غسل الزوجين للآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَكُونَ عِنْدَهُ نَعَمٌ أَوْ مُعَشَّرٌ، وَإِنْ زُكِّيَا لَكَانَ أَبْيَنَ وَأَشْمَلَ انْتَهَى، وَانْظُرْ الْمُعَشَّرَ غَيْرَ الْمُزَكَّى، وَكَذَلِكَ نَعَمُ الْغَيْرِ الْمُزَكَّاةِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَرْضِ أَمْ لَا؟ ابْنُ عَرَفَةَ وَخَرَّجَ الْمَازِرِيُّ الزَّرْعَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ عَلَى خِدْمَةِ الْمُدِيرِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ قِيمَةُ كِتَابَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَفِي رَقَبَتِهِ فَضْلٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَذَكَر عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ يُزَكِّي مِنْ مَالِهِ مِقْدَارَ ذَلِكَ الْفَضْلِ ابْنُ يُونُسَ صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ كَعَرْضٍ أَفَادَهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهِ فِي قِيمَةِ طَعَامِ سَلَمٍ أَوْ فِي رَأْسِ مَالِهِ نَقْلَا الْمَازِرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَابْنِ شَعْبَانَ، انْتَهَى.
وَمِنْهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ غَرِيمُهُ مُوسِرًا بِنِصْفِ دَيْنِهِ جَعَلَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ فِي نِصْفِ مَالِهِ وَزَكَّى، وَإِنْ جَعَلَ مَنَابَهُ فِي حِصَاصِهِ جَعَلَ فِي
قِيمَةِ دَيْنِهِ، وَالْقِيَاسُ لَغْوُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي بَيْعُهُ لِجَهْلِهِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسِهِ)
ش: اُنْظُرْ مَا أَفَادَ بِالْكَافِ وَاحْتَرَزَ بِنَفْسِهِ مِمَّا لَوْ أَجَّرَهُ عَبْدَهُ أَوْ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ، وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُزَكِّي الْعِشْرِينَ الْأُولَى بِاتِّفَاقٍ وَيَنْتَقِلُ الْخِلَافُ إلَى الْعِشْرِينَ أُجْرَةِ الْحَوْلِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَزُكِّيَتْ عَيْنٌ وُقِفَتْ لِلسَّلَفِ) ش: سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ مَجْهُولِينَ.
[أَوْصَى بِمَالٍ لِشَخْصٍ يَشْتَرِي بِهِ أَصْلًا وَيُوقَفُ فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَبْلَ الشِّرَاءِ]
(فَرْعٌ) إذَا أَوْصَى بِمَالٍ أَوْ دَفَعَهُ لِشَخْصٍ يَشْتَرِي بِهِ أَصْلًا وَيُوقَفُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالِ قَبْلَ الشِّرَاءِ زَكَّى، قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الرُّجُوعِ فِي الْحَبْسِ: وَلَوْ أَوْجَبَ التَّحْبِيسُ فِي مَالٍ نَاضٍّ فَأَوْقَفَهُ إلَى أَنْ
يَشْتَرِيَ بِهِ أَصْلًا مُحْبَسًا فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اشْتَرَطَ فِيهَا ذَلِكَ وَجَعَلَهَا بِيَدِ غَيْرِهِ، قَالَ: وَفِيهَا الزَّكَاةُ، يُرِيدُ مِنْهَا إذَا أَتَى لَهَا حَوْلٌ، انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَذَلِكَ جَائِزٌ، أَيْ إذَا أَشْهَدَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الزَّكَاة فِي غلة الدُّورُ إذَا وُقِفَتْ]
(فَرْعٌ) إذَا وُقِفَتْ الدُّورُ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي غَلَّاتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لَمْ تَجِبْ فِي غَلَّاتِهَا زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّهَا وَيُقِيمَ فِي يَدِهِ سَنَةً فَكَذَلِكَ الْمُحْبَسَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَنَبَاتٍ وَحَيَوَانٍ أَوْ نَسْلِهِ) ش: أَمَّا النَّبَاتُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَمُرَادُهُ إذَا وُقِفَ لِيُنْتَفَعَ بِغَلَّتِهِ كَلَبَنِهِ وَصُوفِهِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى نَسْلِهَا كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا إنْ وُقِفَ لِتُفَرَّقَ عَيْنُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا مُوصًى بِتَفْرِقَتِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ " أَوْ نَسْلِهِ " فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ لِيُنْتَفَعَ بِصُوفِهَا أَوْ لَبَنِهَا أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُوقِفَ لِيُفَرَّقَ فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ عَدَدَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَجْهُولِينَ فَالزَّكَاةُ فِي جُمْلَةِ الْأَوْلَادِ إذَا تَمَّ لَهَا حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ ص (عَلَى مَسَاجِدَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَعَلَيْهِمْ إنْ تَوَلَّى الْمَالِكُ تَفْرِقَتَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ حَصَلَ لِكُلٍّ نِصَابٌ) ش: هَذَا إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى النَّبَاتِ فَقَطْ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطَابِقُ تَفْصِيلَهُ فِي الْمَنْقُولِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَعَلَيْهِمْ إنْ تَوَلَّى الْمَالِكُ تَفْرِقَتَهُ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي غَلَّتِهِ دُونَ عَيْنِهِ كَالْحَوَائِطِ الْمُحْبَسَةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُحْبَسَةً عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ أَوْ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنْ كَانَتْ مُحْبَسَةً عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ثَمَرَهَا يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْحَبْسِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي ثَمَرِهَا إذَا بَلَغَتْ جُمْلَةَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنِينَ، مِثْلُ أَنْ يَحْبِسَ ثَمَرَ حَائِطِهِ وَجِنَانِهِ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْحَائِطِ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى السَّقْيَ وَالْعِلَاجَ دُونَهُمْ وَيُقَسِّمُ الثَّمَرَةَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ قَوْلًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ - وَإِنْ كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ هُمْ يُسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ - فَهَلْ هُمْ كَالشُّرَكَاءِ وَيُعْتَبَرُ مَا يَنُوبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؟ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ قَائِمَيْنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُمْ كَالشُّرَكَاءِ وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَمَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ نِصَابٌ: إمَّا مِنْ ثَمَرِ الْحَبْسِ بِانْفِرَادِهَا، أَوْ بِإِضَافَتِهَا إلَى ثَمَرِ جِنَانٍ لَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي دُونَ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ نِصَابٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فِي جَمِيعِ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ فَإِذَا
كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَتْ مِنْهَا الزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمَا يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَيُزَكِّي عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ الَّذِي هُوَ رَبُّ الْحَائِطِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَرَةُ الْحَبْسِ دُونَ النِّصَابِ أَضَافَهَا إلَى مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَأَمَّا مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي غَلَّتِهِ وَلَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ وَذَلِكَ حَوَائِطُ النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ فَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ مِثْلِ الْمَسَاكِينِ فِي بَنِي زُهْرَةَ أَوْ بَنِي تَمِيمٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ثَمَرَتَهَا مُزَكَّاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي ثَمَرَتِهَا إذَا بَلَغَتْ جُمْلَتُهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَثْمَرَتْ فِي حَيَاةِ الْمُحْبِسِ وَلَهُ حَوَائِطُ لَمْ يَحْبِسْهَا فَاجْتَمَعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَتْ مُحْبَسَةً عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهَا أَيْضًا مُزَكَّاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إنَّهَا مُزَكَّاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ فَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا عَلَى أَصْلِ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ " إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ لَمْ يُوَرَّثْ عَنْهُ نَصِيبُهُ مِنْهَا وَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ وَمَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَى أَصْلِ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ الْمَذْكُورِ إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إبَارِهَا فَحَقُّهُ وَاجِبٌ لِوَرَثَتِهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا مَجْهُولِينَ أَوْ مُعَيَّنِينَ إنَّمَا هُوَ إذَا حِيزَ الْمُحْبَسُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُحَزْ فَإِنَّهُ يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ قَوْلًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْحَبْسُ غَيْرُ مَحُوزٍ كَمَالِ رَبِّهِ، وَالْمَحُوزُ إنْ كَانَ ذَا نَبَاتٍ عَلَى مَجْهُولٍ زُكِّيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَأَمَّا عَلَى مُعَيَّنٍ فِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ أَوْ عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ فَيُشْتَرَطُ بُلُوغُ حَظِّ مُسْتَحِقِّهِ نِصَابًا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ التُّونُسِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُسْتَحِقِّهَا سَقَطَتْ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَوَلَّ الْمَالِكُ التَّفْرِقَةَ وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَيَّنِينَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ وَكَانَ فِي مِلْكِهِ جِنَانٌ فِي ثَمَرِهِ مَا يَكْمُلُ لَهُ بِهِ نِصَابٌ أَنَّهُ يَضُمُّ مَا حَصَلَ مِنْ ثَمَرِ الْوَقْفِ إلَى ثَمَرِ جِنَانِهِ وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ وَإِضَافَتُهُ إلَى وَقْفٍ عَلَيْهِ آخَرَ مِثْلُ إضَافَتِهِ إلَى مِلْكِهِ فَيَكُونُ مِثْلَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَأَنَّهُ يَضُمُّ ثَمَرَ مَا أَوْقَفَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِصَابٌ إلَى ثَمَرِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْحَوَائِطِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا أَثْمَرَتْ الْحَوَائِطُ فِي حَيَاةِ الْمُحْبِسِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسِ.
(الرَّابِعُ) تَحَصَّلَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَبْسَ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ أَوْ عَلَى مُعَيَّنِينَ، إلَّا أَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْحَبْسِ أَنْ يُزَكِّيَ عَلَى مِلْكِ وَاقِفِهِ قَوْلًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ،.
وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَهُمْ الْمُتَوَلُّونَ لَهُ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ، وَالثَّانِي - يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ، وَالثَّالِثُ - إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُسْتَحِقِّ الزَّكَاةِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) هَذَا تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ مَجْهُولِينَ أَوْ مُعَيَّنِينَ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ فَحَصَّلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَ طُرُقٍ الْأُولَى لِلتُّونُسِيِّ وَهِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَالثَّانِيَةُ لِلَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ، وَالثَّالِثَةُ لِأَبِي حَفْصٍ أَنَّ مَا عَلَى الْمَسَاجِدِ مِنْ الْأَوْقَافِ يُضَمُّ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَ وَاقِفُوهُ، وَنَصُّهُ: وَفِيمَا عَلَى الْمَسَاجِدِ طُرُقٌ التُّونُسِيُّ يَنْبَغِي زَكَاتُهَا عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا يَنْضَافُ لِمَالِهِ غَيْرُهَا اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ " مَالِكُ زَكَاتِهَا عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا " لِلْعَامِلِ، وَالْقِيَاسُ قَوْلُ مَكْحُولٍ: لَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ، وَالْمَسْجِدُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَكَوْنِهَا لِعَبْدٍ أَبُو حَفْصٍ لَوْ حَبَسَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ نَخْلًا لَهُ عَلَى مَسْجِدٍ.
فَإِنْ بَلَغَ مَجْمُوعُهَا نِصَابًا زُكِّيَ
انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَزَادَ إثْرَهُ، وَقَوْلُ التُّونُسِيِّ يُضَافُ لِأَصْلِ مَالِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ عَيْنًا كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِكَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فَقَطْ.
وَنَصُّهُ: وَقَدْ أَغْفَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ عَبْدِ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ: أَعْرِفُ فِي الْمَالِ الْمَوْقُوفِ لِإِصْلَاحِ الْمَسَاجِدِ وَالْغَلَّاتِ الْمُحْبَسَةِ فِي مِثْلِ هَذَا اخْتِلَافًا بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي زَكَاةِ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُوقَفُ عَلَى مَا لَا عِبَادَةَ عَلَيْهِ مِنْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَالتَّقْيِيدِ، انْتَهَى، وَبِالطَّرِيقَةِ الْأُولَى أَفْتَى أَبُو عُمَرَ وَنَصُّهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَمِنْ التَّعَالِيقِ سُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ جَمَاعَةٍ حَبَسُوا حَبْسًا عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ عَلَى حِصْنٍ نَخْلًا أَوْ زَيْتُونًا كُلٌّ حَبْسُهُ عَلَى حِدَتِهِ، وَفِي جَمِيعِ مَا حَبَسُوا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَلَيْسَ فِي حَبْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ هَلْ تُزَكَّى هَذِهِ الْأَحْبَاسُ أَمْ لَا، فَقَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَبْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَفِي بَعْضِهَا مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يُزَكَّى إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ فِي مَسَائِلِ مَسَاجِدِ قَصْرِ الْمَسِيرِ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَفْصٍ: إنَّهَا تُجْمَعُ وَنَصُّهُ، وَفِي تَعْلِيقَة ابْنِ الْعَطَّارِ إذَا حَبَسَ جَمَاعَةٌ عَلَى مَسْجِدٍ حَوَائِطَ كُلُّ إنْسَانٍ حَبَسَ نَخْلًا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ لِلْمَسْجِدِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمِيعِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَكَّاهُ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْحَوَائِطُ الْمُحْبَسَةُ تُزَكَّى؛ لِأَنَّ مَصَارِفَ الزَّكَاةِ غَيْرُ الْفُقَرَاءِ مَعَ الْفُقَرَاءِ فَلَا يُمْسَكُ لِأَجْلِ أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ قَدْ يَرَى صَرْفَهَا فِي غَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْنَافِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ خَوْفٌ مِنْ الْعَدُوِّ صُرِفَتْ فِي السَّبِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ وَالرَّخَاءُ أَعْتَقَ الرِّقَابَ، وَإِنْ كَانَ زَمَنُ شِدَّةٍ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ، وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَا يَصْرِفُ مَا سِوَى الزَّكَاةَ إلَّا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا ابْنُ رُشْدٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا تُزَكَّى عَلَى مِلْكِ الْمُحْبِسِ، وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ بِرُمَّتِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " كَعَلَيْهِمْ " قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَدْخَلَ أَدَاةَ الْجَرِّ عَلَى أَدَاةِ الْجَرِّ إيثَارًا لِلِاخْتِصَارِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظَمَؤُهَا ... تَصِلُ وَعَنْ قَيْظٍ بِزَيْزَاءَ مُجْهَلٍ
، انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ " عَلَى " فِي الْبَيْتِ اسْمٌ بِمَعْنَى " فَوْقَ " كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَكْثَرُ النُّحَاةِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ دُخُولَ حَرْفٍ عَلَى حَرْفٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْكَافُ هُنَا اسْمًا أَوْ دَاخِلَةً عَلَى اللَّفْظِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا فِيهِ حَرْفٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنٌ عَيْنٌ)
ش: أَفَادَ قَوْلُهُ " يُزَكَّى " أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهَا مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي اشْتِرَاطِهِمَا قَوْلَيْنِ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي الْكَبِيرِ فِي أَوَّلِ بَابِ زَكَاةِ الْعَيْنِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ فِي الْمَعْدِنِ كَالْوَاحِدِ وَالْعَبْدَ كَالْحُرِّ وَالْكَافِرَ كَالْمُسْلِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ، وَأَمَّا الْحَوْلُ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْمَعْدِنِ مِنْ اشْتِرَاطِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُ زَكَاتَهُ وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ رُبْعُ الْعُشْرِ وَأَنْ يَصْرِفَهُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ إلَّا فِي النُّدْرَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ مَعْدِنَ غَيْرِ الْعَيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ
ص (وَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ، وَلَوْ بِأَرْضٍ مُعَيَّنٍ إلَّا مَمْلُوكَةً لِمَصَالِحَ فَلَهُ)
ش عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ أَنَّ الْمَعْدِنَ إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَالْفَيَافِيِ وَمَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ فَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ
كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْجَيْشِ فَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَالِكُهُ مُعَيَّنًا ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْمُصَالِحِينَ فَإِنَّ الْمَعْدِنَ يَكُونُ لَهُمْ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا ظَهَرَ مِنْ الْمَعَادِنِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ الْبَرْبَرِ فَالْإِمَامُ يَلِيهَا وَيَقْطَعُهَا لِمَنْ رَأَى وَيَأْخُذُ زَكَاتَهَا سَوَاءٌ ظَهَرَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا فِي أَرْضِ الصُّلْحِ فَهِيَ لِأَهْلِ الصُّلْحِ دُونَ الْإِمَامِ وَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهَا مِنْ النَّاسِ أَوْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِيهَا وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ فَهِيَ إلَى الْإِمَامِ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلَّذِينَ أَخَذُوهَا عَنْوَةً، انْتَهَى.
وَقَدْ لَخَّصَ الرَّجْرَاجِيُّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: الْمَعْدِنُ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَوْ فِي أَرْضِ الصُّلْحِ أَوْ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَالْأَوَّلُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ لِلْإِمَامِ، وَالثَّانِي فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لِلْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ، وَالثَّانِي - أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِأَهْلِ الصُّلْحِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَفِي أَرْضِهِ مَعْدِنٌ هَلْ يَسْتَمِرُّ لَهُ مِلْكُهُ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصِّ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، أَوْ يَكُونُ النَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَالثَّالِثُ - أَعْنِي إذَا ظَهَرَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ ظَهَرَ فِي الْفَيَافِي فَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِلْإِمَامِ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي مَمْلُوكَةٍ مَحُوزَةٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: النَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: النَّظَرُ لِمَالِكِهِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) التَّمْثِيلُ بِمَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ لِلْأَرْضِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمْ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ الْكُفَّارُ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمَعْدِنَ إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مُعَيَّنٍ فَحُكْمُهُ لِلْإِمَامِ لَيْسَ خَاصًّا بِمَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ كَمَا فَرَضَهُ الشَّارِحُ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيِّ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَإِنْ وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِمَالِكٍ مُعَيَّنٍ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لِلْإِمَامِ، وَالثَّانِي - لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَالثَّالِثُ - إنْ كَانَ عَيْنًا لِلْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْجَوَاهِرِ فَلِمَالِكِ الْأَرْضِ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ تَظْهَرُ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ، فَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ فِيهَا لِلْإِمَامِ يَقْطَعُهُ لِمَنْ رَآهُ، قَالَ: لِأَنَّ الْمَعَادِنَ يَجْتَمِعُ إلَيْهَا شِرَارُ النَّاسِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ، انْتَهَى، بَلْ فَرْضُهُ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَعِيدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهَا أَنَّهَا وَقْفٌ.
(الثَّالِثُ) زَادَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ وَشَامِلِهِ فِي مَوَاضِعِ الْمَعْدِنِ مَا وُجِدَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَقَالَ: حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ وَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْحَرْبِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا لِلْإِمَامِ، وَإِنْ زَالَ حُكْمُ أَهْلِهَا فَهِيَ عَنْوَةٌ أَوْ صُلْحٌ، أَوْ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ فَلَا وَجْهَ لِزِيَادَةِ هَذَا الْقِسْمِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي مَوَاضِعِ الرِّكَازِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الصُّلْحِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: رَجَعَ أَمْرُ الْمَعَادِنِ إلَى الْإِمَامِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَذْهَبُ سَحْنُونٍ أَنَّهَا تَبْقَى لَهُمْ، انْتَهَى، مُخْتَصَرًا.
(الْخَامِسُ) لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ مَعْدِنِ غَيْرِ الْعَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ وَالْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْعَيْنِ، وَعُلِمَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَعَلَى ذَلِكَ فُهِمَ مِنْ شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ كَلَامُهُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ " فَالْإِمَامُ يَلِيهَا ": ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْمَعَادِنُ مِمَّا يُزَكَّى أَوْ مِمَّا لَا يُزَكَّى، وَقِيلَ: أَمَّا مَعَادِنُ مَا لَا يُزَكَّى فَهِيَ لِمَالِكِهَا، انْتَهَى.
وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ الْقِسْمِ الثَّانِي: مِنْ الْمَعَادِنِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَمَعَادِنِ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْقَزْدِيرِ وَالْكُحْلِ وَالزَّرْنِيخِ وَالْجَوْهَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهِيَ مِثْلُ مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالسُّلْطَانُ يَقْطَعُهَا
لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَلِيهَا كَالْعَنْبَرِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ، انْتَهَى الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِاللَّفْظِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِالْمَعْنَى.
(السَّادِسُ) حَيْثُ يَكُونُ نَظَرُ الْمَعْدِنِ لِلْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِيهِ بِالْأَصْلَحِ جِبَايَةً وَإِقْطَاعًا الْبَاجِيّ إنَّمَا يَقْطَعُهُ انْتِفَاعًا لَا تَمْلِيكًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَنْ أَقْطَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يُوَرَّثُ عَمَّنْ أَقْطَعَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْلَكُ لَا يُوَرَّثُ فِي إرْثِ نَيْلٍ أَدْرَكَ قَوْلَ أَشْهَبَ، وَنَصَّ شَرِكَتَهَا، انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ
ص (وَضَمَّ بَقِيَّةِ عِرْقِهِ، وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ) ش الْعِرْقُ هُوَ النَّوْلُ وَالنَّيْلُ وَالنَّوَالُ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ - أَنْ يَتَّصِلَ الْعِرْقُ وَالْعَمَلُ فَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ مِنْهُ نِصَابٌ فَيُزَكِّيَهُ ثُمَّ يُزَكِّيَ مَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَلَّ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اتِّفَاقًا.
(الثَّانِي) أَنْ يَتَّصِلَ الْعِرْقُ دُونَ الْعَمَلِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ: فَإِنْ انْقَطَعَ الْعَمَلُ الطَّارِئُ كَفَسَادِ آلَةٍ وَمَرَضِ عَامِلٍ فَلَا شَكَّ فِي الضَّمِّ فَإِنْ انْقَطَعَ اخْتِيَارُ الْغَيْرِ عُذِرَ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَبْنِي بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ النَّيْلَ إذَا ظَهَرَ أَوَّلُهُ فَكَأَنَّهُ كُلُّهُ ظَاهِرٌ وَمَحُوزٌ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّيْلَ الْمُتَّصِلَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، انْتَهَى، وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ اتَّصَلَ النَّيْلُ وَحْدَهُ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالنَّيْلِ دُونَ الْعَمَلِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنْ انْقَطَعَ الْعَمَلُ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ، وَإِنْ اتَّصَلَ النَّيْلُ لَنَا أَنَّ النَّيْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْعَمَلِ فَإِنْ انْقَطَعَ النَّيْلُ فَلَا زَكَاةَ، وَإِذَا اتَّصَلَ لَمْ يَضُرَّ انْقِطَاعُ الْعَمَلِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ أَيْضًا عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّسَالَةِ وَالْمُوَطَّأَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الضَّمُّ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بِقَوْلِهِ " وَضَمَّ بَقِيَّةِ عِرْقِهِ، وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ " يَعْنِي أَنَّ عِرْقَ الْمَعْدِنِ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ مِنْهُ نِصَابٌ فَيُزَكِّيَهُ ثُمَّ يُزَكِّيَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ قَلَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اتِّفَاقًا الثَّانِي أَنْ يَتَّصِلَ الْعِرْقُ مَا دَامَ مَوْجُودًا، وَلَوْ تَرَاخَى الْعَمَلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَحَصَلَ فِيهِ انْقِطَاعٌ فَقَوْلُ الشَّارِحِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسَلًا عَلَى هِبَةِ الْعَامِلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَعْمَلَ تَارَةً وَيَبْطُلُ أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَنْقَطِعَ الْعِرْقُ وَيَتَّصِلَ الْعَمَلُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الضَّمِّ وَعَنْ ابْنِ مَسْلَمَةَ يُضَمُّ وَلَمْ يَحْكِ الْقَرَافِيُّ خِلَافًا فِي عَدَمِ الضَّمِّ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَنْقَطِعَ الْعِرْقُ وَالْعَمَلُ فَلَا ضَمَّ اتِّفَاقًا، وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا عِرْقَ لِآخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُضَمُّ عِرْقٌ إلَى عِرْقٍ آخَرَ اتَّصَلَ الْعَمَلُ أَوْ انْقَطَعَ
[فَرْعٌ تَلِفَ مَا خَرَجَ مِنْ النَّيْلِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَهَلْ يُضَمُّ مَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْهِ]
(فَرْعٌ) لَوْ تَلِفَ مَا خَرَجَ مِنْ النِّيلِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَهَلْ يُضَمُّ مَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا هَذَا الْخِلَافُ إذَا تَلِفَ لِوَقْتٍ لَوْ تَلِفَ فِيهِ الْمَالُ بَعْدَ حَوْلِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) فَسَّرَ فِي الذَّخِيرَةِ الْعَمَلَ بِالتَّصْفِيَةِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ الِاشْتِغَالُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَعْدِنِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَحْدُ الِانْقِطَاعِ هُوَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَلَفْظُهُ وَمِنْ الْوَاضِحَةِ، وَإِذَا انْقَطَعَ عِرْقُ الْمَعْدِنِ قَبْلَ بُلُوغِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ وَظَهَرَ عِرْقٌ آخَرُ فَلْيَجْرِ الْحُكْمُ فِيهِ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُوَطَّإِ نَحْوُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ انْقَطَعَ الْعِرْقُ ثُمَّ وُجِدَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عِرْقٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) إذَا وَجَدَ عِرْقًا قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ مَا حَصَلَ مِنْ عِرْقٍ إلَى عِرْقٍ آخَرَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِضَمِّ مَا حَصَلَ مِنْ الْمَعْدِنِ إلَى مَعْدِنٍ آخَرَ ابْتَدَأَ فِي الثَّانِي قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ فَيُضَمُّ هُنَا مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ كَلَامٌ يُوهِمُ أَنَّهُ يُضَمُّ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي، وَكَلَامُ الْمُقَدِّمَاتِ إنَّمَا هُوَ فِي ضَمِّ الْمَعَادِنِ لَا فِي ضَمِّ الْعُرُوقِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِمُرَاجَعَةِ الْمُقَدِّمَاتِ وَيُتَأَمَّلُ آخِرَ الْكَلَامِ وَأَوَّلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا مَعَادِنَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ لَا يُضَمُّ لِمَا خَرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ آخَرَ إذَا كَانَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلُ بِالضَّمِّ لِابْنِ مَسْلَمَةَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِلْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْمَعَادِنَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرَضِينَ فَكَمَا يُضِيفُ زَرْعَ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَقْيَسُ، وَعَدَمُ الضَّمِّ لِسَحْنُونٍ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُضَمُّ نَيْلٌ إلَى نَيْلٍ فَأَوْلَى مَعْدِنٌ إلَى مَعْدِنٍ، وَالْفَرْقُ لِلْمَذْهَبِ بَيْنَ الْمَعْدِنَيْنِ وَزَرْعِ الْفَدَادِينِ إنْ أَبَانَ الزَّرْعُ وَاحِدٌ، وَالْمِلْكُ شَامِلٌ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَالْمِلْكُ فِي الْمَعْدِنِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْعَمَلِ، وَلَوْ كَانَا فِي وَقْتَيْنِ لَمْ يُضَمَّا اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا نَسَبَهُ الْقَرَافِيُّ لِلْمَذْهَبِ فَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ كَلَامَهُ وَقَصْرُهُ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُضَمُّ مَعْدِنٌ لِآخَرَ إلَّا فِي وَقْتِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، انْتَهَى، وَالْأَظْهَرُ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ وَيُقَابِلُهُ مَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ كَانَ لَهُ مَعْدِنَانِ ذَهَبٌ وَوَرِقٌ ضَمَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، وَزَكَّاهُ الْبَاجِيُّ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَمَّا قَوْلُ سَحْنُونٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ فِي مَعْدِنٍ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا فِي عِرْقٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إذْ لَا يُضَمُّ عِرْقٌ لِعِرْقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي ضَمِّ فَائِدَةٍ حَالَ حَوْلُهَا) ش أَيْ: وَفِي ضَمِّ الْفَائِدَةِ الَّتِي حَالَ حَوْلُهَا نِصَابًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ إلَى مَا خَرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ دُونَ نِصَابٍ تَرَدُّدٌ فَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيُّ أَيْضًا الضَّمَّ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ ضَمِّ الْمَعْدِنَيْنِ قَوْلًا بِعَدَمِ الضَّمِّ وَفَهِمَ ابْنُ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ عَنْهُ: وَقَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ لَوْ أَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّيْلُ وَابْتَدَأَ آخَرُ فَخَرَجَ لَهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى وَالْعَشَرَةُ الْأُخْرَى بِيَدِهِ أَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ وَيُزَكِّيَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ كَانَتْ لَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ حَالَ حَوْلُهَا لَأَضَافَهَا إلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ لَهُ أَخِيرًا وَزَكَّى فَإِضَافَتُهَا إلَى هَذِهِ الْمَعْدِنِيَّةِ أَوْلَى، انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي أَلْزَمهَا ابْنُ يُونُسَ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى الزَّكَاةِ فِيهَا فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا انْقَطَعَ النَّيْلُ بِتَمَامِ الْعِرْقِ ثُمَّ وُجِدَ عِرْقٌ آخَرُ فِي الْمَعْدِنِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ مُرَاعَاةَ النِّصَابِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ تَفْصِيلٌ إذْ لَا يَخْلُو مَا نَضَّ لَهُ مِنْ النَّيْلِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتْلَفَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ النَّيْلُ الثَّانِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ فَائِدَةٍ حَالَ حَوْلُهَا وَتَلِفَتْ، ثُمَّ أَفَادَ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، أَوْ يَتْلَفَ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ فِي النَّيْلِ الثَّانِي وَقَبْلَ أَنْ يَكْمُلَ عِنْدَهُ بِمَا كَانَ مِنْ النَّيْلِ الْأَوَّلِ نِصَابٌ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَبْقَى بِيَدِهِ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ كَمُلَ عَلَيْهِ مِنْ النَّيْلِ الثَّانِي تَمَامُ النِّصَابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا جَوَابًا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يُزَكِّي بِاتِّفَاقٍ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بَلْ صَرِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ نَيْلٌ إلَى نَيْلٍ، لَكِنَّ فِي قَوْلِهِ " وَإِنَّمَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ خِلَافَ الْمُدَوَّنَةِ " نَظَرٌ، وَقَدْ فَرَّقَ الْمَازِرِيُّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ بِيَدِهِ فَائِدَةٌ قَدْ حَالَ حَوْلُهَا لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ الْحَوْلِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ، وَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ مِائَةً وَهِيَ فِي حُكْمِ مَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ صَارَ الْجَمِيعُ مَالًا وَاحِدًا حَالَ حَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَ مِائَةً مَعْدِنِيَّةً أَوَّلًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ فِي حُكْمِ مَا مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ تَقْدِيرًا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ إنَّمَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِيمَا تَوَجَّهَ الْخِطَابُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَوَجَّهْ لِقُصُورِهِ عَنْ النِّصَابِ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا كَلَامًا مُشْكِلًا ثُمَّ ذَكَرَهُ، قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يُزَكِّي بِاتِّفَاقٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ " فَيَكُونُ كَابْتِدَائِهِ " أَنَّهُ بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مَا نَضَّ لَهُ مِنْ النَّيْلِ الْأَوَّلِ وَتَلِفَ فَإِذَا نُوزِعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهُوَ مُنَازَعٌ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الذَّخِيرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَكِّي فِي الصُّورَةِ
الَّتِي ذَكَرهَا ابْنُ رُشْدٍ وَاَلَّتِي فُهِمَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَكَلَامَ ابْنِ يُونُسَ بَعْدَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِضَمِّ الْفَائِدَةِ لِمَا يُكْمِلُ بِهَا نِصَابًا مِنْ الْمَعْدِنِ هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيُّ، وَمُقَابِلُهُ تَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ وَفَهْمِ ابْنِ يُونُسَ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَنَدٍ مَا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ قَوْلًا آخَرَ بِعَدَمِ الضَّمِّ، فَالْقَوْلُ بِالضَّمِّ هُوَ الْمَنْصُوصُ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَيُضَمُّ نَاقِصٌ لِغَيْرِ حَوْلِهِ، وَإِنْ نَاقِصًا عَلَى الْمَنْصُوصِ، انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الدَّيْنِ ذِكْرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
(تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يَضُمُّ الْمَعْدِنَ لِلْفَائِدَةِ كَانَتْ نِصَابًا أَوْ دُونَهُ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشَّامِلِ وَمِنْ كَلَامِ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ سَنَدٍ مِنْ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ إنَّمَا يَقُولُ بِالضَّمِّ إذَا كَانَ الْمَالُ الَّذِي حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ دُونَ النِّصَابِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ دُونَ النِّصَابِ لَا يُزَكِّيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ نَقْضٌ عَلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَلَوْ اسْتَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ وَبَعْدَ مُدَّةٍ دُونَ النِّصَابِ لَا يُضَمُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَتَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ تَصْفِيَتِهِ تَرَدُّدٌ)
ش: أَيْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ذَلِكَ فَنَقَلَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ بِالتَّصْفِيَةِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَنْفَقَ شَيْئًا قَبْلَ التَّصْفِيَةِ، هَلْ يَحْسُبُ جُمْلَتَهُ أَمْ لَا؟ وَعَنْ الْجُزُولِيّ الْأَوَّلُ لِظَاهِرِ الرِّسَالَةِ، وَالثَّانِي لِلسُّلَيْمَانِيَّةِ، قَالَ وَيَبْنِي عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَهُ، وَلَمْ يُصَفِّهِ وَبَقِيَ عِنْدَهُ أَعْوَامًا ثُمَّ صَفَّاهُ فَعَلَى مَا فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ يُزَكِّيهِ زَكَاةً وَاحِدَةً، وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّسَالَةِ يُزَكِّيهِ لِكُلِّ عَامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.
(وَجَازَ دَفْعُهُ بِأُجْرَةِ غَيْرِ نَقْدٍ)
ش: مُرَادُهُ بِأُجْرَةِ شَيْءٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِلْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكْرَى أَرْضَهُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ جَوَازَهُ، وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَحْنُونٍ الْجَوَازُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ كَمَا لَا تُكْرَى الْأَرْضُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَلَا بِطَعَامٍ فِي الْمَشْهُورِ، وَهَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَيْهِ حَمْلُ الشَّارِحِ وَحَمْلُ قَوْلِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْمُخْرَجَ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ وَاعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ مَا إذَا أَعْطَى الْمَعْدِنَ لِجَمَاعَةٍ يَعْمَلُونَ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجَ مِنْهُ لَهُمْ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: كَالشُّرَكَاءِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغَةٌ حِصَّتُهُ نِصَابًا، وَحُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ وَيَكُونُ سَكَتَ عَنْ فَرْعٍ وَهُوَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِوُضُوحِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ ابْنِ غَازِيٍّ كَلَامَهُ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ وَعَلَى الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ الَّذِي فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مَا إذَا أَعْطَى الْمَعْدِنَ لِجَمَاعَةٍ مَسْكُوتًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذِكْرِ فَرْعِ مَا إذَا أَعْطَى لِجَمَاعَةٍ أَمَسُّ مِنْ ذِكْرِ فَرْعِ مَا إذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِوُضُوحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاعْتُبِرَ مِلْكُ كُلٍّ)
ش: هَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ أَذِنَ لِجَمَاعَةٍ فَفِي ضَمِّ الْجَمِيعِ قَوْلَانِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَعْنَاهُ إذَا دَفَعَ الْمَعْدِنَ لِجَمَاعَةٍ يَعْمَلُونَ فِيهِ: إمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَهُ جُزْءًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَهُمْ بَقِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، يَعْنِي فِي دَفْعِهِ بِجُزْءٍ، فَهَلْ يَكُونُونَ كَالشُّرَكَاءِ يُعْتَبَرُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَكُونُ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُ كَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
ص (وَبِجُزْءٍ كَالْقِرَاضِ قَوْلَانِ)
ش: الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ لِمَالِكٍ وَنُسِبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ
الْفَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ، وَمُقَابِلُهُ لِأَصْبَغَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَانْظُرْ هَلْ يُزَكَّى هُنَا عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ أَوْ يُعْتَبَرُ مَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي نُدْرَتِهِ الْخُمْسُ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُعْتَبَرُ فِي تَمْيِيزِ النَّدْرَةِ مِنْ غَيْرِهَا هُوَ التَّصْفِيَةُ لِلذَّهَبِ وَالتَّخْلِيصُ لَهَا دُونَ الْحَفْرِ وَالطَّلَبِ، فَإِذَا كَانَتْ الْقِطْعَةُ خَالِصَةً لَا تَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصٍ فَهِيَ الْقِطْعَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِالرِّكَازِ وَفِيهَا الْخُمْسُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُمَازِجَةً لِلتُّرَابِ وَتَحْتَاجُ إلَى تَخْلِيصٍ فَهِيَ الْمَعْدِنُ وَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ، انْتَهَى.، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ النَّدْرَةُ نِصَابًا أَوْ دُونَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ " لَا تَكُونُ نُدْرَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخُمْسُ حَتَّى يَكُونَ نِصَابًا " لَمْ أَعِبْهُ، انْتَهَى.
ص (كَالرِّكَازِ وَهُوَ دِفْنٌ جَاهِلِيٌّ)
ش: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ: قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الْخُمْسُ وَلَيْسَ الْمَعْدِنُ بِرِكَازٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الرِّكَازُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ: الْمَالُ الْمَدْفُونُ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّكْزِ بِفَتْحِ الرَّاءِ يُقَالُ: رَكَزَهُ يَرْكُزُهُ: إذَا دَفَنَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ " دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ " بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْفَاءِ: الشَّيْءُ الْمَدْفُونُ كَالذِّبْحِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الْمَصْدَرُ وَلَا يُرَادُ هُنَا، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ الْخِرْصُ بِمَعْنَى الْمَخْرُوصِ
ص (أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ)
ش:
[فَرْعٌ مَا أَصَابَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ رِكَازٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْجِهَادِ فِي مَسْأَلَةِ مَا غَنِمَهُ الْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ، قَالَ التُّونُسِيُّ: وَلَا نَعْلَمُ نَصَّ خِلَافٍ أَنَّ مَا أَصَابَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ مِنْ رِكَازٍ يُخَمَّسُ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا هُنَا، وَنَصَّهُ التُّونُسِيُّ: لَا خِلَافَ فِي تَخْمِيسِ رِكَازٍ وَجَدَهُ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ، انْتَهَى.
ص (إلَّا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ أَوْ عَمِلَ فِي تَخْلِيصِهِ فَقَطْ فَالزَّكَاةُ)
ش: فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي
تَحْصِيلِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّخْلِيصِ أَيْ تَخْلِيصِهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ " فَقَطْ " أَيْ كَبِيرُ الْعَمَلِ أَوْ النَّفَقَةِ يُعْتَبَرُ فِي تَحْصِيلِهِ وَإِخْرَاجِهِ فَقَطْ لَا فِي تَصْفِيَتِهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ رِكَازٌ، وَالتَّصْفِيَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْمَعْدِنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ مَا كَانَ فِي جِدَارٍ مِنْ ذَهَبَ أَوْ فِضَّةٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَا كَانَ فِي جِدَارٍ مِنْ ذَهَبَ أَوْ فِضَّةٍ لَوْ تَكَلَّفَ إخْرَاجَهُ أَخْرَجَ مِنْهُ بَعْدَ أُجْرَةِ مَنْ يُعْمِلُهُ شَيْئًا فَلْيُزَكِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ إلَّا قَدْرَ عَمَلِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، انْتَهَى.
ص (وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ) ش: أَيْ قَبْرِ الْجَاهِلِيِّ، قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ مَالٍ فَفِيهِ الْخُمْسُ، انْتَهَى.
وَبَاقِيهِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ، وَإِنْ جَيْشًا، قَالَ فِي الشَّامِلِ: ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، وَقِيلَ: لِلْوَاجِدِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ انْقَرَضُوا فَلِلْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ لِلْفُقَرَاءِ، انْتَهَى.
ص (فَلِوَاجِدِهِ)
ش: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ بَلْ وُجِدَ فِي الْفَيَافِي وَالْقِفَارِ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
ص (وَإِلَّا دِفْنُ الْمُصَالِحِينَ فَلَهُمْ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ فَإِنْ انْقَرَضُوا فَكَمَالٍ جُهِلَ رَبُّهُ فَإِنْ وَجَدَهُ مَنْ مَلَكَهَا عَنْهُمَا فَلَهُ، وَقِيلَ " لَهُمْ "، وَفِي الْأَخِيرِ ثَالِثُهَا لِوَاجِدِهِ فَإِنْ كَانَ دِفْنَ صُلْحِيٍّ فَلَهُ إنْ عَلِمَ وَإِلَّا فَلَهُمْ، وَذُو عَلَامَةِ إسْلَامٍ وَغَيْرُهُ فَلِوَاجِدِهِ وَيُخَمَّسُ وَمَا جُهِلَ لِعَدَمِ عَلَامَةٍ أَوْ طَمْسِهَا فَلِوَاجِدِهِ وَشُهِرَ، وَقِيلَ: إنْ وُجِدَ بِفَيَافِي الْإِسْلَامِ فَلُقَطَةٌ، أَمَّا مَنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِهِ فَلَهُ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَوْ وُجِدَ الرِّكَازُ فِي مَوْضِعٍ جُهِلَ حُكْمُهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: هُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ وَيُخَمَّسُ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ - فَرْعٌ - وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِهِ لِأَهْلِ الصُّلْحِ، فَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: " يُخَمَّسُ "، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: " لَا يُخَمَّسُ "، انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يَجِدَهُ رَبُّ دَارٍ بِهَا فَلَهُ)
ش: مُرَادُهُ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فَهُوَ لَهُمْ، نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ كَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ.
[فَرْعٌ رِكَاز الْأَرْضِ إذَا بِيعَتْ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ رِكَازِ الْأَرْضِ إذَا بِيعَتْ لِمُشْتَرِيهَا أَوْ لِبَائِعِهَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ وَاللَّخْمِيِّ، وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الصَّوَابُ، انْتَهَى.
ص (وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ دِفْنِ الْكُفْرِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الدِّفْنَ وَالْكَنْزَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَيْ فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ وَعَلَيْهِ الْخُمْسُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يُوجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ أَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَطُمِسَتْ، فَقَالَ سَنَدٌ: إنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الْمُتَقَدِّمِ فِيمَا إذَا أَوْجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَجْهُولَةٍ بِجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمِلْكَ فِيهِمَا، قَالَ سَنَدٌ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ لُقَطَةٌ إذَا وُجِدَ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُخَمَّسُ، وَلَوْ كَانَ لُقَطَةً مَا خُمِّسَ، قَالَ: وَهَذَا إذَا وُجِدَ فِي الْفَيَافِي فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إذَا وُجِدَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ فَإِنَّهُ لَهُ عِنْدَهُمْ اتِّفَاقًا، وَلَوْ كَانَ لُقَطَةً لَاخْتَلَفَ حُكْمُهُ فِي الْبَيَانِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَاشِدٍ خَلِيلٌ وَانْظُرْ كَيْفَ ذَكَرَ سَنَدٌ أَوَّلًا أَنَّ كَوْنَهُ لِلْوَاجِدِ مُخَرَّجٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، انْتَهَى، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّامِلِ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ كَعَنْبَرٍ فَلِوَاجِدِهِ بِلَا تَخْمِيسٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا
وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَلَمْ يُمْلَكْ كَعَنْبَرٍ وَلُؤْلُؤٍ لِآخِذِهِ دُونَ تَخْمِيسٍ كَصَيْدٍ وَمَا وُجِدَ مِمَّا لَفَظَهُ الْبَحْرُ إنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ لُقْطَةٌ وَلِمُشْرِكٍ لُقَطَةُ الْإِمَامِ لَا لِوَاجِدِهِ، وَزَادَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَا شُكَّ فِيهِ لُقَطَةٌ ابْنُ رُشْدٍ مَا لَفَظَهُ مِنْ مَالٍ مَغْصُوبٍ لُقَطَةٌ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ مَا أَلْقَاهُ رَبُّهُ لِنَجَاةِ نَفْسِهِ، وَفِيهَا مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ أَوْ سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا، وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَمْلُوكٍ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لِوَاجِدِهِ مُطْلَقًا خِلَافَ تَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدٍ بَيْنَ مَا أُلْقِيَ لِنَجَاةٍ أَوْ كَانَ عَطَبًا ابْنُ بَشِيرٍ وَمَا لَفَظَهُ لِحَرْبِيٍّ إنْ كَانَ مَعَهُ وَأَخَذَهُ بِقِتَالٍ أَوْ لِخَوْفِهِ مِنْ أَخْذِهِ لِعَدَمِ حُصُولِهِ فِي قَبْضَةِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ مُخَمَّسًا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْهُ فَلِوَاجِدِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إنْ أُخِذَ بِقِتَالٍ خُمِّسَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: فَلَوْ رَآهُ أَحَدٌ فَبَادَرَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أَوْ جَمَاعَةٌ فَلِلسَّابِقِ فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَهَلْ لِمَالِكِهِ أَوْ لِوَاجِدِهِ؟ قَوْلَانِ إلَّا لِحَرْبِيٍّ فَلِوَاجِدِهِ كَانَ أَخْذُهُ مِنْهُ بِقِتَالٍ هُوَ السَّبَبُ وَإِلَّا فَفَيْءٌ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَا غُسِلَ مِنْ تُرَابِ سَاحِلِ بَحْرٍ وُجِدَ بِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةُ مَعْدِنٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا مَا غُسِلَ مِنْ تُرَابِ سَاحِلِ بَحْرٍ وُجِدَ بِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةُ مَعْدِنٍ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ مِنْ بَقِيَّةِ مَالٍ جَاهِلِيٍّ وَقَلَّتْ مُؤْنَةُ غَسْلِهِ فَرِكَازٌ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ كَثُرَتْ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ سُيُولٌ مِنْ مَعْدِنٍ اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ مَعْدِنًا وَالْأَظْهَرُ فَائِدَةً كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي زَيْتُونٍ جَبَلِيٍّ لَمْ يُجْنَ حِيزَ مِنْهُ نِصَابٌ (قُلْتُ) : الْأَظْهَرُ تَخْمِيسُهُ لِنُدْرَةٍ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَعَاشَتْ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا أَخَذَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَعَاشَتْ ابْنُ رُشْدٍ لِمُسْلِمِهَا إتْيَانُهَا بِنِيَّةِ رَدِّهَا أَخَذَهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا إنْ كَانَ أَشْهَدَ بِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَتَرَكَهَا بِأَمْنٍ وَمَاءٍ وَكَلَأٍ وَإِلَّا فَفِي تَصْدِيقِهِ ثَالِثَهَا بِيَمِينٍ وَبَيِّنَةِ عَدَمِ رَدِّهَا لَا يَأْخُذُهَا وَبِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي قَوْلَانِ، وَعَلَى الْأَخْذِ فَعَلَى رَبِّهَا نَفَقَةُ آخِذِهَا لَا أَجْرُ قِيَامِهِ عَلَيْهَا إنْ أَقَامَ عَلَيْهَا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَيْهَا لِرَبِّهَا فَلَهُ أَجْرُهُ إنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَفِي تَصْدِيقِهِ ثَالِثَهَا بِيَمِينٍ، وَسَمِعَ أَيْضًا لِمَنْ طَرَحَ مَتَاعَهُ خَوْفَ غَرَقِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ غَاصَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ يَغْرَمُ أَجْرَهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا وِفَاقًا وَخِلَافًا وَلِسَحْنُونٍ مَنْ أَخْرَجَ ثَوْبًا مِنْ جُبٍّ وَأَبَى رَدَّهُ لِرَبِّهِ فَرَدَّهُ فِيهِ فَطَلَبَهُ رَبُّهُ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ ثَانِيَةً وَإِلَّا ضَمِنَهُ مُحَمَّدٌ إنْ أَخْرَجَهُ فَلَهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ رَبُّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَجْرٍ وَسَمِعَ أَيْضًا لِمَنْ أَسْلَمَ مَتَاعَهُ بِفَلَاةٍ لِمَوْتِ رَاحِلَتِهِ أَخَذَهُ مِمَّنْ احْتَمَلَهُ بِغُرْمِ أَجْرِ حَمْلِهِ ابْنُ رُشْدٍ أَخَذَهُ حِفْظًا لِرَبِّهِ أَوْ تَمَلُّكًا لِظَنِّهِ تَرْكَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ اغْتِفَالًا فَلَا حَمْلَ لَهُ ابْنُ شَاسٍ وَمَا تُرِكَ بِمَضْيَعَةٍ فَقَامَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَحْيَاهُ فَفِي كَوْنِهِ لِرَبِّهِ أَوْ أَخْذِهِ رِوَايَتَانِ، وَالثَّانِيَةُ أَصَحُّ، انْتَهَى.
وَالسَّمَّاعَاتُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا فِي كِتَابِ اللُّقْطَةِ.
(فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» ، وَمَعْنَى " يَحْسِرُ " أَيْ يَنْكَشِفَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ نُهِيَ عَنْ أَصْلِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَيْسَ بِمَعْدِنٍ وَلَا رِكَازٍ فَحَقُّهُ
أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، انْتَهَى، وَقَوْلُهُ عَنْ أَصْلِهِ لَعَلَّهُ عَلَى أَصْلِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ مصارف الزَّكَاةِ]
ص (فَصْلٌ وَمَصْرِفُهَا فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ وَهُوَ أَحْوَجُ)
ش: (فَرْعٌ) إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَالْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهَا تُعْطَى لَهُمْ وَتُجْزِئُ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْأَصْنَافُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بَلْ لَوْ أُعْطِيت لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: صَرْفُهَا فِي أَحَدِهَا غَيْرِ الْعَامِلِ مُجْزِئٌ عَلَى إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّامِلِ وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصُدِّقَا إلَّا لِرِيبَةٍ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَصُدِّقَ مَنْ ادَّعَاهُمَا أَيْ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ إلَّا لِرِيبَةٍ وَبَيَّنَ ذَهَابَ مَالٍ عُرِفَ بِهِ، وَإِنْ ادَّعَى عِيَالًا لِيَأْخُذَ لَهُمْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَكَانِ كَشَفَ عَنْهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ ادَّعَى دَيْنًا بِبَيِّنَةٍ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهُ، انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي الْحُكْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّرْفِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ مَا خَفِيَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ صُدِّقَ مَا لَمْ يَشْهَدْ ظَاهِرُهُ بِخِلَافِهِ، أَوْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْضِعِ وَيُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ فَيُكْشَفُ، وَالْغَازِي مَعْلُومٌ بِفِعْلِهِ فَإِنْ أُعْطِيَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُوَفِّ اسْتَرَدَّ وَيُطَالِبُ الْغَارِمَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّيْنِ وَالْعُسْرِ إنْ كَانَ مِنْ مُبَايَعَةٍ إلَّا إذَا كَانَ طَعَامَ أَكْلِهِ، وَابْنُ السَّبِيلِ يُكْتَفَى فِيهِ بِهَيْئَةِ الْفَقْرِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَدَمُ كِفَايَةٍ بِقَلِيلٍ أَوْ إنْفَاقٍ أَوْ صَنْعَةٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَنْ يَكُونَ عَادِمًا لِلْكِفَايَةِ: إمَّا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَا لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ صَنْعَةٌ، أَوْ
يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ قَلِيلٌ لَا يَكْفِيهِ أَوْ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ نَفَقَةً لَا تَكْفِيهِ أَوْ لَهُ صَنْعَةٌ لَا كِفَايَةَ لَهُ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَيْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ اتِّفَاقًا وَأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ مَلِيًّا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَا تَلْزَمُ وَلَكِنَّهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمُلْتَزِمَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ بِمَنْ تَلْزَمُهُ فِي الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْتِزَامُهُ لَهَا صَرِيحًا أَوْ بِمُقْتَضَى الْحَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَرَابَتِهِ أَوْ لَا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ انْقَطَعَتْ النَّفَقَةُ أَوْ الْكِسْوَةُ عَنْ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ لَهُ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَلِيءُ يُجْرِيهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِالْحُكْمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا لَوْ كَانَ الْمَلِيءُ لَا يُمْكِنُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ أَوْ تَعَذَّرَ الْحُكْمُ، انْتَهَى.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ عَنْ السُّيُورِيِّ: مَنْ لَهُ وَلَدٌ غَنِيٌّ وَأَبَى مِنْ طَلَبِ نَفَقَتِهِ مِنْهُ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الْبُرْزُلِيُّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْحُكْمِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ فَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ رَجُلٌ فَقِيرٌ وَلَهُ أَبٌ غَنِيٌّ لَا يَنَالُهُ رِفْقُهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ يَنَالُهُ رِفْقُهُ فَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَنَالُهُ رِفْقُ أَحَدٍ أَوْلَى أَنْ يُؤْثَرَ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ " أَوْلَى أَنْ يُؤْثَرَ يَدُلُّ " عَلَى أَنَّهُ يُعْطَى وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " يَنَالُهُ رِفْقُهُ " يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لَهُ بِالْكِفَايَةِ فَلَوْ الْتَزَمَ لَهُ بِالْكِفَايَةِ لَمْ يُعْطَ.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ مَنْ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْسُوهُ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى ضَرُورِيَّاتٍ أُخَرَ لَا يَقُومُ لَهُ بِهَا الْمُنْفِقُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ بِهِ ضَرُورِيَّاتِهِ الشَّرْعِيَّةَ فَقَدْ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ كَافِلِ يَتِيمَةٍ تَخْدُمُهُ وَهُوَ يُطْعِمُهَا وَيَكْسُوهَا، هَلْ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَرْتَفِقُ بِهِ فِي كِسْوَتِهَا أَوْ تَتَجَمَّلُ بِهِ فِي الْعِيدِ أَوْ مَتَى تَزَوَّجَتْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ لَيْسَ عَنْ مِثْلِ هَذَا تَسْأَلُنِي مَعَ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي عِنْدَك فَلَعَلَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَوْجُودٌ عِنْدَكَ الْبُرْزُلِيُّ لَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا وَأَحَالَهُ عَلَى مَا قَيَّدَهُ، وَاَلَّذِي سَمِعْت عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَأَظُنُّ أَنَّى قَيَّدْتُهُ مِنْهُ أَنَّهَا تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا يَصْلُحُهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ، وَالْأَمْرِ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ أَنَّهُ إنْ قَابَلَ بِشَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ خِدْمَتَهَا فَلَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ يَصُونُ بِهَا مَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَابِلْ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَخْدُمْهُ لَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا فَلَا تُعْطَى أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ غَيْرُهَا أَشَدَّ حَاجَةً مِنْهَا فَلَا يُعْطِيهَا، وَإِنْ اسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَصْرِفُهَا فِي أَهَمِّ مِمَّا تَصْرِفُهُ هِيَ فِيهِ خَيْرٌ، وَإِنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهَا عَنْ غَيْرِهَا أُعْطِيت مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ النِّكَاحِ، انْتَهَى.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي عَنْ النَّوَادِرِ فِي قَوْلِهِ " وَدَفَعَ أَكْثَرَ مِنْهُ ".
(الثَّالِثُ) يُعْطَى الْمَحْجُورُ مِنْ الزَّكَاةِ وَتُدْفَعُ لِوَلِيِّهِ وَيُدْفَعُ لَهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتِهِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ فَقِيرٍ خَالَطَ عَقْلَهُ شَيْءٌ هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؟ ، وَكَذَا قَلِيلُ الصَّلَاةِ؟ فَأَجَابَ مَنْ فَقَدَ عَقْلَهُ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُ وَيُعْطَى لِوَلِيِّهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي عَقْلِهِ فَيُعَادُ السُّؤَالُ عَلَيْهِ، وَقَلِيلُ الصَّلَاةِ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الْبُرْزُلِيُّ لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ يَفْقِدْ عَقْلَهُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَجَوَابُهُ إنْ كَانَتْ حَالَتُهُ وَقْتَ الصَّحْوِ كَحَالَةِ الصَّحِيحِ الرَّشِيدِ فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا يُضْرَبُ عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَضْبِطُ مَالَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَحْجُورِ يُعْطَى الْقَلِيلُ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَلِوَلِيِّهِ الْكَثِيرُ يَصْرِفُهُ إلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا جَوَابُهُ فِي مُضَيِّعِ الصَّلَاةِ فَعَلَى وَجْهِ الشِّدَّةِ، وَلَوْ أَعْطَاهُ لَمَضَى انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَرَوَى الْمُغِيرَةُ لَا يُجْرِيهَا عَلَى الْأَيْتَامِ الْبُرْزُلِيُّ قَيَّدْنَا عَنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُخْرِجَهَا لَهُمْ كِسْوَةً وَطَعَامًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهَا
بِعَيْنِهَا وَعَيَّنَهَا لَهُمْ صَحَّ لَهُ صَرْفُهَا عَلَيْهِمْ، انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ أَهْلُ الْهَوَى الْخَفِيفِ الَّذِي يُبَدَّعُ صَاحِبُهُ وَلَا يُكَفَّرُ كَتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَمَا أَشْبَهَهُمْ فَمَنْ كَفَّرَهُمْ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ لَمْ يُجِزْ أَنْ يُعْطَوْا مِنْ الزَّكَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَجَازَ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ حَاجَةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَمِنْ الْبِدَعِ مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ، كَمَنْ يَقُولُ: إنَّ عَلِيًّا هُوَ النَّبِيُّ وَأَخْطَأَ جِبْرِيلُ.
وَمَنْ يَقُولُ: فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَانِ نَاطِقٌ وَصَامِتٌ وَكَانَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاطِقًا وَعَلِيٌّ صَامِتًا، وَمَنْ يَقُولُ: الْأَئِمَّةُ أَنْبِيَاءٌ يَعْلَمُونَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، فَهَؤُلَاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ بِإِجْمَاعٍ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُعْطَى تَارِكُ الصَّلَاةِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ مَنْ فَعَلَهُ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ وَهُوَ بَعِيدٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَلَمْ يُجِزْ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يُعْطَاهَا تَارِكَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ مَنْ فَعَلَهُ، وَهَذَا قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَوْلَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَوْا إذَا كَانَ فِيهِمْ الْحَاجَةُ الْبَيِّنَةُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ جَمِيعَ ذَلِكَ مُخْتَصَرًا، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْبَغَ: لَا يُعْجِبُنِي إعْطَاؤُهَا ذَا هَوًى إلَّا خَفِيفَهُ الْإِخْوَانُ لَا يُعْطَى ذَا هَوًى وَمَنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَتْهُ، وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: يُعْطَى أَهْلُ الْأَهْوَاءِ إنْ احْتَاجُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّ خَفَّ هَوَاهُمْ كَتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالْقَدَرِيُّ وَالْخَارِجِيُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَكْفِيرِهِمْ.
وَمَنَعَهَا ابْنُ حَبِيبٍ غَيْرَ الْمُصَلِّي عَلَى أَصْلِهِ " الشَّيْخُ الْمُصَلِّي أَوْلَى مِنْهُ وَيُعْطَى إنْ كَانَ ذَا حَاجَةٍ بَيِّنَةٍ " وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْبُرْزُلِيِّ فِي جَوَابِ السُّيُورِيِّ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ فِي قَلِيلِ الصَّلَاةِ: إنَّهُ لَا يُعْطَى عَلَى وَجْهِ الشِّدَّةِ، وَلَوْ أُعْطِيَ لَمَضَى، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ إثْرَ هَذَا الْكَلَامِ: وَمِثْلُهُ أَهْلُ الْمُجُونِ وَالْمَعَاصِي إذَا كَانُوا يَصْرِفُونَ الزَّكَاةَ فِي مَحِلِّهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ لَا تُرْضَى غَالِبًا فَلَا تُعْطَى لَهُمْ، وَلَا تُجْزِئُ مَنْ أَعْطَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُحِلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُكَفِّرُ تَارِكَ الصَّلَاةِ فَلَا تُجْزِئُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ يُسْلَكُ بِهِمْ هَذَا الْمَسْلَكُ الَّذِي أَصَّلْنَاهُ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ وَنَقَلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ بَعْدَ هَذَا: وَدَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْأَصْلَحِ حَالًا أَوْلَى مِنْ دَفْعِهَا إلَى سَيِّئِ الْحَالِ إلَّا أَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَيُعْطَى، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُعْطَى يُنْفِقُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ فَلَا يُعْطَى وَلَا تُجْزِئُ إنْ وَقَعَتْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مَسَائِلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِي أَيْتَامٍ تَحِلُّ لَهُمْ زَكَاةٌ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُ مُصَلٍّ وَلَا مُنْفِقَ فَيُحْرَمُونَ مِنْ أَجْلِهِ؟ فَأَجَابَ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ وَيَأْكُلُ خَادِمُهُمْ مِنْهَا بِالْإِجَارَةِ، وَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا، انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ وَجْهِ إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ فِي الْأَصْنَافِ: رَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْبَةً بَعِيدَةً فَتَحْتَاجُ وَلَا تَجِدُ مُسَلِّفًا فَلْتُعْطَ مِنْهَا، انْتَهَى.
يَعْنِي مِنْ الزَّكَاةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ يُعْلَمُ أَنَّ زَوْجَهَا مُوسِرٌ وَإِلَّا فَتُعْطَى وَلَوْ وَجَدَتْ مَنْ يُسَلِّفهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ تَلْزَمْهُ النَّفَقَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْبُرْزُلِيّ حُكْمُ أَهْلِ الْمُجُونِ وَمَنْ يَصْرِفُ الزَّكَاةَ فِي الْمَعَاصِي، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ لَمْ يُعْطَ بِالْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي مِثْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ تُعْلَمَ مِنْهُ تَوْبَةٌ أَوْ يُخَافَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
ص (وَعَدَمُ بُنُوَّةٍ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الَّذِي يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ عَادِمًا لِبُنُوَّةِ هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ أَيْ لَا يَكُونُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَعَمَّمْنَا هَذَا الشَّرْطَ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ إلَّا الْمُؤَلَّفَةَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِيهِمْ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ " الْمُطَّلِبِ " الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ أَخُو هَاشِمٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ
عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ حَتَّى اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ بُنُوَّةَ هَاشِمٍ كَافِيَةٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، بَلْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ: لَمْ يُعْقَبْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إلَّا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْآلُ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، هُوَ قَوْلٌ عَزَاهُ فِي الْإِكْمَالِ لِبَعْضِ شُيُوخِ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَكَرَهُ الرَّجْرَاجِيُّ، وَلَمْ يَعْزُهُ، وَاقْتَصَرَ عِيَاضٌ عَلَيْهِ فِي قَوَاعِدِهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْوَغْلِيسِيَّةِ: هُوَ الْمَذْهَبُ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي الْمِعْيَارِ: وَسُئِلَ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ رَجُلٍ شَرِيفٍ هَلْ يواسى بِشَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ، وَحَالَةُ هَذَا الرَّجُلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَفَاءِ عِنْدَنَا لَا سِيَّمَا مَنْ لَهُ عِيَالٌ تَحْتَ فَاقَةٍ، فَالْمُرَادُ مَا نَعْتَمِدُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَتِكُمْ فَإِنِّي وَقَفْت عَلَى جَوَابٍ لِلْإِمَامِ ابْنِ عَرَفَةَ قِيلَ فِيهِ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَبِذَلِكَ احْتَجَجْت عَلَى مَنْ تَكَلَّمْت مَعَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبَةِ بَلَدِنَا، فَقَالُوا لِي: إنْ وَقَفْنَا عَلَى هَذَا وَشِبْهِهِ مَاتَ الشُّرَفَاءُ وَأَوْلَادُهُمْ وَأَهَالِيهمْ هُزَالًا فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ قَصَّرُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ فِي حُقُوقِهِمْ، وَنِظَامُ بَيْتِ الْمَالِ وَصَرْفُ مَالِهِ عَلَى مُسْتَحَقِّيهِ فَسَدَ، وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يُرْتَكَبَ فِي هَذَا أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ، وَلَا يُنْظَرُ فِي حَفَدَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا فَعَارَضَنِي بِمَا (قُلْتُ) لَكُمْ وَبِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَلِكَ فِي الْأَجْوِبَةِ فَأَجَابَ: الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا كَمَا عَلِمْتُمْ، وَالرَّاجِحُ عِنْدِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنْ يُعْطَى وَرُبَّمَا كَانَ إعْطَاؤُهُ أَفْضَلَ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَازُونِيَّةِ وَعَنْهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَعَبْدُ مَنَافٍ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ، وَمَنَافٌ اسْمُ صَنَمٍ أُضِيفَ " عَبْدُ " إلَيْهِ وَلَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ أَرْبَعَةٌ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ أَشِقَّاءُ، وَالرَّابِعُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَحَسَبٍ عَلَى عَدِيمٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَقِيرٍ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَحْسِبَهُ عَلَيْهِ فِي زَكَاتِهِ، قَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهُ تَاوٍ وَلَا قِيمَةَ لَهُ أَوْ لَهُ قِيمَةُ دُونٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ لَا يُعْجِبُنِي عَلَى الْمَنْعِ، وَقَوْلُ الْغَيْرِ تَفْسِيرٌ وَتَتْمِيمٌ، قَالَ: وَفِي الْحَوَاشِي عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَاوِيًا يُحْسَبُ عَلَيْهِ فِي زَكَاتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ إذْ لَوْ قَامَ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْغَرِيمِ لَبِيعَتْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: عَلَى يَتِيمَةٍ رُبْعُ دِينَارٍ يُحْتَسَبُ بِهِ فِي مَهْرِهَا وَيَتَزَوَّجُهَا الشَّيْخُ، وَهَذَا غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ تَاوِيًا فَإِنَّ قِيمَتَهُ دُونٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ، وَقِيمَتُهُ دُونٌ إذْ هُوَ كَالْعَرْضِ فَلَا يَحْسُبُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ عَلَى يَتِيمَةٍ رُبْعُ دِينَارٍ لَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهَا فِي مَهْرِهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ النِّصَابِ، انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ " عَلَى عَدِيمٍ " مَفْهُومٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَالتَّاوِي: الْهَالِكُ، وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ فِي زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَاوٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَذَا عِنْدِي لَوْ أَعَارَ رَجُلٌ شَيْئًا لِمَنْ يَرْهَنُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَفُكُّ بِهِ مَا أَعَارَهُ وَلَا يُتَّهَمُ أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفَيْنِ، انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَا يُحْسَبُ فِي دَيْنٍ عَلَى فَقِيرٍ، وَمَنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ بِنَاءً عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ الْمَنْعِ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى.
ص (وَجَازَ لِمَوْلَاهُمْ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالشَّاذُّ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ نَافِعٍ وَأَصْبَغَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخَذَ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِ أَصْبَغَ لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْحَبْنِي فِيمَا نُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْأَلَهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَلَا لِمَوَالِينَا»
وَهُوَ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَبِقَوْلِ أَصْبَغَ قَطَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَهُوَ الثَّالِثُ لِرَبِيعَةَ، وَنَصُّهُ: قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَلَا تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ وَلَا لِمَوَالِيهِمْ، لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إنَّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَهَذَا خِلَافُ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا» ، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، انْتَهَى.
فَهَذَا مِنْ إجْمَاعَاتِهِ، وَقَدْ حَذَّرُوا مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ الَّذِي لَهُ صَنْعَةٌ غَيْرُ كَاسِدَةٍ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ وَمَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ، أَوْ لَهُ صَنْعَةٌ وَكَسَدَتْ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَمَالِكُ النِّصَابِ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ وَلَا فَضْلَ فِي ثَمَنِهِمَا مِمَّنْ سِوَاهُمَا أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ لَمْ يُعْطَ وَيُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، إنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ عِيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ أَبُو الْحَسَنِ، قَوْلُهُ " فِيهِمَا فَضْلٌ " يُرِيدُ فَضْلًا يُغْنِيهِ لَوْ بَاعَهُمَا وَاشْتَرَى غَيْرَهُمَا، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: إنْ كَانَ يَفْضُلُ مِنْ ثَمَنِهِمَا عِشْرُونَ دِينَارًا لَمْ يُعْطَ، انْتَهَى، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ مَالِكَ النِّصَابِ لَا يُعْطَى أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ جَعَلَهُ هُنَا إنْ كَانَ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَفِي الْأَيْمَانِ مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ عَلَيْهِ وَأَخْذَ الزَّكَاةِ حَقٌّ لَهُ وَالْغِنَى الْمَرَاعِي الْعَيْنُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ أَوْ فَضْلَةُ بَيْتِهِ عَلَى الْقُنْيَةِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ لَا فَضْلَةَ فِيهِمَا، أَوْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلَةٌ يَسِيرَةٌ أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ فَضْلَةٌ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعْطَ انْتَهَى، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثْرَةُ الثَّمَنِ فِيهِ فَضْلٌ، انْتَهَى.
وَفِي ابْنِ يُونُسَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالْفَرَسُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ هَذَا فِي بَلَدٍ يَحْتَاجُ فِيهِ لِلْفَرَسِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ هَلْ يُعْطِي الْفَقِيه مِنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ لَهُ كَتَبَ يَحْتَاج إلَيْهَا]
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَهَلْ يُعْطَى مِنْهَا الْفَقِيهُ إذَا كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَمَا يَحْتَاجُ الْمُجَاهِدُ لِلْفَرَسِ، وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيَهُ النَّظَرُ؟ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لِلْفَقِيهِ الَّذِي عِنْدَهُ كُتُبٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، انْتَهَى، وَيَعْنِي بِهِ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ وَبَعْدَهُ فِي التَّوْضِيحِ اللَّخْمِيُّ.
وَنَقَلَ عَنْهُ كَلَامًا آخَرَ فَيُتَوَهَّمُ كَثِيرٌ أَنَّهُ عَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَفِي الْبُرْزُلِيِّ فِي جُمْلَةِ سُؤَالٍ سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ مَا نَصُّهُ: فَلَوْ كَانَتْ لَهُ كُتُبُ فِقْهٍ قِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: هَذَا لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا الْبُرْزُلِيُّ، كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ فَيَأْخُذُهَا، وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ جِدًّا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَابِلِيَّةٌ فَلَا يُعْطَى مِنْهَا شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى
قَدْرِ فَهْمِهِ خَاصَّةً فَتُلْغَى، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا وَعَلَى الْمَنْعِ فَهِيَ كَالْعَدَمِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ الْكَرَاهَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ: فَلَا نَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالشَّرْعُ لَا يُجْبِرُ عَلَى مَكْرُوهٍ الْبُرْزُلِيُّ وَلَعَلَّهَا تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ تَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدِهِ فِي غَيْبَتِهِ وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا، انْتَهَى.
وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْجُزُولِيِّ الشَّيْخُ، وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ هَلْ يُعْطَى أَوْ تُبَاعُ عَلَيْهِ؟ .
فَإِنْ كَانَتْ كُتُبَ التَّارِيخِ تُبَاعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلطِّبِّ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ غَيْرُهُ بِيعَتْ عَلَيْهِ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ لَا تُبَاعُ عَلَيْهِ وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِقْهِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُرْجَى إمَامَتُهُ أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُرْجَى إمَامَتُهُ تُبَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لَا تُبَاعُ وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ وَفَرَسٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ فِي عَقْلِهِ فَضْلَةٌ، وَكَانَ مُدَرِّسًا فَقِيهًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَالْأَحْسَنُ فِي هَذَا أَنْ يَأْخُذَ، وَأَمَّا كُتُبُ النَّحْوِ وَالْأَدَبِ فَلَيْسَتْ مِثْلَهَا، انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَهُوَ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ
[فَرْعٌ الْيَتِيمَةَ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَصْرِفُهُ فِي ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ]
(فَرْعٌ) تَقَدَّمَ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَصْرِفُهُ فِي ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرِ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ فَعَلَى هَذَا فَمَنْ لَيْسَ مَعَهَا مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْحُلِيِّ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ» الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْفِضَّةُ دُونَ الذَّهَبِ وَغَيْرِ، هَذَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ هَذَا الْحَدُّ وَالْعَدَدُ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَهُوَ مُلْحِفٌ، وَالْإِلْحَافُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِلْحَاحُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْإِلْحَاحُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ مَذْمُومٍ، فَقَالَ: مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا، فَقَالَ ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273] ، وَلِهَذَا قُلْت: إنَّ السُّؤَالَ لِمَنْ مَلَكَ هَذَا الْقَدْرَ مَكْرُوهٌ، وَلَمْ أَقُلْ إنَّهُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحِلُّ يَحْرُمُ الْإِلْحَاحُ فِيهِ وَغَيْرُ الْإِلْحَاحِ، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ،، وَأَمَّا غَيْرُ الزَّكَاةِ مِنْ التَّطَوُّعِ فَجَائِزٌ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، ثُمَّ قَالَ: الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ يَعْنِي مَالِكًا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي الْغَنِيِّ حَدًّا لَا يُتَجَاوَزُ إلَّا عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ يُرَدُّ مَا يُعْطَى لِلْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ مِنْ الزَّكَاةِ إلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، ثُمَّ أَطَالَ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَيْضًا «أَعْطُوا السَّائِلَ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ أَحَادِيثِ رَبِيعَةَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ» يُرِيدُ: الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَغَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا فِي هَذَا الْبَابِ، إلَّا أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْهَا حَسَنٌ وَقَبُولُهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَسْأَلَتُهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا، انْتَهَى.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ مُحْرِزٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَصَّارُ: مَنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَقُومُ بِهِ لِأَدْنَى عَيْشٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَالْمَسْأَلَةُ لَهُ حَلَالٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا يَقُومُ بِعَيْشِهِ إلَى آخِرِ عُمْرِهِ (قُلْت) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» فَمَنَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ السُّؤَالِ وَلَعَلَّهَا لَا تَكُونُ غَنَاءٌ لِمِثْلِهِ، وَأَمَّا إعْطَاؤُهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ لِكُلِّ فَقِيرٍ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ فَمَنْ كَانَ غَنِيًّا مُتَكَفِّفًا لَمْ
يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا وَالْغِنَى فِي النَّاسِ مُخْتَلِفٌ فَمِنْهُمْ مِنْ يُغْنِيهِ الْقَلِيلُ لِقِلَّةِ عِيَالِهِ وَخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يُغْنِيهِ إلَّا الْكَثِيرُ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ فَهَذَا مِمَّا يُجْتَهَدُ فِيهِ، وَأَمَّا إعْطَاءُ الْفَقِيرِ مَا يُغْنِيهِ أَوْ يَزِيدُ عَلَى غِنَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ مَا أَخَذَ كَانَ فَقِيرًا، وَالصَّدَقَةُ مُبَاحَةٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْنَا فِيهَا حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ، وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي بَابِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ مَا نَصُّهُ - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ - وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَمَّا وُجُوبُهُ فَلِلْمُحْتَاجِ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَأَنْ يَعْنِيَهُ وَتَتَبَيَّنَ حَاجَتُهُ إنْ اسْتَحْيَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ أَنْفَعَ وَأَنْجَحَ مِنْ بَيَانِ السَّائِلِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ لِغَيْرِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، انْتَهَى.
وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ مَا صُورَتُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: طَالِبٌ لَهَا، وَغَيْرُ طَالِبٍ فَالطَّالِبُ لَهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ فَالْمُحْتَاجُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مُطْلَقًا، وَأَعْنِي بِالْمُطْلَقِ سَوَاءٌ كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ أَوْ تَطَوُّعًا، وَأَعْنِي بِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طَلَبِ التَّطَوُّعِ أَوْ قُوتُ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى طَلَبِ الْوَاجِبِ وَالْمُحْتَاجُ عَلَى عَكْسِهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْرُ الطَّالِبِ لَهَا عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا: مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ فَالْمُحْتَاجُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا قَدْرُ الْمَأْخُوذِ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ فَلَا حَدَّ لَهُ وَلَا غَايَةَ، انْتَهَى.
مَا رَأَيْتُهُ وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْزُوٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَدَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَكِفَايَةُ سَنَةٍ) ش، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا أُعْطِيَ الْمُحْتَاجُ فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ: ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَيُعْطِيهِ قُوتَ سَنَةٍ بِقَدْرِ الْمَقْسُومِ، وَقَدْ تَقِلُّ الْمَسَاكِينُ وَتَكْثُرُ، وَرَوَى الْمُغِيرَةُ لَا يُعْطَى نِصَابًا، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِوَصْفِ الْفَقْرِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطِيهِ قُوتَ السَّنَةِ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَالُ زَادَهُ ثَمَنَ الْعَبْدِ وَمَهْرَ الزَّوْجَةِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ يُعْطَى الْغَارِمُ قَدْرَ دَيْنِهِ وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ كِفَايَتَهُمَا وَكِفَايَةَ عِيَالِهِمَا وَالْمُسَافِرُ قَدْرَ مَا يُوصِلُهُ إلَى مَقْصِدِهِ أَوْ مَوْضِعِ مَالِهِ وَالْغَازِي قَدْرَ مَا يَقُومُ بِهِ حَالَةَ الْغَزْوِ وَالْمُؤَلَّفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْعَامِلُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وَمَنْ جَمَعَ صِنْفَيْنِ اسْتَحَقَّ سَهْمَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بِالِاجْتِهَادِ، قَالَ سَنَدٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعْطَى مِنْهَا الْعَامِلُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ عَمَلِهِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ التَّحْصِيلِ وَقِلَّتِهِ، انْتَهَى.
وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي دَفْعِهَا جَمِيعِهَا لِلْعَامِلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ، وَفِي النَّوَادِرِ رَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ نَافِعٍ كَمْ أَكْثَرُ مَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مِنْهَا وَالصَّدَقَةُ وَاسِعَةٌ؟ قَالَ لَا حَدَّ فِيهِ وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ مُتَوَلِّيهَا، قِيلَ: فَيُعْطِي قَاسِمُهَا لِلْفَقِيرِ قُوتَ سَنَةٍ ثُمَّ يَزِيدُهُ الْكِسْوَةَ، قَالَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَقِلَّتِهَا، ثُمَّ سُئِلَ عَنْهَا وَالْمُسَدِّدُ لَهُ قُوتُ شَهْرٍ يُعْطَى تَمَامَ قُوتِ سَنَةٍ؟ قَالَ: يُعْطَى بِالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ يَكُونُ أَفْقَرَ مَنْ يُوجَدُ فَيُعْطَى وَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ أَحْوَجَ فَيُؤْثَرُ الْأَحْوَجُ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْهَا، قِيلَ: وَالْفَقِيرُ يُعْطَى مِنْهَا الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، مِثْلُ الْعَبْدِ أَوْ مَا يَنْكِحُ بِهِ، قَالَ: إنْ كَانَ يَبِيعُ ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ فَيُعَانُوا بِذَلِكَ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا حَظَّ مَسَاكِينَ كَثِيرَةٍ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْوَاسِعِ، انْتَهَى.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ سَأَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ شَيْخٍ زَمِنٍ لَهُ بَيْتٌ يُكْرِيهِ بِنَحْوِ الدِّرْهَمَيْنِ فِي الشَّهْرِ وَغُرْفَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ وَهُوَ يَسْكُنُ مَعَهُ أَتَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ إلَّا مِنْ كِرَاءِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَلَا يَكْفِيهِ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ كَسْبُ الشَّيْخِ مَا ذَكَرْت فَهُوَ فِي عِدَادِ الْفُقَرَاءِ فَيَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالْفُطْرَةَ الْبُرْزُلِيُّ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ بَيْعَ الْبَيْتِ وَأَكْلَهَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ لَا يَكْفِيهِ فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ الْقَلِيلُ، انْتَهَى.
وَيَأْتِي عَنْ النَّوَادِرِ فَرْعٌ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ جَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ
ص (وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخَذَهَا تَرَدُّدٌ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يُوَاطِئْهُ عَلَى رَدِّهَا فَإِنْ وَاطَأَهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا مَعَ
عَدَمِ التَّوَاطُؤِ فَهُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ الْمَنْعُ، لَكِنَّ الْجَوَازَ أَظْهَرُ كَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَيْنِهِ خَلِيلٌ، وَانْظُرْ هَلْ هَذَا مَعَ التَّوَاطُؤِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِ شَيْئًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ " لَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا جَازَ أَخْذُهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ خِلَافُ تَعْلِيلِ الْبَاجِيِّ، وَرَأَيْت ابْنَ حَبِيبٍ مَنَعَ إعْطَاءَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ كَمَنْ دَفَعَ صَدَقَتَهُ لِغَرِيمِهِ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ (قُلْت) : الْأَظْهَرُ أَنَّ أَخْذَهُ بَعْدَ إعْطَائِهِ لَهُ طَوْعُ الْفَقِيرِ دُونَ تَقَدُّمِ شَرْطِ إجْزَائِهِ وَكُرِهَ ذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَا يُوَارِيه مِنْ عِيشَةِ الْأَيَّامِ، وَإِلَّا فَلَا كَقَوْلِهَا فِي قِصَاصِ الزَّوْجَةِ بِنَفَقَتِهَا فِي دَيْنٍ عَلَيْهَا، وَيُشْتَرَطَ لِمَنْ لَمْ يُعْطِهَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَوْ أَعْطَاهَا لَهُ جَازَ أَخْذُهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ كَرْهًا وَهُوَ مُكْفَى جَازَ، وَكَذَا إنْ أَعْطَاهَا لَهُ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ أَعْطَاهَا لَهُ بِشَرْطِ رَدِّهَا إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، انْتَهَى.
ص (وَجَابٍ وَمُفَرِّقٌ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالْكَاتِبُ وَالْخَارِصُ وَالْقَاسِمُ مِثْلُهُ، انْتَهَى وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي الْخِرَاصَةِ الْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَحْضَةٌ، وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَلَا أَنْ يُنْفِقَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ وَإِلَّا جَازَ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ فِي الْأَصْنَافِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُسْتَعْمَلُ عَلَى الصَّدَقَةِ عَبْدٌ وَلَا نَصْرَانِيٌّ فَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُمَا مَا أَخَذَا وَأُعْطِيَا مِنْ غَيْرِ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ غَنَائِهِمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ اسْتَعْمَلَ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَأُجْرَتُهُمَا مِنْ الْفَيْءِ لَا مِنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَيُرَدُّ مَا أَخَذَا مِنْهَا.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: (قُلْتُ) : فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ لَهُ عَلَيْهَا مِدْيَانًا أَيَأْخُذُ مِنْهَا مِثْلَ مَا يَأْخُذُ الْغَارِمُونَ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ السُّلْطَانُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا قَالَ: أَوْ الْعَامِلُ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا كَانَ مِدْيَانًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كَمَا يَأْخُذُ الْغَارِمُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُهَا فَلَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ أَجْلِ دَيْنِهِ سِوَى مَا يَجِبُ لَهُ بِعِمَالَتِهِ، انْتَهَى مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ.
ص (وَأَخَذَ الْفَقِيرُ بِوَصْفَيْهِ)
ش: وَكَذَا كُلُّ مَنْ جَمَعَ وَصْفَيْنِ أَخَذَ بِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الذَّخِيرَةِ.
(تَنْبِيهٌ)
إنَّمَا يُعْطَى الْعَامِلُ بِوَصْفَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَظِّهِ لِأَجْلِ الْعَمَلِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ ابْتَاعَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا مِنْ الزَّكَاةِ فَأَعْتَقَهُ فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ لَا يُجْزِئُ وَيُرَدُّ وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُجْزِئُهُ ص (وَإِنْ اشْتَرَطَهُ لَهُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعِتْقَ صَحِيحٌ وَلَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُجْزِئُهُ وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَقَالَ: وَمَنْ اشْتَرَى رَقَبَةً مِنْ زَكَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: هِيَ حُرَّةٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَاؤُهَا لِي كَانَ وَلَاؤُهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ: حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ وَاخْتَارَ الْإِجْزَاءَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ يَمْلِكُهُ، فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُجْزِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، انْتَهَى.
ص (أَوْ فَكَّ أَسِيرًا)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ قَائِلًا: هُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ فَكِّ الرِّقَابِ الَّتِي بِأَيْدِينَا، وَوَافَقَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَخْرَجَهَا فَأُسِرَ قَبْلَ صَرْفِهَا جَازَ فِدَاؤُهُ بِهَا، وَلَوْ افْتَقَرَ لَمْ يُعْطِهَا وَفَرَّقَ بِعَوْدِهَا لَهُ وَفِي الْفِدَاءِ لِغَيْرِهِ، قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَارِثٍ لَوْ أُطْلِقَ أَسِيرٌ بِفِدَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ أُعْطِيَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ قَدَّاحٍ: أَمَّا إنْ قَاطَعَ الْأَسِيرُ عَلَى نَفْسِهِ وَخَرَجَ إلَى أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، انْتَهَى.، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ وَطَلَبَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ أَنَّهُ يُعْطَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ ابْنِ عَرَفَةَ وَمِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ غَارِمٌ.
[فَرْعٌ صَرْف الزَّكَاةِ فِي كفن مَيِّت أَوْ بِنَاء مَسْجِد أَوْ لِكَافِرِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا تُصْرَفُ فِي كَفَنِ مَيِّتٍ وَلَا بِنَاءِ مَسْجِدٍ وَلَا لِعَبْدٍ وَلَا لِكَافِرٍ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ صَرْفَهَا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُوصَفُ بِالْفَقْرِ وَلَا بِالْغِنَى وَلَا تُصْرَفُ لِقَاضٍ وَلَا لِإِمَامِ مَسْجِدٍ وَلَا لِفَقِيهٍ وَلَا لِغَازٍ؛ لِأَنَّ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ
بَيْتِ الْمَالِ يَجُوزُ صَرْفُهَا لَهُمْ، انْتَهَى.
ص (يُحْبَسُ فِيهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّرْحِ الْأَصْغَرِ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَا يُحْبَسُ فِيهِ كَدَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: فَلَا يُعْطَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَلَدِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَحْبِسُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحْبَسَ فِيهِ خَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ، وَإِنْ أَرَادَ يُحْبَسُ بِالْفِعْلِ خَرَجَ مَنْ ثَبَتَ عَدَمُهُ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: إنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ لَا يُحْبَسُ فِيهِ مَعَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ عُرِفَ بِمَنْعِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَالٌ حُبِسَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْغَارِمِينَ الْمُصَادَرُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْغَارِمِينَ الْمُصَادَرُ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُعْطَى؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْحَالُ هَذِهِ لِلسُّلْطَانِ لَا لَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ لِلْأَسِيرِ لِلْكُفَّارِ لَا لَهُ، وَفِي الْوَجْهَيْنِ تَخْلِيصٌ مِنْ الْأَسْرِ وَالظُّلْمِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمُصَادَرُ مُسْتَمِرَّ الْعُقُوبَةِ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَارِمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَآلَتُهُ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَفِي صُلْحِ الْعَدُوِّ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَالشَّيْخُ بَهْرَامُ وَالشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَغَرِيبٌ مُحْتَاجٌ لِمَا يُوصِلُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ)
ش: هَذَا هُوَ الصِّنْفُ الثَّامِنُ وَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ الْغَرِيبُ الْمُحْتَاجُ لِمَا يُوصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ إذَا كَانَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، يُرِيدُ: وَلَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا لَا يُنْزَعُ مِنْهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُعْطَى مِنْهَا الْغَازِي وَابْنُ السَّبِيلِ، وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ بِمَوْضِعِهِمَا وَمَعَهُمَا مَا يَكْفِيهِمَا، وَلَا أُحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَقْبَلَا ذَلِكَ فَإِنْ قَبِلَا فَلَا بَأْسَ، قَالَ أَصْبَغُ: أَمَّا الْغَازِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ مَلِيًّا وَهُوَ لَهُ فَرْضٌ، وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَلَا يُعْطَى إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُعَدُّ مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الَّذِي فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، وَقَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَتَحَمَّلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ غَزْوٍ وَلَا تِجَارَةٍ فَهُوَ ابْنُ السَّبِيلِ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى.
ص (وَإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَنْ أَخَذَ زَكَاةً لِفَقْرِهِ لَمْ يَرُدَّهَا إنْ اسْتَغْنَى قَبْلَ إنْفَاقِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْغَازِيَ وَابْنَ السَّبِيلِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِيهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يَسُوغُ لَهُ لِفَقْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَ سَبِيلٍ، قَالَ: وَفِي الْغَازِي - يَأْخُذُ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ ثُمَّ يَسْتَغْنِي قَبْلَ أَدَائِهِ - إشْكَالٌ، وَلَوْ قِيلَ " يُنْزَعُ مِنْهُ " لَكَانَ وَجْهًا، انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَجْزَأَهُ أَنْ يَجْعَلَ زَكَاتَهُ فِيهِمْ، وَإِنْ وَجَدَ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا آثَرَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قِسْمٌ مُسَمًّى، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ الْإِعْطَاءُ لَهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ وَجَدَ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا أَجْزَأَهُ صِنْفٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ إذَا وُجِدُوا وَاسْتَحَبَّهُ أَشْهَبُ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مَصَالِحِ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا يُرْجَى مِنْ بَرَكَةِ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَقَةِ وَلِيٍّ فِيهِمْ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ اسْتِيعَابِ آحَادِهِمْ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَمَّا إجْزَاؤُهَا إذَا دُفِعَتْ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ أَوْ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ فَفِيهِ الِاضْطِرَابُ الْمَعْلُومُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاَلَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ هُوَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْهُ إنَّ دَفْعَهَا إلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنْ الصِّنْفِ كَدَفْعِهَا إلَى الصِّنْفِ فِي جَرْيِ الْخِلَافِ فِيهِ فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ فِيهِ الْإِجْزَاءَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُبْدَأُ فِي الزَّكَاةِ بِأَجْرِ الْعَامِلِينَ ثُمَّ بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ سَدَّ خَلَّةِ الْمُؤْمِنِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ أَنْ لَا تُصْرَفَ زَكَاتُهُمْ لِغَيْرِ الْفُقَرَاءِ إلَّا بَعْدَ سَدِّ خَلَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ صَرْفَهَا إلَى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُسَاوَاةَ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الْعَامِ التَّالِي، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤَلَّفَةٌ بَدَأَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَهُمْ مِنْ النَّارِ بِإِدْخَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ تَثَبُّتَهُمْ عَلَيْهِ إنْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إطْعَامِ فَقِيرٍ، وَقَدْ يُبْدَأُ بِالْغَزْوِ إذَا خَشِيَ عَلَى النَّاسِ، وَيَبْدَأُ بِابْنِ السَّبِيل عَلَى الْفَقِيرِ إذَا كَانَ يُدْرِكُهُ فِي بَقَائِهِ وَتَأَخُّرِهِ ضَرَرٌ، وَالْفَقِيرُ فِي وَطَنِهِ أَقَلُّ ضَرَرًا، انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَصَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ الْحُكْمُ الثَّانِي: التَّرْتِيبُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ مَا هُوَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ " وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ " وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّخْمِيُّ تَبْدِئَةَ الْمَسَاكِينِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْوَجُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحْوَجَ مُقَدَّمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا رُتْبَةَ الْغَارِمِينَ.
(الثَّالِثُ) قَالَ سَنَدٌ: إنْ اسْتَوَتْ الْحَاجَةُ، قَالَ مَالِكٌ: يُؤْثَرُ الْأَدْيَنُ وَلَا يُحْرَمُ غَيْرُهُ، وَكَانَ عُمَرُ يُؤْثِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَيَقُولُ: الْفَضَائِلُ الدِّينِيَّةُ لَهَا أُجُورٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُؤْثِرُ بِسَابِقَةِ الْإِسْلَامِ وَالْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ؛ لِأَنَّ إقَامَةِ بِنْيَةِ الْأَبْرَارِ أَفْضَلُ مِنْ إقَامَةِ بِنِيَّةِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بَقَائِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُمَرَيْنِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
عَكْسُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَقَسَمْت ذَلِكَ قَسْمًا وَاحِدًا، وَلَئِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأُلْحِقَنَّ الْأَسْفَلَ بِالْأَعْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) أَطْلَقَ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ دَفْعَهَا لِصِنْفٍ مُجْزِئٌ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَيَّدَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ بِمَا عَدَا الْعَامِلَ، قَالَ: إذْ لَا مَعْنَى لِدَفْعِهَا جَمِيعِهَا لَهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ، وَأَمَّا إنَّ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ وَجَاءَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إعْطَاؤُهُ الْجَمِيعَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاجِيِّ ثُمَّ ذَكَرَهُ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ: الْإِشْكَالُ فِي تَبْدِئَةِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَصِّلُ لَهَا فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ وَجَاءَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مِقْدَارَ أُجْرَتِهِ لَأَخَذَهُ جَمِيعَهُ وَلَا شَيْءَ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ: وَصَرْفُهَا فِي أَحَدِهَا غَيْرَ الْعَامِلِ مُجْزِئٌ، انْتَهَى.
وَيُقَيَّدُ بِمَا، قَالَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَوْ دُفِعَتْ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا تُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْرَ عَمَلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَالِاسْتِنَابَةُ، وَقَدْ تَجِبُ) ش، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَلِيَ أَحَدٌ تَفْرِقَةَ صَدَقَةِ مَالِهِ خَوْفَ الْمَحْمَدَةِ وَالثَّنَاءِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ وَلَكِنْ يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَى رَجُلٍ يَثِقُ بِهِ فَيُقَسِّمَهُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: لَا أُحِبُّ، وَهَذَا بَيِّنٌ أَنْ لَا يُعْجِبَنِي عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهَةِ وَأَرَادَ خَوْفَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ، وَلَوْ جَزَمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْمَحْمَدَةَ لَصَرَّحَ بِالْمَنْعِ، وَلَوْ جَزَمَ أَنَّهُ يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ لَصَرَّحَ بِالْجَوَازِ، انْتَهَى.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا وَمَصْرِفِهَا وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ أَوْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ: مِنْ آدَابِ الزَّكَاةِ أَنْ يَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، قَالَ، وَقَدْ قِيلَ: الْإِظْهَارُ فِي الْفَرَائِضِ أَفْضَلُ، قَالَ شَارِحُهُ: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ أَنَّ إعْلَانَ صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ إسْرَارِهَا، وَأَنَّ الْإِسْرَارَ بِصَدَقَةِ النَّوَافِلِ أَفْضَلُ مِنْ إعْلَانِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ وَغَيْرِهِ خِلَافًا فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ لَكِنْ ضَعَّفَ الْقَوْلَ بِإِسْرَارِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا بَدَأَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوحُ الْمَطْعُونُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْقُرْطُبِيَّةِ: فَأَمَّا سَتْرُهَا فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ الرِّيَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ تَرْكَهَا فَيُسْتَحَبُّ الْإِظْهَارُ لِلِاقْتِدَاءِ، انْتَهَى.
وَهَذَا عَكْسُ مَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى مَا نَقَلَ الْقَبَّابُ فَإِنَّهُ قَالَ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا وَصَارَ إخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ، انْتَهَى.
وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَمَنْ أَيْقَنَ بِسَلَامَتِهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَحَسُنَ قَصْدُهُ فِي الْإِظْهَارِ اُسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ خَوْفُ الرِّيَاءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْإِسْرَارُ وَمَنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْفَاءُ وَالِاسْتِنَابَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) عَنْ عِيَاضٍ فِي آدَابِهَا أَيْضًا دَفْعُهَا بِالْيَمِينِ، وَقَالَ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَدِّقِ وَالْإِمَامِ الدُّعَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى دَافِعِهَا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْقُرْطُبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى السَّاعِي الدُّعَاءُ لِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ الصَّدَقَةَ خِلَافًا لِدَاوُدَ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ، انْتَهَى.
وَفِي الْجَوَاهِرِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى نَائِبِهِ أَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ إذَا أَخَذَهَا مِنْهُ لَكِنْ يُنْدَبُ إلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، لَمَّا أَنْ «قَالَ الْأَعْرَابِيُّ لِرَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْت» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ الْأَعْرَابِ الْجُفَاةِ الَّذِينَ لَا يَدْرُونَ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ: إنَّ مَنْ تَوَلَّى تَفْرِيقَ الصَّدَقَاتِ لَمْ يَعْدَمْ مَنْ يَلُومُهُ، قَالَ
وَقَدْ كُنْتُ أَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِي فَأُوذِيت فَتَرَكْت ذَلِكَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَصْرِفِ الزَّكَاةِ: مَنْ دُفِعَتْ إلَيْهِ زَكَاةٌ لِيُفَرِّقَهَا فِي أَهْلِهَا، وَكَانَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْطَى مَالًا فِي خُرُوجِهِ لِحَجٍّ أَوْ غَزْوٍ لِيَصْرِفَهُ عَلَى مَنْ قَطَعَ بِهِ فَقَطَعَ بِهِ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ قَائِمَةٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ نَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ الثَّانِي فِيمَنْ بُعِثَ مَعَهُ جَزَاءٌ أَوْ فِدْيَةٌ أَوْ جَزَاءُ صَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِسْكِينًا فَجَائِزٌ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي شَرْحِهِ: وَنَظِيرُهُ الْكَفَّارَةُ وَالزَّكَاةُ تُدْفَعُ لِبَعْضِ الْمَسَاكِينِ يُفَرِّقُهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْهَا بِالْعَدْلِ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أُعْطِيت لَهُ صَدَقَةٌ يُفَرِّقُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ حَظِّهِ إذَا كَانَ مِسْكِينًا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا قَوْلَانِ وَسَبَبُهُمَا الْوَكِيلُ، هَلْ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْمَأْمُورُ بِالتَّبْلِيغِ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا؟ وَيَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْعُطَاشِ أَنَّهُ يُشْرَبُ مِنْهُ إنْ عَطِشَ، انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ الْبُرْزُلِيِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ ابْنُ رُشْدٍ أَجَازَ لِمَنْ بُعِثَ مَعَهُ بِمَالٍ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ لِيُفَرِّقَهُ عَلَى الْمُنْقَطِعِينَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إذَا احْتَاجَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنْ لَا يُحَابِيَ نَفْسَهُ فَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِي غَيْرَهُ، وَاسْتُحِبَّ لَهُ إنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، وَاسْتُحِبَّ لَهُ إذَا رَجَعَ أَنْ يُعْلِمَ رَبَّهُ بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُمْضِهِ وَجَبَ غُرْمُهُ لَهُ، وَإِنْ فَاتَ لَمْ يُمْكِنُهُ إعْلَامُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَاشَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ لَهُ الْأَخْذَ ابْتِدَاءً، وَإِنْ قَالَ صَاحِبُهُ: " إنْ احْتَجْت فَخُذْ " جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِاتِّفَاقٍ مِثْلَ مَا يُعْطِي غَيْرَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَرْضَى بِذَلِكَ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ فَكَّ أَسِيرًا أَنَّهُ لَوْ افْتَقَرَ صَاحِبُ الزَّكَاةِ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِإِثْرِ الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ أَعْنِي مَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ فَلَمْ تَنْفُذْ حَتَّى أُسِرَ، فَقَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى مِنْهَا، وَلَوْ افْتَقَرَ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا.
(فَرْعٌ) وَفِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ أَنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا وَرَثَتُهُ إنْ احْتَاجُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَهَلْ يُمْنَعُ إعْطَاءُ زَوْجَةٍ زَوْجَهَا أَوْ يُكْرَهُ تَأْوِيلَانِ) ش تَصَوُّرُ التَّأْوِيلَيْنِ وَاضِحٌ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا أَعْطَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ جَازَ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ لَا تَعُودُ لِلْمُعْطِي، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ إثْرَ نَقْلِهِ هَذَا وَفِي التَّبْصِرَةِ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَخْرَجَ مِنْ زَكَاتِهِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَ أَبِيهِ، وَأَبُوهُ فَقِيرٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْمُعْطِي، انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالتَّبْصِرَةِ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي اللَّخْمِيّ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ زَكَاتَهُ لِأَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ، وَذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيّ الْمُتَقَدِّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ)
ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَفِي تَرْجَمَةِ قَدْرِ مَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ النَّفَرُ فِي الدِّينَارِ أَوْ يَصْرِفَهُ دَرَاهِمَ إذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ كَثِيرَةً، وَإِنْ زَكَّى دَرَاهِمَ فَلَا يَصْرِفْ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا دَنَانِيرَ وَلَا يَصْرِفْهَا بِفُلُوسٍ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ لِيَعُمَّهُمْ وَلَكِنْ لِيَجْمَعَ النَّفَرُ فِي الدِّرْهَمِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ صَرَفَهَا فُلُوسًا وَأَخْرَجَهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَأَجْزَأهُ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ " فِي الذَّهَبِ " عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ، وَقَوْلُهُ " فِي الْفُلُوسِ " عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَتْهُ كَمَا شَهَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَنَقْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي مِنْ أَنَّ الْقِيمَةَ لَا تُجْزِئُ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا أَوْ بِقِيمَةٍ لَمْ
تَجُزْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا)
ش: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلصَّرْفِ الْأَوَّلِ أَوْ أَنْقَصَ أَوْ أَزْيَدَ
ص (بِقِيمَةِ السِّكَّةِ)
ش: يَعْنِي إذَا أَخْرَجَ ذَهَبًا عَنْ وَرِقٍ مَسْكُوكٍ أَوْ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ مَسْكُوكٍ فَإِنَّ قِيمَةَ السِّكَّةِ مُعْتَبَرَةٌ اتِّفَاقًا ص (وَلَوْ اتَّحَدَ نَوْعٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ إخْرَاجَ قِيمَةِ السِّكَّةِ مُعْتَبَرَةٌ وَلَوْ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمُخْرِجِ وَالْمُخْرَجِ مِنْهُ ص (لَا صِيَاغَةَ فِيهِ) ش، يَعْنِي لَا بِقِيمَةِ الصِّيَاغَةِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ
ص (وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ)
ش: يَعْنِي وَفِي اعْتِبَارِ قِيمَةِ الصِّيَاغَةِ فِي غَيْرِ النَّوْعِ تَرَدُّدٌ، هَذَا حِلُّ كَلَامِهِ الَّذِي يُسَاعِدُهُ كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ وَجَبَ جُزْءُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَأَخْرَجَ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى بِالْقِيمَةِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا وَجَبَ جُزْءُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَأَخْرَجَ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى بِالْقِيمَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِيهِ قَوْلَانِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَقَبِلَهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ جَوَازَ إخْرَاجِ أَدْنَى أَوْ أَعْلَى بِالْقِيمَةِ لَا أَعْرِفُهُ، بَلْ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُخْرِجُ عَنْ رَدِّ قِيمَتِهِ مِنْ نَوْعِهِ جَيِّدًا بَلْ قِيمَةُ رَدِيءِ الذَّهَبِ فِضَّةٌ وَعَكْسُهُ أَوْ مِنْهُ، انْتَهَى.
[الثَّانِي إخْرَاجُ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ عَنْ الْوَرَقِ أَوْ الذَّهَبِ فِي الزَّكَاةِ]
الثَّانِي) لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ عَنْ الْوَرَقِ أَوْ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا ابْتِدَاءً فَلَوْ أَخْرَجَ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا رَجَعَ عَلَى الْفَقِيرِ بِهِ وَدَفَعَ لَهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ فَاتَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ إذَا أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ زَكَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ لَمْ يَرْجِعْ مُطْلَقًا فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ قَالَهُ مَالِكٌ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ يُونُسَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُمَا عَنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ وَقَعَ فَالْمَشْهُورُ لَا يُجْزِئُ ابْنُ حَارِثٍ، قَالَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ أَعْطَى عَرَضًا أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
وَأَعَادَهُ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ بِلَفْظِهِ وَفِي إجْزَاءِ عَرَضٍ عَنْ عَيْنٍ كَقِيمَتِهِ نَقَلَا ابْنُ حَارِثٍ عَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
[الثَّالِث وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَاشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ]
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَاشْتَرَى بِهَا ثِيَابًا أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُجْزِئُهُ قُلْت: أَجْزَأَهَا عَلِيٌّ لَوْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدَهُ لِأَنَّ يَدَ وَكِيلِهِ كَيَدِهِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ - فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لِلْفُقَرَاءِ - جَوَازَهُ بَلْ هُوَ مُحْسِنٌ ص (لَا كَسْرُ مَسْكُوكٍ) ش: إنَّمَا لَمْ يَجُزْ كَسْرُ الْمَسْكُوكِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ رُبَاعِيًّا، أَمَّا الْكَامِلُ فَبِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا الرُّبَاعِيُّ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَكَأَنَّهُ رَجَّحَ الْمَنْعَ فِي تَوْضِيحِهِ وَاحْتَرَزَ بِالْمَسْكُوكِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَهُ إخْرَاجُ زَكَاةِ حُلِيِّ التَّجْرِ مِنْهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا كَرَاهَةَ فِي قَطْعِهِ قُلْت إنْ كَانَ فِيهِ فَسَادٌ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ أَنْ يَنْوِيَهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا يُعْطَى وَقْتَ الدِّرَاسِ أَوْ الْجِذَاذِ لِبَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَغَيْرِ إذْنِهِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) لَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفِرْقِ الْحَادِي وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى صِحَّةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ كَدَفْعِ الْمَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَدَفْعِ النَّفَقَاتِ لِلزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ، وَقِسْمٌ اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ وَالْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ، هَلْ يُجْزِئُ فِعْلُ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ وَيَسُدُّ الْمَسَدَّ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى - الزَّكَاةُ فَإِنْ أَخْرَجَهَا أَحَدٌ بِغَيْرِ عِلْمِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَغَيْرِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ يَذْبَحُهَا غَيْرُ رَبِّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَإِذْنِهِ إنْ كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ صَدِيقَهُ، وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ لِتَمَكُّنِ الصَّدَاقَةِ بَيْنَهُمَا أَجْزَأَتْ الْأُضْحِيَّةُ إنْ كَانَ مُخْرِجُ الزَّكَاةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّ الزَّكَاةَ مُجْزِئَةٌ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا لِافْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَجْلِ شَائِبَةِ الْعِبَادَةِ
وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ فِعْلُ الْغَيْرِ مُطْلَقًا كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ - أَعْنِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ - قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَاسَهُ عَلَى الدُّيُون، وَاسْتَدَلَّ بِأَخْذِ الْإِمَامِ لَهَا كُرْهًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَبِاشْتِرَاطِهَا، قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا فِي نُصُبِهَا وَالْوَاجِبِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَلَا يُقَالُ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالزَّكَاةِ: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ تَعَيَّنَتْ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّذْرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ لَمَّا إنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْأَشْيَاءِ
الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْوَكَالَةُ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا مِنْ مَالِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ وَمِنْ مَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْقُرُبَاتِ فَهِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، وَقَدْ اسْتَنَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا عَلَى نَحْرِ الْبُدْنِ وَنَحْرُهَا قُرْبَةٌ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ شَيْئًا " مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الفرع الثَّانِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي مَالِهِ فَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ سَنَدٌ لَوْ تَصَدَّقَ بِجُمْلَةِ مَالِهِ فَإِنْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ وَمَا زَادَ تَطَوُّعٌ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَمْ يَبْعُدْ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ بِمَا لَوْ صَلَّى أَلْفَ رَكْعَةٍ يَنْوِي اثْنَيْنِ لِلصُّبْحِ وَالْبَقِيَّةَ لِلنَّفْلِ بِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، انْتَهَى.
وَلَفْظُ سَنَدٍ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي مَالِهِ فَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ فَإِنْ نَوَى أَدَاءَ زَكَاتِهِ وَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ أَجْزَأَهُ وَلَهُ الْفَضْلُ، كَمَنْ أَطْعَمَ فِي كَفَّارَتِهِ مِائَةَ مِسْكِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِشَيْءٍ مِنْهُ الزَّكَاةَ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُجْزِئُهُ وَاعْتَلُّوا بِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ فِعْلُ الْفَرْضِ وَهُوَ لَمْ يَنْوِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى مِائَةَ رَكْعَةٍ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضٍ وَلَا يَسْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بَلْ تَعَدَّى تَصَرُّفُهُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ، انْتَهَى، فَتَأَمَّلْ آخِرَ كَلَامِ سَنَدٍ مَعَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَحْوُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ بَعْضِ الْإِفْرِيقِيِّينَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ حَائِطَهُ بَعْدَ الْخَرْصِ لِلْمَسَاكِينِ عَنْ تَبَعَاتِهِ وَلَيْسَتْ التَّبَعَاتُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَنَوَى دُخُولَ الزَّكَاةِ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ
[الفرع الثَّالِث عَزَلَ زَكَاتَهُ بَعْدَ وَزْنِهَا لِلْمَسَاكِينِ وَدَفَعَهَا لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ]
(الثَّالِثُ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَّةِ فِي الْبَابِ السَّابِعِ: قَالَ سَنَدٌ: لَوْ عَزَلَ زَكَاتَهُ بَعْدَ وَزْنِهَا لِلْمَسَاكِينِ وَدَفَعَهَا لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَجْزَأَهُ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ الْأُولَى الْفِعْلِيَّةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ سَنَدٌ: وَيَنْوِي الْمُزَكِّي إخْرَاجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ، وَلَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ أَجْزَأَهُ وَتَجِبُ بِالتَّعْيِينِ فَلَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ عَزْلِهَا أَجْزَأَتْ، وَإِذَا عَيَّنَهَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَ دَفْعِهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا وَيَعْزِلْهَا عَنْ مِلْكِهِ وَجَبَتْ النِّيَّةُ عِنْدَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الدَّفْعِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ دَفْعِ الْوَدَائِعِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى.
وَلَفْظُ سَنَدٍ: وَالنِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ فَيَنْوِي إخْرَاجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ أَجْزَأَهُ وَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَعْيِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى إخْرَاجِهَا وَدَفْعِهَا فَتَعَيَّنَتْ بِتَعْيِينِهِ كَالْإِمَامِ فَإِذَا قُلْنَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ فَسَوَاءٌ نَوَى عِنْدَ دَفْعِهَا لِلْمَسَاكِينِ أَنَّهَا زَكَاةٌ أَوْ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمَّا تَعَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ نِيَّةٌ عِنْدَ تَسْلِيمِهِ كَمَا فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالرَّهْنِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الزَّكَاةَ أَوْ يَعْزِلْهَا عَنْ مَالِهِ وَجَبَ مُرَاعَاةُ النِّيَّةِ عِنْدَ أَدَائِهَا؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَالِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، وَقَدْ يَكُونُ تَطَوُّعًا وَقَدْ يَكُونُ وَدِيعَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهَى.
ص (وَتَفْرِقَتُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ يَجِبُ أَنْ تُفَرَّقَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ أَوْ قُرْبَهُ كَمَا لَوْ كَانَ زَرْعُهُ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ الْبَلَدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَاضِرَةِ، اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ، وَانْظُرْ فَرْضَ الْعَيْنِ لِابْنِ جَمَاعَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُ عَلَى نَقْلِهَا مِنْهَا، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَانْظُرْهُ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَادِمُونَ إلَى بَلَدٍ هَلْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ]
(مَسْأَلَةٌ) وَسَأَلَ السُّيُورِيُّ عَنْ قَادِمِينَ إلَى بَلَدٍ، هَلْ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ كَمَا يُعْطَى فُقَرَاءُ الْبَلَدِ أَوْ يُخَصُّ بِهَا أَهْلُ الْبَلَدِ؟ فَأَجَابَ: أَهْلُ بَلَدِهِمْ هُمْ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ الْبُرْزُلِيُّ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الشُّيُوخِ يَقُولُ: يُعْطَوْنَ كَأَهْلِ الْبَلَدِ، وَبَعْضُهُمْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَر يُعْطَى، وَالْمُخْتَارُ لَا يُعْطَى وَيُجْرِيهَا عَلَى مَسْأَلَةِ قُرْطُبَةَ إذَا حَبَسَ عَلَى مَرَضَاهَا، هَلْ يُعْطَى مِنْهَا مَنْ أَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ أَمْ لَا؟ وَالصَّوَابُ الْإِعْطَاءُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ أَهْلِهَا
أَوْ ابْنُ السَّبِيلِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حَقٌّ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، انْتَهَى.
مِنْ الْبُرْزُلِيِّ.
ص (كَعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مَسْأَلَةٌ إذَا فَاضَ الْمَالُ، وَلَمْ يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهُ بَعْدَ نُزُولِ السَّيِّدِ عِيسَى، قَالَ الْأَبِيُّ: قَالَ الشَّيْخُ - يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ إذَا أَفْضَى الْحَالُ فِي الْمَالِ إلَى أَنْ لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْإِنْسَانُ مَنْ يَسْتَأْجِرُ لِعَمَلِهِ عَمِلَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ عَجَزَ وَجَبَتْ إعَانَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَاسَاةَ كَمَا تَجِبُ بِالْمَالِ تَجِبُ بِالنُّفُوسِ الْأَبِيُّ، وَمَا تَقَدَّمَ لِلنَّوَوِيِّ مِنْ نَسْخِ الْجِزْيَةِ حِينَئِذٍ لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ وَهُوَ فِي الزَّكَاةِ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِإِرْفَاقِ الضُّعَفَاءِ.
(فَإِنْ قُلْت) : إنَّمَا أَسْقَطَ قَبُولُ الْجِزْيَةِ نَسْخَهَا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ قُلْت: وَهَذِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ «وَلَتَتْرُكَنَّ الْقِلَاصَ فَلَا يَسْعَى عَلَيْهَا أَحَدٌ» انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ عِيَاضٍ: إنَّهُ لَا بَيْعَةَ لِأَخِذِ زَكَاتِهَا سُعَاةٌ زَهَادَةً فِيهَا لِفَيْضِ الْمَالِ مَعَ أَنَّهَا أَنْفَسُ مَالِ الْعَرَبِ، وَالْقِلَاصُ جَمْعُ قَلُوصٍ وَهِيَ مِنْ الْإِبِلِ كَالْفَتَاةِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْحَدَثِ مِنْ الرِّجَالِ، انْتَهَى.
ص (وَإِنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا قَبْلَ الْقَبْضِ إلَخْ)
ش: ذَكَر - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَبْعَ مَسَائِلَ لَا تُجْزِئُ فِيهَا الزَّكَاةُ: (الْأُولَى) إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ الْمُعَشَّرَاتِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَدَّمَ زَكَاةَ زَرْعِهِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِيهِ يُرِيدُ إذَا قَدَّمَهَا قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ: وَهَذَا خَاصٌّ بِالْحَيَوَانِ وَالْعَيْنِ، وَأَمَّا الزَّرْعُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ بَعْدُ، نَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، انْتَهَى.
قُلْت: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ فَقَالَ فِي تَبْصِرَتِهِ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ: وَهَذَا فِي الْعَيْنِ وَلَا يَصِحُّ فِي زَكَاةِ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ عَمَّا لَمْ يَمْلِكْ بَعْدُ وَلَا يَدْرِي مَا قَدْرُهُ، وَيَجُوزُ فِي الْمَوَاشِي إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سُعَاةٌ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ فِي الْعَيْنِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي تَعْجِيلِ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ.
(فَرْعٌ) أَمَّا إذَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَهُوَ إفْرَاكُ الْحَبِّ وَطِيبُ الثِّمَارِ وَقَبْلَ الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ فَإِنَّهَا تُجْزِيهِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ زَرْعِهِ قَبْلَ حَصَادِهِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي سُنْبُلِهِ، قَالَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ: يُجْزِيهِ وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ يَقُولُ: لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُلْجِئَهُ السَّاعِي إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ فَعَلَ جَازَ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ وَجَبَتْ بِطِيبِ الزَّرْعِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ " وَالْوُجُوبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ " مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا قَبْلَ الْقَبْضِ " يَعْنِي أَنَّ مَنْ زَكَّى دَيْنًا قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا زَكَّى عَنْ ثَمَنِ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يُجْزِهِ، قَالَ بَهْرَامُ فِي الْأَوْسَطِ: قَوْلُهُ " قَبْلَ الْقَبْضِ " أَيْ قَبْضِ الدَّيْنِ وَقَبْضِ ثَمَنِ الْعَرْضِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: " قَبْلَ الْقَبْضِ " ظَرْفٌ لَهُمَا، وَالْمُرَادُ فِي الْعَرْضِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ سَنَدٌ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ لَمَّا احْتَجَّ لِمَالِكٍ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُزَكَّى قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ صَدَقَتِهِ إلَّا دَيْنًا يَقْطَعُ بِهِ لِمَنْ يَلِي ذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَخْرُجَ زَكَاةُ كُلِّ مَالٍ مِنْهُ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ أَيْضًا فِي عَرْضِ التِّجَارَةِ أَنَّهُ لَا يُزَكَّى حَتَّى يُبَاعَ وَيُقْبَضَ ثَمَنُهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ أَيْضًا إنْ ابْتَاعَ الْعَرْضَ بِثَمَنٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى أَخَذَ بِهِ عَرْضًا لَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ دَيْنًا فَمَا لَمْ يَنِضَّ فَهُوَ كَالْعَرَضِ فَكَأَنَّهُ ابْتَاعَ بِعَرَضٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ أَخَذَ بِالْمِائَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا ثَوْبًا، وَذَكَرَ أَنَّهَا مُعَارِضَةٌ لِمَسْأَلَةِ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، قَالَ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَبْضَ الْحِسِّيَّ هُنَا مَطْلُوبٌ وَعَدَمَهُ مُؤْثَرٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ قَبْضِهِ عَرَضٌ مَبِيعٌ بِعَرْضٍ، انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الثَّمَنَ لَا يُزَكَّى حَتَّى يُقْبَضَ، وَأَنَّهُ إنْ زَكَّاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَهُوَ دَيْنٌ وَالدَّيْنُ لَا يُزَكَّى قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ زَكَاةِ الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ عَيْنًا أَوْ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَلَيْسَ لَهُ صُورَةٌ إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْعَرْضَ، وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا فِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ فِي
الْكِتَابِ: إذَا بَاعَ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يُزَكِّي حِينَئِذٍ بَعْدَ الْقَبْضِ، انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ أَيْضًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سِلْعَةٌ لِلتِّجَارَةِ فَبَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِمِائَةِ دِينَارٍ إذَا قَبَضَ الْمِائَةَ دِينَارٍ زَكَّاهَا مَكَانَهُ، ثُمَّ قَالَ - فَرْعٌ - فَلَوْ بَاعَهَا بِمِائَةٍ إلَّا أَنَّهُ أَخَذَ بِهَا عَرَضًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُزَكَّى وَالْعَرْضَ لَا يُزَكَّى فَإِنْ بَاعَ الْعَرَضَ بِأَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَمَ أُمُورٌ مُتَوَهَّمَةٌ وَالْبَيْعُ يُحَقِّقُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (أَوْ نُقِلَتْ لِدُونِهِمْ)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: تَقَدَّمَ لِلْبَاجِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا دُونَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، انْتَهَى.
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَقْلِ الزَّكَاةِ الْبَاجِيُّ، وَهَذَا إذَا نَقَلَ ذَلِكَ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا دُونَهُمْ فَهُمْ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي مُسَمَّى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي قَوْلِهِ " وَتَفْرِقَتُهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبَهُ " وَانْظُرْ الْبَيَانَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَانْظُرْ النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
ص (أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ فِي أَوَّلِ الْوَرَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْحَبْسِ: وَأَمَّا الَّذِي زَكَّى مَالَ يَتِيمَةٍ ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا صَنَعَ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَعَبَّدَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ إذَا أَعْطَى زَكَاتَهُ لِغَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَجْزَأَتْهُ زَكَاتُهُ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُسْتَرَدَّ مِنْ عِنْدِهِ إذَا عَلِمَ بِهِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ دَفَعَهَا لِشَخْصٍ يَظُنُّهُ غَنِيًّا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَقِيرٌ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ إلَّا أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ آثَمُ، انْتَهَى.
مِنْ عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَانْظُرْ الذَّخِيرَةَ
ص (أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا) ش، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ جَائِرًا فِيهَا لَمْ يُجْزِهِ
دَفْعُهَا إلَيْهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ جَائِرًا فِي تَفْرِقَتِهَا وَصَرْفِهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا لَمْ يُجْزِهِ دَفْعُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ، وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ جَحْدُهَا وَالْهُرُوبُ فِيهَا مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ جَوْرُهُ فِي أَخْذِهَا لَا فِي تَفْرِقَتِهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يُجْزِيهِ ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ دَفْعِهَا إلَيْهِ، انْتَهَى.
ص (لَا إنْ أُكْرِهَ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ أَجْبَرَهُ أَجْزَأَ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ جَائِرًا أَوْ أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهَا، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: فَإِنْ عَدَلَ فِي صَرْفِهَا أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ فَفِي إجْزَائِهَا قَوْلَانِ، وَعَيَّنَ الْمُصَنِّفُ الْمَشْهُورَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ، وَهَذَا بَيِّنٌ إذَا أَخَذَهَا أَوَّلًا لِيَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ فَلَا، انْتَهَى، وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَهَذَا إنْ صَحَّ فَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى مَا إذَا أَخَذَهَا لِيَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَمَّا إذَا كَانَ أَخْذُهُ أَوَّلًا إنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا يُعْلَمُ قَطْعًا مِنْ بَعْضِهِمْ وَكَمَا فِي عَامَّةِ أَعْرَابِ بِلَادِنَا فَلَا يَتَمَشَّى ذَلِكَ فِيهِمْ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ، وَلَوْ أَخَذَهَا وَأَكَلَهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ قُدِّمَتْ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ إذَا قُدِّمَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ إذَا قُدِّمَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تُجْزِئُ قَبْلَ مَحِلِّهَا كَالصَّلَاةِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَغَيْرُهُ اسْتِحْسَانٌ، قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَحَمَلَ ابْنُ نَافِعٍ قَوْلَ مَالِكٍ عَلَيْهِ وَهُوَ رَأَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ مَحِلِّهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَا بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا حَتَّى
يُخْرِجَهَا بَعْدَ مَحِلِّهَا، انْتَهَى مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَنْبَغِي إخْرَاجُ زَكَاةِ شَيْءٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ قَبْلَ وُجُوبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ فَيُجْزِئُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ فِيمَا بَعْدُ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ هُنَا لَا يَنْبَغِي هُنَا بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحَوْلِ رَاجِعٌ إلَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَيْنُ وَالْمَاشِيَةُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّسَخِ تَقْيِيدَ التَّقْدِيمِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ فِيمَا بَعْدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ لِعَامٍ أَوْ لِعَامَيْنِ أَوْ فِي الْعَامِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْرُبَ الْحَوْلُ لَمْ يُجْزِهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا قَرُبَ الْحَوْلُ، انْتَهَى.
وَلَا أَعْلَمُ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا قُدِّمَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ.
(الثَّانِي) لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَدَّ الْيَسِيرِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي حَدِّهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ، الثَّانِي - أَنَّهُ الْعَشَرَةُ الْأَيَّامِ وَنَحْوُهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، الثَّالِثُ - أَنَّهُ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، الرَّابِعُ أَنَّهُ الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمَبْسُوطِ، هَكَذَا قَالَ فِي الْبَيَانِ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الرَّابِعُ - أَنَّهُ الشَّهْرَانِ فَمَا دُونَهُمَا وَهُوَ رِوَايَةُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، بَلْ قَالَ فِي قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ إذَا كَانَ مِثْلُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُجْزِئُهُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ عِيَاضٌ، وَزَادَ هُوَ وَاللَّخْمِيُّ خَامِسًا، وَلَمْ يَعْزُوَاهُ وَهُوَ نِصْفُ شَهْرٍ، وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي حَدِّ الْيَسِيرِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا - إنَّهُ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، الثَّانِي - إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُهَا، انْتَهَى.
قُلْت: الْقَوْلُ بِالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ يُشْبِهُ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْيَوْمَانِ وَنَحْوُهُمَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يَنْقُلَا قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ هُوَ الثَّالِثُ، وَجَّهَ صَاحِبُ الطِّرَازِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ حَدَّ الْيَسِيرِ الشَّهْرُ، فَإِنَّهُ إذَا بَقِيَ لِحَوْلِهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَنَحْوُهَا فَقَدْ دَخَلَ شَهْرُ زَكَاتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفُقَرَاءِ حَاجَةٌ مُفْدَحَةٌ فَيُتَسَامَحُ فِي إخْرَاجِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِلْفُقَرَاءِ وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ الشَّرِيفُ الْفَاسِيُّ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ فَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْمُخْتَصَرِ كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ قُدِّمَتْ بِ كَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ لَأَفَادَ الْمَسْأَلَتَيْنِ - أَعْنِي التَّقْيِيدَ بِالْيَسِيرِ وَتَحْدِيدَهُ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَاشِيَةِ مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سُعَاةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّاعِي يَخْرُجُ وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ مِمَّنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ مَجِيئِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ كَمَالِ الْحَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ هُنَا، فَقَالَ لَمَّا ذَكَرَ التَّقْدِيمَ: وَيَجُوزُ فِي الْمَوَاشِي إذَا لَمْ يَكُنْ سُعَاةٌ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ فِي الْعَيْنِ أَوْ كَانَ سُعَاةٌ عَلَى الْقَوْلِ إنَّهَا تُجْزِئُ إذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ فِي قَوْلِهِ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» ، وَالتَّقْدِيرُ إنْ قُدِّمَتْ إذَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لِلظَّرْفِيَّةِ، أَيْ قُدِّمَتْ فِي زَكَاةِ عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ فَهِيَ ظَرْفٌ لِلتَّقْيِيدِ، ثُمَّ رَأَيْت الْبِسَاطِيَّ " أَنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِجْزَاءِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا فِي الْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ هَارُونَ فِي قَوْلِهِ " الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ " بِأَنَّهُ إنَّمَا نَقَلَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ والتِّلِمْسَانِيُّ
الْخِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَرْكُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى وَأَرَى الشَّهْرَ قَرِيبًا عَلَى زَحْفٍ وَكُرْهٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى زَحْفٍ بِالزَّايِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ اسْتِثْقَالٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَإِنْ ضَاعَ الْمُقَدَّمُ فَعَنْ الْبَاقِي)
ش: يَعْنِي فَإِنْ قَدَّمَ زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَضَاعَ الْمُقَدَّمَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْ الْبَاقِي إنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ قَدَّمَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِكَثِيرٍ أَوْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَقَبِلَهُ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ: إذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، قَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخْرَجَهَا فِيهِ لَأَجْزَأَتْهُ، قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: قِيلَ مَعْنَاهُ تُجْزِئُ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا بِخِلَافِ الْأَيَّامِ، وَذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّهُ مَتَى هَلَكَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ أَنَّهُ يُزَكِّي مَا بَقِيَ إنْ كَانَ فِيهِ زَكَاةٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: كَذَا يَأْتِي عِنْدِي عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ، وَإِنَّمَا تُجْزِئُهُ إذَا أَخْرَجَهَا وَنَقَدَهَا كَالرُّخْصَةِ وَالتَّوْسِعَةِ، فَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ وَلَمْ تَصِلْ إلَى أَهْلِهَا وَلَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا فَإِنَّ ضَمَانَهَا سَاقِطٌ عَنْهُ، وَيُؤَدِّي زَكَاةَ مَا بَقِيَ عِنْدَ حَوْلِهِ إلَّا عَلَى مَا تُؤَوَّلُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، انْتَهَى كَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ
وَقَوْلُهُ " بِخِلَافِ الْأَيَّامِ " أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ فَضَاعَتْ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا إذَا قُدِّمَتْ عَلَى الْحَوْلِ لَا تُجْزِئُ إلَّا بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ فَقَطْ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، أَوْ نَحْوِهِمَا كَالثَّلَاثَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، وَاقْتَصَرَ فِي التَّوْضِيحِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحَوْلِ عَلَى تَقْيِيدِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ، وَذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَتَقْيِيدَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَجَعَلَهُ مُخَالِفًا لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَنَصُّهَا فَصْلٌ فِيمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَفِيهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ فَتَلِفَتْ أَوْ أَخْرَجَهَا فَنَفَّذَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُهَا فِيهِ يُزَكِّي الْبَاقِيَ إنْ كَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَنَصُّهُ: إذَا جُوِّزَ دَفْعُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِنَحْوِ الشَّهْرِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فَدَفَعَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْ عِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ شَاةً عَنْ أَرْبَعِينَ وَبَقِيَ بَقِيَّةُ مَالِهِ بِيَدِهِ حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ زَكَاةً مَفْرُوضَةً أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَكُونُ زَكَاةً، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ تَلِفَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ السَّاعِي قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَضْمَنْهُ عَلَى مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، وَذَلِكَ الْوَقْتُ فِي حُكْمِ وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَقَعُ ذَلِكَ مَوْقِعَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ بَلْ يَقَعُ عَلَى مُرَاعَاةِ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ انْغِلَاقِ الْحَوْلِ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتَلَفُوا إذَا تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَمَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ تَلِفَ
مَالُهُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ قَائِمًا بِيَدِ الْإِمَامِ اسْتَرْجَعَهُ، وَإِنْ وَصَلَ إلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَهَذَا إذَا بَيَّنَ عِنْدَ الدَّفْعِ أَنَّهُ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ تَغَيَّرَ حَالُ الْفَقِيرِ عِنْدَ الْحَوْلِ فَارْتَدَّ أَوْ مَاتَ أَوْ اسْتَغْنَى بِغَيْرِ الزَّكَاةِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا وَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فَإِنْ قَدَّمَهَا لِشَخْصٍ فَقِيرٍ ثُمَّ اسْتَغْنَى عِنْدَ الْحَوْلِ، فَإِنْ كَانَ غِنَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا كَلَامَ فِي الْإِجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَيَتَخَرَّجُ فِيهَا الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا أَعْطَى لِشَخْصٍ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَتَبَيَّنَ غَنِيًّا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأَسْدِيَةِ: يُجْزِئُهُ، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُجْزِئُهُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : الْجَارِي عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهَا زَكَاةٌ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ، وَالْجَارِي عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَنْ يُنْظَرَ إلَى تَغَيُّرِ حَالِ الْمَالِ وَرَبِّهِ وَالْفَقِيرِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الْجَوَاهِرِ بِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّهَا، وَنَصُّهُ: وَلَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِالْمُدَّةِ الْجَائِزَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا ثُمَّ هَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ أَخَذَهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا وَعَلِمَ أَيْ هَلَاكَ النِّصَابِ أَوْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ وَقْتَ الدَّفْعِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ مُعَجَّلَةً ثُمَّ ذَبَحَ شَاةً مِنْ الْأَرْبَعِينَ فَجَاءَ الْحَوْلُ وَلَمْ يَنْجَبِرْ النِّصَابُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ ذَبَحَ نَدَمًا لِيَرْجِعَ فِيمَا عَجَّلَ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِلَفْظِ: لَوْ عَجَّلَ بِالْمُدَّةِ الْجَائِزَةِ فَهَلَكَ النِّصَابُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ أَخَذَهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ كَلَامَ صَاحِبِ الطِّرَازِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ: إذَا قَدَّمَ زَكَاةَ الْعَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْجَائِزِ ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ؛ فِي زَكَاتِهِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَبَيْنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ وَلَوْ قَدَّمَ زَكَاةَ الْغَنَمِ ثُمَّ ذَبَحَ مِنْهَا مَا نَقَصَهَا عَنْ النِّصَابِ لَمْ يَرْجِعْ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ، نَعَمْ لَوْ ضَاعَتْ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ رَجَعَ، انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ بِالزَّمَانِ الْيَسِيرِ وَضَاعَ مَا عَجَّلَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطِّرَازِ وَكَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا أَنَّ الْيَسِيرَ عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيهِ أَوْ لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّف أَنَّهُ مَشَى عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَعَزْلِهَا فَضَاعَتْ)
ش: أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا إذَا عَزَلَهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا فَضَاعَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَجَدَهَا لَزِمَهُ إخْرَاجُهَا، وَلَوْ كَانَ حِينَئِذٍ فَقِيرًا مَدِينًا، انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ
[مسالة لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي]
ص (وَضَمِنَ إنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْحَوْلِ) ش: مَسْأَلَةٌ، قَالَ فِي الْمُعَلِّمِ: لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي
إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، قَالَهُ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُعَلِّمِ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرْهًا، وَإِنْ بِقِتَالٍ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي تَصْدِيقِ مَنْ قَالَ مَا مَعِي قِرَاضٌ أَوْ بِضَاعَةٌ أَوْ عَلَيَّ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَحُلْ حَوْلِي دُونَ يَمِينٍ طُرُقُ اللَّخْمِيّ وَعَبْدِ الْحَقِّ، فِي الْمُتَّهَمِ رِوَايَتَانِ لَهَا وَلِغَيْرِهَا الصَّقَلِّيُّ، ثَالِثُهَا غَيْرُ الْمُتَّهَمِ لَهَا وَلِنَفْلِهِ وَابْنُ مُزَيِّنٍ وَغَيْرُهُمَا، ثَالِثُهَا مُفَسِّرُهُمَا اللَّخْمِيُّ يُسْأَلُ أَهْلُ رُفْقَةِ الْقَادِمِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُكَذِّبٌ صُدِّقَ وَلَا يُصَدَّقُ مُقِيمٌ فِي دَعْوَى حُدُوثِ عِتْقِهِ أَوْ إسْلَامِهِ لِظُهُورِهِ وَيُكْشَفُ فِي دَعْوَى الْقِرَاضِ وَالدَّيْنِ وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى عَدَمِ الْحُلُولِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ كُرْهًا ثُمَّ تَابَ، هَلْ تَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا لِفَقْدِ النِّيَّةِ أَمْ لَا؟ .
ص (وَدُفِعَتْ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ وَأَخَذُوا زَكَاةَ النَّاسِ وَالْجِزْيَةَ أَجْزَأَتْهُمْ الصَّقَلِّيُّ رَوَى مُحَمَّدٌ وَالْمُتَغَلَّبُونَ كَالْخَوَارِجِ (قُلْتُ) : وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ: فِي ذِي أَرْبَعِينَ شَاةً عَشْرَةٌ تَحْتَ كُلِّ أَمِيرٍ بِالْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ إنْ كَانُوا عُدُولًا أَخْبَرَهُمْ وَأَتَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِشَاةٍ لِلْأَمِيرِ رُبْعُهَا فَإِنْ أَخَذَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا أَجْزَأَتْهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ إنْ طَاعَ بِهَا الْخَارِجِيُّ أَجْزَأَهُ التُّونُسِيُّ إنْ طَاعَ لِوَالٍ جَائِرٍ لَا يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا لَمْ تُجْزِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ جَائِرًا فِيهَا لَمْ يُجْزِهِ دَفْعُهَا إلَيْهِ طَوْعًا فَإِنْ أَجْبَرَهُ أَجْزَأَتْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ الْخَوَارِجُ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَجْبَرَهُ أَجْزَأَتْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّ صَحَّ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فَيَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى مَا إذَا أَخَذَهَا لِيَصْرِفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَمَّا إنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا يَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْخَوَارِجِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ كَانُوا يَضَعُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا فَهُمْ أَحَقُّ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَوَارِجِ فَمِنْ الْوُلَاةِ الْمُتَغَلِّبَةِ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ زَكَاةُ الْفِطْرِ]
ص (فَصْلٌ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ) ش لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبْدَانِ، وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِهَا بِسَبَبِ الْفِطْرِ وَيُقَالُ
لَهَا صَدَقَةٌ الْفِطْرِ وَبِهِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ وَكَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَبْدَانِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ فَرْضٌ عَلَى التَّقْدِيرِ أَيْ قُدِّرَ وَهُوَ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ بِوُجُوبِهَا فَاخْتُلِفَ فِي دَلِيلِ الْوُجُوبِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ بِالْقُرْآنِ وَعَلَى وُجُوبِهَا بِالْقُرْآنِ، فَقِيلَ بِعُمُومِ آيَةِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ بِآيَةٍ تَخُصُّهَا وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] أَيْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] أَيْ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَزَكَّى فِي الْآيَةِ أَيْ تَزَكَّى بِالْإِسْلَامِ وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ لِقَوْلِهِ " تَزَكَّى " وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ: زَكَّى، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَمْرٌ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ مَدْحَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ الْمَدْحُ بِالْمَنْدُوبِ، وَإِلَى تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا وَالْقَوْلِ بِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ السُّنَّةُ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " يَجِبُ بِالسُّنَّةِ ".
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا يُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى مَنْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرَجُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرِجُ بِكَسْرِهَا، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ، وَمَنْ تُدْفَعُ إلَيْهِ، وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَمِيعِهَا فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُخْرَجُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ وَنَوْعِهِ فَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى قَدْرِهِ، فَقَالَ: إنَّهُ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ، يَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قَدْرُهُ صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ جُزْءُ صَاعٍ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا الصَّاعُ فَفِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْقَادِرِ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ، وَأَمَّا جُزْءُ الصَّاعِ فَفِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَجِد إلَّا جُزْءَ صَاعٍ، قَالَهُ فِي الطِّرَازِ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ خَرَّجَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، انْتَهَى.
وَحَمَلَ الشَّارِحُ وَالْبِسَاطِيُّ وَالْأَقْفَهْسِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: حَمْلُهُ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ، وَلَوْ أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ لَقَالَ " أَوْ بَعْضُهُ " قُلْت: وَحَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى فَيَكُونُ مُرَادُهُ بَيَانَ قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِ صَاعٍ عَنْ نَفْسِهِ وَبَعْضِ صَاعٍ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِ صَاعٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ صَاعٍ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ.
[الثَّانِي تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا وَاحِدًا أَوْ بَعْضَ صَاعٍ]
(الثَّانِي) إذَا تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا وَاحِدًا أَوْ بَعْضَ صَاعٍ، فَهَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ يُقَدِّمُ بَعْضَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ عَلَى بَعْضٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَاتِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ، وَاخْتُلِفَ، هَلْ تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الِابْنِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَهُمَا سَوَاءٌ عَلَى قَوْلَيْنِ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الثَّالِث قَدْرُ الصَّاعِ]
(الثَّالِثُ) قَدْرُ الصَّاعِ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الرِّطْلِ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: بَحَثْنَا عَنْ مُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ نَقَعْ عَلَى حَقِيقَتِهِ - يَعْنِي حَقِيقَةَ قَدْرِهِ - وَأَحْسَنُ مَا أَخَذْنَاهُ عَنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ قَدْرَ مُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يُعْدَمُ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِحَفْنَةِ الرَّجُلِ الْوَسَطِ لَا بِالطَّوِيلِ جِدًّا وَلَا بِالْقَصِيرِ جِدًّا لَيْسَتْ بِالْمَبْسُوطَةِ الْأَصَابِعِ جِدًّا، وَلَا بِمَقْبُوضَتِهَا جِدًّا؛ لِأَنَّهَا إنْ بُسِطَتْ فَلَا تَحْمِلُ إلَّا قَلِيلًا، وَإِنْ قُبِضَتْ فَكَذَلِكَ، قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَقَدْ عَارَضْنَا ذَلِكَ بِمَا يُوجَدُ الْيَوْمَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مُدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَانَ عِنْدَ سَيِّدِنَا وَقُدْوَتِنَا شَيْخِ الطَّرِيقَةِ وَإِمَامِ الْحَقِيقَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ الدَّكَّالِيِّ مُدٌّ عُيِّرَ بِمُدِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مَكْتُوبٍ عِنْدَهُ فَعَايَرْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّعْبِيرِ فَكَانَ مِلْؤُهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ كُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُهُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا إذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَان يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انْتَهَى.
وَجَرَّبْت ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا، انْتَهَى.
كَلَامُ الْقَامُوسِ (الرَّابِعُ) تَقْدِيرُهَا بِالصَّاعِ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْعُمُومُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُؤَدَّى مِنْ الْبُرِّ نِصْفَ صَاعٍ وَبِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَيُقَالُ لِلْمُخْرَجِ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةَ وَلَا مُعَرَّبَةَ بَلْ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ، وَمَعْنَى الْمُعَرَّبَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً فَسَاقَتْهَا الْعَرَبُ عَلَى مِنْهَاجِهَا وَكَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلدَّمِيرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ضَمُّهُمَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مَصْدَرُ إعْطَاءِ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ وَالْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْقُصُ بِإِعْطَاءِ صَاعٍ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ كَالْأُضْحِيَّةِ ثَانِيَةٌ وَإِلَّا زِيدَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاسْمَا صَاعٍ إلَى آخِرِهِ يُعْطَى مُسَلَّمًا إلَى آخِرِهِ
[فَصَلِّ مَنْ تجب عَلَيْهِ الزَّكَاةُ]
ص (فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ)
ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ قَدْرِ الْمُخْرَجِ ذَكَرَ الْمُخْرَجَ عَنْهُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِعَنْ عَائِدٌ إلَى الْمُخْرَجِ عَنْهُ الْمَفْهُومِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ " يَجِبُ " إذًا الْوُجُوبُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ، وَلَوْ قَالَ " عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ " لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَوْضَحَ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَفِي الْجَوَاهِرِ: هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُوسِرُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مُعْسِرٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ صَاعٌ وَلَا وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ إنْ كَانَ وَحْدَهُ وَعَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ صَاعٌ وَهُوَ الَّذِي فِي الْجَلَّابِ وَغَيْرِهِ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يُجْحَفُ بِهِ فِي مَعَاشِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ صَاعٌ أَوْ أَكْثَرُ.
وَكَانَ إذَا أَخْرَجَهَا يَحْصُلُ لَهُ الْإِجْحَافُ فِي مَعَاشِهِ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا، حَكَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ رَابِعًا وَهُوَ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ مَلَكَ قُوتَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَذَكَرَ صَاحِبُ اللُّبَابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَمْلِكَ الْمُخْرِجُ نِصَابًا وَنَحْوَهُ لِلَّخْمِيِّ، انْتَهَى.
وَعَنْ اللَّخْمِيِّ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَفْظُهُ فِي تَبْصِرَتِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْغَنَاءِ أَنْ يَمْلِكَ نِصَابًا، وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَعْتَبِرُ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا خَارِجًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَأَثَاثِهِ، بَلْ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ دَارٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا أَوْ عَبْدٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَيْ لِخِدْمَتِهِ أَوْ كُتُبٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ لِأَدَاءِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَاخْتُلِفَ، هَلْ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ عَبْدٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهُ أَوْ يُعْطَاهَا؟ ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ لَهُ عَبْدٌ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ: عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَرَآهُ مُوسِرًا بِالْعَبْدِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ وَرَأَى أَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَسَبِيلُ الْمُوَاسَاةِ أَنْ لَا يُكَلَّفُهَا مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي إعْطَائِهَا لِمَالِكِ الْعَبْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُؤَدِّيهَا الْمُحْتَاجُ إنْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يَلْزَمْهُ - إنْ أَيْسَرَ بَعْدَ أَعْوَامٍ - قَضَاؤُهَا لِمَاضِي السِّنِينَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ
لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْقَضَاءِ فَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّرَرِ، وَلَوْ قَالَ " يَتَسَلَّفُ " لَكَانَ أَجْرَى عَلَى عَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَذْهَبِيٌّ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ إذَا كَانَ يَرْتَجِي وُجُودَ الْقَضَاءِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ مَعْنَاهُ: إذَا كَانَ يُرْتَجَى الْقَضَاءُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْن الْمَوَّازِ وَلَعَلَّ الْمُحْتَاجَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ يَرْجُوهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: سَمِعْت مَنْ يَقُولُ إنَّهُ إنَّمَا يَتَسَلَّفُهَا مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ حَيْثُ يُؤَدِّيهَا، وَيُسَنُّ لِمَنْ يَتَسَلَّفُهَا مِنْهُ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا زَكَاةً عَنْهُ فَمَتَى فُتِحَ لَهُ رَدَّ، صَحَّ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ مُحْرِزٍ، انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ.
[فَرْعٌ زَكَاة الْفِطْرِ هَلْ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ]
(فَرْعٌ) وَاخْتُلِفَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، هَلْ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: قَالَ أَشْهَبُ: لَا تَسْقُطُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ، انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَالَ الشَّبِيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: ظَاهِرُ الْكِتَابِ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ، انْتَهَى مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: الْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُسْقِطُهَا الدَّيْنُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ؟ خِلَافٌ)
ش: هَذَا بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّ الْخِطَابَ بِهَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَذَلِكَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَمَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَعَلَّقَ بِهِ الْخِطَابُ بِهَا فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ أُخْرِجَتْ عَنْهُ.
وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ أَيْسَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَشَهَّرَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي - أَنَّ الْخِطَابَ بِهَا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ فَمَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ، وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ وُلِدَ بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ أَيْسَرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ شَهَّرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ بَلْ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا - أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِطَابُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَهْمِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْفَجْرِ يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَصَوَّبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلَ هَذَا الْمُنْكِرِ، وَالثَّانِي - أَنَّهُ يَمْتَدُّ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ يَمْتَدُّ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ إلَى زَوَالِ يَوْمِ الْعِيدِ، ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَعَزَاهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ،.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْوُجُوبِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ عَنْ الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ عَمَّنْ وُلِدَ بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ أَيْسَرَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَجَدَّ مِلْكَ رَقِيقٍ أَوْ اسْتَجَدَّ زَوْجَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ بِالْوَقْتِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ أَرْبَعِ حَيْثِيَّاتٍ: الْوَقْتُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ، وَالْوَقْتُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا فِيهِ، وَالْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ، وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ مِنْ مُعَشَّرٍ أَوْ أَقِطٍ غَيْرِ عَلَسٍ إلَّا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهُ)
ش: هَذَا بَيَانٌ لِلْجِنْسِ الَّذِي تُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فَذَكَرَ أَنَّهَا تُؤَدَّى مِنْ أَغْلَبْ الْقُوتِ يَعْنِي أَغْلَبَ قُوتِ الْبَلَدِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمُخْرِجُ لَهَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَغْلَبَ مِنْ الْمُعَشَّرَاتِ أَوْ مِنْ الْأَقِطِ إلَّا الْعَلَسَ فَلَا تُؤَدَّى مِنْهُ، فَإِنْ اقْتَاتَ أَهْلُ بَلَدٍ غَيْرَ الْمُعَشَّرَاتِ أُخْرِجَتْ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِمَّا يَقْتَاتُونَهُ، هَذَا حِلُّ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَبِعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ كَلَامَ صَاحِبِ الْحَاوِي وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَذْهَبِنَا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُعَشَّرٍ إذَا كَانَ غَالِبَ قُوتِ أَهْلِ بَلَدٍ تُؤَدَّى مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فَتُؤَدَّى مِنْ الْقَطَانِيِّ وَالْجُلْجُلَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ وُجِدَ أَحَدُ الْأَصْنَافَ التِّسْعَةَ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا اُقْتِيتَ غَيْرُ الْمُعَشَّرِ يُخْرِجُ مِنْهُ
وَلَوْ وَجَدَ الْمُعَشَّرَ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ " مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ " لَكَانَ أَخْصَرَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُ هَذَا، وَأَنَّهَا تُؤَدَّى مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ الَّتِي هِيَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ وَالْأُرْزُ فَإِنْ كَانَ غَالِبُ الْقُوتِ فِي بَلَدٍ خِلَافَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ مِنْ عَلَسٍ أَوْ قُطْنِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَشَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مَوْجُودٌ لَمْ تُخْرَجْ إلَّا مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ فَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَلَدٍ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ، وَإِنَّمَا يَقْتَاتُونَ غَيْرَهَا فَيَجُوزُ أَنْ تُؤَدَّى حِينَئِذٍ مِنْ عَيْشِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَتُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْأُرْزِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ صَاعٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا وَيُخْرِجُ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ مِنْ جُلِّ عَيْشِهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّمْرُ عَيْشُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُخْرِجُ أَهْلُ مِصْرَ إلَّا الْقَمْحَ لِأَنَّهُ جُلُّ عَيْشِهِمْ إلَّا أَنْ يَغْلُوَ سِعْرُهُمْ فَيَكُونُ عَيْشُهُمْ الشَّعِيرَ فَيُجْزِئُهُمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ شَيْءٌ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، وَإِنْ أَعْطَى فِي ذَلِكَ قِيمَةَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ مَالِكٌ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجَ فِيهَا دَقِيقًا وَلَا سَوِيقًا وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُخْرِجَ فِيهَا تِينًا، وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، مِثْلُ اللُّوبِيَا أَوْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَيْشُ قَوْمٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُؤَدُّوا مِنْ ذَلِكَ وَيُجْزِئُهُمْ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْأَخِيرُ هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا تُؤَدَّى مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْشَ قَوْمٍ، قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَرَوَاهُ، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ، بَلْ الْخِلَافُ فِي كُلِّ مَا يُقْتَاتُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمًا أَوْ لَبَنًا، انْتَهَى، فَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهَا لَا تُؤَدَّى مِنْ الْقُطْنِيَّةِ إنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ جُلَّ عَيْشٍ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ التِّسْعَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا كَذَلِكَ وَيَصِيرُ كَلَامُهُ الْأَخِيرُ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَتْ هِيَ جُلُّ عَيْشِهِمْ وَغَيْرُهَا مَوْجُودٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَحِلُّ الْعَيْشِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَجْزَأَ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَيْشَ قَوْمٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَيْشُهُمْ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ فَيُجْزِئُهُمْ حِينَئِذٍ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَقَدْرُهَا صَاعٌ مِنْ الْمُقْتَاتِ فِي زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَلَسَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: مِنْ السُّنَّةِ الْأَوَّلُ خَاصَّةً، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: تَقْدِيرُهَا بِالصَّاعِ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ هُوَ الْمَعْرُوفُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُؤَدَّى مِنْ الْبُرِّ مُدَّيْنِ إلَّا صَاعًا، وَقَوْلُهُ " فِي زَمَانِهِ " أَيْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَلَمْ يُرِدْ بَلَدًا مُعَيَّنًا كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاعْتَرَضَ، ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَذْهَبِ فِي الْعَلَسِ وَبَيْنَ أَشْهَبَ الْمَذْهَبُ فِي الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ الْعَلَسُ وَالثَّلَاثَةُ غَالِبُ عَيْش قَوْمٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَوْجُودٌ، أَوْ كَانَ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ فَابْنُ حَبِيبٍ يَرَى الْإِخْرَاجَ مِنْ الْعَلَسِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَالْمَشْهُورُ يُخْرَجُ مِنْ التِّسْعَةِ وَأَشْهَبُ يَرَى الْإِخْرَاجَ مِنْ
السُّنَّةِ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَلَوْ اُقْتِيتَ غَيْرُهُ كَالْقَطَانِيِّ وَالتِّينِ وَالسَّوِيقِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِي، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فَلَوْ اُقْتِيتَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ فَهَلْ يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ غَيْرَ قُوتِهِ حَرَجًا عَلَيْهِ، وَرَأَى فِي الْقَوْلِ الْآخَرَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَطَانِيِّ أَنَّهَا لَا تُخْرَجُ، وَإِنْ كَانَتْ قُوتَهُ، انْتَهَى.
فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ اُقْتِيتَ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوتٌ غَيْرَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَلَسُ جُلَّ عَيْشِ قَوْمٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ مَوْجُودٌ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَذُكِرَ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْقَرَوِيِّينَ رَوَوْا الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، قَالَ: وَاخْتَصَرَهَا عَلَيْهِ حَمْدِيسٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: مَا تُؤَدَّى مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ تُؤَدَّى مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ، سَوَاءٌ كَانَ جُلَّ الْعَيْشِ أَوْ لَا، وَهُوَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ إذَا كَانَ جُلُّ عَيْشِهِمْ جُلَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ تُؤَدَّى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَتُجْزِئُهُ، وَالثَّلَاثَةُ فِيمَا بَيْنَهَا يُخْرِجُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى وَلَا نَعْكِسُ، وَغَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ السَّبْعَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الْعَشَرَةِ لَا يُخْرَجُ مِنْهَا إلَّا إذَا كَانَتْ جُلَّ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَغَيْرُ هَذِهِ الْعَشَرَةِ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ جُلَّ الْعَيْشِ، وَاخْتُلِفَ، هَلْ يُخْرَجُ مِنْهَا إذَا كَانَتْ جُلَّ الْعَيْشِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: الْمُعْتَبَرُ بِالْغَالِبِ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا مَا قَبْلَهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا يُعْجِبُهُ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرَةِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِينَ فَيُعْتَبَرُ مَا يُؤْكَلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَلِأَنَّهُ بِفَرَاغِهِ تَجِبُ، وَعَارَضَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَلِيطَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُهُمَا وَافْتِرَاقُهُمَا قُرْبَ الْحَوْلِ، وَأَجَبْتُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِالتُّهْمَةِ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَإِتْهَامُهُمَا أَقْرَبُ مِنْ إتْهَامِ أَهْلِ الْبَلَدِ وَبِأَنَّ رَمَضَانَ هُوَ السَّبَبُ بِذَاتِهِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ لَا جَمِيعَ الْعَامِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْخَلِيطَيْنِ: السَّبَبُ جَمِيعُ الْعَامِ لَا الشَّهْرُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْخُلْطَةُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مَا أَجَابَ بِهِ وَاصْطِلَاحُهُ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِبَعْضِ شُيُوخِهِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ الْبُرْزُلِيِّ يَحْكِيهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَرَفَةَ أَوْ وَقَفَ لَهُ عَلَيْهِ فِي فُتْيَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْجُلِّ الْعَامُ كُلُّهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّمَا يُرَاعَى يَوْمُ الْوُجُوبِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : مَا ذَكَرَهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَامِ كُلِّهِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْ اعْتِبَارِ يَوْمِ الْوُجُوبِ فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَوَائِدُ أَنَّ غَالِبَ النَّاسِ يَأْكُلُونَ يَوْمَ الْعِيدِ خِلَافَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: يُعْتَبَرُ الْجُلُّ بِالْفُرْنِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : هَذَا إذَا كَانَ الْفُرْنُ مُتَّحِدًا فِي الْبَلَدِ وَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَخْبِزُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَإِلَّا فَيَخْتَلِفْ الْجُلُّ بِحَسَبِ الْحَارَّاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا كَانَ اللَّحْمُ وَاللَّبَنُ قُوتَ قَوْمٍ، وَقُلْنَا: يُخْرِجُونَ، فَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي بِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَشِبْهِهِمَا مِقْدَارَ عَيْشِ الصَّاعِ، وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ لَا يَرْتَضِيهِ، وَيَقُولُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ يُكَالُ كَالْقَمْحِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ وَشِبْهَهُ لَا يُكَالُ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ الشَّبِيبِيُّ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا اقْتَاتَ أَهْلُ بَلَدٍ نَوْعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ جُلٌّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخْرِجُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ قُوتِهِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ اُخْتُلِفَ فِي الْقُطْنِيَّةِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَتْ جُلَّ عَيْشِ قَوْمٍ أَجْزَأَتْهُمْ، وَقَالَ