مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 449-34
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 449-34
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي فَصْلِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ قَالَهُ فِي رَسْمِ يُوصِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ فَرَاجِعْهَا

ص (وَإِنْ قَالَ: بِمِائَةٍ لَبُرْقَة، وَقَالَ بَلْ لِإِفْرِيقِيَّةَ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ عُلِمَ السَّيْرُ) ش قَالَ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَيَبْدَأُ صَاحِبُ الظَّهْرِ بِالْيَمِينِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ: سَمِعْت شَيْخَنَا يَنْقُلُ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِفْرِيقِيَّةَ حَيْثُ مَا وَقَعَتْ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَيْرَوَانُ.

ص (وَإِنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا، وَقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ، فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ وَحَلَفَا وَفُسِخَ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَدْ فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ، وَلِلْمُكْرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذَكَرَ بَعْدَ يَمِينِهِمَا، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) ش: اعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنَّمَا كَانَ فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي

هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسَافَةِ، وَفِي قَدْرِ الْكِرَاءِ مَعًا، وَقَدْ اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ الْكَلَامَ فِيهَا تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ، فَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مَا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوبِ بِيَسِيرٍ، أَوْ بَعْدَ رُكُوبٍ كَثِيرٍ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا إذَا تَخَالَفَا قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوبِ الْيَسِيرِ التَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُحُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا بَعْدَ الرُّكُوبِ الْكَثِيرِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَا إذَا بَلَغَا الْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَحَلَفَا فُسِخَ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا الْمَدِينَةَ يُرِيدُ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ النَّقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ انْتَقَدَ الْجَمَّالُ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ الْكَرِيُّ: أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْنِ، وَقَدْ بَلَغَاهَا، وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ، فَإِنْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ، وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهِ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُمَا، أَوْ قَوْلُ الْجَمَّالِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِيمَا اُنْتُقِدَ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ مَا اُنْتُقِدَ كُلَّ الَّذِي اُدُّعِيَ، أَوْ بَعْضَهُ وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِيمَا لَمْ يُنْقَدْهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ خِلَافُ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ: هَذَا إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَاهُ جَمِيعًا، وَأَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَيَكُونُ لَهُ الْمِائَةُ قَالَهُ فِيمَا يَأْتِي إذَا لَمْ يُنْقَدْ فَأَحْرَى إذَا اُنْتُقِدَ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا: وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ عَائِدًا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي مَسْأَلَةَ الِانْتِقَادِ وَعَدَمِ الِانْتِقَادِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَتُفَضُّ الْمِائَةُ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ، فَمَا نَابَ الْمَسَافَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا كَانَ لِلْكَرِيِّ، وَمَا نَابَ الْمَسَافَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا رَدَّهُ الْكَرِيُّ عَلَى الْمُكْتَرِي يُرِيدُ بَعْدَ حَلِفِ الْجَمَّالِ عَلَى أَنَّ الْكِرَاءَ إنَّمَا كَانَ لِلْمَدِينَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ نَكَلَ الْمُكْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْرِي، وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَكَّنَّهُ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَيَكُونُ لِلْكَرِيِّ فِي الْمَسَافَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كِرَاءُ الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُنْقَدْ هَذَا هُوَ الشِّقُّ الثَّانِي مِنْ شِقَّيْ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا الْمَدِينَةِ يُرِيدُ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ وَلَكِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ الْكِرَاءُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ، وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذَكَرَا بَعْدَ يَمِينِهِمَا، وَهَذَا الْحُكْمُ إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي وَحْدَهُ، أَوْ أَشْبَهَ قَوْلُهُمَا مَعًا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَيُفَضُّ الْكِرَاءُ عَلَى مَا يَدَّعِي الْمُكْتَرِي، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: وَذَلِكَ إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَا، أَوْ مَا قَالَ الْمُكْتَرِي، وَأَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ انْفَرَدَ الْمُكْتَرِي بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينُهُ وَيُفَضُّ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ فَمَا نَابَ مَسَافَةَ الْمَدِينَةِ كَانَ لِلْكَرِيِّ، وَمَا نَابَ مَسَافَةَ مَكَّةَ سَقَطَ عَنْ الْمُكْتَرِي، وَيَكُونُ لَهُ الرُّكُوبُ إلَى الْمَدِينَةِ إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ مَا ادَّعَاهُ، وَبَقِيَ وَجْهٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ أَنْ يَتَحَالَفَا، وَيَكُونُ لِلْكَرِيِّ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي الْمَسَافَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمَا قُبِلَ عَلَيْهِ قَوْلُ صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ

نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِلَّا سَقَطَتَا إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى غَيْرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَقْبَلُ بَيِّنَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا كَانَتْ عَادِلَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ادَّعَى فَضْلَةً أَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً فَأَقْضِي بِأَبْعَدِ الْمَسَافَتَيْنِ، وَبِأَكْثَرِ الثَّمَنَيْنِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ، وَسَوَاءٌ اُنْتُقِدَ، أَوْ لَمْ يُنْتَقَدْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ: وَإِنْ طَلَبَ الْجَمَّالُ نَقْدَ الْكِرَاءِ قَبْلَ الرُّكُوبِ، أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْقَرِيبِ فَامْتَنَعَ الْمُكْتَرِي حُمِلَا عَلَى سُنَّةِ النَّاسِ فِي نَقْدِ الْكِرَاءِ، أَوْ تَأْخِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ كَانَ كَالسُّكْنَى لَا يُعْطِيهِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا سَكَنَ، وَإِنْ عُجِّلَ الْكِرَاءُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا نَقْدَ الْبَلَدِ الَّذِي بَلَغَا إلَيْهِ وَطَلَبَ الْآخَرُ نَقْدَ بَلَدِ التَّعَاقُدِ قُضِيَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الْكِرَاءَ انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْمَشَذَّالِيِّ فِي هَذَا الْمَحِلِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ اخْتِلَافَهُمَا فِي كِرَاءِ الدُّورِ وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ (فَائِدَةٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يُقَالُ: الْكَرِيُّ وَالْمُكَارِي وَالْمُكْرِي لِبَائِعِ الْمَنَافِعِ، وَيُقَالُ الْمُكْتَرِي وَالْمُتَكَارِي لِمُشْتَرِيهَا حَيْثُ دَخَلَتْ التَّاءُ فَهُوَ مُشْتَرِي الْمَنَافِعِ، وَجَمْعُ الْمُكْرِي مُكْرُونَ، وَجَمْعُ الْكَرِيِّ أَكْرِيَاءٌ، وَجَمْعُ الْمُكْتَرِي مُكْتَرُونَ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ قَالَ: اكْتَرَيْت عَشْرًا بِخَمْسِينَ، وَقَالَ بَلْ خَمْسًا بِمِائَةٍ حَلَفَا وَفُسِخَ) ش: يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ، وَلَمْ يَزْرَعْ شَيْئًا يُبَيِّنُهُ مُقَابِلَتُهُ لَهُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ زَرَعَ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا أَبُو الْحَسَنِ، وَلَا يُرَاعَى الْأَشْبَهُ وَظَاهِرُهُ اُنْتُقِدَ أَمْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّقْدَ فَوْتًا انْتَهَى.
ص (إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ) ش: أَيْ إنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلِرَبِّهَا فِيمَا مَضَى مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي إنْ أَشْبَهَ تَغَابُنَ النَّاسِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ، وَإِنْ أَشْبَهَ مَعَ ذَلِكَ قَوْلَ الْآخَرِ فَهَذَانِ وَجْهَانِ انْتَهَى.
الْأَوَّلُ: إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فَقَطْ الثَّانِي: إذَا أَشْبَهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلُهُ: فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّهَا إنْ أَشْبَهَ) ش: يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ أَيْ قَوْلُ الْمُكْتَرِي قَبْلَ قَوْلِ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ يُرِيدُ، أَوْ نَكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا، وَهَذَا، وَهَذَا وَجْهٌ ثَالِثٌ انْتَهَى وَالرَّابِعُ: إذَا أَتَيَا مَعًا بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقًا) ش: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُفْسَخُ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي فِي الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ.

ص (وَإِنْ نُقِدَ فَتَرَدَّدَ) ش: أَجْمَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذِكْرِ هَذَا التَّرَدُّدِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ شُرَّاحُهُ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَشُرَّاحِهَا قَالَ فِيهَا فِي كِرَاءِ الدُّورِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَفْهُومُهُ لَوْ نُقِدَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهَا، وَلَا يُفْسَخُ بَقِيَّةُ الْخَمْسِ سِنِينَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ الْغَيْرِ وَمُخَالِفًا لِقَوْلِهِ: وَيُفْسَخُ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْقَدْ أَيْ هَذَا الَّذِي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ إذَا اُنْتُقِدَ، وَالْحُكْمُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِيهِمَا لَكِنْ يُعْتَرَضُ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ مُصَدَّقٌ فِي الْغَايَةِ فِيمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ إذْ هَذَا الْكَلَامُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ إذَا اُنْتُقِدَ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَهَذَا يُعْطِي سَمَاعَهُ لِلْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهَذَا إذَا زَرَعَ سَنَةً، أَوْ سَنَتَيْنِ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَكْرَارًا انْتَهَى.
وَنَصُّ قَوْلِ الْغَيْرِ فِيهَا قَالَ غَيْرُهُ: إذَا اُنْتُقِدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يُشْبِهُ مِنْ الْمُدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُشْبِهُ وَأَتَى الْمُكْتَرِي بِمَا يُشْبِهُ صُدِّقَ فِيمَا سَكَنَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ الْمَالِ عَلَى رَبِّهَا بَعْدَ يَمِينِهِ عَلَى مَا ادَّعَى عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْمُكْرِي فِيمَا ادَّعَى عَلَيْهِ

مِنْ طُولِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَحَالَفَا، وَفُسِخَ الْكِرَاءُ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي قِيمَةُ كِرَاءِ مَا سَكَنَ، وَإِنْ أَتَيَا بِمَا يُشْبِهُ صُدِّقَ رَبُّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ اُنْتُقِدَ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى.
فَجَعَلَهُ إذَا أَتَى رَبُّ الْأَرْضِ بِمَا يُشْبِهُ لَا يَنْفَسِخُ، وَكَذَا إذَا أَتَيَا مَعًا بِمَا يُشْبِهُ، فَيَكُونُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا لَمْ يُنْتَقَدْ فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُنْتَقَدْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ اُنْتُقِدَ فَلَا يُفْسَخُ يُرِيدُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُفْسَخُ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ قَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافًا، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْغَيْرُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا قَوْلَهُ: إذَا أَشْبَهَ قَوْلُ رَبِّهَا، أَوْ أَشْبَهَ مَا قَالَا أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْكُنَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي فَهَذَا يُخَالِفُ فِيهِ ابْنَ الْقَاسِمِ وَيَرَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَسِلْعَةٍ قَائِمَةٍ لَمْ تُقْبَضْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْجَعَالَةِ]

[بَابٌ صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا]

ص (بَابٌ) (صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا عُلِمَ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْجُعْلُ عَلَى عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْ مَحَلِّهِ بِهِ لَا يَجِبُ إلَّا بِتَمَامِهِ لَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، فَيَخْرُجُ كِرَاءُ السُّفُنِ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ وَقَوْلُنَا بِهِ خَوْفَ نَقْضٍ عَكَسَهُ بِقَوْلِهِ: إنْ أَتَيْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَمَلُهُ كَذَا، أَوْ خِدْمَتُهُ شَهْرًا؛ لِأَنَّهُ جُعْلٌ فَاسِدٌ لِجَهْلِ عِوَضِهِ وَالْمَعْرُوفُ حَقِيقَتُهُ الْمَعْرُوضَةُ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، أَوْ جَزَاءٌ مِنْهُ مُعَاوَضَةً عَلَى عَمَلِ آدَمِيٍّ يَجِبُ عِوَضُهُ بِتَمَامِهِ لَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَتَخْرُجُ الْمُسَاقَاةُ وَالْإِجَارَاتُ لِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ بِبَعْضِهِ فِيهِمَا، وَالْقِرَاضُ لِعَدَمِ وُجُوبِ عِوَضِهِ لِجَوَازِ تَجْرِهِ، وَلَا رِبْحٌ وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ جَعْلُ الرَّجُلِ جُعْلًا عَلَى عَمَلِ رَجُلٍ لَوْ لَمْ يُكْمِلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُنْتَقَضُ بِالْقِرَاضِ انْتَهَى.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ لِلْعَمَلِ أَيْ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْ مَحِلِّ الْعَمَلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَتَخْرُجُ الْمُغَارَسَةُ وَالْقِرَاضُ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ نَاشِئٍ عَنْ مَحِلِّ الْعَمَلِ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ الْعِوَضُ نَاشِئًا بِسَبَبِ الْعَمَلِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَصْلُ فِي الْجَعَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وَحَدِيثُ الرُّقْيَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ قُلْت تَمَسَّكَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاخِ الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ الْجُعْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ كَوْنِ

إقْرَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ إيَّاهُ بِالضِّيَافَةِ فَأَجَازَ لَهُمْ اسْتِخْلَاصَ ذَلِكَ بِالرُّقْيَةِ رُخْصَةً اتِّفَاقًا انْتَهَى.
، وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ نَاجِي مَعَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي رَدِّ الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ، وَالصَّوَابُ مَعَ ابْنِ نَاجِي فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَكِرَاءِ السُّفُنِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي أَوَائِلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ قَالَ مَالِكٌ فِي النَّفَرِ يَتَكَارُونَ السَّفِينَةَ فَيَحْمِلُونَ فِيهَا طَعَامًا لَهُمْ، فَإِذَا بَلَغُوا، قَالَ أَوَّلُ مَنْ يَمُرُّ: بِمَنْزِلِهِ مِنْهُمْ أَنَا آخُذُ طَعَامِي فَأَخَذَ طَعَامَهُ، ثُمَّ إنَّ السَّفِينَةَ غَرِقَتْ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ لِأَصْحَابِهِ أَذِنُوا فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنُوا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْلُغَ مَعَهُمْ بِطَعَامِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَّا أَنْ يَكْتَالُوا فَيَنْقُصُ الْكَيْلُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ طَعَامِهِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّهُمْ اكْتَرَوْا السَّفِينَةَ عَلَى أَنْ يُحْمَلَ فِيهَا الطَّعَامُ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَوَجَبَ كُلَّمَا مَرَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَنْزِلِهِ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ، فَإِنْ نَقَصَ الطَّعَامُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النُّقْصَانِ بِحَسَبِ طَعَامِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ مَعَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ أَسْفَلَ الْقَمْحِ قَدْ اسْوَدَّ لِمَوْجٍ رَكِبَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَسَادَهُ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ أَخْذِ طَعَامِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ تَبِعَةٌ كَمَا لَوْ غَرِقَ الْمَرْكَبُ بَعْدَ أَخْذِهِ طَعَامَهُ فَذَهَبَ بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ حَمَلُوا الطَّعَامَ فِي سَفِينَةٍ إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ فَخَلَطُوهُ، أَوْ اخْتَلَطَ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ بِالطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُ طَعَامِهِ فَاسِدًا، أَوْ يَفْسُدَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ يَنْقُصَ فِي الْكَيْلِ، فَإِنْ أَخَذَ طَعَامَهُ مِنْ الطَّرِيقِ بِرِضَا أَصْحَابِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ تَبَاعَةٌ إنْ أَلْفَوْهُ فَاسِدًا، أَوْ نَقَصَ كَيْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي عَنْ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ، وَمَا يَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذَا فِي رَسْمِ حَلَفَ، وَفِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ مُعَارِضَةٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا تَعَارَضَ بَيْنَهُمَا، وَلَا اخْتِلَافَ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَمَلَ طَعَامًا مِنْ الرِّيفِ فِي سَفِينَةٍ فَمَرَّ بِأَخٍ لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: أَفِي سَفِينَتِكَ فَضْلٌ تَحْمِلُ لِي مِائَةَ إرْدَبٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ كَانَ الْأَوَّلُ حَمَلَ فِيهَا خَمْسَمِائَةِ إرْدَبٍّ فَأَلْقَى طَعَامَهُ مِنْ فَوْقِ طَعَامِ صَاحِبِهِ فَانْخَرَقَ الْمَرْكَبُ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي أَسْفَلِهِ فَأَصَابَ مِنْهُ نَحْوَ خَمْسِينَ إرْدَبًّا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى طَعَامِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ حَمَلَهُ فَوْقَ طَعَامِهِ الْأَوَّلِ قَالَ: أَرَاهُمَا فِي ذَلِكَ شَرِيكَيْنِ قُلْت: إنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْأَوَّلِ، قَالَ: قَدْ حَمَلَاهُ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ وَخَلَطَ ابْنُ رُشْدٍ مُضِيَّ الْقَوْلِ فِي

مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ فِي رَسْمِ أَخَذَ يُشْرِبُ خَمْرًا مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ قَالَ مَالِكٌ فِي الطَّعَامِ الَّذِي فِي السَّفِينَةِ الَّذِي فَسَدَ بَعْضُهُ، وَلَمْ يَفْسُدْ بَعْضُهُ إنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ طَعَامُهُ مَحْجُوزٌ عَلَى حِدَتِهِ قَدْ حَازَهُ بِشَيْءٍ جَعَلَهُ حَاجِزًا فِيمَا بَيْنَ الْقَمْحِ فَأَرَى أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا سَلِمَ وَمَنْ أُصِيبَ مِنْهُ بِمَا أَصَابَهُ، أَوْ اسْوَدَّ لِمَوْجٍ رَكِبَهُ فَمُصِيبَتُهُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الَّتِي حَجَزُوهَا قَدْ انْخَرَقَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى اخْتَلَطَ الطَّعَامُ كَانُوا شُرَكَاءَ جَمِيعًا فِيمَا فَسَدَ لَهُمْ وَضَاعَ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحِصَّةِ طَعَامِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ الطَّعَامَ إذَا انْخَرَقَ مَا حُجِزَ بِهِ بَيْنَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ فَاخْتَلَطَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا فَسَدَ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرِكَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الشَّرِكَةِ أَوْ يَخْتَلِطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ فِيمَا يَجِبُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ فِيهِ بِحَسَبِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَسُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَحْمِلُونَ الطَّعَامَ مِنْ الْقَمْحِ فِي السَّفِينَةِ الْوَاحِدَةِ يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ثُمَّ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ أَنْ يُعْطُوهُ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُ الطَّعَامِ فَاسِدًا، أَوْ يُمْطَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَفْسُدُ الْقَمْحُ فَلَا أَرَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ حَتَّى يَبْلُغُوا جُدَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ الْفَاسِدَ وَالْجَيِّدَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَصْحَابُهُ أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُ حَقَّهُ فَأَرَى ذَلِكَ، وَلَا أَرَى لَهُ عَلَيْهِمْ تَبَاعَةً إذَا نَزَلُوا فَوَجَدُوا الْقَمْحَ فَاسِدًا (قُلْت:) الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الطَّعَامَ فِي السَّفِينَةِ عَلَى أَنْ يَمُرُّوا لِبَلَدٍ وَاحِدٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ إذَا كَانَ قَدْ اخْتَلَطَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانُوا خَلَطُوهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَهُ يُوجِبُ اشْتِرَاكَهُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنْ يَمُرُّوا بِهِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّ مَنْ يَمُرُّ مِنْهُمْ بِمَنْزِلِهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَ طَعَامَهُ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ لِأَصْحَابِهِ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الطَّعَامُ، أَوْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لَهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْخِلَافِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا شَهَادَتُهُ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ السُّفُنَ إذَا اخْتَلَطَ فِيهَا الطَّعَامُ الْمَشْحُونُ أَنَّهُ يُقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا ذَكَرَ بَعْدَ يَمِينِهِ إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَقَالَ فِي رَسْمِ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَبْعَثُ مَعَهُ قَوْمٌ بِبَضَائِعَ لَهُمْ فِي قَمْحٍ فَيَجْمَعُ ذَهَبَهُمْ فَيَشْتَرِي لَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُصَابُ ذَلِكَ الطَّعَامُ قَالَ: لَا يُشْبِهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْت مِنْ الدَّقِيقِ، وَلَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (قُلْت:) هَذَا كَمَا قَالَ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَنْقَسِمُ بِكَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ يَشْتَرِيهِ لَهُمْ مُشَاعًا، ثُمَّ يَقْسِمُهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُقْسَمُ إلَّا بِالْقِيمَةِ فَهَذَا يُضْمَنُ قَالَ مُحَمَّدٌ: بِخِلَافِ الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ يَخْلِطُ أَمْوَالَ الْمُقَارِضِينَ فِيمَا يُقْسَمُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إلَيْهِ الْبَيْعُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْأَوَّلِ انْتَهَى.

ص (بِخِلَافِ مَوْتِهِ) ش: (فَرْعٌ:) ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَمَنْ جَعَلَ فِي آبِقٍ جُعْلًا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَلَا شَيْءَ لِمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ كَانَ لَهُ جُعَلُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْقُدُومِ فَكَمَا قَالَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ لَزِمَهُ جُعْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُ الْعَبْدِ حَتَّى يَقْبِضَ هَذَا جُعْلَهُ مُبْدَأً عَلَى الْغُرَمَاءِ أَحْمَدُ كَالْمُرْتَهِنِ انْتَهَى.

ص (فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الْإِجَارَةُ) ش:

قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْعَمَلُ، وَفِي الْجَوَاهِرِ هُوَ كُلُّ عَمَلٍ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعْلُومًا تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ احْتِرَازًا مِمَّنْ وَجَدَ آبِقًا، أَوْ ضَالًّا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَمِمَّنْ عَرَفَ مَكَانَهُ فَدَلَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الْآبِقِ: فَإِنْ طَلَبَ مَنْ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْكِتَابِ فِي شُرُوطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الْمَجْعُولَ لَهُ عَمَلُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ آبِقًا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَمَنْ رَدَّ آبِقًا، أَوْ ضَالَّةً مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ فَلَا جُعْلَ لَهُ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى دَلَالَتِهِ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى طَلَبِ عَبْدٍ يَجْهَلُ مَكَانَهُ فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالًّا، أَوْ ثِيَابًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى رَدِّهِ، وَلَا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَكَانِهِ بَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جَعَلَ رَبُّهُ فِيهِ جُعْلًا فَلَهُ الْجُعْلُ عَلِمَ بِمَا جَعَلَ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ تَكَلَّفَ طَلَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَمْ لَمْ يَتَكَلَّفْ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَ رَبُّهُ فِيهِ شَيْئًا فَانْظُرْ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُ الْإِبَاقَ، وَقَدْ عُرِفَ بِذَلِكَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ نَصَبَ لِذَلِكَ نَفْسَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نَفَقَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِهِ بَدَأَ، وَلَمْ يَبْذُلْ رَبُّهُ فِيهِ جُعْلًا، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبُغ: وَكُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِهِ: إذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْإِبَاقِ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَلَا نَفَقَةَ قَوْلًا مُجْمَلًا انْتَهَى.

[مَسْأَلَة الْآبِقُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْلَ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِ]

(مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الْآبِقُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَنَفَقَتُهُ تَسْتَغْرِقُ الْجُعْلَ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِ فَلْيَرْفَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ الْأَمْرَ لِلْقَاضِي لِيَبِيعَهُ، وَيَحْكُمَ بِجُعْلِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْجُعْلِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ انْتَهَى مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ.

[بَابٌ مَوَاتُ الْأَرْضِ]

(مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِعِمَارَةٍ وَلَوْ انْدَرَسَتْ) ش: هَذَا بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْمَوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ مَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ وَلَا بِهَا مَاءٌ وَلَا عِمَارَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا أَنْ يَجْرِيَ إلَيْهَا مَاءٌ أَوْ تُسْتَنْبَطَ فِيهَا عَيْنٌ أَوْ يُحْفَرَ فِيهَا بِئْرٌ وَيُقَالُ لَهَا مَيْتَةً وَالْمُوَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُقَالُ الْمَوْتَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْضًا الْمَوْتُ الذَّرِيعُ وَبَدَأَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَعْرِيفِ الْمَوَاتِ إمَّا لِأَنَّهُ السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ فَلِتَقَدُّمِهِ طَبْعًا قَدَّمَهُ وَضْعًا وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ مُتَّحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادٌّ لِلْمَوَاتِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ وَهُوَ تَبِعَ الْغَزَالِيَّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا وَمَوَاتُ الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: 65] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَبِعَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ الْغَزَالِيُّ وَتَرَكَا رِوَايَةَ ابْنِ غَانِمٍ وَهِيَ أَجْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ مَدْلُولِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَمُوجَبِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حَقِيقَةُ الْإِحْيَاءِ الْعِمَارَةُ وَالْمَوَاتُ مَا لَمْ يُعَمَّرْ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ وَهِيَ سَبَبٌ فِي الْمِلْكِ

وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الرِّفْقُ وَالْحَثُّ عَلَى الْعِمَارَةِ انْتَهَى.
ص (إلَّا لِإِحْيَاءٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهُ الثَّانِي بِحِدْثَانِ عَوْدِهِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَعْرِفَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ عِمَارَتِهِ مَنْقُوضَةً بَعْدَ يَمِينِ الْأَوَّلِ إنْ تَرَكَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لَهُ وَأَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ عَلِمَ بِعِمَارَةِ الثَّانِي وَسَكَتَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى تَسْلِيمِهِ إيَّاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَا لَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ) ش: قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ حَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ وَاَلَّتِي اُبْتُدِئَ عَمَلُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ انْتَهَى.
وَالْعَادِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ شَجَرَةٌ عَادِيَّةٌ أَيْ قَدِيمَةٌ كَأَنَّهَا تُنْسَبُ إلَى عَادٍ وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكُلُّ قَدِيمٍ يَنْسُبُونَهُ إلَى عَادٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَشَيْءٌ عَادِيٌّ أَيْ قَدِيمٌ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى عَادٍ.
ص (وَلَا يَقْطَعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الَّتِي غُلِبَ عَلَيْهَا قَهْرًا انْتَهَى.

ص (وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ أَوْجُهِ الِاخْتِصَاصِ الَّتِي تَمْنَعُ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ الْحِمَى يُحْمَى لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ

وَالْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُمْنَعُ رَعْيُهُ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ وَيُمْنَعُ غَيْرُهَا مِنْ رَعْيِهِ وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْمَرْعَى - رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا - وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ النَّبَاتُ الرَّطْبُ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَضَبَطَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَالْعُذْرِيُّ بِالْمَدِّ وَهُوَ خَطَأٌ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ مَدَّهُ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَالْحَشِيشُ هُوَ الْعُشْبُ الْيَابِسُ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ أَنَّ الْحِمَى يَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْمُشَارَكِ فِيهِ إلَّا الْقَصْرَ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فَالْحِمَى بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ وَتَثْنِيَتُهُ حِمَيَانِ وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي تَثْنِيَتِهِ حِمَوَانِ بِالْوَاوِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَأْتِي وَأَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخَصَّبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَان عَالٍ فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ وَأَمَّا الْحِمَى الشَّرْعِيُّ فَهُوَ أَنْ يَحْمِيَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى ذَلِكَ إمَّا لِلْخَيْلِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا النَّاسَ لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِلْحِمَى شُرُوطًا أَرْبَعَةً الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِي هُوَ الْإِمَامُ يُرِيدُ أَوْ نَائِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حِمَى إمَامٍ فَلَيْسَ لِآحَادِ النَّاسِ أَنْ يَحْمِيَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحِمَى مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَيْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ إمَّا لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءَ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَمْنَعَ مِنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ الْآتِي وَقَوْلُهُ أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِكَغَزْوٍ فَقَوْله لِكَغَزْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الشَّرْطِ الثَّانِي وَأَتَى بِالْكَافِ فِي قَوْلِهِ لِكَغَزْوٍ لِيُدْخِلَ مَاشِيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْنِي أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ قَالُوا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّاءُ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَا كَانَ مَصْلَحَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا لَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ بَلْ يَكُونُ فَاضِلًا عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ قَلَّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سَحْنُونٍ الْآتِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى كَثِيرًا يَضُرُّ بِالنَّاسِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ أَثَرُ بِنَاءٍ وَلَا غَرْسٍ وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ الْأَرْضُ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا مُذَكَّرًا اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى فِي الْمَوَاضِعِ الْمَعْمُورَةِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ إلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ سَحْنُونٌ الْأَحْمِيَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي بِلَادِ الْأَعْرَابِ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَحْمِيَةُ فِيهَا فِي الْأَطْرَافِ حَتَّى لَا تُضَيِّقَ عَلَى سَاكِنٍ وَكَذَلِكَ الْأَوْدِيَةُ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا مَسَاكِنَ بِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا مِنْ الْمَسَارِحِ وَالْمَرْعَى انْتَهَى.
وَجَعَلَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ شَرْطًا وَاحِدًا وَجَعَلَ قَوْلَهُ لِكَغَزْوٍ؛ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا وَهُوَ نَحْوُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ شَرْطًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَتَكُونُ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً.

[تَنْبِيهٌ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ]

(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) الْأَصْلُ فِي الْحِمَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الشِّرْبِ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ بِالشِّرْبِ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ

وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالضَّمِّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيِّتُونَ الْمَوْصُولَ مِنْهُ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَوْلُهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ هَكَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَلَغَنَا فَاغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيقَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْقَائِلُ بَلَغَنَا هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فَقَالَ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَبَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ» ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد رِوَايَةً أُخْرَى بَعْدَهَا عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ» وَلَمْ يَقُلْ وَلِرَسُولِهِ وَذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ سُنَنِهِ وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَتَيْ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَةَ وَذَكَرَهَا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَعَزَاهَا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ وَقَالَ إنَّهَا مُدْرَجَةٌ يَعْنِي حَمَى النَّقِيعَ.
وَذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَهِمَ مَنْ أَدْرَجَهَا وَقَالَ أَيْضًا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ أَغْرَبَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ وَبَلَغَنَا مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمَا أَنَّ أَبَا دَاوُد صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» وَالصَّعْبُ ضِدُّ السَّهْلِ وَعَلَى وَزْنِهِ وَجَثَّامَةُ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ.
(الثَّانِي) اقْتَصَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِأَبِي دَاوُد وَاقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَزَادَ فِيهَا لَفْظَ وَلِرَسُولِهِ؛ فَقَالَ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ: لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُنْتَخَبِ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْحِمَى وَفِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الْمَوْصُولَ مِنْهُ أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَعَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَدِيثَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ» لِابْنِ حِبَّانَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَعَزْوُهُ لَهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْبُخَارِيِّ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) وَقَعَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا اتَّفَقَا عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي الْإِلْمَامِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ.
(الرَّابِعُ) اقْتَصَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَائِيُّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَوَاهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ سُنَنِهِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ وَأَضَافَ الْحِمَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَيْ إلَّا مَا يَحْمِي لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْصَدُ لِلْجِهَادِ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ تَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَى إلَّا كَمَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِثْلُ مَا فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ حَمَوْا لِإِبِلِ الْغُزَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا لَا حِمَى إلَّا مَا حَمَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِي لَا حِمَى إلَّا مِثْلُ مَا حَمَاهُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَحْمِيَ بَعْدَهُ وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ بِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ دُونَ سَائِرِ نُوَّابِهِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِنُوَّابِ الْإِمَامِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصُّ بِالْخَلِيفَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وُلَاةَ الْأَقَالِيمِ وَمَحَلُّ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ بَلْ لِوُلَاتِهِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَى نُوَّابِهِ وَلَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ عُمُومِ الْوِلَايَةِ وَخُصُوصِهَا فَإِذَا عَمَّ الْإِمَامُ الْوِلَايَةَ عَلَى بَلَدٍ لِأَمِيرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَأُخْرَى إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْحِمَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ الْمُتَقَدِّمَ لَفْظُ النَّقِيعِ وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الْبَاجِيِّ وَمِنْ أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ قَبْلَ الْقَافِ وَكَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللُّغَوِيِّينَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي حَرْفِ الْبَاءِ وَالْبَقِيعِ مَوْضِعٌ فِيهِ أُرُومُ الشَّجَرِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى وَبِهِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ وَهُوَ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سِيدَهْ وَزَادَ وَالْغَرْقَدُ شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ كَانَ يَنْبُتُ هُنَاكَ فَذَهَبَ وَبَقِيَ الِاسْمُ لَازِمًا لِلْمَوْضِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ النَّقِيعَ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ أَنَّهُ اسْمُ مَوْضِعٍ مَعَ كَثْرَةِ مَا جَلَبَ فِيهِ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي آخِرِ الْمُوَطَّإِ فِي تَرْجَمَةِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَفِيهِ ذَكَرَ الْحِمَى فَقَالَ الْبَاجِيُّ وَهَذَا الْحِمَى هُوَ النَّقِيعُ بِالنُّونِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِهِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ فِي آخِرِ حَرْفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لَمَّا ذَكَرَ أَسْمَاءَ الْمَوَاضِعِ وَنَصُّهُ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ الَّذِي فِيهِ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ بِبَاءٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَجَرَاتِ غَرْقَدٍ وَهُوَ الْعَوْسَجُ كَانَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ بَقِيعُ بَطْحَانَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ بِالْبَاءِ أَيْضًا قَالَ الْخَلِيلُ الْبَقِيعُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ شَجَرٌ شَتَّى وَأَمَّا الْحِمَى الَّذِي حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عُمَرُ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ غَرَزُ النَّقِيعِ وَفِي الْآخَرِ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنْ النَّقِيعِ وَحَمَى النَّقِيعَ وَهُوَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَهُوَ أَخْصَبُ مَوْضِعٍ هُنَالِكَ وَهُوَ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَفِيهِ شَجَرٌ وَيَسْتَجِمُّ حَتَّى يَغِيبَ فِيهِ الرَّاكِبُ فَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي ضَبْطِهِ فَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِالنُّونِ وَكَذَا قَيَّدَهُ النَّسَفِيُّ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْقَابِسِيُّ وَسَمِعْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ أَبِي بَحْرٍ بِالْبَاءِ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَاهَانَ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ الْقَاضِي الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ بِالنُّونِ وَبِالنُّونِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ صَحَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَيَرْوُونَهُ بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاءِ بَقِيعُ الْمَدِينَةِ مَوْضِعُ قُبُورِهَا وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ مِثْلُ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ وَمَتَى ذُكِرَ الْبَقِيعُ بِالْبَاءِ دُونَ إضَافَةٍ فَهُوَ هَذَا وَوَقَعَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْأَصِيلِيِّ

فِي مَوْضِعٍ بِالنُّونِ وَالْبَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ وَالْأَشْهَرُ فِي هَذَا النُّونُ وَالْقَافُ وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ كُلُّ مَوْضِعٍ يَسْتَنْقِعُ الْمَاءُ فِيهِ وَبِهِ سُمِّيَ هَذَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بَقِيعُ بَطْحَانَ هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا يَرْوِيه الْمُحَقِّقُونَ وَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الَّذِي يَحْكِي أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهِ فَتْحَ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرَ الطَّاءِ وَكَذَا قَيَّدَهُ اللَّقَانِيُّ فِي الْبَارِعِ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْبَكْرِيُّ فِي الْمُعْجَمِ وَقَالَ الْبَكْرِيُّ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَهُوَ وَادٍ فِي الْمَدِينَةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ غَرَزُ النَّقِيعِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَاي قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَحَكَى فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ السُّكُونَ قَالَ وَوَاحِدُهُ غَرْزَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَبِالْوَجْهَيْنِ وَجَدْته فِي أَصْلِ الْجَيَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ نَبَاتٌ ذُو أَغْصَانٍ رِقَاقٍ حَدِيدُ الْأَطْرَافِ يُسَمَّى الْأَسَلَ وَتُسَمَّى بِهِ الرِّمَاحُ وَتُشَبَّهُ بِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الثِّمَارِ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَشَارِقِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ هَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مَنْسُوبَةً إلَى الصِّحَّةِ بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ وَالْقَافِ قَالَ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَقَالَ وَهُوَ مُنْتَدًى لِلنَّاسِ وَمُتَصَيَّدٌ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ فِي الْمَسْجِدِ بِأَعْلَى عَسِيبٍ» وَهُوَ جَبَلٌ بِأَعْلَى قَاعِ الْعَقِيقِ ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا صَيِّتًا فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَكَانَ مَدَى صَوْتِهِ بَرِيدًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فَجَعَلَ ذَلِكَ حِمًى طُولُهُ وَعَرْضُهُ مِيلٌ وَفِي بَعْضِهِ أَقَلُّ مِنْ مِيلٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ مُنْتَدًى بِمَعْنَى النَّادِي وَهُوَ الْمَجْلِسُ الَّذِي يُتَحَدَّثُ فِيهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْضَ كَلَامِ الْمَشَارِقِ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ غَيْرُ الْبَكْرِيِّ وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِقِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ هُوَ الْبَكْرِيُّ وَكَذَا رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْبَكْرِيِّ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ النَّقِيعُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ بَلَدٌ لَيْسَ بِالْوَاسِعِ الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ إذَا حُمِيَ وَيَعْنِي بِالْبَلَدِ الْأَرْضَ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ مِسَاحَتُهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَشَارِقِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ خِلَافُ مَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا كَمَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَدْرَ النَّقِيعِ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ قَالَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوُلَاةُ بَعْدُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ مِنْ أَنَّهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ فَإِنَّ الْبَرِيدَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
(السَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ مِنْ بَلَاغِ الزُّهْرِيِّ وَالشَّرَفُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ فِي الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَالَ وَفِي مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ قَالَ كَذَا رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ أَوْ أَصْلَحَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا سَرِفُ فَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ وَلَا يَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُقَدَّمَتِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ هُوَ مَاءٌ لِبَنِي بَاهِلَةَ أَوْ لِبَنِي كِلَابٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا سَرِفُ فَمِنْ عَمَلِ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ انْتَهَى.
وَأَمَّا الرَّبَذَةُ فَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ

بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ قَالَ الْبَكْرِيُّ الرَّبَذَةُ هِيَ الَّتِي جَعَلَهَا عُمَرُ حِمًى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ حِمَاهُ الَّذِي حَمَاهُ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ قَالَ ثُمَّ تَزَيَّدَتْ الْوُلَاةُ فِي الْحِمَى أَضْعَافًا ثُمَّ أُبِيحَتْ الْأَحْمِيَةُ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ فَلَمْ يَحْمِهَا أَحَدٌ وَحَمَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَرَفَةَ وَزَادَ فِيهِ عُثْمَانُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّبَذَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَحْوُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا وَحَمَى ذَلِكَ عُمَرُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحَمَى أَيْضًا الشَّرَفَ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِلَفْظِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى النَّقِيعَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ مُدْرَجٌ لَيْسَ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ حَمَى النَّقِيعَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ رُبَاعِيًّا فَقَالَ أَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
(قُلْت) لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ إلَّا الرُّبَاعِيُّ وَنَصُّهُ حَمَيْته أَيْ دَفَعْت عَنْهُ وَهَذَا شَيْءٌ حِمًى عَلَى فَعْلٍ أَيْ مَحْظُورٍ لَا يُقْرَبُ وَأَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ حَمَى الشَّيْءَ يَحْمِيه حَمْيًا وَحِمَايَةً بِالْكَسْرِ وَمَحْمِيَّةٌ مَنَعَهُ وَكَلَأٌ حِمًى كَرِضًا مَحْمِيٌّ ثُمَّ قَالَ وَأَحْمَى الْمَكَانَ جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ مَقْصُورٌ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ تَقُولُ حَمَيْت الْحِمَى فَإِذَا اُمْتُنِعَ مِنْهُ قُلْت أَحْمَيْته وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ حَمَيْت الْمَاءَ الْقَوْمَ أَيْ مَنَعْتهمْ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ يُقَالُ حَمَيْته بِالْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَحْمَيْته بِالرُّبَاعِيِّ إلَّا بَعْدَ امْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَوْلُهُ لَا حِمَى بِلَا تَنْوِينٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَتَكُونُ - حِينَئِذٍ - لَا بِمَعْنَى لَيْسَ أَيْ فَتَكُونُ لِلِاسْتِغْرَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي إذَا حَمَى أَنْ يَجْعَلَ لِلْحِمَى حَافِظًا يَمْنَعُ أَهْلَ الْقُوَّةِ مِنْ الرَّعْيِ فِيهِ وَيَأْذَنُ لِلضَّعِيفِ وَالْعَاجِزِ فَإِنْ دَخَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ وَرَعَى مُنِعَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِيرَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِهُنَيٍّ حِينَ وَلَّاهُ عَلَى الْحِمَى أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ اهـ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ وَتَعَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ وَرَعَى فِي الْحِمَى فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ بِالزَّجْرِ أَوْ التَّهْدِيدِ فَإِنْ تَكَرَّرَتْ الْمُخَالَفَةُ فَيُعَزِّرُهُ بِالضَّرْبِ وَقَوْلُهُمْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي آخِرِ جَامِعِ الْمُوَطَّإِ فِي بَابِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَوَاشِيهِمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَدِينَةِ إلَى زَرْعٍ وَنَخِيلٍ وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ يَأْتِ بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا - لَا أَبَا لَك - فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ قَاتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا انْتَهَى.
(الثَّانِي عَشَرَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ إسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهَذَا الْحَدِيثُ

لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَشُرُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) قَوْلُهُ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ هَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَرَأَيْت بِخَطِّ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا بِالْهَمْزِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ رُوِيَ هُنَيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ يُدْعَى هُنَيًّا بِالنُّونِ مُصَغَّرًا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ يُهْمَزُ وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ إدْرَاكِهِ.
وَقَوْلُهُ عَلَى الْحِمَى قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ وَقَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ أَيْ اُكْفُفْ يَدَك عَنْ ظُلْمِهِمْ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَالْجَنَاحُ الْيَدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ وَعَلَى هَذَا اُسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِك وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ لَعَلَّهُ عَلَى النَّاسِ فَإِنِّي رَأَيْته كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك يَقُولُ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى أَحَدٍ لِمَكَانِك مِنِّي وَقَوْلُهُ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِلَفْظِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ هَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَقَوْلُهُ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ أَدْخِلْ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُتَعَلِّقُ الْإِدْخَالِ مَحْذُوفٌ وَالْمُرَادُ الْمَرْعَى وَالصُّرَيْمَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرُ الصِّرْمَةِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْإِبِلِ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ أَوْ إلَى الْخَمْسِينَ أَوْ الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إلَى بِضْعِ عَشَرَةٍ وَالْغُنَيْمَةُ عَلَى وَزْنِ الصُّرَيْمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا هِيَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْمِائَتَيْنِ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ بِالْكَافِ وَالْوَارِدُ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ وَابْنُ عَوْفٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ عَفَّانَ هُوَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ لِكَثْرَةِ نَعَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَلَمْ يُرِدْ مَنْعَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسَعْ الْمَرْعَى إلَّا نَعَمَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَنَعَمُ الْمُقِلِّينَ أَوْلَى فَنَهَاهُ عَنْ إيثَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا أَوْ تَقْدِيمِهِمَا قَبْلَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ نَعَمِهِمَا لِيَتَوَفَّرَ الْمَرْعَى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَوْلُهُ يَأْتِنِي بِبَنِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ يَأْتِنِي بِحَذْفِ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَأْتِينِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ بِبِنْيَتِهِ كَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ بِالنُّونِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ جَمْعُ ابْنٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِبَيْتِهِ بِالتَّاءِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ الْفَوْقِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقُولُ الْقَوْلِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي لَفْظٍ مَخْصُوصٍ نَحْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِيرٌ أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى كَذَا وَقَوْلُهُ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ أَيْ لَا أَتْرُكُهُمْ مُحْتَاجِينَ وَقَوْلُهُ لَا أَبَا لَك بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ

أَنَّهُ مُضَافٌ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَهِيَ مُعْتَدٌّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ اسْمَ لَا لَا يُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ فَاللَّامُ لِصُورَةِ الْإِضَافَةِ وَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا قَبْلَهَا مَنْصُوبٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا يُنْصَبُ بِهَا إذَا كَانَ مُضَافًا وَيَشْكُلُ عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِي بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَإِنَّهُ لَا يُنْصَبُ بِالْأَلِفِ إذَا أُضِيفَ لِلْيَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَيَشْكُلُ عَلَى قَوْلِهِمَا حَذْفُ التَّنْوِينِ وَسُمِعَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا أَبَاك بِدُونِ لَامٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَا أَبَا لَك وَلَوْ سُمِعَ لَأَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَالْخَبَرُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ مَحْذُوفٌ وَسُمِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا أَبَا لَك بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَوْلُهُ لَك هُوَ الْخَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ قَالَ لَا أَبٌ لَك بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ صَحَّ وَهَذَا اللَّفْظُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ؛ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَوْلُهُ إنَّهُمْ لَيُرَوْنَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ أَوَّلَهُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ قَوْلُهُ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْكَثِيرَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُ وَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْأَرْضُ أَرْضُ اللَّهِ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُرَوْنَ يَعُودُ إلَى أَصْحَابِ الْمَوَاشِي الْمَمْنُوعِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ مَوَاشِيهِمْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ثُمَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ لَمْ يَدْخُلْ ابْنُ عَفَّانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ فِي قَوْلِهِ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَالْكَلَامُ عَائِدٌ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا عَلَيْهَا انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ عَاتَبَهُ فِي الْحِمَى بِلَادُ اللَّهِ حُمِيَتْ لِمَالِ اللَّهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَيْ مِنْ الْإِبِلِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِدُ مَرْكَبًا وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّةَ مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْدِ عُمَرَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ بَيَّنَهَا انْتَهَى وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ أَيْ الْخَيْلُ الَّتِي أَعْدَدْتهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ لَا مَرْكُوبَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا انْتَهَى.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِيهِ مِنْ التُّقَى وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاهِنْ عُثْمَانَ وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَآثَرَ الْمَسَاكِينَ وَالضُّعَفَاءَ وَبَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَامْتَثَلَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ اهـ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يَحْمِي لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قُلْت يَقُومُ مِنْهُ طُولُ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ لِتَأْخِيرِ مَصْرِفِهَا انْتَهَى.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ مَا حَمَاهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنْقَضُ فَلَا يُنْقَضُ حِمَى النَّقِيعِ وَأَمَّا مَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْوُلَاةِ فَيَجُوزُ نَقْضُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاقِضُ هُوَ الَّذِي حَمَاهُ أَوْ غَيْرُهُ (قُلْت) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَمَى النَّقِيعَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ حِمًى لِلْمُسْلِمِينَ دَائِمًا وَأَمَّا إذَا حَمَاهُ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ وَلَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُهُ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ عَلَى حِمَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَى الرَّبَذَةَ وَكَذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْمَى فِي الْقَرِيبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ لِلْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنْ رَكَنَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ

ثَانٍ لِابْنِ الْقَصَّارِ قَالَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبَعِيدِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَرِيبُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يُلْحِقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعُمْرَانِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى مِمَّا الْعَادَةُ أَنَّ الرِّعَاءَ يَصِلُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَبِيتُونَ بِهَا وَيَحْتَطِبُ الْمُحْتَطِبُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَنْزِلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ الَّذِي يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْعُمْرَانِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يَكُونُ الْقَرِيبُ مَوَاتًا إذْ الْمَوَاتُ مَا انْفَكَّ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَرِيبِ إحْيَاءٌ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ مَانِعٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ أَيْ فِي حَرِيمِ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ الْمَوَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ.
وَنَصُّهُ: الْمَوَاتُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النَّاسُ بِالْإِحْيَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ غَانِمٍ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: 65] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ.
فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَقِيلَ إنَّ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتُلِفَ إنْ وَقَعَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ قِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ وَقِيلَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَكُونُ لَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ.
وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الشَّعَارِي الْمُجَاوِرَةُ لِلْقُرَى وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَفَاءِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ كَالسَّاحَةِ لِلدُّورِ وَإِنَّمَا الْعَفَاءُ مَا بَعُدَ وَتَعَقَّبَ الْفَضْلُ قَوْلَهُ فَقَالَ وَأَيْنَ يُقْطِعُ الْإِمَامُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الشَّعَارِي الْقَرِيبَةَ مِنْ الْقُرَى جِدًّا لِأَنَّ إقْطَاعَهَا ضَرَرٌ بِهِمْ فِي قَطْعِ مَرَافِقِهِمْ مِنْهَا الَّتِي كَانُوا يَخْتَصُّونَ بِهَا لِقُرْبِهِمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي رَسْمِ الدُّورِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ الدُّورِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَالشَّعَارِي هِيَ الشَّجَرُ الْمُخْتَلِطُ أَوْ الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ كَذَا فَسَّرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ إحْيَاءِ الْقَرِيبِ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ

إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا انْتَهَى.
ص (وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ) ش: أَيْ وَافْتَقَرَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى

ص (أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّ الْقَرِيبَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا أَحْيَاهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ تَعَقَّبَ الْإِمَامُ مَا فَعَلَهُ هَذَا فَإِنْ رَأَى إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا صَنَعَهُ مَنْقُوضًا إنْ رَدَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَهُ بِهَدْمِهِ وَإِنْ شَاءَ أَقْطَعَهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لِذَلِكَ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ هَذَا بِمَا كَانَ الْإِمَامُ يَأْمُرُهُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ أَوْ جَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْإِمَامِ إمْضَاءَهُ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُعْطِي قِيمَةَ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ يُعْطِي قِيمَتَهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ اللَّخْمِيُّ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ لَهُ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا أَوْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُقْطِعَهُ لِغَيْرِهِ وَيَكُونَ لِلْأَوَّلِ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ كَلَامَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَمَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ رَأَى أَنْ تَكُونَ لَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا قَالَ وَلَوْ قِيلَ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ انْتَهَى.

ص (وَقَضَاءُ دَيْنٍ) ش:

يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الدَّيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ الْمُعْتَادَ الَّذِي فِيهِ يَسِيرُ الْعَمَلِ وَقَلِيلُ الْعَيْنِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَضَاءً بِمَالٍ جَسِيمٍ يَحْتَاجُ الْمُؤْنَةَ وَالْوَزْنَ وَالِانْتِقَادَ وَيَكْثُرُ فِيهِ الْعَمَلُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ وَيُنْهَى السُّؤَالُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةُ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ إلَى آخِرِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ الْمَسَاجِدُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاسْتَخَفَّ فِي الْبَيَانِ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَكَتْبَ الْحَقِّ فِيهِ مَا لَمْ يَطُلْ وَإِنْشَادَ الضَّالَّةِ وَعَمَلَ الصِّنَاعَةِ وَالسُّؤَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي النَّوَادِرِ مَنْ سَأَلَ فَلَا يُعْطَى وَأَمَرَ بِحِرْمَانِهِمْ وَرَدِّهِمْ خَائِبِينَ قَالَ التَّادَلِيُّ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ يُغَلِّظُ عَلَيْهِمْ فِي النَّهْيِ وَرُبَّمَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إلَى السِّجْنِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ فَيَرْفُقُ بِهِمْ وَيَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ فَالْأَوَّلُ تَصَرَّفَ بِالشَّرْعِ وَالثَّانِي بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَلِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ آحَادِ النَّاسِ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِهِ فَلَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِمَا يَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْلُ الْمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاحُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِمَّا لَا مِهْنَةَ فِي عَمَلِهِ لِلْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُجْعَلُ الْمَاءُ الْعَذْبُ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى.
ص (وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبُعًا) ش: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَذَلِكَ الْغَرِيبُ إذَا لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يُدْخِلُ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ انْتَهَى.
ص (وَمُنِعَ عَكْسُهُ) ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لَا خِلَافَ أَنَّ لِظَاهِرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ وَلَا الْبُنْيَانُ الَّذِي فَوْقَهُ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَحْتَهُ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ هَلْ تُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ إنْ فُعِلَتْ أَوْ لَا تَصِحُّ وَيُعِيدُ أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) ش: عَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فِي بَابِ تَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ «أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» وَنَظَافَتُهَا أَنْ لَا تَبْقَى فِيهَا قُمَامَةٌ مِنْ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثُ يَكُونُ فِيهِ مِنْ رِيحٍ أَوْ صَوْتٍ وَلَا يُنَاقِضُ تَنْظِيفَهُ تَعْلِيقُ قِنْوٍ فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ يَأْكُلُهُ الْمَسَاكِينُ وَلَا أَكْلُ مَا فِيهِ إذَا وَضَعَ لُقَاطَةً أَوْ سُقَاطَةَ مَا يَأْكُلُ فِي حِجْرِهِ أَوْ كُمِّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إرْسَالِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُرْسِلُهُ فِي بَيْتِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا يُنَزَّهُ عَنْ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ انْتَهَى.

ص (وَمُكْثٌ بِنَجِسٍ) ش: هَذَا الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي

مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يَخْلَعْهُ فِيهِ قَالَ وَقَدْ قِيلَ يَخْلَعُهُ وَيَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُغَطِّي الدَّمَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ كَثِيرَ دَمٍ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَقَالَ غَيْرُهُ يَنْزِعُهُ وَيَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاتِرًا نَجَاسَتَهُ بِبَعْضِهِ وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ قُلْت وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي إدْخَالِ النَّعْلِ الَّذِي لَحِقَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي مَحْفَظَةٍ أَوْ مَلْفُوفَةً فِي خِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ قَالَ الْجُزُولِيُّ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ مَكْرُوهٌ وَكَذَلِكَ نَعْلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ فَلَا يُدْخِلُهُمَا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَحُكَّهُمَا وَلَا يَغْسِلَهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُمَا انْتَهَى.
فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فَظَاهِرٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبَيْعٌ) ش: أَيْ يُكْرَهُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا ثَوْبًا عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةً تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الشِّرَاءُ وَاخْتُلِفَ إذَا رَأَى سِلْعَةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ سِمْسَارٍ وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالسِّمْسَارِ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَأَنَّهُ مَاضٍ انْتَهَى مِنْ بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَانْظُرْهُ فِي الِاعْتِكَافِ وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَإِنْ حَضَرَتْ السِّلْعَةُ وَالسَّوَامُّ فَذَلِكَ حَرَامٌ انْتَهَى أَوَّلَهُ بِالْمَعْنَى.
ص (وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ) ش: قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَلَكِنْ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ جُلَسَاءَهُ غَيْرَ رَافِعٍ صَوْتَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ

مِنْ جِنْسِ الْمُحَادَثَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ انْتَهَى.
يُرِيدُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ يَنْشُدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إلَيْهِ قَالَ أَيْ أَوْمَأَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ أَنْ اُسْكُتْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ إنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ قَدْ بَنَى رَحْبَةً فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يَنْشُدَ شِعْرًا فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَمِنْ مَانِعٍ مُطْلَقًا وَمِنْ مُجِيزٍ مُطْلَقًا وَالْأَوْلَى التَّفْصِيلُ فَمَا كَانَ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ الذَّبَّ عَنْهُمَا كَمَا كَانَ شِعْرُ حَسَّانَ أَوْ يَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الْخَيْرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الشِّعْرَ لَا يَخْلُو فِي الْغَالِبِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَالتَّزْيِينِ بِالْبَاطِلِ وَلَوْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذْرُ وَالْمَسَاجِدُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هِيَ لِلذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» انْتَهَى.

[فَرْعٌ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسَاجِدِ]

(فَرْعٌ) قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ أَرَ لِمَالِكٍ شَيْئًا فِي كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الَّذِي يَصُونُ الْمَسْجِدَ وَيَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ]

(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا حَكَى الْبَاجِيُّ فِي الْوُضُوءِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ قَوْلَيْنِ وَالْقَوْلَانِ فِي الْوَاضِحَةِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ رَأَيْت بَعْضَ أَشْيَاخِي تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَظُنُّهُ بَلَعَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَوَضَّأُ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ وُضُوءًا طَاهِرًا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَسُئِلَ عَنْهَا سَحْنُونٌ فَقَالَ لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا وَجْهَ لِلتَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يَجُوزُ أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] فَوَاجِبٌ أَنْ تُرْفَعَ وَتُنَزَّهَ عَنْ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِيهَا لِمَا يَسْقُطُ فِيهَا مِنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مِنْ أَوْسَاخٍ وَلِتَمَضْمُضِهِ فِيهِ أَيْضًا وَقَدْ يُحْتَاجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَتَأَذَّى الْمُصَلِّي بِالْمَاءِ الْمُهْرَاقِ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» وَلَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَتَوَضَّأَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُسْقِطَ وُضُوءَهُ فِي طَسْتٍ وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامًا فَعَلَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ قَالَ الْبَاجِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوُضُوءِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي صَحْنِهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ وَكَرِهَهُ سَحْنُونٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَجِّ الرِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَرِحَابُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ فِي التَّنْزِيهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْخَلَاوِي الْمَبْنِيَّةِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي سُطُوحِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ حُرْمَةَ سَطْحِهِ كَحُرْمَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْخَطِيبِ إذَا أَحْدَثَ أَثْنَاءَ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فِي صَحْنِهِ وُضُوءًا طَاهِرًا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَ فِي طَسْتٍ وَمَنْ يَتَوَضَّأُ فِي سَطْحِهِ أَوْ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فِيهِ إنَّمَا يَتَوَضَّأُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَطِيبِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ.
الثَّامِنُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يُتَوَضَّأَ فِي مَكَان يَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَحْصُلَ تَمَخُّطٌ بِالِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بُصَاقٌ بِالْمَضْمَضَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ التَّنَخُّمِ وَإِلَّا فَيَنْتَهِي إلَى التَّحْرِيمِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ

عَنْ بَعْضِهِمْ الْجَوَازَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبُصَاقَ إذَا خَالَطَهُ الْمَاءُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ فَكَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ يَحْرُمُ وَلَا شَكَّ فِيهِ، قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْلَعَ الْمَاءَ الَّذِي يَتَمَضْمَضُ بِهِ لِلْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْصُلُ بِهِ سُنَّةُ الْمَضْمَضَةِ ثُمَّ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ تَنْزِيهًا لِلْمَسْجِدِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ

ص (وَلِذِي مَاجِلٍ وَبِئْرٍ) ش نَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَاجِلٍ وَبِئْرٍ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَنْقُصُ بِالِاغْتِرَافِ وَلَا يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْمَاجِلِ أَوْ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْبِئْرِ.
ص (بِهَدْمِ بِئْرٍ) ش: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خِيفَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ زَرَعَ عَلَى مَاءٍ وَأَنَّهُ لَوْ زَرَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى جَارِهِ دَفْعُ فَضْلِ مَائِهِ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ حَرِيمِ الْآبَارِ وَلَوْ حَرَثَ جَارٌ لَك عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ لَهُ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك الَّتِي فِي أَرْضِك إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ ابْنُ يُونُسَ أَمَّا إذَا كَانَ لَا ثَمَنَ لَهُ وَلَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُهُ بِفَضْلِهِ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ الْجَارَ أَنْ يَبْتَدِئَ الزَّرْعَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ مِنْ حَقِّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمِيَاهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا فَضَلَ مِنْهَا دُونَ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبُهُ ثَمَنًا بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ وَجَدَ فَعَلَى

اخْتِلَافٍ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سَقَى الْأَعْلَى) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَسُئِلْت عَنْ أَرْضٍ كَانَتْ تَشْرَبُ بِالسَّيْلِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ تَسَبُّبٍ لِلْمَاءِ ثُمَّ يَمُرُّ بَعْدَ شُرْبِهَا إلَى أَرْضٍ أَسْفَلَ مِنْهَا ثُمَّ إنَّ

السُّيُولَ تَكَاثَرَتْ وَعَظُمَتْ فَأَحْرَجَتْ مَشْرَبَهَا وَأَحَالَتْ الْمَاءَ مِنْ مَمَرِّهِ الْقَدِيمِ إلَى مَمَرٍّ آخَرَ فَصَارَ يَسْقِي السُّفْلَى وَتَعَطَّلَتْ الْعُلْيَا وَانْدَرَسَ مَشْرَبُهَا مُدَّةَ سِنِينَ فَأَرَادَ أَهْلُ الْعُلْيَا أَنْ يَعْمُرُوا مَشْرَبَهُمْ وَيَتَسَبَّبُوا لِلْمَاءِ فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ السُّفْلَى فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ؟ لَا فَأَجَبْت أَوَّلًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا أَنْ يَعْمُرُوا مَشْرَبَهُمْ الْمُنْدَرِسَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ السُّفْلَى مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا أَنْ يَسُدُّوا الْمَشْرَبَ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ السُّيُولُ لِلْمَاءِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَى أَرْضِهِمْ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْثٌ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَشَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: 50] يُرِيدُ الْمَطَرَ فَإِذَا صَرَفَهُ إلَى قَوْمٍ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْطَعَهُ عَنْهُ ثُمَّ حَصَلَ عِنْدِي تَوَقُّفٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِ الْأَرْضِ الَّتِي تُسْقَى أَسْفَلَ مِنْ الْأَرْضِ الْأُخْرَى أَمَّا إذَا كَانَ الْمَشْرَبُ الَّذِي انْفَتَحَ تَشْرَبُ بِهِ أَرْضٌ أَعْلَى مِنْ أَرْضِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ سَدَّ الْمَشْرَبِ الْمُنْفَتِحِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ بِلَا تَوَقُّفٍ وَقَطَعْت السُّؤَالَ الَّذِي كَتَبْت عَلَيْهِ الْجَوَابَ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[كِتَاب الْوَقْف]

[بَابٌ وَقْفُ مَمْلُوكٍ]

ص (بَابٌ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْوَقْفُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا فَتَخْرُجُ عَطِيَّةُ الذَّوَاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدِ الْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ لِعَدَمِ لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ بِرِضَاهُ مَعَ مُعْطَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إعْطَاءُ مَنَافِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ مَمْنُوعٌ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ التَّأْبِيدِ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعْطَاءِ وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُخْدِمِ الْمَذْكُورِ لَا فِي لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَهُوَ اسْمًا مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ مُدَّةً إلَى آخِرِهِ وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِبَقَاءِ مِلْك الْمُحْبِسِ عَلَى مُحْبَسِهِ وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْإِحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحْبِسِهَا وَقَوْلُ اللَّخْمِيُّ آخِرُ الشُّفْعَةِ الْحَبْسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحْبَسِ غَلَطٌ انْتَهَى.
وَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ ابْنِ عَرَفَةَ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهِ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْإِحْبَاسُ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حُكْمُهُ الْجَوَازُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً الْحَبْسُ وَشَرْعًا حَبْسُ عَيْنٍ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهُمَا عَلَى التَّأْبِيدِ انْتَهَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْته دَارًا وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِحَبْسِهَا وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ مَمْلُوكٍ تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ وَقْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى نَوْعٍ مَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَلَمَّا كَانَ كَلَامُهُ شَامِلًا لِكُلِّ مَمْلُوكٍ بَيَّنَ مَا هُوَ دَاخِلٌ وَمَا فِيهِ تَرَدُّدٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ إلَى قَوْلِهِ تَرَدُّدٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُشَاعًا أَوْ غَيْرَ مُشَاعٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدِّيَارِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَصَانِعِ وَالْآبَارِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ شَائِعًا وَغَيْرَهُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ شَائِعًا أَوْ غَيْرَهُ يَعْنِي يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ شَائِعًا كَمَا لَوْ وَقَفَ نِصْفَ دَارٍ أَوْ غَيْرَ شَائِعٍ وَلَا يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَعْنِي فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَاخْتُلِفَ إنْ فُعِلَ هَلْ يَنْفُذُ تَحْبِيسُهُ أَمْ لَا وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ اللَّخْمِيُّ آخِرَ الشُّفْعَةِ.
قَالَ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِهَا وَإِنْ فَسَدَ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ مَعَهُ وَاخْتَارَ ابْنُ زَرْبٍ الْأَوَّلَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْقَسِمُ جَازَ لَهُ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ

وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ ابْنَ الْمَاجِشُونِ

عَمَّنْ لَهُ شِرْكٌ فِي دُورٍ وَنَخْلٍ مَعَ قَوْمٍ فَتَصَدَّقَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ صَدَقَةً مُحْبَسَةً وَمِنْهَا مَا يَنْقَسِمُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْقَسِمُ وَمِنْ الشُّرَكَاءِ مَنْ يُرِيدُ الْقِسْمَ؛ قَالَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ مَا انْقَسَمَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْهَا فَهُوَ عَلَى التَّحْبِيسِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ الثَّمَنِ فِي حِصَّتِهِ اشْتَرَى بِهِ مَا يَكُونُ صَدَقَةً مُحْبَسَةً فِي مِثْلِ مَا سَبَّلَهَا فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَبَعْضُهُ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِطْلَاقُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ إجَازَتَهُ فِي الشَّائِعِ كَقَوْلِهَا فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ.
قَالَ مَالِكٌ إنْ حَبَسَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ حَظَّهُ مِنْهَا عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَبَاعَ شَرِيكُهُ حَظَّهُ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِلْمُحْبِسِ عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْحَبْسِ فَيَجْعَلَهُ فِي مِثْلِ مَا جَعَلَ حَظَّهُ فِيهِ.
اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ الدَّارُ تَحْمِلُ الْقِسْمَ جَازَ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ بِذَلِكَ إنْ كَرِهَ الْبَقَاءَ عَلَى الشَّرِكَةِ قَاسَمَ (قُلْت) هَذَا عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَعَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَمْنُوعُ بَيْعُهُ مَا كَانَ مُعَيَّنًا لَا الْمَعْرُوضُ لِلْقَسْمِ لِأَنَّهُ كَالْمَأْذُونِ فِي بَيْعِهِ مِنْ مُحْبِسِهِ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ فَلِلشَّرِيكِ رَدُّ الْحَبْسِ (قُلْت) وَمِثْلُهُ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ.
قَالَ وَإِنْ كَانَ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ لِرَجُلَيْنِ فَلِرَبِّ الْعُلُوِّ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي السُّفْلِ لِأَنَّهُ إنْ فَسَدَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ وَلِرَبِّ السُّفْلِ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي الْعُلُوِّ لِلضَّرَرِ مَتَى وَهِيَ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ سُفْلَهُ وَالْحَائِطُ كَالدَّارِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ (قُلْت) وَمِثْلُ إطْلَاقِهَا فِي تَحْبِيسِ الشَّرِيكِ فِي الدَّارِ وَقَعَ فِي رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشُّفْعَةِ فَتَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِحُكْمِ الشُّفْعَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ حُكْمِ الْحَبْسِ الْمُشَاعِ

وَلِابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي دَارٍ لَا تَنْقَسِمُ فَحَبَسَهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَحْبِيسُهُ لَا يَنْفُذُ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَبِإِجَازَتِهِ أَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثُمَّ قَالَ قُلْت فِي جَوَازِ تَحْبِيسِ مُشَاعِ رُبْعٍ وَرِثُوهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ مُطْلَقًا وَوَقَفَهُ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَإِلَّا بَطَلَ ثَالِثُهَا يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ يُجْعَلُ ثَمَنُ الْحَظِّ الْمُحْبَسِ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ مِثْلُ مَا حَبَسَهُ فِيهِ لِظَاهِرِهَا مَعَ ظَاهِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصَّ ابْنُ زَرْبٍ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَذْهَبِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ انْتَهَى.
وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ الثَّانِي لِجَعْلِهِ اللَّخْمِيَّ الْمَذْهَبَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِتَحْبِيسِ رُبْعٍ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِي حَظِّهِ فَقَطْ (قُلْت) مِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَظَاهِرُهُ نُفُوذُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا فِي تَحْبِيسِ الْمُشَاعِ وَاضِحٌ وَعَلَى وَقْفِهِ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ وَأَشَدُّ مَا عَلَى الْمُنْكِرِ الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْمُحْبَسَ حُبِسَ عَلَيْهِمْ (قُلْت) يُرِيدُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ.
قَالَ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُمَلِّكُ مِلْكَ الْمَبِيعِ لِأَنَّ مَصِيرَهُ لِلْأَعْقَابِ وَالْمَرْجِعِ وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَوْ نَكَلَ إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ الْحَبْسُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَمْنَعُ رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْحَبْسِ وَالْبَاجِيُّ اخْتَلَفَ هَلْ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَبَسَ مَالًا وَثَبَتَ حَوْزُهُ فَادَّعَى بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنَّ الْحَبْسَ رَجَعَ إلَيْهِ وَسَكَنَ فِيهِ حَتَّى مَاتَ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ فَقُلْت لَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ عَصْرِنَا عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ انْتَهَى.

وَقَوْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَقَابِرُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ يُرِيدُ بِالْمَقَابِرِ الْمُتَّخَذَةَ حَيْثُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ السَّمَاعِ مُخْتَصَرًا وَلْنَأْتِ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَصْلِهِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَنْ فِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ فِيهِ وَفِيهِ عَرْضٌ لَهُمْ ثُمَّ إنَّهُمْ غَابُوا عَنْ ذَلِكَ فَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً ثُمَّ جَاءُوا فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُسَوِّيَ هَذِهِ الْمَقَابِرَ وَنَرْمِيَ عَلَى حَالِ مَا كُنَّا نَرْمِي فَقَالَ مَالِكٌ أَمَّا مَا قَدِمَ مِنْهَا فَأَرَى ذَلِكَ لَهُمْ وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ جَدِيدٍ فَلَا أُحِبُّ لَهُمْ دَرْسَ ذَلِكَ.
ابْنُ رُشْدٍ أَفْنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ

بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ الَّتِي لِأَرْبَابِهَا تَحْجِيرُهَا عَلَى النَّاسِ لِمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِي مُرُورِهِمْ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْهُمْ بِالْأَحْمَالِ وَشَبَهِهَا إلَّا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ فَمِنْ حَقِّهِمْ إذَا اُتُّخِذَتْ مَقْبَرَةً فِي مَغِيبِهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِالرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ دَرْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تَدْرُسْ وَلَا عَفَتْ لِمَا فِي دَرْسِ الْقُبُورِ وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» وَقَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إنَّمَا يُكْرَهُ دَرْسُهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِظَاهِرِهَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ وَارُوا فِي بَاطِنِهَا وَانْتَفِعُوا بِظَاهِرِهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ قَدْ دُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهُمْ مِنْهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِقَتْلَى أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي إلَى جَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَخْرُجْ إلَيْهِ وَيَنْبُشُهُ وَلْيُحَوِّلْهُ.
قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا لَيِّنِينَ انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ نَظَرٌ لِأَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ مَا أُقْبِرُوا إلَّا حَيْثُ جَازَ إقْبَارُهُمْ وَاسْتِدْلَالُهُ بِإِخْرَاجِهِمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْقَبْرِ غَيْرَ حَبْسٍ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ حَاجِيَّةٍ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِعَةِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ وَلِابْنِ عَاتٍ سُئِلَ بَعْضُهُمْ أَيَجُوزُ حَرْثُ الْبَقِيعِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً دُونَ دَفْنٍ فِيهِ وَأَخْذُ تُرَابِهِ لِلْبِنَاءِ؟ قَالَ الْحَبْسُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ انْتَهَى.
وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فِي تَعْقِيبِ ابْنِ عَرَفَةَ وَجَلْبِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) ش: هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ لَا الْمُسْتَأْجَرُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَمْلُوكُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْقَيْدِ اشْتِرَاطَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ وَحْدَهَا لَا يَكْفِي فِي التَّحْبِيسِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إلَّا الْمُسْتَأْجَرُ فَيَكُونُ مُرَادُهُ الْمَمْلُوكُ رَقَبَتُهُ لَا مَنْفَعَتُهُ بِخُصُوصِيَّتِهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَظْهَرَ فَاعِلُ اسْمِ الْمَفْعُولِ فَيَقُولُ الْمَمْلُوكُ رَقَبَتَهُ وَيَقُولُ لَا مَنْفَعَةَ وَيَبْقَى مُطْلَقُ الْمَنْفَعَةِ الْمُقَابِلُ لِلرَّقَبَةِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْفَعَةِ الِاسْتِئْجَارِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ انْتِصَارًا لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ لَا يَجُوزُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَفِي كَوْنِ مُرَادِ ابْنِ شَاسٍ إنْ وَقَفَ مَالِكٌ مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَائِعُهَا نَظَرٌ وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِخُرُوجِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي وَفِي نَقْلِهِ الْحُكْمَ بِإِبْطَالِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَبْسَ إعْطَاءُ مَنْفَعَةٍ دَائِمًا وَأَمَدُ الْإِجَارَةِ خَاصٌّ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَبْسُ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْمُعَارِضِ ثُمَّ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْحَبْسِ فَيَفْتَقِرُ لِحَوْزِهِ بَعْدَ أَمَدِ الْإِجَارَةِ وَصِحَّتُهُ لَهُ فَيَتِمُّ مِنْ حِينِ عَقَدَهُ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجِرِ مَا فِي إجَارَتِهِ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ بَعْدَ إجَارَتِهِ وَصِحَّتُهُ لَهُ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ فَهِمَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَيْهِ وَنَصُّهُ: فَرْعٌ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ يُمْنَعُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِاسْتِحْقَاقِ مَنَافِعِهَا لِلْإِجَارَةِ فَكَأَنَّهُ وَقْفُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَقْفُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَا يَصِحُّ انْتَهَى.
وَهَذَا التَّوْجِيهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتِبْعَادُ ابْنِ عَرَفَةَ حَمْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِقَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِجَارَةِ فِي الصِّنَاعَاتِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا انْقَضَتْ كَانَ النَّقْضُ لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِجَارَةِ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ إلَّا أَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ جَارٍ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي حَدِّ الْوَقْفِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ

يَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ.
قَالَ الرَّصَّاعُ فِي شَرْحِ حُدُودِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنْ قُلْت إذَا اكْتَرَى أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ لِيُصَيِّرَهَا حَبْسًا مَسْجِدًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا حَدُّ الشَّيْخِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ (قُلْت) هَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرُوهَا فِي الْحَبْسِ وَقَالُوا لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُحْبِسِ مَالِكَ الرَّقَبَةِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ كَالْمَنْفَعَةِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ فَيَحْتَاجُ هَذَا إلَى تَأَمُّلٍ فِي دُخُولِهَا انْتَهَى كَلَامُ الرَّصَّاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ]

ص (وَلَوْ حَيَوَانًا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ) وَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الثِّيَابِ طَرِيقَانِ اللَّخْمِيُّ فِي جَوَازِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِنَقْلِ ابْنِ الْعَطَّارِ مَعَ الْقَاضِي الْبَاجِيِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ فَعَلَى جَوَازِهِ يَلْزَمُ لِمُوَافَقَتِهِ الشَّرْعَ وَكَوْنِهِ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَعَلَى كَرَاهَتِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَانِ (قُلْت) يُرِيدُ بِالْجَوَازِ عَدَمَ اللُّزُومِ لَا أَحَدَ أَحْكَامِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ قَسِيمِ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ الْأَصْلُ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ فِي مِيزَانِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ شَنِيعٌ فِي فَهْمِهِ إنْ ضَبَطَ بَاءَ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ وَفِي رِوَايَتِهِ إنْ ضَبَطَهَا بِالتَّشْدِيدِ وَفِي مِثْلِ هَذَا كَانَ بَعْضُ مَنْ لَاقَيْنَاهُ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اسْتِدْلَالَاتُ بَعْضِ شُيُوخِ مَذْهَبِنَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهَا خَوْفَ اعْتِقَادِ سَامِعِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، إنَّ حَالَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ جُلِّهِمْ مِثْلُ هَذَا الْمُسْتَدِلِّ.
قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ مُتَكَلِّمِي الْمُتَقَدِّمِينَ رَدًّا عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَدِدْت أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِسَخَافَتِهِ وَرَأَيْت لِلْآمِدِيِّ رَدًّا عَلَيْهِمْ لَيْسَ مُنْصِفًا وَقَفَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت) كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ فِي الْبُخَارِيِّ حَبَسَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَكَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» انْتَهَى.
فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ احْتَبَسَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنْ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَوْقَفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ الْجَامِعِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّهُ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ أَيْ أَوْقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ أَحْبَسَ.
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَيُقَال حَبَسَ مُخَفَّفًا وَحَبَّسَ مُشَدَّدًا انْتَهَى.
فَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى حَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْوَقْفُ فَصَحَّ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ هَذَا إذَا كَانَا نَقَلَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ حَبَسَ وَإِنْ كَانَا نَقَلَاهُ بِلَفْظِ احْتَبَسَ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَحَرَّفَهُ النُّسَّاخُ فَمَعْنَى احْتَبَسَ أَوْقَفَ كَمَا تَقَدَّمَ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَصَحَّ مَا قَالَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَصْلٌ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ وَكَذَا حَدِيثُ خَالِدٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ حَبَسَ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَعَبْدٍ عَلَى مَرَضِي) ش: اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّ.
ص (وَفِي وَقْفٍ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ)

ش أَتَى بِالْكَافِ لِتَدْخُلَ الْمِثْلِيَّاتُ وَيُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ مِنْ مَنْعِ وَقْفِ الطَّعَامِ إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ أَنَّ وَقْفَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فِي هَذَا التَّرَدُّدِ نَظَرٌ لِأَنَّك إنْ فَرَضْت الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِوَقْفِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ بَقَاءَ عَيْنِهِ فَلَيْسَ إلَّا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الطَّعَامِ الْمُؤَدِّي إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَوْقَفَهُ لِلسَّلَفِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ ثُمَّ يَرُدُّ عِوَضَهُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا الْجَوَازُ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَابْنَ شَاسٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ عَيْنِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِيهَا جَوَازُ وَقْفِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الطَّعَامَ وَقِيلَ يُكْرَهُ انْتَهَى.

ص (عَلَى أَهْلٍ لِلتَّمَلُّكِ) ش: هَذَا الضَّابِطُ لَيْسَ بِشَامِلٍ لِخُرُوجِ نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالْقَنْطَرَةِ مِنْهُ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْحَبْسِ لَهُ أَوْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا يَصِحُّ رَدُّهُ اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ ابْنُ شَاسٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَهْلًا لِلرَّدِّ وَالْقَبُولِ وَفِي كَوْنِ قَبُولِهِ شَرْطًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ خِلَافٌ انْتَهَى.
ص (كَمَنْ سَيُولَدُ لَهُ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا كَعَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فِي كَوْنِهِ جَعَلَ لَهُ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ هُنَا تَكَلَّمَ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ وَهُنَاكَ عَلَى لُزُومِهِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ عَلَى الْحَمْلِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْحَمْلِ وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ وَبِهَا احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ وَفِي لُزُومِهِ بِعَقْدِهِ عَلَى مَنْ يُولَدُ قَبْلَ وِلَادَتِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لِنَقْلِ الشَّيْخِ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ لِمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ بَيْعُ مَا حَبَسَهُ مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَائِلًا لَوْ جَازَ لَجَازَ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَمَوْتِهِ (قُلْت) يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ بِوُجُودِهِ اسْتَمَرَّ ثُبُوتُهُ لِوُجُودِ مُتَعَلِّقِهِ وَقَبْلَهُ لَا وُجُودَ لِمُتَعَلِّقِهِ حُكْمًا وَالْأَوْلَى احْتِجَاجُ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ حَبْسٌ قَدْ صَارَ عَلَى مَجْهُولِ مَنْ يَأْتِي فَصَارَ مَوْقُوفًا أَبَدًا وَمَرْجِعُهُ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ وَلَهُمْ فِيهِ مُتَكَلَّمٌ انْتَهَى.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ إيَاسِهِ قَوْلَانِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثَالِثٌ يَرَى أَنَّ الْحَبْسَ قَدْ تَمَّ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ أَيْ الْحَبْسُ وَالثَّمَرَةُ وَإِذَا بَقِيَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ رُدَّ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ حَوْزُهُ لِوَلَدِهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ انْتَهَى.
وَمِنْ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ صَارَ مِيرَاثًا انْتَهَى.

[مَسْأَلَةٌ الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ]

(مَسْأَلَةٌ) سُئِلْت عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ.
قَالَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ أَوْقَفَ كَاتِبُهُ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ عَلَى وَلَدِهِ فُلَانٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَعَلَى مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ هَلْ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَهُ يَرْجِعُ إلَى الْوَاقِفِ أَوْ إلَى الْوَلَدِ (فَأَجَبْت) أَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَقَالَ السَّائِلُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ إنِّي أَوْقَفْت الدَّارَ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَعَلَى مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لِي مِنْ الْأَوْلَادِ فَبَيَّنَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ فِي أَجْوِبَتِهِ يَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ قَوْلُ الْمُحْبِسِ فِي وُجُوهِ تَحْبِيسِهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَصٍّ جَلِيٍّ لَوْ كَانَ حَيًّا فَقَالَ إنَّهُ أَرَادَ مَا يُخَالِفُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ وَلَا يُخَالَفُ حَدُّهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمَا كَانَ مِنْ كَلَامٍ مُحْتَمَلٍ لِوَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ حُمِلَ عَلَى أَظْهَرِ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا أَنْ يُعَارِضَ أَظْهَرَهُمَا أَصْلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى

الْأَظْهَرِ مِنْ بَاقِيهَا إذَا كَانَ الْمُحْبِسُ قَدْ مَاتَ فَفَاتَ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ إذْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَا أَرَادَ وَأَحَقُّ بِبَيَانِهِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ إذَا كَانَ حَيًّا وَفَسَّرَ اللَّفْظَ بِأَحَدِ احْتِمَالَاتِهِ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَلَوْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الصَّرِيحِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ خِلَافَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ إذَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَكُلِّ وَلَدٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ فَقَطْ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الِابْنِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْأَقْرَبِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْحَبْسِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى فَرْعٌ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ وَهُوَ بَعِيدٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ إذَا قَالَ الْوَاقِفُ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ طَبَقَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ ذِكْرُ الْوَاقِفِ فَبَقِيَ الضَّمِيرُ دَائِرًا بَيْنَ طَبَقَةِ الْوَاقِفِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي تَعْيِينُ الْمَقْصُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَإِذَا نَصَّ عَلَى طَبَقَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيُمَيَّزُ بَيْنَ الْأَخِ وَابْنِ الْعَمِّ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ الْجَمِيعُ أَوْلَادُ عَمٍّ وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ الْكُلُّ إخْوَةٌ فَكِلَا الْجِهَتَيْنِ طَبَقَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَيَقُولَ مِنْ إخْوَتِهِ أَوْ يَقُولَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَيَتَعَيَّنَ الْأَخُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي الطَّبَقَةِ وَابْنُ الْعَمِّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ فَإِنْ قَالَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَأَفْتَوْا بِالتَّسْوِيَةِ فِي الشَّقِيقِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ فَإِنَّ حَجْبَ الشَّقِيقِ لَهُ لَيْسَ بِالْقُرْبِ بَلْ بِالْقُرْعَةِ فَإِنْ قَالَ طَبَقَتُهُ وَسَكَتَ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْأَخِ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ.
قَالَ لِأَنَّهُ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَتَمِّ مُرَادِهِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ فِي طَبَقَتِهِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِمَا بَيَّنْت لَك انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ فِي طَبَقَتِهِ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْإِخْوَةُ فَقَطْ دُونَ بَنِي عَمِّ الْعَمِّ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ رَجَعَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ إخْوَتُهُ فَقَطْ دُونَ بَنِي عَمٍّ إمَّا أَصَالَةً كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى أَتَمِّ مُرَادِهِ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ.

ص (وَذِمِّيٍّ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْأَظْهَرُ جَرْيُهَا عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَوَّاقُ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ حَبَسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الإنسان: 8] وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَقَارِبُهُ أَقَارِبُ جِهَتَيْهِ وَإِنْ نَصَارَى.

ص (وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ) ش: وَانْظُرْ الْوَقْفَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي وَإِنْ

اُتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فَلَا يُصْرَفُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَيُتَوَقَّفُ فِي بُطْلَانِهِ أَوْ صَرْفِهِ إلَى جِهَةِ قُرْبِهِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ الْأَذَانُ جَمَاعَةً بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْأَذَانَ جَمَاعَةً عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ.
قَالَ وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ فَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ أَوْ لِأَهْلِ الْجَامِكِيَّةِ وَالْجَامَكِيَّةُ لَا تُصْرَفُ فِي بِدْعَةٍ كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى.

ص (وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) ش. قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْمَازِرِيُّ أَمَّا نَبْشُ الْقُبُورِ وَإِزَالَةُ الْمَوْتَى فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَعَلَّهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَائِطِ لَمْ يُمَلِّكُوهُمْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ لَعَلَّهُ تَحْبِيسٌ وَقَعَ مِنْهُمْ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَالْكَافِرُ لَا تَلْزَمُهُ الْقُرْبَةُ كَمَا قَالُوا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا وَهُمَا كَافِرَانِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الرِّقِّ قَبْلَ إسْلَامِهِمَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّ أَيْدِيَ أَصْحَابِ الْحَوَائِطِ زَالَتْ عَنْ الْقُبُورِ لِأَجْلِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا.
قَالَ عِيَاضٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْبِيسِ أَهْلِ الْكُفْرِ بَقَاءُ أَيْدِيهِمْ أَوْ زَوَالُهَا إذْ الْقُرْبَةُ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ وَعُقُودُهُمْ فِيهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فَلَهُمْ عِنْدَ أَشْيَاخِنَا بِلَا خِلَافٍ الرُّجُوعُ فِي أَحْبَاسِهِمْ وَمَنْعُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا وَيَفْتَرِقُ مِنْ الْعِتْقِ الَّذِي شَرَطَ فِي إمْضَائِهِ شُيُوخُنَا خُرُوجَهُ مِنْ يَدِهِ إذْ صَارَ ذَلِكَ حَقًّا لِلْمُعْتِقِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ وَتَسْرِيحِهِ إيَّاهُ وَتَمْلِيكِهِ نَفْسَهُ فَأَشْبَهَ عُقُودَ هِبَاتِهِمْ وَأَعْطِيَتِهِمْ اللَّازِمَةِ انْتَهَى.

ص (وَعَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ) ش: أَمَّا إذَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نَصِيبًا فَظَاهِرٌ وَإِذَا شَرَطَ إخْرَاجَهُنَّ إذَا تَزَوَّجْنَ فَصَرَّحَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ إخْرَاجِ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ وَأَنَّهُ يَبْطُلُ وَانْظُرْ لَوْ حَبَسَ عَلَى الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحْبِسِ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ لِبَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ عَقَّبَهُ بِالْخِلَافِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحْبِسِ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ لِبَنَاتِهِ دُونَ بَنِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا وَنَصُّ كَلَامِ مَالِكٍ فِي آخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَهِيَ آخِرُ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ حَبْسًا فَإِذَا انْقَرَضَ بَنَاتُهُ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُبَتَّلٌ ذَلِكَ لِهَذَا فَيَكُونُ لِلْإِنَاثِ حَتَّى يَهْلِكْنَ جَمِيعُهُنَّ وَلِلرَّجُلِ يَوْمَ هَلَكْنَ كُلُّهُنَّ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدِ ذُكُورٍ فَقَالَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَحْنُ مِنْ وَلَدِهِ نَدْخُلُ فِي صَدَقَةِ جَدِّنَا وَقَالَ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ نَحْنُ آثَرُ وَأَوْلَى فَقَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّهُ يَدْخُلُ وَلَدُ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ الذَّكَرَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فِي الْمِيرَاثِ فَلَمَّا كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي الْمِيرَاثِ وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْحَبْسِ وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ مَعَ بَنَاتِهِ لِصُلْبِهِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ بِصَدَقَةٍ حَبَسَ بَنَاتِ بَنِيهِ الذُّكُورِ لِأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ فِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ وَلَا ابْنَةٌ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحْبِسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَنْقَرِضَ بَنَاتُهُ وَبَنَاتُ بَنِيهِ الذُّكُورِ انْتَهَى.
فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحْبِسِ إلَى آخِرِهِ مَعَ جَوَابِ مَالِكٍ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ دُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَعَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِلْحُكْمِ فِي تَخْصِيصِ الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَنْزِلِهِ قَبْلَ عَامٍ)

ش وَأَمَّا إنْ عَادَ إلَى السُّكْنَى بَعْدَ عَامٍ فَلَا يَبْطُلُ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ يَحُوزُ لَهُ الْوَاقِفُ فَإِنَّهُ إنْ عَادَ إلَى السُّكْنَى بَطَلَ الْحَبْسُ وَالْهِبَةُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهُ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ.

ص (أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ أَوْ مَنْ فِي حِجْرِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى حِيَازَةَ وَقْفِهِمْ وَالنَّظَرَ لَهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة أَوْقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ]

(مَسْأَلَةٌ) سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ أَوْقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ قَاضٍ مَالِكِيٌّ فَانْتَقَلَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ وَالْوَاقِفُ بِالْوَفَاةِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَدَعَتْ زَوْجَةُ الْوَاقِفِ أَوْلَادَهُ إلَى قَاضٍ مَالِكِيٍّ آخَرَ فِي مِيرَاثِهَا مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ فَأَظْهَرُوا كِتَابَ الْوَقْفِ فَأَبْطَلَهُ وَحَكَمَ لَهَا بِإِرْثِهَا فَهَلْ يَصِحُّ نَقْضُ الثَّانِي أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت حُكْمُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُنْقِضَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ مِمَّنْ تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْجَوْرِ وَأَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْأُمُورَ الْبَاطِنَةَ أَوْ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَذَلِكَ الثَّانِي إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ أَوْ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَأَحْكَامُهُ أَيْضًا بَاطِلَةٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِيرٌ وَلَوْ سَفِيهًا) ش: أَشَارَ بِقَوْلِهِ سَفِيهًا إلَى أَنَّ حِيَازَةَ السَّفِيهِ لِمَا أُوقِفَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ وَفِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ حِيَازَةَ السَّفِيهِ لِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَطْلُوبَةٌ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحَائِزُ لَهُ ابْتِدَاءً وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مَنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لَهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا حَازَ لِنَفْسِهِ هَلْ يَصِحُّ حَوْزُهُ أَمْ لَا؟ فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ حِيَازَتَهُ لِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ وَاَلَّذِي فِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَالْخِلَافُ فِي صِحَّةِ حِيَازَةِ السَّفِيهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ وَلِيٌّ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ جَازَتْ حِيَازَتُهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا حِيَازَةُ وَلِيِّهِ لَهُ فَجَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَلْ هُوَ الْمَطْلُوبُ ابْتِدَاءً وَلَا يُقَالُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا سَفِيهًا فَلَا تَكْفِي حِيَازَةُ الْمَوْلَى لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ حَوْزِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَائِزَ لَهُ ابْتِدَاءً إنَّمَا هُوَ وَلِيُّهُ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ.
ص (أَوْ وَلِيٌّ صَغِيرٌ) ش: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ ابْتِدَاءٌ فِي الصَّغِيرِ أَنَّ الْحَائِزَ لَهُ وَلِيُّهُ وَلَوْ حَازَ لِنَفْسِهِ لَصَحَّ حَوْزُهُ كَالسَّفِيهِ فَحُكْمُ الصَّغِيرِ كَالسَّفِيهِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الطُّرَرِ وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى صَغِيرٍ مِنْ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الصَّدَقَةَ إلَى ذَلِكَ الصَّغِيرِ وَحَازَهَا فِي صِحَّةِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فَإِنَّهَا حِيَازَةٌ تَامَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْحَائِزُ صَغِيرًا وَتُنَفَّذُ الصَّدَقَةُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يَحُوزَ الصَّغِيرُ فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) حُكْمُ

الْهِبَةِ حُكْمُ الْوَقْفِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(الثَّانِي) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَصَحَّ أَيْ الْحَوْزُ بِوَكَالَةٍ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ بِحُضُورِهِ وَإِنْ قَدَّمَ الْوَاقِفُ مَنْ يَحُوزُ لَهُ جَازَ وَفِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يَجُوزُ لِلْغَائِبِ فَقَطْ.
ص (قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ) ش: دَخَلَ فِي الْمَرَضِ الْجُنُونُ.
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة وَكَذَلِكَ إنْ فَقَدَ عَقْلَهُ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ الصَّدَقَةُ بَطَلَتْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ الصَّدَقَةُ عَنْهُ أَوْ يَصِحَّ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ فَتُنَفَّذَ الصَّدَقَةُ وَيُؤْخَذَ مِنْهُ انْتَهَى.

ص (إلَّا لِمَحْجُورِهِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِي حَوْزِ الْحَاضِنِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ أُمًّا أَوْ جَدَّةً صَحَّ وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ غَيْرَ جَدَّةٍ وَأَخٍ وَإِلَّا فَلَا وَالْمَنْصُوصُ لَيْسَ بِحَوْزٍ مُطْلَقًا فَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْأَبَ صَرَفَ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ فَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتٍ)

ش:.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ شُرِكَ فَمَا خَصَّ الْوَارِثَ فَمِيرَاثٌ وَيَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَارِثِ إلَى مَرْجِعِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي فَإِنْ شَرِكَ الْمَرِيضُ الْوَارِثَ فِي الْوَقْفِ مَعَ غَيْرِهِ فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ صِحَّةَ الْوَقْفِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ مَا لِلْأَجْنَبِيِّ وَمَا خَصَّ الْوَارِثَ مِيرَاثٌ عَلَى جِهَةِ الْمِلْكِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقِّبًا وَإِنْ كَانَ مُعَقِّبًا رَجَعَ النَّصِيبُ الْمَوْقُوفُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنْ التَّعْقِيبِ وَيَبْقَى بِيَدِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى حُكْمِ الْإِرْثِ مَا دَامَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى مَرْجِعِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ.

ص (بِحَبَسْت وَوَقَفْت أَوْ تَصَدَّقْت إنْ قَارَنَهُ قَيْدٌ أَوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ أَوْ لِمَجْهُولٍ وَإِنْ حُصِرَ) ش: هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهُوَ الصِّيغَةُ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَخُصَّ شَخْصًا وَلَا زَمَانًا فَكَالصَّرِيحِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَيْ إذْنًا مُطْلَقًا أَوْ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَلَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ فَذَلِكَ كَالصَّرِيحِ لِأَنَّهُ وَقْفٌ وَإِنْ لَمْ يَخُصَّ زَمَانًا وَلَا شَخْصًا وَلَا قَيَّدَ الصَّلَاةَ فِيهِ بِفَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِوَقْفِيَّتِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ وَالِدُهُ فِي الْبَابِ السَّبْعِينَ مِنْ تَبْصِرَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّفْظَ ثُمَّ قَالَ وَلَفْظُ وَقَفْت يُفِيدُ التَّأْبِيدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْرَحُ أَلْفَاظِ الْفَصْلِ وَلِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ بِغَيْرِ ضَمِيمَةٍ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ.
قَالَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنُ زَرْقُونٍ لَفْظُ الْوَقْفِ وَالْحَبْسِ سَوَاءٌ وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ وَقَفْت مِنْ الْخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي حَبَسْت انْتَهَى.
وَهَذَا الثَّانِي

هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ لَفْظَ الْحَبْسِ عَلَى لَفْظِ الْوَقْفِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ رَاجِعًا إلَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَحَبَسْت وَتَصَدَّقْت إنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ قَيْدٍ أَوْ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ تَأَبَّدَ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ لَفْظَتَيْ حَبَسْت وَتَصَدَّقْت لَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِمُجَرَّدِهِمَا بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ ضَمِيمَةِ قَيْدٍ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ أَوْ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَتَيْنِ مَعًا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إذَا قَالَ حَبْسًا صَدَقَةً أَوْ ذَكَرَ لَفْظَ التَّأْبِيدِ أَوْ ضَمِيمَةَ جِهَةٍ فِي الْحَبْسِ لَا تَنْقَطِعُ وَمُرَادُهُ عَدَمُ انْحِصَارِ مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ الْحَبْسُ بِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَإِنْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ وَالْجِهَاتُ وَشِبْهُهَا فَفِي التَّأْبِيدِ حِينَئِذٍ رِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي التَّأْبِيدِ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ أَوْ الْجِهَاتُ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ حَبْسٌ صَدَقَةٌ أَوْ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَنَّهُ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَرْجِعُ بِمَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ وَلَا تَرْجِعُ إلَى الْمُحْبِسِ مِلْكًا وَمَعَ ذَلِكَ فَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ حَبْسٌ صَدَقَةٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّهَا تَرْجِعُ مِلْكًا إذَا حَبَسَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَلَوْ قَالَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ نَعَمْ يَعِزُّ وُجُودُ الْخِلَافِ بَلْ يَنْتَفِي إذَا اقْتَرَنَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْجِهَاتِ غَيْرِ الْمَحْصُورَةِ وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَدْلُولِ الْعُرْفِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ وَقَفْت وَحَبَسْت يُفِيدَانِ التَّأْبِيدَ سَوَاءٌ أُطْلِقَا أَوْ قُيِّدَا بِجِهَةٍ لَا تَنْحَصِرُ أَوْ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ وَقْفٌ أَوْ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ الْمُعَيَّنِ حَيَاتَهُ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ حَيَاتَهُمْ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حَيَاتَهُمْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ لِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَقَالَ حَبْسٌ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ خَمْسًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ.
قَالَا وَلَا خِلَافَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَيْ إذَا ضَرَبَ لِلْوَقْفِ أَجَلًا أَوْ قَيَّدَهُ بِحَيَاةِ شَخْصٍ وَأَمَّا لَفْظُ الصَّدَقَةِ فَلَا يُقَيِّدُ التَّأْبِيدَ إلَّا إذَا قَارَنَهُ قَيْدٌ كَقَوْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَصَدَقَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْمُجَاهِدِينَ يَسْكُنُونَهَا أَوْ يَسْتَغِلُّونَهَا أَوْ عَلَى مَجْهُولٍ وَلَوْ كَانَ مَحْصُورًا كَعَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ وَغَيْرَ الْمَحْصُورِ كَعَلَى أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُفِيدُ الْوَقْفَ فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَهِيَ لَهُ مِلْكٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَالنَّاظِرُ يَصْرِفُ ثَمَنَهَا بِاجْتِهَادِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلِلتَّحْبِيسِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ حَبْسٌ وَوَقْفٌ وَصَدَقَةٌ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَلَا مَحْصُورِينَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهَا لِفُلَانٍ مِلْكٌ يَبِيعُهَا وَيَهَبُهَا وَتُورَثُ عَنْهُ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَلَا مَحْصُورِينَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ فِي السَّبِيلِ أَوْ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ أَوْ بَنِي تَمِيمٍ فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ إلَّا أَنْ يَقُولَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَسْكُنُونَهَا أَوْ يَسْتَغِلُّونَهَا فَتَكُونُ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ لِلسُّكْنَى وَالِاغْتِلَالِ وَلَا تُبَاعُ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ إلَّا أَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ هَلْ تَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ أَوْ تَكُونُ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا مُطْلَقًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَكُونُ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا مُطْلَقًا وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ رِجَالِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ إنَّ ذَلِكَ إعْمَارٌ وَتَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ

إلَى الْمُصَدِّقِ مِلْكًا انْتَهَى.

[فَائِدَة اخْتَلَطَ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ]

(فَائِدَةٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ قَوْلُهُمْ لَوْ اخْتَلَطَ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ هَذَا اللَّفْظُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ نَقَلْت فِي الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّيْدِ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ إنْ قُلْت كُلُّ عَدَدٍ فَهُوَ مَحْصُورٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَلَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ حَصْرَ أَهْلِ الْبَلَدِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ فَنَقُولُ كُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ لَعَسَرَ عَلَى النَّاظِرِ عَدَدُهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَمَا سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ وَمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ اسْتَفْتِ فِيهِ الْقَلْبَ هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ

[فَرْعٌ أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ هُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ مَالِكٌ إذَا أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ هُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ قِيلَ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَكِبَهُ وَرَدَّهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ ثَمَنِهِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ شَأْنَك بِهِ فَافْعَلْ بِهِ مَا أَرَدْت فَإِنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَأَرَاهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي غَزْوِهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ مَا يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ.
قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْطَى ذَهَبَا أَوْ وَرِقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَنْ أُعْطِيَ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ يُنْفِقُهُ فِي الْغَزْوِ فَإِنْ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ بَعْدَ مَا مَرَّ غَزْوُهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَأَعْطَاهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ لِنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَمَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ إلَّا أَهْلُ الْحَاجَةِ وَمَا جُعِلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَاءِ فَلْيَشْرَبْ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ عُمُومُ النَّاسِ وَلَا مَهَانَةَ فِيهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَسْأَلَةٌ فَإِنْ قِيلَ مَا تَقُولُونَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ تُوجَدُ عَلَى ظُهُورِهَا وَهَوَامِشِهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِكَوْنِهَا وَقْفًا بِذَلِكَ قِيلَ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ رَأَيْنَا كُتُبًا مَوْدُوعَةً فِي خِزَانَةٍ فِي مَدْرَسَةٍ وَعَلَيْهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ وَقَدْ مَضَى عَلَيْهَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ كَذَلِكَ وَقَدْ اشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُشَكَّ فِي كَوْنِهَا وَقْفًا وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ فَإِنْ انْقَطَعَتْ كُتُبُهَا أَوْ فُقِدَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ وَعَلَيْهَا تِلْكَ الْوَقْفِيَّةُ وَشُهْرَةُ كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ مَعْلُومَةٌ فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاسْتِفَاضَةُ وَيَثْبُتُ مَصْرِفُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَأَمَّا إذَا رَأَيْنَا كُتُبًا لَا نَعْلَمُ مَقَرَّهَا وَلَا نَعْلَمُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةَ فَهَذِهِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي أَمْرِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهَا وَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ الرَّدُّ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُوجَدُ عَلَى أَبْوَابِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْأَحْجَارِ الْمَكْتُوبَةُ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةُ وَتَخْلِيصُ شُرُوطِهَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَحْجَارُ قَدِيمَةً وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ الْوَقْفِ فِي مَصْرِفِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ انْتَهَى مِنْ التَّبْصِرَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَقَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرَجَعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ) ش: فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمُرْجِعِ أَغْنِيَاءَ فَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى

النَّاسِ بِهِمْ وَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ انْتَهَى.
مِنْ وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَعَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ لَهُمْ) ش: اُنْظُرْ الْقَاضِي عَبْدَ الْوَهَّابِ وَالْفَاكِهَانِيَّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ رَجَعَ نَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَأَظُنُّهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَدْ نَقَلْت بَعْضَهُ فِي الْهِبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَى وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ سُئِلْت عَنْهُمَا إحْدَاهُمَا فِي امْرَأَةٍ أَوْقَفَتْ دَارًا لَهَا عَلَى وَلَدِهَا عُمَرَ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَالطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى فَتُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ وَتَسَلَّمَ الْوَقْفَ وَلَدُهَا عُمَرُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ مَاتَ عَنْ ذَكَرٍ وَثَلَاثِ بَنَاتٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ مِنْ الْبَنَاتِ اثْنَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ لِأَوْلَادِهِمْ حِصَّةٌ مَعَ وُجُودِ خَالِهِمْ وَخَالَتِهِمْ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت لِأَوْلَادِ كُلِّ مَيِّتَةٍ حِصَّةُ وَالِدَتِهِمْ وَلَيْسَ لِخَالِهِمْ وَلِخَالَتِهِمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى حَسْبَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَحَظُّهُ لِوَالِدِهِ دُونَ إخْوَتِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِ الرَّدِّ خَطَأٌ صُرَاحٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى تَحْقِيقِ لَفْظِ الْمُحْبِسِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ وَهَذَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَعَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَفْتَى بِذَلِكَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الْفُرُوعَ لَا تَدْخُلُ مَعَ أُصُولِهِمْ وَلَا يُشَارِكُونَهُمْ وَأَنَّ الْوَلَدَ يَسْتَحِقُّ مَا كَانَ لِأَبِيهِ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ وَأَوْلَادُهُمْ فَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ قَطِيعٌ حُبِسَ مِنْ جَنَّةٍ وَفِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) شَخْصٌ أَوْقَفَ مَالَهُ الْفُلَانِيَّ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ مِنْ ظَهْرِهِ مِنْ الْأَوْلَادِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَتَعَاقَبُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَعَقِبًا بَعْد عَقِبٍ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ عَدَا أَوْلَادِ الْبَنَاتِ مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِ بَنِيهِ وَمَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولٌ فِي ذَلِكَ وَقْفًا صَحِيحًا عَلَى مَنْ سَيُولَدُ مِنْ ظَهْرِهِ وَعَلَى مَنْ ذَكَرَ بَعْدَهُمْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ فَهَلْ قَوْلُهُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ يَمْنَعُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى مِنْ الدُّخُولِ مَعَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ يَمْنَعُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ يَدْخُلُ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ؟ . وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَمْنَعُ فَهَلْ يُقَيَّدُ دُخُولُ الْأَبْنَاءِ بِوُجُودِ الْآبَاءِ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ لَا يَدْخُلُ لِأَنَّ دُخُولَهُ كَانَ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ أَبِيهِ؟ فَأَجَبْت لَا أَعْلَمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِخُصُوصِهَا مَنْصُوصَةً أَعْنِي إذَا قَالَ الْوَاقِفُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ قَالَ وَيَدْخُلُ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْأَبْنَاءِ مَعَ الْآبَاءِ وَكَلَامُ الْوَاقِفِ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ مَعَ آبَائِهِمْ فِي مَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَطَفَ الْأَبْنَاءَ عَلَى الْآبَاءِ بِالْوَاوِ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِدُخُولِهِمْ مَعَهُمْ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا (وَالثَّانِي) وَهُوَ أَقْوَاهُمَا تَصْرِيحُهُمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الْآبَاءِ مَرَّتَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَعَقِبًا بَعْدَ عَقِبٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّنْصِيصَ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِمْرَارِ الْوَقْفِ وَتَأْبِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى جَمِيعِ الْبُطُونِ وَالْأَعْقَابِ وَإِذَا ظَهَرَ دُخُولُهُمْ فِي الْوَقْفِ مَعَ آبَائِهِمْ فَدُخُولُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ أَحْرَى وَأَوْلَى وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ؛ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِفَحْوَى الْخِطَابِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِمْ لِأَوْلَادِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِذَا صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِدُخُولِهِمْ مَعَ أَبِيهِمْ فِي حَيَاتِهِ فَدُخُولُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَيْضًا فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ بِأَنَّ الْأَبْنَاءَ لَا يَدْخُلُونَ مَعَ آبَائِهِمْ.
قَالُوا: فَإِذَا مَاتَ وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ فَإِنَّ أَوْلَادَهُ يَسْتَحِقُّونَ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَعْمَامِهِمْ وَلَا يُقَالُ إنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ جَمِيعِ الْأَوْلَادِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَأَفْتَى شُيُوخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى إنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْوَلَدِ مَعَ أَبِيهِ لَا مِنْ دُخُولِهِ مَعَ أَعْمَامِهِ وَمَنْ فِي طَبَقَةِ أَبِيهِ فَإِذَا صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِدُخُولِ الْأَوْلَادِ مَعَ آبَائِهِمْ فَلَا يُشَكُّ فِي دُخُولِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ رَاسَلَنِي بِهَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَصُّهُ وَقَعَتْ لَنَا مَسْأَلَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ شَخْصٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَشَرَطَ أَنَّ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَمَاتَ شَخْصٌ مِنْ طَبَقَتِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَثَمَّ شَخْصٌ فِي طَبَقَتِهِ إلَّا أَنَّ أَبَا هَذَا الشَّخْصِ مَوْجُودٌ وَهُوَ مَحْجُوبٌ بِهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقٌ فَهَلْ يَكُونُ نَصِيبُ هَذَا الْمَيِّتِ لِهَذَا الْمَحْجُوبِ بِأَبِيهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ لِمَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ وَمِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ.
وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْوَاقِفِ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ يَحْجُبُ فُرُوعَهُ لَا فُرُوعَ غَيْرِهِ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْآنَ إلَّا بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْوَاقِفِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالْفِعْلِ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَجْزِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ فَاكْتُبْ لِي مَا عِنْدَك فِيهَا نَقْلًا أَوْ بَحْثًا انْتَهَى كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَفِي كَقَنْطَرَةٍ

لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْحَبْسِ وَإِنْ جَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ فِي السَّبِيلِ أَوْ فِي وَقَيْدِ مَسْجِدٍ أَوْ إصْلَاحِ قَنْطَرَةٍ كَذَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبْهَمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَيُوقَفُ عَلَى التَّأْبِيدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ الْوَجْهُ لِخَلَاءِ الْبَلَدِ أَوْ فَسَادِ مَوْضِعِ الْقَنْطَرَةِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ بِنَاؤُهَا وُقِفَ إنْ طَمِعَ بِصَرْفِهِ إلَيْهِ أَوْ صَرْفِهِ فِي مِثْلِهِ (قُلْت) وَقَعَتْ بِتُونُسَ حَبَسَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ كُتُبًا لِمَدْرَسَةٍ ابْتَدَأَهَا بِالْقَيْرَوَانِ وَأُخْرَى بِتُونُسَ وَجَعَلَ مَقَرَّهَا بَيْتًا بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ تَمَامِهَا قُسِمَتْ الْكُتُبُ عَلَى مَدَارِسِ تُونُسَ انْتَهَى.

ص (وَلَا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ) ش: وَيَصِيرُ كَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ لَا يَضُرُّهُ اسْتِحْدَاثُ سَيِّدِهِ دَيْنًا قَبْلَ الْأَجَلِ وَذَلِكَ يَضُرُّ عِنْدَ التَّحْبِيسِ

قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَحُزْ عَنْهُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ فَإِنَّ لَهُ مَنْفَعَتَهُ فِي الْأَجَلِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضُرَّهُ حُدُوثُ الدَّيْنِ وَإِنْ أَبْقَاهَا لِنَفْسِهِ بَطَلَ بِحُدُوثِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجَرِ لِغَيْرِهِ وَعَلَى إعْمَالِهِ لَا يَبْطُلُ بِهِ انْتَهَى.

ص (وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ إنْ جَازَ لِتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ) ش مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ جَازَ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ مَا لَا يَجُوزُ لَا يُتَّبَعُ وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا شَرَطَ شَيْئًا مُتَّفَقًا عَلَى مَنْعِهِ وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي وَقْفِهِ إنْ وَجَدَ فِيهِ ثَمَنَ رَغْبَةِ بَيْعٍ وَاشْتَرَى غَيْرَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ مَضَى وَعَمِلَ بِشَرْطِهِ.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الرُّجُوعُ فِي الْحَبْسِ وَهَلْ يُبَاعُ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا أَرَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي الدَّارِ أَنْ يَقُولَ إذَا وَجَدَ فِي الدَّارِ ثَمَنًا رَغِيبًا فَلْتُبَعْ وَيَشْتَرِ بِثَمَنِهَا دَارًا وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ فَإِنْ اسْتَثْنَاهُ فِي حَبْسِهِ جَازَ وَمَضَى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ مَا جَاءَ فِي مَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْحَبْسِ فِي الرِّبَاعِ إنْ وَجَدَ ثَمَنًا رَغِيبًا فَقَدْ أَذِنَتْ فِي بَيْعِ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْتَاعَ بِثَمَنِ ذَلِكَ رَبْعًا مِثْلَهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى بَيْعِ ذَلِكَ وَالْعُذْرُ فِي تَغْيِيرِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ مُسْتَثْنٍ جَازَ وَمَضَى انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ أَيْضًا وَمِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ إخْرَاجِ الْبَنَاتِ مِنْ الْوَقْفِ إذَا تَزَوَّجْنَ وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ الْعُتْبِيَّة وَكَلَامَهُ بِرُمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ: قَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي أَثْنَاءِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ: قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى ذُكُورِ وَلَدِهِ وَأَخْرَجَ الْبَنَاتِ مِنْهُ إذَا تَزَوَّجْنَ فَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقُلْت لِمَالِكٍ أَتَرَى أَنْ يَبْطُلَ ذَلِكَ وَيُسَجَّلُ الْحَبْسُ؟ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَكِنْ إذَا فَاتَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا حَبَسَ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا وَلَمْ يَحُزْ الْحَبْسَ فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْإِنَاثَ وَإِنْ كَانَ قَدْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَفَوْتٍ وَيَكُونُ عَلَى مَا جَعَلَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَجُوزُ وَيَبْطُلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ خِلَافَ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ يَمْضِي إذَا فَاتَ وَلَا

يُنْقَضُ وَفَوْتُ الْحَبْسِ عِنْدِي أَنْ يُحَازَ عَنْ الْمُحْبِسِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَوْ يَمُوتَ يُرِيدُ أَوْ يَمُوتَ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ وَرَأَى أَنَّ الْحَبْسَ إذَا لَمْ يُحَزْ عَنْ الْمُحْبِسِ عَنْهُ أَنْ يَبْطُلَ الْحَبْسُ وَيَدْخُلَ الْإِنَاثُ فِيهِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْأَحْبَاسَ لَا تَلْزَمُ وَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا حَتَّى تُقْبَضَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ مِنْ الْعَمَلِ فَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا لَا يُفْسَخُ الْحَبْسُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ بِفَسْخِهِ وَهُمْ كِبَارٌ وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَقَالَ إنَّمَا يُفْعَلُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ فَسْخِ الْحَبْسِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُسَجَّلًا إنَّمَا ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْبَهُ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يَجُزْ لَهُ فَسْخُهُ وَيُقِرُّ عَلَى مَا حَبَسَ وَإِنْ كَانَ حَيًّا إلَّا أَنْ يَرْضَوْا لَهُ بِرَدِّهِ وَهُمْ كِبَارٌ.
قَالَ مَالِكٌ إنْ لَمْ يُخَاصِمْ فَلْيَرُدَّ الْحَبْسَ حَتَّى يَجْعَلَهُ عَلَى صَوَابٍ.
ظَاهِرُهُ إنْ كَانَ لَمْ يَحُزْ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ مِنْ الْفِعْلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ خُوصِمَ فَلْيُقِرَّهُ عَلَى حَالِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ إنْ كَانَ قَدْ حِيزَ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي فَسْخِ الْحَبْسِ بِأَنْ يُحَازَى عَنْهُ أَوْ لَا يُحَازَ وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَى مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْحَبْسَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَرِضَاهُمْ وَقَدْ تَأَوَّلَ أَيْضًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ حِيزَ عَنْهُ وَإِنْ أَبَى الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى إعْمَالَ الْحَبْسِ جُمْلَةً وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ شَكٍّ بَعْدَ هَذَا مِنْ هَذَا السَّمَاعِ وَفِي رَسْمِ نَذْرٍ وَتَأَوَّلَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُحْبَسُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ الْحَبْسُ فَيَتَحَصَّلُ عَلَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُحْبِسُ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ الْحَبْسُ وَيَرْجِعَ لِمِلْكِهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحْبِسَ يَفْسَخُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَإِنْ حِيزَ عَنْهُ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِخْرَاجُ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَكْرَهُ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة إنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ إنْ تَزَوَّجْنَ فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَاتَ وَكَانَ عَلَى مَا حَبَسَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا فَلْيَفْسَخْهُ وَيَجْعَلُهُ مُسَجَّلًا وَإِنْ مَاتَ لَمْ يُفْسَخْ فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ الْحَوْزِ وَيَجْعَلَهُ مُسَجَّلًا مَا لَمْ يَمُتْ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ أَبْطَلَ وَقْفَهُ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُكْرَهُ فَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَبْطُلُ إنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ وَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَحُزْهُ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُفْسَخُ وَإِنْ حِيزَ مَا لَمْ يَفُتْ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُمَا بِرُمَّتِهِ وَقَالَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ قُلْت فِي قَوْلِهِ هُوَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا وَقَعَ أُمْضِيَ وَلَمْ يُفْسَخْ وَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ زَرْقُونٍ وَقَالَ: الْأَوَّلَانِ تَأَوَّلَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّالِثُ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ وَالرَّابِعُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ الْبَاجِيُّ قَبْلَ ذِكْرِهَا ابْنُ زَرْقُونٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ فَاتَ ذَلِكَ مَضَى عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَأَرَى أَنْ يَرُدَّهُ وَيَدْخُلَ فِيهِ الْبَنَاتُ وَنَحْوُهُ لِعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ.
(قُلْت) اُنْظُرْ هَلْ هَذَا زَائِدٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا سِوَى الْأَوَّلِ مِنْهَا وَإِنَّ الثَّلَاثَةَ إنَّمَا هِيَ مَا لَمْ يَمُتْ فَإِنْ مَاتَ مَضَى وَهُوَ أَبْيَنُ ثُمَّ قَالَ فَفِي الْحَبْسِ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَزَوَّجْنَ أَرْبَعَةٌ ابْنُ رُشْدٍ وَخَامِسُهَا جَوَازُهُ وَسَادِسُهَا كَرَاهَتُهُ وَسَابِعُهَا فَوْتُهُ بِحَوْزِهِ وَإِلَّا فَسَخَهُ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل