ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِعَيْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ وَتَكَلَّمَ الْآنَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَذَكَرَ أَنَّ مِثْلَهُ فِي الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ الْمُشْتَرِي مِثْلَ ذَلِكَ الْمِثْلِيِّ فِي الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ فَيُمْتَنَعُ فِي ذَلِكَ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ الْمُتَقَدَّمَةُ وَصُورَتَانِ أُخْرَيَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ فَيُمْتَنَعُ بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ أَوْ أَبْعَدَ وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْوَاوُ أَنْسَبَ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَإِنَّ الشَّرْطَ مُخْتَصٌّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ الْغَيْبَةَ عَلَى الْمِثْلِيِّ سَلَفًا فَصَارَ كَأَنَّ الْبَائِعَ أَسْلَفَ الْمُشْتَرِيَ إرْدَبًّا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دِينَارًا بَعْدَ شَهْرٍ وَيُقَاصَّهُ بِالدِّينَارِ عِنْدَ الْأَجَلِ اهـ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا بَاعَ إرْدَبًّا بِدِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ إلَى ذَلِكَ الشَّهْرِ يُرِيدُ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُقَالُ إذَا غَابَ عَلَى مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَقَدْ انْتَفَعَ بِهِ وَالسَّلَفُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ رَدُّ الْمِثْلِ بَلْ يَجُوزُ فِيهِ رَدُّ الْعَيْنِ وَالْمِثْلِ فَلِمَ لَا يَعُدُّونَهُ سَلَفًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا رَجَعَتْ الْعَيْنُ فَكَأَنَّهُمَا اشْتَرَطَا ذَلِكَ فَخَرَجَا عَنْ حَقِيقَةِ السَّلَفِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ صِفَةً وَقَدْرًا أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْقَدْرِ لَكَانَ الْحُكْمُ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ أَمَّا إذَا خَالَفَهُ فِي الصِّفَةِ فَسَيُصَرِّحُ بِحُكْمِهِ فِي قَوْلِهِ وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ إلَى آخِرِهِ وَأَمَّا إذَا خَالَفَهُ فِي الْقَدْرِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ أَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ اشْتَرَى أَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا بَاعَ سِلْعَتَيْنِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّهُ يُمْتَنَعُ فِيهَا خَمْسُ صُوَرٍ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَى أَحَدٌ السِّلْعَتَيْنِ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ سَوَاءٌ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ لَكِنْ لَا بُدَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهِ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَتَمْتَنِعُ الْخَمْسُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَأَمَّا إنْ غَابَ عَلَيْهِ فَتَمْتَنِعُ فِيهِ صُورَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ إلَى مِثْلِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ؛ لِأَنَّ مَا رَجَعَ لِلْبَائِعِ فَهُوَ سَلَفٌ وَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَاصَّهُ الْمُشْتَرِي بِمَا فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا بَقِيَ ثَمَنًا لِلْمُتَأَخِّرِ وَاخْتُلِفَ فِي صُورَةٍ سَابِعَةٍ وَهِيَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنْ الطَّعَامِ مُقَاصَّةً فَإِنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِيهَا وَاضْطَرَبَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ اشْتَرَى أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا بَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مَعَ سِلْعَةٍ أُخْرَى وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِيهَا سَبْعُ صُوَرٍ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَى نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ سَوَاءٌ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ أَمَّا إذَا كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ؛ فَلِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا وَأَمَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ؛ فَلِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَيَمْتَنِعُ أَيْضًا لِأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ تَفْصِيلٍ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغَيْبَةِ أَوْ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْغَيْبَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ فَتَمْتَنِعُ الصُّوَرُ كُلُّهَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ إمَّا لِسَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا وَإِمَّا لِلْبَيْعِ وَالسَّلَفِ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدٌ ثَوْبَيْهِ لِأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ لَا بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ) ش يَعْنِي أَنَّ مَنْ بَاعَ ثَوْبَيْنِ مَثَلًا بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ كَأَنْ يَشْتَرِيَهُ لِشَهْرَيْنِ مَثَلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ بِأَكْثَرَ أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ؛ فَلِأَنَّ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ دَفَعَ ثَوْبًا لِلْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ بَعْدَ شَهْرٍ عَشَرَةً يَرُدُّهَا إلَيْهِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَذَلِكَ سَلَفٌ يَجُرُّ نَفْعًا وَإِذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ فَذَلِكَ وَاضِحٌ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ فَفِيهِ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ مَثَلًا إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَالْعَشَرَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا فِي الْأَجَلِ بَعْضُهَا ثَمَنٌ
لِلثَّوْبِ وَبَعْضُهَا سَلَفٌ يَرُدُّهُ بَعْدَ شَهْرٍ وَقَوْلُهُ أَوْ أَقَلَّ أَيْ وَكَذَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَهُمَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ نَقْدًا لِلْبَيْعِ وَالسَّلَفِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ رَجَعَ إلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ يَدِهِ ثَوْبٌ وَدَرَاهِمُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ يَأْخُذُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ شَهْرٍ عَشَرَةً مَعًا فَمَا يُقَابِلُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي دَفَعَهَا سَلَفًا وَالْبَاقِي ثَمَنٌ، كَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ النَّقْدَ عَلَى الصُّورَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ التُّهْمَةُ إذَا كَانَ الثَّوْبُ الْبَاقِي قِيمَةَ قَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمُعَجَّلَةِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالتُّهْمَةُ بَعِيدَةٌ وَيَنْبَغِي عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَوَازُ إذَا اتَّضَحَ ارْتِفَاعُ التُّهْمَةِ كَمَا أَجَازَ فِي الصَّرْفِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمُعَجَّلِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا وَقَوْلُهُ لَا بِمِثْلِهِ وَأَكْثَرَ أَيْ لَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا إمَّا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ وَبَقِيَ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي لِلْأَجَلِ وَسَكَتَ عَنْهَا لِوُضُوحِ جَوَازِهَا
ص (وَامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ)
ش: مُرَادُهُ بِغَيْرِ الصِّنْفِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ ذَهَبًا وَالثَّانِي فِضَّةً أَوْ الْأَوَّلُ مُحَمَّدِيَّةً وَالثَّانِي يَزِيدِيَّةً فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْبَائِعَ رَجَّعَ إلَيْهِ أَحَدُ ثَوْبَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ يَدِهِ ثَوْبٌ وَذَهَبٌ يَأْخُذُ عَنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ فِضَّةً أَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ ثَوْبٌ مُحَمَّدِيَّةٌ يَأْخُذُ عَنْهَا عِنْدَ الْأَجَلِ يَزِيدِيَّةً وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا نَقْدًا أَوْ إلَى دُونِ الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ وَاسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ النَّقْدُ الْمُعَجَّلُ أَكْثَرَ مِنْ الْمُؤَجَّلِ جِدًّا وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
ص (وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا أَوْ لِأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ) ش: يَعْنِي إذَا بَاعَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ ثَوْبٍ آخَرَ نَقْدًا امْتَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ ثَوْبَهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ يَدِهِ عَشَرَةٌ مَثَلًا أَخَذَ عَنْهَا ثَوْبًا ثُمَّ يَأْخُذُهَا بَعْدَ شَهْرٍ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ فَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي الْفَسَادِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَالْعَشَرَةُ الْمَرْدُودَةُ سَلَفٌ وَالزَّائِدُ ثَمَنٌ لِلثَّوْبِ الْمَزِيدِ فَجَاءَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ وَحُكْمُ مَا إذَا اشْتَرَاهُ لِأَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ كَذَلِكَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ بِاثْنَيْ عَشَرَ مَثَلًا فَفِيهِ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ إلَّا أَنَّ الْمُسَلِّفَ هُنَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ ثَوْبًا مَعَ ثَوْبِهِ وَبَعْدَ شَهْرٍ يَدْفَعُ لَهُ عَشَرَةً ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهَا عَشَرَةٌ قَضَاءً وَاثْنَانِ ثَمَنٌ لِلثَّوْبِ ص (أَوْ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ) ش: هَذِهِ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ زِيَادَةَ السِّلْعَةِ فِي الْأُولَى كَانَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي وَهَذِهِ مِنْ الْبَائِعِ وَمَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ مَثَلًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ وَسِلْعَةٍ أُخْرَى وَصُوَرُهَا اثْنَا عَشَرَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ إمَّا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ مِثَالٌ
لَمَّا اشْتَرَاهَا بِأَقَلِّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ مَعَ سِلْعَةٍ وَذِكْرُ الْخَمْسَةِ تَمْثِيلٌ وَيُرِيدُ الْمُصَنِّفُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ كَوْنِ الثَّمَنِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ وَالْعِلَّةُ فِي الثَّلَاثِ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ إلَّا أَنَّ السَّلَفَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ مِنْ أَجَلِ الْبَيْعِ وَفِي الثَّالِثَةِ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِسِلْعَةٍ وَخَمْسَةٍ إلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِ الْمُشْتَرِي وَبَقِيَتْ مِنْ صُوَرِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا إلَى الْأَجَلِ الْأَوَّلِ وَهِيَ جَائِزَةٌ وَلِوُضُوحِهَا سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ
ص (لَا بِعَشَرَةٍ وَسِلْعَةٍ)
ش: إلَى مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ فَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ يُرِيدُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى الْأَجَلِ وَأَمَّا لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَامْتَنَعَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ أَوَّلًا يُمْتَنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهِيَ مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ السِّلْعَةَ الْمُعَجَّلَةَ وَيُسَلِّفُ الْبَائِعَ عَشَرَةً بَعْدَ شَهْرٍ وَيَأْخُذُهَا بَعْدَ شَهْرٍ آخَرَ وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا بِسِلْعَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِسِلْعَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا إذَا اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ وَمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيَجُوزُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ وَيَمْتَنِعُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا بِعَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ إلَّا لِأَبْعَدَ لَوَفَّى بِجَمِيعِ ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ بِعَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ وَسِلْعَةٍ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ السِّلْعَةِ الْعَائِدَةِ إلَى يَدِ الْبَائِعِ وَهِيَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ أَوَّلًا مَبِيعَةً بِالثَّانِيَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ يَدِهِ ثَانِيًا وَجَعْلَ الْعَشَرَةِ النَّقْدِ سَلَفًا فِي الْعَشَرَةِ الْمُؤَجَّلَةِ فَيَكُونُ بَيْعًا وَسَلَفًا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوَهَمَ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَكُونُ مَبِيعًا بِالشَّاةِ إذَا قَدَّرْنَا أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْأُولَى فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْمُعَاوَضَةُ الْأُولَى صَحِيحَةً وَإِذَا صَحَّتْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ قَدْ تَقَرَّرَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ مَعَ بَيْعٍ صَحِيحٍ وَذَلِكَ مَانِعٌ؛ لَأَنْ يُعَدَّ قَضَاءً عَنْ سَلَفٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ ثَمَنًا وَسَلَفًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ عَلَّلَ بِمَا ذَكَرَهُ وَإِلَّا فَقَدْ يُعَلِّلُ بِالضَّمَانِ بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَهُ السِّلْعَةَ بِالشَّاةِ وَتَعْجِيلِ الْعَشَرَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ لَمْ يَجُزْ، هَذِهِ عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ السِّلْعَةِ كَانَتْ فِي الْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرِي وَفِي هَذِهِ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ مَثَلًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَشَاةٍ وَصُوَرُهَا أَيْضًا اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ إلَى أَبْعَدَ وَلَا يَجُوزُ مِنْهَا إلَّا إذَا كَانَ الْبَيْعُ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ ثَوْبَهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ فَصَارَ لَغْوًا وَآلَ أَمْرُهُ إلَى أَنْ دَفَعَ خَمْسَةً وَشَاةً نَقْدًا يَأْخُذُ عَنْهَا عَشَرَةً إلَى شَهْرٍ وَذَلِكَ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَدْفَعُ الْخَمْسَةَ إلَى نِصْفِ شَهْرٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَدْفَعُ الْخَمْسَةَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَا هُوَ الْمُسَلِّفُ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ تَحِلُّ بِحُلُولِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ فَلَا مَانِعَ لِوُجُوبِ الْمُقَاصَّةِ، انْتَهَى.
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْأَنْصَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصُّوَرِ الِاثْنَيْ عَشْرَ وَيُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ
مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ وَثَوْبٍ أَوْ بِأَكْثَرَ جَازَ (قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُرِدْ هَذَا؛ لِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ صَرَّحَ بِجَوَازِ مَا ذُكِرَ إثْرَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهَا إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَقِيَّةُ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخَمْسَةَ وَالشَّاةَ تَارَةً يَكُونَانِ مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الشَّاةِ خَمْسَةً وَتَارَةً يَكُونَانِ أَقَلَّ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الشَّاةِ أَرْبَعَةً فَأَقَلَّ وَتَارَةً يَكُونَانِ أَكْثَرَ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الشَّاةِ سِتَّةً فَأَكْثَرَ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ مَا قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْمَنْعِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْدُ الَّذِي مَعَ الشَّاةِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مِثْلَ وَإِنَّمَا قَالَ: لِأَنَّ الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ إمَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ إلَى آخِرِهِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
ص (وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ مُنِعَ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ إلَّا أَنْ تَبْقَى الْخَمْسَةُ لِأَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ الْمُؤَخَّرَ مُسَلِّفٌ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا لَيْسَتَا مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ وَلَكِنْ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْآجَالِ لِمُشَابَهَتِهِمَا لِمَسَائِلِهِ فِي بِنَائِهِمَا عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَتُسَمَّى الْأُولَى مِنْهُمَا مَسْأَلَةَ الْبِرْذَوْنِ؛ لِأَنَّهَا فِي أَصْلِ الْمُدَوَّنَةِ فُرِضَتْ فِي بِرْذَوْنٍ وَفَرَضَهَا الْبَرَاذِعِيُّ فِي فَرَسٍ وَالثَّانِيَةُ مَسْأَلَةُ حِمَارِ رَبِيعَةَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا وَلَكِنَّهَا مُوَافِقَةً لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِيهَا مَسْأَلَتَا الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ وَمِنْهَا وَالْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ لِإِيهَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ مَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ أَيْ فَرَسًا مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ أَيْ مِنْ الْعَشَرَةِ وَأَبْرَأَ ذِمَّتَهُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ مُنِعَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَجَّلَ الْخَمْسَةَ أَوْ أَخَّرَهَا إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ آلَ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ أَسْلَفَهُ فَرَسًا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ، وَكُلُّ مَا يُعْطِيهِ مَعَهُ فَهُوَ زِيَادَةٌ لِأَجْلِ السَّلَفِ فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَمْنَعَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ مُقَوَّمًا إلَى أَجَلٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى مِثْلَهُ بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ آلَ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ أَسْلَفَهُ ذَلِكَ الْمُقَوَّمَ يَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ وَيُعْطِيهِ ثَمَانِيَةً وَيَأْخُذُ عَنْهَا عَشَرَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَهُ كَغَيْرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَقْصِدْ الْمُتَبَايِعَانِ نَقْضَ الْبَيْعَةِ الْأُولَى بَلْ أَبْقَيَاهَا وَاسْتَأْنَفَا بَيْعَةً ثَانِيَةً لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأُولَى فَوَجَبَ بَقَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهَا فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ فَكَأَنَّهُمَا قَصَدَا نَقْضَ الْبَيْعَةِ الْأُولَى فَوَجَبَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا كَمَا فِي بِيَاعَاتِ الْأَجَلِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ قُصَارَى الْأَمْرِ فِي مَسَائِلِ الْآجَالِ إنْ نَتَّهِمَهُمَا عَلَى نَقْضِ الْبَيْعَةِ الْأُولَى وَهُنَا قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْمُقَوَّمِ لَيْسَ كَعَيْنِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ إلَخْ أَيْ وَكَذَلِكَ يُمْتَنَعُ أَيْضًا إذَا اسْتَرَدَّ الْفَرَسَ نَفْسَهُ مَعَ خَمْسَةِ أَثْوَابٍ مِنْ الْعَشَرَةِ وَأَبْرَأَ ذِمَّتَهُ مِنْ الْخَمْسَةِ الْأُولَى لَكِنْ إنَّمَا يُمْتَنَعُ إذَا كَانَتْ الْخَمْسَةُ الْأَثْوَابُ مُعَجَّلَةً أَوْ مُؤَخَّرَةً إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ وَأَمَّا إذَا أَبْقَاهَا إلَى الْأَجَلِ فَيَجُوزُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَبْقَى الْخَمْسَةُ إلَى أَجَلِهَا ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الْمَنْعِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ الْمُؤَخِّرَ مُسْلِفٌ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عَجَّلَهَا صَارَ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مُسَلِّفٌ لِمَا عَجَّلَهُ لِتَقَضِّيهِ
مِنْ نَفْسِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَدْ أَسْلَفَهُ خَمْسَةَ أَثْوَابٍ وَدَفَعَ لَهُ الْفَرَسَ عِوَضًا عَنْ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ وَهَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَكَذَا إذَا أَجَّلَهَا إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ وَأَمَّا إذَا أَخَّرَهَا إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَقَدْ صَارَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ آخِذًا الْفَرَسَ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ وَسَلَّفَ الْمُشْتَرِيَ الْخَمْسَةَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَّرَهُ بِهَا عَنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ صَارَ مُسْلِفًا لَهُ وَهَذَا أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُعَدُّ مُسْلِفًا أَمْ لَا وَأَمَّا الْمُؤَخِّرُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُسْلِفٌ وَأَمَّا إذَا أَبْقَى الْخَمْسَةَ إلَى أَجَلِهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ لِانْتِقَاءِ السَّلَفِ حِينَئِذٍ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَبْقَى الْخَمْسَةُ لِأَجَلِهَا عَائِدٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ وَكَذَا التَّعْلِيلُ وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِيمَا إذَا أَخَذَ بَعْضَ الْأَثْوَابِ وَأَخَذَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ شَيْئًا مُخَالِفًا لِلْفَرَسِ فَيُمْتَنَعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ الْأَثْوَابِ مُعَجَّلًا أَوْ مُؤَخَّرًا لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ وَيَجُوزُ إذَا أَبْقَى إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ تَجْعَلُوهُ إذَا رَدَّ الْفَرَسَ بِمَثَابَةِ مَا إذَا رَدَّ مِثْلَهُ وَكَأَنَّهُ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ أَسْلَفَهُ فَرَسًا فَرَدَّهُ وَمَا يَأْخُذُ زِيَادَةً فَإِنَّهُ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ وَالسَّلَفُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ رَدُّ الْمِثْلِيِّ فَالْجَوَابُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَنْ يُقَالَ لَمَّا رَجَعَتْ الْعَيْنُ فَكَأَنَّهُمَا اشْتَرَطَا ذَلِكَ فَخَرَجَا عَنْ حَقِيقَةِ السَّلَفِ وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْمِثْلِيِّ يَقُومُ مَقَامَهُ
ص (وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِلْأَجَلِ)
ش: أَيْ وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ أَيْ الْحِمَارَ وَدِينَارًا نَقْدًا يُرِيدُ أَوْ مِثْلَهُ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ مُؤَجَّلًا يَعْنِي أَوْ كَانَ الدِّينَارُ أَوْ صَرْفُهُ مِنْ الْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَقْدًا فَهُوَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ دَفَعَ عَنْهَا مُعَجَّلًا الْحِمَارَ وَدِينَارًا لِيَأْخُذَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ عَشَرَةً، تِسْعَةٌ عِوَضٌ عَنْ الْحِمَارِ وَدِينَارٌ عَنْ الدِّينَارِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ الْعَشَرَةُ فِي دَيْنٍ آخَرَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ بَعْضَ دَيْنِهِ الْوَاجِبَ لَهُ أَوَّلًا بِالدَّيْنِ الَّذِي زَادَهُ مَعَ الْحِمَارِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَزِيدُ مَعَ الْحِمَارِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ إلَى مِثْلِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ وَيَدْخُلُهُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ الصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فَقَالَ إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِلْأَجَلِ أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَزِيدُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ يَعْنِي مِنْ نَوْعِهِ وَصِفَتِهِ وَكَانَ مُؤَخَّرًا لِأَجَلِ نَفْسِهِ كَمَا إذَا بَاعَ الْحِمَارَ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا مُؤَخَّرًا لِلشَّهْرِ؛ لِأَنَّ مَا آلَ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ اشْتَرَى الْحِمَارَ بِتِسْعَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ وَقَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْقَاضِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْأَنْصَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَكَذَا قَرَّرُوا وَلَوْ قِيلَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْمَنْعِ كَمَا قِيلَ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ بَعْضَ دَيْنِهِ الْوَاجِبَ لَهُ أَوَّلًا بِالدَّيْنِ الَّذِي زَادَهُ مَعَ الْحِمَارِ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْت) وَلَا خَفَاءَ فِي بُعْدِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعِوَضَيْنِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاخْتِلَافِ إمَّا فِي الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ أَوْ الْأَجَلِ، وَالْمَزِيدُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ وَأَجَلِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبَيْعُ وَإِنَّمَا آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ بَاعَ الْحِمَارَ بِتِسْعَةٍ كَمَا قَالُوا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ وَبَيْعٍ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ جَازَ إنْ عَجَّلَ الْمَزِيدَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْحِمَارَ
بِعَشَرَةٍ مَثَلًا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَزَادَهُ الْمُشْتَرِي مَعَ الْحِمَارِ عِوَضًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا إذَا عَجَّلَ الْمَزِيدَ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْعَشَرَةَ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ بِعَرْضٍ وَحِمَارٍ وَلَا مَانِعَ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَزِيدُ غَيْرَ مُعَجَّلٍ فَلَا يَجُوزُ كَمَا سَيَأْتِي وَقَوْلُهُ أَوْ بِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ، كَذَا صَوَابُهُ بِأَوْ وَمُرَادُهُ بِالنَّقْدِ هُنَا الْمُعَجَّلُ لَا النَّقْدُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْعَرْضِ يَعْنِي فَإِنْ بَاعَ الْحِمَارَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مَثَلًا نَقْدًا وَلَمْ يَقْبِضْهَا الْبَائِعُ.
وَأَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي الْحِمَارَ وَزِيَادَةً عِوَضًا عَنْ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ
فَإِنْ عَجَّلَ الزِّيَادَةَ الَّتِي مَعَ الْحِمَارِ جَازَ يُرِيدُ إنْ لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ فِضَّةً وَإِلَّا دَخَلَهُ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ بِيَزِيدِيَّةٍ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ مَعَ زِيَادَةِ مُحَمَّدِيَّةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ جَازَ إنْ عَجَّلَ الْمَزِيدَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُعَجِّلْ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ وَالْمَنْعُ فِيهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ فِيهَا مُؤَجَّلٌ فَقَدْ انْتَقَلَ الْبَائِعُ عَنْهُ إلَى حِمَارٍ مُؤَجَّلٍ وَسَوَاءٌ كَانَ إلَى الْأَجَلِ أَوْ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ وَأَمَّا إذَا بِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ وَلَمْ يُعَجَّلْ الْمَزِيدُ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ نَوْعِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ تَأْخِيرٌ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ بِشَرْطٍ وَذَلِكَ سَلَفٌ اقْتَرَنَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَهُوَ مِنْ الْعَيْنِ فَهُوَ صَرْفٌ مُؤَخَّرٌ وَإِنْ كَانَ عَرْضًا فَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُقْبَضْ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ بَاعَ حِمَارَهُ بِنَقْدٍ وَقَبَضَهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ مَعَ زِيَادَةٍ جَازَ سَوَاءٌ عَجَّلَ الْمَزِيدَ أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْبَائِعِ جَازَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيْعَةُ الْأُولَى نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُؤَجَّلَةً وَهِيَ مِنْ صِنْفِ الْمَبِيعِ كَمَا إذَا اسْتَرَدَّ الْحِمَارَ عَلَى أَنْ زَادَهُ حِمَارًا مُؤَجَّلًا فَيُمْتَنَعُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ وَكَانَ الْمُشْتَرِي أَسْلَفَ الْبَائِعَ حِمَارًا يَقْبِضُهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ أَسْقَطَ الْبَائِعُ عَنْهُ الثَّمَنَ الْأَوَّلَ.
ص (وَصَحَّ أَوَّلٌ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ خِلَافٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ بُيُوعَ الْآجَالِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً إلَى شَهْرٍ بِعَشْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ لَمْ يَفُتْ فَإِنَّ الْبَيْعَةَ الْأُولَى صَحِيحَةً وَتُفْسَخُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا جَاءَ مِنْهَا وَهُوَ دَائِرٌ مَعَهَا أَمَّا فَسْخُ الثَّانِيَةِ فَبِاتِّفَاقٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ فِيهِ خِلَافًا ضَعِيفًا وَأَمَّا عَدَمُ فَسْخِ الْأُولَى فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُفْسَخُ الْبَيْعَتَانِ مَعًا قَالَ إلَّا أَنْ يَصِحَّ أَنَّهُمَا يَتَعَامَلَانِ عَلَى الْعِينَةِ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِحَوَالَةِ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَتُفْسَخُ الْبَيْعَتَانِ مَعًا وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنُ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا مَعَ الْفَوَاتِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ فِي الْبَيْعَةِ الْأُولَى أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ إنَّمَا يُفْسَخَانِ مَعًا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْبَائِعُ أَوَّلًا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يُفْسَخْ إلَّا الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَتَيْنِ لَمَّا ارْتَبَطَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى صَارَا فِي مَعْنَى الْعَقْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَصَرَّحَ ابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٍ وَتَأَوَّلَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ فُسِخَتْ الثَّانِيَةُ
فَقَطْ مَعَ كَوْنِ الْقِيمَةِ أَقَلَّ لَزِمَ دَفْعُهَا مُعَجَّلَةً وَهِيَ أَقَلُّ ثُمَّ يَأْخُذُ عِنْدَ الْأَجَلِ أَكْثَرَ وَهُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ الَّذِي مَنَعْنَاهُ مِنْهُ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ إذَا فَسَخْنَا الثَّانِيَةَ وَبَقِيَتْ الْأُولَى عَلَى حَالِهَا لَمْ يَلْزَمْ مَحْذُورٌ وَهَذَا الثَّانِي ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيُفْهَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِ الْفَوَاتُ بِأَنْ تَكُونَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنَّهَا لَوْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ انْفَسَخَتْ الثَّانِيَةُ خَاصَّةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَاجِيِّ قَالَ وَلَمْ أَرَهُ نَصًّا اهـ.
[فَصْلٌ فِي بَيْعِ أَهْلِ الْعِينَةِ]
ص (فَصْلٌ: جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فَيَبِيعَهَا بِمَالٍ)
ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بُيُوعِ الْآجَالِ الَّتِي لَا تَخُصُّ أَحَدًا عَقَّبَهَا بِبَيْعِ أَهْلِ الْعِينَةِ لِإِتْهَامِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهَا وَهَذَا الْفَصْلُ يُعْرَفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِبَيْعِ أَهْلِ الْعِينَةِ، وَالْعِينَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ فِعْلَةٌ مِنْ الْعَوْنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتَعِينُ بِالْمُشْتَرِي عَلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِهِ وَقِيلَ مِنْ الْعَنَاءِ وَهُوَ تَجَشُّمُ الْمَشَقَّةِ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْعَيْنِ وَهُوَ النَّقْدُ لِبَائِعِهَا وَقَدْ بَاعَهَا لِتَأْخِيرٍ وَقَالَ قَبْلَهُ هُوَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ يَشْتَرِيَهَا بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَبِيعُهَا مِنْ طَالِبِ الْعِينَةِ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبِيعُهَا هَذَا الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَاهَا وَخَفَّفَ هَذَا الْوَجْهَ بَعْضُهُمْ وَرَآهُ أَخَفَّ مِنْ الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعُ أَهْلِ الْعِينَةِ هُوَ الْبَيْعُ الْمُتَحَيَّلُ بِهِ عَلَى دَفْعِ عَيْنٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا اهـ.
وَقَسَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ أَوْ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَفِي كِتَابِ بُيُوعِ الْآجَالِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ: الْعِينَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ، وَمَكْرُوهٌ، وَمَمْنُوعٌ وَجَعَلَهَا صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ وَزَادَ وَجْهًا رَابِعًا مُخْتَلَفًا فِيهِ وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ فَأَشَارَ إلَى الْجَائِزِ بِقَوْلِهِ جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِنَمَاءٍ أَيْ بِزِيَادَةٍ وَهُوَ أَحْسَنُ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِينَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْجَائِزُ أَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ وَقَالَ فِي كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ مِنْ الْبَيَانِ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ مِنْهُمْ يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَيَقُولَ هَلْ عِنْدَك سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا أَبْتَاعُهَا مِنْكَ وَفِي الْبَيَانِ تَبِيعُهَا مِنِّي بِدَيْنٍ فَيَقُولَ لَا فَيَنْقَلِبَ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ مُرَاوَضَةٍ وَلَا مُوَاعَدَةٍ، فَيَشْتَرِي الْمَسْئُولُ تِلْكَ السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا ثُمَّ يَلْقَاهُ فَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ الَّتِي سَأَلَهُ عَنْهَا فَيَبِيعُهَا مِنْهُ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِمَا شَاءَ مِنْ نَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فَيَبِيعُ ذَلِكَ مِنْهُ بِدَيْنٍ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْجَائِزُ لِمَنْ لَمْ يَتَوَاعَدَا عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَتَرَاوَضُ مَعَ الْمُشْتَرِي كَالرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَعِنْدَكَ سِلْعَةَ كَذَا فَيَقُولُ لَا فَيَنْقَلِبُ عَلَى غَيْرِ مُوَاعَدَةٍ وَيَشْتَرِيهَا ثُمَّ يَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فَيَقُولُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عِنْدِي فَهَذَا جَائِزٌ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ بِمَا شَاءَ مِنْ نَقْدٍ وَكَالِئٍ وَنَحْوِهِ لِمُطَرِّفٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا لَمْ يَكُنْ تَعْرِيضٌ أَوْ مُوَاعَدَةٌ أَوْ عَادَةٌ قَالَ وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ بَعْدَهُ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ كَالِئٍ وَلَا يُوَاعِدُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا يَشْتَرِيهِ وَمِنْهُ لَا يَبِيعُهُ لَهُ.
وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَبِيعُهَا أَوْ يَبِيعُ دَارَ سُكْنَاهُ ثُمَّ تَشُقُّ عَلَيْهِ النَّقْلَةُ مِنْهَا فَيَشْتَرِيهَا أَوْ الْجَارِيَةَ ثُمَّ تَتْبَعُهَا نَفْسُهُ فَهَؤُلَاءِ إمَّا اسْتَقَالُوا أَوْ زَادُوا فِي الثَّمَنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَوْ كَانَ مُشْتَرِي السِّلْعَةِ يُرِيدُ بَيْعَهَا سَاعَتَئِذٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْبَائِعِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ أَمْ لَا، قَالَ فَيُلْحَقُ هَذَا الْوَجْهُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمَكْرُوهِ اهـ.، فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ هَذَا الْوَجْهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَقَوْلُ ابْنِ مُزَيْنٍ إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ
إلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ الَّذِي زَادَهُ عِيَاضٌ بِقَوْلِهِ وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَالرَّابِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مَا اُشْتُرِيَ لِيُبَاعَ بِثَمَنٍ بَعْضُهُ مُؤَجَّلٌ وَبَعْضُهُ مُعَجَّلٌ فَظَاهِرُ مَسَائِلِ الْكِتَابِ وَالْأُمَّهَاتِ جَوَازُهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ كَرَاهَتُهُ لِأَهْلِ الْعِينَةِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ سِلْعَةٌ كَمَا يُوهِمُهُ لَفْظُ عِيَاضٍ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ يَسْبِقُ لِلْوَهْمِ أَنَّ قَوْلَهُ بِثَمَنٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ لِيُبَاعَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرِ وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَتَقْدِيرُهُ مَا اُشْتُرِيَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَبَعْضُهُ مُعَجَّلٌ لِيُبَاعَ فَهِيَ إذًا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى غَيْرُ مُفَرَّعَةٍ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ سِلْعَةٌ وَذَكَرَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّنْبِيهَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبَيَانِ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت: لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا فَرَّعَهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ سِلْعَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَهُ مِنْ الْخِلَافِ الْجَوَازُ وَإِنْ تَرَكَّبَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْوَصْفَيْنِ فَتَكُونُ غَيْرُ الْمُرَكَّبَةِ أَحْرَى بِالْجَوَازِ.
قُلْتُ: هَذَا أَبْعَدُ مَا يَكُونُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَلَكِنْ يُقَرِّبُهُ الظَّنُّ الْجَمِيلُ وَيَتَّقِي الْعُهْدَةَ فِي الْتِزَامِ جَوَازِ الْمُرَكَّبَةِ اهـ.
(قُلْت) وَقَدْ يُتَلَمَّحُ الْجَوَازُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فَيَبِيعُهَا بِمَا شَاءَ مِنْ نَقْدٍ أَوْ نَسِيئَةٍ، وَنَحْوُهُ لِعِيَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
ص (وَكُرِهَ خُذْ بِمِائَةٍ مَا بِثَمَانِينَ أَوْ اشْتَرِهَا وَيُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ وَلَمْ يُفْسَخْ)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمَكْرُوهُ قَالَ فِي كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ مِنْ الْبَيَانِ: وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَقُولَ أَعِنْدَكَ كَذَا وَكَذَا تَبِيعُهُ مِنِّي بِدَيْنٍ.
فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ ابْتَعْ ذَلِكَ وَأَنَا أَبْتَاعُهُ مِنْك بِدَيْنٍ وَأُرْبِحُكَ فِيهِ فَيَشْتَرِي ذَلِكَ ثُمَّ يَبِيعُهُ مِنْهُ عَلَى مَا تَوَاعَدَا عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْمَكْرُوهَةُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَأَنَا أُرْبِحُكَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا أَوْ أَشْتَرِيهَا مِنْك مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاوِضَهُ عَلَى الرِّبْحِ، انْتَهَى.
اُنْظُرْ قَوْلَهُ أُرْبِحُكَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا مَعَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاوِضَهُ عَلَى الرِّبْحِ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْمَكْرُوهُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَأَنَا أُرْبِحُكَ فِيهَا وَأَشْتَرِيهَا مِنْكَ مِنْ غَيْرِ مُرَاوَضَةٍ وَلَا تَسْمِيَةِ رِبْحٍ وَلَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يُعَرِّضُ بِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَهَذَا يُكْرَهُ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَا أَبْلُغُ بِهِ الْفَسْخَ قَالَ فَضْلٌ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَجِبُ أَنْ يُفْسَخَ شِرَاءُ الْآمِرِ وَلِذَلِكَ كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ لَهُ لَا أَحِلُّ أَنْ أُعْطِيكَ ثَمَانِينَ فِي مِائَةٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ قِيمَتُهَا ثَمَانُونَ خُذْهَا بِمِائَةٍ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ فَضْلٍ يَجِبُ أَنْ يُفْسَخَ شِرَاءُ الْآمِرِ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ.
ص (وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِخِلَافِ كَذَا فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ أَوْ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْمَمْنُوعُ وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ سِتَّ مَسَائِلَ مِنْهَا مَا يُفْسَخُ وَمِنْهَا مَا لَا يُفْسَخُ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَهُمْ الْمَنْعَ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَجُوزُ فَإِنَّ بَعْضَهُ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَحْظُورُ أَنْ يُرَاوِضَهُ عَلَى الرِّبْحِ فَيَقُولَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِكَذَا وَكَذَا وَأَنَا أُرْبِحُكَ فِيهَا كَذَا وَأَبْتَاعُهَا مِنْك بِكَذَا وَنَحْوُهُ فِي الْبَيَانِ وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْحَرَامُ الَّذِي هُوَ رِبًا صُرَاحٌ أَنْ يُرَاوِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى ثَمَنِ السِّلْعَةِ الَّتِي يُسَاوِمُهُ فِيهَا لِيَبِيعَهَا مِنْهُ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ عَلَى ثَمَنِهِ الَّذِي يَشْتَرِيهَا بِهِ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقْدًا أَوْ يُرَاوِضَهُ عَلَى رِبْحِ السِّلْعَةِ الَّتِي يَشْتَرِيهَا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَقُولُ: أَنَا أَشْتَرِيهَا عَلَى أَنْ تُرْبِحَنِي فِيهَا كَذَا أَوْ لِلْعَشَرَةِ كَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَهَذَا حَرَامٌ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ اشْتَرِهَا لِي وَأَنَا أُرْبِحُكَ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا قَالَ وَذَلِكَ كُلُّهُ رِبًا وَيُفْسَخُ هَذَا وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا رَأْسُ الْمَالِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِي قَوْلِهِ اشْتَرِهَا لِي وَأَنَا أُرْبِحُكَ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ وَلَا يُفْسَخُ فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَهُوَ
ظَاهِرٌ بَلْ سَيَأْتِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ مَعَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ وَالرِّبْحِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَأَنَّهُ فِي بَعْضِهَا جَائِزٌ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ فِي - التَّوْضِيحِ كَلَامَ عِيَاضٍ وَلَمْ يُنَبِّهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَتَأَمَّلْهُ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ سِتُّ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةُ الْأَحْكَامِ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِ اشْتَرِ لِي وَثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِ اشْتَرِ لِنَفْسِكِ أَوْ يَقُولُ اشْتَرِ لِنَفْسِكَ أَوْ يَقُولُ اشْتَرِ وَلَا يَقُولُ لِي وَلَا لِنَفْسِكِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ سَوَاءٌ قَالَ اشْتَرِهَا لِي أَوْ لِنَفْسِكِ أَوْ لَمْ يَقُلْ لِي أَوْ لِنَفْسِكِ فَهَذَا مَمْنُوعٌ وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمٌ يَخُصُّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ
ص (وَلَزِمَتْ الْآمِرَ إنْ قَالَ لِي وَفِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إمْضَاؤُهَا وَلُزُومُهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَوْلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَالَ اشْتَرِ لِي سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا آخُذُهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ وَلَفْظُ التَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ فِي مَوْضِعٍ وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْكَ وَلَفْظُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَنَا أَبْتَاعُهَا مِنْكَ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَجُلٍ ازْدَادَ فِي سَلَفِهِ.
فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ لَهُ وَإِنَّمَا أَسْلَفَهُ الْمَأْمُورُ ثَمَنًا لِيَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ فَيُعْطِيَهُ الْعَشَرَةَ مُعَجَّلَةً وَيُطَوِّعَ عَنْهُ مَا أَرْبَى اهـ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَكُونُ لِلْمَأْمُورِ مِنْ الْجُعْلِ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ وَقَالَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ إنْ لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ فُسِخَ الْبَيْعُ يَعْنِي الْبَيْعَ الْأَوَّلَ الَّذِي بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَرَبِّ السِّلْعَةِ قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ بِعِلْمِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ إلَخْ يَعْنِي بِهِ وَإِنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا لِنَفْسِكِ أَوْ قَالَ اشْتَرِ وَلَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِنَفْسِكِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنَا آخُذُهَا مِنْكَ أَوْ أَشْتَرِيهَا مِنْكَ أَوْ أَبْتَاعُهَا مِنْكَ بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ إذَا وَقَعَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ السِّلْعَةَ لَازِمَةٌ لِلْآمِرِ بِاثْنَيْ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَانَ ضَامِنًا لَهَا وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْآمِرِ زَادَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَوْ أَرَادَ الْآمِرُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا بَعْدَ اشْتِرَاءِ الْمَأْمُورِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَتَوَرَّعَ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْآمِرِ إلَّا مَا نَقَدَهُ فِي ثَمَنِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْبَيْعَ الثَّانِيَ يُفْسَخُ وَيَرُدُّ السِّلْعَةَ إلَى الْمَأْمُورِ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً وَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَيْهِ قِيمَتُهَا مُعَجَّلَةً كَمَا يُصْنَعُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ لَهُ، فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَإِلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِي الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَقُلْ لِي أَيْ سَوَاءٌ قَالَ لِنَفْسِكِ أَمْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُفْسَخُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُطْلَقًا فَإِنْ لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ رُدَّتْ نَفْسُهَا وَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ قِيمَتُهَا وَيُشِيرُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فَالْقِيمَةُ وَلَوْ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْ قَالَ بَدَّلَهُ مُطْلَقًا لَكَانَ أَبْيَنُ وَكَانَ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا فُسِخَ رُدَّتْ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّ قِيمَتُهَا وَيَأْتِي لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ وَأَشَارَ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: وَإِمْضَاؤُهَا وَلُزُومُهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ، يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ فَاتَتْ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُورِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَتَوَرَّعَ وَلَا يَأْخُذُ إلَّا مَا نُقِدَ وَلَا عَلَى أَنَّ ضَمَانَ السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْآمِرُ مِنْ الْمَأْمُورِ وَعَلَى أَنَّ الْآمِرَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ إنْ أَبَى لِوُضُوحِ ذَلِكَ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ اشْتَرِهَا لِي أَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا آخُذُهَا وَهُوَ بَيِّنٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا يُبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ اشْتَرِهَا أَيْ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ لَا أَنَّهُ مُفْسَخٌ.
ص (وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا إنْ نَقَدَ الْمَأْمُورَ بِشَرْطٍ)
ش: يَعْنِي إذَا قَالَ اشْتَرِ لِي سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَأَنْ آخُذَهَا مِنْك أَوْ أَشْتَرِيَهَا مِنْك أَوْ أَبْتَاعَهَا مِنْك بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا قَالَ فِي الْبَيَانِ رَجَعَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى أَنَّ الْآمِرَ اسْتَأْجَرَ الْمَأْمُورَ عَلَى شِرَاءِ السِّلْعَةِ بِدِينَارَيْنِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لَهُ وَقَوْلُهُ وَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنْكَ لَغْوٌ لَا مَعْنَى؛ لِأَنَّ لَهُ الْعُقْدَةَ لَهُ وَبِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ النَّقْدُ مِنْ عِنْدِ الْآمِرِ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُورِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ النَّقْدُ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُورِ بِشَرْطٍ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ الدِّينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّلْعَةَ وَيَنْقُدَ عَنْهُ الثَّمَنَ مِنْ عِنْدِهِ فَهِيَ إجَارَةٌ وَسَلَفٌ يَكُونُ لِلْمَأْمُورِ إجَارَةُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارَيْنِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ إذَا كَانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ الْبَائِعِ وَفَاتَتْ السِّلْعَةُ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ وَإِنْ قَبَضَ السَّلَفَ وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ أَنَّ فِيهِ الْقِيمَةَ مَا بَلَغَتْ يَلْزَمُ لِلْمَأْمُورِ هُنَا أَنْ يَكُونَ لَهُ إجَارَةٌ مِثْلِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارَيْنِ وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّا إنْ أَعْطَيْنَاهُ الْأُجْرَةَ كَانَ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ فَكَانَ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلرِّبَا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِيمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ إذَا نَقَدَ الْمَأْمُورَ بِشَرْطٍ وَهَذَا إذَا عَثَرَ عَلَى الْآمِرِ بِحِدْثَانِهِ وَرَدَّ السَّلَفَ عَلَى الْمَأْمُورِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْآمِرُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى انْتَفَعَ الْآمِرُ بِالسَّلَفِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُمَا كَانَا قَصَدَاهُ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلْمَأْمُورِ إجَارَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ وَلَوْ عَثَرَ عَلَى الْآمِرِ بَعْدَ الِابْتِيَاعِ وَقَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ الْمَأْمُورُ الثَّمَنَ لَكَانَ النَّقْدُ مِنْ عِنْدِ الْآمِرِ وَلَكَانَ فِيمَا يَكُونُ لِلْأَجِيرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ إجَارَةَ مِثْلِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَالثَّانِي أَنَّ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ إجَارَةِ مِثْلِهِ أَوْ الدِّينَارَيْنِ اهـ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ
ص (وَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ جُعْلِهِ أَوْ الدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ لَا جُعْلَ لَهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ.
فَقِيلَ: لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ وَمِنْ الدِّرْهَمَيْنِ وَقِيلَ لَا جُعْلَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ زَرُّوقٍ غَيْرَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ تَفْصِيلُ ذَلِكَ
ص (وَجَازَ بِغَيْرِهِ كَنَقْدِ الْآمِرِ)
ش: أَيْ وَجَازَ نَقْدُ الْمَأْمُورِ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ هُوَ الَّذِي نَقَدَ
ص (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَلَمْ يَقُلْ لِي بَلْ قَالَ لِنَفْسِكِ أَوْ لَمْ يَقُلْ لِي وَلَا لِنَفْسِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ بَلْ قَالَ اشْتَرِهَا وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فَمَرَّةً أَجَازَهُ إذَا كَانَتْ الْبَيْعَتَانِ بِالنَّقْدِ جَمِيعًا وَانْتَقَدَ وَمَرَّةً كَرِهَهُ لِلْمُرَاوَضَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا فِي السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ فِي مِلْكِ الْمَأْمُورِ قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ وَهَذَا مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَنَّ فِي إطْلَاقِهِمْ الْمَنْعَ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ جَمِيعُهُ تَسَامُحٌ وَالْعَجَبُ مِنْ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ الْمَكْرُوهَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيُومِئَ لِتَرْبِيحِهِ فَكَيْفَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ، وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَا إذَا قَالَ اشْتَرِهَا وَأَنَا أُرْبِحُكَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَيُفْسَخُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ مَعَ تَسْمِيَةِ الرِّبْحِ وَالْمُرَاوَضَةِ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَانْتَقَدَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا عَلَى النَّقْدِ وَلَمْ يَنْقُدْ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَأْتِي الْخِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ فِيمَنْ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ ثُمَّ عَجَّلَهُ.
ص (وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ وَأَشْتَرِيهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَتَلْزَمُ بِالْمُسَمَّى وَلَا تُعَجَّلُ الْعَشَرَةُ وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ)
ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ وَأَنَا أَبْتَاعُهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا فَكَذَلِكَ أَيْضًا حَرَامٌ لَا يَجُوزُ وَمَكْرُوهُهُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمَأْمُورُ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ السِّلْعَةَ بِسَلَفٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ يَنْتَفِعُ بِهَا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَيْهِ فَإِذَا دَفَعَ ذَلِكَ لَزِمَتْ الْآمِرَ السِّلْعَةُ بِاثْنَيْ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ وَلَا يَتَعَجَّلُ الْمَأْمُورُ مِنْهُ الْعَشَرَةَ النَّقْدَ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهَا صَرَفَهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَهُ إلَى أَجَلٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ جُعْلٌ مِثْلُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِاتِّفَاقٍ اهـ
ص (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَهَلْ يُرَدُّ الْبَيْعُ إذَا فَاتَ وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ إلَّا الْعَشَرَةُ وَيُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ قَوْلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَالَ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ لِي بِأَنْ قَالَ لِنَفْسِكَ أَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَجَلٍ وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، فَذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ.
رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا فَاتَ لَيْسَ عَلَى الْآمِرِ إلَّا الْعَشَرَةُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَوْ زَادَهُ الدِّينَارَيْنِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي مُطْلَقًا عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا يُصْنَعُ بِالْحَرَامِ الْبَيِّنِ لِلْمُوَاطَأَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا الثَّانِي اهـ فَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَفُوتَ نَظَرٌ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ إذَا فَاتَ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ بِالْقِيمَةِ يُشِيرُ إلَى الْفَسْخِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْبَيَانِ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِالْفَسْخِ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفِي الْفَسْخِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إمْضَاؤُهَا وَلُزُومُهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ ذَكَرَ هَذِهِ بَعْدَهَا وَقَالَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ إذَا وَقَعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتَلْزَمُ الْآمِرَ السِّلْعَةُ بِالْعَشَرَةِ نَقْدًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ لَهُ الدِّينَارَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّانِي وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إلَى الْمَأْمُورِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِيَدِ الْآمِرِ فَيَكُونَ عَلَيْهِ فِيهَا الْقِيمَةُ كَمَا يُفْعَلُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَآخُذُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ وَأَشْتَرِيهَا يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ بَعْدَ وَاوِ الْمَعِيَّةِ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى إضْمَارِ مُبْتَدَأٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ ثَانٍ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ يَفْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ وَذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ لِبَعْضِ النَّاسِ دَرَاهِمَ وَيَقُولَ لَهُ: اشْتَرِ بِهَا سِلْعَةً عَلَى ذِمَّتِي فَإِذَا اشْتَرَيْتَهَا بِعْتُهَا مِنْك بِرِبْحٍ لِأَجَلٍ وَلَا إشْكَالَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَسَأَلَ عَمَّنْ أَبْضَعَ مَعَ رَجُلٍ بِضَاعَةً يَبْتَاعُ لَهُ بِهَا طَعَامًا ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ ابْتَاعَ طَعَامًا وَقَبَضَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ قَالَ مَا أُحِبُّ هَذَا وَمَا يُعْجِبُنِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ أَجَازَهُ فِي رَسْمِ بِيعَ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ لِمَنْ أَسْلَمَ فِي طَعَامٍ أَنْ يَبِيعَهُ بِقَبْضِ وَكِيلِهِ وَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِقَبْضِ وَكِيلِهِ إيَّاهُ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ قَبَضَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ وَلَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمَا كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْمُبْتَاعُ لِلطَّعَامِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ مُوَكِّلُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ وَإِنْ
تَحَقَّقَ أَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَا بِدِينَارٍ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ وَلَا بِدَرَاهِمَ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَخْسُ فِي الْعُرْفِ عَلَى رَبِّ الطَّعَامِ فَتَرْتَفِعُ التُّهْمَةُ فِي ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ دَحُونٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. نُقِلَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ بِلَفْظٍ، رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يُبْضِعُ مَعَ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ لَهُ طَعَامًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ فَعَلَ وَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فَقَالَ مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ اهـ وَقَالَ فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا ابْتَعْتُهُ بِعَيْنِهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ جُزَافًا أَوْ اشْتَرَيْته مِنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ جُزَافًا مِنْ عِطْرٍ أَوْ زِئْبَقٍ أَوْ مِسْكٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ تَوَابِلَ وَشِبْهِهِ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ بَائِعِكَ أَوْ غَيْرِهِ وَتَحَيُّلِهِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ فَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِمَّا ابْتَعْتُ اهـ
[فَصْلٌ الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَالْخِيَارُ عَارِضٌ]
ص (فَصْلٌ: إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ)
ش: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ مَا يَعْرِضُ لَهُ إلَى أَقْسَامٍ وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِهَةِ لُزُومِ الْعَقْدِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَيُسَمَّى الْأَوَّلُ بَيْعَ بَتٍّ وَالْبَتُّ الْقَطْعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ خِيَارُ صَاحِبِهِ وَيُسَمَّى الثَّانِي بَيْعَ خِيَارٍ وَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَالْخِيَارُ عَارِضٌ وَيَنْقَسِمُ إلَى خِيَارِ تَرَوٍّ وَإِلَى خِيَارِ نَقِيصَةٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَاقِدِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْعَاقِدِ بِأَنْ يَشْتَرِطَهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا فَهُوَ خِيَارُ التَّرَوِّي وَيُسَمَّى الْخِيَارَ الشَّرْطِيَّ، وَالتَّرَوِّي النَّظَرُ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْأَمْرِ وَالتَّبَصُّرُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهُ ظُهُورَ عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ فَهُوَ خِيَارُ النَّقِيصَةِ وَيُسَمَّى الْخِيَارَ الْحُكْمِيَّ.
وَقَدْ يُقَالُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجِبُ الْخِيَارِ مُصَاحِبًا لِلْعَقْدِ أَوْ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ التَّرَوِّي؛ لِأَنَّهُ بِشَرْطِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ حِينَ الْعَقْدِ، وَالثَّانِي خِيَارُ النَّقِيصَةِ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْمُوجِبَ لِلْخِيَارِ هُوَ الْقَدِيمُ السَّابِقُ عَلَى الْعَقْدِ وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَعْنِي خِيَارَ التَّرَوِّي وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بَيْعُ الْخِيَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعُ الْخِيَارِ بَيْعٌ وُقِفَ بَتُّهُ أَوَّلًا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ فَيَخْرُجُ ذُو الْخِيَارِ الْحُكْمِيِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْعَقْدِ لَا يُسَمَّى فِي جَانِبِ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ لَكِنْ أَجَازَهُ الشَّارِعُ لِيَدْخُلَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ وَلِيَنْفِيَ الْغَبْنَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْلَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَازَ الْخِيَارُ لَا فِي ثَلَاثٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَكِنْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِ التَّوْضِيحِ أَجَازَهُ الشَّارِعُ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ فِيهِ فَجَعَلَهُ رُخْصَةً وَهُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَنَصَّهُ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ الْغَرَرِ الَّذِي فِيهِ كَوْنُ الثَّمَنِ يَخْتَلِفُ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ بِحَسَبِ الْبَتِّ وَالْخِيَارِ وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَلَيْسَ فِيهِ عَقْدٌ عَلَى ثَمَنٍ لَا يُدْرَى أَيَكْثُرُ أَمْ يَقِلُّ وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِأَدَاةِ الْحَصْرِ عَلَى أَنَّ خِيَارَ التَّرَوِّي إنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْطِ أَيْ بِأَنْ يَشْتَرِطَهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا لَا بِالْمَجْلِسِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِيَارُ تَرَوٍّ وَنَقِيصَةٌ فَالْخِيَارُ بِالشَّرْطِ لَا بِالْمَجْلِسِ لِلْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ بِالْمَجْلِسِ لِحَدِيثِ الْمُوَطَّإِ وَمَعْنَى خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ مُدَّةَ جُلُوسِهِمَا مَعًا حَتَّى يَفْتَرِقَا وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعُ الْخِيَارِ وَمِثْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَنَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْحَدِيثَ لِلْمُوَطَّإِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ
الْحَدِيثُ بَلْ عَلِمَهُ وَرَوَاهُ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ لِمَا هُوَ أَرْجَحُ عِنْدَهُ فَقَدْ قَالَ عَقِبَهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يُرِيدُ أَنَّ فِرْقَتَهُمَا لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ قَالَ.
وَهَذِهِ جَهَالَةٌ يَقِفُ الْبَيْعُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ كَبَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَكَالْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ فَيَكُونُ بَيْعًا فَاسِدًا وَلِهَذَا عَدَلَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ السَّلَفِ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ وَالْمَازِرِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ مِنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى وَلِهَذَا قَالَ فِي الشَّامِلِ كَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَقِيلَ إلَّا ابْنَ الْمُسَيِّبِ وَأَيْضًا قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ فَلَوْ كَانَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَشْرُوعًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِقَالَةِ وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ الْأَجْوِبَةِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَتَى بِأَكْثَرِهَا الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ.
(تَنْبِيهٌ) وَافَقَ ابْنَ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّائِغُ وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي حَلَفَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَنْ لَا يُفْتِيَ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّانِيَةُ التَّدْمِيَةُ الْبَيْضَاءُ، وَالثَّالِثَةُ جِنْسِيَّةُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ
[فَرْعٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالشَّرْطِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِالْعَقْدِ وَلَا بِالشَّرْطِ اهـ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّافِعِيُّ وَلَا بِالشَّرْطِ إذَا شَرْطَاهُ أَوْ أَحَدَهُمَا بَلْ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ إذَا شَرَطَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيهٌ فِي مُدَّة خِيَارِ التَّرَوِّي]
(تَنْبِيهٌ) وَالنَّظَرُ فِي خِيَارِ التَّرَوِّي فِي مُدَّتِهِ وَفِيهِ الطَّوَارِئُ فَالْمُدَّةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمَبِيعَاتِ فَإِنَّ الْقَصْدَ مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ النَّظَرُ الْأَوَّلُ فِي مُدَّتِهِ وَهِيَ مَحْدُودَةٌ لِلْأَوَّلِ بِزَمَنِ الْعَقْدِ وَلَيْسَتْ مَحْدُودَةً لِلْآخَرِ بِزَمَنٍ وَاحِدٍ وَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِهِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّلْعَةِ اهـ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَحْدَهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَضْرِبُ مِنْ الْأَجَلِ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ تَقْلِيلًا لِلْغَرَرِ الْمَذْكُورِ اهـ
ص (كَشَهْرٍ فِي دَارٍ)
ش: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ وَالشَّهْرَيْنِ وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ تَفْسِيرًا، وَالْأَرْضُونَ كَذَلِكَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْتَرِقَ حُكْمُ الدَّارِ مِنْ الْأَرْضِينَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى اخْتِبَارِ الدُّورِ أَكْثَرُ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ كَشَهْرٍ فِي دَارٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ وَشَهْرَيْنِ وَحُمِلَ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ وَثَلَاثَةٌ وَالْأَرْضُ وَالرَّبْعُ كَذَلِكَ وَعَنْ مَالِكٍ فِي الضَّيْعَةِ سَنَةٌ اهـ.
ص (وَلَا يَسْكُنُ)
ش: أَيْ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهَا بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ وَلَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِنَفْسِهِ وَيَبِيتَ بِهَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونُسِيُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ بِالدَّارِ لَيْلًا لِخِبْرَةِ جِيرَانِهَا دُونَ سُكْنَى وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَمَّا الدَّارُ فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ عَنْهُ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ أَوْ بِكِرَاءٍ وَلَمْ يُخْلِهِ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِ بِالْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ سُكْنَاهُ بِكِرَاءٍ فَأَخْلَاهَا أَوْ أَكْرَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِغَيْرِ كِرَاءٍ اهـ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا بِالْكِرَاءِ وَكَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ، فَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا سَكَنَهَا كَانَ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ لِلْبَائِعِ وَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِمْضَاءَ أَوْ الرَّدَّ قَالَ وَلَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْكُنَهَا بِأَهْلِهِ مُدَّةَ الْخِيَارِ عَلَى أَنْ لَا يُؤَدِّيَ كِرَاءَهَا لَكَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ اهـ.
ص (وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ وَاسْتَخْدَمَهُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ وَلَا يَغِيبُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْجَارِيَةِ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ لِلْمُبْتَاعِ لَغْوٌ وَأَجْرُ مَنْفَعَتِهِ وَخَرَاجُهُ غَلَّةٌ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَحِيلَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْمُتَبَايِعِينَ فِي زَمَنِهِ وَلِلْمُشْتَرِي اسْتِخْدَامُهَا دُونَ غَيْبَةٍ عَلَيْهَا.
ص (وَكَثَلَاثَةٍ فِي دَابَّةٍ) ش وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ
ص (وَكَيَوْمٍ لِرُكُوبِهَا)
ش: هَذَا إذَا أَرَادَ رُكُوبَهَا فِي الْمَدِينَةِ وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ عَلَيْهَا فَالْبَرِيدُ وَالْبَرِيدَانِ كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.
[فَرْعٌ هَلْ لِلْمُشْتَرِي رُكُوب الدَّابَّةَ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْخِيَارِ لِيَخْتَبِرَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ:
وَاخْتُلِفَ هَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْخِيَارِ لِيَخْتَبِرَ سَيْرَهَا وَحَمْلَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عِمْرَانَ، أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَشْتَرِطَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ وَقَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ هُوَ الصَّحِيحُ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا الْخِلَافَ هَلْ هُوَ فِي رُكُوبِهَا فِي الْبَلَدِ، أَوْ فِيهِ وَفِي السَّفَرِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ: هُوَ خِلَافُ قَوْلِ عِيَاضٍ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا يَرْكَبُ إلَّا بِشَرْطٍ كَقَوْلِهَا: إنْ شَرَطَ وَقَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ يَرْكَبَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ إنْ كَانَ الرُّكُوبُ عُرْفًا فِي اخْتِبَارِهَا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهَاتٌ فِي الْخِيَارِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) أَتَى بِالْكَافِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِيُدْخِلَ مَا قَارَبَهَا فَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ: الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ وَالْجُمُعَةُ وَنَحْوُهَا وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ اللَّخْمِيّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ مَكْرُوهَةٌ، وَلَا يُفْسَخُ بِهَا الْبَيْعُ.
(الثَّانِي:) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الِاخْتِيَارِ لِاخْتِيَارِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِلتَّرَوِّي فِي ثَمَنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الِاخْتِيَارِ لِاخْتِيَارِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِلتَّرَوِّي فِي ثَمَنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الثَّوْبُ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ، وَكَانَ الْأَجَلُ عَلَى قَدْرِ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ الْأَمَدُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ دِينَارًا كَالْعِشْرِينَ، وَلَا الْعِشْرُونَ كَالْمِائَةِ، وَلَا الْمِائَةُ كَالْأَلْفِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ التُّونُسِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ الْأَجَلُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَنَصَّهُ.
التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ يَخْتَلِفُ أَمَدُهُ بِحَسَبِ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ لِخِبْرَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّرَوِّي فِي ثَمَنِهِ فَقَالَ التُّونُسِيُّ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَلَوْ شَرَطَ فِي الدَّارِ شَهْرًا لِلتَّرَوِّي لَمْ يَجُزْ إلَّا ثَلَاثَةٌ اللَّخْمِيُّ: التَّرَوِّي بِحَسَبِ قَدْرِ الثَّمَنِ لَيْسَ الدِّينَارُ كَالْعَشَرَةِ، وَلَا هُمَا كَالْمِائَةِ، وَلَا هِيَ كَالْأَلْفِ اهـ.
(قُلْت) مَا نَقَلَهُ عَنْ التُّونُسِيِّ لَمْ أَرَهُ فِي تَعْلِيقِهِ بَلْ كَلَامُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِيَارَ: إنْ كَانَ لِاخْتِبَارِ الْمَبِيعِ دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَا نَصُّهُ: شَرَطَ الْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَفِي الْجَارِيَةِ جُمُعَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الِاخْتِبَارَ إذْ الْمَشُورَةُ تَكُونُ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ لَيْسَ كَثْرَةَ السُّؤَالِ وَالْبَحْثَ عَنْ شِرَاءِ دَارٍ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ بَقَاءَهَا لَهُ وَسُكْنَاهَا وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شِرَاءُ مِثْلِهَا وَبَيْعُهَا إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ مِثْلُ شِرَاءِ سِلْعَةٍ يَقْدِرُ عَلَى الِانْفِصَالِ مِنْهَا وَبَيْعِهَا وَشِرَاءِ مِثْلِهَا فِي ثَوْبٍ، وَكَذَلِكَ الْخَادِمُ لَا يُشْبِهُ السِّلْعَةَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ لَوَجَبَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ضَرْبِ شَهْرٍ فِي الدَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: بِمَاذَا ضَرَبْتَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ: لِيَخْتَبِرَ جِيرَانَهَا أَجَزْنَاهُ، وَإِنْ قَالَ: لِأَسْتَشِيرَ وَأَنْظُرَ قُلْنَا لَهُ لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَا يُضْرَبُ لَكَ فِي الِاسْتِشَارَةِ إلَّا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَهُمْ قَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ لَكَ الْخِيَارَ فِي الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ شَهْرَيْنِ إمْكَانَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا اهـ. فَانْظُرْ كَلَامَهُ هَذَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ اللُّبَابِ أَنَّهُ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ عِيَاضٍ، وَمِمَّنْ سَوَّى بَيْنَ الِاخْتِبَارِ وَالْمَشُورَةِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمَشُورَةِ لَا لِلِاخْتِبَارِ هَلْ يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّهُ يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الِاخْتِبَارِ وَذَهَبَ عِيَاضٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُفْصَلُ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ فِي الْكُلِّ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ:) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مُدَّةَ الْخِيَارِ فِي الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يُشَاوِرُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُمْ وَيَحْتَاجُونَ فِيهِ إلَى رَأْيِهِمْ فَلَهُمْ مِنْ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ تَغْيِيرٌ، وَلَا فَسَادٌ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ.
(الرَّابِعُ:) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَحْدِيدِ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَمَا بَعْدَهَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: وَمُدَّتُهُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: هِيَ مَا فِي الدَّارِ شَهْرٌ يُرِيدُ فِي سَائِرِ الرِّبَاعِ، وَفِي الرَّقِيقِ الْخَمْسَةُ الْأَيَّامُ
وَالْجُمُعَةُ وَشِبْهُ ذَلِكَ وَالدَّابَّةُ تُرْكَبُ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ، وَلَا بَأْسَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلِاخْتِبَارِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَشُورَةِ، فَيَكُونُ الْأَمَدُ مِقْدَارَ مَا يُشَاوِرُ فِيهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي التَّنْبِيهَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ، وَنَصُّهُ: وَلَيْسَ لِأَمَدِهِ عِنْدَنَا حَدٌّ وَقَدْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَّا بِحُكْمِ السِّلْعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ الْخِيَارَ مِنْ تَقَصٍّ يَجِبُ عَلَيْهَا وَسُؤَالٍ وَاسْتِشَارَةٍ وَاخْتِبَارٍ وَلِكُلِّ سِلْعَةٍ فِي الِاخْتِبَارِ حَالَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا عَلَيْهِ جَرَى تَقْدِيرُ أَئِمَّتِنَا وَمَشَايِخِنَا فِي أَمَدِ الْخِيَارِ لِعَدَمِ الْمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ فَيَسْتَوِي أَمَدُ الْخِيَارِ فِي ذَلِكَ بِقُرْبِ ذَلِكَ، وَتَسَاوِي السِّلَعِ فِيهِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ فِي اللُّبَابِ: وَمُدَّتُهُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا حَدٌّ وَاحِدٌ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَيْسَ مَحْدُودًا بِزَمَنٍ مُؤَقَّتٍ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَبِيعِ فَيَطُولُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى الطُّولِ وَيَقْصُرُ إذَا أَغْنَى فِي ذَلِكَ الْقِصَرُ
(الْخَامِسُ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَوْ بَاعَ عَرَضًا بِعَرَضٍ اُعْتُبِرَ أَمَدُ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ إنْ نَقَدَ تَأْوِيلَانِ) ش: سَوَّى بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَكْثَرُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ تَقْيِيدُ الْمُدَوَّنَةِ بِالنَّقْدِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَنَصُّ التَّوْضِيحِ: أَكْثَرُ الشُّيُوخِ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُدَوَّنَةِ بِشَرْطِ انْتِقَادِ الثَّمَنِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَكُونُ حِينَئِذٍ أَخَذَ عَنْ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ سِلْعَةٌ بِخِيَارٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي لِلَّخْمِيِّ فَهِمَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى إطْلَاقِهَا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَقَعُ فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَقَيَّدَ إنْ نَقَدَ بِالدَّالِ، وَفِي بَعْضِهَا وَقِيلَ بِاللَّامِ قَالَ وَالنُّسْخَةُ الْأُولَى أَحْسَنُ لِأَنَّهَا عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ اهـ. فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ تَرْجِيحُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَهَلْ إنْ نَقَدَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ اهـ.
ص (وَضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشْتَرِي) ش: أَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ فَالضَّمَانُ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فَقَوْلَانِ: مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَرَوَى الْمَخْزُومِيُّ أَنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُغِيرَةِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ جَعَلَ الْبَائِعُ الْخِيَارَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّاحِقَاتِ لِلْعُقُودِ هَلْ تُقَدَّرُ وَاقِعَةً فِيهَا، أَوْ لَا.
ص (وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ)
ش: وَكَذَا بِشَرْطِ خِيَارِهِ وَرِضَاهُ مِنْ بَابِ أَحْرَى قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا كَانَ مَنْ شُرِطَ رِضَاهُ، أَوْ خِيَارُهُ، أَوْ مَشُورَتُهُ غَائِبًا بَعِيدَ الْغَيْبَةِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَسَدَ، وَلَوْ تَرَكَ الْمَشُورَةَ لِيُجِيزَ الْبَيْعَ لَمْ يَصِحَّ اهـ.
(تَنْبِيهٌ:) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءً وُقُوفُ بَتِّ الْبَيْعِ عَلَى مَشُورَةِ الْغَيْرِ إذَا لَمْ يَبْعُدْ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ.
[فَرْعٌ سَاوَمَ رَجُلًا سِلْعَةً فَمَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى تَقِفَ عَلَى ثَمَنٍ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ ضَمَانِ الْبِيَاعَات، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَاوَمَ رَجُلًا سِلْعَةً فَمَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى تَقِفَ عَلَى ثَمَنٍ، فَلَمْ يَرُدُّهُ الْبَائِعُ عَلَى هَذَا، وَلَا قَالَ لَهُ: إنْ رَضِيتَ فَخُذْ، وَإِنَّمَا هِيَ بِكَذَا فَيَقُولُ السَّائِمُ أَذْهَبُ بِهَا وَأُشَاوِرُ، فَيَقُولُ: افْعَلْ فَيَذْهَبُ بِهَا الْمُشَاوِرُ، ثُمَّ يَرْضَى وَيَأْتِي بِالثَّمَنِ فَيَبْدُو لِلْبَائِعِ، أَوْ يَقُولُ بِعْتُهَا مِمَّنْ زَادَ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَوْمٌ فَالْبَيْعُ تَامٌّ إنْ رَضِيَهُ الْمُبْتَاعُ، وَلَيْسَ مَنْ سَامَ بِشَيْءٍ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ قَدْ أَخَذْتُهَا فَيَبْدُو لِلْبَائِعِ كَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَةٍ وَدَفَعَهَا إلَى الْمُبْتَاعِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ الْمُبْتَاعُ، وَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ قَبْلَ أَنْ يَرْضَى بِهِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ السِّلْعَةَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا عَقْدُ الْبَيْعِ فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَوْ شَرَطَ بَعِيدَ أَمَدٍ فَالنَّصُّ فَسْخُ الْبَيْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ خَرَّجَ إمْضَاءَهُ مِنْ الْقَوْلِ بِإِمْضَاءِ بُيُوعِ الْآجَالِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِمَا اُتُّهِمَا عَلَيْهِ قَالَ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ فَسَادَ بَيْعِ الْخِيَارِ مُعَلَّلٌ بِالْغَرَرِ.
(فَرْعٌ) وَعَلَى الْفَسْخِ
فَلَوْ أَسْقَطَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَلَوْ زَادَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ عَلَى مَا هُوَ أَمَدُ خِيَارِهَا فِي الْعَادَةِ فَسَدَ الْعَقْدُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِإِسْقَاطِ مُشْتَرِطِهِ لَهُ بِخِلَافِ مُشْتَرِطِ السَّلَفِ إذَا أَسْقَطَهُ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ طُولَ هَذَا الْأَمَدِ فَإِذَا اخْتَارَ الْإِمْضَاءَ، فَقَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ خَرَّجَ قَوْلًا بِالْإِمْضَاءِ إذَا أَسْقَطَ الشَّرْطَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْقَاضِي وَالْمَازِرِيِّ وَرَدَّ تَخْرِيجَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا إذَا أَسْقَطَ بَتَّ الْبَيْعِ، وَلَوْ أَسْقَطَ الزَّائِدَ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَأْخَذِهِ.
(تَنْبِيهٌ:) أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْفَسَادَ بِالْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ، وَقَيَّدَهُ فِي الشَّامِلِ بِأَنْ تَكُونَ زَادَتْ كَثِيرًا قَالَ: وَإِلَّا كُرِهَ ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: وَبِمُدَّةٍ جُهِلَتْ كَقُدُومِ زَيْدٍ، أَوْ زَادَتْ كَثِيرًا وَإِلَّا كُرِهَ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَأَصْلُهُ لِلَّخْمِيِّ قَالَ: الْأَجَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ وَمَمْنُوعٌ، فَإِنْ كَانَ مُدَّةً تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا جَازَ، وَإِنْ زَادَ يَسِيرًا كُرِهَ، وَلَمْ يُفْسَخْ، وَإِنْ بَعُدَ الْأَجَلُ كَانَ مَفْسُوخًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْخِيَارِ فِي الرَّقِيقِ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ وَقَعَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لَمْ أَفْسَخْهُ، وَأَفْسَخُهُ فِي الشَّهْرِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَرْبَعَةُ الْأَيَّامِ وَالْخَمْسَةُ لَا أَفْسَخُهُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَأَفْسَخُهُ فِي الشَّهْرِ اهـ.
(فَرْعٌ:) ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ بِالْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ إذَا كَثُرَتْ، فَهَلْ ضَمَانُ الْبَيْعِ مِنْ الْبَائِعِ كَمَا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ الصَّحِيحِ، أَوْ حُكْمُ الضَّمَانِ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ لَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا قَالَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ بَيْعِ الْخِيَارِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: إنَّ مُصِيبَتَهَا مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِيَارٌ، وَالضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ صَحِيحًا، فَكَيْفَ إذَا كَانَ فَاسِدًا؟ .
وَالثَّانِيَةُ لِلتُّونُسِيِّ وَعَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِهِ: وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ طَوِيلًا جِدًّا لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي أَمَدِ الْبَيْعِ مِمَّنْ ضَمَانُهَا، فَقِيلَ: مِنْ الْبَائِعِ مَا دَامَ الْخِيَارُ قَائِمًا وَقُيِّدَ لِذَلِكَ حُكْمُ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ بِغَيْرِ هَذَا، وَيَكُونُ الضَّمَانُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَيْنِ وَصَوَّبَ التُّونُسِيُّ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَكْفِي فِي تَرْجِيحِهِ اقْتِصَارُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَرْعِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ شُرِطَ فِي عَقْدٍ ثَلَاثُ سِنِينَ وَبَنَى الْمُبْتَاعُ وَغَرَسَ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ سَحْنُونٌ: لَوْ شُرِطَ فِي عَقْدٍ ثَلَاثُ سِنِينَ وَبَنَى الْمُبْتَاعُ، وَغَرَسَ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لَمْ تَفُتْ بِذَلِكَ وَرُدَّ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا، وَإِنْ بَنَى بَعْدَ أَجَلِ الْخِيَارِ الْمُشْتَرَطِ فَذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ عَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَةَ الْمَبِيعِ يَوْمَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْخِيَارِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا، وَالْمَسْأَلَةُ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ بَيْعِ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا خِلَافًا، وَذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَشَرَطَ خِيَارَ سَنَةٍ، أَوْ سَنَتَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ وَضَمَانُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِ قَبْضِهَا اهـ. فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ فَوْتًا، وَلَوْ كَانَ فِي أَمَدِ الْخِيَارِ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ سَنَتَيْنِ فَبَنَى وَغَرَسَ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَلَيْسَ فَوْتًا، وَيَكُونُ فِيهِ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا، وَإِنْ بَنَى بَعْدَ أَجَلِ الْخِيَارِ فَهُوَ فَوْتٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الدَّارِ يَوْمَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْخِيَارِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقَالَ أَيْضًا: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ اهـ. وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ فِي الشَّامِلِ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخِيَارَ فِي الصِّيغَةِ يَجُوزُ إلَى سَنَةٍ، أَوْ فَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيُوهِمُ أَيْضًا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي بِضَمَانِ الْقِيمَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا بَنَى وَغَرَسَ بَعْدَ أَمَدِ الْخِيَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَيْضًا
فَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ مِنْهُ مَا نَصُّهُ: فَإِنْ بَنَى، أَوْ غَرَسَ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ لَمْ يَفُتْ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا إلَّا أَنْ يَبْعُدَ أَمَدُ الْخِيَارِ فَلَهُ قِيمَةُ الْمَبِيعِ يَوْمَ مُضِيِّهِ، وَقِيلَ يَوْمَ الْقَبْضِ فَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ مِنْ الْبُعْدِ ضِدُّ الْقُرْبِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى، وَصَوَابُهُ إلَّا أَنْ يَبْعُدَ أَيْ يَتَجَاوَزَ أَمَدَ الْخِيَارِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (أَوْ مَجْهُولَةٍ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ كَقَوْلِهِمَا إلَى قُدُومِ زَيْدٍ، وَلَا أَمَارَةَ عِنْدَهُمَا إلَى قُدُومِهِ، أَوْ إلَى أَنْ يُولَدَ لِفُلَانٍ، وَلَا حَمْلَ عِنْدَهُ، أَوْ إلَى أَنْ يُنْفِقَ سُوقٌ السِّلْعَةَ، وَلَا أَوَانَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عُرْفًا أَنَّهَا تُنْفَقُ فِيهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَجَلَ إذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالْعُرْفِ لَهُ كَقُدُومِ الْحَاجِّ وَنَحْوِهِ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ زَائِدًا عَلَى الْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ إذَا شَرَطَ خِيَارًا بَعِيدَ الْغَيْبَةِ، أَوْ أَجَلًا مَجْهُولًا فَسَدَ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ اهـ.
(فَرْعٌ:) الظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الضَّمَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.
ص (أَوْ غَيْبَةٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) ش هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْخِيَارِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهُ: لَمَّا ذَكَرَ الْخِيَارَ فِي الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ فَقَالَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغِيبَ الْمُبْتَاعُ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ مِنْ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ فَيَصِيرُ تَارَةً سَلَفًا وَتَارَةً بَيْعًا، ثُمَّ قَالَ: وَذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ اهـ. وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ: لَا يُغَابُ، وَمُرَادُهُ الْغَيْبَةُ بِالشَّرْطِ، وَإِلَّا، فَلَوْ تَطَوَّعَ الْبَائِعُ بِإِعْطَاءِ السِّلْعَةِ لِلْمُشْتَرِي جَازَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُرْشِدُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا مَعَ الِاشْتِرَاطِ كَمَا فِي الثَّمَنِ اهـ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ غَيْبَةٍ أَنَّ غَيْبَةَ الْبَائِعِ أَيْضًا مُمْتَنِعَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ غَيْبَةِ الْبَائِعِ أَيْضًا عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ قَالَ: وَلْيُجِزْ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ حَاصِلٌ، وَيُقَدَّرُ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْتَزَمَهُ وَأَسْلَفَهُ، فَيَكُونُ بَيْعًا إنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَسَلَفًا إنْ رَدَّهُ، وَأَجَابَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَبْقَى بِيَدِ بَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ شَيْئِهِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ فَسَادِ الْبَيْعِ بِاشْتِرَاطِ الْغَيْبَةِ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ، وَنَصَّهُ نَاقِلًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَسَحْنُونٍ: وَلَا يَغِيبُ مُبْتَاعٌ عَلَى مِثْلِيٍّ.
اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنْ يُطَبَّعَ، فَإِنْ غَابَ دُونَهُ لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ، وَيَجُوزُ طَوْعًا اهـ. وَنَصُّ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَاللَّحْمِ جَائِزٌ إلَى مُدَّةٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا، وَلَا يَغِيبُ عَلَيْهَا الْبَائِعُ، وَلَا الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يُطَبَّعَ عَلَيْهَا، أَوْ يَكُونَ الثَّمَرُ فِي شَجَرَةٍ، فَإِنْ غَابَ عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُطَبَّعْ عَلَيْهَا لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ، وَلَا يُتَّهَمُ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْصِدَ بِالْبَيْعِ هَذَا، أَوْ مِثْلَهَا وَلِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَتَسَلَّفَهَا وَيَرُدَّ مِثْلَهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا بِيعَ بِالْخِيَارِ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، أَوْ الْقَمْحِ وَالزَّيْتِ فَلَا يَغِيبُ عَلَيْهِ بَائِعٌ، وَلَا مُشْتَرٍ، فَإِنْ فَعَلَا مَضَى، وَلَمْ يُفْسَخْ.
[الْخِيَارُ يَكُونُ لِثَلَاثٍ]
(الثَّانِي:) يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَنَّ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ الْغَيْبَةُ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَلْ يُقْضَى بِتَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي إذَا طَلَبَ ذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْخِيَارُ يَكُونُ لِثَلَاثٍ: لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ وَلِعِلْمِ غَلَائِهِ مِنْ رُخْصِهِ وَالثَّانِي: لِيُؤَامِرَ نَفْسَهُ فِي الْعَزْمِ عَلَى الشِّرَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَوْضِعِ الثَّمَنِ مِنْ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، وَالثَّالِثُ لِيَخْتَبِرَ الْمَبِيعَ، وَأَيَّ ذَلِكَ قَصَدَ بِالْخِيَارِ جَازَ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِيَتَرَوَّى فِي
الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مَعَ كَوْنِهِ عِنْدَ بَائِعِهِ، وَإِنْ كَانَ لِيُعَاوِدَ نَظَرَهُ فِي الثَّوْبِ، أَوْ الْعَبْدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ لِيَخْتَبِرَ الْمَبِيعَ كَانَ لَهُ قَبْضُهُ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْخِيَارَ لِمَا أَرَادَهُ كَانَ مَحْمَلُهُ عَلَى غَيْرِ الِاخْتِبَارِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْخِيَارِ أَنَّهُ فِي الْعَقْدِ إنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ قَبِلَ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: سَلِّمْهُ إلَيَّ لِنَخْتَبِرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطٍ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مُخْتَصَرًا مُجْحَفًا فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْخِيَارُ لِخُبْرَةِ الْمَبِيعِ وَالتَّرَوِّي فِي ثَمَنِهِ، أَوْ كَسْبِهِ لَهُ قَبْضُهُ لِلْأَوَّلِ أَنْ يُبَيِّنَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
اللَّخْمِيُّ إنْ اتَّفَقَا عَلَى وُقُوعِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ قَصْدًا نَقِيضَ الْآخَرِ فُسِخَ اهـ. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: الْخِيَارُ إنْ كَانَ لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُ السِّلْعَةِ، وَإِنْ كَانَ لِيُعَاوِدَ نَظَرَهُ فِي الثَّوْبِ، أَوْ لِيَخْتَبِرَهُ جَازَ لَهُ قَبْضُهُ اهـ. وَكَذَا قَالَ التُّونُسِيُّ: إنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ دَفْعِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَقَالَ إنَّمَا فَهِمْتُ عَنْهُ الْمَشُورَةَ لَا أَنْ أَدْفَعَ إلَيْهِ عَبْدِي فَذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَلَا يُدْفَعُ لِلْمُشْتَرِي لِيَخْتَبِرَهُ إلَّا بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ تَارَةً يَكُونُ لِلْمَشُورَةِ وَتَارَةً لِلِاخْتِبَارِ، وَلَا يَلْزَمُ الِاخْتِبَارُ إلَّا بِشَرْطٍ اهـ.
ص (أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ إذَا شَرَطَ الْمُشْتَرِي لُبْسَ الثَّوْبِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِذَا فُسِخَ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ لِأَجْلِ اللُّبْسِ.
ابْنُ يُونُسَ بِلَا خِلَافٍ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إذَا فُسِخَتْ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ رَدُّ الْغَلَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ إذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ هَلْ ضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ مِنْ الْمُبْتَاعِ ابْنُ يُونُسَ فَعَلَى أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْمُبْتَاعِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي اللُّبْسِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ؛ فَإِنَّ حِكَايَتَهُ الْخِلَافَ ثَانِيًا يُخَالِفُ مَا حَكَاهُ أَوَّلًا مِنْ الِاتِّفَاقِ، وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ لُبْسُ الثَّوْبِ يَعْنِي اللُّبْسَ الْكَثِيرَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ يَقِيسَهُ عَلَيْهِ وَاخْتَصَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَمَّا الثَّوْبُ فَإِنَّمَا يُشَاوِرُ فِيهِ وَيَقِيسُهُ.
[كِرَاءُ اللُّبْسِ]
(الثَّانِي:) قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِذَا فَسَخَ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ لِأَجْلِ اللُّبْسِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كِرَاءُ اللُّبْسِ سَوَاءٌ نَقَصَهُ، أَوْ لَمْ يُنْقِصْهُ، وَاَلَّذِي فِي ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَةُ اللُّبْسِ إذَا نَقَصَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ.
(الثَّالِثُ:) مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ التَّرَافُعِ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ لَيْسَ فِيهِ فِيمَا رَأَيْتُ، وَنَصُّهُ: وَإِذَا فَسَدَ الْبَيْعُ فِي اشْتِرَاطِ لُبْسِ الثَّوْبِ، وَنَقَصَ كَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ قِيمَةُ لُبْسِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ إذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهَلَكَتْ السِّلْعَةُ، مِمَّنْ ضَمَانُهَا؟ فَقِيلَ مِنْ الْبَائِعِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي قِيمَةِ اللُّبْسِ مِثْلَ مَا قَدَّمْنَا، وَقِيلَ: مِنْ الْمُبْتَاعِ يَوْمَ قَبَضَهَا كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي اللُّبْسِ كَسَائِرِ الْغَلَّاتِ ابْنُ يُونُسَ، وَلَمْ أَرَ إذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ خِلَافًا أَنَّ الْمُصِيبَةَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ إذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ فَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُهُ: إنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ وَقَعَ فَاسِدًا، وَهَذَا بِخِلَافِ إذَا صَحَّ الْخِيَارُ، وَفَسَدَ الْبَيْعُ لِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ فِيهِ أَنَّ الضَّمَانَ هَاهُنَا مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ هَاهُنَا صَحِيحٌ.
ابْنُ يُونُسَ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ قِيمَةُ لُبْسِ الثَّوْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِلَا خِلَافٍ فَانْظُرْهُ اهـ. فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَدَافُعٌ؛ لِأَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فِي ضَمَانِ الْمَبِيعِ إذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ، وَأَنَّ الْبَعْضَ الْمَذْكُورَ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي أُجْرَةِ لُبْسِ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَلَا، وَأَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَتَأَمَّلْهُ وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ إذَا فَسَدَ، فَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ مِنْ جِهَةِ الْخِيَارِ لِاشْتِرَاطِ الْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ فَاخْتُلِفَ فِي الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْخِيَارِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِذَا
عُلِمَ ذَلِكَ عُلِمَ حُكْمُ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا فَاسِدَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ فِي الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُدَّةَ الْمَجْهُولَةَ كَالْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ جِهَةِ الْخِيَارِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغَيْبَةِ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ وَمَسْأَلَةُ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ فَالضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ حَتَّى تَمْضِيَ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ ظَهَرَ وَجْهُ لُزُومِ الْأُجْرَةِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ وَالْغَلَّةَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْعَ خِيَارٍ، وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ هُوَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي التَّهْذِيبِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اشْتِرَاطُ الِانْتِفَاعِ بِالدَّارِ وَالْعَبْدِ]
(الرَّابِعُ) : لَا خُصُوصِيَّةَ لِلثَّوْبِ بِمَا ذُكِرَ بَلْ حُكْمُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الدَّارِ وَالْعَبْدِ: وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَفِيهِ لَهُ انْتِفَاعٌ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الدَّارِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْكُنُهَا وَيَصْرِفُ عَنْ نَفْسِهِ مَئُونَةَ كِرَاءِ دَارٍ كَانَ يَسْكُنُهَا، وَإِنَّمَا يَمْضِي وَحْدَهُ فَيُقِيمُ فِيهَا لَيْلًا يَخْتَبِرُ أَمْرَ الْجِيرَانِ مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعٍ بِذَلِكَ، وَلَا نَقْلِ فَرْشٍ إلَيْهَا وَكُلُّ أَمَدٍ مِنْ هَذَا يَكُونُ لَهُ ثَمَنٌ، وَلَهُ فِيهَا انْتِفَاعٌ فَلَا يَصِحُّ شَرْطُهُ، وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَمَا لَا قَدْرَ لَهُ فَجَائِزٌ أَنْ يُشْتَرَطَ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ لَمْ يُلْزَمْ الْبَائِعُ بِدَفْعِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُبْتَاعِ لِيَخْتَبِرَهُ إلَّا بِشَرْطٍ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ سُكْنَى الدَّارِ مِنْ غَيْرِ كِرَاءٍ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا الدَّارُ فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ عَنْ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، أَوْ بِكِرَاءٍ، وَلَمْ يُخْلِهِ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِ بِالْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَ سُكْنَاهُ فِي كِرَاءٍ فَأَخْلَاهَا، أَوْ أَكْرَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بِغَيْرِ كِرَاءٍ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ إنْ سَكَنَ أَدَّى الْأُجْرَةَ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إنْ كَانَ اخْتَارَهَا فِيمَا لَا تُسْتَأْجَرُ لَهُ جَازَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يُسْتَأْجَرُ لَهُ، وَلَمْ تُخْتَبَرْ مُدَّةً لَمْ يَجُزْ إلَّا بِعِوَضٍ.
وَالْعَبْدُ عَلَى ثَلَاثَةِ، أَوْجُهٍ: عَبْدُ خِدْمَةٍ وَعَبْدُ صِنَاعَةٍ وَعَبْدُ خَرَاجٍ فَعَبْدُ الْخِدْمَةِ لَا تَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ وَيَقْدِرُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَعْرِفَتِهَا، وَهُوَ عِنْدَ سَيِّدِهِ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِلَّا عَمِلَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَتَكُونُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِذَلِكَ إلَّا نَحْوًا مِنْ اخْتِبَارِهِ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا تَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَبِيدِ الْخَرَاجِ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مَعْرِفَةَ كَسْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبْعَثَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَيَكُونَ مَا يَكْسِبُهُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا ثَبَتَ الْعِوَضُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سُكْنَى، أَوْ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، فَإِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَمَدِ كَانَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ، وَإِنْ قَبِلَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ ذَلِكَ الْأَمَدِ كَانَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ، وَسَقَطَ مَا سِوَاهُ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَدٍّ فِي كَالْغَدِ)
ش: هُوَ كَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ، أَوْ كَالْغَدِ وَقُرْبِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي بِالْقَرِيبِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْبَعِيدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اهـ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ شَرَطَ إنْ لَمْ يَأْتِ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ لَزِمَ الْبَيْعُ لَمْ يَجُزْ.
أَرَأَيْتَ إنْ مَرِضَ الْمُبْتَاعُ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ كَانَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ؟ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَإِنْ فَاتَ الْأَجَلُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْبَيْعُ.
ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْقَابِسِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً وَشَرَطَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ قَالَ فِيهَا فِي آخِرِ تَأْوِيلِهِ: إنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ وَرَآهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَاَلَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَارٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ كَمَا جَرَى فِي هَذِهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ النَّاسِ بِأَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَتِمَّ فَوَجَبَ فَسْخُهُ، وَفِي تِلْكَ تَمَّ فَوَجَبَ إسْقَاطُ الشَّرْطِ.
ابْنُ يُونُسَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ
سَوَاءٌ، وَيَدْخُلُهَا الِاخْتِلَافُ اهـ. (قُلْت) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَسُقُوطُ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَمْ يَجُزْ أَيْ ابْتِدَاءً فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِشَرْطِ نَقْدٍ)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ، وَيَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ يَفْسُدُ إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِيهِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَنْقُدَهُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَبِشَرْطِ نَقْدِ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالنَّقْدِ جَائِزٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْخِيَارِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالنَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ أَجْلِ الْخِيَارِ أَقْرَبُ، وَلَا يَحِلُّ بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْعُ الْخِيَارِ بِغَيْرِ شَرْطِ النَّقْدِ فَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهِ اهـ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ النَّظَائِرَ، وَإِنَّمَا جَازَ النَّقْدُ مَعَ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هُنَا كَمَا لَوْ تَطَوَّعَ الْمُشْتَرِي بِأَنْ سَلَّفَ الْبَائِعَ بَعْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) إذَا تَوَاطَآ عَلَى النَّقْدِ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطَاهُ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ وَاضِحٌ بَلْ لَوْ فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالشَّرْطِ فَتَأَمَّلْهُ (الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَوْ أَسْقَطَ النَّقْدَ لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ مُسْقِطِ السَّلَفِ، وَقِيلَ مِثْلُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْفَسَادَ فِي اشْتِرَاطِ النَّقْدِ وَاقِعٌ فِي الْمَاهِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فِي الثَّمَنِ؛ إذْ الْمَقْبُوضُ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ ثَمَنٌ أَمْ لَا، وَمَسْأَلَةُ شَرْطِ السَّلَفِ الْفَسَادِ مَوْهُومٌ وَخَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي النُّكَتِ قَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ فَقِيلَ لَهُمَا: إنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فَقَالَ الْبَائِعُ: أَنَا أُسْقِطُ تَعْجِيلَ النَّقْدِ وَأُمْضِي الْبَيْعَ بِالْخِيَارِ فَيَنْبَغِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا فَاسِدًا بِخِلَافِ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً وَاشْتَرَطَ أَنْ يُسَلِّفَهُ الْمُشْتَرِيَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أُسْقِطُ السَّلَفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَأُمْضِيَ الْبَيْعَ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ أَسْقَطَ شَرْطَ النَّقْدِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَنْصُوصِ اهـ.
[طَلَبَ الْبَائِعُ وَقْفَ الثَّمَنِ]
(الثَّالِثُ:) لَوْ طَلَبَ الْبَائِعُ وَقْفَ الثَّمَنِ أَيْ إخْرَاجَهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَوَضْعَهُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَآلُ أَمْرِ الْبَيْعِ هَلْ يُتِمُّ فَيَأْخُذُهُ الْبَائِعُ، أَوْ لَا؛ فَيَرْجِعُ إلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا، وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ قَوْلًا بِالِاتِّفَاقِ قِيَاسًا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمُوَاضَعَةِ وَالْغَائِبِ مِنْ لُزُومِ إيقَافِهِ.
وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْمُوَاضَعَةِ وَالْغَائِبِ قَدْ انْبَرَمَ، وَفِي بَيْعِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْبَرِمْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَرْضٌ لَمْ يُؤْمَنْ رِيُّهَا) ش: الرِّيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ تَقُولُ: رَوِيتُ مِنْ الْمَاءِ بِالْكَسْرِ
أَرْوِي رَيًّا وَرِوًى مِثْلُ رِضًا اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ فِي أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ أَكْرَيْت مِنْ رَجُلٍ أَرْضَهُ قَابِلًا، وَفِيهَا زَرْعٌ، أَوْ لِمُكْتَرِي عَامِهِ جَازَ، فَإِنْ كَانَتْ مَأْمُونَةً كَأَرْضِ النِّيلِ جَازَ النَّقْدُ فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بِشَرْطٍ، وَقَالَ الشَّارِحُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِالنَّقْدِ جَائِزٌ، وَنَصَّ الْفَاكِهَانِيّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى خِلَافِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ بِشَرْطٍ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاسْتَبَدَّ بَائِعٌ، أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَشُورَةِ غَيْرِهِ) ش: قَالَ
فِي الشَّامِلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ مَاتَ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ اهـ. وَالْمَشُورَةُ الشُّورَى، وَكَذَلِكَ الشُّورَةُ بِضَمِّ الشِّينِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ
ص (وَرِضَا مُشْتَرٍ كَاتِبٍ) ش: وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَ، أَوْ تَصَدَّقَ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ تَصَدَّقَ مُشْتَرٍ، أَوْ وَهَبَ لِغَيْرِ وَلَدٍ صَغِيرٍ وَقِيلَ مُطْلَقًا، أَوْ بَنَى الْأَرْضَ، أَوْ غَرَسَ، أَوْ أَعْتَقَ، وَلَوْ بَعْضًا، أَوْ لِأَجَلٍ، أَوْ دَبَّرَ فَهُوَ رَاضٍ اهـ. وَلَمْ يُفَصِّلْ فِي الْعِتْقِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَمَنْ اشْتَرَى عَلَى خِيَارٍ فَوَهَبَ، أَوْ تَصَدَّقَ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ دَبَّرَ، أَوْ كَاتَبَ، أَوْ، أَوْلَدَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ بَاشَرَ، أَوْ نَظَرَ إلَى الْفَرْجِ كَانَ ذَلِكَ رِضًا وَقَبُولًا لِلْبَيْعِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِتْقُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ مِنْ بَائِعٍ، أَوْ مُشْتَرٍ مَاضٍ، وَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ رَدٌّ، وَمِنْ الْمُشْتَرِي قَبُولٌ، وَإِنْ أَعْتَقَ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ افْتَرَقَ الْجَوَابُ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْبَائِعُ، وَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي كَانَ عِتْقُهُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي سَقَطَ عِتْقُ الْبَائِعِ، وَإِنْ رَدَّ مَضَى عِتْقُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ رَدَّ الْبَائِعُ سَقَطَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ إنْ مَضَى لَهُ الْبَيْعُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا فِي ضَمَانِهِ وَيُفَارِقُ هَذَا الْمُشْتَرِيَ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْعِتْقَ مَاضٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى الْعِتْقِ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى خِيَارٍ فَجَنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبِلَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَهُ مِنْ يَوْمئِذٍ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَمَةٍ بِالْخِيَارِ ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا قَبْلَ انْقِضَائِهِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَمَةٍ بِالْخِيَارِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا قَبْلَ انْقِضَائِهِ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فَقَطْ، وَلَزِمَ مِنْ عِتْقِهَا رَدُّ الْبَيْعِ اهـ. وَهُوَ فِي التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تُبَاعُ عَلَى خِيَارٍ فَوَطِئَهَا مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ فَوَلَدَتْ وَاخْتَارَهَا الْآخَرُ فَهِيَ لَهُ دُونَ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ عَلَى الْوَاطِئِ بِالْقِيمَةِ، وَالْأَمَةُ رَدٌّ عَلَى الْآخَرِ فَدَرَأَ الْحَدَّ وَأَلْحَقَ النَّسَبَ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ فَلِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَفِي ضَمَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ الْعَقْدَ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يُمْضِ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ كَمَا لَمْ يَمْضِ عِتْقُهَا لَوْ أَعْتَقَهَا مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْفَرْعَيْنِ وَقَبِلَهُمَا، وَنَصُّهُ: وَعِتْقُ الْبَائِعِ، وَالْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ لَغْوٌ إنْ بُتَّ الْبَيْعُ وَمَاضٍ إنْ رُدَّ.
(قُلْت:) لَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا، وَهِيَ حُجَّةٌ لِابْنِ رُشْدٍ عَلَى ابْنِ بَشِيرٍ وَالْمَازِرِيِّ فِي أَنَّهُ عَلَى الْحِلِّ، وَعَكْسُهُ الْعِتْقُ لَغْوٌ اللَّخْمِيُّ لِعَدَمِ مِلْكِ الْمُبْتَاعِ، وَإِذْنِ الْبَائِعِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِخِلَافِ عِتْقِ الْمُبْتَاعِ مَبِيعًا فَاسِدًا، وَخَرَجَ لُزُومُهُ إنْ بُتَّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الْأَرْشُ لِلْمُبْتَاعِ وَالْمَازِرِيِّ مِنْ انْتِقَالِ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ إنْ حَمَلَتْ مِنْ ذِي الْخِيَارِ مِنْهُمَا وَبُتَّ كَانَتْ لِذِي الْخِيَارِ مَعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَلَا حَدَّ اهـ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ بَنَى، أَوْ غَرَسَ مَنْ لَا خِيَارَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فَأَمْضَى الْبَائِعُ لَهُ الْبَيْعَ مَضَى فِعْلُهُ، وَإِنْ رَدَّ كَانَ عَلَى الْبَائِعِ قِيمَةُ ذَلِكَ مَنْقُوضًا، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بِوَجْهِ شُبْهَةٍ.
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي كَانَ لَهُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنْ يَدْفَعَ لِلْبَائِعِ قِيمَةَ ذَلِكَ مَنْقُوضًا؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ فَإِنَّهُ مُتَعَدٍّ عَلَى الْمُشْتَرِي لِمَا عَقَدَ لَهُ مِنْ الْبَيْعِ اهـ. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَنَصُّهُ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ رِضًا مِنْ الْمُشْتَرِي وَرَدٌّ مِنْ الْبَائِعِ، فَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ خِيَارٌ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَأَمْضَى لَهُ الْبَيْعَ مَضَى، أَوْ رَدَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ مَنْقُوضًا؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، قَالَهُ سَحْنُونٌ، أَوْ هُوَ الْبَائِعُ، وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي فَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ يَدْفَعُ لِلْبَائِعِ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلَى الْمُشْتَرِي اهـ.
ص (أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ قَرَصَهَا، أَوْ مَسَّ بَطْنَهَا، أَوْ ثَدْيَهَا، أَوْ خَضَبَ يَدَيْهَا
بِحِنَّاءٍ، أَوْ ضَفَّرَ رَأْسَهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ دُونَ أَمْرِهِ اهـ. وَلِابْنِ غَازِيٍّ هُنَا كَلَامٌ فِي قَوْلِهِ: أَوْ قَصَدَ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَرَاجِعْهُ وَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ الْوَطْءِ بِالتَّلَذُّذِ لِدُخُولِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى كَمَا قَالَ الشَّارِحُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَوَطْءُ ذِي الْخِيَارِ بَائِعًا رَدٌّ وَمُبْتَاعًا بَتٌّ، فَإِنْ كَانَ وَخْشًا عَجَّلَ الثَّمَنَ وَتُوقَفُ الْعَلِيَّةُ لِلِاسْتِبْرَاءِ.
اللَّخْمِيُّ اتِّفَاقًا كَبَيْعِ بَتٍّ وَضَمَانُهَا بِيَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْوَقْفِ اهـ.
ص (وَهُوَ رَدٌّ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا الْإِجَارَةَ)
ش: شَمِلَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَوْ اسْتَثْنَاهُ لَكَانَ حَسَنًا، وَهُوَ إسْلَامُهُ لِلصَّنْعَةِ فَإِنَّ اللَّخْمِيّ اسْتَثْنَاهُ مَعَ الْإِجَارَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ.
ص (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ، أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ)
ش: يُرِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ مَضَى أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَهُوَ فِي يَدِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ اخْتَارَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَرُدَّ فِي كَالْغَدِ
ص (وَلَا يَبِعْ مُشْتَرٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ، أَوْ لِرَبِّهَا نَقْضُهُ؟ قَوْلَانِ) ش فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا يَبِعْ عَلَى أَنْ لَا نَاهِيَةٌ وَيَبِعْ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ، أَوْ بِيَاءٍ عَلَى أَنَّهَا نَافِيَةٌ وَيَبِيعُ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ، عَلَى هَاتَيْنِ النُّسْخَتَيْنِ فَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي رِوَايَةٍ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَخْتَارَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَا يَبِيعُ مُشْتَرٍ عَلَى أَنَّ بَيْعَ مَصْدَرٌ فَجَعَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لَا إنْ جَرَّدَ جَارِيَةً وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ إلَّا الْإِجَارَةَ.
وَعَلَى كِلَا الْمَحْمَلَيْنِ فَالْمَعْنَى أَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي لِلسِّلْعَةِ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: فَإِنْ بَاعَ فَإِنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِالْخِيَارِ، وَرَبُّ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ جَوَّزَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَذَّبَهُ صَاحِبُهُ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ
الرِّوَايَةِ أَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْهَا الْبَائِعُ وَقَيَّدَ الشَّيْخُ سَيِّدِي ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ قَوْلَهُ: وَكَذَّبَهُ صَاحِبُهُ، فَقَالَا: يُرِيدُ لِعِلْمٍ يَدَّعِيهِ قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يُحَقِّقْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى، فَإِنَّهَا لَا تُسْمَعُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ رَأَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ: وَكَذَّبَهُ يُنَاسِبُ أَنَّهَا دَعْوَى مُحَقَّقَةٌ وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَلَا بَيْعُ مُشْتَرٍ قَبْلَ مُضِيِّهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَيْسَ بِاخْتِيَارٍ، وَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ قَبْلَهُ بِيَمِينٍ إنْ كَذَّبَهُ رَبُّهَا لِعِلْمِ مُدَّعِيهِ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ، أَوْ لِرَبِّهَا رَدُّ الْبَيْعِ، أَوْ لَهُ رَدُّ الرِّبْحِ فَقَطْ، أَقْوَالٌ.
(الثَّانِي:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الرِّوَايَةِ مُتَمِّمًا لِهَذَا الْقَوْلِ يَعْنِي الْقَوْلَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْتَارَ فَالرِّبْحُ لِرَبِّهَا؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ وَصَوَّبَ هَذَا الْقَوْلَ اللَّخْمِيُّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ وَجَدَ رِبْحًا لَا يَدْفَعُهُ لِغَيْرِهِ اهـ.
(قُلْت:) وَلِهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَخَّرَهُ (الثَّالِثُ:) قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُشْتَرِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِيهِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَاعَ وَالْخِيَارُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ الْبَائِعَ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ يُشْهِدَ عَلَى اخْتِيَارِهِ.
[فَرْعٌ فَاتَ بَيْعُ الْمُبْتَاعِ وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ فَاتَ بَيْعُ الْمُبْتَاعِ وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنَيْنِ وَالْقِيمَةِ، وَعَكْسُهُ لِلْمُبْتَاعِ الْفَسْخُ، أَوْ الْأَكْثَرُ مِنْ فَضْلِ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ اهـ.
ص (وَلِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ)
ش: أَيْ وَانْتَقَلَ الْخِيَارُ لِلْغُرَمَاءِ إذَا كَانَ دَيْنُهُمْ مُحِيطًا، فَإِنْ اخْتَارُوا الْأَخْذَ فَلَهُمْ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ، وَأَوْفَى التَّرِكَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ زَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ قَيْدًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْمَيِّتِ، وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ اخْتَارُوا التَّرْكَ، وَالْأَخْذُ أَرْجَحُ لَمْ يُجْبَرُوا، وَهَذَا الْفَرْعُ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ حَسَنٍ فَانْظُرْهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصَّهُ الشَّيْخُ الرِّبْحُ لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ أَخْذِهِمْ مَا ابْتَاعَ يَدْفَعُهُ عَنْهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِبَتِّ عَقْدِهِ، فَإِنْ تَرَكُوا وَالْأَخْذُ أَرْجَحُ لَمْ يُجْبَرُوا بِخِلَافِ هِبَةِ ثَوَابٍ كَذَلِكَ اهـ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِمَا لَهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: وَالرِّبْحُ لِلْمَيِّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِوَارِثٍ)
ش: يُرِيدُ إنْ اتَّحَدَ، أَوْ تَعَدَّدَ، وَلَوْ اتَّفَقُوا.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالْوَصِيُّ مَعَ الْكَبِيرِ كَالْوَرَثَةِ.
(فَرْعٌ:) ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَوْصِيَاءُ فَالنَّظَرُ لِلْحَاكِمِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ وَالْفَرْعَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ص (وَهَلْ وَرَثَةُ الْبَيْعِ كَذَلِكَ)
ش:.
(قُلْت) ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَرَثَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِمْ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فَيُنَزَّلُ الرَّادُّ مِنْ وَرَثَةِ الْبَائِعِ مَنْزِلَةَ الْمُجِيزِ مِنْ وَرَثَةِ الْمُشْتَرِي فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّادِّ إلَّا نَصِيبُهُ، ثُمَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ نَصِيبِ الْمُجِيزِ وَرَدِّهِ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّ لِلرَّادِّ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَخِيهِ الْمُجِيزِ.
وَالتَّأْوِيلُ
الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ رَدَّ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُجِيزِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَجَازَ إنَّمَا أَجَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ لَا لِأَخِيهِ.
ص (وَإِنْ جُنَّ نَظَرَ السُّلْطَانُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ جُنَّ فَأُطْبِقَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَالْخِيَارُ لَهُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ فِي الْأَخْذِ، أَوْ الرَّدِّ وَيُوَكِّلُ بِذَلِكَ مَنْ يَرَى مِنْ وَرَثَتِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ وَيُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ.
(فَرْعٌ:) هَلْ الْمَفْقُودُ كَالْمَجْنُونِ، أَوْ الْمُغْمَى؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الشَّامِلِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَانْتُظِرَ الْمُغْمَى)
ش:.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى خِيَارِهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ إغْمَاؤُهُ أَيَّامًا فَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ فَإِنْ رَأَى ضَرَرًا
فَسَخَ الْبَيْعَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
ص (أَوْ يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي الْكِتَابِ: إنْ رَدَّ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ صُدِّقَ الْمُبْتَاعُ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا.
اهـ. ص (وَإِنْ جَنَى بَائِعٌ، وَالْخِيَارُ لَهُ عَمْدًا إلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْأَكْثَرَ)
ش:.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَجِنَايَةُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ خَطَأٌ لَغْوٌ، فَإِنْ رَدَّ غَرِمَ نَقْصَ الْقَلِيلِ فِي غُرْمِهِ لِلْمُفْسِدِ ثَمَنَهُ، أَوْ قِيمَتَهُ ثَالِثُهَا: أَقَلُّهُمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ قَائِلًا وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَقَوْلُ اللَّخْمِيّ لَوْ قِيلَ لَكَانَ وَجْهًا، ثُمَّ قَالَ: وَجِنَايَةُ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لَهُ خَطَأٌ يُوجِبُ تَخْيِيرَ الْمُبْتَاعِ وَعَمْدٌ فِي كَوْنِهَا دَلِيلًا وَرَدَّهُ، الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، ثُمَّ قَالَ التُّونُسِيُّ: وَجِنَايَتُهُ يَعْنِي الْمُشْتَرِيَ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ خَطَأٌ كَأَجْنَبِيٍّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلْبَائِعِ أَخْذُ الْجِنَايَةِ، أَوْ الثَّمَنِ لَا أَعْرِفُهُ وَيُنْظَرُ لِلْمُبْتَاعِ وَعَمْدًا لِلْبَائِعِ إلْزَامُهُ الْبَيْعَ، أَوْ أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَجِنَايَةُ الْبَائِعِ، وَالْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ بِقَتْلٍ خَطَإٍ فَسْخٌ وَعَمْدًا تَلْزَمُهُ فَضْلُ قِيمَتِهِ عَلَى ثَمَنِهِ وَيَنْقُصُ خَطَأً ضَمَانُهُ وَعَمْدًا لِلْمُبْتَاعِ أَخْذُهُ مَعَ الْأَرْشِ اهـ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ فَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا ضَمِنَ وَاحِدًا بِالثَّمَنِ وَلَوْ سَأَلَ فِي إقْبَاضِهِمَا، أَوْ ضَيَاعِ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي)
ش: هَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا خِيَارٌ وَاخْتِيَارٌ: خِيَارٌ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ وَاخْتِيَارٌ لِأَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، فَقَوْلُهُ: وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ يُرِيدُ بِخِيَارٍ، وَقَوْلُهُ: وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ أَيْ، وَقَبَضَهُمَا مَعًا لِيَخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمَا إنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمَا مَعًا.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ ضَاعَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَاحِدًا بِالثَّمَنِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَسَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ، أَوْ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَرُدَّ، وَلَهُ الْقَبُولُ فِي مَقَامِهِ وَتَلَفِهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ لِكَوْنِ الْبَائِعِ سَلَّمَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ عِوَضَهُ الثَّمَنُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ حَلَفَ الْمُشْتَرِي عَلَى الضَّيَاعِ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ اهـ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ضَمِنَ وَاحِدًا بِالثَّمَنِ يُرِيدُ إذَا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى التَّلَفِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى التَّلَفِ، أَوْ لَمْ تَقُمْ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ضَمَانُهُ ضَمَانُ تُهْمَةٍ، أَوْ ضَمَانُ أَصْلٍ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ سَأَلَ فِي إقْبَاضِهِمَا، مُبَالَغَةٌ، وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي يُفَرِّقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَتَطَوَّعَ الْبَائِعُ بِالدَّفْعِ فَيَضْمَنُ وَاحِدًا وَبَيْنَ أَنْ يَسْأَلَ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمَهَا لَهُ فَيَضْمَنُهَا، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ ضَيَاعُ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي فَيَعْنِي بِهِ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هُوَ حُكْمُ مَا إذَا ضَاعَ الثَّوْبَانِ مَعًا، وَأَمَّا إذَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ نِصْفَ ثَمَنِ التَّالِفِ، وَهُوَ فِي الثَّوْبِ الْبَاقِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، أَوْ رَدَّهُ.
قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَأَمَّا إنْ ادَّعَى ضَيَاعَ أَحَدِهِمَا فَلَا يَخْلُو ضَيَاعُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَخْتَارَ الَّذِي ضَاعَ، أَوْ الَّذِي بَقِيَ، أَوْ أَبْهَمَ الْأَمْرَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي ضَاعَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ ثَمَنَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلتَّالِفِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ أَمِينٌ، وَإِنْ أَبْهَمَ فَادَّعَى أَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَحْلِفُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ نِصْفَ ثَمَنِ التَّالِفِ، وَالْمَذْهَبُ فِي أَخْذِهِ الثَّوْبَ الْبَاقِيَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الثَّوْبِ الْبَاقِي، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ كُلَّهُ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبًا وَنِصْفَ ثَوْبٍ وَمَا كَانَ الِاشْتِرَاءُ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ضَمَانُهُ ضَمَانُ تُهْمَةٍ، أَوْ ضَمَانُ أَصْلٍ اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ، وَنَصُّهُ: وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ ثَمَنَ التَّالِفِ، ثُمَّ لَهُ أَخْذُ الثَّوْبِ الْبَاقِي، أَوْ رَدُّهُ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ قَالَ الْمُبْتَاعُ: إنَّمَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَنْ أَخَذْت هَذَا الْبَاقِيَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي التَّالِفِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا ذَهَبَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ قَبْلَ مُضِيِّ الْخِيَارِ.
ابْنُ يُونُسَ وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا أَلَا تَشْهَدُ خِلَافَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ مِمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ لِرَفْعِ ضَمَانِ مَا هَلَكَ عِنْدَهُ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ لَمْ يُخَيَّرْ حَتَّى هَلَكَ وَاحِدٌ فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي، وَغَرِمَ نِصْفَ ثَمَنِ التَّالِفِ، فَإِنْ اخْتَارَ حَبْسَ الْبَاقِي فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفَهُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ نِصْفُ التَّالِفِ، وَهُوَ لَمْ يَبِعْهُ
ثَوْبًا وَنِصْفًا، وَإِنَّمَا بَاعَهُ ثَوْبًا وَاحِدًا اهـ.
(تَنْبِيهٌ:) قَوْلُ الرَّجْرَاجِيِّ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إمَّا أَنْ يَخْتَارَ الَّذِي ضَاعَ، أَوْ الَّذِي بَقِيَ أَيْ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الَّذِي ضَاعَ، أَوْ الَّذِي بَقِيَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: وَإِنْ أَبْهَمَ الْأَمْرَ فَادَّعَى أَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ.
وَقَوْلُهُ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَهُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ مَحْضَرِ الْبَائِعِ، فَإِنْ اخْتَارَهُ بِبَيِّنَةٍ أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ بِقَطْعٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ كَانَ فِي الْبَاقِي أَمِينًا إنْ هَلَكَ فَمِنْ بَائِعِهِ اهـ. فَعَلَى هَذَا إذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ اخْتَارَ رَدَّ الثَّوْبَيْنِ، ثُمَّ ضَاعَا بِبَيِّنَةٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ، وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَفِي ضَيَاعِهِمَا يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الَّذِي اخْتَارَهُ فِي ضَيَاعِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ لَزِمَهُ ثَمَنُهُ وَرَدُّ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الضَّائِعُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ رَدَّهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيُؤَدِّي ثَمَنَ الَّذِي اخْتَارَهُ هَذَا الَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَالرَّجْرَاجِيّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى أَحَدَ عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَضَاعَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الثَّوْبَيْنِ عَبْدَانِ فَالْهَلَاكُ مِنْ الْبَائِعِ وَلِلْمُبْتَاعِ أَخْذُ الْبَاقِي، أَوْ رَدُّهُ قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ كَانَ شِرَاؤُهُ الْعَبْدَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْإِلْزَامِ فَهَلَكَ وَاحِدٌ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَالثَّانِي لِلْمُبْتَاعِ لَازِمٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْبَاقِي حُرٌّ اهـ.
[فَرْعٌ إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَلَمْ يَخْتَرْ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارَ]
(فَرْعٌ:) إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَلَمْ يَخْتَرْ، ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارَ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَرُبَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلِلْمُبْتَاعِ أَخْذُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّيَا فِيمَا قَرُبَ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَإِنْ مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ، فَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا، وَنَقْضُ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْهَدَ أَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، أَوْ فِيمَا قَرُبَ مِنْهَا اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يَعْنِي بِالْقُرْبِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْبُعْدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَمَدِ الْخِيَارِ اهـ. ص (فَيَكُونُ شَرِيكًا) ش: يَعْنِي لَهُ الثُّلُثُ وَلِرَبِّهَا الثُّلُثَانِ، وَانْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا فَكِلَاهُمَا مَبِيعٌ)
ش: هَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا خِيَارٌ فَقَطْ يَعْنِي أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُمَا، أَوْ يَرُدَّهُمَا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَكِلَاهُمَا مَبِيعٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ ضَيَاعِهِمَا، أَوْ ضَيَاعُ أَحَدِهِمَا أَيْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِخِيَارٍ فَيَلْزَمُهُ ثَمَنُهُمَا إنْ ضَاعَا، أَوْ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا إنْ ضَاعَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَطْ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَهُ رَدُّ الْآخَرِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ اهـ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: وَلَوْ كَانَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا وَجْهَ الصَّفْقَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَا جَمِيعًا كَضَيَاعِ الْجَمِيعِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ عَيْنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الضَّيَاعِ، وَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَذَلِكَ حُكْمُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ.
[فَرْعٌ كَانَ الْخِيَارُ فِي أَحَدِهِمَا وَالثَّانِي لَازِمٌ وَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا مَعًا]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ فِي أَحَدِهِمَا وَالثَّانِي: لَازِمٌ وَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا مَعًا لَزِمَهُ ثَمَنُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. وَأَمَّا إنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ الضَّائِعُ هُوَ اللَّازِمَ فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى خِيَارِهِ فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّازِمُ هُوَ الْبَاقِيَ وَاَلَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ هُوَ الَّذِي ضَاعَ لَزِمَهُ ثَمَنُهُ هَذَا حُكْمُ بَيْعِ الْخِيَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَهُمَا فَضَاعَا]
(فَرْعٌ:) فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَهُمَا فَضَاعَا، أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ، أَوْ مَالًا يُغَابُ عَلَيْهِ فَادَّعَى ضَيَاعَ ذَلِكَ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ اهـ. إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الضَّائِعُ أَحَدَهُمَا فَلَهُ رَدُّ الْآخَرِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَاهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَهُمَا بِيَدِهِ)
ش: يَعْنِي إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ إذَا أَخَذَهُمَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهِمَا وَرَدَّهُمَا فَإِنَّهُمَا يَلْزَمَانِهِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى جَمِيعًا بِالْخِيَارِ
فَمَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ، وَهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَزِمَهُ أَخْذُ الثَّوْبَيْنِ اهـ
ص (وَفِي اللُّزُومِ لِأَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلٍّ)
ش: هَذِهِ الصُّورَةُ فِيهَا اخْتِيَارٌ فَقَطْ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِيَارُ مُجَرَّدًا بِأَنْ يَكُونَ اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى الْإِيجَابِ وَأَخَذَ ثَوْبَيْنِ لِيَخْتَارَ مِنْهُمَا فَمَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ ثَوْبٍ، وَكَذَا إنْ ضَاعَا، أَوْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: إذَا اشْتَرَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ عَلَى الْإِيجَابِ فَضَاعَا جَمِيعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ؛ فَمَا تَلِفَ بَيْنَهُمَا، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا اهـ. قَالَ فِي النُّكَتِ: يَعْنِي إذَا ضَاعَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا الْبَائِعَ وَالْآخَرُ الْمُبْتَاعَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَسَوَاءٌ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الضَّيَاعِ، أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ فِي أَخْذِ الثَّوْبِ الْبَاقِي كُلِّهِ، وَلَوْ ذَهَبَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ وَتَبَاعَدَتْ وَالثَّوْبَانِ بِيَدِ الْبَائِعِ، أَوْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ لَزِمَهُ نِصْفُ كُلِّ ثَوْبٍ، وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ ثَوْبًا لَزِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا هُوَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِيهِمَا شَرِيكَيْنِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصَّ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى أَنَّ مُضِيَّ أَيَّامِ الِاخْتِيَارِ بِمُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ شِرَاءَهُ لِلثَّوْبَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا بِالْخِيَارِ وَحْدَهُ، أَوْ بِاخْتِيَارٍ وَحْدَهُ وَإِمَّا عَلَى خِيَارٍ وَاخْتِيَارٍ فَيَمْضِي أَيَّامَ الْخِيَارِ وَيَنْقَطِعُ خِيَارُهُ وَيَنْقَضِي الْبَيْعُ إذْ بِمُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ يَنْقَطِعُ اخْتِيَارُهُ اهـ.
ص (وَفِي الِاخْتِيَارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ)
ش: يَعْنِي إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِيَارٌ وَاخْتِيَارٌ، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ بِإِثْرِ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَنْ لَوْ أَخَذَهُ - يَعْنِي الثَّوْبَ - عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ فَهَذَا إذَا مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَتَبَاعَدَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَا فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّ بِمُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ يَنْقَطِعُ اخْتِيَارُهُ، وَلَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ عَلَى ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُهُ أَخْذُهُ، وَلَا عَلَى إيجَابِ أَخْذِهِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا فَصَارَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ فِي شِرَائِهِ الثَّوْبَيْنِ يَلْزَمَانِهِ جَمِيعًا، وَفِي أَخْذِهِ أَحَدَهُمَا عَلَى الْإِيجَابِ يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ ثَوْبٍ، وَفِي أَخْذِهِ عَلَى غَيْرِ الْإِيجَابِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُمَا شَيْءٌ.
اهـ. وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَوْجُهِ وَأَتَى بِهَا عَلَى مَا تَرَى، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَفِي الِاخْتِيَارِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ بَدَلَ قَوْلِهِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَكِنَّهُ تَبِعَ ابْنَ يُونُسَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فِي التَّمْثِيلِ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَسْأَلَةَ الثَّوْبَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا خِيَارٌ وَاخْتِيَارٌ، أَوْ خِيَارٌ فَقَطْ وَيُنْظَرُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِي ضَيَاعِ الثَّوْبَيْنِ مَعًا، وَفِي ضَيَاعِ أَحَدِهِمَا، وَفِي مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَهُمَا بَاقِيَانِ بِيَدِهِ فَاشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ أَمَّا الْأُولَى فَأَشَارَ إلَى حُكْمِ ضَيَاعِ الثَّوْبَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا فِيهَا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْنِ يُرِيدُ بِخِيَارٍ وَقَبَضَهُمَا مَعًا لِيَخْتَارَ أَحَدَهُمَا - إلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي.
وَأَشَارَ إلَى مُضِيِّ حُكْمِ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَالِاخْتِيَارِ فِيهَا بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الِاخْتِيَارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، وَهِيَ مَا فِيهَا خِيَارٌ مُجَرَّدٌ فَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا فَكِلَاهُمَا مَبِيعٌ وَلَزِمَاهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَهُمَا بِيَدِهِ وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثَةِ، وَهِيَ مَا فِيهَا اخْتِيَارٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي اللُّزُومِ لِأَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلٍّ سَوَاءٌ ضَاعَا مَعًا، أَوْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا، أَوْ بَقِيَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) زَادَ فِي الْجَوَاهِرِ صُورَةً رَابِعَةً، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا فِي أَحَدِهِمَا فِي الْعَقْدِ وَالتَّعْيِينِ، وَفِي الْآخَرِ فِي التَّعْيِينِ خَاصَّةً دُونَ الْعَقْدِ بِأَنْ يَكُونَ لَزِمَهُ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ الْآخَرِ، فَإِنْ ضَاعَا ضَمِنَهُمَا إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ ضَمِنَ وَاحِدًا فَقَطْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا جَرَى الْأَمْرُ فِي ضَيَاعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ:) وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَسَاوِي الثَّمَنَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا كَانَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ ضَمَانَ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبَيْنِ قَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا
ابْنُ يُونُسَ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَصَاحِب الذَّخِيرَةِ فَمَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَلْيُرَاجِعْهَا فِيهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ) ش: هَذَا شُرُوعٌ مِنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْكَلَامِ عَلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِسَبَبِ نَقْصٍ يُخَالِفُ مَا الْتَزَمَ الْبَائِعُ شَرْطًا، أَوْ عُرْفًا فِي زَمَانِ ضَمَانِهِ، وَالتَّغْيِيرُ الْفِعْلِيِّ دَاخِلٌ فِي الشَّرْطِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ لَقَبٌ لِتَمْكِينِ الْمُبْتَاعِ مِنْ رَدِّ مَبِيعِهِ عَلَى بَائِعِهِ لِنَقْصِهِ عَنْ حَالَةٍ بِيعَ عَلَيْهَا غَيْرُ قِلَّةٍ كَمِائَةٍ قَبْلَ ضَمَانِهِ مُبْتَاعَهُ فَيَدْخُلُ حَدِيثُ النَّقْصِ فِي الْغَائِبِ وَالْمُوَاضَعَةِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَبَتِّ الْخِيَارِ إلَّا الرَّدَّ لِاسْتِحْقَاقِ الْأَكْثَرِ اهـ.
ص (كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا)
ش: كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِهِ، وَقَدْ أَعْتَقَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ، وَقَدْ أَغْفَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ فِيمَنْ ابْتَاعَ سَمْنًا فَوَجَدَهُ سَمْنَ بَقَرٍ فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ إلَّا سَمْنَ الْغَنَمِ: إنَّ لَهُ رَدَّهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ سَمْنَ الْغَنَمِ أَفْضَلُ، وَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الرَّسْمِ مِنْ هَذَا السَّمَاعِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: إنَّ سَمْنَ الْغَنَمِ وَلَبَنَهَا وَزُبْدَهَا أَطْيَبُ وَأَجْوَدُ مِنْ الْبَقَرِ وَذَلِكَ عَكْسُ مَا عِنْدَنَا وَعَلَى مَا عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ أَفْضَلَ الصِّنْفَيْنِ، وَهَذَا إذَا كَانَ سَمْنُ الْغَنَمِ هُوَ الْغَالِبَ فِي الْبَلَدِ، أَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فَعَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ هَذِهِ كُلُّ شَيْءٍ يُبَاعُ مِنْ جِنْسَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْبَلَدِ فَالْبَيْعُ يَقَعُ عَلَى أَفْضَلِهِمَا، فَإِنْ وَجَدَ الْأَدْنَى كَانَ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ وَجَدَ الْأَفْضَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ الْأَدْنَى لِوَجْهٍ كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَوَجَدَهُ مُسْلِمًا فَأَرَادَ رَدَّهُ؛؛ لِأَنَّهُ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُزَوِّجَهُ أَمَةً لِي نَصْرَانِيَّةً، أَوْ لِيَمِينٍ عَلَيَّ أَنْ لَا أَشْتَرِيَ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَالَ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَمَنْ اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ فَوَجَدَهَا مِنْ جِنْسٍ أَرْفَعَ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إذَا كَانَ لِاشْتِرَاطِهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنْ كَانَ لِاشْتِرَاطِهِ وَجْهٌ، وَقِيلَ: لَهُ الرَّدُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِهِ وَجْهٌ.
(تَنْبِيهٌ:) .
قَالَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ فِيمَنْ اشْتَرَطَ نَصْرَانِيًّا فَوَجَدَ مُسْلِمًا إذَا قُلْنَا: لَهُ الرَّدُّ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّزْوِيجَ مِمَّنْ هُوَ عَلَى دِينِهِ هَذَا إذَا عُرِفَ مَا قَالَ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ صُدِّقَ مَا قَالَ، وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ وَجْهٌ لَمْ أَرَ أَنْ يَرُدَّ، وَلَمْ يُذْكَرْ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ: إنَّ عَلَيْهِ يَمِينًا فَظَاهِرٌ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ وَاشْتِرَاطُهُ ذَلِكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا فِي رَسْمِ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ إلَى قَوْلِهِ: فَعَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ كُلُّ شَيْءٍ يُبَاعُ مِنْ جِنْسَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْبَلَدِ فَالْبَيْعُ يَقَعُ عَلَى أَفْضَلِهِمَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَلِابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ خِلَافُهُ قَالَ: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً، أَوْ عَبْدًا فَأَلْفَاهُ رُومِيًّا وَشِبْهَهُ مِنْ الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَكْرَهُهَا النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ فَلَا رَدَّ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مِمَّا اشْتَرَطَهُ بَائِعُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ: وَفِيهَا إنْ شَرَطَهَا - يَعْنِي الْجَارِيَةَ - بَرْبَرِيَّةً فَوَجَدَهَا خُرَاسَانِيَّةً فَلَهُ رَدُّهَا.
مُحَمَّدٌ، وَكَذَا الْعَكْسُ لِإِشْكَالِ مَا بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
ص (وَإِنْ بِمُنَادَاةٍ)
ش: يُشِيرُ إلَى مَا فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرَّدِّ بِالْعُيُوبِ.
قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ الَّذِي يَبِيعُ الْمِيرَاثَ فَيَبِيعُ الْجَارِيَةَ فَيُصَاحُ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ الَّذِي يَصِيحُ: إنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ شَرْطًا مِنْهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ: إنَّهَا تَزْعُمُ، ثُمَّ يَجِدُهَا غَيْرَ عَذْرَاءَ فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا.
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ لَهُ قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّا لَمْ نَشْتَرِطْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِأَمْرٍ زَعَمَتْهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَرُدَّهَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا فَأَمَّا أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ
الْمُشْتَرِي، وَهُوَ يَظُنُّ ذَلِكَ فَأَرَى لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا.
وَكَذَا لَوْ قَالَ: إنَّهَا تَنْصِبُ الْقُدُورَ وَتَخْبِزُ، وَيَقُولُونَ: إنَّهَا تَزْعُمُ، وَلَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ، فَإِذًا هِيَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَإِنِّي أَرَى لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَّا أَنْ يُخْبِرُوا شَيْئًا فَلَا أَرَى عَلَيْهِمْ شَيْئًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلَ هَذَا فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ بَعْدَ هَذَا، وَفِي رَسْمٍ يُوصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ، وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمَهُ، سَوَاءٌ قَالَ فِي الْجَارِيَةِ أَبِيعُهَا مِنْكَ عَلَى أَنَّهَا عَذْرَاءُ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا رَقَّامَةٌ، أَوْ خَبَّازَةٌ، أَوْ وَصَفَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبِيعُهَا مِنْكَ، وَهِيَ عَذْرَاءُ، أَوْ رَقَّامَةٌ، أَوْ صَبَّاغَةٌ، أَوْ أَبِيعُهَا، وَهِيَ تَزْعُمُ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، أَوْ رَقَّامَةٌ، أَوْ خَبَّازَةٌ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: إنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا عَلَى صِفَةِ كَذَا، وَكَذَا وَقَالَتْ عِنْدَ الْبَيْعِ إنِّي عَلَى صِفَةِ كَذَا، وَلَمْ يُكَذِّبْهَا، وَلَا تَبَرَّأَ مِنْهُ، فَقَدْ، أَوْهَمَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ فِيمَا زَعَمَتْ فَكَأَنَّهُ قَدْ بَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَشَرَطَهُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الشَّرْطُ مِنْ الْوَصْفِ فِي النِّكَاحِ حَسْبَمَا مَضَى فِي رَسْمِ يُوصَى الْمَذْكُورِ
[فَرْعٌ إذَا شَرَطَ شيئ فَقَالَ لَمْ أَجِدْهُ]
(فَرْعٌ:) إذَا شَرَطَ الْبَكَارَةَ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْهَا يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ رَأَيْنَ بِهَا أَثَرًا قَرِيبًا حَلَفَ الْبَائِعُ وَلَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ، وَإِنْ لَمْ يَرَيْنَ شَيْئًا قَرِيبًا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ وَرَدَّهَا، فَإِنْ نَكِلَ حَلَفَ الْبَائِعُ، وَلَزِمَتْ الْمُبْتَاعَ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِيهَا تَحَالُفٌ بَلْ تَلْزَمُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِالِاقْتِرَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِنَّ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَقَالَ فِيهَا فِيمَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَقَبَضَهَا بِكْرَةً وَغَابَ عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ عَشِيَّةً قَالَ: لَمْ أَجِدْهَا عَذْرَاءَ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: أَمَّا أَنَا، فَلَمْ أَبِعْكِ إلَّا عَذْرَاءَ، وَقَدْ غِبْتَ عَلَيْهَا وَلَعَلَّكَ افْتَرَعْتَهَا، أَوْ غَيْرُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ جَوَابَ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجَعَلَ شَهَادَتَهُنَّ إذَا لَمْ يَشْهَدْنَ قَطْعًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّهَا لَمْ تُفْتَرَعْ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَلَا عِنْدَ الْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَ نَرَى أَثَرًا قَرِيبًا مُوجَبُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ شُهِدَ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ الْبَائِعِ، أَوْ مِنْ الْمُبْتَاعِ مَعَ يَمِينِهِ كَالشَّاهِدِ فِي الْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ، وَلَوْ كَانَ مَا رَأَى النِّسَاءُ مِنْهَا أَمْرًا بَيِّنًا لَا يَشْكُكْنَ فِي حُدُوثِهِ، أَوْ قِدَمِهِ فَطَعَنَّ عَلَى ذَلِكَ وَبَتَتْنَ الشَّهَادَةَ فِيهِ؛ إذْ ذَلِكَ مِمَّا تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ لَكَانَتْ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ عَامِلَةً دُونَ يَمِينٍ عَلَى مَا فِي رَسْمِ يُدَبِّرُ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَقَدْ كَانَ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الشُّيُوخِ، وَمَنْ لَمْ نُدْرِكْهُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ يَحْمِلُونَ رِوَايَةَ أَشْهَبَ هَذِهِ عَلَى الْخِلَافِ لِرِوَايَةِ عِيسَى انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِهِ الْعَيْبُ.
(تَنْبِيهٌ:) هَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْطَ الْبَكَارَةِ لَازِمٌ فِي الْعَلِيِّ وَالْوَخْشِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَثُيُوبَةٌ إلَّا فِيمَنْ لَا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ أَنَّ شَرْطَ الْبَكَارَةِ فِي وَخْشِ الرَّقِيقِ دُونَ وَسَطِهِ لَغْوٌ.
قَالَ، وَكَانَ الْفُتْيَا بِقُرْطُبَةَ أَنَّ بَكَارَةَ الْعَلِيَّةِ عَيْبٌ لِجَهْلِ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ افْتِضَاضِهَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: هَذَا يَقْتَضِي قَوْلَ سَحْنُونٍ الَّذِي قَبِلَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ بَاعَ جَارِيَةً فَقِيلَ لَهُ أَبِكْرٌ هِيَ أَمْ ثَيِّبٌ]
(فَرْعٌ:) وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً فَقِيلَ لَهُ أَبِكْرٌ هِيَ أَمْ ثَيِّبٌ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَبِيعُكُمُوهَا بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْجَارِيَةِ الدَّنِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا قَدْ وُطِئَتْ فَإِنَّمَا يَشْتَرِي الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ سَكَتَ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ إذَا تَبَرَّأَ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ
ص (لَا إنْ انْتَفَى)
ش: كَذَا هُوَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي قُوبِلَتْ عَلَى خَطِّ الْمُصَنِّفِ بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَالضَّمِيرُ لِلْغَرَضِ، وَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَغْرَاضِ الْمَقْصُودَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا إنْ انْتَفَيَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ، وَلَا مَالِيَّةَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُلْغَى كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَبْدِ أَنَّهُ أُمِّيٌّ فَوَجَدَهُ كَاتِبًا، وَفِي الْأَمَةِ أَنَّهَا ثَيِّبٌ فَيَجِدُهَا بِكْرًا، وَلَا عُذْرَ لَهُ لَكِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَّا ذِكْرُ الْغَرَضِ فَقَطْ
ص (وَبِمَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ)
ش: هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمِ
خِيَارِ النَّقِيصَةِ، وَهُوَ مَا كَانَ سَبَبُهُ وُجُوبَ نَقْصٍ عُرْفِيٍّ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالسَّلَامَةِ مِنْهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ، أَيْ وَرُدَّ بِوُجُودِ مَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الثَّمَنِ، أَوْ الْمَبِيعِ، أَوْ فِي التَّصَرُّفِ، أَوْ خَوْفٍ فِي الْعَاقِبَةِ فَاَلَّذِي رُدَّ يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الثَّمَنِ دُونَ الْمَبِيعِ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ آبِقًا، أَوْ سَارِقًا، وَاَلَّذِي يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ كَالْخِصَاءِ فِي الْعَبْدِ وَاَلَّذِي يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ التَّصَرُّفِ كَالْعُسْرِ وَالتَّخَنُّثِ وَاَلَّذِي يُؤَثِّرُ خَوْفًا فِي الْعَاقِبَةِ كَجُذَامِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ.
[فَرْعٌ الصَّبِيِّ يَأْبِقُ مِنْ الْكُتَّابِ ثُمَّ يُبَاعُ كَبِيرًا]
(فَرْعٌ:) . قَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ: رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الصَّبِيِّ يَأْبِقُ مِنْ الْكُتَّابِ، ثُمَّ يُبَاعُ كَبِيرًا فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ عَادَةٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي بَابِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَبِهِ عَيْبٌ فَهَلَكَ مِنْهُ رُدَّ بِهِ وَإِبَاقُ الصَّغِيرِ إذَا بِيعَ، وَقَدْ أَبَقَ فِي صِغَرِهِ عَيْبٌ، وَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ يُرِيدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّغِيرِ تَجَنُّبُهُ وَاخْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَبِرَ وَانْتَقَلَ عَنْ تِلْكَ الْعَادَةِ هَلْ يَسْقُطُ حُكْمُ الْعَيْبِ، وَأَرَى أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ قِدَمِهِ يُجْتَنَبُ، وَيَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ رُدَّ، وَإِلَّا فَلَا اهـ. (فَائِدَةٌ:) رَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي سِرِّ اللُّغَةِ: الْآبِقُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا إذَا كَانَ ذَهَابُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا كَدٍّ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ هَارِبٌ قَالَ فِي الْمُتَوَسِّطِ: وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ الْإِبَاقَ عَلَى الِاثْنَيْنِ انْتَهَى.
ص (كَعَوَرٍ)
ش: فَأَحْرَى الْعَمَى، قَالَ فِي الشَّامِلِ: كَعَمًى وَعَوَرٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: عَيْبُ الرَّدِّ مَا نَقَّصَ مِنْ الثَّمَنِ كَالْعَوَرِ، وَبَيَاضٍ بِالْعَيْنِ، وَالصَّمَمِ، وَالْخَرَسِ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُرَدُّ صَغِيرٌ وُجِدَ أَصَمَّ، أَوْ أَخْرَسَ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي صِغَرِهِ
ص (وَقَطْعٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا وَالْقَطْعُ، وَلَوْ فِي أُصْبُعٍ اهـ. وَانْظُرْ قَوْلَهُ: وَلَوْ فِي أُصْبُعٍ، ظَاهِرُهُ أَنَّ قَطْعَ الْأُصْبُعِ خَفِيفٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ ذَهَابُ الْأُنْمُلَةِ عَيْبٌ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَقَطْعٍ، وَإِنْ حَضَرَ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْصُوصِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُقَابِلَهُ تَخْرِيجٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُقَابِلَهُ نَصٌّ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ
ص (وَخِصَاءٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْخِصَاءُ وَالْجَبُّ وَالرَّتْقُ وَالْإِفْضَاءُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: الْخِصَاءُ، وَإِنْ زَادَ فِي ثَمَنِهِ وَالْخِصَاءُ مَمْدُودٌ.
ص (وَاسْتِحَاضَةٍ)
ش: فِي الْعَلِيِّ وَالْوَخْشِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَقَيَّدَ: إنْ ثَبَتَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَأَمَّا إنْ حَاضَتْ حَيْضَةَ اسْتِبْرَاءٍ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَلَا رَدَّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ: رَوَى مُحَمَّدٌ مُدَّةُ الِاسْتِحَاضَةِ الَّتِي هِيَ عَيْبٌ شَهْرَانِ انْتَهَى.
ص (وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَالِكٌ: وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا تُرَدُّ فِي الْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ شَهْرًا، وَلَا شَهْرَيْنِ، وَعَنْهُ ارْتِفَاعُهُ شَهْرَيْنِ عَيْبٌ، وَقِيلَ: شَهْرٌ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ انْتَهَى.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا حَمْلٌ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى طَالَ طُولًا يُظَنُّ مَعَهُ أَنَّهَا مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَهُوَ عَيْبٌ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ:) .
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَوْنُهَا لَا تَحِيضُ إلَّا بَعْدَ أَشْهُرٍ عَيْبٌ، وَلَوْ ابْتَاعَهَا فِي أَوَّلِ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ بَاعَهَا لَا يَقْبِضُ ثَمَنَهَا إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَمْلَ عَيْبٌ وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَلَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يَتَحَرَّكُ تَحَرُّكًا بَيِّنًا يَصِحُّ الْقَطْعُ عَلَى تَحْرِيكِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ بِهَا حَمْلًا بَيِّنًا لَا يَشُكَّانِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ رُدَّتْ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَمْ تُرَدَّ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ حَادِثًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا شَهِدْنَ أَنَّ بِهَا حَمْلًا يَتَحَرَّكُ رُدَّتْ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَلَمْ تُرَدَّ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ حَادِثًا، فَإِنْ رُدَّتْ، ثُمَّ وُجِدَ ذَلِكَ الْحَمْلُ بَاطِلًا لَمْ تُرَدَّ إلَى الْمُشْتَرِي؛ إذْ لَعَلَّهَا أَسْقَطَتْهُ.
قَالَ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ
ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ وَأُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، وَخَرَّجَ فِيهَا قَوْلًا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ حَتَّى تَضَعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَوْلِ فِي عُيُوبِ الرَّقِيقِ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَادَّعَتْ الْحَمْلَ فَلْيَسْتَأْنِ بِهَا فَإِذَا قَالَ النِّسَاءُ: إنَّهَا حَامِلٌ رُدَّتْ بِذَلِكَ، وَلَا يَنْتَظِرُ بِهَا الْوَضْعَ، ثُمَّ إنْ انْفَشَّ فَلَا تُعَادُ إلَى الْمُبْتَاعِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْت فَمَنْ بَاعَ جَارِيَةً وَقَالَ: إنَّهَا صَغِيرَةٌ لَمْ تَحِضْ، وَكَانَتْ قَصِيرَةً فَيَطْمَعُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ لَهَا سُوقٌ عِنْدَ حَيْضَتِهَا، فَلَمْ تَقُمْ عِنْدَهُ إلَّا الِاسْتِبْرَاءَ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ إلَّا عَشَرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى حَاضَتْ، قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ بَلَغَ مِثْلُهَا أَنْ تَحِيضَ، وَيَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ أَنَّهَا مَا حَاضَتْ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَقَدْ اتَّهَمَهُ عَلَى مَا قَالَ، وَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ.
ص (وَعُسْرٍ)
ش: قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَمِنْ الْعُيُوبِ الْفَتَلُ فِي الْعَيْنَيْنِ، أَوْ فِي إحْدَاهُمَا: أَنْ تَمِيلَ إحْدَى الْحَدَقَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى فِي نَظَرِهَا وَالْمَيْلُ فِي الْحَدَقَتَيْنِ يَكُونُ مَائِلًا عَنْ الْآخَرِ إلَى جِهَةِ الْأُخْرَى.
وَالصَّوَرُ: أَنْ يَمِيلَ الْعُنُقُ عَنْ الْجَسَدِ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَالْجَسَدُ مُعْتَدِلٌ.
وَالزَّوَرُ فِي الْمَنْكِبِ: أَنْ يَمِيلَ كُلُّهُ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ.
وَالصَّدْرُ: أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الصَّدْرِ إشْرَافٌ كَالْحَرْبَةِ.
وَالْغَرَزُ فِي الظَّهْرِ، أَوْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إشْرَافٌ كَالْحَرْبَةِ.
وَالسِّلْعَةُ: نَفْخٌ فَاحِشٌ أَيْ مُتَفَاحِشٌ أَمْرُهُ، انْتَهَى، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ.
ص (وَزِنًا) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا الزِّنَا، وَلَوْ فِي الْعَبْدِ الْوَخْشِ عَيْبٌ مُحَمَّدٌ وَوَطْؤُهَا غَصْبًا عَيْبٌ.
ص (وَشُرْبٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ وَأَخْذُ الْأَمَةِ، أَوْ الْعَبْدِ فِي شُرْبِهِ، وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ بِهِمَا رَائِحَةٌ عَيْبٌ.
ص (وَبَخَرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا بَخَرُ الْفَمِ عَيْبٌ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَوْ فِي عَبْدٍ دَنِيءٍ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: بَخَرُ فَمٍ، أَوْ فَرْجٍ، وَقِيلَ فِي الْفَرْجِ عَيْبٌ فِي الرَّائِعَةِ فَقَطْ.
(فَائِدَةٌ) رَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى لِسَانِ الْعَبْدِ وَأَسْنَانِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ.
قِيلَ إنَّ تَحْتَ لِسَانِ الْعَبْدِ نُقْطَةَ سَوْدَاءَ يَعْرِفُهَا النَّخَّاسُونَ عَيْبًا انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّ وُجُودَ تِلْكَ النُّقْطَةِ عَيْبٌ يُنْقِصُ الثَّمَنَ وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِأَنَّهَا عَيْبٌ وَيُقْضَى بِالرَّدِّ لِوُجُودِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَزَعَرٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الزَّعَرُ قِلَّةُ الشَّعْرِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُوثَقِينَ: وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَلَمْ يَنْقُلْهُ الشَّارِحُ وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَكَزَعَرٍ، وَإِنْ بِحَاجِبَيْنِ لِتَوَقُّعٍ كَجُذَامٍ، وَقِيلَ لَا يَكُونُ عَيْبًا فِي غَيْرِ الْعَانَةِ، وَسَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
ص (وَظَفَرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَالظَّفَرُ لَحْمٌ نَابِتٌ فِي شَحْمِ الْعَيْنِ.
قَالَ: وَسَمِعَ عِيسَى رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالشَّعْرُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَلَا يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الظَّفَرُ عِبَارَةٌ عَنْ جِلْدَةٍ تَنْبُتُ عَلَى بَيَاضِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْأَنْفِ أَيْ سَوَادِ الْعَيْنِ انْتَهَى.
ص (وَبَجَرٍ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ، وَهُوَ مَا يَنْعَقِدُ فِي ظَهْرِ الْكَفِّ.
ص (وَعَجَرٍ) ش: قَالَ: وَهُوَ مَا يَنْعَقِدُ فِي الْعَصَبِ وَالْعُرُوقِ.
ص (وَوَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ عَيْبٌ وَأَحْرَى اجْتِمَاعُهُمَا وَالْوَلَدُ صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا ص (وَجُذَامِ أَبٍ) ش: يُرِيدُ، أَوْ أُمٍّ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَسُقُوطِ سِنٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ نَقْصُ السِّنِّ فِي الْعَبْدِ وَالْوَصِيفَةِ مِنْ مُؤَخَّرِ الْفَمِ لَغْوٌ، وَنَقْصُ السِّنَّيْنِ وَزِيَادَةُ الْوَاحِدَةِ عَيْبٌ مُطْلَقًا فِيهِمَا.
ص (وَشَيْبٍ بِهَا فَقَطْ، وَإِنْ قَلَّ) ش: وَأَمَّا فِي غَيْرِ الرَّائِعَةِ فَلَا يَكُونُ الْيَسِيرُ مِنْهُ عَيْبًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا الْكَثِيرُ عَلَى الْمَشْهُورِ
إلَّا أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الثَّمَنِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشَّابَّةِ
ص (وَصُهُوبَتِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَفِيهِ إنْ خَالَفَ إنْ كَانَ شَعْرُ مِثْلِهَا أَسْوَدَ كَالسَّمْرَاءِ، أَوْ السَّوْدَاءِ إنْ نَقَصَ ثَمَنُهَا
ص (وَلَوْ وَخْشًا)
ش: الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ أَيْ مَسْأَلَةِ الْجُعُودَةِ وَالصُّهُوبَةِ وَكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْوَخْشُ الْخَسِيسُ وَالدَّنِيءُ
ص (فِي وَقْتٍ يُنْكَرُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ الَّذِي تَرَعْرَعَ حَدَّ الصِّغَرِ جِدًّا، وَأَمَّا الصِّغَرُ جِدًّا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ.
ص (أَوْ أَقَرَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ، أَوْ وَضَعَتْ عِنْدَ مَنْ أُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ بِهَا، أَوْ نَظَرَ رَجُلَانِ مَرْقَدَهَا مَبْلُولًا وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُحَلِّفُ الْمُبْتَاعُ بَائِعَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ بَلْ حَتَّى تُوضَعَ بِيَدِ امْرَأَةٍ، أَوْ ذِي زَوْجَةٍ فَيَنْقُلُ خَبَرَ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ عَنْ امْرَأَتِهِ، وَلَوْ أَتَى الْمُبْتَاعُ بِمَنْ يَنْظُرُ مَرْقَدَهَا بِالْغَدِ مَبْلُولًا فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ ص (وَهَلْ هُوَ الْفِعْلُ، أَوْ التَّشَبُّهُ؟ تَأْوِيلَانِ) ش: يَعْنِي، وَهَلْ الْعَيْبُ هُوَ الْفِعْلُ، وَأَمَّا التَّشَبُّهُ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ، وَهَذَا تَأْوِيلُ صَاحِبِ النُّكَتِ، وَهُوَ فِي الْوَاضِحَة، أَوْ هُوَ التَّشَبُّهُ فَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ
أَحْرَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ وَالْوَاضِحَةُ بِالْوَخْشِ، وَأَمَّا الْمُرْتَفِعَةُ فَالتَّشَبُّهُ فِيهَا عَيْبٌ؛ إذْ الْمُرَادُ مِنْهَا التَّأْنِيثُ، وَقَالَهُ عِيَاضٌ.
ص (وَحَرَنٍ) ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَتُرَدُّ الدَّابَّةُ مِنْ الْحَرَنِ وَالنِّفَارِ الْمُفْرِطِ، وَإِذَا أَفْرَطَ قِلَّةُ الْأَكْلِ فِي الدَّابَّةِ فَهُوَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ انْتَهَى.
ص (وَعَدَمِ حَمْلِ مُعْتَادٍ)
ش:.
قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: قَالَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ فَتْحُونٍ: مَنْ ابْتَاعَ دَابَّةً، أَوْ نَاقَةً وَحَمَلَ عَلَيْهَا حِمْلَ مِثْلِهَا، وَلَمْ تَنْهَضْ بِهِ، وَلَمْ يُقْعِدْهَا عَنْهُ عَجَفٌ ظَاهِرٌ فَلَهُ الرَّدُّ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ انْتَهَى.
ص (لَا ضَبَطٍ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ إنْ لَمْ يُنْقِصْ قُوَّةَ الْيَمِينِ، وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ:، وَلَا يُجْبَرُ نَقْصُ الْيَمِينِ بِقُوَّةِ الشِّمَالِ.
انْتَهَى
ش: (إلَّا فِيمَنْ لَا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا)
ش: وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَكَثُيُوبَةٍ مَنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ رَائِعَةً وَإِلًّا فَلَا، وَقِيلَ إلَّا بِشَرْطٍ انْتَهَى.
ص (وَعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ قُبُلٍ)
ش: إنَّمَا أَتَى بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فُحْشَ ضِيقِهِ عَيْبٌ، وَلَوْ قَالَ: وَضِيقِ قُبُلٍ إلَّا أَنْ يَفْحُشَ لَكَانَ أَوْضَحَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: صِغَرِ بَدَلَ ضِيقِ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ صِغَرَ الْقُبُلِ عَيْبٌ، وَأَمَّا ضِيقُ الْقُبُلِ فَمِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ إلَّا أَنْ يَفْحُشَ، وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: وَالصَّغِيرَةُ الْقُبُلِ لَيْسَ بِعَيْبٍ إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ فَيَصِيرَ كَالنَّقْصِ انْتَهَى.
ص (وَكَوْنِهَا زَلَّاءَ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَزَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْوَاضِحَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةَ الْخِلْقَةِ انْتَهَى.
وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى قَيْدِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِيهَا كَوْنُهَا زَلَّاءَ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَقُيِّدَ بِالْيَسِيرِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الزَّلَّاءُ بِالْمَدِّ صَغِيرَةُ الْأَلْيَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْيَسِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إلَخْ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ضِيقِ قُبُلٍ، وَالْمَعْنَى: وَعَدَمِ فُحْشِ كَوْنِهَا زَلَّاءَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكَيٍّ لَمْ يُنْقِصْ) ش قَالَ فِي الشَّامِلِ: لَا كَيٍّ خَفَّ، وَلَمْ يُنْقِصْ الثَّمَنَ وَقِيلَ: إلَّا أَنْ يُخَالِفَ لَوْنَ الْجَسَدِ، أَوْ يَكُونَ مُتَفَاحِشًا فِي مَنْظَرِهِ، أَوْ كَثِيرًا مُتَفَرِّقًا، أَوْ فِي الْفَرْجِ، وَمَا وَالَاهُ، أَوْ فِي الْوَجْهِ وَقِيلَ مِنْ الْبَرْبَرِ فَلَا رَدَّ، بِخِلَافِ الرُّومِ.
ص (ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ)
ش:.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا تُهْمَةٍ بِسَرِقَةٍ، ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ بِكَوُجُودِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ
ص
كَسُوسِ الْخَشَبِ) ش: وَقِيلَ: يُرَدُّ بِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُرَدُّ إنْ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا طَارِئًا كَوَضْعِهِ فِي مَكَان نَدِيٍّ، وَهَلْ قَوْلُهُ: وِفَاقٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَازِرِيُّ؟ ، أَوْ خِلَافٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ يُونُسَ؟ تَأْوِيلَانِ وَقِيلَ يُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ فَقَطْ ص (وَالْجَوْزُ وَمَرْقَثَاءُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَثَالِثُهَا إنْ كَانَ قَلِيلًا يُمْكِنُ اخْتِبَارُهُ بِقِثَّاءَتَيْنِ، أَوْ جَوْزَتَيْنِ دُونَ كَثِيرٍ رُدَّلَا مَا كَثُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ فَاسِدًا، أَوْ أَكْثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ يَسِيرًا فِي كَثِيرٍ فَلَا وَالْأَظْهَرُ إنْ شَرَطَ الرَّدَّ مَعَ وُجُودِهِ مُرًّا، أَوْ غَيْرَ مُسَوَّسٍ يُوفَى لَهُ بِشَرْطِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ إلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالرَّدِّ بِذَلِكَ هَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَمْ لَا؟ لِقَوْلِهِ فِي الْأُمِّ: وَأَهْلُ السُّوقِ يَرُدُّونَهُ إذَا وَجَدُوهُ مُرًّا، وَلَا أَدْرِي بِمَا رُدَّ، وَذَلِكَ إنْكَارُ الرَّدِّ اهـ. ص (وَرُدَّ الْبَيْضُ) ش:؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ فَاسِدُهُ قَبْلَ كَسْرِهِ، فَإِنْ كَسَرَهُ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ مَكْسُورًا وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَلِّسٍ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ يَوْمَ بَاعَهُ بَعْدَ كَسْرِهِ، وَإِلَّا رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَهَذَا إذَا كَسَرَهُ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ لَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَفَسَدَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَيْبٍ قَلَّ بِدَارٍ) ش: اعْلَمْ أَنَّ عُيُوبَ الدَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَسِيرٌ لَا يُنْقِصُ
مِنْ الثَّمَنِ لَا تُرَدُّ بِهِ الدَّارُ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ لِيَسَارَتِهِ كَالشُّرُفَاتِ، وَقِسْمٌ خَطِيرٌ يَسْتَغْرِقُ مُعْظَمَ الثَّمَنِ، وَيُخْشَى مِنْهُ سُقُوطُهَا، فَهَذَا تُرَدُّ بِهِ، وَقِسْمٌ مُتَوَسِّطٌ يَرْجِعُ بِمَنَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَصَدْعٍ فِي حَائِطٍ فَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ الْمُتَوَسِّطَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: رَجَعَ بِقِيمَتِهِ بِإِضَافَةِ قِيمَتِهِ إلَى ضَمِيرِ الْعَيْبِ الْقَلِيلِ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَصَدْعِ جِدَارٍ تَشْبِيهًا لَهُ وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ مِنْ بَابِ أَحْرَى.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَاغْتُفِرَ سُقُوطُ شُرْفَةٍ وَنَحْوِهَا وَاسْتِحْقَاقُ حَمْلِ جُذُوعٍ، أَوْ جِدَارٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَرْبَعَ جُدْرَانٍ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ كَاسْتِحْقَاقِ الْأَقَلِّ مِنْهَا، وَتُرَدُّ الْعُرُوض بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَقِيلَ كَالدُّورِ اهـ. وَقِيلَ: إنَّ الدَّارَ كَالْعُرُوضِ تُرَدُّ بِالْيَسِيرِ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْيَسِيرَ فِيهَا يَصْلُحُ وَيَزُولُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ عَيْبٍ، فَلَوْ رُدَّتْ بِالْيَسِيرِ لَأَضَرَّ بِالْبَائِعِ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدُّورِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْيَسِيرَ فِي الدُّورِ وَالْأُصُولِ لَا يَعِيبُ إلَّا مَوْضِعَهُ وَيَتَهَيَّأُ زَوَالُهُ، وَغَيْرُهَا يَعِيبُ جَمِيعُهُ، وَلَا يَتَهَيَّأُ زَوَالُهُ وَلِعَبْدِ الْحَقِّ الْفَرْقُ أَنَّ الدُّورَ تُشْتَرَى لِلْقِنْيَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَعَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ مَسْأَلَةُ الدُّورِ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ سَائِرُ الْبِيَاعَات فِي الْعُيُوبِ وَسَمِعْتُهُ يَذْكُرُ التَّفْرِقَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَيَقُولُ: مَسْأَلَةُ الدُّورِ ضَعِيفَةٌ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ النَّاسُ إلَى تَوْجِيهِهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى عُيُوبِ الدَّارِ: إنَّهُ لَا يُرَدُّ بِالْيَسِيرِ، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَيْبَ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَطَلَبَ الْمُبْتَاعُ أَخْذَ الْأَرْشِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الدَّارِ: رُدَّ عَلَيَّ دَارِي، وَخُذْ مَالَكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْعُرُوضِ وَالسِّلَعِ اهـ.
وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ، وَنَصُّهُ: فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي الْعَقَارِ يَسِيرًا فَلَا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ وَلِلْمُبْتَاعِ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ الْبَائِعُ: اصْرِفْ عَلَيَّ مَا بِعْتُ مِنْكَ، وَخُذْ الثَّمَنَ فَمِنْ حَقِّهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْمَبِيعُ، فَيَكُونَ لَهُ قِيمَةُ الْعَيْبِ اهـ. وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْعُيُوبِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ أَيْضًا، وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْتُ تَخْيِيرُ الْبَائِعِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُوجِبُ الرَّدَّ، وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُهُ فَمَنْ اخْتَارَ التَّمَسُّكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرَّدِّ اهـ.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَجِدَارٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَرْبَعَ جُدْرَانٍ، وَنَحْوُهُ فِي أَوَاخِرِ الْمُنْتَخَبِ عَنْ أَصْبَغَ، وَهُوَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ بِزِيَادَةِ فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا وَجَّهَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ يَمِينًا أَنَّهُ بَاعَهُ الْحَائِطَ هَلْ تَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ ، وَنَصُّهُ: فِيمَنْ اشْتَرَى دَارًا بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا فَهَدَمَهَا إلَّا حَائِطًا مِنْهَا مَنَعَهُ مِنْهُ جَارُهُ، وَقَالَ: هُوَ لِي وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: لَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ قَالَ السَّائِلُ فَإِنَّهُ يَقُولُ لِلْبَائِعِ: احْلِفْ مَا بِعْتَنِي هَذَا الْحَائِطَ فِيمَا بِعْتَنِي.
قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ الْحَائِطَ بِعَيْنِهِ وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَلَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت مِنْكَ جَمِيعَ الدَّارِ، وَهَذَا الْحَائِطُ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ كُلَّ حَقٍّ هُوَ لِلدَّارِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ حَقِّهَا اهـ.
ص (وَفِي قَدْرِهِ تَرَدُّدٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي حَدِّ الْكَثِيرِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ، أَوْ رُبْعِهِ ثَالِثُهَا مَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ وَرَابِعُهَا عَشَرَةٌ مِنْ مِائَةٍ، وَخَامِسُهَا: لَا حَدَّ لِمَا بِهِ الرَّدُّ إلَّا بِمَا أَضَرَّ لِابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعِيَاضٍ عَنْ ابْنِ عَاتٍ وَعَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ وَابْنِ رُشْدٍ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ اهـ.
ص (كَصَدْعِ جُدْرَانٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ)
ش: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خِيفَ
عَلَى الْحَائِطِ وَحْدَهُ لَمْ تُرَدَّ بِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبِهِ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ وَعِيَاضٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُ مَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَنَصُّهُ: وَفِيهَا فِي الصَّدْعِ فِي الْجِدَارِ وَشِبْهِهِ إنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى الدَّارِ أَنْ تَنْهَدِمَ رُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: إنْ كَانَ يُخَافُ عَلَى الدَّارِ أَنَّهُ لَوْ خِيفَ عَلَى حَائِطٍ لَمْ تُرَدَّ، وَبِهِ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ.
عِيَاضٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ إنْ خُشِيَ هَدْمُ الْحَائِطِ مِنْ الصَّدْعِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّمَا يُرَدُّ لِخَوْفِ هَدْمِ الْحَائِطِ إذَا كَانَ يُنْقِصُ الدَّارَ كَثِيرًا عِيَاضٌ، وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى، وَاسْتَدَلَّ مَنْ لَمْ يَرَ لَهُ الرَّدَّ بِهَدْمِ الْحَائِطِ أَنَّ الْحَائِطَ لَوْ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدٌّ فَكَيْفَ إذَا كَانَ بِهِ صَدْعٌ، وَفَرَّقَ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ قِيمَتَهُ بِخِلَافِ مَا هَاهُنَا فَإِنَّهُ يُضْطَرُّ إلَى بُنْيَانِهِ وَالنَّفَقَةِ فِيهِ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ شَهَرَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الرَّدِّ إذَا خِيفَ عَلَى الْحَائِطِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْهُ لَرُدَّتْ مِنْهُ، وَتَأَمَّلْ مَا نَسَبَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْمُدَوَّنَةِ مَعَ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ وَمَنْ ابْتَاعَ دَارًا فَوَجَدَ بِهَا صَدْعًا فَأَمَّا مَا يُخَافُ مِنْهُ سُقُوطُ الْجِدَارِ فَلْيُرَدَّ، وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ)
ش: أَكْثَرُ النُّسَخِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ وَيَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ فِي أَوَّلِهِ مُضَارِعُ قَطَعَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْجِدَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص أَوْ (مِلْحِ بِئْرِهَا بِمَحَلِّ الْحَلَاوَةِ)
ش: يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَوْ مِلْحِ بِئْرِهَا بِعَطْفِ مِلْحٍ بِأَوْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمِلْحِ بِكَافِ التَّشْبِيهِ.
وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَغْنًى بِقَطْعِ الْمَنْفَعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّوْضِيحِ عَدَّهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوَاطِعِ الْمَنْفَعَةِ وَعَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِقَطْعِ الْمَنْفَعَةِ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ وَفَسَادُ أَسَاسِهَا، أَوْ عَيْنِ مَائِهَا، أَوْ مُلُوحَتِهِ بِمَحَلِّ الْعُذُوبَةِ، أَوْ تَعْفِينُ قَوَاعِدِهَا، أَوْ فَسَادُ حُفْرَةِ مِرْحَاضِهَا كَثِيرٌ اهـ.
[فَرْعٌ سُوءِ الْجَارِ هَلْ هُوَ مِنْ الْعُيُوبِ]
(فَرْعٌ:) .
قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ.
قَالَ الْوَانُّوغِيُّ الْبَقُّ عَيْبٌ، وَلَوْ فِي السَّرِيرِ وَكَثْرَةُ النَّمْلِ عَيْبٌ، وَفِي سُوءِ الْجَارِ خِلَافٌ (قُلْت:) الصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمَبِيعِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، وَالْخِلَافُ الَّذِي فِي سُوءِ الْجَارِ حَكَاهُ فِي الطِّرَازِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ سُوءُ الْجَارِ فِي الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ.
قَالَ أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: تُرَدُّ الدَّارُ مِنْ سُوءِ الْجِيرَانِ، وَلَمْ يَأْتِ إلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الْمَشَذَّالِيُّ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجَارِ السُّوءِ فِي دَارِ إقَامَةٍ ابْنُ رُشْدٍ: الْمِحْنَةُ بِالْجَارِ السُّوءِ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الدَّارَ تُرَدُّ مِنْ سُوءِ الْجَارِ.
الْمَشَذَّالِيُّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْبَيَانِ: مَنْ اشْتَرَى دَارًا فَوَجَدَ جِيرَانَهَا يَشْرَبُونَ أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ.
قَالَ الصَّقَلِّيُّ فِي آخِرِ الرَّوَاحِلِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَوَجَدَ بِهَا جِيرَانَ سَوْءٍ فَذَلِكَ عَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ الْوَانُّوغِيُّ، وَفِي الشُّؤْمِ وَالْجُنُونِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَيْبٍ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي: أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ قَطْعًا فَإِنَّ كَوْنَ الدَّارِ مَشْهُورَةً بِعَوَامِرِ الْجَانِّ لَا تُسْكَنُ غَالِبًا، وَكَذَا إذَا اشْتَهَرَتْ بِالشُّؤْمِ لَا تُمْلَكُ غَالِبًا الْمَشَذَّالِيُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَ صَاحِبُ جَامِعِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ يَعْنِي الْبُرْزُلِيَّ فِي الشُّؤْمِ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ مِثْلَ مَا حَكَى الْوَانُّوغِيُّ وَقَالَ قِيَاسًا عَلَى سُوءِ الْجِيرَانِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ سُوءَ الْجِيرَانِ مُحَقَّقٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ
بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
وَالشُّؤْمُ فِي الدَّارِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ؛؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، أَوْ تَتَقَدَّمُ تَارَةً وَتَتَأَخَّرُ أُخْرَى، أَوْ يُحْدَثُ فِيهَا وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا ذَمِيمَةٌ.
فِي قَوْمٍ حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الشُّؤْمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ.
عَلَى رِوَايَةِ إثْبَاتِهِ كُلُّهُ قَدْ يَكُونُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَكِنَّهُ إنْ وَقَعَ جَازَ
التَّعَلُّقُ بِهِ، وَلَا يُنْكَرُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ لَا طِيَرَةَ فِي الْإِسْلَامِ الْمَشَذَّالِيُّ: وَهَذَا الْفَرْقُ يَقْتَضِي عَكْسَ اخْتِيَارِ الْوَانُّوغِيِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْمُرَابَحَةِ: إذَا طَالَ مُكْثُ الْمَتَاعِ عِنْدَهُ فَلَا بَيْعَ مُرَابَحَةٍ، وَلَا مُسَاوَمَةٍ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ لَمْ تَحُلَّ أَسْوَاقُهُ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ فِي الطَّرِيِّ أَرْغَبُ، وَهُمْ عَلَيْهِ أَحْرَصُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إذَا طَالَ مُكْثُهُ لَبِثَ، وَحَالَ عَلَى حَالِهِ وَتَغَيَّرَ، وَقَدْ يَتَشَاءَمُونَ بِهَا لِثِقَلِ خُرُوجِهَا، وَهَذَا وَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى.
كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
(تَنْبِيهٌ:) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْوَانُّوغِيِّ أَنَّ الْبَقَّ عَيْبٌ فِي السَّرِيرِ وَمِثْلُهُ الْقَمْلُ فِي الثَّوْبِ.
قَالَ: فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ حُكِيَ عَنْ ابْنِ جَمَاعَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَجْلِسِ أَنَّ كَثْرَتَهُ فِي الثِّيَابِ عَيْبٌ خَزًّا كَانَتْ، أَوْ صُوفًا، أَوْ كَتَّانًا انْتَهَى.
ص (وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ لَكِنَّهُ عَيْبٌ إنْ رَضِيَ بِهِ بَيِّنٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ ادَّعَتْ عَلَى بَائِعِهَا أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى الْمُشْتَرِي اسْتِدَامَةُ مِلْكِهَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَكِنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ لَهُ بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ إنْ أَحَبَّ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ، أَوْ صَالَحَ عَنْهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ الْأَمَةَ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعُيُوبِ، وَكَمَا كَانَ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى بَائِعِهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ الْوَاضِحَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ وَابْنَ مُزَيْنٍ وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى وَنَظَائِرَهُمْ أَفْتَوْا بِهِ، وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَفْهُومًا وَمَنْطُوقًا كَافٍ فِي ذَلِكَ.
[فَرْعٌ وَدَعْوَى الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةَ]
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَدَعْوَى الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةَ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُ الْإِقْدَامَ عَلَى مِثْلِ هَذَا لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَلَوْ عُلِمَ كَذِبُهُمَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَشْوِيشًا عَلَى مَالِكِهَا وَالتَّعَرُّضَ لِعِرْضِهِ.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: إذَا أَقَامَ الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ شَاهِدًا بِالْحُرِّيَّةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُمَا بِهَا وَيُقْضَى لِلْمُبْتَاعِ بِالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِمَا إنْ أَحَبَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ عَاتٍ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ.
ص (وَتَصْرِيَةُ الْحَيَوَانِ كَالشَّرْطِ) ش: يَعْنِي أَنَّ التَّغْرِيرَ الْفِعْلِيَّ كَالشَّرْطِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ فِعْلًا يَظُنُّ بِهِ الْمُشْتَرِي كَمَالًا