ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَلَا يُوجَدُ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا يَسْتُرُ بِهِ عَيْبَهُ فَيَظْهَرُ فِي صُورَةِ السَّالِمِ اهـ. قَصَرَ هَذَا الْكَلَامَ فِيمَا يَسْتُرُ الْعَيْبَ فَقَطْ وَشُمُولُ الْفِعْلِ لَا يَسْتُرُ عَيْبًا، وَإِنَّمَا يُظْهِرُ كَمَالًا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ قُلْت: هَذَا إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْبَائِعَ فَعَلَهُ، أَوْ أَمَرَ بِهِ لِاحْتِمَالِ فَعَلَهُ الْعَبْدُ دُونَ سَيِّدِهِ لِكَرَاهَةِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ بِهِ فِي النَّجْشِ، وَمِنْهُ صَبْغُ الثَّوْبِ الْقَدِيمِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُ جَدِيدٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: مَنْ ابْتَاعَ ثِيَابًا فَرَقَمَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا ابْتَاعَهَا بِهِ وَبَاعَهَا بِرَقْمِهَا، وَلَمْ يَقُلْ: قَامَتْ عَلَيَّ بِكَذَا شَدَّدَ مَالِكٌ كَرَاهَةَ فِعْلِهِ وَاتَّقَى فِيهِ وَجْهَ الْخِلَابَةِ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ إنْ وَقَعَ خُيِّرَ فِيهِ مُبْتَاعُهُ، وَإِنْ فَاتَ رُدَّ بِقِيمَتِهِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّقَلِّيُّ عَنْ ابْنِ أَخِي هِشَامٍ يُخَيَّرُ فِي قِيَامِهَا، وَفِي فَوَاتِهَا الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَثَمَنِهَا اهـ. وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: الْغَرَرُ بِالْقَوْلِ لَا يُضْمَنُ، وَفِيهِ الْخِلَافُ وَبِالْفِعْلِ يُضْمَنُ بِلَا خِلَافٍ فَالْأَوَّلُ: كَمَسْأَلَةِ الصَّيْرَفِيِّ يَنْقُدُ الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ يَظْهَرُ فِيهَا زَائِفٌ، وَمَسْأَلَةِ الْخَيَّاطِ يَقِيسُ الثَّوْبَ وَيَقُولُ يَكْفِي فَيُفَصِّلُهُ فَيَنْقُصُ، وَالدَّلِيلِ يُخْطِئُ الطَّرِيقَ، وَالْغَارِّ فِي الْأَمَةِ يَقُولُ: إنَّهَا حُرَّةٌ، وَمَنْ أَعَارَ شَخْصًا إنَاءً مَخْرُوقًا، وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فِي رَمَضَانَ: كُلْ فَإِنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَقَدْ عَلِمَ طُلُوعَهُ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالضَّمَانِ يُؤَدَّبُ وَيَتَأَبَّدُ أَدَبُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَإِذَا ضَمَّنَّاهُ يَلْزَمُهُ الْمِثْلُ وَالْقِيمَةُ بِمَوْضِعِ هَلَكَ.
وَالثَّانِي كَمَنْ لَثَمَ شَخْصًا بِيَدِهِ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَمَسَائِلِ التَّدْلِيسِ، وَصَبْغِ الثَّوْبِ الْقَدِيمِ، وَتَلْطِيخِ ثَوْبِ الْعَبْدِ بِالْمِدَادِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ. بِاخْتِصَارٍ، وَمِنْهَا أَيْضًا قَالَ فِي مَسَائِلِ أَجْوِبَةِ الْقَرَوِيِّينَ فِي الْقَائِلِ لِرَجُلٍ: بِعْ سِلْعَتَكَ مِنْ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ وَمَلِيءٌ فَوَجَدَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا يَغْرَمُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَغُرَّهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ اهـ. التَّصْرِيَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ حَتَّى يَعْظُمَ ثَدْيُهَا لِيُوهِمَ مُشْتَرِيَهَا أَنَّهَا تَحْلِبُ مِثْلَ ذَلِكَ اهـ.
(فَرْعٌ:) لَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً وَسَافَرَ قَبْلَ حِلَابِهَا فَحَلَبَهَا أَهْلُهُ زَمَانًا فَقَدِمَ فَعَلِمَ بِتَصْرِيَتِهَا فَلَهُ رَدُّهَا، وَيَرُدُّ صَاعًا فَقَطْ وَغَيْرَ خَرَاجٍ بِالضَّمَانِ.
نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: الْحَيَوَانِ، نَظَرٌ؛ لِشُمُولِهِ الْأَنْعَامَ وَغَيْرَهَا، وَعَيْبُ التَّصْرِيَةِ خَاصٌّ بِالْأَنْعَامِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ التَّصْرِيَةُ فِي غَيْرِ الْأَنْعَامِ، وَعَلَى تَسْلِيمِهِ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ الْخَطَّابِيِّ التَّصْرِيَةُ فِي الْآدَمِيَّاتِ كَالْأَنْعَامِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا تُرَدُّ الْأَمَةُ لِذَلِكَ
ص (لَا إنْ عَلِمَهَا مُصَرَّاةً)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ عَلِمَ مُشْتَرِيهَا أَنَّهَا
مُصَرَّاةٌ قَبْلَ أَنْ يَحْلِبَهَا فَلَهُ رَدُّهَا قَبْلَ حِلَابِهَا لِيُخْبِرَهَا بِحَالِهَا، وَهَلْ نَقْصُ تَصْرِيَتِهَا يَسِيرٌ أَمْ لَا؟ ، وَكَذَا إنْ عَلِمَ بَعْدَ حَلْبِهَا فَأُصْرِيَتْ بِهِ لَهُ رَدُّهَا وَإِمْسَاكُهَا حَتَّى يَحْلِبَهَا وَيَعْلَمَ عَادَتَهَا (قُلْت) يَجِبُ أَنْ لَا يَرُدَّهَا بَعْدَ إمْسَاكِهَا لِمَا ذُكِرَ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا أَمْسَكَهَا إلَّا لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ بِذَلِكَ قَبْلَ إمْسَاكِهَا.
قَالَ: وَإِنْ اشْتَرَاهَا عَالِمًا أَنَّهَا مُصَرَّاةٌ فَلَا رَدَّ لَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا دُونَ مُعْتَادِ مِثْلِهَا.
ص (وَمَنَعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ)
ش: يَعْنِي إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَنَصُّ الشَّامِلِ كَأَنْ بَاعَهُ وَارِثٌ لِقَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ إنْ بَيَّنَ أَنَّهُ إرْثٌ، أَوْ بَاعَهُ حَاكِمٌ عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بَاعَ بِحِدْثَانِ مِلْكِهِ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ أَعْلَمَهُ، وَلَوْ حَاكِمًا، أَوْ وَارِثًا حَتَّى يُسَمِّيَهُ أَنْ لَمْ يَتَفَاوَتَ كَقَطْعٍ، أَوْ عَوَرٍ، أَوْ يُرِيدُ لَهُ، وَانْظُرْ الْمُدَوَّنَةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ
ص (وَوَارِثٍ)
ش: أَيْ إذَا بَاعَ لِقَضَاءِ دَيْنٍ، أَوْ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّامِلِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَى اعْتِبَارِ بَيْعِ الْمِيرَاثِ فَفِي كَوْنِهِ مَا بِيعَ مِنْهُ لِقَضَاءِ دَيْنٍ فَقَطْ وَلِمَا بِيعَ لِقَسْمِ الْوِرَاثَةِ قَوْلَانِ لِلْبَاجِيِّ وَعِيَاضٍ عَنْ غَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ:) بَيْعُ الْحَاكِمِ وَالْوَارِثِ هُوَ بَيْعُ الْبَرَاءَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمَعْنَى الْبَرَاءَةِ الْتِزَامُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ أَنْ لَا يُطَالِبَهُ بِشَيْءٍ مِنْ سَبَبِ عُيُوبِ الْمَبِيعِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمْ بِهَا كَانَتْ قَدِيمَةً، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْبَرَاءَةُ تَرْكُ الْقِيَامِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ فِيهَا، وَفِي عَدَدِهَا اضْطِرَابٌ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ، وَأَطَالَ فَرَاجِعْهُ إنْ أَرَدْتَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يُجْمِلْهُ)
ش: يَعْنِي
لَمْ يُجْمِلْ الْعَيْبَ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُجْمِلْ فِي ذِكْرِ الْعَيْبِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ.
قَالَ الْبِسَاطِيُّ: ﴿نُكْتَةٌ﴾ : كَانَ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ يَتَمَسَّكُ بِظَاهِرِ قَوْلِهِمْ: إذَا أَجْمَلَ لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ سَرَقَ دِرْهَمًا مَثَلًا، وَكُنْتُ أُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ، وَأَقُولُ: إنَّهُ يُفِيدُ فِيمَا سُرِقَ عَادَةً وَمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ نَقَّبَ، أَوْ أَتَى ذَلِكَ بِالْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ فَلَا يُفِيدُ وَفَاتَ، وَلَمْ يَرْجِعْ، وَأَنَا بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ أَرْجِعْ عَنْهُ اهـ.
(قُلْت:) مَا نَقَلَهُ هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَالنَّوَادِرِ فِي ذَلِكَ كَالصَّرِيحِ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَاعَ بَعِيرًا فَتَبَرَّأَ مِنْ دَبَرَاتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً مُفْسِدَةً لَمْ يَبْرَأْ، وَإِنْ أَرَاهُ إيَّاهَا حَتَّى يَذْكُرَ مَا فِيهَا مِنْ تَعَدٍّ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَبَرَّأَ فِي عَبْدٍ مِنْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقٍ، وَالْمُبْتَاعُ يَظُنُّ إبَاقَ لَيْلَةٍ، أَوْ إلَى مِثْلِ الْعَوَالِي، أَوْ سَرِقَةَ الرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ أَبَقَ إلَى مِثْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ فَلَا يَبْرَأُ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُهُ اهـ. فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ يَأْبَقَ لَيْلَةً، أَوْ يَسْرِقُ رَغِيفًا بَرِئَ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْبَرَاءَةِ، وَمِنْ الْوَاضِحَةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْ عَيْبٍ فَمِنْهُ فَاحِشٌ وَخَفِيفٌ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ فَاحِشِهِ حَتَّى يَصِفَ تَفَاحُشَهُ مِنْ ذَلِكَ: الْإِبَاقُ وَالسَّرِقَةُ، وَالدَّبَرَةُ بِالْبَعِيرِ، وَمِثْلُ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ كَيٍّ، أَوْ آثَارٍ بِالْجَسَدِ، أَوْ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ فَيُوجَدُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاحِشًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَهُ الرَّدُّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُيُوبِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ اهـ. وَهَذَا أَصْرَحُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ بَعْدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً، وَمِنْهَا الْمُتَفَاحِشُ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يَذْكُرَ أَيَّ عَيْبٍ إلَّا مِنْ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ اهـ. وَهَذَا أَصْرَحُ مِمَّا فِي النَّوَادِرِ وَالْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْبِ شَاهِدَةً لِمَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَزَوَالُهُ إلَّا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ)
ش: أَيْ وَمَنَعَ مِنْ خِيَارِ الْعَيْبِ زَوَالُ ذَلِكَ الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَيْبُ لَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ فَلَا يَمْنَعُ.
(تَنْبِيهٌ:) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ ابْتِدَاءً، وَهِيَ مَا إذَا زَالَ الْعَيْبُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُبَيِّنَهُ أَمْ لَا؟ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَوْلِ فِي عُيُوبِ الرَّقِيقِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَقَالَ: وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا انْقَطَعَ الْبَوْلُ عَنْ الْجَارِيَةِ فَلَا يَعِيبُهَا حَتَّى يَبِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ عَوْدَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَهُوَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْبَوْلِ: فَإِذَا انْقَطَعَ انْقِطَاعًا بَيِّنًا مَضَى لَهُ السُّنُونَ الْكَثِيرَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ، وَأَمَّا انْقِطَاعٌ لَا يُؤْمَنُ فَلَا وَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ اهـ. وَيَأْتِي فِي الْقَوْلَيْنِ الْخِلَافُ هَلْ هُمَا خِلَافٌ، أَوْ وِفَاقٌ.
(تَنْبِيهٌ:) قَوْلُهُ وَزَوَالُهُ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِالْعَيْبِ، أَوْ بَعْدَ الْقِيَامِ بِهِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، أَوْ أَمَةً بِهَا عَيْبٌ فَذَهَبَ قَبْلَ أَنْ يُقَوَّمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ وَاخْتُلِفَ إذَا عَلِمَ فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّ بِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا رَدَّ لَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ.
وَالْأَوَّلُ: أَصْوَبُ اهـ.
ص (وَبِالْمَوْتِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ)
ش: ظَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَتْ رَائِعَةً أَمْ لَا؟ .
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ حَبِيبٍ وَأَشْهَبَ
إنَّ الْعَيْبَ يَذْهَبُ بِالْمَوْتِ دُونَ الطَّلَاقِ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ رَائِعَةً يَعْنِي فِي الْمَوْتِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
ص (فَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ، فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ)
ش: نَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ وَابْن الْحَاجِبِ، وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَبِلَهُ وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي رَدِّهِ، أَوْ فِي سُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ إنْ قَدِمَ بِهِ وَأَنَّهُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ تُرَدُّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ، أَوْ لَهُ وَكِيلٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ لِبُعْدِ غَيْبَةِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ يُرْفَعُ إلَى الْقَاضِي وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ إذَا قَدِمَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ، وَنَصُّهُ: وَغَيْبَةُ بَائِعِ الْمَعِيبِ لَا تُسْقِطُ حَقَّ مُبْتَاعِهِ.
اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ أَقَامَ بِيَدِهِ عَبْدٌ اشْتَرَاهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لِغَيْبَةِ بَائِعِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْ لِسُلْطَانٍ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ لَهُ الرُّجُوعُ بِعَيْبِهِ وَيُعْذَرُ بِغَيْبَةِ الْبَائِعِ لِثِقَلِ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الْقُضَاةِ، وَلِأَنَّهُ يَرْجُو - إنْ قَدِمَ الْبَائِعُ - مُوَافَقَتَهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا اسْتَشْهَدَ بِشَهِيدَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ إشْهَادَهُ شَرْطٌ فِي رَدِّهِ، أَوْ فِي سُقُوطِ الْيَمِينِ عَنْهُ إنْ قَدِمَ بِهِ رَبُّهُ، وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَلَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ وَلَهُ الْقِيَامُ فِي غَيْبَتِهِ
اهـ. فَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَهُ الْقِيَامُ فِي غَيْبَتِهِ أَنَّ لَهُ عَدَمَ الْقِيَامِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَيْ: وَلَوْ لَمْ يُحَقِّقْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ إذَا حَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى بِالرِّضَا، وَقَالَ: إنَّ مُخْبِرًا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ بِلَا كَلَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأَنْ لَمْ يَعْلَمْ قُدُومَهُ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ غَازِيٍّ كَأَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ، وَهُوَ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْغَائِبِ الَّذِي جُهِلَ مَوْضِعُهُ
وَالْأَصَحُّ هُوَ قَوْلُ أَبِي مَرْوَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيِّ كَمَا.
قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ نَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ لِابْنِ شَعْبَانَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي غَرَّ الشَّارِحَ فِي ذَلِكَ لَفْظُ التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيِّ فَتَصَحَّفْتُ ابْنَ الْقُرْطُبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شَعْبَانَ وَالْمُصَحِّحُ لِقَوْلِ مَالِكٍ هُوَ ابْنُ سَهْلٍ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَيْضًا.
وَقَالَ الشَّارِحُ: إنَّهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَيَقَعُ فِي النُّسْخَةِ الْمُصَحَّفَةِ مِنْ ابْنِ غَازِيٍّ مَا نَصُّهُ قَالَ يَعْنِي ابْنَ سَهْلٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ لَهُ مَجَالٌ فِي النَّظَرِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ لَهُ، وَمَجَالٌ بِالْجِيمِ، وَهُوَ كَلَامٌ فِيهِ زِيَادَةٌ وَتَصْحِيفٌ وَاَلَّذِي فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ: مُحَالٌ فِي النَّظَرِ، بِإِسْقَاطِ لَفْظَةِ لَهُ وَمُحَالٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه التَّعْلِيلُ، وَهُوَ نَصُّ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَلَفْظُهُ: وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ غَيْبَةٌ بَعِيدَةٌ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ فَلَا مَعْنَى لَهُ، وَمُحَالٌ فِي النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ قَضَى إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ يَتِمُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ ثُبُوتِ تِسْعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا إثْبَاتُ الشِّرَاءِ.
الثَّانِي: إثْبَاتُ أَنَّ الثَّمَنَ كَذَا.
الثَّالِثُ إثْبَاتُ أَنَّهُ نَقَدَهُ.
الرَّابِعُ إثْبَاتُ أَمَدِ الْمُبْتَاعِ.
الْخَامِسُ إثْبَاتُ الْعَيْبِ.
السَّادِسُ: إثْبَاتُ كَوْنِ الْعَيْبِ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ.
السَّابِعُ: إثْبَاتُ قِدَمِ الْعَيْبِ، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ الْمُبْتَاعِ.
الثَّامِنُ: إثْبَاتُ غَيْبَةِ الْبَائِعِ.
التَّاسِعُ: إثْبَاتُ بُعْدِ الْغَيْبَةِ وَأَنَّهُ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْفُصُولُ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَلَفَ الْمُبْتَاعُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّ الْبَائِعَ مَا تَبَرَّأَ لَهُ مِنْ الْعَيْبِ، وَلَا بَيَّنَهُ لَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ، وَرَضِيَهُ، وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْفُصُولَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ اهـ. وَهَذِهِ الْفُصُولُ التِّسْعَةُ الَّتِي ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهَا كُلِّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّوْضِيحِ مِنْهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْهُ وَتُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا.
وَزَادَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يُثْبِتُ صِحَّةَ مِلْكِ الْبَائِعِ إلَى حِينِ الشِّرَاءِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ فِي إثْبَاتِ أَنَّ الثَّمَنَ كِرَاءٌ وَأَنَّهُ نَقَلَهُ إنْ أَرَادَ أَخْذَهُ فَمَفْهُومُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ الْمُشْتَرِي أَخْذَ الثَّمَنِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَيَّدَ إثْبَاتَ نَقْدِ الثَّمَنِ بِمَا إذَا لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ طُولًا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ: وَذَلِكَ الْعَامُ وَالْعَامَيْنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْأَوَّلُ: وَالثَّانِي مِنْ الْفُصُولِ الَّتِي ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَيْهَا هُمَا اللَّذَانِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: إنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وَصِحَّةُ الشِّرَاءِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا يَعْنِي، فَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى إثْبَاتِهِمَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْيَمِينُ، وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَلَفْظُهُ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَنَّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَرَضِيَهُ، وَلَا اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ.
، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ فَضْلٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ الْبَائِعَ مَا تَبَرَّأَ لَهُ مِنْ هَذَا الْعَيْبِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْبَرَاءَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ الَّذِي حَضَرَتْهُ
الْبَيِّنَةُ، وَأَشَارَ لِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَى قَوْلِ فَضْلٍ يَزِيدُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ مَا أَسْقَطَ حَقَّهُ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ثُمَّ يَبِيعُهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَيَقْضِي الْمُبْتَاعُ ثَمَنَهُ الَّذِي نَقَدَ بَعْدَ أَنْ تَقُولَ بَيِّنَتُهُ إنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ، وَإِنَّهُ كَذَا، وَكَذَا دِينَارًا فَمَا فَضَلَ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِلْغَائِبِ عِنْدَ أَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ نَقَصَ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ مَالٌ غَيْرُهُ، أَوْ رَأَى أَنَّهُ أَمْثَلُ مَا يُبَاعُ لَهُ، وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: مَا فِيهَا هُوَ نَصُّ الرِّوَايَةِ.
وَأَقْوَالُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَأَهْلِ الشُّورَى كَابْنِ عَتَّابٍ وَابْنِ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَالِكٍ وَابْنِ سَهْلٍ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً مِنْ سَمَاعِ عِيسَى صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا بِأَنَّ السُّلْطَانَ يَبِيعُ بَعْدَ إثْبَاتِ الْفُصُولِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى بَيْعِهِ لَهُ دُونَ شَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ اعْتِبَارَ أَوْلَوِيَّةِ مَا يُبَاعُ عَلَى الْغَائِبِ فِيمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ الْمَبِيعِ عَلَيْهِ رِضًا بِبَيْعِ مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْبَيْعُ قَدْ رَضِيَ الْمَبِيعُ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ تَوْكِيلَهُ عَلَى بَيْعِهِ انْتَهَى.
، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ.
[فَرْعٌ قَامَ بِعَيْبِ مَبِيعٍ فِي غَيْبَةِ بَائِعِهِ وَالْبَائِعُ مِنْهُ حَاضِرٌ]
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: مَنْ قَامَ بِعَيْبِ مَبِيعٍ فِي غَيْبَةِ بَائِعِهِ، وَالْبَائِعُ مِنْهُ حَاضِرٌ فَلَا رَدَّ عَلَيْهِ لِحُجَّتِهِ بِدَعْوَاهُ أَنَّ الْغَائِبَ رَضِيَهُ إلَّا فِي عَدَمِ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَضِيَهُ وَثَمَنُهُ لَمْ يَفِ بِثَمَنِهِ لَمْ يُقْبَلْ رِضَاهُ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ فَلَهُ الْقِيَامُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ غَرِيمُ غَرِيمِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَمَا فَضَلَ حَبَسَهُ الْإِمَامُ لِلْغَائِبِ عِنْدَ أَمِينٍ الشَّيْخُ.
الْقَاعِدَةُ: أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَعَرَّضُ لِدُيُونِ الْغَائِبِ يَقْبِضُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَفْقُودًا، أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ حَاضِرًا يُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ، وَرَبُّ الدَّيْنِ حَاضِرٌ، أَوْ غَائِبٌ مُلِدٌّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ تَعَدَّى عَلَى مَالِ غَائِبٍ فَأَفْسَدَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مِنْهُ الْقِيمَةَ وَيَحْبِسُهَا لِلْغَائِبِ.
وَانْظُرْ قَوْلَهُ هُنَا: حَبَسَهُ السُّلْطَانُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ؟ انْتَهَى.
، وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي النُّكَتِ فِيمَا إذَا أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ فَاتَ الْمَبِيعُ، وَحُكِمَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ الْبَائِعُ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَأْخُذُهُ بَلْ يُبْقِيهِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَحْكُمُ لِلْغَائِبِ فِي أَخْذِ دُيُونِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَفْقُودًا، أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، أَوْ يَقُولَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا أُرِيدُ بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَوْتُهُ حِسًّا كَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ) ش قَوْلُهُ: كَكِتَابَةٍ لَيْسَ تَمْثِيلًا لِلْفَوْتِ الْحِسِّيِّ؛ لِأَنَّ الْفَوْتَ فِي ذَلِكَ حُكْمِيٌّ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَشْبِيهُهُ بِالْفَوْتِ الْمُسَمَّى فِي مَنْعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ حِسًّا فَتَلِفَ، أَوْ حُكْمًا بِعِتْقٍ، أَوْ اسْتِيلَادٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، أَوْ تَدْبِيرٍ فَاطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ تَعَيَّنَ الْأَرْشُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) فَإِنْ وَهَبَهُ الْمُبْتَاعُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ أَيْضًا بِالْأَرْشِ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَمُوتَ، أَوْ يَقْتُلَهُ الْمُشْتَرِي خَطَأً، أَوْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ عَمْدًا، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يُعْتِقَهُ، أَوْ يُكَاتِبَهُ وَمَا أَشْبَهَهُ فَرَوَى زِيَادٌ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ تَعَذَّرَ لِعَقْدٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ؛ فَالْأَرْشُ، أَيْ: كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرَوَى زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَعْتَقَهُ أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ هَذَا فِي غَيْرِ هِبَةِ الثَّوَابِ، وَأَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَكَالْبَيْعِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَقَالَ سَحْنُونٌ وَعِيسَى فِي الْعُتْبِيَّةِ: يَكُونُ الْأَرْشُ لِلْمُتَصَدِّقِ لَا لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ قَوْلَ التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ زِيَادًا لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ
الْهِبَةِ وَكَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ ظَاهِرُهُ، أَوْ صَرِيحُهُ يَقْتَضِي دُخُولَ الْهِبَةِ أَيْضًا فِي كَلَامِ ابْنِ زِيَادٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ إذَا وَهَبَهُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ فَوْتٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: لَيْسَ بِفَوْتٍ أَفَلَهُ الِاعْتِصَارُ؟ انْتَهَى.
(قُلْت) : الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ اعْتَصَرَهُ فَلَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِمِلْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَصِرْ فَلَا رَدَّ لَهُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَهَبْته مِنْ بَائِعِهِ مِنْك، ثُمَّ اطَّلَعْتُ عَلَى الْعَيْبِ الَّذِي كَانَ بِهِ رَجَعْتَ عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَوْصَى بِشِرَاءِ دَارٍ تُوقَفُ حَبْسًا بِمَسْجِدٍ]
(فَرْعٌ:) وَمِنْ ذَلِكَ الْحَبْسُ قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْوَصَايَا فِيمَنْ، أَوْصَى بِشِرَاءِ دَارٍ تُوقَفُ حَبْسًا بِمَسْجِدٍ فَفَعَلَ وَصِيُّهُ بِذَلِكَ وَزَادَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَحَبَسَ الدَّارَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ بِهَا مَفْسَدَةُ عَيْبٍ قَبِيحَةٌ تُوجِبُ رَدَّهَا أَنَّ لِلْوَصِيِّ رَدَّهَا، وَلَيْسَ تَحْبِيسُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِمَّا يُفِيتُ رَدَّهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّحْبِيسُ فَوْتًا إذَا اشْتَرَاهَا الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ حَبَسَهَا
[فَرْعٌ الْإِبَاقُ عَيْبٌ]
(فَرْعٌ:) وَالْإِبَاقُ عَيْبٌ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْمَعِيبِ قَالَهُ فِي التَّلْقِينِ وَالْعُمْدَةِ.
[فَرْعٌ وَلَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ لِمَرَضِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ أَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ صَحَّ]
(فَرْعٌ:) وَلَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ لِمَرَضِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، ثُمَّ صَحَّ، أَوْ عَجَزَ فَاتَ، قَالَهُ فِي الشَّامِلِ ص (فَيُقَوَّمُ سَالِمًا، أَوْ مَعِيبًا) ش: وَالْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لَا يَوْمَ الْقَبْضِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بَيْعًا صَحِيحًا، فَلَمْ يَقْبِضْهَا إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَقَدْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ عِنْدَ الْبَائِعِ بِقَبْضِهَا وَبَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَالتَّقْوِيمُ فِي قِيمَةِ الْبَيْعِ يَوْمَ الصَّفْقَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُبْتَاعُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ حَتَّى مَاتَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَقَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ أَمْ لَا؟ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ احْتَبَسَهَا بِالثَّمَنِ كَالرَّهْنِ هَذَا إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مِمَّا يَتَوَاضَعُ مِثْلُهَا، أَوْ بِيعَتْ عَلَى الْقَبْضِ ص (وَيَأْخُذُ مِنْ الثَّمَنِ النِّسْبَةَ) ش: سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَوَّمَا بِتَقْدِيمِ الْمَبِيعِ.
ص (وَوُقِفَ فِي رَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ لِخَلَاصِهِ) ش حُكْمُ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَهِبَةِ الثَّوَابِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ حَتَّى تَعُودَ لَهُ السِّلْعَةُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْأُمِّ: وَالرَّهْنُ وَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ وَالْإِجَارَةُ إذَا أَصَابَ الْعَيْبَ بَعْدَ مَا رَهَنَ، أَوْ أَجَّرَ فَلَا أَرَاهُ فَوْتًا وَمَتَى مَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِافْتِكَاكِ الرَّهْنِ وَانْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ فَأَرَى لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، وَإِنْ دَخَلَهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ رَدَّهَا، وَمَا نَقَصَ الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا، أَوْ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ، أَوْ رَهَنَهَا، أَوْ أَجَّرَهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ فَإِذَا زَالَتْ مِنْ الْإِجَارَةِ، أَوْ الرَّهْنِ يَوْمًا فَلَهُ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ إنْ كَانَتْ بِحَالِهَا، وَإِنْ دَخَلَهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ رَدَّهَا وَمَا نَقَصَهَا عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَوْلُهُ: بَاعَهَا بَيْعًا صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، ثُمَّ بِعْتَهُ فَادَّعَيْتَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ بِالْعَبْدِ عِنْدَ بَائِعِهِ مِنْكَ فَلَيْسَ لَكَ خُصُومَةٌ الْآنَ؛ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَمْ أُرْجِعْكَ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ فَأَمَّا إنْ رَجَعَ إلَيْك الْعَبْدُ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَكَ الْقِيَامُ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: إنَّهُ لَوْ وَهَبَهُ لَكَ الْمُشْتَرِي مِنْكَ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْكَ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَرَجَعَ عَلَيْكَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بِعْتَهُ بِهِ مِنْهُ، ثُمَّ لَكَ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِكَ الْأَوَّلِ، وَأَخْذُ جَمِيعِ الثَّمَنِ مِنْهُ، وَلَا كَلَامَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَا يُحَاسِبُكَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضْتَ مِنْ وَاهِبِكَ بَعْدَ الَّذِي رَدَدْت إلَيْهِ مِنْهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ فِي يَدِكَ إنَّمَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ أَبُو الْحَسَنِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا كَلَامَ
لَهُ.
(تَنْبِيهٌ:) اُنْظُرْ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ وَقُلْنَا: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعُودَ إلَيْهِ السِّلْعَةُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ الْآنَ أَنَّهُ مَا رَضِيَ بِذَلِكَ، أَوْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَلَهُ الْقِيَامُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ الْقِيَامَ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ إلَيْهِ الرَّدُّ فِيمَا إذَا رَجَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ إذَا لَمْ يَكُنْ قَامَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُحْكَمْ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ أَمَّا لَوْ قَامَ عَلَيْهِ قَبْلَ رُجُوعِ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ أُصُولِهِمْ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ قَامَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقُمْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ الْقِيَامِ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ فَارْتَفَعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِهَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ لَهُ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ مِنْهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا اشْتَرَيْته لِأَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يُعْذَرُ فِيمَنْ عَدِمَ الْقِيَامَ بِغَيْبَةِ الْبَائِعِ فَهُنَا أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْإِخْدَامُ كَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ) ش: فَإِذَا أَخْدَمَ الْعَبْدَ، أَوْ الْجَارِيَةَ شَخْصٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ الْمَبِيعُ قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَالْمُقَدِّمَاتِ
ص (فَإِنْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا)
ش: أَيْ، فَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشَّيْءَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى بَائِعِهِ حِينَئِذٍ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ لَهُ مُخَاصَمَتُهُ حِينَئِذٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، أَوْ بِأَكْثَرَ، أَوْ بِأَقَلَّ أَمَّا إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَوَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ فَلِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ فَيَبِيعَهُ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّقْصِ لِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ لَا لِلْعَيْبِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالْعَيْبِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ.
وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ بَائِعِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَكِيلٌ لَهُ، وَظَنَّ ذَلِكَ فَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالْأَقَلِّ مِمَّا نَقَصَهُ الثَّمَنُ وَقِيمَةِ الْعَيْبِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْجَلَّابِ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ جَعَلَ عِيَاضٌ وَابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مُحَمَّدٍ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا لِمُحَمَّدٍ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ بِكَثَمَنِهِ فَأَكْثَرَ فَلَا كَلَامَ لَهُ، وَكَذَا بِدُونِهِ، وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ظَانًّا هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ فَلَهُ قِيمَتُهُ خِلَافٌ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ بَائِعِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ، أَوْ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّارِحُ فِي شُرُوحِهِ الثَّلَاثَةِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ، فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ إلَخْ، وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَصَوَابُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ الْإِطْلَاعِ وَتَبِعَهُ الْبِسَاطِيُّ عَلَى هَذَا السَّهْوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَغَيُّرُ الْمَبِيعِ إنْ تَوَسَّطَ فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ وَرَدُّهُ، وَدَفْعُ الْحَادِثِ) ش: اعْلَمْ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَبِيعِ تَارَةً يَكُونُ بِنُقْصَانٍ وَتَارَةً يَكُونُ بِزِيَادَةٍ وَتَارَةً يَكُونُ بِهِمَا فَالنُّقْصَانُ عَلَى خَمْسَةِ، أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ:
التَّغَيُّرُ بِنَقْصٍ فِي الْقِيمَةِ لِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
الثَّانِي: النُّقْصَانُ بِتَغَيُّرِ حَالِ الْمَبِيعِ دُونَ بَدَنِهِ كَالزَّوَاجِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَتَزْوِيجُ أَمَةٍ.
الثَّالِثُ: التَّغَيُّرُ بِنُقْصَانِ عَيْنِ الْمَبِيعِ، وَهَذَا الَّذِي تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ وَقَسَّمَهُ إلَى خَفِيفٍ وَمُتَوَسِّطٍ وَمُفِيتٍ.
الرَّابِعُ: النُّقْصَانُ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ النَّخْلَ بِثَمَرَتِهَا قَبْلَ الْإِبَارِ، أَوْ بَعْدَهُ وَالْعَبْدَ بِمَالِهِ، فَذَهَبَ مَالُ الْعَبْدِ بِتَلَفٍ، أَوْ ثَمَرَةُ النَّخْلِ بِجَائِحَةٍ، ثُمَّ يَطَّلِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَمَسَّكَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهَا الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى لِعِيسَى بْنِ دِينَارٍ.
الْخَامِسُ: النُّقْصَانُ بِمَا أَحْدَثَهُ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وَغَيْرِهِ إنْ نَقَصَ ذِكْرُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأَوْجُهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَذَكَرَهَا الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى وَالرَّجْرَاجِيّ وَصَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَأَمَّا النُّقْصَانُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ، أَوْ يُمْسِكَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا أَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ نَصًّا خِلَافَ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ لَيْسَتْ بِفَوْتٍ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَبِيعَاتِ لَا بِالزِّيَادَةِ، وَلَا بِالنُّقْصَانِ، وَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ الْمُشْتَرَى إلَّا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ رَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ فَوْتٌ فِي الطَّعَامِ اهـ. وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالزِّيَادَةِ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَهُ إنْ زَادَ بِكَصَبْغٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّغَيُّرِ بِزِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مُوضِحَةٌ أَوْ مُنَقِّلَةٌ أَوْ جَائِفَةٌ ثُمَّ بَرِئَتْ]
(فَرْعٌ:) وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مُوضِحَةٌ، أَوْ مُنَقِّلَةٌ، أَوْ جَائِفَةً، ثُمَّ بَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخَذَ لَهَا أَرْشًا، وَلَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ إنْ رَدَّ الْعَبْدَ، وَأَمَّا إنْ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ، فَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ رَدَّ مَعَهُ مَا شَانَهُ نَقَلَهُ فِي الْمُنْتَقَى وَصَاحِبِ الشَّامِلِ.
ص (وَقَوَّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي)
ش: هَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُقَوَّمُ الْقَدِيمُ وَالْحَادِثُ بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي قِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَفِي قِيمَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ إذَا اُحْتِيجَ إلَى قِيمَتِهِمَا مَعًا، أَوْ إلَى قِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَحْدَهُ يَوْمَ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وَلَا يَوْمَ الْعَقْدِ، وَلَا يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ فَيُقَالُ يُقَوَّمُ الْعَيْبُ الْقَدِيمُ يَوْمَ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ يَوْمَ الْحُكْمِ كَمَا يَقُولُهُ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَدَّلِ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: وَأَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ يُقَوَّمُ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى: (يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُوَاضَعَةٍ فَإِذَا قِيلَ: يَوْمُ الْبَيْعِ لَمْ يَشْمَلْ هَذِهِ الصُّورَةَ وَشِبْهَهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيِّ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ ضَمَانِ ذَاتِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْغَائِبِ وَالْمَحْبُوسَةِ بِالثَّمَنِ وَالْفَاسِدِ اتِّفَاقًا وَاخْتِلَافًا اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: فَإِنْ أَمْسَكَ قُوِّمَ صَحِيحًا، أَوْ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي التَّمَسُّكَ بِالْعَيْبِ، وَأَخَذَ قِيمَةَ الْقَدِيمِ حَيْثُ يَكُونُ التَّخْيِيرُ فَإِنَّ الْمَبِيعَ يَكْفِي فِيهِ حِينَئِذٍ تَقْوِيمَانِ يُقَوَّمُ صَحِيحًا، ثُمَّ مَعِيبًا بِالْقَدِيمِ فَمَهْمَا نَقَصَ أَخَذَ نِسْبَةَ النَّقْصِ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: مِثْلُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا سَالِمَةً عَشَرَةً، وَبِالْعَيْبِ ثَمَانِيَةً فَيَعْلَمُ أَنَّ الْعَيْبَ خُمْسُ الثَّمَنِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِخُمْسِهَا، وَذَلِكَ ثَلَاثٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِنْ رَدَّ قَوَّمَ ثَالِثًا بِهِمَا.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ، وَإِنْ اخْتَارَ الرَّدَّ قَوَّمَ تَقْوِيمًا ثَالِثًا بِالْعَيْبَيْنِ مَعًا الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ فَمَا نَقَصَتْهُ الْقِيمَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ الْقِيمَةِ الثَّانِيَةِ نَسَبَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيمَةِ الْأُولَى وَرَدَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ تِلْكَ النِّسْبَةَ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَكَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ فَإِنَّ الْقِيمَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا فَإِذَا تَقَدَّمَا جُعِلَتْ قِيمَةُ
السِّلْعَةِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ أَصْلًا، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا قِيمَةً ثَالِثَةً بِالْعَيْبَيْنِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ فَيَرُدُّ مِنْ ثَمَنِ الْمَعِيبِ بِقَدْرِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قِيلَ فِي مَسْأَلَتِنَا: إنَّ قِيمَتَهَا بِالْعَيْبِ سِتَّةٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ بِعَيْبِهِ الرُّبْعَ فَيَرْجِعُ مِنْ ثَمَنِهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ اثْنَا عَشَرَ فَيَرُدُّ مَعَ الْمَعِيبِ رُبُعَ ثَمَنِهِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ، وَذَلِكَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا اهـ. وَإِنْ شِئْت قُلْت: يُرَدُّ خُمْسُ الثَّمَنِ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْت:) لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فَمَا نَقَصَتْهُ الْقِيمَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ الْقِيمَةِ الثَّانِيَةِ نُسِبَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيمَةِ الْأُولَى وَرَدَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ فَإِنَّ مُؤَدَّى ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّا إذَا نَسَبْنَا الْقِيمَةَ الثَّانِيَةَ، وَهِيَ السِّتَّةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إلَى الْقِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ الثَّمَانِيَةُ، وَعَرَفْنَا أَنَّ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا اثْنَانِ فَنَسَبْنَا الِاثْنَيْنِ حِينَئِذٍ إلَى الْقِيمَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ الْعَشَرَةُ فَتَكُونُ خَمْسًا فَتَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الثَّمَنِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، وَإِنْ شِئْت قُلْتُ يُرَدُّ خُمْسُ الثَّمَنِ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَ الْبَاجِيُّ، فَإِنْ عَرَفْنَا أَنَّ الْفَضْلَ بَيْنَ الْقِيمَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةِ اثْنَانِ نَسَبْنَا الِاثْنَيْنِ إلَى الْقِيمَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَكُونُ رُبْعًا فَتَأْخُذُ رُبْعَ الثَّمَنِ الْمَبِيعِ بِعَيْبِهِ وَالطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَةِ ثَمَنِهِ بِعَيْبِهِ أَنْ نُسْقِطَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَصْلِيِّ مَا يَنُوبُ الْعَيْبَ الْقَدِيمَ.
فَقَوْلُ الْبَاجِيِّ فَيُرَدُّ مِنْ الْمَعِيبِ بِقَدْرِ ذَلِكَ يَعْنِي الْمَبِيعَ بِعَيْنِهِ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ.
(الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَدْرُ مَنَابِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ هُوَ الْجَزَاءُ الْمُسَمَّى لِلْخَارِجِ مِنْ نِسْبَةِ قِيمَتِهِ فَضْلُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا عَلَى قِيمَتِهِ مَعِيبًا يَوْمَ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ مِنْ قِيمَتِهِ سَلِيمًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ أَوَّلًا فِي الْمُوَاضَعَةِ، وَمَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْرُ الْحَادِثِ مِنْهُ الْجُزْءُ الْمُسَمَّى لِلْخَارِجِ مِنْ تَسْمِيَةِ فَضْلِ قِيمَتِهِ بِالْقَدِيمِ عَلَى قِيمَتِهِ بِهِمَا مِنْ قِيمَتِهِ بِالْقَدِيمِ فَقَطْ اهـ.
(قُلْت:) مَا ذَكَرَهُ فِي مَنَابِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ ظَاهِرٌ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَادِثِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا نَسَبْنَا الْفَضْلَ بَيْنَ الْقِيمَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةِ إلَى الثَّالِثَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْبَاجِيِّ يَأْخُذُ بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الثَّمَنِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْرُ الْحَادِثِ مِنْهُ يَعُودُ إلَى الثَّمَنِ الْأَصْلِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْرُ مَنَابِ الْقَدِيمِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِثَمَنِ الْمَعِيبِ بِعَيْنِهِ ذِكْرٌ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ، وَيَكُونَ مُوَافِقًا لِكَلَامِ الْبَاجِيِّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ قَبْلَ التَّقْوِيمِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا إذَا اسْتَحَقَّ الْأَكْثَرَ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْأَقَلِّ لِلْجَهْلِ بِمَا يَنُوبُهُ بِأَنَّهُ فِي الْعَيْبِ لَمَّا فَاتَ عِنْدَهُ بَعْضُ الْمَبِيعِ وَوَجَبَ أَنْ لَا يَرُدَّ إلَّا بِمَا نَقَصَهُ سُومِحَ فِي أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ شَيْءٍ إذَا رَدَّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ: لَا يُخَيَّرُ حَتَّى يُقَوَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَارُ التَّمَسُّكَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَحْبِسَهُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ.
(قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا فِي النُّكَتِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِعَبْدِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْمُنَاقَضَةَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ وَبَحَثَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمُنَاقَضَةُ خِلَافُ قَوْلِ عَبْدِ الْحَقِّ لَا يُخَيَّرُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنَابِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ اهـ. وَمِمَّا قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نُصُوصِ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ إنْ زَادَ بِكَصَبْغٍ أَنْ يَرُدَّ وَيَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ الْبَيْعِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الزِّيَادَةُ عَلَى خَمْسَةِ، أَوْجُهٍ زِيَادَةٌ لِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ وَزِيَادَةٌ فِي حَالَةِ
الْمَبِيعِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَتَعَلَّمَ الصِّنَاعَاتِ، وَيَتَخَرَّجَ فَتَزِيدَ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ، وَكِلَاهُمَا لَا يُعْتَبَرُ، وَلَا يُوجِبُ لِلْمُبْتَاعِ خِيَارًا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: وَلَا يُفِيتُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا أَعْجَمِيًّا فَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، أَوْ صَنْعَةً نَفِيسَةً فَارْتَفَعَ ثَمَنُهُ لِذَلِكَ، أَوْ ابْتَاعَ أَمَةً فَعَلَّمَهَا الطَّبْخَ وَالْغَسْلَ وَنَحْوَهُ فَارْتَفَعَ ثَمَنُهَا لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ فَوْتًا، وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ، أَوْ يَرُدَّ، وَلَا شَيْءَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ: كَانَ يَجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ لِمَا أَخْرَجَ فِي تَعْلِيمِهَا.
اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَسْأَلَةِ نَقْلِ الْمَبِيعِ الْآتِيَةِ، وَبِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا بَاعَهُ الْقَاضِي بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهُ رَبُّهُ لِدَيْنٍ سَابِقٍ، ثُمَّ أَيْسَرَ، ثُمَّ أَعْسَرَ فَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ حَبْسَهُ وَالرُّجُوعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَدَّهُ عَلَى رَبِّهِ عَتَقَ لِيُسْرِهِ الطَّارِئِ، وَلَا يَجِدُ ثَمَنًا يَأْخُذُ بِالْعُسْرِ الطَّارِئِ بَعْدَ الْيُسْرِ الْمَذْكُورِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَازِرِيَّ أَجَابَ بِأَنَّ ضَرْبَ عَدَمِ الرُّجُوعِ نَاشِئٌ عَنْ الرَّدِّ وَعَدَمِ أَجْرِ الصَّنْعَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. وَزِيَادَةٌ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ بِنَمَاءٍ حَادِثٍ فِيهِ كَالدَّابَّةِ تَسْمَنُ وَالصَّغِيرِ يَكْبَرُ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسَةِ مُضَافٍ إلَيْهِ كَالْوَلَدِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَعَجَفِ دَابَّةٍ وَسِمَنِهَا، وَزِيَادَةٌ مُضَافَةٌ لِلْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ، وَلَا مَالَ لَهُ فَيُفِيدُ عِنْدَهُ مَالًا بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ كَسْبٍ مِنْ تِجَارَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ خَرَاجِهِ، أَوْ يَشْتَرِيَ النَّخْلَ، وَلَا ثَمَرَ فِيهِ فَتُثْمِرَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَجِدَ عَيْبًا فَهَذَا لَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ لَهُ خِيَارًا، أَوْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ وَالنَّخْلَ وَثَمَرَتَهَا مَا لَمْ يَطِبْ، وَيَرْجِعُ بِالْعِلَاجِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ يُمْسِكَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَطِبْ أَيْ مَا لَمْ تَزْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَمْ تَرِدْ كَشُفْعَةٍ وَزِيَادَةٍ أَحْدَثَهَا الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ مِنْ صَنْعَةٍ مُضَافَةٍ إلَيْهِ كَالصَّبْغِ وَالْخِيَاطَةِ وَاللَّبَدِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ إلَّا بِفَسَادٍ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُ الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ يَتَمَسَّكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ يَرُدَّ، وَيَكُونَ شَرِيكًا اهـ.
وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى، وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ الْخَمْسَةَ أَوْجُهٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ الْخَامِسُ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا الرَّابِعُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَعَجَفِ دَابَّةٍ وَسِمَنِهَا، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّقْوِيمِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَدَثَتْ زِيَادَةٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَحْدُثْ عِنْدَهُ عَيْبٌ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ فَيُقَوَّمُ الْمَبِيعُ تَقْوِيمَيْنِ يُقَوَّمُ سَالِمًا، ثُمَّ مَعِيبًا، وَيَأْخُذُ مِنْ الثَّمَنِ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الرَّدَّ قُوِّمَ تَقْوِيمَيْنِ أَيْضًا فَيُقَوَّمُ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ.
ثُمَّ يُقَوَّمُ مَصْبُوغًا فَمَا زَادَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَتِهِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ نُسِبَ إلَى قِيمَتِهِ مَصْبُوغًا وَكَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الثَّوَابِ بِنِسْبَتِهِ كَمَا إذَا قُوِّمَ غَيْرَ مَصْبُوغٍ بِثَمَانِينَ وَقُوِّمَ مَصْبُوغًا بِتِسْعِينَ فَيَنْسِبُ الْعَشَرَةَ الزَّائِدَةَ إلَى تِسْعِينَ فَتَكُونُ تِسْعًا، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الثَّوْبِ بِالتِّسْعِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا، وَغَيْرَ مَصْبُوغٍ يَوْمَ الْبَيْعِ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ، وَيَوْمَ الْحُكْمِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَأَمَّا إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ وَزِيَادَةٌ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِمْسَاكَ قُوِّمَ الْمَبِيعُ تَقْوِيمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ اخْتَارَ الرَّدَّ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ تَقْوِيمَاتٍ يُقَوَّمُ سَالِمًا، ثُمَّ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ بِالْحَادِثِ، ثُمَّ بِالزِّيَادَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا حَاجَةَ إلَى تَقْوِيمِهِ سَالِمًا، وَلَا إلَى تَقْوِيمِهِ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ بِالزِّيَادَةِ فَيُشَارِكُ فِي الْمَبِيعِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثِ تَقْوِيمَاتٍ إذَا شَكَّا فِي الزِّيَادَةِ هَلْ جَبَرَتْ الْعَيْبَ أَمْ لَا؟ فَيُقَوَّمُ سَالِمًا، ثُمَّ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ بِالزِّيَادَةِ، فَإِنْ جَبَرَتْ الْعَيْبَ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ، فَإِنْ زَادَتْ حَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الصَّنْعَةُ عَنْ
قِيمَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ النَّاقِصُ كَعَيْبٍ مُسْتَقِلٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ هَلْ جَبَرَتْ الصَّنْعَةُ الْعَيْبَ الْحَادِثَ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ سَالِمًا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ هَلْ جَبَرَتْ الْحَادِثَ أَمْ لَا؟ فَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ تَقْوِيمَاتٍ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ إذَا لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ بِالزِّيَادَةِ قَدْرَ قِيمَتِهِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَكْفِي ثَلَاثُ تَقْوِيمَاتٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ نَقَصَتْ الصَّنْعَةُ عَنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ، فَتَأَمَّلْهُ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ الزِّيَادَةَ جَبَرَتْ الْحَادِثَ كَمَا لَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى قِيمَتِهِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمَيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يَحْدُثْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهَذَا عَلِمْت مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُجْبَرُ بِهِ الْحَادِثُ.
ص (وَفَرْقٌ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وَغَيْرِهِ)
ش: ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَفْتَرِقُ فِيهَا الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ سِتَّ مَسَائِلَ.
(قُلْت:) وَيَفْتَرِقُ الْمُدَلِّسُ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا الْأُولَى: أَنَّ الْمُدَلِّسَ يُؤَدَّبُ، وَغَيْرُهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ عَبْدًا، أَوْ وَلَدَهُ وَبِهِ عَيْبٌ غَرَّ بِهِ، أَوْ دَلَّسَهُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ الْبَائِعُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ، وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ غَشَّ أَخَاهُ أَوْ غَرَّهُ أَوْ دَلَّسَ لَهُ بِعَيْبٍ أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَالْآخَرُ لِلْمُدَلَّسِ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَفْتَرِقُ فِيهَا الْمُدَلِّسُ مِنْ غَيْرِهِ حُكْمُ مَا يَأْخُذُهُ الْمَاكِسُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ حِمَارًا فَيُؤَدِّيَ عَلَيْهِ مَكْسًا، ثُمَّ يَحْدُثُ بِهِ عَيْبٌ فَيُرِيدُ الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَمْ يَحْضُرنِي الْآنَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلٌ، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ كَانَ مُدَلِّسًا فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ يُونُسَ إلَى الْخِلَافِ فِي الْمُبْتَاعِ يُؤَدِّي مَكْسًا عَلَى الْمَبِيعِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ هَلْ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ دَفْعُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَأَجْرَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ يَدِ لِصٍّ هَلْ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ بِلَا ثَمَنٍ، أَوْ حَتَّى يَدْفَعَ لِلْمُشْتَرِي مَا دَفَعَ؟ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ ظُلْمٌ، فَيَكُونُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ صَوَابُهُ: هَلْ يَلْزَمُ الشَّفِيعَ؟ وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ، وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ، وَقَالَ فِي بَابِ الْجِهَادِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرِي مِنْ لِصٍّ وَالْأَحْسَنُ فِي الْمُفْدَى مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيمِ الْعَبْدِ الصَّنْعَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ: غُرْمُ قَبَالَةِ السُّلْطَانِ عَلَى شِرَاءِ مَا يَشْتَرِي يُوجِبُ رُجُوعَ الْمُشْتَرِي بِالْأَرْشِ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى غُرْمِ أَجْرِ الصَّنْعَةِ انْتَهَى.
فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغُرْمَ لِلسُّلْطَانِ يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَيَتَعَيَّنُ مَعَهُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ لِلسُّلْطَانِ إذَا كَانَ مُدَلِّسًا، وَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْبَائِعُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّدْلِيسِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ يُقِرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَى يَعْنِي الْمُشْتَرِيَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ لَهُ فَأَنْكَرَهُ حَلَّفَهُ، وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: عَلِمْت الْعَيْبَ وَنَسِيتُهُ حِينَ الْبَيْعِ حَلَفَ لَهُ أَنَّهُ نَسِيَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ نَسِيَ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفَ خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخَيَّرَ الْمُبْتَاعُ فَيَخْتَارُ الرَّدَّ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِيَمِينِهِ إذَا اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ وَالرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ انْتَهَى.
وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُنْتَقَى، وَقَالَ: إنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْرَى عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ الْآتِي فِي إسْقَاطِ حُكْمِ التَّخْيِيرِ مَعَ التَّدْلِيسِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَحْرَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إثْبَاتِ التَّخْيِيرِ.
[فَرْعٌ نَكِلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ]
(فَرْعٌ:) فَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْلِيسِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ
عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَلَيْهِمَا رَدَّ السِّمْسَارُ
ص (إنْ نَقَصَ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ الْأَوْلَى فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يَفْتَرِقُ فِيهَا حُكْمُ الْمُدَلِّسِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا فَعَلَ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا فَنَقَصَ بِسَبَبِهِ فَمَعَ التَّدْلِيسِ لَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَهُ إمَّا أَنْ يَرُدَّ وَيُعْطِيَ أَرْشَ الْحَادِثِ، أَوْ يَتَمَسَّكَ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ الْقَدِيمِ انْتَهَى.
(قُلْت:) عُمُومُ كَلَامِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: إذَا فَعَلَ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا غَيْرَ صَوَابٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ فَعَلَهُ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ لَا شَيْءَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّوْبَ فَيَصْبُغَهُ، أَوْ يَقْطَعَهُ فَيُنْقِصَ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنَّ هَذَا بِاتِّفَاقٍ وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ، أَوْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ يَرُدَّهُ، وَيَرُدَّ مَا نَقَصَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَلِّسًا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِلنُّقْصَانِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَ هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ ذَلِكَ لَهُ.
وَالثَّانِي قَوْلُ أَصْبَغَ وَابْن الْمَوَّازِ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ فِيمَا كَانَ نَقْصُهُ بِغَيْرِ صِنَاعَةٍ كَالْقَطْعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا نَقَصَهُ بِصِنَاعَةٍ كَالصَّبْغِ وَشِبْهِهِ، وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ، وَنَقَلَهُ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ مَا أُحْدِثَ بِالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَالدُّورِ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ مِنْ عَيْبٍ مُفْسِدٍ فَلَا يَرُدُّهُ إنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا إلَّا بِمَا نَقَصَهُ عِنْدَهُ دَلَّسَ الْبَائِعُ بِالْعَيْبِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الثِّيَابِ تُقْطَعُ وَتُصْبَغُ وَتُقَصَّرُ إذْ لِهَذَا تُشْتَرَى فَيَفْتَرِقُ فِيهَا التَّدْلِيسُ مِنْ غَيْرِهِ وَيَصِيرُ الْمُدَلِّسُ كَالْآذِنِ فِي ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الرَّدِّ مِمَّا نَقَصَهَا إلَّا أَنْ يَفْعَلَ فِي الثِّيَابِ مَا لَا يُفْعَلُ فِي مِثْلِهَا، أَوْ يَحْدُثَ فِيهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ مِنْ غَيْرِ التَّقْطِيعِ فَلَا يَرُدُّهَا إلَّا بِمَا نَقَصَهَا، فَإِنْ قَطَّعَ الثِّيَابَ قُمُصًا، أَوْ سَرَاوِيلَاتٍ، أَوْ أَقْبِيَةً، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ، فَالْمُبْتَاعُ مُخَيَّرٌ فِي حَبْسِهِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ رَدِّهِ، وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ، فَإِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِمَا نَقَصَ الْقَطْعُ إنْ رَدَّهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَكُونُ لَهُ هُنَا أَنْ يَحْبِسَهُ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْبَائِعِ قِيمَةَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِلَا غُرْمٍ لِمَا نَقَصَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ دَخَلَ لَهُ فِيهِ مِنْ صَبْغٍ، أَوْ خِيَاطَةٍ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ كَمَنْ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ عِنْدَهُ عَيْبٌ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ، أَوْ يَحْبِسَ بِلَا شَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ الْجُلُودُ تُقَطَّعُ خُفَافًا، أَوْ نِعَالًا، وَسَائِرُ السِّلَعِ إذَا عُمِلَ بِهَا مَا يُعْمَلُ بِمِثْلِهَا مِمَّا لَيْسَ بِفَسَادٍ فَإِذَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ مَا لَا يُفْعَلُ فِي مِثْلِهِ كَقَطْعِ الثَّوْبِ الرِّشَا خِرَقًا وَقُبَاءَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَذَلِكَ فَوْتٌ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ لَبِسَ الثَّوْبَ لُبْسًا يُنْقِصُهُ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِمَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ فِي التَّدْلِيسِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ، أَوْ يَحْبِسُهُ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَلَا يَرُدُّ لِلُّبْسِ الْخَفِيفِ شَيْئًا إذَا لَمْ يُنْقِصْهُ، وَإِنْ صَبَغَهُ صَبْغًا يُنْقِصُهُ، أَوْ قَطَعَهُ، وَالْبَائِعُ مُدَلِّسٌ فَلِلْمُبْتَاعِ الرَّدُّ بِلَا غُرْمٍ، أَوْ التَّمَاسُكُ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ ابْنُ يُونُسَ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَطَعَهُ قَطْعًا أَدَّى عَلَيْهِ أُجْرَةً لِصَنْعَةٍ فِيهِ، فَيَكُونُ لَهُ التَّمَاسُكُ وَالرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ كَمَا قَالَ فِي الصَّبْغِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِقَطْعِهِ قِيمَةٌ فَكَانَ يَجِبُ أَنَّهُ إذَا تَمَاسَكَ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بِلَا غُرْمٍ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: قَوْلُ مَالِكٍ، أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّقْطِيعَ يُوجِبُ لَهُ التَّخْيِيرَ فِي غَيْرِ التَّدْلِيسِ فَلَا يَكُونُ الْمُدَلِّسُ أَحْسَنَ حَالًا مِمَّنْ لَمْ يُدَلِّسُ فَهُمَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَطْعُ فِي التَّدْلِيسِ، ثُمَّ رَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ كَلَامَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ هُنَا وَفَوْقَهُ هُوَ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَوَّلًا أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ تَقْيِيدًا، وَيُفْهَمُ مِنْ آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ جَعَلَهُ خِلَافًا، وَأَنَّهُ رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ.
وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ خِلَافٌ وَأَنَّهُ مَاشٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ وَمِمَّنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي
الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ الْبَائِعُ فِي الثِّيَابِ فَرَدَّهَا بِعَيْبٍ، وَقَدْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهَا رَدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ الْبَاجِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ بِأَنَّ الْقَطْعَ غَيْرَ الْمُعْتَادِ يُفِيتُ الرَّدَّ، وَيُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالْقِيمَةِ عَلَى الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ، وَعَزَاهُ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) إذَا عَلِمْت هَذَا فَعَدُّ الْمُصَنِّفِ الْقَطْعَ الْمُعْتَادَ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُدَلِّسِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُدَلِّسِ فَالْقَطْعُ الْمُعْتَادُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ الَّذِي يُوجِبُ لَهُ الْخِيَارَ فِي التَّمَسُّكِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَالرَّدِّ مَعَ مَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ الْمُعْتَادُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: اُنْظُرْ لَوْ عَمِلَ بِهَا مَا لَمْ يُعْمَلْ بِبَلَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ وَالْأَظْهَرُ إنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ غَرِيبًا، أَوْ مِمَّنْ يَتَّجِرُ بِمَا يُسَافِرُ بِهِ أَنَّهُ كَمُعْتَادٍ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَهَلَاكِهِ مِنْ التَّدْلِيسِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَحْصُلَ بِسَبَبِ الْعَيْبِ هَلَاكٌ، أَوْ عَطَبٌ كَمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ سَارِقًا فَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوُهُ، فَمَعَ التَّدْلِيسِ يَكُونُ الضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُشْتَرِي انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَبَرَّأَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ)
ش: لَوْ قَالَ: وَتَبَرَّأَ، أَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ لَكَانَ أَبْيَنَ؛ لِأَنَّ التَّبَرِّي الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي يَفْتَرِقُ فِيهِ الْمُدَلِّسُ، وَغَيْرُهُ فَالْمُدَلِّسُ لَا يُفِيدُهُ الْبَرَاءَةُ لِعِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، وَغَيْرُ الْمُدَلِّسِ يُفِيدُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا إذَا تَبَرَّأَ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّدْلِيسُ.
[فَرْعٌ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَبَقَ فَهُوَ مِنْهُ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْبَيَانِ إذَا شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَبَقَ فَهُوَ مِنْهُ فَأَبَقَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَ فَهُوَ مِنْهُ كَانَ الْعَبْدُ عُرِفَ بِعَيْبِ الْإِبَاقِ أَمْ لَا انْتَهَى.
ص (وَرَدُّ سِمْسَارٍ جُعْلًا)
ش: أَيْ وَمِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ رَدُّ السِّمْسَارِ الْجُعْلَ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ رَدَّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ.
قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِعَيْبٍ رَدَّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ عَلَى الْبَائِعِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يُدَلِّسْ يَعْنِي الْبَائِعَ، وَأَمَّا إنْ دَلَّسَ فَالْجُعْلُ لِلْأَجِيرِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَذَكَرَ هَذَا التَّقْيِيدُ عَنْ ابْنِ اللَّبَّادِ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوهُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: لِلسِّمْسَارِ أَنْ يُحَلِّفَ الْبَائِعَ أَنَّهُ لَمْ يُدَلِّسْ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَيَّدَ الْقَابِسِيُّ كَلَامَ ابْنِ اللَّبَّادِ فَقَالَ: هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ السِّمْسَارُ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ عَلِمَ فَهُوَ مُدَلِّسٌ أَيْضًا إنْ رَدَّ الْمَبِيعَ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فَلَهُ جُعْلٌ مِثْلُهُ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَاَلَّذِي أَرَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا سَمَّاهُ مِنْ الْجُعْلِ كَمَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ الْمُدَلِّسِ الثَّمَنُ لَا الْقِيمَةُ إلَّا أَنْ يَتَعَامَلَ رَبُّ السِّلْعَةِ وَالسِّمْسَارُ عَلَى التَّدْلِيسِ، فَيَكُونَ لَهُ حِينَئِذٍ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ رَبَّ السِّلْعَةِ قَالَ لَهُ: دَلِّسْ بِالْعَيْبِ، فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ رُدَّ فَلَا شَيْءَ لَكَ فَهُوَ غَرَرٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْجُعْلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا الْغَرَرُ عَارِضٌ عَنْ شَيْءٍ تَسَبَّبَ فِيهِ بِخِلَافِ الْغَرَرِ النَّاشِئِ عَنْ نَفْسِ تَمَامِ الْعَمَلِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَرْضَ هَذَا التَّقْيِيدَ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ دَلَّسَ لَمْ يَرُدَّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ وَزِيدَ إنْ جُهِلَ التَّدْلِيسُ، وَإِلَّا فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَقِيلَ: إنْ تَعَامَلَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَهُ جُعْلُهُ.
(الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَإِنَّمَا يَرُدُّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ إذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِعَيْبٍ، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِرَدِّهَا، وَأَمَّا إنْ قَبِلَهَا الْبَائِعُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْجُعْلِ كَالْإِقَالَةِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَبِلُوهُ، وَذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَقَالَ
وَإِذَا تَفَاسَخَ الْمُتَبَايِعَانِ بِغَيْرِ حُكْمٍ لَمْ يَرُدَّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ كَالْإِقَالَةِ زَادَ أَبُو الْحَسَنِ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُخَاصِمَ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَيْبُ فَيَرْجِعَ بِالسَّمْسَرَةِ عَلَى السِّمْسَارِ اهـ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ فَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ رَجَعَ بِأَجْرِ السَّمْسَرَةِ (قُلْت:) يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِأَنْ لَا يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمَبِيعَ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ فَتَأَمَّلْهُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ فَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ بِالْقَضِيَّةِ يَعْنِي بِالْقَضَاءِ رَجَعَ أَيْضًا عَلَى السِّمْسَارِ بِمَا يَنُوبُ مَا رَدَّ الْبَائِعُ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ إنْ كَانَ الَّذِي يَنُوبُ الْعَيْبَ عُشْرُ الثَّمَنِ، أَوْ رُبْعُهُ رَجَعَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ السَّمْسَرَةِ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ بِطَوْعِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ اهـ.
(قُلْت) ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ.
، ثُمَّ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَإِنْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، فَإِنْ أَمْسَكَ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ رَدَّ السِّلْعَةَ، وَمَا نَقَصَهَا فَيَرُدُّ السِّمْسَارُ الْجُعْلَ إلَّا قَدْرَ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَجُزْءٍ احْتَسَبَهُ وَتَمَّ الْبَيْعُ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ ذَلِكَ، وَقَبِلُوهُ.
(الْخَامِسُ:) هَذَا إذَا دَفَعَ الْبَائِعُ الْجُعْلَ لِلسِّمْسَارِ، وَأَمَّا إذَا دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي لَهُ بِشَرْطٍ، أَوْ عُرْفٍ، ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ، فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَلَا إشْكَالَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِهِ، أَوْ لَا؟ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي بِهِ الْبَائِعَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْبَائِعُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا عَلَى السِّمْسَارِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الثَّمَنِ، وَهَذَا فِيمَا هُوَ جُعْلٌ عَلَى الْمَبِيعِ، وَأَمَّا مَا أَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي لِلسِّمْسَارِ حَلَاوَةً عَلَى تَحْصِيلِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، أَوْ عَلَى إتْمَامِ الْبَيْعِ فِيهِ فَهَذَا لَا يَرْجِعُ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ السِّمْسَارُ يَعْلَمُ فِي الْمَبِيعِ عَيْبًا وَيَكْتُمُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
اُنْظُرْ هَلْ الْجُعْلُ عَلَى الْبَائِعِ، أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي.
(السَّادِسُ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: أُخِذَ مِنْهَا كَوْنُ الْجُعْلِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، أَوْ الْعُرْفِ عَلَى الْبَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَكَلَّمَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَارِحُوهُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ هُنَا عَلَى عُهْدَةِ مَا بَاعَهُ السِّمْسَارُ، أَوْ الْوَكِيلُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ فَنُؤَخِّرُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ إلَى هُنَاكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَبِيعٌ لِمَحَلِّهِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَحْتَاجُ إلَى حَمْلٍ كَالْأَدْنَانِ وَالْخَشَبِ فَحَمَلَهُ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْقَبْضِ فَمَعَ التَّدْلِيسِ يَلْزَمُ الْبَائِعَ أَخْذُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ رَدُّهُ لِمَوْضِعِ الْقَبْضِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ اللَّخْمِيُّ وَالْأَوَّلُ: أَصْوَبُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الْمُدَلِّسَ يَلْزَمُهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلَوْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْعَقْدِ، وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَقْلُهُ مِنْ دَارِ الْبَائِعِ إلَى دَارِهِ لَا أَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ الْبَلَدِ إلَّا إذَا كَانَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْقُلُهُ وَسَيُسَافِرُ بِهِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: اُخْتُلِفَ إذَا نَقَلَ الْمَبِيعَ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِيمَنْ اشْتَرَى خَشَبًا، أَوْ مَطَاحِنَ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ بَعْدَ أَنْ بَانَ بِهَا: تَنَازَعَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَقَالَ قَائِلُونَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهَا وَالْكِرَاءُ عَلَى رَدِّهَا وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي مَا نَقَلَهَا، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ لِلْمُشْتَرِي مَا كَانَ نَقَلَهَا بِهِ حِينَ قَبَضَهَا أَيْ، إنْ أَوْصَلَهَا إلَى دَارِهِ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا وَعَالِمًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْقُلُهُ وَيُسَافِرُ بِهِ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَبُولِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَقَلَ إلَيْهِ، وَلَا يُرَاعَى حَمْلٌ، وَلَا خَوْفُ طَرِيقٍ اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْقُلُهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَيَانِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ: لَيْسَ عَلَى مَنْ وَجَدَ عَيْبًا بِدَابَّةٍ اشْتَرَاهَا فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اشْتَرَاهَا فِيهِ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ صَاحِبُهَا إلَّا
أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ إلَى رَدِّهَا عَلَيْهِ حَيْثُ هِيَ لِعَدَمِ بَيِّنَةٍ، أَوْ حُكْمٍ، وَالسِّلْعَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَيْهَا فِي حَمْلِهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ رَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ دَعَاهُ صَاحِبُهَا إلَى رَدِّهَا كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا، أَوْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً ثَقِيلَةً لَا بُدَّ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَيْهَا فَلَمَّا حَمَلَهَا مِنْ دَارِ الْبَائِعِ، أَوْ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ لِلْبَيْعِ إلَى دَارِهِ، وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اشْتَرَاهَا فِيهِ، أَوْ يُمْسِكَهَا، وَيَرْجِعَ بِالْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ أَنْ يَأْخُذَهَا حَيْثُ هِيَ وَيَرُدَّ إلَيْهِ مَا غَرِمَ فِي حَمْلِهَا فَلَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ دَلَّسَ بِالْعَيْبِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَارِ الْمُبْتَاعِ وَيَرُدَّ إلَيْهِ مَا غَرَّهُ عَلَى حَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ فِي حَمْلِ السِّلْعَةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ دَلَّسَ لَهُ بِالْعَيْبِ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْخَابِيَةَ وَنَحْوَهَا إنَّمَا يَشْتَرِيهَا بِحَمْلِهَا إلَى دَارِهِ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَوَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّدْلِيسِ وَغَيْرِهِ كَاَلَّذِي يَشْتَرِي الثَّوْبَ فَيُقَطِّعُهُ قِطَعَ مِثْلِهِ، ثُمَّ يَجِدُ عَيْبًا، وَقَدْ نَقَصَهُ الْقَطْعُ اهـ. فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ إلَّا فِي نَقْلِ السِّلْعَةِ فِي الْبَلَدِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْقُلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نَعَمْ كَلَامُ الْمُتَيْطِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ مُطْلَقٌ، وَإِنْ كَانَ يُتَلَمَّحُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ بِالْبَلَدِ فَانْظُرْهُ عَلَى نَحْوِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ
ص (وَإِلَّا رُدَّ إنْ قَرُبَ وَإِلَّا فَاتَ)
ش: هَذَا نَحْوُ مَا نُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ، فَإِنْ حَمَلَ الْمَبِيعَ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى حَيْثُ أَخَذَهُ، وَإِنْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ كَانَ فَوْتًا يُوجِبُ لَهُ الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ السِّلْعَةِ مَعَ الْقُرْبِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ يُونُسَ.
قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعُيُوبِ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَوْ كَانَتْ سِلْعَةً فَأَدَّى فِي حَمْلِهَا ثَمَنًا، ثُمَّ وَجَدَ عَيْبًا لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ، أَوْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَهُ.
قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَاهَا فَحَمَلَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْبَائِعَ مُدَلِّسٌ فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اشْتَرَاهَا فِيهِ لِتَدْلِيسِهِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْإِقَالَةِ اهـ. فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقُرْبِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ نَقَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قَالَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَيَخْتَلِفُ أَيْضًا إنْ لَمْ يُدَلِّسْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ نَقَلَ إلَى بَلَدٍ مَا فِي نَقْلِهِ لِبَلَدِ الْبَائِعِ غُرْمٌ كَثِيرٌ يَرْفَعُ إلَى سُلْطَانِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ عَلَى شِرَاءِ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَتِهِ يُرِيدُ فِي الْجَارِيَةِ فَيَأْمُرُ بِبَيْعِ ذَلِكَ عَلَى بَائِعِهِ، وَلَهُ فَضْلُهُ، وَعَلَيْهِ نَقْصُهُ، وَعَلَى هَذَا إنْ نُقِلَتْ فِي الْبَلَدِ قَبَضَهَا حَيْثُ نُقِلَتْ، وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ يَكُونُ نَقْلُهُ إلَى بَلَدِ الْآخَرِ فَوْتًا، وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ قِيمَةُ الْعَيْبِ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَبُولُهُ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ عَبْدًا، أَوْ دَابَّةً لَا يَتَكَلَّفُ فِي رُجُوعِهِ
كِرَاءً وَالطَّرِيقُ مَأْمُونَةٌ فَلَا يَكُونُ نَقْلُهُ فَوْتًا، وَيَخْتَلِفُ إذَا وَجَدَ الْبَائِعُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نَقَلَ إلَيْهِ مَالَهُ حُمِلَ وَرَضِيَ الْبَائِعُ بِقَبْضِهِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَرَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ عَنْهُ قَدْرَ الْعَيْبِ، وَهُوَ أَحْسَنُ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْغَاصِبِ يَنْقُلُ مَالَهُ حَمْلًا هَلْ يَكُونُ لَهُ مَقَالٌ لِأَجْلِ الْحَمْلِ فَالْمُشْتَرِي أَحْرَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ تَسْلِيمَ مَالِهِ حَمْلٌ بِالْبَلَدِ الَّذِي نُقِلَ إلَيْهِ بِإِجْمَاعٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي مَقَالًا لِمَا غَرِمَ فِي نَقْلِهِ وَلِلْبَائِعِ مَقَالٌ لِمَا يَغْرَمُ فِي رَدِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا حَمْلَ لَهُ كَانَ الْمَقَالُ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ مَأْمُونٍ، فَإِنْ كَانَ آمِنًا فَلَا مَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فِي مَسْأَلَةِ التَّدْلِيسِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْبِسَ هَذَا، وَيَغْرَمَ الْمِثْلَ مَعِيبًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ هُنَا، وَيُجْبِرَ الْبَائِعَ عَلَى قَبُولِهِ إنْ كَانَ مُدَلِّسًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا اهـ. وَاقْتَصَرَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ مُخْتَصَرًا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
ص (كَعَجَفِ دَابَّةٍ، أَوْ سِمَنِهَا) ش: أَمَّا عَجَفُ الدَّابَّةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ الْمُوجِبِ لِلْخِيَارِ وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: إنَّهُ مِنْ الْمُفِيتِ الَّذِي يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالْقِيمَةِ، وَيَمْنَعُ الرَّدَّ نَقَلَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي هُزَالِ الدَّوَابِّ أَنَّهُ فَوْتٌ يَكُونُ بِهِ الْمُبْتَاعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ، أَوْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ مَا نَقَصَهُ الْهُزَالُ اهـ. وَالْفَوْتُ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ الْمُوجِبِ لِلْخِيَارِ فَتَحَصَّلَ فِي هُزَالِ الدَّوَابِّ طَرِيقَانِ لِابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا سِمَنُ الدَّابَّةِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سِمَنِ الدَّوَابِّ فَمَرَّةً رَآهُ فَوْتًا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ، أَوْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَمَرَّةً لَمْ يَرَهُ فَوْتًا، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا الرَّدُّ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَزَادَ فِيهَا قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ فَوْتٌ خَرَّجَهُ عَلَى الْكِبَرِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي لَغْوِ السِّمَنِ وَكَوْنِهِ مِنْ الثَّالِثِ، أَوْ الثَّانِي ثَلَاثَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَالتَّخْرِيجُ عَلَى الْكِبَرِ اهـ. وَالثَّالِثُ فِي كَلَامِهِ هُوَ
الْمُتَوَسِّطُ وَالثَّانِي هُوَ الْمَعِيبُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) جَمْعُ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ السِّمَنِ وَالْهُزَالِ قَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّ السِّمَنَ عَيْبٌ إذَا رَدَّ الدَّابَّةَ رَدَّ مَعَهَا لِذَلِكَ شَيْئًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْبَيَانِ، وَكَذَا لَفْظُ الْمُقَدِّمَاتِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْبَدَنِ بِالسِّمَنِ قَالَ: وَمَا ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ مِنْ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، أَوْ يَرُدَّ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ.
(الثَّانِي) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: دَابَّةٍ أَنَّ هُزَالَ الرَّقِيقِ وَسِمَنَهُ لَيْسَ بِفَوْتٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ: وَأَمَّا الْهُزَالُ الْمَذْكُورُ مِنْ الرَّقِيقِ وَسِمَنُهُمْ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَوْتٍ، وَرَأَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ فَوْتًا، وَأَمَّا سِمَنُ الْجَوَارِي مِنْهُنَّ وَعَجَفُهُنَّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَوْتٍ وَرَأَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ فَوْتًا يَكُونُ بِذَلِكَ الْمُبْتَاعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ، أَوْ يُمْسِكَ وَيَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ اهـ.
(الثَّالِثُ:) .
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَلَاحُ الْبَدَنِ بِغَيْرِ السَّمْن لَغْوٌ اهـ.
ص (وَتَزْوِيجُ أَمَةٍ)
ش: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: أَمَةٍ، بَلْ الْعَبْدُ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ بِتَغَيُّرِ حَالِ الْمَبِيعِ لِتَزْوِيجِ الْأَمَةِ، أَوْ الْعَبْدِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالشُّرْبُ مِمَّا يُنْقِصُ قِيمَتَهُ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ نُقْصَانٌ، وَلَا يَرُدُّهَا إلَّا مَا نَقَصَهَا النِّكَاحُ مَعْنَاهُ، أَوْ يُمْسِكُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا أَحْدَثَ الْعَبْدُ مِنْ زِنًا، أَوْ شُرْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ فَلَيْسَ نَقْصًا، وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ التَّزْوِيجَ عَيْبٌ يُعْلَمُ حُدُوثُهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِخِلَافِ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ لَا يُدْرَى لَعَلَّهُ كَامِنٌ فِيهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ اهـ. مُخْتَصَرًا.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ بِتَغَيُّرِ حَالِ الْمَبِيعِ مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأَمَةَ فَيُزَوِّجَهَا، أَوْ الْعَبْدَ فَيُزَوِّجَهُ، أَوْ يَزْنِيَ، أَوْ يَسْرِقَ وَشِبْهَهُ مِمَّا تَنْقُصُ بِهِ قِيمَتُهُ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّزْوِيجَ عَيْبٌ فِي الرَّقِيقِ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ فِي زَوَالِهِ بِالْمَوْتِ وَالْفِرَاقِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّزْوِيجَ عَيْبٌ إمَّا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجَةِ عَلَى الِاتِّفَاقِ، وَإِمَّا بَعْدَ انْصِرَافِهَا عَلَى الْخِلَافِ فَإِنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ مَعَ مَا نَقَصَهُ عَيْبُ التَّزْوِيجِ، أَوْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِمَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ الْقَدِيمُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ عُيُوبِ الْأَخْلَاقِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عُيُوبٌ يُرَدُّ مَعَهَا النَّقْصُ إنْ اخْتَارَ الرَّدَّ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَيْبٍ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي عُيُوبِ الْأَخْلَاقِ أَنَّهَا مِنْ الْعَيْبِ الْمُتَوَسِّطِ وَاقْتَصَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى ذِكْرِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَبْرَهُ بِالْوَلَدِ، وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْإِبَاقُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَقَى وَصَاحِبِ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا
ص (وَجُبِرَ بِالْوَلَدِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ الْجَبْرَ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَيْبِ النِّكَاحِ فَكَأَنَّهُ بِجَبْرِهِ لَمْ يَكُنْ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِهِ غَيْرُ عَيْبِ النِّكَاحِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُجْبَرُ بِهِ عَيْبُ غَيْرِ النِّكَاحِ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَوْتُ الْوَلَدِ كَعَدَمِ وِلَادَتِهِ.
(تَنْبِيهٌ:) ، وَهَلْ الْوَلَدُ جَابِرٌ لِعَيْبِ التَّزْوِيجِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ عَيْبِ التَّزْوِيجِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ، أَوْ إنَّمَا يَجْبُرُهُ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْوَلَدِ كَقِيمَةِ عَيْبِ التَّزْوِيجِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْوَلَدِ أَنْقَصَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّ مَعَ الْوَلَدِ مَا بَقِيَ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ.
ص (أَوْ يَقِلُّ فَكَالْعَدِمِ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اُخْتُلِفَ فِي الْيَسِيرِ فَقِيلَ مَا أَثَّرَ نَقْصًا يَسِيرًا فِي الثَّمَنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي
الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ: مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نَقْصًا أَصْلًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَبْهَرِيُّ اهـ. وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَلَا يُفِيتُ الرَّدَّ بِالْعُيُوبِ خَوَاءُ سُوقٍ، وَلَا نَمَاؤُهُ، وَلَا عَيْبٌ خَفِيفٌ يَحْدُثُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ كَالرَّمَدِ وَالْكَيِّ وَالدَّمَامِيلِ وَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ، وَإِنْ نَقَصَهُ ذَلِكَ فَلَهُ رَدُّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا اهـ.
ص (وَذَهَابُ ظُفْرٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَنَصُّهُ: وَكَذَلِكَ ذَهَابُ الظُّفْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا زَوَالُ الْأُنْمُلَةِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْوَخْشِ خَاصَّةً اهـ. يَعْنِي أَنَّهُ خَفِيفٌ فِي الْوَخْشِ خَاصَّةً.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ.
ص (وَقَطْعٌ مُعْتَادٌ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَطْعَ الْمُعْتَادَ مِنْ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يَرْجِعُ فِيهِ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ مُدَلِّسًا، أَوْ غَيْرَ مُدَلِّسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمُدَلِّسِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ نَقَصَ كَلَامُهُمَا، وَكَلَامُ غَيْرِهِمَا، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُدَلِّسِ فَقَطْ.
ص (وَالْمُخْرِجُ عَنْ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ بِالْأَرْشِ كَكِبَرِ صَغِيرٍ)
ش: أَيْ وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَالْمُخْرِجُ عَنْ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِذَهَابِ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ مُفِيتٌ لِلرَّدِّ، وَإِذَا فَاتَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ فَالْأَرْشُ أَيْ أَرْشُ ذَلِكَ الْعَيْبِ لِلْمُشْتَرِي، ثُمَّ مَثَّلَ لِلْعَيْبِ الْمُفِيتِ بِقَوْلِهِ: كَكِبَرِ صَغِيرٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ مُتَوَسِّطٍ، وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا فَاتَ كَعَقَارٍ بِهَدْمٍ، أَوْ بِنَاءٍ.
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: وَنَفَقَةُ عَشْرِ دَنَانِيرَ فَوْتٌ إذَا كَانَ الثَّمَنُ يَسِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَيْسَ بِفَوْتٍ إلَّا أَنْ يُنْفِقَ النَّفَقَةَ الْكَثِيرَةَ قَالَ: وَأَمَّا يَسِيرُ الْهَدْمِ فَيُرَدُّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ وَغَيْرِهِ فَانْظُرْهُ.
ص (وَهَرَمٍ) ش: أَيْ وَهَرَمِ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، وَقِيلَ مُتَوَسِّطٍ وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَقِيلَ خَفِيفٍ وَأَنْكَرَ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْهَرَمِ فَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ وَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ، أَوْ أَكْثَرُهُمَا، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إذَا هَرَمَا هَرَمًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَإِنَّهُ فَوْتٌ الْبَاجِيُّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ضَعُفَ عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ اهـ. مِنْ التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ.
ص (وَاقْتِضَاضِ بِكْرٍ)
ش: بِالْقَافِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ.
قَالَ: وَالْقِضَّةُ بِالْكَسْرِ عُذْرَةُ الْجَارِيَةِ، وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْفَاءِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَدَّهُ فِي الْمُفِيتِ مُخَالِفٌ لِلْمَنْصُوصِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُتَوَسِّطُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَابْنُ غَازِيٍّ وَقَيَّدَهُ الْبَاجِيُّ بِالْعَلِيَّةِ، وَجَعَلَهُ فِي الشَّامِلِ خِلَافًا حَكَاهُ بِقِيلَ وَنَصُّهُ فِي الْعَيْبِ الْمُتَوَسِّطِ وَكَافْتِضَاضِ بِكْرٍ وَقِيلَ فَوْتٌ وَقِيلَ إلَّا فِي الْوَخْشِ فَكَالْعَدِمِ
ص (وَكَقَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا، أَوْ غَيْرَ مُدَلِّسٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
ص (إلَّا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، أَوْ بِمُسَاوِي زَمَنِهِ كَمَوْتِهِ فِي إبَاقِهِ) ش: هَذَا مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُخْرَجُ عَنْ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ قَالَ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا دَلَّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ فَهَلَكَ الْعَبْدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، أَوْ نَقَصَ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَيُرَدُّ جَمِيعُ الثَّمَنِ كَالتَّدْلِيسِ بِمَرَضٍ فَيَمُوتُ، أَوْ بِالسَّرِقَةِ فَيَسْرِقُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَحْيَى، أَوْ بِالْإِبَاقِ فَيَأْبِقُ فَيَهْلِكُ وَلِابْنِ شِهَابٍ، أَوْ بِالْجُنُونِ فَيُخْنَقُ فَيَمُوتُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الْمُبْتَاعُ الْبَيِّنَةَ فِيمَا حَدَثَ مِنْ سَبَبِ عَيْبِ التَّدْلِيسِ، وَأَمَّا مَا حَدَثَ بِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ التَّدْلِيسِ فَلَا يَرُدُّهُ مَعَ مَا نَقَصَهُ بِذَلِكَ، أَوْ يَحْبِسُهُ وَيَرْجِعُ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ كَمَا فَسَّرْنَا اهـ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: فَيَأْبِقُ فَيَهْلِكُ؛ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ إذَا دَلَّسَ بِالْإِبَاقِ إلَّا إذَا هَلَكَ الْعَبْدُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَضْمَنُ إذَا أَبَقَ فَغَابَ - عُرِفَ هَلَاكُهُ أَمْ لَا - وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الْأُمَّهَاتِ وَلَفْظُهَا: أَوْ أَبَقَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ يُونُسَ: فَهَلَكَ، أَوْ ذَهَبَ، وَلَمْ يَرْجِعْ.
وَظَاهِرُ الْأُمَّهَاتِ أَنَّهُ بِنَفْسِ إبَاقِهِ يَضْمَنُهُ اهـ.
(قُلْت:) وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ رَسْمِ أَوَّلِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَنَصُّهُ: إذَا دَلَّسَ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ الْعَبْدُ، وَلَمْ يَرْجِعْ كَانَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ وَيَطْلُبَ عَبْدَهُ اهـ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي بَابِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَبِهِ عَيْبٌ فَهَلَكَ مِنْهُ، أَوْ بِهِ فَقَالَ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَبِهِ عَيْبٌ فَهَلَكَ مِنْهُ، أَوْ تَنَامَى إلَى أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إنْ هَلَكَ، وَإِنْ تَنَامَى إلَى أَكْثَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَيَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ، أَوْ يَرُدَّ قِيمَةَ مَا تَنَامَى فِيهِ، وَإِنْ دَلَّسَ بِالْعَيْبِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ مَاتَ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ إنْ تَنَامَى وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ دَلَّسَ بِمَرَضٍ فَمَاتَ مِنْهُ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ يُدَلِّسُ بِحَمْلِهَا فَتَمُوتُ مِنْ النِّفَاسِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: هِيَ مِنْ الْبَائِعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَوْ عُلِمَ أَنَّهَا مَاتَتْ مِنْ النِّفَاسِ لَكَانَتْ مِنْ الْبَائِعِ وَالْأَوَّلُ: أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ كَالسُّلِّ، وَالِاسْتِسْقَاءُ يَدُومُ بِصَاحِبِهِ وَالنِّفَاسُ تَمُوتُ بِفَوْرِهِ، وَيَرُدُّ هَذِهِ الْعُيُوبَ إذَا مَاتَتْ، أَوْ تَنَامَتْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ بِهَا إنْ قَامَ بِقُرْبِ مَا عَلِمَ، وَإِنْ تَرَاخَى يَرَى أَنَّهُ رَاضٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ، وَإِنْ أَتَى مِنْ ذَلِكَ بِمَا يَشْكُلُ أَمْرُهُ هَلْ هُوَ رَاضٍ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَضِيَ وَقَامَ، فَإِنْ دَلَّسَ بِسَرِقَةٍ فَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ رَدَّهُ أَقْطَعَ وَيَرُدُّهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ لَا قَطْعَ فِيهَا رَدَّهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَكَانَتْ مُعَامَلَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْجِنَايَةِ مِنْ الْبَائِعِ يَفْتَدِي مِنْهُ، أَوْ يُسَلِّمُهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ وَيَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْبِ، أَوْ يَرُدَّ وَمَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَيَرْجِعَ بِالْعَيْبِ، أَوْ يَفْتَدِيَهُ وَيَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ سَرِقَتُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: فِي رَقَبَتِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ذَلِكَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ حَتَّى يُحْكَمَ بِرَدِّهِ، وَالْأَوَّلُ: أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ مِمَّا دَلَّسَ بِهِ السَّيِّدُ فَكَأَنَّهُ فَعَلَهُ عِنْدَ بَائِعِهِ فَلَا يَسْقُطُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهُ فِيهِ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ كَانَ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ ذَهَبَ يَسْرِقُ فَمَاتَ، أَوْ سَقَطَ مِنْ مَوْضِعٍ فَهَلَكَ فِي ذَهَابِهِ، أَوْ رُجُوعِهِ كَانَ مِنْ بَائِعِهِ، وَإِنْ دَلَّسَ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِنَفْسِ إبَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا، وَعَلَى بَائِعِهِ أَنْ يَطْلُبَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ، وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: وَإِنْ لَمْ يَهْلِكْ مِنْ سَبَبِ الْإِبَاقِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْعَيْبِ، وَإِنْ هَلَكَ بِسَبَبِهِ مِثْلُ أَنْ يَقْتَحِمَ نَهْرًا، أَوْ يَدْخُلَ بِئْرًا فَتَنْهَشَهُ حَيَّةٌ، أَوْ يَتَرَدَّى فِي مَهْوَاةٍ، أَوْ مِنْ جَبَلٍ فَيَهْلِكَ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ مَاتَ مَوْتَةً، أَوْ يَكُونُ سَالِمًا فِي إبَاقِهِ، أَوْ يَجْهَلُ أَمْرَهُ فَلَا يَدْرِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ حَالُهُ فَلَا أَرَى أَنْ يَرْجِعَ إلَّا بِقِيمَةِ عَيْبِ الْإِبَاقِ، وَالْأَوَّلُ: أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْإِبَاقِ وَجَبَ رُجُوعُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي دَلَّسَ بِهِ، وَذَهَبَ بِهِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ اهـ. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ وَأَبَقَ الْعَبْدُ، وَمَاتَ فِي إبَاقِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِقِيمَةِ الْإِبَاقِ فَقَطْ، وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ فِي فَصْلِ الْعُيُوبِ، وَنَحْوُهُ أَيْضًا لِابْنِ يُونُسَ فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَى
سَحْنُونٌ أَنَّ السَّبْعَةَ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ قَالُوا فِيمَنْ دَلَّسَ بِعَيْبٍ فِي عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ فَهَلَكَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْأَمَةُ، أَوْ الْعَبْدُ فَهُمَا مِنْ الْبَائِعِ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمُبْتَاعُ الثَّمَنَ كُلَّهُ.
قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: دَلِيلُهُ الْمَرْأَةُ تَغَرُّ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّ لِزَوْجِهَا الرُّجُوعَ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ فَرْجَهَا؛ لِأَنَّهَا مُدَلِّسَةٌ بِذَلِكَ الْعَيْبِ فَكَذَلِكَ هَذَا.
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا فَدَلَّسَ فِيهِ بِعَيْبٍ فَهَلَكَ الْعَبْدُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، أَوْ نَقَصَ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ كَالتَّدْلِيسِ بِالْمَرَضِ فَيَمُوتُ، أَوْ بِالسَّرِقَةِ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَحْيَى، أَوْ بِالْإِبَاقِ فَيَأْبِقُ فَيَهْلِكُ، أَوْ يَذْهَبُ، فَلَمْ يَرْجِعْ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَوْ بِالْجُنُونِ فَاخْتَنَقَ فَمَاتَ فَهَذَا كُلُّهُ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ الْمُبْتَاعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَيْبِ، وَأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ عِلْمُ الْبَائِعِ بِهَذَا كُلِّهِ حِينَ الْبَيْعِ رَدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ لَمْ يُدَلِّسْ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ الْعَيْبَ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا قِيمَةُ عَيْبِهِ، وَلَوْ قَالَ: عَلِمْت الْعَيْبَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنْ أَذْكُرَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قِيمَةُ الْعَيْبِ اهـ. وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي وَهَلَكَ فَعَيْبُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً، ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ، وَاطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ فِي الْجَارِيَةِ، فَلَمْ يَحْضُرْ الْبَائِعُ حَتَّى مَاتَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ الْعَيْبِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُثْبِتُ الْعَيْبَ، ثُمَّ يَنْظُرُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إنْ كَانَ مِمَّا يَحْدُثُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ الشِّرَاءِ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ مَا لَا يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُرْمُ يَعْنِي غُرْمَ الْأَرْشِ خَاصَّةً لَا غُرْمَ جَمِيعِ الثَّمَنِ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعَيْبُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا عَيْبًا تُرَدُّ بِهِ وَيَثْبُتُ الْعَيْبُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَحَيْثُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ فَصَرَّحَ بِالرَّدِّ، ثُمَّ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى يَدِ الْبَائِعِ، فَهَلْ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي؟ .
ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا حَاكِمٌ، فَيَكُونَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمُشْتَرِي اهـ. وَهَذَا إذَا لَمْ يُدَلِّسْ، وَأَمَّا الْمُدَلِّسُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ جَمِيعِ الثَّمَنِ إذَا مَاتَتْ الْجَارِيَةُ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأَخِيرَةُ فَإِنَّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِالنَّقْصِ، أَوْ يُثْبِتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وُجُودَ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَيْثُ قَالَ وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ إنْ رَضِيَ بِالنَّقْصِ، أَوْ ثَبَتَ عَنْدَ حَاكِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا هَلَكَ مِنْ الْعَيْبِ، فَإِنْ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ لِلْإِبَاقِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) اُنْظُرْ لَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ لِلْإِبَاقِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدَ الْعَبْدَ هَلْ لَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ الْعَبْدِ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ؟
[الثَّانِي نَسِيَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ حِينَ الْبَيْعِ]
(الثَّانِي:) اُنْظُرْ لَوْ نَسِيَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ حِينَ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمُشْتَرِي، فَهَلْ هُوَ كَالْمُدَلِّسِ أَمْ لَا؟ (الثَّالِثُ:) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا دَلَّسَ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ الْعَبْدُ فَقَامَ الْمُبْتَاعُ بِذَلِكَ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ يَأْبِقْ مِنْكَ وَلَكِنْ غَيَّبْتَهُ، أَوْ بِعْتُهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَكْثَرُ مِنْ يَمِينِهِ: مَا غَيَّبَ، وَمَا بَاعَ، وَلَقَدْ أَبَقَ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ ثَمَنَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ اهـ.
ص (وَلَا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ) ش قَالَ فِي الشَّامِلِ
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِ عَبْدٍ لَهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ أَبَقَ، أَوْ سَرَقَ عِنْدَك، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَفِيهَا لَوْ أَبَقَ بِقُرْبِ الْبَيْعِ فَقَالَ: أَخْشَى أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَك فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَك، وَقَدْ أَبَقَ عِنْدِي وَأَثْبَتَ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ، فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ عِنْدَك لَزِمَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحّ، وَكَذَا إنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَك اتِّفَاقًا أَوْ عَلِمَ إبَاقَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ قَالَ: أَبَقَ عِنْدَك، أَوْ سَرَقَ، أَوْ زَنَى، أَوْ جُنَّ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَلَفَ لَهُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ هُوَ ظَاهِرُهَا اهـ.
ص (وَرَدَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ وَرَجَعَ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرُ) ش يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً، ثُمَّ وَجَدَ فِي بَعْضِهَا عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيَرْجِعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ كُلُّ سِلْعَةٍ عَلَى حِدَتِهَا، ثُمَّ يُقَسَّمَ الثَّمَنُ عَلَى قِيَمِ السِّلَعِ فَيَرْجِعَ بِمَا يَنُوبُ السِّلْعَةَ الْمَعِيبَةَ مِنْهُ هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، أَوْ مِثْلِيًّا، فَإِنْ كَانَ سِلْعَةً فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يَنُوبُ السِّلْعَةَ الْمَعِيبَةَ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَرَجَعَ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ الَّتِي فِيهَا الْعَيْبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ كَانَتْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا رَدُّ الْجَمِيعِ، أَوْ الرِّضَا بِالْجَمِيعِ، وَوَجْهُ الصَّفْقَةِ هُوَ الَّذِي يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ الْمَعِيبَةُ غَيْرَ وَجْهِ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا رَدُّهَا فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْجَمِيعَ، أَوْ تَرُدَّ الْجَمِيعَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ التُّونُسِيِّ إنْ.
قَالَ الْبَائِعُ إمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ كُلَّهُ مَعِيبًا، أَوْ تَرُدَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَإِذَا كَانَتْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا رَدُّ الْجَمِيعِ، أَوْ الرِّضَا بِالْجَمِيعِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَالْقَضَاءُ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَالَّتِي فِي بَعْضِهَا عَيْبٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْمَعِيبِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الرِّضَا بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ رَدُّ جَمِيعِ الصَّفْقَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً فَوَجَدَ بِصِنْفٍ مِنْهَا عَيْبًا، فَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ مِثْلَ أَنْ يَقَعَ مِنْ الثَّمَنِ سَبْعُونَ، أَوْ سِتُّونَ وَالثَّمَنُ مِائَةٌ فَلْيَرُدَّ الْجَمِيعَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا وَقَعَ الْعَيْبُ فِي نِصْفِ الثَّمَنِ فَأَقَلَّ فَلَيْسَ هُوَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، وَلَمْ يَرُدَّ إلَّا الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ، وَإِذَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ فَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ.
قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ فِي أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ تَأْخُذَ الْجَمِيعَ، أَوْ تَرُدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ لَهُ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إذَا تَعَدَّدَ الْمَبِيعُ غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، وَالْعَيْبُ بِأَعْلَاهُ فَرُوِيَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ ابْتَاعَ سِلَعًا فَوَجَدَ بِبَعْضِهَا عَيْبًا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْمَعِيبِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ كَانَ وَجْهَهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْجَمِيعِ، أَوْ الرِّضَا بِالْمَعِيبِ اهـ.
(الثَّانِي) إذَا كَانَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي التَّمَسُّكُ بِالسَّالِمِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ مِثْلِيٍّ، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ ظَهَرَ بِأَعْلَاهُمَا عَيْبٌ فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ رَدَّ الْأَعْلَى وَاسْتَحَقَّ أَنْ يَحْبِسَ الْأَدْنَى؛ لِأَنَّهُ كَشِرَاءٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، ثُمَّ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبَيْنِ: إنْ كَانَ الْمَعِيبُ وَجْهَهَا فَلَهُ رَدُّ الْأَدْنَى، وَلَا لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا خِيَارَ لَهُ اهـ.
(قُلْت:) صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى
اسْتِحْقَاقِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي الْعُرُوضِ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ: وَوُجُودُ هَذَا الْعَيْبِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُصُولِ كَالِاسْتِحْقَاقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثُ:) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا زَادَ الْمَعِيبُ عَلَى النِّصْفِ، وَلَوْ يَسِيرًا فَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ابْتَاعَ سِلَعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَسَمَّوْا لِكُلِّ سِلْعَةٍ عَشَرَةً فَأَصَابَ بِأَحَدِهَا عَيْبًا لَمْ يُنْظَرْ إلَى مَا سَمَّوْا لِكُلِّ ثَوْبٍ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيَمِ الثِّيَابِ، فَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ لَيْسَ بِوَجْهِ الصَّفْقَةِ رَدَّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ لَمْ يَكُنْ إلَّا الرِّضَا بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ رَدُّ جَمِيعِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْمَعِيبِ خَمْسِينَ دِينَارًا، أَوْ قِيمَةُ كُلِّ سِلْعَةٍ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ لَمْ تَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ حَتَّى تَكُونَ حِصَّتُهُ أَكْثَرَ الثَّمَنِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْجَمِيعِ مِائَةَ دِينَارٍ وَثَمَنُ هَذَا الْمَعِيبِ سَبْعِينَ، أَوْ ثَمَانِينَ فَهَذَا وَجْهُ الصَّفْقَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ ثَمَنُهُ سَبْعِينَ، أَوْ ثَمَانِينَ بَلْ يَكُونُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ إذَا زَادَ عَلَى خَمْسِينَ، وَلَوْ دِينَارَيْنِ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْتُ:) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً يَرْجِعُ بِمَا يَنُوبُ الْعَيْبَ مِنْ الْقِيمَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
قَالَ: وَعَلَيْهِ، فَهَلْ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ إنَّمَا تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً يَوْمَ الْحُكْمِ، وَلَمْ تَفُتْ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَرَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَرْدُودِ يَوْمَ الْبَيْعِ لَا يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ كَانَ الثَّمَنُ السِّلْعَةَ لَا فِي جُزْئِهَا خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَرَجَعَ لَا سِيَّمَا إنْ تَعَيَّبَ النِّصْفُ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ السِّلْعَةِ، وَلَيْسَ حَقُّ الْبَائِعِ بِأَوْلَى مِنْ حَقِّ الْمُبْتَاعِ، وَعَلَيْهِ فَفِي انْقِلَابِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ قَوْلَانِ اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَشْهُورَ الرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمَرْدُودُ النِّصْفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ وَجْهِ الصَّفْقَةِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، وَأَمَّا إنْ انْتَقَضَ وَظَهَرَ الْعَيْبُ فِي الْبَاقِي فَلَا تَفْرِيقَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا فَاتَ.
قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا، وَأَلْفَى الْآخَرَ مَعِيبًا يَرُدُّ الْمَعِيبَ وَيَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ كَانَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ أَمْ لَا؟ إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا قَدْ فَاتَ، فَإِنْ كَانَ عَرَضًا لَمْ يَفُتْ فَهَاهُنَا يَفْتَرِقُ وَجْهُ الصَّفْقَةِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ وَجْهَ الصَّفْقَةِ رَدَّهُ وَقِيمَةَ الْهَالِكِ وَرَجَعَ فِي عَيْنِ عَرَضِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ لَيْسَ بِوَجْهِ الصَّفْقَةِ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَرَضِ لَا فِي عَيْنِهِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَفْتَرِقْ وَجْهُ الصَّفْقَةِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كُلِّفَ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ الْهَالِكِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ بِوَجْهِ الصَّفْقَةِ رَدَّ قِيمَةَ ذَلِكَ عَيْنًا، وَرَجَعَ فِي عَيْنٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَرَضًا فَكُلِّفَ غُرْمَ قِيمَةِ التَّالِفِ غَرِمَ ثَمَنًا، وَرَجَعَ فِي عَرَضٍ فَهَذَا مُفْتَرِقٌ، وَإِذَا كَانَ عَرَضًا قَدْ فَاتَ صَارَ كَالْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهِ، وَهُوَ ثَمَنٌ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ خِلَافًا، وَعَزَا هَذَا لِعَبْدِ الْحَقِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَاللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ نَقَلَ قَوْلًا ثَانِيًا بِأَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ مَنَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَعَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) .
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي قِيمَةِ الْهَالِكِ مِنْ الْعَبْدَيْنِ وَصَفَاهُ وَقُوِّمَتْ تِلْكَ الصَّفْقَةُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ انْتَقَدَ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ مَعَ يَمِينِهِ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبُغ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ انْتَقَدَ، أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ، وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ.
ص (أَوْ أَحَدَ مُزْدَوَجَيْنِ، أَوْ أُمًّا وَوَلَدَهَا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ ابْتَاعَ خُفَّيْنِ، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مِصْرَاعَيْنِ، أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْتَرِقُ فَأَصَابَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا بَعْدَ مَا قَبَضَهُمَا، أَوْ قَبْلَ فَإِمَّا رَدَّهُمَا جَمِيعًا، أَوْ قَبِلَهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِأَخٍ لِصَاحِبِهِ، أَوْ كَانَتْ نِعَالًا فُرَادَى فَلَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ عَلَى
مَا ذَكَرْنَا فِي اشْتِرَاءِ الْجُمْلَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهَ الصَّفْقَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّ الْجَمِيعِ، أَوْ حَبْسُهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَحُكْمُ الْأُمِّ تُبَاعُ مَعَ وَلَدِهَا فَيُوجَدُ لِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ حُكْمُ مَا لَا يَفْتَرِقُ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: حُكْمُ الْأُمِّ تُبَاعُ مَعَ وَلَدِهَا الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّفْرِقَةِ فَيُوجَدُ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ حُكْمُ مَا لَا يَفْتَرِقُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ مَا هُوَ زَوْجَانِ لَا يُنْتَفَعُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ كَالنَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالسِّوَارَيْنِ وَالْقُرْطَيْنِ فَوُجُودُ الْعَيْبِ بِأَحَدِهِمَا كَوُجُودِهِ بِهِمَا جَمِيعًا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَهْلَكَ خُفًّا مِنْ خُفَّيْنِ، أَوْ نَعْلًا مِنْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْتَرِقُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ سِفْرًا مِنْ دِيوَانٍ مَنْ سِفْرَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَرُدُّ السَّالِمَ وَمَا نَقَصَ، وَصُورَةُ ذَلِكَ: أَنْ يُقَالَ مَا قِيمَةُ الدِّيوَانِ كَامِلًا؟ فَإِذَا قِيلَ: عِشْرُونَ قِيلَ: مَا قِيمَةُ السَّالِمِ وَحْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةٌ رَدَّ السَّالِمَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْجَمِيعِ وَانْظُرْ مَنْ اسْتَهْلَكَ عِجْلًا كَانَتْ أُمُّهُ تَحْلُبُ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ: عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعِجْلِ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ الشَّيْخُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِيمَنْ مَلَخَ مِنْ شَجَرَةِ رَجُلٍ فَرْعًا عَلَى وَجْهِ الدَّلَالَةِ فَغَرَسَهُ شَجَرًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْفَرْعِ يَوْمَ مَلْخِهِ، وَمَا نَقَصَ الْمَلْخُ مِنْ الشَّجَرَةِ اهـ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْمُزْدَوَجَيْنِ: وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ إحْدَى مُزْدَوَجَيْنِ وُجُوبَ قِيمَتِهِمَا، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ سِفْرًا مِنْ دِيوَانٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَرُدُّ السَّالِمَ وَمَا نَقَصَ، ظَاهِرُ كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْجَمِيعَ اهـ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ فِي مَسْأَلَةِ الدِّيوَانِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ عَيْبًا فِي أَحَدِ السِّفْرَيْنِ أَنَّهُ يَرُدُّ الْجَمِيعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اسْتَحَقَّ أَكْثَرَهُ) ش يُرِيدُ إلَّا الْمِثْلِيَّ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا لِيُفَرِّعَ عَلَيْهَا الْمَسْأَلَةَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الْأَكْثَرَ انْتَقَضَتْ الصَّفْقَةُ وَتَمَسَّكَ الْمُشْتَرِي بِالْبَاقِي كَإِنْشَاءِ عَقْدِهِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَنُوبُ الْبَاقِيَ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بَعْدَ تَقْوِيمِ أَجْرِ الْمَبِيعِ عَلَى الِانْفِرَادِ، أَوْ نِسْبَةِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ إلَى مَجْمُوعِ قِيمَةِ الصَّفْقَةِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ جَهَالَةٌ طَارِئَةٌ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَصَارَتْ كَالْجَهَالَةِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِالْمَبِيعِ اهـ. وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَيْبَ يُخَالِفُ الِاسْتِحْقَاقَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ص (وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ، وَفَاتَ الثَّوْبُ فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ، وَرَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ، فَقَدْ اسْتَحَقَّ
الْأَكْثَرَ فَيَرُدُّ الدِّرْهَمَيْنِ، وَيَأْخُذُ ثَوْبَهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَقِيمَتَهُ إنْ كَانَ فَائِتًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ الثَّوْبِ إنْ كَانَ قَائِمًا، أَوْ بِقِيمَتِهَا إنْ فَاتَتْ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَاصَّهُ بِدِرْهَمَيْنِ مِنْهَا وَرَدَّ لَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَرُدُّ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفٌ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ تِسْعَةً قَاصَّهُ بِدِرْهَمَيْنِ، وَرَدَّ سَبْعَةً عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَرُدُّ سَبْعَةً وَنِصْفًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا رَجَعَ بِعَشَرَةٍ اتِّفَاقًا، وَيُقَاصُّ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَيُكْمِلُهُمَا عَلَى مُقَابِلِهِ بِغَيْرِ مُقَاصَّةٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ، أَوْ قِدَمِهِ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْعُيُوبُ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَيْبٌ يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ، وَعَيْبٌ لَا يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ بِهِ، وَلَا الْقِيَامُ، وَلَا الرُّجُوعُ بِقِيمَتِهِ فِي الْفَوَاتِ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا: مَا اسْتَوَى الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ فِي الْجَهْلِ بِمَعْرِفَتِهِ، وَكَانَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَلَا رُجُوعَ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِمَا عَلَى اخْتِلَافٍ، وَالثَّانِي مَا اسْتَوَى الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْعُيُوبِ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى اهـ. (فَرْعٌ:) مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا ثَوْبًا، أَوْ حِنْطَةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَيُنْكِرُ رَبُّهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَتَاعَهُ فَنَقَلَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكِلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَا غَيَّرَ وَلَا بَدَّلَ اهـ.
ص (وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي إذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ إلَى حِينِ فَسْخِ عَقْدِ الْبَيْعِ
وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ لَا غَلَّةَ فِيهِ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلَا يَوْمَ الرَّدِّ وَاغْتَلَّ الْمُشْتَرِي فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْغَلَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ فِيهِ يَوْمَ الْبَيْعِ، أَوْ يَوْمَ الرَّدِّ فَلِكُلِّ مَسْأَلَةٍ حُكْمٌ أَشَارَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: وَثَمَرَةٌ أُبِّرَتْ وَصُوفٌ تَمَّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ص (وَلَمْ تَرِدْ بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ)
ش: قَوْلُهُ: لَمْ تَرِدْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بِخِلَافِ وَلَدٍ إلَخْ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ إنَاثِ الْحَيَوَانِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَعْقِلُ، أَوْ لَا، ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا وَلَدَهَا اشْتَرَاهَا حَامِلًا أَوْ حَمَلَتْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِغَلَّةٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ عِنْدَك، ثُمَّ رَدَدْتَهَا بِعَيْبٍ رَدَدْت وَلَدَهَا مَعَهَا، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ، وَكَذَا مَا وَلَدَتْ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ، وَلَا شَيْءَ لَكَ فِي الْوِلَادَةِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَهَا ذَلِكَ فَتَرُدُّ مَا نَقَصَهَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ، وَكَانَ فِي الْوَلَدِ مَا يُجْبَرُ بِهِ النَّقْصُ جَبَرَهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا.
قَالَ فِي الْأَمَةِ تَلِدُ، ثُمَّ يَرُدُّهَا بِعَيْبٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَثَمَرَةٌ أُبِّرَتْ أَيْ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى نَحْلًا مُؤَبَّرَةً وَاشْتَرَطَ الثَّمَرَةَ، ثُمَّ وَجَدَ الثَّمَرَةَ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الثَّمَرَةَ؛ لِأَنَّ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْمُشْتَرِي لَكَانَتْ لِلْبَائِعِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهَا غَلَّةٌ وَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى عَدَمِ اللَّبَنِ، وَإِنْ كَانَ فِي الضَّرْعِ يَوْمَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ مُصَرَّاةً يَوْمَ الشِّرَاءِ فَيَرُدُّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ الطَّعَامِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ احْتَلَبَهَا لَمْ يَغْرَمْ بِذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ حِينَ الْبَيْعِ مُصَرَّاةً، وَإِنْ كَانَتْ وَقْتَ الرَّدِّ مُصَرَّاةً كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ، ثُمَّ يَرُدَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا احْتِلَابُهُ كَالْخَرَّازِ وَالْحَدَّادِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ يَوْمَ الشِّرَاءِ مُصَرَّاةً فَهُوَ مَبِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَرُدُّ الثَّمَرَةَ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَإِنْ فَاتَتْ يَرُدُّ مَكِيلَتَهَا إنْ عُلِمَتْ، أَوْ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ تُعْلَمْ، أَوْ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاعَهَا قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَقَوْلُهُ: وَصُوفٍ تَمَّ أَيْ، وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا عَلَيْهَا صُوفٌ تَامٌّ، ثُمَّ جَزَّ الصُّوفَ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ، فَإِنْ فَاتَ رَدَّ مِثْلَهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَزْنَهُ رَدَّ الْغَنَمَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ كَمُشْتَرِي ثَوْبَيْنِ يَفُوتُ عِنْدَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ يَجِدُ بِالْبَاقِي عَيْبًا، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَزْنَهُ رَدَّ قِيمَتَهُ، وَالْأَشْبَهُ مَا قَدَّمْنَا، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ مَنْ قَالَ: إذَا فَاتَ الْأَدْنَى مِنْ الثَّوْبَيْنِ رَدَّ قِيمَتَهُ مَعَهُ إلَّا رُبْعَ الْمَعِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إذَا انْقَضَتْ صَفْقَتِي لَمْ يَلْزَمْنِي الْمُعَايَنَةُ فِي الْأَدْنَى انْتَهَى.
مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ (قُلْت:) الْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
(فَرْعٌ:) .
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بَعْدَ أَنْ عَادَ إلَيْهَا الصُّوفُ رَدَّهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلصُّوفِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا كَالْأَوَّلِ، وَهُوَ أَبْيَنُ فِي هَذَا مِنْ حِينِ الْعَيْبِ بِالْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِغَلَّةٍ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ فَكَانَ جَبْرُهُ بِمَالِهِ حَبْسُهُ أَوْلَى انْتَهَى.
[تَنْبِيهَاتٌ اشْتَرَى النَّخْلَ بِالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْب]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ رُدَّتْ الثَّمَرَةُ مَعَ النَّخْلِ كَانَ لَكَ أَجْرُ سَقْيِكَ وَعِلَاجِكَ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى النَّخْلَ بِالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ قَبْلَ طِيبِهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا بِثَمَرَتِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَيَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْعَيْبِ إلَّا بَعْدَ طِيبِ الثَّمَرَةِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إذَا جُذَّتْ الثَّمَرَةُ فَهِيَ غَلَّةٌ (الثَّانِي) : فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثَمَرَةٌ أُبِّرَتْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الشِّرَاءِ قَدْ طَابَتْ أَنَّهُ يَرُدُّهَا إذَا رَدَّ الْأُصُولَ مِنْ بَابِ أَحْرَى، وَفُهِمَ مِنْهُ أَيْضًا لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الشِّرَاءِ لَمْ تُؤَبَّرْ لَمْ تُرَدَّ وَتَكُونُ غَلَّةً لِلْمُشْتَرِي، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ
جَذَّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مَوْجُودَةً يَوْمَ الشِّرَاءِ وَلَكِنَّهَا لَمْ تُؤَبَّرْ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً يَوْمَ الشِّرَاءِ، وَلَكِنَّهَا حَدَثَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُذَّ الثَّمَرَةَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ، أَوْ بَعْدَ طِيبِهَا، فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ طِيبِهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا مَعَ أُصُولِهَا سَوَاءٌ أُبِّرَتْ، أَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ وَيَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ قَدْ طَابَتْ أَيْ أَزْهَتْ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي سَوَاءٌ يَبِسَتْ، أَوْ لَمْ تَيْبَسْ، أَوْ لَمْ تُجَذَّ (الثَّالِثُ) : لَوْ وَجَدَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ طِيبِهَا وَقَبْلَ أَنْ تُؤَبَّرَ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَلَا أَذْكُرُ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا نَصًّا، وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ فَوْتٌ؛ لِأَنَّ جَذَّ الثَّمَرَةِ فِي هَذَا الْحَالِ يَعِيبُ الْأَصْلَ وَيُنْقِصُ قِيمَتَهُ، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَمَا نَقَصَ، أَوْ يُمْسِكَهُ وَيَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا جَذَّهَا بَعْدَ الْإِبَارِ، وَقَبْلَ الطِّيبِ فَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (الرَّابِعُ) .
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَوْ هَلَكَتْ الثَّمَرَةُ الْمَأْبُورَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُشْتَرِي فَعَارَضَ هَذَا بَعْضُهُمْ بِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الثَّمَرَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَرُدُّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَرَاةٍ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وَلِهَذَا مُنِعَ بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ الْمُؤَبَّرَ طَعَامٌ لِكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ يَضْمَنُ الثَّمَرَةَ إذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَ الزَّهْوِ، وَإِنْ كَانَتْ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهُ الْمَازِرِيُّ انْتَهَى.
(قُلْت) وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُعَارَضَةَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ عَنْ بَعْضِ الْمُذَاكِرِينَ، وَالتَّفْرِقَةَ لِبَعْضِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَذَّ الثَّمَرَةَ لَكَانَ ضَامِنًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ مَا اخْتَلَفَ حُكْمُهَا قَبْلَ جَذِّهَا، وَبَعْدَهُ قَالَ أَيْضًا: لَوْ جَذَّهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ طِيبِهَا، ثُمَّ جَاءَ شَفِيعٌ حَطَّ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَنُوبُهَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُرِيدُ رَدَّهُ بِأَنَّهَا قَبْلَ الْجَذِّ تَابِعَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذِهِ مُسْتَقِلَّةٌ، فَإِنْ هَلَكَتْ ضَمِنَهَا كَمَالِ الْعَبْدِ يَهْلِكُ قَبْلَ انْتِزَاعِهِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ بَيِّنٌ صَحِيحٌ فِي الْمُعَارَضَةِ، وَنَصُّهَا: وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الشِّرَاءِ مَأْبُورَةً فَاشْتَرَاهَا، فَإِنْ رَدَدْتَ النَّخْلَةُ بِعَيْبٍ رَدَدْتَ مَعَهَا الثَّمَرَةَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَكَ، فَإِنْ رَدَدْتَ مَعَهَا كَانَ لَكَ أَجْرُ سَقْيِكَ وَعِلَاجِكَ فِيهَا، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ صَحَّ أَنَّ لَهَا مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةً، وَلَمْ أُلْزِمْهَا لَكَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ كَسِلْعَةٍ ثَانِيَةٍ فَيَصِيرُ بَيْعَ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَهُوَ كَمَالِ الْعَبْدِ إنْ انْتَزَعَهُ رَدَدْتَهُ مَعَهُ حِينَ تَرُدَّهُ بِعَيْبٍ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ انْتِزَاعِكَ لَمْ يَلْزَمْكَ لَهُ نَقْصٌ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ رَدَدْتَهُ بِعَيْبِكَ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي عَلَى الثَّمَرَةِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - قَبْلَ جُذَاذِهَا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَلَوْ انْتَزَعْتُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ ضَمِنْتُهُ، وَكَذَلِكَ الثَّمَرَةُ إذَا جَذَذْتهَا، ثُمَّ هَلَكَتْ فَإِنَّكَ تَضْمَنُهَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطْتَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ الطِّيبِ فَهَذِهِ إنْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْجُذَاذِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ فَرَدَدْتَ النَّخْلَ بِعَيْبٍ فَلْتَرُدَّ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَذَّهَا رُطَبًا فَأَكَلَهَا يُنْظَرُ مَا قِيمَةُ النَّخْلِ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَهَا رَجَعَ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ جَذَّهَا تَمْرًا، وَعَرَفَ مَكِيلَتَهَا رَدَّهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ رَدَّ مِثْلَهَا مَعَ النَّخْلِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ هُوَ ابْنُ يُونُسَ (الْخَامِسُ:) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَصُوفٌ تَمَّ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا صُوفٌ، أَوْ عَلَيْهَا صُوفٌ غَيْرُ تَامٍّ، ثُمَّ حَصَلَ الصُّوفُ عِنْدَهُ أَوْ تَمَّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا جَزَّهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخْتَلَفُ فِيهِ هَلْ يَكُونُ غَلَّةً بِالتَّمَامِ، أَوْ حَتَّى يَتَعَسَّلَ، أَوْ تُجَزَّ قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرَةِ هَلْ
تَكُونُ غَلَّةً بِالطِّيبِ، أَوْ بِالْيُبْسِ، أَوْ بِالْجُذَاذِ فَالتَّمَامُ نَظِيرُ الطِّيبِ، وَالتَّعْسِيلُ كَالْيُبْسِ، وَالْجَزُّ كَالْجُذَاذِ انْتَهَى.
(قُلْت:) قَالُوا: إذَا قَالَ يَخْتَلِفُ فَهُوَ تَخْرِيجٌ مِنْهُ، وَاَلَّذِي فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ مَا لَمْ يُجَزَّ، وَهُوَ تَبَعٌ لِلْغَنَمِ قَالَ: وَلَوْ جَزَّهُ الْمُبْتَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ نَفَقَتِهِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ النَّخْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْغَنَمَ لَا غَلَّةَ مِنْهَا سِوَى الصُّوفِ، وَلَوْ جَزَّهُ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ أَنْ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ لَكَانَ جَزُّهُ لَهَا رِضًا بِالْعَيْبِ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَشُفْعَةٍ وَاسْتِحْقَاقٍ وَتَفْلِيسٍ وَفَسَادٍ) ش.
قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: التَّشْبِيهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ تُرَدَّ لَا إلَى قَوْلِهِ: بِخِلَافِ وَلَدٍ، وَلَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى قَوْلِهِ: بِخِلَافِ وَلَدٍ لَكَانَ أَحْسَنَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْوَسَطِ، وَكَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ التَّشْبِيهَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: بِخِلَافِ وَلَدِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَا يَجْرِي فِي الْأَبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّفْلِيسِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأُمَّهَاتِ مَعَهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّفْلِيسِ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ مَعَ الْأُمَّهَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْوَلَدَ مُفَوِّتٌ، وَيُوجِبُ الرُّجُوعَ بِالْقِيمَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ: وَأَمَّا الْوَلَدُ فَيُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَيُوجِبُ الْقِيمَةَ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ فَحُكْمُهَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَحُكْمِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَأَمَّا فِي الشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّفْلِيسِ فَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا ابْتَاعَ النَّخْلَ، وَالثَّمَرَةُ مَأْبُورَةٌ، أَوْ مُزْهِيَةٌ فَاشْتَرَطَهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَهَا وَاسْتَشْفَعَ فَلَهُ نِصْفُ النَّخْلِ، وَنِصْفُ الثَّمَرَةِ بِاسْتِحْقَاقِهِ، وَعَلَيْهِ لِلْمُبْتَاعِ فِي ذَلِكَ قِيمَةُ مَا سَقَى وَعَالَجَ، وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ شَاءَ الْمُسْتَحِقُّ أَخَذَ الشُّفْعَةَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَذَلِكَ لَهُ، وَيَكُونُ لَهُ أَخْذُ الثَّمَرَةِ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الْأَصْلِ مَا لَمْ تُجَذَّ، أَوْ تَيْبَسْ، وَيَغْرَمُ قِيمَةَ الْعِلَاجِ أَيْضًا، وَإِنْ قَامَ بَعْدَ الْيُبْسِ، أَوْ الْجُذَاذِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ كَمَا لَوْ بِيعَتْ حِينَئِذٍ، وَيَأْخُذُ الْأَصْلَ بِالشُّفْعَةِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِقِيمَةٍ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ يَوْمَ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ وَقَعَ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَأَمَّا مَنْ ابْتَاعَ نَحْلًا لَا ثَمَرَ فِيهَا، أَوْ فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ، ثُمَّ فَلَسَ، وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ حَلَّ بَيْعُهَا فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِالْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ مَا لَمْ تُجَذَّ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ بِخِلَافِ الشَّفِيعِ اهـ. وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ: وَأَمَّا مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً، أَوْ غَنَمًا، ثُمَّ فَلَسَ فَوَجَدَ الْبَائِعُ الْأَمَةَ قَدْ وَلَدَتْ، وَالْغَنَمَ قَدْ تَنَاسَلَتْ فَلَهُ أَخْذُ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ، أَوْ صُوفٍ جَزَّهُ، أَوْ لَبَنٍ حَلَبَهُ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ، وَكَذَلِكَ النَّخْلُ تُجْنَى ثَمَرَتُهَا فَهُوَ كَالْغَلَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْغَنَمِ صُوفٌ قَدْ تَمَّ يَوْمَ الشِّرَاءِ، أَوْ فِي النَّخْلِ ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ الثَّمَنَ فَلَيْسَ كَالْغَلَّةِ اهـ. وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا كَانَ فِي النَّخْلِ يَوْمَ الِابْتِيَاعِ ثَمَرَةٌ مَأْبُورَةٌ فَطَرَأَ عَلَى الْمُشْتَرِي مُسْتَحِقٌّ، أَوْ شَفِيعٌ، أَوْ فَلَسٌ وَأَرَادَ الْبَائِعُ أَخْذَ نَخْلِهِ، فَإِنْ طَرَأَ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ عَلَى حَالِهَا بَعْدَ أَنْ يُؤَدُّوا السَّقْيَ وَالْعِلَاجَ، وَإِنْ طَرَأَ بَعْدَ طِيبِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ يُبْسِهَا، أَوْ بَعْدَ يُبْسِهَا، وَلَمْ تُجَذَّ، أَوْ بَعْدَ جَذِّهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ، أَوْ فَائِتَةٌ فَفِي ذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّفِيعَ وَالْمُسْتَحِقَّ يَأْخُذُ الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ، وَإِنْ جُذَّتْ وَيَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ
الْعُيُوبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُمْضَى بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهَا تُمْضَى بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ إنَّهَا غَلَّةٌ لِلْمُبْتَاعِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الطِّيبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ وَالثَّانِي الْيُبْسُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّالِثُ: الْجُذَاذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَأَمَّا التَّفْلِيسُ فَالْمَنْصُوصُ لَهُمْ قَوْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُجَذَّ، فَإِنْ جُذَّتْ كَانَ أَحَقَّ بِالْأُصُولِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ بِالْمَعْنَى اهـ. وَانْظُرْ بَقِيَّةَ وُجُوهِ الثَّمَرَةِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَأَمَّا الصُّوفُ التَّامُّ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَيَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ إنْ كَانَ قَائِمًا، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُبْتَاعُ، أَوْ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاعَهُ، وَفِي التَّفْلِيسِ بَائِعُهُ أَحَقُّ بِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ جَزَّهُ الْمُشْتَرِي الْمُفْلِسُ، وَإِنْ فَاتَ أَخَذَ الْبَائِعُ الْغَنَمَ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ وَحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِمَا يَنُوبُ الصُّوفَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْغَنَمَ وَحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِمَا يَنُوبُ الصُّوفَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْغَنَمَ وَحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، فَلَمْ أَقِفْ الْآنَ عَلَى رَدٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَرُدَّ بِغَلَطٍ إنْ سَمَّى بِاسْمِهِ)
ش: أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بَاعَ مُصَلَّى فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَتَدْرِي مَا هَذَا الْمُصَلًّى؟ هِيَ - وَاَللَّهِ خَزٌّ - فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا عَلِمْت أَنَّهُ خَزٌّ، وَلَوْ عَلِمْتُهُ مَا بِعْتُهُ بِهَذَا الثَّمَنِ.
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ لَوْ شَاءَ اسْتَبْرَأَهُ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ مَرْوِيًّا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ إنَّمَا ظَنَنْتُهُ كَذَا وَكَذَا، أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ: مُبْتَاعُهُ مَا اشْتَرَيْته إلَّا ظَنًّا أَنَّهُ خَزٌّ، وَلَيْسَ بِخَزٍّ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَكَذَا مَنْ بَاعَ حَجَرًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ، ثُمَّ هُوَ يَاقُوتَةٌ، أَوْ زَبَرْجَدَةٌ تَبْلُغُ مَالًا كَثِيرًا لَوْ شَاءَ اسْتَبْرَأَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: أَخْرِجْ لِي ثَوْبًا مَرْوِيًّا بِدِينَارٍ فَأَخْرَجَ لَهُ ثَوْبًا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مِنْ أَثْمَانِ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ هَذَا يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ ثَوْبَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: خِلَافُ هَذَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى يَاقُوتَةً، وَهُوَ يَظُنُّهَا حَجَرًا، وَلَا يَعْرِفُهَا الْبَائِعُ، وَلَا الْمُبْتَاعُ فَيَجِدُهَا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَشْتَرِي الْقُرْطَ يَظُنُّهُ ذَهَبًا فَيَجِدُهُ نُحَاسًا أَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُسَمِّ أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، ثُمَّ قَوْلُ الْبَائِعِ: أَبِيعُكَ هَذَا الْحَجَرَ، أَوْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي: بِعْ مِنِّي هَذَا الْحَجَرَ فَيَشْتَرِيهِ، وَهُوَ يَظُنُّهُ يَاقُوتَةً فَيَجِدُهُ غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَبِيعُ الْبَائِعُ يَظُنُّ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَإِذَا هُوَ غَيْرُ يَاقُوتَةٍ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ.
وَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّهَا غَيْرُ يَاقُوتَةٍ وَالْبَائِعَ الْبَيْعُ، وَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَمَّا إذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ فَيَجِدُهَا غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: بِعْ مِنِّي هَذِهِ الزُّجَاجَةَ، ثُمَّ يَعْلَمَ الْبَائِعُ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ وَالْبَيْعَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمُصَلَّى وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقُرْطُ يَظُنُّهُ الْمُشْتَرِي ذَهَبًا، أَوْ يَشْتَرِطُ أَنَّهُ ذَهَبٌ فَيَجِدُهُ نُحَاسًا فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذَا كَانَ قَدْ صُنِعَ عَلَى صِفَةِ أَقْرَاطِ الذَّهَبِ، أَوْ كَانَ مَغْسُولًا بِالذَّهَبِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا أَبْهَمَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الرَّدَّ كَالتَّصْرِيحِ، وَحَكَى شُرَيْحٌ الْقَاضِي أَنَّهُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلٌ مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ الصَّبْغَ الْهَرَوِيَّ، فَقَالَ: بِكَمْ هَذَا الْهَرَوِيُّ فَقَالَ بِكَذَا فَاشْتَرَاهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهَرَوِيٍّ، وَإِنَّمَا صُبِغَ صَبْغَ الْهَرَوِيِّ فَأَجَازَ بَيْعَهُ.
قَالَ: وَلَوْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُزَيِّنَ ثَوْبَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الزِّينَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ هَرَوِيَّ الصَّبْغِ حَتَّى يَقُولَ: هَرَوِيٌّ هَرَاةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرُدُّهُ، وَذَلِكَ عِنْدِي اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّهُ إذَا بَاعَ الْحَجَرَ فِي سُوقِ الْجَوْهَرِ فَوَجَدَهُ حَجَرًا كَانَ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ جَوْهَرٌ، وَإِنْ بَاعَهُ
فِي غَيْرِ الْمِيرَاثِ، أَوْ فِي غَيْرِ سُوقِ الْجَوْهَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَشِبْهِهِ، وَهَذَا عِنْدِي يَجْرِيَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي الْأَلْغَازِ وَوَجْهُ تَفْرِقَةِ مَالِكٍ بَيْنَ الَّذِي يَبِيعُ الْيَاقُوتَةَ جَاهِلًا وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ إخْرَاجَ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ فَأَخْرَجَ ثَوْبًا بِأَرْبَعَةٍ أَنَّ الْأَوَّلَ جَهِلَ وَقَصَّرَ إذَا لَمْ يَسْأَلْ مَنْ يَعْلَمُ مَا هُوَ، وَالثَّانِيَ غَلِطَ، وَالْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْهُ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ.
وَيَأْخُذَ ثَوْبَهُ إذَا أَتَى بِدَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ مِنْ رَسْمٍ، أَوْ شَهَادَةٍ وَقَوَّمَ عَلَى حُضُورِ مَا صَارَ بِهِ إلَيْهِ فِي مُقَاسَمَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ بِالْغَلَطِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي بَيْعِ الْمُكَايَسَةِ يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَنَّ الْبَيْعَ مُرَابَحَةٌ، أَوْ مُكَايَسَةٌ اهـ.
بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ، وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْبَزَّازِ يَبِيعُ فَيَأْمُرُ بَعْضَ قَوْمِهِ بِدَفْعِهِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ انْصِرَافِ الْمُبْتَاعِ: إنَّ الثَّوْبَ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْك لَيْسَ بِاَلَّذِي بِعْتُك، أَوْ كَانَ هُوَ دَفَعَهُ قَالَ: إنْ كَانَ أَمَرَ بِدَفْعِهِ حَلَفَ وَرُدَّ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ فَأَرَى قَوْلَهُ بَاطِلًا مَا لَمْ يَأْتِ مَعَ قَوْلِهِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ رَسْمٍ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ، أَوْ شَهَادَةِ قَوْمٍ قَاسَمُوهُ عَرَفُوهُ مَا قَامَ بِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَاءَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَلَفَ وَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الَّذِي أَمَرَ بَعْضَ قَوْمِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَيْسَ الثَّوْبَ الَّذِي بَاعَهُ، فَإِنْ حَلَفَ رَدَّ الثَّوْبَ، وَدَفَعَ الثَّوْبَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ بَاعَهُ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إذَا كَانَ الْمُبْتَاعُ لَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَا يُصَدِّقُهُ، وَأَمَّا إنْ كَذَّبَهُ الْمُبْتَاعُ، وَقَالَ: بَلْ هَذَا الَّذِي بِعْتَنِي فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ، فَإِنْ نَكِلَا، أَوْ حَلَفَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ وَاحِدٌ مِنْ الثَّوْبَيْنِ، وَإِنْ نَكِلَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَالِفِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ أَلْزَمَ الْمُبْتَاعَ الثَّوْبَ الَّذِي عَيَّنَهُ الْبَائِعُ، وَرَدَّ الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ أَخَذَ الثَّوْبَ الْمَدْفُوعَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْآخَرُ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَ التَّاجِرُ بَعْضَ قَوْمِهِ أَنْ يُرِيَ رَجُلًا ثَوْبًا فَأَرَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ بَاعَهُ عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ غَيْرُ الثَّوْبِ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يُرِيَهُ إيَّاهُ، الْقَوْلُ قَوْلُ التَّاجِرِ مَعَ يَمِينِهِ يَحْلِفُ، وَيَأْخُذُ ثَوْبَهُ، فَإِنْ نَكِلَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ الثَّوْبَ، وَدَفَعَهُ هُوَ إلَيْهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ غَلِطَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ مِنْ رَسْمٍ، وَلَا شَيْءٍ لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَكَمَا لَوْ دَفَعَهُ وَكِيلُهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا
وَأَمَّا إذَا بَاعَ الثَّوْبَ، وَادَّعَى أَنَّ شِرَاءَهُ أَكْثَرُ مِمَّا بَاعَهُ بِهِ، وَأَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ، وَاخْتَلَطَ لَهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مُرَابَحَةً صُدِّقَ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مِنْ رَقْمٍ، أَوْ شَهَادَةِ قَوْمٍ عَلَى مَا وَقَّعَ بِهِ عَلَيْهِ فِي مُقَاسَمَةٍ، أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إنْ ادَّعَى الْغَلَطَ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ اخْتَلَطَ لَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ ذُو أَثْوَابٍ كَثِيرَةٍ فَقِيلَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرَابَحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَمَا فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ مُحْتَمَلٌ، وَقِيلَ: الْبَيْعُ لَازِمٌ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا ذُكِرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْحَجَرَ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ يَاقُوتَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَأَمَّا الْجَهْلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ فَلَا يُعْذَرُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي ذَلِكَ؛ إذْ لَا غَبْنَ فِي بَيْعِ الْمُكَايَسَةِ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ بِالْغَبْنِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثٍ وَأَقَامَ بَعْضُ الشُّيُوخِ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ لَهَا مَعْنًى مِنْ أَجْلِهِ وَجَبَ الرَّدُّ مِنْ الْغَبْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: وَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ لَهُ الْقِيَامَ بِالْغَلَطِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَقَوْلُهُ: بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ لَا قِيَامَ فِيهِ بِالْغَلَطِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَوَجَدَ فِيهَا بِئْرًا عَاذِبَةً، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك شَيْئًا لَا أَعْرِفُهُ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَلَعَلَّ مَسْأَلَةَ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ
دَعْوَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ الْغَلَطَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ مَا يُنَاسَبُ هَذَا إلَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَهِيَ فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ ذَكَرَهَا الْبَرَاذِعِيُّ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ جَمِيعَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا بِغَبْنٍ، وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ)
ش:.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْغَبْنُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْبَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ
النَّاسَ لَا يَتَغَابَنُونَ بِمِثْلِهِ، أَوْ اشْتَرَاهَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَلَا يُوجِبُ رَدًّا بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ لَوْ بَاعَ رَجُلٌ جَارِيَةً قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَارْتَهَنَ رَهْنًا، وَكَانَ مُشْتَرِيهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السَّفَهِ جَازَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي قَوْلِهِ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا قِيَامَ فِي بَيْعِ الْمُكَايَسَةِ بِالْغَبْنِ، وَلَا أَعْرِفُ فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ نَصَّ خِلَافٍ، وَكَانَ مِنْ الشُّيُوخِ مَنْ يَحْمِلُ مَسْأَلَةَ سَمَاعِ أَشْهَبَ الْوَاقِعَةَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ عَلَى الْخِلَافِ وَيَتَأَوَّلُ مِنْهَا وُجُوبَ الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ فِي بَيْعِ الْمُكَايَسَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرَى لَهُ الرَّدَّ بِالْغَبْنِ لَا مِنْ أَجْلِ اضْطِرَارِهِ إلَى الْبَيْعِ مَخَافَةَ الْحِنْثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ بِالْغَبْنِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْتَزِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» ، وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمٌ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا غَبْنَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ظُلْمٌ فَهُوَ حَقٌّ لَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ «بِيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ» «وَبِقَوْلِهِ لِعُمَرَ لَا تَشْتَرِهِ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» ، وَهَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى التَّقْلِيلِ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْعَقِيقَةِ: «وَلَوْ بِعُصْفُورٍ» ، وَقَوْلِهِ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، وَلَوْ بِقَدْرِ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْجَمَلِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ، وَقَدْ سَاوَمَهُ «أَوَلَا تَبِيعُهُ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ لَا» ثُمَّ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ بِخَمْسِ أَوْرَاقٍ عَلَى أَنَّ لَهُ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» وَحَدِيثَ الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ وَحَدِيثَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ ابْنُ دَحُونٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ ضَعِيفَةٌ كَيْفَ يُفْسَخُ الْبَيْعُ لِلْغَبْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ
بَيْنَ كُلِّ مُتَبَايِعَيْنِ إلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ بِالرَّدِّ، وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ مُوَلًّى عَلَيْهِ مَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَزِمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفْسَخْ وَلِمَ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْمُرَابَحَةِ: لَا قِيَامَ لِلْمُبْتَاعِ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ بِغَبْنٍ، وَلَا بِغَلَطٍ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ بِالْغَلَطِ، وَأَمَّا فِي الْغَبْنِ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِقِيمَةِ الْمُبْتَاعِ فَلَا رُجُوعَ بِهِ فِي الْمُسَاوَمَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ، وَلَا أَعْرِفُ فِي الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا كَانَ مِنْ الشُّيُوخِ مَنْ يَحْمِلُ مَسْأَلَةَ أَشْهَبَ مِنْ الرُّهُونِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ لَهَا مَعْنًى أُوجِبَ مِنْ أَجْلِهَا الرَّدُّ بِالْغَبْنِ فَلَيْسَتْ بِخِلَافٍ لِلْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَأَرَاهُ ابْنَ الْقَصَّارِ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ بِالْغَبْنِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَتَأَمَّلْهُ وَقِفْ عَلَيْهِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا بَيْعُ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: اشْتَرِ مِنِّي سِلْعَتِي كَمَا تَشْتَرِي مِنْ النَّاسِ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ الْقِيمَةَ فَيَشْتَرِي مِنْهُ بِمَا يُعْطِيهِ مِنْ الثَّمَنِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الِاسْتِرْسَالَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بِعْنِي كَمَا تَبِيعُ النَّاسَ، وَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَلَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إذَا كَانَ الِاسْتِرْسَالُ.
وَالِاسْتِنَامَةُ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمٌ» وَالِاسْتِنَامَةُ بِالنُّونِ قَبْلَ الْأَلِفِ وَبِالْمِيمِ بَعْدَهَا كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْمُرَابَحَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ طُرُقًا: الْأُولَى: طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ لَكِنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي الْبَيَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَصَّهُ: أَبُو عَمْرٍو فِي بَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَنْصِحِ يُوجِبُ لِلْمَغْبُونِ الْخِيَارَ فِيهِ، وَفِي بَيْعِ غَيْرِهِ الْمَالِكِ أَمْرَ نَفْسِهِ لَا أَعْلَمُ فِي لُزُومِهِ خِلَافًا، وَلَوْ كَانَ بِأَضْعَفِ الْقِيمَةِ وَسَمِعَهُ عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ اهـ. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا عَزَاهُ لِكِتَابِ الرُّهُونِ فِي سَمَاعِ عِيسَى إنَّمَا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ الثَّالِثَةَ عَنْ الْبَاجِيِّ، وَنَصَّهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي فِي لُزُومِ الْبَيْعِ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ عَادَةً، وَأَحَدُهُمَا لَا يَعْلَمُ سِعْرَ ذَلِكَ إذَا زَادَ الْغَبْنُ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ وَالْمُتَعَارَفِ فِيهِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا فَالْأَوَّلُ: قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَحَصَلَ فِي التَّوْضِيحِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ: طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَقَلَهَا بِاخْتِصَارٍ، وَنَصَّهُ، وَلِصَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْسَالِ وَالِاسْتِنَامَةِ فَالْقِيَامُ بِالْغَبْنِ وَاجِبٌ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ فَلَا قِيَامَ بِالْغَبْنِ اتِّفَاقًا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ: طَرِيقُ الْمَازِرِيِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ الْبَائِعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَارِفٍ بِقِيمَتِهِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: قِيمَتُهَا كَذَا فَلَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْبَيْعِ وَبِثَمَنِهِ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا قَوْلَانِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ: عَدَمُ الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ لِغَيْرِ الْعَارِفِ، وَفِي الْعَارِفِ قَوْلَانِ اهـ.
(قُلْت) مَا عَزَاهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلْمَعُونَةِ عَكْسُ مَا فِيهَا وَنَصُّهَا فِي آخِرِ بَيْعِ الْخِيَارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَيْعِ السِّلْعَةِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا بِمِائَةٍ وَيَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمَغْبُونِ مِنْهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الِاخْتِيَارُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّشَادِ وَالْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلِلْمَغْبُونِ الْخِيَارُ ا. هـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ: الْخِيَارُ يَثْبُتُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مُغَابَنَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَدِّهَا لِتَغَابُنِ النَّاسِ بِمِثْلِهِ فَقِيلَ إنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ، وَلَا خِيَارَ وَقِيلَ لِلْمَغْبُونِ مِنْهُمَا الْخِيَارُ إذَا دَخَلَ عَلَى بَيْعِ النَّاسِ الْمُعْتَادِ اهـ. وَقَالَ فِي الِاشْتِرَاءِ فَإِذَا تَبَايَعَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا يَخْبُرُ سِعْرَ ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَدَّ الْغَبْنَ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ وَالْمُتَعَارَفِ اهـ.
وَكَانَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَبِعَ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ فِي عَزْوِ
هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يُثْبِتَ الْخِيَارَ لِلْمَغْبُونِ مِنْهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا خِيَارَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّشَادِ وَالْبَصَرِ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَا، أَوْ الْمَغْبُونُ مِنْهُمَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلِلْمَغْبُونِ الْخِيَارُ اهـ. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَانَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ تَصَحَّفَ فِي نُسْخَتِهِ مِنْ الْمَعُونَةِ قَوْلُهُ نَفْي فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَكَلَامُهُ فِي التَّلْقِينِ وَالْإِشْرَافِ يُبَيِّنُ كَلَامَهُ فِي الْمَعُونَةِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَيْضًا تَوْجِيهُهُ لِلْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَدَأَ بِتَوْجِيهِ الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْخِيَارِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا مَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْنَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِيهِ إجْمَالٌ يُبَيِّنُهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ فِي حِكَايَتِهِ طَرِيقَةَ الْمَازِرِيِّ، وَنَصَّهُ بَعْدَ أَنْ حَكَى كَلَامَ الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ الْخِلَافُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمَغْبُونُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ إلَى بَائِعِهِ، وَيَكُونَ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ مَا اشْتَرَاهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْغَبْنِ غَلَطًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ غَالِطٌ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ الْقِيمَةَ فَزَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَالْوَاهِبِ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَهُ فَلَا مَقَالَ لَهُ وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَسْلَمَ لِبَائِعِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْقِيمَةِ، فَذَكَرَ لَهُ الْبَائِعُ مَا غَرَّهُ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطَيْتُ فِيهَا كَذَلِكَ، وَيُسَمِّيَ لَهُ بَائِعَهَا مِنْهُ قَالَ فَهَذَا مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ اهـ (الثَّانِي) : إذَا عَلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَهَلْ إلَّا أَنْ يَسْتَسْلِمَ وَيُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، أَوْ يَسْتَأْمِنَهُ تَرَدُّدٌ يَقْتَضِي أَنَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ طُرُقٍ: الْأُولَى: لَا قِيَامَ لِلْغَبْنِ، وَلَوْ اسْتَسْلَمَ، وَأَخْبَرَهُ بِجَهْلِهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا قِيَامَ بِالْغَبْنِ إلَّا إذَا اسْتَسْلَمَ وَأَخْبَرَهُ بِجَهْلِهِ وَالثَّالِثَةُ: لَا قِيَامَ بِالْغَبْنِ إلَّا إذَا اسْتَأْمَنَهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى إلَّا إذَا حُمِلَتْ طَرِيقَةُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ الْمَعُونَةِ وَالتَّلْقِينِ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَجُعِلَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: فِيهَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْت قَدْ.
قَالَ فِي اللَّبَّانِ وَأَسْبَابُ الْخِيَارِ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ: الْغَبْنُ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ الْمُغَابَنَةُ بَيْنَ النَّاسِ مَاضِيَةٌ إنْ كَثُرَتْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ: لِلْمَغْبُونِ الْخِيَارُ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ فَكَلَامُ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِلَافِ مُطْلَقًا قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْإِكْمَالِ قَبْلَ الْكَلَامِ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ، وَهُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِبَيْعِهِ مَمْنُوعٌ، وَلَهُ الْقِيَامُ إذَا وَقَعَ اهـ. وَنَقَلَهُ الْأَبِيُّ عَنْهُ، وَقَدْ اعْتَمَدَ فِي الشَّامِلِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: وَهَلْ لِلْمَغْبُونِ فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ مَقَالٌ مُطْلَقًا، أَوْ لِغَيْرِ الْعَارِفِ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ وَالِاسْتِرْسَالِ كَبِعْنِي، أَوْ اشْتَرِ مِنِّي مِثْلَ النَّاسِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِجَهْلِهِ بِالْقِيمَةِ، فَقَالَ لَهُ: هِيَ كَذَا إلَّا إنْ كَانَ عَارِفًا بِهَا، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ: خِلَافٌ وَشُهِرَ عَدَمُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا اهـ. فَقَوْلُهُ: وَشُهِرَ عَدَمُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي ذَلِكَ طَرِيقَةً رَابِعَةً فَإِنَّهُ بَدَأَ أَوَّلًا بِطَرِيقَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَلَى مَا نُقِلَ فِي الْجَوَاهِرِ وَالتَّوْضِيحِ، ثُمَّ بِطَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ، ثُمَّ بِطَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ، وَلَا يَحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ الطَّرِيقَةِ الرَّابِعَةِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إثْرَ حِكَايَتِهِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيِّ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا قِيَامَ بِالْغَبْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي اهـ. فَإِنَّهُ أَرَادَ الْمَشْهُورَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْمَحْكِيَّيْنِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ.
قَالَ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ: وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ اهـ. وَكَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ طَرِيقَةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَوْ فُهِمَ أَنَّهَا طَرِيقَةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا وَحِكَايَةُ الْمُصَنِّفِ لِلطَّرِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الثَّانِيَةَ مُنَافِيَةٌ لِلثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مُتَّفِقَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْقِيَامُ بِالْغَبْنِ كَمَا
يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ نَعَمْ يَتَخَالَفَانِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ فَإِنَّ طَرِيقَةَ الْمَازِرِيِّ تَحْكِي الْخِلَافَ فِي الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ، وَطَرِيقَةَ ابْنِ رُشْدٍ تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ لَمْ يَنْفِ الْخِلَافَ مُطْلَقًا بَلْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِضَعْفِهِ عِنْدَهُ فَلَا مُنَافَاةَ فِي الْحَقِيقَةِ (الثَّالِثُ:) إذَا عُلِمَ هَذَا فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ وَالْإِرْشَادِ مِنْ تَشْهِيرِ الْقَوْلِ بِالْقِيَامِ بِالْغَبْنِ مُطْلَقًا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصُّ الْعُمْدَةِ: وَمَنْ بَاعَ، أَوْ ابْتَاعَ فَغُبِنَ غَبْنًا فَاحِشًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ: إنْ كَانَ بَصِيرًا بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ اسْتَسْلَمَ لِبَائِعِهِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ، وَنَصُّهُ: قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ: الْخِيَارُ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقِيَامَ بِالْغَبْنِ فِي بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَأَنَّهُ لَا قِيَامَ بِهِ فِي غَيْرِهِ إمَّا اتِّفَاقًا، أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا بِغَبْنٍ، وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ إلَّا الْمُسْتَرْسِلَ لَكَانَ مُقْتَصِرًا عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ أَنْ حَكَى مَا تَقَدَّمَ: وَالْغَبْنُ قِيلَ الثُّلُثُ وَقِيلَ مَا خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْمَغْبُونِ الرُّجُوعُ بِالْغَبْنِ إمَّا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، أَوْ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فَقِيلَ قَدْرُ الْغَبْنِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ بِمَا يَنْقُصُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي أَنْ تَزِيدَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ، وَقِيلَ لَا يُحَدُّ بِالثُّلُثِ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ سِوَى مَا دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهُ غَبْنٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْغَبْنِ الْمُتَّفَقِ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي اعْتِبَارِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْغَبْنَ الْمُتَّفَقَ عَلَى اعْتِبَارِهِ لَا يُوصَلُ فِيهِ إلَى الثُّلُثِ، وَلَا إلَى مَا قَارَبَهُ إذَا خَرَجَ عَنْ الثَّمَنِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الْمَبِيعِ صَحَّ الْقِيَامُ بِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ فَقَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا انْتَهَى.
، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ، وَعَطَفَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بِقِيلَ فَقَالَ: وَالْغَبْنُ مَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، وَقِيلَ: الثُّلُثُ، وَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَعَلَى أَنَّ مَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ لَا قِيَامَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْجَوَاهِرِ فَقَالَ: إذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ بِالْغَبْنِ الْمُتَفَاحِشِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَقْدِيرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالثُّلُثِ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا حَدَّ لَهُ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَوَائِدُ بَيْنَ التُّجَّارِ فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ التَّغَابُنِ الَّذِي يَكْثُرُ وُقُوعُهُ بَيْنَهُمْ وَيَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَلَا مَقَالَ فِيهِ لِلْمَغْبُونِ بِاتِّفَاقٍ، وَمَا خَرَجَ عَنْ الْمُعْتَادِ فَالْمَغْبُونُ فِيهِ بِالْخِيَارِ (الْخَامِسُ:) مِمَّا اُتُّفِقَ فِيهِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ مَا بَاعَهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ مِنْ وَكِيلٍ، أَوْ وَصِيٍّ إذَا بَاعَ مَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ أَنَّهُ مَرْدُودٌ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ مَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ هُوَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ، وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُرَدَّ فِيهِ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ إلَيْهِ وَيُمْضَى فِيهِ اجْتِهَادُ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَأَشْبَاهِهِمَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ قَدْرُ الْغَبْنِ فِي بَيْعِ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ كَقَدْرِهِ فِي بَيْعِ مَنْ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ غَبْنُ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ مَا نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ نَقْصًا بَيِّنًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الثُّلُثَ، وَهُوَ صَوَابٌ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الرِّوَايَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا كَقَوْلِهَا إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ، أَوْ ابْتَاعَ بِمَا لَا يُشْبِهُ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْكَ.
(السَّادِسُ:) إذَا قُلْنَا بِالْقِيَامِ بِالْغَبْنِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ، فَهَلْ لِلْقَائِمِ نَقْضُ الْبَيْعِ، أَوْ الْمُطَالَبَةُ بِتَكْمِيلِ الثَّمَنِ، وَكَيْفَ لَوْ تَصَرَّفَ الْمُبْتَاعُ فِي ذَلِكَ بِبَيْعٍ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ يَتِيمٍ بَاعَ عَلَيْهِ وَصِيُّهُ حِصَّتَهُ مِنْ عَقَارٍ بِمُوجِبِ بَيْعِهِ لِشَرِيكِهِ فَكَمُلَ لِلشَّرِيكِ جَمِيعُ الْعَقَارِ، ثُمَّ بَاعَ الشَّرِيكُ نِصْفَ جَمِيعِ الْعَقَارِ، ثُمَّ رَشَدَ الْيَتِيمُ فَأَثْبَتَ أَنَّ عَقَارَهُ
يَوْمَ بَيْعِهِ يُسَاوِي أَمْثَالَ ثَمَنِهِ فَأَرَادَ نَقْضَ بَيْعِهِ بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا بِيعَ عَلَيْهِ وَالشُّفْعَةَ مِمَّنْ بَاعَ مِنْهُ شَرِيكُهُ فَأَفْتَى بِأَنَّ لَهُ نَقْضَ الْبَيْعِ فِيمَا هُوَ قَائِمٌ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ مِنْ الْوَصِيِّ، وَهُوَ نِصْفُ حِصَّتِهِ لَا فِيمَا بَاعَهُ الْمُبْتَاعُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْضَى وَلَهُ فِيهِ فَضْلُ قِيمَتِهِ عَلَى ثَمَنِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ لِفَوْتِهِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ جَائِزٌ فِيهِ غَبْنٌ عَلَى مَنْ بِيعَ عَلَيْهِ يُرَدُّ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ، فَقَدْ قِيلَ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُوفِيَ تَمَامَ الْقِيمَةِ، وَلَا يَرُدَّ الْبَيْعَ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ، وَقِيلَ يُمْضَى لَهُ بِقَدْرِ الثَّمَنِ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ قَائِمَةٌ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فِي سَمَاعِهِ مِنْ أَبِي زَيْدٍ وَلَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ نَظَائِرُ، وَالنِّصْفُ الْمَرْدُودُ عَلَى الْيَتِيمِ حِصَّتُهُ إنَّمَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِمِلْكٍ مُسْتَأْنَفٍ لَا عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ الثَّانِي لَا فِي بَقِيَّةِ حِصَّتِهِ.
وَلَا فِيمَا ابْتَاعَهُ مِنْ شُرَكَاءِ الْيَتِيمِ، وَلَا لَهُ عَلَى الْيَتِيمِ شُفْعَةٌ فِي الْحِصَّةِ الْمَرْدُودَةِ؛ إذْ لَيْسَ بِبَيْعٍ مَحْضٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمَحْضَ مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْحِصَّةُ هُنَا مَغْلُوبٌ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِهِ، فَهُوَ بَيْعٌ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ لِأَخْذِهِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَنَقْضُ بَيْعٍ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَيْعَ الْغَبْنِ يُفِيتُهُ الْبَيْعُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَاتَ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فَأَحْرَى بَيْعُ الْغَبْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ إلَّا بِاخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يَنْتَقِضُ جَبْرًا، وَهَذِهِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فِيمَنْ أَخْطَأَ فَبَاعَ سِلْعَةً مُرَابَحَةً بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَقَامَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، قَالَ فِيهَا: لَهُ الرُّجُوعُ فِي سِلْعَتِهِ إنْ لَمْ تَفُتْ وَيُفِيتُهَا مَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْغَبْنِ عَنْ الْأَيْتَامِ فِيمَا بَاعَهُ الْوَصِيُّ وَبَيْنَ الْغَبْنِ عَلَى أَحَدٍ فِيمَا بَاعَهُ لِنَفْسِهِ فِيمَا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ بِالْغَبْنِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ لِلْقَائِمِ بِالْغَبْنِ نَقْضَ الْبَيْعِ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَأَمَّا فِي فَوَاتِهَا فَلَا نَقْضَ وَأَنَّ الْقِيَامَ بِالْغَبْنِ يَفُوتُ بِالْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ:) فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ إنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ فَكَانَ إذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ بِالْيَاءِ مَوْضِعَ اللَّامِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي بَعْدَهُ زَادَ بَعْضُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ وَأَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتُهَا عَلَى خِيَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَقَدْ تَجَاذَبَ الْحَدِيثَ مَنْ قَالَ بِالْقِيَامِ بِالْغَبْنِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: قَدْ جُعِلَ الْخِيَارُ لِلْمَغْبُونِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: لَمْ يُجْعَلْ لَهُ الْخِيَارُ إلَّا بِشَرْطٍ، وَلَا حُجَّةَ لِعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْغَبْنِ (الثَّامِنُ:) .
قَالَ الْأَبِيُّ: وَانْظُرْ لَوْ قُلْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْيَوْمَ فِي الْعَقْدِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَيْبُ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُوجِبُ الْقِيَامَ بِالْغَبْنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يُوجِبُ قَوْلُهَا قِيَامًا بِالْغَبْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالرَّجُلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ وَيُصَدِّرَ الشَّرْطَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ حَضًّا عَلَى النَّصِيحَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ قُلْ لَا خِلَابَةَ وَاشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَبِيعُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فَيَنْظُرُ لَهُ كَمَا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَالْخِلَابَةُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْخَدِيعَةُ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ إذَا بَايَعَ قَالَ لَا خِيَابَةَ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَلْثَغَ يُخْرِجُ اللَّامَ مِنْ مَخْرَجِ الْيَاءِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالنُّونِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لَا خِذَابَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: وَهَذَا الرَّجُلُ اسْمُهُ حِبَّانُ بِالْحَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالِدُ يَحْيَى وَوَاسِعُ بْنُ حِبَّانَ كَانَ قَدْ بَلَغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً شُجَّ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَصَابَتْهُ مَأْمُومَةٌ تَغَيَّرَ مِنْهَا لِسَانُهُ وَعَقْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَرَدَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ إلَّا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَمَا بِيعَ مِنْ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ بَرَاءَةٍ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، أَوْ عَيْبٌ، أَوْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَاءٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ، أَوْ غَرِقَ، أَوْ سَقَطَ مِنْ حَائِطٍ، أَوْ خَنَقَ نَفْسَهُ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ فِي الثَّلَاثِ، وَلَوْ جُرِحَ، أَوْ قُطِعَ لَهُ عُضْوٌ كَانَ مَا نَقَصَهُ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ
الْمُبْتَاعُ فِي قَبُولِهِ مَعِيبًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ رَدِّهِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثِ، أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ، وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حَدَثَ فِي الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ مِنْ زِنًا، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ ابْنُ الْمَوَّازِ، أَوْ إبَاقٍ فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ حُمَّى، أَوْ عَمْشٌ، أَوْ بَيَاضٌ بِعَيْنِهِ، وَمَا ذَهَبَ قَبْلَ الثَّلَاثِ فَلَا رَدَّ لَهُ بِهِ.
قَالَ: أَمَّا الْحُمَّى فَلَا يُعْلَمُ ذَهَابُهَا، وَلْيَتَأَنَّ بِهَا، فَإِنْ عَاوَدَتْهُ بِالْقُرْبِ رَدَّهُ، وَإِنْ بَعْدَ الثَّلَاثِ لَا أَزْيَدَ، وَذَلِكَ فِيهَا انْتَهَى.
وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَصَابَتْ الْعَبْدَ حُمَّى فِي الثَّلَاثِ، أَوْ بَيَاضٌ فِي الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ (فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُرَدُّ الْعَبْدُ بِذَهَابِ مَالِهِ فِي الثَّلَاثِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ تَلِفَ فِي الْعُهْدَةِ وَبَقِيَ مَالُهُ انْتَقَضَ بَيْعُهُ، وَلَيْسَ لِمُبْتَاعِهِ حَبْسُ مَالِهِ بِثَمَنِهِ انْتَهَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَانْظُرْهُ.
ص (وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عُهْدَةٌ لِثَلَاثٍ، وَالِاسْتِبْرَاءُ الْمُرَادُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ تَدْخُلُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إذَا أَقَامَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، أَوْ أَزْيَدَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِلِاسْتِبْرَاءِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَلَا تَدْخُلُ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي السَّنَةِ إنَّمَا تَكُونُ عُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ قَالَهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ اغْتَسَلَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَبْدَأُ بِالِاسْتِبْرَاءِ، ثُمَّ بِالثَّلَاثِ، ثُمَّ بِالسَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَشَايِخِ وَالثَّانِي أَنَّهُنَّ يَتَدَاخَلْنَ، فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الِاسْتِبْرَاءِ، وَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ، وَعُهْدَةُ السَّنَةِ فِي يَوْمِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَالثَّالِثُ: الِاسْتِبْرَاءُ وَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ يَتَدَاخَلَانِ، فَيَكُونَانِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ، وَعُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَدَلِيلُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَعُهْدَةِ السَّنَةِ أَنَّ عُهْدَةَ الثَّلَاثِ وَالِاسْتِبْرَاءَ يَتَّفِقَانِ فِي الضَّمَانِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِخِلَافِ عُهْدَةِ السَّنَةِ.
(فَرْعٌ:) وَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ وَالسَّنَةِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بَعْدَ انْبِرَامِهِ قَالَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ:) وَلَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي عُقِدَ فِيهِ الْبَيْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ.
ص (وَالنَّفَقَةُ وَالْأَرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ النَّفَقَةِ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ لِمَا وُهِبَ لَهُ فَقَطْ كَمَا.
قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِلْجَمِيعِ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْ الرِّوَايَاتِ خِلَافُهُ فَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِالنَّفَقَةِ عَنْ الْكِسْوَةِ لِدُخُولِهَا فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّفَقَاتِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَرْشُ يَعْنِي إذَا جَنَى عَلَى الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لِلْبَائِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَنَّ لِلْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ الْخِيَارَ فِي قَبُولِهِ مَعِيبًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ رَدِّهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَأَى ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَرْشِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْبُرْءِ لَا يُعْلَمُ أَمْرُهُ فَلَا يَتَأَتَّى لِلْمُشْتَرِي انْتِفَاعٌ بِالْعَبْدِ مِنْ أَجْلِ وَقْفِهِ لِلْجِنَايَةِ قَالَ: إلَّا أَنْ يُسْقِطَ الْبَائِعُ عَنْ الْجَانِي الْقِيَامَ بِالْجِنَايَةِ، فَيَجُوزُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ لِزَوَالِ الْوَقْفِ؛ إذْ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ مُهْلِكَةً فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَرِيضٍ بِخِلَافِ مَوْتِهِ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِالْعَقْدِ السَّابِقِ، وَقَدْ كَانَ بَتًّا، وَالْخِيَارُ طَارِئٌ فَهُوَ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فَتَأَمَّلْهُ، وَحَكَى فِي الشَّامِلِ كَلَامَ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ بِقِيلَ: وَقَوْلُهُ: كَالْمَوْهُوبِ أَيْ مَا وُهِبَ لِلْعَبْدِ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ يُرِيدُ، أَوْ نَمَا مَالُهُ بِرِبْحٍ فَإِنَّهُ لِبَائِعِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي اسْتَثْنَى مَالَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي هَكَذَا قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقِيَاسُ لِلْبَائِعِ يَعْنِي، وَلَوْ
اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي قَالَ: وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ اهـ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشُّيُوخُ بِمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى (فَرْعٌ:) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى غَلَّةِ الْعَبْدِ فِي أَيَّامِ الْعُهْدَةِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ، وَفِي نَقْلِهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ، أَوْ أَوْصَى بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمُشْتَرِي مَالَهُ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا مُحَمَّدٍ أَشَارَ إلَى ارْتِفَاعِ الْخِلَافِ فِي الْغَلَّةِ، وَأَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمَنْصُوصُ مِنْ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْغَلَّةِ: لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا وَيَجْرِي عَلَى نَمَاءِ مَالِهِ بِالْعَطِيَّةِ لِلْبَائِعِ وَلِابْنِ شَاسٍ الْغَلَّةُ لِمُبْتَاعِهِ وَرَأَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ اهـ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَفِي الْغَلَّةِ خِلَافٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ جُنَّ فِي رَأْسِ شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ، ثُمَّ لَمْ يُعَاوِدْهُ لَرُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ذَهَابُهُ، وَلَوْ جُنَّ عِنْدَهُ فِي السَّنَةِ، ثُمَّ انْقَطَعَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ إذْ لَا يُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ، وَلَوْ أَصَابَهُ فِي السَّنَةِ جُذَامٌ، أَوْ بَرَصٌ، ثُمَّ بَرِئَ قَبْلَ عِلْمِ الْمُبْتَاعِ بِهِ لَمْ يُرَدَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَوْدَتَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، فَيَكُونُ كَالْجُنُونِ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ مِنْ الْجَرَبِ وَالْحُمْرَةِ، وَإِنْ انْسَلَخَ وَوَرِمَ، وَلَا مِنْ الْبَهَقِ فِي السَّنَةِ، وَلَوْ أَصَابَهُ صَمَمٌ، أَوْ خَرَسٌ لَمْ يُرَدَّ إذَا كَانَ مَعَهُ عَقْلُهُ (فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ ظَهَرَ فِي السَّنَةِ مَا شَكَّ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي كَوْنِهِ جُذَامًا كَخِفَّةِ الْحَاجِبَيْنِ، وَرَفَعَ الْمُبْتَاعُ أَمْرَهُ لِلْقَاضِي فَفِي الرَّدِّ بِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ يَحْيَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَمُحَمَّدٌ مَعَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ يُرِيدُ بِمَا يَقْضِي بَعْدَ السَّنَةِ إذَا شَكَّ فِيهِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا مَسَّهُ فِي السَّنَةِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَهَا رَدَّ بِهِ، وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي الْبَرَصِ كَالْجُذَامِ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْكَيِّسِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ، وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا، وَكَلَامَ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَطَا، أَوْ اُعْتِيدَ)
ش: يُرِيدُ، أَوْ أَمَرَ بِهِمَا الْحَاكِمُ، وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِمَا، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ بِمَا اُعْتِيدَا.
(تَنْبِيهٌ:) لَا بُدَّ فِي اشْتِرَاطِهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِمَا، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ: اشْتَرَى عَلَى عُهْدَةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ ضَمَانٌ فِي الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِذَا كَتَبَ الشِّرَاءَ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْعُهْدَةِ، وَلَهُ عُهْدَةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُجْبَرْ فِيهِمْ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا
ص (وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُمَا)
ش: اُنْظُرْ إذَا شَرَطَ الْبَائِعُ إسْقَاطَهُمَا حَكَى فِي التَّوْضِيحِ هُنَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَحَكَى بَعْدَ هَذَا فِي الْكَلَامِ عَلَى ثِيَابِ مُهِمَّةِ الْعَبْدِ لَا يُوفَى لَهُ بِالشَّرْطِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ هُنَا فَقَالَ: وَهَلْ يُوفَى بِعَدَمِهَا، وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي تَحْرِيرِ الْكَلَامِ عَلَى مَسَائِلِ الِالْتِزَامِ.
ص (لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالَعٍ إلَى آخِرِهِ)
ش: ذَكَرَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ غَالِبَ هَذِهِ النَّظَائِرِ أَمَّا الْمُنْكَحُ بِهِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الْمُكَارَمَةُ وَيَجُوزُ فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَالْمَجْهُولِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ نِحْلَةً، وَالنِّحْلَةُ مَا لَمْ يُتَعَوَّضْ عَلَيْهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: فِيهِ الْعُهْدَةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبُيُوعِ النِّكَاحُ، وَأَمَّا الْمُخَالَعُ بِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا بَلْ قَالَ: وَأَمَّا الْمُخَالَعُ بِهِ فَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الْمُنَاجَزَةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا كَانَتْ تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِالْخُلْعِ مِلْكًا تَامًّا نَاجِزًا لَا يَتَعَقَّبُهُ رَدٌّ، وَلَا فَسْخٌ وَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ الزَّوْجُ الْعِوَضَ مِلْكًا نَاجِزًا قَالَ: وَأَمَّا الْمُصَالَحُ بِهِ مِنْ دَمِ عَمْدٍ، وَمِثْلُهُ الْمَأْخُوذُ مِنْ دَيْنٍ فَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ لِوُجُوبِ الْمُنَاجَزَةِ فِي ذَلِكَ أَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ يَرَى الْعُهْدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرًى بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِصِفَةٍ فَأَشْبَهَ الْعَرَضَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِيهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الْمُنَاجَزَةَ قَالَ: وَهَذَا قَائِمٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُقْرَضُ فَقَالَ: لَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِيهِ؛ إذْ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَالْعُهْدَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا اُشْتُرِيَ مِنْ الرَّقِيقِ قَالَ: وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى عَلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي إسْقَاطَهَا لِاقْتِضَائِهِ التَّنَاجُزَ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الْغَائِبَ عَلَى مَا أُدْرِكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ.
فَإِنْ اشْتَرَطَ الصَّفْقَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الصَّفْقَةِ بَيْعٌ مُؤَخَّرٌ قَاطِعٌ لِلضَّمَانِ وَالْعُهْدَةِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فَمَرَّةً حَمَلَ مَالِكٌ الْبَيْعَ عَلَى ذَلِكَ وَمَرَّةً جَعَلَ السِّلْعَةَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُبْتَاعُ، فَيَكُونُ قَبْضُهُ لَهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَبْضًا نَاجِزًا لَا عُهْدَةَ فِيهِ اهـ. وَمَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّ الْبَائِعَ إنْ شَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ مِنْهُ أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ فَذَلِكَ مُقْتَضٍ لِإِسْقَاطِ الضَّمَانِ وَالْعُهْدَةِ إذَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ إذَا وَصَلَ لِلْمُشْتَرِي قَبْضُهُ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ وَالْعُهْدَةِ قَالَ: وَأَمَّا الْمُقَاطَعُ بِهِ فَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْلَمَ فِيهِ الثَّابِتَ فِي الذِّمَّةِ فَسَقَطَتْ الْعُهْدَةُ قَالَ: وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ لَا عُهْدَةَ فِي الْعَبْدِ الْمَوْهُوبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَيْعٌ عَلَى الْمُكَارَمَةِ لَا عَلَى الْمُكَايَسَةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْعَبْدَ الْمُنْكَحَ بِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ
الِاخْتِلَافِ مَا دَخَلَ فِي الْعَبْدِ الْمُنْكَحِ بِهِ قَالَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعُهْدَةِ فِي الْعَبْدِ الْمُسْتَقَالِ مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ فِيهِ الْعُهْدَةُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا عُهْدَةَ فِيهِ.
وَهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يَنْتَقِدْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ انْتَقَدَ فَالْعُهْدَةُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ كَالْعَبْدِ الْمَأْخُوذِ مِنْ دَيْنٍ.
ص (وَاسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ، وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمِكْيَالِ إذَا امْتَلَأَ هَلْ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ مِنْ الْمُبْتَاعِ وَكَيْفَ لَوْ صَبَّهُ فِي الْقِمْعِ، ثُمَّ أُرِيقَ كُلُّهُ، أَوْ فَضَلَ بَعْضُهُ فِي إنَاءِ الْمُشْتَرِي هَلْ فِيهِ الْقَوْلَانِ فَأَجَابَ: ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِي إنَاءِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّوْفِيَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إرَاقَتِهِ مِنْ الْمِكْيَالِ، أَوْ الْقِمْعِ فَقَالَ: السَّائِلُ الْقِمْعُ مِنْ مَنَافِعِ الْمُشْتَرِي تَطَوَّعَ لَهُ الْبَائِعُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْإِنَاءُ وَاسِعًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِمْعٍ فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ فَإِنَّ الْبَائِعَ لَمَّا الْتَزَمَ صَبَّ الْقِمْعِ لَهُ لَزِمَهُ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ فَقَالَ السَّائِلُ لَوْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ فِي الْإِنَاءِ الضَّيِّقِ لَا أَصُبُّ حَتَّى تَأْتِيَ بِإِنَاءٍ وَاسِعٍ، أَوْ قِمْعٍ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَتَعَقَّبَ غَيْرُ السَّائِلِ هَذَا الْحُكْمَ الْأَخِيرَ.
وَقَالَ: الصَّوَابُ إلْزَامُ الْقِمْعِ لَهُ بِعُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ كَمَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُ الْمِكْيَالِ فِيمَا يُكَالُ إذَا كَانَ عُرْفُ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ تَرَتَّبَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ الْكَيْلُ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ، وَأُلْزِمَ الْمُتَعَقِّبُ هَذَا الْقَوْلَ.
قَالَ السَّائِلُ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَيْلَ يَلْزَمُ الْمَكِيلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [الأعراف: 85] وَالْقِمْعَ تَفَضُّلٌ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ فَتَاوَى ابْنِ رُشْدٍ لِابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ التُّونُسِيِّ مَسْأَلَةٌ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي الزَّيْتَ حَتَّى يَصِيرَ فِي إنَائِهِ، وَلَوْ صَبَّهُ الْبَائِعُ فِي الْقِمْعِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْفِيَةِ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا قَالَ الْبَائِعُ: لَا أَصُبُّ إلَّا فِي إنَاءٍ وَاسِعٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى قِمْعٍ هَلْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، أَوْ لَا؟ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ سَنَدٌ فِي بَابِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي مَسْأَلَةِ وُصُولِ الْمَاءِ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ مَسْأَلَةٌ مَنْ بَاعَ زَيْتًا وَأَفْرَغَهُ الْمُبْتَاعُ عَلَى زَيْتٍ عِنْدَهُ، ثُمَّ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إنَاءِ الْمُبْتَاعِ فَأْرَةً، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ أَيِّ الزَّيْتَيْنِ هِيَ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِهِ مِنْ زَيْتِ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ فِي وِعَائِهِ انْتَهَى.
ص (وَقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ وَغَيْرُهُ بِالْعُرْفِ) ش: أَيْ وَقَبْضُ غَيْرِ الْعَقَارِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ بِالْعُرْفِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَقَدْ بَيَّنَ الْقَبْضَ فِيهِ بِمَاذَا يَكُونُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ