غسل الزوجين للآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَاجِّ فِي مَنْسَكِهِ قَالَ فِيهِ: أَمَّا سُنَنُ الْحَجِّ فَمِنْهَا مَا يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ، وَلَا يَلْحَقُ مَأْثَمٌ بِالْقَصْدِ إلَى تَرْكِهِ كَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهَا سُنَنٌ مُؤَكَّدَةٌ يَجِبُ فِعْلُهَا وَيَتَعَلَّقُ الْإِثْمُ مَعَ الْقَصْدِ إلَى تَرْكِهَا كَالتَّلْبِيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا ثَمَانِيَةً ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَصَدَقَ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فَيَكُونُ كَالْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّارِعَ خَصَّصَ كُلًّا مِنْهَا بِحُكْمٍ يَخُصُّهُ فَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَجَعَلَ هَذِهِ تُجْبَرُ بِالدَّمِ كَمَا أَنَّهُ خَصَّصَ بَعْضَ الْأَرْبَعَةِ بِأَنَّهُ يَفُوتُ الْحَجُّ بِهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ، وَبَعْضُهَا بِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِسَبَبِ فَوْتِهِ، وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ، وَبَعْضَهَا بِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهِ، وَبِإِطْلَاقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ صَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْوَاجِبَاتُ الْمُنْجَبِرَةُ، وَقِيلَ: سُنَنٌ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: الْقِسْمُ الثَّانِي: وَاجِبَاتٌ لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالسُّنَنِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ سُنَنًا مُؤَكَّدَةً، وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ التَّأْثِيمُ لَكِنْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا هَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا أَمْ لَا، وَإِنْ أَرَادُوا بِالْوُجُوبِ وُجُوبَ الدَّمِ، فَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّصُّ بِالتَّأْثِيمِ، فَظَهَرَ إطْلَاقُ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الْخَامِسِ فِي الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ: تَنْبِيهٌ: اصْطِلَاحُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ سَوَاءٌ إلَّا فِي الْحَجِّ فَقَدْ خَصَّصَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَغَيْرُهُ اسْمَ الْفَرْضِ بِمَا لَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ فَقَالَ: فُرُوضُ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ وَاجِبٌ كَمَا خَصَّصَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي السَّهْوِ السُّنَّةَ بِمَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ فَجَعَلَهَا خَمْسَةً مَعَ أَنَّ سُنَنَ الصَّلَاةِ قَدْ عَدَّهَا صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقَالَ يَسْجُدُ مِنْهَا لِثَمَانِيَةٍ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ حُلُولُو فِي شَرْح جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ، قَالَ: وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ انْتَهَى.
لَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ تَفْرِيقَ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ كَتَفْرِيقِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا يَثْبُتُ بِقَطْعِيٍّ وَالْوَاجِبَ بِظَنِّيٍّ بَلْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِيجَابُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الدَّمَ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَمَا أَوْجَبُوا السُّجُودَ فِي بَعْضِ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَظْهَرُ مِنْهَا لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِسُجُودِ السَّهْوِ، وَالْهَدْيُ إنَّمَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ خَاصَّةً فِيمَا نَعْلَمُهُ، وَفِي إلْحَاقِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
وَلَيْسَ الْمُوجِبُ لِلدَّمِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْقِيَاسَ فَقَطْ بَلْ قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» ذَكَرَهُ فِي الطِّرَازِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٍ مُتَّفَقٍ عَلَى وُجُوبِ الدَّمِ فِيهِ، وَقِسْمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ، وَقِسْمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَالْأَوَّلُ: كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمُرِيدِ النُّسُكِ، وَتَرْكِ التَّلْبِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ وَتَرْكِ الْجِمَارِ كُلِّهَا أَوْ حَصَاةً مِنْهَا حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الرَّمْيِ، وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةً كَامِلَةً مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَتَرْكِ الْحِلَاقِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ يُطَوِّلَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِوَجَعٍ بِرَأْسِهِ لَكِنْ لَا إثْمَ مَعَ الْعُذْرِ وَتَأْخِيرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَوْ السَّعْيِ أَوْ هُمَا مَعًا إلَى الْمُحَرَّمِ وَتَرْكِ الْبُدَاءَةِ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ ثُمَّ لَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَالدَّفْعُ مِنْ عَرَفَةَ نَهَارًا قَبْلَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ ثُمَّ لَمْ يُعَاوِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَالْقِسْمِ الثَّانِي: كَتَرْكِ التَّلْبِيَةِ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ حَتَّى يَطُولَ أَوْ فَعَلَهَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ تَرَكَهَا عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ فِي هَذَا وَكَتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ وَتَرْكِ السَّعْيِ بَعْدَهُ وَتَرْكُهُمَا مَعًا كَتَرْكِ أَحَدِهِمَا مِنْ ذِي الْجِمَارِ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِمَرَضٍ بِهِ، وَلَوْ رَمَى
عَنْهُ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُ حِينَئِذٍ وَكَتَرْكِ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ لِلْقَادِرِ ثُمَّ لَمْ يُعِدْهُ أَيْضًا وَتَرْكِ الْمَشْيِ فِي السَّعْيِ لِقَادِرٍ ثُمَّ لَمْ يُعِدْهُ أَيْضًا وَكَتَرْكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ نَهَارًا لِلْمُتَمَكِّنِ وَتَأْخِيرِ شَيْءٍ مِنْ الْجِمَارِ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِمَرَضٍ بِهِ، وَلَوْ رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ، وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُ حِينَئِذٍ وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى جُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الرَّمْيِ وَتَرْكِ النُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَتَرْكِ السَّعْيِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ مِنْ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى عَرَفَةَ وَتَقْدِيمِ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ وَالْقِسْمِ الثَّالِثِ: كَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ يُرِيدُ دُخُولَ مَكَّةَ، وَلَا يُرِيدُ النُّسُكَ وَتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ نِسْيَانًا حَتَّى يَخْرُجَ لِعَرَفَةَ وَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ: وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ انْتَهَى.
وَتَرْكِ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى كَمَا نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَقْدِيمِ النَّحْرِ عَلَى الرَّمْيِ وَتَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى النَّحْرِ وَتَرْكِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ وَتَرْكِ الْخَبَبِ فِي السَّعْيِ وَتَفْرِيقِ الظُّهْرِ مِنْ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَأَمَّا الدَّمُ اللَّازِمُ لِتَرْكِ الْإِفْرَادِ فَلَيْسَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِفْرَادِ يَقُولُ بِلُزُومِ الدَّمِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ مَا يُطَالَبُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَا دَمَ، وَلَا إثْمَ، وَهُوَ كَثِيرٌ وَأَكْثَرُهُ مُسْتَحَبَّاتٌ كَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ لَهُ وَمُقَارَنَةِ التَّلْبِيَةِ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا سَيَأْتِي، وَتَكْرَارِ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ كُلِّ شَرَفٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ، وَأَنْ يُسْمِعَ بِهَا نَفْسَهُ، وَمَنْ يَلِيهِ، وَأَنْ تُسْمِعَ بِهَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَالدُّخُولِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَقَطْعِ التَّلْبِيَةِ إذَا دَخَلَهَا، وَالْمُبَادَرَةِ لِلْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَالدُّخُولِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ تَقْبِيلِهِ فِي غَيْرِ الْأُولَى، وَاسْتِلَامِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ لِلسَّعْيِ، وَالْخُرُوجِ لِلسَّعْيِ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ مِنْ بَابِ الصَّفَا أَوْ غَيْرِهِ، وَالصُّعُودِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَى أَعْلَاهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَالتَّوَجُّهِ عَلَيْهِمَا لِلْقِبْلَةِ، وَالسَّعْيِ مُتَطَهِّرًا، وَالْخُرُوجِ إلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَدْرَ مَا يُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ، وَالْغُسْلِ لِلْوُقُوفِ، وَالْوُقُوفِ رَاكِبًا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَرْكَبُ فَعَلَى قَدَمَيْهِ، وَالِابْتِهَالِ بِالدُّعَاءِ، وَالذِّكْرِ، وَالدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَالْإِتْيَانِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ وَالْإِسْرَاعِ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَرَمْيِهِ الْعَقَبَةِ حِينَ وُصُولِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ مَشْيٍ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ لِلدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَتَتَابُعِ الرَّمْيِ وَلَقْطِ الْحَصَاةِ لَا كَسْرِهَا وَإِيقَاعِ الرَّمْيِ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْمَشْيِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَالْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ وَالنُّزُولِ بِالْأَبْطَحِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ وَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ، وَفِي مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ وَسَوْقِ الْهَدْيِ فِيهِ وَالْإِحْرَامِ فِي الْبَيَاضِ وَإِيقَاعِ أَعْمَالِهِ كُلِّهَا بِطَهَارَةٍ وَإِيقَاعِ رُكُوعِ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا الْمُسَمَّى هِدَايَةَ السَّالِكِ الْمُحْتَاجِ إلَى بَيَانِ أَفْعَالِ الْمُعْتَمِرِ وَالْحَاجِّ فَمَنْ أَرَادَ الشِّفَاءَ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَسَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَفْعَالَ الْحَجِّ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِلَى الْمَحْظُورِ الْمُفْسِدِ وَالْمَحْظُورِ الْمُنْجَبِرِ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ تَقْسِيمَ أَفْعَالِ الْحَجِّ إلَى الْمَحْظُورِ الْمُفْسِدِ وَالْمُنْجَبِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إلَّا مَا كَانَ مَشْرُوعًا فِيهِ، وَمَا عَدَاهُ فَيُعَدُّ مِنْ الْمَوَانِعِ كَمَا يُفْعَلُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُفْسِدَةَ لِلصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا: إنَّهَا مِنْ أَفْعَالِهَا؟ انْتَهَى.
وَاعْتَذَرَ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْحَاجِّ وَأَضَافَ الْمَحْظُورَاتِ إلَى الْحَجِّ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِيهِ وَالْإِضَافَةُ تَكْفِي فِيهَا أَدْنَى، مُلَابَسَةٍ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ: الْفِعْلُ
الصَّادِرُ مِنْ الْحَاجِّ إمَّا مَطْلُوبُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ: وَاجِبٌ وَغَيْرُهُ، وَالْوَاجِبُ قِسْمَانِ: رُكْنٌ وَغَيْرُهُ، وَمَطْلُوبُ التَّرْكِ: مُفْسِدٌ وَمُنْجَبِرٌ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعُدَّ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ تَرْكَ اللِّبَاسِ وَالْحِلَاقِ وَالْوَطْءِ، وَإِزَالَةَ الْوَسَخِ، وَشِبْهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَاتٌ، وَتَقْسِيمُهُ لَيْسَ بِشَامِلٍ لِمَا يَصْدُرُ مِنْ الْحَاجِّ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ الْأُمُورُ الْمَكْرُوهَةُ وَيَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْمَحْظُورَاتُ أَيْضًا.
وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ أَرْكَانَ الْعُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ: أَمَّا الْإِحْرَامُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ، أَمَّا الطَّوَافُ فَاتَّفَقَ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَمَّا السَّعْيُ فَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَيَكُونُ عَنْهُ الدَّمِ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَصَّارِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ انْتَهَى.
وَيَأْتِي فِيهَا الْكَلَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى النِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ التَّلْبِيَةُ وَزَادَ الشَّافِعِيُّ الْحِلَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْإِحْرَامُ مَصْدَرُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ أَوْ إذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ الصَّلَاةِ كَمَا يُقَالُ: أَنْجَدَ وَأَتْهَمَ وَأَمْسَى وَأَصْبَحَ إذَا دَخَلَ نَجْدًا أَوْ تِهَامَةَ وَالْمَسَاءَ وَالصَّبَاحَ؛ وَلِذَلِكَ يَتَنَاوَلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] الْفَرِيقَيْنِ انْتَهَى.
مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَقَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ: الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95] الْآيَةِ، وَالْحُرُمُ جَمْعُ مُحْرِمٍ، وَالْمُحْرِمُ مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ، أَوْ فِي الْحُرُمَاتِ فَتَتَنَاوَلُ الْآيَةُ السَّبَبَيْنِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... فَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَظْلُومًا
أَيْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ انْتَهَى.
قَالَ التَّادَلِيُّ، وَفِيهِ دَرَكٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مُحْرِمًا لَيْسَ بِمُفْرَدِ حُرُمٍ إنَّمَا مُفْرَدُهُ حَرَامٌ.
الثَّانِي: أَنَّ حُرُمًا مُطْلَقٌ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْجَمْعِ ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْحُرُمُ جَمْعُ حَرَامٍ يُقَالُ: أَحْرَمَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَحَرَامٌ إذَا أَتَى الْحَرَمَ أَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَذَكَرَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ: يُرِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِنُسُكٍ فَتُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُهُ إذَا كَانَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَحْمِلُهُ فَيَكُونُ مُجْمَلًا لَا دَلَالَةَ فِيهِ وَالدَّلِيلُ هُنَا سِيَاقُ الْآيَةِ وَيُقَالُ: أَيْضًا فِي اللُّغَةِ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي ذِمَّةٍ وَحُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ، وَيُقَالُ أَيْضًا إذَا دَخَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ.
وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ الْبَيْتَ الْمُتَقَدِّمَ، وَالْحُرْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَالتَّحْرِيمُ أَيْضًا الْإِحْرَامُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «كُنْتُ أُطَيِّبُهُ لِحِلِّهِ وَحَرَمِهِ» وَالْحُرْمَةُ مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ وَكَذَا الْحُرْمَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَرْبَعَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَانَتْ الْعَرَبُ لَا تَسْتَحِلُّ فِيهَا الْقِتَالَ إلَّا حَيَّيْنِ خَثْعَمَ وَطَيْءٍ وَكَانَ الَّذِينَ يَنْسَئُونَ الشُّهُورَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ يَقُولُونَ: حَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ الْقِتَالَ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ إلَّا دِمَاءَ الْمُحِلِّينَ، وَهِيَ: رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ عَدِّهَا قِيلَ: كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: مِنْ الْمُحَرَّمِ لِتَكُونَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْحِكْمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي تَفْرِقَتِهَا كَذَلِكَ لِتَصِيرَ وِتْرًا، فَإِنَّهُ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحِرْمُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَالْحَرَامِ وَقُرِئَ وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ وَاجِبٌ وَالْحِرْمَةُ بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ أَيْضًا الْغُلْمَةُ بِالضَّمِّ، وَهِيَ شَهْوَةُ الْجِمَاعِ، وَفِي الْحَدِيثِ «الَّذِينَ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ يُبْعَثُ عَلَيْهِمْ الْحِرْمَةُ وَيُسْلَبُونَ الْحَيَاءَ» وَالْحُرْمَةُ أَيْضًا: الْحِرْمَانُ، وَالْمُحْرِمُ: مَنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا، وَالْمَحْرُومُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الْمُحَارِبُ انْتَهَى.
مِنْ الصِّحَاحِ بِالْمَعْنَى، هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللُّغَةِ، أَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ
ابْنُ عَرَفَةَ اسْتَشْكَلَ عِزُّ الدِّينِ مَعْرِفَتَهُ وَأَبْطَلَ كَوْنَهُ التَّلْبِيَةَ بِعَدَمِ رُكْنِيَّتِهَا وَكَوْنِهِ النِّيَّةَ بِأَنَّهَا شَرْطُ الْحَجِّ وَعَرَّفَهُ تَقِيُّ الدِّينِ بِأَنَّهُ الدُّخُولُ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ، وَالتَّشَاغُلُ بِأَفْعَالِهِمَا وَرَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ مَا يَدْخُلُ بِهِ النِّيَّةُ وَالتَّلْبِيَةُ وَالتَّوَجُّهُ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ، وَالْأَوَّلَانِ لَهُ، وَالْوَاجِبُ مِنْهُمَا النِّيَّةُ فَقَطْ، وَغَيْرُ الْوَاجِبِ لَا يَكُونُ رُكْنَ الْوَاجِبِ، وَيُرَدُّ بِوُجُوبِ التَّوَجُّهِ مُطْلَقًا لِتَوَقُّفِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ لِلْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ الصَّقَلِّيّ وَالْقَاضِي هُوَ اعْتِقَادُ الدُّخُولِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قُلْتُ:) إنْ أَرَادَ تَقِيُّ الدِّينِ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ لَزِمَ كَوْنُهُ بَعْدَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقَ فِعْلِهِمَا لَزِمَ نَفْيُهُ فِي الْإِحْصَارِ وَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ، وَيَبْطُلُ الثَّانِي بِنَفْيِهِ فِي الْآخَرَيْنِ وَالْغَافِلِ عَنْ اعْتِقَادِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ اتِّفَاقًا أَوْ إجْمَاعًا، وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ الدُّخُولَ فِي حَجٍّ مُضَافٌ إلَيْهِ فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَى الْحَجِّ، وَالْإِحْرَامُ جُزْؤُهُ فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلَيْهِ فَيَدُورُ لِمَنْعِ الثَّانِيَةِ لِجَوَازِ مَعْرِفَتِهِ بِغَيْرِ الْحَدِّ التَّامِّ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: إنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ لَمْ يَذْكُرْ قَسِيمَهُ، وَتَقْدِيرُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ بَلْ تَجَوَّزَ وَأَطْلَقَ الدُّخُولَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَعَلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْحُدُودِ الْمَجَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقَ فِعْلِهِمَا هُوَ إيرَادٌ ثَانٍ عَلَى قَوْلِهِ: وَالتَّشَاغُلُ بِأَفْعَالِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَسِيمَهُ أَيْضًا، وَتَقْدِيرُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنْ أَرَادَ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ بِخُصُوصِهِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ الثَّانِي أَيْ: التَّعْرِيفُ الثَّانِي الَّذِي عَزَاهُ لِلصَّقَلِّيِّ وَالْقَاضِي.
ثُمَّ قَالَ: وَكَلَامُهُمْ غَلَطٌ، وَسَبَبُهُ عَدَمُ الشُّعُورِ بِمَيْزِ الْإِحْرَامِ عَمَّا بِهِ يَقَعُ الْإِحْرَامُ، فَالْإِحْرَامُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُرْمَةَ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَإِلْقَاءِ الشَّعْثِ وَالطِّيبِ وَلُبْسِ الذُّكُورِ الْمَخِيطَ وَالصَّيْدِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا تُبْطِلُ بِمَا يَمْنَعُهُ قَالَ: وَعَدَمُ نَقْضِهِ بِإِحْرَامِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةِ الِاعْتِكَافِ وَاضِحٌ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ: أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي آخِرِ بَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَصَاحِبُ الْمُعَلِّمِ وَغَيْرُهُمَا وَنَصُّ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُعَلِّمِ لَمَّا ذَكَرَ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا قَالَ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] ، وَهَذَا يُسَمَّى مُحْرِمًا حَتَّى يُفِيضَ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ أَحَدُ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَفَرَائِضِهِ فَلَا يَذْهَبُ عَنْهُ تَسْمِيَةُ الْمُحْرِمِ حَتَّى يَفْعَلَهُ انْتَهَى.
. وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَالصَّيْدِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: يُوجِبُ حُرْمَةَ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَالصَّيْدِ لَدَخَلَ ذَلِكَ، وَلَا يَرُدُّ إحْرَامَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرُدُّ مَنْعَ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ وَالصَّيْدِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِيهِ لَيْسَ صِفَةً حُكْمِيَّةً فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي الْمَحْدُودِ، وَلَا يُقَالُ: حَدُّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا بِتَرْكِ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مَا ذَكَرَهُ مَعَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَتْ الْيَمِينُ تَمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَتَقْضِي تَحْرِيمَ الْحَلَالِ إنَّمَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالْفِعْلِ فَقَطْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَشَيْخِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَكَرَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ كَانَ يُحْرِمُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَفْظُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْإِيرَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الدُّخُولُ لَقِيلَ: لَهُ الدُّخُولُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَجْزَاؤُهَا وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ جُزْءَ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ بِوَاجِبٍ إلَّا النِّيَّةُ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْإِحْرَامَ؛ لِأَنَّ مَا قَارَنَهَا مِنْ تَلْبِيَةٍ وَسَيْرٍ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ اعْتِرَاضِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فَإِنْ قَالَ: حَقِيقَةُ الشَّرْطِ مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَكَذَلِكَ النِّيَّةُ.
(قُلْنَا:) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ هَذَا اللَّفْظِ، وَإِلَّا فَرُكْنُ الْمَاهِيَّةِ وَجُزْءُ عِلَّتِهَا يُشَارِكَانِ الشَّرْطَ فِيمَا ذَكَرْتُ فَلَا يَكُونُ حَدُّ
الشَّرْطِ مَانِعًا انْتَهَى.
وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ بِأَنَّهُ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ مَعَ قَوْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ أَوْ فِعْلٍ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ انْتَهَى.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ أَوْ مُطْلَقًا أَوْ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: الْإِحْرَامُ هُوَ الدُّخُولُ فِي التَّحْرِيمِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ بِنِيَّةٍ وَيَلْتَزِمَ بِخَالِصِ مُعْتَقَدِهِ تَحْرِيمَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنَافِيهَا الْإِحْرَامُ عَنْ نَفْسِهِ مَا دَامَ مُحْرِمًا انْتَهَى.
.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ النِّيَّةُ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ طَلْحَةَ بِأَنَّهُ إخْلَاصُ النِّيَّةِ، وَبَحَثَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ الدُّخُولُ.
وَأَطَالَ، وَاعْتِرَاضُهُ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ فِي لِسَانِ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الصِّفَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِحُرْمَةِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ أَعْنِي الصِّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهُوَ بِذَلِكَ غَيْرُ النِّيَّةِ وَالتَّوَجُّهِ وَالدُّخُولِ وَجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِكَذَا، وَيَمْنَعُ الْإِحْرَامُ مِنْ كَذَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي: الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي حُرْمَةِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا مَعَ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ النِّيَّةُ أَوْ الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الْإِحْرَامُ رُكْنٌ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ، وَأَمَّا الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فَالتَّكْلِيفُ بِهَا إنَّمَا هُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا يَصْلُحُ بِهِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ فَكَانَ تَعْرِيفُ الْجَمَاعَةِ لِلْإِحْرَامِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ لِلصِّفَةِ النَّاشِئَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ بَيَانِ الْأَرْكَانِ الَّتِي يُطَالَبُ الْمُكَلَّفُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، فَإِنْ قِيلَ: الرُّكْنُ مَا كَانَ دَاخِلَ الْمَاهِيَّةِ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَالنِّيَّةُ هِيَ الْمُمَيِّزَةُ لِلْحَجِّ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُمَيِّزُ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُمَيَّزِ فَيَكُونُ شَرْطًا قِيلَ: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ كَوْنُهُ رُكْنًا أَنَّهُ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَمَّا أَنْ كَانَ تَنْشَأُ عَنْهُ صِفَةٌ تُلَازِمُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ وَتُقَارِنُ جَمِيعَ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا صَارَ كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَدَاخِلٌ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرُهُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِّ وَغَيْرُهُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لِآخِرِ ذِي الْحَجَّةِ)
ش: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الْإِحْرَامِ وَلَمَّا كَانَ الْإِحْرَامُ رُكْنًا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَيْنِ: أَحَدُهُمَا زَمَانِيٌّ، وَالْآخَرُ مَكَانِيٌّ، وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ: بَيَانُ الْأَوَّلِ فَمَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّ الْمِيقَاتَ الزَّمَانِيَّ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ إلَى آخِرِ الْحَجَّةِ، وَالْمِيقَاتُ إنْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ، فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَكَانِيِّ إنَّمَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ» الْحَدِيثَ، وَإِنْ كَانَا مَأْخُوذَيْنِ مِنْ التَّوْقِيتِ وَالتَّأْقِيتِ اللَّذَيْنِ هُمَا بِمَعْنَى التَّحْدِيدِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الشَّيْءِ مَا يُفْعَلُ فِيهِ، وَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ بِكَمَالِهِ وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ بَلْ بَعْضُهُ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ.
وَأَمَّا الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِيقَاتُهُ الزَّمَانِيُّ فِي الْحَجِّ مَا قَبْلَ زَمَنِ الْوُقُوفِ مِنْ الشَّهْرِ، وَهُوَ شَوَّالٌ وَتَالِيَاهُ وَآخِرُهَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ وَأَيَّامُ الرَّمْيِ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ رِوَايَةَ أَشْهَبَ بَاقِيهِ انْتَهَى.
لَكِنْ فِي عِبَارَةِ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَذْفٌ، وَتَقْدِيرُهُ: مَا قَبْلَ آخِرِ زَمَنِ الْوُقُوفِ إلَخْ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ وَقْتَهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ دُونَ الْوُقُوفِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ لِلْحَجِّ وَقْتٌ يُبْتَدَأُ فِيهِ عَقْدُهُ وَمُنْتَهَى مَحَلٍّ مِنْهُ بَيْنَهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فَأَوَّلُهَا: شَوَّالٌ وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهَا فَقَالَ: عَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، وَقَالَ: ذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ، وَقَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ إلَى الزَّوَالِ مِنْ تِسْعِ ذِي الْحَجَّةِ مَحِلٌّ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِمَنْ أَتَى مِنْ الْحِلِّ، فَإِذَا زَالَتْ
الشَّمْسُ كَانَتْ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْعَاشِرِ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَارَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ لِبَعْدِ الْأَسْفَارِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا صَارَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ وَالنَّحْرِ لِمَنْ تَعَجَّلَ مِنْ ضَعَفَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ثُمَّ ذَلِكَ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحِلَاقِ وَالطَّوَافِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ، وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَعَلَ وَأَجْزَأَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِمَا أَخَّرَ مِنْ الْحِلَاقِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الدَّمِ عَنْ تَأْخِيرِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إذَا أَخَّرَهَا رَمَاهَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لَمْ تُرْمَ.
وَكَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَخَّرَ الطَّوَافَ وَالْحِلَاقَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَقِيلَ: عَلَيْهِ الدَّمُ، وَقِيلَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ حَتَّى يَخْرُجَ الشَّهْرُ، فَإِنْ خَرَجَ الشَّهْرُ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَطُوفَ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُمْ أَنَّ بِالزَّوَالِ مِنْ التَّاسِعِ انْقَطَعَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَعْتَقَ بِعَرَفَةَ عَشِيَّةً أَوْ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ أَحْرَمَ حِينَئِذٍ وَوَقَفَ بِهَا وَتَمَّ حَجُّهُ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ النَّوَادِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُسَامَحَةُ الَّتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاقِعَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِّ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ وَغَيْرِهِمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ وَقْتٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ وَالْإِحْلَالِ مِنْهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي يُبْتَدَأُ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ لَا وَقْتِ التَّحَلُّلِ مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَوَّلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَاخْتُلِفَ فِي آخِرِهَا عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهَا شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مِنْ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَجْهُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فَأَتَى بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هُنَا شَهْرَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ انْتَهَى.
مِنْ مَنْسَكِ ابْنِ الْحَاجِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ الْحَاجِّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَسَنَدٌ وَغَيْرُهُمْ إلَّا قَوْلَيْنِ إلَى آخِرِ ذِي الْحَجَّةِ أَوْ إلَى عَاشِرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ وَتَابِعُوهُ وَغَيْرُهُمْ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَعَزَا الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ الْقَوْلَ بِأَنَّ آخِرَهَا عَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَكُونُ إطْلَاقُ الْأَشْهُرِ عَلَى ذَلِكَ مَجَازًا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ دَمُ تَأْخِيرِ الْإِفَاضَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِتَأْخِيرِهِ إلَى الْمُحَرَّمِ، وَعَلَى الْعَشْرِ يَلْزَمُهُ إذَا أَخَّرَهُ إلَى الْحَادِيَ عَشَرَ وَهَكَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَلَيْسَ مَا زَعَمَهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَنَاسِكِهِ مِنْ أَنَّهُ اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِخُرُوجِ الشَّهْرِ بِجَيِّدٍ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ هُوَ فِي أَوَائِلِ مَنَاسِكِهِ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ فِي أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ دَمٌ حَتَّى يَتَأَخَّرَ عَنْ ذِي الْحَجَّةِ كُلِّهِ انْتَهَى.
، مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النُّكَتِ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَأَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا وَعَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: ذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ الدَّمُ حَتَّى يَفْرَغَ ذُو الْحَجَّةِ وَيَدْخُلَ الْمُحَرَّمُ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ جَمِيعِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ وَأَعْرِفُ أَنِّي رَأَيْتُ نَحْوَ هَذَا لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ دَمٌ بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الدَّمِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا كَمَا تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعِ آخَرَ: وَقَالَ: يَعْنِي مَالِكًا فِيمَنْ أَخَّرَ الْإِفَاضَةَ وَطَافَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ أَيَّامُ مِنًى إنْ قَرُبَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ:
فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] فَقَالَ مَرَّةً شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ، وَقَالَ مَرَّةً ذُو الْحَجَّةِ كُلُّهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ هَدْيٌ إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَ الْحِلَاقَ وَالْإِفَاضَةَ حَتَّى يَخْرُجَ ذُو الْحَجَّةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ عَلَيْهِ الدَّمُ إذَا خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى وَقَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ الطَّوَافِ، وَإِنْ خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى مَا لَمْ يُطِلْ اسْتِحْسَانٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْأَصْلِ انْتَهَى.
فَأَنْتَ تَرَاهُ لَمْ يَحْكِ وُجُوبَ الدَّمِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ أَيَّامِ مِنًى لَكِنْ فِي بِنَائِهِ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ آخِرَهَا عَشْرُ ذِي الْحَجَّةِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ: عَلَى هَذَا الْقَوْلِ - كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ -: أَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ إلَى الْحَادِيَ عَشَرَ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَلْ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى حَتَّى مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ إلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ أَخَّرَهُ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَلْ لَا يُعْرَفُ فِي الْأُمَّةِ خِلَافُ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فِي إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الدَّمِ وَقَبُولِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ لِذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ نَظَرٌ أَوْ يَكُونُ مِنْ اخْتِلَافِ الطُّرُقِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي نَقْلِ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيِّ وَأَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَى أَنَّ ظَاهِرَ تَوْجِيهِ اللَّخْمِيِّ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ لِرَعْيِ الْخِلَافِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي لُزُومِ الدَّمِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ إثْرَ نَقْلِهِ الْخِلَافَ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ الْبَاجِيُّ: فَائِدَةُ دَمِ تَأْخِيرِ الْإِفَاضَةِ فَتَوْجِيهُ اللَّخْمِيِّ قَوْلَهُ فِيهَا إنْ أَفَاضَ قُرْبَ أَيَّامِ مِنًى فَلَا دَمَ، وَإِنْ طَالَ فَالدَّمُ لِرَعْيِ الْخِلَافِ خِلَافَهُ انْتَهَى.
، وَلَا يَظْهَرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ لُزُومَ الدَّمِ تَرَتَّبَ عَلَى الْخِلَافِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ أَطَالَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ غَيْرَ مَحْدُودٍ بِوَقْتٍ، وَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَى قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ التَّفْرِيعَ الْمَذْكُورَ ذَكَرَ بَعْدَهُ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ خَارِجٌ عَمَّا قَالُوهُ انْتَهَى.
، وَكَذَلِكَ أَشَارَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ التَّحْدِيدِ مُخَالِفٌ لِلتَّحْدِيدِ بِآخِرِ ذِي الْحَجَّةِ فَلَمَّا رَأَى اللَّخْمِيُّ ذَلِكَ قَالَ إنَّهُ اسْتِحْسَانٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمْ يُفَرِّعْ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ آخِرَهَا أَيَّامُ الرَّمْيِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: وَمَنْ أَوْقَعَهُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَشَرَ لَزِمَهُ الدَّمُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْغَايَةَ آخِرُ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي آخِرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا: أَنَّ آخِرَهَا آخِرُ ذِي الْحَجَّةِ، وَهَلْ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِّ أَوَّلًا، وَعَلَيْهِ فَهَلْ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ قَوْلُ سَنَدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَعَبْدِ الْحَقِّ أَوْ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ الْبَاجِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَشْهُورِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُؤَلِّفِ لِلُزُومِ الدَّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُمِّيَ أَوَّلُهَا شَوَّالًا؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ فِيهِ الْحُجَّاجُ فَتَشُولُ الْإِبِلُ بِأَذْنَابِهَا أَيْ: تَرْفَعُهَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَالَ الشَّيْءُ يَشُولُ شَوْلًا ارْتَفَعَ، وَشُلْتُ بِهِ: لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ بِالضَّمِّ مِنْ بَابِ فَعَلَ قَالَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَا تَقُلْ: شِلْتُ يَعْنِي بِكَسْرِ الشِّينِ، وَالْجَمْعُ شَوَّالَاتٌ، وَشَوَائِلُ، وَشَوَاوِيلُ وَذُو الْقَعْدَةِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا وَكَذَا ذُو الْحَجَّةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْفَتْحُ فِيهَا أَشْهُرُ سُمِّيَ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْعُدُونَ فِيهِ عَنْ الْقِتَالِ، وَسُمِّيَ الْآخَرُ بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الْحَجِّ فِيهِ، وَالْجَمْعُ ذَوَاتُ الْقَعْدَةِ وَذَوَاتُ الْحَجَّةِ، وَلَمْ يَقُولُوا ذَوُو عَلَى وَاحِدَةٍ وَمَنْ يُسَمِّي شَوَّالًا عَادِلًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْدِلُهُمْ عَنْ الْإِقَامَةِ فِي أَوْطَانِهِمْ، وَقَدْ حَلَّتْ وَيُسَمَّى ذُو الْقَعْدَةِ هُرَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَهْرَعُ النَّاسَ أَيْ: يُخْرِجُهُمْ إلَى الْحَجِّ يُقَالُ: هَاعَ فُلَانٌ إذَا قَاءَ، وَيُسَمَّى ذَا الْحَجَّةِ بَرَكَا بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا
لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَجِّ فَتَكْثُرُ فِيهِ الْبَرَكَاتُ وَلَهَا أَسْمَاءٌ أُخَرُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ فَيُسَمُّونَ شَوَّالًا جَيْفَلًا وَذَا الْقَعْدَةِ مَجْلِسًا وَذَا الْحَجَّةِ مُسَبَّلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ، وَفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ وَصَحَّ)
ش: أَيْ: وَكُرِهَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ كَمَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا قَبْلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ وَتَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشُّيُوخِ فِي رَابِغٍ هَلْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمِيقَاتِ فَيُكْرَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ أَوْ هُوَ أَوَّلُ الْمِيقَاتِ فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يَكُونُ هُوَ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ إنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا أَعْنِي فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَفِيمَا إذَا أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْفُرَاتِ أَيْ: وَصَحَّ الْإِحْرَامُ مِنْ رَابِغٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالصَّوَابُ: حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَائِدَةً فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ، فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ إنْ وَقَعَ فَهُوَ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُحْرِمَ أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مِيقَاتُهُ أَوْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ فَعَلَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ: الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ، وَلَمْ يَعْزُهُ، وَنَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ إذَا عُقِدَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ حُلُولِ شَوَّالٍ فَقَالَ مَالِكٌ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ وَيَكُونُ فِي حَجٍّ بِمَنْزِلَةِ مِنْ عَقَدَ ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِهِ، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدَّمَ الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ شَوَّالًا، مَا بَعْدَهُ إلَى الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مَحَلٌّ لِلْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَلَيْسَ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ ثُمَّ قَدِمَ مُرَاهِقًا لَمْ يُعِدْ الْإِحْرَامَ خَاصَّةً، وَلَوْ كَانَ الْمُحَرَّمُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ إلَى شَوَّالٍ مَحِلًّا لِلْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ فَائِدَةٌ، وَلَا لِاخْتِصَاصِ الذِّكْرِ بِالْأَشْهُرِ لِلْإِحْرَامِ وَالسَّعْيِ فَائِدَةٌ إذَا كَانَ غَيْرُهَا مِنْ الشُّهُورِ بِمَنْزِلَتِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ فَاسْتِحْسَانٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَلَى شَفْعٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَطَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
يَعْنِي، فَإِنْ قَطَعَ الصَّلَاةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ رَاجِعًا لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ إذْ لَا نَصَّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ بَلْ إنَّمَا يُشْبِهُ مَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ إلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ بَيِّنٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ عَزَاهُ لِمَالِكٍ غَيْرَهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْأَشْهُرُ زَمَانٌ، وَالْحَجُّ لَيْسَ بِزَمَانٍ فَيَتَعَيَّنُ حَذْفُ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ تَقْدِيرُهُ زَمَانُ الْحَجِّ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ، أَوْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ أَوْ يُقَدَّرُ الْحَجُّ ذُو أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ فَيُحْذَفُ الْمُبْتَدَأُ وَخَبَرُهُ ثُمَّ الْمُبْتَدَأُ يَجِبُ حَصْرُهُ فِي الْخَبَرِ فَيَجِبُ انْحِصَارُ الْحَجِّ فِي الْأَشْهُرِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَهَا كَالْإِحْرَامِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ: قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ سَائِرَ الْأَهِلَّةِ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ وَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ: الْإِحْرَامُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ الْمُمَيِّزَةُ لِلْحَجِّ، وَالْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَيَكُونُ شَرْطًا فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ كَالطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: إنَّهُ رُكْنٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِكَوْنِهِ رُكْنًا أَنَّهُ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمَحْصُورُ إنَّمَا هُوَ الْمَشْرُوطُ أَوْ نَقُولُ: هُوَ رُكْنٌ، وَالْمَحْصُورُ فِي الْأَشْهُرِ الْحَجُّ الْكَامِلُ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْإِحْرَامُ فِيهِ أَفْضَلُ؛ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الشُّهُورَ كُلَّهَا وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ وَيَجْعَلَ شُهُورَ الْحَجِّ وَقْتًا لِلِاخْتِيَارِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ التَّحْدِيدَ وَقَعَ فِي الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ
الْإِحْرَامِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ أَنْسَبُ لِلْمَذْهَبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا لِلْقَارِنِ تَقْدِيمَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ تَقْدِيمَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَعَلَ ابْنُ بَشِيرٍ وَتَابِعُوهُ سَبَبَ الْخِلَافِ هَلْ إيقَاعُهُ فِي أَشْهُرِهِ أَوْلَى أَوْ وَاجِبٌ؟ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَلَعَلَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَرُبَّمَا جَعَلَ سَبَبَ الْخِلَافِ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْإِحْرَامِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ؟ ، وَهَذَا الْبَحْثُ حَسَنٌ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا هُنَا فَعِبَارَةُ الْأَئِمَّةِ فِيهِ أَنَّهُ رُكْنٌ، وَلَكِنْ مَنْ جَوَّزَ تَقْدِيمَهُ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: 189] الْآيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأَهِلَّةِ لِلْعُمُومِ فَعَلَى هَذَا كُلُّ هِلَالٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلنَّاسِ فِي انْتِفَاعَاتِهِمْ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِي الْحَجِّ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الْحَجِّ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي فَضْلِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُحْرِمُ بِهِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَنَازِلِ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ إلَّا إذَا خَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ شَوَّالٍ وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الْإِحْرَامَ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] ، وَهَذَا خَاصٌّ إذَا نُسِبَ إلَى دَلِيلِ الْأَوَّلِينَ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِهِمْ انْتَهَى.
مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْرَامِ هَلْ هُوَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ؟ قَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ دَلِيلِ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَقَدْ عَلِمْتَ جَوَابَهُ، وَدَلِيلَ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي النُّكَتِ: اعْتَرَضَ عَلَيْنَا مُخَالِفُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْإِحْرَامِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَأَصْلُ الْحَجِّ مُبَايِنٌ لِلصَّلَاةِ فِي أُمُورٍ شَتَّى قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَجَدْنَا الْحَجَّ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُوقَعَ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَلِذَلِكَ جَازَ الْإِحْرَامُ قَبْلَ أَشْهُرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ قَبْلَ أَشْهُرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لَوْ جَوَّزْنَا الدُّخُولَ فِيهَا قَبْلَ وَقْتِهَا لَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ وَقْتِهَا انْتَهَى.
(فَإِنْ قِيلَ:) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ مَعَ أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمَكَانِ أَوْلَى لِشَرَفِهِ لِقُرْبِ الْبَيْتِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ فِي الْمَكَانِيِّ «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» فَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ مَحْصُورَةٌ فِي النَّاسِكِينَ، وَلَمْ يَحْصُرْ النَّاسِكِينَ فِيهَا فَجَازَ التَّقْدِيمُ وَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ حَصَرَ النُّسُكَ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ فِي الْمُحَرَّمِ إلَى ذِي الْحَجَّةِ لَزِمَهُ، وَلَا يَزَالُ مُلَبِّيًا مُحْرِمًا حَتَّى يَرْمِيَ وَيَحْلِقَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ
وَحُكْمُ مَا بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ حُكْمُ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ بِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُفِقْ حَتَّى فَاتَ الْوُقُوفُ لَمْ يُطَالَبْ بِالْإِحْرَامِ، وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ إذَا أَسْلَمَ، وَلِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ شَامِلٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِيقَاتَ إحْرَامِ الْحَجِّ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: فَلَا يُحْرِمُ قَبْلَهُ، فَإِنْ فَعَلَ انْعَقَدَ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ لَا يَنْعَقِدُ، وَمَالَ إلَيْهِ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: فَلَا يُحْرِمُ قَبْلَهُ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَلِقَوْلِ الْقَرَافِيِّ فِي تَعْلِيلِ الْكَرَاهَةِ: بَقَاءُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ، وَنَصُّهُ قَالَ سَنَدٌ: يُكْرَهُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِحْرَامِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ بِسَنَةٍ، وَهُوَ يُكْرَهُ فِي الْيَسِيرِ انْتَهَى.
بَلْ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّادَلِيّ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَفُوتُهُ، وَلَوْ كَانَ الْآنَ وَقْتُهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَ وَفَاتَهُ لَا يَتَحَلَّلُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْبَقَاءِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْمُحْصَرِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَا يُدْرِكُ فَلْيَلْبَثْ هَذَا حَرَامًا حَتَّى يَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ، فَإِنْ حَصَرَهُ عَدُوٌّ لَمْ يَنْفَعْهُ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ
إلَى قَابِلٍ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لَيْسَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَلَفْظُ اللَّخْمِيِّ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ ثُمَّ أُحْصِرَ عَنْ ذَلِكَ الْعَامِ لَمْ يَحِلَّ إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى وَقْتٍ لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ عَامًا قَابِلًا انْتَهَى.
(الثَّانِي) حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْقِرَانِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ حُكْمُ الْإِفْرَادِ فِي الْوَقْتِ، وَفِي كَرَاهَةِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ وَقْتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَنَصُّهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَانَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ يُكْرَهُ عِنْدَ الْكَافَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمِيعِ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَرَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُهِلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَيَّامِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ إنْ وَقَعَ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّهُ إذَا وَقَعَ صَحَّ وَانْعَقَدَ الْإِحْرَامُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَفِي الْقِرَانِ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَيَكُونُ مُعْتَمِرًا فَقَطْ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ إرْدَافَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَذَلِكَ أَيْ: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ انْعَقَدَ، وَكَانَ قَارِنًا فَلَوْ شَكَّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ الْآتِي: أَنَّهُ شَامِلٌ لِهَذَا وَأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً مُجْزِئَةً عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: وَإِطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَالِكِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي التَّعْيِينِ انْتَهَى يَعْنِي إطْلَاقَهُ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا جَازَ وَخُيِّرَ فِي التَّعْيِينِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ صَرْفُهُ إلَى الْحَجِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) : عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ قَبْلَ أَشْهُرِهِ يَنْعَقِدُ الْقِرَانُ عُمْرَةً فَقَطْ، وَكَذَا الْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ، وَلَا يَصِحُّ الْإِرْدَافُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَإِنْ تَعَيَّنَ أَنَّهُ بِحَجٍّ وَشَكَّ بَعْدَ دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ هَلْ وَقَعَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَمْ لَا كَانَ حَجًّا؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمَانِعِ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ لَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَلَكِنْ هُوَ مُقْتَضَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ أَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحَجَّةِ قَالَ سَنَدٌ هَذَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فَعِنْدَ مَالِكٍ يُحْرِمُ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ كَانَ بِهَا إذَا أَهَلَّ ذُو الْحَجَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُسْتَحَبُّ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «إذَا تَوَجَّهْتُمْ إلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ» ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ وَرَأَيْتُكَ إذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَا بَالُ النَّاسِ يَأْتُونَ شُعْثًا، وَأَنْتُمْ مُدْهِنُونَ أَهِلُّوا إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» ، وَهَذَا لِمَا يَكُونُ لِبُعْدِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْوُقُوفِ رَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ يُهِلُّ لِهِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهَذَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ، وَأَنَّهُ الْعَادَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْآبَاءِ، وَسُنَّةٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَابِ وَلِقُرْبِ إحْرَامِهِمْ مِنْ إحْلَالِهِمْ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ غَيْرُهُ عَلَى مَا قُلْنَا، عَلَى أَنَّهُ رَوَى مَالِكٌ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى مَا قُلْنَا، وَقَالَ التَّادَلِيُّ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِيَكُونَ إحْرَامُهُمْ مُتَّصِلًا بِسَيْرِهِمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ مُطَابِقَةً لِمُبَادَرَتِهِمْ لِلْعَمَلِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِأَوَّلِ ذِي الْحَجَّةِ لِيَلْحَقَهُمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَحِقَ غَيْرَهُمْ وَالْقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ الْبَاجِيُّ، وَعَلَيْهِ كَانَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ انْتَهَى.
كَلَامُ التَّادَلِيِّ، وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى الشَّيْخُ: لَا يُقِيمُ مُحْرِمٌ مُطْلَقًا بِأَرْضِهِ إلَّا إقَامَةَ الْمُسَافِرِ انْتَهَى.
وَنَصُّ النَّوَادِرِ: وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُقِيمُ بِأَرْضِهِ إلَّا إقَامَةَ الْمُسَافِرِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : سُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ الْمُحْرِمِ هَلْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ الْمُعْتَكِفِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حَوَائِجِهِ وَيَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا﴾ [البقرة: 198] يَعْنِي التِّجَارَةَ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ فَحَالُهُ غَيْرُ حَالِ الْمُعْتَكِفِ فِي السَّفَرِ أَيْضًا إنْ أَرَادَهُ انْتَهَى.
مِنْ أَوَائِلِ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ]
، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَهِيَ: مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَحَّ إحْرَامُهُ فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ صِحَّةِ إحْرَامِهِ وَانْعِقَادِهِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ قَبْلَهُ، مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُوَ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَمَّا كَرَاهَةُ تَقْدِيمِهِ فَهُوَ الَّذِي يَحْكِيهِ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَنْزِلِهِ إذَا كَانَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّا نَكْرَهُ لِمَنْ قَارَبَ الْمِيقَاتَ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَمَ مِنْ الْفَرْعِ كَأَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا بِجَوَازِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ، وَوَجْهُ الْأُولَى الْمَشْهُورَةِ: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُحْرِمْ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَكَأَنَّ تَوْقِيتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ نَهْيٌ عَنْ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِهَا كَمَا فِي الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إحْرَامَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ انْتَهَى.
، وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ مَعَ الْقُرْبِ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى إلَّا قَصْدُ الْمُخَالَفَةِ لِتَحْدِيدِ الشَّارِعِ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ، فَإِنَّ فِيهِ قَصْدَ اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: أَنَّ الْمِيقَاتَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْعِ مُجَاوَزَتِهِ لَا لِمَنْعِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ التَّخْفِيفُ فَمَنْ قَدَّمَ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ وَلِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيُّ: مَا رَوَوْهُ يُحْمَلُ عَلَى النَّذْرِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ فَلَعَلَّهُ رَجَعَ عَنْهُ كَمَا نَقَلَ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ لِلِاخْتِصَارِ لِتَسَاوِيهَا مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ أَشَارَ لِمَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ قَالَ حَكَى شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ رَابِغٍ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوَّلَ الْمِيقَاتِ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْجُحْفَةِ وَمُتَّصِلٌ بِهَا قَالَ وَدَلِيلُهُ اتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَرَآهُ قَبْلَ الْجُحْفَةِ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: وَرَأَى سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ أَنَّ إحْرَامَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ رَابِغٍ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ، مَالَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَى أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْجُحْفَةِ وَمُتَّصِلٌ بِهَا وَكَانَ يَنْقُلُهُ عَنْ الزَّوَاوِيِّ انْتَهَى.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ عَنْ الزَّوَاوِيِّ وَنَصُّهُ وَرَابِغٌ أَوَّلُ مِيقَاتِ الْجُحْفَةِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَيِّدِي أَبِي عَبْد اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ
فَهُوَ فِي مَدْخَلِهِ قَالَ: وَلْيُحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ رَابِغٍ، وَهُوَ قَبْلَ الْجُحْفَةِ فَيَبْتَدِئُونَ الْحَجَّ بِفِعْلٍ مَكْرُوهٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّ الْجُحْفَةَ لَا مَاءَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ سُنَّةٌ، وَلِإِمْكَانِ الْغُسْلِ بِرَابِغٍ وَتَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّ الرَّكْبَ لَا يَدْخُلُ الْجُحْفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ بَلْ إذَا حَاذَاهَا أَحْرَمَ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْجُحْفَةِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ أَوْسَطِهَا أَوْ مِنْ آخِرِهَا تَرَكَ الْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ وَالسَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْهَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ، وَنَصُّ ابْنِ جَمَاعَةَ وَهِيَ أَيْ: الْجُحْفَةُ بِالْقُرْبِ مِنْ رَابِغٍ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ النَّاسُ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مَكَّةَ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ مُحَاذَاتِهَا بِيَسِيرٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ نَذْرَ الْمَكْرُوهِ لَا يَلْزَمُ، بَلْ وَلَا الْمُبَاحِ فَقَدْ خَالَفُوا ذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ فَأَلْزَمُوا بِهِ مَنْ نَذْرِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النُّذُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إلَّا الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ فَلِتَحْلِيلِهِ وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ)
ش تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْإِحْرَامِ مِيقَاتَيْنِ، زَمَانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الزَّمَانِيِّ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مِيقَاتِ الْحَجِّ الزَّمَانِيِّ ذَكَرَ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ؛ وَيَعْنِي أَنَّ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ جَمِيعُ السَّنَةِ إلَّا لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ إلَى تَحْلِيلِهِ، وَهِيَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيُ بَعْدَهُ لِمَنْ لَمْ يَسْعَ وَيُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا حِينَئِذٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَعَلَيْهِ شَرَحَهُ الشَّارِحَانِ وَقَبِلَاهُ، وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَلِتَحَلُّلَيْهِ ثَبَتَ فِي نُسْخَتِهِ بِالْإِفْرَادِ وَلَمَّا كَانَ التَّحَلُّلُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشَيْئَيْنِ ثَنَّى الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَاعْلَمْ أَنَّ مِيقَاتَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ جَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لِمَنْ لَمْ يُحْرِمْ بِحَجٍّ حَتَّى يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ الْعُمْرَةُ فِي أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا لِلْحَاجِّ فَيُكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِرُوا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلُوا وَقَفَلُوا إلَى مَكَّةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَلَا يُحْرِمُوا بِالْعُمْرَةِ مِنْ التَّنْعِيمِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْهُمْ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ أَنْ تَمَّ رَمْيُهُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَحَلَّ مِنْ إفَاضَتِهِ فَيَلْزَمُهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَجَائِزٌ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ إحْلَالَهُ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَوَاءٌ كَانَ إحْلَالُهُ مِنْهَا فِي أَيَّامِ مِنًى أَوْ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الْحَاجِّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَعْتَمِرُ مِنْ أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُحِلُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرَى هَؤُلَاءِ مِثْلَ مَنْ يَعْتَمِرُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ الْحَاجِّ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَهَذَا لَا يُعْجِبُنِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: جَائِزٌ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَمْرُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ لَمَّا قَدِمَا عَلَيْهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ فَاتَهُمَا الْحَجُّ لِإِضْلَالِ رَاحِلَتِهِ وَبِخَطَأِ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ أَنْ يَتَحَلَّلَا مِنْ إحْرَامِهِمَا بِالْحَجِّ وَيَقْضِيَاهُ قَابِلًا وَيُهْدِيَا كَمَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ فَلِمَنْ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ سَوَاءٌ حَلَّ مِنْهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ بَعْدَهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَقَوْلُهُ هُنَا، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: إنَّ هَؤُلَاءِ يُحِلُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَيْسَ بِتَعْلِيلٍ صَحِيحٍ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ فَلَا حَجَّةَ عَلَيْهِ يَعْتَمِرُ مَتَى شَاءَ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَيَّامِ مِنًى وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ عَلَى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ
السَّنَةُ كُلُّهَا لِلْعُمْرَةِ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ وَقْتٌ يَصِحُّ فِيهِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَلَا تُكْرَهُ فِيهِ الْعُمْرَةُ كَسَائِرِ السَّنَةِ وَيَوْمُ عَرَفَةَ يَصِحُّ فِيهِ الْقِرَانُ فَلَا يُكْرَهُ فِيهِ إفْرَادُ الْعُمْرَةِ كَمَا لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْحَجِّ وَلِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَفْعَلُ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْقَلِبُ إحْرَامُهُ عُمْرَةً، فَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا لِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ وَالذِّمَّةُ خَالِيَةً مِمَّا يُنَافِي الْعُمْرَةَ لَمْ يَبْقَ لِلْكَرَاهَةِ وَجْهٌ، وَمَا رَوَاهُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ صَحَّ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَالْوَقْتُ الَّذِي يُؤْتَى بِهَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ حَجٌّ، وَلَا يُرِيدُهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَيَعْتَمِرُ مِنْ السَّنَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَحَبَّ، وَفِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَكُونُ النَّاسُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَ الْعُمْرَةِ، أَمَّا مَنْ حَجَّ فَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ، وَإِنْ تَعَجَّلَ فَلَا يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْعَقِدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الرَّمْيِ فَيَلْزَمُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ، وَلَا يُحِلُّ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَإِحْلَالُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ ذَلِكَ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ وَقَضَاهَا وَأَهْدَى، وَالْقِيَاسُ إذَا أَكْمَلَ الْإِحْرَامَ لِلْحَجَّةِ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِحْرَامُ لِعُمْرَةٍ، وَيَصِحُّ عَمَلُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: يَعْنِي أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُعِينٍ كَالْحَجِّ فَقَدْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الصِّدِّيقِ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحَجَّةِ «، وَقَالَ: عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» أَوْ قَالَ: «حَجَّةً مَعِي» إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ: الْعُمْرَةُ لَا تُرْتَدَفُ عَلَى الْحَجِّ فَلِذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي أَيَّامِ مِنًى لِمَنْ حَجَّ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَلَوْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِّ وَابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ وَصَرِيحِهَا وَنَصِّ ابْنُ الْحَاجِّ، أَمَّا غَيْرُ ابْنِ الْحَاجِّ فَلَا تُكْرَهُ لَهُ الْعُمْرَةُ أَيَّامَ مِنًى وَأَنْ يَحِلَّ مِنْهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا مِنْ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ: حَدِيثُ هَبَّارٍ: وَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِرُوا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ يَوْمِ النَّحْرِ فِي ذَلِكَ حُكْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْتَهَى.
وَنَصُّ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ مِثْلُهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فَلَعَلَّ لَفْظَ قَوَاعِدَ سَقَطَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ سَنَدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهَتَهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَافَقَهُ عَلَى مَا عَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَوْ كَانَ الْمَذْهَبُ يُوَافِقُهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ لَبَيَّنَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا مُرَادُهُمَا بِالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ بَيَانُ مِيقَاتِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ
، وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ بَيَانُ مِيقَاتِ الْإِحْرَامِ لِلْعُمْرَةِ لِمَنْ حَجَّ فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهَا مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْمَذْهَبِ مِنْهَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ قَالَ: وَتَجُوزُ الْعُمْرَةُ فِي أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا الْحَاجَّ فَيُكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِرُوا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي مَنَاسِكِهِ: وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ لِلْحَاجِّ عَلَى الْمَنْعِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، أَمَّا مَنْ حَجَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ بَعْدَ أَنْ رَمَى وَأَفَاضَ وَأَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَلَا يَعْمَلُ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ شَيْئًا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَإِنْ عَمِلَ فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ، وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَالْأَصْلُ فِي
ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضَاءِ عُمْرَتِهَا بَعْدَ قَضَاءِ حَجِّهَا انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِقَضَاءِ عُمْرَتِهَا أَنَّ صُورَتَهَا صُورَةُ الْقَضَاءِ لَا أَنَّهَا قَضَاءٌ حَقِيقَةً؛ إذْ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الْمَنْعَ شَامِلٌ لِمَا قَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ، وَلَوْ رَمَى لَهُ، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ نَعَمْ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ رَمْيِ الرَّابِعِ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَنَّ كُلَّ حَجَّةٍ بِتَحْلِيلَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ تَعَجَّلَ، وَمَنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَذَلِكَ: أَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ مَا رَمَى الْجِمَارَ، وَحَلَّ مِنْ إفَاضَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ مَا نَصَّهُ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ تُنَافِي الْعُمْرَةَ، وَوَقْتُ الْفِعْلِ مُلْحَقٌ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا سَقَطَ الْفِعْلُ وَبَقِيَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ وَقْتًا لِمَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْحَجِّ فَمَا بَعْدُ امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الْعُمْرَةِ وَإِحْرَامُ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْفِعْلِ تُرِكَتْ تَخْفِيفًا وَبَقِيَ حُكْمُهُ فَمَا عَدَا الرُّخْصَةَ فِي ذَلِكَ قَائِمًا، وَذَلِكَ كَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُتَعَجِّلَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ أَنْ حَلَّ وَخَرَجَ وَتَمَّ عَمَلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ أَحْرَمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا سَقَطَ الْفِعْلُ بِتَوْقِيتِهِ، وَبَقِيَ الْوَقْتُ الْمُتَّسِعُ لَهُ فَهَاهُنَا لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَهُ انْعِقَادُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ جَهِلَ فَأَحْرَمَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ كَانَ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَقَدْ رَمَى فِي يَوْمَيْهِ، فَإِنَّ إحْرَامَهُ يَلْزَمُهُ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَإِحْلَالُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَاطِلٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَطُوفُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَوَقْتُ الْفِعْلِ مُلْحَقٌ بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا قَالَهُ فِي تَعْلِيلِ كَوْنِ الْمُتَعَجِّلِ لَا يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الرَّابِعِ عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِغَيْرِهِ، وَنَصُّهُ: رَاعَى مَالِكٌ وَقْتَ الرَّمْيِ وَوَقْتُهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى مَنْ أَخَّرَ رَمْيَ الثَّالِثِ إلَى قَبْلِ الْغُرُوبِ، وَلِلْوَقْتِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ لَا تَشْغَلُهُ عُمْرَتُهُ عَنْ فِعْلِ الرَّمْيِ فِي وَقْتِهِ إذْ وَقْتُهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَلَوْ كَانَ الْمَنْعُ لِمُجَرَّدِ فِعْلِ الرَّمْيِ لَاخْتَصَّ بِوَقْتِ فِعْلِهِ وَلَمَّا مُنِعَ مِنْ الْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الرَّمْيِ كَانَ لِلزَّمَانِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهَا بَعْدَ رَمْيِ الرَّابِعِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَعُلِمَ مِمَّا نَقَلَهُ فِي الطِّرَازِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْمُتَعَجِّلَ أَيْضًا يُمْنَعُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ رَمْيِ الرَّابِعِ، وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلتِّلِمْسَانِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَنَحْوُهُ لِلشَّبِيبِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّبِيبِيِّ وَجَمِيعُ السَّنَةِ لَهَا وَقْتٌ إلَّا أَيَّامَ مِنًى لِمَنْ حَجَّ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جَازَ الْإِحْرَامُ بِهَا، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ وَأَخَّرَ السَّعْيَ وَالطَّوَافَ إلَى الْغُرُوبِ، فَإِنْ فَعَلَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَأَمَّا الزَّمَانِيُّ فَفِي جَمِيعِ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهَا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَجِّهِ، وَلَوْ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ رَمْيِهِ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا، وَلَا قَضَاؤُهَا فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ أَحْرَمَ حِينَئِذٍ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا وَمَضَى فِيهَا حَتَّى يُتِمَّهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَرْمِيَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ وَأَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا حِينَئِذٍ فَلَا يَفْعَلُ مِنْهَا فِعْلًا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَوْ طَافَ وَسَعَى فَهُمَا كَالْعَدَمِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ
فَنَرْجِعُ إلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مُخْتَصَرِهِ فَنَقُولُ: ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ الْحَجِّ بِتَحَلُّلَيْهِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، وَهُمَا رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ بَعْدَهُ إنْ كَانَ لَمْ يُقَدِّمْ السَّعْيَ، ثُمَّ بَعْدَهُمَا يُكْرَهُ لَهُ الْإِحْرَامُ بِهَا وَيَنْعَقِدُ، وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ الِانْعِقَادَ وَعَدَمَهُ فِي كَلَامِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعْنَاهُ، وَبِهِ فَسَّرَهُ شَارِحَاهُ وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَعَ مِنْهُ التَّحَلُّلَانِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَدْ عَلِمْتَ، وَكَلَامُهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي النُّكَتِ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا: وَيَكُونُ خَارِجَ الْحَرَمِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ الْحَرَمَ لِسَبَبِ الْعُمْرَةِ عَمَلٌ لَهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ لَهَا عَمَلًا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَانْظُرْ لَوْ دَخَلَ مِنْ الْحِلِّ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَالظَّاهِرُ عَلَى بَحْثِهِ أَنَّ دُخُولَهُ لَغْوٌ وَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ إلَى الْحِلِّ لِيَدْخُلَ مِنْهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) شَمِلَ قَوْلُهُ: إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِقِرَانٍ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بَلْ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ أُخْرَى حَتَّى تَكْمُلَ الْأُولَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَسَنَدٌ فِي بَابِ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَغَيْرُهُمَا، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إلَّا لِمُحْرِمٍ فَلِفَرَاغِهِ مِنْهُ وَدُخُولِ وَقْتِ رَمْيِ الرَّابِعِ إنْ كَانَ بِحَجٍّ، وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ لَوَافَقَ النُّقُولَ وَشَمِلَ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ لَوْ تَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنَا، وَقَالَ إثْرَ قَوْلِهِ: فِيمَا يَأْتِي وَأَلْغَى عُمْرَةً عَلَيْهِ إلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ وَرَمَى الرَّابِعَ وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ لَكَانَ صَحِيحًا أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) يُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ أَفْعَالِ الْحَجِّ الْحِلَاقُ، فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْحِلَاقُ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ سَنَدٌ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ وَحَرُمَ الْحَلْقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَكْمَلَهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا الْحِلَاقُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِأُخْرَى انْعَقَدَ إحْرَامُهُ الثَّانِي: كَمَا سَيَأْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ سَنَدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ إحْلَالَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا يُفِيدُ قَالَ سَنَدٌ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِحْلَالِ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ وَلْيَقْضِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا وَيُهْدِ وَخَرَّجَ الْبَاجِيُّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ عَلَى نُزُولِ الْمُحْصَبِ هَلْ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ قَالَ: فَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَلَّا يُحْرِمَ بِهَا قَبْلَ إتْمَامِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - رَاجِعٌ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ رَمْيِ الرَّابِعِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْهُ، وَذَلِكَ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ مَا نَصُّهُ: وَقْتُ الْعُمْرَةِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ السَّنَةُ كُلُّهَا، وَلِلْحَاجِّ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَنَحْوُهُ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ مَالِكٌ وَسَوَاءٌ تَعَجَّلَ أَمْ لَا، فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْعُمْرَةِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الرَّمْيِ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ انْعَقَدَ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا التَّادَلِيُّ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي ذِكْرِهِمَا كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ مَا قَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُهَا رَدٌّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي وَطْئِهِ بَعْدَ إحْلَالِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ، قَالَ: الْقِيَاسُ إذَا كَانَ قَدْ حَلَّ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَانْعَقَدَ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ يَصِحَّ عَمَلُهَا انْتَهَى.
مِنْ الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَنَحْوُهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ:) قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ الصَّرُورَةُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، وَقَدْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَيَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُوَ صَرُورَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، أَمَّا
إذَا قَدِمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ حِينَئِذٍ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ - مَكَّةُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ أَقَامَ بِهَا (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ مَكَّةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ غَيْرِهَا، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ خَرَجَا يَعْنِي الْمَكِّيَّ وَالْآفَاقِيَّ الْمُقِيمَ بِهَا إلَى الْحِلِّ جَازَ عَلَى الْأَشْهَرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ هَارُونَ قَوْلُهُ: عَلَى الْأَشْهَرِ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِمَا قَوْلًا بِالْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْضًا، وَقَالَ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: مُقَابِلُ الْأَشْهَرِ فِي كَلَامِهِ قَوْلٌ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَعْزُوًّا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ مَكِّيٌّ أَوْ مُتَمَتِّعٌ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ، فَإِنْ مَضَى إلَى عَرَفَاتٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ مِنْ الْحَرَمِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ، وَهُوَ مُرَاهِقٌ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا زَادَ، وَلَمْ يَنْقُصْ قَالَ التَّادَلِيُّ: قَالَ الْبَاجِيُّ قَوْلُهُ: زَادَ، وَلَمْ يَنْقُصْ هَذَا عِنْدِي - فِيمَنْ عَادَ إلَى الْحَرَمِ - ظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْحِلِّ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَاتٍ دُونَ دُخُولِهِ الْحَرَمَ أَوْ أَهَلَّ مِنْ عَرَفَاتٍ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا حَلَالًا مَرِيدًا الْحَجَّ، فَإِنَّهُ نَقَصَ، وَلَمْ يَزِدْ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ وُقِّتَتْ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْإِنْسَانُ إلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَمَنْ كَانَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَلَيْسَ الْبَيْتُ مِيقَاتًا لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يُحْرِمُ مِنْهَا وَالْمَوَاقِيتُ يَسْتَوِي فِي الْإِحْرَامِ مِنْهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْضَ كَلَامِ الْبَاجِيِّ، وَلَعَلَّهُ حَصَلَ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ الْمُنْتَقَى سَقْطٌ، وَوَجَّهَ سَنَدٌ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ تَرَكَ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلَ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ آثِمٌ، وَلَا إنَّهُ أَسَاءَ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: الشَّافِعِيُّ: لَوْ فَارَقَ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ بُنْيَانَهَا وَأَحْرَمَ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ فَهُوَ مُسِيءٌ يَلْزَمُهُ الدَّمُ إنْ لَمْ يَعُدْ قَبْلَ الْوُقُوفِ إلَى مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الدَّمَ بِالْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا إسَاءَةَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى عَرَفَةَ، وَهُوَ مَرِيدٌ لِلْحَجِّ: إنَّهُ مُسِيءٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَا أَجْزِمُ بِأَنَّهُ آثِمٌ (الثَّانِي:) يُخَصَّصُ كَلَامُهُ هُنَا بِالْمُقِيمِ الَّذِي لَيْسَ فِي نَفَسٍ مِنْ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ فِي نَفَسٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ لِمِيقَاتِهِ أَيْ: فِي سَعَةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ أَوْ يُقَالُ: لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي لَهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَكَانَ فِي نَفَسٍ مِنْ الْوَقْتِ أَيْ: فِي سَعَةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالنَّفَسُ بِفَتْحِ الْفَاءِ السَّعَةُ
ص (نُدُوبُ الْمَسْجِدِ)
ش: أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَلِمَنْ دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ انْتَهَى.
وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا مِنْ بَابِهِ بَلْ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا بِلُزُومِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَكْثَرُ النُّصُوصِ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ: أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوُجُوبِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ إلَّا لِابْنِ بَشِيرٍ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَيْسَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ بَشِيرٍ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ، وَنَصُّهُ: وَمُرِيدُ ذَلِكَ يَعْنِي الْإِحْرَامَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَبْعُدَ بَلَدُهُ أَوْ يَقْرُبَ أَوْ يَكُونَ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ قَالَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ مِمَّنْ دَخَلَهَا ثُمَّ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ مِنْهَا، فَإِنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَمِنْ أَيْنَ؟ هَلْ
مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى الْمُمْكِنِ فِي الْبُعْدِ عَنْ الْحِلِّ فَأَشْبَهَ الْمَوَاقِيتَ أَوْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فَفِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ لِلْإِحْرَامِ قَوْلَانِ أَيْ: يُسْتَحَبُّ تَعْيِينُ الْمَسْجِدِ إذْ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَرْحُونٍ، وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلِ الثَّانِي بِعَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ حَسَنٌ لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَهْلَلْنَا بِالْأَبْطَحِ وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَسَمَاعِ أَشْهَبَ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ وَلْنَذْكُرْ كَلَامَهُ بِرُمَّتِهِ قَالَ مِنْهَا فِيهَا إحْرَامُ مُرِيدِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَفِيهَا أَيْضًا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسُمِعَ الْقَرِينَانِ يُحْرِمُ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ قِيلَ: مِنْ بَيْتِهِ قَالَ بَلْ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ قِيلَ: مِنْ عِنْدِ بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا بَلْ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ كَوْنُ الْإِحْرَامِ إثْرَ نَفْلٍ بِالْمَسْجِدِ، فَإِذَا صَلَّى وَجَبَ إحْرَامُهُ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةٌ إلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ أَوْ بِخُرُوجِهِ يَزْدَاد مِنْ الْبَيْتِ بُعْدًا بِخِلَافِ خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَوَاقِيتِ إذْ بِخُرُوجِهِ يَزْدَادُ مِنْ الْبَيْتِ قُرْبًا اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ: فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْ مَكَّةَ أَصْوَبُ الْبَاجِيُّ فِي كَوْنِ إحْرَامِهِ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهِ رِوَايَتَا أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ وَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَكْثَرُ النُّصُوصِ اسْتِحْبَابُ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَحْكِ لُزُومَهُ غَيْرُ ابْنِ بَشِيرٍ قُصُورًا لِنَقْلِ الشَّيْخِ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ وَسَمَاعَ أَشْهَبَ يُحْرِمُ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: بَلْ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ وَعِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ عَنْهُ يُوجِبُ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، فَإِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَلَا يَخْرُجَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةُ اللَّهِ إلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ فَهُوَ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ يَزْدَادُ بُعْدًا مِنْ الْبَيْتِ بِخِلَافِ خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَوَاقِيتِ بِخُرُوجِهِ يَزْدَادُ قُرْبًا انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَانِهِ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْوُجُوبَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ اللُّزُومُ وَالتَّرَتُّبُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَفْسَدَ الْأَجِيرُ حَجَّهُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَمَّا كَوْنُهُ لَا يُجْزِئُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُزَنِيِّ ثُمَّ رَدَّهُ وَأَطَالَ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يُجْزِئْ عَنْ الْمَيِّتِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِفَاعِلِهِ، وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي إلَيْهَا عَلَى صِفَةِ مَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي غُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْعَقِيقَةِ مِنْ الْبَيَانِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمَوْلُودَ إذَا مَاتَ قَبْلَ السَّابِعِ لَا يُعَقُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ إنَّمَا يَجِبُ ذَبْحُهَا فِي يَوْمِ السَّابِعِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي عِبَارَاتِهِمْ، وَلَوْ فَهِمَ ابْنُ رُشْدٍ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الْوُجُوبِ لَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا (تَنْبِيهٌ) : إذَا قُلْنَا: يُحْرِمُ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَيُلَبِّي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِهِمْ لَا سِيَّمَا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَانِهِ، وَلَا يَخْرُجَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ، وَلَا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَطْلُوبًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا اسْتِحْبَابَ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُحْرِمُ مِنْ قُرْبِ الْبَيْتِ إمَّا تَحْتَ الْمِيزَابِ أَوْ غَيْرَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا كَانَ فِي نَفَسٍ مِنْ الْوَقْتِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْخُرُوجُ لِمِيقَاتِهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَوَاقِيتُ فِي
الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ إلَّا مَنْ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ فِي الْعُمْرَةِ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحِلِّ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ التَّنْعِيمُ وَمَا بَعُدَ مِثْلُ الْجِعْرَانَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلَوْ خَرَجَ الطَّارِئُ إلَى مِيقَاتِهِ كَانَ أَفْضَلَ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ وَالْعُمْرَةُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْهَا مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِحْرَامِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ لِمَنْ بِمَكَّةَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَوْ التَّنْعِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا مَوَاقِيتَهُمْ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ لَهُمْ الْإِحْرَامُ مِنْ مَوَاقِيتِهِمْ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْجَلَّابِ فِي غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهَا، وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى ثُمَّ التَّنْعِيمُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ لِلْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ طَرَفُ الْحِلِّ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَلَوْ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ طَرَفِ الْحِلِّ وَأَفْضَلُ جِهَاتِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ مِنْهَا وَلِبُعْدِهَا ثُمَّ يَلِيهَا فِي الْفَضْلِ التَّنْعِيمُ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنْهَا وَقَوْلُهُ هُنَا: ثُمَّ التَّنْعِيمُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَنَاسِكِهِ أَوْ التَّنْعِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْجِعْرَانَةِ عَلَى التَّنْعِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِأَفْضَلِيَّتِهَا فِي كَلَامِ النَّوَادِرِ وَالْجِعْرَانَةُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَصَوَّبَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: إنَّ التَّشْدِيدَ خَطَأٌ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْجِعْرَانَةُ، وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ التَّشْدِيدُ خَطَأٌ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ انْتَهَى.
، وَهِيَ إلَى مَكَّةَ أَقْرَبُ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجِهَاتِ بَعْدَهُمَا مُتَسَاوِيَةٌ وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ بَعْدَ التَّنْعِيمِ الْحُدَيْبِيَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَلَّلَ فِيهَا، وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَيَجُوزُ فِي يَائِهَا الثَّانِيَةِ التَّخْفِيفُ وَالتَّشْدِيدُ، وَصَوَّبَ الشَّافِعِيُّ التَّخْفِيفَ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَوَائِدُ: الْأُولَى) : اعْتِمَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجِعْرَانَةِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حِينَ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ إحْرَامَهُ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا كَانَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهَا يُحْرِمُ أَهْلُ مَكَّةَ فِي كُلِّ عَامٍ فِي لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ، مَا ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ يُخَالِفُ مَا أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَيُقِيمُونَ الْيَوْمَ السَّابِعَ عَشَرَ بِالْجِعْرَانَةِ وَيُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ بِهَا لَيْلَةَ الثَّامِنَ عَشَرَ وَيُحْرِمُونَ وَيَتَوَجَّهُونَ إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ يُلَائِمُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ يَحْصُلُ لِلنَّاسِ خَوْفٌ فَيَخْرُجُونَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ مُحْرِمِينَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ وَرُبَّمَا خَرَجُوا مِنْهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبَعْدَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ انْتَهَى.
وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ عَمَلَ أَهْلِ مَكَّةَ لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَبَعْدَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ خَوْفٍ، وَفِي هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ أُمُورٌ مِنْهَا أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي فَعَلَهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يُفَوِّتُ فَضِيلَةَ الْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ لِمَنْ يَحُجُّ فِي عَامِهِ، وَمِنْهَا اتِّخَاذُ ذَلِكَ سُنَّةً فِي كُلِّ عَامٍ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا صَادَفَ اعْتِمَارُهُ هَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُشْهِرْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ هُنَاكَ حَجَرًا مَحْفُورًا يُسَمُّونَهُ صَحْفَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَخْرَةً عَظِيمَةً يُسَمُّونَهَا نَاقَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجْتَمِعُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ عِنْدَهُمَا وَيَعْجِنُونَ فِي الصَّحْفَةِ عَجِينًا وَيُقَطِّعُونَهُ قِطَعًا صِغَارًا يَضَعُونَهَا فِي الدَّرَاهِمِ لِلْبَرَكَةِ وَيَحْمِلُونَ مِنْ مَائِهَا وَيَصُرُّونَ ذَلِكَ مَعَ قِطَعِ الْعَجِينِ لِلْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ، وَمِنْ فَضَائِلِ الْجِعْرَانَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْجُنْدِيُّ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنْ
الْجِعْرَانَةِ ثَلَاثُمِائَةِ نَبِيٍّ، وَفِيهَا مَاءٌ شَدِيدُ الْعُذُوبَةِ يُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَصَ مَوْضِعَ الْمَاءِ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ فَانْبَجَسَ فَشَرِبَ مِنْهُ وَسَقَى النَّاسَ وَيُقَالُ: إنَّهُ غَرَزَ فِيهِ رُمْحَهُ فَنَبَعَ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَزِيدِ فَوَائِدَ عَدِيدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْعُمْرَةِ وَالْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فَمَنْ أَرَادَ الشِّفَاءَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِيَةُ) أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ يَخْرُجَ بِأُخْتِهِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ وَذَلِكَ: أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ وَتَسْعَى لِلْعُمْرَةِ، وَأَدْرَكَهُمْ وَقْتُ الْوُقُوفِ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَلَمَّا قَضَتْ الْحَجَّ قَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَرْجِعُ أَنَا بِنُسُكٍ وَاحِدٍ يَعْنِي يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ مُفْرَدَيْنِ وَتَرْجِعُ هِيَ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ أَيْ: بِصُورَةِ نُسُكٍ، فَإِنَّ عَمَلَ الْعُمْرَةِ اضْمَحَلَّ فَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ، وَهَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك، وَتَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَضَاءِ عُمْرَتِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ حَجِّهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ صُورَتَهَا صُورَةُ الْقَضَاءِ لَا أَنَّهَا قَضَاءٌ حَقِيقَةً؛ إذْ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءٌ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ، وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ، وَقَالَ سُفْيَانُ هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ:) قَالَ سَنَدٌ: وَقَدْ رَغَّبَ الشَّرْعُ فِي الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ لِمَا يُرْجَى مِنْ تَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنِّي كُنْتُ قَدْ تَجَهَّزْتُ لِلْحَجِّ فَاعْتَرَضَ لِي فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ بِحَجَّةٍ» رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ الْحَجَّ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا أَحْجِجْنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ: إنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حَجَّةً مَعَكَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرِئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ أَفْضَلُ شُهُورِ الْعُمْرَةِ رَجَبٌ وَرَمَضَانُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَوَانِينِ: وَتَجُوزُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ إلَّا لِمَنْ كَانَ مَشْغُولًا بِالْحَجِّ وَأَفْضَلُهَا فِي رَمَضَانَ انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ فِي فَضْلِهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ اسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَبَعْدَ أَيَّامِ مِنًى لِآخِرِ الْحَجَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ)
ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ، فَإِنَّ إحْرَامَهُ بِهَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَيُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى لَهَا، فَإِنْ طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى الْحِلِّ فَطَوَافُهُ وَسَعْيُهُ كَالْعَدَمِ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ وَاجِبٌ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي التَّلْقِينِ وَالْمَعُونَةِ: لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ، وَكَذَا قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ النَّوَادِرِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمَا بَلْ نَقَلَ التَّادَلِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ مَنَاسِكِهِ وَابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ جَمَاعَةَ التُّونُسِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ انْعِقَادُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى انْعِقَادِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) إذَا قُلْنَا: إنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَحَكَى ابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي تَذْكِرَتِهِ فِي الْفَرْعَيْنِ
عَلَى مَا نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ وَابْنُ جَمَاعَةَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ، وَخَرَجَ إلَى الْحِلِّ، وَلَزِمَهُ الدَّمُ لِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ:) حُكْمُ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْحَرَمِ كَأَهْلِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ (الرَّابِعُ:) بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ، وَلَكِنَّهُ إذَا دَخَلَ مِنْ الْحِلِّ فَلَا يَطُوفُ، وَلَا يَسْعَى؛ لِأَنَّ سَعْيَهُ يَقَعُ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَحْرَمَ مَكِّيٌّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً لَزِمَتَاهُ وَصَارَ قَارِنًا، وَيَخْرُجُ لِلْحِلِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَانْظُرْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ رَجَعَ وَسَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ خُرُوجِ الْقَارِنِ إلَى الْحِلِّ هُوَ: الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ مَا عَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِسَحْنُونٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَإِسْمَاعِيلَ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِسَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْمَاعِيلَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ: الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْعُمْرَةِ فِي الْقِرَانِ مُضْمَحِلٌّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ إنَّمَا هُوَ الْحَجُّ، وَالْحَجُّ يَنْشَأُ مِنْ مَكَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَهْدَى إنْ حَلَقَ)
ش: فِي إطْلَاقِ الْهَدْيِ عَلَى هَذَا مُسَامَحَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِدْيَةٌ، وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي إطْلَاقِ الدَّمِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ غَالِبَ اسْتِعْمَالِهِمْ لَفْظَ إنَّمَا هُوَ فِي الْهَدْيِ لِتَعَيُّنِهِ فِيهِ ابْتِدَاءً وَعَدَمِ تَعَيُّنِ الدَّمِ فِي الْفِدْيَةِ انْتَهَى.
وَإِطْلَاقُ الْهَدْيِ عَلَيْهِ أَشَدُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةُ وَيَلَمْلَمُ وَقَرْنٌ وَذَاتُ عِرْقٍ)
ش: الضَّمِيرُ فِي لَهُمَا رَاجِعٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ فَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ الْمَذْكُورَةُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ» فَأَمَّا ذُو الْحُلَيْفَةِ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْفَاءِ تَصْغِيرُ حَلْفَةَ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي جُشَمٍ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا عَشْرُ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ سِتَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ سَبْعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مُسْدِي، وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ دُونَهَا وَبَيْنَ الْحُلَيْفَةِ وَمَكَّةَ نَحْوُ الْمِائَتَيْ مِيلٍ تَقْرِيبًا قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَمَسْجِدُهُ يُسَمَّى مَسْجِدَ الشَّجَرَةِ، وَقَدْ خَرِبَ، وَبِهَا الْبِئْرُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ يَنْسُبُونَهَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَاتَلَ الْجِنَّ بِهَا، وَنِسْبَتُهَا إلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يَرْمِي بِهَا حَجَرًا، وَلَا غَيْرَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهِيَ دَاخِلُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَفِي بُعْدِهَا مَعْنًى لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَلَبَّسُونَ بِالْإِحْرَامِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَيَخْرُجُونَ مُحْرِمِينَ مِنْ حَرَمٍ إلَى حَرَمٍ فَيَتَمَيَّزُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمَدِينَةِ بِحُصُولِ شَرَفِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَالْحَاصِلُ بِغَيْرِهِ شَرَفُ الِانْتِهَاءِ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، وَأَمَّا الْجُحْفَةُ فَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ أَهْلُ الرُّومِ وَبِلَادُ التَّكْرُورِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الشَّرْحِ
وَهِيَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ خَمْسَةِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ عَلَى نَحْوِ ثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ وَكَانَتْ عَامِرَةً ذَاتُ مِنْبَرٍ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ سُمِّيَتْ جُحْفَةَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا، وَحَمَلَ أَهْلَهَا انْتَهَى.
وَذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهَا بِذَلِكَ فِي زَمَانِهِ وَالسَّيْلُ إنَّمَا أَجْحَفَهَا فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ انْتَهَى.
(قُلْت:) : وَالظَّاهِرُ: أَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا قَبْلَ هَذَا الْإِجْحَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهَا كَانَتْ تُسَمَّى مَهْيَعَةَ فَنَزَلَهَا بَنُو عُبَيْدٍ، وَهُمْ إخْوَةُ عَادٍ حِينَ أَخْرَجَهُمْ الْعَمَالِيقُ مِنْ يَثْرِبَ فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَأَجْحَفَهُمْ فَسُمِيَتْ الْجُحْفَةَ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَأَجْحَفَهُمْ أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَيُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا فِي وَقْتٍ
انْتَهَى.
وَمَهْيَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ هَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ عَلَى وَزْنِ جَمِيلَةٍ، وَهِيَ الَّتِي دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهَا حُمَّى الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ يَوْمئِذٍ دَارَ الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مُسْلِمٌ وَيُقَالُ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إلَّا حُمَّ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ مِنْ رَابِغٍ الَّذِي يُحْرِمُ النَّاسُ مِنْهُ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ مَهْيَعَةَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ الْجُحْفَةِ انْتَهَى.
وَحَدِيثُ الدُّعَاءِ بِنَقْلِ حُمَّى الْمَدِينَةِ إلَى الْجُحْفَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَالْجُحْفَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَحْرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَأَمَّا يَلَمْلَمُ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ وَيَمَانِيِّ تِهَامَةَ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مِيمٌ وَيُقَالُ: أَلَمْلَمَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي مَوْضِعِ الْيَاءِ ثُمَّ لَامٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ لَامٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنْ الْهَمْزَةِ وَيُقَالُ: يَرَمْرَمُ بِرَاءَيْنِ بَدَلَ اللَّامَيْنِ، وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَأَمَّا قَرْنٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ الْيَمَنِ وَأَهْلِ نَجْدٍ الْحِجَازَ وَالنَّجْدُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى ذَاتِ عِرْقٍ وَإِلَى الْيَمَامَةِ وَإِلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ وَإِلَى جُدَّةَ وَإِلَى الْيَمَنِ وَذَاتُ عِرْقٍ أَوَّلُ تِهَامَةَ إلَى الْبَحْرِ وَجُدَّةُ، وَقِيلَ: تِهَامَةُ مَا بَيْنَ ذَاتِ عِرْقٍ إلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْمَغْرِبِ فَهُوَ غَوْرٌ وَالْمَدِينَةُ لَا تِهَامِيَّةٌ، وَلَا نَجْدِيَّةٌ، فَإِنَّهَا فَوْقَ الْغَوْرِ وَدُونَ نَجْدٍ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَرْنٌ هُوَ جَبَلٌ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ، وَقَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعُونَ مِيلًا انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ مُسَدِّيٍّ فِي مَنْسَكِهِ إنَّ أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ يَلَمْلَمُ، وَقَالَ: إنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثِينَ مِيلًا، وَقَالَ بَيْنَ مَكَّةَ وَقَرْنٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَهُوَ غَرِيبٌ، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ التَّادَلِيُّ أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَقَرْنٍ أَرْبَعِينَ مِيلًا وَبَيْنَ مَكَّةَ وَيَلَمْلَمَ أَرْبَعِينَ مِيلًا، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَرْنٍ وَيَلَمْلَمَ وَذَاتِ عِرْقٍ: إنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَنَقَلَ ابْنُ جَمَاعَةَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ اثْنَانِ أَرْبَعُونَ مِيلًا، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَأَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَيَلِيهِ فِي الْبُعْدِ الْجُحْفَةُ، وَأَمَّا يَلَمْلَمُ وَذَاتُ عِرْقٍ وَقَرْنٌ فَقِيلَ: مَسَافَةُ الْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ بَيْنَ الْمِيقَاتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ قَاصِرَتَانِ (قُلْت:) فَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ الثَّلَاثَةَ مُتَقَارِبَةُ الْمَسَافَةِ إلَّا أَنَّ قَرْنًا أَقْرَبُهَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالْمُصَنِّف فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ وَأَصْلُ الْقَرْنِ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ الْمُسْتَطِيلُ الْمُنْقَطِعُ عَنْ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ
قَرْنُ الْمَنَازِلِ أَوْ قَرْنُ الثَّعَالِبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ خَطَأٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ هَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ الْقَرْنَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا فِي هُبُوطٍ يُقَالُ: لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَالْآخَرُ عَلَى ارْتِفَاعٍ، وَهِيَ الْقَرْيَةُ وَكِلَاهُمَا مِيقَاتٌ، وَقِيلَ: قَرْنٌ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْمَوْضِعِ وَقَرَنٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْجَبَلُ الَّذِي تَفْتَرِقُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَوْضِعٌ فِيهِ طُرُقٌ مُفْتَرِقَةٌ انْتَهَى.
وَعَزَا صَاحِبُ الْإِكْمَالِ هَذَا الْقَوْلَ الْآخَرَ لِلْقَابِسِيِّ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنٌ غَيْرُ مُضَافٍ وَسَمَّاهُ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْنَدِ قَرْنَ الْمَعَادِنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَخْطَأَ الْجَوْهَرِيُّ فِيهِ خَطَأَيْنِ فَاحِشَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا: بَنُو قَرَنٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَهِيَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ كَمَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ قَرَنٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبِلَادِ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَمَنْ وَرَاءَهُمْ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ بَيْنَهُمَا اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَيُقَالُ: إنَّ بِنَاءَهَا تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ فَتُتَحَرَّى الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ وَيُذْكَرُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهَا لَا بِأَسْمَائِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمِيقَاتُ قَرْيَةً فَخَرِبَتْ، وَانْتَقَلَتْ عِمَارَتُهَا وَاسْمُهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ، وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَأَى رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَأَخَذَ بِهِ حَتَّى خَرَجَ بِهِ مِنْ الْبُيُوتِ وَقَطَعَ بِهِ الْوَادِيَ وَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى جِهَاتِ الْحَرَمِ انْتَهَى.
وَالْمَوَاقِيتُ الْأَرْبَعَةُ الْأُولَى، وَهِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةُ وَيَلَمْلَمُ وَقَرْنٌ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوْقِيتِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتُلِفَ فِي ذَاتِ عِرْقٍ فَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ تَوْقِيتِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا قَالَ: اُنْظُرُوا حَذْوهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ، وَالْمُرَادُ بِ " الْمِصْرَانِ " الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِمَا بِنَاؤُهُمَا، فَإِنَّهُمَا بُنِيَتَا فِي خِلَافَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُمَا مِصْرَيْنِ وَقَوْلُهُ: جَوْرٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ: مَائِلَةٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَقَّتَ عُمَرُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُوَطَّإِ مَنْ وَقَّتَهَا، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا مِنْ تَوْقِيتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ «سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمُهَلِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَحْسِبُهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقِ الْآخَرِ الْجُحْفَةُ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» وَقَوْلُهُ: عَنْ الْمُهَلِّ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: مِنْ وَضْعِ الْإِهْلَالِ، وَكَذَلِكَ مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ نَجْدٍ وَأَهْلِ الْيَمَنِ أَيْ: مَوْضِعُ إهْلَالِهِمْ اسْمُ مَكَان مِنْ أَهَلَّ وَقَوْلُهُ: أَحْسِبُهُ يَعْنِي أَبَا الزُّبَيْرِ فَقَالَ: أَظُنُّ أَنَّ جَابِرًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ النَّوَوِيُّ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا لِكَوْنِهِ لَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَلَى الْجَزْمِ وَبِرَفْعِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَجَزَمَ بِرَفْعِهِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ فِي
سَنَدِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْجُوَيْرِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنْ ظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ قُوَّتُهُ وَصَلَاحِيَّتُهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ (الثَّانِي:) قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَقَّتَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ، وَلَا غَيْرِهِ (قُلْت:) يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى؛ لِأَنَّ الْعِرَاقِ لَمْ تُفْتَحْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ حَتَّى يَكُونَ إهْلَالًا شَائِعًا ذَائِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَقُولُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ بَيَانًا لِمَا سَيَكُونُ وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ، كَمَا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رُوِيَ لَهُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمْرُ الْجَدَّةِ حَتَّى رُوِيَ لَهُ حُكْمُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) فَيُحْمَلُ تَوْقِيتُ سَيِّدِنَا عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَوَقَّتَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ فَوَافَقَ نَصَّ الْحَدِيثِ، وَقَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى وَفْقِ قَوْلِهِ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ قَالَ فِي الطِّرَازِ: فَإِنْ قِيلَ: فَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا مُشْرِكِينَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِيقَاتٌ (قُلْنَا) عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ نَفْسِهَا وَالثَّانِي: أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عُلِمَ أَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ كَمَا يُسْلِمُ أَهْلُ الشَّامِ وَكَمَا قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ «يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ» انْتَهَى.
(قُلْت:) يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةَ، وَلَمْ تَكُونَا فُتِحَتَا، فَكَذَلِكَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ، وَقَدْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَيُفْتَحُ بَعْدَهُ وَزُوِيَتْ لَهُ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَقَالَ: «سَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» وَكَمَا أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُغَيَّبَاتِ، وَقَدْ ضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيّ الْحَدِيثَ بِمَا تَقَدَّمَ أَعْنِي كَوْنَ الْعِرَاقِ لَمْ تُفْتَحْ حِينَئِذٍ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَحَبَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ الْعَقِيقِ لِحَدِيثِ أَبِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَتَيْنِ أَوْ مَرْحَلَةٍ وَالْعَقِيقُ كُلُّ وَادٍ نَسَفَتْهُ السُّيُولُ، وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ تُسَمَّى بِالْعَقِيقِ عَدَّهَا بَعْضُهُمْ عَشْرَةً، وَوَجْهُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ نُصُوصِ الْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ إذَا جَاوَزُوا الْعَقِيقَ وَأَحْرَمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كَانَ الْعَقِيقُ مِيقَاتًا لَهُمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الدَّمُ بِتَرْكِهِ (قُلْت:) وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي إسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَقَدْ ضَعَّفُوهُ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاقِيتَ الْخَمْسَةَ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ: -
عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِيّ ... وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِيُّ
وَالشَّامِيُّ جُحْفَةُ إنْ مَرَرْتَ بِهَا ... وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنُ فَاسْتَبِنِ
وَلَمْ يُنَوِّنْ الْجُحْفَةَ، وَلَا " قَرْنُ " اهـ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمَوَاقِيتِ: يُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُنَّ لَهُنَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَذَا جَاءَتْ الرِّوَايَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ يَعْنِي أَنَّهُ بِالتَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ: لَهُنَّ قَالَ: وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ هُنَّ لَهُمْ يَعْنِي بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَالَ: وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَهُنَّ عَائِدٌ عَلَى الْمَوَاضِعِ وَالْأَقْطَارِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَالشَّامُ وَالْيَمَنُ وَنَجْدٌ أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِهَذِهِ الْأَقْطَارِ، وَالْمُرَادُ لِأَهْلِهَا فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: هُنَّ بِالتَّأْنِيثِ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَمَا جَاوَزَ
الْعَشَرَةَ اسْتَعْمَلَتْهُ بِالْأَلِفِ وَالْهَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36] أَيْ: مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ قَالَ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ قِيلَ: فِي الِاثْنَيْ عَشْرَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ شَاذٌّ فَاعْلَمْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، فَإِنَّهَا مِنْ النَّفَائِسِ (قُلْت:) ذَكَرَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَهُنَّ فَجَمْعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ بِالْهَاءِ وَالنُّونِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ وَأَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَتَسْتَعْمِلُ مَا جَاوَزَ الْعَشَرَةَ بِالْهَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ الْآيَةَ.
ص (وَمَسْكَنٌ دُونَهَا)
ش: يَعْنِي بِهِ أَنَّ مَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَوَاقِيتِ فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لَمَّا ذَكَرَ الْمَوَاقِيتَ: «وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحِلِّ أَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْقِرَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) إذَا قُلْنَا يُحْرِمُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَمِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ؟ قَالَ فِي الطِّرَازِ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ أَوْ مِنْ مَسْجِدِهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ، وَهَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا: مِنْ دَارِهِ فَلِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ» ، وَإِنْ قُلْنَا مِنْ الْمَسْجِدِ فَوَاسِعٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيُحْرِمُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَأْتُونَ مَسْجِدَهُمْ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ حَدِّ قَرْيَتِهِ الْأَبْعَدِ مِنْ مَكَّةَ وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَدْ سُئِلَ فِي مِيقَاتِ الْجُحْفَةِ أَيُحْرِمُ مِنْ وَسَطِ الْوَادِي أَوْ مِنْ آخِرِهِ؟ قَالَ: كُلُّهُ مُهَلٌّ، وَمِنْ أَوَّلِهِ أَحَبُّ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُ الْمَوَّازِيَّةِ بِكَمَالِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ (الثَّالِثُ:) سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا كَمِصْرِيٍّ حُكْمُ مَا إذَا سَافَرَ مِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ لِمَا وَرَاءَ مَنْزِلِهِ أَوْ لِمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ أَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ مِنْهُ فَهُوَ كَمَنْ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ انْتَهَى.، وَهَذَا بَيِّنٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَاذَى وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مَرَّ عَلَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ إلَّا الْمِصْرِيَّ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ إذَا مَرُّوا بِالْحُلَيْفَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: وَمَنْ كَانَ بَلَدُهُ بَعِيدًا مِنْ الْمِيقَاتِ مَشْرِقًا عَنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مَغْرِبًا عَنْهُ، وَإِذَا قَصَدَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعِهِ لَمْ يَرَ مِيقَاتًا، وَإِذَا قَصَدَ إلَى الْمِيقَاتِ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ بَلَدِهِ إلَى الْمِيقَاتِ مِثْلَ مَسَافَةِ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ، فَإِذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ بِالتَّقْدِيرِ وَالتَّحَرِّي أَحْرَمَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ السَّيْرُ إلَى الْمِيقَاتِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَجَّ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا حَاذَوْا الْمِيقَاتَ أَحْرَمُوا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) حُكْمُ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ حِذَاءَ الْمِيقَاتِ حُكْمُ مَنْ حَاذَى الْمِيقَاتَ فِي السَّيْرِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ حِذَاءَ الْمِيقَاتِ فَلْيُحْرِمْ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ انْتَهَى.
لَكِنْ إنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنْ الْمِيقَاتِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الذَّهَابُ إلَى الْمِيقَاتِ قَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ حُكْمِ الْمَوَاقِيتِ: إنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِقُرْبِ الْمَوَاقِيتِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ قَالَهُ فِيمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ (قُلْت:) وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرِيدَ الْحَجِّ أَوْ الْقِرَانِ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْمَكِّيَّ إذَا مَرَّ بِمِيقَاتٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ حَاذَاهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَرَّ مَكِّيٌّ بِأَحَدِ الْمَوَاقِيتِ فَجَاوَزَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَ جَاوَزَهُ يُرِيدُ إحْرَامًا بِأَحَدِهِمَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَكَذَلِكَ
لَوْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ، فَإِنْ كَانَ إذَا جَاوَزَهُ مَرِيدًا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ فِي دُخُولِهِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ الشَّامِ وَمِصْرَ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ يَقْدَمُ مَعَهُمْ فَذَلِكَ مِيقَاتٌ لَهُ قَالَ سَنَدٌ إذَا مَرُّوا عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ أَوْ يَلَمْلَمَ أَوْ قَرْنٍ صَارَ ذَلِكَ مِيقَاتًا لَهُمْ، فَإِنْ تَعَدَّوْهُ فَعَلَيْهِمْ دَمٌ؛ إذْ لَا يَتَعَدَّوْنَهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُمْ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ يَقْدَمُ مَعَهُمْ فَذَلِكَ مِيقَاتٌ لَهُ قَالَ سَنَدٌ فِي بَاب الْمَوَاقِيتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى إحْرَامِ الْمَكِّيِّ بِالْحَجِّ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ مَا نَصُّهُ: لَوْ سَافَرَ الْمَكِّيُّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا كَمِصْرِيٍّ، فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمِصْرِيِّ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِهِمْ وَالْإِحْرَامُ لِلْجُحْفَةِ؛ لِأَنَّهَا مِيقَاتُهُمْ أَنْ يَجُوزَ لِلْمَكِّيِّ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إلَى مَكَّةَ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَوَاقِيتَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِئَلَّا يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَلَوْ أَجَزْنَا لِلْمَكِّيِّ دُخُولَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَزِمَ مِنْهُ إبْطَالُ الْحِكَمِ الَّتِي لِأَجْلِهَا شُرِعَتْ الْمَوَاقِيتُ، وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ فِي الْمَكِّيِّ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ (قُلْت:) وَمُقْتَضَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، وَلَا يُؤَخِّرُ لِلْجُحْفَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ بِبَحْرٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ إذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ، وَلَا يُؤَخِّرُ إلَى الْبَرِّ وَهَكَذَا قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ وَنَصُّهُ: وَمَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ أَحْرَمَ أَيْضًا فِي الْبَحْرِ إذَا حَاذَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِسَنَدٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ يُؤَخِّرُ لِلْبَرِّ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَرُدَّهُ الرِّيحُ فَيَبْقَى مُحْرِمًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَ قَوْلِ سَنَدٍ فَقَالَ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا يُحْرِمُ فِي السُّفُنِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ: عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ حَجَّ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَشَبَهِهِمْ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَبْقَوْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا، وَأَجْمَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا حَكَاهُ عَنْ سَنَدٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَنَدًا يَقُولُ: مَنْ أَتَى بَحْرَ عَيْذَابَ حَيْثُ لَا يُحَاذِي الْبَرَّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ فِي الْبَحْرِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَرِّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَلَى بَرٍّ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى الْبَرِّ هَدْيٌ، أَمَّا إنْ أَتَى عَلَى بَحْرِ الْقُلْزُمِ حَيْثُ يُحَاذِي الْبَرَّ فَالْإِحْرَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَاجِبٌ لَكِنْ يُرَخَّصُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْبَرِّ، وَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأَوَّلَ فِي إحْرَامِهِ فِي الْبَحْرِ عَلَى مُحَاذَاةِ الْجُحْفَةِ خَطَرٌ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَرُدَّهُ الرِّيحُ فَيَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَتَيَسَّرَ لَهُ إقْلَاعٌ سَالِمٌ قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ الْمَنْفِيِّ مِنْ الدِّينِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَفْيُ الدَّمِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلَا دَلِيلَ، أَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ الْبَرِّ مِنْ نَفْسِ الْجُحْفَةِ وَالسَّيْرِ فِيهِ لَكِنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي النُّزُولِ إلَى الْبَرِّ وَمُفَارَقَةِ رَحْلِهِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ لِلصَّرُورَةِ مَعَ إلْزَامِهِ الْهَدْيَ كَمَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَةُ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ لِلصَّرُورَةِ مَعَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى فَقَدْ ظَهَرَ الْإِجْمَالُ الَّذِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ سَنَدٍ وَأَنَّ قَوْلَ سَنَدٍ لَيْسَ كَرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ سَنَدٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ: وَكَذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّادَلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي مَنَاسِكِهِ، وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ خِلَافٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ قَبِلُوا تَقْيِيدَهُ كَلَامَ مَالِكٍ بِمَا ذَكَرَ، وَهَذَا هُوَ: الظَّاهِرُ فَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِهِ، وَقَدْ شَاهَدْتُ الْوَالِدَ يُفْتِي بِمَا قَالَهُ سَنَدٌ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) قَالَ سَنَدٌ: وَلَا يَرْحَلُ مِنْ جُدَّةَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لِأَنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ إنَّمَا كَانَ لِلصَّرُورَةِ، وَقَدْ زَالَتْ
وَهَلْ يُحْرِمُ إذَا وَصَلَ الْبَرَّ أَوْ إذَا ظَعَنَ مِنْ جُدَّةَ يُحْتَمَلُ وَالظَّاهِرُ: إذَا ظَعَنَ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ مَنْ أَحْرَمَ وَقَصَدَ الْبَيْتَ أَنْ يَتَّصِلَ إهْلَالُهُ بِالْمَسِيرِ (الثَّانِي:) هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ سَنَدٌ فِي جِهَةِ الشَّامِ فِي بَحْرِ عَيْذَابَ وَبَحْرِ الْقُلْزُمِ يُقَالُ: مِثْلُهُ فِي جِهَةِ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا كَمِصْرِيٍّ بِمَا يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ فَهِيَ أَوْلَى)
ش: أَشَارَ بِالْكَافِ لِلْمَغَارِبَةِ وَالشَّامِيِّينَ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَشَارَ بِهَا لِذَلِكَ وَلِمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَوَاقِيتِ إذَا سَافَرَ لِمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَنَصُّهُ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ وَسَافَرَ لِمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَتَى مُرِيدًا لِدُخُولِ مَكَّةَ فَهَذَا لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى مَنْزِلِهِ كَمَا يُؤَخِّرُ الْمِصْرِيُّ إحْرَامَهُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ إلَى الْجُحْفَةِ فَيُنْظَرُ هَاهُنَا إنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَخَّرَ إحْرَامَهُ إلَى مَنْزِلِهِ إنْ شَاءَ إذَا كَانَ مَنْزِلُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ إذَا كَانَ مَسْكَنُهُ مَكَّةَ إذْ لَا يَدْخُلُ الْمَكِّيُّ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا فَلَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ قَبْلَ مَنْزِلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي مَرَّ بِهِ، وَهُوَ كَمَنْ لَا مِيقَاتَ لِإِحْرَامِهِ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الدَّاخِلُ مُعْتَمِرًا نَظَرْتُ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحِلِّ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ كَالْمَكِّيِّ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يُخَالِفُهُ إلَّا مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ مَرَّ مِنْ مَنْزِلِهِ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ بِمِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمُعَيَّنَةِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ، وَلَا يُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ إلَى بَيْتِهِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» وَيُخَالِفُ هَذَا مَنْ كَانَ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةَ وَمَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ؛ لِأَنَّ الْجُحْفَةَ مِيقَاتٌ مَنْصُوبٌ نَصْبًا عَامًّا لَا يَتَبَدَّلُ بِخِلَافِ الْمَنْزِلِ، فَإِنَّهُ إضَافِيٌّ يَتَبَدَّلُ بِالسَّاكِنِ فَانْفَصَلَا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ: أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ إحْرَامَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمِصْرِيِّ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ إحْرَامَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْلَى وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَانْظُرْ عَلَى مَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إذَا سَافَرَ مِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ إلَى مَنْزِلٍ أَبْعَدَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ دُونَ الْمِيقَاتِ أَيْضًا ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَوْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَنْزِلِ الْأَبْعَدِ أَوْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى مَنْزِلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ الَّذِي هُوَ بِهِ لَيْسَ بِمِيقَاتٍ عَامٍّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمَنْزِلِ الْأَبْعَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْت:) وَمُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إلَى مَنْزِلِهِ وَأَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ، وَلَمْ يُرِدْ دُخُولَ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ كَمَا لَوْ كَانَ مَسْكَنُهُ بِالْحَرَمِ وَأَرَادَ دُخُولَهُ، وَلَمْ يُرِدْ دُخُولَ مَكَّةَ أَوْ أَرَادَ دُخُولَ الْحَرَمِ لِحَاجَةٍ دُونَ مَكَّةَ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فَقَالَ، وَقَالَ غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّ حُكْمَ دُخُولِ الْحَرَمِ حُكْمُ دُخُولِ مَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُرْمَةِ، وَلَمْ يُلْحِقْ الْمَالِكِيَّةُ الْحَرَمَ بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: وَالْمَارُّ بِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ أَوْ كَعَبْدٍ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ كَالصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إلَّا مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدَ النُّسُكِ قَالَ فِيهَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ حِينَ دَخَلَ الْحَرَمَ حَلَالًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْحَرَمِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَهَذَا فِيمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى دُخُولِ مَكَّةَ أَمَّا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُرُورُ إلَى مَنْزِلِهِ إلَّا بِالْمُرُورِ عَلَى مَكَّةَ فَلَا إشْكَالَ فِي
أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمِصْرِيَّ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ إذَا مَرُّوا بِالْحُلَيْفَةِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا، وَيَجُوزُ لَهُمْ التَّأْخِيرُ لِلْجُحْفَةِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمِصْرِيِّ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ يَمُرُّونَ بِالْجُحْفَةِ أَوْ يُحَاذُونَهَا، أَمَّا إنْ أَرَادُوا تَرْكَ الْمُرُورِ بِالْجُحْفَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ إنْ أَرَادَ الْمِصْرِيُّ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ تَرْكَ الْمَمَرِّ بِالْجُحْفَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ لِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ إذَا مَرُّوا عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا إلَى الْجُحْفَةِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ لَمْ يَمُرُّوا بِالْجُحْفَةِ فَلَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا لِيُحْرِمُوا إذَا حَاذَوْهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَمُرُّ بِمِيقَاتِهِ فَمُهَلُّهُ إذَا حَاذَاهُ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ مُرُورُ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ بِالْجُحْفَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرُورُهُمْ عَلَى مَوْضِعٍ يُحَاذِي مِيقَاتَهُمْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّادَلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ تَقْيِيدٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا خِلَافٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ لَوْ تُرِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ مُشْكِلًا، وَلِذَلِكَ اسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ: اُنْظُرْ لِمَ ذَلِكَ، وَهُمْ يُحَاذُونَ الْجُحْفَةَ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ سَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَقْيِيدَ اللَّخْمِيِّ وَكَلَامُ سَنَدٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الطِّرَازِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا كَمِصْرِيٍّ إلَخْ أَنَّ غَيْرَ الْمِصْرِيِّ، وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ كَالْعِرَاقِيِّ وَنَحْوِهِ إذَا مَرُّوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْهَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي مَنَاسِكِهِ قَالَ: وَلَوْ مَرَّ الْعِرَاقِيُّ وَنَحْوُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ فَقَوْلُهُ: إنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ إنْ أَخَّرُوا الْإِحْرَامَ عَنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لَزِمَهُمْ الدَّمُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ: وَمَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَوْ نَجْدٍ أَوْ الْعِرَاقِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ صَارَتْ مِيقَاتًا لَهُ لَا يَتَعَدَّاهَا، فَإِنْ تَعُدَّاهَا إلَى الْجُحْفَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إذْ لَا يَتَعَدَّاهَا إلَى مِيقَاتٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْبُلْدَانِ خَلَا أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ فَذَلِكَ لَهُمْ إذْ الْجُحْفَةُ مِيقَاتُهُمْ، وَالْفَضْلُ لَهُمْ فِي إحْرَامِهِمْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ وَنَجْدٍ: وَمَنْ مَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْمَدِينَةِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إذْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ لَيْسَ لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِيقَاتُهُ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الَّذِي مَرَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ هَذَا الَّذِي مَرَّ بِهِ مِيقَاتًا لَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتٌ لَهُ، وَمَنْ تَعَدَّاهُ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّلْقِينِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَتَّى إنَّهُمْ إنْ أَخَّرُوا عَنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهْدَوْا، وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَأُحِبُّ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ إنْ مَرُّوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوَّلُ: أَبْيَنُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ يُجَاوِزَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى مِيقَاتٍ لَهُ انْتَهَى.
فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ إحْرَامَ الْحَائِضِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْحُلَيْفَةِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِهِمْ الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إحْرَامِهَا الْآنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَكَانَتْ تَرْتَجِي إذَا أَخَّرَتْ إلَى الْجُحْفَةِ أَنْ تَطْهُرَ وَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ لِلْإِحْرَامِ
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ لَا تُؤَخِّرُ إلَى الْجُحْفَةِ رَجَاءَ أَنْ تَطْهُرَ، وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَفْضَلُ إجْمَاعًا، فَإِنَّهَا تُقِيمُ فِي الْعِبَادَةِ أَيَّامًا قَبْلَ أَنْ تَصِل إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا يَفِي غُسْلُهَا بِفَضْلِ تَقْدِمَةِ إحْرَامِهَا مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. (قُلْتُ:) ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا يَفِي غُسْلُهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَغْتَسِلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَفِي رُكُوعُهَا؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ هُوَ الَّذِي يَفُوتُهَا فِي تَعْجِيلِ الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَبْلَ هَذَا، وَنَصُّهُ: إنْ كَانَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ مِنْ أَهْلِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَمْكَنَهَا الْمُقَامُ فِي أَهْلِهَا حَتَّى تَطْهُرَ فَاسْتَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ أَنْ لَا تُعَجِّلَ بِالسَّفَرِ إنْ لَمْ تَدْعُهَا إلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وَتُؤَخِّرَ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَغْتَسِلَ وَتَرْكَعَ وَتُحْرِمَ عَلَى أَكْمَلِ حَالِهَا، وَقَالَ مَالِكٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: تَغْتَسِلُ، وَلَا تُؤَخِّرُ لِانْتِظَارِ الطُّهْرِ، وَهُوَ بَيِّنٌ، فَإِنَّهَا إذَا أَحْرَمَتْ مِنْ الْآنَ دَخَلَتْ فِي الْعِبَادَةِ، وَاَلَّذِي يَفُوتُهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ بِالْحِرْمَانِ فَوْقَ مَا يَفُوتُهَا مِنْ فَضِيلَةِ الْغُسْلِ بَعْدَ أَيَّامٍ وَزَمَانٍ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُنَنِ الْإِحْرَامِ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّامِلِ أَيْضًا، وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ الْأَخِيرِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ إذَا كَانَتَا مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لَا يُرَخَّصُ لَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ رَجَاءَ أَنْ تَطْهُرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ وَنَصُّهُ: وَلَا تُؤَخِّرُ الْحَائِضُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إلَى الْجُحْفَةِ رَجَاءَ أَنْ تَطْهُرَ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَوْ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا، وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ الْأَوَّلِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحَلِيفَة]
(فَرْعٌ) وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ غَيْرِ الْحَائِضِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ يَرْكَبَ ثُمَّ يُهِلَّ، وَالْحَائِضُ تُحْرِمُ مِنْ فِنَاءِ مَسْجِدِهَا قَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ: وَيُجْبَرُ الْكَرِيُّ أَنْ يُنِيخَ بِالْمُكْتَرِي بِبَابِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يُصَلُّوا ثُمَّ يَرْكَبُونَ فَيُهِلُّونَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اذْهَبُوا فَصَلُّوا ثُمَّ تَأْتُونَ إلَيَّ فَأَحْمِلُكُمْ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَتُحْرِمُ الْحَائِضُ مِنْ رَحْلِهَا إنْ كَانَتْ بِالْجُحْفَةِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ هُنَيْهَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِالشَّجَرَةِ يُرِيدُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَمِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَلِأَنَّهُ خَلَلٌ وَذَلِكَ: أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ مَوْضِعٌ يُقْصَدُ لِرُكُوعِ الْإِحْرَامِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ عَدَاهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَوَّلُ الْمِيقَاتِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْكَرِيِّ فِي رَسْمِ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُرِفَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْكَرِيُّ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : اُخْتُلِفَ فِي الْمَدَنِيِّ الْمَرِيضِ هَلْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَقَالَ مَرَّةً: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ لِمَا يَرْجُوهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلْيُحْرِمْ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ افْتَدَى، وَقَالَ مَرَّةً: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى الْجُحْفَةِ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَاللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ، وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مَخِيطٍ أَوْ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فَعَلَ وَافْتَدَى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَالْأَوَّلُ: أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُبِيحُ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتٌ يَجُوزُ لِبَعْضِ النُّسَّاكِ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ فَكَانَتْ الصَّرُورَةُ وَجْهًا فِي جَوَازِ مُجَاوَزَتِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ: انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ ابْن بَزِيزَةَ وَالْمَشْهُورُ: الثَّانِي لِلصَّرُورَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُؤَخِّرُ إلَى مَكَّةَ وَرُبَّ مَرِيضٍ أَرَى لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْجُحْفَةَ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي تَأْخِيرِ الْمَدَنِيِّ إحْرَامَهُ لِلْجُحْفَةِ لِمَرَضٍ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ إحْدَى رِوَايَتَيْ مُحَمَّدٍ وَنَقَلَ ابْنُ
عَبْدِ السَّلَامِ الْقَوْلَيْنِ لَا بِقَيْدِ الْمَرَضِ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا نَقْلَ أَبِي عُمَرَ إنْ أَخَّرَ الْمَدَنِيُّ لِلْجُحْفَةِ فَفِي لُزُومِ الدَّمِ قَوْلَا مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا انْتَهَى.
(قُلْت:) لَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَيْدُ الْمَرَضِ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي نُسَخٍ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمَدَنِيِّ الْمَرِيضِ هَلْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ انْتَهَى.
وَاعْتَمَدَ فِي الشَّامِلِ تَشْهِيرَ ابْنَ بَزِيزَةَ فَقَالَ وَرَخَّصَ لِلْمَدَنِيِّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مَرِيضًا فِي تَأْخِيرِهِ لِلْجُحْفَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ: لَا لِمَكَّةَ انْتَهَى.
وَكَذَا التِّلِمْسَانِيُّ وَسَيِّدِي الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوق، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَنَصُّهُ: وَالْمَرِيضُ يُحْرِمُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ افْتَدَى، وَإِنْ أَخَّرَ إلَى الْجُحْفَةِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ لِمَرَضِهِ حَتَّى يَقْرُبَ مِنْ مَكَّةَ لِغَيْرِ مِيقَاتٍ لَهُ فَلَا يَفْعَلُ وَلْيُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْن بَزِيزَةَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَجَّحَهُ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ التَّأْخِيرُ حَرَامٌ وَيَجِبُ بِسَبَبِ الْهَدْيِ أَمْ لَا وَلَفْظُ النَّوَادِرِ الْمُتَقَدِّمُ: لَا يَنْبَغِي، وَهَكَذَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ بِلَفْظِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَنَصُّهُ: وَهَلْ لِلْمَرِيضِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُؤَخِّرَ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَتَّى يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ؟ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِعُذْرِهِ وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلْيُحْرِمْ، فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ افْتَدَى انْتَهَى.
فَلَعَلَّهُ فَهِمَ قَوْلَ لَا يَنْبَغِي عَلَى التَّحْرِيمِ، وَفِي كَلَامِهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ فِي الْمَرِيضِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ: ظَاهِرٌ وَمِثْلُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَيَعْنِي بِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِهَا احْتِرَازًا مِنْ الْمِصْرِيِّ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْحُلَيْفَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: لَوْ كَانَ الْمَدَنِيُّ غَيْرَ مَرِيضٍ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ وَسُقُوطِهِ قَوْلَانِ، وَالْوُجُوبُ لِمَالِكٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي الْوُجُوبِ وَالسُّقُوطِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَنَقَلَهُ التَّادَلِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ التَّادَلِيُّ عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ اُخْتُلِفَ فِي مُرِيدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يُجَاوِزُ مِيقَاتَهُ إلَى مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْمَدَنِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْقَطَهُ انْتَهَى.
وَهَكَذَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَرَضٍ، وَلَا بِغَيْرِ مَرَضٍ وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّحِيحُ وَلِذَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يُؤَخِّرُهُ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَالدَّمُ عَلَى الْأَصَحِّ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ بِغَيْرِ قَيْدِ الْمَرَضِ إلَّا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى الطَّاعَةِ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قِيلَ: لِمَالِكٍ فِي مِيقَاتِ الْجُحْفَةِ أَيُحْرِمُ مِنْ وَسَطِ الْوَادِي أَوْ آخِرِهِ قَالَ كُلُّهُ مُهَلٌّ وَلْيُحْرِمْ مِنْ أَوَّلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ الْجُحْفَةِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ وَسُئِلَ أَيْضًا: أَيُحْرِمُ مِنْ الْجُحْفَةِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي؟ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَمِنْ الْأَوَّلِ أَحَبُّ إلَيْنَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ سَنَدٌ وَذِكْرُ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي رَسْمِ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وَمِنْ الْأَوَّلِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَلَمْ يَزِدْ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ الْأَوَّلَ أَعْنِي قَوْلَهُ: مُهَلٌّ وَمِنْ أَوَّلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ وَعَزَاهُ لِلْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرُ وَانْظُرْ هَلْ مُرَادُ مَالِكٍ بِالْمَسْجِدِ الْأَوَّلِ رَابِغٌ أَمْ لَا؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَنْ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ لِلْإِحْرَامِ فِي مَسْجِدِهَا
ثُمَّ يُحْرِمَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ، وَتُحْرِمَ الْحَائِضُ مِنْ فِنَائِهِ، وَلَا تَدْخُلَ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ مَسْجِدَهَا يُقْصَدُ لِرُكُوعِ الْإِحْرَامِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ عَدَاهُ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَوَّلُ الْمِيقَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ مُسَدِّيٍّ فِي خُطْبَةِ مَنْسَكِهِ: وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ؟ قَالَ: أَحْرِمْ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِرَارًا، وَقَالَ: فَإِنْ زِدْتُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ، قَالَ وَمَا فِي هَذِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ إنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا؟ قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّكَ أَصَبْتَ فَضْلًا قَصَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَرَى أَنَّ اخْتِيَارَكَ لِنَفْسِكَ فِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَكَ وَاخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا رُوِّينَا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَكُلُّ مَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ السُّنَّةَ مِنْ ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ انْتَهَى.
ص (وَإِزَالَةُ شَعَثِهِ)
ش: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إلَى الَّذِي يُرِيدُ الْإِحْرَامَ يَعْنِي أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ أَنْ يُزِيلَ شَعَثَهُ بِأَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَقُصَّ شَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ وَيَنْتِفَ إبِطَهُ وَيُزِيلَ الشَّعْرَ الَّذِي عَلَى بَدَنِهِ مَا عَدَا شَعْرَ رَأْسِهِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ إبْقَاؤُهُ طَلَبًا لِلشَّعَثِ فِي الْحَجِّ لَكِنْ نَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُلَبِّدَهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ فَيَلْتَصِقُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَتَقِلُّ دَوَابُّهُ أَيْ: لَا يَكْثُرُ فِيهِ الْقَمْلُ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بِلَفْظِ وَيَقْتُلُ دَوَابَّهُ، وَنَقَلَهُ فِي مَنَاسِكِهِ بِلَفْظِ وَتَمُوتُ دَوَابُّهُ، وَذَلِكَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَقْتُلُ دَوَابَّ رَأْسِهِ بَعْدَ أَنْ يَلْتَصِقَ الشَّعْرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَكُونُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ أَوْ شَاكًّا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَمْلَةَ إذَا مَاتَتْ نَجُسَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَقَعَ الْقَتْلُ لِلْقَمْلِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَاَلَّذِي فِي لَفْظِ ابْنِ بَشِيرٍ إنَّمَا هُوَ لِتَقِلَّ دَوَابُّهُ مِنْ الْقِلَّةِ ضِدُّ الْكَثْرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي إزَالَةِ دَرَنِهِ وَتَقْلِيمِ أَظْفَارِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَالشَّعَثُ الدَّرَنُ وَالْوَسَخُ وَالْقَشَبُ انْتَهَى.
ص (وَتَرْكُ اللَّفْظِ بِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّلَفُّظَ بِالنُّسُكِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى النِّيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ: هَذَا هُوَ: الْمَعْرُوفُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ التَّلَفُّظِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ التَّسْمِيَةُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ وَاسِعٌ سَمَّى أَوْ تَرَكَ وَصِفَةُ التَّسْمِيَةِ أَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ أَوْ لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ أَوْ يَقُولَ: أَحْرَمْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الثَّعَالِبِيُّ فِي جَامِعِ الْأُمَّهَاتِ قِيلَ: التَّلَفُّظُ أَوْلَى لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَنْطِقْ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ انْتَهَى.
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمَارُّ بِهِ إنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ أَوْ كَعَبْدٍ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ، وَإِنْ أَحْرَمَ) ش يَعْنِي أَنَّ الْمَارَّ بِالْمِيقَاتِ إذَا لَمْ يُرِدْ دُخُولَ مَكَّةَ بَلْ كَانَتْ حَاجَتُهُ دُونَ مَكَّةَ أَوْ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ دُخُولُ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ لِلْمِيقَاتِ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَرُورَةً فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَى مَنْ لَا يُخَاطَبُ بِفَرِيضَةِ الْحَجِّ كَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَعَبْدٍ وَشَمِلَ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ لَا يُخَاطَبُ بِفَرِيضَةِ الْحَجِّ كَالْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْرَامُ بِهِ كَالْكَافِرِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُدْخِلَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَيُخْرِجَهُمَا إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَلَا دَمَ عَلَى الْعَبْدِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، وَإِذَا أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ أَوْ، وَهُمْ بِعَرَفَاتٍ فَأَحْرَمُوا حِينَئِذٍ فَوَقَفُوا
أَجْزَأَتْهُمْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُمْ جَاوَزُوهُ قَبْلَ تَوَجُّهِ حَجِّ الْفَرْضِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ: إذَا أَفَاقَ وَأَحْرَمَ وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أَجُزْأَهُ حَجُّهُ وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمَرْأَةُ فِي التَّطَوُّعِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا إذَا أَحْرَمَ وَكَانَتْ صَحِبَتْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ الْإِحْرَامِ فَهَاهُنَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُحْرِمَ بِالتَّطَوُّعِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعَ فَتَأْوِيلَانِ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ إذَا أَرَادَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْرَمَ وَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعَ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحْرَمَ فَاخْتُلِفَ فِي لُزُومِ الدَّمِ لَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ كَذَلِكَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي شُرُوحِهَا، وَنَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي الصَّرُورَةِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ وَتَوْضِيحِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَالتَّأْوِيلَانِ لِابْنِ شَبْلُونٍ عَلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ سَوَاءٌ كَانَ مُرِيدًا لِلْحَجِّ حِينَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ أَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ إلَّا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلْحَجِّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ قَوْلِ ابْنِ شَبْلُونٍ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
ص (وَمَرِيدُهَا إنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ فَكَذَلِكَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيْهَا كَالْمُتَسَبَّبِينَ فِي الْفَوَاكِهِ وَالطَّعَامِ وَكَالْحَطَّابِينَ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَحَبَّ اللَّخْمِيُّ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمُتَرَدِّدِينَ بِالْفَوَاكِهِ وَالْحَطَبِ وَأَنَّهُ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِمْ قَالَ أَوْ مِثْلُ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ خَرَجَ إلَى فَدِيدٍ فَبَلَغَهُ خَبَرُ فِتْنَةِ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ لِمِثْلِ جُدَّةَ وَالطَّائِفِ وَعُسْفَانَ وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْعَوْدَ فَلَمَّا خَرَجَ بَدَا لَهُ فَأَرَادَ الْعَوْدَ فَعَلَيْهِ الْإِحْرَامُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَضِيَّةِ ابْنِ عُمَرَ وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ قَرِيبٍ لِأَمْرٍ عَاقَهُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ فَيَدْخُلُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بِخِلَافِ مَا إذَا بَدَا لَهُ عَنْ سَفَرِهِ لِأَمْرٍ رَآهُ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَلَيْسَتْ بِخِلَافٍ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ قَرِيبًا، وَلَمْ يُقِمْ فِيهِ كَثِيرًا فَلَهُ الرُّجُوعُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مُحْرِمًا قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ وَحَدُّ الْقُرْبِ فِي ذَلِكَ مَا إذَا خَرَجَ عَلَى أَنْ يَعُودَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَدَاعُ قَالَ: وَهُوَ مَا دُونَ الْمَوَاقِيتِ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ بَعِيدٌ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّائِفَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، وَقَدْ جَعَلَهَا فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْقَرِيبِ، وَلَوْ حَدَّدَ الْقَرِيبَ بِمَا كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَقَلَّ لَكَانَ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ فِي الرِّوَايَةِ جَعَلَهَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ حَدًّا لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الرِّوَايَةِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ أَوْ يَرْجِعَ بِسُرْعَةٍ وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنْ لَا يُقِيمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ بِطُولِ الْإِقَامَةِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا الطُّولَ مَا هُوَ وَكَأَنَّهُمْ أَحَالُوا ذَلِكَ عَلَى الْعُرْفِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ فَكَذَلِكَ يُقَيِّدُ بِقَيْدَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنْ يَكُونَ عَادَ مِنْ قَرِيبٍ وَأَنْ يَكُونَ عَوْدُهُ لِأَمْرٍ عَاقَهُ عَنْ السَّفَرِ وَيَلْحَقُ بِهَذَا فِي
جَوَازِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ مَنْ دَخَلَ لِقِتَالٍ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا أَيْضًا عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ مَنْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سُلْطَانِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَظْهَرَ أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ جَوْرٍ يَلْحَقُهُ بِوَجْهٍ قَالَ: فَهَذَا لَا يُكْرَهُ لَهُ دُخُولُهَا حَلَالًا فِي ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ مَعَ عُذْرِ التَّكْرَارِ فَكَيْفَ بِعُذْرِ الْمُخَالَفَةِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : إذَا أَجَزْنَا لَهُ الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرِدْ الدُّخُولَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، أَمَّا إنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ إنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ كَجُدَّةِ وَعُسْفَانَ، وَإِنْ جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ مَعَ إرَادَتِهِ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، وَلَمْ يَكُنْ مَرِيدًا لِدُخُولِ مَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الدُّخُولَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مَتَى جَاوَزَهُ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْقِينِ وَغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ شَاهَدْتُ وَالِدِي يُفْتِي غَيْرَ مَرَّةٍ فِيمَنْ خَرَجَ لِجُدَّةِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا رَجَعَ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى جُدَّةَ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْ جُدَّةَ وَحِدَّةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَرْيَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ وَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فَوَافَقُوا عَلَيْهِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَكَلَّمَهُ الْوَالِدُ فِي ذَلِكَ، مَا أَدْرِي هَلْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (، وَإِلَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ وَأَسَاءَ تَارِكُهُ، وَلَا دَمَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَارَّ بِالْمِيقَاتِ إذَا كَانَ مُرِيدًا لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ كَعَبْدٍ، وَلَا مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ، وَلَا مِمَّنْ عَادَ لِأَمْرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ أَرَادَ دُخُولَهَا لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَقَدْ أَسَاءَ أَيْ: أَثِمَ إلَّا أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهَا لِأَجْلِ نُسُكٍ، وَإِنَّمَا دَخَلَهَا لِحَاجَةٍ أُخْرَى أَوْ؛ لِأَنَّهَا بَلَدُهُ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَرَادَ النُّسُكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَأَحْرَمَ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ وَتَقَدَّمَ لَفْظُ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا، وَهُوَ: اخْتِيَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: عَلَيْهِ الدَّمُ (فَرْعٌ) ، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَرَادَ الْإِحْرَامَ مِنْهَا فَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ نَفَسٌ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِيقَاتِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ مِنْهُ، وَإِنْ شَارَفَ مَكَّةَ وَقَرُبَ مِنْهَا، وَقَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إذَا دَخَلَهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُشَارَفَةَ غَايَةً فِي مَحِلِّ الرُّجُوعِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ: خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ مَا لَمْ يُحْرِمْ، وَلَوْ دَخَلَهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ جَاهِلًا، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيَرْجِعْ فَيُحْرِمْ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْحَجِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْ مَوْضِعِهِ وَيَتَمَادَى، وَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي اخْتِصَارِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ جَاهِلًا، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيَرْجِعْ، وَيُحْرِمْ مِنْهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يُشَارَفْ مَكَّةَ، فَإِنْ شَارَفَهَا أَحْرَمَ، وَأَهْدَى ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ، وَلَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَرَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَجَاوَزَهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ رَجَعَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يُشَارِفْ مَكَّةَ، فَإِنْ شَارَفَهَا أَحْرَمَ وَأَهْدَى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا فَلْيُحْرِمْ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَنِيَّتُهُ النُّسُكُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ رَجَعَ مَا لَمْ يُحْرِمْ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يُشَارِفْ مَكَّةَ، وَقَالَ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْح الْجَلَّابِ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ، وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيَرْجِعْ إلَى
الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ بِنُسُكٍ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَلَا أَدْخَلَ نُقْصَانًا عَلَى إحْرَامِهِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَرْجِعُ أَيْنَمَا كَانَ مَتَى لَمْ يُحْرِمْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَقِيلَ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يُشَارِفْ مَكَّةَ، فَإِنْ شَارَفَهَا أَحْرَمَ وَأَهْدَى، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى: مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا إلَّا حَرَامًا، فَإِنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَقَدْ عَصَى، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحِيَّةِ الْبُقْعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ سَقَطَ فِعْلُهُ كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ لَا؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا دَمَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: عَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ، وَظَاهِرُ هَذِهِ النُّقُولِ كُلِّهَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ مَا لَمْ يُحْرِمْ، وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ وَبِذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مُفْتِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ نَاصِرُ الدِّينِ أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ آمِينَ، وَذَكَرَ فِي فَتْوَاهُ بَعْضَ كَلَامِ الْبَرَاذِعِيِّ وَصَاحِبِ الْإِكْمَالِ وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ تَقْيِيدٌ لِلْأَوَّلِ فَقَالَ وَمَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ رَجَعَ مَا لَمْ يُحْرِمْ أَوْ يَخَافُ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَصْحَبُهُ أَوْ يُشَارِفُ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَمْضِي وَيُهْدِي وَكَذَا ذَكَرَهُ التَّادَلِيُّ عَنْ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي طُرَرِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَجَعَلَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ مَنْقُولَ مُحَمَّدٍ وِفَاقًا بَعِيدٌ انْتَهَى.
مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرٌ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَقِفْ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ عَلَى الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الرُّجُوعِ وَعَدَمَهُ مَعَ الْمُشَارَفَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهَا ذِكْرًا إلَّا فِي التَّنْبِيهِ، وَلَا فِي الْجَوَاهِرِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمِيقَاتِ إلَى الْإِحْرَامِ وُجُوبًا، وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ قَالَ الْبَرَاذِعِيُّ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَلَمْ يُحْرِمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَإِنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مَرِيدٍ لِلْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا فَعَلَ حِينَ دَخَلَ الْحَرَمَ حَلَالًا مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْآفَاقِ كَانَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
، وَهَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ أَمَّا ابْتِدَاءً فَمُرِيدُ النُّسُكِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ وَغَيْرُ مُرِيدِ النُّسُكِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ لِمِيقَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَإِلَى الْحِلِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا دَمَ، وَلَوْ عَلِمَ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ جَاوَزَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُجَاوَزَتُهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِهِ فِي مَنَاسِكِهِ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ إنَّ الدَّمَ إنَّمَا يُسْقِطُهُ بِالرُّجُوعِ إذَا جَاوَزَهُ جَاهِلًا، أَمَّا إنْ جَاوَزَهُ عَالِمًا بِقُبْحِ فِعْلِهِ فَمَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ، وَلَا يُسْقِطُ رُجُوعَهُ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى سُقُوطِ الدَّمِ بِالرُّجُوعِ مُطْلَقًا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ جَاهِلًا، وَلَمْ يُحْرِمْ فَلْيَرْجِعْ فَيُحْرِمَ مِنْهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْحَجِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ انْتَهَى.
، وَلَمْ أَرَ مَنْ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْمَفْهُومِ الَّذِي ذَكَرَهُ إلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ وَأَنْكَرَهُ إلَّا ابْنَ الْحَاجِبِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَ جَاهِلًا، وَإِلَّا فَدَمٌ لَا أَعْرِفُهُ وَقَوْلُهُ فِي الْمَنَاسِكِ: وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ يُوهِمُ أَنَّ الْأَكْثَرَ حَمَلُوهَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: إنَّهُ إنْ عَادَ بَعْدَ
الْبُعْدِ لَمْ يَسْقُطْ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا فَالدَّمُ)
ش: مَا هَذِهِ ظَرْفِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا رَجَعَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ لِلْمِيقَاتِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الرُّفْقَةِ أَوْ فَوْتَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ إنْ خَافَ ذَلِكَ أَحْرَمَ مِنْ مَحِلِّهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ.
ص (كَرَاجِعٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ، فَإِنَّ الدَّمَ لَازِمٌ لَهُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَهَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ الدَّمُ بِرُجُوعِهِ، وَلَهُ نَظَائِرُ.
ص (وَلَوْ أَفْسَدَ لَا فَاتَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ إلَّا بِالْإِفْسَادِ أَمَّا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا إذَا تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، أَمَّا لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ إلَى قَابِلٍ لَمْ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِفْسَادِ وَالْفَوَاتِ: أَنَّهُ فِي الْإِفْسَادِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى إحْرَامِهِ بِخِلَافِ الْفَوَاتِ، فَإِنَّ الْحَجَّ الَّذِي قَصْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ، وَالْعُمْرَةُ لَمْ يَقْصِدْهَا، فَأَشْبَهَ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكَيْنِ، وَإِتْمَامُهُ لِإِحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كَإِنْشَائِهِ الْعُمْرَةَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهَا تَعَدٍّ يَجِبُ بِهِ الدَّمُ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الدَّمَ لَا يَسْقُطُ بِالْفَوَاتِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْفَسَادِ قَوْلًا بِسُقُوطِ الدَّمِ بِالْفَسَادِ، وَلَا أَعْلَمُ.
فِي لُزُومِ الدَّمِ خِلَافًا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي سُقُوطِ الدَّمِ بِالْفَوَاتِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ أَنَّهُ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ بِانْعِقَادِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُحْرِمٌ يَوْمَ أَنْ كَلَّمَ فُلَانًا فَهُوَ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ، قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: لَمْ أَرَ لِمُتَقَدِّمٍ فِي انْعِقَادِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ - نَصًّا - قُصُورٌ (قُلْتُ:) ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الْمَذْهَبَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ انْعِقَادُ الْإِحْرَامِ يَوْمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ هَذَا قَوْلَ سَحْنُونٍ، وَأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِذَلِكَ حَتَّى يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاسْتَشْكَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ سَحْنُونٍ، وَقَالَ: وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِشْكَالِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ تُفْتَقَرُ إلَيَّ نِيَّةٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي بَابِ النَّذْرِ.
ص (وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا نَوَاهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا تَلَفَّظَ بِهِ إذَا خَالَفَ النِّيَّةَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ اخْتَلَفَ عَقْدُهُ وَنُطْقُهُ فَالْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَمَا لَوْ نَوَى الْإِفْرَادَ بِلَفْظِ الْقِرَانِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ نِيَّتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ صَرَّحَ بِالْعَمَلِ عَلَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ كَمَا تُعْطِيهِ عِبَارَتُهُ، وَانْظُرْ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي حَاشِيَتِي عَلَى الْمَنَاسِكِ (فَرْعٌ) : لَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ الْحَجُّ مُفْرِدًا فَسَهَا حِينَئِذٍ فَقَرَنَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى ذِكْرِ مَا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَا وَقَعَ الْقِرَانُ نَقَلَهُ سَنَدٌ، وَهُوَ وَاضِحٌ، فَإِنَّ هَذَا وَقَّتَ الْإِحْرَامَ بِنِيَّةِ الْقِرَانِ، وَلَفَظَ بِالْقِرَانِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، فَإِنَّ ذَلِكَ نِيَّتُهُ مِثْلُ الْإِفْرَادِ، وَإِنَّمَا سَبَقَ لَفْظُهُ إلَى الْقِرَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا دَمَ، وَإِنْ بِجِمَاعٍ)
ش: قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ مِنْ تَتِمَّةِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ
مَسْأَلَةُ مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ النِّيَّةَ، مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: ثُمَّ رَجَعَ مَالِكٌ، وَقَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ: وَالْأَوَّلُ: أَقْيَسُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ بِجِمَاعٍ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا شَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَعَلَى ذَلِكَ شَرَحَهُ الشُّرَّاحُ، وَجَمَعَ فِي الْكَبِيرِ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَلَا دَمَ وَقَوْلِهِ: وَإِنْ بِجِمَاعٍ، وَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَوْسَطِ، وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِجِمَاعٍ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ، فَقَالَ: وَيَنْعَقِدُ بِنِيَّةٍ وَقَوْلٍ كَتَلْبِيَةٍ أَوْ فِعْلٍ كَتَوَجُّهٍ بِطَرِيقٍ، وَإِنْ بِجِمَاعٍ، وَلَا دَمَ وَتَمَادَى وَقَضَى فَقَوْلُهُ فِي الشَّامِلِ: لَا دَمَ إنْ أَرَادَ بِهِ نَفْيَ هَدْيِ الْفَسَادِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى إيقَاعِ الْإِحْرَامِ حَالَةَ الْجِمَاعِ فَلَا قَائِلَ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ سَنَدٌ بِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ، وَهُوَ بِجِمَاعٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فَاسِدًا، وَكَانَ عَلَيْهِ تَمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ، وَلَازَمَ ذَلِكَ وُجُوبَ الْهَدْيِ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ فِي الشَّامِلِ أَرَادَ نَفْيَ وُجُوبِ الدَّمِ لِكَوْنِهِ أَوْقَعَهُ حَالَةَ الْجِمَاعِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) اعْتَرَضَ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ سَلَّمَ هَذَا الْفَرْعَ مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (قُلْتُ:) وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسْلِيمٌ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَنْعَقِدُ فِي حَالَةِ الْجِمَاعِ يُرِيدُ مَعَ قَوْلٍ كَالتَّلْبِيَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ وَيُلَبِّيَ، وَهُوَ يُجَامِعُ أَوْ يَفْعَلُ كَأَنْ يَكُونَ فِي مِحَفَّةٍ، وَهُوَ سَائِرٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى مَكَّةَ فَيَنْوِيَ الْإِحْرَامَ فِي حَالَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ بِانْعِقَادِ الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِمَنْ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ مُتَطَهِّرًا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَنْعَقِدَ لِمَنْ يُجَامِعُ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا (الثَّانِي:) إنْ قِيلَ: لِمَ لَزِمَهُ فِي الْحَجِّ الْقَضَاءُ، وَفِي الصَّوْمِ إذَا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ يُجَامِعُ فَنَزَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ قِيلَ:؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَجِّ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ وَعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ النَّزْعُ كَمَا فِي الصَّوْمِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ فِي طُرَرِ التَّلْقِينِ: وَشَرْطُ صِحَّةِ انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ أَنْ لَا يَنْوِيَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ وَطْئًا، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ مَعَ إحْرَامِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِحْرَامِ بِهِمَا شَيْءٌ انْتَهَى، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بَعْضًا أَوْ يَعْتَكِفَ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بَعْضًا أَوْ يَعْتَكِفَ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ أَوْ يَطُوفَ شَوْطًا أَوْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ فَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَأْتِي بِمِثْلِ تِلْكَ الطَّاعَةِ تَامَّةً وَالْمَشْهُورُ: اللُّزُومُ فِي الِاعْتِكَافِ انْتَهَى.
ص (مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ) ش هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ النِّيَّةِ أَيْ: يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالنِّيَّةِ حَالَ كَوْنِهَا مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقَانِ بِالْإِحْرَامِ، وَالْقَوْلُ الْمُتَعَلَّقُ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، قَالَ فِي مَنْسَكِ التَّادَلِيِّ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُحْرِزٍ قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ كَانَ مُحْرِمًا، وَالْفِعْلُ الْمُتَعَلَّقُ بِهِ كَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ، وَهَذَا هُوَ: الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ وَصَاحِبُ الْمُعَلِّمِ وَصَاحِبُ الْقَبَسِ وَسَنَدٌ: النِّيَّةُ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالنِّيَّةِ مَقْرُونًا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلَّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّوَجُّهِ لَا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ قَوْلُهُ: لَا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ يُرِيدُ إذَا تُجُرِّدَ عَنْ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا فَهِمَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَعَهُمَا وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنْ قَالَ، وَفِي عَدَمِ انْعِقَادِ النُّسُكِ بِمَجْمُوعِ النِّيَّةِ وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَإِشْعَارِهِ نَظَرٌ، وَكَيْفَ يُقَالُ هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ أَنَّهُ قَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا قَلَّدَ وَأَشْعَرَ؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَكَيْفَ يُقَالُ: هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ لَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَانْظُرْ، مَا أَنْكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعَ مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَفِيهِ أَيْ: فِي الِانْعِقَادِ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ مَعَهَا أَيْ: مَعَ النِّيَّةِ قَوْلَا إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَالْأَكْثَرُ عَنْهُ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْأَكْثَرَ نَقَلُوا عَنْ الْمَذْهَبِ عَدَمَ الِانْعِقَادِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ)
ش: يُرِيدُ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ سَوَاءٌ بَيَّنَ النُّسُكَ الَّذِي يُحْرِمُ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ أَبْهَمَهُ بِأَنْ نَوَى الْإِحْرَامَ فَقَطْ، وَلَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا مُعَيَّنًا، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِانْعِقَادِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَضِيلَةِ، فَقَالَ سَنَدٌ: وَالْأَفْضَلُ فِي الْإِحْرَامِ أَنْ يُعَيِّنَ نُسُكَهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ انْتَهَى.
ص (وَصَرَفَهُ لِلْحَجِّ، وَالْقِيَاسُ: الْقِرَانُ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ وَأَبْهَمَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ النُّسُكَ الَّذِي يُحْرِمُ بِهِ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا وَيُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ إلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْرِفَهُ لِلْحَجِّ فَقَوْلُهُ: وَصَرَفَهُ لِلْحَجِّ، وَهُوَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا جَازَ وَخُيِّرَ فِي التَّعْيِينِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقْرِنَ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَقِيلَ: الْقِيَاسُ: أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ: الْمَذْهَبُ بِلَا شَكٍّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْحَدِيثِ نَقَلَ عَنْ الْمَذْهَبِ خِلَافَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَنْ نَوَى مُطْلَقَ الْإِحْرَامِ فَلِابْنِ مُحْرِزٍ عَنْ أَشْهَبَ خُيِّرَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَلِلصَّقِلِّيِّ وَاللَّخْمِيِّ عَنْهُ الِاسْتِحْسَانُ إفْرَادُهُ، وَالْقِيَاسُ قِرَانُهُ وَتَعَقَّبَهُ التُّونُسِيُّ بِأَنَّ لَازِمَ قَوْلِهِ: فِي الْقِرَانِ فَمُحْتَمَلٌ أَقَلُّهُ الْعُمْرَةُ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعُمْرَةَ تُجْزِئُهُ كَمَا أَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ الْإِحْرَامَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ تُجْزِئُهُ الْعُمْرَةُ انْتَهَى.
يَعْنِي إذَا نَظَرَ الْإِحْرَامَ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّف: صَرَفَهُ لِلْحَجِّ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْإِطْلَاقِ أَيْ: دُونَ تَعْيِينِ نُسُكٍ، قَالَ أَشْهَبُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْمَشْهُورُ: يَحْمِلُ عَلَى الْحَجِّ، وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ آفَاقِيًّا كَأَهْلِ الْمَغْرِبِ حَمَلَ عَلَى الْحَجِّ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَحَدَ الْأَقْوَالِ وَيَعْمَلْ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا إذَا أَحْرَمَ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ: إطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي التَّعْيِينِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ صَرْفُهُ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ الْحَجِّ حِينَئِذٍ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ إنَّمَا يَنْعَقِدُ عُمْرَةً، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ سَنَدٌ: إذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ حَتَّى طَافَ فَالصَّوَابُ: أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا، وَيَقَعُ هَذَا طَوَافَ الْقُدُومِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَجْعَلُهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْحَجِّ، وَطَوَافَ الْعُمْرَةِ رُكْنٌ فِيهَا، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الطَّوَافُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَقَعَ رُكْنًا فِي الْعُمْرَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَخَفَّ ذَلِكَ فِي الْقُدُومِ، وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ إلَى إفَاضَتِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ سَعَى، وَصَرَفَهُ لِحَجٍّ بَعْدَ السَّعْيِ هَلْ يُعِيدُ السَّعْيَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِلذَّاكِرِينَ أَنَّهُ يُعِيدُ احْتِيَاطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَذَكَرَ الْفَرْعَ الَّذِي قَالَهُ سَنَدٌ الْقَرَافِيُّ، وَلَمْ يَعْزُهُ لِسَنَدٍ وَسَقَطَ مِنْهُ، وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ إلَى إفَاضَتِهِ وَعَزَا نَقْلَهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ إلَى إفَاضَتِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ السَّعْيُ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِي بِهِ الْقُدُومَ، وَهَذَا الطَّوَافُ
لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُدُومَ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَوَّلَ طَوَافِهِ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَفَاتَ مَحِلُّ طَوَافِ الْقُدُومِ أَخَّرَ سَعْيَهُ إلَى ذَلِكَ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ فِي أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ: لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فَوَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُدْخِلًا لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَالثَّانِي: وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ كَانَ كَذَلِكَ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ يَبْطُلُ الثَّانِي، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا انْتَهَى.
ص (وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ وَنَوَى الْحَجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ)
ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ إنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْقِرَانِ وَيُجَدِّدُ الْآنَ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ احْتِيَاطًا، فَإِنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ: وَإِنْ كَانَ حَجًّا أَوْ قِرَانًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً ارْتَدَفَ ذَلِكَ الْحَجُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ صَارَ قَارِنًا، وَيُكْمِلُ حَجَّهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ الْأَوَّلِ أَتَى بِعُمْرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ بِحَجَّةٍ فَقَطْ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ عُمْرَةَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَبَرِيءَ مِنْهُ فَقَطْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا أَحْرَمَ بِمُعَيَّنٍ ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَهُوَ عُمْرَةٌ أَوْ قِرَانٌ أَوْ إفْرَادٌ؟ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى الْحَجِّ وَالْقِرَانِ أَيْ: يَحْتَاطُ بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ؛ إذْ ذَاكَ وَيَطُوفَ وَيَسْعَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَارِنٌ وَيُهْدِيَ لِلْقِرَانِ وَيَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَحْرَمَ أَوَّلًا بِإِفْرَادٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَيَطُوفُ وَيَسْعَى يَعْنِي إنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى، وَإِنْ كَانَ طَافَ وَسَعَى أَجْزَاهُ وَقَوْلُهُ: إذْ ذَاكَ أَيْ: وَقْتَ شَكِّهِ، وَإِطْلَاقُهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ شَكُّهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلِيَمُرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، مَا قَالَهُ سَنَدٌ هُوَ: الظَّاهِرُ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ عَجَّلَ فَنَوَى الْحَجَّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ جَرَى عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي إرْدَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا، وَنَصُّ كَلَامِهِ: وَلَوْ نَوَى شَيْئًا وَنَسِيَهُ فَهَذَا قَارِنٌ، وَلَا بُدَّ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَجْهُ عِنْدِي: أَنْ يَنْوِيَ إحْرَامًا بِالْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ بِالْحَجِّ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ كَانَ بِالْعُمْرَةِ، وَلَمْ يَطُفْ بَعْدُ فَهُوَ قَارِنٌ، وَيَصِحُّ الْحَجُّ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّعْيِ، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَصِحُّ حَجُّهُ أَيْضًا، وَهُوَ أَصْلَحُ، وَمَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ، وَلَعَلَّهُ بِعُمْرَةٍ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ بِهِ حَجٌّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُهْدِيَ احْتِيَاطًا لِخَوْفِ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ، وَإِنْ وَقَعَ شَكُّهُ بَعْدَ سَعْيِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، فَلَيْسَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَإِنْ عَجَّلَ، فَنَوَى الْحَجَّ، هَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي إرْدَافِ الْحَجِّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَا كَانَ إحْرَامَهُ، فَإِنْ قَدَّرْنَاهُ عُمْرَةً وَصَحَّحْنَا الْإِرْدَافَ، فَقَدْ صَحَّ حَجُّهُ، وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ الْإِرْدَافَ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ، فَلِهَذَا قُلْنَا يُجَدِّدُ نِيَّةَ الْحَجِّ بَعْدَ السَّعْيِ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ حَجِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِئْ بِحَجَّةٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ إحْرَامِهِ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ الْإِرْدَافَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَبِالْكَرَاهَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، أَمَّا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَأَثْنَاءَ السَّعْيِ، فَلَا يَصِحُّ الْإِرْدَافُ وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَطُوفُ وَيَسْعَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَارِنٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ شَكُّهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَنَوَى الْحَجَّ أَنْ يُكْمِلَ طَوَافَهُ وَيَسْعَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَرْدَفَ فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِمَّا أَحْرَمَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ قِرَانًا أَوْ إفْرَادًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، أَمَّا لَوْ وَقَعَ شَكُّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ وَنَوَى الْحَجَّ لَمْ يَصِحَّ وَيُعِيدُ النِّيَّةَ بَعْدَ السَّعْيِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ)
ش: هَذَا التَّشْبِيهُ لِهَذَا الْفَرْعِ بِمَا قَبْلَهُ فِي الْأَخْذِ بِالْأَحْوَطِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَشَكِّهِ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ وَتَبِعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِبَارَةَ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَفُهِمَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَنْوِي الْحَجَّ هُنَا أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ: عُمْرَةً، وَهُوَ
ظَاهِرٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَنْوِي الْحَجَّ يَعْنِي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي حَجٍّ، فَهُوَ مُتَمَادٍ، وَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَةٍ، فَالْمَطْلُوبُ إنَّمَا هُوَ تَصْحِيحُهَا، وَقَدْ حَصَلَ جَمِيعُ أَرْكَانِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ نَدْبًا لِيُوفِيَ بِمَا نَوَاهُ إنْ كَانَ قَدْ نَوَاهُ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَتَى بِأَحَدِ جُزْأَيْ التَّمَتُّعِ، وَهُوَ الْعُمْرَةُ، وَبَقِيَ الْجُزْءُ الْأُخَرُ، وَهُوَ الْحَجُّ؛ وَلِهَذَا لَمَّا فَرَضَ اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ شَكَّ، هَلْ أَفْرَدَ أَوْ اعْتَمَرَ لَمْ يَذْكُرْ إنْشَاءَ الْحَجِّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَالشَّكُّ فِي إفْرَادٍ وَقِرَانٍ قِرَانٌ، وَفِي حَجٍّ وَعُمْرَةٍ حَجٌّ، وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِ حَلْقِ الْعُمْرَةِ لَا الْقِرَانِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةً بِحَجٍّ، فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ بِعُمْرَةٍ، فَمَا زَادَ عَلَى فِعْلِهَا لَا يُصَيِّرُهُ قَارِنًا ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: وَيَنْوِي الْحَجَّ بِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ قُلْتُ: فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ الْحَجَّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ بِعُمْرَةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ كَافٍ فِي خُلُوصِهِ مِنْ عُمْرَةِ الْإِحْرَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَحُجَّ الْفَرْضَ، فَلَا يَخْلُصُ بِذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَجَّ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ، الصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَنْوِي الْحَجَّ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ يَنْوِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ يَنْوِيهِ حِينَ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ مُرْدِفًا لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ إحْرَامُهُ الْأَوَّلُ عُمْرَةً، وَإِنْ كَانَ حَجًّا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ عُمْرَةً، وَإِنْ كَانَ حَجًّا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ نَعَمْ إنْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ، فَلْيَصْبِرْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهِ ثُمَّ يَنْوِيَ الْحَجَّ لِلْخِلَافِ الَّذِي فِي الْإِرْدَافِ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ نَوَاهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ صَحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ نَوَاهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ لَمْ يَصِحَّ وَيُعِيدُ النِّيَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا مِنْ الْحَجِّ فَقَطْ، فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ صَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِنَفْيِهَا، فَقَالَ: وَلَوْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ نَوَى الْحَجَّ وَتَمَادَى قَارِنًا، فَطَافَ وَسَعَى وَأَهْدَى ثُمَّ اعْتَمَرَ، كَمَا لَوْ شَكَّ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ؟ وَلَا عُمْرَةَ، وَلَكِنْ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي مُوجِبِ الْعُمْرَةِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: قَوْلُهُ: كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ لَيْسَ بِمِثَالٍ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الَّذِي قَبْلَهُ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَهَذَا جَزَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِعُمْرَةٍ، وَلَا بِقِرَانٍ وَشَكَّ، هَلْ أَحْرَمَ بِالْإِفْرَادِ أَوْ بِالتَّمَتُّعِ؟ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) نَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ هُوَ التَّمَتُّعُ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ السَّابِقِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ شَكَّ هَلْ أَفْرَدَ أَوْ قَرَنَ]
(فَرْعٌ) ، فَإِنْ شَكَّ، هَلْ أَفْرَدَ أَوْ قَرَنَ؟ تَمَادَى عَلَى نِيَّةِ الْقِرَانِ وَحْدَهُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَانْظُرْ لَوْ شَكَّ، هَلْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى الْقِرَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَلْغَى عُمْرَةٌ عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ)
ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَهُ بِعُمْرَةٍ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَغْوٌ، وَكَذَا إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنَّ الْحَجَّةَ الثَّانِيَةَ، وَالْعُمْرَةَ الثَّانِيَةَ لَغْوٌ يُرِيدُ وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً، فَإِنْ أَرْدَفَ ذَلِكَ أَوَّلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَدْ أَسَاءَ وَلْيَتَمَادَ عَلَى حَجِّهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِيمَا أَرْدَفَهُ، وَلَا قَضَاؤُهُ، وَلَا دَمُ قِرَانٍ انْتَهَى.
، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ بِعُمْرَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَعُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَوْلُهُ: وَعُمْرَةٌ فَاعِلُ أَلْغَى؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ.
ص (وَرَفَضَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ رَفْضَ الْإِحْرَامِ لَغْوٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَا
يَرْتَفِضُ الْإِحْرَامُ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ إلَّا مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ إحْرَامُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَنَقَلْتُ كَلَامَهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ، فَانْظُرْهُ.
ص (وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُّدٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا أَحْرَمَ بِهِ، فَقَدْ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي صِحَّةِ إحْرَامِهِ، وَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ سَنَدٌ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةُ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ وَالظَّاهِرُ: الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ، فَلَوْ بَانَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُحْرِمْ قَالَ سَنَدٌ، فَإِحْرَامُهُ يَقَعُ مُطْلَقًا وَيُعَيِّنُهُ بِمَا شَاءَ وَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
، فَلَوْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ وَجَدَهُ مُحْرِمًا بِالْإِطْلَاقِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا فِي الْمَذْهَبِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَقَعُ إحْرَامُهُ أَيْضًا مُطْلَقًا، وَيُخَيَّرُ فِي تَعْيِينِهِ، وَالنَّصُّ فِيهِ لِلْمُخَالِفِ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ، وَإِذَا قُلْنَا: يَتْبَعُ زَيْدًا فِي إحْرَامِهِ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إنَّمَا يَتْبَعُهُ فِي أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ خَاصَّةً، أَمَّا كُلُّ شَخْصٍ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنُدِبَ إفْرَادٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَفْضَلُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ ظَاهِر كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَنَاسِكِ، وَقَالَ فِي مَنَاسِكِهِ فِي فَضْلِ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ، وَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُهَا، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ مُفْرِدًا ثُمَّ إذَا فَرَغَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ، فَلَمْ يَجْعَلْ الْعُمْرَةَ دَاخِلَةً فِي حَقِيقَةِ الْإِفْرَادِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بَلْ جَعَلَهَا سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً، فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْإِفْرَادِ، وَتَرَكَ الْعُمْرَةَ، وَتَرَكَ السُّنَّةَ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: فِي التَّوْضِيحِ، وَالْإِفْرَادُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِلْعُمْرَةِ لَكِنَّهُ إذَا أَتَى بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، فَقَدْ أَتَى بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ إفْرَادًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْإِفْرَادُ الْإِحْرَامُ بِنِيَّةِ حَجٍّ فَقَطْ، وَقَالَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمُحَمَّدٌ: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ إذَا كَانَ بَعْدَهُ عُمْرَةٌ، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَهُ، فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ انْتَهَى.
وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا نَقَلَهُ سَنَدٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْعُمْرَةَ، وَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَقَلَ الطُّرْطُوشِيُّ اتِّفَاقَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، وَلَعَلَّ الْمُقْرِي أَخَذَ مَا قَالَهُ مِمَّا وَقَعَ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ حَجٍّ، أَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْكَ أَمْ إفْرَادُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَهُ فِي ذِي الْحَجَّةِ؟ فَقَالَ: بَلْ إفْرَادُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحَجَّةِ بَعْدَ الْحَجِّ أَحَبُّ إلَيَّ صَرُورَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ صَرُورَةٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ أَعْمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّنْعِيمِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ بِتَفْضِيلِ الْمُتَمَتِّعِ انْتَهَى.
لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْعُتْبِيَّةِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ، فَلَا يَكُونُ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ، كَمَا قَالَ الْمُقْرِي (قُلْتُ:) وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُقْرِي اسْتِدْلَالُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْإِفْرَادِ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ اعْتَمَرَ بَعْدَ حَجَّتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سَنَدٌ: وَإِنَّمَا كَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَرَخَّصُ فِيهِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَلِأَنَّهُ يَأْتِي بِكُلِّ نُسُكٍ عَلَى انْفِرَادِهِ، فَاجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ وَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ التَّمَتُّعِ، وَكَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنْ الْقِرَانِ، وَلِأَنَّهُ لَا خَلَلَ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الدَّمِ، وَغَيْرُهُ يُوجِبُ الدَّمَ، وَوُجُوبُهُ: دَلِيلٌ عَلَى الْخَلَلِ، فَكَانَ الْإِفْرَادُ الَّذِي لَا خَلَلَ فِيهِ أَفْضَلَ وَلِأَنَّهُ فِعْلُ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ مُثَلَّثَاتُ الْحَجِّ]
(فَائِدَةٌ) مُثَلَّثَاتُ: الْحَجِّ أَوْجُهُ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَقِرَانٌ وَالْإِطْلَاقُ وَالْإِحْرَامُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ يَرْجِعُ إلَى أَحَدِهَا، وَالِاغْتِسَالَاتُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالرُّكُوعُ ثَلَاثَةٌ لِلْإِحْرَامِ وَلِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلِلْإِفَاضَةِ، وَمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ثَلَاثَةٌ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ
وَالْهَدْيُ وَالْخَبَبُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الطَّوَافِ، وَفِي السَّعْيِ، وَفِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَخُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ وَالْجِمَارُ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ وَمُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ ثَلَاثَةٌ مُرِيدُ النُّسُكِ وَمُرِيدُ مَكَّةَ بِغَيْرِ النُّسُكِ وَغَيْرُ مُرِيدٍ لِمَكَّةَ وَالْمُحْرِمُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ ثَلَاثَةٌ قِسْمٌ يَتَعَيَّنُ لَهُمْ الْحَلْقُ، وَهُمْ الْمُلَبِّدُونَ، وَمَنْ كَانَ شَعْرُهُ قَصِيرًا، وَمَنْ يَكُونُ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ وَقِسْمٌ يَتَعَيَّنُ لَهُمْ التَّقْصِيرُ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَقِسْمٌ يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ الْأَمْرَانِ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَهُمْ مَنْ عَدَا مَنْ ذُكِرَ وَالْهَدْيُ ثَلَاثَةٌ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ، وَعَلَامَاتُهُ ثَلَاثَةٌ تَقْلِيدٌ وَإِشْعَارٌ وَتَجْلِيلٌ، وَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، أَمَّا الْبَقَرُ، فَتُقَلَّدُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ، فَتُقَلَّدُ وَتُشْعَرُ فَقَطْ، وَلَا يُفْعَلُ فِي الْغَنَمِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَكُلُّ أَفْعَالِ الْحَجِّ يُطْلَبُ فِيهَا الْمَشْيُ إلَّا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ بِالْمَشْعَرِ وَرَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْجُزُولِيَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ قَرَنَ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا) ش: يَعْنِي أَنَّ الْقِرَانَ يَلِي الْإِفْرَادَ فِي الْفَضْلِ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ مِنْ السُّنَّةِ عُسْرٌ، وَإِنَّمَا رَاعَوْا فِيهِ كَوْنَ الْمُتَمَتِّعِ فِيهِ تَرَخَّصَ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَقَالَهُ سَنَدٌ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، وَنَصُّهُ: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ هُوَ أَنَّ الْقَارِنَ فِي عَمَلِهِ كَالْمُفْرِدِ، وَالْمُفْرِدُ أَفْضَلُ، فَمَا قَارَبَ فِعْلَهُ كَانَ أَفْضَلَ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَتَحَلَّلُ بِمُدَّةٍ، فَتَعَطَّلَ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَلَا يُكْرَهُ الْقِرَانُ خِلَافًا لِمَنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَا التَّمَتُّعُ خِلَافًا لِمَنْ تَأَوَّلَهُ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْقِرَانَ لَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا أَيْ: يَقْصِدُ الدُّخُولَ فِي حُرْمَتِهِمَا مَعًا، وَسَوَاءٌ ذَكَرَ الْعُمْرَةَ فِي لَفْظِهِ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ سَنَدٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَيُقَدِّمُ الْعُمْرَةَ فِي نِيَّتِهِ لِارْتِدَافِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يُجْزِئُهُ الْبَاجِيُّ وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ نَوَاهُمَا جَمِيعًا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) ، مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ مُتَعَيِّنٌ قَالَ سَنَدٌ: الْقِرَانُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَإِنْ نَوَاهُمَا مَعًا جَازَ ذِكْرُ الْعُمْرَةِ فِي لَفْظِهِ قَبْلَ أَوْ بَعْدَ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ نَظَرْتَ، فَإِنْ سَبَقَتْ نِيَّةُ الْعُمْرَةِ جَازَ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، وَإِنْ سَبَقَتْ نِيَّةُ الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْخِلَ الْعُمْرَةَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ فِي بَابِ الْإِفْرَادِ وَغَيْرِهِ: إذَا ابْتَدَأَ، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهِ عُمْرَةً، هَلْ يَكُونُ قَارِنًا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَارِنًا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ يَعْنِي الْأَبْهَرِيَّ فِيمَنْ قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي تَلْبِيَتِهِ: إنَّهُ يُجْزِئُهُ وَيَكُونُ قَارِنًا قَالَ الْبَاجِيُّ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ نَوَاهُمَا جَمِيعًا، وَزَعَمَ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَمَا يُخْتَلَفُ فِي غَيْرِهِ انْتَهَى.
مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ هُوَ الصَّوَابُ، فَلَا يَبْعُدُ قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ خِلَافًا، وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ: الْقِرَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْقِدَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدٍ يَنْوِي بِقَلْبِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِمَا مُقَدِّمًا لِلْعُمْرَةِ فِي نِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِاللَّفْظِ انْتَهَى.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صُورَتَيْ الْقِرَانِ هِيَ الْإِرْدَافُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا إنْ صَحَّتْ إلَخْ قَالَ فِي الْمَعُونَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مُفْرِدًا ثُمَّ يُضِيفَ الْحَجَّ إلَيْهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُجَدِّدَ اعْتِقَادًا أَنَّهُ قَدْ شَرَكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ الْإِحْرَامِ، فَهَذَا يَكُونُ قَارِنًا كَالْمُتَمَتِّعِ انْتَهَى.
، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَوْ بِطَوَافِهَا لَكَانَ أَبْيَنَ، وَلَكَانَ مُشِيرًا إلَى الْخِلَافِ فِي الْإِرْدَافِ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ وَقْتَ الْإِرْدَافِ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَاتَ الْإِرْدَافُ عِنْدَ أَشْهَبَ هَكَذَا نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْهُ، وَفِي الْجَلَّابِ عَنْهُ إذَا طَافَ شَوْطًا وَاحِدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ إحْرَامُهُ، وَلَا يَكُونُ قَارِنًا وَاعْلَمْ أَنَّ أَشْهَبَ إنَّمَا يَقُولُ بِفَوَاتِ الْإِرْدَافِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى إكْمَالِ الطَّوَافِ أَمَّا لَوْ قَطَعَهُ لَصَحَّ عِنْدَهُ الْإِرْدَافُ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَعِيَاضٌ، وَنَقَلَهُ عَنْهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ