ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
شَيْءَ لَهُمْ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ بِقَسَامَةٍ الثَّالِثَةُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ، الرَّابِعَةُ: تُفَضُّ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فَمَا أَصَابَهُ غَرِمَهُ وَمَا أَصَابَ الْعَاقِلَةَ سَقَطَ عَنْهُ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ بِقَسَامَةٍ لَيْسَ فِي الْجَلَّابِ فِيهَا ذَكَرَ الْقَسَامَةَ وَاَلَّذِي فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ الدِّيَةَ كُلَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ هَذَا لَفْظُهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ أَيْضًا بِغَيْرِ لَفْظِ الْقَسَامَةِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ نَقْلِهِ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ الْمُقِرُّ بِالْخَطَإِ بِمَالِهِ لَزِمَ الصُّلْحُ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالْخَطَإِ لَا تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ وَإِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِقَسَامَةٍ إذَا لَمْ يُتَّهَمْ الْمُقِرُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ غِنَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي دِيَاتُ الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ قَالَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِقَتْلِ خَطَإٍ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَصَالَحَ الْأَوْلِيَاءَ عَلَى مَالٍ قَبْلَ أَنْ تَلْزَمَ الدِّيَةُ الْعَاقِلَةَ بِقَسَامَةٍ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ خَطَأً فَقِيلَ عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاقِلَةِ بِقَسَامَةٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ اهـ. وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَأْوِيلِ الْمُدَوَّنَةِ فَتَأَوَّلَهَا أَبُو عِمْرَانَ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيمَا قَبَضَ وَفِيمَا لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَتَأَوَّلَهَا ابْنُ مُحْرِزٍ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا قَبَضَ دُونَ مَا لَمْ يَقْبِضْ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ مَا دَفَعَ تَأْوِيلَانِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ رَجَعَ بِمَا دَفَعَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ يَظْهَرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الطَّعَامَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ) .
ش ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا صَالَحَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَلِلْآخَرِ الدُّخُولُ مَعَهُ إلَّا فِي الطَّعَامِ فَفِي دُخُولِهِ مَعَهُ تَرَدُّدٌ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادُهُ بَلْ مُرَادُهُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ اسْتَثْنَى الطَّعَامَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي وَجْهِ اسْتِثْنَائِهِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ آخِرِ الْمَسْأَلَةِ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِجَلْبِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِهِمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ خُلْطَةٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، وَتَرَكَ وَلَدَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ أَنَّ لِأَبِيهِ قِبَلَ خَلِيطِهِ مَالًا فَأَقَرَّ لَهُ، أَوْ أَنْكَرَ فَصَالَحَهُ عَلَى حَظِّهِ مِنْ ذَلِكَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ عَرْضٍ جَازَ وَلِأَخِيهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِيمَا أَخَذَ وَكُلٌّ ذَكَرَ حَقٌّ لَهُمَا بِكِتَابٍ، أَوْ بِغَيْرِ كِتَابٍ إلَّا أَنَّهُ مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُمَا فَبَاعَاهُ فِي صَفْقَةٍ بِمَالٍ، أَوْ عَرْضٍ أَوْ بِمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ غَيْرَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ أَقْرَضَاهُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ وَرِثَ هَذَا الذَّكَرُ الْحَقَّ فَإِنَّ مَا قَبَضَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْآخَرُ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ أَشْرَاكِهِ إلَّا أَنْ يُشَخِّصَ الْمُقْتَضَى بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَى أَشْرَاكِهِ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ أَوْ الْوَكَالَةِ فَامْتَنَعُوا فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا اقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَهُمْ إلَى الْإِمَامِ لَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ، أَوْ التَّوْكِيلِ.
فَإِنْ فَعَلُوا وَإِلَّا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اقْتِضَاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيمَا اقْتَضَى اهـ. قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَغَيْرُهُ إنَّمَا اسْتَثْنَى الطَّعَامَ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يُشَخِّصَ الْمُقْتَضَى بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَى شُرَكَائِهِ فِي الْخُرُوجِ مَعَهُ أَوْ الْوَكَالَةِ فَامْتَنَعُوا فَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا اقْتَضَى.
قَالَ: فَإِذَا كَانَ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْذَنَ لِصَاحِبِهِ فِي الْخُرُوجِ لِاقْتِضَاءِ حَقِّهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْخُرُوجِ مُقَاسَمَةٌ لَهُ، وَالْمُقَاسَمَةُ لَهُ كَبَيْعِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي اسْتِثْنَاؤُهُ الْإِدَامَ وَالطَّعَامَ إنَّمَا هُوَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ، أَوْ وَصُلْحَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الَّذِي لَهُمَا طَعَامًا، أَوْ إذَا مَا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا بَيْعُ نَصِيبِهِ، أَوْ مُصَالَحَتُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهَذَا الَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ يَكُونُ بِكِتَابَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ بِكِتَابَيْنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِيمَا اقْتَضَى، وَإِنْ كَانَ
ذَلِكَ ثَمَنَ شَيْءٍ وَاحِدٍ أَصْلُهُ بَيْنَهُمَا وَبَاعَهُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ كَعَبْدٍ، أَوْ ثَوْبٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْحَقُّ إذَا كَانَ بِكِتَابَيْنِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا اقْتَضَى، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ فِيهِ شُرَكَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَصْلُهُ بَيْنَهُمْ أَوْ بَاعَهُ فِي صَفْقَةٍ.
ص (وَفِيمَا لَيْسَ لَهُمَا وَكُتِبَ فِي كِتَابٍ قَوْلَانِ) ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا إذَا جَمَعَا سِلْعَتَهُمَا فِي الْبَيْعِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ قَبْلَ الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّتْ سِلْعَةُ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي نَقْضَ الْبَيْعِ كَمَا لَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهَا فَكَذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُهُمَا فِي الِاقْتِضَاءِ حُكْمَ الشَّرِيكَيْنِ اهـ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ: لَا تُوجِبُ الْكِتَابَةُ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا اقْتَضَى اهـ. (قُلْت) إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِقُرْعَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا؛ لِأَنَّهَا بِقُرْعَةٍ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَعَبْدٍ أَبَقَ) ش: لَيْسَ هَذَا مِثَالًا لِمَا قَبْلَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُشَبَّهٌ بِهِ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ نَظَرًا إلَى الْقِيمَةِ أَيْ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُصَالِحَ مَنْ غَصَبَكَ عَبْدًا وَأَبَقَ مِنْهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ أَوْ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ إذَا كَانَتْ الدَّنَانِيرُ، أَوْ الدَّرَاهِمُ كَالْقِيمَةِ فَأَقَلَّ جَازَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الْآبِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب شَرْطُ الْحَوَالَةِ]
ص (بَابٌ) (شَرْطُ الْحَوَالَةِ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ فَقَطْ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ تَحَوَّلَ مِنْ طَلَبِهِ لِغَرِيمِهِ إلَى غَرِيمِ غَرِيمِهِ اهـ. ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَوَالَةُ طَرْحُ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّةٍ بِمِثْلِهِ فِي أُخْرَى لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَا هُوَ لَهُ اهـ. وَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ أَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَحَالَهُ بِهِ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَإِنَّهَا حَوَالَةٌ كَمَا نَقَلَهُ
فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَفْظُ الدَّيْنِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا عُرْفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ عِيَاضٌ قَالَ الْأَكْثَرُ: لِأَنَّهَا مُبَايَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ بِالْعَيْنِ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ، وَأَشَارَ الْبَاجِيُّ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْبَيْعِ وَلَا هِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلْ مِنْ بَابِ النَّقْدِ.
(قُلْت) لَفْظُهُ لَيْسَ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِنَفْسِ الْإِحَالَةِ فَهِيَ مِنْ بَابِ النَّقْدِ عِيَاضٌ فِي حَمْلِ الْحَوَالَةِ عَلَى النَّدْبِ، أَوْ الْإِبَاحَةِ قَوْلَا الْأَكْثَرِ، وَبَعْضُهُمْ الْبَاجِيُّ هِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ رِضَا الْمُحِيلِ أَوْ الْمُحَالِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ أَنَّهُمَا مِنْ شُرُوطِهَا، وَلَمْ يَعُدَّهُمَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْهَا، وَهُوَ أَحْسَنُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا جُزْءَانِ؛ لِأَنَّهُمَا كُلَّمَا وُجِدَا وُجِدَتْ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ كَمَا قَالَ لَا جُزْءَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَعَقُّلِهَا وَوُجُودِهَا عَلَيْهِمَا وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ رِضَا الْمُحَالِ، وَإِنَّمَا أَرْكَانُهَا: رِضَا الْمُحِيلِ، وَالْمُحَالِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ وَالْمُحَالُ بِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ كُلَّمَا وُجِدَ، أَوْ وُجِدَتْ مَمْنُوعٌ فَقَدْ يُوجَدَانِ وَلَا تُوجَدُ؛ كَمَا إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَحَالَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ قِبَلَهُ دَيْنٌ فَلَيْسَتْ حَوَالَةٌ، وَهِيَ حَمَالَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ نَصَّ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ عَلَى أَنَّ حَدَّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا شَرْطَانِ لَا جُزْءَانِ إذْ لَمْ يُذْكَرَا فِي الْحَدِّ اهـ. وَقَوْلُهُ: فَقَطْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَدَاوَةِ قَالَهُ مَالِكٌ الْمَازِرِيُّ.
وَإِنَّمَا يَعْرِضُ الْإِشْكَالُ لَوْ اسْتَدَانَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ دَيْنًا، ثُمَّ حَدَثَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ، هَلْ يُمْنَعُ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ مِنْ اقْتِضَاءِ دَيْنِهِ وَيَرْضَى عَدُوُّهُ فَيُؤْمَرُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ أَوْ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ؟ تَرَدَّدَ ابْنُ الْقَصَّارِ فِي هَذَا وَإِشَارَتُهُ تَقْتَضِي الْمَيْلَ إلَى أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ بِنَفْسِهِ اهـ. وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ هَذَا هُوَ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي مِنْ أَوَّلِ الْحَوَالَةِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: لَوْ كَانَ الْمُحَالُ عَدُوًّا لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ اُشْتُرِطَ رِضَاهُ وَاخْتُلِفَ عَلَى ذَلِكَ إذَا تَجَدَّدَتْ الْعَدَاوَةُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ هَلْ يَجِبُ التَّوْكِيلُ أَمْ لَا كَمَا قَالُوا فِيمَنْ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ وَتَجَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ هَلْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ هَلْ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَإِقْرَارُهُ كَمَا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لَا؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَلِلْمُوَثَّقِينَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَيْضًا الْقَوْلَانِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ الْحَوَالَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَهَلْ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الشُّيُوخِ؟ هَلْ الْحَوَالَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَنَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ الْبُيُوعِ، أَوْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ؟ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ، وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ وَحُضُورُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي الِاسْتِغْنَاءِ.
لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فُسِخَ حَتَّى يَحْضُرَ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ لِلْغَائِبِ بَرَاءَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْمُشْتَمِلِ لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا عَلَى حَاضِرٍ مُقِرٍّ اهـ. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اقْتَصَرَ الْوَقَارُ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَنَصُّهُ: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ أَحَدٌ بِحَقٍّ لَهُ قَدْ حَلَّ عَلَى غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا حَالُهُ فِي مَالِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ بِهِ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْحَيِّ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ قَدْ فَاتَتْ، وَذِمَّةَ الْحَيِّ مَوْجُودَةٌ " وَعَلَيْهِ أَيْضًا اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ وَصَاحِبُ الْكَافِي وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْحَوَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدَهُ، أَوْ دَارِهِ بِدَيْنٍ لَكَ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مُقِرٍّ حَاضِرٍ مَلِيءٍ وَتُحِيلَهُ عَلَيْهِ إنْ شَرَعْت فِي السُّكْنَى وَالْخِدْمَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اشْتَرَطَ هُنَا حَاضِرًا مُقِرًّا وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا ذَلِكَ الشَّيْخُ
فَحَيْثُ ذُكِرَ يُقَيِّدُ بِهِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ اهـ. وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ: مُقِرٍّ حَاضِرٍ.
مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ تَجُزْ الْحَوَالَةُ قَالَ فِي الطُّرَرِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْقُرْطُبِيُّ: لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى غَائِبٍ فَإِنْ وَقَعَ لَمْ تَجُزْ وَفُسِخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْغَائِبِ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ اهـ.
ص (وَثُبُوتُ دَيْنٍ لَازِمٍ) ش: احْتَرَزَ بِاللَّازِمِ مِنْ دَيْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: كَالدَّيْنِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اهـ. (قُلْت) وَمِنْ ذَلِكَ الْكِتَابَةُ فَلَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ عَلَى الْكِتَابَةِ إلَّا إذَا كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُحَالُ كَمَا إذَا أَحَالَهُ مُكَاتَبُهُ بِمَا حَلَّ عَلَيْهِ عَلَى مُكَاتَبٍ لِلْمُكَاتَبِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصِيغَتُهَا)
ش: اُنْظُرْ هَلْ مُرَادُهُ بِصِيغَتِهَا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ وَلَكِنَّهُ أَتَى بَعْدَهُ بِكَلَامِ الْبَيَانِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، أَوْ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْحَوَالَةِ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَالِ دَيْنَهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ قَالَ: يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ الرَّجُلَ فِي حَقِّهِ فَيَذْهَبُ بِهِ إلَى غَرِيمٍ لَهُ فَيَقُولُ لَهُ: خُذْ حَقَّكَ مِنْ هَذَا، وَيَأْمُرُهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ فَيَتَقَاضَاهُ إيَّاهُ فَيَقْضِيَهُ.
بَعْضَ حَقِّهِ، أَوْ لَا يَقْضِيهِ.
فَيُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِوَجْهِ الْحَقِّ اللَّازِمِ لِمَنْ أَحَالَ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَحْتَلْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَكْفِيَكَ التَّقَاضِيَ، وَأَمَّا وَجْهُ الْحَوْلِ اللَّازِمِ أَنْ يَقُولَ أُحِيلُكَ عَلَى هَذَا بِحَقِّك وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِكَ مِمَّا تَطْلُبُنِي، وَأَنْ لَا أَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَنْتَقِلُ بِهَا الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِيَقِينٍ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ أَوْ مَا يَنُوبُ مَنَابَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ مِنْ هَذَا حَقَّكَ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ دَيْنِكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: اتَّبِعْ فُلَانًا بِحَقِّكَ فِي حَوَالَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» قَالَ: فَلَمَّا أَتَى بِلَفْظٍ يُشْبِهُ النَّصَّ كَانَ حَوَالَةً إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ وَإِنَّمَا الْبَيِّنُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ أَتْبَعْتُكَ عَلَى فُلَانٍ، وَأَمَّا إذَا قَالَ اتْبَعْ فُلَانًا فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ فَذَكَرَهُمَا فِي آخِرِ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَهُوَ الْأَمْرُ مِنْ الْآمِرِ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَيْهِ أَمْ لَا اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ اهـ. وَالْقَوْلَانِ اللَّذَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا هُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي قَوْلِ الْبَائِعِ: خُذْ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا هَلْ هُوَ إيجَابٌ لِلْبَيْعِ كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَالِ دَيْنَهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِمِثْلِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ اهـ. نَعَمْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ وَأَطْلَقَ، وَنَصُّهُ: " وَلِلْبَرَاءَةِ بِالْحَوَالَةِ أَرْبَعُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ بِرِضَا الْمُحِيلِ، وَالْمُحَالِ وَأَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ، وَأَنْ لَا يَغُرَّ مَنْ عَدِمَ بِعِلْمِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ الْحَوَالَةَ وَيَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ كَمَا إذَا قَالَ: خُذْ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْمُحَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَيَقُولَ إنَّمَا طَلَبْت مِنْهُ نِيَابَةً عَنْكَ لَا عَلَى أَنَّهَا حَوَالَةٌ أَبْرَأْتُكَ مِنْهَا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحُلُولُ الْمُحَالِ بِهِ وَإِنْ كِتَابَةً) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ حَالًّا وَوَقَعَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوهِمُ خِلَافَهُ، وَنَصُّهَا: " وَلَوْ اسْتَقْرَضَ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ مِثْلَ طَعَامِكَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَسَأَلَهُ أَنْ يُوَفِّيَكَ أَوْ أَحَالَكَ بِهِ، وَلَمْ تَسْأَلْ أَنْتَ الْأَجْنَبِيَّ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ فَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حِينَ إقْرَائِهِ هَذَا الْمَحَلَّ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فِي اشْتِرَاطِ حُلُولِ الْمُحَالِ بِهِ فَلَمْ يَحْضُرْهُ وَلَا غَيْرَهُ جَوَابٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ثُمَّ بَانَ لِي سِرُّهُ بِأَنْ شَرَطَ الْحُلُولَ فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى أَصْلِ دَيْنٍ وَهَذِهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهَا عَلَى غَيْرِ أَصْلِ دَيْنٍ فِي حَمَالَةٍ اهـ. مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِابْنِ نَاجِي، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كِتَابَةً يُرِيدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْحُلُولُ فِي الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ كِتَابَةٍ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ.
[تَنْبِيه إحَالَةُ الْقَطْعِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ: الْحَوَالَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ إحَالَةُ قَطْعٍ وَإِحَالَةُ إذْنٍ فَأَمَّا إحَالَةُ الْقَطْعِ فَلَا تَجُوزُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ قَدْ حَلَّ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ مُسَاوِيًا لِلْمُحَالِ فِيهِ فِي الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا طَعَامًا مِنْ سَلَمٍ، وَأَمَّا الْإِذْنُ فَهُوَ كَالتَّوْكِيلِ عَلَى الْقَبْضِ وَالْإِقْطَاعِ فَيَجُوزُ بِمَا حَلَّ وَبِمَا لَمْ يَحِلَّ وَلَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُحَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَالَهُ وَيَجُوزُ لِلْمُحِيلِ أَنْ يَعْزِلَ الْمُحَالَ فِي الْإِذْنِ عَنْ الْقَبْضِ وَلَا يَعْزِلُهُ فِي حَالَةِ الْقَطْعِ اهـ.
ص (لَا عَلَيْهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حُلُولُ الدَّيْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ كَانَ كِتَابَةً، أَوْ غَيْرَهَا نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ هُوَ السَّيِّدُ كَمَا إذَا أَحَالَهُ مُكَاتَبُهُ بِمَا حَلَّ عَلَيْهِ عَلَى مُكَاتَبٍ لِلْمُكَاتَبِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحِيلَ السَّيِّدُ أَجْنَبِيًّا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مُكَاتَبِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ التُّونُسِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَزَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ لِابْنِ الْقَاسِمِ اشْتِرَاطَ حُلُولِ الْكِتَابَةِ الْمُحَالِ عَلَيْهَا السَّيِّدُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمَا مَا حَكَيَاهُ مِنْ شَرْطِ حُلُولِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الْمُحَالُ عَلَيْهَا فَلَا يَشْتَرِطُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَغَيْرُهُ فِيهَا الْحُلُولَ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ قَالَ بِهِ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ أَحَالُكَ مُكَاتِبُك بِالْكِتَابَةِ عَلَى مُكَاتَبٍ لَهُ وَلَهُ عَلَيْهِ مِقْدَارُ مَا عَلَى الْأَعْلَى فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَبُتَّ أَنْتَ عِتْقَ الْأَعْلَى فَيَجُوزُ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ كِتَابَةُ الْأَعْلَى فَيَجُوزُ بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ كَمَا لَا تَجُوزُ الْحَمَالَةُ بِالْكِتَابَةِ إلَّا عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِ الْعِتْقِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ إنْ عَجَزَ الْأَسْفَلُ كَانَ لَكَ رِقًّا وَلَا تَرْجِعُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْبَيْعِ، وَقَدْ تَمَّتْ حُرِّيَّتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ السَّيِّدَ لَا الْأَجْنَبِيَّ.
التُّونُسِيُّ: وَالْمُكَاتَبُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُحِيلَ سَيِّدَهُ بِمَا حَلَّ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى مَا لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَالُ أَجْنَبِيًّا لَمْ تَجُزْ قَالَ: وَهُوَ لَوْ حَلَّتْ لَمْ تَجُزْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْأَجْنَبِيِّ إذَا أُحِيلَ عَلَى مِثْلِ الِابْنِ وَهَهُنَا قَدْ يَعْجَزُ الْمُكَاتَبُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَتَصِيرُ الْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ حَلَّ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ فَأَرَادَ أَنْ يُحِيلَهُ بِذَلِكَ عَلَى مُكَاتَبِهِ مَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ فَتَكُونُ الْحَوَالَةُ قَدْ خَالَفَتْ مَا رَخُصَ فِيهِ مِنْهَا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُحَالِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: أَنْتُمْ تُجِيزُونَ بَيْعَ الْكِتَابَةِ مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ كِتَابَتَهُ تَارَةً وَرَقَبَتَهُ أُخْرَى، قِيلَ: أَصْلُ الْحَوَالَةِ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّهَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ فَلَا يَتَعَدَّى بِهَا مَا خَلَفَ مِنْهَا اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ بِرُمَّتِهِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ، وَنَصُّهُ: " وَحُلُولُ مُحَالٍ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا حُلُولَ مُحَالٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُحِيلَ سَيِّدَهُ إلَّا أَجْنَبِيًّا فَمَا حَلَّ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى نُجُومِ مُكَاتَبٍ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ " اهـ.
ص (وَفِي تَحَوُّلِهِ عَلَى الْأَدْنَى تَرَدُّدٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَشْيَاخَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَرَدَّدُوا فِي جَوَازِ تَحَوُّلِهِ مِنْ الدَّيْنِ الْأَعْلَى
إلَى أَدْنَى مِنْهُ يُرِيدُ، أَوْ مِنْ الْكَثِيرِ إلَى أَقَلَّ مِنْهُ وَأَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى الْجَوَازِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ: أَنَّ التَّرَدُّدَ جَارٍ فِي التَّحَوُّلِ مِنْ الْكَثِيرِ إلَى الْقَلِيلِ بَلْ كَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ لَفْظَ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ الْقَائِلِ بِالْمَنْعِ شَرْطُهَا تَمَاثُلُهُمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ اهـ.
(قُلْت) هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ مُجْمَلَةً كَمَا إذَا كَانَ قَالَ لَهُ: أُحِيلُكَ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَكَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ بِعَشَرَةٍ لِي عِنْدَهُ أَمَّا إذَا قَالَ لَهُ: أُسْقِطُ عَنْهُ التِّسْعِينَ، وَأَحْتَالُ بِالْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى فُلَانٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّرَدُّدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ مِنْ جَوَازِ التَّحْوِيلِ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى مُوَافِقٌ لِلَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ شَاسٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَقْوَى فِي الْمَعْرُوفِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعِيَاضٌ: لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا التَّحَوُّلُ مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: فَيَجُوزُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى مَوْضِعُ " عَلَى ": " عَنْ " فَتَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً عَلَى مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ: فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُشْتَرَطُ تَمَاثُلُ صِنْفِ الدَّيْنَيْنِ وَفِي شَرْطِ تَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ مُطْلَقًا وَجَوَازُ كَوْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَقَلَّ أَوْ أَدْنَى، قَوْلُ الْمُقَدِّمَاتِ: شَرْطُهَا تَمَاثُلُهُمَا فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ وَلَا أَدْنَى وَلَا أَفْضَلَ.
وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ مَعَ الْمَازِرِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ، وَقَالَ: شُرُوطُهَا سِتَّةٌ: كَوْنُهَا عَلَى دَيْنٍ، وَاتِّحَادُ جِنْسِ الدَّيْنَيْنِ، وَاتِّحَادُ قَدْرِهِمَا وَصِفَتِهِمَا، أَوْ كَوْنُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَقَلَّ أَوْ أَدْنَى اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي الْجَوَاهِرِ الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُجَانِسًا لِمَا عَلَى الْمُحِيلِ قَدْرًا وَوَصْفًا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يَفْتَقِرُ فِي أَدَائِهِ عَنْهُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ، أَوْ الرِّضَا دُونَ الْمُعَاوَضَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ بَلْ كَانَ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ كَأَدَاءِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى وَعَنْ الْأَكْثَرِ إلَى الْأَقَلِّ اهـ. يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَلَا إلَى الرِّضَا بَلْ كَانَ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ كَأَدَاءِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ فَيَجُوزُ فِيهِ اخْتِلَافُ الدَّيْنَيْنِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى، أَوْ مِنْ الْأَكْثَرِ إلَى الْأَقَلِّ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَعْطَى مَنْ لَهُ أَدْنَى أَعْلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَقَالَ فِي السَّلَمِ مِنْ التَّوْضِيحِ: إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ فَاعْلَمْهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَحَيْثُ حُكِمَ بِالْمَنْعِ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقَعْ التَّقَابُضُ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا لَوْ قَبَضَهُ لَجَازَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّنْفِ، أَوْ فِي الْجَوْدَةِ وَالصِّنْفِ وَأَحَدُهُمَا طَعَامٌ أَوْ عَيْنٌ أَوْ عَرْضٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ حَلَّا، مُحَمَّدٌ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا فَيَجُوزُ إلَّا فِي الطَّعَامِ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقْبِضَهُ إلَّا صَاحِبُهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا، وَالْآخَرُ وَرِقًا فَلَا يُحِيلُهُ بِهِ، وَإِنْ حَلَّا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ مَكَانَهُ قَبْلَ افْتِرَاقِ الثَّلَاثَةِ وَطُولِ الْمَجْلِسِ اهـ.
ص (لَا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ)
ش: تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي الْقَوْلَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إجَازَةُ الْحَوَالَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ اهـ. وَيَعْنِي بِهَذَا أَنَّ الْحَوَالَةَ مُخَالِفَةٌ لِبَيْعِ الدَّيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ مَالِكٍ جَعَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبَ، وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ: " فَصْلٌ وَإِجَازَةُ مَالِكٍ الْحَوَالَةَ مَعَ الْجَهْلِ بِذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَمُوسِرٌ هُوَ أَوْ مُعْسِرٌ انْتَهَى.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ: لَا كَشْفُهُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ جَحَدَ) ش: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَحَالَك غَرِيمُك عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَرَضِيت بِاتِّبَاعِهِ فَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي غَيْبَةِ
الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ عَدَمِهِ، أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَإِنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَسْأَلَةُ الْفَلَسِ صَحِيحَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَيَّدَهَا الْمُغِيرَةُ فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحَالُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ إذَا فَلَّسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ شَرْطُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَحُدُوثُ فَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَغْوٌ يُوجِبُ فِيهِ نَقْضًا، وَسَمِعَ سَحْنُونٌ الْمُغِيرَةَ أَنَّ شَرْطَ الْمُحَالِ عَلَى الْمُحِيلِ إنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِعَقْدِ الْحَوَالَةِ وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ فِي الشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْعَقْدِ أَنَّهُ يُفْسِدُهُ وَفِي بَعْضِهَا يَسْقُطُ الشَّرْطُ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ عَلَى أَنْ لَا جَائِحَةَ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحَالَةِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحَالَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُحَالُ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْحَوَالَةُ فَإِنْ انْعَقَدَ فِي الْوَثِيقَةِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمُحَالِ بِمَلَاءِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَمَوْضِعِهِ مِنْ الْمَالِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِوَجْهٍ، وَإِنْ كَانَ إفْلَاسُهُ بَعْدَ الْإِحَالَةِ فَلَا كَلَامَ لِلْمُحَالِ انْتَهَى.
وَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ كَلَامُهُ هَذَا.
[فَرْعٌ دَفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ بَعْدَ الْإِحَالَةِ لِلْمُحِيلِ]
(فَرْعٌ) فَلَوْ دَفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ بَعْدَ الْإِحَالَةِ لِلْمُحِيلِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِالْحَوَالَةِ لَزِمَهُ غُرْمُهُ لِلْمُحْتَالِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا قَالَ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فِي دَفْعِ الدَّيْنِ الْمَوْهُوبِ لِلْوَاهِبِ.
ص (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُحِيلُ بِإِفْلَاسِهِ فَقَطْ)
ش: أَمَّا إذَا عَلِمَا جَمِيعًا بِفَلِسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ فَأَحْرَى إذَا عَلِمَ وَحْدَهُ فَإِنْ جَهِلَا فَلَسَهُ جَمِيعًا فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَإِنْ فَلِسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ حِينَ الْحَوَالَةِ إنْ كَانَ عَيْبًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ بِفَلَسِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ مُطْلَقًا قَالَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَيْبٌ مَعَ عِلْمِ الْمُحِيلِ لِغُرُورِهِ، وَأَجَابَ عَبْدُ الْحَقِّ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَعْرُوفٌ فَسَهُلَ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يُغَرَّ انْتَهَى.
فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ ابْنِ سَلْمُونٍ السَّابِقُ بِهَذَا.
ص (فَلَوْ أَحَالَ بَائِعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِالثَّمَنِ، ثُمَّ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَنْفَسِخْ وَاخْتِيرَ خِلَافُهُ) ش: يَعْنِي إذَا أَحَالَهُ بِثَمَنِ مَا بَاعَهُ، ثُمَّ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ أَوْ اُسْتُحِقَّ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَنْفَسِخُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَنْفَسِخُ عِنْدَ أَشْهَبَ وَاخْتَارَهُ الْأَئِمَّةُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ غَيْرُ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَادَّةَ
الِاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ وَإِذَا كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلَّخْمِيِّ هُنَا اخْتِيَارٌ، وَالْخِلَافُ مَنْصُوصٌ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالْمُخْتَارُ لِقَوْلِ أَشْهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ.
[تَنْبِيه بَاعَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ]
(تَنْبِيهٌ) وَهَذَا الْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ بَاعَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ مَلَكَهُ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ يَبِيعَهَا مِنْ ثَانٍ وَيُحِيلَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ عَلَى الْمُحِيلِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَابْنُ سَلْمُونٍ وَنَصُّ كَلَامِهِ: " سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ بَاعَ حِصَّةً لَهُ مِنْ كَرْمٍ وَأَحَالَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فَأَثْبَتَ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْحِصَّةَ مِنْ الْمُحِيلِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَاسْتَحَقَّ الْحِصَّةَ، وَفَسْخَ الْبَيْعِ، قَالَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْت فَتُنْتَقَضُ الْإِحَالَةُ، وَيَرْجِعُ الْمُحَالُ بِدَيْنِهِ الَّذِي أَحَالَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ قِبَلَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِسُقُوطِ الثَّمَنِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَارِجَةٌ عِنْدِي مِنْ الِاخْتِلَافِ لِكَوْنِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الْمُحِيلِ بِخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ كُنْتُ سُئِلْت عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مُدَّةٍ فَأَجَبْت فِيهَا بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي اللَّفْظِ " انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَاب الضَّمَانُ]
ص (بَابٌ) (الضَّمَانُ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ) ش قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الْحَمَالَةُ فِي اللُّغَةِ وَالْكَفَالَةُ وَالضَّمَانَةُ وَالزَّعَامَةُ كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَتَقُولُ الْعَرَبُ هَذَا كَفِيلٌ وَحَمِيلٌ وَضَمِينٌ وَزَعِيمٌ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ أَيْضًا قَبِيلٌ بِمَعْنَى ضَمِينٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ شَغْلُ ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَقِّ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدُ بِدَيْنٍ لَازِمٍ أَوْ آيِلٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَنْ السَّفِيهِ إلَّا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ مَا أَخَذَ السَّفِيهُ أَوْ اقْتَرَضَهُ أَوْ بَاعَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَرَفَهُ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ فِيمَا هُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَالْأَوَّلُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْقَوْلِ وَيَصِحُّ ضَمَانُهُ مِنْهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الضَّامِنُ فِي مَالِهِ إذَا أَدَّى عَنْهُ، وَأَمَّا مَا لَا يَلْزَمُ الْمَحْجُورَ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ ضَمِنَهُ فِيهِ إنْسَانٌ رَشِيدٌ فَهَلْ يَلْزَمُ الضَّامِنَ غُرْمٌ أَمْ لَا؟ لَا يَخْلُو الضَّامِنُ لِلْمَحْجُورِ وَالْمَضْمُونُ لَهُ الْمَحْجُورَ بِأَنْ يَعْلَمَا أَنَّهُ مَحْجُورٌ، أَوْ لَا يَعْلَمَا، أَوْ يَعْلَمَ الضَّامِنُ دُونَ الْمَضْمُونِ لَهُ، أَوْ يَعْلَمَ الْمَضْمُونُ لَهُ دُونَ الضَّامِنِ فَفِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَفِي الثَّالِثِ يَلْزَمُهُ مَا ضَمِنَ اتِّفَاقًا، وَيَخْتَلِفُ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ، وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا مَا حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا أُلْزِمَ الضَّامِنُ غُرْمَ مَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَحْجُورِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ ضَمِنَ الْمَحْجُورُ شَخْصًا لِشَخْصٍ آخَرَ ثُمَّ ضَمِنَ الْمَحْجُورَ الضَّامِنَ شَخْصٌ آخَرُ رَشِيدٌ فَضَمَانُ الْمَحْجُورِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهَلْ يَرْجِعُ رَبُّ الْحَقِّ عَلَى الرَّشِيدِ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ الْمَحْجُورَ أَوْ لَا يَأْتِي التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ (قُلْت) : وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ إذَا بَرِئَ الْأَصِيلُ بَرِئَ الضَّامِنُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا ضَمِنَ مَا عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِذَلِكَ الْحَقِّ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ خِلَافًا آخَرَ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي بَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ: الْكَفَالَةُ عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ تَلْزَمُ فِي ثَلَاثَةٍ وَتَسْقُطُ فِي اثْنَيْنِ وَيُخْتَلَفُ فِي السَّادِسِ، فَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَالْحَامِلُ وَالْمُتَحَمِّلُ لَهُ عَالِمَانِ بِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْحَامِلُ وَحْدَهُ عَالِمًا كَانَتْ الْحَمَالَةُ لَازِمَةً، وَإِنْ كَانَ الْمُتَحَمِّلُ لَهُ عَالِمًا دُونَ الْحَمِيلِ كَانَتْ الْحَمَالَةُ سَاقِطَةً، وَإِنْ كَانَا يَجْهَلَانِ وَالْكَفَالَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ كَانَتْ سَاقِطَةً أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ جَرَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: الْكَفَالَةُ لَازِمَةٌ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا يَكُونُ لِلْحَامِلِ شَيْءٌ وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْجَوَابُ
فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الصَّبِيِّ يُنْظَرُ هَلْ كَانَتْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ وَهَلْ يَجْهَلَانِ أَنَّ مُبَايَعَةَ الصَّبِيِّ سَاقِطَةٌ أَمْ لَا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَعْلَمُ وَالْآخَرُ يَجْهَلُ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُدَايَنَةُ وَالْمُطَالَبَةُ مِمَّا يَلْزَمُ السَّفِيهَ، أَوْ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي غَيْرِ مُغَابَنَةٍ وَصَرَفَاهَا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْهُ مِنْ نَفَقَةٍ، أَوْ كِسْوَةٍ، أَوْ إصْلَاحِ مَتَاعٍ، أَوْ عَقَارٍ جَرْيًا عَلَى حُكْمِ الْبَالِغِ، أَوْ الرَّشِيدِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَانْظُرْ مَا فِي النَّوَادِرِ، وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا) ش: لَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِ الْمَأْذُونِ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ لَا تَجُوزُ كَفَالَتُهُ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَا يُقَالُ تَخْصِيصُهُ الْمُكَاتَبَ وَالْمَأْذُونَ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْقِنِّ لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ ضَمَانٌ، وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ مَعَ أَنَّ ضَمَانَهُمْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ جَائِزٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا قَصَدَ رَفْعَ تَوَهُّمِ أَنَّهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَالْمَأْذُونَ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَوْعُودُ بِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأُتْبِعَ ذُو الرِّقِّ بِهَا إنْ عَتَقَ.
ص (وَزَوْجَةٌ) ش: فَإِذَا تَكَفَّلَتْ الْمَرْأَةُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثٍ فَلِزَوْجِهَا رَدُّ الْجَمِيعِ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ كَاتَبَتْ، أَوْ تَكَفَّلَتْ، أَوْ أَعْتَقَتْ، أَوْ تَصَرَّفَتْ، أَوْ وَهَبَتْ، أَوْ صَنَعَتْ شَيْئًا مِنْ الْمَعْرُوفِ فَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ ثُلُثُهَا وَهِيَ لَا يُوَلَّى عَلَيْهَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ، وَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ فَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ وَإِجَازَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ إلَّا أَنْ تَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ كَالدِّينَارِ وَمَا خَفَّ فَهُنَا يُعْلِمُ أَنَّهَا لَمْ تَرِدْ فَيُمْضِي الثُّلُثَ مَعَ مَا زَادَتْ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَإِذَا أَجَازَ الزَّوْجُ كَفَالَةَ زَوْجَتِهِ الرَّشِيدَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ جَازَ تَكَفَّلَتْ عَنْهُ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَكَفَّلَتْ عَنْهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهَا فَلَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَا ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِنْ تَكَفَّلَتْ لِزَوْجِهَا فَفِيهَا قَالَ مَالِكٌ: عَطِيَّتُهَا لِزَوْجِهَا جَمِيعَ مَالِهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا عِنْدَ الْبَاجِيِّ يُرِيدُ بِإِذْنِهِ، وَانْظُرْ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ فَهُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ فَكَيْفَ يَنْقُلُهُ عَنْ الْبَاجِيِّ؟ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَى تَقْيِيدِهَا بِكَوْنِهَا حُرَّةً وَغَيْرَ مُوَلَّى عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَا إلَى التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا لَمْ تَضْمَنْهُ فَإِنْ ضَمِنَتْهُ جَازَ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا بِيَدِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِإِذْنِهِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ: فَإِنْ تَكَفَّلَتْ عَنْهُ بِمَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَالِهَا فَلَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَا ثُلُثٌ وَلَا غَيْرُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ وَغَيْرَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ نَعَمْ يُقَيَّدُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ يَسِيرَةً كَالدِّينَارِ وَمَا خَفَّ فَيُمْضِي ذَلِكَ كُلَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأُتْبِعَ بِهِ ذُو الرِّقِّ إنْ أَعْتَقَ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَأَمَّا إذَا رَدَّهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّيِّدِ رَدُّ إبْطَالٍ لَا رَدُّ إيقَافٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ وَلَا مُكَاتَبٍ وَلَا مُدَبَّرٍ وَلَا أُمِّ الْوَلَدِ كَفَالَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ إنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أُعْتِقُوا، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى عَتَقُوا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ عَلِمَ بِهِ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِمْ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ جَعَلَ رَدَّ السَّيِّدِ هُنَا رَدَّ إبْطَالٍ وَمِثْلُهُ فِي الْعِتْقِ وَجَعَلَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ رَدَّ إيقَافٍ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْحَجْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَعِتْقِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُ عَلَيْهِ) ش: قَالَ اللَّخْمِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ فَصْلٌ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ عَبْدَهُ عَلَى الْكَفَالَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ بِقَدْرِهَا وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَيْسَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ لَا يُجْبَرُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجْبَرُ اهـ وَكَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ أَشْهَدَ سَيِّدُهُ أَنَّهُ أَلْزَمَهُ الْكَفَالَةَ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا بِرِضَاهُ اهـ.
ص (وَعَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْحَمَالَةُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ تَجُوزُ عَلَى الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ تَحَمَّلَ عَنْ الْحَيِّ فَأَدَّى عَنْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ
عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ وَاتِّبَاعُهُ بِهِ إنْ كَانَ مُعْدِمًا كَأَنْ تَحَمَّلَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَ عَنْ مَيِّتٍ لَا وَفَاءَ لَهُ بِمَا تَحَمَّلَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَدَّى عَنْهُ فِي مَالِهِ إنْ طَرَأَ لَهُ اهـ وَفِي السُّؤَالِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمَازِرِيِّ عَنْ التَّلْقِينِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْحَمَالَةِ عَنْ الْحَيِّ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا وَلَا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الْحَمَالَةِ وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ فَمَنَعَا ذَلِكَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ تَنَازَعَا فِي أَنَّهُ دَفَعَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ إلَّا لِقَرِينَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي إذَا أَدَّى رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ دَيْنًا ثُمَّ قَامَ الدَّافِعُ يَطْلُبُ الْمَالَ، وَقَالَ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ إنَّمَا دَفَعْت عَنِّي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ احْتِسَابًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ مِلْكِهِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الدَّافِعِ كَمَا إذَا دَفَعَ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَطَلَبَ الرُّجُوعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَّا أَنْ تَقْوَى الْقَرِينَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ الدَّافِعُ، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ مَا دَفَعَ اهـ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَصَدَقَ بِلَا يَمِينٍ وَإِذَا قَوِيَتْ الْقَرِينَةُ لَا يَصْدُقُ أَصْلًا وَفِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَتَبَرَّعَ رَجُلٌ فَضَمِنَ دَيْنَهُ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ رَجَعَ فِيهِ بِمَا أَدَّى إنْ قَالَ إنَّمَا أَدَّيْت لِأَرْجِعَ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَالضَّامِنُ عَالِمٌ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي مَالٍ إنْ ثَابَ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْحِسْبَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّبَرُّعُ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَالنَّظَرُ مَا كَانَ عَنْ سُؤَالٍ.
ص (وَالضَّامِنُ عَالِمٌ)
ش: جَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَقَالَ ثَابَ أَيْ ظَهَرَ اهـ ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَمَنْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَالَهُ عَلَى مَيِّتٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقْدٌ لَزِمَهُ ذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى إذَا ضَمِنَ الْقَضَاءَ عَنْ مَيِّتِ وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْيُسْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّمَا تَحَمَّلْت لِأَرْجِعَ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّهُ مُعْسِرٌ لَمْ أَضْمَنْ اهـ
ص (وَالضَّامِنُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَصِحُّ الضَّمَانُ عَنْ الضَّامِنِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الْكَفِيلِ كَفِيلًا لَزِمَهُ مَا لَزِمَ الْكَفِيلَ اهـ قَالَ فِي الشَّامِلِ، وَإِنْ كَانَا مَعًا بِحَالِ غُرْمِهِ الْأَوَّلِ إنْ حَلَّ وَغَابَ غَرِيمُهُ فَإِنْ أَعْدَمَ فَالثَّانِي فَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا فَأَحْضَرَ الثَّانِي أَحَدَهُمَا مُوسِرًا بَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ فَإِنْ غَابَ الْكُلُّ بَرِئَ بِمَالِ غَرِيمِهِ إنْ وَجَدَ وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَا مَعًا بِوَجْهٍ فَغَابَ غَرِيمُهُ أَحْضَرَهُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا غَرِمَ فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا بَرِئَ الثَّانِي لِحُضُورِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا أَحْضَرَ الثَّانِي أَحَدَهُمَا وَإِلَّا غَرِمَ، وَإِنْ غَابَ الْكُلُّ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي إنْ لَمْ يَثْبُتْ فَقْدُ غَرِيمِهِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ دُونَ الثَّانِي فَغَابَ غَرِيمُهُ غَرِمَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي إنْ كَانَ غَرِيمُهُ فَقِيرًا فَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا فَأَحْضَرَ الثَّانِي غَرِيمَهُ مُوسِرًا وَالْأَوَّلُ مُطْلَقًا وَإِلَّا غَرِمَ، وَإِنْ غَابَ الثَّانِي وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فَقْرُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بِوَجْهٍ دُونَ الثَّانِي فَغَابَ غَرِيمُهُ أَحْضَرَ الْأَوَّلُ وَإِلَّا غَرِمَ فَإِنْ أَعْدَمَ غَرِمَ الثَّانِي، وَإِنْ غَابَ الْأَوَّلُ أَيْضًا بَرِئَ الثَّانِي إنْ أَحْضَرَ غَرِيمَهُ مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ مُوسِرٌ فَإِنْ مَاتَ الْغَرِيمُ بَرِئَ الثَّانِي لِبَرَاءَةِ الْأَوَّلِ وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ مَاتَ الثَّانِي جَرَى عَلَى حُكْمِ حَمْلِ الْمَالِ إذَا مَاتَ عَلَى الْأَظْهَرِ اهـ. وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ إلَّا أَنَّ كَلَامَ الشَّامِلِ أَخْصَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِدَيْنٍ لَازِمٍ، أَوْ آيِلٍ) ش: هَذَا مِنْ أَرْكَانِ
الضَّمَانِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَضْمُونُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَضْمُونُ مَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ مِنْ الضَّامِنِ، أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُهُ فَدَخَلَ الْوَجْهُ وَكُلُّ كُلِّيٍّ إلَّا الْجُزْءَ الْحَقِيقِيَّ كَالْمُعَيَّنِ، وَلِذَا جَازَتْ بِعَمَلِ الْمُسَاقَاةِ؛ لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَتُهَا مَعَ غَيْرِهَا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُفْتِينَ.
ص (وَدَايَنَ فُلَانًا)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ تَحَمَّلَ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ قِبَلَ فُلَانٍ فِي لُزُومِ غُرْمِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى ثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ وَالْمُدَوَّنَةِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ فِي الْبَزَّازِ وَمَا الْعَادَةُ الْمُدَايِنَةُ فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَسَمِعَ عِيسَى رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ أَنَا حَمِيلٌ بِمَا بُويِعَ بِهِ فُلَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِمَّا بُويِعَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إلَّا بِإِقْرَارِهِ وَكَذَا مَنْ شُكِيَ إلَيْهِ مَطْلُ رَجُلٍ فَقَالَ مَا عَلَيْهِ عَلَيَّ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ إلَّا مَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ قَوْلُهَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بَايِعْ فُلَانًا فَمَا بَايَعْته بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَا ضَامِنٌ ثَمَنَهُ لَزِمَهُ إذَا ثَبَتَ مَا بَايَعَهُ بِهِ زَادَ غَيْرُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُدَايِنَ بِمِثْلِهِ الْمَحْمُولُ عَنْهُ وَلَا خِلَافَ عِنْدِي فِيهِ وَلَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّكْوَى.
وَقَالَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ: هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ خِلَافُ دَلِيلِ قَوْلِهَا فِيمَنْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا بِهِمَا كَفِيلٌ فَأَنْكَرَ فُلَانٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْ جَحَدَهُ فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ جَحَدَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَتْهُ الْحَمَالَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَانِ مَنْ قَالَ لِمَنْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِينَارٍ أَنَا بِهَا كَفِيلٌ لَزِمَتْ الْكَفَالَةُ بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا بِهِ كَفِيلٌ فَأَنْكَرَ فُلَانٌ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْكَفِيلِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَالَةُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَنَا ضَامِنٌ لِمَا بَايَعْت بِهِ فُلَانًا، أَوْ لِمَا بُويِعَ بِهِ وَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهَا: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَأَنْكَرَ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْحَمَالَةُ بِإِقْرَارِ الْمَطْلُوبِ وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلِ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يَجْحَدُهُ.
وَأَنَّ عِيسَى سَمِعَ مِثْلَهُ خِلَافًا لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ وَفِي دَعْوَى ابْنِ رُشْدٍ الْفَرْقَ دُونَ تَبْيِينِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رَدَّ مُسْتَدَلٍّ عَلَيْهِ بِدَعْوَى عَارِيَّةٍ عَنْ دَلِيلٍ لَغْوٌ اهـ وَنَصُّ كَلَامِ عِيَاضٍ الْمُشَارِ إلَيْهِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ فِيمَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَهُوَ مُنْكِرٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَنَا كَفِيلٌ لَك بِهِ إلَى غَدٍ فَإِنْ لَمْ آتِك بِهِ فَأَنَا ضَامِنٌ لِلْمَالِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي غَدٍ فَلَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ الْحَقُّ بِبَيِّنَةٍ فَيَكُونُ حَمِيلًا، ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ إقْرَارَ الْمُنْكِرِ بَعْدُ لَا يُلْزِمُ الْكَفِيلَ شَيْءٌ إلَّا بِثَبَاتِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ نَصُّ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَعَلَى هَذَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ مَذْهَبَ الْكِتَابِ وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ بَايِعْ فُلَانًا وَقِيلَ بِإِقْرَارِهِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ دَلِيلُ الْكِتَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَدْ جَحَدَهُ فَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَزِمَهُ وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى أَيْضًا اهـ.
وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يُعَارِضْ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ بِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلِاتِّفَاقِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الثَّمَرَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكَفَالَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ: وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ لَهُ عَلَى فُلَانٍ غَرِمَهَا الْكَفِيلُ وَلَوْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ ثَالِثَهَا إنْ كَانَ عَدِيمًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ غُرْمٌ لِلْحَمِيلِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِسَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ مَعَ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةِ أَشْهَبَ وَمَا يَقُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ (قُلْت) : وَفِي الشُّفْعَةِ مِنْهَا مَنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا عَلَيْهِ جَازَ فَإِنْ غَابَ الْمَطْلُوبُ قِيلَ لِلطَّالِبِ أَثْبِتْ حَقَّك بِبَيِّنَةٍ وَخُذْهُ مِنْ الْكَفِيلِ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْكَفِيلَ عَلَى عِلْمِهِ فَإِنْ
نَكَلَ حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ (قُلْت) : اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَمْ تَلْزَمْ الْكَفَالَةُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. وَقَالَ فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ لَا مُطَالَبَةَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لِلْحَمِيلِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ فَإِنْ عَجَزَ وَزَعَمَ أَنَّ الْحَمِيلَ يَعْرِفُ الدَّيْنَ حَلَفَ الْحَمِيلُ عَلَى عِلْمِهِ وَبَرِئَ فَإِنْ نَكَلَ، أَوْ أَقَرَّ حَلَفَ الطَّالِبُ أَنَّ الْحَمِيلَ يَعْرِفُ حَقَّهُ قَبْلَ الْغَرِيمِ وَغَرِمَ الْحَمِيلُ فَإِذَا، أَوْجَدَ الْحَمِيلُ الْغَرِيمَ فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ غَرِمَ وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ وَحُبِسَ الْحَمِيلُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الطَّالِبِ اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي عَقْدِ الْوَثِيقَةِ فِي الضَّمَانِ مَا نَصُّهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الضَّامِنِ فُلَانٍ بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ قَبْلَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ثُمَّ قِيلَ فَإِنْ حَضَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ضَمِنْتُهُ فِي عَقْدِ الْإِشْهَادِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَتَكْتَفِي بِمَا ذَكَرْنَا فِي النَّصِّ مِنْ مَعْرِفَةِ الضَّامِنِ بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ لَهُ قَبْلَ الْغَرِيمِ فُلَانٍ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ بَيِّنَةٌ وَحُضُورُهُ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ اهـ.
[مَسْأَلَة كَيْفِيَّة الضَّمَان]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ شَخْصٌ عَامِلْ فُلَانًا فَهُوَ ثِقَةٌ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَمَالَةِ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ ضَامِنٌ؟ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الضَّمَانِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ.
ص (وَهَلْ يُقَيَّدُ بِمَا يُعَامِلُ بِهِ؟ تَأْوِيلَانِ) ش التَّقْيِيدُ بِمَا يُعَامِلُ بِهِ هُوَ قَوْلُ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِلشُّيُوخِ كَلَامٌ فِي قَوْلِ الْغَيْرِ هَلْ هُوَ تَقْيِيدٌ، أَوْ خِلَافٌ؟ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ؟ لَا أَذْكُرُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ بَلْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ وَالصَّقَلِّيُّ عَلَى أَنَّهُ وِفَاقٌ اهـ وَعُمْدَةُ الْمُصَنِّفِ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَبِهِ فَسَّرَ الشَّارِحَانِ التَّأْوِيلَيْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَهُ تَقْيِيدًا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِخِلَافِ احْلِفْ وَأَنَا ضَامِنٌ)
ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ احْلِفْ فِي أَنَّ الَّذِي تَدَّعِي قِبَلَ أَخِي حَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ ثُمَّ رَجَعَ: إنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ الطَّالِبُ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ فَإِنْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِمَا غَرِمَ الْحَمِيلُ غَرِمَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ كَانَ لِلْحَمِيلِ أَنْ يُحَلِّفَهُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَمِيلَ إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الطَّالِبَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ أَوَّلًا وَأَشْبَهَتْ يَمِينُهُ يَمِينَ التُّهَمِ الَّتِي بِالنُّكُولِ عَنْهَا يَغْرَمُ اهـ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ.
ص (وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ضَامِنِهِ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ فِيمَا إذَا مَرِضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلِ رَجُلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ آخَرُ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنْ مَرِضَ، أَوْ مَاتَ، أَوْ غَابَ اهـ.
ص (وَإِنْ جَهِلَ)
ش: مِنْ صُوَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا: ذَابَ لَك قِبَلَ فُلَانٍ الَّذِي تُخَاصِمُ فَأَنَا لَك بِهِ حَمِيلٌ فَاسْتَحَقَّ قِبَلَهُ مَالًا كَانَ هَذَا الْكَفِيلُ ضَامِنًا لَهُ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ ذَابَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَأَلِفٍ سَاكِنَةٍ وَمَعْنَاهُ مَا ثَبَتَ لَك وَصَحَّ اهـ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا إشْكَالَ إنْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الضَّمَانِ فَقَوْلَانِ وَاسْتَقْرَأَهُمَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْن الْمَوَّازِ وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْحَمَالَةِ فَيَلْزَمُهُ غُرْمُهُ وَقَيَّدَ ابْنُ سَحْنُونٍ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا وَأَمَّا الْمُوسِرُ فَلَا تُهْمَةَ فِيهِ اهـ. وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَأَصْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَصُّهُ قَالَ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ
كِتَابِ الْمِدْيَانِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ هَلَكَ وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا أَلْفًا وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا إلَّا ابْنًا لَهُ فَيَقُولُ ابْنُهُ لِغُرَمَائِهِ: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَلْفِ دِينَارٍ الَّتِي تَرَكَ أَبِي وَأَنْظِرُونِي بِدَيْنِ أَبِي إلَى سَنَتَيْنِ وَأَنَا ضَامِنٌ لَكُمْ جَمِيعَ دَيْنِ أَبِي قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ وَتَرَكَ مَالًا لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ وَفَاءٌ أَمْ لَا قُلْت: لَهُ قَدْ سَمِعْت مِنْك قَوْلًا قَالَ: مَا هُوَ قُلْت لَهُ قُلْت: إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ كَانَ لَهُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ النُّقْصَانِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ: نَعَمْ قُلْت لَهُ: إنَّمَا أَرَدْت مِنْهُ أَنَّهُ وَارِثٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا أَلْفًا وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
وَسُئِلَ أَنْ يُؤَخِّرُوهُ عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ فَقَالَ: أَمَّا مِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ مِثْلُ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ رَأَيْت لِابْنِ دَحُونٍ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ رَدِيَّةٌ قَالَ لَوْ أَنَّهُ تَبِعَ فِيهَا ابْنَ هُرْمُزَ مَا أَجَازَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَيْنًا لِيُعْطِيَ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ وَلِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا عَلَى أَبِيهِ مِنْ دَيْنٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ إذْ لَوْ قَدِمَ غَرِيمٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَلَزِمَهُ دَيْنُهُ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَّا لِمَنْ حَضَرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ إذَا قَدِمَ أَخَذَ حِصَّتَهُ وَكُلُّهُ غَرَرٌ وَقَوْلُ ابْنِ دَحُونٍ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَأَوَّلَ عَلَى مَالِكٍ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَجَازَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اتِّبَاعًا لِهُرْمُزَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَمَنْ أَخَذَ عَيْنًا لِيُعْطِيَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلِيَضْمَنَ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْمُتَوَفَّى مِنْ دَيْنٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ إذْ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقَلِّدَ الْعَالِمَ فِيمَا يَرَى بِاجْتِهَادِهِ أَنَّهُ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ فِي نَازِلَةٍ إذَا وَقَعَتْ وَيُقَلِّدَ مَنْ نَظَرَ فِيهَا وَاجْتَهَدَ أَمْ لَا؟ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلِمَ يُتَابِعُ مَالِكٌ ابْنَ هُرْمُزَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ نَظَرٍ بَلْ رَآهَا جَائِزَةً وَحَكَى إجَازَةَ ابْنِ هُرْمُزَ اسْتِظْهَارًا، وَاحْتِجَاجًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَلْفَ دِينَارٍ الَّتِي تَرَكَ الْمَيِّتُ لَمْ تَدْخُلْ بَعْدُ فِي ضَمَانِ الْغُرَمَاءِ فَيَكُونُونَ قَدْ دَفَعُوهَا فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ ثُمَّ طَرَأَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ لَكَانَتْ دُيُونُهُمْ فِيهِ، وَكَانَتْ مُصِيبَةُ الْأَلْفِ مِنْ الْوَارِثِ فَلَمَّا كَانَتْ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ جَازَ أَنْ يَحِلَّ الْوَارِثُ فِيهَا مَحَلَّهُ وَيَعْمَلَ مَعَ الْغُرَمَاءِ مَا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهُ مَعَهُمْ لَوْ كَانَ حَيًّا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَلِسَ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا الْأَلْفُ دِينَارٍ وَلِلْغُرَمَاءِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ لَجَازَ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ الْأَلْفَ، وَيُؤَخِّرُوهُ بِحُقُوقِهِمْ حَتَّى يَتَّجِرَ بِهَا، وَيُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُونُوا إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَعْطُوا أَلْفًا فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ مَلَكُوا أَخْذَ الْأَلْفِ إذْ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ فِي ضَمَانِهِمْ فَلِذَلِكَ خُيِّرَ الْوَارِثُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إرَادَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً إلَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ تِجَارَتَهُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ.
وَزَادَ فِي الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا طَرَأَ غَرِيمٌ لَزِمَ الِابْنَ ضَمَانُ مَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْحَمَالَةَ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَمَالَةَ بِالْمَالِ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ فَكَذَلِكَ الْحَمَالَةُ بِالْمَالِ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ جَائِزَةٌ، وَيَضْرِبُ لَهُ مِنْ الْأَجَلِ بِقَدْرِ مَا يَرَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ حَقَّك فَهُوَ عَلَيَّ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا تَلَوَّمَ لَهُ السُّلْطَانُ بِقَدْرِ مَا يَرَى ثُمَّ لَزِمَهُ الْمَالُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ حَاضِرًا مَلِيًّا، وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك فُلَانٌ حَقَّك حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَيَّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ يُرِيدُ يَمُوتُ عَدِيمًا ابْنُ يُونُسَ، وَلَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ وَجَبَ أَنْ يُوقَفَ مِنْ مَالِهِ قَدْرُ الدَّيْنِ فَإِنْ مَاتَ الْمَحْمُولُ عَنْهُ عَدِيمًا أَخَذَ الْمَحْمُولُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالَ الْمَوْقُوفَ اهـ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ إلَى الْغَرِيمِ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا إنْ كَانَ فِي قَرْضٍ، أَوْ فِي تَأْخِيرٍ بِثَمَنِ بَيْعٍ صَحَّتْ عُقْدَتُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مَجْهُولًا اهـ. وَفِي اللَّخْمِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ وَسَيَقُولُ
الْمُؤَلِّفُ: أَوْ إنْ مَاتَ.
ص (كَأَدَائِهِ رِفْقًا)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ رَبَّ الدَّيْنِ قَبُولُهُ وَلَا كَلَامَ لَهُ وَلَا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْقَضَاءِ فَإِنْ امْتَنَعَا مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمَا حِينَئِذٍ ثُمَّ وَقَفْت عَلَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ، أَوْ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ إنْ أَمَرَهُ بِهِ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.
ص (لَا عَنَتًا)
ش: أَيْ لَا إنْ أَدَّى عَنْهُ الدَّيْنَ لِيُعْنِتَهُ أَيْ لِيُتْعِبَهُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إلَّا أَنْ يَغِيبَ الطَّالِبُ بِالْمَالِ، فَيُقِيمَ الْقَاضِي وَكِيلًا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرِيمِ اهـ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ.
ص (كَشِرَائِهِ)
ش: أَيْ لِقَصْدِ الضَّرَرِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَدَاؤُهُ عَنْهُ عَنَتًا وَشِرَاؤُهُ لِقَصْدِ الضَّرَرِ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ بِقَرَائِنَ تَدُلُّ الشُّهُودَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ اهـ.
ص (.
إنْ لَمْ يَثْبُتْ حَقُّهُ بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ بِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلَانِ)
ش: الشَّرْطُ وَمَا بَعْدَهُ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ اُنْظُرْ الْمُدَوَّنَةَ فِي الْحَمَالَةِ، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ عَلَيْهَا مِنْهُ ذَلِكَ.
ص (كَقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ عَلَيَّ حَقٌّ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَأَ قَوْلُهُ أُوَفِّك بِأَلِفٍ بَعْدَ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنْ الْمُوَافَاةِ وَهِيَ الْمُلَاقَاةُ وَيُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ وَمِنْ كِتَابِ الْجِدَارِ وَسُئِلَ عِيسَى عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ لَمْ يُوَفِّهِ عِنْدَ الْقَاضِي إلَى أَجَلٍ سَمَّيَاهُ، فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ إنْ كَانَ مُدَّعِيًا، أَوْ دَعْوَى صَاحِبُهُ حَقٌّ إنْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيَخْلُفُهُ هَلْ يَلْزَمُهُ هَذَا الشَّرْطُ، فَقَالَ: لَا يُوجِبُ هَذَا الشَّرْطُ حَقًّا لَمْ يَجِبْ وَلَا يُسْقِطُ حَقًّا قَدْ وَجَبَ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَسُئِلَ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَتَوَاعَدَانِ إلَى الْمُوَافَاةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَهُوَ عَلَى بُعْدٍ مِنْهُمَا لِيَوْمٍ يُسَمِّيَانِهِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنِّي أَخَافُ أَنْ تُخْلِفَنِي فَأَنْقَلِبُ وَأُغَرِّمُك دَابَّتِي فَيَقُولُ لَهُ صَاحِبُهُ إنْ أَخْلَفْتُك فَعَلَيَّ كِرَاءُ الدَّابَّةِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ قَالَ لَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ اهـ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَأَ أُوَفِّك بِإِسْقَاطِ الْأَلِفِ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مِنْ الْوَفَاءِ وَنَحْوُهُ فِي الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِلطَّالِبِ أَجِّلْنِي الْيَوْمَ فَإِنْ لَمْ أُوَفِّك غَدًا فَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلِي حَقٌّ فَهَذَا مُخَاطَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ أَيْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةً اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إذْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ.
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَوْ شَرَطَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّوْبِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ الشَّيْخُ، وَكَذَلِكَ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ
الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَقْتَ كَذَا فَالْحَقُّ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ اهـ.
[فَرْعٌ قَالَ لِغَرِيمِهِ إنْ عَجَّلْت لِي مِنْ حَقِّي كَذَا وَكَذَا فَبَقِيَّتُهُ مَوْضُوعَةٌ عَنْك]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ إنْ عَجَّلْت لِي مِنْ حَقِّي كَذَا وَكَذَا فَبَقِيَّتُهُ مَوْضُوعَةٌ عَنْك إمَّا السَّاعَةَ، أَوْ إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ فَيُعَجِّلُ ذَلِكَ فِي السَّاعَةِ، أَوْ فِي الْأَجَلِ إلَّا الدِّرْهَمَ، أَوْ نِصْفَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الْوَضِيعَةُ فَقَالَ عِيسَى فِي كِتَابِ الْجِدَارِ مَا أَرَى الْوَضِيعَةَ تَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يُعَجِّلْ جَمِيعَ حَقِّهِ اهـ بِالْمَعْنَى.
ص (وَرَجَعَ بِمَا أَدَّى وَلَوْ مُقَوَّمًا)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ: أَمَّا إذَا اشْتَرَى الْكَفِيلُ الْعَرْضَ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ فَلَا اخْتِلَافَ أَعْرِفُهُ فِي أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مَا لَمْ يُحَابِ الْبَائِعَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ اهـ.
ص (إنْ ثَبَتَ الدَّفْعُ)
ش: وَالدَّفْعُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعَايِنَةِ لِلدَّفْعِ، أَوْ بِإِقْرَارِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَأَمَّا إقْرَارُ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الدَّفْعُ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْحَمِيلَ لَا يَرْجِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِقْرَارُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ بِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ لِلطَّالِبِ إذَا أَنْكَرَ الطَّالِبُ الْقَبْضَ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا ادَّعَى الضَّامِنُ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْغَرِيمِ وَأَمَّا بِحَضْرَتِهِ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْإِشْهَادِ.
وَلَهُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ كَانَ مِنْ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ الْحَمِيلَ أَدَّاهَا عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلضَّامِنِ فَهُوَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِهِ أَحَقُّ اهـ يُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَلَوْ أَنَّ الْحَمِيلَ دَفَعَهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ثُمَّ جَحَدَ الَّذِي قَبَضَهَا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ شَيْئًا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَفَعَهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أُخِذَتْ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَمْ يَتْبَعْهُ الْحَمِيلُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي دَفَعَ، وَكَانَ مُصِيبَةُ الْعَشَرَةِ الْأُولَى مِنْ الْحَمِيلِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا دَفَعَ عَشَرَةً مِنْ مَالِهِ إلَى الطَّالِبِ بِحَضْرَةِ الْمَطْلُوبِ، وَلَمْ يُشْهِدْ فَجَحَدَ الْقَابِضُ، فَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: إنَّ مُصِيبَةَ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ الْحَمِيلِ الدَّافِعِ وَتُؤْخَذُ الْعَشَرَةُ مِنْ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَأُخِذَتْ مِنْ الْحَمِيلِ ثَانِيَةً رَجَعَ بِهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ.
وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إنَّهُ إنْ أُخِذَتْ مِنْ الْحَمِيلِ ثَانِيَةً بِحَضْرَةِ الْمَطْلُوبِ أَيْضًا رَجَعَ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ فَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ ثَانِيَةً عَلَى قَوْلِهِ، وَأُخِذَتْ مِنْ الْمَطْلُوبِ رَجَعَ بِالْعَشَرَةِ الْأُولَى عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ هَذِهِ أَنَّهُ رَأَى التَّقْصِيرَ فِي تَرْكِ الْإِشْهَادِ عَلَى الدَّافِعِ كَانَ مِنْ الْمَطْلُوبِ إذَا أَدَّاهَا الْحَمِيلُ عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ إلَى الطَّالِبِ فَجَحَدَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ بِتَضْيِيعِهِ الْإِشْهَادَ فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا وَرَأَى فِي رِوَايَةِ عِيسَى أَنَّ التَّقْصِيرَ فِي تَرْكِ الْإِشْهَادِ عَلَى الدَّافِعِ كَانَ مِنْ الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَالُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِشْهَادِ لَا مِنْ الْمَطْلُوبِ الْحَاضِرِ فَلَمْ يَرَ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ رُجُوعًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ هُوَ أَتْلَفَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَالُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِهِ مِنْ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهَذَا مَعْنَى اخْتِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ مَعْنَى اخْتِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرُ هَذَا ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهٌ) هَذَا إذَا دَفَعَ الْحَامِلُ الْمَالَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ دَفَعَهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْحَامِلِ لِيَدْفَعَهَا إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ فَدَفَعَهَا لَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ فَإِنْ دَفَعَهَا بِحَضْرَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَامِلِ الدَّافِعِ وَيَغْرَمُهَا الْمَطْلُوبُ ثَانِيَةً بَعْدَ يَمِينِ الطَّالِبِ الْجَاحِدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ عَدِيمًا، أَوْ غَائِبًا، وَأُخِذَتْ مِنْ الْحَمِيلِ ثَانِيَةً لِعَدَمِ الْمَطْلُوبِ، أَوْ غَيْبَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّاهَا، وَإِنْ دَفَعَهَا الْحَمِيلُ مِنْ مَالِ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمَطْلُوبِ فَهَذَا ضَامِنٌ لِرَبِّ الْمَالِ وَيَسُوغُ لِرَبِّ الْمَالِ تَضْمِينُهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ جَحَدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى دَفْعِهِ اهـ مِنْ رَسْمِ، أَوْصَى لِمُكَاتَبِهِ مِنْ سَمَاعِ
عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ.
ص (وَجَازَ صُلْحُهُ عَنْهُ بِمَا جَازَ لِلْغَرِيمِ) ش تَعَقَّبَهُ الْبِسَاطِيُّ بِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ صُلْحُ الْكَفِيلِ بَعْدَ مَحِلِّ أَجَلِ السَّلَمِ عَلَى مِثْلِ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ أَجْوَدُ صِفَةً، أَوْ أَدْنَى وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَرِيمِ بَعْدَ الْأَجَلِ مِثْلَ الْكَيْلِ أَجْوَدُ صِفَةً، أَوْ أَرْدَأُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وَفِي الْكَيْلِ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا أَدَّى، أَوْ مَا كَانَ عَلَيْهِ اهـ.
قَالُوا: وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
ص (أَوْ لَمْ يَبْعُدْ إثْبَاتُهُ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ مُطَالَبَةِ الضَّامِنِ مَشْرُوطٌ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا حُضُورُ الْغَرِيمِ مُوسِرًا، أَوْ غَيْبَتُهُ إذَا لَمْ يَبْعُدْ عَلَى الطَّالِبِ إثْبَاتُ حَقِّهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُعْدَى فِيهِ وَعَلَى النَّظَرِ فِيهِ
[فَرْعٌ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ فَغَابَ الرَّجُلُ فَأَخَذَ بِهِ الْكَفِيلُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي شَرْحِ رَجَزِ ابْنِ عَاصِمٍ لِوَلَدِ الْمُصَنِّفِ مَا نَصُّهُ وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ هُنَا مَا إذَا سَبَقَ عَقْدٌ لَازِمٌ لِلْكَفِيلِ عَلَى عَقْدِ الْكَفَالَةِ يَتَعَارَضُ طَلَبُ صَاحِبِهَا الْعَقْدَ السَّابِقَ مَعَ طَلَبِ الْمُتَحَمِّلِ لَهُ بِالْحَمَالَةِ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ إعْمَالُ الْعَقْدِ السَّابِقِ فَفِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ فَغَابَ الرَّجُلُ فَأَخَذَ بِهِ الْكَفِيلُ، فَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْكَفِيلِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ دَارِهِ، أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ فَالْإِجَارَةُ، أَوْلَى وَلَا يُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ فِي الدَّيْنِ مَعْرُوفٌ تَطَوَّعَ بِهِ وَلَوْ كَانَتْ ظِئْرًا اُسْتُؤْجِرَتْ لِرَضَاعٍ قَبْلَ الْكَفَالَةِ لَمْ تُحْبَسْ فِي الْكَفَالَةِ أَيْضًا وَالرَّضَاعُ أَوْلَى، فَإِذَا انْقَضَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ طُولِبَتْ بِالْحَمَالَةِ اهـ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عَنْ اللَّخْمِيِّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْقَوْلُ لَهُ فِي مِلَائِهِ) ش: هَذَا خِلَافُ مَا اسْتَظْهَرَهُ
ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ الْقَوْلَ لِلطَّالِبِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْحَمِيلُ بَيِّنَةً بِمِلَاءِ الْغَرِيمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» فَوَجَبَ أَنْ يَغْرَمَ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ اسْتَظْهَرَ الْقَوْلَ الْآخَرَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْحَمِيلِ.
(تَنْبِيهٌ) مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ هَلْ بِيَمِينٍ، أَوْ لَا لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَمِينَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ خَصْمُهُ الْعِلْمَ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ فِيهَا: قَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَحَمَّلِ لَهُ وَعَلَى الْكَفِيلِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْغَرِيمَ مَلِيءٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لِلْغَرِيمِ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَالْحَمِيلُ غَارِمٌ.
ص (وَإِنْ مَاتَ)
ش: قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَمَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ يُوَفِّك حَقَّك حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ فَهُوَ عَلَيَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ الْغَرِيمُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ جَهِلَ وَأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ يَمُوتُ عَدِيمًا وَلَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ وَجَبَ أَنْ يُوقَفَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَإِنْ مَاتَ الْمَحْمُولُ عَنْهُ عَدِيمًا أَخَذَ الْمَحْمُولُ لَهُ ذَلِكَ الْمَالَ الْمَوْقُوفَ انْتَهَى.
وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي هَذَا، وَنَصُّهُ اُنْظُرْ لَوْ مَاتَ الْحَمِيلُ هَهُنَا هَلْ يُؤْخَذُ الْحَقُّ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُجْعَلُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ كَالْحَمِيلِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَوَرَثَتُهُ يَقُولُونَ إنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَى نَفْسِهِ حَمَالَةً إلَّا بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ فَيَجِبُ أَنْ يُوقَفَ قَدْرُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ أَنَا حَمِيلٌ بِفُلَانٍ وَالدَّيْنِ إلَى أَجَلٍ مَعْنَاهُ إنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَهُوَ عَدِيمٌ فَهُوَ إذَا مَاتَ أَيْضًا قَبْلَ الْأَجَلِ لَمْ يَأْتِ الْوَقْتُ الَّذِي تَحَمَّلَ إلَيْهِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ص (وَلَهُ طَلَبُ الْمُسْتَحَقِّ بِتَخْلِيصِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ) ش: كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَرِيحٌ فِي طَلَبِ الضَّامِنِ رَبَّ الدَّيْنِ بِأَنْ يَتَخَلَّصَ دَيْنَهُ مِنْ الْغَرِيمِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ فِيهِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَلَبَ الْكَفِيلُ بِمَا عَلَى الْغَرِيمِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ طَلَبٌ فِي حُضُورِ الْغَرِيمِ وَلِيُسْرِهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ لَا يُلَائِمُهُ كُلَّ الْمُلَاءَمَةِ لَكِنْ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ الْمُعْسِرِ إلَخْ، وَيَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ
ابْنِ الْحَاجِبِ: لِلضَّامِنِ الْمُطَالَبَةُ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ الطَّلَبِ يَعْنِي أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا تَوَجَّهَ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى غَرِيمِهِ فَسَكَتَ عَنْهُ، أَوْ نَصَّ عَلَى تَأْخِيرِهِ فَلِلْحَمِيلِ أَنْ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ، وَيَقُولُ لِرَبِّ الدَّيْنِ إمَّا أَنْ تَطْلُبْ حَقَّك مِنْ الْغَرِيمِ مُعَجَّلًا وَإِلَّا أَسْقِطْ عَنِّي الْحَمَالَةَ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ وُجُوبِهِ ضَرَرًا بِالْحَمِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا الْآنَ وَيَعْسُرُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا مَقَالَ لِلْحَمِيلِ؛؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَى الْغَرِيمِ فِي هَذَا الْحَالِ انْتَهَى وَأَمَّا طَلَبُ الضَّامِنِ الْمِدْيَانَ بِأَنْ يُخَلِّصَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لِلْكَفِيلِ إجْبَارُ الْأَصْلِ عَلَى تَخْلِيصِهِ إذَا طَلَبَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ (قُلْت) وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهَا فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَلَيْسَ لِلْكَفِيلِ أَخْذُ الطَّعَامِ مِنْ الْغَرِيمِ بَعْدَ الْأَجَلِ لِيُوصِلَهُ إلَى رَبِّهِ وَلَهُ طَلَبُهُ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى رَبِّهِ وَيَبْرَأُ مِنْ حَمَالَتِهِ انْتَهَى، وَهَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَهُ طَلَبُ الْمِدْيَانِ بِتَخْلِيصِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ لَا بِتَسْلِيمِ الْمَالِ إلَيْهِ لَكَانَ حَسَنًا.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ: وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ انْتَهَى وَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْت الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ وَالصَّوَابُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إنَّمَا يَسْتَقِيمُ كَذَلِكَ إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَطْلُبَ الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْغَرِيمُ بِالدَّيْنِ إذَا طُولِبَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَمَّا كَوْنُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ فَلِأَنَّ لَفْظَ الْأَصْلِ إنَّمَا يُطْلَقُ فِي الْأَغْلَبِ عَلَى الْغَرِيمِ وَأَمَّا كَوْنُ الصَّوَابِ أَنْ يَكُونَ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ فَلِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْغَرِيمَ مُعْسِرٌ، وَإِذَا كَانَ مُوسِرًا فَلَا يُطَالِبُ الْحَمِيلَ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ لَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَعَلَّ صَاحِبَ التَّوْضِيحِ فَهِمَ الْأَصْلَ عَلَى أَصْلِ الدَّيْنِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ (الثَّانِي) حَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلًا كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ طَلَبُ الضَّامِنِ الْمِدْيَانَ بِأَنْ يُخَلِّصَ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ بِرُمَّتِهِ، وَقَالَ إثْرَهُ وَحَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْفَهْمِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) حَمْلُ الشَّارِحِ كَلَامَ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ طَلَبُ الضَّامِنِ رَبَّ الدَّيْنِ أَنْ يُخَلِّصَ دَيْنَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كَلَامُهُ إنَّمَا هُوَ فِي طَلَبِ الضَّامِنِ الْمَدِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَضَمِنَهُ إنْ اقْتَضَاهُ لَا أَرْسَلَ بِهِ) ش تَصَوُّرُهُ مِنْ الشَّارِحِ وَضَحَ وَلِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يَطْلُبَ أَيَّهُمَا شَاءَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَدْ أَشْبَعَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُشْكِلَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ وَأَخَذَ كَفِيلًا.
وَنَصُّ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ: لَا يَخْلُو قَبْضُ الْكَفِيلِ الطَّعَامَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَمُ مِنْ خَمْسَةِ، أَوْجُهٍ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ فَلَا يَخْلُو الطَّعَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِيَدِهِ، أَوْ فَائِتًا فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَالطَّالِبُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْكَفِيلَ، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْأَصْلَ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ فَاتَ الطَّعَامُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِتَلَفٍ، أَوْ إتْلَافٍ فَإِنْ كَانَ بِتَلَفٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ خَاصَّةً، ثُمَّ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْهُودِ فِي الْحَمَالَةِ هَلْ الْمُطَالَبَةُ عَلَى التَّبْدِئَةِ، أَوْ التَّخْيِيرِ؟ وَإِنْ كَانَ بِإِتْلَافٍ مِنْ الْكَفِيلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْأَصْلِ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامُ فَإِنْ غَرِمَ الْكَفِيلُ الطَّعَامَ لِلطَّالِبِ فَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ فَإِنْ غَرِمَهُ لِلْأَصْلِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْكَفِيلِ بِمِثْلِ طَعَامِهِ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ إنْ بَاعَهُ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنْ غَرِمَ الْكَفِيلُ الطَّعَامَ لِلطَّالِبِ بَعْدَ أَنْ بَاعَ مَا أَخَذَ مِنْ الْأَصْلِ غَرِمَهُ لِلْأَصْلِ فَأَرَادَ الْأَصْلُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَ مَا غَرِمَ مِنْ الطَّعَامِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ
الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (الثَّانِي) أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ فَإِذَا قَبَضَهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْوَكِيلِ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنَّ الطَّالِبَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ بِقَبْضِ الْكَفِيلِ فَإِنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ الْكَفِيلُ بَعْدَ صِحَّةِ قَبْضِهِ فَالْعَدَاءُ عَلَى الطَّالِبِ وَقَعَ بِلَا إشْكَالٍ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ إمَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ كَمَا إذَا غَابَ الطَّالِبُ وَحَلَّ الْأَجَلُ وَخَافَ الْكَفِيلُ إعْدَامَ الْأَصْلِ وَإِحْدَاثَ الْفَلَسِ لِيُؤَوَّلَ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَبَضَهُ بِحُكْمِ قَاضٍ، أَوْ يَكُونُ قَبْضُهُ بِرِضَا الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَالْكَفِيلُ فِي هَذَا الْوَجْهِ ضَامِنٌ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الطَّعَامِ وَذِمَّتُهُ بِهِ، أَوْ بِمِثْلِهِ عَامِرَةٌ حَتَّى يُوصِلَهُ إلَى الطَّالِبُ، وَلِلطَّالِبِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا مَعَ قِيَامِ الطَّعَامِ بِيَدِ الْكَفِيلِ وَفَوَاتِهِ فَإِنْ غَرِمَ الْأَصْلُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْكَفِيلِ بِطَعَامِهِ، أَوْ مِثْلِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ بِثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ إنْ شَاءَ أَخْذَ الثَّمَنِ وَلَا يَجُوزُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَبِيعَهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَلَا أَخْذُ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ الطَّالِبُ مِثْلَ طَعَامِهِ بَعْدَ أَنْ بَاعَ مَا اقْتَضَاهُ كَانَ الثَّمَنُ سَائِغًا لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَصْلُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مِثْلَ مَا غَرِمَ مِنْ الطَّعَامِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
(الرَّابِعُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْقَبْضِ الْوَكِيلُ يَدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَالْأَصْلُ يَقُولُ: بَلْ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلَيْنِ قَائِمَيْنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ حَيْثُ قَالَ: إذَا قَالَ الْقَابِضُ قَبَضْتُهُ عَلَى مَعْنَى الْوَدِيعَةِ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ قِرَاضًا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمَقْبُوضَ لِلدَّافِعِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْقَابِضِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْهُ فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْأُصُولُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ تُوجِبُ الضَّمَانَ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ إذَا اجْتَمَعَا أَنْ يَغْلِبَ حُكْمُ الْحَظْرِ، وَالْكَفِيلُ هَهُنَا قَدْ ادَّعَى قَبْضًا صَحِيحًا، وَالْأَصْلُ قَدْ ادَّعَى قَبْضًا فَاسِدًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَابِضِ الَّذِي هُوَ الْكَفِيلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ أَشْبَهَ، وَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مُبَاحًا وَالْأَصْلُ قَدْ ادَّعَى الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْضُ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكْفُولِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُ لِيَدْفَعَ إلَى الطَّالِبِ لِكَيْ يَبْرَأَ مِنْ الْكَفَالَةِ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا مَحْظُورًا، فَيُوجِبُ أَنْ لَا يُصَدَّقَ (الْخَامِسُ) إذَا أُبْهِمَ الْأَمْرُ وَعَرَا الْقَبْضُ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَقَدْ مَاتَ الْكَفِيلُ، أَوْ الْأَصْلُ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الرِّسَالَةِ حَيْثُ يَثْبُتُ الْقَبْضُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ حَتَّى تَثْبُتَ الرِّسَالَةُ؟ فَهَذَا مِمَّا يَتَخَرَّجُ بِهِ قَوْلَانِ انْتَهَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إذَا قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ وَادَّعَى التَّلَفَ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ: وَإِنْ قَبَضَ عَلَى مَعْنَى الرِّسَالَةِ فَالضَّمَانُ مِنْ الدَّافِعِ، وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ بَعْدَ يَمِينِ الْقَابِضِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ التَّلَفِ وَيَبْقَى الْحَقُّ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا كَانَ قَبْلُ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَمِيلِ فِي ضَيَاعِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنْ اُتُّهِمَ أُحْلِفَ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: إذَا قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ التَّلَفِ بَعْدَ يَمِينِهِ إنْ اُتُّهِمَ كَالْمُودِعِ وَإِذَا صُدِّقَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ التَّلَفِ وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الطَّالِبِ بَرِئَ الْمَطْلُوبُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الدَّفْعِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ الِاخْتِلَافُ بِالْمَعْنَى مِنْ مَسْأَلَةِ اللُّؤْلُؤِ مِنْ كِتَابِ
الْوَكَالَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ إذَا غَرِمَ الدَّافِعُ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مُطَرِّفٌ: وَيَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ إلَى الَّذِي وَكَّلَهُ حَتَّى تَلِفَ، وَقَالَ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ، وَهَذَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَأَمَّا إنْ ادَّعَاهَا الْوَكِيلُ فَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ اهـ. وَقَوْلُهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إذَا قَبَضَهُ عَلَى مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ إنَّ الْكَفِيلَ ضَامِنٌ سَوَاءٌ قَبَضَهُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، أَوْ بِرِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ خِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَوْلُهُ بِقَضَاءِ سُلْطَانٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: إنَّ سَحْنُونًا أَنْكَرَ هَذَا اللَّفْظَ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ هُنَا حُكْمٌ قَالَ: وَرَأَيْت فِيمَا أَمْلَاهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ قَالَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَحَلَّ الْأَجَلُ فَقَامَ الْكَفِيلُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقَالَ: أَخْشَى أَنْ تُعْدِمَ إلَى أَنْ يَقُومَ الَّذِي عَلَيْهِ، فَأَغْرَمُ أَنَا فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَلِيًّا فَلَا يَكُونُ لِلْحَمِيلِ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ، أَوْ كَانَ مُلِدًّا قَضَى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْحَقِّ وَأَبْرَأهُ مِنْهُ وَجُعِلَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ عَدْلٍ، أَوْ عَلَى يَدِ الْكَفِيلِ إنْ كَانَ ثِقَةً، وَنَقَلَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ فَضْلِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ الشَّيْخُ إلَّا أَنَّ فِي هَذَا إحَالَةً لِلْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهِهَا إذْ لَا ضَمَانَ فِي هَذَا الْفَرْضِ الَّذِي ذَكَرَ.
وَمَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فِيهَا الضَّمَانُ فَتَأَمَّلْ هَذَا اهـ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْحُكْمِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ، وَإِذَا أَرَادَ الْحَمِيلُ أَخْذَ الْحَقِّ بَعْدَ مَحِلِّهِ، وَالطَّالِبُ غَائِبٌ، وَقَالَ أَخَافُ أَنْ يُفْلِسَ وَهُوَ مِمَّنْ يُخَافُ عَدَمُهُ قَبْلَ قُدُومِ الطَّالِبِ، أَوْ لَا يَخَافُ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ اللَّدَدِ وَالْمَطْلِ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْحَمِيلُ أَمِينًا أُقِرَّ عِنْدَهُ وَإِلَّا أُودِعَ لِبَرَاءَةِ الْحَمِيلِ وَالْغَرِيمِ، وَضَمَانُ الْمَالِ مِنْ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ لَهُ بِالْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مَلِيًّا وَفِيهَا لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ لَوْ قَضَاهُ الْغَرِيمُ مُتَبَرِّعًا، أَوْ بِاقْتِضَاءٍ مِنْ الْكَفِيلِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: مَعْنَى تَبَرُّعًا أَنَّهُ اقْتَضَاهُ فَدَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ تَبَرُّعًا وَلَمْ يُكَلِّفْهُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِهِ سُلْطَانٌ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَتَبَرَّعَ لِلْغَرِيمِ بِدَفْعِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى الرِّسَالَةِ عَبْدُ الْحَقِّ إنْ قِيلَ إذَا قَبَضَهُ الْكَفِيلُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُعْلَمُ قَبْضُهُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ، أَوْ عَلَى الرِّسَالَةِ وَهُوَ قَدْ قَالَ سَوَاءٌ تَبَرَّعَ بِدَفْعِهِ، أَوْ اقْتَضَى عِنْدَ الْكَفِيلِ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يُحْمَلُ قَبْضُهُ إيَّاهُ إذَا وَقَعَ مُجْمَلًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاقْتِضَاءِ، أَوْ الرِّسَالَةِ فَهَهُنَا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَدْ تَبَرَّعَ بِدَفْعِهِ لِلْكَفِيلِ حُمِلَ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ اقْتَضَاهُ فِيهِ فَهُوَ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فَيَضْمَنُهُ، وَإِنْ قَالَ لَهُ خُذْ عَلَيَّ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ فَهَذِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فَيَضْمَنُهُ قَابِضُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ الْكَفِيلُ بَدَأَ فِيهِ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ الِاقْتِضَاءِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُقْتَضِي لَهُ لِيَبْرَأَ مِنْ حَمَالَتِهِ وَتَبْرَأَ ذِمَّةُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَجِيرُ الْمَطْلُوبِ دُونَك فَهَذَا كُلُّهُ أَبْرَأَ ذِمَّةَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَصَارَ هُوَ الْمَطْلُوبَ اهـ.
(الثَّانِي) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَأْخُذَ الْحَقَّ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ مِنْ الْغَرِيمِ فَاعْلَمْهُ (الثَّالِثُ) قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ عِبَارَةِ التَّهْذِيبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا بِكَمَالِهَا هُنَا وَإِذَا قَبَضَ الْكَفِيلُ الطَّعَامَ مِنْ الْغَرِيمِ بَعْدَ الْأَجَلِ لِيُؤَدِّيَهُ إلَيْك فَتَلِفَ عِنْدَهُ فَإِنْ أَخَذَهُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ ضَمِنَهُ قَامَتْ بِهَلَاكِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا قَضَاهُ ذَلِكَ الْغَرِيمُ مُتَبَرِّعًا، أَوْ بِاقْتِضَاءٍ مِنْ الْكَفِيلِ بِقَضَاءِ سُلْطَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَأَمَّا إنْ أَقْبَضَهُ الْكَفِيلُ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ لَمْ يَضْمَنْ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إنَّمَا ضَمِنَهُ إذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فَهُوَ ضَامِنُ عَدَاءٍ فَلِذَلِكَ ضَمِنَهُ وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ.
ص (وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ رَبِّهِ الْمُعْسِرِ) ش: الْهَاءُ مِنْ لَزِمَهُ عَائِدَةٌ عَلَى الضَّامِنِ فِي
مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ وَتَأْخِيرُ هُوَ فَاعِلُ لَزِمَهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ رَبُّهُ وَهَاءُ رَبِّهِ عَائِدَةٌ عَلَى الدَّيْنِ وَالْمُعْسِرُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ وَهُوَ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ يَقُولُ لِلْغَرِيمِ: لَمَّا أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَوَجَدْت الْغَرِيمَ مُوسِرًا كَانَ حَقُّك أَنْ تَطْلُبَنِي فَتَأْخِيرُك لِلْغَرِيمِ إسْقَاطٌ لِلْكَفَالَةِ عَنِّي فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَازِمٌ لَهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَالَةُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ الْمُوسِرُ إنْ سَكَتَ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ سَكَتَ الْحَمِيلُ، وَقَدْ عَلِمَ بِالتَّأْخِيرِ لَزِمَتْهُ الْحَمَالَةُ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي التَّقَايِيدِ سَكَتَ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ، وَانْظُرْ مَا فِي التَّقَايِيدِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَسْكُتَ قَدْرَ مَا يُرَى أَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا قَالَ فِي الْعُيُوبِ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي دَلَّسَ الْبَائِعُ بِحَمْلِهَا قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ بِالطَّلَبِ وَلَمْ يُفَرِّطْ عِنْدَمَا ظَهَرَ بِهَا الطَّلْقُ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ، وَانْظُرْ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلِمَ وَسَكَتَ هَلْ يُحَلِّفُهُ أَمْ لَا.
ص (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ مُسْقِطًا)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَمِيلُ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ حَلَفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ لِيُسْقِطَ الْكَفَالَةَ وَيَكُونَ عَلَى حَقِّهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَحْمَلُ قَوْلِهِ أَنَّ ذِمَّةَ الْغَرِيمِ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ ثُمَّ أَعْسَرَ الْآنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْحَمِيلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حَقِّهِ حَتَّى تَلِفَ مَالُ غَرِيمِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْكَفِيلُ فَيُعَدُّ رَاضِيًا اهـ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ، وَانْظُرْ لَوْ أَشْهَدَ رَبُّ الدَّيْنِ وَقْتَ التَّأْخِيرِ أَنَّهُ أَخَّرَ الْمَدِينَ غَيْرَ مُسْقِطٍ لِلْحَمَالَةِ هَلْ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَلِفِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَلِفِهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ وَلَزِمَهُ)
ش: أَيْ، وَإِنْ أَنْكَرَ الضَّامِنُ التَّأْخِيرَ حِينَ عَلِمَ بِهِ حَلَفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ الْحَمَالَةَ وَلَزِمَ الضَّمَانُ الضَّامِنَ وَسَقَطَ التَّأْخِيرُ وَيَبْقَى الْحَقُّ حَالًّا فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ أَيْ سَوَاءٌ حَلَفَ، أَوْ نَكَلَ وَقِيلَ: إنَّهَا لَازِمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَإِنْ أَخَّرَهُ مَلِيًّا فَأَنْكَرَ حَمِيلُهُ فَفِي سُقُوطِ حَمَالَتِهِ وَبَقَائِهَا.
(ثَالِثُهَا) إنْ أَسْقَطَ الْحَمَالَةَ صَحَّ تَأْخِيرُهُ وَإِلَّا حَلَفَ مَا أَخَّرَ إلَّا عَلَى بَقَائِهَا وَسَقَطَ تَأْخِيرُهُ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ لِلْغَيْرِ فِيهَا وَغَيْرُهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا اهـ. غَيْرَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْ الْبَيَانِ إثْرَ قَوْلِهِ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ وَالْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَقَوْلُهُ: بِكُلِّ حَالٍ مُشْكِلٌ لِاقْتِضَائِهِ سُقُوطَ الْكَفَالَةِ مَعَ حَلِفِهِ أَيْضًا وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظِ وَالْكَفَالَةُ ثَابِتَةٌ بِكُلٍّ حَالٍ إثْرَ قَوْلِهِ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَاسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُ مِثْلُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي غَالِبِ نُسَخِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ لُزُومُ الْكَفَالَةِ إذَا نَكَلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَذْكُورِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْبَيَانِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْلَمَ فَيُنْكِرَ فَلَا يَلْزَمُهُ تَأْخِيرُ الطَّالِبِ وَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُسْقِطَ الْكَفَالَةَ وَإِلَّا فَاحْلِفْ أَنَّك مَا أَخَذْته إلَّا عَلَى أَنْ يَبْقَى الْكَفِيلُ
عَلَى كَفَالَتِهِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّأْخِيرُ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ التَّأْخِيرُ وَالْكَفَالَةُ ثَابِتَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ سَكَتَ فِيهَا عَنْ الْيَمِينِ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وَقِيلَ إنَّهَا لَازِمَةٌ بِكُلِّ حَالٍ اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ اهـ. هَكَذَا فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْبِسَاطِيُّ أَعْنِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ثَابِتَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَالثَّانِي سَاقِطَةٌ، وَالثَّالِثُ لَازِمَةٌ وَاسْتَشْكَلَهُ الْبِسَاطِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَنَصُّ كَلَامِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلَ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِكُلِّ حَالٍ (قُلْت) : فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِالتَّأْخِيرِ الْكَفَالَةَ فَإِذَا نَكَلَ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَسْقُطَ الْكَفَالَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ. وَاسْتِشْكَالُهُ هَذَا يَرْتَفِعُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِيهِ سَاقِطَةٌ بِكُلِّ حَالٍ لَا ثَابِتَةٌ وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ لَكِنَّ مَا فِي الْبَيَانِ يُبْقِي الْقَوْلَ الثَّانِيَ كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ لَا كَمَا اسْتَشْكَلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ كَالْأَوَّلِ وَلَكِنْ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ مِنْ وَاحِدَةٍ بِزَوَالِ قَوْلِهِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا فِي الْبَيَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ كَذَلِكَ نَقَلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ فَلَا تَسْقُطُ الْكَفَالَةُ وَيَسْقُطُ التَّأْخِيرُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْكُلَ فَتَسْقُطَ الْكَفَالَةُ وَلَا يَسْقُطُ التَّأْخِيرُ وَالْقَوْلُ الَّذِي لِلْغَيْرِ يَقُولُ: الْكَفَالَةُ سَاقِطَةٌ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ وَالثَّالِثُ يَقُولُ ثَابِتَةٌ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَبَطَلَ إنْ فَسَدَ مُتَحَمِّلٌ بِهِ) ش: هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَهِيَ فِي الْبَيَانِ قَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكَفَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَهِيَ سَاقِطَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا هَذَا تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ الْكَفَالَةِ فِي اللُّزُومِ إذَا وَقَعَ الْفَسَادُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَالْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ عِلْمِ الطَّالِبِ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ اهـ. وَهَذَا الْأَخِيرُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَوْ فَسَدَ بِكَجُعْلٍ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ بَاعَ مَوْلًى وَأَخَذ حَمِيلًا بِالثَّمَنِ فَرَدَّ ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَأَسْقَطَهُ عَنْ الْمَوْلَى]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْحَجْرِ: فَرْعٌ فِي النَّوَادِرِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذَا بِعْت مَوْلًى وَأَخَذْت حَمِيلًا بِالثَّمَنِ فَرَدَّ ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَأَسْقَطَهُ عَنْ الْمَوْلَى فَإِنْ جَهِلْت أَنْتِ وَالْحَمِيلُ لَزِمَتْ الْحَمَالَةُ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَك فِيمَا لَوْ شِئْت كَشَفْته، وَإِنْ دَخَلْت فِي ذَلِكَ بِعِلْمٍ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ عَلِمَ الْحَمِيلُ أَمْ لَا لِبُطْلَانِ أَصْلِهَا.
[الفرع الثَّانِي نَصْرَانِيّ تَحْمِل عَنْ نَصْرَانِيّ سلفا فِي خَمْر أَوْ خِنْزِير ثُمَّ أسلم وَأَعْدَم الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي رَسْمِ بَاعَ شَاةً مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيِّ سَلَّفَ نَصْرَانِيًّا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا وَتَحَمَّلَ لَهُ نَصْرَانِيٌّ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَأَسْلَمَ الْحَمِيلُ وَأَعْدَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَالَ: فَلَيْسَ عَلَى الْحَمِيلِ الَّذِي أَسْلَمَ شَيْءٌ، وَيَتْبَعُ النَّصْرَانِيُّ غَرِيمَهُ النَّصْرَانِيَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكُلُّ حَمَالَةٍ كَانَ أَصْلُ شِرَائِهَا حَرَامًا فَلَيْسَ عَلَى الْمُتَحَمِّلِ مِمَّا تَحَمَّلَ شَيْءٌ اهـ.
[الفرع الثَّالِث حَمَالَةُ الْمُكَاتَبِ]
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبْلَ تَرَاجُعِ الْحُمَلَاءِ ابْنُ حَارِثٍ لَا تَجُوزُ حَمَالَةُ الْمُكَاتَبِ اتِّفَاقًا وَلَوْ تَحَمَّلَ مَعَ حُرٍّ بِحَقٍّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَمِيلٌ بِالْآخَرِ فَفِي لُزُومِ كُلِّ الْحَقِّ، أَوْ شَرْطِهِ قَوْلَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَقَلَهُ اهـ.
[الفرع الرَّابِع أبرأ الْحَمِيل ثُمَّ ادَّعَى كَرَاهَة ذَلِكَ]
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ فِي رَجُلٍ أَسَلَفَ رَجُلًا دِينَارًا إلَى أَجَلٍ وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ جَعَلَا الدِّينَارَ فِي عَشَرَةِ أَرَادِبَ إلَى الْغَلَّةِ فَلَقِيَ الْحَمِيلَ فَقَالَ قَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُك مِنْ الدِّينَارِ الَّذِي تَحَمَّلْت لِي بِهِ وَأَشْهَدَ بِالْبَرَاءَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ هَذَا مَكْرُوهٌ وَلَمْ أَعْلَمْ وَتَعَلَّقَ بِالْحَمِيلِ قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْحَمِيلِ، وَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْحَمَالَةِ وَلَا يَنْفَعُهُ مَا جَهِلَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَنْفَعُهُ الْحَرَامُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ وَالْحَمِيلُ بَرِيءٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا بَطَلَتْ الْحَمَالَةُ بِالدِّينَارِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَبْرَأَ مِنْهَا بِمَا ظَنَّ مِنْ جَوَازِ فَسْخِ الدِّينَارِ فِي الشَّعِيرِ إلَى أَجَلٍ فَلَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهَالَةِ وَهُوَ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِهَا إذَا
كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْهَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا أَبْرَأَهُ إلَّا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الدِّينَارَ قَدْ بَطَلَ، وَهَذَا نَحْوُ مَا يَحْكِي ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ فِي الْحَمِيلِ بِمَا عَلَى الْغَرِيمِ إذَا أَخَذَ لَهُ الْحَقَّ مِنْ الْغَرِيمِ عَبْدًا بِالْحَقِّ ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ مِنْ يَدِهِ فَرَجَعَ إلَى الْغَرِيمِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْحَمِيلِ، وَقَدْ بَرِئَ الْحَمِيلُ حِينَ أَخَذَ مِنْ الْغَرِيمِ بِالْحَقِّ مَا أَخَذَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
ص (أَوْ فَسَدَتْ بِكَجُعْلٍ مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ النُّسَخِ وَمَعْنَاهَا فَاسِدٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ فَالنُّسْخَةُ
الصَّحِيحَةُ هِيَ النُّسْخَةُ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ غَازِيٍّ وَنَصُّ كَلَامِهِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ غَيْرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ وَالرَّاءِ وَكَمَدِينِهِ بِالْكَافِ الَّتِي لِلتَّشْبِيهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ: لَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ أَنْ يَأْخُذَ جُعْلًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ، أَوْ مِنْ الْمَدِينِ، أَوْ غَيْرِهِمَا وَفِي بَعْضٍ، وَإِنْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ بِلَفْظِ عِنْدَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالدَّالِ وَلِمَدِينِهِ بِاللَّامِ وَصَوَابُهُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: لَا مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ بِلَا النَّافِيَةِ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ أَعْطَى الْمِدْيَانَ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ حَمِيلًا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ، وَغَيْرُهُمْ وَعَنْ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ أَبْيَنُ انْتَهَى.
وَهَاتَانِ النُّسْخَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُ مَشْهُورَتَيْنِ وَالنُّسْخَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ غَيْرِ رَبِّهِ لِمَدِينِهِ كَمَا ذَكَرْته أَوَّلًا بِإِسْقَاطِ وَإِنْ وَغَيْرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ وَالرَّاءِ وَلِمَدِينِهِ فَاللَّامُ الْجَرِّ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مَعْنَاهَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ يَفْسُدُ إذَا دَفَعَ غَيْرُ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمِدْيَانِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ لِرَبِّ الدَّيْنِ حَمِيلًا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ الْجُعْلَ لَوْ كَانَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ لِلْمِدْيَانِ لَصَحَّ فَأَحْرَى إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ بَدَلَ اللَّامَ كَافٌ لَصَحَّتْ؛ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُ يَدَّعِي فِيهَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُعْلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَحْرَوِيًّا فَأَوْلَى النُّسَخِ وَأَحْسَنُهَا النُّسْخَةُ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ غَازِيٍّ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ بِكَجُعْلٍ جَمِيعُ الصُّوَرِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الْحَمَالَةُ لِدُخُولِ الْفَسَادِ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَالطَّالِبِ، أَوْ الْمَطْلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
(تَنْبِيهٌ)
ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الضَّمَانَ سَقَطَ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ خِلَافَهُ وَفَصَّلَ فِيهِ وَنَصُّهُ: وَالضَّمَانُ بِجُعْلٍ لَا يَجُوزُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ صَاحِبِ الْأَنْبَاءِ إجْمَاعًا اللَّخْمِيُّ مَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ دِينَارًا لِيَتَحَمَّلَ لَهُ بِثَمَنِ مَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ بَطَلَتْ الْحَمَالَةُ، وَالْجُعْلُ لَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا فَعَلَاهُ، وَلَوْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا عِلْمَ لِلْبَائِعِ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَزِمَتْ الْحَمَالَةُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ سِلْعَتَهُ وَلَوْ عَلِمَ الْبَائِعُ فَفِي سُقُوطِ الْحَمَالَةِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ قَائِلًا: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ دُونَ حَمَالَةٍ وَفَسْخِهِ وَلَوْ جَهِلَا حُرْمَتَهُ فَلَا صَبْغَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَمِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَلْزَمُ الْحَمَالَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ وَيُخْتَلَفُ عَلَى هَذَا إنْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَزِنَ عَنْهُ فُلَانٌ ثَمَنَهَا بِجُعْلٍ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَطْلُبَ فُلَانًا بِالثَّمَنِ إنْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ وَلَهُ أَخْذُ سِلْعَتِهِ إنْ عَجَزَ الْمُشْتَرِي عَنْ ثَمَنِهَا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْضِي وَيَلْزَمُ فُلَانًا يُرِيدُ وَيَسْقُطُ الْجُعْلُ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَلِمُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَغَيْرِهِمْ مَنْ قَالَ: لِرَجُلٍ ضَعْ مِنْ دَيْنِك عَنْ فُلَانٍ وَأَتَحَمَّلُ لَك بِبَاقِيهِ لِأَجَلٍ آخَرَ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَخْذُهُ بِحَقِّهِ حَالًا رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ جَوَازَهُ، وَكَرَاهَتَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَصْلُحُ كَمَنْ قَالَ أَعْطِنِي عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَأَتَحَمَّلُ لَك فَالْحَمَالَةُ عَلَى هَذَا حَرَامٌ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَ: خُذْ هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَأَعْطِنِي بِمَا عَلَيْك حَمْلًا وَرَهْنًا وَعَلَى أَحَدِ أَقْوَالِ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ وَلَوْ قَالَ: أَتَحَمَّلُ لَك عَلَى أَنْ تُعْطِيَ فُلَانًا غَيْرَ الْغَرِيمِ دِينَارًا لَمْ يَجُزْ وَلِمُحَمَّدٍ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ لِأَجَلٍ فَأَسْقَطَ عَنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ دِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِالْبَاقِي رَهْنًا، أَوْ حَمِيلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ اللَّخْمِيُّ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ الْحَمِيلَ خَوْفُ عُسْرِ الْغَرِيمِ عِنْدَ الْأَجَلِ فَيَجِبُ تَأْخِيرُهُ فَأَخَذَهُ الْحَمِيلُ بِمَا وَضَعَ مِثْلُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ انْتَهَى وَسَيَأْتِي لَفْظُ اللَّخْمِيِّ وَفِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْبَيَانِ خِلَافُهُ أَيْضًا وَنَصُّهُ: إذَا تَحَمَّلَ الرَّجُلُ بِجُعْلٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الطَّالِبِ، أَوْ مِنْ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ عِلْمِ الطَّالِبِ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَرَدَّ الْجُعْلَ وَأَمَّا إنْ تَحَمَّلَ بِجُعْلٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ عَلِمَ الطَّالِبُ فَالْجُعْلُ سَاقِطٌ وَالْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَكَذَا إذَا الْتَزَمَ الْعُهْدَةَ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي بِجُعْلٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ مِنْ الْبَائِعِ بِعِلْمِ الْمُشْتَرِي، فَالْجُعْلُ مَرْدُودٌ، وَالِالْتِزَامُ سَاقِطٌ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ فَالْجُعْلُ لَازِمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ لَفْظَةُ غَيْرِ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا كَانَ الْجُعْلُ تَصِلُ مَنْفَعَتُهُ لِلْحَمِيلِ رُدَّ الْجُعْلُ قَوْلًا وَاحِدًا وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي ثُبُوتِ الْحَمَالَةِ وَسُقُوطِهَا وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَتَارَةً تَسْقُطُ الْحَمَالَةُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ، وَتَارَةً تَثْبُتُ الْحَمَالَةُ وَالْبَيْعُ، وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْحَمَالَةِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا فَإِذَا كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْبَائِعِ جَعَلَ لِرَجُلٍ دِينَارًا لِيَتَحَمَّلَ لَهُ بِمَا يَبِيعُ بِهِ سِلْعَتَهُ مِنْ فُلَانٍ كَانَتْ الْحَمَالَةُ سَاقِطَةً؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا مَحَلُّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا حَمَالَةٌ بِعِوَضٍ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لِلْحَمِيلِ الْعِوَضُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْحَمَالَةُ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ مَعَ الْحَمِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لَهُ: تَحَمَّلَ عَنِّي بِمَا أَشْتَرِي بِهِ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَلَك دِينَارٌ، وَالْبَائِعُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا فَعَلَاهُ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا وَالْحَمَالَةُ لَازِمَةً؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ حَتَّى أَخْرَجَ سِلْعَتَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِعِلْمِ صَاحِبِ الْحَقِّ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ يُرِيدُ: وَيَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَهُ بِغَيْرِ حَمِيلٍ، أَوْ يَرُدَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الْحَمَالَةُ لَازِمَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ انْتَهَى.
، وَقَدْ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْحَمَّالَةَ تَبْطُلُ مُطْلَقًا، وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقِيلِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ، أَوْ لَا يَعْلَمَ مَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ الْأَوْسَطِ وَالْأَصْغَرِ وَفِي الشَّامِلِ بَلْ كَلَامُهُ فِي
الشَّامِلِ مُضْطَرِبٌ لَا يُفْهَمُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ مُشَبِّهًا فِي الْفَسَادِ: كَجُعْلٍ مِنْ غَيْرِ ذِي دَيْنٍ لِغَرِيمٍ وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ رَبُّ الدَّيْنِ وَإِلَّا لَزِمَ وَالْجُعْلُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا، وَلَوْ دَفَعَ الطَّالِبُ لِلْغَرِيمِ شَيْئًا لِيَأْتِيَهُ بِحَمِيلٍ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ وَثَالِثُهَا يُكْرَهُ انْتَهَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الدَّيْنِ فَلَا تَسْقُطُ الْحَمَالَةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ الْمُبَارَأَةُ بِضَمَانِ الْأَبِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي تَرْجَمَةِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا لَهُ وَلَدٌ، وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ إذَا: انْعَقَدَتْ الْمُبَارَأَةُ بِضَمَانِ الْأَبِ، أَوْ غَيْرِهِ بِالْحَقِّ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ دَرْكٍ فَثَبَتَتْ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا يُسْقِطُ عَنْهَا الِالْتِزَامَ لَزِمَ ذَلِكَ الضَّامِنَ وَقَضَى عَلَيْهِ بِهِ وَأَنْكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَخَّارُ قَوْلَهُ هَذَا، وَقَالَ: إذَا سَقَطَ الِالْتِزَامُ عَنْ الْمَضْمُونِ بِثُبُوتِ ضَرَرٍ سَقَطَ عَنْ الضَّامِنِ إذَا لَمْ يَرْتَبِطْ بِذِمَّتِهَا حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مَا أُسْقِطَ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ الضَّامِنُ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا ظَنَّهُ لَازِمًا لِلْمَضْمُونِ عَنْهَا وَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ فَالْفَرْعُ، أَوْلَى بِالسُّقُوطِ انْتَهَى وَكَأَنَّ ابْنَ الْفَخَّارِ أَنْكَرَ عُمُومَ قَوْلِهِ، أَوْ غَيْرِهَا فَأَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتَ الضَّرَرِ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ وَيُقَيَّدُ بِمَا فِي النَّوَادِرِ مِنْ أَنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمُوجِبِ السُّقُوطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِلزَّوْجِ رَدُّهُ مِنْ زَوْجَتِهِ) ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي عَلَى الْمَضْمُونِ دُونَ ثُلُثِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالشَّامِلِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَبِلُوهُ وَزَادَ: وَلَوْ شَرَطَتْ عَدَمَ الْغُرْمِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَوْ تَكَفَّلَتْ ذَاتُ زَوْجٍ بِوَجْهِ رَجُلٍ عَلَى أَنْ لَا مَالَ عَلَيْهَا فَلِزَوْجِهَا رَدُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولَ: قَدْ تُحْبَسُ وَأَمْتَنِعُ مِنْهَا وَتَخْرُجُ لِلْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ أَيْضًا تَحَمُّلُهَا بِالطَّلَبِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ بِسَجْنٍ) ش: قَالَ الْمَازِرِيُّ: " فِي وَعَلَى " أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَلَوْ سَلَّمَ الْكَفِيلُ الْغَرِيمَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي حَبْسِ الْقَاضِي فَإِنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ يُسْقِطُ الْكَفَالَةَ لِكَوْنِ الْمُتَكَفَّلِ لَهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ طَلَبِهِ، وَهُوَ فِي الْحَبْسِ بِمُحَاكَمَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي حَبَسَهُ حَتَّى يُمَكِّنَهُ مِنْ حَقِّهِ وَيَقْضِيَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَحْبُوسِ، وَإِنْ وَجَبَ حَبْسُهُ زَادَ فِي مِقْدَارِ أَمَدِ الْحَبْسِ لِأَجْلِ هَذَا الطَّلَبِ الثَّانِي بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الِاجْتِهَادُ اهـ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ: وَأَخْرَجَ لَحَدٍّ بِمَعْنًى آخَرَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: وَلَوْ كَانَ حَبْسُهُ فِي دَمٍ، أَوْ دَيْنٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَيَكْفِي قَوْلُهُ بَرِئْت مِنْهُ إلَيْك وَهُوَ بِالسِّجْنِ فَشَأْنُك بِهِ كَأَنْ سَجَنَهُ فِي حَقٍّ، أَوْ تَعَدِّيًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْت) : فِي التَّعَدِّي نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِإِخْرَاجِهِ بِدَفْعِ التَّعَدِّي عَنْهُ اهـ. ص (إنْ أَمَرَهُ بِهِ) ش: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ لَا يَبْرَأُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: فَهَذَا إذَا لَمْ يُرِدْ الطَّالِبُ قَبُولَهُ حَتَّى يُسَلِّمَهُ لَهُ الْحَمِيلُ وَلَوْ قَبِلَهُ بَرِئَ كَمَنْ دَفَعَ دَيْنًا عَنْ أَجْنَبِيٍّ لِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ إلَّا بِتَوْكِيلِ الْغَرِيمِ وَلَهُ قَبُولُهُ فَيَبْرَأُ، زَادَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَمِيلُ أَمَرَهُ بِدَفْعِ نَفْسِهِ إلَيْهِ فَإِنْ أَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ أَحَدًا بَرِئَ الْحَمِيلُ اهـ. وَفِي الشَّامِلِ: وَلَوْ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَمْرَهُ لَهُ بَرِئَ إنْ أَشْهَدَ لَهُ أَحَدًا اهـ. ص (وَبِغَيْرِ بَلَدِهِ) ش: يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى
الِاشْتِرَاطِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ: إنَّهُ يُلَاحَظُ فِيهِ مَسْأَلَةُ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تُفِيدُ وَكَوْنُهُ قَدْ يُفِيدُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ النَّادِرَةَ لَا تُرَاعَى، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الطَّالِبُ عَلَى الْحَمِيلِ أَنْ يُحْضِرَ لَهُ الْمِدْيَانَ بِبَلَدِهِ فَأَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَحْضَرَهُ فِيهِ تَأْخُذُهُ فِيهِ الْأَحْكَامُ وَإِذَا حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ مَفْهُومَةً مِنْهُ بِالْأَحْرَوِيَّةِ وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ إحْضَارَهُ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَأَحْضَرَهُ الْحَمِيلُ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا الضَّمَانُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (.
وَلَا يَسْقُطُ بِإِحْضَارِهِ إنْ حَكَمَ)
ش: أَيْ إنْ حَكَمَ بِالْغُرْمِ وَلَوْ لَمْ يَغْرَمْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمَالَ قَبْلَ إحْضَارِهِ مَضَى اتِّفَاقًا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَأَصْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَرَبُّ الدَّيْنِ مُخَيَّرٌ فِي اتِّبَاعِ الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ، أَوْ الْحَمِيلِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص.
(وَلَوْ بِغَيْرِ بَلَدِهِ)
ش: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَمَالَةَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمِدْيَانِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مَاتَ فِي بَلَدِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
ص (وَرَجَعَ بِهِ)
ش: يَعْنِي إذَا غَرِمَ الْحَمِيلُ ثُمَّ أَثْبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَرِيمَ قَدْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ رَجَعَ الْحَمِيلُ بِمَا أَدَّى عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ إذَا غَرِمَ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ عَدِيمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ هَلْ يَرْجِعُ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَغَرِمَ إنْ فَرَّطَ، أَوْ هَرَّبَهُ وَعُوقِبَ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّغْرِيمِ وَالْعُقُوبَةِ، وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُحْبَسُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي الطَّلَبِ حَتَّى يَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ تَفْرِيطُهُ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ لَقِيَهُ وَتَرَكَهُ، أَوْ غَيَّبَهُ وَهَرَّبَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ عُقُوبَةً ص (وَأَذِينٌ) ش: هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْأَذِينُ
مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 167] وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] قَالَ الشَّاعِرُ:
فَقُلْت قَرِّي وَغُضِّي اللَّوْمَ إنِّي ... أَذِينٌ بِالتَّرَحُّلِ وَالْأُفُولِ
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَإِنِّي أَذِينٌ إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكًا ... بِسَيْرٍ تَرَى فِيهِ الْفُرَانِقَ أَزْوَرَا
، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَذِينُ بِمَعْنَى الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَذِينَ وَالْأَذَانَ وَالْإِذْنَ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْلُومٍ مُتَيَقَّنٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ بِخِلَافِهِ إذْ هُوَ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَكَانَ قَوْلُ الرَّجُلِ: أَنَا أَذِينٌ بِمَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ إيجَابٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَدَاءَ الْمَالِ إلَيْهِ إذْ لَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ اللَّفْظُ إلَّا فِي الْوَاحِدِ الْمُتَيَقَّنِ اهـ.
ص.
(وَلَمْ يَجِبْ وَكِيلٌ لِخُصُومَةٍ)
ش: أَيْ يُخَاصِمُ عَنْهُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ.
ص (إلَّا بِشَاهِدٍ)
ش: الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْكَفِيلِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ هَذَا وَأَنَّهُ يَجِبُ الْكَفِيلُ بِالْوَجْهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَذَكَرَ كَلَامَ الشُّيُوخِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ خِلَافٌ، أَوْ وِفَاقٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الشَّرِكَةِ]
ش: ضَبَطَهَا فِي التَّوْضِيحِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَذَا الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا إلَّا كَسْرُ الشِّينِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى وَضَبَطَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَصَدَّرَ الْجَلَالُ الْأَسْيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ بِالثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالشَّرِكَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ، وَقَدْ يُحْذَفُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَهِيَ مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ انْتَهَى.
ص (إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا) ش يَعْنِي أَنَّ الشَّرِكَةَ هِيَ إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَشَارِكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ لَهُمَا أَيْ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ أَيْ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا أَيْ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا أَنْفُسِهِمَا أَيْضًا فَمَعْنَى الْحَدِّ أَنَّ الشَّرِكَةَ هِيَ إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَشَارِكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا أَنْفُسِهِمَا أَيْضًا فَقَوْلُهُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ يَشْمَلُ الْوَكَالَةَ وَالْقِرَاضَ وَقَوْلُهُ: لَهُمَا فَصْلٌ يَخْرُجُ بِهِ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا إذْنٌ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ لِلْمُوَكِّلِ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحَيْنِ إنَّ الْوَكَالَةَ خَرَجَتْ بِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي وَقَوْلُ الْآخَرِ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَأْذَنْ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ نِيَابَةً عَنْهُ فَبَطَلَ بِهَذَا اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِقَوْلِهِ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَذِنَ لَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا قَبِلُوهُ فَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي وَقَوْلِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِشَرِكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْآخَرُ وَهُوَ لَازِمُ الشَّرِكَةِ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَنْفِي الْمَلْزُومَ انْتَهَى.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِي هَذَا الشَّيْءِ لِي وَلَك لَكَانَتْ شَرِكَةً ثُمَّ تَجْرِي عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ فِيمَا يَصِحُّ مِنْهَا وَمَا يَفْسُدُ بِسَبَبِ الْخَلْطِ وَعَدَمِهِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ الضَّمَانُ وَمَا لَا يَثْبُتُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنْفُسِهِمَا فَصْلٌ ثَانٍ خَرَجَ بِهِ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ تَصَرَّفْ فِي هَذِهِ الْمِائَةِ وَنَحْوِهَا: أَنْتَ وَحْدَك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِي وَلَك بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرِكَةٍ فَقَوْلُهُ: لَهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالتَّصَرُّفِ وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنْفُسِهِمَا حَالٌ مِنْ الْإِذْنِ أَيْ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا.
وَعَلَّقَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَهُ لَهُمَا بِالْإِذْنِ فَأَوْرَدَ مَا، أَوْرَدَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِخُرُوجِ شَرِكَةِ الْجَبْرِ كَالْوَرَثَةِ، وَشَرِكَةِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَيْنَهُمْ شَيْئًا، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ إذْ لَا إذْنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ تَصَرُّفِ أَحَدِهِمَا كَغَاصِبٍ أَمْ لَا ثُمَّ اُسْتُبْدِلَ بِمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ضَرْبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَنَظَائِرَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ عَبْدٍ ضَرْبُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ إلَّا فِي ضَرْبٍ لَا يَعِيبُ مِثْلَهُ، أَوْ ضَرْبِ أَدَبٍ قَالَ سَحْنُونٌ نُضَمِّنُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ ضَرْبَةً وَاحِدَةً كَأَجْنَبِيٍّ ابْنُ رُشْدٍ رَأَى مَالِكٌ شَرِكَتَهُ شُبْهَةً تُسْقِطُ الضَّمَانَ فِي ضَرْبِ الْأَدَبِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ ضَرْبَهُ أَدَبًا يُفْسِدُهُ، وَعَلَيْهِ زَرْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَبِنَاؤُهُ فِي أَرْضٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فِي كَوْنِهِ كَغَاصِبٍ يُقْلَعُ بِنَاؤُهُ، أَوْ زَرْعُهُ، أَوْ لَا لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ فَيَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْإِبَّانُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ وَيَكُونَ لَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا، وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إيلَادِ الْعَبْدِ أَمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرٍّ نِصْفُ قِيمَتِهَا جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ: هَذَا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِمَا نَقَصَ نِصْفَ
ثَمَنِهَا عَنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا انْتَهَى وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ (قُلْت) وَيُجَابُ عَنْ خُرُوجِ مَا ذُكِرَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا هُوَ حَدُّ شَرِكَةٍ فِي التَّجْرِ إنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ لَهَا التَّرْجَمَةُ، وَإِنْ ذَكَرَ غَيْرَهَا مَعَهَا فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّرِكَةُ الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرُ مُتَمَوِّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مِلْكِ كُلٍّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كُلُّ الْآخَرِ مُوجِبٌ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ شَرِكَةُ الْإِرْثِ، وَالْغَنِيمَةِ لَا شَرِكَةُ التَّجْرِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَخْرُجُ بِقَوْلِهِ مِلْكًا فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ التَّصَرُّفِ قَالَ: وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي عِوَضِهِ فِي الْأُولَى، وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ شَرِكَةُ الشَّرِيكِ فَالْأُولَى جَائِزَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَاوِضَ شَرِيكًا دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ إذْنِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْأُولَى أَعَمِّيَّةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ مِنْهَا كَمَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَاقِدَيْ الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَكُلُّهُمْ تَبِعُوا الْوَجِيزَ وَيُرَدُّ بِوُجُوبِ زِيَادَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَائِعٌ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَالِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهَا أَهْلِيَّةُ الْوَكَالَةِ لِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْأَعْمَى اتِّفَاقًا وَتَوَكُّلِهِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ بَائِعًا انْتَهَى وَذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ كَالْمُنَكِّتِ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ (قُلْت) : وَلَا يَحْتَاجُ الْمُصَنِّفُ إلَى زِيَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْمَى جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا يُفَرِّعُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ فَقَالُوا: مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، أَوْ قَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ بِالِاخْتِصَارِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ: مَنْ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ وَأَنْ يَتَوَكَّلَ إلَّا لِمَانِعٍ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ، وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ انْتَهَى.
(فَإِنْ قُلْت) : قَدْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ كَالذِّمِّيِّ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى مُسْلِمٍ وَكَالْعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ بِقَوْلِهِمَا: إلَّا لِمَانِعٍ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إخْرَاجَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرِكَةِ أَيْضًا (قُلْت) : أَمَّا أَوَّلًا فَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَكَانَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ عَلَى مَا قَرَرْتُمْ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ وَالْعَدُوَّ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُمَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فَقَطْ، وَأَيْضًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي مُشَارَكَةِ الْعَدُوِّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَأَمَّا مُشَارَكَةُ الذِّمِّيِّ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ ابْتِدَاءً قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ: وَلَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُشَارِكَ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ لَا يَغِيبَ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ، وَلَا شِرَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَا اقْتِضَاءٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ اللَّخْمِيُّ: فَإِنْ وَقَعَ اُسْتُحِبَّ صَدَقَتُهُ بِرِبْحِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالرِّبَا وَبِجَمِيعِ مَالِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِهِ فِي خَمْرٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيْ وَإِنْ عَلِمَ سَلَامَتَهُ مِنْ عَمَلِ الرِّبَا، وَتَجْرِ الْخَمْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ فِي التَّصْدِيقِ بِالرِّبْحِ كَذَلِكَ، وَانْظُرْ إذَا تَحَقَّقَ عَمَلَهُ بِالرِّبَا، أَوْ فِي الْخَمْرِ مَا الْحُكْمُ هَلْ يَجِبُ التَّصَدُّقُ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا؟ وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الشَّرِكَةَ صَحِيحَةٌ بَلْ وَجَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَغِبْ الذِّمِّيُّ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَكَرِهْت مُشَارَكَةَ ذِمِّيٍّ وَمُتَّهَمٍ فِي دِينِهِ إنْ تَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ تَكُونُ مُشَارَكَةُ الذِّمِّيِّ غَيْرَ
صَحِيحَةٍ، وَكَذَلِكَ مُشَارَكَةُ الْعَدُوِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالُوا إنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُوَكَّلُ عَلَى مُسْلِمٍ فَهَلْ يَأْتِي هُنَا أَيْ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ؟ قِيلَ: لَا يَبْعُدُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَنْبَغِي لِلْحَافِظِ لِدِينِهِ أَنْ يُشَارِكَ إلَّا أَهْلَ الدِّينِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالتَّوَقِّي لِلْخِيَانَةِ، وَالرِّبَا، وَالتَّخْلِيطِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يُشَارِكُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا مُسْلِمًا فَاجِرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَإِنَّمَا لِلْآخَرِ فِيهِ الْبَطْشُ وَالْعَمَلُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (قُلْت) : وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: وَيُسْتَشْكَلُ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَلْزُومَةٌ لِلْبَيْعِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي بَيْعِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ شَيْئًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ الذِّمِّيَّ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ قَالَ: وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ عَدَمِ غَيْبَتِهِ عَلَى الْبَيْعِ مُعْتَبَرٌ وُقُوعُهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِنْ سُلِّمَ اشْتِرَاطُهُ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ وَكِيلًا لَا لِكَوْنِهِ مُبْتَاعًا انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى (الثَّانِي) قَالَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ أَجَازَ مَالِكٌ شَرِكَةَ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَغِيبَ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَمَنَعَ الشَّرِكَةَ إذَا شَرَطَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُمْسِكَ رَأْسَ الْمَالِ؟ فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَسْأَلَةِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الذِّمِّيِّ لَمْ يَخْرُجْ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى (الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: إلَّا لِمَانِعٍ أَيْ مِنْ الْمَوَانِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْحَجْرِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ هَذَا مُرَادُهُ؛ لِأَنَّ مَوَانِعَ الْحَجْرِ قَدْ دَخَلَتْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ، أَوْ يَتَوَكَّلَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الْمَانِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ إثْرَهُ مِنْ كَوْنِ الْوَكِيلِ ذِمِّيًّا، وَمِنْ كَوْنِهِ عَدُوًّا لِلْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فَرُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْحَجْرِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَانِعِ فِي الْوَكَالَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: وَفِيهَا لَا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ إلَى آخِرِهِ لَمَّا اسْتَثْنَى الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَقَالَ إلَّا: لِمَانِعٍ احْتَاجَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَانِعَ مَا هُوَ؟ إلَخْ كَلَامِهِ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الْمُوَكِّلُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ نَحْوَ الْخَمْسَةِ أَسْطُرٍ ثُمَّ قَالَ: الرُّكْنُ الثَّانِي الْوَكِيلُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ قَابِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ فَقَدْ مَنَعَ فِي الْكِتَابِ تَوْكِيلَ الذِّمِّيِّ إلَى آخِرِهِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِيهَا: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَبَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ قَالَ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ: إنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، أَوْ شَابَّةً وَلَا تُبَاشِرُهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ مُحَادَثَةِ الشَّابَّةِ لِلرَّجُلِ يُتَّقَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ فَلَا بَأْسَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ وَاسِطَةً مَأْمُونَةً الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَوْ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِيهَا: وَتَجُوزُ شَرِكَةُ الْعَبِيدِ إذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ وَوُلِّيَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَمْ يَضْمَنْ الْحُرُّ وَضِيعَةَ الْمَالِ وَلَا تَلَفَهُ، وَكَذَا إنْ وُلِّيَا مَعًا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَوَزَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَابَهُ، وَأَغْلَقَا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْحُرُّ بِهَا، وَإِنْ انْفَرَدَ الْحُرُّ بِتَوَلِّي ذَلِكَ ضَمِنَ رَأْسَ الْمَالِ إنْ هَلَكَ وَخَسِرَ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ عَبْدَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ تَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَبْدِ فِي ضَيَاعِ مَالِ الْحُرِّ، وَانْظُرْ لَوْ غَرَّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) اقْتَضَى كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ وَتَوَكُّلَهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا لَهُ التَّوْكِيلَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بَلْ أُخِذَ بِجَوَازِ تَوْكِيلِهِ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي وَفِي تَوْكِيلِهِ خِلَافٌ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهُ
كَمَا سَيَأْتِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهَا أَنْ تُوَكِّلَ فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا انْتَهَى.
بَلْ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا قِيَامٌ فِي ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ: وَلَيْسَ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَصِيِّ الْقِيَامُ عَمَّنْ فِي نَظَرِهِمَا مِنْ ابْنَةٍ، أَوْ يَتِيمَةٍ إذَا أَضَرَّ بِهَا زَوْجُهَا فِي نَفْسِهَا إلَّا بِتَوْكِيلِهَا ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَقَامَتْ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يُطَالِبَ زَوْجَهَا بِالْكَالِئِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلِهَا إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ سَفَهُهَا انْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ خِلَافٌ اُنْظُرْهُ فِي بَابِ الصَّدَاقِ، وَقَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَقِّ مَحْجُورِهِ مَنْ يَطْلُبُ حُقُوقَهُ وَلَا يَجْعَلُ لَهُ الْإِقْرَارَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ فِي بَابِ الْوَصَايَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا: مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْمَحْجُورِ طَلَبُ حُقُوقِهِ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي حُضُورِ وَصِيِّهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ شَاسٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ، وَمَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ وَبِامْتِنَاعِ تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي تَوْكِيلِ بِكْرٍ مَنْ يُخَاصِمُ لَهَا، تَوْكِيلُهَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَلِي مِثْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِهَا إنَّمَا يَلِيهِ وَصِيُّهَا، أَوْ مَنْ يُوَكِّلُهُ السُّلْطَانُ وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوهِمُ صِحَّةَ وَكَالَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَفِي عِتْقِهَا الثَّانِي إنْ دَفَعَ الْعَبْدُ مَالًا لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيُعْتِقَهُ فَفَعَلَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، فَإِنْ اسْتَثْنَى مَالَهُ لَمْ يَغْرَمْ الثَّمَنَ ثَانِيًا وَإِلَّا غَرِمَهُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدَ، وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الْعِتْقِ مَا هُوَ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَالَ فِيهِ: إنْ دَفَعَ عَبْدٌ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ اشْتَرِنِي لِنَفْسِي فَاشْتَرَاهُ لِنَفْسِ الْعَبْدِ وَاسْتَثْنَى مَالَهُ كَانَ حُرًّا، وَلَا رُجُوعَ لِبَائِعِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ وَوَلَاؤُهُ لِبَائِعِهِ ابْنُ رُشْدٍ.
مَرَّضَ الْأَصِيلِيُّ هَذَا الشِّرَاءَ بِأَنَّ وَكَالَةَ الْعَبْدِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِلْعَبْدِ كَانَ لَهُ رَدُّ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ فَلَا كَلَامَ لَهُ (قُلْت) : كَانَ يَجْرِي لَنَا الْجَوَابُ عَنْ تَعَقُّبِ الْأَصِيلِيِّ بِأَنَّ حَجْرَ الْعَبْدِ إنَّمَا هُوَ مَا دَامَ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ وَهُوَ بِبَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، وَصَحَّ تَوْكِيلُهُ، وَلَزِمَ عِتْقُهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهَا فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ: مَضَى نِكَاحُهُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ فَسْخُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِمِلْكِهِ بِرَدِّهِ مُبْتَاعَهُ بِعَيْبٍ فِي نِكَاحِهِ انْتَهَى وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ لَمْ أَجِدْهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَسْأَلَةُ وَكَالَةِ الْبِكْرِ فِي الْخُصُومَةِ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْبِكْرَ لَا تَلِي ذَلِكَ يَعْنِي الْمُخَاصَمَةَ قَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مُعِينِ الْحُكَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي جَوَابِ الْأَصِيلِيِّ وَهُوَ بِبَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَصَحَّ تَوْكِيلُهُ وَلَزِمَ عِتْقُهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بَاطِلٌ عَلَى مَا يَقُولُ الْأَصِيلِيُّ قَبْلَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ الْوَاقِعِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ الْبَيْعُ وَخَرَجَ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ فَلَا حَاجَةَ إذًا إلَى تَصْحِيحِ التَّوْكِيلِ، أَوْ عَدَمِ تَصْحِيحِهِ وَفِي قِيَاسِهِ، أَوْ تَشْبِيهِهِ بِمَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْعَبْدِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَذَلِكَ بَيِّنٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّ تَوْكِيلَهُ لَا يَجُوزُ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ شِرَاءُ فُضُولِيٍّ وَهُوَ جَائِزٌ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِذَا أَمْضَاهُ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَهُ مَضَى وَصَحَّ الْعِتْقُ وَفَاعِلُ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَاسْتَثْنَى مَالَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ الْمِائَةَ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا مَنْعُ كَوْنِ الْوَكِيلِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ (قُلْت) : وَعَلَيْهِ عَمِلَ أَهْلُ بَلَدِنَا، وَظَاهِرُ كِتَابِ الْمِدْيَانِ جَوَازُهُ فِيهَا مِنْهُ مَا نَصُّهُ قُلْت: إنْ دَفَعَ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ بِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ثُمَّ
لَحِقَهُمَا دَيْنٌ أَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ فِي الْمَالِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِمَا وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا (قُلْت) : ظَاهِرُهُ جَوَازُ تَوْكِيلِهِمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَخْذِ الْمَشَايِخِ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْمُدَوَّنَةِ الْأَحْكَامَ وَيُؤَيِّدُهُ سَمَاعُ أَصْبَغَ فِي الْعِتْقِ أَنَّ مَنْ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَا أَعْتَقَ ابْنِي، أَوْ أَحْدَثَ رَقِيقِي فَأَمْرُهُ جَائِزٌ وَابْنُهُ سَفِيهٌ ثُمَّ بَاعَ ابْنُهُ مِنْ رَقِيقِ أَبِيهِ عَشَرَةً جَازَ بَيْعُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ كُرِهَ إلَّا أَنْ يَبِيعَ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ مُحَابَاةٍ بَيِّنَةٍ وَوَكَالَةُ السَّفِيهِ كَغَيْرِهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا إشْكَالَ، وَالتَّوْكِيلُ فِي الْحَيَاةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِمَالِ وَلَدِهِ لَا تَجُوزُ لِسَفِيهٍ بِخِلَافِ وَصِيَّةٍ بِتَنْفِيذِ ثُلُثِهِ إلَى سَفِيهٍ، أَوْ غَيْرِ عَدْلٍ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ثُلُثَهُ لَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ دُيُونٍ لَهُ صَبِيًّا قَبْلَ بُلُوغِهِ فَقَبْضُهُ بَرَاءَةٌ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ رَضِيَهُ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ انْتَهَى.
وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ: فَمَا لَحِقَهُمَا مِنْ دَيْنٍ فِيهِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ خَاصَّةً، وَلَا يَلْزَمُ ذِمَّتَهُمَا، وَلَا ذِمَّةَ الدَّافِعِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الْعِتْقِ إنَّمَا رَأَيْته فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ هَذَا بَيِّنٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ مَنْ رَضِيَ تَوْكِيلَهُ مِنْ رَشِيدٍ، أَوْ سَفِيهٍ، فَيَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلِ السَّفِيهِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلِ الرَّشِيدِ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ سَلْمُونٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ لِنَفْسِهِ فَإِنْ قُلْت: يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَكَّلَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ لِيُسْلِمَ لَهُ فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ عَوَّضَ قَوْلَ التَّوْضِيحِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِإِذْنِ سَيِّدِ الْعَبْدِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ وَأَنْ يُوَكِّلَ عَلَى السَّلَمِ بِإِذْنِهِ انْتَهَى.
وَعِبَارَتُهُ، أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَرْتهَا وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُؤَلِّفُ مِنْ الْجَوَابِ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ رَأَيْت مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: أَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا أَجْرَ عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الْخَفِيفِ مِنْ الْعَمَلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُودَعُ فَيَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ أُجْرَةٌ يَدْفَعُهَا مَنْ وَكَّلَهُ إلَى سَيِّدِهِ الشَّيْخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ ذَلِكَ لَا خَطْبَ لَهُ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَتَى إلَى مَنْزِلِ الْعَبْدِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي مُنَاوَلَةِ الْقَدَحِ وَالنَّعْلِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمَشَذَّالِيِّ قَالَ: قَوْلُهُ " أَوْ مَحْجُورٌ " لَمْ يَتَكَلَّمْ هُنَا هَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُوَكِّلَ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ إنْ كَانَ عَمَلٌ لَهُ بَالٌ فَلَهُ قِيمَةُ عَمَلِهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فَلَا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَنْ وَكَّلَ عَبْدًا فَأَسْلَمَ لَهُ فِي طَعَامٍ مَضَى وَالسَّلَمُ لِلْآمِرِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا كَانَ لِسَيِّدِهِ إجَارَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا وَفَعَلَ ذَلِكَ لِيُصْلِحَ بِهِ وَجْهَهُ فِي تِجَارَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي إجَارَتِهِ ذَلِكَ يَسِيرَةٌ انْتَهَى.
مِنْ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي الْخِصَامِ فِي تَخْلِيصِ مَالِهِ، وَطَلَبِ حُقُوقِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَيَصِحُّ عَلَى مَا قَالَهُ فِي اللُّبَابِ وَنَقَلَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ إنَّ غَيْرَهُ خَالَفَهُ فِيهِ، وَأَمَّا تَوْكِيلُهُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَالِهِ
فَلَا يَجُوزُ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا بَعْدَ الْبَحْثِ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الَّتِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا فَيَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ بَلْ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا كَوْنُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكِيلًا فَيَجُوزُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي اللُّبَابِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ بَلَدِنَا وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، وَتَابِعِيهِ كَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمْ فَتَحَصَّلَ فِي ذَلِكَ.
طَرِيقَانِ، وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا الْمَنْعُ مِنْ تَوْكِيلِهِ وَتَوَكُّلِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ كَمَا عَلِمْت لَكِنْ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا عَدَا تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الشَّرِكَةِ ابْتِدَاءً الْجَوَازُ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَزِمَتْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ كَجُزْأَيْهَا الْبَيْعِ، وَالْوَكَالَةِ وَعُرُوضُ مَا يُوجِبُهَا بَعِيدٌ بِخِلَافِ مُوجِبِ حُرْمَتِهَا، وَكَرَاهَتِهَا، وَدَلِيلُهَا الْإِجْمَاعُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا» ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَصَحَّحَهُ بِسُكُوتِهِ عَنْهُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَاللَّخْمِيُّ وَشُرَّاحُ الْمُدَوَّنَةِ آيَاتٍ، وَأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى الْأَصْلِ فِي الشَّرِكَةِ كَآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَقَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الزمر: 29] وَقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] وَحَدِيثِ «أَيُّمَا دَارٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» وَحَدِيثِ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: 19] ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَدِيثُ السَّفِينَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا كَمِثْلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيُضَيِّقُونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا فَإِنَّنَا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنْ عَزْوِهِ الْحَدِيثَ لِلتِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ عَبْدَ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا لُزُومُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ: الْمَذْهَبُ لُزُومُهَا بِالْعَقْدِ دُونَ الشُّرُوعِ، وَاخْتُلِفَ فِي شَرِكَةِ الْحَرْثِ هَلْ هِيَ كَشَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، أَوْ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْعَمَلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْمَذْهَبَ لُزُومُ الشَّرِكَةِ بِالْعَقْدِ دُونَ الشُّرُوعِ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَفْهُومِ السَّمَاعِ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ شَرِيكِهِ مَتَى شَاءَ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ تَجُزْ إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ وَالِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَضَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا يُخْرِجُهُ فَإِنَّمَا يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ بَقَائِهِ مَعَهُ عَلَى الشَّرِكَةِ فَصَارَ غَرَرًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: هِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْفَصِلَ مَتَى شَاءَ إلَّا الشَّرِكَةَ فِي الزَّرْعِ فَفِي لُزُومِهَا خِلَافٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ
اللَّخْمِيُّ وَخَرَّجَ قَوْلًا بِعَدَمِ لُزُومِهَا لِأَوَّلٍ نَصُّهُ مِنْ الشَّاذِّ فِي كِرَاءِ الْمُشَاهَرَةِ قَالَ: وَأَمَّا إنْ أَخْرَجَا شَيْئًا لِيَشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ كُلَّ وَاحِدٍ اشْتِرَاؤُهُ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ أَمْكَنَهُ وَلَكِنَّ اشْتِرَائَهُمَا أَرْخَصُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي شَرْطِ مَا لَا يُفِيدُ وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ الشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ كَالْبَيْعِ، وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا فِيهَا كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الْجُعْلِ وَالْقِرَاضِ وَلِعِيَاضٍ نَحْوُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمْ وَمُرَادُ ابْنِ يُونُسَ وَنَحْوُهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الضَّمَانِ أَيْ إذَا هَلَكَ شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ إنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْخَلْطِ انْتَهَى.
(قُلْت) : بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ وَصَاحِبِ الْمُعِينِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهَا تَفْسُدُ إذَا عَقَدَاهَا عَلَى التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ، أَوْ الْعَمَلِ، أَوْ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي رُءُوسِ الْأَمْوَالِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاضِلَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ فَعَمِلَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ، وَلَا أَجْرَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْ بِالْعَقْدِ لَمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَطَوَّعَ رَجَاءَ الْبَقَاءِ مَعَهُ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ فَصَارَ ذَلِكَ غَرَرًا الشَّيْخُ، كَأَنَّهُ نَوْعُ رِشْوَةٍ وَيَقُومُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ انْتَهَى.
فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ التَّبَرُّعِ بَعْدَ الْعَقْدِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقْتَضَاهُ لُزُومُ الْعَقْدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا أَيْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ عُرْفًا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَفْظًا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَمِنْ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الشَّرِكَةِ قَوْلُهُمَا اشْتَرَكْنَا إذَا فُهِمَ مِنْهُ مَقْصُودُهُمَا عُرْفًا قَالَ فِي اللُّبَابِ الصِّيغَةُ لَفْظٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى إذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي التَّصَرُّفِ لِصَاحِبِهِ، وَيَكْفِي قَوْلُهُمَا: اشْتَرَكْنَا إذَا فُهِمَ الْمَقْصُودُ عُرْفًا انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمِثْلُ الْفِعْلِ الدَّالِّ لَوْ خَلَطَا مَالَيْهِمَا وَبَاعَا انْتَهَى.
وَاعْتِرَاضُ الْبِسَاطِيِّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ كَوْنَهُ لَمْ يَقُلْ لُغَةً، أَوْ عُرْفًا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِذَهَبَيْنِ)
ش: أَرْكَانُ الشَّرِكَةِ أَرْبَعَةٌ الْعَاقِدَانِ وَالصِّيغَةُ وَالْمَحَلُّ فَلَمَّا ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ أَتْبَعَهَا بِالرَّابِعِ وَهُوَ الْمَحَلُّ وَهُوَ الْمَالُ، أَوْ الْعَمَلُ فَبَدَأَ بِالْمَالِ فَقَالَ: بِذَهَبَيْنِ، أَوْ وَرِقَيْنِ.
ص (اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا)
ش: يُرِيدُ وَوَزْنَهُمَا وَيُغْتَفَرُ التَّفَاوُتُ الْيَسِيرُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا قَصْرُ اعْتِبَارِ التَّسَاوِي بَيْنَ النَّقْدَيْنِ فِي الْوَزْنِ، وَالْقِيمَةِ لَا السِّكَّةِ وَيَسِيرُ اخْتِلَافِهِمَا فِي الصَّرْفِ لَغْوٌ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ هَاشِمِيَّةً وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِثْلَ وَزْنِهَا دَنَانِيرَ دِمَشْقِيَّةً، أَوْ أَخْرَجَ هَذَا دَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةً وَالْآخَرُ وَزْنَهَا مُحَمَّدِيَّةً وَصَرْفُهُمَا مُخْتَلِفٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي الِاخْتِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ فَيَجُوزُ وَهُمَا فِيمَا كَثُرَ كَتَفَاضُلِ الْمَالَيْنِ، وَلَوْ جَعَلَا الرِّبْحَ وَالْعَمَلَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ إذَا صَرَفَاهُمَا إلَى الْقِيَمِ وَحُكْمُهُمَا الْوَزْنُ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الصَّرْفُ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَلَوْ جَعَلَا الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ صَرْفِ كُلِّ دِينَارٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَصُورَةُ قَدْرِ الْقِيمَةِ أَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَةُ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَيُقَالُ: عَشَرَةٌ وَمَا قِيمَةُ الْيَزِيدِيَّةِ فَيُقَالُ: خَمْسَةٌ فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ نَزَلَ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ بِعَيْنِهِ فِي سِكَّتِهِ، وَكَانَ الرِّبْحُ بِقَدْرِ وَزْنِ رَأْسِ مَالِهِ لَا عَلَى فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ لَعَلَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ سُوقُ السِّكَّتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الشَّرِكَةِ إلَى يَوْمِ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَيَظْلِمُ الَّذِي زَادَ سُوقُ سِكَّتِهِ صَاحِبَهُ إذَا أَعْطَاهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا دَفَعَ انْتَهَى.
، وَانْظُرْ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشَّرِكَةِ
فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّتَانِ مُتَّفِقَتَيْ الصَّرْفِ يَوْمَ الشَّرِكَةِ جَازَ فَإِنْ افْتَرَقَا، وَقَدْ حَالَ الصَّرْفُ لَمْ يُنْظَرْ إلَى ذَلِكَ وَيَقْتَسِمَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا عَرْضًا كَانَ، أَوْ طَعَامًا، أَوْ عَيْنًا انْتَهَى.
ص (وَبِعَيْنٍ وَبِعَرْضٍ)
ش: يُرِيدُ: وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ طَعَامًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ، أَوْ بِعَيْنٍ وَعَرْضٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَمِ، وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ الرِّبْحُ وَالْعَمَلُ انْتَهَى.
ص (وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَحْضَرَ لَا فَاتَ) ش هُوَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْعَرْضَيْنِ، وَإِلَى مَسْأَلَةِ الْعَيْنِ، وَالْعَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَعْنَى وَكُلُّ مَنْ أَخْرَجَ عَرْضًا فَهُوَ شَرِيكٌ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ أَحْضَرَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَاسِدَةِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْفَوْتِ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَبْيَنُ مِنْهَا إذْ قَالَ فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِهِ مَا بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ، وَقَالَ الصَّقَلِّيَّانِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُس: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا مَا بِيعَتْ بِهِ سِلْعَتُهُمَا
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ عَرْضِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ خَلَطَا الطَّعَامَيْنِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا بِيعَ بِهِ طَعَامُهُ إذْ هُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَبِيعَ، وَلَوْ خَلَطَاهُ قَبْلَ الْبَيْعِ جَعَلْتُ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمَ خَلَطَاهُ انْتَهَى.
ص (إنْ خَلَطَا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّبْحِ، وَإِلَى الْخَسَارَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي الِانْعِقَادِ فِي التَّوَى أَيْ الْهَلَاكِ لَا فِي النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ قَبْلَ الْخَلْطِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَمَا ضَاعَ فَهُوَ مِنْ صَاحِبِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي شَرْطِ ثُبُوتِ لَازِمِهَا وَهُوَ ضَمَانُ الْمُشْتَرَكِ مِنْهُمَا بِالْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ فَضْلًا عَنْ الْحِسِّيِّ، أَوْ بِالْحِسِّيِّ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فِيهَا وَالْحُكْمِيُّ كَوْنُ الْمَالَيْنِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ، وَلَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ، أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ تَرَدُّدٌ) ش: الْأَلْيَقُ بِاصْطِلَاحِهِ أَنْ يَقُولَ
تَأْوِيلَانِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَقِيَتْ كُلُّ صُرَّةٍ بِيَدِ رَبِّهَا حَتَّى ابْتَاعَ بِهَا أَمَةً عَلَى الشَّرِكَةِ وَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى وَالْمَالَانِ مُتَّفِقَانِ فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا وَالصُّرَّةُ مِنْ رَبِّهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُهُ فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا عَلَى الشَّرِكَةِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ اشْتَرَى الْأَمَةَ بَعْدَ التَّلَفِ عَالِمًا بِهِ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا، أَوْ يَدَعَهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ حَتَّى اشْتَرَى فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثُمَّ تَلِفَتْ صُرَّةُ الْأَخِيرِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلِابْنِ رُشْدٍ عَكْسُ هَذَا قَالَ إنْ اشْتَرَى بَعْدَ التَّلَفِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا اشْتَرَاهُ، أَوْ يَنْفَرِدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت تَلَفَهُ لَمْ أَشْتَرِ إلَّا لِنَفْسِي، وَمَا اشْتَرَى بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِتَلَفِ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً اهـ. فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بِالسَّالِمِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحِلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّالِفِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِالتَّالِفِ فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا: إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى لِلشَّرِكَةِ وَلَمْ يَدَّعِ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ فَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَأَنَّهُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْهُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، أَوْ مُطْلَقًا هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ اشْتَرَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّلَفِ، أَوْ قَبْلَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالتَّلَفِ يُخَيِّرُ الشَّرِيكَ الَّذِي تَلِفَتْ صُرَّتُهُ فِي أَنَّهُ يُشَارِكُهُ، أَوْ يَدَعُهَا لَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ)
ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ لَا يُفْسِدُهَا أَنْ يُعَيِّنَ كُلٌّ صِنْفًا لِلْآخَرِ يَعْمَلُ فِيهِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي غَيْرِهِمَا فِي الْعَمَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إنْ عَمِلَ كُلٌّ فِي مَالٍ لِنَفْسِهِ لَا يُفْسِدُهَا إذَا اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ الشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ إذَا كَانَ الْمُنْفَرِدَانِ قَرِيبَيْنِ فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قُلْت: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ كُلًّا انْفَرَدَ لِيُوَافِقَ النَّقْلَ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِشَيْءٍ وَأَنَّ النَّقْلَ كَذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ نَصُّهَا قَالَ فِيهَا: وَيَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا عَيْنٌ، أَوْ عَرْضٌ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ الْمُعَاوَضَةَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يُفْسِدُهَا عِنْدَنَا وُجُودُ مَالٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى حِدَتِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْ اسْتَأْلَفَ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا غَرِيمًا بِدَيْنٍ، أَوْ وَضَعَ لَهُ مِنْهُ نَظَرًا، أَوْ اسْتِئْلَافًا فِي التِّجَارَةِ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ وَمَا صَنَعَهُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ، أَوْ وَكِيلٍ لَمْ يَلْزَمْ وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ وَيَرُدُّهُ صَنِيعُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَضْمَنُهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: تَأْخِيرُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا يَجُوزُ وَلِشَرِيكِهِ أَنْ يَرُدَّ التَّأْخِيرَ فِي نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَأَمَّا نَصِيبُ صَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا فِي قِسْمَةِ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ مَضَى التَّأْخِيرُ فِي نَصِيبِ مَنْ أَخَّرَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَقَالَ مَنْ أَخَّرَ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ الشَّرِكَةِ رَدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِتَأْخِيرِهِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ أَخَّرَ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ فَإِنْ أَعْسَرَ الْغَرِيمُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ ضَمِنَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُ إرَادَةَ الِاسْتِئْلَافِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى
شَرِيكِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَخَّرَ إذَا أَعْسَرَ الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مِمَّنْ يُخْشَى عَدَمُهُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْأَدَاءِ فَيَرُدُّ التَّأْخِيرَ وَيُعَجِّلُ جَمِيعَ الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى أَعْسَرَ ضَمِنَ الشَّرِيكُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ عَقِبَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِئْلَافِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَلَيْسَ هَذَا دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ وَلِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَرْجُو بِهِ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَقَدْ يُعَامِلُهُ هَذَا الْغَرِيمُ، أَوْ لَا يُعَامِلُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَشْهَدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا قَالَهُ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَخَّرَهُ اسْتِئْلَافًا وَنَصُّهُ: وَمَنَعَ سَحْنُونٌ مِنْ التَّأْخِيرِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ لِمَنْفَعَةِ الِاسْتِئْلَافِ فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مُحَقَّقَةِ الْحُصُولِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْحُرِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِالْأَثْمَانِ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ مَحْمَدَةِ الثَّنَاءِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَدُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى سَحْنُونٍ يُرَدُّ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِنَفْيِ تَحَقُّقِ الْمَنْفَعَةِ نَفْيَ ظَنِّهَا مُنِعَ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ عِلْمِهَا لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ كَافٍ وَقَوْلُهُ بِجَوَازِهِ فِي الْحُرِّ طَلَبًا لِلثَّنَاءِ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ إنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِي الْمَنْعِ يَرُدُّهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَقَوْلُهُ إنَّهُ فِي الْحُرِّ مَمْنُوعٌ لِطَلَبِ الثَّنَاءِ يَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ يَرْجُو بِهِ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ وَضَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ كَانَ الْجَوَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّأْخِيرِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ يُمْضِي نَصِيبَ الَّذِي وَضَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَجُوزُ إنْ أَرَادَ الِاسْتِئْلَافَ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ فِيهَا حَطٌّ فَيَرِدُ الزَّائِدَ عَلَى مَا يُرَادُ بِهِ الِاسْتِئْلَافُ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ مِقْدَارَ التَّبَرُّعِ لِأَجْلِ الِاسْتِئْلَافِ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ خَفَّ كَإِعَارَةِ آلَةٍ، أَوْ دَفْعِ كِسْرَةٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُعِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكُهُ، أَوْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا كَعَارِيَّةِ غُلَامٍ لِيَسْقِيَ دَابَّةً، وَنَحْوَهُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَالْعَارِيَّةُ مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اسْتِئْلَافَ التِّجَارَةِ، وَإِنْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَعَانَ عَلَى الْمَعْرُوفِ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلِاسْتِئْلَافِ فَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى.
ص (وَيُبْضِعُ وَيُقَارِضُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ وَيُقَارِضَ دُونَ إذْنِ الْآخَرِ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ وَاسِعًا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَنْهُمَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ نَظَرِهِ إلَّا بِرِضَا شَرِيكِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ بَارَ عَلَيْهِمَا، وَبَلَغَهُ عَنْ بَلَدٍ نَفَاقٌ، وَلَا يَجِدُ إلَى السَّفَرِ بِهِ سَبِيلًا، أَوْ يَبْلُغُهُ عَنْ سِلَعٍ نَفَاقٌ بِبَلَدٍ فَيَبْعَثُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُبْعَثَ بِهِ مِنْ مِثْلِ مَا بِأَيْدِيهِمَا وَمِثْلُ هَذَا يُعْرَفُ عِنْدَ النُّزُولِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وِفَاقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَبْضَعَ أَحَدُهُمَا مَعَ رَجُلٍ دَنَانِيرَ مِنْ الشَّرِكَةِ ثُمَّ عَلِمَ الرَّجُلُ بِمَوْتِ الَّذِي أَبْضَعَهَا مَعَهُ، أَوْ بِمَوْتِ شَرِيكِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الشَّرِكَةِ فَلَا يَشْتَرِي بِهَا شَيْئًا وَلْيَرُدَّهَا عَلَى الْبَاقِي، وَإِنْ بَلَغَهُ افْتِرَاقُهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُمَا بَعْدُ وَفِي الْمَوْتِ يَقَعُ بَعْضُهُ لِلْوَرَثَةِ وَهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَلَا يَشْتَرِي بِنَصِيبِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مُشَاعٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلْمُبْضَعِ مَعَهُ أَنْ يُقَسِّمَ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ عَلِمَ فِي الْمَوْتِ أَنَّ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ الْمُفَاوَضَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إنْ مَاتَ الْمُبْضِعُ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَمْ يُبْضِعْ كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ، أَوْ مِمَّا يَخُصُّهُ لَمْ يَشْتَرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْكَشْفِ بَعْدَ الْوُصُولِ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا الْأَخِيرَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ هَلْ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ]
(فَرْعٌ) يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَنُوبُ
عَنْهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ: فَصْلٌ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخْرَجَ مِائَتَيْ دِينَارٍ يُشَارِكُ بِهَا رَجُلًا لَهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَكَانَ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ ضَمَّ غُلَامَيْنِ لَهُ يَعْمَلَانِ عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا نُقْصَانٌ: إنَّ النَّقْصَ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِلشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَدَلُوا فِي الْأَبْدَانِ قَدْ أَقَامَ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ رَجُلَيْنِ مَقَامَهُ قَالَ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ إذَا كَانَ الْغُلَامَانِ يُحْسِنَانِ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ كَانَا يَخْدُمَانِ كَانَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الْمِائَتَيْنِ، وَعَلَى إجَارَةِ الْغُلَامَيْنِ فِيمَا يَنُوبُهُ مِنْ خِدْمَتِهِمَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَوَازُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا، وَنَصُّهَا فِي رَسْمِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ قِيلَ لِأَشْهَبَ: إنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ أَجِيرَيْنِ فَاشْتَرَكَا فِيمَا يَكْسِبَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَأْجِرٌ لِأَجِيرِهِ عَلَى حِدَةٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَجِيرَانِ يَعْمَلَانِ جَمِيعًا عَمَلًا وَاحِدًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَيَدِ مُسْتَأْجِرٍ فَإِذَا تَعَاوَنَ أُجَرَاؤُهُمَا فِي الْعَمَلِ كَانَ كَتَعَاوُنِهِمَا أَنْفُسِهِمَا فِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ وَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأُجْرَةَ لِشَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ جَمِيعَهُ؟ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيُودِعُ لِعُذْرٍ وَإِلَّا ضَمِنَ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُودِعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْوَدِيعَةَ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ مَاتَ الْمُودِعُ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ شَرِيكًا، أَوْ مُفَاوِضًا انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا إيدَاعُهُ فَإِنْ كَانَ لِوَجْهِ عُذْرٍ لِنُزُولِهِ بَلَدًا يَرَى أَنْ يُودِعَ إذْ مَنْزِلُهُ الْفَنَادِقُ، فَذَلِكَ لَهُ وَأَمَّا إنْ، أَوْدَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ فَذَلِكَ لَهُ أَيْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُ لِيَرْفَعَ إيهَامَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلَا إذْنٍ، وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ) ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا مَا حَمَلَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَالِ الشَّرِكَةِ فَتَلِفَ فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَقُولُ كُنْتَ اسْتَأْجَرْتَ لَأَنْ لَا أَضْمَنَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا بِالتَّعَدِّي قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ تَكَلَّمَ فِي الدَّابَّةِ، وَهَذَا خِلَافُ أَصْلِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ