ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فُسِخَ الْكِرَاءُ، وَعَلَيْهِ فِيمَا سَكَنَ كِرَاءُ مِثْلِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ ظَاهِرُهُ مِنْ سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ يَقْضِي لَهُ بِنِصْفِ هَذِهِ، وَنِصْفِ هَذِهِ، وَقِيلَ يَقْضِي بِكِرَاءِ الْمِثْلِ طَعَامًا، وَهُوَ غَلَطٌ إذْ لَيْسَ هُوَ قَيِّمَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا قَيِّمَ الْمُتْلَفَاتِ اهـ. قُلْتُ: وَهَذَا إذَا اخْتَلَفَتْ السِّكَكُ فِي النَّفَاقِ فَأَمَّا إذَا اسْتَوَتْ فِي النَّفَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ مَا جَاءَ بِهِ الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: الْبَلَدُ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ جَوَازًا وَاحِدًا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ ابْتَاعَ فِيهِ شَيْئًا أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ سِكَّةٍ أَعْطَاهُ كَمَا أَنَّ الْبَلَدَ إذَا كَانَتْ تَخْرُجُ فِيهِ سِكَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ السِّكَّةَ الْجَارِيَةَ، وَكَمَا أَنَّ الْبَلَدَ الَّذِي تُجْرَى فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ، وَلَا تَجُوزُ فِيهِ بِجَوَازٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ حَتَّى يُسَمِّيَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ أَكَرِيَةِ الدُّورِ، وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ نَحْوَهُ قَالَ: وَالْمُعَامَلَةُ فِي زَمَانِنَا هُوَ أَتِّخَاذ الْمَغْرِبِيِّ وَالْأَمِيرِيِّ فِي الْعُقُودِ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ يَسِيرٌ فِي الْقَدْرِ لَكِنَّ النَّفَاقَ وَاحِدٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ إلَّا مَنْ يَشْتَرِطُ الْأَمِيرِيَّ فَالْبَيْعُ بِهَا جَائِزٌ، وَمَا أَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ سِكَّةً فَيُقْضَى بِهَا لِلتَّفَاوُتِ الْيَسِيرِ فِيمَنْ شَرَطَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ اهـ.
[فَرْعٌ اشْتَرَى نِصْفَ شَقَّةٍ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُشْتَرَى أَوَّلًا وَلَا آخِرًا وَلَمْ يُسَمِّ الْبَائِعَ حِينَ الْقَطْعِ]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: فِيمَنْ اشْتَرَى نِصْفَ شَقَّةٍ، وَلَمْ يُسَمِّ الْمُشْتَرَى أَوَّلًا وَلَا آخِرًا، وَلَمْ يُسَمِّ الْبَائِعُ حِينَ الْقَطْعِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَا أُعْطِيك إلَّا الْأَخِيرَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا آخُذُ إلَّا الْأَوَّلَ فَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ سَمَّى أَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِبْهَامِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَرَادَ النِّصْفَ الَّذِي طَلَبَهُ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا فُسِخَ الْبَيْعُ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمِ الْإِفْهَامِ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهَا يُقْسَمُ الثَّوْبُ عَلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ يَسْتَهِمَانِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا بَيْعُ مَجْهُولٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ لَوْ قَالَ أَشْتَرِي مِنْكَ أَحَدَ النِّصْفَيْنِ أَيَّهمَا وَقَعَ السَّهْمُ عَلَيْهِ أَوْ أَيَّهمَا شِئْت كَانَ غَرَرًا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ: فَإِذَا حَلَفَ الْمُبْتَاعُ يُرِيدُ، وَحْدَهُ رَدَّ الثَّوْبَ إلَى صَاحِبِهِ مَقْطُوعًا إلَّا أَنْ تَكُونَ سُنَّةُ التُّجَّارِ أَنَّهُمْ إذَا قَطَعُوا إنَّمَا يَبِيعُونَ الْأَوَّلَ فَيُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ اهـ.
[فَرْعٌ إذَا بَاعَ لِصَبَّاغٍ أَوْ غَيْرِهِ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَصْبُغَ لَهُ ثِيَابًا وَمَا صَبَغَ لَهُ حَاسَبَهُ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ]
(فَرْعٌ) : إذَا بَاعَ لِصَبَّاغٍ أَوْ غَيْرِهِ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَصْبُغَ لَهُ ثِيَابًا، وَمَا صَبَغَ لَهُ حَاسَبَهُ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَ بِهِ، وَأَعْطَاهُ نِصْفَ الثَّمَنِ مُنِعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَا يَجُوزُ اهـ. مِنْ أَسْئِلَةِ ابْنِ رُشْدٍ اهـ. مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
ص (كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا) ش: هَذَا نَحْوُ عِبَارَةِ
ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَصْدُقُ عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ إذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدٌ أَوْ لِأَحَدِهِمَا عَبْدٌ، وَالْآخَرُ مُشْتَرَكٌ أَوْ هُمَا مُشْتَرَكَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَجْزَاءَ مُتَفَاوِتَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْعَبْدَيْنِ قَالَ: وَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ مَا إذَا كَانَا مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَبْدَيْنِ مَثَلًا لِمَجْهُولِ التَّفْصِيلِ، وَإِذَا حَصَلَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى السَّوَاءِ فَالثَّمَنُ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ اهـ. وَمُرَادُهُ بِكَوْنِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ لِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ فُسِخَ الْبَيْعُ فَإِنْ فَاتَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يَمْضِي بِالثَّمَنِ مَفْضُوضًا عَلَى الْقِيَمِ، وَفِي غَيْرِ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَمْضِي بِالْقِيمَةِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ التُّونُسِيُّ، وَهُوَ أَشْبَهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ (فَرْعٌ) : فَإِنْ سَمَّيَا لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا أَوْ قَوَّمَا أَوْ دَخَلَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَعْدَ التَّقْوِيمِ جَازَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا اشْتَرَى اثْنَانِ سِلْعَتَيْنِ عَلَى الشَّرِكَةِ جَازَ، وَعَلَى أَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ يَأْخُذُ وَاحِدَةً بِمَا يَنُوبُهَا قَوْلَانِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَالْجَارِي عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَنْعُ.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِمَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَبْدَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا فَيَكُونُ حُجَّةً أَيْضًا لِلْقَوْلِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ إذَا جَهِلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الثَّمَنَ أَوْ الْمَثْمُونَ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشَارَ التُّونُسِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ وَأَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَبْدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا مِنْ جِهَتِهِمَا، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي عِلْمِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْفَسَادِ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ لَحْمِ شَاةٍ حَيَّةٍ أَوْ مَذْبُوحَةٍ أَوْ لَحْمِ بَعِيرٍ كُسِرَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ]
ص (وَرَطْلٌ مِنْ شَاةٍ) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِقَوْلِهِ قَبْلَ سَلْخِهَا لِيَعُمَّ ذَلِكَ مَا قَبْلَ السَّلْخِ وَمَا قَبْلَ الذَّبْحِ قَالَ فِي الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِ شَاةٍ حَيَّةٍ أَوْ مَذْبُوحَةٍ أَوْ لَحْمِ بَعِيرٍ كُسِرَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَالسَّلْخِ كُلُّ رَطْلٍ بِكَذَا مِنْ حَاضِرٍ وَلَا مُسَافِرٍ (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْقَوْمِ يَنْزِلُونَ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَيُرِيدُونَ شِرَاءَ اللَّحْمِ مِنْهُمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ الذَّبْحِ حَتَّى يُقَاطِعُونَهُمْ عَلَى الْبَيْعِ خِيفَةَ أَنْ لَا يَشْتَرُوا مِنْهُمْ بَعْدَ الذَّبْحِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ اهـ. ص (وَلَهُ الْأَجْرُ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَنْ اشْتَرَى شَجَرًا بِوَجْهِ شُبْهَةٍ فَسَقَى وَعَالَجَ ثُمَّ
رُدَّتْ إلَى رَبِّهَا أَوْ آبِقًا فَاتُّفِقَ عَلَى رَدِّهِ ثُمَّ فُسِخَ وَرُدَّ إلَى رَبِّهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَةِ الْخَارِجِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ أَوْ لَمْ تُتْمِرْ أَوْ إنَّمَا يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْخَارِجِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَ عَدَمِهَا قَوْلَانِ اقْتَصَرَ ابْنُ يُونُسَ عَلَى الثَّانِي نَقَلَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ ص (وَشَاةٌ قَبْلَ سَلْخِهَا) ش: قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ لَمْ تُسْلَخْ مَا لَمْ تَكُنْ عَلَى الْوَزْنِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْوَزْنِ إلَّا أَنْ يُقْدَرَ عَلَى تَحْرِيمِهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَيَسْتَثْنِي كُلُّ وَاحِدٍ جِلْدَ شَاتِه لِئَلَّا يَدْخُلَهُ لَحْمٌ، وَعَرَضٌ بِلَحْمٍ، وَعَرَضٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يُقْدَرُ عَلَى تَحَرِّي ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ وَقَالَ مِثْلَهُ سَحْنُونٌ، وَلَمْ يُعْجِبْ ابْنَ الْمَوَّازِ قَوْلُ أَصْبَغَ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَيْعِ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ، وَبَيْعِ رَطْلٍ أَوْ أَرْطَالٍ مِنْهَا مَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ بِالْعَقْدِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَلَيْسَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ كَالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالْعَقْدِ كَالرَّطْلِ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ الْمُغَيَّبِ اهـ. وَلِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّطْلِ لَا يُدْرَى عَلَى أَيِّ صِفَةٍ يَأْخُذُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ لَمَّا لَمْ يَقْصِد شَيْئًا مُعَيَّنًا خَفَّ الْغَرَرُ.
ص (وَحِنْطَةٌ فِي سُنْبُلِ أَوْ تِبْنٌ إنْ بِكَيْلٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا سَوَاءٌ كَانَ السُّنْبُلُ قَائِمًا لَمْ يُحْصَدْ أَوْ حُصِدَ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا فِي تِبْنِهَا بَعْدَ الْحَصَادِ، وَالدِّرَاسِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِكَيْلٍ كَأَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ اشْتَرَى مِنْ الْمَجْمُوعِ كَيْلًا مَعْلُومًا، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَى الْمَجْمُوعَ فَيَأْتِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي الصُّبْرَةِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْجَوَازُ، وَقَوْلُهُ إنْ بِكَيْلٍ أَيْ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ بِكَيْلٍ، وَحَذْفُ كَانَ مَعَ اسْمِهَا جَائِزٌ لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ التَّنْوِيعِ نَحْوُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرًا، وَإِنْ شَرًّا فَشَرُّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إنْ بِكَيْلٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا، وَلَا فِي تِبْنِهَا جُزَافًا، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْفَرِدَ الْحِنْطَةُ فِي سُنْبُلِهَا بِالشِّرَاءِ دُونَ السُّنْبُلِ عَلَى الْجُزَافِ مَا دَامَ فِيهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ السُّنْبُلِ إذَا يَبِسَ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ الْمَاءُ فَجَائِزٌ اهـ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْعُرْفُ فِي الْقَمْحِ الْكَيْلُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الْوَزْنِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْوَزْنُ بِمِصْرَ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ عِنْدَهُمْ فِي الدَّقِيقِ يَبِيعُونَهُ، وَزْنًا وَيُعْطُونَ
الْقَمْحَ لِلطَّحَّانِ وَزْنًا.
ص (وَقْتٌ جُزَافًا لَا مَنْفُوشًا)
ش: الْقَتُّ جَمْعُ قَتَّةٍ، وَهِيَ الْحُزْمَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ جُزَافًا بَعْدَ حَصْدِهِ إذَا كَانَ حُزَمًا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ بِالْأَحْرَوِيَّةِ جَوَازُ بَيْعِ الزَّرْعِ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا الْمَنْفُوشُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَحْصُودُ الْمُكَدَّسُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَهُوَ الَّذِي احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ إنْ بِكَيْلٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي جَوَازِ بَيْعِ الزَّرْعِ الْقَائِمِ وَالْأَشْهَرُ فِي الْمَحْصُودِ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى الْقَائِمِ، وَقِيلَ بِالْمَنْعِ قِيَاسًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ الدِّرَاسِ ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ الْجَوَازُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُزَمًا أَوْ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا كَانَ حُزَمًا فَقَدْ قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا خُلِطَ فِي الْأَنْدَرِ لِلدِّرَاسِ أَوْ كُدِّسَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، وَاخْتُلِفَ عِنْدَنَا إذَا كَانَ حُزَمًا يَأْخُذُهَا الْحَزْرُ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ حَكَى الْخِلَافَ فِي الْمَنْفُوشِ أَيْضًا، وَطَرِيقَةُ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَحْسَنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (، وَزَيْتُ زَيْتُونٍ بِوَزْنٍ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ)
ش: أَيْ صِفَةُ خُرُوجِهِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِوَزْنٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جُزَافًا وَهُوَ كَذَلِكَ
ص (، وَدَقِيقُ حِنْطَةٍ)
ش: صُورَتُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ صَاعًا مِنْ دَقِيقِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَوْ يَشْتَرِيَ دَقِيقَ هَذِهِ الْحِنْطَةِ كُلَّ صَاعٍ بِكَذَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ خُرُوجُهُ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْجُعْلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْكَبِيرِ وَالشَّامِلِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الصَّاعَ عَلَى أَنْ يَطْحَنَهُ لَهُ فَإِنْ وَفَّاهُ إيَّاهُ حَبًّا خَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ وَهُوَ بَيْعٌ، وَإِجَارَةٌ وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ اجْتِمَاعِهِمَا
ص (، وَشَاةٌ، وَاسْتِثْنَاءُ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ الْمَعْلُومَ جُمْلَةً، وَالْمَجْهُولَ تَفْصِيلًا لَكِنْ بِاعْتِبَارِ الْمُثَمَّنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْلٍ مِنْ شَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا لَكِنْ أَجَازَ مَالِكٌ هَذِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ بِشَرْطِ الْيَسَارَةِ، وَإِلَى هَذَا رَجَعَ مَالِكٌ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِأَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ هُوَ الَّذِي فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ ثَلَاثَةُ أَرْطَالٍ، وَعَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ جَوَازُ الْخَمْسَةِ وَالسِّتَّةِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَوَازُ اسْتِثْنَاءِ قَدْرِ الثُّلُثِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: فِي قَوْلِهَا وَإِنْ اسْتَثْنَى مِنْ لَحْمِهَا أَرْطَالًا يَسِيرَةً ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً جَازَ الشَّيْخُ يَعْنِي أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يَبْلُغْ الثُّلُثَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ مَالِكٌ الثُّلُثَ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي قَوْلِهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ مِثْلِ الثُّلُثِ فَأَدْنَى عِيَاضٌ كَذَا هِيَ
بِضَمِّ الثَّاءِ الْأُولَى فِي رِوَايَتِنَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مُرَادِهِ لِقَوْلِهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَعِنْدَ ابْنِ وَضَّاحٍ مَكَانُ الثُّلُثِ الثَّلَاثَةُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالشَّاةِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي الشَّاةِ قَالَ: وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِبَارَ قَدْرِ صِغَرِ الْمَبِيعِ، وَكِبَرِهِ كَالشَّاةِ، وَالْبَقَرَةِ وَالْبَعِيرِ اهـ. قُلْت: أَمَّا عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ ثُلُثَ كُلٍّ بِحَسَبِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى الْفَخِذُ أَوْ الْبَطْنُ أَوْ الْكَبِدُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذَا عَلَى مَنْعِ اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ، وَعَلَى الْجَوَازِ يَجُوزُ، وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْغَرَرَ فِي مُعَيَّنٍ أَشَدُّ مِنْهُ فِي شَائِعٍ لِجَوَازِ اخْتِصَاصِ الْمُعَيَّنِ بِصِفَةِ كَمَالٍ أَوْ نَقْصٍ دُونَ الشَّائِعِ لَكِنْ فِي الْكَافِي رِوَايَةٌ بِالْجَوَازِ، وَعَبَّرَ عَنْ رِوَايَةِ الْمَنْعِ بِالْكَرَاهَةِ اهـ. قُلْت: مَا ذَكَرَهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَعِيَاضٍ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَمَا رَدَّ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِمْ ظَاهِرٌ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ عُضْوٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِثْنَاءِ الصُّوفِ، وَالشَّعْرِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ لَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا كَانَ يُجَزُّ إلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَانْظُرْ إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْأَرْطَالَ الْمُسْتَثْنَاةَ مِنْ الشَّاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْرَى عَلَى السَّلَمِ
ص (وَلَا يَأْخُذُ لَحْمَ غَيْرِهَا)
ش: يَعْنِي إذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ لَحْمًا عِوَضًا عَنْ الْأَرْطَالِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأَنَّهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ لَحْمًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ فَقَالَ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ لَحْمًا لَا أَعْرِفُهُ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمَرَضِ لَا مُطْلَقًا وَصِحَّتُهُ كَفَوْتِهِ قُلْت: يُشِيرُ إلَى مَا رَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ اشْتَرَى جَزُورًا مَرِيضَةً وَاسْتَثْنَى الْبَائِعُ مِنْ لَحْمِهَا أَرْطَالًا يَسِيرَةً فَتَرَكَهَا حَتَّى صَحَّتْ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَبْحِهَا، وَيُعْطِيهِ مِثْلَ اللَّحْمِ الَّذِي اسْتَثْنَى قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاعْتَذَرَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ صِحَّتَهُ كَفَوْتِهِ، وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَزَادَ أَنَّهُ إذَا مَاتَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا اسْتَثْنَى عَلَيْهَا مِنْهَا، وَإِنْ صَحَّتْ فَعَلَيْهِ شِرَاءُ مَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لِمَا اسْتَثْنَى عَلَيْهِ (فَرْعٌ) : اُخْتُلِفَ هَلْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ مَا اسْتَثْنَاهُ بِغَيْرِ اللَّحْمِ أَوْ بِلَحْمِ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ؟ حَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِيهِ قَوْلَيْنِ بَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى أَوْ مُشْتَرًى وَنَقَلَهُمَا فِي الْكَبِيرِ، وَحَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إجْرَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَاعَ صُبْرَةً، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْلًا فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا اسْتَثْنَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَى مُبْقًى أَوْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرًى فَيَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؟ قُلْت: وَفِي إجْرَاءِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى فَلَا يَجُوزُ لَهُ هُنَا بَيْعُ الْأَرْطَالِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْلٍ مِنْ شَاةٍ فَالصَّوَابُ الْمَنْعُ هُنَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك، وَجْهُ مَنْعِ أَخْذِ لَحْمِ غَيْرِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَصُبْرَةٌ، وَثَمَرَةٌ، وَاسْتِثْنَاءُ قَدْرِ ثُلُثٍ) ش: ذِكْرُ الْقَدْرِ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كَيْلًا قَدْرَ الثُّلُثِ لَا الْجُزْءِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ، وَالْأَصْلُ فِي اسْتِثْنَاءِ كَيْلٍ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ الصُّبْرَةِ الْمَنْعُ أَمَّا الثَّمَرَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ آصُعًا مَعْلُومَةً إلَّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَأْخُذُهُ عَلَى حَالِهِ إنْ بُسْرًا فَبُسْرٌ، وَإِنْ رُطَبًا فَرُطَبٌ، وَأَمَّا إنْ شَرَطَ بَقَاءَهُ إلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ فَلَا يَجُوزُ قَالَهُ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ ثَمَرٍ قَدْ أَزْهَى آصُعًا مَعْلُومَةً دُونَ الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ يَدْفَعُهَا ثَمَرًا اهـ. وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ السَّلَمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الصُّبْرَةُ؛ فَلِأَنَّ الْجُزَافَ إنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ لِدَفْعِ مَشَقَّةِ الْكَيْلِ عَنْ الْبَائِعِ فَإِذَا اسْتَثْنَى كَيْلًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ فَلَمْ يَقْصِدَا بِالْجُزَافِ إلَّا الْمُخَاطَرَةَ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَنْعِ اسْتِثْنَاءِ الْكَيْلِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا مِنْ الصُّبْرَةِ، وَالثَّمَرَةِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ فِيمَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ وَمَنَعُوهُ فِيمَا زَادَ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : وَمِثْلُ اسْتِثْنَاءِ قَدْرِ الثُّلُثِ إذَا بَاعَ كَيْلًا مِنْ صُبْرَةٍ قَدْرَ ثُلُثِهَا فَأَقَلَّ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ بَاقِيهَا قَبْلَ أَنْ يَكِيلَ مِنْهَا مَا بَاعَهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى (فَرْعٌ) : وَعَلَى الْجَوَازِ فِي الثَّمَرَةِ فَقَالَ أَشْهَبُ: يَجُوزُ كَانَ ذَلِكَ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا أَوْ تَمْرًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقَى، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرًى قُلْت: أَكْثَرُ هَذِهِ الْفُرُوعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَفِي جَعْلِ الْمُسْتَثْنَى مُشْتَرًى نَظَرٌ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ أَصْبَغَ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مُبْقَى، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ (فَرْعٌ) : فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ أَنْوَاعًا وَاسْتَثْنَى مِنْ نَوْعٍ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَهُوَ دُونَ ثُلُثِ الْجَمِيعِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ بِالْإِجَازَةِ، وَالْمَنْعِ وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: أَنَّهُ الْأَصَحُّ (فَرْعٌ) : فَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ أَوْ الصُّبْرَةَ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا قَدْرَ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ قَالَهُ فِي الْمُوَطَّإِ فِي الصُّبْرَةِ، وَالثَّمَرَةُ كَالصُّبْرَةِ، وَظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا الثُّلُثَ فَأَقَلَّ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ كُلِّهِ وَتَفَرُّقِهِمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا كَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ (تَنْبِيهٌ) : إذَا اشْتَرَى مِنْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهَا آصُعًا مَعْلُومَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ بَقَاءَهَا إلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهَا.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ هَلَكَتْ الصُّبْرَةُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْلًا فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْهَا ضَمَانُ مَا اسْتَثْنَاهُ الْبَائِعُ وَلَوْ سَلَّمَ مِنْهَا قَدْرَ مَا اسْتَثْنَاهُ الْبَائِعُ كَانَ لَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ أَخَذَ مِنْهُ الْبَائِعُ مَا اسْتَثْنَاهُ وَكَانَ الْبَاقِي لِلْمُشْتَرِي، وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْجَوَائِحِ بَيَانُ حُكْمِ مَا إذَا أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْلًا.
ص (، وَجِلْدٌ وَسَاقِطٌ) ش: السَّاقِطُ هُوَ الرَّأْسُ وَالْأَكَارِعُ فَقَطْ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكَرِشُ، وَالْفُؤَادُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى الْبَطْنُ أَوْ الْكَبِدُ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِدُخُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي السَّقَطِ فِي الْعُرْفِ بَلْ هِيَ الْمُتَبَادِرُ خُصُوصًا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ يُونُسَ لِلْمُدَوَّنَةِ «بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبَا بِكْرٍ اشْتَرَيَا شَاة فِي مَسِيرِهِمَا إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ رَاعٍ وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا» ، وَالسَّلْبُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ ص (بِسَفَرٍ فَقَطْ) ش: وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَبِذَلِكَ فَسَّرَهَا أَبُو الْحَسَنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ خَفَّفَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَضَرِ إذْ لَيْسَ لَهُ هُنَاكَ قِيمَةٌ، وَلَا يُفْسَخُ إنْ نَزَلَ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يُفْسَخُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَجَعَلَ ابْنُ يُونُسَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْجِلْدِ قَالَ: وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الرَّأْسِ، وَالْأَكَارِعِ فَلَا تُكْرَهُ فِي سَفَرٍ، وَلَا حَضَرٍ كَمَنْ بَاعَ شَاةً مَقْطُوعَةَ الْأَطْرَافِ قَبْلَ السَّلْخِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِلْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا صَاحِبُ الشَّامِلِ ص (وَجُزْءٌ مُطْلَقًا) ش: نِصْفًا كَانَ أَوْ ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا
أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ مِنْ الشَّاةِ، وَالثَّمَرَةِ، وَالصُّبْرَةِ
ص (وَلَمْ يُجْبَرَ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا)
ش: أَيْ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ، وَفِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ أَمَّا مَسْأَلَةُ اسْتِثْنَاءِ الْجِلْدِ، وَالرَّأْسِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي دُعِيَ إلَى الذَّبْحِ أَوْ إلَى الْبَقَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَ، وَيَدْفَعَ الْجِلْدَ، وَالرَّأْسَ، وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِأَخْذِ الْمِثْلِ، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمِثْلَ أَوْ الْقِيمَةَ، وَلَا يَذْبَحُ وَإِنْ كَرِهَ الْبَائِعُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَعِيَاضٌ، وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ فَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا عَلَى الذَّبْحِ أَوْ الْحَيَاةِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا مِنْ الذَّبْحِ لَمْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ اشْتَرَى ذَلِكَ عَلَى الذَّبْحِ وَتَوَقَّفَ بَعْضُ شُيُوخِنَا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ إذَا اشْتَرَى عَلَيْهِ؟ ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا شَرِيكَيْنِ فَمَنْ دَعَا مِنْهُمَا إلَى الْبَيْعِ فَذَلِكَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ اسْتَثْنَى جُزْءًا جَازَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الذَّبْحِ، وَفِي جَبْرِ مَنْ أَبَاهُ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ بَاعَ عَلَى الذَّبْحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْجَبْرَ عَلَى الذَّبْحِ بَدَلَ الْوَقْفِ وَقَبُولُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا أَعْرِفُهُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَبْحِهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ دَعَا إلَى الذَّبْحِ
[فَرْعٌ أُجْرَةُ الذَّبْحِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ وَالسَّاقِطِ]
(فَرْعٌ) : أُجْرَةُ الذَّبْحِ فِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ، وَالسَّاقِطِ فِيهَا قَوْلَانِ قِيلَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْجِلْدِ، وَاللَّحْمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ يُونُسَ، وَقِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الذَّبْحِ بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ فَإِنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الذَّبْحِ، وَنَقَلَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَنَصُّ الرَّجْرَاجِيِّ وَفِي مَسْأَلَةِ الْجِلْدِ، وَالسَّاقِطِ فِي أُجْرَةِ الذَّبْحِ عَلَى مَنْ تَكُونُ مِنْهُمَا؟ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَالثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي اهـ. وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ الصَّقَلِّيُّ: أَرَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ اللَّحْمِ، وَالْجِلْدِ، وَحَكَاهُ ابْنُ مُحْرِزٍ غَيْرَ مَعْزُوٍّ، وَزَادَ وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الذَّبْحِ بِخِلَافِ اسْتِثْنَاءِ الْأَرْطَالِ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ إنْ قُلْتُ الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى فَعَلَى الْبَائِعِ السَّلَبُ لِيَتَمَكَّنَ الْمُبْتَاعُ مِنْ أَخْذِ الْمَبِيعِ كَبَائِعِ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ أَوْ جَفْنُ سَيْفٍ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ وَإِنْ قُلْنَا مُشْتَرَى فَيُخْتَلَفُ عَلَى مَنْ تَكُونُ إزَالَةُ الْجِلْدِ كَبَائِعِ صُوفٍ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ أَوْ ثَمَرٍ فِي شَجَرٍ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجِلْدِ وَقِيمَةِ الشَّاةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْأَجْرِ عَلَى عَمَلِ وَاحِدٍ فِي مَالٍ بَيْنَ شُرَكَاءَ عَلَى التَّفَاوُتِ هَلْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ بِقَدْرِ الْأَمْوَالِ انْتَهَى.
وَفِي الشَّامِلِ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الذَّبْحَ عَلَى الْمُبْتَاعِ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأُجْرَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْطَالِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اسْتِثْنَاءِ الْجُزْءِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ أُجْرَةَ الذَّبْحِ إذَا رَضِيَا عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ، وَاحِدٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّجْرَاجِيُّ فَقَالَ: وَأُجْرَةُ الذَّبْحِ عَلَيْهِمَا
ص (أَوْ قِيمَتُهَا)
ش: أَنَّثَ الرَّأْسَ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ
ص (وَهَلْ التَّخْيِيرُ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي قَوْلَانِ)
ش: قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَالْقَوْلَانِ تُؤُوِّلَا عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي أَسْعَدُ بِظَاهِرِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ ظَاهِرُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ضَمِنَ الْمُشْتَرِي جِلْدًا وَسَاقِطًا)
ش:؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الذَّبْحِ، وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهُمَا فَكَأَنَّهُمَا صَارَا مَضْمُونَيْنِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَرْطَالِ
ص (وَجُزَافٌ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مَنْعُ بَيْعِ الْجُزَافِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ الْجَوَازُ بِشُرُوطٍ، وَالْمَعْنَى وَجَازَ بَيْعُ الْجُزَافِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَالْجُزَافُ بِكَسْرِ الْجِيمِ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّة، وَحَصَّلَ النَّوَوِيُّ فِيهِ ثَلَاثَ لُغَاتٍ الْكَسْرُ، وَالْفَتْحُ، وَالضَّمُّ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْجُزَافُ: بَيْعُ الشَّيْءِ وَاشْتِرَاؤُهُ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْمُسَاهَلَةِ وَهُوَ دَخِيلٌ، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: الْجُزَافُ مُثَلَّثُ الْجِيمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِلَا كَيْلٍ، وَلَا وَزْنٍ، وَلَا عَدَدٍ انْتَهَى.
وَحَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعَ الْجُزَافِ بِأَنَّهُ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ، وَالْأَصْلُ مَنْعُهُ وَخَفَّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ، وَقَلَّ جَهْلُهُ
ص (إنْ رُئِيَ)
ش: مُرَادُهُمْ بِالْمَرْئِيِّ الْحَاضِرُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ فِي شُرُوطِ الْجُزَافِ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ غَائِبٍ جُزَافًا، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا لِبَيْعِ الْجُزَافِ شُرُوطًا أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا فَلَا يَجُوزُ بَيْعِ غَائِبٍ جُزَافًا إذْ لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ انْتَهَى.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ رُؤْيَتُهُ أَوْ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُبَاعُ عَلَى رُؤْيَةٍ أَوْ عَلَى صِفَةٍ، وَالْحَاضِرُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالصِّفَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي إلَّا لِعُسْرِ الرُّؤْيَةِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الظُّرُوفِ الْمَمْلُوءَةِ بِالسَّمْنِ، وَالْعَسَلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا رُئِيَ بَعْضُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيَسْتَوِي فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْمُشْتَرَى جُزَافًا كَوْنُهُ مُلْقًى فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي ظُرُوفِهِ فَيَجُوزُ شِرَاءُ مَا فِي الظُّرُوفِ جُزَافًا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَبْلَغُهُ إلَّا بِالْحَدْسِ، وَالتَّخْمِينِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مِلْءِ الظَّرْفِ الْفَارِغِ، وَإِنْ عَيَّنَ مَا يَمْلَأُ مِنْهُ أَوْ وَصَفَهُ، وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مِلْءِ الْغِرَارَةِ الْفَارِغَةِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ مُشَاهَدًا كَانَ أَوْ مَوْصُوفًا أَوْ مِلْءِ قَارُورَةٍ مِنْ زَيْتٍ أَوْ غَيْرِهِ مُشَاهَدًا كَانَ أَوْ مَوْصُوفًا بَلْ لَوْ اشْتَرَى مَا فِي الظَّرْفِ فَفَرَّغَهُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِلْأَهُ دَفْعَةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ مَا فِي الظَّرْفِ بَعْدَ أَنْ يَمْلَأَهَا، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْيِينُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الظَّرْفُ مَمْلُوءًا صَارَ الْمَبِيعُ جُزَافًا مَرْئِيًّا فَالْقَصْدُ الْعَقْدُ عَلَى مَرْئِيٍّ مُحْرِزٍ مَبْلَغَهُ، وَإِنْ كَانَ الظَّرْفُ فَارِغًا فَالْمَبِيعُ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْقَصْدُ الْعَقْدُ عَلَى مَكِيلٍ بِمِكْيَالٍ غَيْرِ مَعْلُومِ النِّسْبَةِ مِنْ الْمِكْيَالِ الْمَعْلُومِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ هَذَا أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهُمْ إنَّمَا احْتَرَزُوا بِالْمَرْئِيِّ مِنْ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَحْتَرِزُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ بِالْعَيْنِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فِي ظَرْفِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَجَازُوا بَيْعَ الْجَرَّةِ مِنْ الْخَلِّ مَخْتُومَةً قَالَ الْجُزُولِيُّ: إذَا أُزِيلَ مَا تُسَدُّ بِهِ فَإِنْ كَانَ فِي فَتْحِ الظُّرُوفِ مَشَقَّةٌ وَفَسَادٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ دُونَ فَتْحٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فِي بَيْعِ جِرَارِ الْخَلِّ.
وَإِنَّمَا قَالُوا إذَا كَانَ فِي فَتْحِهَا فَسَادٌ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَا يُبَاعُ إلَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ وَالصِّفَةُ لَا يُبَاعُ عَلَيْهَا الشَّيْءُ
الْحَاضِرُ عَلَى الْأَشْهَرِ إلَّا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ فَيُبَاعُ عَلَى الصِّفَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَالْجُزَافُ لَا يَكُونُ إلَّا حَاضِرًا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَّا بِرُؤْيَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ فَيُبَاعُ عَلَى الصِّفَةِ فَإِذَا جُعِلَ قَوْلُهُمْ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا فِي مُقَابِلِ الْغَائِبِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْكَالٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْيِيدٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ تَجَوُّزٍ، وَإِذَا جُعِلَ قَوْلُهُمْ مَرْئِيٌّ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِ الْمَرْئِيِّ بِالْبَصَرِ احْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَرْئِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْغَائِبِ فَإِنَّهُ بَحَثَ فِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ مَعَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ثَمَرِ الْحَوَائِطِ الْغَائِبَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَيَّامِ تُبَاعُ كَيْلًا أَوْ جُزَافًا، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ النَّقْدِ وَإِنْ بَعُدَتْ جِدًّا لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا رَطْبًا فَقَطْ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَمْرًا يَابِسًا، وَنَصُّهُ شَرْطُ رُؤْيَةِ الْجُزَافِ مَعَ قَبُولِ غَيْرِ وَاحِدٍ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا: وَكَذَلِكَ حَوَائِطُ الثَّمَرِ الْغَائِبَةِ يُبَاعُ ثَمَرُهَا كَيْلًا أَوْ جُزَافًا، وَهِيَ عَلَى مَسِيرِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِشَرْطٍ، وَإِنْ بَعُدَتْ جِدًّا كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ لَمْ يَجُزْ شِرَاءُ ثَمَرِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا تُجَذُّ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَمْرًا يَابِسًا مُتَنَافٍ لِاقْتِضَائِهِ جَوَازَ بَيْعِهَا غَائِبَةً جُزَافًا، وَفِي كَوْنِ الصِّفَةِ تَقُومُ مَقَامَ الْعِيَانِ فِي الْجَذِّ نَظَرٌ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ شَرْطٌ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ مُتَنَافٍ خَبَرُهُ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ هَذِهِ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَسْأَلَةُ جِرَارِ الْخَلِّ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهَا مِنْ الْبَيَانِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ أَصْبَغُ: قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي قُلَلِ الْخَلِّ أَيَجُوزُ شِرَاؤُهَا بِحَالِهَا مُطَيَّنَةً، وَلَا يُدْرَى مَا فِيهَا، وَلَا مِلْؤُهَا فَقَالَ: إنْ كَانَ مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فَلَا أُحَرِّمُهُ كَأَنَّهُ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قَالَ أَصْبَغُ: فَلَا بَأْسَ بِهِ قَدْ جُرِيَ عَلَيْهِ، وَعُرِفَ حَزْرُهُ بِقَدْرِ ظُرُوفِهِ وَهُوَ يَدُورُ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي الْمِلْءِ وَالْجَرُّ مُتَقَارِبٌ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَذُقْ، وَيَعْرِفْ جَوْدَتَهُ مِنْ رَدَاءَتِهِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاءَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْخَلِّ الطَّيِّبِ فَإِنْ وَجَدَ خِلَافَهُ بِرَدَاءَةٍ مُغَيَّبَةٍ عَنْهُمَا رَدَّهُ كَمَا لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ خَمْرٌ أَوْ بَعْضَهُ وَفَتْحُهُ كُلِّهِ فَسَادٌ فَلَا بَأْسَ بِاشْتِرَائِهِ كَذَلِكَ وَاشْتِرَائِهِ عَلَى عَيْنِ أَوَّلِهِ يَفْتَحُ الْوَاحِدَ مِنْهُ، وَيَذُوقُهُ لِيَشْتَرِيَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا صَوَّبَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا جَازَ شِرَاؤُهَا دُونَ أَنْ يَفْتَحَ، وَتُذَاقَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَ مِنْ أَنَّ فَتْحَهَا لِلْبَيْعِ فَسَادٌ فَجَازَ شِرَاؤُهَا دُونَ أَنْ تُفْتَحَ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ خَلٍّ طَيِّبٍ أَوْ وَسَطٍ كَمَا جَازَ شِرَاءُ الثَّوْبِ الرَّفِيعِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الْفَتْحُ، وَالنَّشْرُ عَلَى الصِّفَةِ دُونَ أَنْ يُفْتَحَ، وَيُنْشَرَ، وَيُقَلَّبَ، وَكَمَا جَازَ بَيْعُ الْأَحْمَالِ عَلَى صِفَةِ الْبَرْنَامَجِ لِمَا فِي حَلِّ الْأَحْمَالِ لِلسَّوَامِ مِنْ الضَّرَرِ بِأَصْحَابِ الْأَمْتَاعِ، وَقَوْلُهُ لَا يُدْرَى مَا مِلْؤُهَا مَعْنَاهُ، وَلَا يُدْرَى مِقْدَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى هَلْ هِيَ مَلْأَى أَوْ نَاقِصَةٌ؟ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْقُلَّةُ نَاقِصَةً غَيْرَ مَلْأَى فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُشْتَرَى مُطَيَّنَةً عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ نُقْصَانِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَرِ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ إلَّا بَعْدَ الْإِحَاطَةِ بِرُؤْيَتِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ نُقْصَانِهَا أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ كَمْ نَقْصُهَا نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ جَازَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَكِنَّهُ اخْتَصَرَهَا فَأَسْقَطَ مِنْهَا بَعْضَ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ حُكْمَ بَيْعِ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ فِي ظُرُوفِهِ عَلَى أَنَّ الظُّرُوفَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ وَالْوَزْنِ أَوْ عَلَى الْوَزْنِ، وَيُسْقِطُ لِلظُّرُوفِ، وَزْنًا يَتَرَاضَى الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي عَلَيْهِ
ص (وَلَمْ يَكْثُرْ جِدًّا)
ش: فَإِنْ قَلَّ جِدًّا فَسَيَأْتِي التَّفْرِيقُ فِيهِ بَيْنَ الْمَعْدُودِ، وَغَيْرِهِ
ص (وَجَهِلَاهُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ عَلِمَ كَيْلَ طَعَامِهِ ثُمَّ كَالَ مِنْهُ قَدْرًا لَمْ يَبِعْ بَاقِيَهُ يَعْنِي جُزَافًا إنْ عَرَفَهُ عَلَى التَّقْدِيرِ وَإِنْ جَهِلَهُ لِكَثْرَةِ مَا كَالَ مِنْهُ جَازَ انْتَهَى
ص (وَحَزْرًا)
ش: قَالَ اللَّخْمِيّ: بَيْعُ الْجُزَافِ يَصِحُّ مِمَّنْ اعْتَادَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَزْرَ لَا يُخْطِئُ مِمَّنْ اعْتَادَ ذَلِكَ إلَّا يَسِيرًا وَإِذَا كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ وَاعْتَادَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ يَعْظُمُ، وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ اهـ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ انْتَهَى فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ
أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَالَمٍ بِالْحَزْرِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ
ص (وَاسْتَوَتْ أَرْضُهُ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إذَا اشْتَرَى الصُّبْرَةَ وَتَحْتَهَا دِكَّةٌ تَمْنَعُهُ تَخْمِينَ الْقَدْرِ فَإِنْ تَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ اشْتَرَى فَظَهَرَتْ ثَبَتَ الْخِيَارُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْحُفْرَةُ كَذَلِكَ، وَالْخِيَارُ هُنَا لِلْبَائِعِ اهـ.
ص (وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ)
ش: بِأَنْ يَكُونَ قَلِيلًا كَمَا قَالَهُ فِي الرِّسَالَةِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ، وَالثِّيَابِ جُزَافًا، وَلَا مَا يُمْكِنُ عَدَدُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جُزَافًا وَأَمَّا الْمَكِيلُ، وَالْمَوْزُونُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا، وَلَوْ أَمْكَنَ كَيْلُهُمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ فِيمَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُهُ، وَإِنْ قَلَّ الطَّعَامُ، وَحَضَرَ الْمِكْيَالُ أَنَّ الْجُزَافَ جَائِزٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَارِثٍ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ حَارِثٍ: يَجُوزُ فِي الطَّعَامِ، وَلَوْ قَلَّ، وَحَضَرَ مِكْيَالٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَازِرِيَّ، وَفِي الْمَعْدُودِ اضْطِرَابٌ فِي الْمُوَطَّإِ لَا يَجُوزُ جُزَافٌ فِيمَا يُعَدُّ عَدًّا قَيَّدَهُ حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْمَعْدُودِ الْمَقْصُودِ صِفَةُ آحَادِهِ كَالرَّقِيقِ، وَالْأَنْعَامِ، وَمَا تَسَاوَتْ آحَادُهُ جَازَ جُزَافُ كَثِيرِهِ لِمَشَقَّةِ عَدَدِهِ دُونَ يَسِيرِهِ اهـ. ثُمَّ قَيَّدُوا الْمَنْعَ فِيمَا تُقْصَدُ آحَادُهُ بِأَنْ لَا يَقِلَّ ثَمَنُهُ كَالْبِطِّيخِ، وَالْفَقُّوسِ وَالرُّمَّانِ كَذَا نَقَلَ الْقَبَّابُ عَنْ الْمَازِرِيِّ.
(تَنْبِيهٌ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْدُودِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ آلَةَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قَدْ يَتَعَذَّرَانِ بِخِلَافِ الْعَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ
ص (وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ)
ش: هَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ، وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ أَيْ فَإِنْ كَانَ لَا يُعَدُّ إلَّا بِمَشَقَّةٍ جَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا إلَّا أَنْ تُقْصَدَ أَفْرَادُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ عَدِّهِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْمُسْتَثْنَى مَا قَلَّ ثَمَنُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ قُصِدَتْ آحَادُهُ كَمَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ فِي عَدِّهِ مَشَقَّةٌ فَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ رَاجِعٌ لِمَا يَلِيهِ فَقَطْ أَعْنِي قَوْلَهُ وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ.
ص (وَلَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ)
ش: كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا بِلَوْ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ الَّذِي أَشَارَ بِهَا إلَيْهِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ بَعْدَ مَسْأَلَةِ التِّينِ، وَكَذَلِكَ عِنْدِي هَذِهِ الْقَارُورَةُ الْمَمْلُوءَةُ بِدِرْهَمٍ، وَمِلْؤُهَا ثَانِيَةً بِدِرْهَمٍ، هُوَ خَفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَرْئِيِّ الْمُقَدَّرِ، وَلَوْ قَالَهُ قَائِلٌ فِي الْغِرَارَةِ مَا بَعُدَ انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ، وَقَدْ يَهْجِسُ فِي النَّفْسِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَجَازُوهُ، وَمَا مَنَعُوهُ إذْ لَا يَخْتَلِفُ حَزْرُ الْحَازِرِ لِزَيْتٍ فِي قَارُورَةٍ أَوْ لِقَدْرِ مِلْئِهَا زَيْتًا (فَرْعٌ) : قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ: سُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ يَبِيعُ سِلْعَةً بِظُرُوفِهَا فَتُوزَنُ السِّلْعَةُ مَعَ الظُّرُوفِ ثُمَّ يُسْقِطُ لِلظُّرُوفِ وَزْنًا يَتَرَاضَى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ وَزْنَ الظَّرْفِ دُونَ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَكَانَ الْبَائِعُ يُسَامِحُ الْمُشْتَرِي بِالزَّائِدِ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ شِرَاءَ مَا فِي الظَّرْفِ إذَا رَآهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ رَأَيَا أُنْمُوذَجَهُ، وَكَانَ الظَّرْفُ مُتَنَاسِبَ الْأَجْزَاءِ فِي الرِّقَّةِ وَالثَّخَانَةِ جَائِزٌ، وَإِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْمُسَامَحَةُ بِمَا بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ بَلْ يَقَعُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْبُيُوعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَاجْتِنَابُهُ أَوْلَى.
قُلْت: وَمِثْلُهُ الْيَوْمَ يَقَعُ فِي بِلَادِنَا فِي بَيْعِ الزَّيْتِ، وَقَطْعِ الْجَرَّةِ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ بِحَسَبِ كِبَرِهَا، وَصِغَرِهَا أَوْ بَيْعِ الْوَدَكِ، وَقَطْعِ ظَرْفِهِ أَوْ بَيْعِ التِّينِ وَقَطْعِ ظَرْفِهِ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ أَوْ بَيْعِ الطَّفَلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَفْتَقِرُ لِلظَّرْفِ وَقَطْعِ وَزْنِهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، أَوْ بَيْعِ الزُّبْدِ فِي الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ وَطَرْحِ وَزْنِ الْقِرَبِ، وَبَعْضِ
مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ التَّجْفِيفِ فَيَجْعَلُونَ لِذَلِكَ، وَزْنًا مَعْلُومًا، وَكَذَا إذَا بَاعُوا اللَّكَّ قَبْلَ التَّصْفِيَةِ، وَنَحْوَهُ مِنْ الْعِطْرِيَّاتِ، وَيَطْرَحُونَ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّغَلِ، وَزْنًا مَعْلُومًا لِكُلِّ رَطْلٍ أَوْ قِنْطَارٍ فَإِنَّ هَذَا وَشِبْهَهُ جَائِزٌ إذَا شَهِدَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَخْتَلُّ إلَّا يَسِيرًا فِي، وَزْنِهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ الْمُضَافِ إلَى الْبُيُوعِ فَإِنَّهُ مُغْتَفَرٌ اللَّخْمِيّ، وَأَجَازَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ بَيْعَ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ فِي الزِّقَاقِ عَلَى أَنَّ الزِّقَاقِ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ، وَالْوَزْنِ قَالَ: لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوا وَزْنَهَا، وَقَالَ فِي الْقِلَالِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهَا فِي التَّقَارُبِ مِثْلُ الزِّقَاقِ مَا رَأَيْتُ بَأْسًا قَالَ الشَّيْخُ: أَمْرُ الْقِلَالِ وَاحِدٌ، وَالزِّقَاقُ تَخْتَلِفُ فَزِقُّ الْفَحْلِ أَكْثَفُ، وَأَوْزَنُ، وَالْخَصِيُّ دُونَهُ، وَهُوَ أَكْثَفُ مِنْ زِقِّ الْأُنْثَى قُلْت: وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَالصَّوَابُ فِي هَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ عِزُّ الدِّينِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى غِلَظِ الزِّقِّ، وَرِقَّتِهِ فَيُرْجَعُ الْحُكْمُ فِيهِ إلَى خِلَافٍ فِي شَهَادَةٍ ا. هـ. وَقَالَ أَيْضًا فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ: سُئِلَ عِزُّ الدِّينِ عَمَّنْ يَشْتَرِي الزَّيْتَ فِي ظُرُوفِهِ، وَيَزِنُ الظَّرْفَ مَعَ الزَّيْتِ، وَيُسْقِطُ لِلظَّرْفِ وَزْنًا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ أَقَلُّ مِنْ وَزْنِ الظَّرْفِ أَوْ أَوْزَنَ، وَالْبَائِعُ يُسَامِحُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يَزِيدُ عَلَى تَحْقِيقِ، وَزْنِهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا اشْتَرَى الظَّرْفَ بِمَا فِيهِ قَائِمًا جُزَافًا، وَلَا يَعْلَمُ وَزْنَ الظَّرْفِ، وَلَا مَا فِيهِ فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ الْجَوَابُ إذَا كَانَ الظَّرْفُ مُتَنَاسِبًا، وَرَأَى الزَّيْتَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَرَأَى أُنْمُوذَجَهُ، وَعَقَدَ الْبَيْعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ بَعْدَ إسْقَاطِ مَا يُقَابِلُ الظَّرْفَ صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَزْنَ الظَّرْفِ.
قُلْت: سَأَلْت عَنْهُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ وَقُلْتُ إنَّ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ فِي بَيْعِ الْعَسَلِ، وَالزَّيْتِ، وَالتَّمْرِ أَنْ يَقْطَعُوهُ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ فَأَجَابَ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهَا مِثْلُ الْقَطْعِ أَوْ أَقَلُّ فَيَجُوزُ، وَتَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ بِظُرُوفِهِ عَلَى الْوَزْنِ فَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِيهِ خِلَافًا سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ فَخَّارٍ أَوْ زِقٍّ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ هِيَ كَبَيْعِ الْجُزَافِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا يَتَحَقَّقُ وَزْنُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عِزِّ الدِّينِ فِي كَلَامِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ جَرْمِ الظَّرْفِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمُرَابَحَةِ: وَلَوْ اشْتَرَى السَّمْنَ وَالزَّيْتَ، وَظُرُوفُهُ مَعَهُ فِي الْوَزْنِ جَازَ ذَلِكَ فِي الزِّقَاقِ، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْجِرَارِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي الرِّقَّةِ وَالثَّخَانَةِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا قَالَهُ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَمَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ نَحْوُهُ فِي رَسْمِ بَاعَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنُ يُونُسَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ: وَبَيْعُ السَّمْنِ فِي ظُرُوفِهِ عَلَى الْوَزْنِ جَائِزٌ، وَإِنْ بَقَّى تَعْبِيرَ الظُّرُوفِ، وَيَجُوزُ لِمُشْتَرِيهِ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ اخْتِبَارُ الظَّرْفِ فَقَطْ، وَهُوَ كَالْمَقْبُوضِ، وَلَوْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ الظُّرُوفَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْوَزْنِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْقِنْطَارُ مِنْهُ بِظُرُوفِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ جَازَ ذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ النَّاسِ بِتَقْدِيرِ الظُّرُوفِ وَيُكْرَهُ هَذَا فِي الْفَخَّارِ فِي الرِّقَّةِ وَالثَّخَانَةِ، وَتَقَارُبِ أَمْرِ الظُّرُوفِ ا. هـ. قُلْت وَمِثْلُهُ الْيَوْمَ بِمَكَّةَ بَيْعُ مَاءِ الْوَرْدِ فِي الصَّفَّارِي عَلَى أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْوَزْنِ وَالْبَيْعُ كُلُّ مَنْ بِظَرْفِهِ بِكَذَا، وَكَذَا فَإِنْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَارِبًا جَازَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ)
ش: وَفَرَّقَ بَيْنَ السَّلَّةِ فِي التِّينِ وَالْعِنَبِ، وَنَحْوِهِ، وَبَيْنَ الْغِرَارَةِ مِنْ الْقَمْحِ، وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْقَمْحَ لَهُ مَكَايِيلُ مَعْرُوفَةٌ كَالْإِرْدَبِّ وَالْقَفِيزِ.
وَأَمَّا التِّينُ، وَالْعِنَبُ فَلَا مِكْيَالَ لَهُ، وَلَكِنْ كَثْرَةُ تَقْدِيرِ النَّاسِ لَهُ بِالسِّلَالِ يَجْرِي مَجْرَى الْمِكْيَالِ فَصَارَتْ كَالْمِكْيَالِ لِذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَشِرَاءُ قِرْبَةِ مَاءٍ أَوْ رَاوِيَةٍ أَوْ جَرَّةٍ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِبَيْعِ الْمَاءِ بِهِ أَحْرَى لِكَوْنِهِ لَا كَيْلَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فَإِنْ بِيعَ حِمْلُ الْمَاءِ، وَنَحْوُهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْجُزَافِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ، وَحُكْمُ مَا إذَا انْشَقَّ الْحِمْلُ بَعْدَ شِرَائِهِ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَاسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ، وَانْظُرْ هَلْ
يُحْتَاجُ عِنْدَ شِرَاءِ الْمَاءِ إلَى فَتْحِهِ أَمْ لَا؟ الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنَّ كَانَتْ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةً فَيَتَعَيَّنُ فَتْحُهُ، وَإِلَّا فَلَا
[تَنْبِيهٌ التَّبَايُعُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ]
(تَنْبِيهٌ) : عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مِلْءِ ظَرْفٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ حَيْثُ يَكُونُ مِكْيَالٌ مَعْلُومٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: وَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ إلَّا فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مِكْيَالٌ مَعْلُومٌ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اهـ.، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا إذَا وَقَعَ التَّبَايُعُ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُفْسَخُ، وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْجُزَافِ، وَرَأَى غَيْرُهُ أَنَّهُ يُفْسَخُ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمِكْيَالِ إلَى الْمَجْهُولِ غَرَرٌ حَكَى فِي الشَّامِلِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
وَالظَّاهِرُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي بِالْفَسْخِ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْغِرَارَةِ.
ص (وَحَمَامٌ بِبُرْجٍ)
ش: الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيْعَ الْحَمَامِ فِي الْبُرْجِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بَيْعَ الْبُرْجِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَمَامِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي رَسْمِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَ الْبُرْجِ بِمَا فِيهِ، وَبَيْعَ جَمِيعِ مَا فِيهِ إذَا رَآهُ، وَأَحَاطَ بِهِ مَعْرِفَةً وَحَزْرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ حَمَامِ الْبُرْجِ جُزَافًا لِلْغَرَرِ، وَلَا يُبَاعُ إلَّا عَدَدًا ثُمَّ قَالَ وَنَحْلُ الْأَجْبَاحِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا جُزَافًا لِمَشَقَّةِ عَدِّهَا وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَ مَا رَوَى عَنْهُ أَصْبَغُ، وَنَصُّهُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ مَا فِي الْبُرْجِ مِنْ حَمَامٍ أَوْ بَيْعِهِ بِحَمَامِهِ جُزَافًا، وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَرَجَّحَ فِي الشَّامِلِ الْجَوَازَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَصَافِيرِ الْحَيَّةِ فِي الْقَفَصِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا إذْ لَا مَئُونَةَ فِي عَدَدِهَا، وَلَا يُحَاطُ بِهَا كُلَّ الْإِحَاطَةِ لِتَدَاخُلِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنَقْدٌ)
ش: شَمِلَ كَلَامُهُ الْفُلُوسَ، وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُوَازَنَةِ
ص (خُيِّرَ)
ش: أَيْ فِي رَدِّ الْبَيْعِ، وَإِجَازَتِهِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا فَإِنْ فَاتَ لَزِمَ فِيهِ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَةُ الْجُزَافِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ
ص (فَسَدَ)
ش: فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَ فَفِيهِ الْقِيمَةُ مَا بَلَغَتْ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ قَالَهُ أَيْضًا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ.
ص (كَالْمُغَنِّيَةِ)
ش: هُوَ جَوَابٌ عَنْ اسْتِشْكَالِ ابْنِ الْقَصَّارِ لِكَوْنِ عِلْمِ أَحَدِهِمَا عَيْبًا؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ إذَا أَعْلَمَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ بِهِ جَازَ الرِّضَا بِهِ وَلَوْ أَعْلَمَهُ بِهِ هُنَا فَسَدَ فَأَجَابَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: بِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ إذَا قَارَبَهُ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْغَرَرِ دُونَ الثَّانِي كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَةً وَشَرَطَ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَلَوْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَفْسُدْ، وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَةِ مَعَ التَّبْيِينِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِشَرْطِ عَدَمِ التَّبْيِينِ ثُمَّ يُبَيِّنُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا بِمَا إذَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ زِيَادَةُ الثَّمَنِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَصْدُ التَّبَرِّي فَيَجُوزُ انْتَهَى.
قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ (تَنْبِيهٌ) : نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُ الْغِنَاءِ يُخَلِّقُ الْجَارِيَةَ وَادَّعَى أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَا يَرُدُّونَ الْعَبْدَ انْتَهَى.
ص (وَجُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ أَوْ أَرْضٍ وَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ لَا مَعَ حَبٍّ) ش: جُزَافُ مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى غَيْرِ مَرْئِيٍّ، وَأَرْضُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ مِنْهُ فَهُوَ مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِدُونِ إعَادَةِ الْجَارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ جُزَافٍ مِنْ الْحَبِّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ كَأَنْ يَبِيعَهُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مِنْ الْقَمْحِ مَعَ عَشَرَةِ أَمْدَادٍ مِنْ قَمْحٍ آخَرَ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جُزَافٍ مِنْ الْحَبِّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْ الْأَرْضِ كَأَنْ يَبِيعَهُ هَذِهِ الصُّبْرَةَ مَعَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ بَيْعُ جُزَافٍ مِنْ الْأَرْضِ مَعَ الْأَرْضِ الْمَكِيلَةِ، وَأَمَّا جُزَافُ الْأَرْضِ مَعَ الْحَبِّ الْمَكِيلِ فَيَجُوزُ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ
الْغَرَرِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَفِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي رَسْمِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْغَرَرِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى بَيْعُ الْمَكِيلِ، وَالْجُزَافِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْقَوْلُ فِيمَا يَجُوزُ مِنْهُ يَتَحَصَّلُ بِأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَا لَا أَصْلَ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا كَالْحُبُوبِ وَمِنْهَا مَا الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْلًا كَالْأَرْضِينَ، وَالثِّيَابِ وَمِنْهَا عُرُوضٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا كَالْعَبِيدِ، وَالْحَيَوَانِ فَالْجُزَافُ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا كَالْحُبُوبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ، وَلَا مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا كَالْأَرْضِينَ، وَالثِّيَابِ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي بَيْعِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَا جُزَافَيْنِ أَوْ مَكِيلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَكِيلًا وَالْآخَرُ جُزَافًا، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَا أَصْلُهُمَا مَعًا الْكَيْلُ أَوْ أَصْلُهُمَا مَعًا الْجُزَافُ أَوْ أَصْلُ مَا يُبَاعُ جُزَافًا الْكَيْلُ وَأَصْلُ مَا يُبَاعُ بِالْكَيْلِ الْجُزَافُ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مَمْنُوعَةٌ وَالرَّابِعَةُ جَائِزَةٌ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الصُّورَةِ الْأُولَى وَالصُّورَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ، وَجُزَافُ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ أَوْ أَرْضٍ، وَأَشَارَ إلَى الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ الْمَمْنُوعَةِ وَالرَّابِعَةِ الْجَائِزَةِ بِقَوْلِهِ، وَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ لَا مَعَ حَبٍّ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ جُزَافِ الْأَرْضِ مَعَ أَرْضٍ مَكِيلَةٍ.
وَقَوْلُهُ لَا مَعَ حَبٍّ أَيْ لَا جُزَافَ أَرْضٍ مَعَ حَبٍّ مَكِيلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وِفَاقًا لِابْنِ زَرْبٍ وَابْنِ مُحْرِزٍ خِلَافًا لِابْنِ الْعَطَّارِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَالْجُزَافُ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا كَالْأَرْضِينَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ بِاتِّفَاقٍ وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا عَلَى قَوْلَيْنِ الْجَوَازُ لِابْنِ زَرْبٍ، وَأَقَامَهُ مِنْ سَلَمِ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَدَمُهُ لِابْنِ الْعَطَّارِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِابْنِ مُحْرِزٍ مِثْلُ مَا لِابْنِ زَرْبٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَوْلُهُ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْحَبِّ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَكِيلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ قَالَهُ فِي الرَّسْمَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَقَوْلُهُ مَكِيلَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّاءِ الْمَنُونَةِ، وَفِي بَعْضِهَا مَكِيلِهَا بِالتَّأْنِيثِ، وَلَا إشْكَالَ عَلَيْهِمَا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعَ مَكِيلِهِ بِالضَّمِيرِ الْمُذَكَّرِ، وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ كَانَ عَائِدًا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ الْجِنْسِ الْمُذَكَّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيَجُوزُ جُزَافَانِ وَمَكِيلَانِ وَجُزَافٌ مَعَ عَرَضٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَلَا اخْتِلَافَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَكِيلَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْجُزَافَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْجُزَافِ مَعَ الْعَرَضِ فِي صَفْقَةٍ، وَاحِدَةٍ إلَّا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْجُزَافَ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْعُرُوضِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ، وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ مَعَ الْعَرَضِ فِي صَفْقَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْكَيْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَبِيبٍ (وَالثَّانِي) : أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الْجُزَافُ عَلَى الْكَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ (وَالثَّالِثُ) : أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانَ الْجُزَافُ عَلَى غَيْرِ الْكَيْلِ، وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ عَلَى الْكَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي الْجُزَافَيْنِ، وَالْمَكِيلَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلَهُمَا الْكَيْلُ كَقَمْحٍ، وَشَعِيرٍ أَوْ الْجُزَافُ كَأَرْضِينَ أَوْ أَصْلُ أَحَدِهِمَا الْجُزَافُ وَالْآخَرُ الْكَيْلُ كَقَمْحٍ، وَأَرْضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ بَيْعِ مَا أَصْلُهُ الْجُزَافُ وَمَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ]
(فَائِدَةٌ) : يَتَحَصَّلُ فِي بَيْعِ مَا أَصْلُهُ الْجُزَافُ وَمَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ سِتَّةَ عَشَرَ صُورَةً بِصُوَرِهَا الْمَكْرُوهَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بِيعَ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا أَوْ جُزَافًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ مَعَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَصْلُهُ الْكَيْلُ أَيْضًا كَيْلًا أَوْ جُزَافًا أَوْ مَا مَعَ أَصْلِهِ الْجُزَافُ كَيْلًا أَوْ جُزَافًا فَهَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ الْأُولَى: مَكِيلَانِ أَصْلُهُمَا الْكَيْلُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ الثَّانِيَةُ: مَكِيلٌ، وَجُزَافٌ
أَصْلُهُمَا الْكَيْلُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ الثَّالِثَةُ: مَكِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَالثَّانِي أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ الرَّابِعَةُ: مَكِيلٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَجُزَافٌ وَهِيَ جَائِزَةٌ الْخَامِسَةُ: جُزَافَانِ أَصْلُهُمَا الْكَيْلُ وَهِيَ جَائِزَةٌ السَّادِسَةُ: جُزَافٌ وَمَكِيلٌ أَصْلُهُمَا الْكَيْلُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ مَعَ الثَّانِيَةِ السَّابِعَةُ: جُزَافَانِ أَصْلُ أَحَدِهِمَا الْكَيْلُ، وَالثَّانِي أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ الثَّامِنَةُ: جُزَافٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَمَكِيلٌ أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فَالصُّورَةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ، وَمَكِيلَانِ، وَالْخَامِسَةُ وَالسَّابِعَةُ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ وَيَجُوزُ جُزَافَانِ، وَالثَّانِيَةُ الْمُكَرَّرَةُ، وَالسَّادِسَةُ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ، وَجُزَافُ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ مِمَّا أَصْلُهُ الْكَيْلُ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ كَبَيْعِ جُزَافِ الْحَبِّ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالرَّابِعَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ لَا مَعَ حَبٍّ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا كَالْأَرْضِ مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا كَالْحَبِّ لِأَنَّ كُلًّا جَاءَ عَلَى أَصْلِهِ فَقَوْلُهُ لَا مَعَ حَبٍّ أَيْ حَبٍّ مَكِيلٍ، وَالثَّامِنَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ أَرْضٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ مِمَّا أَصْلُهُ الْكَيْلُ كَالْحَبِّ مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُ الْجُزَافُ كَالْأَرْضِ فَقَوْلُهُ أَوْ أَرْضٍ يَعْنِي مَكِيلَةً.
وَإِذَا بِيعَ مَا أَصْلُهُ الْجُزَافُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا أَوْ كَيْلًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِمَّا أَنْ يُبَاعَ مَعَهُ شَيْءٌ أَصْلُهُ الْجُزَافُ جُزَافًا أَوْ كَيْلًا أَوْ شَيْءٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ جُزَافًا أَوْ كَيْلًا فَهَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ أَيْضًا (الْأُولَى) : جُزَافَانِ أَصْلُهُمَا الْجُزَافُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ (الثَّانِيَةُ) : جُزَافٌ، وَمَكِيلٌ أَصْلُهُمَا الْجُزَافُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ (الثَّالِثَةُ) : جُزَافَانِ أَحَدُهُمَا أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَالثَّانِي أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَهَذِهِ مُكَرَّرَةٌ مَعَ السَّابِعَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ (الرَّابِعَةُ) : جُزَافٌ أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَمَكِيلٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ مَعَ الرَّابِعَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ (الْخَامِسَةُ) : مَكِيلَانِ أَصْلُهُمَا الْجُزَافُ وَهِيَ جَائِرَةٌ (السَّادِسَةُ) : مَكِيلٌ وَجُزَافٌ أَصْلُهُمَا الْجُزَافُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَهَذِهِ مُكَرَّرَةٌ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ (السَّابِعَةُ) : مَكِيلَانِ أَصْلُ أَحَدِهِمَا الْجُزَافُ، وَالثَّانِي أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ، وَهِيَ مُكَرَّرَةٌ مَعَ الثَّالِثَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ (الثَّامِنَةُ) : مَكِيلٌ أَصْلُهُ الْجُزَافُ، وَجُزَافٌ أَصْلُهُ الْكَيْلُ، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَهَذِهِ مُكَرَّرَةٌ مَعَ الثَّامِنَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ فَالْأُولَى وَالثَّالِثَةُ الْمُكَرَّرَةُ مَعَ السَّابِعَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَيَجُوزُ جُزَافَانِ، وَالْخَامِسَةُ، وَالسَّابِعَةُ الْمُكَرَّرَةُ مَعَ الثَّالِثَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ وَمَكِيلَانِ، وَالثَّانِيَةُ الْمُكَرَّرَةُ مَعَ السَّادِسَةِ مِنْ صُوَرِهَا دَاخِلَتَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ، وَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِهِ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ جُزَافًا مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ، وَجُزَافِ حَبٍّ وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ مِمَّا أَصْلُهُ الْجُزَافُ مَعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ كَالْأَرْضِ الْجُزَافِ مَعَ الْأَرْضِ الْمَكِيلَةِ.
وَالرَّابِعَةُ الْمُكَرَّرَةُ مَعَ الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ لَا مَعَ حَبٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَالثَّامِنَةُ الْمُكَرَّرَةُ مَعَ الثَّامِنَةِ مِنْ الصُّوَرِ الْأُوَلِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ أَرْضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى شَرْحِ قَوْلِهِ، وَجُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ أَوْ أَرْضٍ، وَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلَةٍ لَا مَعَ حَبٍّ، وَيَجُوزُ جُزَافَانِ، وَمَكِيلَانِ، وَجُزَافٌ مَعَ عَرَضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجُزَافَانِ عَلَى الْكَيْلِ إنْ اتَّحَدَ الْكَيْلُ، وَالصِّفَةُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافَيْنِ عَلَى الْكَيْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَّحِدَ الْمَكِيلُ الَّذِي تَبَايَعَا عَلَيْهِ، وَتَتَّحِدَ صِفَتُهُمَا كَصُبْرَتَيْ قَمْحٍ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ بِيعَتَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُدٍّ بِدِينَارٍ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْكَيْلُ وَالصِّفَةُ كَصُبْرَةِ قَمْحٍ، وَصُبْرَةِ شَعِيرٍ بِيعَتَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّ صُبْرَةَ الْقَمْحِ كُلُّ مُدٍّ بِدِينَارٍ وَصُبْرَةَ الشَّعِيرِ كُلُّ مُدَّيْنِ بِدِينَارٍ فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ
وَالْمُقَدِّمَاتِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْكَيْلُ الَّذِي بِيعَتَا عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَتْ الصِّفَةُ أَوْ اتَّفَقَ الْكَيْلُ الَّذِي بِيعَتَا عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَتْ الصِّفَةُ فَالْأَوَّلُ كَصُبْرَتَيْنِ مِنْ قَمْحٍ صِفَةً وَاحِدَةً فَيَشْتَرِيهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَرَادِبَ بِدِينَارٍ وَالثَّانِي صُبْرَةٌ مِنْ قَمْحٍ، وَصُبْرَةٌ مِنْ شَعِيرٍ يَشْتَرِيهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً ثَلَاثَةُ أَرَادِبَ بِدِرْهَمٍ أَجَازَ ذَلِكَ أَشْهَبُ، وَلَمْ يُجِزْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَشَى الْمُصَنِّفُ فَالصُّوَرُ الثَّلَاثُ عِنْدَهُ مَمْنُوعَةٌ، وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ كَالِاخْتِلَافِ بِالصِّنْفِ قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ
ص (وَلَا يُضَافُ لِجُزَافٍ عَلَى كَيْلِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْجُزَافَ إذَا بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مُطْلَقًا بِأَيِّ وَجْهٍ وَكَانَتْ الْمُغَايَرَةُ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ جُزَافٌ آخَرُ مِنْ صَفْقَةٍ مُخَالِفٌ لَهُ فِي الْكَيْلِ الَّذِي بِيعَ عَلَيْهِ، وَلَا جُزَافَ مُخَالِفٌ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَإِنْ وَافَقَهُ فِي الْكَيْلِ الَّذِي بِيعَ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَافُ لَهُ عَرَضٌ كَثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ دَارٍ، وَلَا يُضَافُ لَهُ إلَّا جُزَافٌ مِثْلُهُ مُوَافِقٌ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَفِي الْكَيْلِ الَّذِي بِيعَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَأَمَّا بَيْعُ الْجُزَافِ عَلَى الْكَيْلِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ شَيْءٌ بِحَالٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَفِي الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: مِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمَوْزُونَ، وَالْمَذْرُوعَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَعْنَى الْمَكِيلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي قَوْلِ ابْنِ جَمَاعَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ قِرْبَةَ لَبَنٍ عَلَى أَنْ تَزِنَ زُبْدَهَا انْتَهَى.
قُلْت: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ وَالْمَذْرُوعِ حُكْمُ الْكَيْلِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ: وَحُكْمُ الْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ حُكْمُ الْمَكِيلِ، وَأَمَّا الْمَذْرُوعُ فَإِنَّهُ مُثِّلَ بِالْأَرْضِ إذَا بِيعَ مِنْهَا أَذْرُعٌ مَعْدُودَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْقَبَّابُ: فَاللَّبَنُ وَالزُّبْدُ أَصْلُهُمَا مَعًا الْبَيْعُ عَلَى الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يُبَاعُ بِالْمِكْيَالِ، وَالزُّبْدَ بِالْوَزْنِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَعْنَى الْكَيْلِ فَبَيْعُ الْقِرْبَةِ جُزَافًا لَا يَجُوزُ مَعَ بَيْعِ الزُّبْدِ وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ جَمْعِ الْجُزَافِ مَعَ الْمَكِيلِ مِمَّا أَصْلُهُمَا الْمَكِيلُ هَذَا إنْ اشْتَرَى الْقِرْبَةَ مَعَ رَطْلٍ أَوْ نِصْفِهِ مِنْ الزُّبْدِ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَى الْقِرْبَةَ، وَزُبْدَهَا مَا كَانَ بِحِسَابِ كَذَا أُوقِيَّةٍ بِدِرْهَمٍ، فَهُوَ مِنْ بَابِ جَمْعِ الْجُزَافِ عَلَى الْمَكِيلِ مَعَ غَيْرِهِ فَإِنْ اشْتَرَى اللَّبَنَ عَلَى غَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ كَانَ مِنْ بَابِ جَمْعِ الْجُزَافَيْنِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجَازَ بِرُؤْيَةِ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ) ش: لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِالْمَكِيلِ، وَكَذَلِكَ فِي الْجُزَافِ يَكْفِي رُؤْيَةُ الْبَعْضِ إذَا كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرًا فِي غِرَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا بَلْ جَعَلَهُ الْبِسَاطِيُّ رَاجِعًا لِمَسْأَلَةِ الْجُزَافِ نَعَمْ يَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمِثْلِيِّ الْمَكِيلِ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ أَوْ غَائِبًا
قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيَنْبَغِي الِاحْتِفَاظُ عَلَى الْعَيْنِ فَتَكُونُ كَالشَّاهِدِ عِنْد التَّنَازُعِ فَإِنْ خَرَجَ الْآخَرُ مُخَالِفًا لِمَا رَآهُ أَوَّلًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَلْزَمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا كَلَامَ لِوَاحِدٍ فِي قَلِيلٍ لَا يَنْفَكُّ، وَاحْتَرَزَ بِالْمِثْلِيِّ مِنْ الْمُقَوَّمِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَمَفْهُومُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْخِيَارِ، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ فِي الْمُقَوَّمِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ شَبْلُونٍ وَعَبْدُ الْحَقِّ، وَغَيْرُهُمْ الشَّيْخُ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ كَالْمِثْلِيِّ يَلْزَمُ بَاقِيهِ إذَا كَانَ عَلَى الصِّفَةِ مَا بَعُدَ خَلِيلٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ اشْتَرَى أَعْدَالًا مِنْ كَتَّانٍ أَوْ بَزٍّ فَنَظَرَ إلَى ثَوْبٍ أَوْ ثَوْبَيْنِ أَوْ رَطْلٍ أَوْ رَطْلَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ الْبَاقِيَ لَا يُشْبِهُهُ قَالَ: أَمَّا مَا هُوَ قَرِيبٌ مِمَّا رَأَى فَلَا رَدَّ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ، وَالتَّمْرُ يَكُونُ أَوَّلُهُ خَيْرًا مِنْ دَاخِلِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الْفَاحِشِ فَلْيَرُدَّ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ.
ابْنُ رُشْدٍ.
هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الشَّامِلِ بِقَوْلِهِ لَا مُقَوَّمَ عَلَى الْأَصَحِّ ص (، وَالصِّوَانُ)
ش: هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَضَمِّهَا الْوِعَاءُ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ الصِّيَانُ.
ص (وَعَلَى الْبَرْنَامِجِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَرْنَامِجُ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَهِيَ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ اسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبُ وَالْمُرَادُ بِهَا الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْعَدْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْبَرْنَامِجُ رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِيَاضٌ غَيْرَ الْكَسْرِ وَأَمَّا الْبَاءُ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ انْتَهَى
ص (وَمِنْ الْأَعْمَى)
ش: إنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ وَالْغَائِبِ، وَنَحْوِهِ لِكَوْنِهِ لَا يُبْصِرُ وَإِنَّمَا يَشْتَرِي عَلَى الصِّفَةِ فَشَابَهَ شِرَاءَ الشَّيْءِ الْغَائِبِ (فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَلَوْ كَانَ أَعْمَى وَأَصَمَّ لَمْ تَجُزْ مُبَايَعَتُهُ، وَلَا مُعَامَلَتُهُ، وَلَا نِكَاحُهُ، وَقَالَ قَبْلَهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَبْكَمِ الْأَصَمِّ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ص (وَبِرُؤْيَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا)
ش: فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ فِيهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا أَنْ يُبَاعَ بِصِفَةٍ مُؤْتَنَفَةٍ أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى، وَقِيلَ إنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ، وَإِلَّا جَازَ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَأَصْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهَا، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْجُزَافِ، وَأَمَّا الْجُزَافُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَتْ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الثِّمَارِ الْغَائِبَةِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْغَائِبِ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِذَلِكَ قَوْلَيْنِ الْجَوَازُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَنْعُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا وَجْهَ لَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَجْهُهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ فِي الصُّبْرَةِ زِيَادَةً عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا مَعْرِفَةَ قَدْرِهَا بِالْحَزْرِ حِين الْعَقْدِ، وَلِلرُّؤْيَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْعَقْدِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ قَالَ: وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الزَّرْعِ الْغَائِبِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ اغْتَفَرَ عَدَمَ حُضُورِ الزَّرْعِ، وَالثِّمَارِ حَالَةَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا جُزَافًا لِظُهُورِ التَّغَيُّرِ فِيهَا إنْ حَصَلَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ، وَنَحْوِهَا فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَحَلِفِ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ بِأَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ) ش: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَافٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِ الْكَلَامِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا وَهَلْ هِيَ بِأَنَّ أَوْ بِإِذْ؟ وَاَلَّذِي فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ إنَّمَا هُوَ بِإِذْ فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمُدَّعٍ، وَإِذْ مُضَافَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا، وَمُوَافَقَتُهُ مُبْتَدَأٌ، وَلِلْمَكْتُوبِ خَبَرُهُ أَيْ حَاصِلَةٌ لِلْمَكْتُوبِ، وَيَكُونُ
الْمَعْنَى، وَحَلِفِ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ وَقْتَ الْبَيْعِ حَاصِلَةٌ إذْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَكْتُوبِ فِي دَعْوَى الْبَائِعِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِأَنَّ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَوْ الْمَكْسُورَةِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى، وَحَلَفَ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ مَوْجُودَةٌ أَوْ حَاصِلَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَدَمِ دَفْعِ رَدِيءٍ)
ش: قَالَ فِي سَلَمِهَا الْأَوَّلِ: وَإِنْ قُلْت حِينَ رَدَّهَا إلَيْكَ: مَا دَفَعْتُ إلَّا جِيَادًا فَالْقَوْلُ قَوْلُكَ، وَتَحْلِفُ مَا أَعْطَيْتُكَ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَخَذَهَا مِنْك عَلَى أَنْ يَزِنَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: قَوْلُهُ وَتَحْلِفُ زَادَ فِي الْوَكَالَاتِ، وَلَا أَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِي قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لِأَنَّهُ قَدْ يُعْطِي جِيَادًا فِي عِلْمِهِ ثُمَّ الْآنَ يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَقَوْلُهُ فِي عِلْمِكَ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الرَّادُّ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ مُوقِنٌ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ صَيْرَفِيًّا أَوْ غَيْرَ صَيْرَفِيٍّ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: أَنَّهُ يُحَلِّفُ الصَّيْرَفِيَّ عَلَى الْبَتِّ (فَرْعٌ) : فَإِنْ اخْتَلَفَ الدَّافِعُ وَالْقَابِضُ فَقَالَ الدَّافِعُ: إنَّمَا أَخَذْتُهَا عَلَى الْمُفَاصَلَةِ، وَقَالَ الْقَابِضُ إنَّمَا أَخَذْتُهَا لِأَزِنَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ (فَرْعٌ) : قَالَ مُحَمَّدٌ، وَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَيِّدٌ فَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ لِرَدَاءَتِهِ فَلَا يُجْبَرُ الدَّافِعُ عَلَى بَدَلِهِ إلَّا أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى رَدَاءَتِهِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَحْضَرَهُ فَقَالَ شَاهِدَانِ: هُوَ رَدِيءٌ، وَقَالَ آخَرُ: هُوَ جَيِّدٌ لَمْ يَلْزَمْ الَّذِي لَهُ الْعَيْنُ قَبْضُهُ حَتَّى يُتَّفَقَ عَلَى جَوْدَتِهِ، وَلَوْ قَبَضَهُ فَلَمَّا قَلَّبَهُ وَجَدَهُ رَدِيئًا وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ، وَشَهِدَ غَيْرُهُمَا أَنَّهُ جَيِّدٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ بَدَلُهُ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى رَدَاءَتِهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ نَاقِصٌ)
ش: أَيْ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي عَدَمِ دَفْعِ نَاقِصٍ كَمَنْ قَبَضَ طَعَامًا مِنْ سَلَمٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ دَيْنٍ لَهُ عَلَى التَّصْدِيقِ، ثُمَّ ادَّعَى نَقْصًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ الْيَمِينَ فِي النَّقْصِ عَلَى الْبَتِّ وَهَذَا فِي نَقْصِ الْعَدَدِ، وَأَمَّا نَقْصُ الْمِقْدَارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغِشِّ قَالَهُ سَنَدٌ: فِي كِتَابِ الصَّرْفِ
ص (وَبَقَاءُ الصِّفَةِ إنْ شَكَّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي بَقَاءِ الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ إذَا شَكَّ فِي بَقَائِهَا، وَهُوَ الْبَائِعُ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ إنْ شَكَّ مِمَّا إذَا قُطِعَ بِكَذِبِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْيَمِينَ تَسْقُطُ عَنْ الْبَائِعِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَتَسْقُطُ الْيَمِينُ عَنْ الْبَائِعِ حَيْثُ يُقْطَعُ بِكَذِبِ الْمُشْتَرِي كَمَنْ اشْتَرَى زَيْتًا أَوْ قَمْحًا رَآهُ بِالْأَمْسِ، وَيَقُولُ: الْيَوْمَ قَدْ تَغَيَّرَ الزَّيْتُ، وَسَوَّسَ الْقَمْحُ.
وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ قَالَ: وَأَمَّا إنْ قَرُبَ مَا بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ بَعُدَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى عَلَى حَالِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَمْشِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّخْمِيِّ، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ شَكَّ لِمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِهِ لِتَقْيِيدِ اللَّخْمِيِّ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ مُدَّعِي بَقَاءِ الصِّفَةِ إذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ، وَشُكَّ فِي بَقَائِهَا، وَأَمَّا إذَا طَالَ مَا بَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَبِيعَ تَغَيَّرَ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي عَدَمِ الصِّفَةِ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إنْ شَكَّ رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ جَمِيعِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ شَكَّ أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُفَارِقْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَرْنَامَجِ وَمَسْأَلَةِ دَفْعِ الرَّدِيءِ، وَالنَّاقِصِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَكَذَا
لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَغَيَّرَتْ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَيْضًا بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْع تَنَازَعَا فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِالرُّؤْيَةِ]
(فَرْعٌ) : لَوْ تَنَازَعَا فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِالرُّؤْيَةِ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي بِالِاتِّفَاقِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَقَصَ بَيْعِ سِلْعَةٍ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ فِيهَا.
ص (وَغَائِبٌ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ إذَا رَآهُ، وَأَمَّا إذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْإِلْزَامِ أَوْ سَكَتَا عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَلَى خِيَارِهِ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْغَائِبَ لَا يُبَاعُ إلَّا عَلَى الصِّفَةِ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَنَسَبَهُ لِبَعْضِ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ غَرَرَهَا، وَجَعَلَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ظَاهِرَ سَلَمِهَا، وَتَبِعَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ فِي غَرَرِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَلَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّ مَا فِيهِ: وَمَنْ رَأَى سِلْعَةً أَوْ حَيَوَانًا غَائِبَةً مُنْذُ مُدَّةٍ تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا إلَّا بِصِفَةٍ مُؤْتَنِفَةٍ أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ جَازَ الْبَيْعُ، وَكُلُّ مَا وَجَدَ عَلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْهُ أَوْ عَلَى مَا وُصِفَ لَهُ لَزِمَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا يَنْعَقِدُ بَيْعٌ إلَّا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا عَلَى صِفَةٍ تُوصَفُ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ قَدْ عَرَفَهَا أَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إذَا رَأَى فَكُلُّ بَيْعٍ يَنْعَقِدُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا غَائِبَةٍ عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفْنَا، فَهُوَ مُنْتَقِضٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ قَدْ عَرَفَهَا: فَهَذَانِ مُنْعَقِدَانِ، وَقَوْلُهُ أَوْ شَرَطَ فِي عَقْدٍ الْحَ هَذَا الْوَجْهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ إلَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ وَالرِّضَا بِهَا، وَهَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ، وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّؤْيَةِ، وَالصِّفَةِ قِسْمٌ، وَبَيْعُ الْخِيَارِ قِسْمٌ قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ، وَشَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَسَمَّاهُ عَقْدًا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَقْدًا؛ لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِلْآخَرِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ.
(تَنْبِيهٌ) : وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ سَلَمِهَا الثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ جِنْسِ السِّلْعَةِ هَلْ هِيَ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ مَثَلًا؟ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ هَذَا فِي التَّوْلِيَةِ لَكِنْ لَا فَرْقَ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْبَيْعِ فِي هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي قُلْت: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّوْلِيَةِ فَاغْتَفَرَ ذَلِكَ فِي التَّوْلِيَةِ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِهَا، وَنَصُّهَا فِي أَوَائِلِ السَّلَمِ الثَّالِثِ: وَإِذَا اشْتَرَيْت سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتهَا رَجُلًا، وَلَمْ تُسَمِّهَا لَهُ وَلَا ثَمَنَهَا أَوْ سَمَّيْت أَحَدَهُمَا فَإِنْ كُنْتَ أَلْزَمْتَهُ إيَّاهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ وَقِمَارٌ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْإِلْزَامِ جَازَ، وَلَهُ الْخِيَارُ إذَا رَأَى وَعَلِمَ الثَّمَنَ، وَإِنْ أَعْلَمْتَهُ أَنَّهُ عَبْدٌ فَرَضِيَهُ ثُمَّ سَمَّيْت لَهُ الثَّمَنَ فَلَمْ يَرْضَ، فَذَلِكَ لَهُ، فَهَذَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمَعْرُوفِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَلَّى إلَّا أَنْ يَرْضَاهُ، وَأَمَّا إنْ بِعْتَ مِنْهُ عَبْدًا فِي بَيْتِكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ تَصِفْهُ لَهُ، وَلَا رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَلَا يَكُونُ الْمُبْتَاعُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ فِيهِ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْمُكَايَسَةِ، وَلَوْ كُنْتَ جَعَلْتَهُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَهُ جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَايَسَةِ انْتَهَى زَادَ ابْنُ يُونُسَ فِي اخْتِصَارِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَمْ تَصِفْهُ لَهُ، وَلَا رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ بِالْخِيَارِ إذَا نَظَرَ انْتَهَى.
ص (أَوْ عَلَى يَوْمٍ)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ لَوْ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَقَدَّمَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ مَا عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ هُوَ مِنْ الْغَائِبِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ بِالْخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ
ص (أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ)
ش: لَهُ بَيْعُهُ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِأَوْ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ
عَلَى قَوْلِهِ بِلَا وَصْفٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ عَلَى الْخِيَارِ أَوْ بِوَصْفٍ عَلَى اللُّزُومِ وَيُفْهَمُ اللُّزُومُ مِنْ كَوْنِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي عَقْدِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ، فَالْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ اللُّزُومُ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَوْلَى مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا، وَوَصَفَهُ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي بِأَوْ يَكُونُ قَدْ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَى أَقْسَامِ بَيْعِ الْغَائِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : فَإِنْ وَجَدَ الْغَائِبَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ بِمُوَافَقَةٍ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَزِمَ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَلَا.
(فَرْعٌ) : فَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى صِفَةٍ، وَتَنَازَعَا عِنْدَ قَبْضِهِ هَلْ صِفَتُهُ الْآنَ هِيَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا التَّعَاقُدُ أَمْ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْبَيْعَ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ مُتَعَلِّقٌ عَلَى بَقَاءِ صِفَةِ الْمَبِيعِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَمَنْ ادَّعَى الِانْتِقَالَ، فَهُوَ مُدَّعٍ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُشْتَرِي فَمَنْ ادَّعَى وُجُودَهَا فَهُوَ مُدَّعٍ، وَهُوَ الْبَائِعُ فَرْعٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ هَلْ هُوَ عَلَيْهَا أَمْ لَا رُجِعَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنْ قَالُوا إنَّهُ عَلَيْهَا لَزِمَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَصِفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ فَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: إنَّ الْمُدَوَّنَةَ تُؤُوِّلَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إنْ لَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ)
ش: هَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِبَيْعِ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَلَّا يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَرْفُوعِ قَوْلِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ وَصْفُهُ، وَالْمَعْنَى وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ أَنْ لَا يَكُونَ بَعِيدًا مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبُعْدِ، وَهَذَا الشَّرْطُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ مُنَافٍ لِلْغَرَرِ شَرْعًا، وَهَذَا غَرَرٌ كَثِيرٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْغَائِبِ كَوْنُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ جِدًّا لِكَثْرَةِ الْخَطَرِ، وَالْغَرَرِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ لَمْ يَلْزَمْ فَتَأَمَّلْهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الصِّفَةِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْوَصْفِ إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَلَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ الصِّفَةِ مَا إذَا بِيعَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِمُسَاوَاتِهِ لِلْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ فِي اللُّزُومِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الشَّرْطَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَهُ قُلْت، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصُّهُ، وَبَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَائِزٌ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بَعْدَهُ
ص (وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ)
ش: هَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا قَرِيبًا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ عَلَى الْأَشْهَرِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ عَنَى بِهِ الْكَلَامَ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ فَهُوَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْإِجَازَةِ لَيْسَ بِشَهِيرٍ حَتَّى يَكُونَ مُقَابَلًا بِالْأَشْهُرِ، وَإِنْ عَنَى بِهِ مِثْلَ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا فِي الْبَلَدِ فَالْأَشْهَرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
وَمِثْلُ السَّاجِ الْمُدْرَجِ مَا كَانَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ مَنْعُ بَيْعِ حَاضِرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِصِفَتِهِ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ قَالَ مَنْ ابْتَاعَ: مَا بِهَذَا الصُّنْدُوقِ بَعْدَ ذَهَابِهِ وَجَدْتَهُ عَلَى خِلَافِهَا لَمْ يُصَدَّقْ، وَلَزِمَهُ بَيْعُهُ فَأَخَذَ مِنْهُ اللَّخْمِيُّ جَوَازَهُ وَرَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِاحْتِمَالِ مَشَقَّةِ إخْرَاجِ مَا فِيهِ كَالْبَرْنَامَجِ أَوْ فَسَادِهِ بِرُؤْيَتِهِ كَالسَّاجِ الْمُدَرَّجِ فِي جِرَابِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى غَيْبَةِ مِفْتَاحِهِ فَصَارَ مَا فِيهِ كَغَائِبٍ، وَتَلَقَّاهَا ابْنُ رُشْدٍ بِالْقَبُولِ كَتَقْصِيرٍ وَدَلِيلُ قَوْلِهَا مَنْ ابْتَاعَ ثِيَابًا مَطْوِيَّةً لَمْ يَنْشُرْهَا، وَلَا وُصِفَتْ لَهُ لَمْ يَجُزْ جَوَازُهُ، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْهَا جَوَازُ بَيْعِ
حَاضِرِ الْبَلَدِ عَلَى الصِّفَةِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ مَنْعَهُ، وَاخْتَارَهُ فَجَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَشْهَرَ ابْنُ شَاسٍ، وَحَمَلَ الْأَصْحَابُ قَوْلَهَا عَلَى مَا فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ ثَالِثًا عَلَى عَدِّ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ قَوْلًا، وَعَلَى الْمَنْعِ الْمَعْرُوفِ جَوَازُ بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ اللَّخْمِيُّ رَوَى ابْنُ شَعْبَانَ مَنْعَهُ الْمَازِرِيُّ لِيُسْرِ إحْضَارِهِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ إلَّا قَلِيلًا.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مَا ذُكِرَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ هُوَ مَذْهَبُ الْمَوَّازِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ فَقَدْ أَجَازَ فِيهَا بَيْعَ مَا فِي صُنْدُوقٍ عَلَى الصِّفَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ شَاسٍ أَنَّ الْأَصْحَابَ تَأَوَّلُوا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَجْوِيزِ الْعَقْدِ بِالسَّوْقِ عَلَى سِلْعَةٍ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهَا مَشَقَّةٌ، وَكُلْفَةٌ انْتَهَى.
فَظَاهِرُ كَلَامِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مَا كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَبَيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُمَا، وَهُوَ بِالْبَلَدِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَاهُ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى صِفَةٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ الْمَشْهُورِ إلَّا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ عُسْرٌ أَوْ فَسَادٌ كَمَا تَأَوَّلَ الْأَشْيَاخُ مَسْأَلَةَ الصُّنْدُوقِ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ جِرَارِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ عَلَى الصِّفَةِ خَوْفَ فَسَادِهَا إذَا فُتِحَتْ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَيْعِ ثِيَابٍ مَطْوِيَّةٍ فَهِيَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْغَرَرِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَظَاهِرُهَا جَوَازُ بَيْعِ حَاضِرِ الْمَجْلِسِ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْمَفْهُومُ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي السُّؤَالِ أَوْ يُقَالَ: قَوْلُهُ لَمْ يَنْشُرْهَا يَعْنِي الْحَاضِرَةَ، وَقَوْلُهُ وَلَا وُصِفَتْ لَهُ يَعْنِي الْغَائِبَةَ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَائِبًا مِنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ حَاضِرُ الْبَلَدِ فَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَحَمَلَا عَلَيْهِ الْمُدَوَّنَةَ الْجَوَازُ، وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْيَوْمِ فَهُوَ فِي حُكْمِ حَاضِرِ الْبَلَدِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : فُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَيْضًا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ وَأَمَّا إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَلَا، وَفِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ وَهِيَ قَوْلُهَا، وَإِذَا اشْتَرَيْت سِلْعَةً ثُمَّ وَلَّيْتَهَا رَجُلًا، وَلَمْ تُسَمِّهَا، وَلَا ثَمَنَهَا إلَى آخِرِهَا إشَارَةً إلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَتْحِهِ فَسَادٌ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ كَمَا فِي بَيْعِ الْبَرْنَامِجِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَفِي جَوَازِ بَيْعِ السَّاجِ الْمُدَرَّجِ فِي جِرَابِهِ عَلَى الصِّفَةِ نَقَلَ اللَّخْمِيُّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْأُولَى: عَلَى صِفَتِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ لَا مَضَرَّةَ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ جِرَابِهِ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ عَلَى الصِّفَةِ، وَإِلَّا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ، وَجَعَلَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْخِلَافَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُغَيِّرُهُ تَرْدَادُ نَشْرِهِ عَلَى السَّوَامِ وَتَقْلِيبُهُمْ إيَّاهُ قَالَ: وَأَمَّا الثَّوْبُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ قُلْت: وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ التَّغَيُّرَ الْخَفِيفَ وَأَمَّا مَا كَانَ نَشْرُهُ يَنْقُضُهُ كَثِيرًا كَالْبَيَارِمِ، وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ كَالْبَرْنَامَجِ (الثَّالِثُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ أَوْ مَجْلِسِ التَّعَاقُدِ عَلَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ إذَا لَمْ يَمْضِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بَعْدَهَا فَتَأَمَّلْهُ.
[تَنْبِيه النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ]
ص (وَالنَّقْدُ فِيهِ) ش: أَيْ وَجَازَ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ مُحْرِزٍ (تَنْبِيهٌ) : وَهَذَا فِيمَا إذَا بِيعَ الْغَائِبُ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ عَلَى الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِاللُّزُومِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ
فِي كِتَابِ الْغَرَرِ، وَأَمَّا إذَا بِيعَ عَلَى خِيَارٍ، فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْخِيَارِ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا
ص (وَمَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ)
ش: أَيْ وَجَازَ النَّقْدُ فِي الْعَقَارِ بِشَرْطِهِ لَا مِنْهُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي الْعَقَارِ عَلَى مَذْهَبِ إذَا لَمْ يَشْتَرِهَا بِصِفَةِ صَاحِبِهَا، وَهَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (الثَّانِي) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا بِيعَ الْعَقَارُ جُزَافًا وَأَمَّا إذَا بِيعَ مُذَارَعَةً فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ اشْتَرَى دَارًا غَائِبَةً مُذَارَعَةً لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ فِيهَا كَذَلِكَ الْحَائِطُ عَلَى عَدَدِ النَّخْلِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَضَمَانُهَا مِنْ بَائِعِهَا اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدَّارِ فَذَكَرَهَا فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي قَالَ إنَّ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا، وَأَمَّا إنْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُ الْبَائِعِ مِنْ مُخْبِرٍ أَوْ رَسُولٍ فَالنَّقْدُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ اهـ. فَجَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَلَى الصِّفَةِ، وَذَلِكَ إنْ ذَرَّعَ الدَّارَ إنَّمَا هُوَ كَالصِّفَةِ لَهَا قَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّارِ الْغَائِبَةِ تُشْتَرَى بِصِفَةٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَّا مُذَارَعَةً قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِفَتِهَا مِنْ تَسْمِيَةِ ذَرْعِهَا فَقَالَ: أَشْتَرِي مِنْك الدَّارَ الَّتِي بِبَلَدِ كَذَا بِمَوْضِعِ كَذَا، وَصِفَتُهَا كَذَا، وَذَرْعُ مِسَاحَتِهَا فِي الطُّولِ كَذَا، وَكَذَا، وَفِي الْعَرْضِ كَذَا وَكَذَا، وَطُولُ بَيْتِهَا كَذَا وَكَذَا وَعَرْضُهُ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ مَسَاكِنِهَا، وَمَنَافِعِهَا بِالصِّفَةِ وَالذَّرْعِ، وَلَوْ وَصَفَ بِنَاءَهَا، وَذَكَرَ صِفَةَ أَنْقَاضِهَا، وَهَيْئَةَ مَسَاكِنِهَا وَقَدْرَهَا فِي الْكِبَرِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْوَسَطِ، وَاكْتُفِيَ عَنْ تَذْرِيعِهَا بِأَنْ يُقَالَ عَلَى أَنَّ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا لَجَازَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ وَأَحْسَنُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا عَلَى الصِّفَةِ إلَّا كُلُّ ذِرَاعٍ بِكَذَا مَا بَلَغَتْ بَلْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى الدَّارَ وَوَقَفَ عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ.
وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ كُلُّ ذِرَاعٍ بِكَذَا دُونَ أَنْ يَرَاهَا كَالصُّبْرَةِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِكَذَا دُونَ أَنْ يَرَاهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا بَاعَ الدَّارَ، وَالْأَرْضَ، وَالْخَشَبَةَ وَالشِّقَّةَ عَلَى أَنَّ فِيهَا كَذَا، وَكَذَا ذِرَاعًا فَقِيلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ مِنْ ذَلِكَ كَذَا، وَكَذَا ذِرَاعًا فَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى كَانَ الْبَائِعُ شَرِيكًا بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ وَجَدَ أَقَلَّ فَكَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمُشْتَرَى، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ كَالصِّفَةِ فَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَ كَانَ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ وَجَدَ أَقَلَّ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثُ) إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي بِالْحُكْمِ أَوْ لَا يُجْبَرُ قَوْلَانِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقَارِ فَلَا يُجْبَرُ فِيهِ عَلَى النَّقْدِ اتِّفَاقًا قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: فَإِنْ طَلَبَ الْبَائِعُ إيقَافَ الثَّمَنِ هَلْ يُمَكَّنُ مِنْهُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ
ص (وَضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) ش: يَعْنِي أَنَّ ضَمَانَ الْعَقَارِ مِنْ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ بِيعَ بِشَرْطِ النَّقْدِ أَوَبِغَيْرِ شَرْطِ النَّقْدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالشَّيْخِ خَلِيلٍ أَنَّ قَوْلَيْ مَالِكٍ جَارِيَانِ فِيهِ، وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فِي ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا ثَبَتَ هَلَاكُهُ مِنْ السِّلَعِ الْغَائِبَةِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ، وَقَدْ كَانَ يَوْمُ الصَّفْقَةِ عَلَى مَا وَصَفَ الْمُبْتَاعُ أَوْ عَلَى مَا كَانَ رَأَى فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ إنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى هَذَا، وَالنَّقْصُ وَالنَّمَاءُ كَالْهَلَاكِ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا فِي كُلِّ سِلْعَةٍ غَائِبَةٍ بَعِيدَةِ الْغَيْبَةِ أَوْ قَرِيبَةِ الْغَيْبَةِ خِلَافَ الدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ وَالْعَقَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ بَعُدَتْ.
ص (وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ) ش: أَيْ، وَجَازَ النَّقْدُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ بِشَرْطِ إنْ قَرُبَ يُرِيدُ أَيْضًا، وَوَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ
ص
وَضَمِنَهُ بَائِعٌ)
ش: أَيْ، وَضَمَان غَيْرِ الْعَقَارِ مِنْ الْبَائِعِ سَوَاءٌ بِيعَ بِشَرْطِ النَّقْدِ أَوْ لَا
ص (إلَّا لِشَرْطٍ)
ش: اُنْظُرْ هَلْ هُوَ رَاجِعٌ لِغَيْرِ الْعَقَارِ أَوْ رَاجِعٌ إلَى الْعَقَارِ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِهَا الدُّورُ وَالْأُصُولُ مِنْ الْمُبْتَاعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَوْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاطَ نَقْلِ هَذَا الضَّمَانِ بِأَنْ يَشْتَرِط الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ بِغَيْرِ شَرْطٍ إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ
ص (وَقَبْضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا غَائِبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِقَبْضِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ اهـ. وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ إنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا غَائِبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِقَبْضِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ الْإِتْيَانُ بِهِ فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ، وَأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ بَيْعًا فَاسِدًا، وَتَكُونُ مُصِيبَتُهُ إنْ هَلَكَ قَبْلَ وُصُولِهِ مِنْ بَائِعِهِ، وَإِنْ شَرَطَ ضَمَانَهُ مِنْ حِينِ الْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ مُشْتَرِيهِ فَجَائِزٌ، وَكَانَ بَيْعًا وَإِجَارَةً فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ بِهِ مِنْ مَوْضِعٍ بِيعَ فِيهِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ حُطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الْإِجَارَةِ اهـ. مِنْ الْجُزُولِيِّ اهـ. كَلَامُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
ص (وَحُرِّمَ فِي نَقْدٍ، وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسًا)
ش: مُرَادُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَا يَدْخُلَانِ فِي النَّقْدِ وَالطَّعَامِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَلَا يَدْخُلَانِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَفْصِيلُ ذَلِكَ أَعْنِي مَا يَدْخُلَانِ فِيهِ مَعًا، وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ رِبَا النَّسَا خَاصَّةً فَيُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَلَوْ ذَكَرَهُ هُنَا لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَحْسَنَ فَيَقُولُ، وَحُرِّمَ رِبًا، وَفَضْلٌ، وَنَسًا فِي نَقْدٍ، وَرِبَوِيٍّ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَالنَّسَا، وَإِنْ غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّ رِبَا النَّسَاءِ يَدْخُلُهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ كَالطَّعَامِ الَّذِي لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ غَيْرَ النَّقْدِ وَالطَّعَامِ لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ، وَالنَّسَا هُوَ كَذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا، وَهَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مَا عَدَا مَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي نَقْدِهِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ اهـ.
(فَائِدَةٌ) : الرِّبَا مَقْصُورٌ مِنْ رَبَا يَرْبُو فَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كِتَابَتَهُ وَتَثْنِيَتَهُ بِالْيَاءِ بِسَبَبِ الْكَسْرَةِ فِي أَوَّلِهِ وَغَلَّطَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ فَقِيلَ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوَاوُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّمَا كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ تَعَلَّمُوا الْخَطَّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ وَلُغَتُهُمْ الرِّبَا فَعَلَّمُوهُمْ صُورَةَ الْخَطِّ عَلَى لُغَتِهِمْ قَالَ: وَكَذَا قَرَأَهَا أَبُو سِمَاكٍ الْعَدَوِيُّ: بِالْوَاوِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِمَالَةِ بِسَبَبِ كَسْرَةِ الرَّاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ لِفَتْحَةِ الْبَاءِ، وَيَجُوزُ كِتَابَتُهُ بِالْأَلِفِ
وَالْوَاو، وَالْيَاء قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالرَّمَاءُ بِالْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمَدِّ هُوَ الرِّبَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَكَذَا الرُّبَبَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَالتَّخْفِيفُ لُغَةٌ فِي الرِّبَا، وَأَصْلُ الرِّبَا الزِّيَادَةُ يُقَالُ رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إذَا زَادَ وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قِرَاءَةِ الْعَدَوِيِّ فَقِيلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا نَقَلَهُمَا السَّمِينُ فِي إعْرَابِهِ.
(فَائِدَةٌ) : قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «لَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» وَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا تُفَضِّلُوا وَالشِّفُّ بِكَسْرِ الشِّينِ الزِّيَادَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى النُّقْصَانِ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، وَقَوْلُهُ إلَّا هَاءَ هَاءَ فِيهِ لُغَتَانِ الْقَصْرُ، وَالْمَدُّ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ أَيْ خُذْ وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ، وَفِيهِ لُغَةٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ هَاكَ فَالْهَمْزَةُ بَدَلُ الْكَافِ
ص (لَا دِينَارٌ، وَدِرْهَمٌ أَوْ غَيْرُهُ بِمِثْلِهِمَا) ش كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِلَا الْعَاطِفَةِ النَّافِيَةِ وَرَفْعِ دِينَارٍ، وَعَطْفِ دِرْهَمٍ بِالْوَاوِ وَعَطْفِ غَيْرِ بِأَوْ، وَفِي بَعْضِهَا عَطْفُ غَيْرِ بِالْوَاوِ، وَأَيْضًا وَأَمَّا النُّسْخَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ غَازِيٍّ فَقَلِيلَةٌ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ عَلَى النُّسْخَتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ، فَيَجُوزُ مَا سَلِمَ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَالنَّسَا لَا دِينَارٌ، وَدِرْهَمٌ بِمِثْلِهِمَا، وَلَا دِينَارٌ، وَغَيْرُ الدِّرْهَمِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِمِثْلِهَا أَيْ بِمِثْلِ الدِّينَارِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى.
وَأَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ فَتَكُونُ الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لِلدَّرَاهِمِ بِمَعْنَى أَوْ، وَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ دِينَارٌ وَغَيْرُهُ أَوْ دِرْهَمٌ، وَغَيْرُهُ بِمِثْلِهِمَا أَيْ بِمِثْلِ الدِّينَارِ، وَغَيْرِهِ، وَمِثْلِ الدِّرْهَمِ، وَغَيْرِهِ فَضَمِيرُ مِثْلِهِمَا يَعُودُ عَلَى الدِّينَارِ، وَغَيْرِهِ فِي صُورَةٍ وَعَلَى الدِّرْهَمِ، وَغَيْرِهِ فِي صُورَةٍ وَهَذِهِ مُمَاثِلَةٌ لِلنُّسْخَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ غَازِيٍّ فِي الْمَعْنَى وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ غَيْرِهِ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ بِمِثْلِهِمَا، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ جَمِيعِ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ وَأَصْلُهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ مَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ فَإِنْ كَانَتْ سِلْعَةً يَسِيرَةً تَكُونُ تَبَعًا جَازَ، وَإِنْ كَثُرَتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقِلَّ مَا مَعَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ نَقْدًا، وَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ، وَالْوَرِقُ وَالْعُرْضَانِ كَثِيرًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِذَهَبٍ وَلَا بَيْعُ إنَاءٍ مَصُوغٍ مِنْ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، وَلَا يُبَاعُ حُلِيٌّ فِيهِ ذَهَبٌ، وَفِضَّةٌ بِذَهَبٍ، وَلَا بِفِضَّةٍ نَقْدًا كَانَتْ الْفِضَّةُ الْأَقَلَّ أَوْ الذَّهَبُ كَالثُّلُثِ أَوْ أَدْنَى، وَيُبَاعُ بِالْعُرُوضِ وَالْفُلُوسِ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ أَنْ يُبَاعَ بِأَقَلِّهِمَا
فِيهِ إذَا كَانَ أَقَلُّهُمَا الثُّلُثَ أَوْ أَدْنَى، وَرَوَاهُ عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي كِتَابِ الْأَجَلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ عَبْدَك بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَكَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ بِعِشْرِينَ دِينَارًا سِكَّةً؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ مُقَاصَّةٌ فَأَمَّا إنْ شَرَطَا إخْرَاجَ الْمَالَيْنِ أَوْ أَضْمَرَاهُ إضْمَارًا يَكُونُ كَالشَّرْطِ عِنْدَهُمَا لَمْ يَجُزْ ثُمَّ إنْ أَرَادَا بَعْدَ الشَّرْطِ أَنْ يَدَعَا التَّنَاقُدَ لَمْ يَجُزْ لِوُقُوعِ الْبَيْعِ فَاسِدًا انْتَهَى.
قَالَ عِيَاضٌ: مَفْهُومُهُ إذَا عَرَّا مِنْ الشَّرْطِ وَأَخْرَجَا الدَّنَانِيرَ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْقِدَا قَوْلَهُمَا عَلَى فَسَادٍ، وَلَا أَفْضَى فِعْلُهُمَا إلَيْهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ فِي رَسْمِ بِعْ: وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ، وَالْآجَالِ، وَلَوْ تَبَايَعَا عَلَى أَنْ يَتَقَاصَّا فَلَمْ يَتَقَاصَّا، وَتَنَاقَدَا الدَّنَانِيرَ لَوَجَبَ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ تُرَدَّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَنَانِيرُهُ، وَلَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا لِوُقُوعِهِ عَلَى صِحَّةٍ انْتَهَى.
قُلْت: يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا عَرَّا الْبَيْعَ مِنْ شَرْطِ عَدَمِ الْمُقَاصَّةِ جَازَ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَخْرَجَا الدَّنَانِيرَ وَلَا يُلْزَمَانِ بِرَدِّهِمَا إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطَا عَدَمَ الْمُقَاصَّةِ (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ: قَالَ الْقَاضِي: وَسَأَلْت أَبَا الْمُطَرِّفِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ الْمَغْزُولِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْجِلْدِ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدٍ، وَهُوَ عِنْدِي صَوَابٌ انْتَهَى.
ص (وَبِمُؤَخَّرٍ، وَلَوْ قَرِيبًا)
ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا دِينَارٌ أَيْ فَبِسَبَبِ حُرْمَةِ رِبَا الْفَضْلِ حُرِّمَ مَا تَقَدَّمَ، وَبِسَبَبِ حُرْمَةِ رِبَا النَّسَا حُرِّمَ مَا تَأَخَّرَ فِيهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُفَارَقَةُ تَمْنَعُ الْمُنَاجَزَةَ، وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الَّذِي يَصْرِفُ دِينَارًا مِنْ صَيْرَفِيٍّ فَيُدْخِلُهُ تَابُوتَهُ ثُمَّ يُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ لَا يُعْجِبُنِي، وَإِذَا قَالَ هَذَا فِي التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةُ لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْمُفَارَقَةُ الْقَرِيبَةُ بِسَبَبٍ يَعُودُ بِإِصْلَاحٍ عَلَى الْعَقْدِ كَمَا لَوْ فَارَقَ الْحَانُوتَ وَالْحَانُوتَيْنِ لِتَقْلِيبِ مَا أَخَذَهُ أَوْ زِنَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَحَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَاللَّخْمِيِّ عَلَى الْخِلَافِ، وَتَأَوَّلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الْوِفَاقِ فَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ عَقْدِ التَّعَارُفِ وَقَبْلَ التَّقَابُضِ مِنْ مَجْلِسٍ وَلَا ضَرُورَة تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَمَسْأَلَةُ إنَّمَا قَامَا فِيهَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لِلضَّرُورَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ، وَمِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهِيَ إدْخَالُ الصَّيْرَفِيِّ الدِّينَارَ تَابُوتَه قَبْلَ أَنْ؛ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ مَمْنُوعَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ، وَأَكْرَهُ لِلصَّيْرَفِيِّ أَنْ يُدْخِلَ الدِّينَارَ تَابُوتَهُ أَوْ يَخْلِطَهُ ثُمَّ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ، وَلَكِنْ يَدَعُهُ حَتَّى يَزِنَ دَرَاهِمَهُ فَيَأْخُذَ، وَيُعْطِيَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا وَبِهَا اسْتَشْهَدَ اللَّخْمِيُّ بِكَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّد: وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَتَنَاجَزَا، وَكُلُّ هَذَا حِمَايَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّرْفُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَقْدُ الصَّرْفِ عَلَى مَرْئِيٍّ كَمَالٍ، وَعَلَى حَاضِرِ غَيْرِهِ جَائِزٍ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ كُرِهَ أَنْ يَقْبِضَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِوَضَ صَاحِبِهِ، وَيَحُوزَهُ ثُمَّ يَتَرَاخَى إقْبَاضُهُ إيَّاهُ الْعِوَضَ الثَّانِي إلَّا أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِفَوْرِهِمَا لَا يُفْسِدُ النَّقْدَ كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي صُنْدُوقٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا أَوْ كَأَنَّهُمَا فِي حَالَةِ الْعَقْدِ، وَفِي عَمَلِهِ، وَهَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إنَّ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ لَا يُفْسِدُ الصَّرْفَ قَالَ، وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَنَاجَزَاهُ قَالَ: لَكِنْ هُوَ مَكْرُوهٌ لِمُضَارَعَةِ مَعِيبٍ مَا حَضَرُوهُ، وَشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ انْتَهَى.
بَلْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَفِي غَيْبَةِ النَّقْدِ الْمَشْهُورُ الْمَنْعُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْكَرَاهَةُ
وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَمَلَهَا عَلَى الْمَنْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْقِيَامَ إلَى الْحَانُوتِ أَوْ الْحَانُوتَيْنِ لِلْوَزْنِ وَالتَّقْلِيبِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَابُضِ عَلَى تَأْوِيلِ اللَّخْمِيِّ خِلَافًا لِمَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ أَمَّا اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ حَكَى فِي التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ قَوْلَيْنِ بِالتَّخْفِيفِ وَالْكَرَاهَةِ، وَعَزَا الْأَوَّلَ لِلْمُوَازِيَةِ وَالثَّانِي لِلْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَنَصُّ كَلَامِهِ، وَإِنْ طَالَ مَا بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْمُنَاجَزَةِ بَيْنَ الْمُتَصَارِفَيْنِ إمَّا لِغَيْبَةِ النَّقْدَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَقَصْدِ التَّأْخِيرِ مَعَ بَقَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ افْتَرَقَا أَوْ قَامَا جَمِيعًا إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الصَّرْفَ فَسَدَ مَتَى وَقَعَ الطُّولُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ يَسِيرًا، وَلَمْ يَطُلْ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ مَرَّةً، وَاسْتَخَفَّهُ أُخْرَى فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَقَالَ: أَذْهَبُ بِهَا إلَى الصَّرَّافِ فَأَرَى، وَأَزِنُ قَالَ أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ قَالَ: وَقَدْ يُشْبِهُ مَا إذَا قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَأَجَازَ الْقِيَامَ وَالِافْتِرَاقَ عَنْ الْمَجْلِسِ إذَا كَانَ يَسِيرًا، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْهُمَا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْقُرْبِ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فِي الَّذِي يَصْرِفُ دِينَارًا مِنْ صَرَّافٍ فَيَزِنُهُ، وَيُدْخِلُهُ تَابُوتَهُ لَا يُعْجِبُنِي، وَلْيَتْرُكْ الدِّينَارَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُخْرِجَ دَرَاهِمَهُ فَيَزِنَهَا ثُمَّ يَأْخُذَ الدِّينَارَ، وَيُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلْيَرُدَّ دِينَارَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَنَاجَزَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ حِمَايَةٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ صَرْفٌ انْتَهَى
وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَفِي يَسِيرِ التَّأْخِيرِ طُرُقٌ اللَّخْمِيُّ فِي خِفَّتِهِ، وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ، وَقَالَ أَذْهَبُ إلَى الصَّرَّافِ لِيَرَى، وَيَزِنَ لَا بَأْسَ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِيهَا أَكْرَهُ أَنْ يُدْخِلَ الدِّينَارَ تَابُوتَه أَوْ يَخْلِطَهُ ثُمَّ يُخْرِجَ الدَّرَاهِمَ بَلْ يَدَعَهُ حَتَّى يَزِنَ فَيَأْخُذَ، وَيُعْطِيَ ثُمَّ ذَكَرَ طَرِيقَةً غَيْرَهُ لَكِنَّهُ عَزَا الْمَسْأَلَةَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَتْ فِيهِ إنَّمَا هِيَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَنَصُّهَا فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَصْرِفُ مِنْ الصَّرَّافِ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَيَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ بِهَا فَزِنْهَا عِنْدَ هَذَا الصَّرَّافِ، وَأَرِهِ وُجُوهَهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ فَقَالَ: أَمَّا الشَّيْءُ الْقَرِيبُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدِي مَا لَوْ قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ فَقِيلَ لِمَالِكٍ لَعَلَّهُ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا أُصَارِفُك عَلَى أَنْ أَذْهَبَ بِهَا إلَى هَذَا فَيَزِنَهَا وَيَنْظُرَ إلَيْهَا فِيمَا بَيْنِي، وَبَيْنَكَ قَالَ هَذَا قَرِيبٌ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَا بَأْسَ بِهِ، ابْنُ رُشْدٍ اسْتَخَفَّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إذْ غَالِبُ النَّاسِ لَا يُمَيِّزُونَ النُّقُودَ؛ وَلِأَنَّ التَّقَابُضَ قَدْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونَا بِفِعْلِهِمَا هَذَا مُخَالِفَيْنِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ» وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمِقْدَارُ لَا يُسَامَحُ فِيهِ فِي الصَّرْفِ لَوَقَعَ النَّاسُ بِذَلِكَ فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدِي أَنْ لَوْ قَامَا إلَيْهِ جَمِيعًا فَلَا شَكَّ أَنَّ قِيَامَهُمَا إلَيْهِ جَمِيعًا بَعْدَ التَّقَابُضِ أَحَبُّ مِنْ قِيَامِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَرَاهَتِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَتَصَارَفَا فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ يَقُومَانِ فَيَزِنَانِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ وَلَيْسَ عِنْدِي هَذَا خِلَافًا لَهُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ فَأَمَّا بَعْدَ عَقْدِ التَّصَارُفِ، وَقَبْلَ التَّقَابُضِ مِنْ مَجْلِسٍ إلَى مَجْلِسٍ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا قَامَا فِيهَا بَعْدَ التَّقَابُضِ لِلضَّرُورَةِ الْمَاسَةِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
فَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فَلَيْسَ فِيهِ إجَازَةُ التَّأْخِيرِ الْقَرِيبِ، بَلْ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ التَّقَابُضِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ هِيَ قَوْلُهَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَارِفَهُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُنَاقِدَهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْكَرَاهَةُ هُنَا عَلَى الْمَنْعِ، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ: فِي شَرْحِهَا لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ مَعَهُ الصَّرْفَ، وَيُرِيَهُ الذَّهَبَ فَيَقُولَ: أَذْهَبُ لِأُرِيَهُ وَأَزِنَهُ فَهُوَ الَّذِي، وَقَعَ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْقَوْلُ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَزِنَ لَهُ الذَّهَبَ وَيَتَقَابَضَا جَمِيعًا، ثُمَّ يَبْقَى فِي نَفْسِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ
فَيَقُولُ: أَذْهَبُ لِأَسْتَعِيرَهُ فَهَذَا لَا يَضُرُّ الصَّرْفَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ الْقَبْضُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لِأَسْتَعِيرَهُ مَعْنَاهُ أَزِنُهُ مِنْ الْعِيَارِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ إذَا تَقَابَضَا الْعِوَضَيْنِ ثُمَّ قَامَا مَعًا أَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا إلَى الْحَانُوتِ، وَالْحَانُوتَيْنِ لِلْوَزْنِ وَالتَّقْلِيبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّرْفُ، وَإِذَا وَجَدَ فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّ الْبَدَلَ أَبْدَلَهُ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ الصَّرْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ فِي الطِّرَازِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا، وَمَعَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ تُفَارِقْهُ أَوْ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ الطُّولِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الثَّالِثُ: إنْكَارُهُ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ، وَنَصُّهُ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنَّ الْمُفَارَقَةَ قَبْلَ التَّقَابُضِ إنْ بَعُدَتْ اخْتِيَارًا بَطَلَتْ وَكَذَا طُولُ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا وَإِنْ قَرُبَتْ فَالْمَشْهُورُ الْإِبْطَالُ، وَالتَّصْحِيحُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُفَارَقَةُ اخْتِيَارًا تَمْنَعُ الْمُنَاجَزَةَ، وَقِيلَ إلَّا الْقَرِيبَةُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فِي قَرِيبِ مُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ قَبْلَ مُطْلَقِ الْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَمَامِ الصَّرْفِ، وَلَا أَعْرِفُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ قَبْلَهُ، وَقَوْلُ سَنَدٍ أَبَاحَ مَالِكٌ الْقِيَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ لِلْقَبْضِ مِمَّا هُوَ فِي حُكْمِ الْمَجْلِسِ لَا أَعْرِفهُ قُلْت، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ الْمُفَارَقَةُ هَلْ مَعْنَاهُ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ أَوْ مُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ الَّذِي عَقَدَا فِيهِ الصَّرْفَ؟ أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ جَوَازَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بَلْ كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَسَلُّفِ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَا يَقُومَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَزِنُهَا فِيهِ، وَيَتَنَاقَدَانِ فِي مَجْلِسٍ سِوَى الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَعْيِينَ مَجْلِسِ الصَّرْفِ.
وَلَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا قَرُبَ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ، وَالْمَوَّازِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: فَأَجَازَ الْقِيَامَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَا لِقُرْبِهِمَا فِي حُكْمِ الْمُتَجَالِسَيْنِ فَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ افْتِرَاقٌ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ، وَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَصْطَحِبَا مِنْ مَحِلِّهِمَا إلَى غَيْرِهِ لِيُوَفِّيَهُ: لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَرَدِّهِ مَتَى وَقَعَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ حَيْثُ شُرِطَ أَنْ لَا يَتَنَاقَدَا فِي مَجْلِسٍ غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي تَصَارَفَا فِيهِ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يُغْتَفَرَ فِي ذَلِكَ مَا قَرُبَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ فِي اعْتِبَارِ الْوَزْنِ، وَانْتِقَادِ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّ الْقُرْبَ فِي حُكْمِ الْفَوْرِ، وَسَوَّى مَالِكٌ فِي الِاسْتِحْسَانِ بَيْنَ أَنْ يَذْهَبَا جَمِيعًا أَوْ يَذْهَبَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ إذَا عَقَدَهُ ثُمَّ مَضَى مَعَهُ إلَى الصَّيَارِفَةِ مَا نَصُّهُ: إذَا تَصَارَفَا فِي مَجْلِسٍ، وَتَقَابَضَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَالْمَشْهُورُ مَنْعُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ يَجُوزُ فِيمَا قَرُبَ انْتَهَى.
الرَّابِعُ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمُؤَخَّرٍ، وَلَوْ قَرِيبًا مَعْنَاهُ يَحْرُمُ الصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ قَبْضُ عِوَضَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنْ مَحِلِّ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ قَرِيبًا، وَيَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ مَا إذَا تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنْ الْعَقْدِ، وَهُمَا بِالْمَجْلِسِ تَرَاخِيًا طَوِيلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كُرِهَ لِلصَّيْرَفِيِّ إدْخَالُ الدِّينَارِ تَابُوتَه قَبْلَ إخْرَاجِهِ الدَّرَاهِمَ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كُرِهَ لِمَنْ ابْتَاعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ فَوَزَنَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَنْ يَزِنَ أَلْفًا أُخْرَى قَبْلَ فَرَاغِ دَنَانِيرِهِ الْأُولَى ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي بَابِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ أَنْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ أَنْ يَتَشَاغَلَا بِبَيْعٍ آخَرَ حَتَّى يَتَنَاجَزَا؛ لِأَنَّهُ كَالصَّرْفِ فَإِنْ تَشَاغَلَا بِبَيْعٍ آخَرَ، وَلَمْ يَطُلْ كَانَ مَكْرُوهًا، وَإِنْ طَالَ كَانَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ فَاسِدًا قَالَ
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ، وَقَبِلَهُ شَارِحُهُ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ صَرْفٌ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ: فِيمَنْ اشْتَرَى سَيْفًا مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ كَثِيرَ الْفِضَّةِ نَصْلُهُ تَبَعٌ لِفِضَّتِهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَبَضَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مَكَانَهُ مِنْ رَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ قَبْلَ النَّقْدِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ مَكَانَهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبِيعَ السَّيْفَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ، وَنَقَدَهُ مَكَانَهُ لَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَرَأَيْته جَائِزًا
وَأَمَّا إنْ قَبَضَ الْمُبْتَاعُ السَّيْفَ، وَفَارَقَ الْبَائِعَ قَبْلَ أَنْ يُنْقَدَهُ الثَّمَنَ فَسَدَ الْبَيْعُ، ثُمَّ إنْ بَاعَهُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَيَضْمَنُ الْمُبْتَاعُ الْأَوَّلُ لِبَائِعِهِ قِيمَةَ السَّيْفِ مِنْ الذَّهَبِ يَوْمَ قَبْضِهِ كَبَيْعِ فَاسِدٍ فَاتَ بِالْبَيْعِ، وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ثَمَنٌ وَمُثْمَنٌ فَالثَّمَنُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مُثَمَّنَاتٌ فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا أَدْفَعُ حَتَّى أَقْبِضَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى أَحَدِهِمَا وُجُوبُ التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْآخَرِ، وَقِيلَ لَهُمَا إنْ تَرَاخَى قَبْضُهُمَا عَنْ الْعَقْدِ انْفَسَخَ الصَّرْفُ فَإِنْ كَانَا بِحَضْرَةِ حَاكِمٍ فَفِي الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ يُوَكِّلُ مَنْ يَحْفَظُ عَلَّاقَةَ الْمِيزَانِ، وَيَأْمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَ صَاحِبِهِ مِنْ الْكِفَّةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، وَفِي الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ يُوَكِّلُ عَدْلًا يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ لَهُمَا جَمِيعًا مَعًا فَيَقْبِضُ مِنْ هَذَا فِي وَقْتِ قَبْضِ هَذَا، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُثَمَّنَاتِ كَعَرَضٍ بِعَرَضٍ، وَتَشَاحَّا فِي الْإِقْبَاضِ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُفْسَخُ بِتَرَاخِي الْقَبْضِ عَنْهُ، وَلَا بِافْتِرَاقِهِمَا مِنْ مَجْلِسِهِ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُثَمَّنَاتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَثْمَانِ وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَلْزَمُ الْمُبْتَاعَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ: إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَنْبَغِي إنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ أَنْ لَا يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمُثَمَّنَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ بَيْعٌ وَقَبْضَهُ كَقَبْضِهِ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الصَّرْفُ بِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ فَانْقَبَضَ فِيهِ الْمُثَمَّنُ قَبْلَ الثَّمَنِ لَمْ يَضُرَّ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاشْتِرَاطِ الْقَبْضِ الْمُنَاجَزَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ أَمَّا إذَا تَسَلَّمَ السَّيْفَ مُبْتَاعُهُ فَبَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ أَحَدُ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِالْفَوْرِ، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُبْتَاعُ السَّيْفِ بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي الصَّرْفِ الْقَبْضُ قَبْلَ تَفَرُّقِ الْمُتَصَارِفَيْنِ وَقَبْلَ غَيْبَةِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ، وَإِنْ ذَهَبَ بِالسَّيْفِ مُبْتَاعُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ بَائِعَهُ ثَمَنَهُ لَمْ يَجُزْ الصَّرْفُ
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا قَبَضَ أَحَدُ الْمُتَصَارِفَيْنِ الدَّنَانِيرَ فَأَنْفَذَهَا إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ دَفَعَ الدَّرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بَاعَ السَّيْفَ مُبْتَاعُهُ، وَهُوَ بِيَدِ بَائِعِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ، وَتَسَلَّمَهُ مِنْ بَائِعِهِ ثُمَّ سَلَّمَهُ جَازَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَهُوَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ إنْ صَرَفْتَ دَرَاهِمَ ثُمَّ بِعْتَهَا فِي مَقَامِكِ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ قَبَضْتَهَا أَنْتَ فَدَفَعْتَهَا إلَى مُبْتَاعِهَا مِنْكَ، وَإِنْ أَمَرْتَ الصَّرَّافَ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَإِنْ لَمْ تَبْرَحَا بِعْتَهَا بِعَرَضٍ أَوْ بِدَنَانِيرَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَبَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
وَمَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هِيَ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الثَّانِي مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَزَادَ وَلَوْ بَاعَهَا مِنْ الصَّرَّافِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْ الصَّرَّافِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا هُوَ صَحِيحٌ فِي مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تَجُوزُ فِي الصَّرْفِ، وَإِنْ قَبَضَ الْمُحَالَ بِحَضْرَةِ الْمُحِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْمُحَالَ بِحَضْرَةِ الْمُحِيلِ يَجُوزُ إذَا قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي بِحَضْرَتِهِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ إيَّاهَا مِنْ الصَّرَّافِ نَفْسِهِ فَجَائِزٌ عَلَى مَا قَالَ إذَا بَاعَهَا بِمَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا مِنْهُ، وَهُوَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْعُرُوضِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَقَبَضَ الدَّنَانِيرَ، ثُمَّ بَاعَهُ بِالدَّرَاهِمِ عَرَضًا جَازَ انْتَهَى بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ مِنْهُ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّفْقَتَيْنِ اُنْظُرْ كِتَابَ
الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ صَرَفْتَ مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ فَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى أَخَذْت مِنْهُ بِهَا سِلْعَةً أَوْ قَبَضْتَ مِنْهُ نِصْفَهَا، وَأَخَذْت بِنِصْفِهَا سِلْعَةً مَكَانَك فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ رَدَدْت السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ رَجَعْتَ بِدِينَارِكَ، وَلَوْ صَرَفْتَ مِنْهُ بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ بِهَا سَمْنًا أَوْ زَيْتًا نَقْدًا أَوْ مُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى أَنْ تَقْبِضَهَا ثُمَّ تَشْتَرِيَ بِهَا هَذِهِ السِّلْعَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ رَدَدْت السِّلْعَةَ بِعَيْبِ رَجَعْتَ بِدِينَارِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالسِّلْعَةِ، وَاللَّفْظُ لَغْوٌ.
[تَنْبِيه وَقَعَ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ ثُمَّ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ عِنْدَ الْآخَرِ]
(الْخَامِسُ) : إذَا وَقَعَ التَّقَابُضُ فِي الصَّرْفِ، ثُمَّ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ عِنْدَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ قَالَهُ فِي رَسْمِ شَكَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ آلَ إلَى الصَّرْفِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِنَّهُمَا عَلَى الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا فِيهِ حَرَجٌ وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ أَبِي جَعْفَرٍ إذَا طُبِعَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ عَلَيْهَا لَا يَدْفَعُ التُّهْمَةَ بِخِلَافِ رَهْنِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَا يَجُوزُ الْيَوْمَ لِمَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ أَنْ يُودِعَهَا بَعْدَ الْمُنَاجَزَةِ عِنْدَ الصَّرَّافِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ تَرْكِهَا أَنْ يَبْرَأَ مِنْ نَقْصِهَا وَنُحَاسِهَا قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي قَبَضَ مِنْ دَيْنٍ لَهُ طَوْقَ ذَهَبٍ فَافْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِهِ الطَّوْقَ لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ حَقٌّ مِنْ التَّوْفِيَةِ وَزْنٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ التَّوْفِيَةِ لَكَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ، وَإِيدَاعُهُ جَائِزٌ بِخِلَافِ إيدَاعِ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ انْتَهَى.
فَفَرَّقَ بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْمَصُوغِ، فَيَجُوزُ إيدَاعُهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُعْرَفَ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَالتِّبْرِ فَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ، وَلَوْ أَوْدَعَهُ مَا صَارَفَهُ بِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ فَسَدَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ فَإِنْ طُبِعَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحَّ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ الْمُنَاجَزَةِ فِي الصَّرْفِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ وَفِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَقَبِلَهُ شَارِحُهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ صَرْفٌ قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ إذَا غَابَ عَنْك وَأُبْدِلَ لَكَ عَرَفْتَ أَنَّهُ غَيْرُ شَيْئِكَ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ الطَّبْعِ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الطَّبْعِ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ.
وَقَالَ: إنَّهُ بَعِيدٌ وَحَكَمَهُ بِالْفَسَادِ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ إمَّا فِي ظَاهِرٍ وَإِمَّا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ إذَا صَحَّ أَمْرُهُمَا وَلَمْ يُقْصَدْ التَّأْخِيرُ فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَتَأَمَّلْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَعُودُ ذَلِكَ بِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ إذَا صَحَّ أَمْرُهُمَا وَمَسْأَلَةُ الطَّوْقِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّخْمِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُهُ فِيهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) : قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا الصَّرْفُ عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ فُسِخَ وَإِنْ عُقِدَ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ، ثُمَّ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّظْرَةُ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ كَانَتْ النَّظْرَةُ فِي أَقَلَّ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ انْتَقَضَ صَرْفُ دِينَارَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارَيْنِ انْتَقَضَ صَرْفُ ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَهَكَذَا أَبَدًا وَمَا وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ عَلَى اخْتِلَافٍ وَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ ثُمَّ تَأَخَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ بِغَلَطٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ مَضَى الصَّرْفُ فِيمَا، وَقَعَ فِيهِ التَّنَاجُزُ بِاتِّفَاقٍ وَفِيمَا وَقَعَ فِيهِ التَّأْخِيرُ إنْ رَضِيَ هَذَا الَّذِي هُوَ لَهُ بِتَرْكِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ انْتَهَى.
[تَنْبِيه اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ فَعَجَزَتْ الدَّرَاهِمُ دِرْهَمًا]
(السَّابِعُ) : قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَمَنْ اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ فَعَجَزَتْ الدَّرَاهِمُ دِرْهَمًا فَلَا يَجُوزُ لِلْمُصْطَرِفِ أَنْ يُقْرِضَ الصَّيْرَفِيَّ دِرْهَمًا يُتِمُّ بِهِ الصَّرْفَ ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِهِ دَيْنًا وَمَنْ اصْطَرَفَ دَرَاهِمَ وَعَجَزَتْ كَسْرًا وَأَخَّرَهُ عَلَى الصَّيْرَفِيِّ ثُمَّ عَلِمَ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لِلصَّيْرَفِيِّ لِيُجِيزَ بِذَلِكَ صَرْفَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاقَضَا الصَّرْفَ وَيَرْجِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمِثْلِ نَقْدِهِ وَمَنْ اصْطَرَفَ
دَرَاهِمَ وَعَجَزَتْ دِرْهَمًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ عَرَضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مُعَجَّلًا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِبَعْضِ دِينَارِهِ بَعْدَ الْمُصَارَفَةِ مَا أَحَبَّ قَبْلَ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا إذَا كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ مِمَّا صَارَفَهُ بِهِ وَأَدْنَى مِنْهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ مُعَجَّلًا بِدِينَارٍ إلَى شَهْرٍ وَالدِّينَارُ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا إلَى شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالدَّرَاهِمِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قُبْحِ كَلَامِهِمَا إذَا صَحَّ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يُنْظَرُ إلَى حُسْنِ كَلَامِهِمْ إذَا قَبُحَ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا
ص (أَوْ غَلَبَةٌ)
ش: سَوَاءٌ غُلِبَا مَعًا عَلَى التَّأْخِيرِ كَمَا لَوْ غَشِيَهُمَا لَيْلٌ أَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا سَيْلٌ أَوْ غُلِبَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا بِهُرُوبِ صَاحِبِهِ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ قَاصِدًا هُرُوبَهُ فُسِخَ الْعَقْدُ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الْقِلَادَةِ الْوَاقِعَةِ فِي رَسْمِ حَلَفَ لَيَرْفَعَنَّ أَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ وَذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ وَقَعَ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبْتَاعُ بِالتَّأْخِيرِ فَسْخَ الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَرِّمَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى حَلِّ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ اسْتَغْلَى شَيْئًا أَوْ نَدِمَ فِي شِرَائِهِ إلَّا جَرَّ ذَلِكَ لِيَفْسَخَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ ذَلِكَ كَمَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ وَمَنْعِ الْمُتَزَوِّجَيْنِ فِي الْعِدَّةِ أَنْ يَتَنَاكَحَا أَبَدًا اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَإِنْ كَانَ التَّفَرُّقُ لِهُرُوبِ أَحَدِهِمَا فَهَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ وَيَبُوءُ بِإِثْمِهِ أَوْ يُلْزَمُهُ حُكْمَ الْعَقْدِ إذَا ظُفِرَ بِهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْخِيرِ ثَمَنِ السَّلَمِ بِهُرُوبِ أَحَدِهِمَا فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي قَوْلٍ وَيَثْبُتُ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِهِ لَا يَكُونُ الْعَقْدُ ثَابِتًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ مَعَ فَقْدِ شَرْطِ ثُبُوتِهِ لَكِنْ يَلْزَمُ إذَا ظَفَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وُضِعَ عَلَى مَا عُقِدَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ قَدْ عُدِمَ الْعَقْدُ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِعَقْدٍ جَدِيدِ يَقَعُ التَّقَابُضُ فِيهِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَثْبُتُ فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ، فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قَبَضَ أَحَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالدَّنَانِيرِ الْمَسْكُوكَةِ فَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بَيْنَهُمَا بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ الْآنَ رَدَّهُ مِثْلُ مَا أَخَذَ وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لِغَيْرِ الْهَارِبِ رَدَّ الْمِثْلَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي الْفَسْخِ لَهُ بِالْهُرُوبِ خَرَجَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُلْزَمُ ضَمَانَ الثَّمَنِ الَّذِي لَزِمَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ وَالثَّانِي إنَّمَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا أَخَذَ وَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِ مَا صَنَعَ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ كَالْمَصُوغِ خَرَجَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ بَانَ بِهِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي رَضِيَ بِهِ اهـ. بِاخْتِصَارٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَصُوغِ إنَّمَا هُوَ إذَا تَلِفَ أَمَّا إنْ كَانَ قَائِمًا فَيُرَدُّ إلَى رَبِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ التَّأْخِيرَ عَلَيْهِ مُؤَثِّرٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقِلَادَةِ تَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ الَّذِي كَانَ فِيهَا يَسِيرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَقْدٌ وَوَكَّلَ فِي الْقَبْضِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْقِدَ الصَّرْفَ ثُمَّ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي قَبْضِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ بِحَضْرَةِ الْعَاقِدِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا يَفْسُدُ زَادَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَكِنَّهُ قَالَ: يُكْرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ مَا عَقَدَهُ بِحَضْرَتِهِ فَطَرِيقَانِ: ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ لَا يَفْسُدُ زَادَ ابْنُ بَشِيرٍ وَيُكْرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِيهِ أَشْهَبُ لَا يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ ابْنُ وَهْبٍ لَا بَأْسَ بِهِ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْعَاقِدِ الْقَابِضَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ مَعْزُوَّةٌ لِقَائِلِهَا إنَّمَا ذَكَرَهَا الْبَاجِيُّ فِي الْحَوَالَةِ اهـ. وَعَزَا ابْنُ رُشْدٍ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُهُ فِي رَسْمِ طَلْقِ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّرْفِ وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا صَرَفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ وَيُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِحَضْرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ قُلْت: وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ إلَّا الْكَرَاهَةَ
وَاعْتُرِضَ عَلَى مَنْ حَكَى عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ، وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ عَلَى مَا إذَا غَابَ الْمُؤَكِّلُ قَبْلَ قَبْضِ الْوَكِيلِ قَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَ قَبْلَ قِيَامِ الْمُوَكِّلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ اهـ. وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا، وَقَوْلُهُ فِي الشَّامِلِ: أَوْ بِتَوْكِيلٍ فِي قَبْضٍ وَإِنْ حَضَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا إذَا وَكَّلَ فِي الْعَقْدِ وَتَوَلَّى الْقَبْضَ، وَقَدْ نُصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الْفَرْعَيْنِ قَالَ: وَإِنْ وَكَّلْتَ رَجُلًا يَصْرِفُ لَكَ دِينَارًا فَلَمَّا صَرَفَهُ أَتَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَأَمَرَكَ بِالْقَبْضِ وَقَامَ وَذَهَبَ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَصْرِفَ، ثُمَّ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ، وَلَكِنْ يُوَكِّلُ مَنْ يَصْرِفُ لَهُ وَيَقْبِضُ لَهُ اهـ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: " ذَهَبَ " أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا جَازَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ
[فَرْعٌ دِينَارٌ مُشْتَرَك بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَرَفَاهُ مَعًا ثُمَّ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْقَبْضِ وَذَهَبَ]
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ دِينَارٌ مُشْتَرَكًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَصَرَفَاهُ مَعًا، ثُمَّ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْقَبْضِ، وَذَهَبَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ بِحَضْرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ شَرِيكَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَهُوَ الصَّوَابُ وَظَاهِرُ مَا فِي هَذَا الرَّسْمِ، وَرَسْمِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغ، وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، فَتَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ وَيُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ بِحَضْرَتِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ أَجْنَبِيًّا، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَ بِحَضْرَتِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ شَرِيكَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَ بَعْدَ ذَهَابِهِ اهـ. بِالْمَعْنَى، وَفَهِمَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ فَرْعَيْنِ فَقَالَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
[فَرْعٌ لَوْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ الْعَقْدَ وَعَقَدَا جَمِيعًا الصَّرْفَ]
: (فَرْعٌ) لَوْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ، وَالْوَكِيلُ الْعَقْدَ وَعَقَدَا جَمِيعًا الصَّرْفَ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ الْمُوَكِّلُ، وَيَأْمُرَ الْوَكِيلَ بِالْقَبْضِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا إلَّا أَنَّهُ حَضَرَ الْعَقْدَ وَتَكَلَّمَ فِيهِ وَرَاوَضَ الصَّرَّافَ لَجَازَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَرَاهِمُ صَرَفَاهَا بِدِينَارٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ تِبْرٍ صَرَفَاهُ بِنُقْرَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَكِّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِقَبْضِهِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ.
[فَرْعٌ الْحَوَالَةُ فِي الصَّرْفِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ: لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ فِي الصَّرْفِ وَإِنْ قَبَضَ الْمُحَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مَكَانَهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ إذَا قَبَضَ الْمُحَالُ مَا أُحِيلَ بِهِ مَكَانَهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الَّذِي أَحَالَهُ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[فَرْعٌ لَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ حَمَالَةٌ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ حَمَالَةٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِمَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، وَالصَّرْفُ لَا يَكُونُ إلَّا نَاجِزًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحَمَالَةُ بِالدَّنَانِيرِ إنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ إنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ فَيَجُوزُ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ.
[فَرْعٌ الْخِيَارِ فِي الصَّرْفِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّرْفِ خِيَارٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ، وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِيهِ النَّقْدُ، فَالصَّرْفُ عَلَى الْخِيَارِ فَاسِدٌ كَانَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُمَا جَمِيعًا فَتَمَّمَاهُ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَتَنَاجَزَا بِحَضْرَةٍ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى إمْضَائِهِ لَمْ يُفْسَخْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا، لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبِلَ إمْضَاءَهُ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا انْعَقَدَ بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً يَوْمَ أَمْضَيَاهُ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا فُسِخَ مَتَى مَا عُثِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ لِلُزُومِ بَيْعِ الْخِيَارِ لِلَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ مِنْهُمَا اهـ. وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، بَلْ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ: لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ الِاتِّفَاقَ، وَنَصُّهُ: " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ غَيْرِهِ الْخِلَافَ وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ قَوْلَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَشْهُورُ الْمَنْعُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْجَوَازُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْخِيَارُ الْحُكْمِيُّ فَفِي فَسَادِ الصَّرْفِ بِهِ قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ
صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ: وَفِي فَسَادِ الصَّرْفِ بِالْخِيَارِ الَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ فِيهِ دُونَ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِ قَوْلَانِ: أَمَّا إنْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ اهـ. وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَنْ وُكِّلَ عَلَى صَرْفِ دَنَانِيرَ فَصَرَفَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكَّلَهُ شَخْصٌ عَلَى صَرْفِ الدَّنَانِيرِ، وَآخَرُ عَلَى صَرْفِ دَرَاهِمَ فَصَرَفَ دَرَاهِمَ هَذَا بِدَنَانِيرِ هَذَا، وَقَدْ حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: الْجَوَازُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَعَدَمُهُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَالْجَوَازُ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى وَعَلَى هَذَا الثَّالِثِ اقْتَصَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَسَائِلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ مَنْ أَرْسَلَ مَعَهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً فَتَسَلَّفَ الدِّينَارَ، ثُمَّ اشْتَرَى السِّلْعَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا بِدِينَارٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ عِنْدِهِ مَكَانَ الدِّينَارِ دَرَاهِمَ قَالَ فِي رَسْمِ الْقُطْعَانِ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: لِأَنَّهُ اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ بِالدِّينَارِ الَّذِي لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ صَارَفَ فِيهِ بَائِعَ السِّلْعَةِ، قَالَ وَلَوْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِدَرَاهِمَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ رَبَّ الدِّينَارِ بِذَلِكَ، وَدَخَلَهُ الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَجُعِلَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَرْسَلَ مَعَهُ بِثَوْبٍ لِيَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا فَاشْتَرَى الشَّيْءَ بِدِينَارٍ مِنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَاعَ الثَّوْبَ بِدَرَاهِمَ وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ: مَنْ وُكِّلَ عَلَى قَبْضِ دِينَارٍ فَأَخَذَ عَنْهُ دَرَاهِمَ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ عَرَفَةَ
ص (أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وَطَالَ أَوْ نَقْدَاهُمَا)
ش: هُوَ إشَارَةٌ إلَى مَسْأَلَةِ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ وَتُلَقَّبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ " بِالصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَصُّهَا فِي التَّهْذِيبِ: " وَإِنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ عِشْرِينَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ اسْتَقْرَضْتَ أَنْتَ دِينَارًا مِنْ رَجُلٍ إلَى جَانِبِكَ وَاسْتَقْرَضَ هُوَ الدَّرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ إلَى جَانِبِهِ فَدَفَعْت إلَيْهِ الدِّينَارَ وَقَبَضْت الدَّرَاهِمَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مَعَهُ وَاسْتَقْرَضْتَ أَنْتَ الدِّينَارَ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا كَحَلِّ الصُّرَّةِ وَلَا يَبْعَثُ وَرَاءَهُ، وَلَا يَقُومُ لِذَلِكَ جَازَ وَلَمْ يُجِزْهُ أَشْهَبُ " اهـ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إنْ تَسَلَّفَا فَاتَّفَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ تَسَلُّفَهُمَا مَظِنَّةُ الطُّولِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمَظَانِّ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ تَسَلَّفَ أَحَدُهُمَا، وَطَالَ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَالْخِلَافُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " أَوْ نَقْدَاهُمَا " يُرِيدُ طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ فَقَيَّدَ الطُّولَ فِي قَوْلِهِ: " وَطَالَ " إنَّمَا هُوَ فِي نَقْدِ أَحَدِهِمَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ هَلْ الْخِلَافُ فِي تَسَلُّفِ أَحَدِهِمَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الَّذِي عَقَدَ عَلَى مَا عِنْدَهُ أَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَيُتَّفَقُ عَلَى الْبُطْلَانِ أَوْ الْخِلَافُ مُطْلَقٌ عَلِمَ أَمْ لَا؟ طَرِيقَانِ نَقَلَهُمَا الْمَازِرِيُّ اهـ.
ص (أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ) ش: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ
أَيْ: وَحُرِّمَ صَرْفٌ بِمُوَاعَدَةٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَشَهَّرَ الْمَازِرِيُّ الْكَرَاهَةَ، وَنَسَبَهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَنَسَبَهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصُّهُ: " وَأَمَّا الْمُوَاعَدَةُ فَتُكْرَهُ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَتَمَّ الصَّرْفُ لَمْ يُفْسَخْ الصَّرْفُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يُفْسَخُ وَلَعَلَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَتَرَاوَضَا عَلَى السَّوْمِ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: اذْهَبْ مَعِي أَصْرِفْ مِنْكَ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ: " إذَا رَاوَضَهُ عَلَى السَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ مَعِي أَصْرِفْ مِنْكَ ذَهَبَكَ بِكَذَا وَكَذَا " اهـ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُرَاوَضَةِ، وَظَاهِرُهَا الْمَنْعُ وَلِابْنِ نَافِعٍ الْجَوَازُ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَالثَّلَاثَةُ جَارِيَةٌ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَنَدٌ: الْأَحْسَنُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ بَدَأَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَصَارَفَا كُرِهَ أَنْ يَتَصَارَفَا وَإِنْ تَصَارَفَا وَفَاتَ الْعَقْدُ فَلَا يُرَدُّ اهـ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَجَازَ هُنَا ابْنُ مَنَاسٍ التَّعْرِيضَ، وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ وَلَفْظُهُ: " وَذُكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى بْنِ مَنَاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ التَّعَرُّضَ فِي الصَّرْفِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْعِدَّةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنِّي لَمُحْتَاجٌ إلَى دَرَاهِمَ أَصْرِفُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ (قُلْت) وَعَلَى مَا أَجَازُوهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ قَوْلِهِ: إنِّي لَكَ لَمُحِبٌّ وَفِيكَ رَاغِبٌ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هُنَا إنِّي أُحِبُّ دَرَاهِمَكَ وَرَاغِبٌ فِي الصَّرْفِ مِنْكَ وَنَحْوُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِدَيْنٍ إنْ تَأَجَّلَ وَإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِالصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دِينَارٌ أَوْ دَنَانِيرُ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَيَتَطَارَحَانِ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَا فِي الذِّمَّتَيْنِ مُؤَجَّلًا أَوْ مَا فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ حَلَّا جَمِيعًا جَازَ، وَهُوَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أَعْنِي قَوْلَهُ: " وَإِنْ تَأَجَّلَ " وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَرَادَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يُصَارِفَ صَاحِبَهُ عَلَيْهِ جَازَ إنْ كَانَ قَدْ حَلَّ وَدَفَعَ إلَيْهِ الْعِوَضَ الْآخَرَ فِي سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، قَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَعِلَّةُ الْمَنْعِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا.
(تَنْبِيهٌ) وَلَا فَرْقَ فِي الدَّيْنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَكَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ إلَى أَجَلٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَأَخَذْت بِهَا مِنْهُ دَنَانِيرَ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ حَالَّةً جَازَ اهـ.
[فَرْعٌ كَانَ لَكَ عَلَى شَخْصٍ دِينَارٌ فَجَاءَكَ بِدَرَاهِمَ لِتَصْرِفَهَا بِدِينَارٍ فَأَرَدْتَ مُقَاصَّتَهُ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ لَكَ عَلَى شَخْصٍ دِينَارٌ فَجَاءَكَ بِدَرَاهِمَ لِتَصْرِفَهَا بِدِينَارٍ فَلَمَّا وَزَنْت الدَّرَاهِمَ وَقَبَضْتَهَا أَرَدْتُ مُقَاصَّتَهُ فِي الدِّينَارِ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ غَرَمْتَ لَهُ دِينَارَ الصَّرْفِ وَلَكَ مُطَالَبَتُهُ بِدِينَارِكَ.
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلِأَشْهَبَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّ لَكَ حَبْسَهُ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، قَالَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّ صَاحِبَ الدِّينَارِ إنْ أَرَادَ أَخْذَ الدَّرَاهِمِ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ صَاحِبَ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ دِينَارِ الصَّرْفِ، فَلَا يَكُونُ دِينَارُ الصَّرْفِ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَكَ سِلْعَةً بِدِينَارٍ وَأَرَدْتَ مُقَاصَّتَهُ بِالدِّينَارِ كَانَ لَكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَجَبَ لَهُ عِنْدَك دِينَارٌ وَلَا
تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى الْقَبْضِ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ عِنْدَك دِينَارٌ وَلَكَ عِنْدَهُ دِينَارٌ كَانَ لَكَ أَنْ تُقَاصَّهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ وَامْتَنَعْتَ مِنْ دَفْعِ الدِّينَارِ وَتَرَافَعْتُمَا إلَى الْحَاكِمِ فَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ الصَّرْفُ، وَيَرُدُّ الدَّرَاهِمَ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ تَمَّ الصَّرْفُ فَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَا يَنْقُضُهُ.
أَشْهَبُ وَإِذَا حَكَمَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ فَلَا يَنْقُضُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْكَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّرْفِ أَنَّكَ لَا تُقَاصُّهُ بِذَلِكَ وَتُؤَخِّرُهُ بِمَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ مُؤَجَّلًا جَازَ وَإِنْ كَانَ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ وَاشْتَرَطَ أَبْعَدَ مِنْهُ فَالصَّرْفُ فَاسِدٌ، وَهُوَ صَرْفٌ وَسَلَفٌ وَإِنْ شَرَطَ دَفْعَ الدِّينَارِ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَأْخِيرِ مَا عَلَيْهِ فَظَاهِرُ الْكِتَابِ جَوَازُهُ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ الصَّرْفُ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: الصَّرْفُ صَحِيحٌ وَلَكَ حَبْسُهُ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ وَقِيلَ: صَحِيحٌ وَلَيْسَ لَكَ حَبْسُهُ، بَلْ تَدْفَعُهُ، وَتَقُولُ: بِحَقِّكَ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِأَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. مِنْ الطِّرَازِ بِالْمَعْنَى.
[فَرْعٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَدَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ دِينَارًا لِصَاحِبِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ بِنِصْفِهِ دَرَاهِمَ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَدَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ دِينَارًا لِصَاحِبِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ بِنِصْفِهِ دَرَاهِمَ قَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَصَرْفٌ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي عُرُوضًا فَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى قَوْلِهِ الثَّانِي اسْتِحْقَاقًا لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّاهُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ أَضْيَقُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ سَلَفَهُ فِي الْبَيْعِ صَحَّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَلَوْ تَرَكَهُ فِي الصَّرْفِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (أَوْ غَابَ رَهْنٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَلَوْ سَكٌّ) ش يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَصْرِفَ مِنْ الرَّاهِنِ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ فِي بَيْتِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُودِعِ أَنْ يَصْرِفَ الْوَدِيعَةَ الَّتِي فِي بَيْتِهِ مِنْ مَالِكِهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ عَنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّهْنُ أَوْ الْوَدِيعَةُ مَصُوغَيْنِ أَوْ مَسْكُوكَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْكُوكَيْنِ لَا فِي الْمَصُوغَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَوَاهِرِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " غَابَ " أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الرَّهْنُ أَوْ الْوَدِيعَةُ جَازَ صَرْفُهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ شَرَطَ الْمُبْتَاعُ أَنَّ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَصِلَ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَقَبِلَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ، وَعَلَّلَهُ بِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ، وَلَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ أَنَّهَا فِي ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: جَازَ اتِّفَاقًا وَاعْتَرَضَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ: وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(الثَّانِي) لَوْ تَلَفَ الرَّهْنُ وَوَجَبَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ جَازَ صَرْفُهَا وَكَذَا لَوْ تَسَلَّفَ الْوَدِيعَةَ أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَأَتْلَفَهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا جَازَ الصَّرْفُ وَسَكَتَ عَنْ هَذَا لِوُضُوحِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ حِينَئِذٍ فِي مَسْأَلَةِ صَرْفِ الدَّيْنِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ أَوْدَعْته مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ لَقِيتَهُ وَالدَّرَاهِمُ فِي بَيْتِهِ فَهَضَمْت عَنْهُ مِائَةً عَلَى أَنْ أَعْطَاكَ مِائَةً مِنْ غَيْرِ الْمِائَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهَا مِائَةً وَتَدَعَ مِائَةً قَالَ فِي الطِّرَازِ لَوْ قَالَ لَهُ: تَرَكْتُ لَكَ مِنْهَا كَذَا وَآخُذُ مِنْكَ كَذَا فَهِيَ هِبَةٌ صَحِيحَةٌ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَا يُفْسِدُهَا فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي بَيْتِهِ فَدَفَعَ لَهُ الْمُودِعُ مِائَةً سَلَفًا لَهُ عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ إذَا صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ سَلَفٌ حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا أَسْلَفَهُ وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةً بَدْلًا عَنْ الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ فَهَذَا صَرْفُ مِائَةٍ بِمِائَةٍ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ لَا يُجِيزُ أَنْ يُعَاوِضَهُ عَنْهَا بِذَهَبٍ فَكَيْفَ بِدَرَاهِمَ؟ وَالصَّرْفُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَضْيَقُ مِنْهُ فِي الْجِنْسَيْنِ أَمَّا إنْ كَانَتْ الْحَطِيطَةُ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ الْمِائَةَ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْوَدِيعَةِ فَهَذَا فَاسِدٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
ص (كَمُسْتَأْجَرٍ وَعَارِيَّةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْحُلِيِّ الْمُسْتَأْجَرِ، وَلَا الْمُعَارِ إذَا كَانَا غَائِبَيْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُعَارِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ صَرْفُهُمَا إذَا حَضَرَا.
(تَنْبِيهٌ) وَإِنَّمَا أَخَّرَهُمَا عَنْ قَوْلِهِ: " وَلَوْ سَكٌّ " لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْعَارِيَّةُ وَلَا الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ
أَنَّ إعَارَةَ النُّقُودِ، وَالْأَطْعِمَةِ قَرْضٌ وَفِي بَابِ الْإِجَارَةِ الْمَنْعُ مِنْ إجَارَةِ الْمَسْكُوكِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ فِي الْمَسْكُوكِ لَا يَتَأَتَّى هَذَا الْفَرْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ مُلَازَمَةُ الْمَالِكِ لَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا فَصَّلَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَنْ الْأَخِيرَتَيْنِ، فَقَالَ " كَمُسْتَأْجَرٍ " وَلَمْ يَعْطِفْهُمَا بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَنْصُوصٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَمَّا الْأَخِيرَتَانِ فَأَلْحَقَهُمَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِهِمَا كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْهَا.
ص (وَمَغْصُوبٍ إنْ صِيغَ)
ش: هَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلْمَغْصُوبِ فَقَطْ لَا لِمَا تَقَدَّمَ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ الْمَصُوغَ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الصَّرْفِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَسْكُوكًا جَازَ صَرْفُهُ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
(فَرْعٌ) وَفِي مَعْنَى الْمَسْكُوكِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْمَكْسُورِ وَالتِّبْرِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (إلَّا أَنْ يَذْهَبَ فَيَضْمَنَ قِيمَتَهُ فَكَالدَّيْنِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ صَرْفِ الْمَصُوغِ الْمَغْصُوبِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَإِنْ ذَهَبَ وَلَزِمَتْ الْغَاصِبَ قِيمَتُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الْقِيمَةِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا كَالدَّيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الْقِيمَةِ إذَا تَلِفَ الْحُلِيُّ الْمَصُوغُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ إذَا دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ صَارَ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ وَعَلَيْهِ فَتَصِحُّ الْمُصَارَفَةُ عَلَى وَزْنِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَكِنَّهُ تَعَيَّبَ تَعَيُّبًا يُوجِبُ لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ فِي أَخْذِهِ أَوْ تَضْمِينِهِ لِلْغَاصِبِ فَيُخَيَّرُ صَاحِبُهُ فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ جَازَ صَرْفُهُ إنْ أَحْضَرَهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْقِيمَةَ فَهِيَ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ فَتَجُوزُ مُصَارَفَتُهُ عَلَيْهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
[فَرْعٌ التَّصْدِيقُ فِي الصَّرْفِ الْأَوَّلِ]
ص (وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ) ش أَيْ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ بِتَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فِي وَزْنٍ أَوْ صِفَةٍ وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ أَيْ كَانَ ثِقَةً صَادِقًا جَازَ التَّصْدِيقُ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ يُكْرَهُ التَّصْدِيقُ وَحَكَى الْأَرْبَعَةَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّصْدِيقِ فِي الصَّرْفِ وَفِي مُبَادَلَةِ الطَّعَامَيْنِ فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ لِلِاخْتِلَافِ الْحَاصِلِ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّرْفِ، وَإِنْ وَجَدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ، وَنَصُّهُ: " وَلَا يَجُوزُ التَّصْدِيقُ فِي الصَّرْفِ الْأَوَّلِ وَلَا فِي بَدَلِ الطَّعَامَيْنِ قَالَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَارِفَهُ سِوَارَيْنِ عَلَى أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي وَزْنِهِمَا
وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَإِنْ افْتَرَقَا وَوَجَدَهُمَا كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُنْتَقَضَ فَلَوْ وَزَنَهُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَوَجَدَ نَقْصًا فَرَضِيَهُ أَوْ زِيَادَةً فَتَرَكَهَا الْآخَرُ فَذَلِكَ جَائِزٌ مُحَمَّدٌ قَالَ أَشْهَبُ فِي افْتِرَاقِهِمَا عَلَى التَّصْدِيقِ فَيَجِدُ زِيَادَةً أَوْ نَقْصًا فَتَرَكَ الْفَضْلَ مَنْ هُوَ لَهُ جَازَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ فَوَجَدَ فِيهَا رَدِيئَةً أَوْ دُونَ مَا قَالَ مِنْ الْوَزْنِ فَيَتْرُكُ ذَلِكَ وَلَا يَتْبَعُهُ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
ص (وَمُقْرَضٍ وَمَبِيعٍ لِأَجَلٍ وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ)
ش: وَانْظُرْ إذَا صَدَقَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ.
ص (وَبَيْعٍ وَصَرْفٍ)
ش: أَيْ وَحُرِّمَ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَصَرْفٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ وَقَعَ فَقِيلَ: هُوَ كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فَيُفْسَخُ وَلَوْ مَعَ الْفَوَاتِ وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَيُفْسَخُ مَعَ الْقِيَامِ لَا مَعَ الْفَوَاتِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ السَّلَفُ وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ أَضْيَقُ مِنْ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ أَوْ رَدَّهُ جَازَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَإِنْ تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ فِي السَّلَفِ وَالصَّرْفِ لَمْ يَجُزْ وَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ قَائِلٍ أَنْ يَمْضِيَ الصَّرْفُ إذَا رَضِيَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ بِتَرْكِهِ انْتَهَى.
مِنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ لَهُ عَلَى رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَدَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ نِصْفَ دِينَارٍ دَرَاهِمَ وَأَخَذَ مِنْهُ دِينَارًا قَبْلَ الْأَجَلِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مِمَّا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةُ أَوَّلِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ نِصْفُ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ فَدَفَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ نِصْفَ دِينَارٍ دَرَاهِمَ وَأَخَذَ مِنْهُ دِينَارًا قَبْلَ الْأَجَلِ: قَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَصَرْفٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ أَجَلِهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا قِيلَ: لَهُ فَإِنْ دَفَعَ لَهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي عَرْضًا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ نِصْفِ الدِّينَارِ سَلَفٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهُ بَيْعٌ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهُ صَرْفٌ وَإِنَّمَا أَجَازَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَحَقَّاهُ فِيهِ لِقِلَّتِهِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّاهُ فِي الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ أَضْيَقُ مِنْ الْبَيْعِ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
[التَّنْبِيه الثَّانِي لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْبَيْعِ عُقُودٌ سِتَّةٌ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْقَرَافِيِّ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْبَيْعِ عُقُودٌ سِتَّةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ جِصُّ مُشَنَّقٌ، فَالْجِيمُ لِلْجَعَالَةِ وَالصَّادُ لِلصَّرْفِ، وَالْمِيمُ لِلْمُسَاقَاةِ وَالشِّينُ لِلشَّرِكَةِ وَالنُّونُ لِلنِّكَاحِ، وَالْقَافُ لِلْقِرَاضِ لِتَضَادِّ أَحْكَامِهَا وَأَحْكَامِ الْبَيْعِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ، فَقَالَ عُقُودٌ مَنَعْنَاهَا مَعَ الْبَيْعِ سِتَّةٌ ... وَيَجْمَعُهَا فِي اللَّفْظِ جِصٌّ مُشَنَّقُ فَجَعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شَرِكَةٌ ... نِكَاحٌ قِرَاضٌ مَنْعُ هَذَا مُحَقَّقُ وَقَدْ نَظَمْتُ الْعُقُودَ الْمَذْكُورَةَ فِي بَيْتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ أُخْرَى فَقُلْت: نِكَاحٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شَرِكَةٌ ... قِرَاضٌ وَجُعْلٌ فَامْنَعْنَهَا مَعَ الْبَيْعِ كَذَا الْقَرْضُ فَامْنَعْ مَعَ عُقُودِكِ كُلِّهَا ... سِوَى عَقْدِ مَعْرُوفٍ يَكُونُ عَلَى الطَّوْعِ (قُلْتُ) : وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ صَرْفٌ وَبَيْعٌ فِي صَفْقَةٍ، وَلَا شَرِكَةٌ فِي نِكَاحٍ وَبَيْعٍ، وَلَا جَعْلٌ وَبَيْعٌ وَلَا قِرَاضٌ وَبَيْعٌ وَلَا مُسَاقَاةٌ وَبَيْعٌ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ بِالْمَنْعِ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ ذَكَرَ سِتَّةَ عُقُودٍ تُمْنَعُ مَعَ الْبَيْعِ وَكَذَلِكَ السَّلَفُ مَعَ الْبَيْعِ وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ، فَقَالَ تَجَنَّبْ عُقُودًا سَبْعَةً فَهِيَ كُلُّهَا ... مَدَى الدَّهْرِ عِنْدِي لَا تَجُوزُ مَعَ الْبَيْعِ نِكَاحٌ وَقَرْضٌ أَوْ قِرَاضٌ وَشَرِكَةٌ ... وَجَعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ فِي الْمَنْعِ
انْتَهَى.
وَذَكَرَهَا الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَبَيَّنَ وَجْهَ مُنَافَاةِ الْبَيْعِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ وَذَكَرَهَا مَنْظُومَةً فِي أَبْيَاتٍ خَمْسَةٍ وَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمَنْعَ هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ أَشْهَبَ يُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُغَارَسَةِ لَا تَجُوزُ مَعَ الْبَيْعِ، وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْجُعْلِ، وَقَالَ فِي الشَّرِكَةِ مَعَ الْبَيْعِ: وَهَذَا إذَا اسْتَقَلَّتْ الشَّرِكَةُ عَنْ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْبَيْعِ فَهِيَ جَائِزَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ سَحْنُونٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَفِي رَسْمِ نَقْدِهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى أَيْضًا مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْعُ الْبَيْعِ مَعَ الشَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْبَيْعِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ بِالطَّعَامَيْنِ وَبِالدَّنَانِيرِ مِنْ جَانِبٍ وَالدَّرَاهِمِ مِنْ آخَرَ وَزَادَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ السَّلَمَ وَالْإِقَالَةَ، وَقَالَ: جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ ﴿جِصّ نَقْش قس﴾ انْتَهَى، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَكَذَلِكَ مَا قَارَنَ السَّلَفَ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ حَصْرُهُ أَنْ تَقُولَ: كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهُ السَّلَفُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَاوَضَةٍ مَا قَارَنَ السَّلَفَ كَالصَّدَقَةِ نُظِرَتْ فَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ صَاحِبِ السَّلَفِ جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ أَسَلَفَهُ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَالسَّلَفُ لَا يَكُونُ إلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
وَقَوْلِي مَعَ عُقُودِي كُلِّهَا يَشْمَلُ الْقِرَاضَ وَالشَّرِكَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ مُقَارَنَتُهُمَا لِلسَّلَفِ إلَّا إنْ كَانَ النَّفْعُ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَسَلِّفِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَعُقُودِ الْمَعْرُوفِ كَمَا أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْجُزُولِيُّ فِي الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمَعْرُوفِ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ مَعَ الْخُلْعِ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَاجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ جَائِزٌ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي بَابِ الْإِجَارَةِ، وَالصَّرْفُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ فَيُمْنَعُ مَعَ الْعُقُودِ الَّتِي تُمْنَعُ مَعَ الْبَيْعِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ الصَّرْفُ مَعَ نِكَاحٍ وَلَا فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَيَدْفَعَ لَهَا دِينَارًا وَيَأْخُذَ مِنْهَا بِالنِّصْفِ الْبَاقِي دَرَاهِمَ وَلَا مَعَ الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ وَالشَّرِكَةِ وَالْجُعْلِ، بَلْ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الصَّرْفِ مَعَ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ مَعَ الْبَيْعِ، بَلْ وَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ ذَلِكَ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي لَا يَرَى أَنَّ قَبَضَ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْكِرَاءُ كَقَبْضِ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ وَمَا وَقَعَ فِي رَسْمِ: صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ إجَازَةِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ الَّذِي يَرَى أَنَّ قَبْضَ الشَّيْءِ الْمُكْتَرَى يُسْتَوْفَى مِنْهُ قَبْضُ جَمِيعِ الْكِرَاءِ انْتَهَى.
نَعَمْ إنْ عَقَدَ الْإِجَارَةَ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَاسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ، ثُمَّ دَفَعَ دِينَارًا وَأَخَذَ نِصْفَهُ فَالظَّاهِرُ عَلَى الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ لِشَخْصٍ نِصْفَ دِينَارٍ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَهُ وَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ لَجَازَ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْجَاعِلُ دِينَارًا وَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ دِينَارٍ فِضَّةً.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَصْلُحُ مَعَ الشَّرِكَةِ صَرْفٌ وَلَا قِرَاضٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهَا: قَالَ الْمَغْرِبِيُّ يَقُومُ مِنْ هُنَا أَنَّ السِّتَّةَ الَّتِي لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَمِثْلُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ انْتَهَى.
ص (أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ أَكْثَرَ أَوْ الصَّرْفُ أَكْثَرَ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ وَنِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْكُسُورِ وَدَفَعَ إلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بَقِيَّةَ الدِّينَارِ الْعَاشِرِ دَرَاهِمَ، وَالثَّانِي كَمَا لَوْ صَرَفَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ كُلَّ دِينَارٍ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِائَةً وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا وَيُعْطِيَهُ بِالْبَاقِي طَعَامًا أَوْ ثَوْبًا.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ السِّلْعَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الصَّرْفِ خِلَافًا لِلسُّيُورِيِّ فِي إبْقَاءِ كُلٍّ مِنْ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ عَلَى حُكْمِهِمَا حَالَ الِانْفِرَادِ فَأَوْجَبَ تَعْجِيلَ الصَّرْفِ
وَأَجَازَ تَأْخِيرَ السِّلْعَةِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ وُجُوبَ الْمُنَاجَزَةِ فِي سِلْعَةِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ كَنَقْدِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَقَدْ نَصَّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ السِّلْعَةِ الَّتِي مَعَ الصَّرْفِ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
[الفرع الثَّانِي وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ ثُمَّ وَجَدَ بِالسِّلْعَةِ أَوْ بِالدِّينَارِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ عَيْبًا وَقَامَ بِهِ وَاجِدُهُ]
(الثَّانِي) إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ، ثُمَّ وَجَدَ بِالسِّلْعَةِ أَوْ بِالدِّينَارِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ عَيْبًا وَقَامَ بِهِ وَاجِدُهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: اُنْتُقِضَ الْجَمِيعُ قَالَ سَنَدٌ وَاخْتَلَفَ عَنْهُ إذَا كَانَ الصَّرْفُ تَابِعَهَا، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فَتَنَاقَدَا، ثُمَّ وَجَدَ بِالدِّرْهَمِ عَيْبًا أَنَّ لَهُ بَدَلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الصَّرْفِ، قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ الْبَيْعَ وَكَانَ الصَّرْفُ تَبَعًا كَانَ حُكْمُهُ فِي الْبَدَلِ حُكْمَ الْبَيْعِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ، وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ حُكْمِ الصَّرْفِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ.
[الفرع الثَّالِثُ لَوْ انْعَقَدَتْ الصَّفْقَةُ بَيْنَهُمَا بَيْعًا مَحْضًا ثُمَّ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ الصَّرْفُ]
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فَلَوْ انْعَقَدَتْ الصَّفْقَةُ بَيْنَهُمَا بَيْعًا مَحْضًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ الصَّرْفُ كَمَا لَوْ ابْتَاعَ ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ دَفَعَ دِينَارًا أَوْ تَعَجَّلَ الثَّوْبَ وَنِصْفَ دِينَارٍ دَرَاهِمَ، ثُمَّ وَجَدَ بِالثَّوْبِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ عَيْبًا، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُنْتَقَضُ إلَّا صَرْفُ الدِّرْهَمِ، وَذَكَرَ الْقَبَّابُ فِي آخِرِ رَسْمِ الشِّرَاءِ بِبَعْضِ الْمُعَيَّنِ أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ قَيَّدَ كَلَامَ مَالِكٍ بِمَا ذَكَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ لَهُ، وَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ فَسْخَ الْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا يَبْعُدُ إبْقَاءُ جَوَابِ الْإِمَامِ عَلَى إطْلَاقِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ رَآهُ مِنْ بَابِ التُّهَمِ عَلَى الْقَصْدِ إلَى التَّأْخِيرِ، وَجَزَمَ الْقَبَّابُ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِيَسِيرٍ أَنَّ مَا كَانَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ خُصُوصًا إذَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرع الرَّابِعُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ]
(الرَّابِعُ) إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَقِيلَ هُوَ كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ يُفْسَخُ وَلَوْ مَعَ الْفَوَاتِ وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْبِيَاعَات الْمَكْرُوهَةِ فَيُفْسَخُ مَعَ الْقِيَامِ لَا مَعَ الْفَوَاتِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الشَّامِلِ مُصَدِّرًا بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَضَعَّفَ الْأَوَّلَ بِقِيلَ، وَفُرُوعُ الْبَابِ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَا مِنْهَا الضَّرُورِيَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسِلْعَةٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ) ش هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا مَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، وَالصَّرْفِ وَذَلِكَ قَالَ: إنَّهُمْ أَجَازُوا هُنَا أَنْ تَتَقَدَّمَ السِّلْعَةُ، وَيَتَأَخَّرَ النَّقْدَانِ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا فِي التَّوْضِيحِ فَإِنْ قُلْت لِمَ جَوَّزُوا هُنَا مَا لَمْ يُجَوِّزُوهُ فِي مَسْأَلَةِ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ سُؤَالٌ حَسَنٌ وَلَعَلَّهُمْ رَاعُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى الْيَسِيرِ وَالْمُتَبَايِعَانِ إنَّمَا بَنَيَا كَلَامَهُمَا أَوَّلًا عَلَى الْبَيْعِ فَكَانَ الصَّرْفُ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ فَإِنَّهُمَا لَمَّا أَتَيَا أَوَّلًا بِالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ عُلِمَ أَنَّهُمَا مَقْصُودَانِ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ: إلَّا دِرْهَمَيْنِ بَيَانٌ لِلْيَسِيرِ الَّذِي اُغْتُفِرَ مَعَهُ تَأْجِيلُ النَّقْدَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلْو كَانَ الْمُسْتَثْنَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا مَعَ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، بَلْ قَالَ فِيهَا إنَّهُ اسْتَثْقَلَ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، وَنَصُّهَا: " وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا إنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ نَقْدًا فَإِنْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ أَوْ الدِّرْهَمُ أَوْ السِّلْعَةُ وَتَنَاقَدَا الْبَاقِيَ لَمْ يَجُزْ "، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ نَقْدًا وَالسِّلْعَةُ مُؤَخَّرَةً فَجَائِزٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ وَعُجِّلَتْ السِّلْعَةُ فَجَائِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ كَانَتْ بِدِينَارٍ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ أُحِبَّ ذَلِكَ إلَّا نَقْدًا، وَجَعَلَ رَبِيعَةُ الثَّلَاثَةَ كَالدِّرْهَمَيْنِ وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ إلَّا زَحْفًا فَأَمَّا الدِّينَارُ إلَّا خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةً فَيَجُوزُ هَذَا نَقْدًا وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِلْغَرَرِ فِيمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ
مِنْ الدِّينَارِ عِنْدَ الْأَجَلِ فِي حَالِ الصَّرْفِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: لَمْ أُحِبَّ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا خَيْرَ فِيهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ التَّأْخِيرِ حَرَامٌ وَقَوْلُهُ: إلَّا زَحْفًا، أَيْ اسْتِثْقَالًا وَكَرَاهَةً، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي التَّأْخِيرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ بِالْغَرَرِ (الثَّانِي) لَوْ تَعَدَّدَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ عَلَى حَالِهَا، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدِينَارَيْنِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ فَالْحُكْمُ، كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ تَأَجَّلَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدِّرْهَمَانِ جَازَ وَأَمَّا لَوْ تَعَجَّلَ دِينَارًا أَوْ دِينَارَيْنِ وَتَأَخَّرَ دِينَارٌ مَعَ الدِّرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ابْتَعْتَ سِلْعَةً بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَنَقَدْتُهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَتَأَخَّرَ الدِّينَارُ الْبَاقِي وَالدِّرْهَمُ أَوْ نَقَدْتُهُ وَأَخَذْت الدِّرْهَمَ، وَأَخَّرْت الْأَرْبَعَةَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إذْ لِلدِّرْهَمِ فِي كُلِّ دِينَارٍ حِصَّةٌ
ص (أَوْ السِّلْعَةُ)
ش: هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ قَوْلِ أَشْهَبَ فِيهَا وَأَطْلَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَنْعَ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قِيلَ: وَالْمَشْهُورُ فِيمَا إذَا تَأَجَّلَتْ السِّلْعَةُ وَقَيَّدَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ بِمَا عَدَا التَّأْخِيرَ الْيَسِيرَ قَالَ: أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ الثَّوْبُ بِمِثْلِ خِيَاطَتِهِ أَوْ يَبْعَثَ فِي أَخْذِهِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
ص (بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِمَا)
ش: تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) اُخْتُلِفَ فِيمَا يُقْضَى بِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِيهَا وَيُقْضَى بِمَا سَمَّيَا وَقِيلَ: بِدَرَاهِمَ وَيَتَقَاصَّانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَحَكَى عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَائِعَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ أَوْ الدِّرْهَمَيْنِ وَيَأْخُذُ الدِّينَارَ، وَلَيْسَ مَا نَسَبَهُ لِلْمُدَوَّنَةِ صَرِيحًا فِيهَا، بَلْ هُوَ ظَاهِرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهَا عَلَى مَعْنَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ إنَّمَا يَأْخُذُ صَرْفَ دِينَارٍ يَنْقُصُ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ مَنْقُودَيْنِ فَالْمَشْهُورُ دَفْعُ الْبَائِعِ الدِّرْهَمَ مَعَ الثَّوْبِ، وَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ فَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
(الثَّانِي) لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ أَجَلِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ.
(الثَّالِثُ) إذَا وُجِدَ فِي الدِّرْهَمَيْنِ عَيْبٌ فَهَلْ يَجُوزُ الْبَدَلُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّفْقَةِ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَنَقَلَهُمَا اللَّخْمِيّ وَابْنُ عَرَفَةَ قَدَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ إجَازَةَ الْبَدَلِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مِيلٌ لِتَرْجِيحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إنْ قِيلَ إذَا مُنِعَتْ الْمَسْأَلَةُ مَعَ تَأْجِيلِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مَعَ تَأْجِيلهِمَا مِنْ بَابِ أَوْلَى فَالْجَوَابُ أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالتَّقْدِيمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ عِنْدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَإِذَا تَقَدَّمَتْ السِّلْعَةُ وَتَأَخَّرَ النَّقْدَانِ دَلَّ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ مَقْصُودٌ، وَلَمْ يَحْصُلْ شَرْطُهُ، وَهُوَ الْمُنَاجَزَةُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا ابْتَعْتَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الذَّهَبِ وَتَدْفَعُ إلَيْهِ مَا تَرَاضَيْتُمَا فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا قُضِيَ عَلَيْكَ فِي جُزْءِ الدِّينَارِ بِدَرَاهِمَ بِصَرْفِ يَوْمِ الْقَضَاءِ لَا يَوْمِ التَّبَايُعِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا بَاعَ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ أَوْ بِدِينَارٍ فَوَهَبَ لَهُ نِصْفَهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْغَرِيمِ فِيهِ إلَّا بِدَرَاهِمَ بِصَرْفِ يَوْمِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغَرِيمُ أَنْ يَأْتِيَ بِدِينَارٍ فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ فَلَا يَكُونُ لِلطَّالِبِ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الدَّرَاهِمِ مِنْ حَقِّ الْغَرِيمِ لَا عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَلَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى بَاعَهُ سِلْعَةً أُخْرَى بِنِصْفِ دِينَارٍ لَحُكِمَ لِلطَّالِبِ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ، قَالَهُ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا، كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَضَى لِمَنْ وَجَبَ لَهُ نِصْفُ دِينَارٍ يَصْرِفُهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الدِّينَارَ الْقَائِمَ لَا يَنْقَسِمُ فَإِذَا وَجَبَ لَهُ نِصْفَانِ أَعْطَاهُ دِينَارًا قَائِمًا، كَمَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ عَلَيْهِ لِيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَأَتَاهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ لَجُبِرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَيُتْبِعَهُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ
أَنَا أُؤَخِّرُهُ حَتَّى يُوسِرَ فَيُعْطِيَ دِينَارًا وَلَوْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ قَائِمٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَائِمًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ، وَقَالَ: أَنَا أُنْظِرُهُ حَتَّى يُوسِرَ فَآخُذَ مِنْهُ دِينَارًا لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ دِينَارَانِ فَأَتَاهُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى.
(قُلْت) وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَجَاءَهُ بِنِصْفِهِ دَرَاهِمَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِرِضَاهُ أَنْ يُصَارِفَهُ عَلَى الدِّينَارِ بِدَرَاهِمَ يَأْتِيهِ بِهَا مُفَرَّقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ يُصَارِفُهُ بِمَا جَاءَ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الدِّينَارِ.
ص (كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ إلَى آخِرِهِ) ش: يَعْنِي إذَا تَعَدَّدَتْ السِّلْعَةُ وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِائَةَ ثَوْبٍ كُلَّ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْمُقَاصَّةِ أَوْ لَا فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْمُقَاصَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا اجْتَمَعَ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمُسْتَثْنَاةِ قَدْرُ صَرْفِ دِينَارٍ أَسْقَطَاهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَيَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ صَرْفَ الدِّينَارِ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ لَا يَفْضُلَ مِنْ الدَّرَاهِمِ شَيْءٌ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ حِينَئِذٍ إنَّمَا وَقَعَ بِالدِّينَارِ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَثْوَابٍ كُلَّ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ عَلَى الْمُقَاصَّةِ وَعَلَى أَنَّ صَرْفَ الدِّينَارِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ ثَمَنُ الْأَثْوَابِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ، وَإِنْ فَضُلَ بَعْدَ الْمُقَاصَّةِ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ فَيَجُوزُ أَيْضًا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ إذَا تَأَخَّرَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ أَوْ الدِّرْهَمَانِ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ كَمَسْأَلَةِ سِلْعَةٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدَ عَشَرَ ثَوْبًا كُلَّ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ عَلَى الْمُقَاصَّةِ وَعَلَى أَنَّ صَرْفَ الدِّينَارِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ ثَمَنُ الْأَثْوَابِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، وَإِنْ فَضَلَ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمَيْنِ فَيَجُوزُ إنْ كَانَ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إنْ كَانَ لِأَجَلٍ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَيْ عَشَرَ ثَوْبًا عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ حِينَئِذٍ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا إلَّا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " بِالْمُقَاصَّةِ " أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَشْتَرِطَا الْمُقَاصَّةَ لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ يُرْجَعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ دِرْهَمَيْنِ نَقْدًا كَانَ أَوْ إلَى أَجَلٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الْمُسْتَثْنَاةُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ وَهِيَ دُونَ صَرْفِ دِينَارٍ فَيَجُوزُ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَرْفِ دِينَارٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ مَنْعِ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَلَا تَقَعُ الْمُحَاسَبَةُ بَعْدَ الْبَيْعِ إذَا لَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ هَذَا تَحْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَصَائِغٍ يُعْطَى الزِّنَةَ وَالْأُجْرَةَ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّخْصُ مِنْ الصَّائِغِ فِضَّةً بِوَزْنِهَا فِضَّةً وَيَدْفَعَهَا لَهُ يَصُوغُهَا وَيَزِيدُهُ الْأُجْرَةَ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَاطِلَ الشَّيْءَ الْمَصُوغَ بِفِضَّةٍ وَيَزِيدَهُ الْإِجَارَةَ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَاطِلَهُ الْفِضَّةَ، ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ صَوْغَهَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا وَيَبْعُدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ) وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ الصَّائِغِ فِضَّةً بِذَهَبٍ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَصُوغَهَا لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ