مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 338-377
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 338-377
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْخُرُوجُ وَوَجَدَ الْأَصْحَابَ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَّا مُتَأَوِّلًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مَعَ الِانْتِظَارِ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إلَّا مَعَ الْمَشْيِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْكِتَابِ، انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِهِ تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي أَنَا أُحْرِمُ بِنَفْسِ الْحِنْثِ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ مُحْرِزٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَكَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِمًا إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ يَعْنِي يُؤْمَرُ بِالْإِحْرَامِ إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ لَا أَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ دُخُولِهَا إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَصِلُ إذَا خَرَجَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُحْرِمُ وَيُؤَخِّرُ الْإِحْرَامَ إلَى دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، هُوَ قَوْلُ الْقَابِسِيِّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْتَ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ نَوَى تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا نَوَى أَوْ صَرَّحَ بِهِ، انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامِهِ هُنَا وَكَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ أَوْ حَلَفَ بِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِيَوْمٍ يُرِيدُ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: وَعَجَّلَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ

، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْقِسْمِ الْمُقَيَّدِ ذَكَرَ الْمُطْلَقَ وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ، فَقَالَ: كَالْعُمْرَةِ مُطْلِقًا وَيَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ بِعُمْرَةٍ مُطْلِقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدٍ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ كَمَنْ قَيَّدَهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ الْإِحْرَامَ بِهَا يَوْمَ حِنْثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَوْلُهُ: مُطْلِقًا بِكَسْرِ اللَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَيْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ وُجُودُ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ رُفْقَةً أَخَّرَ الْإِحْرَامَ حَتَّى يَجِدَ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ لَا الْحَجُّ يَعْنِي الْحَجَّ الْمُطْلَقَ، فَإِذَا نَذَرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مُطْلِقًا غَيْرَ مُقَيِّدٍ إحْرَامَهُ بِزَمَنٍ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ حَنِثَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ حَتَّى تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ إنْ كَانَ يَصِلُ فِيهَا إلَى مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ وَيَخْرُجَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ كَمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ فِي قَوْلِهِ: يَدْخُلُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَيْثُ لِلزَّمَانِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ لِلْمَكَانِ اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَدْ تَرِدُ لِلزَّمَانِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَظْهَرِ نُوقِشَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا هُوَ لِابْنِ يُونُسَ لَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا الْمَشْيُ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ قَوْلَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ فَالْقَوْلُ بِالْفَوْرِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ النُّذُورَ الْمُطْلَقَةَ مَحَلُّهَا عَلَى الْفَوْرِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ، وَتَأَوَّلَ الْبَاجِيُّ قَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.

[فَرْعٌ كَلَّمَهُ فَحَنِثَ بِالْحَجِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ]

(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لَوْ كَلَّمَهُ فَحَنِثَ بِالْحَجِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ لِضِيقِ الْوَقْتِ، قَالُوا: يُحْرِمُ وَيُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْيَوْمِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ: يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا حَنِثَ فِي الْمُطْلَقِ وَكَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

. ص (وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، وَالرِّتَاجُ: الْبَابُ، وَالْحَطِيمُ: مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى

الْمَقَامِ، زَادَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَلَا غَيْرَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ عَلَيْهِ يَتَحَطَّمُ النَّاسُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَعَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ حَبِيبٍ ذَلِكَ كُلُّهُ حَطِيمُ الْجِدَارِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَالْفَضَاءُ الَّذِي بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ الْآنَ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِقِ: وَالْحَطْمُ الْهَلَاكُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَلَاكِ الْجَبَابِرَةِ هُنَاكَ بِالدُّعَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَحْطِيمِ الذُّنُوبِ، وَالْحَطْمُ هُوَ الِانْكِسَارُ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي بِنَائِهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ نَوَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَنُقِلَ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَرَى أَنْ يَسْأَلَ، فَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي الْكَعْبَةِ فَيَدْفَعُ ثُلُثَهُ لِلْخَزَنَةِ يَصْرِفُونَهُ فِي مَصَالِحِهَا، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ عَنْهُ بِمَا أَقَامَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ شَيْئًا، وَلَا أَعْرِفُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَأْوِيلًا، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ أَحَبُّ إلَيَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ لَا كَفَّارَةِ يَمِينٍ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِدَلِيلِ هَذَا الْفَرْعِ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ طِيبِهَا أَهْدَى ثُلُثَ مَالِهِ يَدْفَعُهُ إلَى الْحَجَبَةِ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالظَّاهِرُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ تَكَفَّلَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَلَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَكْسُوهَا، وَالْحَجَبَةُ لَا يُؤْمَنُونَ فِي الْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، وَهُوَ يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ، انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ قَصُرَ يَعْنِي ثَمَنَ الْهَدْيِ عَنْ التَّعْوِيضِ، فَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضًا يَبْعَثُهُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا، وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ إشْكَالٌ وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ وَتُبْنَى، وَلَا يَكْسُوهَا إلَّا الْمُلُوكُ، وَيَأْتِيهَا مِنْ الطِّيبِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَهِيَ إنْ كَانَتْ تُكْنَسُ فَمَكَانِسُهَا مِنْ خُوصٍ قَبْلَ الْكَنْسِ لَا تُسَاوِي الْفَلْسَ وَبَعْدَهُ تُسَاوِيَ الدِّرْهَمَ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَأْكُلَهُ الْخَزَنَةُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَصْدِ النَّاذِرِ فِي شَيْءٍ لَكِنْ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُنْفَقُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ تَصَدَّقَ بِهِ، وَسَاقَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، انْتَهَى.
وَلِقُوَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَهُ وَقَبِلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هَارُونَ فَمَا أَدْرِي تَصَحَّفَ عَلَيْهِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ الرُّكْنَ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ الرُّكْنَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فَلْيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُرِدْ حُمْلَانَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عُنُقِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ أَرَادَ حُمْلَانَهُ وَكَانَ يَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ فَكَذَلِكَ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ رَاكِبًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ مَشَى وَأَهْدَى، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا قَالَ: أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوْ الْكَعْبَةَ وَأَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى عُنُقِهِ مَشَى إلَى الْبَيْتِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحْمِلُهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ مَا سَمَّى إنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ هَدْيٍ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ اُنْظُرْ الْهَدْيُ هُنَا خَفِيفٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَضْرِبُ بِمَالِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ، أَيْ أَسِيرُ بِهِ وَأُسَافِرُ بِهِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: 101] أَيْ سَافَرْتُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ضَرَبَ الْمُقَارِضُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرُ بِهِ وَيَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ لِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الضَّرْبِ بِمَالِهِ الْكَعْبَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ مِنْ فَاعِلِهِ وَغَيْرُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ لَهَا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَحَمَلَ اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى الضَّرْبِ حَقِيقَةً، قَالَ: ظَاهِرُهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الضَّرْبَ الَّذِي هُوَ السَّيْرُ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ: قَوْلُهُ هُنَا يُنَاقِضُ مَا قَالَ فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ الِانْطِلَاقُ إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ أَنَا أَضْرِبُ قَدْ عَبَّرَ بِلَفْظٍ بِغَيْرِ لَفْظِ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَبِغَيْرِ لَفْظِ الرُّكُوبِ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُهُ الشَّيْخُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْبَيْتَ أَوْ بَعْضَهُ، وَهُنَاكَ إنَّمَا ذَكَرَ مَكَّةَ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ أَضَافَ السَّيْرَ وَالذَّهَابَ إلَى الْبَيْتِ لَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ هُنَا يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَضْرِبُ بِكَذَا فِي الْبَيْتِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الضَّرْبَ الْحَقِيقِيَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيْرَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَمْلَهُ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ رَاكِبًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ حَمْلَهُ فَعِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ يَفْصِلُ فِيهِ إنْ كَانَ يَقْوَى عَلَيْهِ فَمِثْلُ الْأَوَّلِ وَإِلَّا مَشَى وَأَهْدَى، وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ يَمْشِي وَيُهْدِي وَيَدْفَعُ مَا سَمَّى إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ هَدْيٍ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ كَنْزُ الْكَعْبَةِ الْمَالُ الْمُجْتَمِعُ مِمَّا يُهْدَى إلَيْهَا بَعْدَ نَفَقَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ كَنْزِ الْكَعْبَةِ مَا تُحَلَّى بِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حِلْيَتَهَا حَبْسٌ عَلَيْهَا كَحُصْرِهَا وَقَنَادِيلِهَا لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي غَيْرِهَا، وَحُكْمُ حُلِيِّهَا حُكْمُ حِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ الْمُحْبَسَيْنِ، انْتَهَى.

[الفرع الثَّانِي النَّذْرُ لِلْكَعْبَةِ]

(الثَّانِي) وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْكَعْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا خِدْمَتَهَا وَهُوَ الْغَالِبُ، أَوْ مُطْلَقَ أَهْلِ الْحَرَمِ فَيُصْرَفُ لِمَنْ قَصَدَ، أَوْ يَقْصِدَ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِهَا، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ طِيبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُصْرَفَ فِي غَالِبِ مَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِنُذُورِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[الفرع الثَّالِثُ وَنَذْرُ شَيْءٍ لِمَيِّتٍ صَالِحٍ مُعَظَّمٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ]

(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ شَيْءٍ لِمَيِّتٍ صَالِحٍ مُعَظَّمٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ لَا أَعْرِفُ نَصًّا فِيهِ، وَأَرَى إنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ كَوْنِ الثَّوَابِ لِلْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ بِمَوْضِعِ النَّاذِرِ، وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِقَبْرِهِ أَوْ زَاوِيَتِهِ تَعَيَّنَ لَهُمْ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ لَهُمْ، انْتَهَى.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ: الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ عَمَّا يَأْتِي إلَى الْمَوْتَى مِنْ الْفُتُوحِ وَيُوعَدُونَ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ بَلَّغْتَ كَذَا لِسَيِّدِي فُلَانٍ كَذَا مَا يُصْنَعُ بِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ الْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَكُونُونَ عِنْدَهُ فَلْيُدْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ فَلْيُنْظَرْ عَادَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي قَصْدِهِمْ الصَّدَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ ذُرِّيَّةُ الْوَلِيِّ فِيمَا يُؤْتَى بِهِ إلَيْهِ مِنْ الْفُتُوحِ فَلْيُنْظَرْ قَصْدَ الْآتِي بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ حُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ فِي إعْطَاءِ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لَهُمْ أَوْ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَسَمِعْتُهُ حِينَ سُئِلَ إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى سَيِّدِي مُحْرِزٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَقَالَ: يُعْطِي ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ عَلَى بَابِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ الْأَوَّلَ: وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا إذَا عَلِمْنَا نَذْرَهُ وَجَهِلْنَا قَصْدَهُ وَتَعَذَّرَ اسْتِفْسَارُهُ فَعَلَى مَاذَا يُحْمَلُ؟ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ بِمَوْضِعِ النَّاذِرِ، انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ يَنْذِرُ شَيْئًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

. ص (أَوْ أَهْدَى لِغَيْرِ مَكَّةَ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا الْتَزَمَ هَدْيًا لِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ

انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا يَكُونُ قُرْبَةً إذَا كَانَ لِمَكَّةَ يُرِيدُ إذَا ذَكَرَ لَفْظَ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّقًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّقٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا شَكَّ أَنَّ نَاذِرَ الْهَدْيِ وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِبَلَدٍ، أَوْ مُقَيَّدًا بِبَلَدٍ، وَالْبَلَدُ إمَّا مَكَّةَ أَوْ غَيْرُهَا، وَالْحُكْمُ فِي الثَّانِي مِنْ الْأَقْسَامِ بَيِّنٌ وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ وَمِنًى مَحَلُّ الْهَدَايَا، وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَكَلَّمَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ فِيهَا إلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: وَسَوْقُ الْبُدْنِ لِغَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ وَالْمُصَنِّفِ لَمَّا كَانَ مَذْهَبُهُ الِاخْتِصَارَ اعْتَمَدَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَسَكَتَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الثَّالِثِ يَسْتَلْزِمُ الْكَلَامَ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَنْعَكِسُ أَعْنِي إذَا كَانَ مَنْ سَمَّى غَيْرَ مَكَّةَ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَ إلَّا بِمَكَّةَ فَأَحْرَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ أَوْ سَمَّاهَا، وَهُوَ بَيِّنٌ، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يُوهِمُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ هَدْيًا لِغَيْرِ مَكَّةَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ، فَإِنْ أَرَادَ نَحْرَهُ، فَإِنَّمَا يَنْحَرُ بِمَكَّةَ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ اللَّخْمِيِّ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ لِلَّهِ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ابْنُ يُونُسَ أَوْ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يَنْحَرُ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ بَدَنَةٍ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ بِمَكَّةَ.
(قُلْتُ) يُرِيدُ أَوْ بِمِنًى بِشَرْطِهِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَفْهُومَ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ نَحْرِهِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ بِمِنًى بِشَرْطِهِ لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ يَوْمَ النَّحْرِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ حَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَعَهُ هَدْيُ تَطَوُّعٍ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَذَرَهُ بِمِنًى، فَإِنْ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ عَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَوْ أَنْ أَنْحَرَ جَزُورًا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ، وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا أَوْ سَمَّاهُ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَيْهِ كَانَتْ الْجَزُورُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ بَلَدِهِ، وَهُوَ بِغَيْرِهَا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ مَنْ عِنْدَهُ، وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَهُوَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمِصْرَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا إنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِمَوْضِعِهِ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً إنَّهُ يَنْحَرُهَا حَيْثُ نَوَى، وَقَالَهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ نَحَرَهَا بِمَوْضِعِهَا، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ أَشْهَبَ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ: وَلَوْ نَوَى هَدْيَهُ لِذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفِيَ بِهِ بِمَكَّةَ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ الْجَزُورَ بِمَكَّةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهَا بِهَا، وَلَيْسَ بِهَدْيٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ بِلَفْظِ نَحَرَهُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ لَهُ كَذَلِكَ فَيَصِيرُ هَدْيًا كَفِعْلِ ذَلِكَ فِي نُسُكٍ، انْتَهَى.
يُعْنَى بِالنُّسُكِ الْفِدْيَةَ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ شَيْئًا وَيُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ لَحْمًا يَكُونُ قَدْرُهُ قَدْرَ لَحْمِ الْجَزُورِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي النَّحْرِ، انْتَهَى.
وَالْبَعْضُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْبَاجِيُّ وَعَنْهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا هُوَ فِي إطْعَامِ لَحْمِهَا لَا فِي إرَاقَةِ دَمِهَا، فَمَنْ نَذَرَ نَحْرَ جَزُورٍ بِغَيْرِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ مَنْحُورًا وَتَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَدَنَةُ عِنْدَهُمْ مَا يُذْبَحُ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، وَالْجَزُورُ النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلنَّحْرِ فِي غَيْرِ مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، انْتَهَى.

[تَنْبِيهَاتٌ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِحُرٍّ أَنَا أُهْدِيكَ وَقَوْلِهِ لِعَبْدِ غَيْرِهِ هُوَ هَدْيٌ]

ص (أَوْ مَالِ غَيْرُ إنْ لَمْ يُرِدْ أَنَّ مِلْكَهُ) ش: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ

مِمَّا يُهْدَى أَوْ مِمَّا لَا يُهْدَى، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مِلْكَهُ فَالْمَشْهُورُ يَلْزَمُهُ وَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يَصِحُّ هَدْيُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ هَدْيُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: لِحُرٍّ: أَنَا أُهْدِيكَ، وَقَوْلِهِ: لِعَبْدِ غَيْرِهِ هُوَ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَيُخْرِجُ عِوَضَهُ، وَهُوَ نِيَّتُهُ، وَأَمَّا الْحُرُّ فَلَيْسَ مِمَّا يَصْلُحُ مِلْكُهُ، وَلَا يُخْرِجُ عِوَضَهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَدْيَ إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَقَعَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ عَبْدَ فُلَانٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَنْ قَالَ: أَنَا أُهْدِي هَدْيًا كَمَا إذَا قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا، انْتَهَى.
وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَشْهُورَ فِي قَوْلِهِ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ]

(الثَّالِثُ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمَرْأَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ الَّتِي أُسِرَتْ وَكَانَتْ الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا الْعَرَبُ الَّذِينَ أَسَرُوا الْمَرْأَةَ فَهَرَبَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَضْبَاءِ وَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِئْسَمَا جَزَتْهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي صَدَرَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ أَنْ تُهْلِكَ مَالَ الْغَيْرِ فَتَكُونُ عَاصِيَةً بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَلَمْ تَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ، وَبَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَانَ عَاصِيًا بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمِلْكِ، كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْتُ هَذَا الْبَعِيرَ فَهُوَ هَدْيٌ أَوْ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مُعَلَّقٌ عَلَى مِلْكِهِ لَا مِلْكِ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلِفَ الْإِنْسَانِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ مُحَرَّمٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الْعِتْقَ أَوْ الْهَدْيَ أَوْ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِلْكِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مَلَكْتُ عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ فَلَمْ يُلْزِمْهُ الشَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمَّ أَوْ خَصَّ تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَلْزَمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمَّ أَوْ خَصَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهَا، وَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ مَالِكٌ فِيمَا إذَا خَصَّ تَمَسُّكًا بِمِثْلِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ إذَا عَمَّ رَفْعًا لِلْحَرَجِ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ احْتِرَازًا مِمَّا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْ الْمَالِ كَالْتِزَامِهِ عَطِيَّةَ شَيْءٍ مَا إنْ مَلَكَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْآنَ، وَلَكِنَّهُ إنْ مَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَقَدْ زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الْفَلَسِ لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ، وَإِلَّا كَانَ لِلْغُرَمَاءِ مَنْعُهُ، انْتَهَى.

. ص (إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) ش: يَعْنِي، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ كَأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ فُلَانًا، أَوْ نَوَاهُ كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ فُلَانًا وَنَوَى بِذَلِكَ الْهَدْيَ، أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ كَمَا إذَا قَالَ أَنْحَرُ فُلَانًا فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ مِنًى أَوْ مَكَّةَ أَوْ الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْن بَشِيرٍ: أَوْ يَذْكُرُ مَوْضِعًا مِنْ مَوَاضِعِ مَكَّةَ أَوْ مِنًى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لَزِمَهُ الْهَدْيُ فِي الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِلْبَاجِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَخَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ بِالْقَرِيبِ.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَذْرٍ أَوْ تَعْلِيقٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ يُونُسَ كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ، قَالَ: وَأَمَّا إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ أَوْ وَلَدِي، فَلَا يَلْزَمُهُ.
(الثَّالِثُ) قَيَّدَ ابْنُ بَشِيرٍ مَسْأَلَةَ مَا إذَا ذَكَرَ الْهَدْيَ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ الْمَعْصِيَةَ يَعْنِي ذَبْحَهُ، قَالَ: فَلَا يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ شَيْءٌ وَيُقَيِّدُ بِهِ مَسْأَلَةَ نِيَّةِ الْهَدْيِ، وَذِكْرُ الْمَقَامِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَارْتَضَى الْقَيْدَ فِي الشَّامِلِ وَأَتَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ

ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ بِاتِّفَاقٍ، وَمَنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ إذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَكَانِ النَّحْرِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنَحْرُكَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ فَانْظُرْ قَوْلَهُ، فَإِنْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَكَانِ الذَّبْحِ وَعِنْدَ الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ إنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ قَضِيَّتُهُ فِي الْتِزَامِ ذَبْحِ وَلَدِهِ وَفِدَاؤُهُ بِالْهَدْيِ لَا مَقَامُ مُصَلَّاهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ عِنْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ هَارُونَ: وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ نَحْوُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْبَاجِيِّ، قَالَ: وَإِنْ قَالَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَوْ قَالَ لِعِدَّةٍ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ: أَنَا أَنَحْرُكُمْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ هَدْيًا، وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ هَدْيٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَهُوَ الْحَقُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ نَفْسَهُ فَلْيَذْبَحْ كَبْشًا، أَرَاهُ يُرِيدُ إنْ سَمَّى مَوْضِعَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، انْتَهَى.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ النُّذُورِ إذَا قَالَ لِوَلَدِهِ: أَنْتَ بَدَنَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْهَدْيَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: فِي ابْنِهِ هُوَ بَدَنَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنَا أَنْحَرُهُ، وَقَوْلُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْهَدْيَ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ إنَّهُ إنْ أَرَادَ الْهَدْيَ أَوْ سَمَّى الْمَنْحَرَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلَا سَمَّى الْمَنْحَرَ، فَمَرَّةً رَأَى عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَمَرَّةً لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

. ص (كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةً) ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا فَالْبَدَنَةُ أَوْلَى وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ مُطْلَقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّقًا أَمْ لَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْبَدَنَةَ أَوْلَى وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحَجِّ الثَّانِي، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا بَدَنَةً أَوْ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ، وَهُوَ بِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُهْدِيَهَا مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ وُصُولُهَا إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَحَيْثُ اشْتَرَاهُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهُ وَيَفْعَلَ بِهِ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ مَا هُوَ سُنَّةٌ فِيهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ وَنَصَّ عَلَى بَعْضِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
وَبَعْضُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَمَشَى فِي نَذْرِ الْحَفَاءِ وَالْحَبْوِ وَالزَّحْفِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ حَمْلِ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ) ش قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسَائِلِ الْكُتُبِ فِي قَوْلِهِ: أَحْمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: تَارَةً يَحُجُّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ، وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ، وَتَارَةً يَحُجُّ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَحْدَهُ إذَا أَرَادَ حَمْلَهُ فِي مَالِهِ، وَتَارَةً يَحُجَّانِ جَمِيعًا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.

. ص (وَأَلْغَى عَلَى الْمَسِيرِ وَالذَّهَابِ وَالرُّكُوبِ لِمَكَّةَ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ أَوْ أَذْهَبَ أَوْ أَنْطَلِقَ أَوْ آتِي أَوْ أَرْكَبَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرُّكُوبِ فَأَوْجَبَهُ مَرَّةً وَأَشْهَبُ يَرَى إتْيَانَ مَكَّةَ فِي هَذَا كُلِّهِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا.
ص (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقُلْ لِبَيْتِ اللَّهِ، فَإِنْ نَوَى مَكَّةَ مَشَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلْيَمْشِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَسْجِدًا فَلَهُ نِيَّتُهُ.
ص (وَمَشَى لِمَسْجِدٍ وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فَقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا) ش أَيْ هَلْ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِذَا لَزِمَهُ فَيَذْهَبُ إلَيْهِ مَاشِيًا، وَلَا يَرْكَبُ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رُكُوبِهِ قَوْلَيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ لُزُومُهُ الذَّهَابُ لِتَنَاوُلِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لَهُ، وَعَدَمُ تَنَاوُلِ حَدِيثِ إعْمَالِ الْمَطِيِّ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ لُزُومُ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْمَاشِي إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي الرَّاكِبِ، انْتَهَى.
وَحَدُّ الْقُرْبِ قَالُوا مَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إعْمَالِ الْمَطِيِّ وَشَدِّ الرِّحَالِ.

[فَرْعٌ فِي نَاذِرِ زِيَارَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

ص (وَمَشَى لِلْمَدِينَةِ) ش: (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ عِيسَى الْغُبْرِينِيُّ فِي نَاذِرِ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدَمِ النَّصِّ، وَاسْتَظْهَرَ غَيْرُهُ اللُّزُومَ لِتَحَقُّقِ الْقُرْبَةِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ زِيَارَةَ قَبْرِ غَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلتَّبَرُّكِ، وَعَدَّهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَأَجَازَ الرِّحْلَةَ لَهُ فِي آدَابِ السَّفَرِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ كَلَامَهُ بِنَصِّهِ وَحُرُوفِهِ فَانْظُرْهُ، انْتَهَى.، وَقَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الشَّافِعِيَّةِ فِي نَذْرِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْعَبْدِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ حَجٌّ، وَلَا عُمْرَةٌ، فَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ، فَالْكَعْبَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَيَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ، انْتَهَى.
مِنْ خُلَاصَةِ الْوَفَا وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ.
ص (إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا) ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ كَانَتْ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً أَمَّا إنْ نَوَى صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ، فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا إنْ نَوَى صَلَاةَ النَّافِلَةِ، فَلَا تَضْعِيفَ فِيهَا، بَلْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَانْظُرْ أَوَاخِرَ الشِّفَاءِ فَإِنَّهُ حَكَى فِيهِ قَوْلَيْنِ الشَّيْخُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُقِيمَ أَيَّامًا يَتَنَفَّلُ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ صَلَاةَ الْفَرْضِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ كُلِّ سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَعُدُّ السَّوَارِيَ وَيُصَلِّي إلَى وَاحِدَةٍ لِكُلِّ سَارِيَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، انْتَهَى

. ص (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، ثُمَّ مَكَّةُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ إجْمَاعِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قُلْتُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَانْظُرْهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ السَّمْهُودِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ: نَقَلَ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ عَلَى

الْكَعْبَةِ بَلْ نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَوَاتِ، قَالَ: بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ جَمِيعُ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَكْثَرِ بِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَأَجْمَعُوا بَعْدُ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا، وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا الْكَعْبَةَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
مِنْ خُلَاصَةِ الْوَفَا، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مَكَّةُ أَفْضَلُ.

[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي الْفَضْلِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَحُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي الْفَضْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ لِوَالِدِهِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ وَحُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمُ الْمَزِيدِ فِي الْفَضْلِ لِأَحَادِيثَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَآثَارٍ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ، ذَكَرَهَا الْمُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا، قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ زِيَادَتِهِ لَوْ انْتَهَى بِنَاؤُهُ إلَى الْجَبَّانَةِ لَكَانَ الْكُلُّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَوْ زِيدَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَوْ مُدَّ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ لَكَانَ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ ثِقَاتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِي فَهُوَ مِنْهُ، وَلَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ» وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ غَيْرُ النَّوَوِيِّ، فَذَكَرَ أَنَّ مُضَاعَفَةَ الصَّلَاةِ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْفَقِيهُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّوَوِيَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَنْسَكِ الْحَجِّ: حُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَنَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُوَطَّإِ لَهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ الصَّلَاةُ فِيمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالصَّلَاةِ فِي الْمَزِيدِ فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ، فَقَالَ: مَا أَرَاهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا لِمَا سَيَكُونُ مِنْ مَسْجِدِهِ بَعْدَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَشَارَ إلَيْهِ، انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إلَى إخْرَاجِ مَا عَدَاهُ مِنْ مَسَاجِدِهِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَيْهِ كَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَسْجِدِ الْعِيدِ وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى مِنْ تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ وَالِدُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا تُعَادُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، وَقَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ الْمُسَمَّى خُلَاصَةُ الْوَفَا لَمَّا تَكَلَّمَ فِي تَخْصِيصِ الْمُضَاعَفَةِ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الْأَصْلِيِّ وَعُمُومِهَا لِمَا زِيدَ فِيهِ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ يَعْنِي الْمَسْجِدَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِّيَتْ لَهُ الْأَرْضُ فَرَأَى مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَتَحَدَّثَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، وَلَوْلَا هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ قَالَ السَّيِّدُ: انْتَهَى.
يَعْنِي كَلَامَ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ نَقَلَ الْبُرْهَانَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا النَّوَوِيُّ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: وَنِسْبَةُ الْمِحْرَابِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنِسْبَةِ جَمِيعِ

الْمَسْجِدِ إلَيْهِ فَيُقَالُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ زِيدَ فِيهِ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الصَّلَاةَ تُضَاعَفُ فِيمَا زِيدَ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ فِي الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، وَلَمَّا زَادَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَسْجِدِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ وَنَقَلَ مَحَلَّ الْإِمَامِ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَكَانَ فِيهَا مِحْرَابٌ وَاسْتَشْهَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ أَيْضًا، وَأَيْضًا انْتَقَلَ مَحَلُّ الْإِمَامِ إلَى الْمِحْرَابِ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ الْآنَ، وَهُوَ مِحْرَابُ عُثْمَانَ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ مَالِكٍ يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مِحْرَابِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قَلَّ النَّاسُ رَجَعُوا إلَى مِحْرَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَابُ الْجِهَادِ]

(كِتَابُ الْجِهَادِ) . ص (بَابٌ الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ش:

الْجِهَادُ فِي اللُّغَةِ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ، وَفِي الشَّرْعِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، أَوْ حُضُورُهُ لَهُ، أَوْ دُخُولُ أَرْضِهِ فَيَخْرُجُ قِتَالُ الذِّمِّيِّ الْمُحَارِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ، وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ هُوَ قِتَالُ الْعَدُوِّ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ بِالْأَخِيرَيْنِ، وَهُمَا جِهَادٌ اتِّفَاقًا وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ فِي مُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ كَذَلِكَ وَغَيْرُ مُطَّرِدٍ بِقِتَالِهِ لَا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي الْكَافِي: فُرِضَ عَلَى الْإِمَامِ إغْزَاءُ طَائِفَةٍ لِلْعَدُوِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَخْرُجُ هُوَ بِهَا أَوْ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَفُرِضَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ الْخُرُوجُ الْمَذْكُورُ لَا خُرُوجُهُمْ كَافَّةً، وَالنَّافِلَةُ مِنْهُ إخْرَاجُ طَائِفَةٍ بَعْدَ أُخْرَى وَبَعْثُ السَّرَايَا وَقْتَ الْغُرَّةِ وَالْفُرْصَةِ زَادَ ابْنُ شَاسٍ عَنْهُ وَعَلَى الْإِمَامِ رَعْيُ النَّصَفَةِ فِي الْمُنَاوَبَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَزَا الْقَرَافِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الدَّاوُدِيِّ بَقِيَ فَرْضُهُ بَعْدَ الْفَتْحِ عَلَى مَنْ يَلِيَ الْعَدُوَّ وَسَقَطَ عَمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ قَوْلُهُ بَيَانٌ لِتَعَلُّقِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِمَنْ حَضَرَ مَحَلَّ مُتَعَلَّقِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ دُونَ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ لِعُسْرِهِ، وَإِنْ عَصَى الْحَاضِرُ تَعَلَّقَ بِمَنْ يَلِيهِ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) إنْ قِيلَ كَيْفَ غَضَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مَعَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَالْجَوَابُ مَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ إنَّهُ كَانَ عَلَى الْأَنْصَارِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ بَايَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَانَ تَخَلُّفُهُمْ فِي هَذِهِ الْغُزَاةِ كَبِيرَةً.
كَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، انْتَهَى.

[مَسْأَلَةٌ حَضَّ الشَّرْعُ عَلَى تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَرَغَّبَ فِيهِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ حَضَّ الشَّرْعُ عَلَى تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَرَغَّبَ فِيهِ، فَقَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» اهـ.

ص (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانُوا يَغْدِرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ

عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، وَقَدْ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ مَعَ الْأَمِيرِ الْغَادِرِ بِخِلَافِ الْجَائِرِ وَالْفَاسِقِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجِهَادِ مَعَهُ وَالْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِنَا انْتَهَى.

ص (وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.

[مَسْأَلَةٌ أَيَغْزُو بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: أَيُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ؟ قَالَ: أَمَّا الْجَيْشُ وَالْجَمْعُ فَلَا إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَتَوْلِيَةِ وَالٍ عَلَيْهِمْ، وَسَهَّلَ مَالِكٌ لِمَنْ قَرُبَ مِنْ الْعَدُوِّ يَجِدُ فُرْصَةً وَيَبْعُدُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ، كَمَنْ هُوَ مِنْهُ عَلَى يَوْمٍ وَنَحْوِهِ، وَلِابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ طَمِعَ قَوْمٌ بِفُرْصَةٍ فِي عَدُوٍّ قَرِبَهُمْ وَخَشَوْا إنْ أَعْلَمُوا إمَامَهُمْ مَنَعَهُمْ فَوَاسِعٌ خُرُوجُهُمْ، وَأُحِبُّ اسْتِئْذَانَهُمْ إيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنْ نَهَى الْإِمَامِ عَنْ الْقِتَالِ لِمَصْلَحَةٍ حَرُمَتْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنْ يَدْهَمَهُمْ الْعَدُوُّ اهـ. مِنْ أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْهُ وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَوْمِ يَخْرُجُونَ فِي أَرْضِ الرُّومِ مَعَ الْجَيْشِ فَيَحْتَاجُونِ إلَى الْعَلَفِ لِدَوَابِّهِمْ، فَتَخْرُجُ جَمَاعَةٌ إلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَجَمَاعَةٌ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى يَتَعَلَّفُونَ لِدَوَابِّهِمْ وَلَا يَسْتَأْذِنُونَ الْإِمَامَ، فَرُبَّمَا غَشِيَهُمْ الْعَدُوُّ فِيمَا هُنَاكَ إذَا رَأَوْا غُرَّتَهُمْ وَقِتَالَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ أَوْ أَسَرُوهُمْ أَوْ نَجَوْا مِنْهُمْ، وَإِنْ تَرَكْنَا دَوَابَّنَا هَلَكَتْ؟ فَقَالَ: أَرَى إنْ اسْتَطَعْتُمْ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ أَنْ تَسْتَأْذِنُوهُ، وَلَا أَرَى أَنْ تَغْزُوا بِأَنْفُسِكُمْ فَتُقْتَلُونَ فِي غَيْرِ عِدَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْعَدُوِّ يَنْزِلُ بِسَاحِلٍ مِنْ سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ بِغَيْرِ اسْتِئْمَارِ الْوَالِي؟ فَقَالَ: أَرَى إنْ كَانَ الْوَالِي قَرِيبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ فِي قِتَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَتْرُكُوهُمْ حَتَّى يَقَعُوا بِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: بَلْ الْوَالِي بَعِيدٌ مِنْهُمْ.
فَقَالَ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ أَيَدْعُوهُمْ حَتَّى يَقَعُوا بِهِمْ أَرَى أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَغْزُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي تَعَلُّفِهِمْ وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا الْإِمَامَ فِي ذَلِكَ إنْ اسْتَطَاعُوا، وَيَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَالِي عَدْلًا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ زُونَانَ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَنَّ قِتَالَ الْعَدُوِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَدْهَمَهُمْ فَلَا يُمْكِنُهُمْ اسْتِئْذَانُهُ انْتَهَى مِنْ سَمَاعِ زُونَانَ.
سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ الْقَوْمِ يُوَاقِعُونَ الْعَدُوَّ هَلْ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَارِزَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
فَقَالَ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُبَارِزْ وَلْيُقَاتِلْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، قُلْت لَهُ وَالْمُبَارَزَةُ وَالْقِتَالُ عِنْدَكُمْ وَاحِدٌ، قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْهُمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ، إذْ قَدْ يَنْهَاهُمْ عَنْ غُرَّةٍ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ نَظَرٍ يَقْصِدُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ فِي أُمُورِهِ فَيَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ، فَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ أَوْ نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ لِلْإِمَامِ مِنْ فَرَائِضِ الْغَزْوِ فَوَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِمَعْصِيَةٍ، انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ وَسَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ، وَسُئِلَ عَنْ نَاسٍ يَكُونُونَ فِي ثَغْرٍ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، هَلْ يُخْرِجُونَ سَرَايَاهُمْ لِغُرَّةٍ يَطْمَعُونَ بِهَا مِنْ عَدُوِّهِمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ مِنْهُمْ عَلَى أَيَّامٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْغُرَّةُ بَيِّنَةً قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يَخَافُوا أَنْ يُلْقُوا بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا أَرَى بَأْسًا، وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَلْقُوا مَا لَا قُوَّةَ لَهُمْ بِهِ أَنْ يُطْلَبُوا فَيُدْرِكُوا فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا سَرَايَاهُمْ لِغُرَّةٍ تَبَيَّنَتْ لَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ غَائِبًا عَنْهُمْ عَلَى مَسِيرَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُمْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ عَدْلًا، انْتَهَى.
وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَسْمِعَةِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُ جَيْشٍ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ لِمَنْ يَجِدُ فُرْصَةً مِنْ عَدُوٍّ قَرِيبٍ أَنْ يَنْهَضُوا إلَيْهِمْ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ لِسَرِيَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْعَسْكَرِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَتَرُدُّ السَّرِيَّةَ وَتَحْرِمُهُمْ مَا غَنِمُوا سَحْنُونٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ جَمَاعَةٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْرِمْهُمْ يُرِيدُ وَقَدْ أَخْطَئُوا، انْتَهَى.
ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَجِبُ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ: وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُ جَيْشٍ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ وَتَوْلِيَتِهِ

عَلَيْهِمْ مَنْ يَحْفَظُهُمْ، إلَّا أَنْ يَجِدُوا فُرْصَةً مِنْ عَدُوٍّ وَخَافُوا فَوَاتَهُ لِبُعْدِ الْإِمَامِ، أَوْ خَوْفِ مَنْعِهِ، وَحَرُمَ عَلَى سَرِيَّةٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَمْنَعُهُمْ الْغَنِيمَةَ أَدَبًا لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً لَا يَخْشَوْنَ عَدُوًّا فَلَا يَمْنَعُهُمْ الْغَنِيمَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوق فِي بَعْضِ وَصَايَاهُ لِإِخْوَانِهِ التَّوَجُّهُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ إذْنِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَسُلْطَانِهِمْ فَإِنَّهُ سُلَّمُ الْفِتْنَةِ وَقَلَّمَا اشْتَغَلَ بِهِ أَحَدٌ فَأَنْجَحَ، انْتَهَى.

ص (كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ) ش: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: فَرْضِ كِفَايَةٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ لَمْ يَحْتَجْ لِإِذْنِهِمَا، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا فِي كِفَايَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ: إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ وَكَانَ وَالِدُهُ فِي كِفَايَةٍ وَلَمْ يَمْنَعَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا بَدَأَ بِالْجِهَادِ، فَلَوْ لَمْ يَكُونَا فِي كِفَايَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِمَا فَيَبْدَأُ بِهِ فَلَوْ كَانَا فِي كِفَايَةٍ وَمَنَعَاهُ لَمْ يُلْتَفَتْ لِمَنْعِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَاصِيَانِ بِذَلِكَ الْمَنْعِ، انْتَهَى.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْمُحَرَّمِ: يُتَّخَذُ حِرْفَةً مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ أَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِالْمِصِّيصَةِ وَالسَّوَاحِلِ وَلَهُ وَلَدٌ وَأَهْلٌ بِالْأَنْدَلُسِ أَتَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ سَعَةً؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ قَالَ: أَيُخْشَى عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ حِينَ خَافَ الضَّيْعَةَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكَ إضَاعَتِهِمْ أَوْجَبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْغَزْوِ وَالرِّبَاطِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُضَيِّعَ فَرْضًا وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، انْتَهَى.

وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ سُئِلَ عَمَّنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ وَلَهُ عِيَالٌ وَوَلَدٌ.
قَالَ: إنْ خَافَ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةَ فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَخْرُجَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ وَيَخْلُفُهُ فَأَرَى أَنْ يَخْرُجَ وَلَا يَدَعْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قِيَامُهُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَرْكُ إضَاعَتِهِمْ وَاجِبٌ، بِخِلَافِ الْجِهَادِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا أُقِيمَ بِهِ سَقَطَ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَكَانَ لَهُ نَافِلَةً، وَلَا يَصِحُّ تَرْكُ فَرْضٍ لِنَافِلَةٍ.
ص (لَا جَدٍّ) ش: كَذَا ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ وَبِرُّ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَا كَالْأَبَوَيْنِ أُحِبُّ أَنْ يَسْتَرْضِيَهُمَا لِيَأْذَنَا لَهُ فَإِنْ أَبَيَا فَلَهُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الْإِكْمَالِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ أَنَّ بِرَّ الْأَجْدَادِ كَالْآبَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، انْتَهَى.
ص (ثُمَّ جِزْيَةٌ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ) ش: أَيْ إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ، وَكَذَا إذَا أَجَابُوا إلَى الْإِسْلَامِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ

ص (وَاقْتُلُوا إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا إلَى قَوْلِهِ وَرَاهِبًا) ش: قَوْلُهُ إلَّا الْمَرْأَةَ يَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْتَلُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ أَوْ خَرَجَتْ مَعَ الْعَسْكَرِ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ، صَرَّحَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إذَا غُنِمَ مِنْ الْعَدُوِّ ذَوُو الْقُوَّةِ مِنْ الرِّجَالِ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْقَتْلِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ الْفِدَاءِ أَوْ الْمَنِّ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِنْ كَفَفْنَ أَذَاهُنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَزِمْنَ قَعْرَ بُيُوتِهِنَّ فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِهِنَّ، وَإِنْ شَعَرْنَ فِي مَدْحِ الْقِتَالِ وَذَمِّ الْفِرَارِ، فَإِنْ قَاتَلْنَ وَبَاشَرْنَ السِّلَاحَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قَتْلِهِنَّ فِي حِينِ الْقِتَالِ فِي الْمُسَايَفَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُبِيحِ لِقَتْلِهِنَّ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُبَاحُ قَتْلُهُنَّ بَعْدَ الْأَسْرِ إذَا قَتَلْنَ، فَإِنْ رَمَيْنَ بِالْحِجَارَةِ وَلَمْ يُظْهِرْنَ النِّكَايَةَ وَلَا قَتَلْنَ أَحَدًا فَلَا يُقْتَلْنَ بَعْدَ الْأَسْرِ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يُعْرَضُ عَنْهُنَّ فِي حِينِ الْمُقَاتَلَةِ وَيُشْتَغَلُ بِغَيْرِهِنَّ أَوْ يُقَاتَلْنَ قِتَالًا يَكُفُّهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى قَتْلِهِنَّ؟ يَتَخَرَّجُ عَلَى

قَوْلَيْنِ: فَإِنْ شَهَرْنَ السِّلَاحَ وَبَاشَرْنَ الْكِفَاحَ فَقَاتَلْنَ وَلَمْ يُقْتَلْنَ حَتَّى أُسِرْنَ فَهَلْ يُقْتَلْنَ بَعْدَ الْأَسْرِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلِ لِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالثَّانِي فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ.
وَالصَّبِيُّ وَالْمُرَاهِقُ كَالنِّسَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا أَنْبَتَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي لَا يُخْشَى مِنْهُ نِكَايَةٌ وَلَا يُتَّقَى مِنْ وَرَائِهِ غَائِلَةٌ ذَمِيمَةٌ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْأُجَرَاءِ وَالْحَرَّاثِينَ وَأَهْلِ الصِّنَاعَاتِ، إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَأُمِنَتْ جِهَتُهُمْ فَهَلْ يُقْتَلُوا أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الصُّنَّاعِ بِأَيْدِيهِمْ، وَالثَّانِي: إنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَأَمَّا ذَوُو الْأَعْذَارِ مِنْ الزَّمْنَى وَالْمَرْضَى وَالْعُمْيَانِ وَالْأَشَلِّ وَالْأَعْرَجِ فَلَا يَخْلُوَا أَنْ يُخْشَى مِنْهُمْ فِي الْحَالِ لِمَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنْ الْحِيَلِ وَالتَّدْبِيرِ أَوْ لَا يُخْشَى مِنْهُمْ إلَّا فِي الْمَآلِ، فَإِنْ خُشِيَ مِنْهُمْ فِي الْحَالِ لِمَا يَكُونُ مِنْ نَجَابَةِ غَيْرِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِمَصَالِحِ الْحَرْبِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُمْ فِي ثَانِي حَالٍ، فَأَمَّا الْمَرِيضُ إنْ كَانَ شَابًّا فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ كَسَائِرِ الْأُسَرَاءِ، وَإِنْ كَانَ شَيْخًا فَلَا يُقْتَلُ إذَا كَانَ صَحِيحًا، فَكَيْفَ إذَا كَانَ مَرِيضًا؟ ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الزَّمْنَى وَذَوِي الْأَعْذَارِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ أَسْرِهِمْ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) مَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ الْفَانِي يُتْرَكُ لَهُ كَمَا يُتْرَكُ لِلرَّاهِبِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا رَأَى الْإِمَامُ إطْلَاقَهُمْ وَالْمَنَّ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَحُرِّمَ نَبْلُ سُمٍّ) ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ الْمَسْمُومِ، وَفِي النَّوَادِرِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُسَمَّ النَّبْلُ وَالرِّمَاحُ وَيُرْمَى بِهَا الْعَدُوُّ، وَقَالَ مَا كَانَ هَذَا فِيمَا مَضَى، وَعَلَّلَ ذَلِكَ خَشْيَةً أَنْ يُعَادَ إلَيْنَا، وَحَمَلَ الْمُؤَلِّفُ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَهَى.
ص (وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ) ش: اُنْظُرْ أَوَّلَ رَسْمِ سَمَاعِ يَحْيَى.
ص (وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَجَازَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ وَأَنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ بِالْكِتَابِ فِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَسَيَقُولُ الْمُؤَلِّفُ: وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ وَبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالْآيَةِ.
(الثَّانِي) لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الْكَافِرِ الْقُرْآنَ وَلَا الْفِقْهَ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الثَّالِثُ)

كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يُعْطَى الْكَافِرُ دِرْهَمًا فِيهِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إذَا كَانَتْ آيَةً تَامَّةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَكُنْ الدَّرَاهِمُ عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ضُرِبَتْ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ.

ص (وَفِرَارًا إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْمُلَاقَاةِ قَدْرَ ثُلُثِ الْكُفَّارِ فَفَرَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ فَزَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْهِمْ جَازَ الْفِرَارُ لِلْبَاقِينَ، وَيَخْتَصُّ الْعِصْيَانُ بِالْأَوَّلِينَ دُونَ الْبَاقِينَ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: قَدْرَ ثُلُثِ الْكُفَّارِ لَعَلَّهُ نِصْفُ الْكُفَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ - يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ إبَاحَةِ الْفِرَارِ عِنْدَ مِثْلَيْ الْعَدُوِّ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَعَلَى مُقْتَضَى بَيْعَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ لَا فِرَارَ أَصْلًا فَهُوَ خَاصٌّ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انْتَهَى.
وَفِي قَوْلِهِ: خَاصٌّ بِهِمْ نَظَرٌ.
وَانْظُرْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ طَائِفَةٌ وَتَتَعَاهَدَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، ثُمَّ قَالَ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ فَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقُوَّةُ وَالتَّكَاثُرُ دُونَ تَعْيِينِ الْعَدَدِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَلَا تَفِرُّ الْمِائَةُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدُّ جَلَدًا وَأَكْثَرُ سِلَاحًا (قُلْت) وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ: إنْ قِيلَ كَيْفَ فَرَّ الصَّحَابَةُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ (قُلْنَا) لَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ إلَّا فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: 16] إشَارَةً لِيَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ فِي الْفَارِّينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: 25] الْآيَةَ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَّامٍ كَانَ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي مَلْحَمَةِ الرُّومِ الْكُبْرَى عِنْدَ الدَّجَّالِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ رَجَعُوا وَقَاتَلُوا حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ عِيَاضٌ وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ مَتَى جُهِلَ مَنْزِلَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ لَمْ يَجُزْ الْفِرَارُ، انْتَهَى.

ص (إلَّا تَحَرُّفًا أَوْ تَحَيُّزًا إنْ خِيفَ) ش: يَعْنِي أَنَّ التَّحَرُّفَ وَالتَّحَيُّزَ يَجُوزُ إنْ كَانَ الْكُفَّارُ أَقَلَّ مِنْ ضِعْفَيْهِمْ، وَهَذَا إذَا كَانَ انْحِيَازُهُمْ إلَى فِئَةٍ خَرَجُوا مَعَهُمْ، أَمَّا لَوْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ بِلَادِ الْأَمِيرِ، وَالْأَمِيرُ مُقِيمٌ فِي بِلَادِهِ، فَلَا يَكُونُ فِئَةٌ لَهُمْ يَنْحَازُونَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ، وَقَوْلُهُ: إنْ خِيفَ قَيْدٌ فِي التَّحَيُّزِ لَا فِي التَّحَرُّفِ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُ الْبِسَاطِيِّ قَوْلُهُ إنْ خِيفَ قَيْدٌ فِي هَذَيْنِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) يَحْرُمُ الْغَدْرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالْمُثْلَةُ) ش: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ يُمَثِّلَ بِالْمَقْتُولِ، قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ: وَالْمُثْلَةُ مُحَرَّمَةٌ فِي السُّنَّةِ

الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَهَذَا بَعْدَ الظَّفَرِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَنَا قَتْلُهُ بِأَيِّ مُثْلَةٍ أَمْكَنَنَا، انْتَهَى.
وَهَذَا الْأَخِيرُ فِي النَّوَادِرِ.

ص (وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتَمَنَ طَائِعًا) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَسِيرُ إذَا تُرِكَ بِعُهْدَةِ أَنْ لَا يَهْرُبَ وَلَا يَخُونَ ظَاهِرُ أَقْوَالِهِمْ لُزُومُهُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَارِثٍ، يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْوَفَاءُ بِعُهْدَةِ الْعَدُوِّ اتِّفَاقًا، وَفِي لُزُومِهِ الْعَقْدَ، وَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ أَوْ إنْ كَانَ غَيْرَ مُكْرَهٍ نَقْلًا الْمَازِرِيُّ عَنْ الْأَشْيَاخِ، وَإِنْ تُرِكَ دُونَ ائْتِمَانٍ وَيَمِينٍ فَلَهُ الْهُرُوبُ بِنَفْسِهِ، وَمَا أَمْكَنَهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ وَأَخْذِ مَالٍ إنْ قَدَرَ عَلَى النَّجَاةِ، وَإِنْ تُرِكَ بِائْتِمَانٍ وَأَيْمَانِ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ أَوْ كَالْعَهْدِ، ثَالِثُهَا لَهُ الْهُرُوبُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْمَخْزُومِيِّ فِي الْمَبْسُوطِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِ عِيسَى وَالْأَخَوَيْنِ مَعَ رِوَايَتِهِمَا، انْتَهَى.

[فُرُوعٌ أَقَرَّ الْأَسِيرُ أَنَّهُ زَنَى وَدَامَ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ الْأَسِيرُ أَنَّهُ زَنَى وَدَامَ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ عَلَيْهِ الْحَدُّ سَوَاءٌ زَنَا بِحُرَّةٍ أَوْ بِأَمَةٍ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ

[قَتَلَ الْأَسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَالْأَسِيرُ لَا يَعْلَمُ]

(الثَّانِي) إذَا قَتَلَ الْأَسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً، وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ وَالْأَسِيرُ لَا يَعْلَمُ، فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ وَعَمْدًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَعَمْدًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِإِسْلَامِهِ قُتِلَ بِهِ، قَالَهُ فِي الْكَافِي (الثَّالِثُ) إذَا جَنَى الْأَسِيرُ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِهِ فَكَغَيْرِهِمَا.

[قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا فِي حَالِ الْقِتَالِ وَقَالَ ظَنَنْتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ]

(الرَّابِعُ) إذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَقَالَ: ظَنَنْتُهُ مِنْ الْكُفَّارِ حَلَفَ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ.

ص (وَالْغُلُولُ وَأُدِّبَ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) ش: قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالِّ أَنْ يَرُدَّ مَا غَلَّ لِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ إنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَوْبَةٌ لَهُ وَخُرُوجٌ عَنْ ذَنْبِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَفْعَلُ بِمَا غَلَّ إذَا افْتَرَقَ الْعَسْكَرُ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَدْفَعُ إلَى الْإِمَامِ خُمُسه وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي هَذَا مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، انْتَهَى.
مِنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي لِثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَحْوُهُ لِلْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَوْلُهُ: وَأُدِّبَ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعَزَّرُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَابَ مَالِكٍ عَنْ عُقُوبَتِهِ إنْ تَابَ وَرَدَّ مَا غَلَّ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَلَوْ عُوقِبَ لَكَانَ لَهَا أَهْلًا ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُؤَدَّبُ سَحْنُونٌ كَالْمُرْتَدِّ، وَمَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ إنْ تَابَ قَبْلَ الْقَسَمِ وَرَدَ مَا غَلَّ فِي الْمَغْنَمِ كَمَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ مِثْلُ مَا فِي سَرِقَتِهَا فِيمَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَادَّعَى وَهْمًا وَتَشْبِيهًا وَلَمْ يُتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، وَمَنْ تَابَ بَعْدَ الْقَسْمِ وَافْتَرَقَ الْجَيْشُ أُدِّبَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الشَّاهِدِ يَرْجِعُ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ افْتِرَاقَ الْجَيْشِ كَنُفُوذِ الْحُكْمِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْغُرْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ وَعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فِي الْجَيْشِ، انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ تَنَصَّلَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا وَلَمْ يَفْتَرِقْ الْجَيْشُ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ طَالَ فَمِنْ ثُلُثِهِ، انْتَهَى.
ص (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إلَخْ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ نَهَاهُمْ الْإِمَامُ عَنْهُ ثُمَّ اُضْطُرُّوا إلَيْهِ جَازَ لَهُمْ أَكْلُهُ

انْتَهَى.
ص (وَإِنْ نَعَمًا) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِذَا أَخَذَ الْأَنْعَامَ لِلْحَاجَةِ فَلَهُ أَخْذُ

جِلْدِهَا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ وَإِلَّا رَدَّهُ لِلْمَغَانِمِ، انْتَهَى.
ص (وَحَرَقَ إنْ أَكَلُوا الْمَيْتَةَ) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ مَا وَقَفَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ مِنْ الْخَيْلِ وَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهَا تُعَرْقَبُ، وَإِنْ خِيفَ أَكْلُهَا أُحْرِقَتْ، انْتَهَى.
ص (وَجَعَلَ الدِّيوَانُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الدِّيوَانُ لَقَبٌ لِرَسْمِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُعَدِّينَ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ بِعَطَاءٍ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: أَصْحَابُ الْعَطَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ لِمَا يُرَوِّعُونَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْعَطَاءِ كَالْعَبِيدِ، وَالْعَبْدُ يَأْمُرُهُ سَيِّدُهُ وَيَنْهَاهُ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَحَاصِلُهُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ، فَإِذَا اتَّحَدَ كَانَ دُونَ عَطَاءٍ أَفْضَلُ، انْتَهَى.
وَمِنْهُ أَسْنَدَ سَحْنُونٌ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ: لَا أَفْتَرِضُ: افْتَرِضْ فَإِنَّهُ الْيَوْمَ مَعُونَةٌ وَقُوَّةٌ فَإِذَا كَانَ ثَمَنُ دِينِ أَحَدِكُمْ فَلَا تَقْرَبُوهُ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ دِيوَانًا وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ وَجَازَ لِلشَّخْصِ الْمُجَاهِدِ أَنْ يَأْخُذَ جَعْلًا مِنْ الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ فِي الشَّامِلِ: وَيَجُوزُ جَعْلٌ مِنْ دِيوَانٍ.

[فَرْعٌ غَزَا رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ بِأُجْرَةٍ]

ص (وَجَعَلَ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) ش: (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَإِذَا غَزَا رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ بِأُجْرَةٍ فَالسَّهْمَانِ لِلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، وَقَدْ نَزَلَتْ عِنْدَنَا فَأَفْتَى فِيهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا الْقَرَوِيِّينَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْجَعَالَةُ اُحْتُمِلَ وُجُوبُ خُرُوجِ الْجَاعِلِ بِالْقُرْعَةِ، فَيَكُونُ الْخَارِجُ أَجِيرًا فَيَسْتَحِقُّهُ الْخَارِجُ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْجَعَالَةُ بَعْدَ تَعْيِينِ الْجَاعِلِ بِقُرْعَةٍ أَوْ كَانَ الْجَاعِلُ مِنْ غَيْرِ دِيوَانِهِ فَكَمَا قَالُوا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ تَقْتَضِي أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْإِسْهَامِ إنَّمَا هُوَ لِمُبَاشَرَةِ حُضُورِ الْقِتَالِ أَوْ الْخُرُوجِ لَهُ إنْ عَاقَهُ عَنْ حُضُورِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَتَرْكِهِ اخْتِيَارٌ إلَّا فِي مَصْلَحَةِ الْخَارِجِينَ يَمْنَعُهُ، انْتَهَى.

ص (وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ) ش عَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الْجَائِزَاتِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ فُصُولِ الْعَالِمِ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُرَابِطِينَ إذَا صَلَّوْا الْخَمْسَ أَنْ يُكَبِّرُوا جَهْرًا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَيُسْتَحْسَنُ لِيُرْهِبُوا الْعَدُوَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَغَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، انْتَهَى.

ص (وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أَمِنَ) ش: يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
ص (وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ) ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالذِّمِّيُّ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اعْلَمْ أَنَّ الْجَاسُوسَ إنْ كَانَ كَافِرًا حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا الْمُعَاهِدُ وَالذِّمِّيُّ فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَصِيرُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ فَإِنْ رَأَى اسْتِرْقَاقَهُ أَرَقَّهُ، وَيَجُوزُ قَتْلُهُ.

ص (وَقَبُولُ الْإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ، وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضِ الْقَرَابَةِ وَفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) ش: قَالَ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي الْهَدِيَّةِ تَأْتِي الْإِمَامَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مِنْ الْعَدُوِّ: أَتَكُونُ لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلْجَيْشِ؟ قَالَ: لَا أَرَى هَذَا يَأْتِيهِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخَوْفِ فَأَرَاهُ لِجَمَاعَةِ الْجَيْشِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قَرَابَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ كُوفِئَ بِهَا فَأَرَاهَا لَهُ خَاصَّةً خَالِصَةً إذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ الرُّومِيِّ يُسْلِمُ فَيُولَى فَيَدْخُلُ فَيُهْدَى لَهُ لِقَرَابَتِهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا قِيلَ لَهُ.
فَالرَّجُلُ مِنْ الْجَيْشِ تَأْتِيهِ الْهَدِيَّةُ، قَالَ: هَذَا لَهُ خَاصَّةً لَا شَكَّ فِيهِ، وَمِثْلُ أَنْ يَحِلُّوا بِحِصْنٍ فَيُعْطِيهِ بَعْضُ أَقَارِبِهِ الْمَالَ.
وَهُوَ مِنْ الْجَيْشِ فَهُوَ لَهُ خَالِصٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْهَدِيَّةِ تَأْتِي الْإِمَامَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ: إنَّهَا لِجَمَاعَةِ الْجَيْشِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ قَرَابَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَأْتِيَهُ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ وَذَلِكَ يَفْتَرِقُ، وَأَمَّا إذَا أَتَتْهُ مِنْ الطَّاغِيَةِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَيْشِ، وَهُوَ قَوْلُهُ هُنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنَّهَا تَكُونُ لِلْجَيْشِ يُرِيدُ غَنِيمَةً لَهُمْ وَتُخَمَّسُ، وَقِيلَ: إنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا خُمُسَ فِيهَا كَالْجِزْيَةِ.
وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَا أَخَذَهُ وَالِي الْجَيْشِ يُرِيدُ صُلْحًا مِنْ بَعْضِ الْحُصُونِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهَا، وَاخْتُلِفَ إذَا أَتَتْهُ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَدُوِّ وَقَبْلَ أَنْ يُدَرَّبَ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ، فَحَكَى الدَّاوُدِيُّ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ لَهُ أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ أَنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْأَمِيرَ فِي

ذَلِكَ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قَبِلَ مِنْ هَدَايَا عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا مَا أَتَتْهُ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ إذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ لَا يُخَافُ مِنْهُ، وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ الْجَيْشِ تَأْتِيهِ الْهَدِيَّةُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ بَعْضِ قَرَابَتِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّهَا لَهُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.

ص (وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ وَوَجَبَ إنْ رُجِيَ حَيَاةٌ أَوْ طُولُهَا) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْد أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ فَيُذْبَحُ لِإِرَاحَتِهِ مِنْ أَلَمِ الْوَجَعِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي بَابِ الْمُبَاحِ طَعَامٌ طَاهِرٌ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَذَكَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَقَعُ بِأَهْلِ الْبَلَايَا مِمَّنْ يَأْخُذُهُمْ الْوُلَاةُ وَيَجْزِمُونَ بِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ، فَيُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْجِلَ الْمَوْتَ بِشُرْبِ السُّمِّ فَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ إذَا رَجَا الْإِنْسَانُ حَيَاةً سَاعَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِعْجَالُ مَوْتِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْأَسْئِلَةِ هَلْ يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ قَتْلُ نَفْسِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَتَى مَا يُوجِبُ ذَلِكَ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَحْرُمُ فَإِذَا فَعَلَ هَلْ يُسَمَّى بِذَلِكَ فَاسِقًا أَوْ مُفْتَاتًا؟ جَوَابُهَا مَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ بِذَنْبٍ مِنْ الذُّنُوبِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ وَسَتْرُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ التَّوْبَةِ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَطْهِيرَ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ فَلْيُقِرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ وَلِيِّ الْقَتْلِ لِيَقْتُلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، فَإِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ كَانَ ذَنْبُهُ صَغِيرًا لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى فَاسِقًا بِالْجَرِيمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ، وَإِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَإِنْ جَعَلْنَا تَوْبَتَهُ مُسْقِطَةً لِقَتْلِهِ فَقَدْ لَقِيَ اللَّهَ فَاسِقًا بِقَتْلِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ بِتَوْبَتِهِ لَقِيَ اللَّهَ عَاصِيًا لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ إثْمَ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رُوحًا يَسْتَحِقُّ تَفْوِيتَهَا وَأَزْهَقَ نَفْسًا يَسْتَحِقُّ إزْهَاقَهَا، وَكَانَ الْأَصْلُ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ لِكُلِّ أَحَدٍ الْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّرْعَ فَوَّضَهُ إلَى الْأَئِمَّةِ كَيْ لَا يُوقِعَ الِاسْتِبْدَادُ بِهِ فِي الْفِتَنِ، انْتَهَى.

ص (كَالنَّظَرِ فِي الْأَسْرَى بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) ش: قَالَ

اللَّخْمِيُّ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ: أَمْوَالٌ وَرِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ وَأَرْضُونَ وَأَطْعِمَةٌ وَأَسْلَابٌ وَأَنْفَالٍ، فَالْأَمْوَالُ تُقَسَّمُ عَلَى السُّهْمَانِ أَخْمَاسًا، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، فَأَيُّ ذَلِكَ رَأَى أَحْسَنَ نَظَرٍ فَعَلَهُ، وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ وَمَنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ مِنْ الْخُمُسِ عَلَى الْقَوْلِ، بِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مَمْلُوكَةٌ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، وَالْقَتْلُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالِاسْتِرْقَاقُ رَاجِعٌ إلَى جُمْلَةِ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْأَقْسَامِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ فِي رَدِّ سَبَايَا هَوَازِنَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأَسْرَى بَعْدَ الْقَسْمِ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُقَاسَمَةِ كَمَا فَعَلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِأَهْلِ حُنَيْنٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرَدِّهِمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَيَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ بِالنُّفُوسِ لَا بِالْمَالِ كَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا فِي الرِّجَالِ، وَأَمَّا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ فَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ وَالْمُفَادَاةُ بِالنُّفُوسِ دُونَ الْمَالِ، انْتَهَى.

ص (كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ) ش قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ عَلَى جَوَازِ الْمُبَارِزَةِ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهَا وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ فِيهَا إذْنَ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.
مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْقُرْطُبِيِّ.

ص (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ وَإِلَّا نَظَرَ الْإِمَامُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إنْزَالِ

الْعَدُوِّ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَنْزَلَهُمْ عَلَيْهِ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ إلَّا أَنْ يُسْلِمُوا، فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِي مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ مُحَمَّدٌ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ رَدِّهِمْ الْإِسْلَامَ فَإِنْ أَبَوْا فَالْجِزْيَةُ وَلْيُنْزِلْهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِهِ لَا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَلَوْ طَلَبُوهُ (فَإِنْ قُلْت) الْأَظْهَرُ إنْ كَانَ غَيْرُهُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَلَهُ إنْزَالُهُمْ عَلَى حُكْمِهِ لِصِحَّةِ تَحْكِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
(قُلْت) إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنُفُوسِ الْأَوْسِ لَمَّا طَلَبُوا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْلِيَتَهُمْ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَوَالِيهِمْ وَمَا كَانَ إنْزَالُهُمْ إلَّا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَحْنُونٌ فَإِنْ أَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا نَفَذَ حُكْمُهُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَرُدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ رُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ بَعْدَ رَدِّهِ سَبْيَهُمْ لَمْ يَنْفُذْ وَرُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا تَعَقَّبَ الْإِمَامُ حُكْمَهُ إنْ رَآهُ حَسَنًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا حَكَمَ بِمَا يَرَاهُ نَظَرًا وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ حَكَّمُوا عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا عَاقِلِينَ عَالَمِينَ بِهِمْ لَمْ يَجُزْ وَحَكَمَ الْإِمَامُ، وَلَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكِّمَ فُلَانٌ فَحَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ لَمْ يَنْفُذْ، وَهُوَ كَنْزٌ وَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَقَطْ، فَلَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَحَكَمَ الْآخَرُ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ لَمْ يَنْفُذْ وَرُدُّوا لِمَأْمَنِهِمْ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ رَدُّوا الْمَاءَ مِنْهُمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ عِيَاضٌ: وَالنُّزُولُ عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ جَائِزٌ.
وَلَهُمْ الرُّجُوعُ عَنْهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ، فَإِذَا حَكَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ وَلَهُمْ أَنْ يَنْتَقِلُوا مِنْ حُكْمِ رَجُلٍ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ مِمَّنْ يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّيَانَةِ، فَإِذَا حَكَمَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا الْإِمَامِ الْمُجِيزِ لِتَحْكِيمِهِمْ نَقْضُ حُكْمِهِ إذَا حَكَمَ بِمَا هُوَ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ إقْرَارٍ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوْ إجْلَاءٍ، فَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ هَذَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا يُبِيحُهَا الشَّرْعُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ، انْتَهَى.
.

ص (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْأَشْيَاخِ: لَفْظُ الْأَمَانِ وَالْمُهَادَنَةِ وَالصُّلْحِ وَالِاسْتِئْمَانِ وَالْمُعَاهَدَةِ وَالْعَهْدِ مِنْهَا مُتَبَايِنٌ وَمُتَرَادِفٌ، فَالْأَمَانُ رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ وَرَقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ أَوْ الْعَزْمِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ مُدَّةً، مَا فَيَدْخُلُ الْأَمَانُ بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ اسْتِبَاحَتَهَا لَا الْمُهَادَنَةَ وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ اسْتِلْزَامُهُ مَصْلَحَةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ أَوْ احْتِمَالُهَا مَرْجُوحًا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَتَبْعُدُ إبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ أَحَدَهُمَا وَتُسَاوِيهِمَا، وَهُوَ عُسْرٌ اللَّخْمِيُّ هُوَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ بِاجْتِهَادِهِ بَعْدَ مَشُورَةِ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْهُمْ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَالْمُهَادَنَةُ، وَهِيَ الصُّلْحُ: عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَيَخْرُجُ الْأَمَانُ وَالِاسْتِئْمَانُ، ثُمَّ قَالَ: وَالِاسْتِئْمَانُ وَهُوَ الْمُعَاهَدَةُ: تَأْمِينُ حَرْبِيٍّ يَنْزِلُ بِنَا لِأَمْرٍ يَنْصَرِفُ بِانْقِضَائِهِ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ وَادَعَ الْإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي بَابِ إذَا وَادَعَ الْإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَالَحَ مَلِكَ الْقَرْيَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ بَقِيَّتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي عَكْسِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا إذَا اسْتَأْمَنَ لِطَائِفَة مُعَيَّنَةٍ هَلْ يَدْخُلُ هُوَ فِيهِمْ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَيُّنِهِ لَفْظًا وَقَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بَلْ يُكْتَفَى بِالْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْأَمَانَ لِغَيْرِهِ إلَّا، وَهُوَ يَقْصِدُ إدْخَالَ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي إلَى قَوْلِهِ تَأْوِيلَانِ) ش: يُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ (تَنْبِيهٌ) نَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ

عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّأْمِينُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ قَوْلَهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً إذْ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلْإِمَامِ ابْتِدَاءً، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَفِيهَا، وَيَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إنْ عَقَلَ الْأَمَانَ وَيُحْتَمَلُ يَجُوزُ إنْ وَقَعَ، وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ أَوْ مُخَالِفٌ، انْتَهَى.
وَبِهَذَا فَسَّرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَفَسَّرَهُمَا فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ: وَقَوْلُهُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ كَذَلِكَ، أَيْ يَجُوزُ تَأْمِينُهُ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَوْ يَرُدَّهُ، وَإِلَى حَمْلِ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَلَى الْخِلَافِ ذَهَبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالْمُصَنِّفُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ أَصْحَابُنَا يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ، انْتَهَى.

ص (وَسَقَطَ الْقَتْلُ، وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْأَمَانُ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقَتْلُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ خِلَافًا حَتَّى مِمَّنْ أَعْطَى الْأَمَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي أَمْنِهِمْ بَعْدَ الْفَتْحِ قَوْلَانِ، وَلِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ عَامٌّ فِي حَقِّ مَنْ أَمَّنَهُ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ عَامٌّ فِي الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلَهُ اتِّفَاقًا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَتْلِ لَا فِي الِاسْتِرْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَمْلُوكًا، وَالْقَوْلُ بِسُقُوطِ الْقَتْلِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْن الْمَوَّازِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَمَّنَهُ قَتْلُهُ، وَأَمَّا الْإِمَامُ، فَإِنْ شَاءَ قَتْلَهُ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى أَمَانَهُ وَكَانَ قِنًّا، وَقَوْلُهُ: وَفِي أَمْنِهِمْ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ، أَيْ وَفِي أَمْنِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ، أَيْ وَفِي أَمْنِ الْكُفَّارِ وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: وَفِي إمْضَاءِ أَمْنِهِمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَغَيْرَهُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَلَفْظُهُ: وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْفَتْحُ، فَإِنْ أَمَّنَهُ الْأَمِيرُ صَحَّ، وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ فَهَلْ يَصِحُّ تَأْمِينُهُ فَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْقَتْلِ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسَقَطَ الْقَتْلُ أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ لَا يَسْقُطُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَا كَمَا تَقَدَّمَ.
ص (إنْ لَمْ يَضُرَّ) ش: يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ إلَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ.
وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ يَمْضِي كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهُ.

ص (أَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُ) ش: هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَهُوَ أَنَّ أَمَانَ

الذِّمِّيِّ غَيْرُ مَلْزُومٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ يَعْنِي أَنَّا إذَا قُلْنَا: أَمَانُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَقَالَ الْحَرْبِيُّونَ: ظَنَنَّا أَنَّ هَذَا الَّذِي أَعْطَانَا الْأَمَانَ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ إمَّا أَمْضَاهُ أَوْ رَدَّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مَرَّةً لَا يُعْذَرُونَ وَهُمْ فَيْءٌ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: إنْ أَمَّنَهُمْ الذِّمِّيُّ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ وَهُمْ فَيْءٌ، قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّاهُ مُسْلِمًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ إنْ أَبَى الْإِمَامُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَقَالَ: هُمْ فَيْءٌ، وَقَالَ: وَيُرَدُّونَ لِمَأْمَنِهِمْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ قَالُوا: عَلِمْنَا أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَظَنَنَّا أَنَّ أَمَانَهُ يَجُوزُ لِذِمَّتِهِ مِنْكُمْ كَمَا يَجُوزُ أَمَانُ عَبْدِكُمْ وَصَغِيرِكُمْ، قَالَ: لَا أَمَانَ لَهُمْ وَهُمْ فَيْءٌ، انْتَهَى.
فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ عَكْسُ مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِأَرْضِنَا، وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا خِلَافَ فِيمَنْ أَتَى تَاجِرًا فَيَقُولُ ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيُرَدُّ لِمَأْمَنِهِ، انْتَهَى.
فَحِكَايَةُ الشَّارِحِ فِيهِ خِلَافٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُجِدَ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: جِئْت إلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: جِئْت أَطْلُبُ الْفِدَاءَ.

ص (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) ش قَوْلُهُ: مَعَهُ.
يَعْنِي فِي بَلَدِنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي بَلَدِنَا فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مُوَرَّثُهُ عَلَى التَّجْهِيزِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ أَوْ تَرَكَ مَالًا أَوْ قُتِلَ

فَمَالُهُ وَدِيَتُهُ تُدْفَعُ إلَى مَنْ يَرِثُهُ بِبَلَدِهِ ابْنُ يُونُسَ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا إذَا اُسْتُؤْمِنَ عَلَى الرُّجُوعِ أَوْ كَانَ شَأْنُهُمْ الرُّجُوعَ، وَأَمَّا لَوْ اُسْتُؤْمِنَ عَلَى الْمُقَامِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُمْ، فَإِنَّ مَا تَرَكَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ إذَا اُسْتُؤْمِنَ عَلَى الرُّجُوعِ وَطَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُمْ وَلَا ذَكَرُوا رُجُوعًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى.
مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ.
ص (وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ، ثُمَّ قُتِلَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ إذَا قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ، وَأَمَّا إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ، فَإِنَّ وَدِيعَتَهُ لِمَنْ قَتَلَهُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحِ.

[فَرْعٌ وَيَعْتِقُ قَاتِلُ الْحَرْبِيّ رَقَبَةً]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَعْتِقُ قَاتِلُهُ رَقَبَةً، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنْ كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا كَانَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ مُسْتَحَبًّا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً كَانَ وَاجِبًا، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَدِيَةُ الْمُسْتَأْمَنِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: إنَّمَا ذَكَرْتُهُ؛ لِأَنَّ لِإِسْمَاعِيلَ فِي دِيَتِهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، انْتَهَى.

ص (وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ) ش، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ بَلْ صَرِيحُهَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ تَعَيُّنِ وَارِثِهِ بِبَيِّنَةِ مُسْلِمِينَ أَوَّلًا، وَهُوَ كَذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَمَّا إنْ قَدِمَ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى بِلَادِهِ، وَهَذَا مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّجْهِيزِ فَهَذَا لَا حَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ إنْ مَاتَ، وَلَا فِيهِ وَلَا فِي دِيَتِهِ إنْ قُتِلَ بَلْ يُبْعَثُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إلَى بِلَادِهِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَفِي رَدِّهِ إلَى حُكَّامِهِمْ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ قَوْلَانِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

ص (كَوَدِيعَتِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ إذَا تَرَكَ وَدِيعَةً وَسَافَرَ إلَى بِلَادِهِ، فَإِنَّهَا تُرْسَلُ إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ تَرَكَ الْمُسْتَأْمَنُ وَدِيعَةً فَهِيَ لَهُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي ذَهَبَ إلَى بَلَدِهِ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . ص (وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٌ قَوْلَانِ) ش: يَعْنِي: وَهَلْ تُرْسَلُ وَدِيعَةُ الْمُسْتَأْمَنِ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ قُتِلَ فِي مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُرْسِلُهَا إذَا مَاتَ، وَأَمَّا إذَا قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَهِيَ فَيْءٌ، وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ أَيْضًا.

ص (وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا)

ش: يَعْنِي إذَا قَدِمَ الْكَافِرُ بِسِلَعٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَتَى بِهَا لِيَبِيعَهَا فَيُكْرَهُ لِغَيْرِ مَالِكِ تِلْكَ السِّلَعِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُمْ، فَإِنْ بَاعَهَا وَاشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ بِاشْتِرَائِهِ لَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا قَدِمُوا بِهَا وَوَهَبُوهَا لِمُسْلِمٍ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ بِالْهِبَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَبِيعُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ بِبَلَدِهِمْ أَوْ يَهَبُونَهُ، فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ، وَفِي الْهِبَةِ بِلَا شَيْءٍ كَمَا سَيَأْتِي وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ فِيهَا: وَإِذَا دَخَلْت دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَابْتَعْت مِنْ يَدِ حَرْبِيٍّ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ أَسَرَهُ أَوْ أَبَقَ إلَيْهِ أَوْ وَهَبَهُ الْحَرْبِيُّ لَكَ فَكَافَأْتَهُ عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْكَ مَا أَدَّيْت مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ، وَإِنْ لَمْ تُثِبْ وَاهِبَكَ أَخَذَهُ رَبُّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ بِعْتَهُ أَنْتَ، ثُمَّ جَاءَ رَبُّهُ مَضَى الْبَيْعُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْكَ وَيَدْفَعَ إلَيْكَ مَا أَدَّيْت مِنْ ثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ، وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ عَرْضًا فَلَا شَيْءَ لَكَ، قَالَ غَيْرُهُ: يُنْقَضُ بَيْعُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُبْتَاعِ وَيَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا إنْ نَزَلَ بِنَا حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ عَبِيدٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَدْ كَانَ أَحَرَزَهُمْ فَبَاعَهُمْ عِنْدَنَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِالثَّمَنِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مِنْ بَائِعِهِمْ فِي عَهْدِهِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْحَرْبِيِّ إيَّاهُمْ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ وَهَبَهُمْ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَقَدِمَ بِهِمْ كَانَ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَهَذَا الَّذِي خَرَجَ بِهِمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ لَوْ وَهَبَهُمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَأْخُذْهُمْ سَيِّدُهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَا أَحْرَزَ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَوْا بِهِ لِيَبِيعُوهُ لَمْ أُحِبَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاسْتَحَبَّ غَيْرُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَأْخُذَهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ أُحِبَّ عَلَى بَابِهِ أَيْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَشْلَائِهِمْ، وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهِ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ

وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إجْمَاعًا شِرَاءُ أَمْتِعَتِهِمْ، وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانٍ وَبَاعَ: لَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِمْ أَخْذُهُمْ الشَّيْخُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِالثَّمَنِ عَلَى مَا حَكَاهُ عَنْ الْغَيْرِ، ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُشْتَرَى بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَا اُشْتُرِيَ مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَدِمَ بِأَمَانٍ أَنَّ مَا اُشْتُرِيَ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ اُشْتُرِيَ مِمَّنْ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلِهَذَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ، وَاَلَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَدِمَ بِأَمَانٍ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِمَّنْ لَهُ حُرْمَةٌ، وَلِهَذَا لَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ بِالثَّمَنِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَلِهَذَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْهُمْ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ.

ص (غَيْرُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) ش: وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْمُحْبَسُ وَالْأَرْضُ الْمُحْبَسَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَحْبَاسِ، وَانْظُرْ فِيمَا إذَا وُجِدَ فِي الْغَنِيمَةِ فَرَسُ حَبْسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِدْيَةُ أُمِّ الْوَلَدِ) ش: أَيْ بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهَا مُعْسِرًا أُتْبِعَ بِالْقِيمَةِ.
ص (وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ وَلَا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ) ش: ذَكَرَ حُكْمَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ يَسْتَوْفِيهَا الَّذِي أَسْلَمَ، فَإِنْ وَفَّى خَرَجَ حُرًّا وَكَانَ الْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ رَقِيقًا لِلَّذِي أَسْلَمَ، وَهُوَ فِي يَدِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ.

ص (وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ، وَإِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَهُ فِيهَا نَصِيبٌ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَإِنْ وَطِئَ مِنْهَا أَمَةً حُدَّ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تُحْرَزَ قُطِعَ، قَالَ غَيْرُهُ: لَا يُحَدُّ لِلزِّنَا وَيُقْطَعُ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ فِيهَا وَاجِبٌ مَوْرُوثٌ، بِخِلَافِ حَقِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْغَنِيمَةِ حُدَّ لَمْ يُبَيِّنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ أَنْ يُحَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تُحْرَزْ فَهِيَ كَالْحَرْبِيَّةِ يَزْنِي بِهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ مَنْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ بَعْدُ وَلَا حِيزَتْ عَنْهُ، وَقَدْ تَتْلَفُ فَلَا تَكُونُ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ لِدَرْءِ الْحَدِّ وَجْهٌ بِالشُّبْهَةِ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ مُحْتَمَلَانِ وَالْغَيْرُ الْمُخَالِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ فَصَلَ

بَيْنَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ مَنْ زَنَا بِحَرْبِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَقُولُ فِي بَابِ الزِّنَا أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ أَوْ حَرْبِيَّةٍ.

. ص (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا مُلِكَ مِنْ مَالِ الْكَافِرِ غَنِيمَةٌ وَمُخْتَصٌّ بِآخِذِهِ وَفَيْءُ الْغَنِيمَةِ مَا كَانَ بِقِتَالٍ أَوْ بِحَيْثُ إنْ يُقَاتَلَ عَلَيْهِ وَلَازِمُهُ تَخْمِيسُهُ اللَّخْمِيِّ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ فِي كَوْنِهِ غَنِيمَةً أَوْ فَيْئًا قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ سَبَبِيَّةِ الْجَيْشِ أَوْ عَدَمِ مُمَانَعَةِ الْعَدُوِّ، وَقَالَ: وَقَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ فَيْءٌ (قُلْت) وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ نُزُولِهِ يَتَعَارَضُ فِيهِ مَفْهُومُ مَا نَقَلَهُ، قَالَ: وَيُخْتَلَفُ فِي خَرَاجِ أَرْضِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَصُّ بِآخِذِهِ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ دُونَ عِلْمِهِ أَوْ كَرْهًا دُونَ صُلْحٍ وَلَا قِتَالِ مُسْلِمٍ وَلَا قَصَدَهُ بِخُرُوجٍ إلَيْهِ مُطْلَقًا عَلَى رَأْيٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ مِنْ أَحْرَارِ الذُّكُورِ الْبَالِغِينَ عَلَى رَأْيٍ، كَمَا لَوْ هَرَبَ بِهِ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَمَا غَنِمَهُ الذِّمِّيُّونَ، وَفِيمَا غَنِمَهُ النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ خِلَافٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَدْخُلُ الرِّكَازُ وَالْفَيْءُ مَا سِوَاهُمَا مِنْهُ فِيهَا خَرَاجُ الْأَرْضِينَ وَالْجِزْيَةُ، وَمَا اُفْتُتِحَ مِنْ أَرْضٍ بِصُلْحٍ وَخُمُسِ غَنِيمَةٍ أَوْ رِكَازِ فَيْءٍ الشَّيْخُ.
زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَمَا أُخِذَ مِنْ تَجْرِهِمْ وَتَجْرِ الذِّمِّيِّينَ (قُلْت) وَعَزَاهُ فِي بَابٍ آخَرَ لِمُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.

[فَرْعٌ فِي الْقَوْمِ يَغْنَمُونَ الرَّقِيقَ هَلْ يُشْتَرَى مِنْهُمْ وَهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا خُمُسًا]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمٍ جَاعَ فَبَاعَ امْرَأَتَهُ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الْقَوْمِ يَغْنَمُونَ الرَّقِيقَ هَلْ يُشْتَرَى مِنْهُمْ وَهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا خُمُسًا؟ قَالَ: لَا يُشْتَرَى مِنْهُمْ إذَا لَمْ يُؤَدُّوا خُمُسًا.
(قُلْت) وَإِنْ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنْ يَحْبِسُوا خُمُسًا؟ قَالَ: لَا يُشْتَرَى مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ حَالُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤَدُّونَ خُمُسًا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا إذَا كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ لَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ خُمُسًا، قَالَ: فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُمْ فَتَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ هُوَ التَّوَرُّعُ، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ وَلَا يُؤَدُّونَ الْخُمُسَ فَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ فَرَوَى يَحْيَى بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ أَنَّهُ يُشْتَرَى مِنْهُمْ وَتُوطَأُ الْأَمَةُ.
وَإِنَّمَا الْخُمُسُ عَلَى الْبَائِعِ وَعَلَى هَذَا يَأْتِي قَوْلُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَالِي يَعْزِلُ الظَّلَمَةَ مِنْ الْعُمَّالِ فَيُرْهِقُهُمْ وَيُعَذِّبُهُمْ فِي غُرْمٍ يُغَرِّمُهُمْ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ فَيُلْجِئَهُمْ إلَى بَيْعِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ: إنَّ الشِّرَاءَ مِنْهُمْ جَائِزٌ، وَقِيلَ: الشِّرَاءُ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ وَلَا يُؤَدُّونَ الْخُمُسَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَدَاءٍ.
وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَعَلَى هَذَا يَأْتِي قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ أَنَّ الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورَ لَا يَحِلُّ الِاشْتِرَاءُ مِنْهَا إذَا كَانُوا لَا يَضَعُونَ أَثْمَانَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عِنْدِي إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا كَانَتْ الرِّقَابُ لَا تَنْقَسِمُ أَخْمَاسًا، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تُبَاعَ لِيَخْرُجَ الْخُمُسُ مِنْ أَثْمَانِهَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَنْقَسِمُ أَخْمَاسًا فَلَمْ يُخْرِجُوا مِنْهَا الْخُمُسَ وَبَاعُوهَا لِيَسْتَأْثِرُوا بِهَا فَهُمْ كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةٍ لِغَيْرِهِ فَبَاعَهَا فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ شِرَاؤُهَا، انْتَهَى.
زَادَ فِي النَّوَادِرِ وَعَنْ أَبِي مُصْعَبِ قِيلَ: إنَّ الْخَلِيفَةَ مَنَعَهُمْ أَنْ يُخَمِّسُوهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا وَلَهُمْ الشِّرَاءُ وَالْوَطْءُ، وَالْخُمُسُ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَقَالَ

سَحْنُونٌ فِي قَوْمٍ أَسَرُوا فَقَسَّمُوا الرَّقِيقَ قَبْلَ أَنْ يُخَمِّسُوهَا أَيَشْتَرِي مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ إذَا أَدَّوْا الْخُمُسَ فِي مَوَاضِعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالشِّرَاءُ مِنْهُمْ حَسَنٌ، انْتَهَى.
وَنُقِلَ هَذَا الْفَرْعُ فِي الذَّخِيرَةِ فِي آخِرِ فَصْلِ الْغُلُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ افْتَرَقَ الْجَيْشُ قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا افْتَرَقَ الْجَيْشُ قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ خُمُسَهَا.
ثُمَّ يُحْصِي مَنْ حَضَرَ الْغَنِيمَةَ مِنْ الْغُزَاةِ عَلَى التَّحَرِّي وَالتَّخْمِينِ بِأَنْ يَجْمَعَ أَعْيَانَ أَصْحَابِهِ وَشُيُوخَ عَسْكَرِهِ وَيَقُولَ لَهُمْ: كَمْ تُقَدِّرُونَ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ فِي غَزَاةِ كَذَا، فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيرِهِ بِعَدَدٍ مَا قَسَّمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّقْدِيرِ أَخَذَ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ الْقَدْرِ وَتَرَكَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ.
وَنَزَلَتْ أَيَّامَ الْمَنْصُورِ فَاسْتَفْتَى ابْنَ زَرْبٍ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ أَمْرَهُ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْأَمِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ حَالِ الْجَيْشِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُوقِفُ أَنْصِبَاءَ الْغُيَّبِ بَعْدَ الْمَقَاسِمِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَفِي جَوَابِ ابْنِ زَرْبٍ إجْمَالٌ وَتَفْسِيرُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت الْمَوْقُوفُ حُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ، فَإِنْ مَضَتْ لَهُ سَنَةٌ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ طَالِبٌ جَرَى عَلَى حُكْمِهَا، وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، وَقَالَ فِيمَنْ أَخَذَ كُبَّةً فَوَجَدَ فِيهَا بَعْدَ تَفَرُّقِ الْجَيْشِ حُلِيًّا زِنَتُهُ سَبْعُونَ مِثْقَالًا قَالَ: هُوَ كَاللُّقَطَةِ تَطِيبُ لَهُ إذَا جَهِلَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْمُدَّةِ.
وَنَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ مَنْ يَغْزُو مَعَ الْجَيْشِ أَوْ السَّرِيَّةِ فَيَغْنَمُونَ الْغَنِيمَةَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَصَّلُونَ إلَى حُقُوقِهِمْ مِنْهَا فَهَلْ يَطِيبُ لَهُ أَنْ يُخْفِيَ مِقْدَارَ مَا يَحْصُلُ لَهُ لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى وَجْهِهَا؟ فَوَقَعَتْ الْفُتْيَا أَنَّهُ يَتَحَرَّى عَدَدَ الْجَيْشِ وَيُخْرِجُ مِنْ الْغَنِيمَةِ الْخُمُسَ وَيُقَدِّرُ حَقَّهُ وَيَأْخُذُهُ وَكُلُّ مَا شَكَّ فِيهِ طَرَحَهُ، انْتَهَى.
مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

. ص (وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) ش لَيْسَ النَّفَلُ مَقْصُورًا عَلَى السَّلَبِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، السَّلَبُ: نَوْعٌ مِنْ النَّفَلِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ الْقَاتِلَ أَوْ لَمْ يُعْطِهِ أَوْ أَعْطَاهُ بَعْضَهُ خَاصَّةً، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: لِمَصْلَحَةٍ يَعْنِي أَنَّ السَّلَبَ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ.
وَكَذَلِكَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُعْطِيهِ لَكِنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَلَا بِالْهَوَى فَلَا يُعْطِي الْجَبَانَ وَيَحْرِمُ الشُّجَاعَ وَلَا يُعْطِي الشُّجَاعَ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: النَّفَلُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا، وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ النَّفَلُ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ زِيَادَةُ السَّهْمِ أَوْ هِبَةٌ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السَّهْمِ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ لِحَارِسٍ أَوْ لِطَلِيعَةٍ أَوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ النَّفَلُ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ مُسْتَحِقَّهَا لِمَصْلَحَةٍ، انْتَهَى.

. ص (وَلَمْ يَجُزْ إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) ش: يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ قَوْلُ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ

يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
(فَرْعٌ) قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ لِلسُّرِّيَّةِ مَا غَنِمْتُمْ فَلَكُمْ بِلَا خُمُسٍ فَهَذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ السَّلَفُ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ شَاذٌّ اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.
ص (وَلِمُسْلِمٍ فَقَطْ سَلَبٌ اُعْتِيدَ) ش: وَمِنْهُ الْخَاتِمُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْلِمِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَفُهِمَ مِنْ لَفْظِ الْمُسْلِمِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا شَيْءَ لَهَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَلَوْ قَاتَلَتْ الْمَرْأَةُ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ بِقَتْلِهِ قَبْلَ كَمَالِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ سَحْنُونٌ مَنْ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسِيرٍ لِلْإِمَامِ فَقَتَلَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالشَّرِكَةُ فِي مُوجِبِ السَّلَبِ يُوجِبُهَا فِيهِ سَحْنُونٌ مَنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَ عِلْجٍ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَسَلَبُهُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ جَرَحَهُ فَلَمْ يُنْفِذْ مَقْتَلَهُ فَبَيْنَهُمَا.
وَلَوْ تَدَاعَى قَتْلَهُ جَارِحُهُ وَمُحْتَزُّ رَأْسِهِ فَبَيْنَهُمَا، انْتَهَى.
وَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ بُحِثَ فِي ذَلِكَ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَلَبُ الْقَتِيلِ الْمُسْتَحَقِّ سَلَبُهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ اسْتَعَارَهُ مِنْ مُبَاحٍ مَالُهُ فَلِقَاتِلِهِ وَإِلَّا فَلِرَبِّهِ، كَمُسْلِمٍ تَاجِرٍ أَوْ رَسُولٍ، فَإِنْ كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلِقَاتِلِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

ص (وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ) ش: يَعْنِي، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ فَلَغْوٌ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ: وَشَرْطُ اسْتِحْقَاقِ التَّنْفِيلِ لِأَمْرٍ يُفْعَلُ سَمَاعُ مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَعْضُ قَوْلِ الْإِمَامِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ كَمَنْ سَمِعَهُ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ فَلَغْوٌ، انْتَهَى.
وَمِنْهُ لَوْ دَخَلَ عَسْكَرٌ ثَانٍ لَمْ يَسْمَعُوا مَا جُعِلَ لِلْأَوَّلِ فَلَهُمْ مِثْلُهُ إنْ كَانَ أَمِيرُ الْعَسْكَرَيْنِ وَاحِدًا، وَانْظُرْ بَقِيَّةَ فُرُوعِهِ فِيهِ.
ص (أَوْ تَعَدَّدَ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ لِعَشَرَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ زَادَ مِنَّا فَلَهُ إنْ قَتَلَ ثَلَاثَةً سَلَبُهُمْ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعَشَرَةِ (قُلْت) إذَا كَانَ مَنْ ضَمَّهُ إلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ لَهُ أَوْ إقْرَارٍ لَهُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضٍ أَوْ ذِي خُصُوصِيَّةٍ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ، انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) ش: فَإِنْ جَهِلَ فَقِيلَ لَهُ نِصْفُهُمَا، وَقِيلَ: أَقَلُّهُمَا، قَالَ فِي

التَّوْضِيحِ.

ص (أَوْ يَخُصُّ نَفْسَهُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ خَصَّ نَفْسَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَلَوْ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ انْدَرَجَ، فَلَوْ قَتَلَ قَتِيلًا قَبْلَ تَعْمِيمِهِ وَآخَرَ بَعْدَهُ اسْتَحَقَّ الثَّانِيَ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ:

إذَا قَتَلْت قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقَتَلَ الْأَمِيرُ قَتِيلَيْنِ وَقَتَلَ غَيْرُهُ قَتِيلَيْنِ فَلِلْأَمِيرِ سَلَبُ قَتِيلِهِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي، وَلِغَيْرِهِ سَلَبَا قَتِيلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ إنَّمَا خَصَّ نَفْسَهُ بِقَتِيلٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) مِنْهُ أَيْضًا وَالْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَثْبُتْ دُونَهَا الْبَاجِيُّ، وَلَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمُثْبَتَ الْقَتْلُ لَا الْمَالُ، وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِبَيِّنَةٍ فَفِي لُزُومِهَا نَقْلُ الشَّيْخِ وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ اُنْظُرْ بَقِيَّتَهُ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى أُصُولِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِمَامِ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ، فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا الشَّهَادَةَ كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ جَازَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ السَّلَبَ لَا يُعْطَى إلَّا لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُعْطَاهُ بِلَا بَيِّنَةٍ، انْتَهَى.

ص (وَمَرِيضٌ شَهِدَ كَفَرَسٍ رَهِيصٍ أَوْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) ش الصَّوَابُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ بِأَوْ أَعْنِي فِي قَوْلِهِ أَوْ مَرِضَ.
وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى خَمْسِ حَالَاتٍ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَخْرُجَ فِي الْجَيْشِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ابْتَدَأَ الْقِتَالَ فَمَرِضَ وَتَمَادَى بِهِ الْمَرَضُ إلَى أَنْ هُزِمَ الْعَدُوُّ، فَإِنَّ مَرَضَهُ لَا يَمْنَعُ سَهْمَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ: وَمَرِيضٌ شَهِدَ، فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَالٍّ فِي قَوْلِهِ، بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ وَالْمَعْنَى، بِخِلَافِ الضَّالِّ بِبَلَدِهِمْ، فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مِثْلُ الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ، وَهُوَ صَحِيحٌ حَتَّى قَاتَلَ أَكْثَرَ الْقِتَالِ ثُمَّ مَرِضَ، وَهَذَا لَهُ سَهْمُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ أَوْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ حُكْمُهَا مِنْهَا بِالْأَحْرَوِيَّةِ فَذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَالظَّاهِرُ فِي هَذِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ مَرَضِهِ يُقَاتِلُ أَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَانِعُ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَالِيًا عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِسْهَامِ أَنْ يُقَاتِلَ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَلَدِ الْإِسْلَامِ مَرِيضًا وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَخْرُجَ صَحِيحًا، ثُمَّ يَمْرَضَ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ فِي حَوْزِ أَهْلِ الْحَرْبِ.

الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يَخْرُجَ صَحِيحًا وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَمْرَضَ عِنْدَمَا دَخَلَ بِلَادَ الْحَرْبِ وَقَبْلَ الْمُلَاقَاةِ، وَفِي الثَّلَاثِ قَوْلَانِ بِالْإِسْهَامِ وَعَدَمِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ ثَالِثٌ اللَّخْمِيُّ يَفْصِلُ بَيْنَ مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ فَيُسْهِمُ لَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ، وَإِلَّا

فَقَوْلَانِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَوْلَ بِالْإِسْهَامِ مُطْلَقًا إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، فَاسْتَظْهَرَ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ، وَإِنَّمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي كَلَامِهِ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ كَمَا فَعَلَ ابْنُ غَازِيٍّ وَفَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهِيَ أَنْ يَخْرُجَ صَحِيحًا وَيَشْهَدَ الْقِتَالَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَمْرَضَ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ شَهَرَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي هَذِهِ قَوْلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَحْرَى؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ فِي الْأُولَى حَصَلَ مِنْ أَوَّلِ الْقِتَالِ، بِخِلَافِ هَذِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ غَيْرَ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ الْأُولَى أَنَّ الْمَانِعَ فِيهِنَّ أَقْوَى مِنْ الْمَانِعِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي تِلْكَ الْإِسْهَامَ، وَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْقَوْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا خَرَجَ مَرِيضًا، ثُمَّ صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ أَوْ بَعْدَ الْقِتَالِ وَقَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّ هَذَا يُسْهَمُ لَهُ بِلَا كَلَامٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَقَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي حُصُولِ الْمَانِعِ لَا فِي زَوَالِهِ، وَانْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْهُ بَعْضُهُ بِاللَّفْظِ وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) ش: حِينَ حَصَلَ الرَّهْصُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ وَاسْتَمَرَّ إلَى انْهِزَامِ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْغَنِيمَةِ.
ص (وَلِلْفَرَسِ مِثْلُ فَارِسِهِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَزَا الْمُصَنِّفُ لِابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُودَهُ، وَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَقَالَ: حَظُّ الْفَارِسِ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ الرَّاجِلِ لِلْخَبَرِ وَالْعَمَلِ، وَعَلَّلُوهُ بِكُلْفَةِ نَفْسِهِ وَفَرَسِهِ وَخَادِمِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْمُؤَلَّفِينَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لِلْفَارِسِ ضِعْفُ مَا لِلرَّاجِلِ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا أَعْرِفُهُ بَلْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَذْهَبَ قَائِلًا اتِّفَاقًا، وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إسْنَادَهُ حَدِيثَ حُجَّةِ الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الرَّاجِلِ لِوُضُوحِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَالْفَارِسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لِلْفَرَسِ حِصَّةً فَسَاوَى الرَّاكِبَ الْفَارِسُ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلْفَارِسِ سَهْمٌ كَالرَّاجِلِ.
ص (وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) ش: وَكَذَلِكَ إنْ نَزَلُوا عَنْ الْخَيْلِ وَقَاتَلُوا رَجَّالَةً لِوَعْرٍ فِي مَوْضِعِ الْقِتَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ سَارُوا رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةً أُعْطِيَ لِمَنْ كَانَ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا لَقُوا الْعَدُوَّ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُمْ الْخَيْلُ فِي السُّفُنِ أَوْ سَارُوا رَجَّالَةً وَلِبَعْضِهِمْ خَيْلٌ فَغَنِمُوا وَهُمْ رَجَّالَةً أُعْطِيَ لِمَنْ لَهُ فَرَسٌ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ بِرْذَوْنًا وَهَجِينًا) ش: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْبَرَاذِينُ هِيَ الْعِظَامُ

قَالَ الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةَ الْعَظِيمَةَ الْأَعْضَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبِرْذَوْنُ مَا كَانَ أَبَوَاهُ قِبْطِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قِبْطِيَّةً وَالْأَبُ عَرَبِيًّا كَانَ هَجِينًا، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ كَانَ مُقْرِفًا، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ هَذَا، انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ غَازِيٍّ: وَالْمُقْرِفُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَقْرَفَ قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْقَافِ مِنْ بَابِ الْفَاءِ: وَالْمُقْرِفُ الَّذِي دَانَى، الْهُجْنَةُ مِنْ الْفَرَسِ وَغَيْرِهِ الَّذِي أُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَافَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ، وَالْهُجْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الصِّحَاحِ: وَالْإِقْرَافُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ قَالَتْ هِنْدُ: وَإِنْ يَكُ إقْرَافٌ فَمِنْ قِبَلِ الْفَحْلِ.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي بَابِ النُّونِ: وَالْهُجْنَةُ فِي النَّاسِ، وَفِي الْخَيْلِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَتِيقًا وَالْأُمُّ لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ هَجِينًا، وَالْإِقْرَافُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَصْلِ الْعَيْنِ مِنْ بَابِ الْبَاءِ، الْمُعْرِبُ مِنْ الْإِبِلِ الْخَيْلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ عِرْقُ هُجْنَةٍ، وَالْأُنْثَى مُعْرِبَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَالْهَجِينُ ابْنُ الْأَمَةِ وَالْجَمْعُ هُجْنٍ، انْتَهَى.

. ص (يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ) ش ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالصَّغِيرِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ إجَازَةُ الْإِمَامِ أَوْ نَحْوِهِ ابْنُ حَبِيبٍ، وَشُرِطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إجَازَةُ الْإِمَامِ، قَالَ: وَالْبَرَاذِينُ إذَا أَجَازَهَا الْإِمَامُ كَانَتْ كَالْخَيْلِ أَبُو الْحَسَنِ، مَعْنَى أَجَازَهَا أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ كَالْخَيْلِ فِي جَرْيِهَا وَسَبْقِهَا أَسْهَمَ لَهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ أَجَازَهَا الْوَالِي، وَهُوَ ظَاهِرُهَا خِلَافٌ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: ظَاهِرُهَا فِيهِ مُسَامَحَةٌ بَلْ نَصُّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُحْبَسٌ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) فِي سَهْمِ الْفَرَسِ الْمُسْتَعَارِ هَلْ هُوَ لِرَبِّهِ أَوْ لِلْمُسْتَعِيرِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي لِمَالِكٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(الثَّانِي) اُخْتُلِفَ هَلْ مَا لِلْفَرَسِ لِلْفَارِسِ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلَانِ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا قَاتَلَ عَلَى فَرَسِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ قُلْنَا أَنَّ السَّهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ كَانَ ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ قُلْنَا لِلْفَارِسِ فَالْعَبْدُ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا وَفِيهَا نَظَرٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ رَبِّهِ سِوَاهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَرَسَانِ فَغُصِبَ مِنْهُ وَاحِدَةٌ فَقَاتَلَ عَلَيْهَا فَلَهُ سَهْمُهُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ غَصَبَ فَرَسًا لِذِي فَرَسَيْنِ فَسَهْمَاهُ لِغَاصِبِهِ وَعَلَيْهِ أَجْرُهُ، انْتَهَى.
ص (لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) ش: قَوْلُهُ: لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَيْدٌ فِيهِمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَجَعَلَ الشَّارِحُ لَا نَافِيَةً لِلْجِنْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ عَاطِفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَغْلٍ)

ش: وَمِثْلُهُ الْفِيلُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

ص

وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأَصَحِّ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ اللَّخْمِيّ وَاخْتُلِفَ فِيمَا غَنِمَهُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ إذَا انْفَرَدُوا بِالْغَنِيمَةِ هَلْ يُخَمَّسُ أَمْ لَا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ الْعَبْدُ وَلَمْ يَذْكُرْ التُّونُسِيّ تَخْرِيجًا وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ بَلْ تَرَدَّدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ نَصَّ خِلَافٍ أَنَّهُ يُخَمَّسُ مَا أَصَابُوهُ مِنْ رِكَازٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَهُ قَالَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ.

[فَرْعٌ خَرَجَ عَبْدٌ وَحُرٌّ أوذمي وَمُسْلِمٌ لِلتَّلَصُّصِ]

(فَرْعٌ) فَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ وَحُرٌّ أَوْ

ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ لِلتَّلَصُّصِ، فَمَا أَخَذَهُ الْعَبْدُ وَالْحُرُّ الْمُسْلِمَانِ يُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَمَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْلِمُ يُقَسَّمُ أَوَّلًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُخَمَّسُ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي الْغَنِيمَةِ حَقٌّ مَعَ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ إذَا غَزَوْا مَعَهُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ فِي حَيِّزِ التَّبَعِ لَهُمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا فِي حَيِّزِ التُّبَّعِ لَهُمْ كَانَ لَهُمْ حَقُّهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ أَوْ النَّصْرَانِيُّ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمُهُ، انْتَهَى.
ص (وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) ش: قَالَ الْجُزُولِيُّ نَاقِلًا عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَتَرْكُهَا إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ مَكْرُوهٌ، انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمُرَادُ بِالشَّأْنِ السَّنَةُ الْمَاضِيَةُ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّأْنُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعَمَلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ الْوَجْهُ الصَّوَابُ.

[تَنْبِيهٌ إذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ]

ص (وَأَخْذُ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عُرِفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا)

ش: (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ ثَبَتَ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ، ثُمَّ قَالَ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ ثَبَتَ، وَشَرْطُ الثُّبُوتِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْنِ الْمَالِكِ مُخَالِفٌ لِعِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: فَإِنْ عَرَفَ رَبُّهُ.
وَلَفْظُ الثُّبُوتِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيمَا هُوَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ كَالشَّاهِدَيْنِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَلَفْظُ الْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِرَافِ وَشَبَهِهِمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، وَفِيمَا يَشْمَلُ الْبَيِّنَةَ أَوْ مَا دُونَهَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عُبَيْدٍ وَالْبَرْقِيِّ الْمُتَقَدِّمِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُ اسْتِعْمَالُهُمْ لَفْظَ الْمَعْرِفَةِ فِي اللُّقَطَةِ وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْبَرْقِيِّ وَابْن عُبَيْدٍ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ مَا نَصُّهُ مِنْ التَّوْضِيحِ، وَنَصَّ الْبَرْقِيُّ وَابْن عُبَيْدٍ عَلَى عَدَمِ قَسْمِهِ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْ الْعَسْكَرِ قَالَا: وَإِنْ وَجَدَ أَحْمَالَ مَتَاعٍ وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، وَعَرَفَ الْبَلَدَ الَّذِي اُشْتُرِيَ مِنْهُ كَالْكَتَّانِ بِمِصْرَ لَمْ يَجُزْ قَسْمُهُ، وَوَقَفَ حَتَّى يَبْعَثَ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَيَكْشِفَ عَمَّنْ اسْمُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَعْرِفُهُ وَإِلَّا قُسِّمَ، انْتَهَى.
وَنَحْوَهُ نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ وَنَصُّهُ: وَفِي أَخْذِهِ رَبُّهُ إنْ حَضَرَ بِمُوجِبِ الِاسْتِحْقَاقِ طُرُقٌ، مُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمُحَمَّدٍ بَعَثَهُ لِرَبِّهِ الْغَائِبِ عَدَمُ يَمِينِهِ الْمَازِرِيُّ كَالِاسْتِحْقَاقِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِهِ وَيَمِينِهِ ابْنُ بَشِيرٍ فِي وَقْفِهِ عَلَيْهِ وَأَخْذِهِ إيَّاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ مَعَ يَمِينِهِ قَوْلًا ابْنِ شَعْبَانَ.
وَالتَّخْرِيجُ عَنْ مَالِكٍ الْغَنِيمَةُ بِالْقَسْمِ لَا قَبْلَهُ، وَفِيهَا مَا أَدْرَكَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ قَسْمِهِ أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك الْحَقَّ فِي نُقُولِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِي الْغَنِيمَةِ مُخَالَفَةً لِعِبَارَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إنْ عَرَفَ رَبَّهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الثُّبُوتِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَالْبَيِّنَةِ، وَلَفْظُ الْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِرَافِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ اهـ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَرَفَ يَعْنِي أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَوْلُهُ: وَحَمَلَ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَاشٍ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: حَلَفَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَشَى عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ كَلَامِهِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: وَحَلَفَ أَنَّهُ مَلَكَهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ كَمَا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فَتَأَمَّلْهُ.

ص (وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَلِمَالِكِهِ - إنْ شَاءَ - أَخَذُهُ بِثَمَنِهِ إنْ عَلِمَ

وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَهُ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ أَيْ بِالْقَدْرِ الَّذِي قُوِّمَ بِهِ فِي الْغَنِيمَةِ، قَالَ صَاحِبُ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل