مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 410-449
أهل الأثرالأرشيف العلمي

غسل الزوجين للآخر

صفحات 410-449
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الرَّاوِي الْفِعْلَ إِلَى النَّهْيِ، ثُمَّ إِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ صَوْمَ شَهْرٍ يُكْمِلُهُ مِنْ بَيْنِ الشُّهُورِ كَمَا يُكْمِلُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ يَوْمًا مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، وَإِنَّمَا كَرِهْتُ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَتَأَسَّى جَاهِلٌ فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِب.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَدِيثُ أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَنَانِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ» . رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا رَجَبًا عِيدًا تَرَوْنَهُ حَتْمًا مِثْلَ رَمَضَانَ إِذَا أَفْطَرْتُمْ مِنْهُ صُمْتُمْ وَقَضَيْتُمُوهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ كُلِّهِ لِئَلَّا يُتَّخِذَ عِيدًا، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَمِثْلُ هَذَا مَا رَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَضْرِبُ أَيْدِيَ الرِّجَالِ فِي رَجَبٍ إِذَا رَفَعُوهَا عَنِ الطَّعَامِ حَتَّى يَضَعُوهَا فِيهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ مَوْسِمٌ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَهَذَا النَّهْيُ مُنْصَرِفٌ لِمَنْ يَصُومُهُ مُعَظِّمًا لِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَمَّا مَنْ صَامَهُ لِقَصْدِ الصَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ حَتْمًا، أَوْ يَخُصَّ مِنْهُ أَيَّامًا مُعِينَةً يُوَاظِبُ عَلَى صَوْمِهَا، أَوْ لَيَالِيَ مُعِينَةً يُوَاظِبُ عَلَى قِيَامِهَا، بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهَا سُنِّةٌ، فَهَذَا مِنْ فِعْلِهِ مَعَ السَّلَامَةِ مِمَّا اسْتُثْنِيَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنْ خَصَّ ذَلِكَ أَوْ جَعَلَهُ حَتْمًا فَهَذَا مَحْظُورٌ.
وَهُوَ فِي الْمَنْعِ بِمَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَإِنْ صَامَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّ صِيَامَهُ أَوْ صِيَامَ شَيْءٍ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ غَيْرِهِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ.
وَيُقَوِّي جَانِبَ الْمَنْعِ مَا فِي الصَّحِيحِ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَرَّى صَوْمَ يَوْمٍ يُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ -» . وَعَنْ أَزْهَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ لَهَا أَنَّهَا تَصُومُ رَجَبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: صُوْمِي شَعْبَانَ فَإِنَّ فِيهِ الْفَضْلَ، فَقَدَ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُنَاسٌ يَصُومُونَ رَجَبًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَأَيْنَ هُمْ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ» ! رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ بَعْدَهُ: «قَالَ زَيْدٌ: وَكَانَ أَكْثَرَ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ» وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَحَرِّيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِعَيْنِهِ كَانَ لِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ صَدَرَ أَنَّ صَوْمَهُ كَانَ مُفْتَرَضًا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الطَّاعَاتِ وَاظَبَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «عَائِشَةَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْمَلَ شَهْرًا قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» ، فَظَاهِرُهُ فَضِيلَةُ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ عَلَى غَيْرِهِ.
لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ الشُّغْلُ عَنْ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِسِفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ، فَلِذَلِكَ كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِصِيَامِ شَعْبَانَ فَضِيلَةً عَلَى صِيَامِ غَيْرِهِ.
وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلَا تَصُومُوا وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا دَخَلَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ» وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَعْنى هَذَا النَّهْي لِلْمُبَالَغَةِ فِي الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يَحْتَاطَ لِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَيَكُونَ هَذَا بِمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْحَوَادِثُ وَالْبِدَعُ: يُكْرَهُ صَوْمُ رَجَبٍ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا خَصَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِالصَّوْمِ فِي كُلِّ عَامٍ حَسِبَ الْعَوَامُّ أَنَّهُ فَرْضٌ كَشَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِمَّا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ كَالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِفَضْلِ ثَوَابٍ عَلَى ثَوَابِ بَاقِي الشُّهُورِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: الصِّيَامُ عَمَلُ بَرٍّ لَا لِفَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ صِيَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ: سُئِلَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ الصَّلَاحِ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ كُلِّهِ، هَلْ عَلَى صَائِمِهِ إِثْمٌ أَمْ لَهُ أَجْرٌ؟ وَفِي حَدِيثٍ يَرْوِيهِ ابْنُ دِحْيَةَ أَنَّهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ لِصُوَّامِ رَجَبٍ» هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: لَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُؤْثِمْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِيمَا نَعْلَمُهُ، بَلْ قَالَ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ فِي صَوْمِ رَجَبٍ حَدِيثُ أَيِّ فَضْلٍ خَاصٍّ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ زُهْدًا فِي صَوْمِهِ بِمَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي صَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَافٍ فِي التَّرْغِيبِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لِصُوَّامِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ، وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ مَنْعِ صَوْمِ رَجَبٍ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ، وَهَلْ يَصِحُّ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ جُمْعَةٍ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَذْرُ صَوْمِ رَجَبٍ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِهِ، وَالَّذِي نَهَى عَنْ صَوْمِهِ جَاهِلٌ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ دَوَّنُوا الشَّرِيعَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ انْدِرَاجَهُ فِيمَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ؟ بَلْ يَكُونُ صَوْمُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الصَّوْمِ مِثْلَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ» ، وَقَوْلِهِ: «لَخُلُوفُ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُدَ» وَقَدْ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَا عَدَا رَجَبًا مِنَ الشُّهُورِ.
وَمَنْ عَظَّمَ رَجَبًا بِغَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَهُ لَهَا فَلَيْسَ بِمُقْتَدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَعَلَتْهُ الْجَاهِلِيَّةُ مَنْهِيًّا عَنْ مُلَابَسَتِهِ، إِلَّا إِذَا نَهَتِ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ، وَدَلَّتِ الْقَوَاعِدُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُتْرَكُ الْحَقُّ لِكَوْنِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَعَلُوهُ، وَالَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ جَاهِلٌ مَعْرُوفٌ بِالْجَهْلِ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِي دِينِهِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ إِلَّا لِمَنِ اشْتُهِرَ بِالْمَعْرِفَةِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَأْخَذِهَا، وَالَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ ذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَلَّدُ، وَمَنْ قَلَّدَهُ فَقَدْ غُرِّرَّ بِدِينِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي مَنْظُومَتِهِ: تَتْمِيمُ الأَصَبِّ صَوْمُهُ نُدِبْ ... لِكُلِّ قَادِرٍ وَبِالنَّذْرِ يَجِبْ وَأَحْمَدُ كَرِهَهُ إِذَا انْفَرَدْ ... وَالْمَانِعُ الْمُطْلَقُ قَوْلُهُ يُرَدْ وَالنَّهْيَ عَنْهُ قَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ... وَضَعْفَهُ النَّسَائِي فِي الدِّيبَاجَهْ وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ قَالَ مَنْ نَهَى ... عَنْ صَوْمِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ سَهَا وَشَدَّدَ النَّكِيرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهْ ... وَقَالَ لَا يُرْجَعُ فِي الْفَتْوَى إِلَيْهْ إِذِ الَّذِينَ نَقَلُوا الشَّرِيعَهْ ... مَا كَرِهُوا صِيَامَهُ جَمِيعَهْ وَفِي عُمُومِ طَلَبِ الصَّوْمِ انْدَرَجْ ... وَزَالَ عَنْ صَائِمِهِ بِهِ الْحَرَجْ وَابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ مَنْ رَوَى رَجَبْ ... فِيهِ عَذَابُ صَائِمِيهِ قَدْ وَجَبْ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا تَحِلُّ نِسْبَتُهْ ... إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ضَلَّ مُثْبِتُهْ فَفِي عُمُومِ الْفَضْلِ لِلصَّوْمِ نُصُوصٌ ... تَدُلُّ لِاسْتِحْبَابِهِ عَلَى الْخُصُوصِ الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا ذَكَرَ مَا وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي صِيَامِهِ مِنَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ، وَفِي صَوْمِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: الْمُحَرَّمِ، وَرَجَبٍ، وَذِي الْقِعْدَةِ، وَذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَدِّهَا مِنْ عَامَيْنِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَوَائِلِ الرَّوْضِ الْأُنُفِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى النُّسَاةِ الَّذِينَ نَسَؤُوا الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ.
قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمُحَرَّمُ، هَذَا قَوْلٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَهَا ذُو الْقِعْدَةِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِهِ

حِينَ ذَكَرَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَمَنْ قَالَ: الْمُحَرَّمُ أَوَّلُهَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ، وَفِقْهُ هَذَا الْخِلَافِ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَيُقَالُ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: ابْدَأْ بِالْمُحَرَّمِ، ثُمَّ بِرَجَبٍ، ثُمَّ بِذِي الْقِعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُقَالُ لَهُ: ابْدَأْ بِذِي الْقِعْدَةِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ صِيَامِكَ فِي رَجَبٍ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا لَازِمٌ إِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَهَا مُرَتَّبَةً، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْأَشْهُرِ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهَا شَوَّالًا، وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لَكِنْ وَقَفْتُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ عَلَى حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِيهِ، وَنَصُّهُ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ عُقْبَةُ: أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَرِيفٍ مِنْ عُرَفَاءِ قُرَيْشٍ عَنْ أَبِيهِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا ابْنُ الْعِمَادِ فِي كشف الأسرار وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ وَقَضَاؤُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَان، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّتِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتُلِفَ فِي الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ عِيَاضٌ: وَالِاسْتِحْبَابُ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ سَاوَى الْمَجْنُونَ يُفِيقُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِخِطَابِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ، لَكِنْ قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ تَخْرِيجٌ بَعِيدٌ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اخْتُصَّ بِالْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَهُ؛ لِفَوَاتِ صَوْمِهِ شَرْعًا كَالْيَوْمِ السَّابِقِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ لَكَانَ الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ وَاجِبَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِخِطَابِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ شُيُوخِنَا، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ لِيَظْهَرَ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ.
قَالَ: وَعَلَى قَوْلِهِ: لَا يَقْضِيه، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلُهُ.
عِيَاضٌ: وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيُّ تَرْكُ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرْكِ الْإِمْسَاكِ وَاسْتِحْبَابُهُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِمْسَاكِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ؛ إِذِ الْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الْإِمْسَاكِ، وَالْقَضَاءُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ، وَالنَّاسِي فِي الْفَرْضِ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَالْمُغْمَى وَالْمُحْتَلِمُ لَا يُمْسِكَانِ وَلَا قَضَاءَ، وَالنَّاسِي لِصَوْمِهِ يُفْطِرُ فِي التَّطَوُّعِ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ وَلَا قَضَاءَ فَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ: وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّةُ تَحِيضُ أَوَّلَ حَيْضَتِهَا فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْتَهَى.
وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوِ الصَّبِيَّةُ وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ انْعَقَدَ نَافِلَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَهُوَ كَالْحَائِضِ، قَالَهُ سَنَدٌ، أَيْ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِمْسَاكُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ رَمَضَانَ وَلَا قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي بَلَغَ فِيهِ، وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

ص: (وَتَعْجِيلُ الْقَضَاءِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِذَا لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنَ الْأَوَّلِ إِلَى انْقِضَاءِ الثَّانِي، فَلْيَبْدَأْ إِذَا أَفَاقَ بِالْأَوَّلِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالثَّانِي أَجَزَأَهُ، انْتَهَى.

ص: (وَبَدْءٌ بِكصُومِ تَمَتُّعٍ إِنْ لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ) ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ ظِهَارٍ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا

شَاءَ، إِلَّا أَنْ لَا يُدْرِكَهُمَا قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلْيَبْدَأْ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَ نَذْرِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِدْيَةٌ لِهَرِمٍ وَعَطِشٍ) ش: الْمُرَادُ بِالْهَرِمِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي زَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، فَيُؤَخَّرُ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا قَائِلَ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ يُطْعِمُ، انْظُرْ الجَزُولِيَّ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي المُسْتَعْطِشِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ إِذَا بَلَغَ الْجُهْدُ مِنْهُ، وَلَا يُعِدِ الشُّرْبَ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.

ص: (وَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَكَرِهَ كَوْنَهَا الْبِيضَ كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» فَكَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يَتَعَمَّدَ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْبِيضِ وَهُوَ يَوْمُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، عَلَى مَا رُوِيَ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَ صِيَامَهَا وَاجِبًا، وَرُوِيَ أَنَّ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْغُرِّ وَهِيَ أَوَّلُ يَوْمٍ، وَيَوْمِ عَشْرٍ، وَيَوْمِ عِشْرِينَ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَوْمَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ: الْمُرَغَّبُ فِيهِ مِنَ الشُّهُورِ الْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ وَشَعْبَانُ، وَمِنَ الْأَيَّامِ سِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُوصَلَ بِيَوْمِ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَفِي مُسْلِمٍ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ» ، الْحَدِيثُ.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا رَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَشْرَعُ التَّأْخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ كَمُلَتْ السَّنَةُ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَكَانَ يَصُومُهَا؛ أَوَّلَهُ وَعَاشَرَهُ، وَالْعِشْرِينَ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْغُرُّ، وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ تَعْجِيلَهَا أَوَّلَهُ وَهِيَ صِيَامُ الدَّهْرِ، انْتَهَى.
وَفِي الْعُمْدَةِ لِابْنِ عَسْكَرٍ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ الْبِيضِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّبِيْبِيُّ: إِنَّمَا كَرِهَهَا مَالِكٌ مَخَافَةَ أَنْ تَلْحَقَ بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا، وَاسْتُحِبَّ صِيَامُهَا فِي غَيْرِ شَوَّالٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ تَضَاعُفِ أَيَّامِهَا وَأَيَّامِ رَمَضَانَ حَتَّى تَبْلُغَ عِدَّةَ الْأَيَّامِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ، وَمَحَلُّ تَعْيِينهَا فِي شَوَّالٍ عَلَى التَّخْفِيفِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ لِاعْتِيَادِهِ الصِّيَامَ لَا لِتَخْصِيصِ حُكْمِهَا بِذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ صَامَهَا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ لَكَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضَلِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ وَالسَّلَامَةِ مِمَّا اتَّقَاهُ مَالِكٌ، انْتَهَى.
وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: لَوْ صَامَهَا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَخ، عَنِ الْجَوَاهِرِ.
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ: وَصْلُ الصَّوْمِ بِأَوَائِلِ شَوَّالٍ مَكْرُوهٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ صَارُوا يَقُولُونَ تَشْيِيعُ رَمَضَانَ، وَكَمَا لَا يُتَقَدَّمُ لَا يُشَيَّعُ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ قَطْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] كَانَ مِنْ شَوَّالٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ أَفْضَلُ وَمِنْ أَوْسَطِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ، وَهُوَ أَحْوَطُ لِلشَّرِيعَةِ وَأَذْهَبُ لِلْبِدْعَةِ.

وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، وَلَسْتُ أَرَاهُ، وَلَوْ عَلِمْتُ مَنْ يَصُومُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَمَلَكْتُ الْأَمْرَ أَدَّبْتُهُ وَشَرَدْتُ بِهِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْفِعْلَةِ غَيَّرُوا دِينَهُمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إِثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: سُؤَالٌ فِي قَوْلِهِ: فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ يُشْتَرَطُ فِي التَّشْبِيهِ الْمُسَاوَاةُ أَوِ الْمُقَارَبَةُ، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ وَلَا مُدَانَاةَ بَيْنَ عُشْرِ الشَّيْءِ وَكُلِّهِ، جَوَابُهُ: مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) : هَذَا الْأَجْرُ مُخْتَلِفٌ: فَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ النَّاشِئَةُ عَنْ رَمَضَانَ أَعْظَمُ أَجْرًا؛ لِكَوْنِهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَسُدْسُهُ ثَوَابُ النَّفْلِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: (بِسِتٍّ) ، وَلَمْ يَقُلْ: بِسِتَّةٍ، وَهُوَ الْأَصْلُ لِوُجُوبِ تَأْنِيثِ الْمُذَكَّرِ فِي الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ اللَّيَالِيَ عَلَى الْأَيَّامِ لِسَبْقِهَا.
انْتَهَى كَلَامُ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) : مِنَ الْمَكْرُوهِ: الْوِصَالُ، وَالدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِنَّ، وَفُضُولُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَإِدْخَالُ الْفَمِ كُلَّ رَطْبٍ لَهُ طَعْمٌ، وَالْإِكْثَارُ مِنَ النَّوْمِ بِالنَّهَارِ.
نَقَلَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ جُزَيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَذَوْقُ مِلْحٍ وَعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لَهُ ذَوْقُ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ، وَمَضْغُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى جَوْفِهِ، وَمَضْغُ الْعِلْكِ.
أَبُو الْحَسَنِ: يَعْنِي لِيُدَاوِيَ بِهِ شَيْئًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَارَنَتُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَيَعْنِي أَيْضًا إِذَا مَضَغَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا لَوْ مَضَغَهُ مِرَارًا وَابْتَلَعَ رِيقَهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَلِعُ بَعْضَ أَجْزَائِهِ مَعَ رِيقِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مُقَارَنَتُهُ مَعَ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ.
وَفِي الصَّغِيرِ يَعْنِي إِذَا مَضَغَهُ لِيَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ، وَأَمَّا لِيَبْتَلِعَ الرِّيقَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إِنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ قَبْلَ مَا تَقَدَّمَ: الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ مَخَافَةَ أَنْ يَصِلَ إِلَى حَلْقِهِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَحَاصِلُهُ: إِذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وفِي النَّوَادِرِ عَنِ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَأَكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغَ الطَّعَامِ لِلصَّبِيِّ، وَلَحْسَ الْمِدَادِ، فَإِنْ دَخَلَ جَوْفَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلْيَقْضِ، وَمَنْ صَامَ مِنَ الصِّبْيَانِ فَلْيَجْتَنِبْ ذَلِكَ كُلَّهُ.
وَيَذُوقُ الصَّائِمُ الْمِلْحَ وَالْعَسَلَ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ جَوْفَهُ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِنْ وَصَلَ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلْيَقْضِ، وَإِنَّ تَعَمَّدَ فَلْيُكَفِّرْ، قَالَ أَشْهَبُ: وَأَكْرَهُ لَهُ لَحْسَ الْمِدَادِ، وَمَضْغَ الْعِلْكِ، وَذَوْقَ الْقِدْرِ وَالْعَسَلِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ.
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَيُكْرَهُ لَهُ ذَوْقُ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ، وَمَضْغُ اللِّبَانِ وَالْعِلْكِ، وَلَمْسُ الْعَقِبِ، وَلَحْسُ الْمِدَاد، وَالْمَضْغُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ مَجَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ جَازَ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى حَلْقِهِ سَاهِيًا فَلْيَقْضِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَلْيُكَفِّرْ وَيَقْضِ.
وَكُلُّ مَا يَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذَا أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ فِي التَّطَوُّعِ الْقَضَاءُ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْقَضَاءُ فِي رَمَضَانَ فَلَيْسَ فِيهِ فِي التَّطَوُّعِ قَضَاءٌ، وَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ وَكُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ فَفِيهِ الْقَضَاءُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْسُ الْعَقِبِ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ: أَوْ يَلْمِسُ الْأَوْتَارَ بِفِيهِ، أَوْ يَمْضُغُهَا، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْعَقَبُ - بِالتَّحْرِيكِ - الْعَصَبُ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الْأَوْتَارُ، الْوَاحِدَةُ عَقْبَةٌ، تَقُولُ مِنْهُ: عَقَّبْتُ السَّهْمَ وَالْقَدَحَ وَالْقَوْسَ، إِذَا لَوَيْتَ شَيْئًا مِنْهُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَقَبِ وَالْعَصَبِ: أَنَّ الْعَصَبَ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ، وَالْعَقَبَ يَضْرِبُ إِلَى الْبَيَاضِ.

ص: (وَمُدَاوَاةُ حَفَرٍِ زَمَنَهُ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إِثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: أَوْ يُدَاوِي الْحَفْرَ فِي فِيهِ وَيَمُجُّ الدَّوَاءَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا كَرَاهَةُ مُدَاوَاةِ الْحَفْرِ فِي فِيهِ.
الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ: إِنْ كَانَ فِي صَبْرِهِ لِلَّيْلِ ضَرَرٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَهَارًا.
ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَصِلُ لِحَلْقِهِ.
الْبَاجِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدِي كَالْمَضْمَضَةِ، وَلَوْ بَلَغَ جَوْفَهُ غَلَبَةً قَضَى، وَعَمَدًا كَفَّرَ.
وَكَذَا مَا ذكَرَهُ ابْنُ زَرْقُونَ، فَيَصِيرُ الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ سَوَاءَ إِنْ سَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الْغَلَبَةِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْكَفَّارَةُ.
ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ وَصَلَ حَلَقَهُ قَضَى، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ ذَوْقَ الْأَطْعِمَةِ، وَوَضْعَ الدَّوَاءِ فِي الْفَمِ لِلْحَفَرِ

أَوْ عَقْبًا أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ سَنَدٌ: فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ الِازْدِرَادَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إِفْطَارُهُ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَاسُوا الطَّعْمَ عَلَى الرَّائِحَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّائِحَةَ لَا تَسْتَصْحِبُ مِنَ الْجِسْمِ شَيْئًا بِخِلَافِ الطَّعْمِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْحَفَرُ - بِسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا - وَحَكَاهُمَا فِي الصِّحَاحِ، وَهُوَ تَزْلِيعٌ فِي أُصُولِ الْأَسْنَانِ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُقَالُ: حَفَرَتْ أَسْنَانُهُ، إِذَا فَسَدَتْ أُصُولُهَا.

ص: (وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفِكْرٍ إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا حَرُمَتْ) ش: ذَكَرَ أَدْنَاهَا وَهُوَ الْفِكْرُ، وَوَاحِدًا مِنْ أَعْلَاهَا وَهُوَ الْقُبْلَةُ؛ لِيُعْلَمَ الْحَكَمُ فِي بَقِيَّتِهَا، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْلَى لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْأَدْنَى جَائِزٌ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ تُوُهِّمَ أَنَّ الْأَعْلَى مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مِنَ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي قَوْلِهِ: وَالْقُبْلَةُ وَالْمُلَاعَبَةُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقُبْلَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا هُوَ الْمَشْهُورُ، إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ والإِنْعَاظِ، وَإِنْ عُلِمَ نَفْيُهَا أَوِ اخْتَلَفَ حَالُهُ حَرُمَتْ، وَكَذَا إِنَّ شَكَّ، عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَلَا قَضَاءَ فِي مَجْرَّدِهَا.
فَإِنْ أَنْعَظَ أَوْ أَمْذَى قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَمْنَى قَضَى وَكَفَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفِكْرِ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ فِي تَوْضِيحِهِ آخِرًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: والمَبَادِئُ كَالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَاعَبَةِ إِنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ لَمْ تَحْرُمْ، وَإِنْ عُلِمَ نَفْيُهَا حَرُمَتْ، وَإِنْ شَكَّ فَالظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ.
قَالَ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِلَّا فِي الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْفِكْرُ فَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْتَدَامَا لَمْ يَحْرُمَا اتِّفَاقًا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا عُلِمَتِ السَّلَامَةُ، وَإِلَّا فَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ مَعَ كَوْنِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُمَنِي أَوْ يُمْذِي، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: قَوْلُهُ لَمْ تَحْرُمْ، نَفْيُهُ التَّحْرِيمَ لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَلَا الْإِبَاحَةَ، وَقَدْ كَرِهُوا ذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ، وَقَدْ جَعَلُوا مَرَاتِبَ الْكَرَاهَةِ تَتَفَاوَتُ بِالْأَشَدِّيَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا رَتَّبَ الْمُؤَلِّفُ المَبَادِئَ، فَالْفِكْرُ أَخَفُّهَا، وَأَشَدُّهَا الْمُلَاعَبَةُ، انْتَهَى.
ص: (وَحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ) ش: وَمِثْلُهَا الْفِصَادَةُ.
قَالَ فِي الْإِرْشَادِ: وَتُكْرَهُ الْفِصَادَةُ وَالْحِجَامَةُ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُوقٌ: الْعِلَّةُ فِي كَرَاهَتِهَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التَّغْرِيرُ، انْتَهَى.
وَهَذَا فِيمَنْ يُجْهَلُ حَالُهُ.
وَأَمَّا مَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ فَهِيَ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ هَذَا - أَعْنِي إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ السَّلَامَةَ - بِأَنْ لَا يَكُونَ التَّأْخِيرُ يَضُرُّ بِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْفِطْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيُّ: فَإِنِ احْتَجَّ أَحَدٌ عَلَى تَغْرِيرٍ ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْفِطْرِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدِ

الْفِطْرَ، انْتَهَى.
ص: (وَتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ مِنَ الصِّيَامِ، أَوْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَهَذَا فِي النَّذْرِ الْمَضْمُونِ، وَأَمَّا النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَإِذَا جَاءَ زَمَنُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّطَوُّعُ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، قَالَهُ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلثَّعَالِبِيِّ، نَاقِلًا لَهُ عَنِ الْمُنْتَقَى، وَيُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ إِذَا لَمْ يَجِئْ زَمَنُهُ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ وَاجِبٍ فِي مَعْنَى النَّذْرِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، وَمِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْآتِي.
الثَّانِي: قَالَ فِي الطِّرَازِ فَإِنْ تَطَوَّعَ صَحَّ صَوْمُهُ، قَالَ ابْنٌ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يَتِمُّ تَطَوُّعَهُ ثُمَّ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَطَوُّعِهِ قَبْلَهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ صَالِحٌ لِلتَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَ صَحَّ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْقَضَاءُ أَوْجَبَ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ مُرْتَهِنَةٌ بِهِ، فَيَسْعَى فِي بَرَاءَتِهَا ثُمَّ يَتَطَوَّعُ بِمَا أَحَبَّ، انْتَهَى.
وَهَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ.
الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُتَأَكِّدِ مِنْ نَافِلَةِ الصَّوْمِ كَعَاشُورَاءَ: هَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ فِيهِ رَمَضَانَ؟ وَيُكْرَهُ أَنْ يَصُومَهُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي سَمَاعٍ ابْنِ وَهْبٍ؟ أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي الْبَيَانِ.
أَمَّا مَا دُونُ ذَلِكَ مِنْ تَطَوُّعِ الصِّيَامِ، فَالْمَنْصُوصُ كَرَاهَةُ فِعْلِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَأَطَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا الْكَلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ - فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ.
قَالَ: فَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اسْتَحَبَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَالِمُ.
قَالَ: وَيَقْضِي فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِنَّمَا اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ لِفَضْلِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ التَّطَوُّعُ قَضَى فِيهَا الْوَاجِبَ، انْتَهَى.
ص: (وَإِلَّا تَخَيَّرَ) ش: هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي صَدَرَ بِهِ فِي الشَّامِل، وَفَرَّعَ

عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَمُقَابِلُهُ: يَصُومُ السَّنَةَ كُلَّهَا.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: ثُمَّ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصُومُ شَهْرًا وَاحِدًا، فَلَوْ شَكَّ فِي الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ: هَلْ هُوَ شَعْبَانُ أَوْ رَمَضَانُ؟ فَإِنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ، وَالَّذِي يَلِيهِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ شَعْبَانَ، وَإِنْ شَكَّ فِي الشَّهْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ: هَلْ هُوَ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟ صَامَ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ رَمَضَانَ فَقْدْ صَامَهُ، وَإِنْ كَانَ شَوَّالًا كَانَ قَضَاءً، وَإِنَّ شَكَّ هَلْ هُوَ شَعْبَانُ أَوْ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟ صَامَ شَهْرَيْنِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، انْتَهَى، وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ فِيمَا إِذَا شَكَّ هَلْ هُوَ رَمَضَانُ أَوْ شَوَّالُ؟: وَقُلْنَا يَصُومُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَقَطْ.
يُرِيدُ فَإِنْ سَاوَى عَدَدُهُ عَدَدَ مَا قَبْلَهُ قَضَى يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ شَهْرُهُ أَقَلَّ قَضَى يَوْمَيْنِ وَإِلَّا فَلَا قَضَاءَ، انْتَهَى.
ص: (أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ) ش: الَّذِي جَزَمَ بِهِ اللَّخْمِيُّ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا حَدَثَ أَمْرٌ يُشَكِّكُهُ سِوَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَجَزَأَهُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ قَبْلَهُ؟ قَضَاهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ صَامَ الْأَسِيرُ شَهْرًا تَطَوُّعًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلٌ آخَرٌ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ صَامَ رَمَضَانَ عَنْ عَامٍ فَرَّطَ فِيهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْعَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلَا يَضُرُّ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْعَيْنِ، انْتَهَى.
وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ نِيَّةَ قَضَاءِ الْوَاجِبِ أَقْرَبُ لِأَدَائِهِ مِنْ نِيَّةِ تَطَوُّعِهِ، انْتَهَى.
وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَسَمِعَ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ مَنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَعُمِّيَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، وَكَانَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ نَذْرٍ، فَصَامَ رَمَضَانَ لِنَذْرِهِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ رَمَضَانَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ، قَالَ: لَا يُجْزِيهِ لِرَمَضَانَ وَلَا لِنَذْرِهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا رَمَضَانُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهْ، وَأَمَّا نَذْرُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَفِي مُصَادَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) ش: الَّذِي قَطَعَ بِهِ اللَّخْمِيُّ الْإِجْزَاءُ، وَحَكَاهُ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الطِّرَازِ، وَعَزَا مُقَابِلَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَرَدَّهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ فَاسِدٌ، وَلَيْسَ شَكُّهُ فِي رَمَضَانَ كَشَكِّهِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ.
وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ: أَنَّهُ يَصُومُهُ وَيُجْزِيهِ.

ص: (وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ، أَوْ مَعَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا - أَيْ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَقَوْلُهُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يُقَالُ: الصَّوْمُ لَيْسَ بِعَمَلٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ وَإِنَّمَا هُوَ كَفٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْكَفُّ عَمَلٌ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ، وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ - بَعِيدٌ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَانُهَا مَعَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ تَقْدِيمَهَا لِمَشَقَّةِ تَحْرِيرِ الِاقْتِرَانِ.
وَحَكَى فِي الْبَيَانِ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيقَاعُهَا مَعَ الْفَجْرِ، وَقَالَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ، وَصِفَتُهَا: أَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اقْتِرَانُهَا مَعَ الْفَجْرِ لِلصَّوْمِ، سَوَاءً كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا أَوْ كَفَّارَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُبَيَّتَةً مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مُقَارِنَةً لِلْفَجْرِ، وَأَنْ تَكُونَ جَازِمَةً مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَيَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ رَمَضَانَ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ: أَمَّا الْجَزْمُ فَيَتَحَرَّزُ بِهِ مِنْ

التَّرَدُّد، فَمَنْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ صِيَامَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِعَدَمِ الْجَزْمِ.
وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ بِشَهَادَةٍ أَوْ بِاسْتِصْحَابٍ كَآخِرِ رَمَضَانَ أَوْ بِاجْتِهَادٍ كَالْأَسِيرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، فِي تَرْجَمَةِ التَّبْيِيتِ فِي الصِّيَامِ، وَمِنَ الْمُخْتَصَرِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالتَّبْيِيتُ أَنْ يَطْلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَلَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَتْرُكَ وَيَعْزِمَ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَهُوَ عَلَى آخَرِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ فِطْرٍ أَوْ صِيَامٍ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرٍ: وَإِذَا بَيَّتَ أَوَّلَ اللَّيْلِ الصَّوْمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ إِلَى الْفَجْرِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ نَوَى أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ تَمَادَى، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ مَا لَمْ يَطْلَعِ الْفَجْرُ، انْتَهَى.
وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ نَهَارًا، خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْكُلْ.
قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ أَبُو الْمُطَهِّرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الحَجُنْدِيِّ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْقَصْدُ، وَالْقَصْدُ إِلَى الْمَاضِي مُحَالٌ عَقَلًا، وَانْعِطَافُ النِّيَّةِ مَعْدُومٌ شَرْعًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الحَجُنْدِيُّ أَنَّهُ أَجَازَ لِمَنْ أَكَلَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ أَنْ يَنْوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّفْلَ صَوْمًا، قَالَ: وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: (فَرْعٌ) : وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ قَبْلَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ عِيسَى: وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ إِيقَاعَ النِّيَّةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» . (تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمُقْدِّمَاتِ: الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ اعْتِبَارُ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ، بِأَدَاءِ مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِغْرَاقِ طَرَفَيِ النَّهَارِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِيهِ: وَاسْتِشْعَارُ الْإِيمَانِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ سَهَا عَنِ اسْتِشْعَارِ الْإِيمَانِ لَمْ يَفْسُدْ عَلَيْهِ إِحْرَامُهُ؛ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ سَهَا عَنْ أَنْ يَنْوِيَ الْوُجُوبَ، وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالْقَصْدُ إِلَى أَدَائِهَا وَالتَّقَرُّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ لَمْ يَفْسُدْ إِحْرَامُهُ إِذَا عَيَّنَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَهَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْقُرْبَةَ وَالْأَدَاءَ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِوُجُوبِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا نَوَى صَوْمَ رَمَضَانَ أَجَزَأَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ بِهِ، إِلَى آخَرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ البَرْزَلِيُّ: مَنْ بَيَّتَ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَاسْتَيْقَظَ، فَظَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَوَاقَعَ أَهْلَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، فَالْأَوْلَى إِمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
(قُلْتُ) : إِنْ كَانَ قَطْعُ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَالِاسْتِحْبَابُ وَاضِحٌ إِذَا أَعَادَ النِّيَّةَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى عِبَادَةً فَالْأَوْلَى تَمَامُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعِدِ النِّيَّةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَمَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْوِيٍّ.
وَأَمَّا لَوْ تَمَّ عَلَى نِيَّةِ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَفَعَلَ الْوَطْءَ نِسْيَانًا أَوْ عَمْدًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ ضَارٍّ، فَالصَّوَابُ فِي هَذَا إِنْ تَمَادَتْ هَذِهِ النِّيَّةُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَنَّهُ يَجِبُ تَمَامُهُ.

ص: (وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ يَكْفِي فِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ بَعْدِ الْغُرُوبِ، وَالصَّوْمُ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ هُوَ: رَمَضَانُ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ، وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالصَّوْمُ الْمَنْذُورُ، فَتَكْفِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَعَنْ مَالِكٍ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهُوَ شُذُوذٌ فِي الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ وَالْمَرِيضَ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنَ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ (وَكَفَتْ) يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ التَّبْيِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَالشَّبِيْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (لَا مَسْرُودَ وَيَوْمٌ مُعِيَّنٌ، وَرُويْتُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ فِيهِمَا) ش:

سَرْدُ الصَّوْمِ: تَتَابُعُهُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى سَرْدِ صَوْمِ أَيَّامٍ، أَوْ نَوَى صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوِ الْخَمِيسِ دَائِمًا، أَوْ نَذَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُجَدِّدَةٍ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.
وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ: مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا، وَمَنْ عَزَمَ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الصَّوْمِ الَّذِي عَزَمَ عَلَى تَتَابُعِهِ، وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَوَى صَوْمَهُ أَوْ نَذْرَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : تَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: (رُويْتُ عَلَيْهَا) ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّوْضِيحَ مَنْ رَوَاهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.

ص: (لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ) ش: هَذَا مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِهِ: (وَكَفَتْ نِيَّةٌ) لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا إِنِ انْقَطَعَ وُجُوبُ تَتَابُعِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تَكْفِي فِيمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ كَالْمَرَضِ وَالسَّفْرِ، فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ فِيهِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ السَّابِقَةُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُكَلَّفُ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى الصَّوْمِ وَمُتَابَعَتَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّجْدِيدِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا ذَكَرَهُ - يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ - مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَهُ فِي العُتْبِيَّةِ.
وَالْمَرِيضُ مُلْحَقٌ بِالْمُسَافِرِ.
وَحَكَى سَنَدٌ قَوْلًا ثَانِيًا فِي الْمُسَافِرِ بِالِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَشَارَ اللَّخْمِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي السَّرْدِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ ظَاهِرٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالنِّيَّةِ الْأُولَى هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ نَوَى جَمِيعَ رَمَضَانَ مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ، فَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
وَقَالَ فِي العُتْبِيَّةِ: يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ.
وَاسْتَظْهَرَ فِي الْبَيَانِ الِاكْتِفَاءَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ، وَنَصُّهُ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الصِّيَامِ يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ، وَصِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى، فَاخْتُلِفَ إِذَا نَوَى مُتَابَعَةَ ذَلِكَ هَلْ تُجْزِيهِ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِهِ؟ أَوْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ لِجَوَازِ الْفِطْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِهِ، يَكُونُ حُكْمُهَا بَاقِيًا وَلَوْ زَالَ عَيْنُهَا مَا لَمْ يَقْطَعْهَا بِنِيَّةِ الْفِطْرِ عَامِدًا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَنْوِ مُتَابَعَتَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ عَلَيْهِ تَجْدِيدَ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ، انْتَهَى.
وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي العُتْبِيَّةِ هُوَ فِي سَمَاعِ مُوسَى، وَنَصُّهُ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِيهِ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَهُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يُبَيِّتَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَإِنْ نَوَى أَنْ يُتَابِعَ الصِّيَامَ فِي سَفَرِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْوِ مُتَابَعَةَ الصِّيَامِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمَالِكٍ: أَنَّهُ لَا تَبْيِيتَ عَلَى مَنْ شَأْنُهُ سَرْدُ الصِّيَامِ، وَمِثْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ: أَنَّ عَلَيْهِ التَّبْيِيتَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِجَوَازٍ الْفِطْرِ.
فَمَا لَهُ فِي الْمَبْسُوطِ لِمَالِكٍ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا فَرَغَ مِنْ سَفَرِهِ وَأَقَامَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِمَا بَقِيَ مِنْ صَوْمِهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ التَّتَابُعُ مِنْ بَابٍ أَحْرَى،

وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إِذَا صَحَّ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ السَّفْرِ وَالْمَرَضِ كَصَوْمٍ مُبْتَدَإٍ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ.
وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ الْأُوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ الْأَوْلَى يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا بِارْتِفَاعِ وُجُوبِ التَّتَابُعِ، وَلَوْ كَانَ التَّتَابُعُ حَاصِلًا فَأَحْرَى أَنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُهَا بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ حِسًّا.
قَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا قَطْعُ النِّيَّةِ فَهُوَ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ أَوْ تَرْكِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ لِحُصُولِ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْقُطُ مَعَهُ الِانْحِتَامُ، وَإِنْ أَثَّرَ الصَّوْمُ مَعَهُ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، أَوْ لَا يَنْقَطِعُ اسْتَدَامَتُهَا، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ اسْتِصْحَابُ ابْتِدَائِهَا، انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ: أَنَّهُ لَوْ فَسَدَ صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنَ الصِّيَامِ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ، فَإِنَّ حُكْمَ النِّيَّةِ يَنْقَطِعُ وَلَوْ كَانَ بِالْفِطْرِ فِيهِ نَاسِيًا، وَلَا بُدّ مِنْ تَجْدِيدِهَا لِمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ بِفِطْرٍ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نِسْيَانٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ: وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِالْمَعْرُوفِ، انْتَهَى.
مَعَ أَنَّ الْفِطْرَ نَاسِيًا لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ، وَأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ التَّلْقِينِ: أَوْ بِحُصُولِ الْوَجْهِ الَّذِي يَسْقُطُ مَعَهُ الِانْحِتَامُ - مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُقْطَعُ اسْتِدَامَتُهَا إِلَى آخِرِهِ يَعْنِي بِهِ: أَنَّ حُصُولَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَةُ النِّيَّةِ حُكْمًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُ اسْتِصْحَابهَا فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَانْظُرْ إِذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّجْدِيدُ اتِّفَاقًا وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ؟ وَعِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ: لَوْ طَرَأَ فِي رَمَضَانَ مَا أَبَاحَ الْفِطْرَ هَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِعَادَةِ التَّبْيِيتِ؟ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْحُكْمُ السَّابِعُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِفْطَارِ قَطْعُ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ: تَنْقَطِعُ بِإِفْسَادِ الصَّوْمِ أَوْ تَرْكِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ بِزَوَالِ التَّحَتُّمِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ فِي التَّلْقِينِ كَمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لَا إِنِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ) أَنَّ الصَّوْمَ الَّذِي يَجِبُ تَتَابُعُهُ وَتَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ فِيهِ بِحُصُولِ الْفِطْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا بُدّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِمَا بَقِيَ مِنْهُ.
وَأَمَّا إِذَا حَصَلَ مَا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ - وَلَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ بِالْفِعْلِ - فَيُسْتَفَادُ حُكْمُهُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا: (وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَبِنَقَاءٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّوْمِ النَّقَاءُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، يُرِيدُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ هُنَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَهُ بِهِ؛ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ مَا سَيَذْكُرُهُ، وَلَا يُقَالُ: قَوْلُهُ هُنَا إِنَّ النَّقَاءَ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ - يَقْتَضِي أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الْحَيْضِ، وَخِلَافُ مَذْهَبِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَوْلُهُ إِنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ لَا يَنْفِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ: إِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ لَا فِي الصِّحَّةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ إِذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

ص: (وَوَجَبَ إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ لَحْظَةً) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ المَاجُشُونِ: إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِزَمَنٍ يَسَعُ الْغُسْلَ فَلَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ أَجَزَأَهَا صَوْمُهَا، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَسَعُ الْغُسْلَ لَمْ يُجْزِهَا صَوْمُهَا، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيح،

وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْأَكْلُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: تَصُومُ وَتَقْضِي، وَفِي كَلَامِهِ فِي الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَإِنْ جُنَّ وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، سَوَاءً طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، أَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا.
وَسَوَاءً كَانَتِ السُّنُونَ كَثِيرَةً، أَوْ قَلِيلَةً.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ قَلَّتِ: السُّنُونَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَذَلِكَ كَالْخَمْسَةِ الْأَعْوَامِ، وَإِنْ كَثُرَتْ فَلَا قَضَاءَ.
ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً.
وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مَجْنُونًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
ص: (أَوْ جُلَّهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ، انْتَهَى.
وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمُغْمَى، وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ.

ص: (لَا إِنْ سَلِمَ، وَلَوْ نِصْفَهُ) ش: انْظُرْ إِذَا طَرَأَ الْجُنُونُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَطُلْ: هَلْ هُوَ كَالْإِغْمَاءِ أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: أَنَّهُ لَيْسَ كَالْإِغْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلِّهِ وَأَوَّلِهِ سَالِمًا فَكَالنَّوْمِ.
يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ فِي أَقَلِّ النَّهَارِ مَعَ سَلَامَةِ أَوَّلِهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ كَالنَّوْمِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَتِهِ فِي النَّاسِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا إِلْحَاقُ الْجُنُونِ بِهِ فِي هَذَا لِقَتْلِهِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ حُكْمَ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ: إِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ وَكَانَ فِي عَقْلِهِ حِينَ الْفَجْرِ أَوْ أَكْثَرَ النَّهَارِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى دَخَلَ اللَّيْلُ يُجْزِئُهُ عُكُوفُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى مَا مَرَّ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ، انْتَهَى.
ص: (وَبِتَرْكِ جِمَاعٍ وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ وَقَيْءٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ هَذَا شَرْطٌ رَابِعٌ، وَقَالَ الشَّارِحُ: الْأَحْسَنُ أَنْ يُعَدَّ هَذَا مِنَ الْأَرْكَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ مَا لَا تَصِحُّ الْمَاهِيَّةُ بِدُونِهِ كَانَ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا، وَهَذَا جَارٍ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَفِي الشَّامِلِ: وَرُكْنُهُ إِمْسَاكٌ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلْغُرُوبِ عَنْ إِيلَاجِ حَشَفَةٍ أَوْ مِثْلِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا وَلَوْ بِدُبُرٍ

أَوْ فَرْجِ مَيْتَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ وَلَا أَثَرَ لِلْمُسْتَنْكِحِ مِنْهُ وَمِنَ الْمَذْيِ، انْتَهَى.
وَلِأَجْلِ إِخْرَاجِ الْمُسْتَنْكِحِ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْقَيْءِ الْغَالِبِ وَالِاحْتِلَامِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِخْرَاجُ مِنِّي الخ.
وَخَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَنْ أَمْذَى بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا أَخْرَجَ الْمَذْيَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ الْإِنْعَاظَ، وَذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، قَالَ فِيهِ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ غَمَزَهَا أَوْ بَاشَرَهَا فِي رَمَضَانَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنْ يُمْذِيَ، فَيَقْضِيَ، انْتَهَى.
فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي الْإِنْعَاظِ.
ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ جَامَعَهَا دُونَ الْفَرْجِ أَوْ بَاشَرَهَا فَأَنْزَلَ، فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ بَاشَرَهَا فَأَمْذَى أَوْ أَنْعَظَ وَحُرِّكَ مِنْهُ لَذَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُمْذِ فَلْيَقْضِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا أَنْعَظَ وَلَا حَرَّكَ ذَلِكَ مِنْهُ لَذَّةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي الْإِنْعَاظِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ طَلْقٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ نَظَرَ قَاصِدًا إِلَى التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ، أَوْ تَذَكَّرَ قَاصِدًا إِلَى التَّلَذُّذِ بِذَلِكَ، أَوْ لَمَسَ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَنْعَظَ وَلَمْ يُمْذِ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذِهِ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَمَا دُوَنَهَا مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسٍ، فَإِنْ أَنْعَظَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ أَنْعَظَ مِمَّا دُونَهَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي أَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِي الْمَذْيِ وَالْإِنْعَاظِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ فِي الْإِنْعَاظِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَمْدِيسِيَّةِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ ـ: وَبِعَدَمِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إِذَا حَصَلَ عَنْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ نَظَرٍ أَوْ لَمْسٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَأَطْلَقَ فِي الْبَيَانِ الْخِلَافَ، انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ، وَلَفَظُ عِيَاضٍ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَتَّابٍ: لَمْ يُنْزِلْ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إِذَا أَنْعَظَ وَلَمْ يُمْذِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمِثْلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْحَمْدِيسِيَّةِ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ.
وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ لَا يَرَيَانِ فِي الْإِنْعَاظِ شَيْئًا مِنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ، وَوَافَقَهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْقُبْلَةِ.
وَظَاهِرُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ فِي الْكِتَابِ: لَا قَضَاءَ فِيهِمَا؛ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُمْذِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا نَقَلَهَا الْبَاجِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ نَصًّا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا أَنْعَظَ عَنْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ، وَأَمَّا عَنْ نَظَرٍ وَلَمْسٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُمْذِيَ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ نَظَرَ أَوْ فَكَّرَ فَلَمْ يَسْتَدِمْ فَلَا قَضَاءَ، أَنْعَظَ أَوْ أَمْذَى لِلْمَشَقَّةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: تَقْيِيدُهُ هُنَا بِعَدَمِ الِاسْتِدَامَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْمَذْيِ وَالْإِنْعَاظِ مَعَ اسْتِدَامَتِهِ، (فَإِنْ قُلْتَ) : هَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ، وَالثَّانِي مَا إِذَا كَانَ عَنْ نَظَرٍ، وَيَكُونُ كَلَامُهُ مَبْنِيًّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عِيَاضٌ؟ قِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا قَيَّدَ كَلَامَهُ بِنَفْيِ الِاسْتِدَامَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَدَامَ لَكَانَ الْحُكْمُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَتِلْكَ الطَّرِيقَةُ لَيْسَ فِيهَا تَفْضِيلٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَمْذَى مِنْ غَيْرِ اسْتِدَامَةٍ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ يُخَالِفُ الْمُدَوَّنَةِ، نَعَمْ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، انْتَهَى.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ بَشِيرٍ: نَبْدَأُ بِأَوَائِلِ الْجِمَاعِ وَمُقْتَضَيَاتِ الشَّهْوَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَنَذْكُرُ مَا يَكُونُ عَلَيْهَا الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ.
فَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ فَكَّرَ فَالْتَذَّ بِقَلْبِهِ فَلَا حُكْمَ لِلَّذَّةِ، وَهَذَا مِمَّا تُسْقِطُهُ الشَّرِيعَةُ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ حَرَجٌ، فَإِنْ أَنْعَظَ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنْ أَمْذَى نَظَرْتَ هَلِ اسْتَدَامَ أَمْ لَا؟ فَإِنِ اسْتَدَامَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَمْذَى قَصْدًا فَيُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ، وَهَلْ يَجِبُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ الْقَضَاءَ لَأَدَّى إِلَى الْحَرَجِ الَّذِي تُسْقِطُهُ الشَّرِيعَةُ السَّمْحَةُ، وَإِنْ أَمْنَى فَإِنِ اسْتَدَامَ قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَالْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ

لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنْ نَظَرَ فَالْتَذَّ بِقُبْلَةٍ فَلَا حُكْمَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ أَنْعَظَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَمْنَى فَإِنِ اسْتَدَامَ فَالْقَضَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمِ النَّظَرُ اسْتُحِبَّ الْقَضَاءُ وَلَمْ يَجِبْ، وَإِنْ أَمْذَى فَإِنِ اسْتَدَامَ قَضَى وَكَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِمْ فَالْقَضَاءُ.
وَهَلْ يُكَفِّرُ؟ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ، وَأَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْتَذَّ بِقَلْبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْعَظَ فَقَوْلَانِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ بَاشَرَ أَوْ لَاعَبَ وَلَمْ يُمْذِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَنْعَظَ، فَقَوْلَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ هَذَا مُوَافِقٌ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عِيَاضٌ فِي عَدَمِ التَّقْيِيدِ بِالِاسْتِدَامَةِ فِي النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ؛ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ وَالْمُلَاعَبَةَ قَالَ: فَإِنْ أَمْذَى وَأَنْعَظَ قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ نَظَرٍ وَفِكْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إِثْرَ قَوْلِهِ: وَالْأَشْهَرُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَإِيصَالِ مُتَحَلِّلٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَعِدَتِهِ) ش: وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ اقْتَصَرَ فِي الْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ فَانْظُرْهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا.
(فَرْعٌ) : إِذَا ابْتَلَعَ الصَّائِمُ فِي النَّهَارِ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنَ الطَّعَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ أَخْذَهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْأَلَةِ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَفِي يَدِهِ حَصْبَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (بِحُقْنَةٍ بِمَائِعٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتُكْرَهُ الْحُقْنَةُ وَالسَّعُوطُ لِلصَّائِمِ، فَإِنِ احْتَقَنَ فِي فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ بِشَيْءٍ يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ فَلْيَقْضِ وَلَا يُكَفِّرْ.
وَقَالَ بَعْدَهُ: وَإِنْ قَطَرَ فِي إِحْلِيلِهِ دُهْنًا، أَوِ اسْتَدْخَلَ فَتَائِلَ، أَوْ دَاوَى جَائِفَةً بِدَوَاءٍ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِ مَائِعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
عِيَاضٌ: الْحُقْنَةُ: مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ دَوَائِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ، انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ.
وَنَقْطَعُ أَنَّهُ يَصِلُ لِجَوْفِهِ، وَلَوْ قَطَعْنَا أَنَّهُ يَصِلُ كَانَ حَرَامًا، أَوْ أَنَّهُ لَا يَصِلُ كَانَ مُبَاحًا، فَلَمَّا تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ كَانَ مَكْرُوهًا، ثُمَّ إِنْ فَعَلَ فَإِنْ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّ شَكَّ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ.
اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي الِاحْتِقَانِ بِالْمَائِعَاتِ هَلْ يَقَعُ بِهِ فِطْرٌ أَوْ لَا يَقَعُ بِهِ؟ وَأَلَّا يَقَعَ بِهِ أُحْسِنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ وَلَا إِلَى مَوْضِعٍ يَتَصَرَّفُ مِنْهُ مَا يُغَذِّي الْجِسْمَ بِحَالٍ.
عِيَاضٌ: وَقَوْلُهُ بَعْدُ فِي الْحُقْنَةِ بِالْفَتَائِلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْفِطْرِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحُقْنَةِ الْمَائِعَةِ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا الْخِلَافُ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْحُقْنَةِ مُجْمَلًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَائِعَاتِ فَلَا خِلَافَ فِيهَا.
وَاعْتَرَضَ أَبُو إِسْحَاقَ بِأَصْلِهِ فِي الرِّضَاعِ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ إِلَّا مَا كَانَ غِذَاءً، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي الرِّضَاعِ مَا يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِئُ الْعَظْمَ، وَلَا يُشْتَرَطُ هَذَا فِي الصَّوْمِ، بَلْ مَا يَصِلُ إِلَى مَوْضِعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِمَّا يُشَغِّلُ الْمَعِدَةِ وَيُسَكِّنُ كَلْبَ الْجُوعِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ أَوِ اسْتَدْخَلَ فَتَائِلَ: يَعْنِي فِي دُبُرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهَا دُهْنٌ أَمْ لَا، انْتَهَى.
وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ: وَإِذَا تَحَقَّقَ وُصُولُ الْحُقْنَةِ، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا لَمْ يُضْطَرَّ لَهَا، وَأَمَّا مَنِ اضْطُرَّ لَهَا فَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُكَفِّرُ ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَعَمَّدَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
نَعَمْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا وَصَلَ مِنْ غَيْرِ الْفَمِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابن حبيب فِي كِتَابٍ لَهُ فِي الطِّبِّ: كَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالنَّخْعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَرَبِيعَةُ

ابْنُ هُرْمُزَ يَكْرَهُونَ الْحُقْنَةَ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ غَالِبَةٍ، وَيَقُولُونَ: لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْعَجَمِ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا، وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَرِهَهَا، وَقَالَ: وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَكْرَهُهَا، وَيَقُولُ: كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَكْرَهُونَهَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَانَ مِمَّنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ التَّعَالُجِ بِالْحَقْنِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ غَالِبَةٍ لَا تُوجَدُ عَنِ التَّعَالُجِ بِهَا مَنْدُوحَةٌ، انْتَهَى.
وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنِ الْحُقْنَةِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا.
الْأَبْهَرِيُّ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ الدَّوَاءِ وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ، وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّدَاوِيَ وَأَذِنَ فِيهِ، فَقَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ» انْتَهَى.
خَلِيلٌ: فَظَاهِرُهُ مُعَارَضَةُ النَّقْلِ الْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهَا فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (أَوْ حَلْقٍ) ش: مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَنْ رَعَفَ فَأَمْسَكَ أَنْفَهُ فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَذَ الْأَنْفِ إِلَى الْفَمِ دُونَ الْجَوْفِ، فَهُوَ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ لَا شَيْءَ فِيهِ، انْتَهَى.
ص: (وَإِنْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُمْنَعُ الِاسْتِعَاطُ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَذٌ مُتَّسِعٌ، وَلَا يَنْفَكُّ الْمُسْتَعِطُ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، وَلَمْ يَخْتَلَفْ فِي وَقْعِ الْفِطْرِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَكْتَحِلُ وَلَا يَصُبُّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ.
فَإِنِ اكْتَحَلَ بِإِثْمِدٍ وَصَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ صَبَّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا لِوَجَعٍ بِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، فَلْيَتَمَادَ فِي صَوْمِهِ وَلَا يُفْطِرْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا يُكَفِّرْ إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ.
فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا غَلَطٌ، وَلَعَلَّهُ مِنَ النَّاسِخِ.
وَصَوَابُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ ابْتِدَاءً.
فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ فَلْيَتَمَادَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْحِنَّاءِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى مِنَ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْكَبِيرِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَا يُعْمَلُ فِي الرَّأْسِ حِنَّاءٌ أَوْ دُهْنٌ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ فَلْيَقْضِ.
الشَّيْخُ: وَيَخْتَبِرُ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْكُحْلِ وَالصَّبِّ فِي الْأُذُنِ وَالِاسْتِعَاطِ وَالْحُقْنَةِ: (فَرْعٌ) : إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَنْعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ فَعَلَهُ نَهَارًا، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَا يَضُرُّهُ هُبُوطُهُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا غَاضَ فِي أَعْمَاقِ الْبَاطِنِ لَيْلًا لَمْ تَضُرَّ حَرَكَتُهُ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَا يَتَحَدَّرُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْفَمِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْجَائِفَةُ كَالْحُقْنَةِ بِخِلَافِ دُهْنِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَسْتَطْعِمَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي دُهْنِ الرَّأْسِ وَلَوِ اسْتُطْعِمَ، وَلَمْ أَرَ الْأَوَّلَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ عَلَى الثَّانِي، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَوَّلَ، وَانْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ: (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ عَمِلَ فِي رَأْسِهِ الْحِنَّاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنِ اسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ قَضَى، وَإِلَّا فَلَا.
وَكَذَا مَنِ اكْتَحَلَ.
(قُلْتُ) : وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَدَمَ الْقَضَاءِ فِيمَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ مِنْ رَأْسِهِ.
وَالْأَوَّلُ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ.
وَثَالِثُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّ هَذِهِ مَنَافِذُ ضَيِّقَةٌ، وَوُصُولُهَا إِلَى الْحَلْقِ نَادِرٌ فَتَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّوَارِئِ الْبَعِيدَةِ النَّادِرَةِ، هَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
ص: (وَبَخُورٍ) ش: أَيْ بَخُورٍ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ كَمَا قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنِ

السُّلَيْمَانِيَّةِ فِيمَنْ تَبَخَّرَ بِالدَّوَاءِ فَوَجَدَ طَعْمَ الدُّخَانِ فِي حَلْقِهِ، قَالَ: يَقْضِي يَوْمًا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اكْتَحَلَ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، فَيَجِدُ طَعْمَ ذَلِكَ فِي حَلْقِهِ فَيَقْضِي.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ لُبَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اسْتَنْشَقَ بَخُورًا لَمْ يُفْطِرْ، وَأَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ.
فَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ لُبَابَةَ عَلَى مَنْ شَمَّ الرَّائِحَةَ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَ الْبَخُورِ فِي حَلْقِهِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنَّمَا يُفْطِرُ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ مِنْ طَعْمِ دَوَاءٍ لَا مِنْ طَعْمِ رِيحٍ، وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَابْنِ لُبَابَةَ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْمِسْكُ وَغَيْرُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْفِطْرُ يَقَعُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمُتَنَاوَلِ، لَا بِدُخُولِ رَائِحَتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ: هَذَا بِخِلَافِ اسْتِنْشَاقِ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، هَذَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْهُ قَضَاءٌ.
الشَّيْخُ: وَاسْتِنْشَاقُ قِدْرِ الطَّعَامِ بِمَثَابَةِ الْبَخُورِ؛ لِأَنَّ رِيحَ الطَّعَامِ لَهُ جِسْمٌ وَيَتَقَوَّى بِهِ الدِّمَاغُ، فَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِذَا وَجَدَ طَعْمَ دُخَانِ الْقِدْرِ يُفْطِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ فِي التَّلْقِينِ: يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الشُّمُومِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِي يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: إِيصَالُ شَيْءٍ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ.
وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ شَيْءٍ عَنْهُ.
فَالَّذِي يُوصِلُ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ: مَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ ثُمَّ يَنْمَاعُ وَيَقَعُ الِاغْتِذَاءُ بِهِ، أَوْ لَا يَنْمَاعُ وَيُتَطَعَّمُ أَوْ لَا يُتَطَعَّمُ، وَذَلِكَ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُغَذِّيَيْنِ، وَكَالدِّرْهَمِ، وَالْحَصَا، وَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تُتَطَعَّمُ وَلَا تَنْمَاعُ وَلَا يَقَعُ بِهَا غِذَاءٌ، وَمَثَلُهَا الْكُحْلُ، وَالدُّهْنُ، وَالشَّمُومُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ الْوَاصِلَةِ إِلَى الْحَلْقِ، وَصَلَتْ مِنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِهِمَا كَالْعَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ، وَمَا تَحَدَّرَ مِنَ الدِّمَاغِ بَعْدَ وُصُولِهِ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَنَافِذِ، انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ هَذَا فِي الشَّامِلِ فَقَالَ فِيهِ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، انْتَهَى، وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقَالَ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الِاعْتِكَافِ، أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَالْمُعْتَكِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا صَائِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَغَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ أَوْ سِوَاكٍ) ش: قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ

الْإِرْشَادِ: وَابْتِلَاعُ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ يُوجِبُ الْقَضَاءَ، لَا بَقَايَاهُ مَعَ الرِّيقِ بَعْدَ طَرْحِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ.
وَفِيمَنِ ابْتَلَعَ دَمًا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَلَبَةً قَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْجَوَاهِرِ، انْتَهَى مِنْ جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ لِلسَّنُوسِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ ابْنُ شَاسٍ: وَابْتِلَاعُ دَمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَلَبَةً لَغْوٌ، وَإِنِ ابْتَلَعَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ أَفْطَرَ، وَقِيلَ: لَا يُفْطِرُ.
(قُلْتُ) : وَلَفْظُ ابْنِ قَدَّاحٍ: مَنْ وَجَدَ فِي فَمِهِ دَمًا وَهُوَ صَائِمٌ فَمَجَّهُ حَتَّى ابْيَضَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَوْ إِلَى الْأَكْلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ كَثُرَ عَلَيْهِ الدَّمُ إِذَا كَانَ مِنْ عِلَّةٍ دَائِمَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ابْتَلَعَ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ لَمْ يَبْتَلِعْ، انْتَهَى.
ص: (وَقَضَى فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا) ش: أَحْكَامُ الْإِفْطَارِ عَلَى الْإِجْمَالِ سَبْعَةٌ: الْإِمْسَاكُ، وَالْقَضَاءُ، وَالْإِطْعَامُ، وَالْكَفَّارَةُ، وَالتَّأْدِيبُ، وَقَطْعُ التَّتَابُعِ، وَقَطْعُ النِّيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ: مُفْسِدَاتُ الصَّوْمِ عِشْرُونَ، عَشَرَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، عَشَرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا: فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: تَعَرِّي الصَّوْمُ مِنَ النِّيَّةِ، وَالْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِمَاعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْزَالٌ، وَالْإِنْزَالُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ، وَالْمَذْيُ مَعَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ، وَالْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ، وَخُرُوجُ الْوَلَدِ، وَالِاسْتِقَاءُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْقَيْءِ شَيْءٌ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا: الْفِلْقَةُ مِنَ الطَّعَامِ، وَغُبَارُ الدَّقِيقِ، وَغُبَارُ الطَّرِيقِ، وَمَا وَصَلَ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَلْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ أَوْ عَيْنٍ، وَمَا يَتَحَدَّرُ مِنَ الرَّأْسِ، وَابْتِلَاعُ مَا لَا يَتَحَلَّلُ مِثْلُ الْحَصَاةِ، وَالْمَذْيُ إِذَا لَمْ يُتَعَمَّدْ سَبَبُهُ، وَالِاسْتِقَاءُ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ مِنَ الْقَيْءِ شَيْءٌ، وَالْقَيْءُ غَلَبَةً إِذَا رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالرِّدَّةِ، وَرَفْضُ النِّيَّةِ.

ص: (وَإِنْ بِصَبٍّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا، كَمُجَامَعَةِ نَائِمَةٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أُكْرِهَ، أَوْ كَانَ نَائِمًا فَصُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ فِي رَمَضَانَ، أَوْ فِي نَذْرٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، أَوْ فِي صِيَامٍ مُتَتَابِعٍ، أَوْ جُومِعَتِ امْرَأَةٌ نَائِمَةٌ فِي رَمَضَانَ، فَالْقَضَاءُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَجْزِي بِلَا كَفَّارَةٍ، وَتَصِلُ الْقَضَاءَ فِي ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنَ الصَّوْمِ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ كَانَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَفْظُهُ: وَفِيهَا لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ جُومِعَتْ نَائِمَةً، أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ كَذَلِكَ، وَلَا عَلَى فَاعِلِهِ.
سَحْنُونٌ: هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِهِ: الْإِكْرَاهُ بِالْوَطْءِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ، لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُمَا مَا نَصُّهُ: عُرِضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْ أَكْرَهَ شَخْصًا وَصَبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءً، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، نَعَمْ أَوْجَبَهَا ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُكْرِهَ لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ حَصَلَتْ لَهُ لَذَّةٌ، فَنَاسَبَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا.
وَأَمَّا مَنْ صَبَّ فِي حَلْقِ إِنْسَانٍ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يُجَامِعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنِ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي آخِرِ بَابِ الْإِفْطَارِ بِالْإِكْرَاهِ: وَيَجْرِي التَّفْرِيعُ فِي الْأَكْلِ كَرْهًا عَلَى حُكْمِ الْأَكْلِ سَهْوًا، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي الْوَاجِبِ، وَسُقُوطِهِ فِي التَّطَوُّعِ، وَفِي الْكَفِّ مَعَهُ، وَعَدَمِ قَطْعِ التَّتَابُعِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُوَضَّحًا، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (وَكَأَكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ) ش: أَيْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى شَكِّهِ، وَأَمَّا

إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَعْمَلُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حُرِّمَ الْأَكْلُ اتِّفَاقًا، وَوَجَبَ الْقَضَاءُ.
الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذَا مَا دَامَ عَلَى شَكِّهِ أَوْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ، أَمَّا إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَوَابٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَلَى شَكٍّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِيمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْغُرُوبِ: وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غُرُوبٌ سَلِمَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ.
وَإِنْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ أَوْ لَا؟ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ بِاتِّفَاقٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ، انْتَهَى.
يَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ: أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا قَضَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَكَلَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْفِطْرِ، فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: لَا.
ذَكَرَ هَذَا ابْنُ الْقَصَّارِ.

ص: (إِلَّا الْمُعَيَّنَ لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِسْيَانٍ) ش: تَبِعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا: وَمَنْ تَسَحَّرَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطُلُوعِهِ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا، أَوْ كَانَ فِي رَمَضَانَ، فَلْيَتَمَادَ عَلَى صَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَهَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بَعْدَ النِّسْيَانِ مِنْ مُسْقِطَاتِ الْقَضَاءِ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِالْفِطْرِ فِيهِ نِسْيَانًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: عَدَمُهُ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، أَوْ لَا يَخْتَصُّ فَيَجِبُ.
وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ.
وَنَصَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِرُمَّتِهِ: وَيَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَوَاجِبُهُ - أَيْ وَاجِبُ الصَّوْمِ - الْمَضْمُونِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَوْ مُكْرَهًا، وَالْمُعَيَّنُ بِهِ - أَيْ بِفِطْرِهِ عَمْدًا - اخْتِيَارًا.
وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ بِفِطْرِ مَرَضٍ فِي الْحَضَرِ.
ثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِفَضْلٍ.
اللَّخْمِيُّ، عَنْ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، مَعَ عِيَاضٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهَا، وَالْمَشْهُورُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الشَّيْخُ عَنِ الْمُغِيرَةِ: مَنْ صَامَ أَوَّلَ شَهْرٍ نَذَرَهُ مُعَيَّنًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَصَامَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَفْطَرَ أَوَّلَهُ اخْتِيَارًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، قَضَى جَمِيعَهُ.
وَلَوْ نَذَرَ إِثْرَ فِطْرِهِ فَصَامَ يَوْمًا فَمَرِضَ بَاقِيَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ: بِنِسْيَانِ الثَّلَاثَةِ لِلْمَشْهُورِ، وَالشَّيْخِ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ مُحْرِزٍ، عَنْهُ مَعَ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي فِطْرِهِ

بِمُطْلَقِ غَلَبَةٍ، وَجَعْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الثَّانِيَ الْمَشْهُورَ وَهْمٌ، انْتَهَى.
وَجَعْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ قَوْلَ الْمُغِيرَةِ خِلَافَ الرَّاجِحِ، فَانْظُرْهُ.
وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ.
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرَضِ وَالنِّسْيَانِ: أَنَّ الْمَرَضَ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَالنَّاسِي مَعَهُ ضَرْبٌ مِنَ التَّفْرِيطِ.
وَالْحَيْضُ مِثْلُ الْمَرَضِ.
وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ.
(فَرْعٌ) : وَأَمَّا السَّفَرُ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ، أَمَّا لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ لِسَفَرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا.
نَقَلَهُ ابْنُ هَارُونَ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ، وَنَصُّهُ: وَفِيهِ لِسَفَرٍ سَمَاعُ الْقَرِينَيْنِ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَفِيهَا: لَا أَدْرِي، ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ قَضَاءَهُ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَقَالَ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ، بِخِلَافِ فِطْرِهِ لِسَفَرٍ.
وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَكَانَ حَصْرُهُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِيمَا ذَكَرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَشْهِيرُ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَفْطَرَ فِي الْمُعَيَّنِ مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ: وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، انْتَهَى.
فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِفْطَارِ فَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَأَمَّا الْمُتَعَيَّنُ سِوَى رَمَضَانَ فَيَلْزَمُ قَضَاؤُهُ مَعَ الْعُذْرِ فِي فِطْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ الْعُذْرِ الْقَاطِعِ كَالْمَرَضِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ وَالسَّهْوِ، إِلَّا أَنَّ فِي هَذَيْنِ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ السَّفَرُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِلْمَشْهُورِ إِلَّا فِي السَّهْوِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِمَا وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْفِطْرِ نَاسِيًا.
(فَرْعٌ) : تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ فِي النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ نَاسِيًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَيَقْضِيَهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ.
قَالَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي حُكْمِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فِي الْوُجُوبِ كَحُكْمِ رَمَضَانَ، إِلَّا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْعَامِدِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُفْطِرًا وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لَهُ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَائِمًا يَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَاءِ صَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ.
قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ قَضَائِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ قَضَائِهِ، فَنَابَ فِي النِّيَّةِ فَرْضٌ عَنْ فَرْضٍ، فَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْأَسِيرِ يُخْطِئُ فِي الشُّهُورِ فَيَصُومُ شَوَّالًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ رَمَضَانَ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمُعَيَّنِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا نَذَرَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَاءَهُ الْعُذْرُ فَإِنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ، وَفِي رَسْمِ جَاعَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ صِيَامَ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالْاثْنَيْنِ، فَأَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَهُوَ يَظُنُّهُ الْأَرْبِعَاءَ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى عَلِمَ، قَالَ مَالِكٌ: يَصُومُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَكْفِيهِ إِيجَابُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا فِي نِيَّةٍ.
قَالَ: وَلَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَصُومَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
قِيلَ لِمَالِكٍ: وَلَوْ جَازَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَصْبَحَ صَائِمًا وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: يُجْزِيهِ عَنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ ثَلَاثَةُ مَسَائِلَ: قَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنْهَا فِي رَسْمِ سَلَفٍ قَبْلَ هَذَا.
وَعَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَإِيجَابِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُتِمَّ الْيَوْمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَفْطَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، خِلَافَ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَالَّذِي قَدَّمَهُ فِي رَسْمِ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ: لَا مَسْرُودٍ وَيَوْمٍ مُعَيَّنٍ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ: وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ فِي هَذَا الرَّسْمِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ، قَالَ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِاللَّهِ

أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ، أَنْ يَصُومَ غَدًا فَيُصْبِحُ صَائِمًا، ثُمَّ يَأْكُلُ نَاسِيًا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّمَا قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ نَاسِيًا، أَيْ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ، مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ - أَيْ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ عَامِدًا أَوْ فِي رَمَضَانَ سَاهِيًا لِمَا جَازَ فِي ذَلِكَ - كَذَا فِي الْبَيَانِ، انْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَفِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِالْفِطْرِ إِذَا كَانَ عَمْدًا حَرَامًا، كَمَنَ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرَ، فَإِنَّ إِتْمَامَ صَوْمِ النَّفْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَمَذْهَبُ الْمُخَالِفِ عِنْدِي أَظْهَرُ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَاحْتَرِزْ بِقَوْلِهِ: (الْعَمْدِ) مِنَ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ، (وَبِالْحَرَامِ) مَنْ أَفْطَرَهُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَالْحَرِّ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ، وَفِطْرُهُ لِأَمْرِ وَالِدَيْهِ وَشَيْخِهِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا: قَالَ التَّادَلِيُّ: حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (عَامِدًا) : حَرَامًا.
كَمَا زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: وَيَجِبُ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ: خَاصَّةً، وَأَرَادَ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ مَا كَانَ عَمْدًا لِلسَّبَبِ، كَجَبْرِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ إِذَا تَطَوَّعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، انْتَهَى.
وَفِي السَّفَرِ رِوَايَتَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: أَنَّهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ.
وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ.
وَفِي الْجَلَّابِ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِسُقُوطِهِ، انْتَهَى جَمِيعُهُ مِنَ التَّوْضِيحِ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ يَتَسَحَّرْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُفْطِرُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَضَاهُ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ الْكِتَابِ قَوْلُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ نُفِيَ الْوُجُوبُ، وَهَلْ قَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ أَمْ لَا؟ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْبَابَ قَضَائِهِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: فِي اسْتِحْبَابِهِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكَلَ عَامِدًا أَنَّهُ يَقْضِي، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَقَعَ لِلْقَاضِي عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ الْأَفْرِيقِيِّ السَّاحِلِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي قَوْلِهِ لِصَدِيقِهِ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مَعَهُ وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ.
فَظَاهِرُهُ نَفْيُهُ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَإِلَيْهِ كَانَ شَيْخُنَا - حَفِظَهُ اللَّهُ يَذْهَبُ، وَلَمْ يَرْتَضِ قَوْلَ عِيَاضٍ فِي مَدَارِكِهِ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ، بَلْ صَرِيحُهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا لَا يُفْطِرُ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى، وَهَذَا صَرِيحٌ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا حُرِّمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ثَانِيًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي رَسْمِ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: الْعَمْدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ مُتَأَوِّلًا أَنَّهُ لَا يَقْضِي لِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ يَسْقِطُ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَحَيْثُ يُفْطِرُ فِي تَطَوُّعِهِ عَامِدًا، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفُّ؟ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: قَوْلَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ: رَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَا وَجْهَ لِكَفِّ مُفْطِرِهِ عَمْدًا إِلَّا لِعُذْرٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبَ الْكَفِّ لَا أَعْرِفُهُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يُعْمَلَ فِي صَوْمِ الْفَرِيضَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ: مِثْلُ الْحُقْنَةِ وَالسَّعُوطِ وَذَوْقِ الْمِلْحِ وَالطَّعَامِ وَمَضْغِ الْعِلْكِ وَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : هُنَا لُغْزٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَنَا: صَائِمٌ مُتَطَوِّعٌ، أَفْطَرَ نَاسِيًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مَنِ اعْتَكَفَ أَيَّامًا مُتَطَوِّعًا بِهَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهَا نَاسِيًا فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ وَيَصِلُهُ بِأَيَّامِ اعْتِكَافِهِ.
وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.

ص: (وَلَوْ بِطَلَاقٍ بَتَّ، كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا) ش: الْخِلَافُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِلَوْ هُوَ مَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَجْهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي

الرِّوَايَةِ أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ الَّتِي حَلَفَ بِهَا هِيَ الثَّالِثَةُ.
وَالْأَقْرَبُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا لِوَجْهِ رُجُوعِهِ إِلَى طَلَاقِ الْبَتِّ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ مَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ، انْظُرْ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ الَّتِي حُلِفَ بِعِتْقِهَا، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي حُلِفَ بِطَلَاقِهَا، عُلِّقَ بِهَا الْحَالِفُ، وَيُخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ، فَالْوَجْهُ حِينَئِذٍ الْفِطْرُ، أَوْ غَيْرُ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ عِنْدَ النُّزُولِ، انْتَهَى.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ- تَشْبِيهًا لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ وَسِيَاقِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِطْرَهُ لِلْوَالِدَيْنِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ رِقُّهُ عِلَّةً لِإِدَامَةِ صَوْمِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْخِ: الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ، كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْوَالِدِ: (قُلْتُ) : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَيْخَهُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الْعِلْمَ لَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ يُفْتِي بِأَنَّهُ كَهُوَ، انْتَهَى.
وَإِذَا أَفْطَرَ لِطَاعَةِ وَالِدَيْهِ أَوْ شَيْخِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ، كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ عِيَاضٍ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ عِيَاضٍ الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَمَرَهُ بِفِطْرِهِ: ثَوَابُكَ فِي سُرُورِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ بِفِطْرِكَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقَضَاءٍ.
فَقَالَ عِيَاضٌ: قَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ - يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ - لِوُضُوحِهِ، انْتَهَى.
وَفِي أَخْذِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْفِطْرُ مُبَاحٌ، فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَا يُعْلَمُ شَيْءٌ يُبَاحُ لِأَجْلِهِ الْفِطْرُ فِي التَّطَوُّعِ، وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ.
وَالْمَسْأَلَةُ نَقَلَهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنِ التَّادَلِيِّ أَنَّهُ لَا يَقْضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : لَوْ حَلَفَ هَذَا الصَّائِمُ لَيُفْطِرَنَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَزَلَ عَلَى قَوْمٍ فَلَا يَصُومَنَّ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ» قَالَ فِي الْعَارِضَةِ: حَدِيثٌ مُنْكَرُ السَّنَدِ صَحِيحُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ لَهُ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُمْ حَتَّى لَا يَخْسَرُوا، انْتَهَى.
ص: (وَكَفَّرَ إِنْ تَعَمَّدَ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ انْتِهَاكًا بِمُوجِبِ الْغُسْلِ: وَطْئًا، وَإِنْزَالًا.
وَالْإِفْطَارَ بِمَا يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ أَوِ الْمَعِدَةِ مِنَ الْفَمِ، وَأَكْلَ النَّاسِي، وَمُخْطِئَ الْفَجْرَ، وَظَانَّ الْغُرُوبِ لَا يُوجِبُهَا.
وَفِي جِمَاعِ النَّاسِي ثَالِثُهَا يَتَقَرَّبُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ لَهَا.
وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمِ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبْتُ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تُفْطِرُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ تَعْلَمُ أَنَّهَا حَاضَتْ قَبْلَ فِطْرِهَا.
وَعَنِ ابْنِ حَمْدِيسَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الطَّلَبَةِ: عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمِثْلُهَا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُعْتَقِدًا أَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْهَا غَرَّ وَسَلَّمَ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَمَنْ سَلَّمَ مُعْتَقِدًا عَدَمَ إِتْمَامِ صِلَاتِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ تَمَامَهَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ التُّونِسِيُّ اخْتَارَ إِبْطَالَهَا لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِبْطَالِهَا بِسَلَامِهِ.
وَكَذَا إِنْ حَلَفَ فِي مَسَائِلِ الْغَمُوسِ مُعْتَقِدًا لِلْكَذِبِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى الظَّنِّ أَوِ الْوَهْمَ أَوِ الشَّكِّ لِلْقَطْعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ مُوَافَقَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ يَقِينًا.
انْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الصَّائِمِ، وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي فَصْلِ السَّهْوِ.

ص: (وَجَهْلٍ) ش: أَيْ بِلَا جَهْلٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْجَاهِلِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ.
فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ كَالْعَامِدِ، فَقَالَ فِي الَّذِي يَتَنَاوَلُ فَلْقَ حَبَّةٍ: إِنْ كَانَ سَاهِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَالْمَعْرُوفُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَاهِلَ فِي حُكْمِ الْمُتَأَوَّلِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ انْتِهَاكَ صَوْمِهِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، يَظُنُّ أَنَّ الصِّيَامَ الْإِمْسَاكَ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ دُونَ الْجِمَاعِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِنْ جَامَعَ، انْتَهَى.
ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ سَافَرَ دُونَ

الْقَصْرِ، أَوْ قَدِمَ لَيْلًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَفِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ لَيْلًا فَلَمْ تَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَتُفْطِرُ- قَالَ: فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْطَرُوا عَلَى الْجَهْلِ بِمُوجِبِ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ مَا لَمْ يَتَأَوَّلْ شَيْئًا لَا تَأْوِيلًا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِ.
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ صَوْمَ رَمَضَانَ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَهْلِ بِوُجُودِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا.
بَلِ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فِي يَوْمِ الشَّكِّ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْهِلَالُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَمَضَانَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ - فَإِنَّهُ جَاهِلٌ أَيْضًا بِالْحُكْمِ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ إِنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الْمُتَأَوِّلِ بَيْنَ التَّأْوِيلِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ- فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا إِذَا حَمَلَ الْجَاهِلُ عَلَى مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَجَهِلَ وُجُوبَ رَمَضَانَ، أَوْ بَعْضَ مَا يَمْنَعُهُ رَمَضَانُ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُشْتَهِرَةِ.
وَالْمُتَأَوِّلُ مَنْ أَفْطَرَ لِوَجْهٍ يُخْفِي حُكْمَهُ.
بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الْإِفْطَارِ بِهِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُتَأَوِّلِ وَالْجَاهِلِ، وَأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا بِوَجْهٍ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُنْتَهِكِ، فَمَنْ لَمْ يَنْتَهِكْ وَادَّعَى وَجْهًا يُعْذَرْ بِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا- قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نَظَرٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِمَّا يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يُصَدَّقْ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ إِثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَذِكْرِهِ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: أَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَ الْفِطْرَ جُرْأَةً وَانْتِهَاكًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ نُظِرَ إِنَّ مَنْ أَفْطَرَ بِتَأْوِيلٍ، فَإِنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ صُدِّقَ فِيمَا يَدَّعِيهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جُرْأَةً، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نُظِرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَأُلْزِمَ الْكَفَّارَةَ وَهَذِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا يَنْوِي، وَلَا يَنْوِي الْآخَرُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَانَ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ إِلَيْهِ إِذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ وَجْهٌ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْأَمْوَالِ، فَمَنْ كَانَ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ عِتْقٌ عَنْ ظِهَارٍ، أَوْ قَتْلٌ، أَوْ هَدْيٌ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ.
وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَارَّةٌ، فَمَاتَ قَبْلَ إِخْرَاجِ ذَلِكَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْكَفَّارَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى إِخْرَاجِهَا مَعَ الْقَوْلِ أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي؟ قِيلَ: إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ يُخْرِجُهَا، وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ مِنْهُ جُحُودُهَا، وَأَنَّهُ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهَا.
وَهَذَا فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَى نَفْسِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَطَوَّعَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ فِي غَيْرِ يَمِينٍ.
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْبَرُ عَلَى إِنْفَاذِ ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُجْبَرُ.
وَبَقِيَّةُ مَا تَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ بِرَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْإِجْبَارُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَا يُوكَلُ إِلَى الْأَمَانَةِ.
فَمَنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ لَمْ يُصَدَّقْ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُشْبِهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: هِيَ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْأَمَانَةِ، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَتَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُفْطِرَ بِالتَّأْوِيلِ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ فِيهِ شَيْئًا.
انْتَهَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (فِي رَمَضَانَ فَقَطْ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُكَفِّرُ فِي دَهْرٍ مَنْذُورٍ صَوْمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ كُلِّهِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا، قَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مِنْ عُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَفْطَرَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قِيلَ: وَمَا الْكَفَّارَةُ؟ قَالَ: إِطْعَامُ مِدٍّ.
أَخْبَرَ بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: أَنَّ عَلَيْهِ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّهُ لَمَّا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مَا لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً أَشْبَهَ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً، إِذْ قَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِ بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: الْقِيَاسُ عَلَى كَفَّارَةِ التَّفْرِيطِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لِلْفِطْرِ مُتَعَمَّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِيهِ، وَهَذَا أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْفِطْرُ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَلَزِمَهُ صِيَامُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَصُومُ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَصُومُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنَ الْوَاضِحَةِ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؛ إِذْ لَا يَجِدُ لَهُ قَضَاءً.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: كَفَّارَةُ إِطْعَامِ مَسَاكِينَ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِالصَّوْمِ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَمِينِهِ، وَيُطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ، أَوْ نَذَرَ صِيَامَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لِظِهَارٍ فَلْيَصُمْهَا لِظِهَارِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا نَذَرَ مِنْ صِيَامِ الدَّهْرِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمُسَمَّاةِ، قَالَهُ مَالِكٌ.
وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ: يُطْعِمُ لِعِدَّةِ مَا صَامَ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا، وَهَذَا أَدْنَى الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ، انْتَهَى.
وَمِثْلُ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ: صِيَامُ الْهَدْيِ، وَالْفِدْيَةِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ كَلَامَ التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ الدَّهْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا: قَالَ كَافَّةُ النَّاسِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَانْظُرْ بَقِيَّتَهُ.

ص: (جِمَاعًا) ش: قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَوْ وَطِىءَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، أَوْ فَرْجَ مَيْتَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَمَنِ احْتَلَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ «: ثَلَاثَةٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ» ... فَذَكَرَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ذَلِكَ.
نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي الْكَبِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (أَوْ رَفْعُ نِيَّةٍ نَهَارًا) ش: يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أُصْبِحَ صَائِمًا، فَأَحْرَى إِذَا أَصْبَحَ نَاوِيًا لِلْفِطْرِ وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ

بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّةِ الْفِطْرِ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ جَمِيعِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي إِصْبَاحِهِ يَنْوِي الْفِطْرَ، قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ، وَأَشْهَبَ مَعَ رِوَايَتِيْ أَبِي الْفَرَجِ، وَفِيهَا: لَوْ أَصْبَحَ يَنْوِي الْفِطْرَ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَفَّرَ.
أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ.
الصَّقَلِّيُّ: لَعَلَّهُ فِيمَنْ صَامَ بَعْضَهُ؛ إِذْ لَا تَرْتَفِعُ نِيَّتُهُ إِلَّا بِفِعْلٍ.
وَلَوْ كَانَ أَوَّلَ صَوْمِهِ كَفَّرَ اتِّفَاقًا.
وَفِيهَا الشَّكُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: بِكَفَّارَةِ مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُكَفَّرَ.
سَحْنُونُ: لَا كَفَّارَةَ، وَقَضَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ.
فَخَرَّجَهُمَا عِيَاضٌ عَلَى صِحَّةِ رَفْضِهِ وَامْتِنَاعِهِ.
الشَّيْخُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ: مَنْ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ نَهَارَهُ لَمْ يُفْطِرْ بِالنِّيَّةِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
ذَكَرَهُ فِي الْمَعُونَةِ.
وَفِي الْعُمْدَةِ مُخْتَصَرَةِ الْمَعُونَةِ: وَالرِّدَّةُ مُبْطِلَةٌ، وَلَا يُلْزَمُ قَضَاءَ مَا أَفْطَرَهُ فِيهَا إِذَا أَسْلَمَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، انْتَهَى.
ص: (أَوْ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا) ش: انْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالْأَكْلِ: هَلْ هُوَ الْأَكْلُ الْمُعْتَادُ؟ فَلَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَصَا وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ.
أَوْ مُرَادُهُ مَا قَدَّمَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِفْطَارُ فَيَعُمُّ ذَلِكَ الْجَمِيعَ؟ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَفَّارَةِ: وَفِي نَحْوِ التُّرَابِ وَفِلْقَةِ الطَّعَامِ عَلَى تَفْرِيعِ الْإِفْطَارِ قَوْلَانِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ الْفِطْرِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَالَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ يَرَى الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ.
وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ مَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْحَصَى وَالدِّرْهَمِ.
فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ: لَهُ حُكْمُ الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ فِي السَّهْوِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَمْدِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا، فَيَقْضِي لِتَهَاوُنِهِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْحَصَى يَشْغَلُ الْمَعِدَةَ إِشْغَالًا وَيُنْقِصُ مِنْ كَلَبِ الْجُوعِ، انْتَهَى.
ص: (بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ش: وَلَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ سِتِّينَ خَلَّةً، وَهُوَ حَاصِلٌ، فَلِمَ لَا يُجْزِئُ؟ قِيلَ: الْمَقْصُودُ سَدُّ خُلَّةِ سِتِّينَ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَجْرِ، وَلِتَوَقُّعِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ وَلِيٌّ مَقْبُولُ الدُّعَاءِ.
نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
(فَائِدَةٌ) : وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ

بَعْدَ ذِكْرِ الرَّقَبَةِ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا» . قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ الصِّحَاحِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْبَدَنَةِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَذِكْرُ الْبَدَنَةِ هُوَ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَى عَطَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِهِ إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَجَامِعُ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا رَقَبَةً، أَهْدَى بَدَنَةً إِلَى مَكَّةَ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا.
ص: (لِكُلِّ مُدٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ: الْمُدُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ الْغَذَاءِ وَالْعَشَاءِ.
وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: فَلَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ: مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ فِي يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُطْعِمَ ثَلَاثِينَ آخَرِينَ، انْتَهَى مِنَ الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
أَبُو الْحَسَنِ: وَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ ثَلَاثِينَ مُدًّا مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَيُعْطِيَهَا غَيْرَهُمْ، فَإِنْ فَوَّتُوهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ رُجُوعٌ، كَمَنْ عَوَّضَ مِنْ صَدَقَةٍ ظَانًّا لُزُومَهَا، انْتَهَى.
الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اللَّخْمِيُّ صَنَّفَهَا كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي كَوْنِ إِطْعَامِ الْكَفَّارَةِ لِأَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٍ كَيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَأْخُذُ مِنْهَا الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ إِلَّا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ.
أَوْ أَيَّامَهُ كَأَيْمَانٍ يُجْزِيهِ أَخْذُهُ لِلْيَوْمَيْنِ نَظَرٌ، وَهَذَا أَبْيَنُ.
وَقَوْلُ الْجَلَّابِ: لَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ لِإِحْدَى كَفَارَتَيْهِ، ثُمَّ أَطْعَمَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلْأُخْرَى أَجْزَأَهُ؛ مَفْهُومُهُ لَوْ أَطْعَمَهُمْ عَنْهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، انْتَهَى.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ اتِّفَاقًا، وَلَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَيَّامِ مُوجِبِهَا وَلَوْ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، لَا بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهَا قَبْلَهُ اتِّفَاقًا، وَبُعْدَهُ نَقَلًا.
ابْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْمُتَأَخِّرِينَ، انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَهُوَ الْأَفْضَلُ) ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ كَانَ حُرًّا مَالِكَ التَّصَرُّفِ، وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ وَالْأُمَّةُ بِالصِّيَامِ إِلَّا أَنْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالسَّيِّدِ، فَيَبْقَى دَيْنًا عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ فِي الْإِطْعَامِ.
وَنَقَلَهُ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَإِذَا فَعَلَ السَّفِيهُ مُوجَبَ الْكَفَّارَةِ، وَقُلْنَا: إِنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، أَمَرَهُ وَلَيُّهُ بِالصِّيَامِ لِحِفْظِ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَأَبَى، كَفَّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِالْأَقَلِّ مِنِ الْعِتْقِ وَالطَّعَامِ.
عَبْدُ الْحَقِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إِذَا أَبَى مِنَ الصَّوْمِ.
قَالَ: وَهُوَ الْأَبْيَنُ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: أَفْتَى مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا بِالْإِطْعَامِ فِي الشِّدَّةِ، وَالْعِتْقِ فِي الرَّخَاءِ.
وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ: بِصَوْمِ ذِي سَعَةٍ.
وَبَادَرَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حِينَ سَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ وَطْءِ جَارِيَةٍ لَهُ فِي رَمَضَانَ بِكَفَّارَتِهِ بِصَوْمِهِ، فَسَكَتَ حَاضَرُوهُ.
ثُمَّ سَأَلُوهُ: لِمَ لَمْ تُخَيِّرْهُ فِي أَحَدِ الثَّلَاثَةِ؟ فَقَالَ: لَوْ خَيَّرْتُهُ وَطِىءَ كُلَّ يَوْمٍ وَأَعْتَقَ.
فَلَمْ يُنْكِرُوهُ.
عِيَاضٌ: وَحَكَاهُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ.
وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ مِمَّا ظَهَرَ مِنَ الشَّرْعِ إِلْغَاؤُهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِبْطَالِهِ.
(قُلْتُ) : وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُفْتِيَ بِذَلِكَ رَأَى الْأَمِيرَ فَقِيرًا، مَا بِيَدِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ.
(قُلْتُ) : وَلَا يَرِدُ هَذَا بِتَعْلِيلِ الْمُفْتِي بِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهِ مُوحِشٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِلْفَخْرِ: هَذَا الْمِثَالُ قَدْ يُتَحَيَّلُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَجْلِ قِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا شَرَعَ الْكَفَّارَةَ زَجْرًا، وَالْمُلُوكُ لَا تَنْزَجِرُ بِالْإِعْتَاقِ، فَتَعَيَّنَ مَا هُوَ زَجْرٌ فِي حَقِّهِمْ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ النَّظَرِ

الْمَصْلَحِيِّ الَّذِي لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، انْتَهَى.
ص: (وَعَنْ أَمَةٍ وَطِئَهَا، أَوْ زَوْجَةٍ أَكْرَهَهَا) ش: إِنَّمَا قَالَ فِي الْأَمَةِ وَطِئَهَا، وَالزَّوْجَةِ أَكْرَهَهَا؛ لِيُنَبَّهَ عَلَى أَنَّ طَوْعَ الْأُمَّةِ كَالْإِكْرَاهِ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَجَبَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِعَةً أَوْ مُكْرَهَةً، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ عَنْهَا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَمَةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ وَطِىءَ أَمَةً كَفَّرَ عَنْهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ؛ لِأَنَّ طَوْعَهَا كَالْإِكْرَاهِ لِلرِّقِّ، وَلِذَلِكَ لَا تُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنْ وَاطِئَهَا غَيْرُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِلَّا أَنْ تَطْلُبَهُ هِيَ بِذَلِكَ وَتَسْأَلَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ الْأَمَةَ الْكَفَّارَةُ، وَتُحَدُّ الْمُسْتَحَقَّةُ، إِنْ لَمْ تُعْذَرْ بِجَهْلٍ، انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالسُّؤَالِ مَا إِذَا تَزَيَّنَتْ، وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ الْأَصْحَابِ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا، فَالْإِطْعَامُ عَنْهَا لَازِمٌ لَهُ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ يُونُسَ، وَانْظُرْ تَخْصِيصَهُ التَّكْفِيرَ عَنْهَا حِينَئِذٍ بِالْإِطْعَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْأَخَفُّ غَالِبًا، وَإِلَّا فَحِينَ صَارَتْ حُرَّةً فَيَصِحُّ التَّكْفِيرُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَإِنْ فَعَلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ بِمَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ فَهِيَ جِنَايَةٌ، إِمَّا أَنْ يُسْلِمَهُ السَّيِّدُ فِيهَا، أَوْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ طَلَبَتِ الْمَفْعُولُ بِهَا أَخْذَ ذَلِكَ وَتَصُومُ عَنْ نَفْسِهَا لَمْ يُجْزِهَا وَإِنْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا لِلصِّيَامِ، وَالصِّيَامُ لَا ثَمَنَ لَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ أَكْرَهَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ، فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: هُوَ جِنَايَةٌ إِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَسْلَمَهُ، أَوِ افْتَكَّهُ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الرَّقَبَةِ أَوِ الطَّعَامِ.
وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ وَتُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ؛ إِذْ لَا ثَمَنَ لَهُ.
ابْنُ مُحْرِزٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَعْبَانَ: الرَّقَبَةُ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا لَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ.
وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ مِمَّا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَفْتَدِيَهُ السَّيِّدُ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُخَيَّرَةٌ فِيمَا تُكَفِّرُ بِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى عِنْدِي مِنَ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهُ لَاحَظَ فِي الْأَوَّلِ كَوْنَ الْمُكَفِّرِ إِنَّمَا يُكَفِّرُ بِأَخَفِّ الْكَفَّارَاتِ لَا بِأَثْقَلِهَا، انْتَهَى بِمَعْنَاهُ.
خَلِيلٌ: وَقَوْلُهُ: خِلَافُ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِلَخْ، يُرِيدُ لِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: يَفْدِيهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ، فَهَذَا يَقْتَضِي قِيمَةَ الْعَبْدِ وَلَيْسَ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَهَذَا، بَلْ يَفْتَكُّهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَوْ يُسْلِمُهُ.
وَعَلَى هَذَا فَفِي نَقْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ نَظَرٌ.
فَاعْلَمْهُ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْتُ) : وَلَيْسَ مَا قَالَاهُ مُتَعَيِّنًا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَا، بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ- رَاجِعًا إِلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ وَالطَّعَامُ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي رَقَبَتِهِ رَاجِعًا إِلَى ذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْتَكَّهُ بِالْأَقَلِّ مِنَ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ أَوْ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ وَالطَّعَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: الْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ- يَعْنِي: فِيمَا إِذَا كَانَتْ تُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهَا، وَأَمَّا إِذَا كَفَّرَ الزَّوْجُ فَالْخِيَارُ لَهُ، وَلِهَذَا إِنَّمَا يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحِظَ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَوْ كَفَّرَتْ عَنْ نَفْسِهَا كَانَتْ مُخَيَّرَةً.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ أَمَةً فَالْحُكْمُ كَالزَّوْجَةِ، بَلْ صَرِيحُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَإِذَا أَكْرَهَ الْمَرْأَةَ عَلَى الْوَطْءِ رَجُلَانِ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا دُونَ الثَّانِي؛ وَذَلِكَ أَنَّ الثَّانِي لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَهَا، وَلَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا بِوَطْئِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا،

انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إِنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُبْلَةِ حَتَّى أَنْزَلَا تَأْوِيلَانِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اخْتُلِفَ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ امْرَأَتَهُ مُكْرَهَةً حَتَّى يَنْزِلَا.
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَحَمْدِيسٌ: وَيُكَفِّرُ عَنْهَا، وَكُلُّ أَوَّلِ الْمُدَوَّنَةِ: عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاكَ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً، انْتَهَى.
ص: (وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرِهِ رَجُلٍ لِيُجَامِعَ قَوْلَانِ) ش: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَقْرَبُ السُّقُوطُ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمُكْرَهُ مُبَاشِرٌ.
وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُكْرِهِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَلَكِنَّ أَوَّلَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ -. (تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِهَا عَنِ الْمُكْرَهِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ.
فَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَالْخِلَافُ فِي حَدِّهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى إِيجَابِ الْحَدِّ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْإِكْرَاهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْوَطْءِ قَوْلَانِ لَهَا، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ.
عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ: وَتَبِعَ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي نَقْلِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وُجُوبَهَا عَلَى مَكْرِهِ رَجُلٍ عَلَى وَطْءٍ، لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي النَّائِمِ، وَقَوْلِ اللَّخْمِيِّ انْتِهَاكُ صَوْمِ غَيْرِهِ كَنَفْسِهِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُكْرِهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُكْرَهِ، فَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ مُكْرِهٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَفِي تَكْفِيرِ مُكْرَهِ رَجُلٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ يَعْنِي الَّذِي أَكْرَهَهُ رَجُلٌ - عَلَى الْوَطْءِ.
وَفِيهِ تَكَلُّفٌ جَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَكْرَهٍ عَلَى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوِ امْرَأَةٍ عَلَى وَطْءٍ، انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، فِيمَنْ غَرَّرَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ: لَمْ يَطَّلِعِ الْفَجْرُ وَجَعَلَ يَأْكُلُ: إِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْغَارِّ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْقَوْلِ، قَالَ: وَلَوْ أَطْعَمَهُ بِيَدِهِ لُقْمَّةً وَجَعَلَ الطَّعَامَ فِي فِيهِ فَهَاهُنَا يُكَفِّرُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْآكِلِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهِكٍ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَذَبَ وَغَرَّهُ، انْتَهَى مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
قَالَ: نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الْأَقْفَهْسِيِّ.

ص: (لَا إِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا) ش: هَذَا هُوَ الْإِفْطَارُ بِالتَّأْوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ: قَرِيبٍ وَبَعِيدٍ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقَرِيبُ مَا كَانَ مُسْتَنِدَ السَّبَبِ إِلَى أَمْرٍ مَوْجُودٍ، وَالْبَعِيدُ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَرِيبُ الْمُسْتَنِدُ لِحَادِثٍ، وَقَوْلُهُ: أَفْطَرَ نَاسِيًا، يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مُبِيحٌ لَهُ الْإِفْطَارَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِكَوْنِ صَوْمِهِ قَدْ بَطَلَ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا مُعْتَقِدًا أَنَّ التَّمَادِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ.
وَثَالِثُهَا: إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ، وَبِغَيْرِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.

ص: (أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مِنْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبٍ فَلَمْ يَغْتَسِلْ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَيُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ خِلَافًا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْعُذْرُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلِهَذَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.

ص: (أَوْ تَسَحَّرَ قُرْبَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ بَطَلَ وَأَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَعَمَّدًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَالْعُذْرُ فِي هَذَا أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يُقِلْ أَحَدٌ

إِنَّ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ يَبْطُلُ صَوْمُهُ.
قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا.

ص: (أَوْ قَدِمَ لَيْلًا) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا قَدِمَ لَيْلًا فَظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ قَدِمَ نَهَارًا فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَعُذْرُهُ فِي هَذِهِ أَضْعَفُ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إِذْ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى مَا تَوَهَّمَهُ، انْتَهَى.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنْ يَبْعُدُ إِجْرَاءُ الْخِلَافِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (أَوْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَنَوَى الْإِفْطَارَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَعُذْرَهُ هُنَا أَقْوَى مِنَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبِلَهُ؛ إِذْ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فَسَافِرَ دُونَ الْقَصْرِ فَأَفْطَرَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِيمَنْ سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ.
وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ، بَلْ هُوَ أَحْرَى فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.

ص: (أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا ثَلَاثِينَ فِي رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ رُؤْيَتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
فَقَدْ حَكَاهَا فِي التَّوْضِيحِ فِيمَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ نِصْفَ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ رَآهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أُعْذِرَ، وَلِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي إِبَاحَةِ الْإِفْطَارِ.

ص: (فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ) ش: رَاجِعٌ إِلَى الْمَسَائِلِ السِّتِّ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ بِذَلِكَ فَأَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا إِذَا ثَبَتَ هِلَالُ رَمَضَانَ نَهَارًا، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْإِمْسَاكَ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ، فَأَفْطَرَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْهِلَالِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَيَأْتِي مِنْهُ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مُتَأَوِّلًا أَنَّ السَّفَرَ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ظَانًّا أَنَّ عَزْمَهُ عَلَى السَّفَرِ يُبِيحُ لَهُ الْإِفْطَارَ.
بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَفْطَرَ مُتَعَمَّدًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ هُنَا؛ لِمَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ- أَنَّهُمْ لَوْ شَكُّوا فِي الْإِبَاحَةِ لَزِمَتْهُمُ الْكَفَّارَةُ، وَأَحْرَى إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِلَّا تَوَهُّمُ الْإِبَاحَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهُمْ مَعَ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ يَسْقُطُ عَنْهُمُ الْإِثْمُ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِطْرِ.
وَهُمْ آثِمُونَ فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْإِفْطَارِ مَعَ الشَّكِّ أَوْ مَعَ التَّوَهُّمِ، فَإِنْ أَفْطَرُوا فَعَلَيْهِمُ الْكَفَّارَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: كُلُّ مِنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِظَنِّهِ الْإِبَاحَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَمَسْأَلَةِ مَنْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مُتَأَوِّلًا: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ، وَمَنْ تَأَوَّلَ فَهِمَ بِذَنَبٍ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَجَاوَزَ لِأَمَةِ نَبِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَسَعُ جَهْلُهَا، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَكَأَنَّهُ يُلْزِمُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَإِقْدَامُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] ، انْتَهَى.
ص: (بِخِلَافٍ بَعِيدِ التَّأْوِيلِ) ش: أَيْ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفِ: أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ هُوَ مَا اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، لَكِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنَّفُ.

ص: (كَرَاءٍ وَلَمْ يُقْبِلْ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:

تَأْوِيلُهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُسَافِرِ يُقْدِمُ لَيْلًا، (قُلْتُ) : وَأَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ مَنْ تَسَحَّرَ قُرْبَ الْفَجْرِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ تَأْوِيلَيْنِ: وَهُمَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: فَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَأَشْهَبُ يَقُولُ بِالسُّقُوطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُمَا خِلَافٌ فِي حَالِ هَلْ هُوَ تَأْوِيلٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ، وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَوْلَ أَشْهَبَ خِلَافًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنِ الشُّيُوخِ: أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ تَقْيِيدًا، انْتَهَى.
وَذِكْرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ التَّأْوِيلَيْنِ، وَجَزَمَ هُنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، فَكَأَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: (أَوْ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ، أَوْ لِحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى فِي يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَأَصْبَحَ فِي يَوْمِ الْحُمَّى مُفْطِرًا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ الْحُمَّى - يُرِيدُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّوْمِ إِذَا لَمْ تَأْتِهِ الْحُمَّى - ثُمَّ جَاءَتْهُ الْحُمَّى فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ لِسَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ، إِذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ فِي يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَأَصْبَحَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُفْطِرَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْحَيْضُ، ثُمَّ جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبِلَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا كَفَّارَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.

ص: (أَوْ حِجَامَةٍ) ش: حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مَنْ احْتَجَمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ بَطَلَ فَأَفْطَرَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
ثُمَّ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
زَادَ فِي الْكَبِيرِ: فَذَكَرَ عَنِ النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كُلُّ مُتَأَوِّلٍ فِي الْفِطْرِ فَلَا يُكَفِّرُ إِلَّا فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، مِثْلُ أَنْ يَغْتَابَ أَوْ يَحْتَجَمَ، فَتَأَوَّلَ أَنَّهُ أَفْطَرَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الْعَتَبِيَّةِ: قَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنِ احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ فَتَأَوَّلَ: إِنْ لَهُ الْفِطْرَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَضَاءُ، وَقَالَ أَصْبُغُ: هَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَادِرِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ: فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الْحِجَامَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ مَسْأَلَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى فَاعِلِ الْحِجَامَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ، وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْتَجِمِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ عَنِ النَّوَادِرِ هُوَ كَذَلِكَ، وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي أَرَادَ الْجَمْعَ بِهِ بَعِيدٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلَا يَظْهَرُ أَنَّ بَيْنَ تَأْوِيلِ الْحَاجِمِ وَالْمُحْتَجِمِ الْإِفْطَارَ فَرْقًا؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي تَأْوِيلِ الْإِفْطَارِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا عَنِ الْحَسَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ بِلَفْظِ: يَحْتَجِمُ- وَجَعَلُوهُ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَكَذَلِكَ الْمُصَنَّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَابْنُ عَرَفَةَ، وَغَيْرُهمَا مِنَ الشُّيُوخِ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِيمَنِ احْتَجَمَ، وَجَعَلُوا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ الْكَفَّارَةَ، وَرَآهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْمُحْتَجِمِ إِذَا تَأَوَّلَ، فَالْحَاجِمُ مَثَّلُهُ، أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَفْظُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ

الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ - صَالِحٌ لِأَنَّ يُحْمَلَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَأَوَّلُ الْإِفْطَارَ مَعَ الْحِجَامَةِ فَيُفْطِرُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْتَجِمِ فِيهَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ، كَمَا حَكَاهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَاجِمِ فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَكَوْنُهَا مُسَاوِيَةً لِمَسْأَلَةِ الْمُحْتَجِمِ أَوْ أَحْرَى بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنَّفَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَا: إِنَّ التَّأْوِيلَ الْقَرِيبَ هُوَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ مَوْجُودٍ، وَالتَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ مَا كَانَ مُسْتَنِدًا لِسَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، كَمَسْأَلَتِيِ الْحُمَّى وَالْحَيْضِ، وَمَثَلُهُ أَيْضًا يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْغِيبَةِ - أَعْنِي مَنِ اغْتَابَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ فَأَفْطَرَ لِذَلِكَ - وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ فِيهَا إِلَّا قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : الْأَوَّلُ: جَزَمَ الْبِسَاطِيُّ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (أَوْ حِجَامَةٍ) يَعْنِي: مَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَنِ احْتَجَمَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُوجِبُ لِهَذَا الْمُحْتَمَلِ- قُلْتُ: إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَى الرِّوَايَاتِ عَلِمْتَ وَجْهَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى مَا حُمِلَ.
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ الْمَشْهُورَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ أَوِ احْتَجَمَ، أَوْ خَاصٌّ بِمَنِ احْتَجَمَ وَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ- قُلْتُ: هُوَ مُحْتَمَلٌ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، لَكِنْ فِي تَأْوِيلِ حَجَمَ بِاحْتَجَمَ بُعْدٌ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَامٌّ فِيمَنْ حَجَّمَ غَيْرَهُ أَوِ احْتَجَمَ، وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُخَالِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الرَّاجِحُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: تَقَدَّمَ أَنَّ إِفْسَادَ الصَّوْمِ بِالْغِيبَةِ حُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَحَكَى صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، وَقَالَ: وَعَنِ ابْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.
الثَّالِثُ: أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِوُجُوهٍ: إِمَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ.
أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعَرَّضَ لِلْإِفْطَارِ، أَمَّا الْمَحْجُومُ فَلِلضَّعْفِ، وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ بِالْمَصِّ.
أَوْ بِأَنَّ مَعْنَاهُ نُقْصَانُ الْأَجْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ مَسْأَلَةُ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَسَوَاءٌ أَفَطَرَ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْحَضَرِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

ص: (وَلَزِمَ مَعَهَا الْقَضَاءُ إِنْ كَانَتْ لَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ يَلْزَمُهُ مَعَهَا الْقَضَاءُ، إِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لَهُ - أَيْ لِلْمُكَفِّرِ - وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عَنِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ.
وَعَلَى هَذَا حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَجَعَلَ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: لَهُ عَائِدًا عَلَى رَمَضَانَ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: (وَالْقَضَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا) ش: فَلَا يَفْسُدُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ إِلَّا الْفَرْضُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَفِيمَا قَالَهُ الْمُصَنَّفُ نَظَرٌ.
فَإِنْ أَفْطَرَ فِي تَطَوُّعِهِ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ فَسَدَ فَأَفْطَرَ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ، هَكَذَا قَالُوا، انْتَهَى.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا ذَكَرُوا الْقَضَاءَ فِيمَا إِذَا أَفْطَرَ ثَانِيًا مُتَعَمَّدًا، وَأَمَّا الْمُتَأَوِّلُ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنَّفِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لِسَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ

عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا فَعَلَهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي.

ص: (وَلَا قَضَاءَ فِي غَالِبِ قَيْءٍ، وَذُبَابٍ، وَغُبَارِ طَرِيقٍ، أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ كَيْلٍ، أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ) ش: قَوْلُهُ: وَذُبَابٍ- قَالَ فِي الْجَلَّابِ: أَوْ بَعُوضٍ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُغْتَفَرُ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَكَيْلُ الْقَمْحِ وَالدَّقِيقِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ: إِنْ وَجَدَ طَعْمَ دُهْنِ رَأْسِهِ قَضَى وَقَالَ التُّونُسِيُّ: وَفِي لَغْوِ غُبَارِ الدَّقِيقِ وَالْجِبْسِ وَالدِّبَاغِ لِصَانِعِهِ نَظَرٌ لِضَرُورَةِ الصَّنْعَةِ وَإِمْكَانِ غَيْرِهَا ابْنُ شَاسٍ.
اُخْتُلِفَ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ وَرَوَى ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يُفْطِرُ مَنْ عَطِشَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَاجِ صَنْعَتِهِ وَالتَّشْدِيدُ فِي مَنْعِ مَا يَمْنَعُهُ فَرْضًا وَالْوَقْفُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِهِ ابْنُ مُحْرِزٍ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ لِسَفَرِ التَّجْرِ ثُمَّ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَدْحِ الْمُجَوِّزِ لِلْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ وَابْتِلَاعِ حَبَّةٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ إنْ غَلَبَتْهُ لَغْوٌ، انْتَهَى.
الْمَشَذَّالِيُّ فِي قَوْلِهِ وَابْتَلَعَ فِلْقَةً اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْقَضَاءِ فِي ذَا الْبَابِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ الشُّيُوخُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مِنْهُ وَتَبَقَّى مِنْهُ بَقِيَّةُ فِلْقَةٍ فَابْتَلَعَهَا فَقَالُوا اللَّازِمُ عَلَى الْقَضَاءِ الْحِنْثُ وَعَلَى الْعَدَمِ الْعَدَمُ ((قُلْتُ)) وَخَرَّجَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ نَسِيَ حَصَاةً فِي يَدِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي نَعْلِهِ أَنَّهُ إنْ رَدَّهَا فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ابْتَلَعَ فِلْقَةً؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ فَكَمَا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فَكَذَلِكَ لَا رَدَّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْكَتَّانِ وَغُبَارِ الْفَحْمِ وَغُبَارِ خَزْنِ الشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ كَالْحُكْمِ فِي غُبَارِ الْجَبَّاسِينَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَقَعُ السُّؤَالُ فِي زَمَانِنَا إذَا وَقَعَ الصِّيَامُ فِي زَمَانِ الصَّيْفِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْأَجِيرِ الْخُرُوجُ لِلْحَصَادِ مَعَ الضَّرُورَةِ لِلْفِطْرِ أَمْ لَا؟ كَانَتْ الْفُتْيَا عِنْدَنَا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا لِصَنْعَتِهِ لِمَعَاشِهِ مَا لَهُ مِنْهَا بُدٌّ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا كُرِهَ وَأَمَّا مَالِكُ الزَّرْعِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ جَمْعِهِ زَرْعَهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى فِطْرِهِ وَإِلَّا وَقَعَ فِي النَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَكَذَا غَزْلُ النِّسَاءِ الْكَتَّانَ وَتَرْقِيقُ الْخَيْطِ بِأَفْوَاهِهِنَّ فَإِنْ كَانَ الْكَتَّانُ مِصْرِيًّا فَجَائِزٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ دَمَنِيًّا لَهُ طَعْمٌ يَتَحَلَّلُ فَهِيَ كَذَوِي الصِّنَاعَاتِ إنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً سَاغَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَأَفْتَى ابْنُ قَدَّاحٍ إذَا غَزَلَتْ الْكَتَّانَ الْمَعْرُوفَ فَوَجَدَتْ طَعْمَ مُلُوحَتِهِ فِي حَلْقِهَا بَطَلَ صَوْمُهَا وَهُوَ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَمَنْ ابْتَلَعَ خَيْطًا مِنْ غَزْلٍ أَوْ حَرِيرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ لَمْ تَكُنْ صَنْعَتَهُ فَهِيَ كَابْتِلَاعِ النَّوَاةِ وَإِنْ كَانَتْ صَنْعَتَهُ فَفِيهَا نَظَرٌ كَغُبَارِ الدَّقِيقِ لِذِي الصَّنْعَةِ

ص (وَحُقْنَةٍ فِي إحْلِيلٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عِيَاضٌ: الْإِحْلِيلُ

بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثَقْبُ الذَّكَرِ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ الْبَوْلُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْإِحْلِيلُ يَقَعُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ.

ص (وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَالسِّوَاكُ بِالْيَابِسِ كُلَّ النَّهَارِ وَفِيهَا وَلَوْ بُلَّ وَيُكْرَهُ بِالرَّطْبِ خَوْفَ تَحَلُّلِهِ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا لِعَالِمٍ ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي قَوْلِهِ إنْ جَهِلَ مَجَّ مَا اجْتَمَعَ مِنْ سِوَاكِ الرَّطْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ رِيقَهُ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي نِسْيَانِهِ وَتَأْوِيلِهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . الْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَاءٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ فَقِيلَ: خَطَأٌ، وَقِيلَ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُوَ تَغْيِيرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ هُنَا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنْ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرَّبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْخُلُوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْمِسْكِ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا فَرَائِحَةُ الصِّيَامِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ (فَرْعٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ إلَخْ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سِنِينَ فِي مُسْنَدِهِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ إلَخْ» حَسَّنَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ وَقْتَ وُجُودِ الْخُلُوفُ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَّابِيِّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْبَغَوِيّ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ لِلْبَوْنِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا قَالَ الصَّابُونِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ وَابْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا فِي تَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَمَعَ أَنَّ رِوَايَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ عَلَى الْمِسْكِ، انْتَهَى.
مِنْ حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ وَانْظُرْ الْعَارِضَةَ

ص (وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلْعُ رِيقِهِ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ بَعْدَ زَوَالِ طَعْمِ الْمَاءِ مِنْهُ وَفِي مَجِّهَا أَكْرَهُ غَسْلَ الصَّائِمِ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، انْتَهَى.
الْمَشَذَّالِيُّ وَسُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ دَمِيَ فَمُهُ فَمَجَّ الدَّمَ وَلَمْ يَغْسِلْ فَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ الرِّيقَ النَّجِسَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الصَّائِمَ لَا يَحِلُّ لَهُ ابْتِلَاعُ الرِّيقِ النَّجِسِ وَيَبْطُلُ صَوْمُهُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِيقٍ يَجُوزُ ابْتِلَاعُهُ لِمَا فِي طَرْحِهِ مِنْ الْحَرَجِ وَإِذَا كَانَ ابْتِلَاعُهُ مُحَرَّمًا فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ بِابْتِلَاعِهِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِ التَّرْخِيصِ فِي ابْتِلَاعِهِ الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هَذَا بَيِّنٌ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ الدَّمِ وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا عَيْنُهَا قَالَ: وَيَلْزَمُ عَلَى مَا حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ فِي مَسْأَلَةِ الدَّلْوِ الَّذِي دُهِنَ بِزَيْتٍ فَاسْتُنْجِيَ بِهِ أَنَّ الْمَاءَ كُلَّهُ

نَجِسٌ أَنْ يَقُولَ هَذَا كُلُّهُ نَجِسٌ وَلَوْ انْقَطَعَ أَثَرُ الدَّمِ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَ هَذَا الشَّيْخُ، انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فِي الصِّيَامِ عَنْ ابْنِ قَدَّاحٍ مَا نَصُّهُ وَيَقْضِي إنْ جَاوَزَ حَلْقَهُ الدَّمُ وَإِنْ بَسَقَهُ حَتَّى ابْيَضَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ لِلصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ قَدَّاحٍ وَهُوَ يُجْزِئُ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ حِينَئِذٍ كَالْمُتَكَرِّرِ غَلَبَةً كَالذُّبَابِ وَاسْتَحَبَّ أَشْهَبُ فِيهِ الْقَضَاءَ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَصَوْمُ دَهْرٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ جَائِزٌ وَهَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ أَوْ الْأَفْضَلُ خِلَافُهُ قَالَ مَالِكٌ سَرْدُ الصَّوْمِ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ مَعْنَى كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ سَرْدَ الصَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ إذَا لَمْ يَضْعُفْ بِسَبَبِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَإِنْ ضَعُفَ فَالصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] . وَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] . «وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَا أَفْضَلَ لَكَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: إذَا فَعَلْت ذَلِكَ نَقِيَتْ نَفْسُك وَغَارَتْ عَيْنُك» وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إلَّا لِيَخْتَارُوهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ أَخِي دَاوُد.» وَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ: أَيُّ غَبِّ الصَّوْمِ وَتَفْرِيقِهِ أَفْضَلُ؟ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا ذَكَرْت تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْبُرْزُلِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَوْ عَمَّمَ صَوْمَهُ حَتَّى صَامَ مَا يَحْرُمُ صَوْمُهُ، انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِيمَا أَظُنُّ بِفَضْلِ صَوْمِ الدَّهْرِ

ص (وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ) ش: أَيْ وَجَازَ فِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ أَيْ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَصْلِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَإِنْ قِيلَ: جَعَلَ هُنَا الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ جَائِزًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ فَالْجَوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا بِالْجَائِزِ مَا يُقَابِلُ الْمَمْنُوعَ فَيَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إثْرَ قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ يُقِيمُ فِي الْمَنْزِلِ يَوْمًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَهَذَا كَمَا قَالَ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ الصِّيَامَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ إذَا كَانَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رَسْمٍ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَنَصُّ السَّمَاعِ: وَسُئِلَ عَنْ الْمُسَافِرِ فِي الْبَحْرِ يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُسَافِرَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22] . وَوُجُوبُ الْقَصْرِ وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ احْفَظْهُ، انْتَهَى.
وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَفَرُ الْقَصْرِ يُبِيحُ فِطْرَهُ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْبَحْرُ كَالْبَرِّ.
الشَّيْخُ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ لَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا لَا يُوجِبُ إتْمَامَهُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ التَّلْقِينَ وَالْمَعُونَةَ وَفُهِمَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَلَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ قَصْرٍ وَصَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَتَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ (فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُفْطِرُ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَحْظُورِ.
وَالْمَشْهُورُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا الْمَحْظُورِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ

طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَنْ شَارِحِ الرِّسَالَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ إلَّا الْإِفْطَارُ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَصَدَّقَ بِجُلِّهِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ حَيْضَتِهَا وَأَخَّرَتْ الصَّلَاةَ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْحَائِضَ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءٌ وَهِيَ عَاصِيَةٌ وَالْمُتَصَدِّقُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ وَالْمُسَافِرُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقَضَاءُ وَزَادَ الْمُقِيمُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَيُسَافِرُ وَيُصَلِّيهَا صَلَاةَ قَصْرٍ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْجُزُولِيُّ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُؤَثَّمٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَالْجُزُولِيُّ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي زَكَاةِ الْخُلَطَاءِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَهُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَنَصُّهُ: وَمِنْ الْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» . ثُمَّ قَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ الذَّهَبِ فَعَلَى هَذَا مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ عَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَلَوْ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْحَجَّ وَعَلِمَ ذَلِكَ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ إرَادَةً لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُ الْآنَ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْحَضَرِ عَنْ وَقْتِهَا لِيُصَلِّيَهَا فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَخَّرَتْ امْرَأَةٌ صَلَاةً بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فَحَاضَتْ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا فِي السَّفَرِ صِيَامٌ وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا وَلَا عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْخَلْطَةِ وَقَبِلَهُ إلَّا أَنَّهُ نَاقَشَهُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى النَّدْبِ بِالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ وَنَصَّهُ اللَّخْمِيُّ: مَحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ وَرِوَايَةُ ابْنِ شَعْبَانَ مَنْ بَاعَ إبِلًا بَعْدَ الْحَوْلِ بِذَهَبٍ فِرَارًا زَكَّى زَكَاةَ الْعَيْنِ عَلَى النَّدْبِ ثُمَّ قَالَ: وَاحْتِجَاجُ اللَّخْمِيُّ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ سُقُوطَ الْحَجِّ عَنْهُ بِصَدَقَتِهِ مَا يَنْفِي اسْتِطَاعَتَهُ أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ لِسُقُوطِ صَوْمِهِ أَوْ أَخَّرَ صَلَاةً لِيُصَلِّيَهَا فِي سَفَرِهِ قَصْرًا أَوْ امْرَأَةٌ لِتَحِيضَ فَتُسْقِطُ لَمْ يُعَامَلُوا بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ يُرَدُّ بِأَنَّهُ فِي الْحَجِّ لِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَبِأَنَّ السَّفَرَ وَالتَّأْخِيرَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا وَالتَّفْرِيقُ وَالِاجْتِمَاعُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ، انْتَهَى.
قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالنَّدْبِ دُونَ الْكَرَاهَةِ مُتَعَقَّبٌ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ قَالَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ مِنْ الْأُصُولِ الْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ الْفَاسِدِ وَخَالَفُوا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْمُتَصَدِّقِ بِكُلِّ الْمَالِ لِإِسْقَاطِ فَرْضِ الْحَجِّ وَمُنْشِئِ السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ لِلْإِفْطَارِ وَمُؤَخِّرِ الصَّلَاةِ إلَى السَّفَرِ لِلتَّقْصِيرِ أَوْ إلَى الْحَيْضِ لِلسُّقُوطِ، انْتَهَى.
فَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنَّ مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ مِنْ السَّفَرِ إلَّا الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُبَاحًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ أَنَّهُ مَأْثُومٌ فِي هَذَا كُلِّهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ وَصَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِمَالِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ أَنَّهَا عَاصِيَةٌ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَالْفِطْرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْحَرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْجُزُولِيِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ) ش ذَكَرَ لِجَوَازِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شُرُوعُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ نَوَى الصِّيَامَ فِيهِ أَيْ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا أَنْ يُبَيِّتَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ قَبْلَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِالسَّفَرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُبِيحُ تَبْيِيتِ الْفِطْرِ الِاتِّصَافُ بِهِ لَا يُبَيِّتُ أَبُو عُمَرَ اتِّفَاقًا انْتَهَى وَفِي النَّوَادِرِ وَمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ فِي صِيَامِ يَوْمٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ انْتَهَى وَيَأْتِي فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَمْ يُبَيِّتْ وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَيَاتُ وَيَأْتِي حُكْمُهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ فَإِذَا بَيَّتَهُ ثُمَّ سَافَرَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصَحُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَقِيلَ: يَجُوزُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهَا وَإِنْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ فَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِطْرُ؟ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا قَضَى) ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي السَّفَرِ قَبْلَ الْفَجْرِ بَلْ عَزَمَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُبَيِّتَ الصَّوْمَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ مُفْطِرًا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَوَاءٌ سَافَرَ أَمْ لَا، انْتَهَى.
وَإِنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصُّوَرِ كُلِّهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَأَصْبَحَ صَائِمًا وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَأَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ وَكَذَا لَوْ بَيَّتَ الْفِطْرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ مَا إذَا نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ أَعْنِي فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ وَسَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا بَيَّتَ الصَّوْمَ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا وَلَا بِسُقُوطِهَا وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهُوَ مَا إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي الْحَضَرِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ بِلَا خِلَافٍ فَيَتَعَيَّنُ إخْرَاجُهَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلْيُكَفِّرْ مَعَ الْقَضَاءِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُكَفِّرُ وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ نَهَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مَالِكٌ كَانَ فِطْرُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ أَشْهَبُ وَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي مِثْلِ هَذَا انْتَهَى وَإِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ص (كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْقَرْيَةَ فَأَفْطَرَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا فَلَا يُفْطِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بَعْدَ خُرُوجِهِ فَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ أَنْ سَافَرَ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ كِنَانَةَ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ سَفَرِهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِهَا وَثَالِثُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ وَرَابِعُهَا تَجِبُ إنْ لَمْ يُتِمَّ سَفَرَهُ وَلَمْ يُرَجِّحُوا قَوْلًا مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ عَزَى

الْأَوَّلَ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَسَحْنُونٍ وَالثَّانِيَ لِأَشْهَبَ وَالثَّالِثَ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالرَّابِعَ لِسَحْنُونٍ أَيْضًا وَأَشْهَبَ وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ عِيسَى بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ تَكْفِيرٌ لِلذَّنْبِ وَمَنْ تَأَوَّلَ لَمْ يُذْنِبْ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُجَاوِزٌ عَنْ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ بِرُمَّتِهِ فِي رَسْمٍ سَلَفَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصْبَحَ فِي الْحَضْرَةِ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَتَأَوَّلَ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ فَأَكَلَ قَبْلَ الْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَسَافَرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُسَافِرَ أَوْ لَا يُسَافِرُ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ أَكَلَ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ سَافَرَ أَمْ لَمْ يُسَافِرْ وَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ كَفَّرَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِرُمَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فَحَبَسَهُ مَطَرٌ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ، انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ بَعْضُ كَلَامِهِ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهَا سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاعْتَمَدَهُ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَحُرِّمَ فِطْرُهُ إنْ خَرَجَ نَهَارًا أَوْ نَوَاهُ بِسَفَرٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إنْ تَأَوَّلَ وَإِلَّا فَمَشْهُورُهَا يُكَفِّرُ فِي الثَّانِي فَقَطْ وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ، انْتَهَى.
وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْعُتْبِيَّةِ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ اعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ يَعْنِي نَصَّ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَذَكَرَ لَفْظَهَا الْمُتَقَدِّمَ وَأَمَّا إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ وَسَافَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ وَظَاهِرُهُ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّامِلِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَإِنْ أَفْطَرَ بَعْدَ سَفَرِهِ فَإِنْ تَأَوَّلَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَقَوْلَانِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ إنْ تَأَوَّلَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَحَكَى فِيهِ الْخِلَافَ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ وَمَسْأَلَةَ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فَقَالَ فِيهِمَا فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَرَابِعُهَا الْعَكْسُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَظَاهِرُهَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِالْتِزَامِهِ الصَّوْمَ وَفِطْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَالْمَشْهُورُ تَجِبُ فِيمَا إذَا نَوَى فِي السَّفَرِ دُونَ مَا إذَا صَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ؛ لِأَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَعَكْسُ الْمَشْهُورِ لِلْمَخْزُومِيِّ وَابْنِ كِنَانَةَ وَوَجْهُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ صَائِمًا فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ ابْتِدَاءً، انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بَيَانُ حُكْمِ مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ فِي الْحَضَرِ فَسَكَتَ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَقْوَى؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ لِمَالِكٍ (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَأَحْرَى إذَا أَفْطَرَ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى أَهْلِهِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْأَضْعَفَ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ أَشْهَبُ

بِالْأَقْوَى الَّذِي يُوَافِقُ عَلَيْهِ وَاسْتَوَى مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ الْفَرْعَيْنِ الْمَنْصُوصَيْنِ فَلِهَذَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْرِ الْأَحْرَوِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَسَائِلَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ خَمْسُ مَسَائِلَ، الْأُولَى: إذَا عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يُسَافِرْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّتَ الصِّيَامَ فَإِذَا بَيَّتَ الْإِفْطَارَ فَصَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ مُتَأَوِّلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الثَّانِيَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: لَا يُفْطِرُ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ أَفْطَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ ذَلِكَ فِي الْعَامِدِ أَوْ الْمُتَأَوِّلِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى الْأَرْبَعَةَ الْأَقْوَالَ الَّتِي حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُتَأَوِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سُقُوطَ الْكَفَّارَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامِدَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِطَرِيقِ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَ ابْنِ رُشْدٍ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: يُكْرَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ حَكَاهَا الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
الرَّابِعَةُ: إذَا بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سَمَاعِ مُوسَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ تَأَوَّلَ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي مِثْلُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَلِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ وَبَيْنَ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ أَنَّ طُرُوُّ السَّفَرِ عُذْرٌ مُبِيحٌ طَرَأَ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الَّذِي بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبِيحٌ وَأَنَّ الْمَخْزُومِيَّ عَكَسَ ذَلِكَ فَقَالَ بِالْكَفَّارَةِ مَعَ الْعَمْدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ دُونَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَهُ فِي الْحَضَرِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حِينَ الْإِنْشَاءِ إلَّا الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْفِطْرِ حِينَ أَنْشَأَ الصَّوْمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: مَنْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَضَرَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ دُخُولِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ بِمَرَضٍ خَافَ زِيَادَتَهُ) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ وَيَزِيدُهُ ضَعْفًا أَفْطَرَ وَيُقْبَلُ

قَوْلُ الطَّبِيبِ الْمَأْمُونِ أَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيُفْطِرُ الزَّمِنُ إذَا أَضَرَّ بِهِ الصَّوْمُ وَكَذَا كُلُّ صَوْمٍ مُضِرٍّ يُبِيحُ الْفِطْرَ الْبُرْزُلِيُّ هِيَ تَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ إذَا خَافَ الْمَوْتَ وَاخْتُلِفَ إذَا خَافَ مَا دُونَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمَشْهُورُ الْإِبَاحَةُ وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْمَرَضِ وَلَوْ قَلَّ يُبِيحُ الْفِطْرَ اُنْظُرْهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ فِي مَرِيضٍ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ الصَّلَاةَ قَائِمًا لَقَدَرَ إلَّا أَنَّهُ بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَلْيُفْطِرْ وَيُصَلِّي جَالِسًا وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْت رَبِيعَةَ أَفْطَرَ فِي مَرَضٍ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَقُلْت يَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ إنَّمَا ذَلِكَ بِقَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْمَرِيضَ إذَا خَافَ إنْ صَامَ يَوْمًا أَحْدَثَ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي عِلَّتِهِ أَوْ ضَرَرًا فِي بَصَرِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ

ص (وَالْقَضَاءُ بِالْعَدَدِ) ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى فَاعِلِ وَجَبَ فِي قَوْلِهِ وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ إذَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ بِالْعَدَدِ أَيْ يَحْسُبُ عَدَدَ شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ فِي الْقَضَاءِ بِالْهِلَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ إنْ صَامَ بِالْهِلَالِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ سَوَاءٌ وَافَقَتْ أَيَّامُهُ عَدَدَ رَمَضَانَ الَّذِي أَفْطَرَهُ أَوْ كَانَ عَدَدُ الْقَضَاءِ أَنْقَصَ وَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ إنْ كَانَتْ أَيَّامُ شَهْرِ الْقَضَاءِ أَكْثَرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا نَقَلَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَغَيْرُهُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَصَامَ شَهْرًا فَكَانَ ثَلَاثِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَكْسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ وَيُفَرَّقُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالنَّقْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
((قُلْتُ)) الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلًا لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ إكْمَالُ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ إذَا كَانَ رَمَضَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْوَاجِبُ عَدَدُ الْأَوَّلِ وَلَوْ قَضَى شَهْرًا لِلْهِلَالِ عَنْ آخَرَ فَفِي كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ عَدَدَ الْأَوَّلِ أَوْ كُلَّ الثَّانِي يُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَيُكَمِّلُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ قَوْلَانِ لِنَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَعَ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّيْخِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ مَعَ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ قَائِلًا هَذَا وَهْمٌ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَيْدِ إكْمَالِهِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ دُونَ إجْزَائِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَا أَعْرِفُهُ (تَنْبِيهٌ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى شَعْبَانَ وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَحَصَّلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِبَقَاءِ قَدْرِهِ قَبْلَ تَالِيهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ صَحَّ بَعْدَ رَمَضَانَ قَدْرَ زَمَانِ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ ثُمَّ أَصَابَهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ إلَى رَمَضَانَ الثَّانِي فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَبْقَى قَدْرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ شَعْبَانَ مُطْلَقًا وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ الِاتِّفَاقَ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ فِي إيجَابِهِ مِنْ ثَانِي شَوَّالٍ وَأَنَّهُ آثِمٌ مَتَى لَمْ يُتِمَّهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فَوَقْتُهُ مُوَسَّعٌ مُقَيَّدٌ بِبَقِيَّةِ السَّنَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمُبَادَرَةُ، انْتَهَى.
ص (بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ غَيْرِ رَمَضَانَ) ش يَعْنِي أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي يُبَاحُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ هُوَ كُلُّ زَمَانٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ غَيْرِ رَمَضَانَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ مَا حَرُمَ صَوْمُهُ كَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَمَا كُرِهَ صَوْمُهُ كَالْيَوْمِ الرَّابِعِ قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ وَقَعَ فِي يَوْمِ عِيدٍ لَمْ يُجْزِئْ كَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَثَالِثُهَا يُجْزِئُ الثَّالِثُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَصَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِتَشْهِيرِ مَا شَهَّرَهُ فِي الشَّامِلِ وَصَرَّحَ ابْنُ بَشِيرٍ بِتَصْحِيحِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا وَجَبَ صَوْمُهُ كَرَمَضَانَ لِلْحَاضِرِ فَإِنَّ صَوْمَهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بَلْ وَاجِبٌ فَلَوْ صَامَهُ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ الْمَاضِي لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ كُلِّهِمْ وَوَجْهُهُ أَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ فَلَا يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ وَأَمَّا عَدَمُ إجْزَائِهِ عَنْ الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَقِيلَ: يُجْزِي عَنْ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ رَمَضَانَ خَرَجَ بِهِ رَمَضَانُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا لَا يُجْزِئُ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُكَفِّرُ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ الْكُلِّ يَوْمًا وَيُكَفِّرُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةَ الْعَمْدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَامَهُ وَلَمْ يُفْطِرْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ (الثَّانِي) خَرَجَ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَيْضًا مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَلَا يَقْضِي فِيهِ رَمَضَانَ فَإِنْ قَضَى فَحُكْمُهُ حُكْمُ رَمَضَانَ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ أُبِيحَ صَوْمُهُ فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ بِهِ الْمُبَاحَ الشَّرْعِيَّ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَلَيْسَ فِي السَّنَةِ يَوْمٌ أُبِيحَ صَوْمُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالصَّوْمِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُبَاحِ الْجَائِزَ الشَّامِلَ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ دَخَلَ فِيهِ رَابِعُ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أُبِيحَ صَوْمُهُ أَنَّ الزَّمَانَ مَنْ يُبَاحُ فِيهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُكَلَّفِ قُلْنَا فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ الْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى صِيَامِهَا فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِزَمَنٍ لَمْ يُمْنَعْ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعِ لَصَحَّ كَلَامُهُ وَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ غَيْرُ رَمَضَانَ وَالْمَنْعُ يَشْمَلُ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ (الرَّابِعُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الْأَبَدِ ثُمَّ لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمُ ظِهَارٍ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ مَا لَزِمَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا نَقَلَهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ مَعَ كَلَامِ النَّوَادِرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَمَضَانُ فَقَطْ (الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ دَامَ مَرَضُهُ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى انْقَضَى آخَرُ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ وَيُجْزِئُ الْعَكْسُ، انْتَهَى.
(السَّادِسُ) أَيَّامُ رَمَضَانَ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَنْوِي الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْقَضَاءِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَيَّامِ الْفَائِتَةِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا الْآنَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَقَالَ سَنَدٌ فِي فَصْلِ السَّهْوِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ مَنْ سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ ثُمَّ قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَأَمَّا أَيَّامُ رَمَضَانَ فَلَيْسَ التَّرْتِيبُ فِيهَا بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعْيِينِ، انْتَهَى.
ص (وَتَمَامُهُ إنْ ذَكَرَ قَضَاءَهُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قَالَ ابْنُ قَدَّاحٍ مَسْأَلَةَ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل