ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَفْصِدَ وَيَدْخُلَ الْحَمَّامَ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلِلْعَامِلِ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ، وَفِي إقَامَتِهِ بِغَيْرِ وَطَنِهِ بِالْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ هَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَرُكُوبِهِ وَمَسْكَنِهِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَحِجَامَتُهُ وَحَمَّامُهُ قَالُوا: وَلَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ انْتَهَى.
ص (وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ قَبْلَ عَمَلِهِ)
ش: نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ رَدُّهُ وَالرُّجُوعُ، وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إلَّا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ انْتَهَى.
ص (كَرَبِّهِ، وَإِنْ تَزَوَّدَ لِسَفَرٍ، وَلَمْ يَظْعَنْ)
ش: يَعْنِي: وَأَمَّا الْعَامِلُ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ الْفَسْخُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اللَّهُمَّ
إلَّا أَنْ يَدْفَعَ لِرَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَظْعَنْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا ظَعَنَ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْكَ حَتَّى أَرُدّكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِرَبِّ الْمَالِ رَدُّ الْمَالِ مَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْعَامِلُ أَوْ يَظْعَنْ بِهِ لِسَفَرٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ظَعْنِهِ: ارْجِعْ، وَأَنَا أُنْفِقُ عَلَيْكَ انْتَهَى.
ص (وَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِي تَلَفِهِ وَخُسْرِهِ وَرَدِّهِ) ش: وَهَلْ يَحْلِفُ أَمَّا فِي دَعْوَى الرَّدِّ فَيَحْلِفُ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَمَّا فِي
التَّلَفِ فَأَجْرَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) حُكْمُ الْمُبْضَعِ مَعَهُ حُكْمُ الْمُقَارَضِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ وَالتَّلَفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ (الثَّانِي:) قَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِي رَدِّ الْمَالِ يَعْنِي إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْوَكَالَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْعَارِيَّةِ، وَهَذَا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَهُ أَوْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَكَانَ الْبَاقِي لَا يَفِي بِرَأْسِ الْمَال، وَإِنَّمَا يَفِي بِمَا رَدَّهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَاقِي يَفِي بِرَأْسِ الْمَالِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْبَاقِي رِبْحٌ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ: وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ رَدَدْت إلَيْكَ رَأْسَ مَالِكَ، وَاَلَّذِي بِيَدِي رِبْحٌ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ شَيْئًا صُدِّقَ رَبُّ الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْبَيِّنَةُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَحُكِيَ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ إذَا قَالَ: مَا فِي يَدِي هَذَا رِبْحٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ حَقَّ رَبِّ الْمَالِ قَائِمٌ بِيَدِهِ بَعْدُ، وَأَمَّا إنْ قَالَ: رَدَدْت إلَيْكَ الْمَالَ وَحِصَّتُكَ مِنْ الرِّبْحِ، وَمَا فِي يَدِي حِصَّتِي مِنْ الرِّبْحِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ إذَا كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ
اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ بَعْدَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: هَذَا رِبْحِي، وَكَمَا لَوْ قَالَ: رَدَدْتُ بَعْضَ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: رَدَدْتُ بَعْضَ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ جَمِيعَهُ دُونَ الرِّبْحِ أَوْ لَمْ أَرْبَحْ شَيْئًا أَوْ رَبَحْته وَسَلَّمْتُ إلَيْكَ رَأْسَ الْمَالِ وَنَصِيبَكَ مِنْ الرِّبْحِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسَاقِي يَقُولُ بَعْدَ جَذَاذِ الثَّمَرَةِ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ قَدْ دَفَعْتُ إلَيْكَ نَصِيبَكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي فِي يَدِي نَصِيبِي فَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا تَقَدَّمَ: فَفِي قَبُولِ دَعْوَى الْعَامِلِ رَدَّ الْمَالِ مُقِرًّا بِبَقَاءِ رِبْحٍ بِيَدِهِ ثَالِثُهَا: إنْ ادَّعَى رَدَّ حَظِّ رَبِّ الْمَالِ مِنْهُ لِلَّخْمِيِّ وَلَهَا وَلِلْقَابِسِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ قَالَ رَدَدْتُ إلَيْكَ مَا وَكَّلْتَنِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ دَفَعْتُ إلَيْكَ ثَمَنَهُ أَوْ وَدِيعَتَكَ أَوْ قِرَاضَكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: رَدَدْتُ إلَيْكَ رَأْسَ الْمَالِ، وَاَلَّذِي بِيَدِي رِبْحٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَمْ تَدْفَعْ لِي شَيْئًا صُدِّقَ رَبُّ الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْبَيِّنَةُ، وَهَذَا نَصُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ اهـ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَمَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ أَوْ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ: رَدَدْتُ إلَيْكَ ذَلِكَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ ظَاهِرُهُ كَانَ قَبْلَ الْمُفَاصَلَةِ أَوْ بَعْدَ الْمُفَاصَلَةِ قَالَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ: وَإِذَا قَالَ رَدَدْتُ إلَيْكَ رَأْسَ مَالِكَ وَبِيَدِي رِبْحٌ إلَخْ فَهِيَ تَقْيِيدٌ بِهَذَا انْتَهَى.
(الثَّالِثُ:) لَوْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالْمَالِ فَهَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ الْآنَ فِيهِ نَصَّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
ص (بَابٌ إنَّمَا تَصِحُّ مُسَاقَاةُ شَجَرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ عَلَى مُؤْنَةِ نُمُوِّ النَّبَاتِ بِقَدْرٍ لَا مِنْ غَيْرِ غَلَّتِهِ لَا بِلَفْظِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ فَيَدْخُلُ قَوْلُهَا لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ وَمُسَاقَاةُ الْبَعْلِ انْتَهَى.
وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا بِلَفْظِ عَامَلْتُكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسَاقَاةٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الصِّيغَةُ ابْنُ رُشْدٍ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ بَعْلًا)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى شَجَرِ الْبَعْلِ، وَكَذَلِكَ مَا يَشْرَبُ بِالسَّيْحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الدَّوَابِّ وَالْأُجَرَاءِ قِيلَ لِمَالِكٍ فَزَرْعُ الْبَعْلِ كَزَرْعِ إفْرِيقِيَّةَ وَمِصْرَ، وَهُوَ لَا يُسْقَى؟ قَالَ: إنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُؤْنَةِ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَجَرُ الْبَعْلِ، وَيَخَافُ هَلَاكَهُ إنْ تُرِكَ جَازَتْ مُسَاقَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ فِيهِ إلَّا حِفْظُهُ وَحَصَادُهُ وَدِرَاسَتُهُ لَمْ تَجُزْ وَتَصِيرُ إجَارَةً فَاسِدَةً، وَلَيْسَ زَرْعُ الْبَعْلِ كَشَجَرِ الْبَعْلِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ زَرْعِهِ عَلَى الضَّرُورَةِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَقَوْلُهُ: قِيلَ فَزَرْعُ الْبَعْلِ إلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَعْنَاهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي شَجَرِ الْبَعْلِ خَوْفُ الْهَلَاكِ كَمَا يُشْتَرَطُ فِي زَرْعِهِ بَلْ مُجَرَّدُ الْحَاجَةِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ذِي ثَمَرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أُخْرِجَ بِهِ الشَّجَرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِطْعَامِ كَالْوَدِيِّ فَإِنَّ مُسَاقَاتَهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَسَيَقُولُ فِي الْمَمْنُوعَاتِ: وَشَجَرٌ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَ سِنِينَ، وَهُوَ يَبْلُغُ أَثْنَاءَهَا انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ وَدِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِطْعَامِ إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ فَهَلْ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الْحَائِطِ جَمِيعِهِ، وَيَكُونُ تَبَعًا؟ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى الْجَوَازُ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (إلَّا تَبَعًا) رَاجِعًا إلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ وَنَصُّ
الْبَاجِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ: وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْعَامِلِ ابْتِدَاءُ عَمَلٍ جَدِيدٍ مِنْ بِئْرٍ يَحْفِرُهَا، أَوْ غَرْسٍ يَغْرِسُهُ فَيَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِهِ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَشْتَرِطُ عَلَى الْعَامِلِ غَرْسًا يَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِهِ فَيَغْرِسُهُ فِي أَرْضِهِ، أَوْ حَائِطِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ يَسِيرًا أَجَزْتُ الْمُسَاقَاةَ، وَأَبْطَلْتُ الشَّرْطَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ لَمْ تَجُزْ.
قَالَ مَالِكٌ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَمَلَ فِي ذَلِكَ فَقَطْ، وَيَكُونُ أَصْلُ الْغَرْسِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْحَائِطِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا تَعْظُمُ فِيهِ الْمُؤْنَةُ فَجَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجِيرٌ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ، قَالَ عِيسَى إنْ كَانَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ دُونَ الْأَصْلِ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَدِيُّ مِنْ الْعَامِلِ رُدَّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ وَلَهُ قِيمَةُ غَرْسِهِ مَقْلُوعًا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ كَذَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ سَقْطٌ مِنْهُ لَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَسْقِيَ الْجَدَاوِلَ إذَا كَانَتْ يَسِيرَةً قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ مِنْ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ الَّذِي جَوَّزُوا اشْتِرَاطَهُ.
ص (وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ)
ش: احْتِرَازًا مِمَّا إذَا حَلَّ بَيْعُهُ كَمَا إذَا أَزْهَى بَعْضُ الْحَائِطِ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَزْهَى بَعْضُ الْحَائِطِ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاةُ جَمِيعِهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: تَسَامَحَ فِي قَوْلِهِ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاةُ جَمِيعِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ لَمْ تَجُزْ مُسَاقَاةُ شَيْءٍ مِنْهُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى رَبِّهِ فِي ذَلِكَ لِجَوَازِ بَيْعِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُسَاقَاةُ إذَا أَزْهَى مَا يُجَاوِرُهُ مِنْ الْحَوَائِطِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ (تَنْبِيهٌ:) ، فَإِذَا عَمِلَ رَبُّ الْحَائِطِ فِي حَائِطِهِ مُدَّةً، ثُمَّ سَاقَاهُ قَبْلَ أَنْ يُثْمِرَ أَوْ بَعْدَ أَنْ أَثْمَرَ، وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ جَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِأُجْرَةِ مَا سَقَى، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ قَالَهُ فِي رَسْمِ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ سَاقَاهُ بَعْدَ أَنْ أَسْقَى شَهْرًا عَلَى أَنْ يَتْبَعَهُ بِمَا سَقَى فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ انْتَهَى.
ص (وَلَمْ يُخْلِفْ)
ش: احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا يُخْلِفُ كَالْبُقُولِ وَالْقَضْبِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَوْزِ وَالْقُرْطِ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْكُرَّاثُ وَكُلُّ مَا لَيْسَ بِشَجَرٍ، وَإِذَا جُزَّ أَخَلْفَ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ رَبُّهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ أَنَّ الْبَصَلَ جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُجَذُّ بِأُصُولِهِ بِخِلَافِ الْكُرَّاثِ فَإِنَّهُ يُجَذُّ وَتَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ.
ص (إلَّا تَبَعًا)
ش: هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبْلَهُ كَمَا ذَكَرنَا عَنْ الْبَاجِيِّ قَبْلُ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ (تَنْبِيهٌ:) وَإِذَا كَانَ مَا يَخْلُفُ تَبَعًا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَا إلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ قَالَهُ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
ص (بِجُزْءٍ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ) ش: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِجُزْءٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ بِكَيْلٍ مُسَمًّى مِنْ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ بَلْ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ جَمِيعُهَا لِلْعَامِلِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا مُسَاقَاةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَيُجْبَرُ الْعَامِلُ أَوْ يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَعْمَلُ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْهِبَةَ لِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَثْرَةِ الْخَرَاجِ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا رَوَاهُ
ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَالَ التُّونُسِيِّ: هِيَ كَالْهِبَةِ، وَإِنْ انْتَفَعَ رَبُّهَا بِسَقْيِ أُصُولِهِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ بَطَلَتْ انْتَهَى.
(قُلْت:) قَالَ اللَّخْمِيُّ مُتَمِّمًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ: وَمَتَى أَشْكَلَ الْأَمْرُ حَمْلًا عَلَى الْمُعَاوَضَةِ لِقَوْلِهِ: أُسَاقِيكَ، وَرَبُّ الْحَائِطِ أَعْلَمُ بِمَنَافِعِهِ وَمَصْلَحَةِ مَالِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ مِنْحَةٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْحِيَازَةِ، وَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَأَمَّا عَكْسُ هَذَا فَظَاهِرٌ جَوَازُهُ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ هُنَا مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ (تَنْبِيهٌ:) يُشْتَرَطُ فِي الْجُزْءِ الْمَأْخُوذِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَلِفًا فَلَوْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ الثَّمَرَةِ وَشَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صِنْفٍ مِنْهَا النِّصْفَ، وَمَنْ صِنْفٍ مِنْهَا الثُّلُثَ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الثِّمَارِ فَسَاقَاهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الثِّمَارِ مِنْهَا بِالنِّصْفِ، وَفِي نَوْعٍ بِالثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْحَائِطُ مُخْتَلِفٌ نَوْعُ شَجَرَةٍ مُخْتَلِطًا كَمُتَّحِدٍ اللَّخْمِيُّ وَاخْتِلَافُ ثَمَرَتِهِ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ كَتَسَاوِيهَا، وَتَعَدُّدُ الْحَوَائِطِ وَثَمَرِهَا سَوَاءٌ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالْعَمَلِ، أَوْ تَقَارَبَ كَوَاحِدٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) وَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ خَيْبَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا بِخَرْصِهَا وَنُؤَدِّي إلَيْكُمْ نِصْفَهَا» هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ نَحْوُهُ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: سَأَلَتْ عِيسَى عَنْ فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُسَاقِيَيْنِ وَالشَّرِيكَيْنِ، فَقَالَ: لَا يَعْمَلُ، وَلَا يَصْلُحُ اقْتِسَامُهُ إلَّا كَيْلًا إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ فَيَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا الَّذِي حَمَلَ عِيسَى الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ إلَيْهِمْ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِيَضْمَنُوا حِصَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ الْعَرَايَا فَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ لِلْقِسْمَةِ خَاصَّةً، وَإِذَا حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ الْخَرْصُ لِلزَّكَاةِ سَلِمَ مِمَّا جَاءَ بِهِ وَأَنْكَرَهُ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ لِصِحَّةِ خَرْصِهِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى وَخَرْصُ الْحَائِطِ لِلْقِسْمَةِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لِلْأَكْلِ بِشُرُوطٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ تَضْمِينُ الْيَهُودِ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي بَعْضِهَا تَخْيِيرُهُمْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ ضَمَانٍ فَأَمَّا تَخْيِيرُهُمْ فِي أَخْذِهِمْ الثَّمَرَةَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِمَا فِيهِ خَرْصٌ عَلَيْهِمْ مِنْ الثَّمَرَةِ يُؤَدُّونَهُ عِنْدَ الْجَدَادِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ فَلَيْسَ بِضَيِّقٍ، وَقَدْ أَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْخَرْصِ بِسَبَبِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا تَخْيِيرُهُمْ فِي الْتِزَامِهِمْ ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا مَفْسُوخًا، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ إجَازَتُهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُعْرِيَ مِنْ الْحَائِطِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُعْرِيَ مِنْ الْحَائِطِ إذْ لَيْسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ إلَّا أَنْ يُعْرِيَ حِصَّةً مِنْ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ فَيَجُوزُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، أَوْ يُعْرِيَ جَمِيعَ حَظِّهِ مِنْ الْحَائِطِ قَالَ، فَإِنْ أَعْرَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُمْضِي نَصِيبَهُ لِلْمُعْرَى، وَيُرْجِعُ نَصِيبَ رَبِّ الْحَائِطِ، وَلَيْسَ لِلْمُعْرِي أَنْ يَقُولَ: اجْمَعُوا حَظِّي فِي هَذِهِ النَّخَلَاتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْرَاهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَاسْتَحَقَّ فَلَا يَلْزَمُ خَلَفُهُ انْتَهَى.
وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَزَادَ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْرَى رَبُّ الْحَائِطِ جَمِيعَ حَظِّهِ، أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ.
ص (بِسَاقَيْتُ) ش قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمُسَاقَاةُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا فَلَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى عَمَلِ حَائِطِي هَذَا بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عِنْدَهُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ: إذَا سَاقَاهُ فِي ثَمَرَةٍ قَدْ طَابَ بَعْضُهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ قَوْلِ سَحْنُونٍ فَإِنَّهُ يُجِيزُهَا وَيَجْعَلُهَا إجَارَةً وَلِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِثْلُهُ وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ اقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الصِّيغَةُ مِثْلُ سَاقَيْتُكَ، أَوْ عَامَلْتُكَ عَلَى كَذَا فَيَقُولُ قَبِلْتُ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ انْتَهَى.
ص
وَلَا نَقْصُ مَنْ فِي الْحَائِطِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ لَا يُخْرِجَ رَبُّ الْحَائِطِ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنْ عَبِيدٍ وَدَوَابَّ وَأُجَرَاءَ وَآلَةٍ يَوْمَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا كَانَ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ رَقِيقٍ وَدَوَابَّ لِرَبِّهِ فَلِلْعَامِلِ اشْتِرَاطُهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَصِيرُ كَزِيَادَةٍ شَرَطَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا، وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ إخْرَاجَ رَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالثَّمَرَةُ لِرَبِّهَا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي مَعْنَاهَا الْمَنْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ، وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَهُمْ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي عَلَى التَّحْرِيمِ لِلتَّعْلِيلِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَآخِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِمَّا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَيَحْيَى، وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ رَقِيقٌ لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بِشَرْطٍ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِمَّا فِي الْحَوَائِطِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهٌ:) فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَفْظُهُ فِي الْأُمِّ قُلْت: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُمُ الْعَامِلُ، وَأَرَادَ الْمَالِكُ إخْرَاجَهُمْ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا عِنْدَ مُعَامَلَتِهِ وَاشْتِرَاطِهِ فَلَا يَنْبَغِي إخْرَاجُهُمْ، وَإِنْ كَانَ إخْرَاجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: اُنْظُرْ قَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ إخْرَاجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، هَلْ هُوَ مُطْلَقًا لِأَجَلِ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، أَوْ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِقَصْدِ إخْرَاجِهِمْ مِنْ الْمُسَاقَاةِ كَمَنْ أَرَادَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَسْكَنِهَا لِكَيْ تَعْتَدَّ، وَمَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُسَاقِيَ حَائِطَهُ فَأَخْرَجَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَسُومُ بِهِ فَلَا بَأْسَ إنَّمَا الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عِنْدَ إرَادَةِ عَقْدِهَا مَعَ مَنْ تَكَلَّمَ مَعَهُ فِيهِ انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا قَالَهُ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ.
[فَرْعٌ لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ رَبِّ الْمَالِ وَدَوَابِّهِ فِي غَيْرِ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ:) وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ رَبِّ الْمَالِ وَدَوَابِّهِ فِي غَيْرِ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُوَطَّإِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِمْ فِي غَيْرِ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يَعْمَلُ بِهِمْ فِي حَوَائِطَ يَمْلِكُهَا، أَوْ حَوَائِطَ سَاقَى عَلَيْهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ عَمِلَ فِيهَا بِأَجْرٍ، وَأَمَّا رَقِيقُهُ وَعُمَّالُهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ حَيْثُ شَاءَ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِمْ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْحَائِطِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ اشْتَرَطَهَا، فَإِنْ فَاتَتْ بِالْعَمَلِ فَقِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُرَدَّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِمْ، وَإِنْ عَمِلَ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى (قُلْت:) إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَيَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا تَجْدِيدٌ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُجَدِّدَ فِيهِ دَوَابَّ وَأُجَرَاءَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حِينَ الْعَقْدِ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا كَاشْتِرَاطِ دَابَّةٍ، أَوْ غُلَامٍ فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَائِزَاتِ فَإِطْلَاقُهُ هُنَا مُقَيَّدٌ بِمَا سَيَأْتِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ الْعَقْدِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إلَّا مَا قَلَّ كَغُلَامٍ أَوْ دَابَّةِ حَائِطٍ كَبِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي صَغِيرٍ، وَرُبَّ حَائِطٍ تَكْفِيهِ دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ لِصِغَرِهِ فَيَصِيرُ هَذَا يَشْتَرِطُ جَمِيعَ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَا قَلَّ فِيمَا كَثُرَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ دَوَابَّ، أَوْ رَقِيقًا لَيْسُوا فِي الْحَائِطِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: لَا يَنْبَغِي عَلَى التَّحْرِيمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَأُخْرِجَ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْ الرَّقِيقِ مَا لَيْسَ فِيهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَهُوَ أَقْيَسُ انْتَهَى.
ص (وَعَمِلَ الْعَامِلُ جَمِيعَ مَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ عُرْفًا) ش: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ عَمِلَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنْ الْعَمَلِ وَالْعَامِلُ
فَاعِلُهُ وَجَمِيعَ مَفْعُولُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِجَرِّ الْعَامِلِ بِعَلَى الْجَارَةِ وَرَفْعِ جَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ غَيْرَ أَنَّ عَلَى أَبْيَنُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اللُّزُومِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّ جَمِيعَ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ وَجَمِيعَ الْمُؤْنَةِ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
يُرِيدُ جَمِيعَ الَّذِي تَفْتَقِرُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ وَيُقْطَعُ بِانْقِطَاعِهَا، أَوْ يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: عَمَلُ الْحَائِطِ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَّا الْيَسِيرُ يَعْنِي كَسَدِّ الْحَظِيرَةِ وَإِصْلَاحِ الضَّفِيرَةِ قَالَ: وَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ، وَكَانَ يَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهَا، أَوْ يَبْقَى بَعْدَهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ فَهَذَا يَلْزَمُ الْمُسَاقَى، وَذَلِكَ كَالْحَفْرِ وَالسَّقْيِ وَزَبْرِ الْكُرُومِ وَتَقْلِيمِ الشَّجَرِ وَالتَّسْرِيبِ وَالتَّسْدِيدِ وَصَلَاحِ مَوَاضِعِ السَّقْيِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْجَدَادِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ قَالَ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَبَّدُ وَيَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرَةِ كَإِنْشَاءِ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ إنْشَاءِ ضَفِيرَةٍ، أَوْ إنْشَاءِ غِرَاسٍ، أَوْ بِنَاءِ بَيْتٍ تُجْنَى فِيهِ الثَّمَرَةُ كَالْجَرِينِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُسَاقَاةِ انْتَهَى.
ص (كَإِبَارٍ)
ش: قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَتَأْبِيرُ النَّخْلِ تَلْقِيحُهُ يُقَالُ نَخْلَةٌ مُؤَبَّرَةٌ مِثْلُ مَأْبُورَةٍ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْإِبَارُ عَلَى وَزْنِ الْإِزَارِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ غَيْرَ هَذَا، وَالْجَارِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ الْإِبَّارُ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ جَائِزٌ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28] فِعَّالٌ فِي بَابِ فَعَّلَ فَاشٍ مِنْ كَلَامِ فِصَاحٍ مِنْ الْعَرَبِ لَا يَقُولُونَ غَيْرَهُ وَسَمِعَنِي بَعْضُهُمْ أُفَسِّرُ آيَةً، فَقَالَ: لَقَدْ فَسَّرْتُهَا فِسَّارًا مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ غَيْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ: هِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَمَانِيَّةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: التَّلْقِيحُ وَالتَّذْكِيرُ وَالْإِبَارُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ التَّلْقِيحِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَقَالَ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا تَقِلُّ مُؤْنَتُهُ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْهَا إبَارُ النَّخْلِ، وَهُوَ تَذْكِيرُهَا انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِبَارِ فَجَعَلَهُ مَرَّةً عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَمَرَّةً عَلَى الْعَامِلِ فَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ الشَّيْءَ الَّذِي يُلَقَّحُ بِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْعَمَلُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْخِلَافِ (قُلْت:) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ عَلَى الْعَامِلِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَكَلَامُهُ الْأَخِيرُ لَا يُعَارِضُ الْأَوَّلَ وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ.
ص (وَأَنْفَقَ وَكَسَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْعَامِلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأُجَرَاءِ، وَأَنْ يَكْسُوَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ، أَوْ لِرَبِّ الْحَائِطِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ نَفْسِهِ وَنَفَقَةُ دَوَابِّ الْحَائِطِ مِنْ رَقِيقِهِ كَانُوا لَهُ، أَوْ لِرَبِّ الْحَائِطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ نَفَقَتَهُمْ، أَوْ نَفَقَةَ الْعَامِلِ نَفْسِهِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَلَا شَيْءَ يَكُونُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي ثَمَرِ الْحَائِطِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُ رَبِيعَةَ تَفْسِيرٌ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ: إنَّ نَفَقَةَ دَوَابِّ رَبِّ الْحَائِطِ عَلَيْهِ
ص (لَا أُجْرَةَ مَنْ كَانَ فِيهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الْأُجْرَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ أُجْرَةُ مَنْ
اسْتَأْجَرَهُ هُوَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَأُجْرَتُهُ عَلَى رَبِّهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَكَذَا قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ غَيْرَ وَجِيبَةٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَا أُجَرَاءَ فِيهِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْبَاجِيَّ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ وَجِيبَةٍ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ مُسْتَأْجِرًا لِجَمِيعِ الْعَامِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا لِبَعْضِهِ، فَلَمْ أَرَ الْآنَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يُتِمُّ الْعَمَلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَلَزِمَهُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْوَاضِحَةِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ يَوْمَ التَّعَاقُدِ مِنْ دَوَابَّ وَرَقِيقٍ فَخَلَفُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَامِلُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إذْ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْعَامِلِ، وَلَوْ شَرَطَ خَلَفَهُمْ عَلَى الْعَامِل لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
، وَلَيْسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا كَلَامُ اللَّخْمِيِّ فَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ خَلَفُ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأُجَرَاءِ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَجِيبَةً، أَوْ غَيْرَ وَجِيبَةٍ، وَكَذَلِكَ إذَا انْقَضَتْ الْأُجْرَةُ فِي بَعْضِ الْعَامِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْأُجْرَةِ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ، أَوْ اسْتِئْجَارُ شَخْصٍ آخَرَ خَلْفَهُ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: ذِكْرُ الْمَوْتِ فِي الْكِتَابِ طَرْدِيٌّ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ: الْإِبَاقُ وَالتَّلَفُ فِي أَوَّلِ الْعَمَلِ كَالْمَوْتِ انْتَهَى.
(قُلْت:) ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا لَوْ أَرَادَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ فِيهِ وَيَأْتِيَ بِمَنْ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَمَا رَثَّ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنْ حِبَالٍ أَوْ أَدْلِيَةٍ وَآلَاتٍ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ إخْرَاجُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ فَعَلَى الْعَامِلِ الْإِتْيَانُ بِهِ، فَإِذَا رَثَّ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنْ الْآلَاتِ أَيْ بَلِيَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَلَفُهُ، أَوْ لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ خَلَفُهُ، وَيَكُونُ خَلَفُهُ عَلَى الْعَامِلِ؟ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قَالَ: وَكَوْنُهُ عَلَى الْعَامِلِ أَظْهَرَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ حَتَّى تَهْلِكَ عَيْنُهُ، وَأَمَدُ انْتِهَائِهَا مَعْلُومٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَمَدُ ذَلِكَ، وَجَزَمَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّ خَلَفَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا رَثَّ إنْ كَانَ بِكَافِ التَّشْبِيهِ كَمَا هُوَ فِي غَالِبِ النُّسَخِ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ قَوْلِهِ لَا أُجْرَةَ مَنْ كَانَ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِمَا هُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ بِلَا النَّافِيَةِ فَهُوَ مُخْرِجٌ مِنْ الْمَنْفِيِّ قَوْلَهُ أَيْ لَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ خَلَفُ مَنْ مَاتَ، أَوْ مَرِضَ مِمَّنْ كَانَ فِيهِ وَعَلَيْهِ خَلَفُ مَا رَثَّ (فَرْعٌ:) فَلَوْ سُرِقَ مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنْ الْأَثَاثِ كَانَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إخْلَافُهَا اتِّفَاقًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِذَا أَخْلَفَهَا رَبُّهُ انْتَفَعَ بِهِ الْعَامِلُ قَدْرَ مَا كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْمَسْرُوقُ، ثُمَّ يُخْتَلَفُ فِيهِ حِينَئِذٍ فَمَنْ قَالَ إذَا بَلِيَ يَلْزَمُ رَبَّهُ خَلَفُهُ قَالَ يَسْتَمِرُّ الْعَامِلُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَمَنْ قَالَ الْخَلَفُ عَلَى الْعَامِلِ قَالَ لِرَبِّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَزَرْعٍ وَقَصَبٍ وَبَصَلٍ وَمَقْثَأَةٍ)
ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مُسَاقَاةِ زَرْعِ الْبَعْلِ أَوَّلَ الْبَابِ وَالْمَقْثَأَةُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الْأَلْفِ
وَالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَهَا
ص (أَوْ كَالْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ)
ش: كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَالصَّرِيحِ فِي هَذَا، وَنَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْقُطْنِ، وَأَمَّا الْمَقَاثِيُّ وَالْبَصَلُ وَقَصَبُ السُّكْرِ فَكَالزَّرْعِ تُسَاقَى إنْ عَجَزَ رَبُّهُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُ مَنْ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا أَظْهَرُ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ الْمُسَاقَاةَ فِي الْيَاسَمِينَ وَالْوِرْدِ جَائِزَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ صَاحِبُهَا عَنْ عَمَلِهَا انْتَهَى.
وَأَمَّا الْقُطْنُ فَاسْتَبْعَدَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقُطْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافًا فِي حَالٍ فَفِي بَعْضِ الْبِلَادِ يَكُونُ شَجَرَةً كَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ تُجْنَى سِنِينَ، وَفِي بَعْضِهَا تَكُونُ كَالزَّرْعِ يُسَاقَى إنْ عَجَزَ رَبُّهُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَلِيُتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.
ص (وَأُقِّتَتْ بِالْجَدَادِ) ش يَعْنِي أَنَّ الشَّأْنَ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنْ تُؤَقَّتَ بِالْجُذَاذِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَلْ التَّوْقِيتُ بِذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةُ، أَوْ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَالَ فِيهَا: وَالشَّأْنُ فِي الْمُسَاقَاةِ إلَى الْجَدَادِ، وَلَا يَجُوزُ شَهْرًا، وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً، وَهِيَ إلَى الْجَدَادِ إذَا لَمْ يُؤَجِّلَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُشْتَرَطُ تَأْقِيتُهَا وَأَقَلُّهُ إلَى الْجُذَاذِ، وَإِنْ أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَيْهِ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ مَعَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ الْمُطْلَقَةِ بَعْدُ، فَإِنْ قُلْت: مُرَادُهُ أَنَّ وُجُودَ الْجَهَالَةِ فِي الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ، وَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ قُلْت: فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجَهَالَةُ مَانِعَةً مِنْ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: وَلَا تَجُوزُ شَهْرًا، وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً ظَاهِرُهُ كَانَ الْأَجَلُ يَنْقَضِي قَبْلَ الْجَدَادِ، أَوْ بَعْدَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ الْجُذَاذِ فَهِيَ زَائِدَةٌ اشْتَرَطَهَا الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ يَعْمَلُ فِي نَصِيبِهِ فَلِهَذَا قَالَ لَا تَجُوزُ شَهْرًا، وَلَا سَنَةً مَحْدُودَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَسْأَلَةٌ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ الَّذِي سَاقَى ثَلَاثَ سِنِينَ أَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جُذَادٍ إلَى جُذَاذٍ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ السِّنِينَ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا هِيَ بِالْأَجِدَّةِ لَا بِالْأَهِلَّةِ بِخِلَافِ الْقَبَالَاتِ الَّتِي إنَّمَا هِيَ بِالْأَهِلَّةِ لَا بِالْأَجِدَّةِ، فَإِنْ سَاقَاهُ السِّنِينَ وَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْخُرُوجَ قَبْلَ الْجُذَاذِ، أَوْ بَعْدَهُ رُدَّ فِي ذَلِكَ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْمُسَاقَاةُ إلَى السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ أُرِيدَ انْقِضَاءُ السَّقْيِ بِانْقِضَاءِ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السِّنِينَ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ التَّمَادِي بِالْعَمَلِ إلَى انْقِضَاءِ شُهُورِ تِلْكَ السَّنَةِ، وَإِنْ جُدَّتْ الثَّمَرَةُ لَمْ تُجَزَّ وَكَانَ الْعَامِلُ فِي السِّنِينَ الْأُولَى عَلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَفِي الْعَامِ الْأَخِيرِ مِنْ حِينِ تُجَدُّ الثَّمَرَةُ إلَى آخِرِ ذَلِكَ الْعَامِ عَلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ انْتَهَى.
(قُلْت:) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنْ تُؤَقَّتَ بِالْجَدَادِ سَوَاءٌ عَقَدَاهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِسِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ عَقَدَاهَا وَأَطْلَقَا حُمِلَتْ عَلَى الْجَدَادِ وَعَلَى أَنَّهَا لِعَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ عَقَدَاهَا لِسَنَةٍ أَوْ لِسَنَتَيْنِ وَأَطْلَقَا حُمِلَتْ أَيْضًا عَلَى الْأَجِدَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ التَّحْدِيدَ بِالسَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَجُزْ وَتَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ بِذَلِكَ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسِنِينَ.
ص (وَحُمِلَتْ عَلَى أَوَّلٍ، لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ) ش، فَإِنْ اُشْتُرِطَ الثَّانِي جَازَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَتْ تُطْعِمُ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ إلَى الْجَدَادِ الْأَوَّلِ حَتَّى يُشْتَرَطَ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ: وَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ نَخْلٍ يُطْعِمُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ كَمَا تَجُوزُ مُسَاقَاةُ عَامَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ مُسَاقَاةِ الْقَضْبِ؛ لِأَنَّ الْقَضْبَ يَحِلُّ بَيْعُهُ وَبَيْعُ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ وَالشَّجَرُ لَا يُبَاعُ ثِمَارُهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ، وَإِنْ كَانَ يُطْعِمُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فَلَيْسَ هُوَ كَالْقَضْبِ الَّذِي يُخْلِفُ لِمَا ذَكَرَهُ، وَالْقَضْبُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكَبَيَاضِ نَخْلٍ، أَوْ زَرْعٍ) ش:
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْبَيَاضُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْضِ الْخَالِيَةِ عَنْ الشَّجَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيَاضُ بَيْنَ أَضْعَافِ السَّوَادِ، أَوْ مُنْفَرِدًا عَنْ الشَّجَرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَبَيَاضِ شَجَرٍ لَكَانَ أَشْمَلَ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إدْخَالُ الْبَيَاضِ الْكَائِنِ مَعَ الشَّجَرِ، أَوْ مَعَ الزَّرْعِ فِي مُسَاقَاةِ الشَّجَرِ، وَفِي مُسَاقَاةِ الزَّرْعِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ)
ش: فَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبَقِيَ شَرْطٌ رَابِعٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَرْثُهُ وَالْعَمَلُ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ نِصْفُ الْبَذْرِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، أَوْ حَرْثُ الْبَيَاضِ فَقَطْ، وَإِنْ جَعَلَا الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهُ الْعَامِلُ مِنْ عِنْدِهِ وَيَعْمَلُهُ، وَمَا أُنْبِتَ بَيْنَهُمَا فَجَائِزٌ انْتَهَى.
ص (كَاشْتِرَاطٍ يُرَدُّ بِهِ)
ش: هَذَا إذَا كَانَ الْعَامِلُ يَسْقِيهِ، أَوْ يَبْذُرُهُ أَوْ يَعْمَلُ فِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَنَالُهُ سَقْيُ الْعَامِلِ قَالَهُ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْلًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُسْقَى بِمَاءِ الْحَائِطِ فَجَائِزٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَسِيَاقُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْبَيَاضِ كَثِيرًا، أَوْ يَسِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأُلْغِيَ لِلْعَامِلِ إنْ سَكَتَا عَنْهُ) ش يَعْنِي أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا سَكَتَا عَنْ الْبَيَاضِ حِينَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَلَا اشْتَرَطَهُ رَبُّ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِلِ يُرِيدُ إذَا كَانَ يَسِيرًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ.
ص (أَوْ اشْتَرَطَهُ) ش يَعْنِي أَنَّ الْعَامِلَ إذَا اشْتَرَطَ الْبَيَاضَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ يُرِيدُ إذَا كَانَ يَسِيرًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ إلْغَاءَ الْبَيَاضِ لِلْعَامِلِ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُلْغَى الْبَيَاضُ، فَيَكُونَ لِلْعَامِلِ، وَهَذَا أَصْلُهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ، فَإِنْ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ، وَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ سَاقَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا أَخْرَجَتْ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ حَبٍّ فَلِمَا اسْتَحَبَّ مَالِكٌ إلْغَاءَ الْبَيَاضِ، فَلِمَ يَسْتَحِبُّ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِهِ بَيْنَهُمَا
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ تَرَكَ لَهُمْ بَيَاضَ النَّخْلِ، فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ هَذَا إذَا كَانَ فِي كَوْنِ الْبَيَاضِ بَيْنَهُمَا كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) فَلَوْ اشْتَرَطَ الْعَامِلُ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ وَزَرَعَهُ، ثُمَّ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ قَالَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: عَلَيْهِ كِرَاءُ الْبَيَاضِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْعَامِلَ لَمَّا أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ أَبَى أَنْ يَتَمَادَى عَلَى عَمَلِ الْحَائِطِ إلَى آخِرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ سِقَائِهِ، وَلَوْ تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْبَيَاضِ كِرَاءٌ قَالَ: وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَزَ الْعَامِلُ عَنْ الْأَصْلِ كَانَ عَلَيْهِ الْبَيَاضُ بِكِرَاءِ مِثْلِهِ فَشَبَّهَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى بِعَجْزِ الْعَامِلِ عَنْ الْعَمَلِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَغَائِبٌ إنْ وُصِفَ وَوَصَلَهُ قَبْلَ طِيبِهِ) ش يَعْنِي أَنَّهُ تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْحَائِطِ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَ الْغِيبَةِ، أَوْ بَعِيدَهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا حَصَلَ الشَّرْطَانِ الْمَذْكُورَانِ الْأَوَّلُ: أَنْ يُوصَفَ لِلْعَامِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَيَذْكُرَ مَا فِيهِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، أَوْ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَهَلْ هُوَ بَعْلٌ، أَوْ سُقِيَ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالْغَرْبِ؟ وَتُوصَفُ أَرْضُهُ، وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَابَةِ، أَوْ غَيْرِهَا وَيَذْكُرُ مَا فِيهِ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَشْجَارِ وَعَدَدِهَا وَالْقَدْرِ الْمُعْتَادِ مِمَّا يُوجَدُ فِيهَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ (تَنْبِيهٌ:) وَانْظُرْ هَلْ يَكْتَفِي بِوَصْفِ رَبِّ الْحَائِطِ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَصِفَهُ غَيْرُهُ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِوَصْفٍ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا: أَنَّ رُؤْيَةَ الْعَامِلِ لِلْحَائِطِ قَبْلَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ بِمُدَّةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا تَقُومُ مَقَامَ الْوَصْفِ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ تُعْقَدَ الْمُسَاقَاةُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالظَّاهِرُ: الْجَوَازُ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاةِ الْحَائِطِ الْغَائِبِ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ إذَا وُصِفَ كَالْبَيْعِ انْتَهَى.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَ الْمُسَاقَاةَ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ وُصُولُ الْعَامِلِ فِيهِ قَبْلَ طِيبِ الْحَائِطِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَوَصَلَهُ قَبْلَ طِيبِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ طِيبِهِ فَلَا تَجُوزُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: هَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ إلَّا بَعْدَ الطِّيبِ (فَرْعٌ:) ، فَإِنْ عَقَدَ الْمُسَاقَاةَ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ وُصُولُهُ قَبْلَ الطِّيبِ فَتَوَانَى فِي طَرِيقِهِ، فَلَمْ يَصِلْ إلَّا بَعْدَ الطِّيبِ لَمْ تَفْسُدْ الْمُسَاقَاةُ بِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ، وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ (فَرْعٌ:) وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ فِي خُرُوجِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَالْقِرَاضِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَاشْتِرَاطُ جُزْءِ الزَّكَاةِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّ الزَّكَاةَ تُخْرَجُ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّكَاةَ فِي حَظِّ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ سَاقَاهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا فَشَأْنُ الزَّكَاةِ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَائِطَ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا يُزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إذَا كَانَ رَبُّهُ حُرًّا مُسْلِمًا، وَكَانَ فِي الْحَائِطِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ أَقَلَّ إذَا كَانَ لِرَبِّهِ حَائِطٌ آخَرُ إذَا ضُمَّ ثَمَرُهُ إلَى مَا خَرَجَ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ حُرًّا مُسْلِمًا أَمْ لَا؟ وَسَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ نِصَابٌ، أَوْ دُونَ النِّصَابِ؟ فَتُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَائِطِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ رَبُّهُ وَالْعَامِلُ مَا بَقِيَ عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ كَافِرًا فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَا فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ، وَلَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا وَحَصَلَ لَهُ نِصَابٌ، وَلَوْ حَصَلَ لِلْعَامِلِ مِنْ حَائِطٍ لَهُ غَيْرِ الْحَائِطِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ بَعْضُ النِّصَابِ لَمْ يُضَمَّ إلَى مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْحَائِطِ سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ أَمْ لَمْ تَجِبْ؟ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ، وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْقِرَاضِ، وَقَالَ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَزَكَاةُ الْمُسَاقَاةِ قَالَ فِي الْبَيَانِ الْوَاجِبُ إخْرَاجُهَا مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَرَةِ إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، أَوْ كَانَ
لِرَبِّ الْحَائِطِ مَا إنْ ضَمَّهُ إلَيْهَا بَلَغَتْ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ اللَّخْمِيُّ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهَا مُزَكَّاةٌ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْحَائِطِ يَجِبُ ضَمُّهَا لِمَالِهِ مِنْ ثَمَرِ غَيْرِهَا وَيُزَكِّي جَمِيعَهَا، وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَتَسْقُطُ إنْ كَانَ رَبُّ الْحَائِطِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ الزَّكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ وَنَقَصَ الْحَائِطُ عَنْ النِّصَابِ فَقِيلَ: يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ نِصْفَيْنِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لِرَبِّ الْحَائِطِ سِتَّةُ أَعْشَارِهَا، وَلِلْعَامِلِ أَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَقْتَسِمَانِ الثَّمَرَةَ أَتْسَاعًا لِرَبِّ الْحَائِطِ خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: يَقْتَسِمَانِهَا مِنْ عِشْرِينَ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا وَلِلْعَامِلِ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَوْ شُرِطَتْ عَلَى الْعَامِلِ، فَلَمْ تَجِبْ فَلَهُ نِصْفُ الْغَلَّةِ كَأَنْ سَكَتَا عَنْهَا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا، وَقِيلَ: تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ عِشْرِينَ وَزَكَّى عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ انْتَهَى.
، وَهَذَا حَيْثُ دَخَلَا عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرَةِ، وَإِلَّا فَلَهُ بِحَسَبِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ
ص (وَسِنِينَ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا بِلَا حَدٍّ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُعْقَدَ الْمُسَاقَاةُ عَلَى سِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ مَا لَمْ تَكْثُر جِدًّا، وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ فِي الْكَثْرَةِ حَدًّا، وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَهُ سِنِينَ مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا قِيلَ: فَعَشَرَةٌ قَالَ: لَا أَدْرِي تَحْدِيدَ عَشَرَةٍ، وَلَا ثَلَاثِينَ، وَلَا خَمْسِينَ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ السُّنَّةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَوَائِطِ؛ إذْ الْجَدِيدُ لَيْسَ كَالْقَدِيمِ فَلَوْ حُدِّدَ لَفُهِمَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ صَاحِبِ الْمُعِينِ أَنَّهُ قَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْمُسَاقَاةُ مِنْ سَنَةٍ إلَى أَرْبَعٍ قَالَ، فَإِنْ طَالَتْ السُّنُونَ جِدًّا فُسِخَتْ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ صَاحِبِ الْمُعِينِ ذَكَرَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَجُوزُ إلَى سِنِينَ، وَالْأَخِيرَةُ بِالْجَدَادِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْبَيَانِ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْجَدَادُ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَنَقَلَهُ فِي الْمُتَيْطِيِّ بِلَفْظِ: فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْجَدَادِ فَعَلَى الْعَامِلِ التَّمَادِي إلَى الْجَدَادِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمَّا نَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهَا تُؤَرَّخُ بِالسَّنَةِ الْعَجَمِيَّةِ قَالَ هَذَا فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ؛ لِأَنَّ السِّنِينَ بِالْعَرَبِيِّ تَنْتَقِلُ انْتَهَى.
(قُلْت:) ، فَإِنْ قَصَدَ التَّحْدِيدَ بِالْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ عَلَى الْجَدَادِ، أَوْ تَأَخَّرَ فَإِنَّ الْمُسَاقَاةَ تَفْسُدُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَأُقِّتَتْ بِالْجَدَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَامِلَ دَابَّةٍ، أَوْ غُلَامًا فِي الْكَبِيرِ)
ش: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ سِنِينَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ، وَهَذَا مِنْ إضَافَتِهِ لِلْفَاعِلِ، وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ؟ وَقَوْلُهُ: فِي الْكَبِيرِ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعِينَهُ بِالدَّابَّةِ، أَوْ غُلَامٍ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ (تَنْبِيهٌ:) قَوْلُهُ: دَابَّةً، أَوْ غُلَامًا بِأَوْ مِثْلُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْبَدَلِ لَا مَجْمُوعُهُمَا، وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ الْيَسَارَةُ كَمَا قَالَ فِيمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَا قَلَّ فِيمَا كَبُرَ انْتَهَى.
(قُلْت:) فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا فَتَأَمَّلْهُ (فَرْعٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إذَا اشْتَرَطَ الْغُلَامَ، أَوْ الدَّابَّةَ فَخَلَفُ مَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ إذْ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْعَامِلِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانُوا فِيهِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ شَرَطَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَانَ عَلَى رَبِّهِ خَلَفُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَقَالَ هَذَا الْعَبْدُ، أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخَلَفَ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا شَرَطَ غُلَامًا، أَوْ دَابَّةً فَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ وَالْحُكْمُ يُوجِبُهُ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْوَاضِحَةِ، وَمَا فِي الْبَيَانِ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ، وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْغُلَامَ، أَوْ الدَّابَّةَ بِإِشَارَةٍ، أَوْ تَسْمِيَةٍ فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا فَالْحُكْمُ يُوجِبُهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ
انْتَهَى.
ص (وَقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَسْمِ الزَّيْتُونِ حَبًّا، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ عَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَزِمَهُمَا أَنْ يَعْصِرَاهُ، وَلَا يَقْتَسِمَاهُ إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ عَنْ سَحْنُونٍ أَنْ مُنْتَهَى الْمُسَاقَاةِ فِي الزَّيْتُونِ جَنْيُهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ فِي الزَّيْتُونِ: إنْ شُرِطَ قَسْمُهُ حَبًّا جَازَ، وَإِنْ شُرِطَ عَصْرُهُ عَلَى الْعَامِلِ جَازَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ زَادَ ابْنُ يُونُسَ فِي نَقْلِهِ لِيَسَارَتِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ شَرَطَا عَصْرَهُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ جَازَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ فَعَصْرُهُ بَيْنَهُمَا، وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٍ قَالَ سَحْنُونٌ: مُنْتَهَى الْمُسَاقَاةِ جَنَاهُ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ: أَنَّ كَلَامَ سَحْنُونٍ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ قَسْمَ الزَّيْتُونِ حَبًّا إنْ شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا عُمِلَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ أَنَّ عَصْرَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا ذَلِكَ، وَكَانَ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ، وَلَا شَرْطٌ فَعَصْرُهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ أَحَبَّ قَسْمَهُ حَبًّا جَازَ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (أَوْ مَا قَلَّ)
ش: لَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِصْلَاحُ جِدَارٍ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْكَافَ فَقَالَ: كَإِصْلَاحِ جِدَارٍ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي جَوَازِهِمَا اشْتِرَاطُهُمَا عَلَى الْعَامِلِ هُوَ يَسَارَتُهَا كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا تَقِلُّ مُؤْنَتُهُ مِثْلَ سَرْوِ الشَّرَبِ، وَهُوَ تَنْقِيَةُ مَا حَوْلَ النَّخْلِ مِنْ مَنَاقِعِ الْمَاءِ، وَجَمِّ الْعَيْنِ، وَهُوَ كَنْسُهَا، وَقَطْعِ الْجَرِيدِ، وَإِبَارِ النَّخْلِ، وَهُوَ تَذْكِيرُهُ، وَسَدِّ الْحِظَارِ، وَالْيَسِيرِ مِنْ إصْلَاحِ الضَّفِيرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقِلُّ مُؤْنَتُهُ، فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَسَرْوُ الشَّرَبِ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مِنْ السَّرْوِ وَبِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ مِنْ الشَّرَبِ.
ص (وَتَقَايُلُهُمَا هَدَرًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْعَامِلَ إذَا عَقَدَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى حَائِطٍ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُقَايَلَةَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ، أَوْ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ بِبَيْعٍ، أَوْ إرْثٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا تَقَايَلَا هَدَرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ شَيْئًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ سَاقَى رَجُلًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الْمُتَارَكَةُ حَتَّى تَنْقَضِيَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّرْكُ إلَّا أَنْ يَتَتَارَكَا بِغَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِبَيْعِ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ؛ إذْ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، فَرَبُّ الْحَائِطِ كَأَجْنَبِيٍّ إذَا تَرَكَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ سَاقَيْتَهُ حَائِطَكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقِيلَكَ عَلَى شَيْءٍ تُعْطِيهِ إيَّاهُ كَانَ قَدْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إنْ أَثْمَرَ النَّخْلُ، فَهُوَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ زُهُوِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُثْمِرْ، فَهُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسَاقَاةِ قَبْلَ الْعَمَلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلِرَبِّ الْحَائِطِ، أَوْ لِلْمُبْتَاعِ عَلَى شَيْءٍ يُعْطَاهُ لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ وَقَعَ، وَلَمْ يُعْثَرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَاتَ بِالْعَمَلِ رُدَّ فِيمَا عَمِلَ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى جُزْءٍ مُسَمًّى، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْعَمَلِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ وَمَنَعَهُ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ
سَمَاعِ أَشْهَبَ خَوْفَ أَنْ تَكُونَ الْمُسَاقَاةُ الَّتِي أَظْهَر أَوَّلًا وَآخِرًا ذَرِيعَةً لِاسْتِئْجَارِ الْعَامِلِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا بِالْجُزْءِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ رُدَّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ لِأَمْرٍ بَدَا لَهُمَا دُونَ دُلْسَةٍ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا بِانْفِرَادِهَا مُسَاقَاةٌ صَحِيحَةٌ انْتَهَى مُخْتَصَرًا مِنْ رَسْمِ الْبُيُوعِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَحَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ، وَذَكَرَهُ فِي الشَّامِلِ بِقِيلِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ (تَنْبِيهٌ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إذْ لِلْعَامِلِ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْرَهُ، فَاسْتَدَلَّ عَلَى مُتَارَكَةِ رَبِّ الْحَائِطِ بِمُسَاقَاةِ الْغَيْرِ، فَجَعَلَهَا مُسَاقَاةً تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنَّمَا أَجَازَهَا بِغَيْرِ لَفْظِهَا؛ لِأَنَّهَا إقَالَةٌ، وَالْإِقَالَةُ مَعْرُوفٌ
ص (وَمُسَاقَاةُ الْعَامِلِ آخَرَ) ش: أَمَّا إذَا سَاقَى عَلَى مِثْلِ الْجُزْءِ الَّذِي سُوقِيَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ إلَّا بِرِضَا رَبِّهِ، وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ رَبُّ الْحَائِطِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الثَّانِي أَكْثَرَ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي سَاقَى عَلَيْهِ صَاحِبَ الْحَائِطِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ سَاقَاهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ النِّصْفُ وَسَاقَى هُوَ الْآخَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثَانِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الَّذِي يَرَى الْمُسَاقَاةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ انْتَهَى.
ص (وَلَمْ تَنْفَسِخْ بِفَلَسِ رَبِّهِ وَبَيْعِ مُسَاقًى)
ش: ظَاهِرُ قَوْلِهِ بِيعَ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاقًى سَنَةً، أَوْ سَنَتَيْنِ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ فِي السَّنَتَيْنِ وَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّ قَوْلَ سَحْنُونٍ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ أَحَبَّ الْمُفْلِسُ تَأْخِيرَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ لِطِيبِهَا وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ تَعْجِيلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مَأْبُورَةٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) مِنْهُ، وَفِي أَكْرِيَةِ الدُّورِ مِنْهَا لِمَنْ أَخَذَ نَخْلًا مُسَاقَاةً، فَغَار مَاؤُهَا بَعْدَ أَنْ سَقَى أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا بِقَدْرِ حَظِّ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الثَّمَرَةِ لِسَنَتِهِ تِلْكَ الْأَكْثَرُ فِي مِثْلِهِ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا زَادَتْ النَّفَقَةُ عَلَى حَظِّ رَبِّ الْأَرْضِ لَا يَلْزَمُهُ، وَمِثْلُهُ فِي رُهُونِهَا خِلَافُ سَمَاعِ سَحْنُونٍ لُزُومُ الرَّاهِنِ إصْلَاحُهَا، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْحَائِطِ غَيْرُهُ بِيعَ مِنْهُ بِمَا يُصْلِحُهَا لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُ الْعَامِلِ انْتَهَى.
ص (وَدَفْعُهُ لِذِمِّيٍّ لَمْ يَعْصِرْ حِصَّتَهُ خَمْرًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَدْفَعَ نَخْلَكَ إلَى نَصْرَانِيٍّ مُسَاقَاةً إنْ أَمِنْتَ أَنْ يَعْصِرَهُ خَمْرًا قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كَيْفَ يَقُولُ هَذَا مَالِكٌ، وَقَدْ سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَمْنَ مِنْ عَصْرِ الْخَمْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَمْنُوعُ إذَا كَانَ يُسْقُونَهُ مُسْلِمًا، وَلَا يُقَالُ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهَا قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْأَمْنِ حَتَّى يُعْلَمَ الْأَمْنُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَكَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ مُسَاقَاةً، أَوْ قِرَاضًا وَلَسْتُ أَرَاهُ حَرَامًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ الْإِذْلَالِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي مِثْلَهُ اخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى اخْتِصَارِهِمَا يَكُونُ مَالِكٌ نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاضِ وَقَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ كَرَاهَةَ الْمُسَاقَاةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ كَرَاهَةَ مَالِكٍ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلَيْنِ التَّحْرِيمِ لِمَالِكٍ وَالْكَرَاهَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ
ص (لَا مُشَارَكَةَ رَبِّهِ) ش: يُشِيرُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى مَا فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ، وَنَصُّهُ: قَالَ وَسُئِلَ عَنْ رَبِّ الْحَائِطِ يَقُولُ لِرَجُلٍ تَعَالَ أَسْقِ أَنَا وَأَنْتَ حَائِطِي هَذَا، وَلَكَ نِصْفُ الثَّمَرَةِ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنَّمَا الْمُسَاقَاةُ أَنْ يُسْلِمَ الْحَائِطَ إلَى الدَّاخِلِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ، وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ، فَإِنْ وَقَعَ وَفَاتَ بِالْعَمَلِ كَانَ الْعَامِلُ فِيهِ أَجِيرًا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ اشْتَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ بِخِلَافِ إذَا شَرَطَ الْعَامِلُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْحَائِطِ هَذَا قَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَغَيْرِهَا إنَّهُ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يَجُوزُ، وَلَا يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ غُلَامًا يَعْمَلُ مَعَهُ إذَا كَانَ الْحَائِطُ كَبِيرًا يَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ الْغُلَامِ وَالدَّابَّةِ انْتَهَى.
ص (وَفُسِخَتْ فَاسِدَةً بِلَا عَمَلٍ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ أَكْثَرَ إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَبَعْدَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إنْ خَرَجَا عَنْهَا كَأَنْ ازْدَادَ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا وَإِلَّا، فَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أُطْعِمَ، أَوْ مَعَ بَيْعٍ أَوْ اشْتَرَطَ عَمَلَ رَبِّهِ، أَوْ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا، وَهُوَ صَغِيرٌ، أَوْ حَمْلَهُ لِمَنْزِلِهِ، أَوْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ آخَرَ أَوْ اخْتَلَفَ الْجُزْءُ سِنِينَ، أَوْ حَوَائِطَ كَاخْتِلَافِهِمَا، وَلَمْ يُشَبِّهَا) ش لَمَّا ذَكَرَ أَرْكَانَ الْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطَهَا عُلِمَ أَنَّ الْفَاسِدَةَ مَا اخْتَلَّ مِنْهَا رُكْنٌ، أَوْ
شَرْطٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ لَهَا ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ الْأُولَى: أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَسَادِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ فَسْخُهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَفُسِخَتْ فَاسِدَةً بِلَا عَمَلٍ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَسَادِهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ، وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ كَمَا إذَا كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ وَقَعَتْ عَلَى سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَالْحُكْمُ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَجَبَ فَسْخُ الْمُسَاقَاةِ حِينَ يُعْثَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ لَمْ تُفْسَخْ الْمُسَاقَاةُ وَيَسْتَمِرَّانِ إلَى تَمَامِ الْعَمَلِ، وَإِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ أَكْثَرَ إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: أَوْ فِي أَثْنَائِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنْ بَعْدَ سَنَةٍ لَكَانَ أُوضِحَ، بَلْ لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي إذَا اُطُّلِعَ عَلَى فَسَادِهَا عِنْدَ كَمَالِ السَّنَةِ أَنْ تُفْسَخَ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فِي بَاقِي السِّنِينَ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ قَدْ تَمَّ عَمَلُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَخَذَ مُسَاقَاةَ مِثْلِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَذْهَبْ عَمَلُهُ بَاطِلًا، فَلِمَ يَتْرُكُونَهُ يَعْمَلُ فِي بَقِيَّةِ السِّنِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَائِطَ قَدْ تَقِلُّ ثَمَرَتُهُ فِي عَامٍ، وَتَكْثُرُ فِي آخَرَ، فَلَوْ لَمْ يَتَمَادَ عَلَى الْعَمَلِ فِي جَمِيعِ السِّنِينَ لَكَانَ فِيهِ غَبْنٌ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ سَاقَى حَائِطَهُ، وَقَدْ أُطْعِمَ عَلَى تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي أَطْعَمَ فِيهَا، أَوْ عَلَى سِنِينَ بَعْدَهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّهُ إنَّمَا تَفُوتُ كُلُّ سَنَةٍ بِظُهُورِ الثَّمَرَةِ فِيهَا، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَوْ فِي أَثْنَائِهِ إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِلَّا تَمَادَى، وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، وَكَانَ مُشِيرًا إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ لَكَانَ أَبَيْنَ، فَقَوْلُهُ: إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ إلَخْ وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا أَعْنِي قَوْلَهُ: بِلَا عَمَلٍ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلِلْفَاسِدَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ قَبْلَ الْعَمَلِ، فَتُفْسَخُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي إذَا عُثِرَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَجَبَ فَسْخُهَا عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ فَاسِدَةً، وَإِذَا فَسَخُوا الْبِيَاعَاتِ الْمَكْرُوهَةَ قَبْلَ الْفَوَاتِ، فَالْفَاسِدُ أَوْلَى بِالْفَسْخِ انْتَهَى.
وَكَذَا أَطْلَقَ ابْنُ شَاسٍ الْفَسْخَ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْعَمَلِ، وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّ الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا وَقَعَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي جَوَّزَهُ الشَّارِعُ، فَإِنَّهَا تُفْسَخُ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْعَمَلِ وَرَدِّ الْحَائِطِ إلَى رَبِّهِ انْتَهَى.
وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ: أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ مَا عُثِرَ عَلَى فَسَادِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَأْخِيرُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا فِي بَيَانِهَا كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ (تَنْبِيهٌ:) إنَّمَا قُلْنَا: الْمُسَاقَاةُ تُفْسَخُ إذَا عُثِرَ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِلِ حِينَئِذٍ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ، وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ، فَلَا تُفْسَخُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَى تَمَامِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنَّمَا يَرْجِعُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَسَخْنَاهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا كَالْجُعْلِ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ قَالَهُ فِي: التَّوْضِيحِ: ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ بِمَالِهِ بَلْ أَشَارَ إلَيْهِ عِيَاضٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ انْتَهَى هَذَا: إنَّ إجَارَةَ الْمِثْلِ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ رَبِّ الْحَائِطِ، وَإِنَّ مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ لَا تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، بَلْ تَكُونُ فِي الْحَائِطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْقِرَاضِ مُخْتَلَفًا فِيهِ انْتَهَى.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَسَادِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إجَارَةُ الْمِثْلِ، وَفِي بَعْضِهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَبَعْدَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ يُشَبِّهَا، وَالْمَعْنَى، وَإِنْ اُطُّلِعَ عَلَى فَسَادِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ، فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي بَعْضِ
الصُّوَرِ إجَارَةُ الْمِثْلِ، وَفِي بَعْضِهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، فَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إنْ خَرَجَا عَنْهَا أَيْ عَنْ الْمُسَاقَاةِ إلَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَأَنْ ازْدَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي اُشْتُرِطَ فِي الْمُسَاقَاةِ عَيْنًا، أَوْ عَرَضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ، فَقَدْ خَرَجَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ إلَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِي حَائِطِهِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِالْعُرُوضِ وَبِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ، وَتِلْكَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَيُحَاسِبُهُ رَبُّ الْحَائِطِ بِمَا كَانَ أَعْطَاهُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الثَّمَرَةِ، وَإِذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْعَامِلِ، فَقَدْ خَرَجَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ أَيْضًا إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ الْجُزْءَ الْمُسَمَّى فِي الْمُسَاقَاةِ بِمَا دَفَعَ مِنْ الدَّنَانِيرِ، أَوْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ الْعُرُوضِ، أَوْ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَأْخُذَ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ مَا زَادَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَإِلَّا أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا خَرَجَا عَنْ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنَّمَا جَاءَهَا الْفَسَادُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا عَقَدَاهَا عَلَى غَرَرٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ هِيَ الْوَاجِبَةُ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسَائِلَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، وَعَدَّهَا تِسْعًا، فَقَالَ: كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أُطْعِمَ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ طَابَتْ ثَمَرَةُ نَخْلِهِ، فَسَاقَاهُ هَذِهِ السَّنَةِ وَسَنَتَيْنِ بَعْدَهَا لَمْ يَجُزْ وَفُسِخَ، وَإِنْ وَجَدَ الْعَامِلُ الثَّمَرَةَ كَانَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَمَا أَنْفَقَ فِيهَا، فَإِنْ عَمِلَ بَعْدَ جَدَادِ الثَّمَرَةِ لَمْ تُفْسَخْ بَقِيَّةُ الْمُسَاقَاةِ، وَلَهُ اسْتِكْمَالُ الْحَوْلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، وَلَهُ فِيهِمَا مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، وَلَا أَفْسَخُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْعَامِ الثَّانِي؛ إذْ قَدْ تَقِلُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الثَّانِي، وَتَكْثُرُ فِي الثَّالِثِ، فَأَظْلِمُهُ، وَهَذَا كَأَخْذِ الْعَرَضِ قِرَاضًا إنْ أُدْرِكَ بَعْدَ بَيْعِهِ، وَإِنْ أَدَّى وَبَعْدَ أَنْ يَعْمَلَ فُسِخَ، وَلَهُ أَجْرُ بَيْعِهِ انْتَهَى.
، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ فُسِخَتْ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا سَقَى، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ حَتَّى شَرَعَ فِي الثَّانِي كَانَ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْأُولَى، وَمُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فِيمَا بَعْدَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَصَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ أَوْ مَعَ بَيْعٍ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا سَاقَاهُ حَائِطَهُ بِجُزْءٍ وَبَاعَهُ سِلْعَةً مَعَ الْمُسَاقَاةِ، فَفِي ذَلِكَ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ قَالَ: أَوْ مَعَ إجَارَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الشَّرْحَ الْكَبِيرَ: لِبَهْرَامَ، أَوْ اشْتَرَطَ عَمَلَ رَبِّهِ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْحَائِطِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ نَزَلَ، فَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَوْ مُشَارَكَةَ رَبِّهِ، إذَا قَالَ رَبُّ الْحَائِطِ لِرَجُلٍ: تَعَالَ أَسْقِ أَنَا وَأَنْتَ حَائِطِي، وَلَكَ نِصْفُ ثَمَرِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ حَمَلَهُ لِمَنْزِلِهِ يُشِيرُ إلَى مَا قَالَ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُ قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ حَمْلَ نَصِيبِهِ إلَى مَنْزِلِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُسَاقَى عَلَى الْعَامِلِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ، هَذِهِ زِيَادَةٌ تَزْدَادُهَا قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ مُؤْنَةٌ قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَرِيبَ الْمِيلِ، وَمَا أَشْبَهَهُ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي، وَقَالَهُ أَصْبَغُ قَالَ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ فِي الْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَفَاتَتْ، رُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ بِلَا حُمْلَانٍ عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْجُزْءُ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي الشَّرْطِ ابْنُ رُشْدٍ، أَمَّا اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ حَمْلَ نَصِيبِهِ إلَى مَنْزِلِهِ، فَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ، وَكَرَاهِيَتُهُ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ زَادَهَا رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ إذَا وَقَعَ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُرَدَّ إذَا فَاتَ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ إلَّا فِي الْمَكَانِ الْقَرِيبِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُرَدَّ فِيهِ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْبَغَ: أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي الْمَكَانِ الْبَعِيدِ، فَهُوَ بَعِيدٌ لَا يَتَخَرَّجُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرُدُّ الْعَامِلَ فِي الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ كُلِّهَا إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي الْمُقَدِّمَاتِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَاخْتُلِفَ إذَا فَاتَتْ بِالْعَمَلِ مَاذَا يَجِبُ لِلْعَامِلِ فِيهَا بِحَقِّ
عَمَلِهِ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُرَدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُرَدُّ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَفِي بَعْضِهَا إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ، وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا خَرَجَا فِيهَا عَنْ حُكْمِهَا إلَى حُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا بِمَا اشْتَرَطَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ زِيَادَةٍ يَزِيدُهَا إيَّاهُ خَارِجَةً عَنْهَا، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُسَاقِيَهُ فِي حَائِطٍ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَاقَاهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا مِنْ الْعُرُوضِ، فَقَدْ اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطِهِ بِمَا أَعْطَاهُ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَإِذَا زَادَهُ الْعَامِلُ، فَقَدْ اشْتَرَى مِنْهُ الثَّمَرَةَ بِمَا أَعْطَاهُ وَبِعَمَلِهِ، فَيُرَدُّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْرُجَا عَنْ حُكْمِهَا، وَإِنَّمَا عَقَدَاهَا عَلَى غَرَرٍ مِثْلُ أَنْ يُسَاقِيَهُ حَائِطًا عَلَى النِّصْفِ وَآخَرَ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ عَمَلِ الْحَائِطِ مَا لَا يَلْزَمُ مِمَّا لَا يَبْقَى لِرَبِّ الْحَائِطِ مَنْفَعَتُهُ مُؤَبَّدَةً، فَإِنَّهُ يُرَدُّ فِي ذَلِكَ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ يَأْتِي عَلَيْهَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمُسَاقَى، أَوْ أَقَلَّ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا وَأَطْلَقَهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِقُرْبِ الْمَكَانِ، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَتَبِعَهُ هُنَا، وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ آخَرَ يُشِيرُ إلَى مَا فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى قِيلَ لَهُ: فَحَائِطٌ سَاقَاهُ صَاحِبُهُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ حَائِطٍ لَهُ آخَرَ؟ قَالَ: هَذَا حَرَامٌ، قِيلَ لَهُ: فَقَدْ وَقَعَ؟ قَالَ: يُعْطَى فِي الَّذِي اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ كِفَايَتُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيُرَدُّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي الْآخَرِ ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُ هَذَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: أَنَّهُ يُعْطَى أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الْحَائِطِ الَّذِي اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ كِفَايَةُ مُؤْنَتِهِ، وَيُرَدُّ فِي الْآخَرِ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ، وَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ، فَإِنْ نَزَلَ، فَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ فِي الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الْآخَرِ قَالَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: هُوَ أَجِيرٌ فِي الْحَائِطَيْنِ، وَقَوْلُهُ: كَاخْتِلَافِهِمَا، وَلَمْ يُشَبِّهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَارِضَانِ فِي أَجْزَاءِ الرِّبْحِ قَبْلَ الْعَمَلِ رُدَّ الْمَالُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِقَوْلِ رَبِّهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ كَالصَّانِعِ إذَا جَاءَ بِمَا يُشَبَّهُ، وَإِلَّا رُدَّ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا التَّشْبِيهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِلْوَجْهِ الثَّانِي: إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الْفِعْلِ، وَلَا يَرْجِعُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَاقَاةِ إذَا اخْتَلَفَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَقَالَ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَارَضَانِ فِي أَجْزَاءِ الرِّبْحِ قَبْلَ الْعَمَلِ رُدَّ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُسَاقَاةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِيمَا يُشْبِهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يَعْنِي فِي قِلَّةِ الْجُزْءِ وَكَثْرَتِهِ، وَقَوْلُهُ: " الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ " يُرِيدُ بَعْدَ الْعَمَلِ، فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَهَا فِي الْقِرَاضِ، ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: وَإِلَّا رُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ يَعْنِي إذَا أَتَى رَبُّ الْمَالِ بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ إذَا أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَيَخْتَلِفُ، وَإِنْ أَتَى أَحَدُهُمَا بِمَا يُشْبِهُ دُونَ الْآخَرِ هَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ؟ قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ، فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ وَأَتَى الْآخَرُ بِمَا يُشْبِهُ حَلَفَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ إلَّا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ انْتَهَى.
وَعَزَا الشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِلْقَرَافِيِّ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ إذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِ صِقِلِّيَّةَ: مَا فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، فَالْعَامِلُ فِيهِ أَحَقُّ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَرَةِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَكَذَا مَا يُرْجِعُ فِيهِ لِقِرَاضِ الْمِثْلِ فِي الْقِرَاضِ يُرِيدُ، وَمَا يُرْجِعُ فِيهِ لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا يَكُونُ فِي الْقِرَاضِ أَحَقَّ فِي مَوْتٍ، وَلَا فَلَسٍ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ يَكُونُ أَحَقَّ فِي الْفَلَسِ لَا فِي الْمَوْتِ انْتَهَى.
وَهَذِهِ آخِرُ مَسْأَلَةٍ فِي كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ سَاقَيْته، أَوْ أَكَرِيَتَهُ، فَأَلْفَيْته سَارِقًا لَمْ تَنْفَسِخْ، وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ سَاقَيْتَهُ حَائِطَكَ، أَوْ أَكْرَيْتَ مِنْهُ دَارَكَ، ثُمَّ أَلْفَيْتَهُ سَارِقًا لَمْ يُفْسَخْ لِذَلِكَ سَقْيٌ، وَلَا كِرَاءٌ وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ مُفْلِسٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِذَلِكَ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فِي كُلِّ هَذَا نَظَرٌ، وَهَذَا عَيْبٌ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ السَّارِقِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ: سَارِقًا يَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ بِالثَّمَرَةِ، أَوْ يَقْلَعَ الْجُذُوعَ، وَفِي الْمُكْتَرِي يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَبِيعَ أَبْوَابَهَا انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ الْأَجِيرِ يَفْسَخُ إجَارَتَهُ فِي غَيْرِهَا، وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ، فَأَلْفَاهُ سَارِقًا، فَهُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ، فَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَجِيرَ فِي الْخِدْمَةِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكِرَاءَ فِي الْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ وَوَقَعَ فِي مَنَافِعَ مُعَيَّنَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى دَابَّةً، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي وَالْمُفْلِسِ وَالْمُسَاقِي إنَّمَا وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْهُ أَكْرَى عَلَيْهِ وَسُوقِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفْسَخْ الْعَقْدُ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، أَوْ أَكْرَيْتَهُ أَيْ أَكْرَيْتَ مِنْهُ بَيْتَكَ، أَوْ مَتَاعَكَ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ أَكْرَى نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ، فَإِنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ يُرِيدُ إذَا أَمْكَنَ التَّحَفُّظُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَكْرَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، أَوْ سَاقَى كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ.
ص (وَسَاقِطُ النَّخْلِ كَلِيفٍ كَالثَّمَرَةِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَسَاقِطُ النَّخْلِ مِنْ لِيفٍ وَجَرِيدٍ وَنَحْوِهِمَا كَالثَّمَرَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا كَانَ مِنْ سَوَاقِطِ النَّخْلِ، أَوْ مَا يَسْقُطُ مِنْ بَلَحٍ وَغَيْرِهِ وَالْجَرِيدِ وَاللِّيفِ وَمِنْ الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا مِنْ الْأَجْزَاءِ انْتَهَى.
ص (وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَصُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بَعْدَ الْعَمَلِ، وَإِلَّا تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَلَالِ سَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْعَمَلِ، أَوْ بَعْدَهُ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَفَصَّلَ فِي تَوْجِيهِ الْيَمِينِ فِي اخْتِلَافِهِمَا بَعْدَ الْعَمَلِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ كَلَامِ الشَّامِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَصَّرَ عَامِلٌ عَمَّا شَرَطَ حُطَّ بِنِسْبَتِهِ) ش: وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَ مَطَرٌ وَدَخَلَ الْحَائِطَ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى سَقْيٍ فِي مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ أُجْرَةِ السَّقْيِ قَالَهُ فِي رَسْمِ سِنٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ إنْ زَادَ الْعَمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ، أَوْ
نَقَصَ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ لِسَقْيِ حَائِطٍ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَجَاءَ الْمَطَرُ، فَأَقَامَ فِيهِ حِينًا لَوَجَبَ أَنْ يُحَطَّ مِنْ إجَارَتِهِ بِقَدْرِ مَا أَقَامَ الْمَاءُ فِي الْحَائِطِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
[كِتَابُ الْإِجَارَةِ]
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأَجْرُ الْجَزَاءُ عَلَى الْعَمَلِ كَالْإِجَارَةِ مُثَلَّثَةً انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُقَال آجَرَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الْمَدَّ، وَهُوَ مَنْقُولٌ، قَالَ: وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَادَّةِ الثَّوَابَ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَهِيَ مَنَافِعُ خُصِّصَتْ الْإِجَارَةُ بِبَيْعِ الْمَنَافِعِ عَلَى قَاعِدَةِ الْعُرْفِ فِي تَخْصِيصِ كُلِّ نَوْعٍ تَحْتَ جِنْسٍ بِاسْمٍ لِيَحْصُلَ التَّعَارُفُ عِنْدَ الْخِطَابِ قَالَ: وَقَدْ غَلَبَ وَضْعُ الْفِعَالَةِ بِالْكَسْرِ لِلصَّنَائِعِ نَحْوُ الصِّنَاعَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَالْفَعَالَةِ بِالْفَتْحِ لِأَخْلَاقِ النُّفُوسِ نَحْوَ السَّمَاحَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالْفُعَالَةِ بِالضَّمِّ لِمَا يُطْرَحُ مِنْ الْمُحْقَرَاتِ نَحْوَ الْكُنَاسَةِ وَالْقُلَامَةِ وَالْفُضَالَةِ وَالنُّخَالَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: حَقِيقَتُهَا: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ زَمَنًا مَعْلُومًا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّهَا عُرْفًا: بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا أَمْكَنَ نَقْلُهُ غَيْرَ سَفِينَةٍ، وَلَا حَيَوَانٍ لَا يَعْقِلُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا بَعْضُهُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا، فَيَخْرُجُ كِرَاءُ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالسُّفُنِ وَالرَّوَاحِلِ، وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُغَارَسَةُ وَالْجُعْلُ، وَقَوْلُ الْقَاضِي مُعَاوَضَةٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ، لَا يَخْفَى بُطْلَانُ طَرْدِهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ: بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ مَعَ خُرُوجِ فَاسِدِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ الْغَرْنَاطِيُّ: الْإِجَارَةُ تُطْلَقُ عَلَى مَنَافِعِ مَنْ يَعْقِلُ، وَالْأَكْرِيَةُ عَلَى مَنَافِعِ مَنْ لَا يَعْقِلُ الْبُرْزُلِيُّ يُرِيدُ اصْطِلَاحًا، وَقَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَفِي غَرَرِهَا إنْ اسْتَأْجَرْت مِنْهُ دَارًا بِثَوْبٍ إلَى آخِرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: وَقَدْ خُصَّ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْمِ الْإِجَارَةِ، وَمَنَافِعُ الْمُتَمَلَّكَاتِ بِاسْمِ الْكِرَاءِ انْتَهَى.
وَالْمُوَثِّقُونَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَسْتَفْتِحُونَ عُقُودَ الْأَرَاضِي وَالْجَنَّاتِ بِلَفْظِ " تُقْبَلُ " وَمَعْنَى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ انْتَهَى.،
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَرِيقًا فِي دَارِ رَجُلٍ وَمَسِيلِ مَصَبِّ مِرْحَاضٍ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ اهـ قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَحُكْمُهَا: الْجَوَازُ ابْتِدَاءً، وَاللُّزُومُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يُفْسِدُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُحَمَّدٌ، وَهِيَ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا الصَّقَلِّيُّ خِلَافُ الْأَصَمِّ فِيهَا لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا عَقْدُهَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ انْتَهَى.
وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِنْسَانُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بَلْ بِنَفْسِهِ وَوَجَبَتْ إعَانَتُهُ نَقَلَهُ الْأَبِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِي حَدِيثِ نُزُولِ السَّيِّدِ عِيسَى وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا: قَالَ قَالَ فِي اللُّبَاب: التَّعَاوُنُ وَدَفْعُ الْحَاجَاتِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] انْتَهَى.
[بَابُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ]
ص (بَابُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِعَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ) ش: ذَكَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَرْكَانِهَا - الْعَاقِدَ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَذَكَرَ الْأَجْرَ وَسَيَذْكُرُ
الْمَنْفَعَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصِّيغَةَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ اللُّبَابِ فَقَالَ: هِيَ لَفْظٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ:) لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ يَسْتَخِيطُهُ الثَّوْبَ، فَإِذَا فَرَغَ أَرْضَاهُ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ، وَبِهَذَا اُعْتُذِرَ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ هَذِهِ هِيَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَنَصُّهَا: وَسُئِلَ عَنْ الْخَيَّاطِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْخُلْطَةُ، وَلَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسَتَخِيطُهُ الثَّوْبَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، وَجَاءَ بِهِ أُرَاضِيهِ عَلَى شَيْءٍ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَجَازُوهُ وَمَضَوْا عَلَيْهِ، وَهُوَ نَحْوُ مَا يُعْطِي الْحَجَّامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَارِطَ عَلَى عَمَلِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ، وَمَا يُعْطِي فِي الْحَمَّامِ، وَالْمَنْعُ مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ تَضْيِيقٌ عَلَى النَّاسِ وَحَرَجٌ فِي الدِّينِ وَغُلُوٌّ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ، وَقَالَ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 77] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ السُّنَّةِ مَا ثَبَتَ مِنْ
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ» وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الصَّانِعُ حَتَّى يُقَاطَعَ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ أَيْضًا قَالَ، وَلَا يَبْلُغُ التَّحْرِيمَ وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ
[فَرْعٌ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطٍ فَقَالَ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ وَقَالَ رَبُّهُ لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: إذَا قُلْت: خِطْهُ بِدِرْهَمٍ، وَقَالَ بِدِرْهَمَيْنِ، فَخَاطَهُ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّكَ أَعْلَمْتَهُ بِمَا تَرْضَى بِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَاكِنِ الدَّارِ انْتَهَى.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا لِخَيَّاطٍ، فَقَالَ: لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، وَقَالَ رَبُّهُ: لَا أَخِيطُهُ إلَّا بِدِرْهَمٍ، وَجَعَلَهُ عِنْدَهُ، فَخَاطَهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمٌ قَالَ: وَمَنْ سَكَنَ مَنْزِلًا، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: بِدِينَارَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَقَالَ السَّاكِنُ: لَا أُعْطِي إلَّا دِينَارًا وَإِلَّا خَرَجْت إنْ لَمْ تَرْضَ، فَسَكَنَ، وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى تَمَّتْ السَّنَةُ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِينَارٌ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْخَيَّاطِ: لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ كِرَاءِ الْمَنْزِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الثَّوْبِ لَمْ يَتَوَلَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهَا بَيْنَ تَقَدُّمِ قَوْلِ الْخَيَّاطِ، وَقَوْلِ صَاحِبِ الثَّوْبِ بِخِلَافِ الْمَنْزِلَ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ تَوَلَّى اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِذَلِكَ، فَفَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَقَدُّمُ قَوْلِ السَّاكِنِ وَتَأَخُّرِ قَوْلِهِ عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ حُكْمَ مَا أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ السِّلَعِ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ حُكْمُ مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْمَنْفَعَةِ مَعَ عِلْمِ رَبِّ الْمَنْزِلِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلَيْهِمَا الْآخَرُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِكَلَامٍ جَيِّدٍ، وَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَمَسْأَلَةِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِرَاءِ الدُّورِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الرِّوَايَاتِ، فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ ثَانٍ) عُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ الْأُجْرَةِ بِالثَّمَنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ أَوْ التَّفْصِيلِ دُونَ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ وَنُقِلَ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ وَسَحْنُونٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَمْتَنِعُ حِرَاسَةُ الْأَنْدَرِ كُلَّ إرْدَبٍّ مَثَلًا بِقَدَحٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ مَجْهُولُ الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ مَا يُفْسِدُهُ مِنْ أَعْمَالٍ مَجْهُولَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ سُئِلَ عَنْ حُرَّاسِ الزَّرْعِ وَالزَّيْتُونِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِالضَّمَانِ، أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ عَلَيْهِ مُدَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ تَفْرِيغُ الشِّبَاكِ وَالْأَحْمَالِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: أَمَّا اسْتِئْجَارُهُمْ لِكُلِّ قَفِيزٍ مُدَّانِ، فَجَائِزٌ، فَإِنْ شَرَطُوا تَفْرِيغَ الشِّبَاكِ وَنُزُولَ الْأَحْمَالِ، فَيَلْزَمُ، وَشَرْطُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ لَا يَلْزَمُ، وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ الْبُرْزُلِيُّ يَجْرِي عَلَى شَرْطِ ضَمَانِ مَا لَا يُضْمَنُ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْعَوَارِيّ، وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ قَفِيزٍ بِمُدَّيْنِ جَائِزٌ مَعْنَاهُ إذَا عَرَفَ صِفَتَهُمَا كَمَا قَالَ: وَيُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِفَرْكِ سُنْبُلِهِ، وَلَا يُرَاعَى كَثْرَةُ الْأَقْفِزَةِ مِنْ قِلَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كُلِّ قَفِيزٍ، فَهُوَ مَجْهُولُ الْجُمْلَةِ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا، وَفِي الذَّخِيرَة عَنْ الْأَبْهَرِيِّ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَالَ الْأَبْهَرَيْ يَمْتَنِعُ حَمْلُ الزَّرْعِ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي كُلِّ مِائَةِ إرْدَبٍّ تَخْرُجُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ؛ إذْ لَا يَدْرِي كَمْ إرْدَبًّا يَخْرُجُ؟ وَتَجُوزُ بِالْقَتَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُحْزَرُ، وَلَعَلَّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ حِرَاسَتِهِمْ الْأَنْدَرَ كُلَّهَا بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصِيبُ أَلْفًا وَمِائَةَ قَفِيزٍ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ هَلْ هُوَ عَلَى قَدْرِ الرُّءُوسِ أَوْ الصَّابَّةِ؟ فَأَجَابَ: اسْتِئْجَارُهُمْ الْأَنْدَرَ بِأَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ إنْ كَانَ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الْأَنْدَرِ وَرُؤْيَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَبَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَحُصُولِهِ، فَجَائِزٌ، وَيَكُونُ مَفْضُوضًا عَلَى قَدْرِ الصَّابَّةِ، وَوَقَعَ لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْأَوَّلُ: أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا، هَلْ هِيَ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ، أَوْ عَلَى الرُّءُوسِ؟ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ أَكَرِيَةِ الدُّورِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَكَرِيَةِ الدُّورِ: وَلَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ دَارِكَ، وَقَدْ عَلِمْت بِهِ، فَلَمْ تُخْرِجْهُ لَزِمَهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ
أَبُو الْحَسَنِ لِاحْتِمَالِ تَرْكِهِ لِلْإِرْفَاقِ وَكَوْنِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِجَارَةِ، فَلَمَّا اُحْتُمِلَ الْوَجْهَانِ كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْأَمْلَاكَ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِالنَّصِّ أَنَّهُ أَرْفَقَهُ، فَيُخْتَلَفُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ إلَّا بِسُكُوتِهِ، فَلَا يَمِينَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِهِ فَاقْتَضَاهُ أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْوَكَالَاتِ، وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَيْنٍ لِاقْتِضَائِهِ دُونَ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَاقْتَضَاهُ، أَوْ بَعْضَهُ وَطَلَبَ الْأُجْرَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَجَبَتْ لَهُ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ لِذَلِكَ مُتَطَوِّعًا (قُلْت:) إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ أُجْرَةً فِيمَا وُلِّيَ، أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَكِرَاءِ الدُّورِ إذَا سَكَنَ طَائِفَةٌ مِنْ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ انْتَهَى.
وَفِي رَسْمِ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الرُّهُونِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يَرْهَنُ الدَّارَ مِنْ رَجُلٍ يَضَعُهَا عَلَى يَدَيْهِ وَيَقْتَضِي غَلَّتَهَا، وَيَقُومُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَطْلُبُ أَنْ يُعْطَى فِي ذَلِكَ أَجْرًا فِيمَا قَامَ بِهِ قَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي مِثْلُهُ يُشْبِهُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَجْرٍ، وَمِثْلُهُ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ طَلَبَهُ، فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ مِثْلُهُ يَعْنِي، فَلَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا نَحْوُ مَا فِي رَسْمٍ جَامِعٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ إجَارَةُ مِثْلِهِ إنْ كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَعْمَلُ بِالْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا أَقَامَ فِي ذَلِكَ، وَعَنَى بِهِ احْتِسَابًا، وَإِنَّمَا، فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعَ بِحَقِّهِ فِيهِ عَلَى مَعْنَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
وَلَهُ أَيْضًا فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُ، مَسْأَلَةٌ: طَالِبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْبِضَاعَةِ كَالْقِرَاضِ، وَفِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الذَّخِيرَةِ إذَا تَهَدَّمَتْ دَارٌ، فَتَقُومُ عَلَيْهَا فَلَكَ الْأُجْرَةُ إنْ كَانَ مِثْلُكَ يَعْمَلُ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ مَا تَبَرَّعْت انْتَهَى.
وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِيَّةُ فِي إيصَالِ النَّفْعِ لِلْغَيْرِ ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَوَاخِرِ الْإِجَارَةِ، وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ فِي الرُّهُونِ، وَفِي اللُّقَطَةِ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: إذَا عَجَزَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ عَنْ عَلَفِهَا وَسَيَّبَهَا، فَأَعْلَفَهَا غَيْرَهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا رَبُّهَا قَالَ مَالِكٌ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى تَرْكِهَا بِالْإِضْرَارِ لِذَلِكَ، وَيَدْفَعُ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي الرُّكْنِ الثَّالِث مِنْ الْإِجَارَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قِيَامِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَامَ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ تَشْبِيهِ الْعَاقِدِ هُنَا بِعَاقِدِ الْبَيْعِ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ صَحَّ، وَوَقَفَ عَلَى رِضَاهُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَيْسَ لِذِي الْأَبِ وَالْوَصِيِّ أَنْ يُؤَاجِرَا أَنْفُسَهُمَا دُونَ إذْنِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَا نَظَرَا فِي ذَلِكَ، فَمَا رَأَيَاهُ مِنْ رَدٍّ أَوْ إمْضَاءٍ فَعَلَاهُ مَا لَمْ يَعْمَلَا، فَإِنْ عَمِلَا كَانَ لَهُمَا الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، فَإِنْ أَصَابَهُمَا مِنْ سَبَبِ الْعَمَلِ شَيْءٌ فَلَهُمَا قِيمَةُ مَا نَقَصَهُمَا أَوْ دِيَتُهُمَا إنْ هَلَكَا، وَلَهُمَا الْأُجْرَةُ إلَى يَوْمِ أَصَابَهُمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمَا فِيمَا أَصَابَهُمَا مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْعَمَلِ شَيْءٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ آجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِنْ آجَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِثْلُهُ لَا يُؤَاجِرُ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَأَنْفَقَ الْأَبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْأَبُ غَنِيًّا، وَالِابْنُ عَدِيمًا لَا مَالَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فِيمَا لَا مَعَرَّةَ عَلَى الِابْنِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ فَقِيرًا، أَوْ مُقِلًّا، أَوْ يُرِيدُ تَعْلِيمَ الِابْنِ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَبَسَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا فَضَلَ مِنْ عَمَلِ الصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الصَّبِيُّ مِنْ الْعَمَلِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، أَوْ يَمْرَضَ فَلَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُ، وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا]
(فَرْعٌ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ: وَيَجُوزُ عَقْدُ الْحَاضِنَةِ عَلَى مَحْضُونِهَا أُمًّا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يَنْفَسِخُ إلَّا أَنْ يُزَادَ الصَّبِيُّ فِي أُجْرَتِهِ فَتَقْبَلَ الزِّيَادَةُ وَيَفْسَخَ عَقْدُ الْأُمِّ، وَيَنْظُرَ لَهُ
أَحْسَنَ الْمَوَاضِعِ، وَلَوْ كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْدِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ فِيهِ غَبْنًا عَلَى الْيَتِيمِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اسْتِئْجَارُ الْأَعْزَبِ الْمَرْأَةَ لِتَخْدُمَهُ فِي بَيْتِهِ]
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَعْزَبِ الْمَرْأَةَ لِتَخْدُمَهُ فِي بَيْتِهِ مَأْمُونًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ جَازَ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَجَالَّةً لَا إرْبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ شَابَّةً وَمُسْتَأْجِرُهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي اللَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَفِي الْجُعْلِ مِنْهَا فِي تَرْجَمَةِ إجَارَةِ نَزْوِ الْفَحْلِ: وَأَكْرَهُ لِلْأَعْزَبِ أَنْ يُؤَاجِرَ حُرَّةً لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ أَوْ أَمَةً لِخِدْمَةٍ يَخْلُو مَعَهَا أَوْ يُعَادِلَهَا فِي مَحْمَلٍ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ الْكَبِيرُ اُنْظُرْ هَلْ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا، أَوْ عَلَى الْمَنْعِ؟ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَلْوَةً وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ، وَفِي رَسْمِ لَمْ يُدْرَكْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ النِّكَاحِ: وَسُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْعَزَبَةِ الْكَبِيرَةِ تُلْجَأُ إلَى الرَّجُلِ فَيَقُومُ لَهَا بِحَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلُهَا الْحَاجَةَ هَلْ تَرَى لَهُ ذَلِكَ حَسَنًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَلْيُدْخِلْ مَعَهُ غَيْرَهُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ تَرَكَهَا النَّاسُ لَضَاعَتْ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّهُ جَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُومَ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي حَوَائِجِهَا وَيُنَاوِلَهَا الْحَاجَةَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِمَّا لَا يَظْهَرُ مِنْ زِينَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] ، وَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الدُّخُولِ عَلَيْهَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ لِيُبْعِدَ سُوءَ الظَّنِّ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ صَفِيَّةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَ لَهُمَا: إنَّهَا صَفِيَّةُ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا فَتَهْلِكَا» انْتَهَى.
ص (وَعُجِّلَ إنْ عُيِّنَ، أَوْ بِشَرْطٍ، أَوْ عَادَةٍ، أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا كِرَاءُ حَجٍّ فَالْيَسِيرُ وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةً)
ش: اعْلَمْ أَنَّ التَّعْيِينَ تَارَةً يَكُونُ فِي الْأُجْرَةِ وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقْضَى بِتَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ إذَا شُرِطَ التَّعْجِيلُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، أَوْ شَيْئًا مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ، وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِالتَّعْجِيلِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ التَّعْجِيلَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ شَيْئًا مُعَيَّنًا أَوْ شَيْئًا مَضْمُونًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأُجْرَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَالْمَضْمُونَةُ، وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِالتَّعْجِيلِ إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ مَضْمُونَةً فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ وَتَأَخَّرَ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ يَوْمَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ عُيِّنَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا، فَإِنْ شُرِطَ تَعْجِيلُهُ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَقُضِيَ بِتَعْجِيلِهِ لِلشَّرْطِ وَالْعُرْفِ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عُرْفٌ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا يُرَدُّ هَذَا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ عِنْدَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْعُرْفُ التَّأْخِيرَ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: يُعَجَّلُ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ، وَلَا اُشْتُرِطَ التَّعْجِيلُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ مِنْهَا: وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ، أَوْ دَارًا، أَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ عَيْنٍ، أَوْ عَرَضٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ طَعَامٍ فَتَشَاحَّا فِي النَّقْدِ، وَلَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْكِرَاءِ فِي الْبَلَدِ بِالنَّقْدِ جَازَ وَقُضِيَ بِقَبْضِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُنَّتُهُمْ بِالنَّقْدِ لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ، وَإِنْ عُجِّلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَوْبٍ، أَوْ حَيَوَانٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ لَا يُقْبَضَ إلَّا إلَى شَهْرٍ، وَيُفْسَخُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ اكْتَرَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِدَنَانِيرَ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ تَشَاحَّا فِي النَّقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ بِالْبَلَدِ بِالنَّقْدِ قُضِيَ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا أَيْ: يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهُ فِي الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ: أَوَّلًا إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ، الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَكِنْ إنْ اُشْتُرِطَ النَّقْدُ فِي الْعَقْدِ جَازَ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ لَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ شَرَطَ ضَمَانَهَا إنْ تَلِفَتْ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فَأَرَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ هَذَا فِي طَعَامٍ، وَلَا عَرَضٍ فِي بَيْعٍ، وَلَا كِرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُبْتَاعُ لِعَيْنِهِ فَلَا يَدْرِي أَيَّ الصَّفْقَتَيْنِ ابْتَاعَ، وَلَا يُرَادُ مِنْ الْمَالِ عَيْنُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الدَّنَانِيرِ: هُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: فَأَرَى الْكِرَاءَ إنْ كَانَ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ، مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِمْ النَّقْدُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَا يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ كِرَاءِ الدَّابَّةِ بِقَوْلِهِ وَبِدَنَانِيرَ عُيِّنَتْ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلَفِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا يُرِيدُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا إلَّا بَعْدَ طُولٍ، وَأَمَّا إنْ قَرُبَ الشُّرُوعُ، فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْكِرَاءِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمَضْمُونُ فِي الْكِرَاءِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَوْ فِي الْغَدِ فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَاطِ تَأْخِيرِ الْكِرَاءِ إلَى أَجَلٍ وَقَوْلُهُ: إلَّا كِرَاءُ حَجٍّ فَالْيَسِيرُ لَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ لَكَانَ أَشْمَلَ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ، وَنَصُّهُ: تَعْجِيلُ النَّقْدِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ إلَى أَجَلٍ هُوَ.
الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطٍ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْجِيلِ بَعْضِهِ وَتَأْخِيرِ بَاقِيهِ دُونَ شَرْطٍ فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَكْرَى إلَى الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِ الْحَجِّ لِيَخْرُجَ فِي إبَّانِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَجَّ، وَقَالَ: كَمْ مِنْ كَرِيٍّ ذَهَبَ بِالْكِرَاءِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ
عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ النَّقْدِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ أَكْثَرَهُ، أَوْ ثُلُثَيْهِ، وَقَالَ مِثْلَهُ أَشْهَبُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ قَدْ اقْتَطَعَ الْأَكْرِيَاءُ أَمْوَالَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُدَهُ الدِّينَارَ وَالدِّينَارَيْنِ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِثْلُ الْحَجِّ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ، وَالْيَسِيرُ الدِّينَارُ وَالدِّينَارَانِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمُيَاوَمَةً أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْإِجَارَةُ مَضْمُونَةً بَلْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، أَوْ كَانَتْ مَضْمُونَةً إلَّا أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عُرْفٌ وَالْأَجْرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ الْأُجْرَةُ مُيَاوَمَةً، وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ، وَلَا عَادَةٌ أُخِذَ مُيَاوَمَةً قَالَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَتَنَاوَلُ الصَّنَائِعَ، بَلْ الْإِجَارَةُ فِي الْعُرْفِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهَا وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الصَّانِعَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ يُقَالُ عَلَيْهِ، وَمَا قَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ هُوَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الدَّعْوَى فِي الْإِجَارَةِ، وَنَصُّهَا: وَإِذَا أَرَادَ الصُّنَّاعُ وَالْأُجَرَاءُ تَعْجِيلَ الْأَجْرِ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَامْتَنَعَ رَبُّ الْعَمَلِ حُمِلُوا عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ سُنَّةٌ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَّا فِي الْأَكْرِيَةِ فِي دَارٍ أَوْ رَاحِلَةٍ، أَوْ فِي إجَارَةِ بَيْعِ سِلْعَةٍ وَنَحْوِهِ فَبِقَدْرِ مَا مَضَى، وَلَيْسَ لِلْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ نِصْفَ الْقَمِيصِ أَخْذُ نِصْفِ الْأُجْرَةِ حَتَّى يُتِمَّ؛ إذْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ بَلْ مُعَيَّنَةً يَجُوزُ التَّقْدِيمُ، وَالتَّأْخِيرُ مَحِلُّهُ مَا إذَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ، أَوْ تَأَخَّرَ الشُّرُوعُ نَحْوَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الْأُجْرَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْبَيَانِ: الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِثْلُ نَسْجِ الْغَزْلِ وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَضْمُونَةٌ فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، أَوْ تَعْجِيلِهِمَا، وَمُعَيَّنَةٌ فِي عَيْنِهِ فَتَجُوزُ بِتَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَتَأْخِيرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ شَرَعَ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَتَأْخِيرُ الشُّرُوعِ إلَى يَوْمَيْنِ لَا يَضُرُّ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَبُو الْحَسَنِ وَإِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَانْظُرْ كَلَامَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَكِرَاءُ دَابَّةٍ إلَى شَهْرٍ، وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْعَمَلُ مُعَيَّنًا عَلَى أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ إلَّا إلَى أَجَلٍ، وَكَانَ الْأَجْرُ شَيْئًا مُعَيَّنًا تَفْسُدُ هَذِهِ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَجْرِ مُعَيَّنًا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ، وَكَوْنُ الْعَمَلِ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ إلَى أَجَلٍ يَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ صَرَّحَ بِكَوْنِ الْعَمَلِ مَضْمُونًا كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى كَذَا فِي ذِمَّتِكَ إنْ شِئْتَ عَمِلْتَهُ بِيَدِكَ، أَوْ بِغَيْرِكَ أَوْ مُعَيَّنًا كَاسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى عَمَلِ كَذَا بِنَفْسِكَ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ مَضْمُونٌ كَقَوْلِهِ أَعْطَيْتُكَ كَذَا عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ حُمِلَ عَلَى الْمَضْمُونِ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ كَانَ عَمَلُهُ مَقْصُودًا لِرِفْقِهِ وَإِحْكَامِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ التَّعْيِينَ كَاسْتَأْجَرْتُكَ عَلَى خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ، أَوْ عَلَى أَنْ تَخِيطَهُ، وَلَا يَقُولُ: أَنْتَ فَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ، أَوْ الْمُعَيَّنِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمَضْمُونِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِيَدِهِ، أَوْ يَكُونَ قَصْدَ عَمَلَهُ لِرِفْقِهِ وَإِحْكَامِهِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ:) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ: إنْ قَامَ مَنْ آجَرَ عَبْدَهُ يَطْلُبُ أَجْرَهُ بَعْدَ تَمَامِ عَمَلِهِ فَأُجْرَتُهُ تَجْرِي مَجْرَى الْحُقُوقِ فِي الْفُسْحَةِ وَضَرْبِ الْأَجَلِ، وَإِذَا آجَرَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، أَوْ الْحُرُّ وَطَلَبَ ذَلِكَ بَعْدَ الْخِدْمَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَا كَالْحُقُوقِ عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَيَجِبُ تَعْجِيلُ أَجْرِهِمَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَ الْأَجِيرُ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ بِأُجْرَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ يَطْلُبَ فَيُحْمَلَ مَحْمَلَ الْحُقُوقِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ:) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: كَرِهَ
مَالِكٌ نَقْدَ الْكِرَاءِ فِي السُّفُنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْبَلَاغِ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ نَافِعٍ، وَقَالَ: لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ مَا قَطَعَ، فَإِنْ عَطِبَ قَبْلَ الْبَلَاغِ وَادَّعَيْتَ النَّقْدَ صُدِّقَ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَا يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لِلتُّهْمَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ انْتَهَى.
ص (كَمَعَ جُعْلٍ)
ش: أَيْ، وَكَذَلِكَ تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ إذَا جَمَعَهَا مَعَ الْجُعْلِ، وَقَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (فَرْعٌ:) لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْإِجَارَةِ مَعَ السَّلَفِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ دَفَعْت إلَى حَائِكٍ غَزْلًا يَنْسِجُ لَكَ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُسْلِفَكَ فِيهِ رِطْلًا مِنْ غَزْلٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ يَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ مِنْ الْبَيْعِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ انْتَهَى.
ص (لَا بَيْعٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ مَعَ الْبَيْعِ لَيْسَتْ بِفَاسِدَةٍ بَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهَا مَعَهُ، وَأَطْلَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي غَيْرِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ كَمَا لَوْ بَاعَ لَهُ جُلُودًا عَلَى أَنْ يَحْذُوَهَا الْبَائِعُ نِعَالًا لِلْمُشْتَرِي فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مَشْهُورٌ بِالْمَنْعِ خَلِيلٌ هُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ: هَذَا هُوَ الَّذِي فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي آخِرِ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَقَالَ: جَائِزٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ عَلَى حَالٍ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ كَبَيْعِهِ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَتَهُ، أَوْ قَمْحًا عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ، أَوْ فِيمَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ إعَادَتُهُ لِلْعَمَلِ كَبَيْعِهِ صُفْرًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ الْبَائِعُ مِنْهُ قَدَحًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إعَادَتُهُ لِلْعَمَلِ كَبَيْعِهِ غَزْلًا عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ نَسْجَهُ، أَوْ الزَّيْتُونَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ عَصْرَهُ، أَوْ الزَّرْعَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ حَصَادَهُ وَدَرْسَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي رَسْمِ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَفِي رَسْمِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَفِي كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، وَنَصُّهُ: وَأَمَّا إنْ ابْتَعْت ثَوْبًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ لَكَ أَوْ نَعْلَيْنِ عَلَى أَنْ يَحْذُوَهُمَا فَلَا بَأْسَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ ابْتَعْت مِنْهُ قَمْحًا عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ لَكَ فَاسْتَخَفَّهُ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ كَرِهَهُ، وَكَانَ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَعْرُوفًا، وَجُلُّ قَوْلِهِ فِيهِ: التَّخْفِيفُ عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: فَإِنْ هَلَكَ الثَّوْبُ أَوْ الْقَمْحُ قَبْلَ خِيَاطَتِهِ، أَوْ قَبْلَ طَحْنِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ الْإِجَارَةِ، وَكَانَ ضَمَانُ الْبَاقِي مِنْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرُ الْبَائِعِ يَتَوَلَّى عَمَلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَمَلَهُ لَضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ صَانِعٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ الْقَبَّابُ فِي بَابِ بَيْعِ الْغَرَرِ زَادَ اللَّخْمِيُّ فِيمَا لَا يُعْرَفُ وَجْهُ خُرُوجِهِ وَتُمْكِنُ إعَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى جُمْلَةَ مَا يَعْمَلُ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا أُعِيدَ نَقَصَ مِنْهُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ إلَّا دُونَ الْأَوَّلِ كَالْفِضَّةِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ صِيَاغَتَهَا، وَالصُّفْرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ أَقْدَاحًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(الثَّانِي:) مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَنْ يَدْفَعَ الْإِنْسَانُ ثَوْبَهُ لِمَنْ يُرَقِّعُهُ لَهُ، أَوْ نَعْلَهُ لِمَنْ يُشْرِكُهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُرِيَهُ الْجِلْدَ وَالرُّقْعَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبِيعٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ مِنْ الصِّفَةِ فِي الشَّيْءِ الْغَائِبِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ حَالَةَ الْعَقْدِ هَذَا إذَا كَانَ عِنْدَ الصَّانِعِ الْجُلُودُ وَالرِّقَاعُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَجَلِ السَّلَمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَعْدَمُ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى طُولِ الْأَجَلِ، وَيَكْفِي الْوَصْفُ التَّامُّ كَمَا فِي سَائِرِ السَّلَمِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالْوَصْفِ إلَّا إذَا كَانَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ غَيْرَ مَوْجُودٍ عِنْدَهُ حِينَ الْعَقْدِ، وَلَا
يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ غَالِبًا لِكَوْنِهِ لَا يَعْدَمُهُ وَيَكْثُرُ عِنْدَهُ قَالَهُ الْقَبَّابُ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ.
(الثَّالِثُ:) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْمَبِيعَ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِيهِ كَذَا، أَوْ يَعْمَلَ لَهُ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى الْمَبِيعَ بِثَمَنٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ بِأُجْرَةٍ أُخْرَى فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ (الرَّابِعُ:) إذَا اشْتَرَى جُبْنًا، أَوْ لَحْمًا بِالْوَزْنِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَقْلِيَ ذَلِكَ فَذَكَرَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي فَصْل خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى السُّوقِ مِنْ الْمَدْخَلِ أَنَّ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا مِنْ الْمَنْعِ مِنْهَا أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ الدُّهْنَ الَّذِي يُقْلَى بِهِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ وَأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مَا يُوقِدُ بِهِ تَحْتَهُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهُ بَعْدَ الْقَلْيِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أُجْرَةَ قَلْيِهِ، وَهَذَانِ الْأَخِيرَانِ لَا يَضُرُّ جَهْلُهُمَا كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْأَوَّلَانِ فَالْمَنْعُ بِسَبَبِهِمَا ظَاهِرٌ.
(الْخَامِسُ:) إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَقَالَ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُحَطُّ عَنْ الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ الْخِيَاطَةِ وَالطَّحْنِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مِمَّنْ يَعْمَلُ تِلْكَ الصِّنَاعَاتِ بِنَفْسِهِ فَيُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الصُّنَّاعِ فِي الضَّمَانِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الثَّوْبِ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: يَوْمَ ذَهَبَ، وَيُقَوَّمُ غَيْرُ مَعْمُولٍ، وَيُفَضُّ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ عَلَى الثَّوْبِ وَالْعَمَلِ، فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْهُ مَا نَابَ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الْقِيمَةِ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَدَّاهُ، وَإِنْ قَامَتْ عَلَى الضَّيَاعِ بَيِّنَةٌ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَفُضَّ الثَّمَنُ أَيْضًا عَلَى الثَّوْبِ وَالْعَمَلِ فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْهُ إلَّا مَا نَابَ الثَّوْبَ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ، فَإِنْ هَلَكَ الثَّوْبُ، أَوْ الْقَمْحُ قَبْلَ خِيَاطَتِهِ، أَوْ قَبْلَ طَحْنِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ الْإِجَارَةِ، وَكَانَ ضَمَانُ الْبَاقِي مِنْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ غَيْرُ الْبَائِعِ يَتَوَلَّى عَمَلَ ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَمَلَهُ لَضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ صَانِعٌ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَاعَ بَعْدَ الْعَمَلِ لَمْ يُحَطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ هُوَ الصَّانِعَ، أَوْ غَيْرَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (السَّادِسُ) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي الضَّيَاعِ هَلْ هُوَ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فَتَأَمَّلْهُ (السَّابِعُ:) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ لَا يَتَوَلَّى الْعَمَلَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذِهِ التَّفْرِيعَاتُ كُلُّهَا إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ حَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ الْقَاضِي قَوْلًا بِالْمَنْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّامِنُ:) الْبَيْعُ وَالْكِرَاءُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَغَيْرِهِ.
ص (وَكَجِلْدٍ لِسَلَّاخٍ)
ش: هُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالْجِلْدِ لَمْ يَجُزْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ حَيَّةً، أَوْ مَذْبُوحَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ السَّلَّاخُ عِنْدَهُ إلَّا بَعْدَ السَّلْخِ، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ هَلْ يَخْرُجُ سَلِيمًا مِنْ الْقَطْعِ أَمْ لَا؟ وَفِي أَيْ جِهَةٍ يَكُونُ الْقَطْعُ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِالْكَافِ لِيُدْخِلَ اللَّحْمَ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى سَلْخِ شَاةٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِرَأْسِ الشَّاةِ أَوْ بِالْأَكَارِعِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ إنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الذَّبْحِ فَقَطْ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى السَّلْخِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ تَصِحُّ ذَكَاتُهَا أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى السَّلْخِ وَحْدَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْجُلُودِ عَلَى ظُهُورِ الْخِرْفَانِ فِي الْبُيُوعِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تَأْتِيَ هُنَا اهـ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا سَيَأْتِي.
ص (وَنُخَالَةٍ لِطَحَّانٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْجُزَافِ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِصَاعٍ مِنْ النُّخَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اطْحَنْهُ وَلَكَ صَاعٌ مِنْ نُخَالَتِهِ فَيَحْتَمِلُ
أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الطَّحْنِ بِصَاعٍ مِنْ الدَّقِيقِ وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ صِفَةِ الدَّقِيقِ دُونَ النُّخَالَةِ غَالِبًا، وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَى الْمُسَاوَاةِ بِالدَّقِيقِ؛ لِأَنَّ مِنْ الطَّحْن مَا تَخْرُجُ نُخَالَتُهُ كَثِيرَةَ الْأَجْزَاءِ، وَمِنْهُ مَا لَا تَخْرُجُ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ: لَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالْجِلْدِ وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ لَمْ تَجُزْ (قُلْت:) الْجِلْدُ جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِهِ وَالنُّخَالَةُ تُجْرَى عَلَى حُكْمِ الدَّقِيقِ انْتَهَى.
، وَنَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ بِلَفْظِ النُّخَالَةُ تُجْرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الدَّقِيقِ وَعِبَارَتُهُ أَصَحُّ وَأَحْسَنُ لِإِيهَامِ الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كُلٍّ مِنْ صُورَتِي النُّخَالَةِ أَعْنِي صُورَةَ الْجُزَافِ وَصُورَةَ الْمَكِيلِ فَتَأَمَّلْهُ وَالْمَشْهُورُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّقِيقِ جَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ بِصَاعٍ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ بِصَاعٍ مِنْ النُّخَالَةِ، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَفِي قَوْلِ صَاحِبِ الشَّامِل وَجَازَ طَحْنٌ بِجُزْءٍ مِنْ دَقِيقِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لَا بِالنُّخَالَةِ، أَوْ صَاعٍ مِنْهَا وَجَازَ بِدِرْهَمٍ وَصَاعٍ مِنْهَا نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ظَاهِرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا:) أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ بِصَاعٍ مِنْهَا جَائِزٌ إمَّا عَلَى الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الدَّقِيقِ، أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْهُمَا (الثَّانِي:) قَوْلُهُ: وَجَازَ بِدِرْهَمٍ وَصَاعٍ مِنْهَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجُزْءِ ثَوْبٍ لِنَسَّاجٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَفْسُدُ إذَا جَعَلَ أُجْرَةَ النَّسَّاجِ جُزْءَ الثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ لِلْجَهْلِ، وَكَذَلِكَ جُزْءُ جِلْدٍ، أَوْ جُلُودٍ لِدَبَّاغٍ قَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ
وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَاجِرَهُ عَلَى دَبْغِ جُلُودٍ أَوْ عَمَلِهَا، أَوْ يَنْسِجُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ ذَلِكَ إذَا فَرَغَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَخْرُجُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ بِهِ انْتَهَى.
فَهَذَا مَجْهُولٌ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ بِأَجْرِهِ» ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فَلْيُؤَاجِرْهُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: جُزْءُ ثَوْبٍ أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءِ الْغَزْلِ، أَوْ بِجُزْءِ الْجِلْدِ، أَوْ الْجُلُودِ قَبْلَ الدِّبَاغِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ تَعْجِيلَ ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ الْعُرْفُ، وَإِلَّا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ لَهُ نِصْفَ الْجُلُودِ وَنِصْفَ الْغَزْلِ مِنْ الْآنَ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ نَسْجَ الْجَمِيعِ، أَوْ دَبْغَ الْجَمِيعِ، ثُمَّ يَأْخُذُ جُزْءَهُ فَلَا يَجُوزُ لِلتَّحْجِيرِ، فَإِنْ أَعْطَاهُ الْغَزْلَ عَلَى جُزْءٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ مِنْ الثَّوْبِ، أَوْ مِنْ الْغَزْلِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَصْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: فَلَوْ دَخَلَ عَلَى جُزْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مُنِعَ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِنْ قَالَ ادْبَغْ نِصْفَ هَذِهِ الْمِائَةِ بِنِصْفِهَا وَشَرَطَا نَقْدَ النِّصْفِ جَازَ إذَا كَانَتْ تَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ وَالْعَدَدِ، أَوْ تَتَقَارَبُ، وَإِنْ تَبَايَنَ اخْتِلَافُهُمَا لَمْ يَجُزْ مِنْ أَجْلِ الْجَهْلِ بِمَا يَدْبُغُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَدْبُغُ سِتِّينَ، أَوْ أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ يَفْسُدُ مِنْ أَجْلِ الْجَهْلِ بِمَا يَصِيرُ لِلْعَامِلِ فِي أُجْرَتِهِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ نِصْفِهَا عَلَى الشِّيَاعِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ فِي الْقَسْمِ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ قَالَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَتَّى قَاسَمَهُ وَدَبَغَ جَمِيعَهَا كَانَ لَهُ النِّصْفُ الَّذِي أَخَذَهُ أُجْرَةً بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهُ بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ، وَلَهُ إجَارَةُ الْمِثْلِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ انْتَهَى.
وَكَذَا لَوْ فَاتَ النِّصْفُ الَّذِي أَخَذَهُ أُجْرَةً بِغَيْرِ الدَّبْغِ لَلَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبَضَهُ، وَلَوْ كَانَ النِّصْفُ قَائِمًا لَرَدَّهُ، وَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ:) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ بِالْجِلْدِ وَالنَّسَّاجَ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّوْبِ وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالثَّوْبُ وَالْجُلُودُ لِرَبِّهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُرِيدُ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ النِّصْفَ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ فَعَلَى هَذَا إنْ فَاتَتْ الْجُلُودُ بِيَدِ الصَّانِعِ بَعْدَ الدَّبْغِ فَلَهُ نِصْفُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ خَرَجَتْ مِنْ الدِّبَاغِ، وَلِرَبِّهَا النِّصْفُ الْآخَرُ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي دِبَاغِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ الْجُلُودِ قَبْلَ الدَّبْغِ عَلَى أَنْ يَدْبَغَهَا مُجْتَمِعَةً فَأَفَاتَهَا بِالدِّبَاغِ فَلَهُ نِصْفُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ فِي نِصْفِهَا لِلتَّحْجِيرِ فِي نِصْفِ الدَّابِغِ، وَهَذَا بَيِّنٌ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِي ضَمَانِ الصَّانِعِ لِنِصْفِهَا فِي هَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ إذَا شَرَعَ فِي دِبَاغِهَا، وَيُخْتَلَفُ فِي فَوَاتِهَا بِالشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لَيْسَ قَبْضًا حَقِيقِيًّا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا قَبَضَهُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَعْنِي إذَا قَالَ لَهُ: ادْفَعْ الْمِائَةَ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَهَا بَعْدَ الدَّفْعِ إنْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ مِنْ التَّمَادِي حَتَّى يَفْرُغَ، وَكَذَلِكَ النَّسْجُ إنْ شَرَطَ أَنْ يَنْسِجَ لَهُ غَزْلًا بِنِصْفِهِ فَأَخَذَ فِي النَّسْجِ مُكِّنَ مِنْ التَّمَادِي؛ لِأَنَّ فِي نَزْعِهَا عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَضَرَّةً وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: هَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ: إنَّ مَا يُرَدُّ مِنْهَا لِإِجَارَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ، وَلَوْ بَعْدَ الْعَمَلِ، بِخِلَافِ مَا يُرَدُّ لِمُسَاقَاةِ الْمِثْلِ، وَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ الظَّاهِرُ، فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسَائِلَ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَأُخْرَى يُرْجَعُ فِيهَا إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ، وَهَكَذَا: الْجَوَابُ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يُعْطَى الْعَامِلُ أُجْرَةً عَنْ الْمَاضِي، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ التَّمَادِي، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ بَعْدَ الْعَمَلِ حَتَّى يَتِمَّ مَا دَخَلَ فِيهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ الْعِوَضُ فِيهَا مِنْ الثَّمَرَةِ، فَلَوْ فُسِخَتْ ذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَفِي الْإِجَارَةِ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ لَا يَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ هَذَا فِي آخِرِ الْمُسَاقَاةِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ صِقِلِّيَّةَ وَزَادَ مَعَ الْمُسَاقَاةِ الْقِرَاضَ
قَالَ: وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَ مَعْزُوٍّ، وَكَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَكَذَا عِيَاضٌ وَقَيَّدَ الْفَوَاتَ بِعَمَلٍ لَهُ بَالٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ رَضِيعٍ، وَإِنْ مِنْ الْآنَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَفْسُدُ أَيْضًا فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يُرْضِعُ صَبِيًّا بِجُزْءٍ مِنْهُ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ الْآنَ مُبَالَغَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهَا وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ سَوَاءٌ شَرَطَ أَخْذَ الْجُزْءِ الْمُسْتَأْجَرِ بِهِ بَعْدَ تَمَامِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، أَوْ شَرَطَ أَخْذَهُ الْآنَ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِوَجْهَيْنِ أَيْضًا (الْأَوَّلُ:) أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَيَكُونَ فِيهَا عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ (الثَّانِي:) أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ لَكِنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْجُلُودِ وَالْغَزْلِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا إذَا شَرَطَ أَخْذَ الْجُزْءِ الْمُسْتَأْجَرِ بِهِ مِنْ الْآنَ فَيَتَبَادَرُ جَوَازُهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْجُلُودِ وَالْغَزْلِ وَعَلَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا كَانَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ بِمَوْتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّهُ خَلَفُهُ صَارَ نَقْدُ الْأُجْرَةِ فِيهِ كَالنَّقْدِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ بِشَرْطٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَتَصَوُّرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الشَّرْحِ وَالْحَاشِيَةِ ظَاهِرٌ (تَنْبِيهٌ:) ذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيمِ الَّتِي جَعَلَهَا الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ مُسَاوِيَةً لِهَذِهِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَشَرَطَ قَبْضَ نِصْفِهِ بَعْدَ السَّنَةِ فُسِخَ، فَإِنْ فَاتَ وَعَلَّمَهُ سَنَةً، وَلَمْ يَفُتْ الْعَبْدُ فَلَهُ قِيمَةُ تَعْلِيمِهِ، وَالْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ فَاتَ بَعْدَ السَّنَةِ بِيَدِ الْمُعَلِّمِ فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى رَبِّهِ قِيمَةُ تَعْلِيمِهِ، وَعَلَى الْمُعَلِّمِ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ تَمَامِ السَّنَةِ مُعَلَّمًا، وَإِنْ شَرَطَ قَبْضَهُ الْآنَ وَفَاتَ بِيَدِ الْمُعَلِّمِ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَةِ تَعْلِيمِهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ قَبَضَهُ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِمَا سَقَطَ، أَوْ خَرَجَ مِنْ نَفْضِ زَيْتُونٍ، أَوْ عَصْرِهِ) ش أَيْ، وَكَذَا تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى نَفْضِ الزَّيْتُونِ بِمَا يَسْقُطُ مِنْهُ أَيْ بِجُزْءٍ مِمَّا يَسْقُطُ، وَعَلَى عَصْرِهِ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ مِنْ الزَّيْتِ أَيْ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ مَا يَسْقُطُ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْعَصْرِ، وَلَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَيْفَ يَخْرُجُ؟ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ إذَا شَرَعَ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ: اُنْفُضْ شَجَرِي، أَوْ حَرِّكْهَا فَمَا نَفَضْتَ، أَوْ سَقَطَ فَلَكَ نِصْفُهُ؛ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَإِنْ قَالَ: اعْصِرْ زَيْتُونِي، أَوْ جُلْجُلَانِي فَمَا عَصَرْت فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ؟ وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ؟ وَإِذًا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ إذَا شَرَعَ، وَلَيْسَ هَكَذَا الْجُعْلُ وَالْحَصَادُ يَدْعُهُ مَتَى شَاءَ إذَا قَالَ: فَمَا حَصَدْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ انْتَهَى.
فَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَ عَدَمِ جَوَازِ عَصْرِ الزَّيْتُونِ بِجُزْءٍ
مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَأَمَّا وَجْهُ عَدَمِ جَوَازِ النَّفْضِ وَالتَّحْرِيكِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ يَخْتَلِفُ فَمِنْهُ مَا هُوَ نَاجِحٌ يَقِلُّ مَا يَسْقُطُ مِنْهُ، وَمِنْهُ مَا هُوَ بِخِلَافِهِ انْتَهَى.
فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إجَارَةً، وَلَا جُعْلًا لِلْجَهْلِ الْمَذْكُورِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْحَصَادِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَمَا حَصَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ مَتَى شَاءَ، وَمَا يَحْصُدُهُ فَلَهُ نِصْفُهُ فَهُوَ مَعْلُومٌ وَمِثْلُ الْحَصَادِ اللَّقْطُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ: فَمَا حَصَدْت، أَوْ لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ، وَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ جُعْلٌ، وَكَذَلِكَ الْجَدَادُ إذَا قَالَ لَهُ: جُدَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت فَمَا جَدَدْت فَلَكَ نِصْفُهُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجُعْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَصَادِ وَالْجَدَادِ وَاللَّقْطِ وَبَيْنَ النَّفْضِ وَالْعَصْرِ أَنَّ الْحَصَادَ وَالْجَدَادَ وَاللَّقْطَ مِنْ مَقْدُورِهِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ إلَّا الْكَسَلُ، وَكُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عُرْجُونًا، أَوْ يَحْصُدَ مَوْضِعًا، أَوْ يَلْقُطَ شَيْئًا عَلِمَ أَنَّ لَهُ نِصْفَ ذَلِكَ قَبْلَ عَمَلِهِ بِخِلَافِ النَّفْضِ وَالتَّحْرِيكِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِمَقْدُورِهِ فَهُوَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ، وَلَا يَدْرِي هَلْ يَسْقُطُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَقْدِرُ، أَوْ يَتْرُكُ، وَكَذَلِكَ الْعَصْرُ فَتَأَمَّلْهُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ: وَمَعْنَى التَّحْرِيكِ هُنَا النَّفْضُ بِالْيَدِ، وَأَمَّا بِالْقَضِيبِ فَهُوَ كَالْحَصْدِ قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ النَّفْضَ بِالْيَدِ غَيْرُ مُعْتَادٍ انْتَهَى.
، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ النَّفْضِ ابْنُ يُونُسَ: لَوْ قَالَ: اُنْفُضْهُ كُلَّهُ، وَلَكَ نِصْفُهُ جَازَ انْتَهَى.
وَكَلَامُهُ يُوهِمُ: أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفْهِمُ أَنَّهُ إنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْفَاسِدَةِ وَأَتَمَّ الْعَمَلَ عَلَى مَا قَالَا فَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَجَمِيعُ الزَّرْعِ لِرَبِّهِ، فَإِنْ قَسَمَا عَلَى مَا قَالَا فَمَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ حَرَامٌ، وَمَا أَخَذَهُ رَبُّ الزَّرْعِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ جَمِيعَهُ لَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَيَأْتِي مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ (الثَّالِثُ:) مَا يَسْقُطُ مِنْ التَّمْرِ بَيْنَ الْكَرَانِيفِ وَالسَّعَفِ يُسَمَّى الْجَلَالَةَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مِنْهُ؛ إذْ لَا يُحَاطُ بِقَدْرِهِ لِاخْتِفَائِهِ بَيْنَ الْكَرَانِيفِ قَالَهُ فِي رَسْمِ قَطْعِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْإِجَارَةِ
ص (كَاحْصُدْ وَادْرُسْ وَلَكَ نِصْفُهُ) ش قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ، وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ، وَلَا كَيْفَ يَخْرُجُ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ بِعْتَهُ زَرْعَهُ جُزَافًا، وَقَدْ يَبِسَ عَلَى أَنَّ عَلَيْكَ حَصَادَهُ وَدَرْسَهُ وَذَرْيَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى حَبًّا جُزَافًا لَمْ يُعَايِنْهُ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْكَيْلِ، وَهُوَ يَصِلُ إلَى صِفَةِ الْقَمْحِ بِفَرْكِ سُنْبُلِهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ دَرْسُهُ إلَى مِثْلِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ قَرِيبٌ، وَقَالَ قَبْلَهُ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا، وَلَكَ نِصْفُهُ أَوْ جُدَّ نَخْلَتِي هَذِهِ، وَلَكَ نِصْفُهَا جَازَ، وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهَا؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ، وَكَذَلِكَ لَقْطُ الزَّيْتُونِ انْتَهَى.
أَيْ إذَا قَالَ لَهُ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي وَلَكَ نِصْفُهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْأُمَّهَاتِ: فَحِينَ يَحْصُدُهُ وَجَبَ لَهُ نِصْفُهُ عِيَاضٌ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ بَعْدَ الْحَصَادِ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنَّهُ وَجَبَ لَهُ بِالْعَقْدِ أَلَا تَرَاهُمْ جَعَلُوا مَا هَلَكَ قَبْلَ حَصَادِهِ وَبَعْدَهُ مِنْ الْأَجِيرِ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْعَمَلُ فِي تَهْذِيبِهِ بَيْنَهُمَا ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ، وَلَوْ شَرَطَ فِي الزَّرْعِ قِسْمَتَهُ حَبًّا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَجِبُ لَهُ بِالْحَصَادِ فَجَائِزٌ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَبْدُ الْحَقِّ، وَلَا يَجُوزُ قَسْمُهُ قَتًّا وَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَغَيْرِهَا، وَاعْتُرِضَ مَنْعُ قِسْمَتِهِ حَبًّا بِأَنَّهُ شَرْطٌ يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بَعْدَ عَمَلِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ نَصِيبِهِ إلَّا مُهَذَّبًا، وَأُجِيبَ بِمَنْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بَعْدَ الْحَصَادِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُدَهُ، أَوْ بَعْدَ أَنْ حَصَدَ بَعْضَهُ هُوَ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ مِثْلِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَحْنُونٌ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى وَاللَّفْظِ، فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
الْمَمْنُوعَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْجَائِزَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَاحْصُدْ هَذَا، وَلَكَ نِصْفُهُ بِأَنَّ هُنَا لَمَّا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَصَادِهِ وَدَرْسِهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِالْحَبِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ الزَّرْعِ الْقَائِمِ الَّذِي يَحْصُدُهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا كَخَشَبٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تُنْبِتُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ مِنْ قُطْنٍ، أَوْ كَتَّانٍ، أَوْ أُصْطُبَّةٍ، وَهِيَ الْمُشَاقُ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ قُرْطٍ، أَوْ تِبْنٍ، أَوْ عَلَفٍ، وَلَا بِزَعْفَرَانٍ، وَلَا بِطِيبٍ يُشْبِهُهُ، وَلَا بِعُصْفُرٍ، وَلَا بِطَعَامٍ، وَلَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ فَلَا يَجُوزُ بِلَبَنٍ مَحْلُوبٍ، أَوْ فِي ضُرُوعِهِ، أَوْ بِجُبْنٍ أَوْ عَسَلٍ، أَوْ بِسَمْنٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ صِيرٍ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْحِيتَانِ تُمَلَّحُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَنْبِذَةِ وَالْأَشْرِبَةِ أَوْ بِفُلْفُلٍ، أَوْ بِزَيْتِ الْكَتَّانِ أَوْ الْجُلْجُلَانِ، أَوْ بِسَمَكٍ، أَوْ بِطَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ لِلسِّكِّينِ، أَوْ بِشَاةِ اللَّحْمِ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الْعَلُوفَ أَوْ الشَّارِفَ، وَقَوْلُهُ: الْأَشْرِبَةِ يَعْنِي الَّتِي تُشْرِبُ لَا الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالْعُودِ وَالصَّنْدَلِ وَالْحَطَبِ وَالْجُذُوعِ وَبِالْعَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَائِهَا بِالْمَاءِ (قُلْت:) ، وَلَا يَتَخَرَّجُ مَنْعُهَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ طَعَامٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ، وَهُوَ يُجِيزُهُ بِالطَّعَامِ غَيْرَ الْحِنْطَةِ وَجِنْسُهَا قَالَ: وَجَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ الْقَصَبَ كَالْجُذُوعِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ هَارُونَ لَا أَعْرِفهُ بَلْ قَوْلُهَا: لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْقَصَبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَنُقِلَ الْجَوَازُ عَنْ صَاحِبِ التَّلْقِينِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُرَدُّ إنْكَارُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّمَا هُوَ الْقَضْبُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ، وَبِدَلِيلِ ذِكْرِهِ لَهُ مَعَ الْقُرْطِ وَالتِّبْنِ وَالْعَلَفِ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّهُ كَذَلِكَ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) قَالَ ابْنُ نَاجِي ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْمَصْطَكَى نَصٌّ فِي أَنَّهَا غَيْرُ طَعَامٍ (الثَّانِي:) شَدَّدَ سَحْنُونٌ فَقَالَ: مَنْ أَكْرَاهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَذَلِكَ جُرْحَةٌ، وَتَأَوَّلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى مَنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ، أَوْ قَلَّدَ مَنْ مَذْهَبُهُ الْمَنْعُ سَحْنُونٌ وَلَا يَأْكُلُ طَعَامَهُ، وَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي أَخَذَهُ فِي كِرَائِهَا وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْوَرَعِ (الثَّالِثُ:) إذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَهُ كِرَاؤُهَا بِالدَّرَاهِمِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ عِيسَى بْنَ مِسْكِينٍ وَغَيْرَهُ مِنْ قُضَاةِ أَصْحَابِنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ حَكَمُوا بِأَنْ يُعْطَى لَهُ قِيمَةُ الْجُزْءِ الَّذِي يَقَعُ لَهُ مِنْ ثُلُثٍ، أَوْ رُبُعٍ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لَهَا بِالْمَغْرِبِ قِيمَةَ كِرَاءٍ بِالْعَيْنِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا قِيمَةَ كِرَائِهَا يَوْمَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا كِرَاءَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَصُبَّ فِيهَا شَيْئًا ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ قَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: أَرْضُ الْأَنْدَلُسِ عِنْدِي بِخِلَافِ ذَلِكَ الْكِرَاءُ فِيهَا مَعْرُوفٌ فَيَجِبُ أَنْ يُقْضَى فِيهَا بِكِرَاءِ الْمِثْلِ (قُلْت:) وَكَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَرْضِ تُونُسَ، وَفِي قَوْلِهِمْ: يُنْظَرُ إلَى مَا يَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ رُبُعٌ، أَوْ ثُلُثٌ دَرَاهِمَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْبِنَاءِ عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ مِنْ الْجُزْءِ، وَهُوَ عُقَدٌ فَاسِدٌ فَيَجِبُ لَغْوُ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا بِالْجُزْءِ أَنْ لَوْ جَازَ فِيهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ:) قَالَ فِي آخِرِ الْجَامِعِ مِنْ الْجَوَاهِر لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الزَّرْعِ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَ طَعَامٍ مِنْ مُكْتَرِي الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ هَذَا، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الطَّعَامَ كُلَّهُ لَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ عَيْنًا انْتَهَى.
وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إذَا لَمْ يَتُبْ وَيُصْلِحْ مَا وَقَعَ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَأَمَّا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا يَظْهَرُ لِلتَّوَقُّفِ حِينَئِذٍ وَجْهٌ، وَقَدْ ذَكَر الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي أَوَاخِرِ الشُّفْعَةِ أَنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِمَّنْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مَغْصُوبَةٍ جَوَازُ شِرَاءِ مَا يَحْصُلُ بِالْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ أَنْ يُصْلِحَا شَأْنَهُمَا قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ شِرَاءُ مُكْتَرِي الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُصْلِحَ شَأْنَهُ مَعَ رَبِّهَا فَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ: عَلَى التَّنَزُّهِ، وَمَا هُوَ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ:) قَالَ فِيهَا: وَمَنْ
أَكْرَى أَرْضَهُ بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ فَحَلَّتْ فَلَا يَأْخُذُ بِهَا طَعَامًا، وَلَا إدَامًا وَلْيَأْخُذْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَا بِهِ كِرَاءَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ:) يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَجَرٍ بِأُصُولِهَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُكْتَرِي إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَجُزْ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (السَّابِعُ:) قَالَ فِيهَا وَيَجُوزُ بَيْعُ رَقَبَةِ الْأَرْضِ بِشَجَرٍ فِيهَا ثَمَرٌ كَمَا تُبَاعُ بِطَعَامٍ عَاجِلٍ وَآجِلٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَنْعَ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يُؤْكَلُ، أَوْ يُشْرَبُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَبِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ مَا نَصُّهُ: وَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ يَوْمَئِذٍ طَعَامٌ انْتَهَى.
كَذَا فِي النُّسْخَةِ، وَصَوَابُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ يَوْمئِذٍ طَعَامٌ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَ بِئْرًا إلَى جَانِبِ أَرْضِكَ لِتَسْقِيَهَا بِمَائِهَا بِمَا شِئْت مِنْ الطَّعَام انْتَهَى.
، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ رِبَوِيّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (الثَّامِنُ:) قَالَ اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِثِيَابِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ غَيَّرَتْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَمْلُ طَعَامٍ لِبَلَدٍ بِنِصْفِهِ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْآنَ)
ش: أَيْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَقْبِضَ نِصْفَهُ الْآنَ قَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ لَكَ طَعَامًا إلَى بَلَدِ كَذَا بِنِصْفِهِ إلَّا أَنْ تَنْقُدَهُ نِصْفَهُ مَكَانَكَ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ بِيعَ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ إلَى أَجَلٍ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا بِالشَّرْطِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ أَنْ يَنْقُدَهُ فَلَا إشْكَالَ فِي الْمَنْعِ، وَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ مُبْهَمًا فَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ عَلَى الْفَسَادِ حَتَّى يُشْتَرَطَ قَبْضُ نِصْفِهِ الْآنَ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ وَسَحْنُونٍ هُوَ جَائِزٌ حَتَّى يُشْتَرَطَ أَنْ لَا يَقْبِضَهُ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ، وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ يُونُسَ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ:) قَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: احْمِلْ طَعَامِي هَذَا إلَى بَلَدِ كَذَا وَلَكَ نِصْفُهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ نِصْفَهُ نَقْدًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى تَأْخِيرِهِ إلَى الْبَلَدِ لَوْ اكْتَالَ نِصْفَهُ هَاهُنَا، ثُمَّ يَحْمِلُ الْجَمِيعَ إلَى الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَوْ سَلَّمَ لَهُ نِصْفَهُ إنْ شَاءَ حَمَلَهُ أَوْ حَبَسَهُ لَجَازَ انْتَهَى.
فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ نِصْفُهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ الْجَمِيعَ إلَى الْبَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) إذَا وَقَعَ ذَلِكَ وَحَمَلَهُ لِلْبَلَدِ فَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْن أَخِي هِشَامٍ أَنْ لِلْحَمَّالِ نِصْفَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَمَلَهُ مِنْهُ، وَلَهُ كِرَاؤُهُ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مَا بَلَغَ قَالَ: وَعَابَ هَذَا بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَقَالَ: يَلْزَمُ عَلَيْكَ إذَا هَلَكَ الطَّعَامُ أَنْ تَضْمَنَ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ بِالْقَبْضِ لَزِمَ ذِمَّتَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَةِ مَنَعَ الْمُكَارِيَ مِنْ قَبْضِ حِصَّتِهِ إلَى أَنْ يَصِلَ لِلْبَلَدِ الْمَحْمُولِ إلَيْهِ فَكَيْفَ يَضْمَنُ إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْبَلَدِ، وَهُوَ إنَّمَا يَصِيرُ لَهُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الطَّعَامُ كُلُّهُ لِرَبِّهِ، وَعَلَيْهِ إجَارَةُ حَمْلِهِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَبْغِ الْجُلُودِ وَنَصُّهَا: وَنَسْجُ الثَّوْبِ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ ذَلِكَ إذَا فَرَغَ فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ، وَالثَّوْبُ وَالْجُلُودُ لِرَبِّهَا، فَكَذَلِكَ هَذَا انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ: وَيَظْهَرُ لِي أَنْ قَوْلَ ابْن أَخِي هِشَامٍ هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ بِعَيْنِهِ بِيعَ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ تَأَمَّلْهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجُلُودِ وَالثَّوْبِ: شَرَطَ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْبِضُ بَعْدَ الْفَرَاغِ انْتَهَى.
فَإِنْ أَفَاتَ الْحَمْلُ النِّصْفَ بَعْدَ وُصُولِهِ لِلْبَلَدِ الْمَحْمُولِ إلَيْهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكَإِنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ بِكَذَا، وَإِلَّا فَبِكَذَا) ش: قَالَ فِيهَا: وَإِنْ آجَرْت رَجُلًا يَخِيطُ لَكَ ثَوْبًا إنْ خَاطَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا فَنِصْفُ دِرْهَمٍ
أَوْ قُلْت لَهُ: إنْ خِطْتَ خِيَاطَةً رُومِيَّةً فَبِدِرْهَمِ، وَإِنْ خِطْتَهُ خِيَاطَةً عَرَبِيَّةً فَبِنِصْفِ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ مِنْ وَجْهِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنْ خَاطَهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ زَادَ عَلَى التَّسْمِيَةِ، أَوْ نَقَصَ قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الدِّرْهَمِ، أَوْ يَنْقُصَ مِنْ نِصْفِ الدِّرْهَمِ فَلَا يُزَادُ، وَلَا يُنْقَصُ أَبُو الْحَسَنِ وَيُعْتَبَرُ فِي التَّقْوِيمِ التَّعْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ أَيْ يُقَالُ: كَمْ قِيمَةُ خِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ الْيَوْمَ؟ وَكَمْ قِيمَةُ خِيَاطَتِهِ إلَى غَدٍ؟ وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ يُونُسَ سَحْنُونٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ (فَرْعَانِ الْأَوَّلُ:) إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَجِّلْهُ لِي الْيَوْمَ وَأَزِيدُكَ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَعْجِيلُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي إذَا أَجْهَدَ نَفْسَهُ هَلْ يُتِمُّ أَمْ لَا فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَمِثْلُهُ اسْتِئْجَارُ رَسُولٍ عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ لِبَلَدٍ بِكَذَا، ثُمَّ زِيَادَتُهُ عَلَى أَنْ يُسْرِعَ فِي السَّيْرِ فَيُبَلِّغُهُ فِي يَوْمِ كَذَا يُفَصَّلُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْإِجَارَةِ، وَنَصُّهُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُل يَسْتَخِيطُ الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: عَجِّلْهُ لِي الْيَوْمَ، وَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَلَمْ يَرَهُ كَالرَّسُولِ يُزَادُ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الَّذِي يَسْتَخِيطُ الرَّجُلَ الثَّوْبَ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، ثُمَّ يَزِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهُ لَهُ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَهُ مُمَكَّنٌ لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ وَمَطْلَهُ إضْرَارًا بِهِ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَّسِعَ فِي عَمَلِهِ وَيُؤَخِّرَهُ لِعَمَلٍ غَيْرَهُ قَبْلَهُ، أَوْ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ عَلَى مَا جَرَى مِنْ عُرْف الصُّنَّاعِ فِي التَّرَاخِي فِي أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا زَادَهُ عَلَى أَنْ يَتَفَرَّغَ لَهُ، وَيُعَجِّلَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا زَادَهُ عَلَى فِعْلِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَبَعْضُ الْكَلَامِ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي:) مَنْ اسْتَأْجَرَ غِلْمَانًا يَخِيطُونَ الثَّوْبَ كُلَّ شَهْرٍ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ثِيَابًا عَلَى أَنَّهُ إنْ فَرَغَ مِنْهَا فِي يَوْمٍ فَلَهُ بَقِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ مِنْهَا فِي يَوْمٍ كَانَ عَلَيْهِ يَوْمٌ آخَرُ لَا يَحْبِسُهُ لَهُ فِي شَهْرٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا فَذَلِكَ خَفِيفٌ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْإِجَارَةِ
ص (وَاعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حُصِّلَ فَلَكَ نِصْفُهُ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَيْ فَمَا حُصِّلَ مِنْ ثَمَنٍ، أَوْ أُجْرَةٍ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مِنْ أُجْرَةٍ لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ عَكْسُ لِتُكْرِيَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أُجْرَةٌ إنَّمَا فِيهَا ثَمَنٌ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ نَحْوُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَفَسَّرَ الشَّارِحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّمَنُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ وَالْإِبِلِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَزَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَعَهَا فِي هَذِهِ مَسْأَلَةَ الدَّارِ وَالْحَمَّامِ أَعْنِي فِيمَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِيُكْرِيَهَا وَسَكَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُ: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي عَنْ الدَّارِ وَالْحَمَّامِ فَقَالَ عِيَاضٌ: لِأَنَّ مَا لَا يَذْهَبُ بِهِ، وَلَا عَمَلَ فِيهِ لِمُتَوَلِّيهِ كَالرُّبَاعِ فَهُوَ فِيهَا أَجِيرٌ، وَالْكَسْبُ لِرَبِّهَا وَيَسْتَوِي فِيهَا اعْمَلْ وَآجِرْ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَبِلَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ قَوْلُهُ: فِي السَّفِينَةِ أَكْرِهَا، وَاعْمَلْ عَلَيْهَا سَوَاءٌ إنْ كَانَ فِيهَا قَوَّمَهُ رَبُّهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ فَغَلَّتُهَا لِرَبِّهَا، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ سَافَرَ فِيهَا بِمَتَاعِهِ فَالرِّبْحُ لَهُ وَلِرَبِّهَا
الْإِجَارَةُ وَالْحَمَّامُ وَالْفُرْنُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَوَابُّ، وَلَا آلَةُ الطَّحْنِ كَانَ مَا يُؤَاجَرُ بِهِ لِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَا بِدَوَابِّهِمَا وَيَشْتَرِي الْحَطَبَ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِهِمَا، أَوْ مِنْ غَلَّتِهِمَا فَمَا أَصَابَ لِرَبِّهِمَا وَلِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَيِّمٌ فِيهِمَا، وَكَذَا الْفُنْدُقُ مَا أَكْرَى بِهِ مَسَاكِنُهُ لِرَبِّهِ، وَلِلْقَيِّمِ إجَارَتُهُ انْتَهَى.
(الثَّانِي:) لَا فَرْقَ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي، أَوْ فِي سَفِينَتِي أَوْ إبِلِي وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِي، أَوْ لَا يَقُولَهَا عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَصَرِيحُ رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ، وَفِي الْجَلَّابِ إذَا قَالَ: اعْمَلْ لِي كَانَ الْكَسْبُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ قَالَ عِيَاضٌ وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِي، أَوْ لَمْ يَقُلْهَا إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ (الثَّالِثُ:) إذَا أُصِيبَ مَا عَمِلَ عَلَيْهَا قَبْلَ بَيْعِهِ فَهُوَ مِنْ الْعَامِلِ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ (الرَّابِعُ:) إذَا قَالَ: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصَّقَلِّيُّ: لَوْ عَمِلَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَعَلَيْهِ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلِابْنِ حَبِيبٍ إنْ عَرَفَ أَنَّهُ عَاقَهُ عَائِقٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُكْرِهَا بِشَيْءٍ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ (قُلْت:) وَهَذَا نَحْوُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَرْضِ عَلَى الْأَدَاءِ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ يُتَعَذَّرُ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقِرَاضِ، وَقَالَ قَبْلَهُ اللَّخْمِيُّ: إنْ قَالَ أَكْرِ دَابَّتِي وَلَكَ نِصْفُ مَا تُكْرِيهَا بِهِ فَمَضَى بِهَا، ثُمَّ رَدَّهَا وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ كِرَاؤُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فَاسِدٌ وَالْحُكْمُ أَنْ يَرُدَّهَا، وَلَا يُتِمُّ ذَلِكَ الْفَاسِدَ (الْخَامِسُ:) لَوْ قَالَ: أَكْرِهَا فَعَمِلَ عَلَيْهَا كَانَ الْكَسْبُ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّهَا كِرَاءُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى عَلَى مَنَافِعِ الدَّابَّةِ عَلَى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ، وَإِنْ قَالَ: اعْمَلْ عَلَيْهَا فَأَكْرَاهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا أُكْرِيَتْ بِهِ لِلْأَجِيرِ، وَلِرَبِّهَا إجَارَةُ الْمِثْلِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: مَا أُكْرِيَتْ بِهِ لِرَبِّهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَنَافِعِهَا مِنْهُ انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ (السَّادِسُ:) مِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ قُلْت لَهُ: بِعْ سِلْعَتِي وَالثَّمَنُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، أَوْ مَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالثَّمَنُ لَهُ، وَلِلْبَائِعِ أَجْرُ مِثْلِهِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ الْفَرْقُ بَيِّنٌ إنْ وَقَفَ وَسَاوَمَ، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فَالْأَشْبَهُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّهُ جُعْلٌ فَاسِدٌ، وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ: أَبُو الْحَسَنِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْجُعْلَ الْفَاسِدَ يُرَدُّ إلَى صَحِيحِ أَصْلِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى صَحِيحِ غَيْرِهِ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
ص (وَجَازَ بِنِصْفِ مَا يُحْتَطَبُ عَلَيْهَا) ش: وَكَذَا إنْ قَالَ: لَكَ نَقْلَةٌ، وَلِي نَقْلَةٌ، أَوْ مَا تَنْقُلُ الْيَوْمَ لِي وَغَدًا لَكَ أَوْ تَعْمَلُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ لِي، وَتَبِيعُهُ وَتَعْمَلُ عَلَيْهَا غَدًا لَكَ، فَإِنْ شِئْت بِعْتَهُ، وَإِنْ شِئْت أَخَذْتَهُ لِنَفْسِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ:) إذَا قَالَ: بِنِصْفِ مَا تَحْتَطِبُ عَلَيْهَا لِي جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُفْسِدُهُ كَقَوْلِهِ، وَلَا تَأْخُذْ نِصْفَكَ إلَّا بَعْدَ بَيْعِهِ مُجْتَمِعًا، أَوْ نَقْلِهِ لِمَوْضِعِ كَذَا مُجْتَمِعًا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (الثَّانِي:) إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْفَاسِدِ فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّهَا بِنِصْفِ إجَارَةِ مِثْلِهِ وَيَغْرَمُ لِرَبِّهَا نِصْفَ كِرَاءِ الدَّابَّةِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا (الثَّالِثُ:) إذَا قَالَ اعْمَلْ عَلَيْهَا الْيَوْمَ لِي وَغَدًا لَكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَيْضًا اللَّخْمِيُّ، فَإِنْ عَمِلَ الْيَوْمَ
ثُمَّ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ فَلِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّهَا أَجْرُ مِثْلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأُخْرَى فَلَوْ عَمِلَ مَا لِلْعَامِلِ وَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ مَا لِرَبِّهَا فَهَلْ لِرَبِّهَا كِرَاؤُهَا، أَوْ يَأْتِيهِ بِدَابَّةٍ أُخْرَى يَعْمَلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْمُولَ عَلَيْهِ لَا يَتَعَيَّنُ؟ وَالْأَوَّلُ: أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ خَلَفَ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلِمَا ذَكَرَهُ الصَّقَلِّيُّ قَالَ الشَّيْخُ: أَعْرِفُ فِيهَا أَنَّ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأُخْرَى يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِمْ قَالَ فِي الطُّرَرِ فِيمَنْ أَعْطَى دَابَّتَهُ وَفَأْسَهُ عَلَى أَنْ الْحَطَبَ مُنَاصَفَةً فَضَاعَ الْفَأْسُ فَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ، وَيَحْلِفُ الْأَجِيرُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا، وَنَقَلَهُ الْوَانُّوغِيُّ هُنَا
ص (وَاسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنْهُ)
ش: يُرِيدُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ كَمَا فِي بُيُوعِ الْآجَالِ.
ص (وَتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ أَخْذِهِ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَالتُّونِسِيِّ كَلَامًا طَوِيلًا تَحْقِيقُ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغُلَامِ، أَوْ مُعَلِّمِ الصِّنَاعَةِ بَاعَ مَنَافِعَهُ بِمَنَافِعِ الْغُلَامِ سَنَةً، فَإِذَا مَاتَ الْغُلَامُ عِنْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُدَّةِ فَلَا كَلَامَ أَيْضًا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُحَاسَبَةِ، فَإِنْ وَفَّى الصَّانِعُ ثُلُثِي الصَّنْعَةِ وَوَفَّى الْغُلَامُ ثُلُثَ الْعَمَلِ فَقَطْ وَجَبَ الْمَرْدُودُ لِلصَّانِعِ، وَهُوَ ثُلُثُ إجَارَتِهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى سَيِّدِ الْغُلَامِ؛ إذْ هِيَ بَقِيَّةُ قِيمَةِ مَنَافِعِهِ الَّتِي وَفَّى، وَلَوْ كَانَ الْحَالُ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يُوَفِّيَ الْعَامِلُ ثُلُثَيْ الْعَمَلِ، وَلَمْ يَحُدَّ لَهُ الْمُعَلِّمُ إلَّا ثُلُثَ الصَّنْعَةِ لَوَجَبَ الْمَرْدُودُ لِلسَّيِّدِ يَرْجِعُ بِثُلُثِ أُجْرَةِ الْغُلَامِ، وَلَوْ اسْتَوَيَا فِيمَا وَفَّى كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ لَسَقَطَتْ الْمُرَاجَعَةُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ بَعْضُ شُيُوخِ عَبْدِ الْحَقِّ مَا حَاصِلُهُ إنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ تَعْلِيمِهِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِثْلَيْ قِيمَةِ تَعْلِيمِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي: وَقِيمَةُ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَةِ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي رَجَعَ رَبُّهُ بِثُلُثِ قِيمَةِ تَعْلِيمِهِ (قُلْت:) الْأَظْهَرُ مَنْعُ إجَارَتِهِ بِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ سُرْعَةِ تَعَلُّمِهِ وَبُعْدِهِ انْتَهَى.
ص (وَإِجَارَةُ دَابَّةٍ لِكَذَا عَلَى إنْ اسْتَغْنَى فِيهَا حَاسَبَ) ش: لَوْ قَالَ: عَلَى إنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا لَكَانَ أَبْيَنَ، وَيُرِيدُ بِشَرْطٍ لَا أَنْ يَنْقُدَ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَقَدَ يَكُونُ تَارَةً ثَمَنًا وَتَارَةً سَلَفًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَزَاهُ لِمَالِكٍ فِي: الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ مِنْ الْبَيَانِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: دَابَّةٍ بَلْ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا؛ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَهْرًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مَتَى شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ إذَا لَمْ يُنْقَدْ، ثُمَّ نَقَلَهُ فِي
التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنَعَهُمَا سَحْنُونٌ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَالْجَوَازُ أَظْهَرُ وَوَافَقَ سَحْنُونٌ عَلَى الْجَوَازِ فِي كِرَاءِ الدَّارِ سَنَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ قَبْلَهَا حَاسَبَهُ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَمَسْأَلَةُ كِرَاءِ الدَّارِ هَذِهِ فِي رَسْمِ نَذَرَ سَنَةً مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ (فَرْعٌ:) ، فَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ حَاجَتَهُ فِيهَا تَقَدَّمَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذَرَ سَنَةً مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِرَاءِ الدُّورِ: فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَرَطَ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَيَكُونُ تَبَعًا لِلْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَبِحِسَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِلْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ كَانَ بِخِلَافِهِ أَرَخْصَ، أَوْ أَغْلَى، أَوْ مُبْهَمًا لَا يَدْرِي إنْ كَانَ بِحِسَابِهِ أَمْ لَا إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ؟ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا سَمَّى الْمَوْضِعَ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ وَجْهُهُ مَعْرُوفًا، فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ كَانَ بِحِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ بَعْدَ هَذَا، وَمَا فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى بَعْدَ هَذَا وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا سَمَّى الْمَوْضِعَ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ وَجْهُهُ مَعْرُوفًا، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، أَوْ غَيْرَ تَبَعٍ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ تَوْجِيهَهَا فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ تَبَعًا يَعْنِي أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ اسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ]
ص (وَاسْتِئْجَارُ مُؤَجَّرٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ:) قَالَ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ إذَا اكْتَرَى دَارًا عَشْرَ سِنِينَ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَسَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، ثُمَّ أَرَادَ اشْتِرَاءَهَا مِنْ رَبِّهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: شِرَاءُ الْمُكْتَرِي لَهَا عِنْدِي جَائِزٌ، وَهُوَ فَسْخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِرَاءِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْكِرَاءِ كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي؟ إذْ الْكِرَاءُ قَدْ انْفَسَخَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ: شِرَاءُ الْمُكْتَرِي لَهَا جَائِزٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْكِرَاءِ، وَيَكُونُ بَقِيَّةُ الْكِرَاءِ مُضَافًا إلَى ثَمَنِ الدَّارِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ ثَمَنًا لِلدَّارِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْوَانُّوغِيُّ فِي الثَّمَنِ قَوْلَيْنِ الْأَوَّلَ: أَنَّهُ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ دُونَ الْأُجْرَةِ.
وَالثَّانِيَ: مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَمَا يَجِبُ لِبَقِيَّةِ الْمُدَّةِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَنَصُّهُ: مَا نَقَلَ ابْنُ الرَّفِيعِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ نَقَلَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ عَاتٍ، وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فَسْخٌ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الثَّمَنُ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ دُونَهُ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَقَالَ ابْنُ عِمْرَانَ: الثَّمَنُ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَمَا يَجِبُ لِبَقِيَّةِ الْمُدَّةِ مِنْ الْكِرَاءِ انْتَهَى.
، وَمِنْهُ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ الْوَرَقَتَيْنِ وَمَنْ آجَرَ أَمَتَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ وَطْئِهَا، فَإِنْ حَمَلَتْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْهُ، وَمَنْ آجَرَ عَبْدَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ، فَالْإِجَارَةُ أَوْلَى بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ بَعُدَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فُسِخَ الْبَيْعُ وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَهَذَا إذَا رَضِيَ الْمُبْتَاعُ، وَإِلَّا فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَذَا الْعَيْبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي إجَارَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ أَيْضًا: مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَجَّرَهُ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَهُ، فَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْبَيْعُ مَاضٍ، وَهُوَ كَعَيْبٍ ذَهَبَ، وَلِلْمُشْتَرِي أُجْرَةُ الشَّهْرِ، أَحَبَّ الْبَائِعُ أَمْ كَرِهَ؟ وَلَا يَدْخُلُهُ بَيْعُ عَبْدٍ، وَذَهَبٍ بِذَهَبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَرَتْ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِجَارَةُ لِلْبَائِعِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ، أَوْ يَرُدَّهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ الْعَبْدِ وَإِجَارَتِهِ انْتَهَى مِنْهُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: وَقِيلَ: بَلْ يَقُومُ الْعَبْدُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ يَوْمَ عَقْدِ الْبَيْعِ، ثُمَّ يَقُومَ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ شَهْرٍ فَمَا نَقَصَ رَجَعَ بِحِصَّةِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذَا أَحْسَنُهَا صَحَّ مِنْهُ، وَهُوَ لِأَبِي إِسْحَاقَ وَمِنْهُ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ، وَكَانَتْ قَرِيبَةً كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ جَازَ، وَيُخْتَلَفُ هَلْ لَهُ مُتَكَلَّمٌ فِي إجَارَةِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ عَلَى مَا سَيَأْتِي انْتَهَى.
وَيُشِيرُ إلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْأَمَدِ
الْبَعِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْمَعُونَةِ فَصْلٌ: يَجُوزُ لِلْمُؤَاجِرِ أَنْ يَبِيعَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَغَيْرِهِ إنْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ مَا لَا يَكُونُ غَرَرًا يَخَافُ تَغَيُّرَهَا فِي مِثْلِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بَيْعِهَا إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَتَسَلَّمُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْإِجَارَةِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يُمْنَعُ أَصْلُهُ إذَا بَاعَ أَمَةً قَدْ زَوَّجَهَا، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا وَغَيْرِهِ، وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إلَى انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ وَلِلْمُؤَجِّرِ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ، وَفِي جَهْلِ الْمُشْتَرِي الْإِجَارَةَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْأَرْضِ وَالرِّبَاعِ الْمُكْتَرَاةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ، وَيَكُونُ وَاجِبُ الْكِرَاءِ فِي بَقِيَّةِ أَمَدِ الْكِرَاءِ لِلْبَائِعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الرِّبَا إلَّا إنْ كَانَ الْبَيْعُ بِعُرُوضٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْأَرْضَ مُكْتَرَاةٌ فَذَلِكَ عَيْبٌ، وَلَهُ الْقِيَامُ بِهِ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْجَلَّابِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ مُكْتَرِيهَا قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْلَمَهُ بِالْإِجَارَةِ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ فَهُوَ عَيْبٌ إنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى فَسْخِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُبْتَاعِ قَالَ التِّلْمِسَانِيُّ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ بَاعَ دَارًا، أَوْ أَرْضًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْأُجْرَةَ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا، ثُمَّ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ سَاقَى حَائِطًا، ثُمَّ بَاعَهُ فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَالْمُسَاقَاةُ ثَابِتَةٌ لَا يَنْقُضُهُ الْبَيْعُ الْأَبْهَرِيُّ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ لَازِمٌ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِلْقَرَافِيِّ، وَفِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ ابْنُ عَاتٍ مَنْ أَكُرَى دَارِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْمُكْتَرِي، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْكِرَاءِ فَهُوَ عَيْبٌ إنْ شَاءَ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ تَمَاسَكَ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَا كِرَاءَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ، وَإِنْ اشْتَرَطَهُ، فَإِنْ وَجَبَ الْكِرَاءُ لِلْبَائِعِ، أَوْ بَعْضُهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إذَا بِيعَتْ الدَّارُ بِذَهَبٍ، وَهُوَ ذَهَبٌ، وَلَا بِالْوَرِقِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ نَقْدًا، أَوْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَى الْمُكْتَرِي لِلْبَائِعِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْضِ مِنْ الْمُدَّةِ شَيْءٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَهُ فِي الْعَقْدِ فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ فَابْنُ رِزْقٍ يُجِيزُهُ وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَنُسِبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ لِلْمُبْتَاعِ اشْتَرَطَهُ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا إنْ بَاعَهَا مِنْ الْمُكْتَرِي، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو عِمْرَانَ: هُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ فَسْخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكِرَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ فِي قَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ ابْنُ سَهْلٍ وَجَوَابُ أَبِي عِمْرَانَ أَمْيَلُ إلَى الصَّوَابِ وَسُئِلَ الشَّارِقِي وَابْنُ دَحُونٍ وَابْنُ الشِّقَاقِ عَنْ الْمُكْتَرِي إذَا ابْتَاعَهَا بِشَرْطِ أَنَّ الْكِرَاءِ عَنْهُ مَحْطُوطٌ فَأَجَابُوا إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْنُ دَحُونٍ هَذَا إنْ كَانَ إسْقَاطُهُ مُشْتَرَطًا فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ وَضَعَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْبَيْعِ جَازَ قَالَ الشَّارِقِي وَأَجَازَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ خَطَأٌ يُرِيدُ أَنَّهُ ابْتَاعَ الدَّارَ، وَالْكِرَاءُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ فَصَارَ ذَهَبًا وَعَرَضًا بِذَهَبٍ، وَهُوَ بَيِّنُ الْفَسَادِ ابْنُ سَهْلٍ، وَجَوَابُهَا وَلَاءً لَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْكِرَاءَ لَا يَفْسَخُهُ الشَّرْطُ اُنْظُرْ تَمَامَهُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْجَوَاهِرَ وَكَلَامَ الْوَانُّوغِيِّ فِي جَوَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَدَمُ التَّسْمِيَةِ لِكُلِّ سَنَةٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سَنَةً بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ شَهْرٍ شَيْئًا، وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ شُهُورِ السَّنَةِ بَعْضَهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي دُورِ مَكَّةَ وَيُرْجَعُ إلَى التَّقْوِيمِ عِنْدَ حُصُولِ مَانِعٍ (تَفْرِيعٌ:) فَإِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ إنْ حَصَلَ مَانِعٌ إلَى الْقِيمَةِ دُونَ التَّسْمِيَةِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لِلتَّسْمِيَةِ دُونَ