيُّ فِي كِتَابِ النَّصِيحَةِ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ جَوَازِ إهْدَاءِ الْقُرْآنِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يُرْوَ عَنْ السَّلَفِ فِعْلُهُ وَنَحْنُ بِهِمْ نَقْتَدِي وَبِذَلِكَ نَهْتَدِي ثُمَّ تَوَسَّعَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْتَهُ اقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ قَالَ: وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ بَلْ اسْتِحْبَابِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ الدُّنْيَا وَكَمَا طَلَبَ الدُّعَاءَ مِنْ عُمَرَ وَحَثَّ الْأُمَّةَ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْوَسِيلَةِ عِنْدَ الْأَذَانِ وَعَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّبَعْت وَإِنْ فَعَلْت فَقَدْ قِيلَ بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ خَطَّابٌ
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْقَاضِي بْنُ عَجْلُونٍ قَدْ تَوَسَّعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَتَصَرَّفُوا فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ فِي صَحِيفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْ نُقَدِّمُهَا إلَى حَضْرَتِهِ أَوْ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ وَقَدْ تَقْتَرِنُ بِذَلِكَ هَيْئَاتٌ تُخِلُّ بِالْأَدَبِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا أَلْجَأَهُمْ إلَى ارْتِكَابِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ جَمِيعَ حَسَنَاتِ الْأُمَّةِ فِي صَحِيفَتِهِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» .
قَالَ: فَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُ ذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِمَا لَا رَيْبَ فِيهِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ الْمَأْثُورَةِ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَفِيهَا مَا يُغْنِي عَنْ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ وَالْوُقُوعِ فِي الْأُمُورِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ حَمْزَةَ الْحَسَنِيُّ الشَّافِعِيُّ ابْنُ أُخْتِ الشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ شَخْصٍ عَارَضَ مَا أَفْتَى بِهِ خَالُهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ إنَّ ذَلِكَ يُجَوِّزُ إهْدَاءُ الثَّوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِدْعَةٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْجَائِزَةِ أَمْ لَا وَحَيْثُ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اتَّجَهَ مَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمَنْعِ وَالْجَوَازِ فَالْأَحْوَطُ التَّرْكُ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الصُّوفِيَّةُ: إذَا خَطَرَ لَكَ أَمْرٌ فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ فَإِنْ شَكَكْت فِيهِ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؟ فَأَمْسِكْ عَنْهُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ: وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَشَيْخِهِ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَصِلُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ قَالَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ: فَإِهْدَاءُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ الْوُصُولَ عَبَثٌ مَكْرُوهٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى إهْدَاءِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَذَكَرَ كَلَامَ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي الْأَذْكَارِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ بِهَاءِ الدِّينِ الْحَوَارِيِّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَنْسُوبٌ إلَى قَرْيَةِ حِوَارَانِ كَمَا ضَبَطْنَاهُ وَآخِرُهَا رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ مُهْمَلَةٌ وَيَاءٌ مَقْصُورَةٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ عَقِبَ السَّمَاعِ مَرَّاتٍ لِجَمَاعَةٍ وَآخِرَ الْكُلِّ يَسْأَلُهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ قَالَ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَى الْقَارِئُ بِقِرَاءَتِهِ أَنْ تَكُونَ عَنْ الْمَيِّتِ وَأَمَّا النَّفْعُ فَيَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِأَنْ يَدْعُوَ لَهُ عَقِبَهَا أَوْ يَسْأَلَ جَعْلَ أَجْرِهِ
لَهُ أَوْ يُطْلِقَ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ لِنُزُولِ الرَّحْمَةِ عَلَى الْقَارِئِ ثُمَّ تُنْشَرُ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِحُصُولِ النَّفْعِ بِهَا وَلَا يُقَالُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الثَّوَابِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمَمْنُوعَ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ جَعَلْته لَهُ أَوْ أَهْدَيْته لَهُ أَمَّا الدُّعَاءُ بِجَعْلِ ثَوَابِهِ لَهُ فَلَيْسَ تَصَرُّفًا بَلْ سُؤَالٌ لِنَقْلِ الثَّوَابِ إلَيْهِ وَلَا مَنْعَ فِيهِ وَأَمَّا إهْدَاءُ الثَّوَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ يَمْنَعُ مِنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ شُهْبَةَ ثُمَّ قَالَ: وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ السُّبْكِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا سُؤَالُ الْفَاتِحَةِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ جَزْمًا لِمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى كَلَامُهُ.
فَهَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ قَالُوا بِالْمَنْعِ مِنْ هَذَا وَذَكَرُوا تَعْلِيلَهُ وَدَلِيلَهُ حَتَّى مَنْ أَفْتَى مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِالْجَوَازِ وَفَصَّلَ وَحَصَّلَ وَمَا بَقِيَ بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ وَاَللَّهُ الْهَادِي الْمُوَفِّقُ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْمَوْلِدِ وَكَلَامُ ابْنِ السُّبْكِيّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ يَعْنِي بِهِ مَا ذَكَرَاهُ مِنْ أَنَّ أَعْمَالَ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا فِي صَحِيفَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لِلْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ أَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى وَجْهِ الْبَلَاغِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ سَنَدٌ: اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى الْأَرْزَاقِ فِي الْحَجِّ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ بِأُجْرَةٍ فَقَالَ بِهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ انْتَهَى.
وَالرِّزْقَةُ هُوَ أَنْ يَدْفَعَ لِلْحَاجِّ شَيْئًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حَجِّهِ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ عَقْدِ إجَارَةٍ فِي ذِمَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ أَمْ لَا وَقَالَ فِي غُنْيَةِ الْفَقِيرِ فِي حَجِّ الْأَجِيرِ وَقَدْ فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الرِّزْقِ وَالْإِجَارَةِ بِأَنَّ الرِّزْقَ هُوَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ فَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَذَلِكَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَقِلَّتِهِمْ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَهُوَ شَيْءٌ مَقْدُورٌ قَصُرَ عَنْ كِفَايَتِهِ أَوْ زَادَ انْتَهَى.
وَلَفْظُ سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ: الَّذِي اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رِزْقَةً لَا أُجْرَةً صَحَّحَهُ الْكَافَّةُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَأَمَّا عَقْدُ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَصَحَّحَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ عَمَلٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَجَازَ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ بِالنَّفَقَةِ فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَزَعَمَ أَنَّهَا أُجْرَةٌ مَجْهُولَةٌ وَنَقُولُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الرِّزْقَةِ وَكَاسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ بِمُؤْنَتِهَا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُعَاوَضَةُ فِي الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ حَجٌّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَحَجٌّ بِنَفَقَةٍ مَا بَلَغَتْ وَتُسَمَّى أُجْرَةً عَلَى الْبَلَاغِ وَحَجٌّ بِأُجْرَةٍ عَلَى وَجْهِ الْجَعَالَةِ وَهُوَ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ شَيْئًا وَلَكِنْ إنْ حَجَّ كَانَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ كَذَا وَهِيَ مِنْ وَجْهِ الْبَلَاغِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
((قُلْتُ)) : فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْحَجُّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُصَنِّفُ إجَارَةَ ضَمَانٍ وَفِي أَثْنَاءِ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ تَارَةً يَكُونُ مُعَيَّنًا فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ قَالَ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتُك لِتَحُجَّ عَنِّي بِكَذَا، قَالَ: وَإِنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَنِّي بِنَفْسِك كَانَ تَأْكِيدًا وَإِضَافَةُ الْفِعْلِ إلَيْهِ تَكْفِي فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَتَارَةً يَكُونُ مَضْمُونًا فِي ذِمَّتِهِ قَالَ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَنْ يَأْخُذُ كَذَا فِي حَجَّةٍ أَوْ مَنْ يَضْمَنُ لِي حَجَّةً بِكَذَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لِفِعْلِهَا أَحَدًا وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْمُعَاوَضَةُ فِي الْحَجِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُعَيَّنٍ وَمَضْمُونٍ وَالْمُعَيَّنُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إجَارَةٍ وَبَلَاغٍ وَالْبَلَاغُ عَلَى وَجْهَيْنِ: بَلَاغٍ فِي الْحَجِّ وَهُوَ الْجُعْلُ وَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِتَمَامِهَا، وَبَلَاغِ النَّفَقَةِ، وَالْمَضْمُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ضَمَانٍ بِالسَّنَةِ وَهُوَ كَوْنُهَا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ إذَا فَاتَتْهُ هَذِهِ السَّنَةُ يَأْتِي فِي سَنَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَضَمَانٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَجِيرِ فَإِذَا مَاتَ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَحُجُّ انْتَهَى، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: ضَمَانٌ بِالنِّسْبَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ قِسْمٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ قِسْمٍ مِنْ الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ وَمِنْ إجَارَةِ الْبَلَاغِ وَمِنْ الْجَعَالَةِ يَنْقَسِمُ إلَى مَضْمُونٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّنَةِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ السَّنَةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَإِلَى مُعَيَّنَةٍ فِي السَّنَةِ، وَقَوْلُهُ: مُعَيَّنٌ مُرَادُهُ بِهِ تَعْيِينُ
الْأَجِيرِ وَمُرَادُهُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي جَعَلَهَا قِسْمَ الْمُعَيَّنِ الْإِجَارَةُ الْمَضْمُونَةُ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ مِنْ الْمَضْمُونِ هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: وَعَلَى عَامٍّ مُطْلَقٍ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الشُّيُوخِ فِي تَقْسِيمِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْحَجِّ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الْحَجِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ تُدْفَعُ لِلْأَجِيرِ وَيَكُونُ ضَمَانُهَا مِنْهُ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَالْفَضْلُ لَهُ وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْحَجُّ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْأَجِيرِ، وَالثَّانِي الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَكُونُ الْحَجُّ فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ، وَالثَّالِثُ الِاسْتِئْجَارُ بِالنَّفَقَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبَلَاغِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالرَّابِعُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى وَجْهِ الْجَعَالَةِ فَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ يُسَمِّيهِمَا الْمُصَنِّفُ إجَارَةَ ضَمَانٍ وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِي أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُ فِي حَجِّهِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَالْبَلَاغُ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ إلَخْ، وَالرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الْجَعَالَةِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي خِلَافٌ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِالضَّمَانِ أَنَّ الْأَجِيرَ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَلَا رَدٍّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالنِّيَابَةُ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ بِذَاتِهِ أُجْرَةٌ إنْ كَانَتْ عَنْ مُطْلَقِ الْعَمَلِ وَجُعْلٌ إنْ كَانَتْ عَنْ تَمَامِهِ وَبَلَاغٌ إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ وَفِيهَا الْإِجَارَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ فُلَانٍ لَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ وَالْبَلَاغُ خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَحُجَّ بِهَا عَنْهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا مَا نَقَصَ عَنْ الْبَلَاغِ أَوْ يَحُجَّ مِنْهَا عَنْهُ وَالنَّاسُ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَأْخُذُونَ إنْ أَخَذُوا عَلَى الْبَلَاغِ فَبَلَاغٌ وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَنَّهُمْ ضَمِنُوا الْحَجَّ فَقَدْ ضَمِنُوهُ.
((قُلْتُ)) : يُرِيدُ بِالضَّمَانِ لُزُومَهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَلَا رَدٍّ مِنْهُ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ يَعْنِي بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي غَيْرِ الْأَجِيرِ وَالْبَلَاغُ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَيَبْقَى وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُمَا الْحَجُّ الْمَضْمُونُ وَالْجُعْلُ فِي الْحَجِّ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَقُومُ مِنْ الْكِتَابِ إلَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ وَكَانَ ابْنُ لُبَابَةَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ ضَمِنُوا الْحَجَّ فَقَدْ ضَمِنُوهُ أَنَّهُ وَجْهٌ ثَالِثٌ مِنْ أَنَّ الْحَجَّ اسْتِئْجَارٌ وَبَلَاغٌ وَمَضْمُونٌ وَيَقُولُ فِي الَّذِي يَأْخُذُ عَلَى الْحَجَّةِ الْمَضْمُونَةِ: إنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِهَا أَنَّهُ يَرُدُّ جَمِيعَ الْمَالِ وَلَا يَحْتَسِبُ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ الطَّرِيقِ وَقَالَهُ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيدٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَحْوُهُ فِي أَقْضِيَةِ ابْنِ زِيَادٍ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ ابْنُ زَرْبٍ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَمِنْ عَيْبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إنْ لَمْ يَكْفُلْ ذَهَبَ عَنَاؤُهُ بَاطِلًا وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ الْمَضْمُونُ عَلَى الِاسْتِئْجَارِ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَأْجَرِ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ فَهُوَ الَّذِي أَرَادَ بِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا الْحَجَّ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَجُّ الْمَضْمُونُ لَا يَكُونُ الْمُوصَى لَهُ إلَّا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ أَحْوَطُ لِلْمَيِّتِ إنْ كَانَ أَوْصَى بِهَا وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا فَلَا يَتَعَدَّى قَوْلُهُ مِنْ اسْتِئْجَارٍ أَوْ بَلَاغٍ هَذَا هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ عَنْ بَعْضِ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَّا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِالِاسْتِئْجَارِ وَقَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَهَذَا عِنْدِي نَقْضٌ لِعَهْدِ الْمُوصِي وَمُخَالِفٌ لِوَصِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً فَيُوقَفُ عِنْدَ عَهْدِهِ ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْحَجَّةُ إنْ تَوَلَّاهَا قَابِضُ الدَّنَانِيرِ بِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَنَابَ فِيهَا غَيْرَهُ سَوَاءٌ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَفِّهَا اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ عَلَى تَمَامِهَا انْتَهَى.
وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْتَنِيبُ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَنَّ مُقَابِلَهُ يَقُولُ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ وَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: إنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى التَّعْيِينِ أَوْ عَلَى عَدَمِهِ فَإِنْ
قَامَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ عُمِلَ عَلَيْهَا وَالْقَرِينَةُ هُنَا دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ التَّعْيِينِ حَيْثُ جَعَلُوهَا مَضْمُونَةً بَلْ ذَلِكَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْجَزَائِرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ الْخِلَافَ فِي الْمَضْمُونِ وَذَكَرَ أَيْضًا الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عَمْر وَفِي كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ إشَارَةً إلَى صِحَّتِهِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ بَقِيَّةٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ: الْإِجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِلَ فِيهَا الْعَمَلُ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ تَرَاخِيهَا عَنْهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى خِدْمَةِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَمَا جَازَ فِي ذَلِكَ جَازَ هُنَا وَمَا امْتَنَعَ امْتَنَعَ هَهُنَا فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَشْرَعُ فِي الْحَجِّ عَقِبَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ فِي بِلَادٍ قَاصِيَةٍ جَازَتْ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُخْرَجُ فِيهِ إلَى الْحَجِّ وَإِنْ تَرَاخَى الْخُرُوجُ الْأَيَّامَ انْتَظَرَ فِي تَجْهِيزِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ مَاشِيًا فِي الْعَامِ الثَّانِي وَكَانَتْ الْمُشَاةُ تَخْرُجُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ جَازَ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ وَقْتِهِ وَهَذَا فِي الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَمَّا الْمَضْمُونَةُ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ عَقْدِهَا عَلَى فِعْلِهَا سِنِينَ وَهُوَ كَالسَّلَمِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَضُ إلَى سِنِينَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَنَصُّهُ: وَقَوْلُنَا فِي النَّصِّ مَعَ تَقْدِيمِ النَّقْدِ وَأَخْذٍ فِي التَّجْهِيزِ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَقْدِيمَ النَّقْدِ مَعَ تَأْخِيرِ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ يَجِبُ النَّقْدُ عَلَى الشَّرْطِ وَجَازَ عَلَى التَّطَوُّعِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ)
ش:.
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ إجَارَةَ الضَّمَانِ وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ إجَارَةِ الْبَلَاغِ فَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْكَرَاهَةِ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ إجَارَةَ الْبَلَاغِ وَهَذِهِ وَالْإِجَارَةُ فِي الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُؤَاجِرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ كَانَ ضَامِنًا لِذَلِكَ يُرِيدُ مُحَمَّدٌ ضَامِنًا لِلْمَالِ وَيُحَاسَبُ بِمَا سَارَ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا بَقِيَ فَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ مِنْ الْبَلَاغِ وَلَيْسَ يَعْنِي أَنْ يُؤَاجِرَ مِنْ مَالِهِ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ فَانْفَسَخَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحَجَّةُ إنَّمَا جُعِلَتْ فِي ذِمَّتِهِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَيُسَاعِدُ هَذَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهَا وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى فَأَعَادَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ أَيْ كَالنَّوْعِ الْآخَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَضْمُونَةَ عَلَى الْحَجِّ كَالْإِجَارَةِ عَلَى غَيْرِ الْحَجِّ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ فَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَيُشِيرُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْجَوَاهِرِ: وَقِسْمٌ هُوَ إجَارَةٌ بِعِوَضٍ تَكُونُ ثَمَنًا لِلْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَاتِ كُلِّهَا فَيَكُونُ الْعِوَضُ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجَرِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كِفَايَتِهِ لَزِمَهُ تَمَامُهُ مِنْ مَالِهِ وَمَا بَقِيَ كَانَ لَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْحَجِّ لَزِمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِيَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ لِمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَرَاهَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْإِجَارَةُ تَلْزَمُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ ثُمَّ أَرَادَ نَقْضَ الْإِجَارَةِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنْ لَا يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
ص (وَتَعَيَّنَتْ فِي الْإِطْلَاقِ)
ش:.
يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَضْمُونَةَ تَتَعَيَّنُ فِي إطْلَاقِ الْمُوصِي فَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الضَّمَانِ أَوْ عَلَى الْبَلَاغِ؟ فَتَتَعَيَّنُ الْمَضْمُونَةُ قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي الْبَلَاغِ وَقَوْلُنَا فِيهِ إنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عُهْدَةِ الْمُتَوَفَّى صَوَابٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُوصِي عُهْدَةٌ فَلَا يَكُونُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا شَرَحَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبِسَاطِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الصَّغِيرِ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ هَلْ هِيَ ضَمَانٌ أَوْ بَلَاغٌ تَعَيَّنَتْ الْمَضْمُونَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ وَابْنِ الْفُرَاتِ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي بَيَانِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مِنْ بَيَانِ الْأُجْرَةِ مَا هِيَ هَلْ النَّفَقَةُ أَوْ شَيْءٌ مُسَمًّى فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَضْمُونَةَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ فِي عَيْنِ
الْأَجِيرِ، وَنَوْعٌ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنَّ فِي الثَّانِي خِلَافًا وَأَنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ فَإِنْ عَيَّنَ الْمُوصِي أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُدْفَعَ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ قُضَاةِ قُرْطُبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَّا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ وَإِنْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِالِاسْتِئْجَارِ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ وَإِنَّ ابْنَ زَرْبٍ قَالَ بِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ مِنْ بَلَدِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ بَرِيدٌ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِ ذَلِكَ الْبَلَدِ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَحُجُّونَ عَنْهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْصَى يُرِيدُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَمَاتَ بِخُرَاسَانَ وَأَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَهَذَا أَحْسَنُ وَإِنَّمَا يَحُجُّ مِنْ بَلَدِ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ إلَّا أَنْ لَا يَحُجَّ مَنْ يُسْتَأْجَرُ بِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ وَصَّى بِهِ انْتَهَى كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْحَجِّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ مَوْضِعًا يُحْرِمُ مِنْهُ أَوْ لَا يَشْتَرِطُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْإِحْرَامَ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ مِيقَاتُهُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَطْلَقَ هَلْ يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ نَفْسِ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ فِيهِ نَقْصُ الْمِيقَاتِ حَتَّى يَجِبَ فِيهِ دَمٌ؟
فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ فِيمَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَّةَ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْمَيِّتِ مَبْنِيٌّ عَلَى صَرْفِ الْإِطْلَاقِ إلَى نَفْسِ الْمَيِّتِ وَوَجْهُهُ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِيهِ وَفِي الْأَسْدِيَةِ أَنَّهُ إنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَسَوَاءٌ شَرَطُوا عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطُوا لِأَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْ مَيِّتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْمَيِّتِ انْتَهَى.
يُرِيدُ إذَا اُسْتُؤْجِرَ مِنْ بَلَدِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ الْبَلَدِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ مِنْهُ وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ فِيهَا أَنَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ مَالٌ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ فَلْيُحْرِمْ مِنْ مِيقَاتِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَمِيقَاتِ مَحِلِّ الْعَقْدِ كَانَ أَشْمَلَ وَأَبَيْنَ وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا إذَا خَالَفَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ خَالَفَ مِيقَاتًا شُرِطَ وَعِنْدَ قَوْلِهِ وَهَلْ يُفْسَخُ إنْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ مِصْرِيٍّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْجُحْفَةِ وَلَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ وَهُوَ فِي الْيَمَنِ بَعِيدٌ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ السَّابِقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بِمَكَّةَ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ رَجُلٍ: فَلْيُحْرِمْ مِنْ مِيقَاتِ الرَّجُلِ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ
ص (وَلَهُ بِالْحِسَابِ إنْ مَاتَ وَلَوْ بِمَكَّةَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ عَلَى الْحَجِّ إذَا مَاتَ فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِسَابِ مَا سَارَ مِنْ سُهُولَةِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا وَأَمْنِهَا وَخَوْفِهَا لَا بِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ فَقَدْ يَكُونُ رُبْعُ الْمَسَافَةِ يُسَاوِي نِصْفَ الْكِرَاءِ فَيُقَالُ: بِكَمْ يَحُجُّ مِثْلُهُ فِي زَمَنِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَبِكَمْ يَحُجُّ مِثْلُهُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فِي زَمَنِ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَمَا نَقَصَ الْأَقْرَبُ عَنْ الْأَبْعَدِ فَلَهُ بِحِسَابِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ قَلَّتْ: أَوْ كَثُرَتْ مَثَلًا الْحَجُّ مِنْ مَوْضِعِ خُرُوجِهِ بِعَشْرَةٍ وَمِنْ مَوْضِعِ مَوْتِهِ بِثَمَانِيَةٍ فَيَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْأُجْرَةِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا صُدَّ، وَسَوَاءٌ بَلَغَ مَكَّةَ أَوْ مَاتَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا مَاتَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً وَضُعِّفَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْأُجْرَةِ شَيْئًا فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوا بِحِسَابِ مَا سَارَ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ فَلَهُ مِنْهَا بِحِسَابِ مَا سَارَ وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ بِهِ فِي تَرِكَتِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ بَاقِيَةً بِعَيْنِهَا أَوْ تَلِفَتْ وَسَوَاءٌ كَانَ تَلَفُهَا بِسَبَبِهِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَهَذَا فِي الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَجُّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَكَانَ مَضْمُونًا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ لِلْوَرَثَةِ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ أُجْرَةُ حَجِّهِ قَالَهُ الْمُتَيْطِيّ وَسَنَدٌ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَأَمَّا فِي الْبَلَاغِ فَلَهُ بِقَدْرِ مَا أَنْفَقَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَعَالَةِ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ صُدَّ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ)
ش:.
يَعْنِي وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِلْأَجِيرِ بِحِسَابِ مَا سَارَ إذَا صُدَّ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجِيرَ إذَا صُدَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ عَلَى الْبَلَاغِ أَوْ عَلَى الْجَعَالَةِ فَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا أَنْ يُسْتَأْجَرَ لِيَحُجَّ فِي عَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ فَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ لِلْعُذْرِ سَوَاءٌ أَحْرَمَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ وَلَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ وَلَهُ الْبَقَاءُ إلَى قَابِلٍ أَوْ يَتَحَلَّلُ ثُمَّ يَقْضِيهِ وَالْأُجْرَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ الْمُسَمَّى لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ وَإِنْ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا فَلَهُ الْفَسْخُ إذَا خَشِيَ الْفَوَاتَ سَوَاءٌ أَحْرَمَ أَيْضًا أَوْ لَمْ يُحْرِمْ وَلَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فِيمَا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ أَوْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَضَاهُ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ أَرَادَ بَقَاءَ إجَارَتِهِ إلَى الْعَامِ الثَّانِي مُحْرِمًا أَوْ مُتَحَلِّلًا فَقَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُمَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْحَجُّ فِي هَذَا الْعَامِ انْفَسَخَتْ فَصَارَ لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ يَأْخُذُ عَنْهُ مَنَافِعَ مُؤَخَّرَةً مُنِعَ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَخَفُّ مِنْ الْإِجَارَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ لَمْ يُقَدِّرْ الِانْفِسَاخَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِ جَازَ وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْجَوَازَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: فَلَوْ مَاتَ أَوْ صُدَّ كَانَ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَرَجَعَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى تَرِكَتِهِ بِالْبَاقِي يَسْتَأْجِرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى عَمَلُهُ لِحُصُولِ النِّيَابَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا أَوْ لَمْ يُوَفِّ عَادَ مِيرَاثًا فَإِنْ أُحْصِرَ وَأَرَادَ الْمُقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ أَوْ تَحَلَّلَ وَأَرَادَ بَقَاءَ الْإِجَارَةِ إلَى قَابِلٍ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ: الْجَوَازُ لِأَنَّهُ إبْقَاءُ
دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْمَنْعُ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: فِي كَلَامِهِ إجْمَالٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى حَجٍّ مَضْمُونٍ أَوْ عَلَى الْبَلَاغِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَجِيرَ بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ إذَا صُدَّ وَأَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ وَلَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى عَلَى إجَارَتِهِ وَقَدْ تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ بَقِيَ مُحْرِمًا فَلِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَالْآخَرُ الْجَوَازُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَازَهُ وَقَالَ: لَا يُنْتَهَى إلَى مَا قِيلَ لَكُمْ أَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إذْ لَمْ يَعْمَلَا عَلَيْهِ لَكِنْ لَوْ تَحَاكَمَا وَجَبَتْ الْمُحَاسَبَةُ وَوَجْهُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْحَجُّ فِي هَذَا الْعَامِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فَصَارَتْ لَهُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ يُؤْخَذُ عَنْهُ مَنَافِعُ مُؤَخَّرَةٌ وَالْقَائِلُ بِالْجَوَازِ يَرَى هَذَا النَّوْعَ أَخَفَّ مِنْ الْإِجَارَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلَا يُقَدِّرُ الِانْفِسَاخَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ إذَا كَانَ الصَّبْرُ لِقَابِلٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فَرْضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَجِّ الْمَضْمُونِ لَا عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ لِمُسَاعَدَةِ النَّقْلِ لَهُ وَمَا عَلَّلَا بِهِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ يُوَضِّحُ أَنَّهَا إجَارَةٌ عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ انْتَهَى.
عُلِمَ مِنْهُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ.
((قُلْتُ)) : وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُؤَلِّفُ فَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ: وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِ الْعَامِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَانَ الْخِيَارُ لِلْأَجِيرِ وَإِذَا كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبَقَاءُ إلَّا بِاتِّفَاقِ الْأَجِيرِ وَالْمُؤَجِّرِ وَمَنْ طَلَبَ مِنْهُمَا الْفَسْخَ قُضِيَ لَهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ.
وَأَمَّا فِي إجَارَةِ الْبَلَاغِ فَلَهُ النَّفَقَةُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ مِنْهُ فَإِنْ حُصِرَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى إحْرَامِهِ بَعْدَ الْحَصْرِ وَإِمْكَانِ التَّحَلُّلِ قَالَ سَنَدٌ: فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ إمْكَانِ التَّحَلُّلِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ وَلَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ وَلَا يُوجِبُهُ لَكِنْ إنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَتْ لَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَإِنْ بَقِيَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَدْ كَانَ أَحْرَمَ وَسَارَ إلَى الْبَيْتِ وَقَدْ زَالَ الْحَصْرُ لِيَتَحَلَّلَ بِالْعُمْرَةِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَحَلَّلَ وَبَقِيَ بِمَكَّةَ حَتَّى حَجَّ مِنْ قَابِلٍ أَوْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَامِهِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُطْلَقِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عَامٍ بِعَيْنِهِ فَهَذَا يَسْقُطُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَيَوْمَ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ فَإِنْ سَارَ إلَى مَكَّةَ بِنِيَّةِ الْبَقَاءِ إلَى قَابِلٍ فَلَهُ نَفَقَةُ سَيْرِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي مُقَامِهِ بِمَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِي أَمْكَنَهُ فِيهِ التَّحَلُّلُ مِنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ وَيَذْهَبُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَ مَا سَارَ فِيهِ إلَى مَكَّةَ فَيَكُونُ لَهُ النَّفَقَةُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ سَارَ إلَى مَكَّةَ بِنِيَّةِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي سَيْرِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَارَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَمَّا تَأَخَّرَ تَحَلُّلُهُ عَنْ مَوْضِعِ الْحَصْرِ فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ خَرَجَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحَلَّلَ مِنْهُ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِالْحَجِّ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ إنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُ وَنَفَقَتُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ إلَى الْمِيقَاتِ فِي مَالِهِ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا وَقَعَتْ بِحُكْمِ الْعِبَادَةِ لَا بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِيهِ تَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ مُحْرِمًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
وَأَمَّا إنْ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْجَعَالَةِ ثُمَّ أُحْصِرَ فَإِنْ تَحَلَّلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فَإِنْ تَمَادَى وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ وَإِنْ أَقَامَ إلَى قَابِلٍ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ حَجُّ عَامِهِ فَهُوَ عَلَى عَقْدِهِ وَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فَقَدْ سَقَطَ الْعَقْدُ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
((قُلْتُ)) : وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاسْتُؤْجِرَ مِنْ الِانْتِهَاءِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ إكْمَالِ حَجِّهِ أَوْ صُدَّ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ وَقُلْنَا: إنَّ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ
بِحَسَبِ مَا سَارَ فِي الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّ وَصِيَّ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتَهُ يَسْتَأْجِرُونَ مَنْ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ الْأَجِيرُ الْأَوَّلُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطٌ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا فَإِنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ الْهَدْيُ عَلَى الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَبِيعٍ مَجْهُولٍ صِفَتُهُ ضُمَّ إلَى الْإِجَارَةِ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَمَنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ فَتَمَتَّعَ فَإِنَّ الْهَدْيَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَقُلْنَا: يُجْزِئُهُ كَانَ الْهَدْيُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ سَبَبَ إيجَابِهِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ إلَى إذْنٍ ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: فَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْأَجِيرِ دَمَ التَّمَتُّعِ وَشِبْهَهُ فَهَذَا فِي حُكْمِ مَبِيعٍ ضُمَّ إلَى الْإِجَارَةِ فَإِنْ لَمْ تُضْبَطْ صِفَتُهُ وَأَجَلُهُ لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
فَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَأَتَى بِالْكَافِ لِيَدْخُلَ هَدْيُ الْقِرَانِ وَيُقَيَّدُ عَدَمُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا لَمْ تُضْبَطْ صِفَةُ الْهَدْيِ وَأَجَلُهُ فَإِنْ ضُبِطَ ذَلِكَ جَازَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّمَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدْيَ مَجْهُولُ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالثَّمَنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْجَهَالَةِ فِي الْأُجْرَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ: نَبَّهَ بِقَوْلِهِ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَى أَنَّ هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ وَفِدْيَةَ الْأَذَى كَذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَجِيرِ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْبَلَاغِ فَإِنْ تَعَمَّدَ سَبَبَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ أَوْ خَطَأٍ كَانَ فِي الْمَالِ كَمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِفَةِ الْبَلَاغِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَتَرَكَ مِنْ الْمَنَاسِكِ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ فَإِنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ إنْ كَانَتْ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَتْ فَهِيَ تُجْزِئُ عَنْ الْمَيِّتِ وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ فَعَلَهُ لِضَرُورَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامَ مِنًى حَتَّى رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ أَوْ أَصَابَهُ أَذًى فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ كَانَتْ الْفِدْيَةُ وَالْهَدْيُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَلَاغِ وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لِتَعَمُّدِهِ فَهُوَ فِي مَالِهِ فَأَمَّا إنْ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْإِجَارَةِ فَكُلُّ مَا لَزِمَهُ بِتَعَمُّدٍ أَوْ خَطَأٍ فَهُوَ فِي مَالِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَبِيرِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ: وَهَذَا وَاضِحٌ إلَّا أَنَّهُ مَتَى حُمِلَ عَلَى هَذَا خَالَفَ ظَاهِرَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ قَالَ فَإِذَا كَانَ لَازِمًا لَهُ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَضُرُّهُ الِاشْتِرَاطُ انْتَهَى.
((قُلْتُ)) : فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِمَا فَقَطْ وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ عَائِدًا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِكَسْرِ الْجِيم وَهُوَ بَعِيدٌ لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ وَالْكَلَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ فِي حَجِّ النَّائِبِ نَقْصٌ يُوجِبُ الْهَدْيَ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي إجْزَاءِ الْحَجِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ مَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي الْإِجْزَاءِ خِلَافًا تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ حَجَّةٌ صَحِيحَةٌ وَمَا جَازَ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنَّذْرِ وَأَجْزَأَ هُنَا إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ فِي مُرَاعَاةِ الْمَسَافَةِ وَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُهُ وَإِنْ أَخَلَّ بِهِ وَجَبَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَمَا عَلَيْهِ بَعْدَهُ إلَّا الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَسَوَاءٌ فَعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ دَمًا أَوْ لَمْ يَفْعَلْ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْبُرُ الْخَلَلَ إلَّا فِي إفْسَادِ الْحَجِّ فَإِنْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ فَأَفْسَدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُرَدُّ النَّفَقَةُ وَيُتِمُّ مَا هُوَ فِيهِ وَيَحُجُّ ثَانِيًا لِلْفَسَادِ مِنْ مَالِهِ وَيُهْدِي ثُمَّ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ بِتِلْكَ النَّفَقَةِ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ وَإِنْ شَاءُوا آجَرُوا غَيْرَهُ وَقَالَهُ أَشْهَبُ انْتَهَى.
وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - بَقِيَّةُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ عَلَى مَسْأَلَةِ إفْسَادِ الْأَجِيرِ الْحَجَّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفُسِخَتْ إنْ عَيَّنَ الْعَامَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ: فِيمَنْ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى الْبَلَاغِ وَأَفْسَدَ حَجَّهُ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ
الْمَالَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْمَالُ فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ دُفِعَ إلَيْهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ إمَّا عَلَى الْإِجَارَةِ وَإِمَّا عَلَى الْبَلَاغِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْإِنْزَالِ وَقَوْلُهُ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ إتْمَامِهِ الْفَاسِدِ وَقَضَائِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصَحَّتْ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَامَ وَيُعَيَّنُ الْأَوَّلُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ فِي الْعَقْدِ الْعَامُ الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ الْأَجِيرُ وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِلْجَهَالَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا فِي سَائِرِ عُقُودِ الْإِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَتُحْمَلُ عَلَى أَقْرَبِ زَمَنٍ يُمْكِنُ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ وَالْقَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
فَإِذَا صُحِّحَتْ الْإِجَارَةُ مَعَ عَدَمِ تَعْيِينِ الْعَامِ الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ الْأَجِيرُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ فِي أَوَّلِ عَامٍ يُمْكِنُهُ الْحَجُّ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ لَزِمَهُ الْحَجُّ فِيمَا بَعْدَهَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ ص (وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ)
ش: لَيْسَ هَذَا بِتَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ وَصَحَّتْ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنَّ الْإِجَارَةَ تَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةً فِي أَيِّ عَامٍ شَاءَ وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ إلَّا بِتَعْيِينِ السَّنَةِ وَقَوْلُهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى حَجَّةٍ مُقَاطَعَةٍ فِي غَيْرِ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ثُمَّ ذَكَرَ التَّادَلِيُّ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامٍ لَا بِعَيْنِهِ قَالَ: فَإِنَّ الْإِجَارَةُ ثَابِتَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ مُخَالِفَةِ الْأَجِيرِ إنْ خَالَفَ الْأَجِيرُ فَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حَجَّةٍ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَأَمَّا إنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ فِي عَامٍ لَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ ثَابِتَةٌ وَيُؤْمَرُ بِحَجَّةٍ أُخْرَى عَمَّنْ اسْتَأْجَرَهُ انْتَهَى.
فَجَعَلَ الْإِجَارَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي تَقْدِيمِ الْإِجَارَةِ: وَالْمَضْمُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: ضَمَانٌ بِالسَّنَةِ وَهُوَ كَوْنُهَا غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ إذَا فَاتَتْهُ هَذِهِ السَّنَةُ يَأْتِي فِي سَنَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَضَمَانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَجِيرِ فَإِذَا مَاتَ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَحُجُّ انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ التَّادَلِيُّ هُوَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى حَجَّةٍ وَلَا يُسَمِّيَ أَيَّ سَنَةٍ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْحُلُولِ فَإِنْ أَفْسَدَهَا فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَوْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ وَصَحَّتْ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ فَلَا يَكُونُ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ كَلَامِ التَّادَلِيِّ وَإِذَا مَشَيْنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَأْجَرُ عَلَى أَنْ يَحُجَّ فِي سَنَةِ كَذَا وَيُفْسَخُ لَهُ فِي قَضَائِهِ فِي عَامٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَانْظُرْهُ وَحَمَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى عِزَّاوِيٍّ وَفُضِّلَ تَعْيِينُ الْعَامِ الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ عَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ وَفِيهِ بُعْدٌ وَكَأَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ التَّكْرَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى الْجَعَالَةِ)
ش: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْجُعْلِ بِشَرْطٍ إلَى الْمَجْعُولِ لَهُ وَإِنْ تَطَوَّعَ الْجَاعِلُ بِدَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ انْتَهَى.
وَهَذَا جَارٍ عَلَى حُكْمِ الْجُعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَجَّ عَلَى مَا فَهِمَ وَجَنَى إنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي السُّلَيْمَانِيَّة وَنَصُّهَا عَلَى مَا فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ: قَالَ: لَا يَتَعَيَّنُ لِمَنْ أَخَذَ الْحَجَّةَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ
الْجِمَالِ وَالدَّوَابِّ إلَى مَا كَانَ الْمَيِّتُ يَرْكَبُ مِثْلَهُ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ وَلَا يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ وَيَسْأَلَ النَّاسَ وَهَذِهِ خِيَانَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَيِّتُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ وَالْعَادَةُ الْيَوْمَ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا أَحَبَّ وَيَحُجَّ مَاشِيًا وَكَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ انْتَهَى.
وَسَاقَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي إجَارَةِ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَهِيَ قِسْمَانِ قِسْمٌ بِمُعَيَّنٍ فَيَمْلِكُ قَوْلَهُ فَيَمْلِكُ أَيْ يَضْمَنُهُ وَيَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَمْلِكُ أَيْ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ كُلَّ مَا أَرَادَ قَالَ مَالِكٌ فِي السُّلَيْمَانِيَّة وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَنَحْوُهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي إجَارَةِ الْبَلَاغِ وَذَلِكَ ظَاهِرِ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ سَاقَهَا إثْرَ الْكَلَامِ عَلَى إجَارَةِ الْبَلَاغِ وَقَوْلُهُ: وَهَذِهِ خِيَانَةٌ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِالْجِيمِ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَقَعَتْ عَلَى الضَّمَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا خِيَانَةٌ وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَقَعَتْ عَلَى الْبَلَاغِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ الْمَالِ قَدْرَ نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَأُجْرَةِ رُكُوبِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَاقِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْبَلَاغُ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ)
ش: قَوْلُهُ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَ سَنَدٌ: إنَّ مَنْ أَخَذَ نَفَقَةً لِيَحُجَّ عَلَى الْبَلَاغِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيهِ غَالِبًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَإِنْ أَخَذَ أَقَلَّ مِمَّا يَكْفِيهِ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ كَانَ سَلَفًا وَإِجَارَةً وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَإِنَّمَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ وَسَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: مَعْنَى إجَارَةِ الْبَلَاغِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَلْزَمُهُ تَبْلِيغُ الْأَجِيرِ ذَهَابًا وَإِيَابًا بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنْ مَوْضِعِ ابْتِدَاءِ سَفَرِهِ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ حُكْمَ الْوَكِيلِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا تَلِفَ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَبْسُ مَا فَضَلَ، وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: الثَّانِي مَضْمُونَةٌ وَفِيهَا يَتَعَيَّنُ قَدْرُ الْإِجَارَةِ وَصِفَةُ الْحَجَّةِ وَمَوْضِعُ الِابْتِدَاءِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِهِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهَا كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ يَلْزَمُ فِي عَقْدِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْوَجْهِ الْمَعْمُولِ عَلَيْهِ وَالْمَعْمُولِ بِهِ مَا يَلْزَمُ فِي كُلِّ أُجْرَةٍ وَيَصِحُّ عَقْدُهَا كَالْجُعْلِ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْأُجْرَةَ لَزِمَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْإِفْرَادُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ الْقِرَانُ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الِابْتِدَاءَ فَمِنْ مَحِلِّهِ إنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَلَاغِ وَالضَّمَانِ أَنَّ أَجِيرَ الْبَلَاغِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَالْأَجِيرُ عَلَى الضَّمَانِ يَمْلِكُ رَقَبَةَ الْمَالِ وَلِذَلِكَ يَكُونُ الْفَضْلُ لَهُ وَالتَّلَفُ مِنْهُ وَقَوْلُهُ بِالْعُرْفِ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَأَمَّا أَوَّلًا فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ النَّفَقَةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بِنَفَقَتِهِ جَازَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَضَى وَيُنْفِقُ نَفَقَةَ مِثْلِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُنْفِقُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِثْلُ الْكَعْكِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَالثِّيَابِ وَالْوِطَاءِ وَالْخِفَافِ.
ص (وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا) ش: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَمُّدِ حَتَّى يَثْبُتَ تَعَمُّدُهُ لِلْجِنَايَةِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: أَمَّا مَنْ أَخَذَ نَفَقَةً لِيَحُجَّ مِنْهَا فَيَرُدَّ مَا فَضَلَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُهُ وَتَعَمُّدُهُ لِلْجِنَايَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْمَالِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالْإِحْرَامُ مَضْمُونٌ فِي النَّفَقَةِ بِتَوَابِعِهِ فَيَكُونُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْهَدْيِ مُنْدَرِجًا تَحْتَ النَّفَقَةِ حَتَّى يَثْبُتَ تَعَمُّدُهُ لِلْجِنَايَةِ فَيَكُونُ فِي خَالِصِ مَالِهِ وَذَلِكَ بِمَثَابَةِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ فَتَمَتَّعَ فَإِنَّ الْهَدْيَ يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَقُلْنَا يُجْزِيهِ كَانَ الْهَدْيُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ إلَى إذْنٍ انْتَهَى.
ص (وَاسْتَمَرَّ إنْ فَرَغَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ
عَلَى الْبَلَاغِ إذَا فَرَغْت مِنْهُ النَّفَقَةُ فِي الْمُؤَنِ وَالْأَكْرِيَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْمُضِيِّ إلَى مَكَّةَ وَإِكْمَالِ حَجَّتِهِ وَلَا يَرْجِعُ وَسَوَاءٌ كَانَ فَرَاغُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ قَالَ فِيهِ: وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ وَأَحْكَامَهُ بَاقِيَةٌ وَقَوْلُهُ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَالِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ بَلْ لِقَوْلِهِ هُوَ فِي تَعْرِيفِ الْبَلَاغِ وَنَوْعٌ يُدْفَعُ لَهُ مَا يُنْفِقُ مِنْهُ ذَهَابًا وَإِيَابًا بِالْعُرْفِ وَيَغْرَمُ السَّرَفَ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ وَيَرْجِعُ بِمَا زَادَ انْتَهَى.
ص (أَوْ أَحْرَمَ وَمَرِضَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَجِيرَ عَلَى الْبَلَاغِ إذَا أَحْرَمَ ثُمَّ مَرِضَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى عَمَلِهِ وَلَهُ نَفَقَتُهُ مَا أَقَامَ مَرِيضًا قَالَ سَنَدٌ لَهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي كَانَتْ تَجِبُ لَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِلْغَالِبِ وَالْمُتَعَاهَدِ كَمَا فِي نَفَقَةِ الْأَجِيرِ وَنَفَقَةِ الدَّابَّةِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ قَدْرُ مَا كَانَ يَصْرِفُهُ فِي الصِّحَّةِ فِي أَكْلِهِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ لِدَوَاءٍ وَنَحْوِهِ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِيمَا إذَا مَرِضَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا مَرِضَ الْأَجِيرُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَكَانَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَلَهُ نَفَقَتُهُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِقَدْرِ نَفَقَةِ الصَّحِيحِ وَمَا زَادَ فَفِي مَالِهِ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ إذَا مَرِضَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَهُ النَّفَقَةُ فِي إقَامَتِهِ مَرِيضًا وَرُجُوعِهِ فَإِنْ تَمَادَى إلَى مَكَّةَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي تَمَادِيهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ص (وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ)
ش:.
يَعْنِي وَإِنْ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَرْجِعَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ النَّفَقَةُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ شَرْطٌ قَالَ سَنَدٌ: وَإِذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرْطٌ عَمِلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ شَرْطٌ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: يَرْجِعُ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَالَ لَمَّا تَعَيَّنَ صَارَ كَأَنَّهُ مَحِلُّ الْعَقْدِ انْتَهَى.
وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْإِجَارَةُ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي الثُّلُثِ فَيَرْجِعُ فِي بَاقِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ أَوَّلًا جَمِيعَ الثُّلُثِ وَعَلَيْهِ رَاضُونَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الذَّهَابِ بَعْدَ ضَيَاعِ النَّفَقَةِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبَتْ فِيهِ النَّفَقَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُنْفِقُهُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَوْضِعِ ذَهَابِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَبِهَا أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا عَلَى الْأَجِيرِ وَبِهَا أَخَذَ ابْنُ يُونُسَ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ.
(فَرْعٌ) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ فِي ضَيَاعِ النَّفَقَةِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِي الضَّيَاعِ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِقَوْلِهِ وَسَوَاءٌ أَظْهَرَ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قِسْمٌ)
ش: قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِلْمَيِّتِ ثُلُثٌ فَذَلِكَ عَلَى الْعَاقِدِ مِنْ وَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: فَإِنْ قَالُوا: لَهُ فِي الْعَقْدِ هَذَا جَمِيعُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ لَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَهُ فِيمَا زَادَتْ نَفَقَتُك وَلَا تَرُدُّ شَيْئًا إنْ فَضَلَ فَهَذِهِ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ
وَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنْ قَالُوا: إنْ فَضَلَ شَيْءٌ رَدَدْته وَإِنْ زِدْت شَيْئًا لَمْ تَرْجِعْ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مِنْ الْقِلَّةِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فَهَذَا رَجُلٌ مُتَبَرِّعٌ بِالزَّائِدِ وَفَعَلَ مَعْرُوفًا وَكَذَا إنْ كَانَ يَقْطَعُ بِكِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَهُوَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لَا يَنْفَسِخُ بِمِثْلِهِ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْوَارِثَ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا وَقَعَ مِنْ جِهَتِهِ مُقَامَرَةٌ وَلَا يَرْجِعُ يَعْنِي الْأَجِيرَ إذَا ضَاعَتْ مِنْهُ النَّفَقَةُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ بِشَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إذَا ذَهَبَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ إحْرَامِهِ انْتَهَى، وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَالْإِرْشَادِ.
ص (وَأَجْزَأَ إنْ قَدَّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ) ش هَذَا الْفَرْعُ نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ فَعَزْوُهُ لِابْنِ رَاشِدٍ قُصُورٌ وَنَصُّ الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا أَتَى بِالْحَجَّةِ فِي مَوْسِمٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يَفْسَخْ لَهُ الْوَصِيُّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يُجْزَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَعْجِيلِ دَيْنٍ يُجْبَرُ رَبُّهُ عَلَى اقْتِضَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ الْمَوْسِمِ إلَّا إرَادَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي عَقْدِ الْوَثِيقَةِ: اسْتَأْجَرَ فُلَانٌ إلَى أَنْ قَالَ: فِي مَوْسِمِ كَذَا ثُمَّ قَالَ: وَفَسَخَ لَهُ النَّاظِرُ فِي أَنْ يَكُونَ يُوَفِّي الْحَجَّ الْمَذْكُورَ فِي مَوْسِمٍ قَبْلَ الْمَوْسِمِ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُنَا يَأْتِي بِالْحَجَّةِ فِي مَوْسِمِ سَنَةِ كَذَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُفْتَرِقَةٌ إلَى أَجَلِهِ بِخِلَافِ الْجُعْلِ وَقَوْلُنَا بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ الْوَصِيَّ فَسَخَ لَهُ فِي أَنَّهُ إنْ قَضَى الْحَجَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ وَفَاءٌ لَهُ حَسَنٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ لَهُ قَضَاءَ الْحَجَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَقَالَهُ الْقَاضِي ابْنُ زَرْبٍ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ وَابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُمْ وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَعَقَدَ بِذَلِكَ عَقْدًا وَقَالَ: أَدْرَكْت أَكْثَرَ شُيُوخِنَا بِالْأَنْدَلُسِ يُجِيزُونَ ذَلِكَ وَحَكَاهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ فَضْلٍ وَأَنَّهُ عَقَدَ بِهِ عَقْدًا انْتَهَى.
ص (أَوْ تَرَكَ الزِّيَادَةَ وَرَجَعَ بِقِسْطِهَا) ش وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ بَعْدَ الْحَجِّ فَتَرَكَهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِسْطِ ذَلِكَ مِنْ الْإِجَارَةِ قَالَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَنَصُّهُ: وَقَوْلُنَا إنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ وَالْقَصْدَ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْأَفْضَلُ فَإِنْ تَرَكَ مَعَ ذَلِكَ الْعُمْرَةَ أَوْ الْقَصْدَ حَطَّ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَى انْتَهَى.
ص (أَوْ خَالَفَ إفْرَادًا لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ)
ش: قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ أَيْ لِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِجْزَاءِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ: إذَا قُلْنَا يُجْزِيهِ فَالْهَدْيُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ سَبَبَ ذَلِكَ كَدَمِ الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ وَلَهُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ وَلَا يُزَادُ فِيهَا لِزِيَادَتِهِ نُسُكًا وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْزِيهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَيَقَعُ ذَلِكَ نَافِلَةً لِلْمُسْتَأْجَرِ انْتَهَى.
وَالْمُسْتَأْجَرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَلَا)
ش: أَيْ وَإِنْ اشْتَرَطَ الْمَيِّتُ فَلَا يُجْزِئُهُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ الْإِفْرَادَ إلَى التَّمَتُّعِ أَوْ إلَى الْقِرَانِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ شَرْطَ الْمَيِّتِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إذَا خَالَفَهُ إلَى الْقِرَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِنْ خَالَفَهُ إلَى تَمَتُّعٍ لَمْ تَنْفَسِخْ وَأَعَادَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْعَامُ مُعَيَّنًا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ)
ش: هَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ نَصَّ سَنَدٌ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِيهَا: الْأُولَى أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ فَيَأْتِيَ بِالْقِرَانِ، الثَّانِيَةُ عَكْسُهَا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَيَأْتِيَ بِالتَّمَتُّعِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَيُفْرِدَ، الرَّابِعَةُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ فَيُفْرِدَ وَذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ إلَّا إذَا خَالَفَ التَّمَتُّعَ إلَى الْإِفْرَادِ وَنَقَلَهَا الْقَرَافِيُّ عَنْ سَنَدٍ وَنَقَلَهَا عَنْ الْقَرَافِيِّ التَّادَلِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَزَادَ سَنَدٌ فِيمَا إذَا خَالَفَ التَّمَتُّعَ إلَى الْإِفْرَادِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ قَالَ: لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَتَنَاوَلُهُ ثُمَّ
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: الْإِفْرَادُ عِنْدَكُمْ فَوْقَ التَّمَتُّعِ قُلْنَا: الْأُجْرَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَرْطِ الْإِجَارَةِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعُمْرَةِ فَحَجَّ لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُخْتَلَفُ أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْ الْعُمْرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ الْقَرَافِيِّ إنْ أَفْرَدَ أَوْ قَرَنَ مِنْ شُرِطَ تَمَتُّعُهُ لَمْ يُجْزِهِ كَمَنْ حَجَّ عَنْ عُمْرَةٍ لَا أَعْرِفُهُ.
((قُلْتُ)) : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ.
(تَنْبِيهٌ) صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ نَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ كَذَا قَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ فَقَرَنَ يَنْوِي الْعُمْرَةَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ نَافِلَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا خَالَفَ الْإِفْرَادَ إلَى التَّمَتُّعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ص (أَوْ مِيقَاتُ شَرْطٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتٍ فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ: وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَمَضَى مِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ وَأَحْرَمَ مِنْ يَلَمْلَمَ أَوْ قَالُوا لَهُ: مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَمَرَّ هُوَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيَرُدُّ الْمَالَ فِي الْحَجِّ الْمُعَيَّنِ إنْ فَاتَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مَا إذَا شَرَطُوا عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَتَعَدَّاهُ وَأَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَ لَهُمْ الْحَجَّةَ بِتَعَدِّيهِ وَخَرَّجَ فِيهِ قَوْلًا بِالْإِجْزَاءِ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَّةَ وَقَالَ: إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ زَادَ وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا جَاوَزَهُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ يُخْتَلَفُ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ شَرْحُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ مَفْهُومَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ شَرَطَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِيقَاتٌ مُعَيَّنٌ وَلَكِنْ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ مِيقَاتُ الْمَيِّتِ فَخَالَفَهُ أَوْ تَعَدَّاهُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ يَقْتَضِي أَنَّ فِي الْإِجْزَاءِ خِلَافًا وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَّةَ لَكِنَّ الْجَارِي عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَأَنَّ الْإِجْزَاءَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي هَذَا الْمَعْنَى شَيْءٌ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ.
ص (وَفُسِخَتْ إنْ عُيِّنَ الْعَامُ وَعُدِمَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ إذَا كَانَ الْعَامُ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ فِيهِ مُعَيَّنًا مِثْلُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ فِي عَامِ كَذَا وَكَذَا وَعُدِمَ الْحَجُّ فِيهِ بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ الْأَجِيرُ فِيهِ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِأَحَدِ أَوْجُهِ الْفَوَاتِ أَوْ أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُجْزِئُهُ كَمَا إذَا أَفْسَدَهُ وَكَمَا فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لَا يُجْزِئُ فِيهَا فِعْلُ الْأَجِيرِ أَمَّا إذَا تَرَكَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَكَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا فَقَدْ صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ بِأَنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَالصَّبْرِ إلَى عَامٍ آخَرَ كَمَنْ أَسْلَمَ فِي الشَّيْءِ إلَى إبَّانِ مَعْلُومٍ فَفَاتَ الْإِبَّانُ فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ يُخَيَّرُ فِي الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ إلَى إبَّانٍ آخَرَ قَالَ: وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً خُيِّرَ الْوَرَثَةُ لِمَا وَقَعَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ خَرَّجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَفْسَدَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ وَقَالَ فِيمَا إذَا أَفْسَدَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الْفَاسِدِ وَيَقْضِيهِ مِنْ مَالِهِ وَيُهْدِي ثُمَّ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ وَإِنْ شَاءُوا آجَرُوا غَيْرَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْمَيِّتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْمَازِرِيِّ وَذَكَرَهُ حَرَامٌ قَالَ: إذَا مَرِضَ الْأَجِيرُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَكَانَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَلَهُ نَفَقَتُهُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِقَدْرِ نَفَقَةِ الصَّحِيحِ وَمَا زَادَ فِي مَالِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِمَا يَطُولُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ عَنْ الْمَيِّتِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِفَاعِلِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجًّا وَجَبَ عَنْهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ تَخْيِيرِ الْوَرَثَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ هَذَا فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ
قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ النَّفَقَةَ وَيُبْقِيَ عَلَى الْإِجَارَةِ حَتَّى يَقْضِيَ هَذَا حَجَّهُ الْفَاسِدَ وَأَمَّا مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ نَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحَسَبِ مَا سَارَ وَتَنْفَسِخُ الْأُجْرَةُ فِيمَا بَقِيَ إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَامٍ بِعَيْنِهِ وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْجَارِي عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ عَلَيْهِ الْبَقَاءَ إلَى قَابِلٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الْأَجِيرُ مَا لَا يُجْزِئُ كَمَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ السَّبْعِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِلَّا فَلَا كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ إلَى قَوْلِهِ: مِيقَاتًا شُرِطَ فَقَدْ نَصَّ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى أَنَّهُ إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا خَالَفَ الْمِيقَاتَ الْمُشْتَرَطَ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ وَلَهُ الْبَقَاءُ إلَى قَابِلٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَارِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ فَيَكُونُ لَهُ الْبَقَاءُ إلَى قَابِلٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْفَسْخِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِيمَا إذَا فَسَدَ حَجُّهُ وَهُوَ أَنَّ الْوَرَثَةَ بِالْخِيَارِ فِي الْفَسْخِ وَالْبَقَاءِ إلَى قَابِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَغَيْرِهِ أَوْ قَرَنَ أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ وَأَعَادَ إنْ تَمَتَّعَ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ إنْ عُيِّنَ الْعَامُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامُ لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ السَّبْعِ وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ نَفَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَغَيْرِهِ يَعْنِي أَوْ قَرَنَ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ إذَا خَالَفَ إلَى الْقِرَانِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَمَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إذَا كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ كَذَلِكَ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا وَلَكِنَّهُ خَالَفَ إلَى الْقِرَانِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: الْأُولَى إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ، الثَّانِيَةُ إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ فَقَرَنَ أَمَّا الْأُولَى فَقَدْ نَصَّ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيهَا فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَخَالَفَهُ فَقَرَنَ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا أَمْ لَا وَإِنْ خَالَفَهُ بِتَمَتُّعٍ لَمْ تَنْفَسِخْ وَأَعَادَ إذَا كَانَ الْعَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ انْتَهَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِيهَا وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حُكْمَهَا وَحُكْمَ الْأُولَى سَوَاءٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا أَمْ لَا وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي فِي الطِّرَازِ فِي آخِرِ بَابِ النِّيَابَةِ إذَا أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَصَرَفَ إحْرَامَهُ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجِزْهُ عَنْ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ حَجِّ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالْعَمَلِ نَفْسَهُ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً فِي عَمَلٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ عَمَلَ الْإِجَارَةِ انْتَهَى.
وَحَمْلُ الشَّيْخِ بَهْرَامَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَكَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا بَعِيدٌ مِنْ اللَّفْظِ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَعَادَ إنْ تَمَتَّعَ فَيَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ مَا اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ إلَى التَّمَتُّعِ وَكَانَ الْعَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ وَيُعِيدُ الْحَجَّ فِي عَامٍ آخَرَ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ: الْأُولَى أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَيُخَالِفَ إلَى التَّمَتُّعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ وَأَنَّهُ يُعِيدُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَيَتَمَتَّعَ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ فِيهَا بِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُمَا سَوَاءٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ بِأَنَّ عَدَاءَ الْقَارِنِ خَفِيٌّ لِأَنَّهُ فِي النِّيَّةِ فَلَا يُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ فَلِهَذَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْإِعَادَةِ وَعَدَاءُ الْمُتَمَتِّعِ ظَاهِرٌ فَلِهَذَا مُكِّنَ مِنْ الْعَوْدِ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا لَوْ رَاعَيْنَا أَمْرَ النِّيَّةِ لَمْ تَجُزْ هَذِهِ الْإِجَارَةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فَرْقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ جِدًّا.
(قُلْت) : وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَفُسِخَتْ رَاجِعٌ إلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ السَّبْعِ الَّتِي ذُكِرَ أَنَّ حَجَّ الْأَجِيرِ فِيهَا لَا يُجْزِئُ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُفْعَلُ فِيهَا مِنْ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا وَعُدِمَ فِيهِ الْحَجُّ انْفَسَخَتْ
الْإِجَارَةُ وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَتَنْفَسِخُ إذَا خَالَفَ لِلْقِرَانِ لَا لِلتَّمَتُّعِ فَإِنْ قُلْت: مَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ: وَعُدِمَ قُلْت: لَعَلَّهُ يُشِيرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى أَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ فَاتَ أَنْ يُؤْتَى بِالْحَجِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُشْتَرَطِ إمَّا بِفَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْ بِتَلَبُّسِهِ أَوْ بِالْإِحْرَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ كَمَا إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ أَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ التَّمَتُّعُ فَقَرَنَ أَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ أَوْ التَّمَتُّعُ فَأَفْرَدَ أَوْ خَالَفَ الْمِيقَاتَ الْمُشْتَرَطَ وَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا إذَا شُرِطَ الْإِفْرَادُ فَأَتَى بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِيَحُجَّ بَعْدَهَا وَيَكُونَ مُتَمَتِّعًا فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يُجْزِئُهُ فَعَادَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا وَحَجَّ مِنْهَا بِالْإِفْرَادِ فَيُجْزِئُهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَكَذَا لَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ الْقِرَانُ فَتَمَتَّعَ فَتَأَمَّلْهُ، وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ إذَا قَرَنَ كَغَيْرِهِ وَقَرَنَ بِالْوَاوِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّهُ بِأَوْ وَأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ يُفْسَخُ إنْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ أَوْ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ عَنْ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ تَأْوِيلَانِ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ مَا إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادُ فَتَمَتَّعَ وَجَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ الْمَيِّتِ ذَكَرَ هُنَا حُكْمَ مَا إذَا اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ عُمْرَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِيمَنْ أَخَذَ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ مِنْ بَعْضِ الْآفَاقِ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى كَمَا اُسْتُؤْجِرَ وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي تَأْوِيلِهَا فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ وَأَرَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ مِنْهُ وَهَذَا تَأْوِيلُ بَعْضِ شُيُوخِ ابْنِ يُونُسَ وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ أَجْزَأَهُ وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ وَارْتَضَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَأَبُو إِسْحَاقَ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ عَلَى كِلَا التَّأْوِيلَيْنِ بَلْ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى كِلَا التَّأْوِيلَيْنِ بَلْ لَا خِلَافَ، قَوْلٌ آخَرَ إنَّهُ يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاسْتَبْعَدَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَهُوَ مَحِلُّ التَّأْوِيلَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُلْنَا: يُجْزِئُهُ وَكَانَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِي شَرْطِ كَوْنِهَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَدَمُ الْمُتْعَةِ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ قَالَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ يَعْنِي لِمَا أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ التَّمَتُّعِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مَا بَعُدَ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْزِئُهُ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ وَلَا تَنْفَسِخُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَسَنَدٌ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَامُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْزِئُهُ بَلْ يُعِيدُ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(قُلْت) : فَيَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ مَالًا يَحُجُّ بِهِ عَنْ مَيِّتٍ مِنْ بَعْضِ الْآفَاقِ أَنْ لَا يَأْتِيَ مَكَّةَ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنْ جَاءَ قَبْلَ شَهْرِ الْحَجِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ قَرَنَ يَنْوِي الْعُمْرَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا لَوْ قَرَنَ يَنْوِي الْعُمْرَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْمَنْصُوصُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الْإِعَادَةِ أَوْ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ.
((قُلْتُ)) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامُ مُعَيَّنًا وَأَمَّا فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ فَتَنْفَسِخُ وَالْجَارِي عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُمْ: إنَّ عَدَاءَ الْقَارِنِ خَفِيٌّ
الْفَسْخَ مُطْلَقًا وَمِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ: فَلَوْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي الْقِرَانِ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ وَفَّاهُمْ بِمَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ وَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اشْتِرَاكٌ فِي طَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ فِي رَجُلٍ حَجَّ عَنْ رَجُلٍ وَاعْتَمَرَ عَنْ آخَرَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ: إنَّ دَمَ الْقِرَانِ عَلَى الْمُعْتَمِرِ فَرَأَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا صَحَّحَ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ وَإِرْدَافَهُ عَلَى الْحَجِّ فَقَدْ تَحَقَّقَ الْإِحْرَامَانِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا يَتَحَقَّقَانِ حَالَ الِانْفِرَادِ فَإِذَا جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا جَازَتْ عَلَيْهِ مُجْتَمِعًا انْتَهَى.
وَإِذَا اسْتَأْذَنَهُمْ فِي التَّمَتُّعِ بِعُمْرَةٍ لَهُ فَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ص (وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ، وَإِلَّا كُرِهَ)
ش يَعْنِي أَنَّ اسْتِنَابَةَ الصَّحِيحِ الْقَادِرِ فِي الْفَرْضِ مَمْنُوعَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَتُفْسَخُ إذَا عُثِرَ عَلَيْهَا قَالَ فِي الطِّرَازِ: أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْقَادِرَ عَلَى الْحَجِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي مَرَضِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَطَوُّعِهِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَوْ وَقَعَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ فَرْحُونٍ والتِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُمْ يُخَصِّصُ الصِّحَّةَ بِالْوَجْهِ الْمَكْرُوهِ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهُ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَرْجُوٍّ صِحَّتُهُ وَلِأَشْهَبَ إنْ آجَرَ صَحِيحٌ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَزِمَ بِلَا خِلَافٍ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا تَصِحُّ مِنْ قَادِرٍ اتِّفَاقًا، وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ: لَا تَصِحُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَجَعَلَ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ لِأَشْهَبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ أَشْهَبَ فِي النَّافِلَةِ عَنْ الصَّحِيحِ، وَلَكِنَّ سِيَاقَهُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَدُلَّ أَنَّهُ فَهِمَ كَلَامَ أَشْهَبَ فِي الْفَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ مَرْجُوَّ الصِّحَّةِ كَالصَّحِيحِ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا كُرِهَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ثَلَاثُ صُوَرٍ اسْتِنَابَةُ الصَّحِيحِ فِي النَّفْلِ، وَاسْتِنَابَةُ الْعَاجِزِ فِي الْفَرْضِ، وَفِي النَّفْلِ لَكِنْ فِي التَّحْقِيقِ لَيْسَ هُنَا إلَّا صُورَتَانِ؛ لِأَنَّ الْعَاجِزَ لَا فَرِيضَةَ عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ حَكَى فِي جَوَازِ اسْتِنَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ: عَدَمُ الْجَوَازِ الَّذِي يُكْرَهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْجَلَّابِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ بَلْ الْمَنْعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ انْتَهَى.
وَمَا قَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَنَقَلَ الْكَرَاهَةَ عَنْ الْجَلَّابِ وَاعْتَرَضَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي حَمْلِهِ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْكَرَاهَةِ قَالَ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ
الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: لَا يَجُوزُ وَلَفْظُ: لَا يَجُوزُ يَنْفِي أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي سَنَدٍ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إنَّمَا هُوَ بِالْكَرَاهَةِ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ الْوَاضِحَةِ لَفْظَ لَا يَجُوزُ إنَّمَا نَقَلَ لَا يَنْبَغِي ثُمَّ لَمَّا أَنْ أَخَذَ يُوَجِّهُ الْأَقْوَالَ، قَالَ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ، وَذَكَرَهُ فَهُوَ مُسَاعِدٌ لِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْعُمْرَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ: وَالْكَلَامُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْكَلَامِ فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ: وَسُئِلَ هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَسِّعُ أَنْ يَعْتَمِرَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إذَا كَانَ لَا يُوَسِّعُ فِي الْحَجِّ، قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، وَهُوَ رَأْيٌ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِقَوْلِهِ: إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَعْتَمِرُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ مَيِّتٍ، وَلَا عَنْ حَيٍّ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْكَلَامِ فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَشَأْنُهُمَا وَاحِدٌ فَمَا جَازَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ جَازَ فِي الْعُمْرَةِ، وَمَا مُنِعَ مُنِعَ انْتَهَى.
(قُلْتُ) فَلَا يَكُونُ فِي الِاسْتِنَابَةِ فِي الْعُمْرَةِ إلَّا الْكَرَاهَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ صَحِيحًا أَوْ عَاجِزًا اعْتَمَرَ أَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ إنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ إنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَحَسَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ مَعْرُوفٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِأُجْرَةٍ فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهَا وَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ أَكْلِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ (فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ الْخِلَافِ: الْفَرْقُ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالِاسْتِنَابَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ وُقُوعُ الْحَجِّ مِنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَسُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْهُ وَمَعْنَى الِاسْتِنَابَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ مِنْ الْغَيْرِ فَقَطْ يُرِيدُ بِالْغَيْرِ الْمُسْتَنِيبَ انْتَهَى.
ص (وَإِجَارَةٌ لِنَفْسِهِ)
ش: هُوَ أَتَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ إجَارَةَ نَفْسِهِ مَكْرُوهَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَطِيعًا أَمْ لَا فَانْظُرْهُ.
ص (وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ)
ش: يَعْنِي أَنَّا، وَإِنْ قُلْنَا الِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّ الْمَيِّتَ إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْفُذُ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تُبِيحُ الْمَمْنُوعَ قَالَ: وَيُصْرَفُ الْقَدْرُ الْمُوصَى بِهِ فِي هَدَايَا، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: يُصْرَفُ فِي وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ الثُّلُثِ سَوَاءٌ كَانَ صَرُورَةً أَوْ غَيْرَ صَرُورَةٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ صَرُورَةً نَفَذَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يَلْزَمْ، وَإِنْ كَانَ صَرُورَةً عَلَى الْأَصَحِّ فَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ يَقُولُ يَلْزَمُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى الضَّرُورَةِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي اللُّزُومِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا أَوْصَى بِمَالٍ وَحَجٍّ فَإِنْ كَانَ صَرُورَةً فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَتَحَاصَّانِ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: يُقَدِّمُ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ، وَقَالَ فِي الْبَيَانِ: وَالصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ مُبْدَأَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَلَا قُرْبَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَالَ مُبَدَّأٌ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ يَتَحَاصَّانِ فَفِي هَذِهِ قَوْلَانِ، وَفِي الْأُولَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ انْتَهَى.
وَمَحِلُّ ذِكْرِ هَذَا كِتَابُ الْوَصَايَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحُجَّ عَنْهُ حُجَجٌ إنْ وَسِعَ، وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ فَإِنَّهُ يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ كُلِّهِ أَمَّا حَجَّةَ وَاحِدَةَ أَوْ حِجَجًا مُتَعَدِّدَةً إنْ كَانَ يَسَعُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْ الثُّلُثُ حِجَجًا أَوْ وَسِعَ، وَلَمْ يَقُلْ يُحَجُّ بِهِ بَلْ قَالَ: يُحَجُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ وَالْبَاقِي يَرْجِعُ مِيرَاثًا
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ أَوْ تَطَوُّعِ غَيْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا سَمَّى الْمَيِّتُ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ يُحَجُّ بِهِ فَوَجَدَ مَنْ يَحُجُّ بِدُونِهِ أَوْ تَطَوُّعِ غَيْرِ وَاحِدٍ بِالْحَجِّ فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَرْجِعُ مِيرَاثًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُسَمِّ الْمَيِّتُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا سَمَّى الْمَيِّتُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ تَأْوِيلَانِ)
ش هَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ وَتَطَوُّعِ غَيْرٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ سَمَّى قَدْرًا مِنْ الْمَالِ يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَلَا فُهِمَ مِنْهُ إعْطَاءُ الْجَمِيعِ فَوَجَدَ مَنْ يَحُجُّ بِدُونِ الْقَدْرِ الْمُسَمَّى أَوْ مَنْ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِالْحَجِّ وَقُلْنَا بِهِ يَرْجِعُ الْبَاقِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِيرَاثًا، وَالْمَالُ كُلُّهُ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَالَ: الْمَيِّتُ يَحُجُّ عَنِّي بِكَذَا حَجَّةً أَوْ قَالَ: يَحُجُّ عَنِّي بِكَذَا أَوْ لَمْ يَقُلْ حَجَّةً أَوْ يَرْجِعُ مِيرَاثًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا إذَا قَالَ: الْمَيِّتُ يَحُجُّ عَنِّي بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ حَجَّةً فَيُصْرَفُ فِي حِجَجٍ تَأْوِيلَانِ، وَيُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ فِي مَنَاسِكِهِ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ سَمَّى قَدْرًا حُجَّ عَنْهُ بِهِ، فَإِنْ وَجَدُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِدُونِهِ كَانَ الْفَاضِلُ مِيرَاثًا إلَّا أَنْ يُفْهِمَ إعْطَاءَ الْجَمِيعِ هَذَا إنْ سَمَّى حَجَّةً، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُحَجُّ بِهِ حِجَجٌ، وَاخْتَلَفَ هَلْ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ أَوْ خِلَافٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ خِلَافٌ انْتَهَى.
فَبَانَ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَلِّ كَلَامِهِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي تُسَاعِدُهُ النُّقُولُ، وَمَا عَدَاهُ إنَّمَا هُوَ احْتِمَالَاتٌ يَدْفَعُهَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَتَرُدُّهَا النُّقُولُ إمَّا لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لَهَا أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ، وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ إنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا)
ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: أَحِجُّوا فُلَانًا، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي أُعْطِيَ مِنْ الثُّلُثِ قَدْرَ مَا يُحَجُّ بِهِ، فَإِنْ أَبَى الْحَجَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ بِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ: يُعْطَى مَا يَقُومُ بِهِ لِحَجِّهِ لِكِرَاءِ رُكُوبِهِ وَزَادِهِ وَثِيَابِ سَفَرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ السَّفَرِ وَكِرَاءِ سُكْنَاهُ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مُقَامِهِ حَتَّى يَحُجَّ، وَالنَّفَقَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يُعْتَادُ مِثْلُهُ، فَإِنْ انْقَضَتْ أَيَّامُ الرَّمْيِ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ عَنْ الْمُوصِي إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ الشَّيْخُ.
وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا الْوَارِثَ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ
شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ انْتَهَى.
ص (ثُمَّ أُوجِرَ لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنْ امْرَأَةً)
ش: لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ أُوجِرَ لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ مِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْمَيِّتُ شَخْصًا يَحُجُّ عَنْهُ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُعْطِي، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ زِيدَ عَلَيْهَا قَدْرُ ثُلُثِهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ تَرَبَّصَ بِهِ قَلِيلًا لَعَلَّهُ يَرْضَى، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ، فَإِنَّهُ يُسْتَأْجَرُ لِلْمَيِّتِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إنْ كَانَ صَرُورَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحُجُّ عَنْهُ وَيَرْجِعُ الْمَالُ مِيرَاثًا، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ كَانَ صَرُورَةً فَسَمَّى رَجُلًا بِعَيْنِهِ يَحُجُّ فَأَبَى ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلْيَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْمُتَطَوِّعِ الَّذِي قَدْ حَجَّ إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِعَيْنِهِ تَطَوُّعًا هَذَا إنْ أَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجَعَتْ مِيرَاثًا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: بَعْدَ أَنْ يُزَادَ مِثْلُ ثُلُثِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ التَّوْضِيحِ: وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا عَنِّي فَأَبَى فُلَانٌ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ زِيدَ مِثْلُ ثُلُثِهَا، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهَا لَمْ يُزَدْ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتُؤْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ، وَلَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ فَرِيضَةً بِاتِّفَاقٍ أَوْ نَافِلَةً عَلَى قَوْلٍ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: غَيْرِ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ فَلَيْسَ خَاصًّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ عَنْ الْمَيِّتِ يَكُونُ غَيْرَ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ إلَّا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ صَرُورَةً، وَلَا يَحُجُّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا غَيْرُ الصَّرُورَةِ فَيَحُجُّ عَنْهُ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَحْوُهُ فِي أَبِي الْحَسَن الصَّغِيرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَكَانَ صَرُورَةً فَلَا يَحُجُّ عَنْهُ عَبْدٌ، وَلَا صَبِيٌّ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِي ذَلِكَ الْمُوصِي قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يَدْفَعُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمَا، وَإِنْ أَوْصَى لَهُمَا أَمَّا إنْ ظَنَّ الْوَصِيُّ أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فَلَا يَضْمَنُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَمَنْ حَجَّ ثُمَّ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
زَادَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ فَغَايَةُ شَرْطِهِ التَّمْيِيزُ وَالْإِسْلَامُ انْتَهَى.
فَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّمْيِيزِ وَكَأَنَّهُ لِلْخِلَافِ الَّذِي فِي صِحَّةِ حَجِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أُنْفِذَ ذَلِكَ وَيَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ أَجْزَأَ وَتَحُجُّ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ؛ إذْ لَا حَجَّ عَلَيْهِمْ، وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ، وَلَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَزُولُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِجَهْلِهِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: وَمَنْ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ يَعْنِي حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَيَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ يَعْنِي حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عَيَّنَ الْمَيِّتُ لِلْحَجِّ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِذَا عَيَّنَ الْمَيِّتُ لِلْحَجِّ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أُنْفِذَ ذَلِكَ عَنْهُ حَسْبَمَا أَوْصَى بِهِ إنْ أَذِنَ لِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ وَلِلصَّبِيِّ أَبُوهُ أَوْ وَلِيُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا رَجَعَتْ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ مِيرَاثًا وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّبِيِّ مِلْكُ نَفْسِهِ، فَإِنْ حَجَّ، وَإِلَّا رَجَعَتْ مِيرَاثًا هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَ مَنْ لَا حَجَّ لَهُ فَكَأَنَّهُ قَصَدَ التَّطَوُّعَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُتَوَفَّى قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ لِفُلَانٍ حُرٍّ بَالِغٍ، فَإِنَّهُ إنْ أَبَى يَرْجِعُ مِيرَاثًا انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ خِلَافُ هَذَا وَنَصَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَوْصَى، وَهُوَ صَرُورَةٌ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ دَفَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمَا مَكَانَهُمَا، وَلَا يُنْتَظَرُ عِتْقُ الْعَبْدِ وَكِبَرُ الصَّبِيِّ قَالَ أَشْهَبُ وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ يُوصِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ صَبِيٌّ فَلْيَنْفُذْ ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الصَّبِيِّ مَضَرَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ وَصِيُّهُ أَوْ سَيِّدُ الْعَبْدِ تَرَبَّصَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤَيِّسَ مِنْ عِتْقِ الْعَبْدِ وَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ فَأَبَيَا رَجَعَ
مِيرَاثًا انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْوَصَايَا إلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُسْتَأْنَى عِتْقُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ لَكِنْ نَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَائِهِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ السَّيِّدُ لَا يُسْتَأْنَى عِتْقُ الْعَبْدِ كَمَا يُسْتَأْنَى بُلُوغُ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ يُوصِي أَنْ يُشْتَرَى فَيُعْتَقَ هُنَا يُنْتَظَرُ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَقَالَ أَشْهَبُ، وَذَكَرَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِينَاءِ الْعَبْدِ حَتَّى يُؤَيِّسَ مِنْ عِتْقِهِ ابْنُ يُونُسَ، وَهَذَا صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُنْتَظَرُ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ كَذَلِكَ حُرْمَةُ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ لِبُلُوغِ الصَّبِيِّ حَدًّا، وَلَا حَدَّ لِعِتْقِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: رُبَّمَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَيْضًا سَفِيهًا، وَقَوْلُ أَشْهَبَ: حَتَّى يُؤَيِّسَ مِنْ عِتْقِ الْعَبْدِ وَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، أَمَّا عِتْقُ الْعَبْدِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بُلُوغُ الصَّبِيِّ فَكَيْفَ يُؤَيِّسُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأُنْفِذَ ذَلِكَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ، وَلَا عَلَى الْأَجِيرِ وَمَا لَمْ يَفُتْ مِنْ ذَلِكَ رُدَّ انْتَهَى.
ص (وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا)
ش: مَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِمَا غَيْرَ مُجْتَهِدٍ ضَمِنَ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَمَّا إنْ ظَهَرَتْ قَرِينَةٌ فِي التَّعْيِينِ أَوْ عَدَمِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَارُ إلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهَذَا مَحِلُّ الْخِلَافِ وَقِيَاسُ الْإِجَارَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّعْيِينِ انْتَهَى.
وَفِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ مَنْ يَسْتَأْجِرُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ فِي الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَكَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ لَعِلْمه وَصَلَاحِهِ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي تَعْلِيقِ الْفِعْلِ بِذِمَّةِ الْأَجِيرِ قَوْلَانِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا الْإِشْهَادِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ)
ش: قَالَ سَنَدٌ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرْطٌ أَوْ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ انْتَفَيَا، فَإِنْ قَبَضَ الْأُجْرَةَ فَهُوَ أَمِينٌ عَلَى مَا يَفْعَلُ، وَلَا تُسْتَرَدُّ مِنْهُ الْإِجَارَةُ حَتَّى يَثْبُتَ خِيَانَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْأُجْرَةَ فَلَا شَيْءَ لَهُ يَثْبُتُ أَنَّهُ وَفَّى، وَلَا يُصَدَّقُ إنْ اُتُّهِمَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ) ش يَعْنِي أَنَّ وَارِثَ الْأَجِيرِ يَقُومُ مَقَامَهُ إذَا مَاتَ أَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ كَمَا قَالَ فِي قَوْلِ الْمُسْتَأْجَرِ: مَنْ يَأْخُذُ كَذَا فِي حَجَّةٍ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَوَّلِ بَابِ النِّيَابَةِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَوْتِ الْأَجِيرِ فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ مَضْمُونًا، وَلَمْ يُشْتَرَطْ حَجُّهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمَالَ عَلَى حَجَّةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ يَأْخُذُ كَذَا فِي حَجَّةٍ؟ أَوْ مَنْ يَضْمَنُ لِي حَجَّةً بِكَذَا؟ وَلَمْ يُعَيِّنْ لِفِعْلِهَا أَحَدًا فَهَذَا إنْ مَاتَ، وَلَمْ يُحْرِمْ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ وَتَوْفِيَةِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ
وَمَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا أَوْ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ عَنْ فُلَانٍ فَمَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَجُّ فَذَلِكَ فِي مَالِهِ حَجَّةٌ لَازِمَةٌ تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ سِلْعَةٍ مِنْ السِّلَعِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ إلَّا أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ فِي مَالِهِ كَمَا فِي الْكِرَاءِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ فَلِلْوَارِثِ أَنْ يُحْرِمَ بِذَلِكَ إنْ لَمْ تَفُتْ السَّنَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَإِنْ فَاتَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُشْتَرَطِ لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَلَا يَجْتَرِئُ بِمَا فَعَلَ الْمَيِّتُ، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَضْمُونَةِ الْمُعَيَّنَةِ الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَلِلْوَارِثِ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الْوُقُوفِ فُسِخَ الْعَقْدُ وَرَدَّ بَاقِيَ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا أَرَادَ الْوَارِثُ مِنْ قَابِلٍ وَرَضِيَ الْمُسْتَأْجَرُ جَازَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجَرُ الْفَسْخَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَفْسَخَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ حَجٌّ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ سَنَةً بِعَيْنِهَا، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ لِتَأْخِيرِ الْحَجِّ عَنْهُ انْتَهَى.
فَاَلَّذِي قَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَوَّلًا أَعْنِي قَوْلَهُ: إنْ لَمْ تَفُتْ السَّنَةُ فِي السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ فَاتَتْ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ كَلَامَ صَاحِبِ الطِّرَازِ مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْهُ فَلِذَا ذَكَرْتُ كَلَامَ الطِّرَازِ مِنْ أَصْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ)
ش قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ قَالَ: لِأَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ، وَثَوَابُ الْحَجِّ هُوَ لِلْحَاجِّ، وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ، وَثَوَابُ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِمَا يَصْرِفُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا بَعْدَهُ: وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِالْحَجِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّاذُّ لَا تَنْفُذُ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يَكُونُ الْحَجُّ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ؟ وَعَلَيْهِ نَزَلَتْ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَحُجُّ عَنْهُ صَرُورَةً، وَلَا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ، فَاعْتِبَارُ الْمُبَاشَرَةِ لِلْحَجِّ يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ، وَإِنْ تَطَوَّعَ عَنْهُ أَحَدٌ فَلَهُ أَجْرُ الدُّعَاءِ انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْحَجِّ لِلْحَاجِّ مَا قَالَهُ سَنَدٌ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُ الْمَعْضُوبَ الْغَنِيَّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ أَنْ يَنْوِيَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَعْضُوبِ ثُمَّ يَقَعُ الْحَجُّ لِلْأَجِيرِ تَطَوُّعًا دُونَ الْمَعْضُوبِ، وَإِنَّمَا لَهُ ثَوَابُ النَّفَقَةِ فِي إنْفَاقِ الْأَجِيرِ وَتَسْهِيلِ الطَّرِيقِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ قَرِيبٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يَقُولُ: يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْجَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَنَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ النِّيَابَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ، وَقَالَ سَنَدٌ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ بِنَحْوِ الْوَرَقَةِ: وَالْحَجُّ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْفَعَةٌ لِفَاعِلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَعْيُهُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 40] ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم: 41] فَهُوَ يَرَى سَعْيَهُ وَيُجَازِيهِ أَوْفَى جَزَاءٍ، وَإِنَّمَا لِلْمُسْتَنِيبِ بِقَصْدِ اسْتِنَابَتِهِ وَإِعَانَتِهِ وَسَعْيِهِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَعْضُوبُ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ الْعَضْبِ، وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قَطَعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَيُقَالُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى عَصَبِهِ فَانْقَطَعَتْ أَعْضَاؤُهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَالنِّيَّةُ تُجْزِئُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ مَقْصُودُهُ أَنَّ الْحَجَّ يَنْعَقِدُ عَنْ الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَمَا يَنْعَقِدُ عَنْ الْمُحْرِمِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرُكْنُهَا الْإِحْرَامُ) ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَشَرْطِ صِحَّتِهِمَا وَشُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ، وَمَا انْجَرَّ إلَيْهِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالْمُقَدِّمَاتِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَهِيَ الْأَرْكَانُ وَلَمَّا كَانَتْ الْعُمْرَةُ تُشَارِكُ الْحَجَّ فِي ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا مُثَنًّى
لِلِاخْتِصَارِ فَقَالَ وَرُكْنُهُمَا الْإِحْرَامُ ثُمَّ قَالَ: الطَّوَافُ لَهُمَا ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ السَّعْيُ ثُمَّ ذَكَرَ الرُّكْنَ الرَّابِعَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْحَجُّ، وَهُوَ الْوُقُوفُ فَقَالَ: وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ الْإِحْرَامُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّهُ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَلَا يَنْجَبِرُ تَرْكُهُ بِشَيْءٍ وَأَمَّا الْوُقُوفُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِمَا نَصَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى رُكْنِيَّةِ الْوُقُوفِ أَبُو عُمَرَ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الْقَبَّابُ وَنَصَّ عَلَى الْإِجْمَاعِ عَلَى رُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي الْإِكْمَالِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ الطَّحَاوِيُّ حَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ نَابَ الدَّمُ مَنَابَهُ حَكَاهُ فِي الطِّرَازِ، وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى رُكْنِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيل عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ مَالِكٍ هِيَ قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ حَتَّى تَبَاعَدَ وَتَطَاوَلَ الْأَمْرُ فَأَصَابَ النِّسَاءُ أَنَّهُ يُهْدِي وَيُجْزِئُهُ فَفَهِمَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَفَهِمَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ
وَعَدَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْأَرْكَانِ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَفِي رَسْمٍ لَيَرْفَعَنَّ أَمْرَهُ إلَى السُّلْطَانِ، وَلَفْظُهُ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ الدَّمُ لِقَوْلِهِ: عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ تَقْدِيمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ بِعَرَفَةَ أَمَسُّ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْهُ أَيْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ انْتَهَى.
وَلَفْظُ اللَّخْمِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ: إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مِنًى، وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ وَسَطَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مِنًى انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَالثَّالِثُ: إذَا نَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَلَمْ يَقِفْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَيْهِ الدَّمُ وَجَعَلُوا النُّزُولَ بِهَا أَوْكَدَ مِنْ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا: عَلَيْهِ الدَّمُ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ: إذَا لَمْ يَقِفْ بِالْمَشْعَرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ انْتَهَى.
فَأَنْتَ تَرَاهُ لَمْ يُصَرِّحْ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي لُزُومِ الدَّمِ قَالَ: وَالْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ قَوْلَهُ: اُخْتُلِفَ فِي الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ أَمْ لَا؟ انْتَهَى وَكَذَلِكَ فَهِمَ الْقَبَّابُ أَنَّ نَقْلَ اللَّخْمِيُّ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَكَذَلِكَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجُ قَالَ: لَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَا فَهِمُوهُ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ النُّزُولَ بِمُزْدَلِفَةَ غَيْرُ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ بِرُكْنِيَّةِ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ وَعَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ بِتَرْكِ النُّزُولِ، وَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَبِيتَ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ، وَالْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ هَكَذَا نَقَلَ عَنْهُمْ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْهُمْ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ وَحَكَى فِي آخِرِ الْبَابِ
الثَّانِي عَشَرَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ قَالَ: وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ مُنْجَبِرٌ بِالدَّمِ إلَّا رَكْعَتِي الطَّوَافِ، وَالْفَرْضُ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَغَيْرُهُمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى جَابِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ عَدَّهُمَا أَيْضًا ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فَرَعَيْنَ، وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِجَمْعٍ فَاتَهُ الْحَجُّ وَيَجْعَلُ إحْرَامَهُ فِي عُمْرَةٍ إلَّا أَنَّ الطَّحَاوِيَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ تَعَالَى بِالذِّكْرِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الذِّكْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَجِبَ الْوُقُوفُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي رَدَّهُ الطَّحَاوِيُّ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ ابْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ يَقُولُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ
وَعَدَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا مِنْ الْأَرْكَانِ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِهِ أَنَّ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي أَيَّامِ مِنًى رُكْنٌ، فَإِنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ تَحَلَّلَ، وَإِنْ لَمْ يَرْمِهَا لَمْ يَتَحَلَّلْ، فَإِنْ رَمَى الْجِمَارَ ثَانِيَ يَوْمٍ تَحَلَّلَ بِرَمْيِ الْعَقَبَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْيِينُ نِيَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامَ مِنًى بَطَلَ حَجُّهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ صَرَّحَ بِهِ فِي الطِّرَازِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ قَبْلَ بَابِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَنِيَّةِ الْإِحْرَامِ، وَذَكَرَهُ فِي بَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ «إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» فَجَعَلَ رَمْيَهَا شَرْطًا فِي التَّحْلِيلِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ سَبْعًا فَتَكُونُ رُكْنًا كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ رُكْنِيَّتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد اُنْظُرْ الْمَقَاصِدَ الْحَسَنَةَ لِلسَّخَاوِيِّ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بِلَفْظِ «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَعَزَاهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رُكْنًا لَمَا فَاتَتْ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا كَالطَّوَافِ بِالسَّعْيِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا دَاوُد حَرَّفَهُ، وَقَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَتَكْرَارُهُ سَبْعًا لَا يُوجِبُ رُكْنِيَّتَهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْجِمَارِ، وَقِيَاسُهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْجِمَارِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الطَّوَافِ قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِوُجُوبِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْوَاقِدِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَلَيْسَ النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ رُكْنًا خِلَافًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحَلْقُ لَيْسَ بِرُكْنٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحِلَاقَ رُكْنٌ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَحَدِ الْأَقْوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ النِّيَّةَ، قَالَ شَارِحُهُ: جَمْعُ الْمُؤَلِّفِ بَيْنَ عَدِّ النِّيَّةِ فِي الْحَجِّ فَرِيضَةً وَعَدِّ الْإِحْرَامِ فَرِيضَةً أُخْرَى وَمَا رَأَيْتُهُ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ النِّيَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّ الْإِحْرَامَ، وَالْإِحْرَامُ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّجَرُّدِ وَالْغُسْلِ وَالرُّكُوعِ وَالنِّيَّةِ وَلَيْسَ فِي الْجَمِيعِ مَا هُوَ فَرْضٌ غَيْرُ النِّيَّةِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ اكْتَفَى غَيْرُهُ بِعَدِّ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَهُوَ الْبَيِّنُ انْتَهَى.
وَقَدْ عَدَّ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْفُرُوضِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالنِّيَّةَ مِنْ الْفُرُوضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ فَرْضِيَّتُهَا، وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ قَالَ: ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ فَتَكُونُ كَالنِّيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيَنْوِي مَا أَرَادَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَعْنِي مَعَ التَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ بِمَثَابَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْغُسْلُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقَامَةُ، وَالرُّكُوعُ كَرَفْعِ
الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَعَدَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْفُرُوضِ دُخُولَ وَقْتِ الْحَجِّ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْوُقُوفِ فَيَشْتَرِطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَزَادَ التَّادَلِيُّ تَقْدِيمَ الطَّوَافِ عَلَى السَّعْيِ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى السَّعْيِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ تَقَدُّمُ طَوَافٍ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْمُسْتَقِلَّةَ تِسْعَةٌ ثَلَاثَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ وَخَارِجِهِ، وَهِيَ السَّعْيُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ رُكْنٌ، وَالْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ، وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ بَلْ الْأَوَّلُ: مُسْتَحَبٌّ، وَالثَّانِي: سُنَّةٌ أَوْ الْأَوَّلُ سُنَّةٌ وَالثَّانِي وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي وَوَاحِدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ فَقَطْ، وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَالثَّانِي: مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا خَارِجَ الْمَذْهَبِ فَقَطْ، وَهُمَا النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْحِلَاقُ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ بَلْ سُنَّتَانِ أَوْ وَاجِبَتَانِ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَيْضًا إذَا أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا الرُّكْنِيَّةَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَلِيَكْثُرَ الثَّوَابُ؛ إذْ ثَوَابُ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ السُّنَّةِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّبِيبِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَسِّمُهَا إلَى أَرْكَانٍ وَوَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وَاجِبَاتٌ أَرْكَانٌ غَيْرُ مُنْجَبِرَةٍ وَوَاجِبَاتٌ غَيْرُ أَرْكَانٍ مُنْجَبِرَةٌ وَسُنَنٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَسِّمُهَا إلَى فُرُوضٍ وَسُنَنٍ وَفَضَائِلَ أَوْ يَقُولُ مُسْتَحَبَّاتٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَسِّمُهَا إلَى فُرُوضٍ وَوَاجِبَاتٍ وَسُنَنٍ، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ يُسَمِّي الْقِسْمَ الثَّانِيَ سُنَنًا مُؤَكَّدَةً أَوْ سُنَنًا وَاجِبَةً، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافٍ فِي الْعِبَارَةِ فَمَا يُسَمِّيهِ الْأَوَّلُ أَرْكَانًا يُسَمِّيهِ الثَّانِي وَاجِبَاتٍ أَرْكَانًا غَيْرَ مُنْجَبِرَةٍ وَيُسَمِّيهِ الْآخَرَانِ فُرُوضًا، مَا يُسَمِّيهِ الْأَوَّلُ وَالرَّابِعُ وَاجِبَاتٍ يُسَمِّيهِ الثَّانِي وَاجِبَاتٍ غَيْرَ أَرْكَانٍ مُنْجَبِرَةٍ وَيُسَمِّيهِ الْآخَرُ سُنَنًا أَوْ سُنَنًا مُؤَكَّدَةً أَوْ سُنَنًا وَاجِبَةً وَمَا يُسَمِّيهِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالرَّابِعُ سُنَنًا يُسَمِّيهِ الثَّالِثُ فَضَائِلَ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ هُوَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ بَدَلٌ لَا دَمٌ، وَلَا غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٍ يَفُوتُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ بِسَبَبِ تَرْكِهِ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ إمَّا بِتَرْكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ بِتَرْكِ مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ وَتَرْكُ التَّلْبِيَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ وَقِسْمٍ يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ وَالْقَضَاءِ فِي قَابِلٍ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ فَأَتَمَّهُ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُضَافُ إلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيُضَافُ إلَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ وَقِسْمٍ لَا يَفُوتُ الْإِحْرَامُ بِتَرْكِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِفِعْلِهِ، وَلَوْ صَارَ إلَى أَقْصَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ لِيَفْعَلهُ، وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَالسَّعْيُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِرُكْنِيَّتِهِ
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا يُطَالَبُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ، وَهَلْ يَأْثَمُ بِتَعَمُّدِ التَّرْكِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي التَّسْمِيَةِ بِالتَّأْثِيمِ وَعَدَمِهِ فَمَنْ يَرَى وُجُوبَهَا يَقُولُ بِالتَّأْثِيمِ لِتَارِكِهَا، وَمَنْ يَقُولُ: إنَّهَا سُنَّةٌ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: أَصْحَابُنَا يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ بِثَلَاثِ عِبَارَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وَاجِبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: وُجُوبُ السُّنَنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَالَ: وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا هَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا أَوْ لَا أَوْ أَرَادُوا بِالْوُجُوبِ وُجُوبَ الدَّمِ وَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي مَحْضِ عِبَارَةٍ كَمَا قَالَ فِي الطِّرَازِ وَالْخِلَافُ عِنْدِي آيِلٌ إلَى عِبَارَةٍ مَحْضَةٍ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَالُوا فِي تَرْكِهِ دَمٌ انْتَهَى.
وَأَمَّا التَّأْثِيمُ بِتَعَمُّدِ التَّرْكِ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عَصْرِيٌّ الطُّرْطُوشِيُّ