مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 51-90
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الزوجين للآخر

صفحات 51-90
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَيَجُوزُ الْإِرْدَافُ فِي الطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنْ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ يُكْرَهُ الْإِرْدَافُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الطَّوَافَ مَا لَمْ يَرْكَعْ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: جَائِزٌ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَتَمَّ الطَّوَافَ فِيهِ سَهْوٌ، وَالصَّوَابُ: أَنْ يُقَالَ جَائِزٌ عِنْدَهُ مَا لَمْ يُتِمَّ الطَّوَافَ، فَإِنَّهُ إذَا أَتَمَّ الطَّوَافَ كُرِهَ الْإِرْدَافُ، كَمَا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ كَلَامِهِ هَذَا بِيَسِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: صَارَ الْإِرْدَافُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَنْ يُرْدِفَ قَبْلَ الطَّوَافِ أَيْ: قَبْلَ كَمَالِهِ، فَهَذَا جَائِزٌ وَبَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، وَهَذَا مَكْرُوهٌ وَبَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ بِقِرَانٍ، وَبَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السَّعْيِ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَلَيْسَ بِقِرَانٍ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِرْدَافِ بَعْدَ كَمَالِ الطَّوَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ: إنَّهُ بَعْدَ السَّعْيِ جَائِزٌ يُرِيدُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، كَمَا سَيَأْتِي.
ص (إنْ صَحَّتْ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ الْإِرْدَافِ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً، فَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً لَمْ يَصِحَّ الْإِرْدَافُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى عُمْرَتِهِ، وَلَا يَحُجُّ حَتَّى يَقْضِيَهَا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا صَحَّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَإِنْ كَانَتْ عُمْرَتُهُ الْفَاسِدَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَحَلَّ مِنْهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ قَضَائِهَا فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ، وَحَجُّهُ تَامٌّ قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَرْتَدِفُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَكُونُ قَارِنًا، وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي عَامِهِ الْأَوَّلِ لِقِرَانِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، وَيُرِيقُ دَمَيْنِ، دَمٌ لِقِرَانِ الْقَضَاءِ وَدَمُ الْفَسَادِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا (فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْعَقِدُ الْحَجُّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَقِدُ فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ النَّذْرِ أَوْ التَّطَوُّعِ انْتَهَى.
ص (وَكَمَّلَهُ، وَلَا يَسْعَى) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَرْدَفَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فِي الْعُمْرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّهُ يُكْمِلُ الطَّوَافَ، وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ لَا يَسْعَى إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إذْ لَا طَوَافَ قُدُومٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْدَفَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَرْكَعُ تَكْمِيلًا لِلطَّوَافِ، وَإِنْ أَرْدَفَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ لَمْ يَلْزَمْهُ طَوَافٌ، وَلَا سَعْيٌ، وَإِنْ أَرْدَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ لَزِمَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ وَتَقْدِيمُ السَّعْيِ بَعْدَهُ، وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَالصَّغِيرِ: إنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا أَرْدَفَهُ فِي الطَّوَافِ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهُ يُكْمِلُهُ، وَلَا يَسْعَى سَهْوٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِرْدَافَ فِي الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ وَيُكْمِلُ عُمْرَتَهُ.
ص (وَتَنْدَرِجُ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَعْنَى انْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ أَنْ يُسْتَغْنَى بِطَوَافِ الْحَجِّ وَسَعْيِهِ وَحِلَاقِهِ عَمَّا وَافَقَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا الْقَارِنُ مُرَاهِقًا جَازَ لَهُ تَرْكُ طَوَافِ الْقُدُومِ وَيَقَعُ حَلْقُهُ قَبْلَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَالطَّوَافُ الَّذِي يُوقِعُهُ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلَيْسَ هُوَ لِلْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ انْدَرَجَتْ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَارِنَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِأَفْعَالِهِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَأَنَّهَا الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لِإِحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا يَقْصِدُ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ بِخُصُوصِهَا، وَلَا يَقْصِدُ التَّشْرِيكَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ وَالسَّعْيِ، وَأَنَّهُمَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَلْ يَنْوِي بِالطَّوَافِ الْأَوَّلِ طَوَافَ الْقُدُومِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَهُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبِالسَّعْيِ بَعْدَهُ السَّعْيَ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْإِحْرَامِ الْمَذْكُورِ وَبِالْوُقُوفِ الْوُقُوفَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ لِلْإِحْرَامِ الْمَذْكُورِ وَبِالطَّوَافِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ لِلْإِحْرَامِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ قَدْ انْقَضَتْ بِالطَّوَافِ الْأَوَّلِ وَالسَّعْيِ بَلْ حُكْمُهَا بَاقٍ

وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ

الثَّالِثُ: فِي تَرْجَمَةِ الَّذِي يُفْسِدُ حَجَّهُ، وَإِذَا طَافَ الْقَارِنُ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ وَسَعَى ثُمَّ جَامَعَ فَلْيَقْضِ قَارِنًا؛ لِأَنَّ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ إنَّمَا كَانَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، أَلَا تَرَى لَوْ لَمْ يُجَامِعْ، وَمَضَى عَلَى الْقِرَانِ صَحِيحًا لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ يَسْعَى لِحَجِّهِ وَأَجْزَاهُ السَّعْيُ الْأَوَّلُ؟ انْتَهَى.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا أَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ بِهِ لَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِالطَّوَافِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لِلْقُدُومِ، وَلِلْعُمْرَةِ وَبِالسَّعْيِ أَنَّهُ سَعْيُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ تَمَّتْ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَيِّنٌ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ الْحَجُّ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يُؤْتَى لَهَا إلَّا بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ فَيَقَعُ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ وَسَعْيُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ الْأَفْعَالِ يَخْتَصُّ بِهِ الْحَجُّ دُونَ الْعُمْرَةِ فَيُقَابِلُ الْفَسَادُ أَفْعَالَ الْحَجِّ الْمُخْتَصَّةَ بِدُونِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ فِعَالَ الْعُمْرَةِ قَائِمٌ بِالْقِرَانِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ الْقَارِنُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ إذَا قَدَّمَ سَعْيَهُ لِتَأْخِيرِ حَلْقِ الْعُمْرَةِ انْتَهَى.
فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفْصِحًا بِهِ، وَمِثْلُ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُهُ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ: مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ قَارِنًا فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يَكُونُ طَوَافُهُ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ لِعُمْرَتِهِ لَكِنْ لَهُمَا جَمِيعًا، وَلَا يَحِلُّ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَ فِيهِمَا قَضَاهُمَا قَارِنًا فَقَوْلُهُ: لَهُمَا جَمِيعًا أَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ الَّذِي أَحْرَمَهُ بِهِمَا، وَبِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: إنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ تَنْدَرِجُ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَنَصُّهُ: وَفِيهَا عَلَى مَنْ دَخَلَ قَارِنًا فَطَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ دَمُ الْقِرَانِ فَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى اخْتِصَاصِ حَجِّ الْقَارِنِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ دُونَهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا إنْ رَمَى قَارِنٌ مُرَاهِقٌ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَلَقَ وَنَفْيُهُ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِيهِمَا كَقَوْلِ ابْنِ الْجَهْمِ فِي الْقَارِنِ، وَأَنَّ الْمُرَاهِقَ لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَسْعَى انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: عَلَى اخْتِصَاصِ حَجِّ الْقَارِنِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ يَعْنِي بِهِ أَنْ لَا يَقْصِدَ التَّشْرِيكَ فِيهِمَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيَ الْوَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَهْمِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَقْصِدُ بِهِمَا التَّشْرِيكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا مُرَادُهُمَا صُورَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِالطَّوَافِ طَوَافَ الْقُدُومِ وَبِالسَّعْيِ سَعْيَ الرُّكْنِ فِي إحْرَامِهِ الْمَذْكُورِ.

[تَنْبِيهَانِ الْقَارِن بَيْن الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالدَّاخِل قَبْل أشهر الْحَجّ]

(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) لَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ الْقَارِنَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا لِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَلْ إذَا نَوَى طَوَافَ الْقُدُومِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَجْزَاهُ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ وَالْوُقُوفُ وَغَيْرُهُمَا بَلْ لَوْ لَمْ يَسْتَشْعِرْ الْعُمْرَةَ أَجْزَاهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِيمَنْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِنْ كَانَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ بَلْ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقَارِنِ إذَا طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ فِي الْعُمْرَةِ فَقَطْ لِوُقُوعِ فِعْلِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ إنَّهُ يُجْزِئُهُ وَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ اعْتِقَادُهُ ذَلِكَ نَعَمْ إنْ تَحَلَّلَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ، وَإِنْ جَامَعَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ قَارِنًا انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِجْزَاءِ ظَاهِرٌ إذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، أَمَّا إنْ ذَكَرَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَيُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بِنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ الْوَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَعَادَ السَّعْيَ إثْرَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَعَادَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيَ بَعْدَهُ، وَإِنْ دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ أَعَادَهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ، كَمَا سَيَأْتِي فِيمَنْ تَرَكَ رَكْعَتَيْ

الطَّوَافِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ بَطَلَ طَوَافُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَسَعَى بَعْدَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ لَهَا وَسَعَى لَهَا بِوُضُوءٍ أَنَّ طَوَافَهُ لِلْعُمْرَةِ وَسَعْيَهُ يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ حَجِّهِ وَسَعْيِهِ وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا رَجَعَ إلَيَّ بَلَدِهِ، أَمَّا إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَيُعِيدُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا سِيَّمَا، وَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ إذَا تَطَوَّعَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ بِطَوَافٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فَتَأَمَّلْهُ (الثَّانِي:) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي الْقَارِنِ - إذَا دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجّ - إنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ تَقْدِيمُ السَّعْيِ بَلْ يُؤَخِّرُ سَعْيَهُ لِإِفَاضَتِهِ، وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى قَبْلَ الْوُقُوفِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُؤَخِّرُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيَ حَتَّى تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى فَيُوقِعُ أَفْعَالَ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِالتَّأْخِيرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الدَّمُ إذَا أَخَّرَهَا حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَعَمْ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ التَّعْجِيلِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ مُغْتَفَرٌ لِإِيقَاعِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ: عَدَمُ التَّأْخِيرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ) ش: أَيْ: وَكُرِهَ الْإِرْدَافُ قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ: فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَرْكَعْ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ وَصَارَ قَارِنًا، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا بَعْدَهُ) ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا، وَالضَّمِيرُ لِلرُّكُوعِ أَيْ: فَلَا يُرْدِفُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِرْدَافُ حِينَئِذٍ، وَلَا يَكُونُ قَارِنًا، وَكَذَلِكَ الْإِرْدَافُ فِي السَّعْيِ لَا يَصِحُّ وَيُكْرَهُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَرَكَعَ، وَلَمْ يَسْعَ أَوْ سَعَى بَعْضَ السَّعْيِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلْيَمْضِ عَلَى سَعْيِهِ فَيَحِلَّ ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ الْحَجَّ انْتَهَى.
فَالنَّفْيُ رَاجِعٌ إلَيَّ الْإِرْدَافِ فَهُوَ مُخَرَّجٌ، وَمِنْ قَوْلِهِ: أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا إنْ صَحَّتْ، وَلَيْسَ هُوَ مُخَرَّجًا مِنْ قَوْلِهِ: وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَكَذَلِكَ فِي السَّعْيِ، وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْبِسَاطِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِرْدَافُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السَّعْيِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ الَّذِي أَرْدَفَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ الْحَجَّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنْ شَاءَ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ إذْ قَالَ: فَإِنْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ كُرِهَ، وَكَانَ قَارِنًا بِذَلِكَ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَقِيلَ: وَلَوْ رَكَعَ، وَقِيلَ: وَفِي السَّعْيِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ يَكُونُ كَمُحْرِمٍ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَيَرْكَعُ إنْ كَمَّلَ الطَّوَافَ، وَلَا يَسْعَى، وَعَلَى نَفْيِهَا فَكَالْعَدِمِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ: وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى نَفْيِ صِحَّةِ الْإِرْدَافِ فَيَكُونُ إحْرَامُهُ الثَّانِي كَالْعَدَمِ فَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَعْنِي إذَا لَمْ يَصِحَّ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَوْلَيْنِ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَسُقُوطِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَزَادَ وَأَجْرَى ابْنُ بَشِيرٍ وُجُوبَ الْقَضَاءِ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ صَوْمِ النَّذْرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِوُجُودِ الْخِلَافِ هُنَاكَ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ:، وَإِذَا قُلْنَا يَصِيرُ قَارِنًا فِي بَعْضِ الطَّوَافِ لَسَقَطَ عَنْهُ بَاقِي الْعُمْرَةِ، وَيُتِمُّ طَوَافَهُ نَافِلَةً، وَلَا يَسْعَى؛ لِأَنَّ سَعْيَ الْحَجِّ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِطَوَافٍ وَاجِبٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ قَارِنًا فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ قَطَعَ سَعْيَهُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مُفْرَدًا، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يَكُونُ قَارِنًا، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ حَجَّ الْإِسْلَامِ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ تَطَوُّعًا سَقَطَ عَنْهُ عِنْدَ أَشْهَبَ، كَمَا لَوْ أَرْدَفَ حَجًّا عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةً عَلَى عُمْرَةٍ عَلَى حَجٍّ قِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ شَيْئَيْنِ فِي إحْرَامِهِ الْحَجَّ وَتَدَاخَلَ الْعَمَلُ بَطَلَ الثَّانِي فَيَبْقَى الْأَوَّلُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ انْتَهَى.
وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَحْوَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ الْحَجَّ فِي الْأَحْوَالِ

الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى عُمْرَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ حَجَّ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهِ أَوْ لَا اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَعُونَتِهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَالْآخَرَ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِجَاجَ كُلِّ قَوْلٍ بِمَا يَطُولُ قُلْنَا: وَقَوْلُهُ: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ فِي الْأَحْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي إذَا أَرْدَفَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الطَّوَافِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِرْدَافِ حِينَئِذٍ أَوْ بَعْدَ إكْمَالِ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ أَيْضًا أَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ: وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْحَجَّ لَا يُرْتَدَفُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَهَلْ يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ؟ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ: عَدَمُ اللُّزُومِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ مَا لَا يَحِلُّ صَوْمُهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءَهُ أَمْ لَا، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ النَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ فَمَنْ نَظَرَ إلَيَّ نَفْسِ الِالْتِزَامِ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ، وَمَنْ الْتَفَتَ إلَى الشَّرْطِ أَسْقُطهُ انْتَهَى.
، وَنَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَقَالَ: وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ اهـ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَنَصُّ كَلَامِ التَّنْبِيهَاتِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَارِنًا، هَلْ يَلْزَمُهُ إحْرَامُهُ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ بِالْحَجِّ أَمْ ذَلِكَ إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ فِي طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُرْتَدَفُ حِينَئِذٍ، وَلَا يَكُونُ قَارِنًا فَقِيلَ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْحَجُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ، وَذَهَبَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ أَيْ: إنْ شَاءَ انْتَهَى.
، وَعَلَى قَوْلِ يَحْيَى اقْتَصَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَنَصَّهُ، أَمَّا إنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ بَعْدَ طَوَافِهِ لِعُمْرَتِهِ وَرُكُوعِهِ وَبَعْدَ أَنْ سَعَى بَعْضَ السَّعْيِ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ مِنْ السَّعْيِ شَيْئًا فَهَذَا يَمْضِي عَلَى سَعْيِهِ وَيَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا مُنَاقَشَتُهُ فِي التَّوْضِيحِ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ كُرِهَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ تَمَتَّعَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ حَجِّهِ أَنَّهُ نَسِيَ شَوْطًا]

(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمَنْ تَمَتَّعَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ أَنْ نَسِيَ شَوْطًا لَا يَدْرِي مِنْ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ النِّسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ وَسَعَى وَأَهْدَى لِقِرَانِهِ وَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِحِلَاقِهِ وَلِبَاسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّوْطُ مِنْ حَجِّهِ فَقَدْ أَتَى بِهِ يَعْنِي لِإِتْيَانِهِ الْآنَ بِالطَّوَافِ وَأَهْدَى لِتَمَتُّعِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعُمْرَةِ صَارَ قَارِنًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَأَشْهَبُ يُوَافِقُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إذَا طَافَ شَوْطًا لَا يُرْتَدَفُ حَجُّهُ لَكِنْ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ الْكَامِلِ، وَهَذَا الطَّوَافُ الَّذِي نَسِيَ مِنْهُ الشَّوْطَ إنْ كَانَ مِنْ الْعُمْرَةِ فَقَدْ أَسَاءَ لِلتَّبَاعُدِ فَيَصِيرُ إرْدَافَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَلَوْ وَطِئَ النِّسَاءَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُهْدِي لِقِرَانِهِ أَوْ لِتَمَتُّعِهِ، وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي وَبَقِيَ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّوْطُ مِنْ الْعُمْرَةِ صَارَ قَارِنًا، وَأَفْسَدَ قِرَانَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَدَلُهُ مُقْرِنًا فِي قَوْلِهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا أَعْلَمُ مَعْنَاهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَرَى أَنَّهُ يُرْدِفُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ.
أَمَّا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا إلَّا أَنْ يَطَأَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْإِفَاضَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
ص (وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ) ش: أَيْ: وَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَسَعْيِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْحَلْقُ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالصِّحَّةِ لِيُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ حَلْقِ الْعُمْرَةِ أَوْ سُقُوطَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ جَائِزٌ.
وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ صَحِيحٌ لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَحَرُمَ الْحَلْقُ وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ، وَلَوْ فَعَلَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ سَعْيِهَا وَقُلْنَا: إنَّ إحْرَامَهُ صَحِيحٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ لِتَأْخِيرِ حِلَاقِ الْعُمْرَةِ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ

فَإِنْ أَرْدَفَ بَعْدَ السَّعْيِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا اتِّفَاقًا، وَلَا مُتَمَتِّعًا إلَّا أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَلِهَذَا لَا يَحْلِقُ لِعُمْرَتِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ انْتَهَى، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ فِي عُمْرَتِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَأْخِيرُ الْحِلَاقِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ مَا نَصُّهُ: هَذَا إذَا كَانَ بَيْنَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ زَمَنٌ طَوِيلٌ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْعَبْدِ الْكَرِيمِ الْإِسْكَنْدَرِيّ - فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي آخِرِ يَوْمِ عَرَفَةَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَحْلِقْ حَتَّى وَصَلَ إلَى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ فَحَلَقَ أَجْزَأَهُ وَكَأَنَّهُ تَدَاخَلَ الْحِلَاقَانِ مَعًا - قَالَ: وَانْظُرْ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ الْأُولَى، هَلْ يَكُونُ مِثْلَهُ تَرَدُّدٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُمَا مَعًا مِنْ بَابِ التَّدَاخُلِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي كِتَابِ الْحِلَاقِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الدَّمَ لَا يَسْقُطُ، وَلَوْ حَلَقَ بِالْقُرْبِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لِلنُّسُكِ الثَّانِي، فَإِنَّهُ قَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ عَنْ الْإِفَاضَةِ مَا نَصُّهُ: إذَا قُلْنَا: يَحْلِقُ بَعْدَ إفَاضَتِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَوْ اعْتَمَرَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ الْعُمْرَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ لَهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ يُونُسَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ سَعْيِ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: عَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِلَاقِ، فَإِنْ عَمِدَ فَعَجَّلَ الْحِلَاقَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَزِمَ ذِمَّتَهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ تَعَدَّى لِهَذَا الَّذِي لَزِمَهُ تَأْخِيرُ الْحِلَاقِ فَحَلَقَ فَظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَزِمَهُ كَمَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَزِمَهُ دَمُ التَّعَدِّي فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ رُجُوعُهُ إلَى الْمِيقَاتِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَب فِيمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلَمَّا اسْتَوَى قَائِمًا رَجَعَ فَجَلَسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْجُدُ بَعْدُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: قَبْلُ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَجِبُ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ دَمُ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ انْتَهَى أَوَّلَهُ بِاللَّفْظِ وَآخِرَهُ مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى، وَإِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الدَّمِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ فَعَلَهُ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ دَمَ التَّأْخِيرِ يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا حَلَقَ وَرَدَّ الْقَوْلَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ فَقَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّهُ، وَإِنْ حَلَقَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ التَّأْخِيرُ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَالْحَلْقُ هَاهُنَا غَيْرُ جَائِزٍ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ، وَيُضَاهِي الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنْ حَلَقَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا مِثْلُ مَا نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَلَقَ لِكُلِّ نُسُكٍ حِلَاقًا فَتَأَمَّلْهُ.

ص (ثُمَّ تَمَتَّعَ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، وَإِنْ بِقِرَانٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ بِأَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَيَحِلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ بَعْدَهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ حَجُّهُ بِقِرَانٍ بِأَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَيَصِيرَ مُتَمَتِّعًا قَارِنًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اتِّفَاقًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمَانِ لِتَمَتُّعِهِ وَدَمٌ لِقِرَانِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ قَاعِدَةِ التَّدَاخُلِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَعَلَيْهِ دَمَانِ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَالْمُعْتَمِرُ مِرَارًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ فَهَدْيٌ وَاحِدٌ يُجْزِئُهُ لِتَمَتُّعِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَيَتَكَرَّرُ الدَّمُ بِتَكَرُّرِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا حَجَّةَ فِي هَذَا لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ الْمُوجِبَيْنِ لِلدَّمِ، أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَأْتِ إلَّا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا، وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا) ش يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ دَمِ الْقِرَانِ وَدَمِ الْمُتْعَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّخْصُ مِنْ الْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِ الْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ، وَلَوْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ بِالِانْقِطَاعِ إلَى مَكَّةَ يُرِيدُ أَوْ بِالِانْقِطَاعِ إلَى ذِي طُوًى، وَإِنَّمَا وَحَّدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: بِهَا؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ وَذَا طُوًى فِي حُكْمِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ: الِاسْتِيطَانُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ الْبَاجِيُّ إنَّمَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ كَمَّلَ اسْتِيطَانَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِثْلَ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَمِرًا فِي رَمَضَانَ فَيَحِلَّ فِي رَمَضَانَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَسْتَوْطِنَ مَكَّةَ، ثُمَّ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَهُ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَ هَذَا: إطْلَاقُ التَّوَطُّنِ عَلَى طُولِ الْإِقَامَةِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَطُّنِ الْإِقَامَةُ بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُوجِبُ الدَّمَ شَرْطُ كَوْنِهِ غَيْرَ مَكِّيٍّ، وَهُوَ مُتَوَطِّنُهَا أَوْ مَا لَا يَقْصِرُ مُسَافِرٌ مِنْهَا فِيهِ كَذِي طُوًى ثُمَّ قَالَ: وَالْمُعْتَبَرُ: اسْتِيطَانُهُ قَبْلَ الْعُمْرَةِ، فَلَوْ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ نَاوِيهِ لَمْ يَفْدِهِ لِإِنْشَائِهَا غَيْرِ مُسْتَوْطِنٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ مُشْكِلٌ انْتَهَى.
يُشِيرُ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ سُكْنَاهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ كَأَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ السُّكْنَى، وَقَدْ يَبْدُو لَهُ، وَمَنْ حَلَّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ اعْتَمَرَ عُمْرَةً ثَانِيَةً مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مَنْ عَامِهِ فَذَلِكَ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ الَّذِي قَدِمَ لِيَسْكُنَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ تَكُنْ إقَامَتُهُ الْأُولَى سُكْنَى انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: اسْتَنْبَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُكْمَ الدَّمِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ الْأَوْلَى، وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الدَّمَ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِسُكْنَى مَكَّةَ لَمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ.
كَوْنُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يُرِدْ سُكْنَى مَكَّةَ وَاسْتِيطَانَهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَجَّ فَقَطْ، وَإِنَّمَا بَادَرَ بِسَفَرِهِ فِيهِ أَحْرَى بِوُجُوبِ الدَّمِ وَثُبُوتِ حُكْمِ الْمُتْعَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُوَطَّإِ: قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ انْقَطَعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَسَكَنَهَا ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا، وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ: وَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ لِقِرَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مُسْتَوْطِنًا، وَقَالَ فِي شُرُوطِ التَّمَتُّعِ: وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ وَطَنُهُ غَيْرَ مَكَّةَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: الْمُرَاعَى فِي حُضُورِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقْتُ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ وَابْتِدَاؤُهُ بِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتَيْنِ مُسْتَوْطِنًا مَكَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا سَائِرَ الْآفَاقِ انْتَهَى.
وَلِابْنِ فَرْحُونٍ نَحْوُهُ وَزَادَ، وَإِنْ كَانَ مَكِّيَّ الْأَصْلِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُسْقِطَ لِلدَّمِ هُوَ الِاسْتِيطَانُ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الِاسْتِيطَانِ لَا تُسْقِطُ الدَّمَ، وَلَوْ طَالَتْ، وَلَمَّا كَانَ الْمُسْتَوْطِنُ نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَهْلُ مَكَّةَ، وَالثَّانِي: مَنْ انْقَطَعَ إلَيْهَا بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ بَالَغَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِقَامَةِ الِاسْتِيطَانُ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْإِقَامَةِ لَمَا حَسُنَتْ الْمُبَالَغَةُ بِالِانْقِطَاعِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُنْقَطِعُ إلَيْهَا كَأَهْلِهَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: الْمُنْقَطِعُ بِهَا هُوَ الْآفَاقِيُّ الَّذِي أَقَامَ بِهَا وَأَعْرَضَ عَنْ سُكْنَى غَيْرِهَا، وَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَكِّيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُنْقَطِعُ إلَيْهَا كَالْمُجَاوِرِ كَأَهْلِهَا، فَمُرَادُهُ بِالْمُجَاوِرِ مَنْ جَاوَرَ بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ لَا مُطْلَقُ الْمُجَاوِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ وَذُو طُوًى هُوَ مَا بَيْنَ الثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنْهَا إلَى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُعَلَّاةِ وَالثَّنِيَّةُ الْأُخْرَى الَّتِي إلَى جِهَةِ الزَّاهِرِ وَتُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَجُوقَيْنِ هَكَذَا قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ قَالَ: وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَنَقَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ عَنْ وَالِدِهِ نَحْوَ ذَلِكَ (قُلْتُ:) ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْقِرَانِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ، فَإِذَا دَنَا مِنْ مَكَّةَ بَاتَ بِذِي طُوًى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ حَتَّى يُصْبِحَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَهُوَ رَبَضٌ مِنْ أَرْبَاضِ مَكَّةَ بِطَرَفِهَا ثُمَّ قَالَ: قِيلَ: لِمَالِكٍ ذِي طُوًى فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ بِقُرْبِ مَكَّةَ انْتَهَى.
وَلَهُ

نَحْوُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَا يَفْعَلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مَوْضِعٌ عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ يُسَمَّى بِذَلِكَ لِبِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: مَا ذَكَرَهُ وَالِدِي هُوَ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ: إنَّهُ مَوْضِعٌ عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ فِي صَوْبِ طَرِيقِ الْعُمْرَةِ، وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ بِآبَارِ الزَّاهِرِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاسِيُّ: قَالَ الدَّاوُدِيُّ: إنَّ ذَا طُوًى هُوَ الْأَبْطُحُ نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ، وَقَالَ الْفَاسِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ (قُلْتُ:) وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ فِي شَرْحِهِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ: إنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ الْيَوْمَ بِبَطْنِ مَرٍّ؛ لِأَنَّ بَطْنَ مَرٍّ هُوَ مَرُّ الظُّهْرَانِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ أَهْلَهُ لَيْسُوا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْأَقْرَبُ فِي تَفْسِيرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْفَاسِيُّ أَوَّلًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ عَنْ وَالِدِهِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ مُثَلَّثُ الطَّاءِ مَقْصُورُ الْأَلِفِ، أَمَّا الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَفِي طَرِيقِ الطَّائِفِ مَوْضِعٌ يُقَالُ: لَهُ طَوَاءٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْمَدِّ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ أَبُو عَلِيٍّ وَطُوًى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ مُنَوَّنٌ مَقْصُورٌ عَلَى " فَعَلَ " أَبُو زَيْدٍ طَوَاءٌ مَمْدُودٌ عَلَى وَزْنِ فَعَالٌ قَالَ: فَأَنْكَرَ هَذَا الْأَصْمَعِيُّ أَوْ قَالَ طَوَاءٌ الَّذِي بِالطَّائِفِ مَمْدُودٌ، وَاَلَّذِي بِمَكَّةَ مَقْصُورٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ وَطُوًى بِفَتْحِ الطَّاءِ مَقْصُورَةٌ وَاَلَّذِي بِطَرِيقِ الطَّائِفِ طَوَاءٌ بِالْمَدِّ انْتَهَى.
وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ تَثْلِيثَ الطَّاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَلَمْ يَحْكِ فِي الصِّحَاحِ إلَّا الضَّمَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ) ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ انْقَطَعَ إلَيْهَا وَاسْتَوْطَنَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَإِنَّهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ مِنْ غَزْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ أَمْرٍ عَرَضَ لَهُ، وَلَوْ طَلَب إقَامَتَهُ بِغَيْرِهَا إذَا لَمْ يَرْفُضْ سُكْنَاهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُهُ: الْخَارِجُ لِرِبَاطٍ أَوْ تِجَارَةٍ شَمِلَ الْخَارِجَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ تَرَكَ أَهْلَهُ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَخَرَجَ لِغَزْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ إذَا قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُتْعَةٌ، كَمَا لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ دَخَلَ لِلسُّكْنَى قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْبَيَانِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَتَرَكَ أَهْلَهُ بِهَا عَلَى نِيَّةِ الِاسْتِيطَانِ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ لِغَزْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ فَقَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَهَا بِغَيْرِ أَهْلٍ قَبْلَ أَنْ يَتَمَتَّعَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَرَكَ آفَاقِيٌّ أَهْلَهُ بِمَكَّةَ أَوْ خَرَجَ لِغَزْوٍ أَوْ تَجْرٍ وَقَدِمَهَا مُتَمَتِّعًا فَلَا دَمَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ بِنِيَّةِ الِاسْتِيطَانِ مُحَمَّدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَهَا دُونَ أَهْلٍ فَقَوْلُ أَبِي عُمَرَ لَا يَكُونُ مَكِّيًّا حَتَّى يَسْتَوْطِنَهَا عَامًا مُشْكِلٌ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا إنْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ انْقَطَعَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ مِمَّنْ اسْتَوْطَنَهَا بِغَيْرِ مَكَّةَ، فَإِنْ رَفَضَ سُكْنَى مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْحَاضِرِينَ وَيَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ إذَا تَمَتَّعَ.
ص (أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ) ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا إنْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا عَائِدٌ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ إلَى الْعُمْرَةِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ قَدِمَ بِهَا أَيْ: فِيهَا يَعْنِي أَشْهُرَ الْحَجِّ أَوْ قَدِمَ بِهَا أَيْ: بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَنِيَّتُهُ الْإِقَامَةُ أَيْ: الِاسْتِيطَانُ فَلَيْسَ مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَيُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ.
ص (وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلَّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ تَأْوِيلَانِ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا ثُمَّ تَمَتَّعَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ ثُمَّ اخْتَلَفَ شُيُوخُ الْمُدَوَّنَةِ فِي فَهْمِهَا فَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ يُقِيمُ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ، وَقِيلَ: إذَا أَقَامَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ اعْتَبَرَ، فَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ فَهُوَ مَكِّيٌّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ فَهُوَ غَيْرُ مَكِّيٍّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى

اخْتِصَارِ الْبَرَاذِعِيِّ وَابْنِ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ، وَأَهْلٌ بِبَعْضِ الْآفَاقِ فَقَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَذَا مِنْ مُشْتَبِهَاتِ الْأُمُورِ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُهْدِيَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ رَأْيٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ إنَّمَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِمَكَّةَ مُنْتَابًا فَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَإِنْ كَانَ سُكْنَاهُ بِمَكَّةَ وَيَأْتِي أَهْلَهُ بِغَيْرِهَا مُنْتَابًا فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ مَالِكٌ فِي مِثْلِ هَذَا، وَإِنَّمَا جَاوَبَ عَلَى مَنْ يُكْثِرُ الْمُقَامَ بِالْمَوْضِعَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: وَمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِبَعْضِ الْآفَاقِ احْتَاطَ بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ يَأْتِي مَكَّةَ مُنْتَابًا، وَأَكْثَرُ إقَامَتِهِ بِغَيْرِهَا فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ إقَامَتِهِ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافُ هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي مَكَّةَ مُنْتَابًا فَهِيَ وَطَنُهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِهَا انْتَهَى.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي دَلَالَةِ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ بِالتَّأْوِيلَيْنِ إلَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَكَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ (تَنْبِيهٌ) : فِي دَلَالَةِ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى كَوْنِ الدَّمِ مُسْتَحَبًّا نَظَرٌ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ نَعَمْ نَقَلَهَا سَنَدٌ وَابْنُ الْحَاجِبِ بِلَفْظِ هَذَا مِنْ مُشْتَبِهَاتِ الْأُمُورِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُنْتَابُ الَّذِي يَأْتِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَهُوَ بِالنُّونِ وَالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ.
ص (وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي عَامِهِ ذَلِكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْقِرَانِ، وَلَا لِلتَّمَتُّعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّمَتُّعِ وَكَذَا إلَى الْقِرَانِ إذَا فَعَلَ الْأَوْلَى وَتَحَلَّلَ، فَإِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ هَدْيُ الْقِرَانِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ

ص (، وَلِلْمُتَمَتِّعِ دَمُ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ) ش: يُرِيدُ أَوْ مَا قَارَبَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ مَا قَارَبَهُ فِي سُقُوطِ الدَّمِ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مِثْلُهُ، وَلَوْ بِالْحِجَازِ) ش يَعْنِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا عَادَ إلَى مِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ بِالْحِجَازِ وَالْخِلَافُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ إنَّمَا هُوَ إذَا عَادَ لِمِثْلِ بَلَدِهِ فَالْمَشْهُورُ: سُقُوطُ الدَّمِ، وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ بِالْحِجَازِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِعَوْدِهِ إلَى مِثْلِهِ إذَا كَانَ بَلَدُهُ بِالْحِجَازِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِعَوْدِهِ إلَى نَفْسِ بَلَدِهِ أَوْ بِالْخُرُوجِ عَنْ أَرْضِ الْحِجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ كَذَا نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قُطْرِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ وَأَشَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالْعَوْدِ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ إذَا كَانَ أُفُقُهُ غَيْرَ أُفُقِ الْحِجَازِ، أَمَّا الْحِجَازُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ إلَّا بِالْعَوْدِ إلَى نَفْسِ أُفُقِهِ أَوْ بِالْخُرُوجِ عَنْ أُفُقِ الْحِجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَمَنْ اعْتَمَرَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إلَى أُفُقٍ غَيْرِ الْحِجَازِ كَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ أَوْ أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ أَوْ أُفُقِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ إلَى الْحِجَازِ، وَهُوَ أُفُقُهُ أَوْ مِثْلُ أُفُقِهِ لَمَا سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّيُوخِ انْتَهَى.
وَضَعَّفَ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَوْدَ إلَى الْبَلَدِ نَفْسِهِ مُسْقِطٌ لِلدَّمِ بِلَا خِلَافٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا بِأَقَلَّ) ش: هَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأَطْلَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي هَذَا الشَّرْطِ وَقَيَّدَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِمَا إذَا كَانَ أُفُقُهُ يُدْرِكُهُ إنْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَيَعُودُ فَيُدْرِكُ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَمَّا مَنْ أُفُقُهُ إفْرِيقِيَّةَ فَيَرْجِعُ إلَى مِصْرَ فَيَسْقُطُ التَّمَتُّعُ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ لَا يُدْرِكَ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودَ مِنْ عَامِهِ انْتَهَى.
وَقَبِلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ تَقْيِيدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ

ص (وَفَعَلَ بَعْضَ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ) ش يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَفْعَلَ بَعْضَ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ أَيْ: فِي أَشْهُرِهِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ فَطَافَ وَسَعَى بَعْضَ السَّعْيِ ثُمَّ أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَتَمَّ سَعْيَهُ فِيهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا الشَّوْطُ وَالشَّوْطَانِ مِنْ السَّعْيِ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ فِي حَيِّزِ اللَّغْوِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ سَعْيَهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ شَوَّالٍ، أَمَّا لَوْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نَهَارًا فَأَتَمَّ سَعْيَهُ بَعْدَ أَنْ رَآهُ نَهَارًا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ) ش: أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ فَاَلَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْأَشْهَرُ اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا عَنْ وَاحِدٍ، وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَمْ يَعْزُهُمَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَشْهُورَ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَحْكِ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا وَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ تَمَتُّعٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ خَلِيلٌ، وَلَمْ أَرَ فِي ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ إلَّا الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الدَّمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشَرَطَ ابْنُ شَاسٍ كَوْنَهُمَا عَنْ وَاحِدٍ، وَنَقْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا أَعْرِفُهُ بَلْ فِي كِتَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ: مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ عَنْ غَيْرِهِ مُتَمَتِّعٌ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّرَدُّدِ صَحِيحٌ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَعَادَتُهُ أَنَّهُ يُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِمَا لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيحٌ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ وَاحِدٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْهُمْ الْبَاجِيُّ وَالطُّرْطُوشِيُّ، وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ الْأَشْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّهُ الْأَشْهَرُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ الْقَرَافِيَّ فِي الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ مَا سِوَى هَذَا الشَّرْطِ، وَقَالَ: إنَّ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ زَادَ هَذَا الشَّرْطَ، وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : شُرُوطُ الْقِرَانِ لَا شَكَّ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ لَا فِي تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ قِرَانًا، أَمَّا شُرُوطُ التَّمَتُّعِ، فَهَلْ شُرُوطٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ أَوْ فِي تَسْمِيَتِهِ مُتَمَتِّعًا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ: أَنَّهَا شُرُوطٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ بِأَنَّهُ إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا لَا يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا، قَالَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّمَتُّعِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ ثُمَّ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الرُّخْصَةِ بِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ، وَهُوَ إيقَاعُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَرَاهُ فُجُورًا، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، نَعَمْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ إطْلَاقُ التَّمَتُّعِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْمَكِّيُّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَعَلَى الْقَارِنِ غَيْرِ الْمَكِّيِّ وَالْمُتَمَتِّعِ الْهَدْيُ يَعْنِي وَالْمُتَمَتِّعَ غَيْرَ الْمَكِّيِّ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إنَّمَا هُوَ غَيْرُ الْمَكِّيِّ فَلَا يُسَمَّى الْمَكِّيُّ مُتَمَتِّعًا فَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْهُ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِمَا قَدَّمَهُ إلَى قَوْلِهِ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَالتَّمَتُّعُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ غَيْرُ الْمَكِّيِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحِلَّ وَيُحْرِمَ مِنْ عَامِهِ، وَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إلَّا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا انْتَهَى.
، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي مَنْسَكِهِ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُ التَّمَتُّعِ فَهُوَ مُفْرِدٌ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: وَالشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِوُجُوبِ الدَّمِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ وَهَلْ تُعْتَبَرُ فِي تَسْمِيَتِهِ تَمَتَّعَا؟ قَالَ الْقَفَّالُ: تُعْتَبَرُ، وَحَكَاهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّارِمِيُّ، فَلَوْ فَاتَ شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَكَانَتْ الصُّورَةُ صُورَةَ إفْرَادٍ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ

إنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ التَّادَلِيُّ لِلْمُتَمَتِّعِ تِسْعَةَ شُرُوطٍ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَزَادَ عَنْ الْبَاجِيِّ سَادِسًا: وَهُوَ تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَسَابِعًا: وَهُوَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ يَسْتَلْزِمُ تَقْدِيمَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ التَّادَلِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْرِيفِ التَّمَتُّعِ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَزَادَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَيْضًا ثَامِنًا: وَهُوَ كَوْنُ الْعُمْرَةِ صَحِيحَةً، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ:، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمَتُّعِ صِحَّةُ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ فِي الْحَجِّ يَعْنِي فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ، وَحَجُّهُ تَامٌّ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ صَحَّتْ وَزَادَ عَنْ الْبَاجِيِّ تَاسِعًا: وَهُوَ كَوْنُ الْعُمْرَةِ مَقْصُودَةً، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْمَوَانِعِ: وَلَا يَتَحَلَّلُ إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وَإِلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي، وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَذَكَرَ لِلْقِرَانِ شُرُوطًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِنْهَا: أَنْ يُقَدِّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ فِي نِيَّتِهِ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ إنْ أَتَى بِهِمَا فِي عَقْدَيْنِ، وَأَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ تَمَامِ الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ مُرْدِفًا، وَأَنْ لَا يَتَمَادَى عَلَى الطَّوَافِ إذَا أَرْدَفَ فِي أَثْنَائِهِ، وَأَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُسْتَغْنًى عَنْهَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِفَةِ الْقِرَانِ

ص (وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ) ش ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى مِنْهُمَا: أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَابْن فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ، وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ يَعْنِي الْمُتَمَتِّعَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِيهِ نَحْرُهُ، وَهُوَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْتُ: ظَاهِرُهُ لَوْمَاتُ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ رَمْيِهِ لَمْ يَجِبْ، وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَنْ سَمَاعِ عِيسَى مَنْ مَاتَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَرْمِ فَقَدْ لَزِمَهُ الدَّمُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ يُوهِمُ وُجُوبَهُ عَلَى مِنْ مَاتَ قَبْلَ وُقُوفِهِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي سُقُوطِهِ خِلَافًا وَلِعَبْدِ الْحَقِّ عَنْ ابْنِ الْكَاتِبِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ مَاتَ بَعْدَ وُقُوفِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى تَقْلِيدِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَوَجَّهَ جَوَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَتَمَتَّعُ وَتَسُوقُ الْهَدْيَ مَعَهَا لِلْمُتْعَةِ مَا نَصَّهُ: فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجَبَ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ فِي تَقْلِيدِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وُجُوبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَقَلَّدَهُ لِيُوقِفَهُ فِي الْحَجِّ وَيَنْحَرَهُ عَنْ مُتْعَتِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَلَّدَهُ فِي إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَلَمْ يَجِبْ بَعْدُ وَعِنْدَ مَالِكٍ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَمَتَّعَ ثُمَّ مَاتَ قَالَ: إنْ مَاتَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ رَمْيِهَا فَقَدْ لَزِمَهُ هَدْيُ التَّمَتُّعِ، وَإِذَا أَخَّرَ تَقْلِيدَهَا عِنْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ جَازَ عِنْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى نُسُكَيْ التَّمَتُّعِ فَهِيَ مِنْ سَبَبِ الْهَدْيِ فِي الْجُمْلَةِ وَنَحْوُهُ لَا يَكُونُ حَتَّى يَجِبَ فَيُقَلِّدَهُ لِوُجُوبِ سَبَبِهِ وَيَنْحَرَهُ لِتَمَامِ وُجُوبِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي بَابِ صَوْمِ الْهَدْيِ: يُخْتَلَفُ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيمَنْ مَاتَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَمْ يَرْمِ، ثُمَّ قَالَ: فَرَاعَى ابْنُ الْقَاسِمِ خُرُوجَ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَرَاعَى مَالِكٌ خُرُوجَهُ مِنْ إحْرَامِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ

فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ: يَعْنِي أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُهُ بِأَوَائِلِ دَرَجَاتِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَذَلِكَ يَجْمُلُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ رُكْنٍ آخَرَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَرْتَفِضُ فَقَامَ لِذَلِكَ الرُّكْنُ الْوَاحِدُ مَقَامَ الْجَمْعِ، وَلَا يُرَاعَى احْتِمَالُ الْفَوَاتِ؛ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَذَلِكَ: أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَعَادَ فِعْلُهُ إلَى عَدَمِ الْعُمْرَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْهَدْيُ عَلَى مَا رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَسَدَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَوَاتِ وَالْفَسَادِ ظَاهِرٌ (فَإِنْ قُلْتَ:) إذَا كَانَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يُنْحَرُ بِمِنًى إنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ أَوْ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فَمَا فَائِدَةُ الْوُجُوبِ هُنَا (قُلْتُ:) يَظْهَرُ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ الْهَدْيُ حِينَئِذٍ مَعَ كَوْنِهِ يَتَعَيَّنُ بِالتَّقْلِيدِ لَكَانَ تَقْلِيدُهُ إذْ ذَاكَ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا إذَا قَلَّدَ بَعْدَ كَمَالِ الْأَرْكَانِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيمَنْ مَاتَ، وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ طَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا لِابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، وَالثَّانِيَةَ لِلَّخْمِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ: أَنَّهُ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى: أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْوُجُوبِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ، وَالْحُكْمُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ، وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَفِي مَسْأَلَةِ الْفَوَاتِ، وَالْمَذْهَبُ: سُقُوطُ الدَّمِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي وُجُوبِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ وَمُرَاعَاةُ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ قَدْ أَجَازَهُ ابْنُ قَاسِمٍ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بَلْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بَلْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ إذَا سَاقَ فِي عُمْرَتِهِ هَدْيًا تَطَوُّعًا، وَلَمْ يَنْحَرْهُ فِيهَا، وَأَخَّرَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَنَحَرَهُ عَنْ مُتْعَتِهِ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: لَا يُجْزِئُهُ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ، وَلَا يُؤَخِّرَهُ وَنَحْوُ هَذَا مَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَانِ، وَهِيَ مَا إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لِعُمْرَتِهِ ثُمَّ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتِ الْحَجِّ إنَّ ذَلِكَ الْهَدْيَ يُجْزِئُهُ لِقِرَانِهِ وَإِلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي: وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا فِيمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَحِلِّهِ وَالْحَاصِلُ: أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمَا قَبْلَ وُجُوبِهِمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لِلْحُكْمِ بِوُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ فَائِدَةٌ نَعَمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَا قَلَّدَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وُجُوبًا غَيْرَ مُتَحَتِّمٍ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِالْمَوْتِ وَالْفَوَاتِ، فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ تَحَتَّمَ الْوُجُوبُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَمَا نَقُولُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: إنَّهَا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وَطَلَاقِهَا، فَإِنْ وَطِئَ تَحَتَّمَ الْوُجُوبُ، وَلَزِمَتْ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ طَلَّقَهَا أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ فَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ نَحْرُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ فَسَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَجْزَأَهُ غَيْرَ أَنَّهُ نَقَلَ فِي الْكَبِيرِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ الْمَذْكُورِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فِي تَقْدِيمِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَقَالَ فِي الْوَسَطِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرَ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَاقْتَصَرَ فِي الصَّغِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، فَذِكْرُهُ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِإِخْرَاجِ الْهَدْيِ جَوَازَ تَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ لَا سِيَّمَا كَلَامُهُ فِي الْوَسَطِ، أَمَّا الْبِسَاطِيُّ فَلَمْ يُفَسِّرْ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، نِنُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْفُرَاتِ

بَلْ زَادَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى جَوَازِ نَحْرِ الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ إلَّا بَعْضَ الْمُعَاصِرِينَ لَنَا وَلِمَشَايِخِنَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ عَلَى خِلَافِ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَوْلُهُ: وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ اللَّخْمِيَّ خَرَّجَ إجْزَاءَ الْهَدْيِ الْمُقَلَّدِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَنْ التَّمَتُّعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَعْبِيرِهِ بِلَفْظِ الْجَوَازِ أَنَّ التَّخْرِيجَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ فِي نَحْرِ الْهَدْيِ حِينَئِذٍ لِتَشْبِيهِهِ بِالْكَفَّارَةِ، وَلَا بَأْسَ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخَرَّجَةٌ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِالنَّقْلِ مِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَصَاحِبِ النَّوَادِرِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، أَمَّا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَلَمْ يَتَعَرَّض لِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، هَلْ هُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ أَوْ نَحْوُهُ؟ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ بِكَمَالِهَا يَعْنِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةُ بِإِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ إذْ التَّمَتُّعُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَالِاخْتِيَارُ تَقْدِيمُهُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يُرَاعُوا احْتِمَالَ الْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ إذَا قَلَّدَ وَأَشْعَرَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُجْزِئْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُجْزِئْهُ فَلَمْ يُجْزِهِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، فَإِذَا قَلَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَأَجْزَأَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْتِ وَالزَّكَاةِ إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ التَّوْسِعَةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ انْتَهَى.
كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا حُمِلَ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لَا عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ نَحْرِ الْهَدْيِ وَأَوَّلَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ، وَلَا يُقَلِّدُ دَمَ الْمُتْعَةِ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي التَّوْضِيحِ: لِأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ، وَإِنَّمَا لَفْظُهُ: لِأَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ فَرْحُونٍ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَهَذَا كَلَامُ اللَّخْمِيِّ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَالِاخْتِيَارُ تَقْدِيمُهُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْهَدْيِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا قَالَهُ فِي الصِّيَامِ، وَنَصُّهُ: وَالِاخْتِيَارُ لَهُ تَقْدِيمُ الصِّيَامِ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْ أَحَدٌ مِنْ شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ كَلَامَهُ عَلَى تَقْدِيمِ نَحْرِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بَلْ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ إنْ أَرَادَهُ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يُنْحَرُ بِمِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ بِمَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ نَحْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ شَاهِدَةٌ لِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ، وَلَا يَجُوزُ نَحْرُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَالْوَاجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ هَدْيٌ يَنْحَرُهُ بِمِنًى، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ

وَلَهُ مِثْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ عُيُونِ الْمَجَالِسِ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ نَحْرِ الْهَدْيِ، وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْقَارِنُ إذَا سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ فَعَطِبَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى عَرَفَةَ فَلْيَنْحَرْهُ بِمَكَّةَ إنْ شَاءَ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ هَدْيٍ دَخَلَ مَكَّةَ فَعَطِبَ بِهَا فَيُجْزِئُ إلَّا هَدْيَ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْتَدِئُ الْحَجَّ بِمَكَّةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: فَكَأَنَّهُ عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ انْتَهَى.
، وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ كَلَامَ مَالِكٍ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ بَعْدَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا صَوَابٌ، وَقَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ الْهَدْيِ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لِيَنْحَرَهُ فِي عُمْرَتِهِ نَحَرَهُ ثُمَّ إذَا تَمَتَّعَ بِالْحَجِّ أَهْدَى لِمُتْعَتِهِ سَوَاءٌ قَلَّدَ هَدْيَهُ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ أَوْ بُنَيَّة أَنَّهُ لِلْمُتْعَةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَا نَحَرَهُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنْ حَجِّهِ لَا يُجْزِئُهُ لَتَمَتُّعِهِ سَوَاءٌ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ أَوْ مَعَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَرَّةً قَالَ: إذَا نَحَرَهُ بَعْدَهُ تَحَلَّلَ مِنْ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمُتْعَةِ، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَلَا يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيُّ تَحَلُّلُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ دَمٌ تَعَلَّقَ بِالْإِحْرَامِ، وَيَنُوبُ عَنْهُ الصِّيَامُ فَجَازَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، فَإِنَّمَا يُشْرَعُ الْهَدْيُ لِذَلِكَ إذَا وَقَعَ التَّمَتُّعُ، وَلَا يَقَعُ التَّمَتُّعُ بِالنِّسْكَيْنِ حَتَّى يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَإِذَا أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ كَذَلِكَ مَسْأَلَتُنَا وَلِأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ أُضْحِيَّةٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ كَقَبْلِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَبِخِلَافِ فِدْيَةِ الْأَذَى؛ لِأَنَّهَا عِنْدَنَا لَيْسَتْ بِهَدْيٍ حَتَّى إذَا جَعَلَهَا هَدْيًا لَا يُجْزِئُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ الْفِدْيَةُ حُجَّتُنَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَجْزِيءُ قَبْلَ كَمَالِ سَبَبِ وُجُوبِهَا، وَكَذَلِكَ تَجِبُ فِي التَّمَتُّعِ لَا يُجْزِئُ هَدْيُهُ قَبْلَ حُصُولِهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي بَابِ صَوْمِ الْهَدْيِ: لَمَّا ذَكَرَ الِاحْتِجَاجَ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ لَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ مَا نَصُّهُ: وَلِأَنَّ الْهَدْيَ لَوْ وَجَبَ بِهَا لَجَازَ نَحْرُهُ إذْ شَرْطُ الْوُجُوبِ التَّمَكُّنُ مِنْ فِعْلِ مَا وَجَبَ وَسَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَتَّى يَحِلَّ، وَإِذَا كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ حَتَّى يَحِلَّ وَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ حَتَّى يَحِلَّ ثُمَّ قَالَ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْهَدْيُ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَحِلَّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ: فِيمَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَدَلِيلُنَا: أَنَّ الْهَدْيَ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّحَلُّلِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] إلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ فِيمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ قَالَ سَنَدٌ: رَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّمَ الْمُتَعَلِّقَ بِنَقْصِ الْإِحْرَامِ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْإِحْرَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَبِدَلِيلِ دَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ قَبْلَ الرَّمْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الرَّمْيِ لَزِمَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الْهَدْيُ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إنَّ الْحَجَّ حِينَئِذٍ يَتِمُّ، وَيَصِحُّ مِنْهُ وَصْفُ التَّمَتُّعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ بِضَمِّ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَأَوَّلُ الْحَجِّ كَآخِرِهِ وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، وَلَوْ ذَبَحَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَجُزْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهَذَا كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ نَحْرُهُ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِهِ، وَقَالَ الْحَفِيدُ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ ذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ وَالتَّطَوُّعِ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي التَّطَوُّعِ وَالشَّافِعِيُّ فِيهِمَا، وَمُرَادُهُ بِالتَّطَوُّعِ الَّذِي سَاقَهُ لِيَذْبَحَهُ فِي حَجِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَسَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَطَافَ بِالْعُمْرَةِ وَسَعَى

فَلِيَنْحَرْهُ إذَا أَتَمَّ سَعْيَهُ قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ يُرِيدُ وَيُجْزِيهِ عَنْ تَمَتُّعِهِ إذَا حَجَّ مِنْ عَامِهِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ كَانَ لَمَّا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَخَّرَ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَنَحَرَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ تَمَتُّعِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ: قَالَ الْفَقِيهُ: قِفْ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُجْزِيهِ الْأَدْنَى إذَا أَخَّرَهُ مَعَ أَنَّ الْهَدْيَ وَجَبَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُجْزِيهِ مَعَ التَّقْدِيمِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدُ؟ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَارِيًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْهَدْيِ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ مَحِلِّهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَنْحَرَ فِيهِ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَقَوْلُهُ: إنَّهُ مُشْكِلٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَالُ مِنْ حَيْثُ قَالَ: يُرِيدُ وَيُجْزِئُهُ إذْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَا غَيْرِهِمْ، كَمَا عَلِمْتُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَإِنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَبَحَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ التَّمَتُّعَ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى هَذَا، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِدَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَغْلَطُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَتَمَسَّكُونَ بِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ خُصُوصًا مَعَ الْوُقُوفِ عَلَى نُصُوصِ الْعُلَمَاءِ الْمُخَالِفَةِ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَأَجْزَاهُ تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَكَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ يُجْزِهِ عَنْ تَمَتُّعِهِ مَا نَصُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَخَّرَ هَذَا الْمُتَمَتِّعُ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَنَحَرَهُ عَنْ مُتْعَتِهِ رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ، وَلَا يُؤَخِّرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا) ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِحْرَامِ فِي قَوْلِهِ: وَرُكْنُهُمَا الْإِحْرَامُ وَيَعْنِي أَنَّ الرُّكْنَ الثَّانِي مِنْ الْأَرْكَانِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الطَّوَافُ، فَإِنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ وَالطَّوَافُ الرُّكْنِيُّ فِي الْحَجِّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَلِلطَّوَافِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ شُرُوطُ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْ الطَّوَافِ الرُّكْنِيِّ شَوْطًا أَوْ بَعْضَ شَوْطٍ رَجَعَ لَهُ مِنْ بِلَادِهِ، قَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَلَا يُجْزِي لِاسْتِيفَاءِ أَشْوَاطِهِ، فَمَنْ تَرَكَ شَوْطًا أَوْ بَعْضًا مِنْهُ أَوْ مِنْ السَّعْيِ عَادَ عَلَى إحْرَامِهِ مِنْ بِلَادِهِ لِإِتْمَامِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ الدَّمُ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ ذَكَرَ شَوْطًا مِنْ طَوَافِهِ فَلْيَرْجِعْ لَهُ مِنْ بِلَادِهِ، وَإِلَى هَذَا رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُخَفِّفُ الشَّوْطَ وَالشَّوْطَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا كَانَ يُخَفِّفُ الشَّوْطَ وَالشَّوْطَيْنِ إذَا رَجَعَ إلَى بِلَادِهِ، أَمَّا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَلَا يَخْتَلِفُ فِي إعَادَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمَّا كَانَ يَقُولُ بِتَخْفِيفِ ذَلِكَ كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دَمًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ سُنَّةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: لَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ ذَلِكَ شَرْطًا، وَجَعَلَهُ سُنَّةً يُجْبَرُ بِالدَّمِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) يُعَدُّ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهَا، هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِصِدْقِ حَدِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْمَنَاسِكِ الَّتِي جَمَعْتُهَا قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَعَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَدَأَ فِي طَوَافِهِ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ أَتَمَّ ذَلِكَ فَتَمَادَى مِنْ الْيَمَانِيِّ إلَى الْأَسْوَدِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى طَالَ، أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَتَبَاعَدَ أَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ، وَلَا يَرْجِعَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَإِنْ كَانَ بِتَعَمُّدٍ فَلِيَبْتَدِئْ إلَّا فِيمَا تَرَاخَى فِي مِثْلِهِ مِثْلُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى بَعْضِ الْمَسْجِدِ

ثُمَّ يَسْتَفِيقَ فَلْيَبْنِ كَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ مُصَلَّاهُ إلَى مِثْلِ جَوَانِبِ الْمَسْجِدِ وَإِيوَانِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِنِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ، وَلَمْ يَتَبَاعَدْ فَلْيَبْنِ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ أَوْ يَطُلْ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مِنْ سُبْعِهِ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ يَعْنِي طَوَافَهُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا إلَى آخِرِهِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِي عَمْدًا، وَأَتَمَّ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحْصُلْ فِي ذَلِكَ طُولٌ، فَإِنَّهُ يَبْنِ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ أَوْ يَطُلْ جِدًّا فَفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَبَيْنَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا ثُمَّ خَرَجَ إلَى السَّعْيِ وَسَعَى بَعْضَ السَّعْيِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يَبْنِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَبْنِي، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ السَّعْيِ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِيمَنْ نَسِيَ بَعْدَ طَوَافِهِ، وَجَعَلَ الْجَاهِلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالنَّاسِي فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمَنْ ابْتَدَأَ طَوَافَهُ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ الْبَابِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ثُمَّ ذَكَرَ قَالَ: يُجْزِئُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ أَلْغَى مَا مَشَى مِنْ بَابِ الْبَيْتِ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى بَيَانٍ فَأَمَّا مَنْ ابْتَدَأَ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ فَالْحُكْمُ فِيهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ ابْتَدَأَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي فِي الْبِنَاءِ وَالِابْتِدَاءِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ، أَمَّا مَنْ ابْتَدَأَ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، وَأَتَمَّ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَوْلُهُ: يُجْزِئُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُلْغِي ذَلِكَ بَلْ يُتِمُّ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ وَيُجْزِئُهُ، أَمَّا مَنْ ابْتَدَأَ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، وَلَمْ يُتِمَّ إلَى الْمَحِلِّ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ بَلْ أَتَمَّ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَهَذَا لَا يُجْزِئُهُ وَيَرْجِعُ فَيُكْمِلُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا، فَإِنْ طَالَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَيَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ هَكَذَا كَانَ وَالِدِي يُقَرِّرُهُ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَقَالَ قَوْلُهُمْ هَذَا يَسِيرٌ وَيُجْزِئُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُغْتَفَرٌ.
(قُلْتُ:) وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ التَّلْقِينِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الشَّوْطِ يَرْجِعُ لَهُ، وَقَالَ التَّادَلِيُّ قَالَ الْبَاجِيُّ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ شَوْطٍ فَهَلْ يُتِمُّ ذَلِكَ الشَّوْطَ أَوْ يَبْتَدِئُهُ؟ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ مِنْ أَوَّلِهِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُقْبِلَ يَنْصِبُ قَامَتَهُ عِنْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ طَافَ، وَبَعْضُهُ فِي الْبَيْتِ، فَيَبْطُلُ طَوَافُهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ مَنْ تَرَكَ مِنْ السَّعْيِ ذِرَاعًا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا كَانَ السَّعْيُ لَا يُغْتَفَرُ مِنْهُ ذِرَاعٌ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الطَّوَافِ فَأَحْرَى أَنْ يَقْتَضِيَ إنْ نَقَصَ ذَلِكَ يَبْطُلُ الطَّوَافُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: وَكَيْفِيَّةُ الطَّوَافِ: أَنْ يَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى الْحَجَرِ، وَذَلِكَ: بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ، وَيَقِفَ إلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَسَارِهِ يَمِينَهُ وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ مَارًّا إلَى يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ، وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمِينَهُ إلَى خَارِجٍ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا فِي الْأَوَّلِ، وَتَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْحَجَرِ جَازَ ذَكَرَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ حُذَّاقُ الشَّافِعِيَّةِ (قُلْتُ:) ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّوَوِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: لَا يَصِحُّ طَوَافُ مَنْ لَمْ يَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ الْمُعَلَّى، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْهُ، وَأَصْلُهُ لِلنَّوَوِيِّ فِي الْإِيضَاحِ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ فِيهِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ أَنْ يَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ جَعَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ عَنْ يَسَارِهِ

مِنْ الْأَوَّلِ وَمَرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَيْهِ جَازَ، وَلَكِنْ فَاتَهُ الْمُسْتَحَبُّ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَاجِبِ الرَّابِعِ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْمُعَلَّى كَلَامَ النَّوَوِيِّ جَمِيعَهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِهِ فِي كَيْفِيَّةِ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مُعَلَّى بَلْ صَرِيحُهُ: أَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَطْلُوبَةً أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّادَلِيِّ: مَا قَالَاهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَقَدْ نَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّة النَّوَوِيَّ فِي اسْتِحْبَابِ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتِحْبَابَ الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ الْكَيْفِيَّتَيْنِ فِي الطَّوْفَةِ الْأُولَى خَاصَّةً دُونَ مَا بَعْدَهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» فَمَنْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مُسْتَقْبِلًا لِلْحَجَرِ إلَى أَنْ جَاوَزَهُ ثُمَّ انْفَتَلَ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَمَضَى جُزْءٌ مِنْ طَوَافِهِ، وَالْبَيْتُ لَيْسَ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنِ عَنْ اللَّهِ، وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى النَّقْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا الْخُرَاسَانِيُّونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا الرَّافِعِيُّ وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ فَالصَّحِيحُ عَدَمُ اسْتِحْبَابُ الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى، وَكَرَاهَتُهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّ ارْتِكَابَهَا قَدْ يُوقِعُ فِي الْأَذَى، وَأَنَا مِمَّنْ تَأَذَّى بِهَا، فَإِنَّ بَعْضَ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَمِلَ بِهَا، وَأَنَا مَعَهُ فِي الطَّوَافِ، وَكُنْتُ وَرَاءَهُ حِينَ مَشَى مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ قَبْلَ أَنْ يُجَاوِزَهُ، وَلَمْ أَدْرِ بِهِ فَانْفَتَلَ عِنْدَ مُجَاوَزَتِهِ الْحَجَرَ، وَلَمْ يَرَنِي فَدَاسَ رِجْلِي فَآذَانِي بِرِجْلِهِ بِدَوْسَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا يَلْزَمُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى يَعْنِي الَّتِي اسْتَحَبَّهَا النَّوَوِيُّ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ تَأْخِيرُهُ إلَى صَوْبِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَمَشْيُهُ مُسْتَقْبِلًا حَتَّى يَقْطَعَ الْحَجَرَ وَانْفِتَالُهُ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ الْحَجَرَ، وَإِذَا كَانَ أَبُو الطَّيِّبِ لَمْ يَسْمَحْ بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَثْبُتْ فَكَيْفَ سَمَحَ بِهَذَا بَلْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَنْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مُسْتَقْبِلًا الْحَجَرَ إلَى أَنْ جَاوَزَهُ ثُمَّ انْفَتَلَ بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ طَوَافِهِ، وَالْبَيْتُ لَيْسَ عَلَى يَسَارِهِ فَالْوَجْهُ امْتِنَاعُهُ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ الْإِمَامَ احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: الْمُرَادُ بِالْبَدَنِ فِي الْمُحَاذَاةِ شَقُّ الطَّائِفِ الْيَسَارُ لَا غَيْرُ لَكِنَّ كَلَامَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرِهِمَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ جَعْلِ الْبَيْتِ عَلَى يَسَارِهِ هُوَ مِنْ حِينِ مُجَاوَزَةِ الْحَجَرِ لَا عِنْدَ مُحَاذَاتِهِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ كَلَامَ النَّوَوِيِّ انْتَهَى.
فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْكَرُوا هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ، وَأَنْكَرُوا اسْتِحْبَابَهَا، بَلْ جَعَلُوهَا مَكْرُوهَةً وَمَمْنُوعَةً، أَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ فَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلُهَا بِأَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بَعْضَ الْحَجَرِ قَالَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ تَعَرُّضٌ لِلْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ بَلْ فِي كَلَامِ الْقَاضِي سَنَدٍ فِي الطِّرَازِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَبْدَأُ فِي الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَقْبِلُ الْحَجَرَ بِجَمِيعِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ، وَالْأَحْسَنُ: أَنْ يَأْتِيَ عَنْ يَمِينِ الْحَجَرِ، وَيُحَاذِيَ بِيَسَارِهِ يَمِينَ الْحَجَرِ ثُمَّ يُقَبِّلَهُ وَيَضَعَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَطُوفَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، وَلَوْ حَاذَى بَعْضَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ، فَإِذَا انْتَهَى.
إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَانَ شَوْطًا وَزَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الشَّوْطُ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ جَمِيعَ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ كَالْقِبْلَةِ، وَمَا قُلْنَاهُ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ

وَمَوْضِعُ الْبُدَاءَةِ الْحَجَرُ، وَقَدْ بَدَأَ مِنْهُ، وَيُخَالِفُ الْقِبْلَةَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ غَيْرَهَا، وَلِأَنَّهُ فِي الْبَيْتِ أَيْضًا لَا يَسْتَقْبِلُ جَمِيعَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ بَعْضَهُ وَكَذَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْحَجَرِ بَعْضُهُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ مُعَلَّى، وَهَذَا مِنْ الْحَرَجِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ وَالْمَذْهَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ هَذَا التَّحْدِيدِ وَمُرَاعَاةِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ وَالْمُرَاعَى أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَيَحْتَاطُ فِي ابْتِدَاءِ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ سَنَدٌ بِأَنَّ الْبُدَاءَةَ مِنْ الْحَجَرِ لَيْسَتْ شَرْطًا عِنْدَنَا بَلْ هِيَ مِمَّا يُجْبَرُ بِالدَّمِ بَلْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ وَالْبَابِ أَنَّهُ يَسِيرٌ وَيُجْزِئُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا يُقَالُ: قَوْلُهُ: فِي الطِّرَازِ يَسْتَقْبِلُ الْحَجَرَ بِجَمِيعِهِ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ يَمِينِ الْحَجَرِ وَيُحَاذِي يَسَارَهُ بِيَمِينِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَتَكُونُ يَدُهُ الْيُسْرَى مُحَاذِيَةً لِيَمِينِ الْحَجَرِ ثُمَّ يُقَبِّلُهُ وَيَمْشِي عَلَى جِهَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ أَمْرًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ مُشَوِّشٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَيُوجِبُ لَهُمْ الْوَسْوَاسَ، وَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُ إذَا فَعَلُوهُ تَشْوِيشٌ عَلَى الطَّائِفِينَ، وَنَصُّهُ: وَلْيُحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضَهُمْ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْحَجَرَ فَيُقَبِّلَهُ ثُمَّ يَأْخُذَ فِي الطَّوَافِ، وَبَعْضُ الْحَجَرِ خَلْفَهُ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَكْمِلْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ بَلْ سِتَّةً، فَإِذَا كَانَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَطَلَ طَوَافُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ فِي كُلِّ مَا يَقَعُ لَهُ مِمَّا يُخَالِفُ إحْرَامَهُ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّدَارُكُ، وَكَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُهُ حَتَّى يَسْلَمَ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ أَنْ يَمْشِيَ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي ثُمَّ يَرُدَّ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ ثُمَّ يَأْخُذَ فِي الطَّوَافِ فَيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إكْمَالِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَفْعَلُ فِي الشَّوْطِ الْأَخِيرِ يَمْشِي فِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْحَجَرَ خَلْفَهُ بِخُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لِكَيْ يُوقِنَ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنْ الْحَجَرِ أَجْزَأَهُ إذَا تَمَّ الشَّوْطُ السَّابِعُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ بَلْ لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ بَيْنِ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا أَتَمَّ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ مِنْ وَسَطِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَوْ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي يَلِي الْبَيْتَ ثُمَّ أَتَمَّ الطَّوَافَ إلَى طَرَفِهِ الَّذِي يَلِي الرُّكْنَ الْيَمَانِي فَمَا قَالَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الطَّوَافِ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِثَلَاثِ خُطُوَاتِ أَوْ نَحْوِهَا وَلِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا آذَى الطَّائِفِينَ وَشَوَّشَ عَلَيْهِمْ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا يَفْعَلُهُ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ الطَّوَافَ بِأَنْ يَقِفَ قَبْلَ الرُّكْنِ بِقَلِيلٍ بِأَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ عَنْ يَمِينِ مَوْقِفِهِ لِيَسْتَوْعِبَ جُمْلَتَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَجَرَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ فَلْيَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِيهِ الْجَاهِلُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) إنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى فَظَاهِرٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْحَجَرَ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِمَا تَقَدَّمَ

(الرَّابِعُ) قَالَ سَنَدٌ: إطْلَاقُ الْأَطْوَافِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ الْأَشْوَاطَ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ الْأَشْوَاطَ وَالْأَدْوَارَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرَّمَلِ انْتَهَى.
يَعْنِي إطْلَاقَ الْأَشْوَاطِ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ شَوْطٌ أَوْ دُورٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: طَوَافٌ انْتَهَى.
، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ الْأَدْوَارَ لَا تُكْرَهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ أَيْضًا: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكَ أَطَافَ بِهِ وَدَارَ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (بِالطُّهْرَيْنِ وَالسِّتْرِ) ش: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الطُّهْرَيْنِ وَالسِّتْرُ لِلْعَبْدِ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا اشْتِرَاطُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فِي الطَّوَافِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ

الْمَذْهَبِ فَمَنْ طَافَ مُحْدِثًا مُتَعَمِّدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَرَجَعَ إلَى ذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ خِلَافًا لِلْمُغِيرَةِ، أَمَّا طَهَارَةُ الْخَبَثِ فَعَدَّهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مِنْ شُرُوطِهِ قَالُوا: كَالصَّلَاةِ وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ وَجَعَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطَ كَمَالٍ فِيهِ، وَذَكَرَ فِي صِحَّةِ طَوَافِ مَنْ طَافَ بِهَا عَامِدًا، وَإِعَادَتِهِ أَبَدًا قَوْلَيْنِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: هُوَ الْقَوْلُ بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ قَالَ سَنَدٌ: إنْ قُلْنَا: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَذَلِكَ فِي الطَّوَافِ، وَإِنْ قُلْنَا: شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ فَكَذَلِكَ فِي الطَّوَافِ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بِحَالٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا انْتَهَى.
أَمَّا مَنْ طَافَ بِهَا نَاسِيًا، فَإِنْ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَطْرَحُهَا وَيَبْنِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الطَّوَافَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ رَآهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَالَ: وَيَقْلَعُ الثَّوْبَ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ، هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: ابْتَدَأَهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُعِيدُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ فِيمَا قَرُبَ إنْ كَانَ وَاجِبًا، وَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُهْدِي، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُعِيدُهُمَا بِالْقُرْبِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدْ فَرَّعَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْكَلَامَ عَلَى الطُّهْرَيْنِ، أَمَّا السَّتْرُ فَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْ فُرُوعِهِ إلَّا الْقَلِيلَ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: الثَّالِثُ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَحُكْمُهُ أَيْضًا فِي الطَّوَافِ حُكْمُ الطَّهَارَةِ، وَحُكْمُ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ طَافَ بِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ مُعَلَّى فِي مَنْسَكِهِ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَكْشُوفَةَ إذَا طَافَتْ، وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الرِّجْلِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ شَعْرِ رَأْسِهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهَا، وَإِنْ طَافَتْ كَذَلِكَ، وَرَجَعَتْ فَقَدْ رَجَعَتْ بِلَا حَجٍّ، وَلَا عُمْرَةٍ، قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِحَّةُ حَجِّهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا صَلَّتْ الْحُرَّةُ بَادِيَةَ الشَّعْرِ أَوْ الْوَجْهِ أَوْ الصَّدْرِ أَوْ ظُهُورِ قَدَمَيْنِ أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ، وَالْإِعَادَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ إنْ كَانَتْ بِمَكَّةَ أَوْ حَيْثُ يُمْكِنُهَا الْإِعَادَةُ فَلْتُعِدْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ بِالْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ خَرَجَ وَقْتُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ طَافَ بِنَجَاسَةٍ نَاسِيًا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَنْبِيه مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ]

(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إثْرَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ إلَّا الْكَلَامَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَبَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إلَّا الْكَلَامُ، وَقَدْ أَجَازُوهُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا يَتَحَدَّثُ مَعَ أَحَدٍ فِي طَوَافِهِ، وَلَا يَأْكُلُ، وَلَا يَشْرَبُ فِي أَضْعَافِهِ، قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّهُ الْعَطَشُ فَحَمَلَ قَوْلَهُ لَا يَشْرَبُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَكْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَدَوَامِهِ فَمَنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ فَقَدْ بَطَلَ طَوَافُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ إذَا تَطَهَّرَ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَدَثُهُ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّوَافُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، فَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ وَاجِبًا تَوَضَّأَ وَاسْتَأْنَفَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ الْحَدَثَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى مَا طَافَهُ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ

ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: إذَا أَحْدَثَ فِي الطَّوَافِ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَيَبْنِي قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ هَذِهِ ضَعِيفَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ: أَنَّ خِلَافَ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَهُوَ يَطُوفُ أَنَّهُ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ الطَّوَافَ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ كَانَ وَاجِبًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّطَوُّعِ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِبِ النَّوَادِرِ وَالْبَاجِيُّ أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ رَكْعَتَيْنِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ إنْ كَانَ وَاجِبًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّطَوُّعِ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَ يَبْتَدِئُهُ إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَحْرَى أَنْ يَبْتَدِئَهُ إذَا انْتَقَضَ فِي أَثْنَائِهِ، وَلَمْ أَقِفْ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا لَمْ يَقْطَعْ وَيَبْنِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيُعِيدُ الطَّوَافَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ وَسَعَى، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ وَالرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَإِنْ تَبَاعَدَ مِنْ مَكَّةَ فَلْيَرْكَعْهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَبْعَثْ بِهَدْيٍ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا تُجْزِئُهُ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ (الثَّانِي:) إذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ الْبِنَاءُ فَجَاءَ وَبَنَى عَلَى مَا طَافَ أَوَّلًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا قَبْلَ الْحَدَثِ فَالظَّاهِرُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَا طَافَهُ الْآنَ، وَيُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَيُجْزِئُهُ، وَكَذَا أَيْضًا مَنْ شَرَعَ فِي سَبْعٍ فَطَافَ بَعْضَهُ فَلَمَّا وَصَلَ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي بَعْضِ الْأَشْوَاطِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَهُ فَنَوَى سَبْعًا أُخَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا طَافَهُ أَوَّلًا إنْ كَانَ الطَّوَافُ نَافِلَةً، وَمِثْلُهُ أَيْضًا غَفَلَ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ لَا كَمَالُهُ، وَلَا عَدَمُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ظَنَّ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ لِيَبْتَدِئَ الطَّوَافَ فَنَوَى حِينَئِذٍ طَوَافَ سَبْعٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَبْنِي هُنَا أَيْضًا عَلَى مَا طَافَهُ أَوَّلًا، وَيُكْمِلُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَيُجْزِئُهُ إنْ كَانَ الطَّوَافُ نَافِلَةً، أَمَّا إنْ كَانَ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ فَرِيضَةً، وَاَلَّذِي نَوَاهُ نَافِلَةً فَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ، وَقَدْ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ فِي بَابِ حُكْمِ مِنًى وَالرَّمْيِ: لَوْ اعْتَقَدَ شَخْصٌ أَنَّهُ فِي الشَّوْطِ السَّابِعِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الْخَامِسُ أَنَّهُ يُتِمُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّهُ يُعِيدُ انْتَهَى.، وَاَللَّهُ أَعْلَم.

(الثَّالِث) : وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَشْهُورَ، وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَبْنِي مَا نَصُّهُ: وَكَذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ فِي السَّعْيِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ يَقْطَعُ وَيَبْنِي وَيَبْتَدِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَمُرَادُهُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الطَّوَافِ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْبِنَاءِ هُوَ الْمَذْهَبُ فِي السَّعْيِ إذَا أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ السَّعْيَ إلَّا أَنَّ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَرْقًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ هَذَا فِي الطَّوَافِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ وَتُسْتَحَبُّ فِي السَّعْيِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَلَوْ أَتَمَّ سَعْيَهُ، وَهُوَ مُحْدِثٌ أَجْزَأَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ فَتَقَوَّى الْإِشْكَالُ فِي كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الرَّابِعُ:) مَنْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ ثُمَّ رَفَضَهُ فِي أَثْنَائِهِ، هَلْ يَرْتَفِضُ وَيَبْطُلُ كَالصَّلَاةِ أَوْ لَا يَبْطُلُ بِالرَّفْضِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُضُوءِ لَمْ أَقِفْ الْآنَ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتٍ الطَّوَافِ وَشُرُوطِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ، فَلَوْ طَافَ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ طَافَ، وَوَجْهُهُ إلَى الْبَيْتِ أَوْ ظَهْرُهُ لَمْ يُجْزِهِ طَوَافُهُ، وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ فَيَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ كَذَلِكَ، وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَنْ تَرَكَهُ صَحَّ طَوَافُهُ وَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ دَمٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الطِّرَازِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَعَلْتُمْ التَّرْتِيبَ هُنَا وَاجِبًا وَجَعَلْتُمُوهُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةً فَالْجَوَابُ أَنَّهُ هُنَا مَطْلُوبٌ إجْمَاعًا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ طَافَ مَنْكُوسًا، أَمَّا الْوُضُوءُ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ إذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي هَكَذَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ (تَنْبِيهٌ) : فَلَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَلَكِنَّهُ طَافَ مَنْكُوسًا فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْيَمَانِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ (فَائِدَةٌ) : حِكْمَةُ جَعْلِ الطَّائِفِ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: فَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ جَنْبَيْ بَابِ الْبَيْتِ نِسْبَتُهُمَا إلَيْهِ كَنِسْبَةِ يَمِينِ الْإِنْسَانِ وَيَسَارِهِ إلَيْهِ فَالْحَجَرُ مَوْضِعُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُ يَسَارَ الْإِنْسَانِ، وَبَابُ الْبَيْتِ وَجْهُهُ، فَلَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْ بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهُ، وَلَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ أَقْبَلَ عَلَى الْبَابِ، وَلَا يَلِيقُ بِالْآدَابِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ، وَتَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ انْتَهَى.

ص (وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) ش: الشَّاذَرْوَانُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَطِيفٌ جِدًّا مُلْصَقٌ بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي رِحْلَتِهِ: الشَّاذَرْوَانُ لَفْظَةٌ عَجَمِيَّةٌ هِيَ فِي لِسَانِ الْفُرْسِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا عَلَى أَنَّ الشَّاذَرْوَانَ مِنْ الْبَيْتِ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ شَاسٍ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَسُئِلَ عَنْ مَمَرِّ الطَّائِفِ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ بِطَوَافٍ وَيُلْغِيهِ وَيَبْنِي عَلَى مَا طَافَ، وَهَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا شُرِعَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ إجْمَاعًا، فَإِذَا سَلَكَ فِي طَوَافِهِ الْحِجْرِ أَوْ عَلَى جِدَارِهِ أَوْ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْبَيْتِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ حَيَّزَ ذَلِكَ بِالْحَوَاجِزِ لِاسْتِكْمَالِ الطَّوَافِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ انْتَهَى.
وَعِنْدَ ابْنِ شَاسٍ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى شَاذٍّ رُوَاتِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ وَابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ وَابْن الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ وَأَظُنُّ أَنَّهُمَا وَافَقَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحَيْهِمَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَوْ خَالَفَا لَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ وَقَبِلَهُ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَعَ كَثْرَةِ تَعَقُّبِهِ لَهُ فِيمَا لَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِنُقُولِ الْمَذْهَبِ بَلْ جَزَمَ فِي فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَبِيُّ وَمِمَّنْ تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ ابْنُ مُعَلَّى وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرَهُمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَوْنَ الشَّاذَرْوَانِ مِنْ الْبَيْتِ فَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ الْعَلَامَةُ الْخَطِيبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ رُشَيْدٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا يَاءُ تَصْغِيرٍ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي رِحْلَتِهِ وَبَالَغَ فِي إنْكَارِهِ، وَقَالَ: لَا تُوجَدُ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، وَلَا ذُكِرَ مُسَمَّاهَا فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَلَا سَقِيمٍ، وَلَا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فِيمَا عَلِمْتُ، وَلَا لَهَا ذِكْرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيِّينَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا مَا وَقَعَ فِي جَوَاهِرِ ابْنِ شَاسٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَقْدَمُ مَنْ ذَكَرَهُ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ الْمُزَنِيّ، وَوَقَعَ لَهَا ذِكْرٌ مُقْتَطَفٌ فِي كِتَابِ الصَّرِيحِ مِنْ شَرْحِ الصَّحِيحِ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيَانِ حُكْمٍ، وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ ابْنِ شَاسٍ قَالَ: شَاهَدْتُ الْكَعْبَةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مَكْشُوفَةً فَلَمْ تُسْتَرْ ذَلِكَ الْعَامَ لِأَمْرٍ بَيِّنَاهُ فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ فَتَأَمَّلْتُهَا مِرَارًا وَقِسْتُ خَارِجَهَا وَالْحِجْرُ الشَّاذَرْوَانُ ثُمَّ قَالَ وَلْنَرْجِعْ إلَى

الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقُولُ: انْعَقَدَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَ طُرُوُّ هَذَا الِاسْمِ الْفَارِسِيِّ عَلَى أَنَّ الْبَيْتِ مُتَمَّمٌ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ وَلِذَلِكَ اسْتَلَمَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ الْآخَرَيْنِ، وَعَلَى أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا نَقَضَ الْبَيْتَ وَبَنَاهُ إنَّمَا زَادَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْحِجْرِ، وَأَنَّهُ أَقَامَهُ عَلَى الْأُسُسِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي عَايَنَهَا الْعُدُولُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكُبَرَاءِ التَّابِعِينَ وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَنْقُضْ إلَّا جِهَةَ الْحِجْرِ خَاصَّةً ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْمَسَالِكِ وَالْمَمَالِكِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا هَدَمَ الْكَعْبَةَ أَلْصَقَهَا بِالْأَرْضِ مِنْ جَوَانِبِهَا وَظَهَرَتْ أُسُسُهَا وَأَشْهَدَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَرَفَعَ الْبِنَاءَ عَلَى ذَلِكَ الْأَسَاسِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ فِي كِتَابِهِ الْعَقْدِ وَعَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الشَّاذَرْوَانَ إنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ قَالَ: وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْتَاجُ عِنْدِي إلَى نَقْلٍ، وَالْمُتَشَكِّكُ فِيهِ كَمَنْ شَكَّ فِي قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الْإِمَامُ الْعَلَامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ وَتَبِعَ ابْنَ رُشَيْدٍ وَالْقِبَابَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ وَشَرَحَهُ، قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ هُوَ الْمَتْبُوعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رَشِيدٍ وَزَادَ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِهِمَا وَكَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيِّ.
(قُلْتُ:) وَقَوْلُ ابْنُ رَشِيدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ ابْنَ شَاسٍ هُوَ الْمَتْبُوعُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مَنْ ذَكَرَهَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ ابْنِ شَاسٍ وَقَوْلُ ابْنِ رَشِيدٍ: إنَّ أَقْدَمَ مَنْ ذَكَرَهَا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَنِيّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ طَافَ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَعَادَ مَعَ أَنَّ ابْنَ جَمَاعَةَ مِمَّنْ رَجَّحَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، كَمَا نَقَلَهُ السُّرُوجِيُّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ ابْنُ مُسْدِيٍّ فِي مَنْسَكِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الطَّوَافُ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ جَائِزٌ، وَالْبَيْتُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْبِنَاءِ الْقَائِمِ وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ أَرْجَحُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَ الِاضْطِرَابُ فِي الشَّاذَرْوَانِ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي طَوَافِهِ ابْتِدَاءً، وَأَنَّهُ إنْ طَافَ وَبَعْضُ بَدَنِهِ فِي هَوَائِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُلْزَمَ بِالرُّجُوعِ لِذَلِكَ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْأَزْرَقِيِّ أَنَّ عَرْضَ الشَّاذَرْوَانِ ذِرَاعٌ قَالَ: وَقَدْ نَقَصَ عَمَّا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي الْجِهَاتِ قَالَ: فَتَجِبُ إعَادَتُهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ ذَلِكَ الزَّائِدِ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا سَمَّاهُ اسْتِقْصَاءَ الْبَيَانِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاذَرْوَانِ نَحْوُ نِصْفِ الْكُرَّاسِ هَذَا مُلَخَّصُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَسِتَّةُ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ أَنْ يَخْرُجَ الطَّائِفُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَنْ مِقْدَارِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْتِ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْحِجْرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فَتْحَ الْحَاءِ وَسُمِّيَ حِجْرًا لَاسْتَدَارَتْهُ، وَهُوَ مَحُوطٌ مُدَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ خَارِجٌ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ فِي جِهَةِ الشَّامِ وَيُقَالُ: لَهُ الْجُدْرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ وَضْعِ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي خَبَرٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: وَجَعَلَ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

الْحِجْرَ إلَى جَانِبِ الْبَيْتِ عَرِيشًا مِنْ أَرَاكٍ تَقْتَحِمُهُ الْعَنْزُ، وَكَانَ زَرْبًا لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا أَدْخَلَتْ فِيهِ أَذْرُعًا مِنْ الْكَعْبَةِ، كَمَا سَيَأْتِي وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِإِثْبَاتِ التَّاءِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: ذِرَاعُ الْيَدِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي التَّقْيِيدِ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ كَانَ اللَّخْمِيُّ لَمْ يُصَرِّحْ فِي كِتَابِ الْحَجِّ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ إلَّا أَنَّهُ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِأَنَّ الَّذِي مِنْ الْبَيْتِ فِي الْحِجْرِ هُوَ مِقْدَارُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، وَكَلَامُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي يُطْلَبُ الْخُرُوجُ عَنْهُ فِي الطَّوَافِ وَنَصُّهُ: لَا يُطَافُ فِي الْحِجْرِ، وَإِنْ طَافَ فِيهِ لَمْ يُجْزِهِ، فَإِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْهُ يَلِي الْبَيْتَ، وَهُوَ مِنْ الْبَيْتِ فَكَأَنَّمَا طَافَ بِبَعْضِ الْبَيْتِ، وَلَوْ تَسَوَّرَ مِنْ الطَّرَفِ لَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، وَلَيْسَ بِحَسَنٍ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَقَدْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا، وَفِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ قَوْلَهُ: وَلَيْسَ بِحَسَنٍ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ، وَغَيْرُ الْحَسَنِ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
(قُلْتُ:) وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّوَافُ إلَّا مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ جَمِيعِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا طَافَ فِي دَاخِلِ الْحِجْرِ وَيَبْنِي عَلَى مَا طَافَ خَارِجًا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَلْيَرْجِعْ، وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِأَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا شُرِعَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ إجْمَاعًا، فَإِذَا سَلَكَ فِي طَوَافِهِ الْحِجْرَ أَوْ عَلَى جِدَارِهِ أَوْ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْبَيْتِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ انْتَهَى.
فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا طَافَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الشَّاذَرْوَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ، وَلَا يُجْزِئُ الطَّوَافُ دَاخِلَ الْحِجْرِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ» ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَطُوفَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَذَلِكَ: يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ جَمِيعِهِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ خَارِجَ الْحِجْرِ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَاعْتِبَارًا بِالطَّوَافِ دَاخِلَ الْبَيْتِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: ثُمَّ يَطُوفُ خَارِجَ الْحِجْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي عُمْدَتِهِ لَمَّا ذَكَرَ شُرُوطَ الطَّوَافِ وَأَنْ يَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا يُجْزِئُ الطَّوَافُ فِي الْحِجْرِ فَمَنْ طَافَ فِيهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ بِبَعْضِ الْبَيْتِ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْوَاجِبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِهِ، وَلَا فِي دَاخِلِ الْحِجْرِ، فَإِنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَمَّا ذَكَرَ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ: الثَّالِثُ: أَنْ يَطُوفَ خَارِجَهُ لَا فِي مِحْوَطِ الْحِجْرِ، وَلَا شَاذَرْوَانِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ فَلَا يَمْشِي عَلَى الشَّاذَرْوَانِ، وَلَا عَلَى الْحِجْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ بِتَمَامِهِ، وَعَزَاهُ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ تَقْيِيدًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي شُرُوطِ الطَّوَافِ: وَكَوْنُهُ خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يُجْزِئُ دَاخِلَ الْحِجْرِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ بِتَمَامِهِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَلَا خِلَافَ، وَقَالَ ابْنُ مُسْدِيٍّ فِي مَنْسَكِهِ، أَمَّا قَوْلُنَا: وَيَطُوفُ مِنْ وَرَاءِ حِجْرِ إسْمَاعِيلَ فَهُوَ الْإِجْمَاعُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَطُوفُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ اسْتِحْبَابًا، وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِالْوُجُوبِ اسْتِبْرَاءً؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ مُقَدَّرٌ غَيْرُ مَعْلُومِ الْعَيْنِ ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ طَافَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ: يُعِيدُ اسْتِحْبَابًا، وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يُعِيدُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى انْصَرَفَ إلَى بِلَادِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ

وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالُوا: عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ كَانَ يَطُوفُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّوَافُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحِجْرِ، وَلَا عَلَى جِدَارِهِ، وَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إنَّ الرِّوَايَاتِ اضْطَرَبَتْ فِي الْحِجْرِ فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةٍ سِتَّةُ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ، وَفِي أُخْرَى سِتٌّ أَوْ نَحْوُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ وَيُرْوَى قَرِيبٌ مِنْ تِسْعٍ وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، فَإِذَا طَافَ فِي شَيْءِ مِنْ الْحِجْرِ يَكُونُ فِي شَكٍّ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ (الثَّانِي:) أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْحِجْرِ، وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَهَكَذَا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الطَّوَافِ مِنْ خَارِجِ الْحِجْرِ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ بَعْضُهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مِنْ الْبَيْتِ فَالْمُعْتَمَدُ فِي بَابِ الْحَجِّ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَبَ الطَّوَافُ بِجَمِيعِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا طَافَ دَاخِلَ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَامِلٌ لِسِتَّةِ أَذْرُعٍ، وَلِمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَلَّذِي قَالَهُ اللَّخْمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا هُوَ تَفَقُّهٌ مِنْهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي اخْتِيَارِهِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَالْقِيَاسُ، وَإِنْ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَنْ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِحَسَنٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَبِالْقَوْلِ الْآخَرِ قَالَ جَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ النَّوَوِيُّ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاحْتَجَّ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّ أَفْعَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَطَوَافُهُ خَارِجَ الْحِجْرِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ إلَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ «الْحِجْرَ مِنْ الْبَيْتِ» ، وَهِيَ رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمُقَيَّدَةِ، وَيُحْمَلُ طَوَافُهُ خَارِجَ الْحِجْرِ لِيُزِيلَ عَنْ غَيْرِهِ مَشَقَّةَ الِاحْتِرَازِ عَنْ تَحْرِيرِ السِّتَّةِ أَذْرُعٍ وَنَحْوِهَا وَمَشَقَّةَ تَسَوُّرِ جِدَارِ الْحِجْرِ خُصُوصًا لِلنِّسَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ: فِي طَوَافِ الْخُلَفَاءِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَيَكُونُ الطَّوَافُ هَكَذَا مَطْلُوبًا مِنْهُ مُتَأَكَّدًا لَا وُجُوبًا لِعَدَمِ نُهُوضِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ طَوَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ خَالَفَ إنْسَانٌ وَتَسَوَّرَ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ فَطَافَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْكَعْبَةِ خُصُوصًا عَلَى رِوَايَةِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ فَفِي الْجَزْمِ بِفَسَادِ طَوَافِهِ نَظَرٌ كَبِيرٌ مِمَّا لَا يَنْهَضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا وَآخِرُهُ بِاللَّفْظِ (قُلْتُ:) فِيمَا قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى النَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِي بَابِ الْحَجِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِر أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي آخِرِ حَجَّتِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَوَافَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانٌ لِلطَّوَافِ الْمُجْمَلِ فِي الْقُرْآنِ الثَّانِي: قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِتَأْخُذُوا عَنِّي» يَقْتَضِي وُجُوبَ كُلِّ مَا فَعَلَهُ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَلَا سِيَّمَا فِي الطَّوَافِ الَّذِي ثَبَتَتْ فَرْضِيَّتُهُ بِالْقُرْآنِ مُجْمَلًا، وَلَمْ يُعْلَمْ بَيَانُهُ إلَّا مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُحْمَلُ أَفْعَالُهُ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ كَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَالِاضْطِبَاعِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَئِمَّةُ مَذْهَبِنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ كَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وُجُوبُ الطَّوَافِ مِنْ وَرَاءِ مِحْوَطِ الْحِجْرِ، وَإِنْ طَافَ دَاخِلَهُ يُعِيدُ طَوَافَهُ، وَلَوْ تَسَوَّرَ

الْجِدَارَ وَطَافَ وَرَاءَ السِّتَّةِ الْأَذْرُعِ أَوْ السَّبْعَةِ، وَهَذَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ عَادَ إلَى بِلَادِهِ، وَكَانَ طَوَافُهُ مِنْ وَرَاءِ السِّتَّةِ الْأَذْرُعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِالْعَوْدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالْإِجْزَاءِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاذَرْوَانِ، وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفَ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالسِّتَّةِ الْأَذْرُعِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَدْ تَبِعْتُهُمْ فِي الْمَنَاسِكِ الَّتِي كُنْتُ جَمَعْتهَا ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْآنَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَبْنِي عَلَى مَا طَافَ خَارِجًا مِنْهُ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجُ فِي طُرَرِهِ عَلَى التَّهْذِيبِ يَعْنِي يَبْنِي عَلَى الْأَشْوَاطِ الْكَامِلَةِ، أَمَّا بَعْضُ الشَّوْطُ فَلَا نَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنْسَكَيْهِمَا، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ، وَلَا صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا عَلِمْتُ وَالظَّاهِرُ بِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا طَافَ خَارِجًا عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ بَعْضَ شَوْطٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الشَّوْطِ بَلْ طَافَ بَعْدَهُ شَوْطًا أَوْ أَشْوَاطًا ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَبْنِي عَلَى الْأَشْوَاطِ الْكَامِلَةِ، وَهُوَ مُرَادُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي السِّتَّةِ الْأَذْرُعِ قَوْلَيْنِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَالرَّاجِحَ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِقْبَالُهَا، فَإِنْ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، وَإِذَا صَحَّحْتُمْ عَدَمَ الِاسْتِقْبَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُصَحِّحُوا الطَّوَافَ فِيهَا قُلْنَا: أَمَّا عَلَى مَا رَجَّحْنَاهُ هُنَا مِنْ مَنْعِ الطَّوَافِ بِهِ كُلِّهِ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ؛ لِأَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَاهُ لِفِعْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ اُحْتِيطَ فِي كُلٍّ مِنْ الْبَابَيْنِ فَمَنَعُوا الصَّلَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ وَمَنَعُوا الطَّوَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ

(الثَّالِثُ:) قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ: سِعَةُ فَتْحَةِ الْحِجْرِ الشَّرْقِيَّةِ يَعْنِي الَّتِي تَلِي الْمَقَامَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَكَذَلِكَ سِعَةُ الْغَرْبِيَّةِ بِزِيَادَةِ الْقِيرَاطِ، وَذَلِكَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ، وَذَكَرَ ابْنُ جُبَيْرٍ فِي رِحْلَتِهِ أَنَّ سِعَةَ فَتْحَةِ الْحِجْرِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَقَدْ ذَرَعْتُ ذَلِكَ فَرَأَيْتُهُ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَنَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ) ش: هَذِهِ الدَّقِيقَةُ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الشَّاذَرْوَانَ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي إيضَاحِهِ: وَيَن أَنْ يُنْتَبَهَ هُنَا لِدَقِيقَةٍ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَرَأْسُهُ فِي حَالِ التَّقْبِيلِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُثَبِّتَ قَدَمَهُ فِي مَوْضِعِهِمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّقْبِيلِ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَالَتْ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِهِمَا إلَى جِهَةِ الْبَابِ قَلِيلًا ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّقْبِيلِ اعْتَدَلَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي زَالَتَا إلَيْهِ وَمَضَى مِنْ هُنَاكَ لَكَانَ قَدْ قَطَعَ جُزْءًا مِنْ طَوَافِهِ، وَيَدُهُ فِي هَوَاءِ الشَّاذَرْوَانِ فَتَبْطُلُ طَوْفَتُهُ تِلْكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ مُعَلَّى ثُمَّ نُقِلَ عَنْ غَيْرِ النَّوَوِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يَحْتَرِزَ فِي حَالِ اسْتِلَامِهِ الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ مِنْ هَذَا الشَّاذَرْوَانِ؛ لِأَنَّهُ إنْ طَافَ وَيَدُهُ وَرَأْسُهُ فِي هَوَاءِ الشَّاذَرْوَانِ أَوْ وَطِئَهُ بِرِجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ فَالْوَاجِبُ عَلَى الطَّائِفِ أَنْ يُثَبِّتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ تَقْبِيلِهِ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ يَمْشِيَ، قَالَ: وَهَذِهِ مِنْ الدَّقَائِقِ النَّفِيسَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَرْجِعُونَ بِلَا حَجٍّ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِمَا قُلْنَاهُ، قَالَ ابْنُ مُعَلَّى بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا الْكَلَامَ: قُلْتُ: وَقَدْ نَبَّهَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ الشَّاذَرْوَانِ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ، أَمَّا هَذِهِ الدَّقِيقَةُ الَّتِي حَذَّرَتْ الشَّافِعِيَّةُ مِنْهَا وَبَالَغَتْ فِي الْإِيضَاحِ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا فَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ نَبَّهَ عَلَيْهَا غَيْرَ شَيْخِنَا الْفَقِيهِ الْمُحَقِّقِ أَبِي يَحْيَى بْنِ جَمَاعَةَ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِتَذْكِرَةِ الْمُبْتَدِي مَا نَصُّهُ: وَإِذَا قَبَّلَ الطَّائِفُ الْحَجَرَ وَقَفَ حَتَّى يَعْتَدِلَ قَائِمًا وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ فِي السَّيْرِ، قَالَ ابْنُ مُعَلَّى: فَيَجِبُ التَّحَفُّظُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ التَّقْبِيلِ انْتَهَى.
كَلَامُهُ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ أَيْضًا وَقَبَّلَهُ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ وَشَرْحِهِ كَلَامَ التَّادَلِيِّ وَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ مُعَلَّى، وَقَدْ نَبَّهَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا شَيْخَنَا الْفَقِيهَ الْمُحَقِّقَ مِنْ كَلَامِ التَّادَلِيِّ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى

كَلَامِ ابْنِ مُعَلَّى فِي مَنْسَكِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ التَّادَلِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُعَلَّى وَالتَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَتَوْضِيحِهِ قَالَ فِي مَنْسَكِهِ وَلِكَوْنِ الشَّاذَرْوَانِ مِنْ الْبَيْتِ قَالُوا يَنْتَبِهُ عِنْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ إلَى نُكْتَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَطُوفُ، وَهُوَ مُطَأْطِئُ الرَّأْسِ بَلْ يُثَبِّتُ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ وَيَطُوفُ؛ لِأَنَّهُ إنْ طَافَ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ يَكُونُ قَدْ طَافَ بَعْضَ الطَّوَافِ، وَبَعْضُهُ فِي الْبَيْتِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَنَاسِكِ: ثُمَّ يَرْجِعُ أَيْ: يَرْجِعُ قَائِمًا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ يَرْجِعُ إلَى جِهَةِ خَلْفِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فَيُؤْذِي الطَّائِفِينَ بِذَلِكَ، كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيِّ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ قَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قَبَّلَ الْحَجَرَ فَلْيُثَبِّتْ قَدَمَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعْ قَائِمًا، كَمَا كَانَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَبِّلَهُ ثُمَّ يَمْشِيَ، وَهُوَ مُطَأْطِئُ الرَّأْسِ لِئَلَّا يَحْصُلَ بَعْضُ الطَّوَافِ، وَلَيْسَ جَمِيعُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَمَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا وَطَافَ، وَرَأْسُهُ أَوْ يَدُهُ فِي هَوَاءِ الشَّاذَرْوَانِ أَنَّ طَوَافَهُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، فَإِنْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ بِالْقُرْبِ عَادَ، وَمَشَى ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَإِنْ أَكْمَلَ الْأُسْبُوعَ فَيَبْطُلُ ذَلِكَ الشَّوْطُ، وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ تَرَكَ جُزْءًا مِنْ طَوَافِهِ.
(قُلْتُ:) ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ، وَأَنَّ مِنْ لَمْ يَنْتَبِهْ لِذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالرُّجُوعِ لِذَلِكَ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فِي الشَّاذَرْوَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي رِحْلَتِهِ - لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ -: فَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ تَغِيبُ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يَتَنَبَّهْ أَحَدٌ لَهَا، وَلَا نَبَّهَ حَتَّى نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا لَمِنْ الْبَعِيدِ الْقَصِيِّ فِي الْغَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إنَّ هَذَا لَمِنْ الْأَمْرِ الْبَعِيدِ الَّذِي لَا تَسْكُنُ إلَيْهِ نَفْسُ عَاقِلٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: وَقَدْ حَذَّرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّاذَرْوَانِ، وَذَكَرَ بَعْضَ كَلَامِهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ، كَمَا قَالُوا لَحَذَّرَ مِنْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ، فَتَرْكُهُمْ ذِكْرَهُ دَلِيلٌ أَنَّ مِثْلَهُ مُغْتَفَرٌ وَالتَّوَقِّي مِنْهُ أَوْلَى، أَمَّا أَنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ فَبَعِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ: وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عِنْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ مُعْتَبَرًا لَنَبَّهَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحَابَةَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلٍ، وَلَا فِعْلٍ، وَلَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَلَا الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى النَّقْلِ وَلَيْتَ مَنْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ يَقِفُ عِنْدَ مَا قَالُوهُ بَلْ يَزِيدُ بَعْضُ الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْهُمْ فَيَتَأَخَّرُ خُطْوَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى جِهَةِ وَرَائِهِ بَعْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ فَرُبَّمَا آذَى مَنْ خَلْفَهُ بِتَأَخُّرِهِ فَلْيَحْذَرْ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) ش: مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الطَّوَافِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، فَلَوْ طَافَ خَارِجَهُ لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ (قُلْتُ:) وَمِثْلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الطَّوَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَوَلَاءٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ الْمُوَالَاةُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الطَّوَافِ، فَإِنْ فَعَلَ ابْتَدَأَ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ لِضَرُورَةٍ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ تُقَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ انْتَهَى.
وَهَذَا فِي التَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ، أَمَّا فِي التَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ مُغْتَفَرٌ قَالَ: وَيُوَالِي بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَالسَّعْيِ، فَإِنْ فَرَّقَ الطَّوَافَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ يَسِيرًا أَوْ يَكُونَ لِعُذْرٍ، وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ تَوَضَّأَ وَاسْتَأْنَفَ الطَّوَافَ مِنْ أَوَّلِهِ سَوَاءٌ اُنْتُقِضَتْ طَهَارَتُهُ تَعَمُّدًا أَوْ غَلَبَةً انْتَهَى.
وَصَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَيْضًا بِأَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يُفْسِدُ الطَّوَافَ، وَنَصُّهُ: الطَّائِفُ يَخْرُجُ لِلْمَكْتُوبَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَفْسُدُ بِالتَّفْرِيقِ الْيَسِيرِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَشْهَبَ: إنَّهُ يَبْنِي إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، وَجْهُهُ أَنَّهُ عِبَادَةٌ

لَا يُفْسِدُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مَعَ الذِّكْرِ فِي حَالٍ فَلَا يُنَافِيهَا، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهُ لِفِعْلٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ بِنَاؤُهُ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ الْبِنَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ طَوِيلٌ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا خَرَجَ لِنَفَقَةٍ نَسِيَهَا: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَبْتَدِئُ، وَلَمْ يُفَصِّلْ، هَلْ طَالَ أَوْ قَصَرَ؟ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ: إنْ لَمْ يَطُلْ بَنَى، وَهُوَ أَعْذَرُ مِنْ الَّذِي خَرَجَ لِلْجِنَازَةِ، وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ يَبْنِي فِي يَسِيرِ التَّفْرِيقِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لَكِنْ يُكْرَهُ مِنْهُ مَا لَا يَكُونُ لِعُذْرٍ وَحَاجَةٍ وَيُسْتَحَبُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبْتَدِئَ أَيْ: وَلَمْ يَجْرِ فِيهِ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ مَعَ الذِّكْرِ لِمَا جَاوَزَهُ لِلْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَيَجْزِي فِي يَسِيرِ التَّفْرِيقِ فِي الْعَمْدِ عَلَى حُكْمِ الطَّهَارَةِ لَا عَلَى حُكْمِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْمَاءِ فِي الطَّوَافِ لِمَنْ يُصِيبُهُ ظَمَأٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: يَبْتَدِئُ إذَا خَرَجَ لِنَفَقَةٍ نَسِيَهَا إنَّمَا يُرِيدُونَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، أَمَّا مَنْ نَسِيَ نَفَقَةً أَوْ شَيْئًا فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ مِنْ الطَّوَافِ وَأَخَذَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ طَوَافُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَبْعًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ فِي الطَّوَافِ لَحْظَةً لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ طَوَافُهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْوُقُوفُ لِلْحَدِيثِ فِي السَّعْيِ وَالطَّوَافِ أَشَدُّ مِنْهُ بِغَيْرِ وُقُوفٍ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ أَشَدُّ انْتَهَى.
مِنْ التَّادَلِيِّ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ لَا يَبْطُلُ بِهِ الطَّوَافُ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

ص (وَابْتَدَأَ إنْ قَطْعَ الْجِنَازَةَ وَنَفَقَةً) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَطَعَ طَوَافَهُ وَصَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ قَطَعَهُ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ مِنْ أَوَّلِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الطَّوَافُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا تَكَلَّمَ هُنَا عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ قَطْعِ الطَّوَافِ لِذَلِكَ أَمَّا الْجِنَازَةُ فَلَا شَكَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقَطْعِ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: وَلَا يَقْطَعُ لِجِنَازَةٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَقَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: الْخِلَافُ فِي الْبِنَاءِ لَا فِي الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ لِلْجِنَازَةِ ابْتِدَاءً، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ تَعَيَّنَتْ الْجِنَازَةُ وَخَشِيَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرَ فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ الْقَطْعُ، وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَوَلَاءٌ، وَفِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَإِذَا قُلْنَا: يَقْطَعُ إذَا تَعَيَّنَتْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَبْنِي أَيْضًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، أَمَّا الْقَطْعُ لِنَفَقَةٍ إذَا نَسِيَهَا، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الْخُرُوجِ لِلنَّفَقَةِ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَخْرُجُ إلَّا لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا بِالْبِنَاءِ مُخَرَّجٌ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْجِنَازَةِ: وَلَوْ قَالُوا بِجَوَازِ الْخُرُوجِ لِلنَّفَقَةِ لَكَانَ أَظْهَرَ، كَمَا أَجَازُوا قَطْعَ الصَّلَاةِ لِمَنْ أُخِذَ لَهُ مَالٌ لَهُ بَالٌ، وَهَذَا أَشَدُّ حُرْمَةً وَجَعَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخِلَافَ فِي الْقَطْعِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ اهـ وَجَزَمَ فِي مَنَاسِكِهِ بِمَا بَحَثَهُ فِي تَوْضِيحِهِ فَقَالَ: وَيَقْطَعُ إذَا نَسِيَ نَفَقَتَهُ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ لَا يَبْنِي عَلَى الْمَشْهُورِ انْتَهَى.
، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الْقَطْعُ فِيمَنْ خَرَجَ لِلنَّفَقَةِ إنَّمَا هُوَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، كَمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَوَلَاءٌ.
ص (أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ) ش: يُرِيدُ وَطَالَ الْأَمْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، أَمَّا إنْ تَذَكَّرَ بِأَثَرِ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا طَافَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَاعْتِرَاضُهَا فِي التَّوْضِيحِ بِمَا ذَكَرْنَا وَنَصُّهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَمَّلَ سَعْيَهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ عَلَى الْمَشْهُورِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ إذَا ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ الْفَرَاغِ مِنْ سَعْيِهِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَبْتَدِئُ إذَا طَالَ أَمْرُهُ بَعْدَ إكْمَالِ سَعْيِهِ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ سَنَدٌ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَبْنِي بَعْدَ فَرَاغِ السَّعْيِ، وَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَمْنَعُ مِثْلُهُ الْبِنَاءَ فِي

الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا: لَمَّا كَانَ السَّعْيُ مُرْتَبِطًا بِالطَّوَافِ حَتَّى لَا يَصِحَّ دُونَهُ جَرَى مَعَهُ مِثْلَ مَجْرَى الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَمَنْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْبَقَرَةَ عَادَ إلَى سُجُودِ الْأُولَى، وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْقُرْبُ مِنْ الْبُعْدِ لِلْحَالَةِ الَّتِي فَرَغَ فِيهَا مِنْ السَّعْيِ، فَإِنْ قَرُبَ مِنْهَا بَنَى، وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ انْتَهَى.
بِاخْتِصَارٍ (قُلْتُ:) فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ لَا سَعْيَ بَعْدَهُ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ وَالتَّطَوُّعِ فَيُرَاعَى الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ مِنْ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ) ش: ظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْقَطْعِ لِلْفَرِيضَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَطْعِ لِقَوْلِ الْأَبْهَرِيِّ فِي تَعْلِيلِ الْبِنَاءِ إذَا قَطَعَ لِلْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ إذَا كَانَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْعُتْبِيَّةِ وَهَكَذَا أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى أَنَّ ظَاهِرَ نُصُوصِهِمْ وُجُوبُ الْقَطْعِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ يَقْطَعُهُ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا أَمْرُهُ بِالْقَطْعِ لَا تَخْيِيرُهُ وَقَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ: لَا بَأْسَ بِقَطْعِهِ يَقْتَضِي تَخْيِيرَهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْجَلَّابِ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ تَوَهُّمِ قَطْعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ لِعِبَادَةٍ أُخْرَى فَتَتَّفِقُ النُّقُولُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَوْلُهُ: قَطَعَهُ الضَّمِيرُ لِلطَّوَافِ سَوَاءٌ كَانَ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً فَيَقْطَعُهُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَلَا يَقْطَعُ الطَّوَافَ الْفَرْضَ لِغَيْرِ الْفَرِيضَةِ، فَلَوْ كَانَ فِي طَوَافٍ وَاجِبٍ وَخَشِيَ أَنْ تُقَامَ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَتَفُوتَهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَمْ يَقْطَعْ الطَّوَافَ لِذَلِكَ نَعَمْ اسْتَخَفَّ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنْ يَقْطَعَ الطَّوَافَ التَّطَوُّعَ إذَا خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَيُصَلِّيَ الْفَجْرَ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَى طَوَافِهِ وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ (الثَّانِي:) : هَذَا الْفِعْلُ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْوُقُوعِ، أَمَّا ابْتِدَاءً فَالْأَوْلَى بِالشَّخْصِ أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ إذَا خَافَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ فِيهِ الْكَلَامُ وَالشُّغْلُ الْيَسِيرُ فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ لِشَيْءٍ إلَّا لِلصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَاسْتُخِفَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ طَوَافَهُ النَّافِلَةَ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الطَّوَافِ إذَا خَشِيَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ طَوَافِهِ، وَلَا أَنْ يَدْخُلَ فِي طَوَافِ التَّطَوُّعِ إذَا خَشِيَ أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ إنْ أَكْمَلَ طَوَافَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ التَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُ (الثَّالِثُ:) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّائِفُ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ أَمَّا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ الطَّوَافَ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ وَيَعْتَدَّ بِصَلَاتِهِ الَّتِي فِي بَيْتِهِ حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) لَيْسَ كَلَامُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ صَرِيحًا فِيمَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ، قَالَ: يَقْطَعُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّقْيِيدَ، ثُمَّ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ غَائِبِ الطَّوَافِ وَاسْتِلَامِ الرُّكْنِ مَا نَصُّهُ: وَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي بَيْتِهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ جَاءَ الْمَسْجِدَ فَطَافَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ تِلْكَ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا يَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ قُلْتُ: لِمَ، وَهُوَ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ تَرَكَ الْإِمَامَ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ هِيَ الَّتِي صَلَّى فِي بَيْتِهِ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) فَقَوْلُهُ: إنْ شَاءَ تَرَكَ الْإِمَامَ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ، أَمَّا إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: إذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَقْطَعُ إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْفَرِيضَةُ فَهَلْ يَقْطَعُ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ الْمُعْتَبَرُ إمَامُ الْمَقَامِ؟ فَالْجَوَابُ

أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ: هَلْ هَذِهِ الْمَقَامَاتُ كَمَسَاجِدَ مُسْتَقِلَّةٍ بِأَئِمَّةٍ رَاتِبِينَ أَوْ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ هُوَ إمَامُ الْمَقَامِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَمَا عَدَاهُ كَجَمَاعَةٍ بَعْدَ جَمَاعَةٍ فِي مَسْجِدٍ أَوْ إمَامٍ رَاتِبٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقْطَعُ الطَّوَافَ إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ أَحَدِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَقْطَعُ لِغَيْرِ صَلَاةِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ: وَالرَّابِعُ: كَرَجُلٍ وَاحِدٍ صَلَّى بِجَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَجِبُ قَطْعُ الطَّوَافِ لِأَجْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ فَتْوَى جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ صَلَاتَهُمْ جَائِزَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا إذْ مَقَامَاتُهُمْ كَمَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ لِأَمْرِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ هُوَ إمَامُ الْمَقَامِ، وَلَا أَثَرَ لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ فِي رَفْعِ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ كَلَامَهُمْ وَكَلَامَ الْمُخَالِفِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْحُبَابِ وَبَيَّنَّا أَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَقْطَعُ لِإِقَامَةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الرَّاتِبُ عَلَى أَنَّ فِي تَصْوِيرِ الْقَطْعِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ بُعْدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مُتَّصِلَةٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ أَنَّهُ حَصَلَ فَصَلَّى بَيْنَ صَلَاتِهِمْ حَتَّى شَرَعَ شَخْصٌ فِي طَوَافٍ وَطَافَ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ الْفَضْلِ، أَمَّا مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى يَفْرُغُوا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةٌ فِي مَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَا يُقَالُ: لِمَنْ صَلَّى مَعَ إمَامٍ لَا تَتَنَفَّلْ، وَلَا تَطُفْ حَتَّى يَفْرُغَ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

(الْخَامِسُ:) إذَا دَخَلَ الْخَطِيبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حِينَئِذٍ أَنْ يَشْرَعَ فِي طَوَافٍ لَا وَاجِبٍ، وَلَا تَطَوُّعٍ قَالَ سَنَدٌ فِي الْقَادِمِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ: بَدَأَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ إلَّا أَنْ يَجِدَ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ يَجِدَ الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَهُ ثُمَّ يَطُوفُ، وَكَذَلِكَ إذَا خَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَطُوفُ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حِينِ دُخُولِ الْإِمَامِ الْمَسْجِدَ، وَمَنْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ ثُمَّ دَخَلَ الْخَطِيبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يُتِمُّ طَوَافَهُ إلَى أَنْ يَشْرَعَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ، فَإِنْ أَكْمَلَ طَوَافَهُ لَمْ يَرْكَعْ وَيُؤَخِّرْ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْ طَوَافَهُ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ حِينَئِذٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(السَّادِسُ) : مَنْ ذَكَرَ فِي الطَّوَافِ صَلَاةَ فَرِيضَةٍ وَخَافَ فَوَاتَ وَقْتِهَا، فَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ نَافِلَةً فَلَا إشْكَالَ فِي قَطْعِهِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَبْنِي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ كَانَ طَوَافُهُ فَرِيضَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَوْفَ فَوَاتِ الْوَقْتِ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْطَعُهُ لِإِقَامَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلطَّائِفِ إذَا خَرَجَ لِلْفَرِيضَةِ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى تَمَامِ شَوْطٍ، وَهُوَ إذَا بَلَغَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إتْمَامُ الشَّوْطِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ فِي الْجَلَّابِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ يُرِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْوَاطِ الْكَامِلَةِ فَلَا يَبْتَدِئُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فِي شَوْطٍ إذَا أَكْمَلَ الشَّوْطَ الَّذِي هُوَ فِيهِ (فَرْعٌ) : فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ، كَمَالِ الشَّوْطِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَبْنِي مِنْ حَيْثُ قَطَعَ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ الشَّوْطَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى الْوِفَاقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الطِّرَازِ (فَرْعٌ) : إذَا خَرَجَ لِلْفَرِيضَةِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي قَبْلَ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: فَإِنْ تَنَفَّلَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ ابْتَدَأَهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ (قُلْتُ:) وَكَذَا لَوْ جَلَسَ بَعْدَ الصَّلَاةِ

جُلُوسًا طَوِيلًا لِذِكْرٍ أَوْ حَدِيثٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الطَّوَافَ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبَنَى إنْ رَعَفَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَعَفَ فِي الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ، فَإِذَا غَسَلَ الدَّمَ رَجَعَ، وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ فِي الرُّعَافِ فِي الصَّلَاةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَا أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْمَكَانَ الْقَرِيبَ إلَى مَكَان أَبْعَدَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ وَأَنْ لَا يَبْعُدَ الْمَكَانُ جِدًّا (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: إنْ رَعَفَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: كَأَنْ رَعَفَ بِالْكَافِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ، كَمَا إذَا رَعَفَ، فَإِنَّهُ يَبْنِي بِخِلَافِ النُّسْخَةِ الَّتِي بِإِسْقَاطِ الْكَافِ، فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ إلَّا أَنَّهُ يَبْنِي إنْ رَعَفَ، وَلَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُ إذَا قَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ، هَلْ يَبْنِي أَمْ يَبْتَدِئُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ، وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ يُزِيلُهَا وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ طَوَافِهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ خِفَّةُ أَمْرِ الطَّوَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ فِي الصَّلَاةِ الْقَطْعُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) لَا خَفَاءَ فِي خِفَّةِ أَمْرِ الطَّوَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْبِنَاءِ هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُعَلَّى فِي مَنَاسِكِهِ، وَلَمْ يَحْكِيَا غَيْرَهُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَحَكَى الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ذَكَرَ فِي الطَّوَافِ أَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي عَلَيْهِ نَجَسٌ فَعَلَى مَذْهَبِ أَصْبَغَ يَخْلَعُهُ وَيَبْتَدِئُ وَيُشْبِهُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ انْتَهَى.
فَلَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ وَابْنَ مُعَلَّى اعْتَمَدَا عَلَى مَا قَالَهُ التُّونُسِيُّ أَوْ رَأَيَا مَا يُقَوِّيهِ، وَكَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ، وَيَن وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أَجَازَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لِمَنْ عَلِمَ بِنَجَاسَةٍ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَطْرَحَهَا، وَيَبْنِيَ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ: أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّهُ أَجَازَ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ خَرَجَ لِغَسْلِ النَّجَاسَةِ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَبْنِيَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَرِيبًا، وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فَطَرَحَهَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ وَاحْتَاجَتْ إلَى غَسْلٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، أَمَّا مَنْ طَالَ فَيَبْطُلُ الطَّوَافُ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ الْبِنَاءِ، وَنَصُّهُ: وَشَرْطُ، كَمَالِهِ يَعْنِي الطَّوَافَ طَهَارَةُ الْخَبَثِ لِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ يُكْرَهُ بِثَوْبٍ نَجِسٍ، وَفِيهَا إذَا ذَكَرَ أَنَّهُ طَافَ وَاجِبًا بِنَجَاسَةٍ لَمْ يُعِدْهُ كَذِكْرِهِ بَعْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ: أَنَّ ذِكْرَهَا فِيهِ ابْتَدَأَ ابْنُ عَرَفَةَ حَكَاهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ عَنْهُ وَبَعْدَهُ أَعَادَهُ وَالسَّعْيُ إنْ قَرُبَ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ هَدْيُهُ وَذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ دُونَ اسْتِحْبَابِ الْهَدْيِ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِالْقِيَاسِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّ ذِكْرَهَا فِيهِ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ السَّابِقِ، وَالْجَارِي عَلَى عَادَتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْرِفُهُ إلَّا قَوْلَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ طَافَ بِهَا عَامِدًا فَفِي صِحَّتِهِ وَإِعَادَتِهِ أَبَدًا قَوْلَانِ أَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ يُكْرَهُ بِثَوْبٍ نَجِسٍ وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الصَّلَاةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) تَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ هُوَ الْقَوْلُ بِالْإِعَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَافَ بِنَجَاسَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَطْ إنْ كَانَ قَرِيبًا هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَزَادَ قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ، وَقَالَ: فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ طَالَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِزَوَالِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ، هَلْ إعَادَتُهُمَا بِالْقُرْبِ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: يُعِيدُهُمَا

اسْتِحْبَابًا وَأَصْبَغُ يَقُولُ بِنَفْيِ الْإِعَادَةِ (تَنْبِيهٌ) : لَمْ نَقِفْ عَلَى حَدِّ الْقُرْبِ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَحُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْبِنَاءُ إذَا نَسِيَ بَعْضَ الطَّوَافِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إنْ فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ

ص (وَعَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي الْمُوَطَّإِ وَشَكُّ النَّقْصِ كَتَحَقُّقِهِ الْبَاجِيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ تَمَامِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْفِيفَ مَالِكٍ لِلشَّكِّ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلَيْنِ طَافَا مَعَهُ الشَّيْخُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلٍ مَعَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ الْقِيَاسُ: إلْغَاءُ قَوْلِ غَيْرِهِ وَبِنَاؤُهُ عَلَى يَقِينِهِ كَالصَّلَاةِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَفَرَّقَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَالطَّوَافُ عِبَادَةٌ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ فَيُعْتَبَرُ قَوْلُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِيهَا كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) اخْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامَ الْمُوَطَّإِ جِدًّا حَتَّى إنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ فِي الشَّكِّ فِي حَالِ الطَّوَافِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَلِيُعِدْ فَلْيُتِمَّ طَوَافَهُ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِطَوَافٍ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ السَّبْعِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ اسْتَنْكَحَهُ قَلِيلُهُ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الصَّلَاةِ: الْإِلْهَاءُ يُتَصَوَّرُ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ وَالْعِصْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالِاسْتِنْكَاحُ بَلَاءٌ وَدَوَاؤُهُ الْإِلْهَاءُ فَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ الدَّوَاءَ فَمُبْتَدِعٌ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ سَوَاءٌ شَكَّ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ بَلْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَبْعًا عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي إكْمَالِ طَوَافِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ فَقَوْلُ الْبَاجِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّكَّ بَعْدَ تَمَامِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بَحْثٌ مِنْهُ مُقَابِلٌ لِلْمَنْصُوصِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ الْقِيَاسُ إلْغَاءُ قَوْلِ غَيْرِهِ بَحْثٌ مِنْهُ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَقْبَلُ خَبَرَ مَنْ مَعَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلَّا عَادَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ، وَلَا دَمَ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَافَ فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ لِزِحَامٍ، فَإِنَّ طَوَافَهُ جَائِزٌ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:، وَمَنْ طَافَ وَرَاءَ زَمْزَمَ أَوْ سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ مِنْ زِحَامِ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ طَافَ فِي سَقَائِفِهِ بِغَيْرِ زِحَامٍ وَنَحْوِهِ أَعَادَ الطَّوَافَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَصِحُّ الطَّوَافُ فِي السَّقَائِفِ، وَلَوْ لِزِحَامٍ، وَهُوَ كَالطَّوَافِ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِي الزِّحَامُ إلَى السَّقَائِفِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَلَمْ نَسْمَعْ قَطُّ أَنَّ الزِّحَامَ انْتَهَى إلَيْهَا بَلْ لَا يُجَاوِزُ النَّاسُ مَحِلَّ الطَّوَافِ الْمُعْتَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَعَادَهُ، وَإِنْ طَافَ فِي السَّقَائِفِ لَا لِزِحَامٍ بَلْ لِحَرٍّ أَوْ مَطَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيُعِيدُ طَوَافَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ لِأَجْلِ الطَّوَافِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْبَاجِيِّ وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وُجُوبُ الدَّمِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَلَا يَطُوفُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا مِنْ وَرَاءِ السَّقَائِفِ، فَإِنْ فَعَلَ مُخْتَارًا أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ عَادَ إلَى بَلَدِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ أَوْ يَرْجِعُ لِلْأَشْيَاخِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ بِالْبَيْتِ، الثَّانِي: يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ الطَّوَافُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَطُوفُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا مِنْ وَرَاءِ السَّقَائِفِ، فَإِنْ فَعَلَ مُخْتَارًا أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ أَوْ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ؟ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ كَلَامَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ لِزِحَامٍ، وَفِي صِحَّتِهِ فِي سَقَائِفَ لَهُ أَيْ: لِلزِّحَامِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَا لِزِحَامٍ فِي عَدَمِ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ قَوْلَا الشَّيْخِ وَابْنِ شَبْلُونٍ وَخَرَّجَهُمَا الصَّقَلِّيُّ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مُتَمِّمًا قَوْلَ الشَّيْخِ بِالدَّمِ، وَنَقْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَفْسِيرَ الْبَاجِيِّ بِعَدَمِ الدَّمِ لَمْ أَجِدْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا فِيمَنْ

طَافَ فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ زِحَامٍ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَيُجْزِئُهُ، وَلَا دَمَ فِي هَذَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ النُّكَتِ اخْتِلَافَ أَبِي مُحَمَّدٍ وَابْنِ شَبْلُونٍ، هَلْ يَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ لَا عَلَى مَا ذَكَرْتُ عَنْهُمَا انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِ النُّكَتِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ سُقُوطَ الدَّمِ، وَلَا وُجُوبَهُ، أَمَّا ابْنُ يُونُسَ، فَإِنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَعَ الدَّمِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَافَ رَاكِبًا، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ، وَنَقَلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ بِنَفْيٍ، وَلَا إثْبَاتٍ، وَنَصُّهُ: وَلَا يَطُوفُ فِي الْحِجْرِ، وَلَا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ طَافَ فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ مِنْ زِحَامٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ فَعَلَ اخْتِيَارًا أَوْ فِرَارًا مِنْ الشَّمْسِ أَعَادَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُجْزِئُهُ إنْ كَانَ فِرَارًا مِنْ الشَّمْسِ قَالَ أَشْهَبُ: وَهُوَ كَالطَّائِفِ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا: لَا يُجْزِئُ الطَّائِفُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، كَمَا حَالَتْ أُسْطُوَانَاتُ السَّقَائِفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ انْتَهَى.
فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعَدَمِ الرُّجُوعِ فَضْلًا عَنْ لُزُومِ الدَّمِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ وُجُوبُ الدَّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الطَّوَافِ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ حُكْمَهُ حُكْمَ الطَّوَافِ فِي السَّقَائِفِ، وَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الطَّوَافِ فِيهَا وَنَصُّهُ: وَلَا يُطَافُ فِي الْحِجْرِ، وَلَا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ طَافَ فِي سَقَائِفِ الْمَسْجِدِ مِنْ زِحَامٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ فَعَلَ اخْتِيَارًا أَوْ فِرَارًا مِنْ الشَّمْسِ أَعَادَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: لَا يُجْزِئُهُ إنْ كَانَ فِرَارًا مِنْ الشَّمْسِ قَالَ أَشْهَبُ: وَهُوَ كَالطَّائِفِ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا: لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، كَمَا حَالَتْ أُسْطُوَانَاتُ السَّقَائِفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ انْتَهَى.
وَرَدَّهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ زَمْزَمَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُؤَثِّرُ كَالْمَقَامِ وَحَفْرٍ فِي الْمَطَافِ، وَنَصُّهُ: وَخَرَّجَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الطَّوَافَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ عَلَى مَنْعِ أَشْهَبَ فِي السَّقَائِفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمْزَمَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ عَارِضٌ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِينَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقَامِ، وَحَفْرٍ فِي الْمَطَافِ؛ لِأَنَّ زَمْزَمَ فِي حِيَالَتِهِ كَأُسْطُوَانَاتِ السَّقَائِفِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ زَمْزَمَ فِي جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَأَنَّهُ عَارِضٌ عَرَضَ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الطَّائِفِينَ فَلَا يُؤَثِّرُ كَالْمَقَامِ وَكَخَشَبِ الْوَقِيدِ وَكَحَفْرٍ فِي الْمَطَافِ وَشِبْهِ ذَلِكَ بِخِلَافٍ الْأُسْطُوَانَاتِ الدَّائِرَةِ بِالسَّقَائِفِ، فَإِنَّهَا كَالْحَاجِزِ الدَّائِرِ الْخَارِجِ عَنْ سِلْكِ الطَّائِفِينَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّهُ، قَالَ سَنَدٌ: وَخَرَّجَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَنْعَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ عَلَى مَنْعِ أَشْهَبَ فِي السَّقَائِفِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ زَمْزَمَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ عَارِضٌ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِينَ فَلَا يُؤَثِّرُ كَالْمَقَامِ أَوْ حَفْرٍ فِي الْمَطَافِ انْتَهَى.
وَعَزَا فِي التَّوْضِيحِ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ لِلْقَرَافِيِّ وَتَبِعَ اللَّخْمِيَّ فِي إلْحَاقِ زَمْزَمَ بِالسَّقَائِفِ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَاقْتَصَرَا عَلَى مَا قَالَهُ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُمَا، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَجَعَلَ الْأَشْهَرَ مِنْهُمَا اللُّحُوقَ، فَقَالَ: دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لَا مِنْ وَرَائِهِ، وَلَا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ وَشِبْهِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ إلَّا مِنْ زِحَامٍ انْتَهَى.
، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ انْتَهَى.
فَقَالَ: وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ بِهَا أَيْ: بِالسَّقَائِفِ مَا وَرَاءَ زَمْزَمَ وَرَدَّهُ سَنَدٌ بِأَنَّ زَمْزَمَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ وَشِبْهِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ إلَّا مِنْ زِحَامٍ لَا أَعْرِفُهُ انْتَهَى.
وَسَبَقَهُ إلَى الْإِنْكَارِ الْمَذْكُورِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَذْكُورِ، قَالَ ابْنُ هَارُونَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ نَفَى الْإِجْزَاءَ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَشْهَرِ عَائِدٌ عَلَى زَمْزَمَ وَشِبْهُهُ وَشِبْهُ زَمْزَمَ قُبَّةُ الشَّرَابِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: عَلَى الْأَشْهَرِ عَلَى مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ كَلَامِهِ، وَانْظُرْ كَيْفَ شَهَّرَ الْمُصَنِّفُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ فِي زَمْزَمَ وَشِبْهِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى

مَا نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ وَغَيْرُهُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَلِكَوْنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى زَمْزَمَ خَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى قَوْلِهِمَا فِي السَّقَائِفِ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ:) مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَقَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَتَبِعَهُمْ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ زَمْزَمَ حُكْمُ السَّقَائِفِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: عَلَى الْأَشْهَرِ عَلَى مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَا عَلَى الِابْتِدَاءِ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْمَحِلِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ فِي جَوَازِ الطَّوَافِ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا عَدَمُ الْجَوَازِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُجْزِئُ مَعَ الْعُذْرِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُجْزِئُ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) فُهِمَ مِنْ احْتِجَاجِ سَنَدٍ بِجَوَازِ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ لِكَوْنِهَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْمَقَامِ أَنَّ الطَّوَافَ مِنْ خَلْفِ الْمَقَامِ لَا يُؤَثِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الطَّوَافُ مِنْ خَلْفِ الْأَسَاطِينِ الَّتِي فِي نَاحِيَةِ الطَّوَافِ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي شِبْهِ زَمْزَمَ أَنَّهُ كَقُبَّةِ الشَّرَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ) ش لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الطَّوَافَ الرُّكْنِيَّ فِي الْحَجِّ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ يَجِبُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَحِلَّهُ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ السَّعْيِ مَعَهُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ فَأَفَادَ كَلَامُهُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّوَافَ وَاجِبٌ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَاجِبًا فَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَقَبَلُوهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ الْوُجُوبَ وَزَعَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّ إطْلَاقَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ لَفْظَهُ مَعَ تَكْرَارِهِ لِذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ الَّتِي اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيهَا فَمِنْهُمْ مِنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْوُجُوبِ وَبَعْضُهُمْ بِالسُّنَّةِ وَالتَّحْقِيقُ فِيهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَنَّ فِي إطْلَاقِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا مُسَامَحَةً، كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي جَمَعْتُهُ فِي الْمَنَاسِكَ الْمُسَمَّى هِدَايَةُ السَّالِكِ الْمُحْتَاجِ إلَى بَيَانِ أَفْعَالِ الْمُعْتَمَرِ وَالْحَاجِّ، وَفِي قَوْلِهِ: وَجَبَ إشَارَةٌ إلَى الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذَا الطَّوَافِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ، وَهَذَا وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، أَمَّا كَوْنُهُ يَجِبُ إيقَاعُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَكَذَا إيقَاعُ السَّعْيِ بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ مَحِلُّهُمَا اتِّفَاقًا فَمَنْ تَرَكَهُ أَوْ تَرَكَ تَقْدِيمَ السَّعْيِ بَعْدَهُ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ، وَلَيْسَ بِمُرَاهِقٍ، وَلَا حَائِضٍ، وَلَا نَاسٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي سُقُوطِ الدَّمِ قَوْلَيْنِ، وَعَزَا السُّقُوطَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ لِابْنِ الْجَلَّابِ وَالْأَبْهَرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ نَاسِيهِ كَعَامِدِهِ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الدَّمِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْجَلَّابِ بِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَ، وَإِنْ تَرَكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ نَاسِيًا، وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مُرَاهِقٍ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ بِخِلَافِ الْمُرَاهِقِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ.
ص (إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَتَعْجِيلُ السَّعْيِ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ إذَا خَرَجُوا

لِلْحِلِّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُمَا أَيْ: الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَاجِبَانِ قَبْلَ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَاضِرًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُؤْمَرُ بِهِمَا كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَاهِقٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: حَاضِرًا أَوْ غَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ قَادِمٌ عَلَى مَكَّةَ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ يَعْنِي أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيَ يَجِبَانِ عَلَى الْقَادِمِ الْآفَاقِيِّ، وَعَلَى الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُقِيمِينَ إذَا خَرَجُوا إلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمُوا مِنْهُ ثُمَّ دَخَلُوا إلَى مَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَنْزِلِهِ مِنْ الْحَرَمِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فِي تَأْخِيرِ الطَّوَافِ، وَإِنْ أَحْرَمَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْحِلِّ فَلْيُعَجِّلُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُرَاهِقِينَ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَيْ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَى الْقَادِمِ، وَلَوْ كَانَ مَكِّيًّا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ لَا مَفْهُومَ لَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ خَرَجَ لِلْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلْحِلِّ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَتَعْجِيلُ السَّعْيِ بَعْدَهُ، كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ) ش: أَيْ: وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَلَكِنَّهُ مُرَاهِقٌ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِذَا لَمْ يُطْلَبْ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ السَّعْيَ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ عَقِبَ أَحَدِ طَوَافِي الْحَجِّ فَلَمَّا سَقَطَ طَوَافُ الْقُدُومِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَقِبَهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَتَى يَكُونُ الْحَاجُّ مُرَاهِقًا إنْ قَدِمَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَحْبَبْتُ تَأْخِيرَ طَوَافِهِ، وَإِنْ قَدِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَحْبَبْتُ تَعْجِيلَهُ، وَلَهُ فِي التَّأْخِيرِ سِعَةُ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ إنْ قَدِمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلْيُؤَخِّرْهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ طَافَ وَسَعَى، وَإِنْ قَدِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَمَعَهُ أَهْلٌ فَلْيُؤَخِّرْ إنْ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَهْلٌ فَلْيَطُفْ، وَلْيَسْعَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الِاشْتِغَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى عَرَفَةَ أَوْلَى، أَمَّا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلٌ كَانَ فِي شُغْلٍ مِمَّا لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ بِالْأَهْلِ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: لِأَنَّهُ بِأَهْلِهِ فِي شُغْلٍ، وَحَالُ الْمُنْفَرِدِ أَخَفُّ، وَقَالَ قَبْلَهُ: وَالْمُرَاهِقُ هُوَ الَّذِي يَضِيقُ وَقْتُهُ عَنْ إيقَاعِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيَ، مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَيَخْشَى فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ تَشَاغَلَ بِذَلِكَ فَلَهُ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ، وَنَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ انْتَهَى مِنْ مَنَاسِكِهِ.

(الثَّانِي:) حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مِنْ الْحِلِّ حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ فِي وُجُوبِ طَوَافِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَتَعْجِيلِ السَّعْيِ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَاهِقٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (الثَّالِثُ:) إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي الْحِلِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مِنْ الْحِلِّ فِي وُجُوبِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) إذَا أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ أَرْدَفَ عَلَيْهَا حَجَّةً وَصَارَ قَارِنًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا دَخَلَ مِنْ الْحِلِّ لَا يَطُوفُ، وَلَا يَسْعَى؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَهَا، وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْقِرَانِ مِنْ الْحِلِّ وَمَضَى إلَى عَرَفَاتٍ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِمُرَاهِقٍ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْقُدُومِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي مَنَاسِكِهِ يُوهِمُ سُقُوطَ الدَّمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ قَدِمَ، وَلَمْ يَعُدْ) ش: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ سَعْيَهُ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَلْ قَدَّمَهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ إثْرَ طَوَافٍ طَافَهُ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُعِيدَ السَّعْيَ إثْرَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ شَامِلٌ لِلْمُرَاهِقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَ إذَا قَدَّمَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ أَجْزَأَهُ، وَلَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ السَّعْيِ

لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي حَقِّهِ رُخْصَةٌ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الشِّبْهُ بَيْنَ الْمُرَاهِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي مُطْلَقِ السُّقُوطِ، وَإِلَّا فَالطَّوَافُ سَاقِطٌ فِي حَقِّ الْمُرَاهِقِ لِلْمَشَقَّةِ وَخَوْفِ فَوَاتِ عَرَفَةَ حَتَّى لَوْ تَجَشَّمَ الْمَشَقَّةَ وَغَرَّرَ فَأَدْرَكَ فَطَافَ وَسَعَى لَكَانَ آتِيًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ بِالْأَصْلِ، أَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ انْتَهَى.
، وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا، وَقَالَ لَعَلَّ قَوْلَهُ إنْ قَدِمَ فِيهِ إيمَاءٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ فِيهِ: قَدِمَ بَلْ أَوْقَعَهُ فِي مَحِلِّهِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى.
، مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ سَعَى وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ مُقْتَصِرًا أَجْزَاءَهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا يُؤَخِّرُ الْمُحْرِمُ مِنْ مَكَّةَ سَعْيَهُ لِآخِرِ إفَاضَتِهِ، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ وُقُوفِهِ أَعَادَ سَعْيَهُ إثْرَهَا، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ كَفَاهُ، وَأَيْسَرُ شَأْنِهِ هَدْيٌ، وَشَاذٌّ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ هَدْيٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا تَخْرِيجَ التُّونُسِيِّ مِنْ عَدَمِهِ فِيهَا عَلَى مُفِيضٍ مُحْدِثٍ طَافَ تَطَوُّعًا بِطَهَارَةٍ وَيُفَرَّقُ بِتَقْدِيمِ نِيَّةِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَيُحْكَمُ بِانْسِحَابِهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ، وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ طَافَ وَسَعَى قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى عَرَفَةَ، هَلْ يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَسَعَى، فَإِنْ هُوَ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَأَيْتُ السَّعْيَ الْأَوَّلَ يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَذَلِكَ أَيْسَرُ شَأْنِهِ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ طَافَ وَسَعَى ثُمَّ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِانْفِرَادِهِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْحِلِّ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الصَّوَابُ أَنَّهُ جَائِزٌ حَسْبَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى.

ص (ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةً، وَالْعَوْدُ أُخْرَى) ش هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِحْرَامِ فِي قَوْلِهِ: وَرُكْنُهُمَا الْإِحْرَامُ يَعْنِي أَنَّ الرُّكْنَ الثَّالِثَ مِنْ الْأَرْكَانِ الَّتِي يَشْتَرِكَ فِيهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ السَّعْيُ، وَهُوَ آخِرُ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَتَنْقَضِي الْعُمْرَةُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحِلَاقِ أَوْ التَّقْصِيرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ: كَمَالُ الْعُمْرَةِ، وَنَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ إحْرَامٌ وَسَعْيٌ وَطَوَافٌ وَحَلْقٌ وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ أَرْكَانٌ، وَالرَّابِعُ: يُجْبَرُ بِالدَّمِ فَقَوْلُهُ: يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ تَنْقَضِي الْعُمْرَةُ أَيْ: كَمَالُ الْعُمْرَةِ، وَإِلَّا فَالْعُمْرَةُ تَصِحُّ بِدُونِ الْحِلَاقِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ فَمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ أَوْ شَوْطًا مِنْهُ أَوْ ذِرَاعًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ صَحِيحَتَيْنِ أَوْ فَاسِدَتَيْنِ رَجَعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِدَمٍ إذَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ مَالِكٍ هِيَ: مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ حَتَّى تَبَاعَدَ، وَأَطَالَ وَأَصَابَ النِّسَاءَ أَنَّهُ يُهْدِي وَيُجْزِيهِ فَفَهِمَهَا صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ عِنْدَهُ وَفَهِمَهَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّهُ قَالَ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالرُّجُوعِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَلِلسَّعْيِ شُرُوطٌ مِنْهَا: كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّوَافِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ السَّعْيِ شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَمِنْهَا كَوْنُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، فَلَوْ سَعَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحِلِّ بِأَنْ دَارَ مِنْ سُوقِ اللَّيْلِ أَوْ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا وَدَخَلَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَلَا يَجِبُ الصُّعُودُ عَلَيْهِمَا بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، كَمَا سَيَأْتِي قَالَ سَنَدٌ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلْصَاقُ الْعَقِبَيْنِ بِالصَّفَا بَلْ أَنْ يَبْلُغَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَمَنْ شُرُوطِهِ الْبَدْءُ مِنْ الصَّفَا ، فَإِنْ بَدَأَ مِنْ الْمَرْوَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ اعْتَدَّ بِهِ فَهُوَ كَمَنْ تَرَكَ شَوْطًا مِنْ سَعْيِهِ، وَقَوْلُهُ: مِنْهُ الْبَدْءُ أَفَادَ أَنَّ الْبَدْءَ

مِنْ الصَّفَا، وَأَنَّهُ يَحْسِبُ ذَلِكَ شَوْطًا، وَيَحْسِبُ الْعَوْدَ شَوْطًا آخَرَ.
ص (وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ وَنَوَى فَرِيضَتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ) ش يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ السَّعْيِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ شَرْطُ كَوْنِهِ بَعْدَ طَوَافٍ انْتَهَى.
، فَلَوْ سَعَى مِنْ غَيْرِ طَوَافٍ لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ السَّعْيُ بِلَا خِلَافٍ وَقَوْلُهُ: وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ يَعْنِي، وَيَجِبُ فِي الطَّوَافِ الَّذِي سَعَى بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا، فَإِنْ أَوْقَعَ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافٍ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: ثُمَّ اُخْتُلِفَ، هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِ الطَّوَافَيْنِ إمَّا طَوَافَ الْقُدُومِ، وَإِمَّا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَيَكْفِي فِيهِ أَيُّ طَوَافٍ كَانَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِي شَرْطِ وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ السَّعْيِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ وَاخْتُلِفَ، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ يَكْفِيَ أَيُّ طَوَافٍ كَانَ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا طَافَ حَاجٌّ أَوَّلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ لَا يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا، وَلَا فَرِيضَةً لَمْ يُجْزِهِ سَعْيُهُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي بِهِ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ رَجَعَ فَطَافَ وَسَعَى، وَإِنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَتَبَاعَدَ وَجَامَعَ النِّسَاءَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالدَّمُ فِي هَذَا خَفِيفٌ انْتَهَى.
فَتَخْفِيفُهُ لِلدَّمِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَى الِاشْتِرَاطِ يَرْجِعُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الِاشْتِرَاطَ لَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ عَلَى أَنَّ سَنَدًا اعْتَرَضَ عَلَى الْبَرَاذِعِيُّ قَوْلَهُ: وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا، وَلَا تَطَوُّعًا لَمْ يُجْزِهِ، وَقَالَ: إنَّمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا ثُمَّ سَعَى فَلَا أُحِبُّ لَهُ سَعْيَهُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي بِهِ الْفَرْضَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ جَامَعَ رَأَيْتُهُ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ يَعْنِي أَنَّ سَنَدًا اعْتَرَضَ عَلَى الْبَرَاذِعِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَمْ يُجْزِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِيًا لَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ، كَمَا لَوْ طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَسَعَى، وَلَمْ يُعِدْ سَعْيُهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَأَجَابَ الْعَوْفِيُّ عَنْ الْبَرَاذِعِيّ بِأَنَّ الْإِجْزَاءَ مَعْنَاهُ الِاكْتِفَاءُ، وَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِمَا فَعَلَهُ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا فَفِي الْقُرْبِ يُعِيدُهُ، وَفِي الْبُعْدِ يَجْبُرُهُ بِالدَّمِ قَالَ: وَإِنَّمَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْبَرَاذِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ لَمْ يَنْوِ بِطَوَافِهِ لِحَجِّهِ، وَبَدَّلَهَا هُوَ بِقَوْلِهِ: فَرِيضَةً، وَلَا تَطَوُّعًا، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْعَابِثِ أَوْ الذَّاهِلِ ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْتَصِرَ لَهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ نِيَّتَهُ حِينَ الطَّوَافِ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، وَلَا قُدُومَ فَلَا يَكْتَفِي بِهِ، وَإِنْ تَبَاعَدَ أَجْزَأَهُ إذْ لَمْ يَخْلُ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِهِ، وَقَرِينَتُهُ حَالَ الْحَاجِّ لَا سِيَّمَا مِنْ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَطُوفُ تَقَرُّبًا بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ هَذِهِ النِّيَّةِ التَّطَوُّعُ فَلِهَذَا سَاغَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ انْتَهَى.
يَعْنِي مَعَ الْبُعْدِ (قُلْتُ:) ، وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ، كَمَا قَالَ الْبَرَاذِعِيُّ وَنَصُّهَا: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ لَا يَنْوِي بِطَوَافِهِ هَذَا فَرِيضَةً، وَلَا تَطَوُّعًا ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُجْزِيَهُ سَعْيُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِيَ بِهِ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ، فَإِنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ، وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَتَبَاعَدَ، وَجَامَعَ النِّسَاءَ رَأَيْتُ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَرَأَيْتُ عَلَيْهِ الدَّمَ، وَالدَّمُ فِي هَذَا خَفِيفٌ عِنْدِي، قَالَ: وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَبَاعَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى.
وَهَكَذَا نَقَلَهُ يُونُسُ، وَنَقَلَ الْعَوْفِيُّ عَنْ الْأُمِّ مِثْلَ مَا قَالَ سَنَدٌ وَاخْتِصَارُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ نُسَخَ الْأُمِّ مُخْتَلِفَةٌ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَوَى فَرِيضَتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ الطَّوَافُ الَّذِي يَقَعَ بَعْدَهُ السَّعْيُ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضِيَّتَهُ بِأَنْ يَكُونَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ أَوْ طَوَافَ الْقُدُومِ بِالْحَجِّ أَوْ طَوَافَ الْعُمْرَةِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ بَعْدَ طَوَافٍ لَا يَنْوِي فَرْضِيَّتَهُ كَطَوَافِ الْوَدَاعِ أَوْ طَوَافِ تَطَوُّعٍ، كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ بَعْدَ

طَوَافٍ وَاجِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَدَمٌ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ فَلَا شَكَّ فِي فَرْضِيَّتَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ، أَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ فَلَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الرَّاجِحِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ فِي بَابِ الْحَجِّ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَغَيْرُهُ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرْضٌ تَبَعًا لِلَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَا أُحِبُّ لَهُ سَعْيَهُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي بِهِ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ لَا غَيْرُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ: وَسَمَّاهُ فِيهَا وَاجِبًا وَفَرْضًا وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ فَرْضٌ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الْحَجِّ

[تَنْبِيهَاتٌ نَوَى طَوَافَ الْقُدُومِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا نَوَى الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْقِرَانِ بِطَوَافِهِ الَّذِي يَسْعَى بَعْدَهُ طَوَافَ الْقُدُومِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ نَوَى طَوَافَ الْقُدُومِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ، وَيَعْلَمُ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مِنْ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْقِرَانِ، وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَأَنَّ تَسْمِيَتَهُ سُنَّةً بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَهُوَ عِنْدِي كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِتْيَانَ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ نَوَى طَوَافَ الْقُدُومِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَهَذَا لَا يَضُرُّ كَمَنْ نَوَى صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ طَوَافَ الْقُدُومِ وَنَوَى أَنَّهُ يَطُوفُ لِحَجِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَنَوَى بِطَوَافِهِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى الطَّوَافَ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ شَيْئًا فَهَذَا يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يُجْزِهِ سَعْيُهُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي بِهِ الْفَرِيضَةَ وَكَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعَوْفِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مِنْ شُرُوطِ السَّعْيِ إيصَالَهُ بِالطَّوَافِ وَاتِّصَالُهُ فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ شَرْطٌ إلَّا أَنَّ التَّفْرِيقَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيُوَالِي بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَالسَّعْيِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ، وَكَذَلِكَ إذَا فَرَّقَ بَيْنَ السَّعْيِ نَفْسِهِ وَخَرَجَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُطِلْ، فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الطَّوَافَ، قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ طَافَ، وَلَمْ يَخْرُجْ لِلسَّعْيِ حَتَّى طَافَ تَنَفُّلًا سَبْعًا أَوْ سَبْعِينَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الطَّوَافَ ثُمَّ يَسْعَى، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ فِي سِعَةٍ، وَقَالَ فِيمَنْ طَافَ وَرَكَعَ ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ السَّعْيَ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ: إنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَبْتَدِئُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ طَافَ لَيْلًا أَوْ أَخَّرَ السَّعْيَ حَتَّى أَصْبَحَ: فَإِنْ كَانَ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَامَ وَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلِيُعِدْ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ ثَانِيَةً إنْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَهْدَى وَأَجْزَأَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إعَادَةَ الْمَرِيضِ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْقٌ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْعَى قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَرَآهُ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ تُنْتَقَضْ طَهَارَتُهُ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا إذَا انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ أَنَّهُ يُعِيدُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ، وَلَوْ بَلَغَ بَلَدَهُ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ يَصِحُّ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ إذَا سَعَى بِالْقُرْبِ، وَيَصِحُّ مِنْ الْحَائِضِ فَلَمْ يَكُنْ لِمُرَاعَاةِ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ إذَا بَعُدَ وَجْهٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلتَّفْرِيقِ الْفَاحِشِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ جَلَسَ بَيْنَ طُهْرَانَيْ سَعْيِهِ شَيْئًا خَفِيفًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ فَصَارَ كَتَارِكِ مَا كَانَ فِيهِ فَلْيَبْتَدِئْ، وَلَا يَبْنِي، وَإِنْ صَلَّى عَلَى ابْنَ بَزِيزَةَ فَقَالَ وَرَخَّصَ لِلْمَدَنِيِّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مَرِيضًا فِي تَأْخِيرِهِ لِلْجُحْفَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ: لَا لِمَكَّةَ انْتَهَى.
وَكَذَا التِّلِمْسَانِيُّ وَسَيِّدِي الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَنَصُّهُ: وَالْمَرِيضُ يُحْرِمُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ افْتَدَى، وَإِنْ أَخَّرَ إلَى الْجُحْفَةِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، أَمَّا إنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ لِمَرَضِهِ حَتَّى يَقْرُبَ مِنْ مَكَّةَ لِغَيْرِ مِيقَاتٍ لَهُ فَلَا يَفْعَلُ وَلْيُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْن بَزِيزَةَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ التَّأْخِيرُ حَرَامٌ وَيَجِبُ بِسَبَبِ الْهَدْيِ أَمْ لَا وَلَفْظُ النَّوَادِرِ الْمُتَقَدِّمُ: لَا يَنْبَغِي، وَهَكَذَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ بِلَفْظِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَنَصُّهُ: وَهَلْ لِلْمَرِيضِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُؤَخِّرَ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ؟ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِعُذْرِهِ وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلْيُحْرِمْ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ افْتَدَى انْتَهَى.
فَلَعَلَّهُ فَهِمَ قَوْلَ لَا يَنْبَغِي عَلَى التَّحْرِيمِ، وَفِي كَلَامِهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ فِي الْمَرِيضِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ: ظَاهِرٌ وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَيَعْنِي بِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا احْتِرَازًا مِنْ الْمِصْرِيِّ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ الْمَدَنِيُّ غَيْرَ مَرِيضٍ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَسُقُوطِهِ قَوْلَانِ، وَالْوُجُوبُ لِمَالِكٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْوُجُوبِ وَالسُّقُوطِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ اُخْتُلِفَ فِي مُرِيدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُجَاوِزُ مِيقَاتَهُ إلَى مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْمَدَنِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهُ انْتَهَى.
وَهَكَذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَرَضٍ، وَلَا بِغَيْرِ مَرَضٍ وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّحِيحُ وَلِذَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُؤَخِّرُهُ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَالدَّمُ عَلَى الْأَصَحِّ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ بِغَيْرِ قَيْدِ الْمَرَضِ إلَّا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى الطَّاعَةِ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قِيلَ: لِمَالِكٍ فِي مِيقَاتِ الْجُحْفَةِ أَيُحْرِمُ مِنْ وَسَطِ الْوَادِي أَوْ آخِرِهِ قَالَ كُلُّهُ مُهَلٌّ وَلْيُحْرِمْ مِنْ أَوَّلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ الْجُحْفَةِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ وَسُئِلَ أَيْضًا: أَيُحْرِمُ مِنْ الْجُحْفَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي؟ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَمِنْ الْأَوَّلِ أَحَبُّ إلَيْنَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ سَنَدٌ وَذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رَسْمِ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَمِنْ الْأَوَّلِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَلَمْ يَزِدْ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ الْأَوَّلَ أَعْنِي قَوْلَهُ: مُهَلٌّ وَمِنْ أَوَّلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ وَعَزَاهُ لِلْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرُ وَانْظُرْ هَلْ مُرَادُ مَالِكٍ بِالْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ رَابِغٌ أَمْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَنْ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ لِلْإِحْرَامِ فِي مَسْجِدِهَا

جِنَازَةٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ السَّعْيِ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ جَلَسَ مَعَ أَحَدٍ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ مِنْهُ شَيْئًا بَنَى فِيمَا خَفَّ، وَلَمْ يَتَطَاوَلْ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ فِي سَعْيِهِ مَضَى وَتَوَضَّأَ، وَبَنَى انْتَهَى.
قَالَ سَنَدٌ: وَلَوْ جَلَسَ لِيَسْتَرِيحَ فَنَعَسَ، وَاحْتَلَمَ فَلْيَذْهَبْ فَيَغْتَسِلْ وَيَبْنِي، وَإِنْ أَتَمَّهُ جُنُبًا أَجْزَأَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَسْعَى، وَقَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ طَافَ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَسْعَى إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ يُخَافُ فَوَاتُهَا أَوْ يَتَعَذَّرُ الْمَصِيرُ إلَيْهَا وَيَرْجُو بِالْخُرُوجِ ذَهَابَهَا كَالْحَقْنِ وَالْخَوْفِ عَلَى الْمَنْزِلِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَصَارَ كَتَارِكِ مَا كَانَ فِيهِ فَلْيَبْتَدِئْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ السَّعْيَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ سَعْيُهُ كَانَ كَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْعَ بَعْدَ الطَّوَافِ فَسَدَ الطَّوَافُ (الثَّالِثُ:) تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ التَّهْذِيبِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَتَبَاعَدَ وَجَامَعَ النِّسَاءَ، فَعَطْفُ قَوْلِهِ: وَجَامَعَ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاَلَّذِي فِي الْأُمِّ عَطْفُهُ بِأَوْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ

ص (وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَتِهِ حَرَامًا) ش يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ إذَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَتِهِ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ بَلَدِهِ مُحْرِمًا مُتَجَرِّدًا مِنْ الْمَخِيطِ، كَمَا كَانَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ، وَلَمْ يَسْعَ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْعُمْرَةَ، وَيُهْدِي قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(قُلْتُ:) وَيَقْضِيهَا مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ الْجَزَاءُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ تَطَيَّبَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
(تَنْبِيهٌ) : فَإِنْ فَعَلَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ وَتَعَدَّدَتْ مِنْهُ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا التَّفْرِيعَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ شُرُوطَ الطَّوَافِ، وَقَالَ فِيهِ: إنْ لَمْ يَصِحَّ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ خَاصًّا بِمَنْ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا هَذَا التَّفْرِيعَ فِيمَنْ طَافَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، وَمَا فَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَسَنٌ.
ص (وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارَنَ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.

[فَرْعٌ نَسِيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَسَهَا عَنْ ذَكَرِهِمَا]

(فَرْعٌ) : فَإِنْ نَسِيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَسَهَا عَنْ ذَكَرِهِمَا بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِالْقُرْبِ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ فَهَلْ يَكُونُ قَارِنًا أَمْ لَا؟ ذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَارِنٌ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ، فَإِنَّهُ يَفْتَدِي، وَإِنْ وَطِئَ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَيَأْتِي بِعُمْرَةٍ، أَمَّا إنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُهُمَا وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَارِنًا، وَأَنَّ إحْرَامَهُ يَقُومُ مَقَامَ الطَّوَافِ وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَقَالَ: هَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي حَسَنٌ وَذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا عَقَدَ الْحَجَّ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالطُّولِ الَّذِي لَا يَطُوفُ مَعَهُ، وَلَا يَسْعَى فَلَا يَكُونُ قَارِنًا، فَعَقْدُهُ الْحَجَّ إذَا تَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ طَوَافِ عُمْرَتِهِ ضَرُورَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَكَانَ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ عَبْدُ الْحَقِّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِعُمْرَةٍ]

(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِعُمْرَةٍ كَانَ تَحَلُّلُهُ مِنْ الثَّانِيَةِ تَحَلُّلًا مِنْ الْأُولَى قَالَهُ سَنَدٌ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ كَانَ اعْتَمَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْعُمْرَةِ الَّتِي فِيهَا الْخَلَلُ لَكَانَ قَدْ تَحَلَّلَ بِفِعْلِ الثَّانِيَةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ طَافَ تَطَوُّعًا وَسَعَى بَعْدَهُ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بِلَادِهِ أَنَّ طَوَافَهُ لَمْ يَصِحَّ، هَلْ يُجْزِئُ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ، كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْقَاضِي سَنَدٍ أَمَّا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى بَلَدِهِ فَلَا

كَلَامَ فِي الْإِعَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَطَوَافِ الْقُدُومِ إنْ سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، وَلَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِذَلِكَ إنْ كَانَ أَوْقَعَ السَّعْيَ بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ السَّعْيِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَرْجِعُ لِلسَّعْيِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: وَاقْتَصَرَ مِمَّا لَوْ ذَكَرَ أَنَّ طَوَافَ قُدُومِهِ لَمْ يَصِحَّ فَأَعَادَ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافِ إفَاضَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ تَرْكَهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَا لَوْ أَعَادَ السَّعْيَ بَعْدَ إفَاضَتِهِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِبُطْلَانِ طَوَافِ الْقُدُومِ ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ ابْنَ يُونُسَ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي أَرَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فَقَدْ أَتَى بِهِ، وَإِنَّمَا عَدِمَ النِّيَّةَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا أَعَادَ، وَإِنْ تَطَاوَلَ أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَاهُ كَمَنْ طَافَ أَوَّلَ دُخُولِهِ لَا يَنْوِي فَرِيضَةً، وَلَا تَطَوُّعًا وَسَعَى، وَلَمْ يَذَّكَّرْ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ خَفِيفٌ فَكَذَلِكَ هَذَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْوِ بِسَعْيِهِ السَّعْيَ الْفَرْضَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِمَا تَقَدَّمَ وَانْظُرْ إذَا أَحْرَمَ هَذَا الَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ عَلَى مَا فِي ظَنِّهِ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ لَهَا وَسَعَى وَكَمَّلَ عُمْرَتَهُ فَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَا كَلَامَ فِي عَدَمِ انْعِقَادِهَا لِبَقَاءِ رُكْنٍ مِنْ الْحَجِّ، وَهُوَ السَّعْيُ، وَهَلْ يُجْزِيهِ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ لِلْعُمْرَةِ عَنْ سَعْيِ حَجِّهِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ لِحَجِّهِ لِيَأْتِيَ بِذَلِكَ بِنِيَّةٍ تَخُصُّهُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ تَعْلِيلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ السَّعْيَ لَا يُتَطَوَّعُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ أَتَى بِهِ فِي الْعُمْرَةِ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى لَهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالْإِفَاضَةَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ، وَلَا دَمَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ طَوَافَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَافَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ طَوَافًا صَحِيحًا تَطَوُّعًا أَوْ لِوَدَاعٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ حِينَئِذٍ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَيُجْزِئُهُ مَا طَافَهُ تَطَوُّعًا عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ رَجَعَ لِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ فَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ طَافَ بَعْدَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا فَيُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُدَوَّنَةِ إعَادَةً إذَا كَانَ بِالْقُرْبِ أَوْ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا إذَا فَاتَ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) لَا إشْكَالَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِالْإِعَادَةِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَصَاحِبِ النُّكَتِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ يُعِيدُ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طَافَ بَعْدَهُ تَطَوُّعًا أَمْ لَا؟ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ سَنَدٍ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ، وَمِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ مَعَ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ (الثَّانِي:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمَشْهُورَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ نِسْيَانًا بِخِلَافِ الْعَمْدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى النِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ: لَا خِلَافَ فِيمَا إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَهُوَ ذَاكِرٌ الْإِفَاضَةَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ:) حُكْمُ مَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ بِالْكُلِّيَّةِ حُكْمُ مَنْ طَافَ، وَلَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ إذَا لَمْ يَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ وَنَسِيَ ذَلِكَ حَتَّى طَافَ لِلْوَدَاعِ أَوْ غَيْرِهِ وَخَرَجَ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ يُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْبَيْتِ فَافْتَقَرَتْ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَوَجْهُ

مَا قُلْنَاهُ: أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينٍ بِدَلِيلِ الْوُقُوفِ وَالْإِحْرَامِ وَالسَّعْيِ، وَهَذَا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينٍ نَعَمْ نِيَّةُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ الْحَجِّ فِي زَمَانِ الْحَجِّ فَلَمَّا صَحَّ الطَّوَافُ فِي نَفْسِهِ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمُ أَنَّهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَيَسْتَحِبُّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ الدَّمَ، كَمَنْ طَافَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَسَعَى، وَلَمْ يُعِدْ سَعْيَهُ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ (الرَّابِعُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَلْ يُجْزِئُ طَوَافُ الْقُدُومِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ

ص (حَلَالًا إلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ وَكُرِهَ الطِّيبُ وَاعْتَمَرَ، وَإِلَّا كَثُرَ إنْ وَطِئَ) ش هَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ أَوْ طَوَافُ إفَاضَتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَكَانَ طَوَافُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُعِدْ بَعْدَ طَوَافِ السَّعْيِ الْإِفَاضَةَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ، وَكَانَ طَوَافُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجِعُ مِنْ بَلَدِهِ حَلَالًا مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ كُلِّهَا إلَّا مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الطِّيبُ فَيُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا يَحْرُمُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ: بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ فَلَا يُجَدِّدُ إحْرَامًا مِنْ الْمِيقَاتِ إذَا مَرَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَدْخُلُ عَلَى بَقِيَّةِ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَلَا يُلَبِّي فِي طَرِيقِهِ؛ لِأَنَّ تَلْبِيَتَهُ قَدْ انْقَطَعَتْ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، فَإِذَا وَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مَكَّةَ كَمَّلَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ بَقِيَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لَكِنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ فَيَطُوفُ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْعَى فَيُتِمُّ تَحَلُّلَهُ مِنْ الْحَجِّ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
(قُلْتُ:) وَيَنْوِي بِطَوَافِهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ قَبْلَ السَّعْيِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ فَاتَ مَحِلُّهُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلَزِمَهُ إعَادَةُ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَطَلَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَصَارَ كَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ إفَاضَتِهِ يَطُوفُ الْإِفَاضَةَ فَقَطْ، وَلَا يَحْلِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَقَ بِمِنًى، فَإِذَا كَمَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إحْرَامَهُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَأْتِي بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّ جُلَّ النَّاسِ يَقُولُونَ: لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَطَأَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعُمْرَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا فِيمَنْ أَصَابَ النِّسَاءَ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ: وَالْمُفْرِدُ بِالْحَجِّ إذَا طَافَ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ فَوَقَفَ الْمَوَاقِفَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَلَمْ يَسْعَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَأَصَابَ النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ وَالطِّيبَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ فَلْيَرْجِعْ لَابِسًا لِلثِّيَابِ حَلَالًا إلَّا مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى ثُمَّ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَقَ بِمِنًى، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ حَلَّ لَهُ لُبْسُ الثِّيَابِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الطِّيبِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَهُوَ خَفِيفٌ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ الْجَزَاءُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ الَّذِي طَافَهُ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَالْمُرَاهِقِ

وَالْعُمْرَةُ مَعَ الْهَدْيِ تُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَجُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
فَلَمْ يَذْكُرْ الْعُمْرَةَ إلَّا مَعَ إصَابَةِ النِّسَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ وَتَهْذِيبِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا لَمْ يَطَأْ فَلْيَرْجِعْ فَيَفْعَلْ مَا وَصَفْنَا وَيُهْدِي هَدْيًا وَاحِدًا، وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ فَلِيُعِدْ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الَّذِي طَافَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَطَأْ فَعَلَ مَا ذَكَرَهُ، وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ فَلْيُعِدْ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي تَهْذِيبِهِ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَإِنْ لَمْ يَقْرَبْ النِّسَاءَ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْعُمْرَةَ مَعَ عَدَمِ إصَابَةِ النِّسَاءِ إلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ فَرْحُونٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ: قَوْلُ جُلِّ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ إنَّمَا كَانَتْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الطَّوَافِ بِتَقَدُّمِ الْوَطْءِ عَلَيْهِ فَأُمِرَ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافٍ صَحِيحٍ لَا وَطْءَ قَبْلَهُ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطَأْ، وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ، وَلَا وَجْهَ لِلْعُمْرَةِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ جُلَّ النَّاسِ يَقُولُونَ: تَجِبُ الْعُمْرَةُ إذَا وَطِئَ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشُرُوحِهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ جُلِّ النَّاسِ أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، فَإِنَّهُ قَالَ ثُمَّ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي، وَقِيلَ: لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَطَأَ وَجُلُّ النَّاسِ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُخْتَلَفُ فِي طَلَبِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ، هَلْ يُؤْمَرُ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَطَأَ انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي عَدَمِ اعْتِرَاضِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ كَثْرَةِ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا خَالَفَ فِيهِ نَقْلَ الْمَذْهَبِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشُرُوحِهَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَسَعَى بَعْدَهُ، وَلَمْ يُعِدْ السَّعْيَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ إذَا لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَهُ، وَقَدْ سَوَّى ابْنُ الْحَاجِبِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ سِيَاقَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَأَنَّهُ خَلَطَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ قَوْلَهُ: وَيَرْجِعُ حَلَالًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ لِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ سَعَى بَعْدَهُ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ الثَّانِي فِي الصُّورَتَيْنِ (الثَّالِثُ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَجُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ هُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءٌ، وَقِيلَ: يَطُوفُ وَيُتِمُّ حَجَّهُ وَيَقْضِي قَابِلًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ شِهَابٍ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَالْأَشْبَهُ مَا قَالَ جُلُّ النَّاسِ أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا رَوَى مَالِكٌ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ وَحَكَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ أَنَّهُ يَنْحَرُ بَدَنَةً، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِم وَعَطَاءٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نَحْرُ بَدَنَةٍ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَبِيعَةَ قَالَ، وَرَوَى ابْنُ الْجَهْمِ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ حَجَّهُ يَفْسُدُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ أَقِيسُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهُوَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِلُزُومِ الْعُمْرَةِ مَعَ عَدَمِ الْوَطْءِ وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل