مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 275-314
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 275-314
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي الْمُقَدِّمَاتِ لِمُطَرِّفٍ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ رِوَايَةً لِمُطَرِّفٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ قَوْلًا لَهُ وَرِوَايَةً وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ عَزَاهُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ وَإِلَّا فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَيَحْلِفُ مَعَهُمْ الْمُتَّهَمُ وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ وَعَلَيْهِ دَرَجَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّوْضِيحِ (قُلْت) كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَنَصُّهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَحْدَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ وُلَاتِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي رَسْمِ أَوَّلِ عَبْدٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْقِصَاصُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ النُّكُولِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَحْلِفُ وَلِلْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ النَّظَرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الدِّيَةُ تَقَعُ فِيهَا الْحَمِيَّةُ وَالْعَصَبِيَّةُ صَارَتْ عُصْبَةُ الْمَقْتُولِ هُمْ الطَّالِبُونَ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِحَقِّ التَّعْصِيبِ لَا بِحَقِّ الْوِرَاثَةِ انْتَهَى.
فَقَدْ اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ) ش: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ.
أَمَّا مَسْأَلَةُ الْجُرْحِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ لَكِنْ مَنْ أَقَامَ

شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَإِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ فَقَالَ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَشَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.
هَذَا لَفْظُهَا عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ نَكَلَ مَنْ قَامَ بِالشَّاهِدِ حَلَفَ الْجَارِحُ فَإِنْ نَكَلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ مُسْلِمٌ يَحْلِفُ وُلَاتُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا هَذَا لَفْظُهَا أَيْضًا بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَانْظُرْ هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وُلَاتِهِ يَمِينًا أَوْ تُجْزِئُهُمْ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وُلَاتِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ يَحْلِفُ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ قِيمَةَ عَبْدِهِ سَوَاءً كَانَ قَاتِلُهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا.

[فَرْعٌ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ]

(فَرْعٌ) فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ حَلَفَ مَعَهُ وَخُيِّرَ سَيِّدُ الْقَاتِلِ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ أَوْ يُسْلِمَ عَبْدَهُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَانْظُرْ هَلْ يُضْرَبُ الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجَنِينِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ.
وَفِيهَا إنْ ضُرِبَتْ امْرَأَةٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ كَأَنَّهُ جُرْحٌ مِنْ جِرَاحِهَا وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدِ عَدْلٍ فَتَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ.
الصَّقَلِّيُّ يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَفِيهَا إنْ قَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ انْتَهَى.
بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ مَوْتُهَا وَخُرُوجُ الْوَلَدِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَحْلِفُونَ مَعَهُ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْغُرَّةَ وَإِنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا فَفِيهِ الْقَسَامَةُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَوِثَ وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَوْثًا فِي حَقِّ وَلَدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي) ش لَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَلَيْسَتْ بِمُعَارَضَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابٌ الْبَاغِيَةُ]

ص (بَابٌ الْبَاغِيَةُ فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِمَنْعِ حَقٍّ أَوْ لِخَلْعِهِ) ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقَتْلِ وَالْجُرْحِ اللَّذَيْنِ يَكُونُ عَنْهُمَا إذْهَابُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّينَ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْجِنَايَاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَفْكَ الدِّمَاءِ أَوْ مَا

دُونَهُ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالْجِنَايَةِ هُوَ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَضُرُّ حَالًا أَوْ مَالًا.
وَالْجِنَايَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَاتِ سَبْعٌ: الْبَغْيُ وَالرِّدَّةُ وَالزِّنَا وَالْقَذْفُ وَالسَّرِقَةُ وَالْحِرَابَةُ وَالشُّرْبُ.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْبَغْيِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا مَفْسَدَةً إذْ فِيهِ إذْهَابُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ غَالِبًا فَقَالَ: بَابٌ.
أَيْ هَذَا بَابٌ أَذْكُرُ

فِيهِ أَحْكَامَ الْبَغْيِ وَالْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ التَّعَدِّي وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: إنَّ مَادَّةَ (ب غ ي) لِلطَّلَبِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ مَقْصُورٌ عَلَى طَلَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ ابْتِغَاءُ مَا لَا يَنْبَغِي ابْتِغَاؤُهُ انْتَهَى.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَغْيُ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ وَلَوْ تَأَوَّلَا انْتَهَى.
وَعَرَّفَهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ الْبَاغِيَةُ أَيْ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ هِيَ فِرْقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَالَفَتْ الْإِمَامَ لِشَيْئَيْنِ إمَّا لِمَنْعِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ زَكَاةٍ أَوْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لِدُخُولٍ فِي طَاعَتِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ أَوْ خَالَفَتْهُ لِخَلْعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ هُنَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَخَرَجَ.
الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى بَغْيًا اهـ. يُرِيدُ أَوْ نَائِبُهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَتْ لَا لِمَنْعِ حَقٍّ بَلْ لِمَنْعِ ظُلْمٍ كَأَمْرِهِ بِمَعْصِيَةٍ لَيْسَتْ بِبَاغِيَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَزَادَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ كَوْنُ الْخُرُوجِ مُغَالَبَةً وَلَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَفْظَةُ مُغَالَبَةً كَالْفَصْلِ أَوْ كَالْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَصَى الْإِمَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ لَا يَكُونُ مِنْ الْبُغَاةِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ وَإِخْرَاجُ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَغْيًا اهـ. وَكَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْمُغَالَبَةِ الْمُقَاتَلَةِ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ لَا يَكُونُ بَاغِيًا.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ وَسُنَّتِهِمْ أَنَّهُ مَكَثَ أَشْهُرًا لَمْ يُبَايِعْ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ وَلِابْنِ عَرَفَةَ فِي آخِرِ الْجِهَادِ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ وَقَتْلِ الْخَوَارِجِ وَكَذَا لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي الْجِهَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْبَيْعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَيْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبَايِعَ لِلْإِمَامِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِيَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَكَأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِالْجَنَّةِ فَكَأَنَّهُ حَصَلَتْ مُعَاوَضَةٌ، ثُمَّ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»

غَيْرَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالشُّهْرَةِ فَبَيْعَتُهُ بِالْقَوْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَبِالْقَوْلِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَيَكْفِي مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَعْتَقِدَ دُخُولَهُ تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَيَسْمَعَ وَيُطِيعَ لَهُ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ وَلَا يَعْتَقِدَ خِلَافًا لِذَلِكَ فَإِنْ أَضْمَرَهُ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةً انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ الْوَرَقَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَيَعْنِي بِهِ مَا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّاعَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبُ إلَيْهَا وَالْأُمُورُ الْجَائِزَةُ شَرْعًا فَلَوْ أَمَرَ بِجَائِزٍ صَارَتْ طَاعَتُهُ فِيهِ وَاجِبَةً وَلَمَا حَلَّتْ مُخَالَفَتُهُ فَلَوْ أَمَرَ بِمَا زَجَرَ الشَّرْعُ عَنْهُ زَجْرَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَهَذَا مُشْكِلٌ.
وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْمُخَالَفَةِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَتِلَ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
ص (وَكُرِهَ لِرَجُلٍ قَتْلُ أَبِيهِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرَوَى جَوَازَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذَا الْخِلَافُ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَتَعَدَّاهُ إلَى الْجَدِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ اخْتِلَافُ الطُّرْطُوشِيِّ وَعِيَاضٍ فِي الْجَدِّ هَلْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فِي وُجُوبِ الْبِرِّ انْتَهَى.

[بَابٌ الرِّدَّةُ]

ص (بَابٌ الرِّدَّةُ كُفْرُ الْمُسْلِمِ) ش: نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْكَبَائِرِ وَأَنْ يَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ.
مِمَّا إذَا انْتَقَلَ الْكَافِرُ مِنْ دِينِهِ إلَى دِينٍ آخَرَ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ.
قَالَهُ الشَّارِحُ وَأَظُنُّهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ اهـ (قُلْت) وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِي يَتَزَنْدَقُ فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْتَلُ لِأَنَّهُ دِينٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ.
ص (وَسِحْرٌ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ السِّحْرَ رِدَّةٌ وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ السَّاحِرُ إذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ فِيهِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إلَّا أَنْ يَجِيءَ

تَائِبًا بِنَفْسِهِ.
اُنْظُرْ ابْنَ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحَ.
ص (وَقَوْلٌ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ) ش: قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ وَلِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِيهِمْ قَوْلَانِ يُوهِمُ أَنَّ فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بِبَقَائِهِ خِلَافًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ) ش: تَقَدَّمَ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الشِّفَاءِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِصَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ وَعَلَيْهِ فَالْحَدُّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ هَذَا النَّوْعِ مِنْهُ، غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّكِّ فِي ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ وَأَمَّا الشَّكُّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ ظَاهِرًا إلَّا بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ اعْتِقَادَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهِ كُفْرٌ وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْكُفْرِ إلَّا بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِمَا يَقْتَضِيه فَتَأَمَّلْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص. (أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ) ش: أَيْ انْتِقَالِهَا فِي الْأَشْخَاصِ الْآدَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ تَعْذِيبَهَا وَتَنْعِيمَهَا بِحَسَبِ زَكَاتِهَا وَخُبْثِهَا، فَإِذَا كَانَتْ النَّفْسُ شِرِّيرَةً أُخْرِجَتْ مِنْ قَالِبِهَا الَّتِي هِيَ فِيهِ وَأُلْبِسَتْ قَالِبًا يُنَاسِبُ شَرَّهَا مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَتْ جَزَاءَ شَرِّهَا بَقِيَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالِبِ تَنْتَقِلُ مِنْ فَرْدٍ إلَى فَرْدٍ وَإِنْ لَمْ تَأْخُذْ انْقَلَبَتْ إلَى قَالِبٍ أَشَرَّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ جَزَاءَ الشَّرِّ وَفِي الْخَيْرِ تَنْتَقِلُ إلَى أَعْلَى وَلِذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ - نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ.
فَأَدَّى اعْتِقَادُ التَّنَاسُخِ إلَى إنْكَارِ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ) ش:

[فَرْعٌ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَا نَصُّهُ كَلَامُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ يَصِحُّ.
وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الطُّلَّابِ مِنْ شُيُوخِ زَمَانِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: الْيَوْمُ كَلَّمَتْنِي الْمَلَائِكَةُ.
يُسْتَتَابُ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ مَنْ زَعَمَهُ فَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّلَاحِ تُجُوِّزَ عَنْهُ، وَإِلَّا زُجِرَ عَنْ قَوْلِ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَتَّفِقُ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ: قِيلَ لِي وَخُوطِبْت وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يُشَدِّدُ الْقَوْلَ فِيهِ وَفِي إنْكَارِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَهُ اهـ.

وَفِي الشِّفَاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى مُجَالَسَةَ اللَّهِ وَالْعُرُوجَ إلَيْهِ وَمُكَالَمَتَهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ

إذَا قَالَ وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَا اللَّهُ عُزِّرَ التَّعْزِيرَ الشَّرْعِيَّ وَهَذَا لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ إذْ الْأَوْلِيَاءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِالتَّعْزِيرِ الشَّرْعِيِّ هَلْ هُوَ الِاسْتِتَابَةُ أَوْ غَيْرُهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الِاسْتِتَابَةُ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ دَعْوَى الْأُلُوهِيَّةِ أَوْ حُلُولُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ تَأْخِيرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَاجِبٌ هَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوَسُّطِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ لَهُ الْإِمْهَالَ؟ ، لَعَلَّهُ إنَّمَا ارْتَدَّ لِرَيْبٍ فَيُتَرَبَّصُ بِهِ مُدَّةً لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ وَالْجَهْلَ بِالْعِلْمِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ أَوَّلًا اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَعَرْضُ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا يَكُونُ فِيهِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ انْتَهَى.
وَانْظُرْ نَوَازِلَ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ.
ص (فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) ش: فَإِنْ تَابَ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَالذَّخِيرَةِ وَأَصْلُهُ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَفِي أَوَاخِرِ

الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ (مَسْأَلَةٌ) وَفِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ ثُمَّ اتَدَّ ثُمَّ تَابَ لَمْ يُعَزَّرْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَيَجُوزُ أَنْ يُعَزَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَسْت أَعْرِفُهُ مَنْصُوصًا وَلَكِنْ يَجُوزُ عِنْدِي وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُولَى وَغَيْرِهَا أَنَّهُ فِي الْأُولَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ بِسَبَبِ زَوَالِهَا فَإِذَا عَاوَدَ الرِّدَّةَ بَعْدَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ تَابَ ضُرِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شُبْهَةٌ وَلَا يُزَادُ عَلَى التَّعْزِيرِ وَلَا يُحْبَسُ وَلَا يُقْتَلُ انْتَهَى

[تَنْبِيه مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ]

(تَنْبِيهٌ) صَرَّحَ فِي الشِّفَاءِ بِأَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنَّهُ إنْ تَابَ نُكِّلَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِسَبَبِ كَلَامٍ سَاقِطٍ فِي حَقِّ الْبَارِي أَوْ سَبٍّ لَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَقَالَهُ فِي الشِّفَاءِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمَالُهُ لِوَارِثِهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ لِوَارِثِهِ وَهَذَا إذَا تَابَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ فَلَا قَالَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَانْظُرْ أَوَاخِرَ الشِّفَاءِ وَابْنَ عَرَفَةَ.

ص (وَأَسْقَطَتْ صَلَاةً وَصِيَامًا إلَى قَوْلِهِ وَإِحْصَانًا) ش أَيْ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ صَلَاةً وَصِيَامًا وَزَكَاةً أَيْ أَبْطَلَتْ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالزَّكَاةَ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِالْمُرْتَدِّ مِنْ حِينِ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِهِ إلَى حِينِ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فَالْإِسْقَاطُ بِمَعْنَى إبْطَالِ ثَوَابِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ

يَفْعَلْ ذَلِكَ فَالْإِسْقَاطُ بِمَعْنَى إبْطَالِ تَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ.
وَسَوَاءٌ وَجَبَ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ أَدْرَكَهُ وَقْتَ وُجُوبِهِ وَهُوَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ (فَرْعٌ) فَلَوْ صَلَّى صَلَاةً ثُمَّ ارْتَدَّ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ وَوَقْتُهَا بَاقٍ بِحَيْثُ يُدْرِكُ مِنْهَا رَكْعَةً لَزِمَتْهُ.
نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ.

وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ حَجًّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُرْتَدِّ فِي حَالِ إسْلَامِهِ وَالْإِسْقَاطُ هُنَا بِمَعْنَى إبْطَالِ ثَوَابِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِخِطَابِ مُبْتَدَأٍ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ لِلْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ.

[فَرْعٌ ارْتَدَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ]

(فَرْعٌ) فَلَوْ ارْتَدَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ بَطَلَ إحْرَامُهُ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا أَوْ قَدْ كَانَ حَجَّ الْفَرْضَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِئْنَافِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَبْلَ رِدَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَسَقَطَ مِنْ ذِمَّتِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ نَذْرًا نَذَرَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ أَوْ فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ عَنْ الْمُرْتَدِّ أَيْمَانًا بِاَللَّهِ حَلَفَهَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ أَوْ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ يَمِينًا بِعِتْقٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ بِعِتْقِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَلْزَمُهُ تَدْبِيرُهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَظْهَرُ لِي أَنَّ تَدْبِيرَهُ كَعِتْقِهِ وَطَلَاقِهِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ أَيْمَانِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَلْزَمُهُ تَدْبِيرُهُ إذَا أَسْلَمَ وَلَا يَلْزَمُهُ يَمِينُهُ وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَكَانَ ابْنُ يُونُسَ يَقُولُ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ بِعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى يُشِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ وَنَصُّهُ: اخْتَلَفُوا فِي يَمِينِهِ بِالْعِتْقِ الَّتِي أَسْقَطَهَا هَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ؟ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيَلْزَمُ كَالْمُدَبَّرِ وَقِيلَ الْمُعَيَّنُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ اهـ. أَوْ يَمِينًا بِظِهَارٍ وَكَذَا الظِّهَارُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ يَتَحَصَّلُ فِي الظِّهَارِ الْمُجَرَّدِ وَالْيَمِينِ بِالظِّهَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْيَمِين بِالظِّهَارِ فَأَحْرَى فِي الْمُجَرَّدِ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْقُطُ فِيهِمَا وَهُوَ الَّذِي حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَالثَّالِثُ يَلْزَمُ فِي الْمُجَرَّدِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الْيَمِينِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِذَا حَنِثَ فِي الظِّهَارِ الْمُجَرَّدِ بِالْوَطْءِ وَتَخَلَّدَتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ أَيْ فَيَسْقُطُ وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي الظِّهَارِ هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيمِ فَيُشْبِهُ الطَّلَاقَ أَوْ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِالطَّلَاقِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَيْسَ الظِّهَارُ كَالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الطَّلَاقِ مُوَجَّهٌ إلَى الزَّوْجَيْنِ وَفِي الظِّهَارِ يَتَوَجَّهُ إلَى الزَّوْجِ خَاصَّةً اهـ فَتَأَمَّلْهُ

وَظَاهِرُ الْأُمِّ أَنَّ الظِّهَارَ الْمُجَرَّدَ يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ وَنَصُّهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْمُرْتَدُّ إذَا ارْتَدَّ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِالْعِتْقِ وَعَلَيْهِ ظِهَارٌ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِاَللَّهِ قَدْ حَلَفَ بِهَا أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ اهـ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا أَيْمَانُهُ بِالطَّلَاقِ فَلَمْ يَنُصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا السُّقُوطُ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا وَإِذَا ارْتَدَّ وَعَلَيْهِ أَيْمَانٌ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ أَوْ ظِهَارٍ فَالرِّدَّةُ تُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا تَطْرَحُ رِدَّتُهُ إحْصَانَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا أَيْمَانَهُ بِالطَّلَاقِ انْتَهَى.

. وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ إحْصَانًا تَقَدَّمَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي حَالِ إسْلَامِهِمَا فَمَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمَا زَالَ إحْصَانُهُ وَلَا يَزُولُ إحْصَانُ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ: وَالرِّدَّةُ تُزِيلُ إحْصَانَ الْمُرْتَدِّ مِنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ وَبِانْتِفَاءِ الْإِحْصَانِ إذَا أُحْصِنَا وَمَنْ زَنَى مِنْهُمَا بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ تَزَوُّجِهِ لَمْ يُرْجَمْ اهـ. (فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي حَاشِيَتِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ ارْتَدَّ قَاصِدًا لِإِزَالَةِ الْإِحْصَانِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَزَنَى فَإِنَّهُ يُرْجَمُ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِحْصَانِ الْآنَ أَوْ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَلَكِنْ يُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ لِيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَنَصَّهُ سَحْنُونٌ وَلَا تُسْقِطُ الرِّدَّةُ حَدَّ الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا يَشَاءُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يَسْقُطَ بِالرِّدَّةِ إلَّا أَسْقَطَهُ بِالرِّدَّةِ ابْنُ يُونُسَ وَظَاهِرُ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا ارْتَدَّ لِيَسْقُطَ الْحَدُّ قَاصِدًا لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَإِنْ ارْتَدَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ انْتَهَى.

ص (وَوَصِيَّةٌ) ش: أَيْ وَأَسْقَطَتْ الرِّدَّةُ وَصِيَّةً صَدَرَتْ مِنْ الْمُرْتَدِّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ تَدْبِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَمْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ بَلْ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَتَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَمَا أَعْتَقَهُ أَوْ أَعْطَاهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَانْظُرْ مَا حُكْمُ وَقْفِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (لَا طَلَاقًا) ش: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ (صَلَاةً) وَيُرِيدُ إذَا أَوْقَعَ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُسْقِطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الطَّلَاقِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَمَا طَلَّقَ فِي ارْتِدَادِهِ أَوْ أَعْتَقَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَمَا طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
فَلَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ نَعَمْ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّا جَمِيعًا عَنْ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَسْلَمَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الشَّامِلِ.
ص (إلَّا الْمُرَاهِقَ وَالْمَتْرُوكَ لَهَا)

ش: اُنْظُرْ النِّكَاحَ الثَّالِثَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.

ص (وَإِنْ سَبَّ نَبِيًّا إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُسْتَتَبْ حُدَّ) ش: قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ سَوَاءٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ حُرًّا يَعْنِي بِهِ أَنَّ السَّبَّ لَيْسَ بِرِدَّةٍ قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَعَ إنْكَارِهِ لِمَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ مَعَ إظْهَارِهِ التَّوْبَةَ وَالْإِقْلَاعَ عَنْهُ.
قَالَ: وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَبَّهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَبُّهُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا كَتَكْذِيبِهِ أَوْ تَكْفِيرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ وَاعْتَرَفَ بِمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَصَمَّمَ فَهَذَا كَافِرٌ بِقَوْلِهِ.
وَبِاسْتِحْلَالِهِ هَتْكَ حُرْمَةِ اللَّهِ وَحُرْمَةِ نَبِيِّهِ قُتِلَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ.
انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ لَمَّا قُرِّرَ أَنَّ مِيرَاثَ السَّابِّ لِوَرَثَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ أَنْكَرَ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ اعْتَرَفَ بِهِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ قَالَ وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَتَمَادَى عَلَى السَّبِّ كَانَ كَافِرًا وَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُكَفَّنُ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَيُوَارَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْكُفَّارِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي آخِرِ النِّكَاحِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ (سُئِلَ) ابْنُ عَرَفَةَ عَمَّنْ وَقَعَ فِي الْجَنَابِ الْعَلِيِّ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ حَتَّى ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ هَلْ يَسْقُطُ قَتْلُهُ؟ فَقَالَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَسْقُطُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْقَذْفَ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ لَذَكَرَهُ.
قَالَ الْمَشَذَّالِيّ (قُلْتُ) قَالَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُتِلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِ بِالْكَافِرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْقُطُ وَذَكَرَ بَعْدَهُ هَلْ الْحَقُّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ؟ فَهَذَا مَنَاطُ الْحُكْمِ انْتَهَى.

[مَسْأَلَة سَبَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ احْتِرَامِ الصَّحَابَةِ وَتَحْرِيمِ سَبِّهِمْ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ كَانُوا عَلَى

كُفْرٍ وَضَلَالٍ كَافِرٌ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الشَّرْعِ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَنْ كَفَّرَ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ ضَلَّلَهُمْ.
وَهَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ فَيُسْتَتَابُ؟ أَوْ الزِّنْدِيقِ فَلَا يُسْتَتَابُ وَيُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ هَذَا مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ فَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ سَبًّا يُوجِبُ حَدًّا كَالْقَذْفِ حُدَّ حَدَّهُ ثُمَّ يُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّخْلِيدِ فِيهِ وَالْإِهَانَةِ مَا خَلَا عَائِشَةَ فَإِنَّ قَاذِفَهَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ بَرَاءَتِهَا.
قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ يُقْتَلُ قَاذِفُهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَذًى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ يُحَدُّ وَيُنَكَّلُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْجَلْدَ الْمُوجِعَ وَيُنَكَّلُ التَّنْكِيلَ الشَّدِيدَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يَمُوتَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى السَّبِّ بِالْقَذْفِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي عَائِشَةَ قُتِلَ لِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَكُفْرِهِ بِذَلِكَ وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُحَدُّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُعَاقَبُ لِغَيْرِهِ وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَأَنَّ هَذَا الْتَفَتَ إلَى أَذَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيًّا وَمَيِّتًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ أَيْضًا: وَسَبُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَنَقُّصُهُمْ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَقَدْ [لَعَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعِلَ ذَلِكَ] وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ آذَاهُ وَآذَى اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَعَبْدُ الْمَلِكِ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ إنَّمَا فِيهِ الِاجْتِهَادُ بِقَدْرِ قَوْلِهِ وَالْمَقُولُ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِيهِمْ إنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ فَيُقْتَلُ وَحُكِيَ عَنْ سَحْنُونٍ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ قَالَهُ فِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ وَيُنَكَّلُ فِي غَيْرِهِمْ وَحُكِيَ عَنْهُ يُقْتَلُ فِي الْجَمِيعِ كَقَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ قَالَ فِي أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَانْظُرْ الشِّفَاءَ وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى فِيمَنْ كَفَّرَ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ.

[مَسْأَلَة رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيّ فِي النَّارِ]

مَسْأَلَةٌ.
قَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ فِي مَسَالِكِ الْحُنَفَا فِي وَالِدَيْ الْمُصْطَفَى قَالَ نَقَلْت مِنْ مَجْمُوعٍ بِخَطِّ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ الشِّيمِيِّ وَالِدِ شَيْخِنَا الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مَا نَصُّهُ سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ إنَّ أَبَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّارِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَلْعُونٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57] قَالَ وَلَا أَذَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فِي أَبِيهِ أَنَّهُ فِي النَّارِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(غَرِيبَةٌ) ذَكَرَهَا صَاحِبُ كَنْزِ الرَّاغِبِينَ الْعُفَاةِ فِي الرَّمْزِ إلَى الْمَوْلِدِ وَالْوَفَاةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمُصَنِّفِ قَالَ: ذَكَرَ صَاحِبُنَا الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْمُلَقَّبُ بِالرَّائِقِ خَطِيبُ مَدِينَةِ بَيْرُوتَ وَإِمَامُهَا عَنْ السَّيِّدِ عُمَرَ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَهْلِ بَيْرُوتَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَافِضٍ مِنْ أَهْلِ جَبَلِ عَامِلَةَ فَقَالَ لَهُ الرَّافِضِيُّ: نَحْنُ نَبْغَضُ أَبَا بَكْرٍ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْخِلَافَةِ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ جِبْرِيلَ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالرِّسَالَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى عَلِيٍّ وَنَبْغَضُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ فِي النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُقَدِّمْ عَلِيًّا وَنَبْغَضُ عَلِيًّا لِسُكُوتِهِ عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَنَبْغَضُ اللَّهَ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا وَلَمْ يُرْسِلْ عَلِيًّا.
وَهَذَا أَقْبَحُ مَا يَكُونُ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ.
قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالٍ بِسَنَدِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ قَالَ كُنْتُ بِصَنْعَاءَ فَرَأَيْت رَجُلًا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَقُلْت مَا هَذَا قَالُوا هَذَا رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا بَلَغَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56] قَالَ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى عَلِيِّ النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
فَخَرِصَ وَجَذِمَ وَبَرِصَ وَعَمِيَ وَأُقْعِدَ مَكَانَهُ انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ) ش: اُنْظُرْ مَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَأَظُنُّهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ.
(وَاسْتُتِيبَ فِي هُزِمَ) ش: وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِم: وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ فَرَّ أَوْ هُزِمَ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ أَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ ضَخْمًا فَأَنْكَرَ مَا عَلِمَ مِنْ وَصْفِهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ قَدْ أَضَافَ إلَيْهِ نَقْصًا وَعَيْبًا وَقِيلَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ انْتَهَى.

ص (وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا فِي أَدِّ وَاشْتَكِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ (مَسَائِلُ) مِنْ

فَتَاوَى الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ وَالشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ رَجُلٍ أَمْسَكَ غَرِيمًا لَهُ وَقَالَ: لَوْ وَقَفَ عِزْرَائِيلُ قَابِضُ الْأَرْوَاحِ مَا سَيَّبْته إلَّا بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَأَجَابَ إذَا

كَانَ مُرَادُهُ لَوْ وَقَفَ لِقَبْضِ رُوحِي مَا سَيَّبْته فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَدَرَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمَعْنَى لَا أُسَيِّبُهُ وَلَوْ فِي ذَلِكَ ذَهَابُ الرُّوحِ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَلَكِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قُلْت) وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ الِاسْتِخْفَافَ بِذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الشِّفَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: لَوْ سَبَّنِي مَلَكٌ لَسَبَبْتُهُ.

وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي حَقِيقَةِ الْفَقِيرِ.
فَقَالَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى اللَّهِ فَهَلْ فِي إطْلَاقِ هَذَا الْقَوْلِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا ذَكَرَ لِذَلِكَ تَأْوِيلًا مُحْتَمَلًا وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا رَادِعًا، وَيُجَدِّدُ إسْلَامَهُ وَلَا يُقْبَلُ تَأْوِيلُهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ وَالرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: 15] وَهَذَا الْقَوْلُ إنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْكُفْرِ.
فَلَا أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الشَّيَاطِينِ الْمُضِلِّينَ وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي رَدْعِ هَذَا الْخَبِيثِ الْمُجْتَرِئِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ اهـ. (قُلْت) لَعَلَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِ هَذَا اللَّفْظِ كُفْرًا لِكَوْنِ قَائِلِهِ ذَكَرَ لَهُ تَأْوِيلًا وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ رَجُلٍ ظَلَمَهُ مُكَّاسٌ ظُلْمًا كَثِيرًا فَقَالَ الرَّجُلُ: الَّذِي يَكْتُبُهُ فُلَانٌ الْمُكَّاسُ مَا يَمْحِيهِ رَبُّنَا.
مَا يَلْزَمُهُ؟ فَأَجَابَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ عَدَمَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ لَا يَكْفُرُ سَوَاءٌ قَصَدَ أَنَّ الْمُكَّاسَ شَدِيدُ الْبَأْسِ يُصَمِّمُ عَلَى مَا يَكْتُبُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.

وَسُئِلَ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ لِذِمِّيٍّ فِي عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ: عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْك.
هَلْ يَكْفُرُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إنْ قَالَهُ الْمُسْلِمُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى قَصْدِ تَعْظِيمِ دِينِهِمْ وَعِيدِهِمْ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ فَلَا يَكْفُرُ لِمَا قَالَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.

وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهُ إذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ أُصِيبَ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ لِأَجْلِ غَضَبِهِ.
فَقَالَ لَهُ: رَجُلٌ لَوْ سَمِعَ اللَّهُ مِنْك لَأَخْرَبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ يَعْنِي لَوْ قَبِلَ دُعَاءَك.
فَهَلْ يَجِبُ عَلَى قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ كَفَرْت بِهَذَا الْكَلَامِ؟ فَأَجَابَ لَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِ ذَلِكَ شَيْءٌ وَمَنْ رَمَاهُ بِكُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِالتَّأْوِيلِ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ.
وَيَعْرِفُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون: 71] وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ عَمَّا صَدَرَ مِنْهُ.

وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ يَشْتَغِلُ بِالنَّاسِ وَيَجْعَلُهُمْ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَكَلَتْ الْعُلَمَاءُ الرِّشَا أَكَلَتْ النَّاسُ الْحَرَامَ وَإِذَا أَكَلَتْ الْعُلَمَاءُ الْحَرَامَ كَفَرَتْ النَّاسُ.
وَيَذْكُرُ أَنَّهُ وَقْتُنَا هَذَا.
فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا قُلْتُهُ مِنْ عِنْدِي قَالَهُ الْفَقِيهُ حُسَيْنٌ الْمَغْرِبِيُّ فَأَجَابَ قَدْ ارْتَكَبَ الْمَذْكُورُ كَبَائِرَ بِجَعْلِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَبِمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ كُفْرِ النَّاسِ وَبِذِكْرِهِ أَنَّهُ وَقْتُنَا وَقَدْ كُذِّبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَافْتَرَى.
فَدِينُ الْإِسْلَامِ بِحَمْدِ اللَّهِ قَائِمٌ وَالْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ عَامٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا وَيَجِبُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ الزَّاجِرُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ وَيُبَادِرُ إلَى التَّوْبَةِ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ حُسَيْنٍ الْمَغْرِبِيِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمَا ذَكَرَهُ كَلَامٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّشَا أَخَفُّ مِنْ الْحَرَامِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّشَا أَخْبَثُ مِنْ الْحَرَامِ وَإِنَّهَا السُّحْتُ

. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ قَالَ فِي مِيعَادِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُوَافِقُهُ إلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَيْته لَفَسَدَ» الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ وَمُرَادُ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ.
فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ صِحَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ فَهَلْ الْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ؟ وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَمُرَادُ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ مَا هُمْ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ هَذَا أَثَرٌ مَرْوِيٌّ وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَائِلِهِ شَيْءٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْخَلْقُ وَمَا اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ هُدًى وَغَيٍّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ.
وَهَذَا اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ

وَسُئِلَ الشَّيْخُ

عِزُّ الدِّينِ عَنْ الرَّجُل يَذْكُرُ فَيَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِمَثَابَتِهِ فَهَلْ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ، وَالذِّكْرُ الْمَشْرُوعُ كُلُّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أَوْ اسْمِيَّةً وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَذْكَارِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ دُونَ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ الْجَاهِلِينَ انْتَهَى.

وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ وَفِي أَثْنَاءِ ذِكْرِهِمْ يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ وَيُكَرِّرُونَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ وَيَقُولُونَ آخِرَ ذَلِكَ: مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ.
هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ذِكْرًا يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ؟ وَهَلْ فِيهِ إسَاءَةٌ؟ وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟ فَأَجَابَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ آيَةٌ وَلَا خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَثَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ وَلَا عَنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ وَلَا ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَلَا يُؤْجَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُبْتَدِعُونَ شَيْئًا قَدْ يَقَعُونَ بِهِ فِي إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَأَمَّا قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ.
فَهَذَا لَيْسَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2] وَمَا طُلِبَ مِنْ الْأَدَبِ مِنْهُمْ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مُحَمَّدٌ مُحَمَّدٌ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرٍ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَامَّةِ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ.

[بَاب الزِّنَا]

ص (بَابٌ الزِّنَا وَطْءُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ إلَخْ) ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الزِّنَا يُمَدُّ وَيُقْصَرُ فَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَمَصْدَرُهُ قِتَالًا وَمَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَأَصْلُ اشْتِقَاقِ الْكَلِمَةِ مِنْ الضِّيقِ وَالشَّيْءِ الضَّيِّقِ اهـ وَانْظُرْ هَذَا الْكَلَامَ فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْهُ فِي نُسْخَتِي مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَفِي الزِّنَا الْمُتَرْجَمِ لَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ الرَّجْمِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فَمَا أَدْرِي سَقَطَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ نُسْخَتِي أَوْ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ وَلَعَلَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الْإِكْمَالِ أَوْ مِنْ الْمَشَارِقِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَإِذَا مُدَّ كُتِبَ بِالْأَلِفِ وَإِذَا قُصِرَ كُتِبَ بِالْيَاءِ قَالَهُ فِي كِتَابِ بَيَانِ لُغَاتِ الْمُهَذَّبِ.
وَالْقَصْرُ لُغَةُ الْحِجَازِ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْمَدُّ لُغَةُ تَمِيمٍ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْكَلَامِ السَّابِقِ عَنْ عِيَاضٍ وَهَلْ ضِيقُ الْمَحِلِّ أَوْ ضِيقُ الْحُكْمِ فِيهِ يُحْتَمَلُ؟ قَالَ الْجُزُولِيُّ وَحَضَرْت خَصْمَيْنِ تَحَاكَمَا قَالَ أَحَدُهُمَا قَالَ لِي يَا ابْنَ الْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ فَجَلَدَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ هَذَا تَعْرِيضٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ وَأَصْلُ اشْتِقَاقِ الْكَلِمَةِ مِنْ الضِّيقِ وَالشَّيْءِ الضَّيِّقِ؛ لِأَنَّ الزَّانِي ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجَ نُطْفَتَهُ إخْرَاجًا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْفَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِمَاسِ خَلْوَةٍ وَتَحَفُّظٍ وَضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ مِنْ إثْمِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ قَالَ ابْنُ الْقُوطِيَّةِ زَنَى الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ زُنُوًّا أَوْ زِنَاءً ضَيَّقَ عَلَيْهِ وَزَنَا الشَّيْءُ ضَاقَ أَوْ قَصُرَ وَزَنَى الْجَبَلُ ضَعُفَ وَزَنَى إلَى الشَّيْءِ نَحَا وَزَنَى الرَّجُلُ بَوْلَهُ زُنُوًّا أَحْقَنَهُ وَزَنَى الْبَوْلُ احْتَقَنَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّي زَنَاءٌ» انْتَهَى (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِّ إلَّا عَلَى الرَّجُلِ فَقَطْ فَلَا يَشْمَلُ الزَّانِيَةَ بَلْ هُوَ شَامِلٌ لَهَا لِأَنَّهُ قَالَ وَطْءٌ وَالْوَطْءُ مَصْدَرٌ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشْتَقُّ لَهُ مِنْ الْوَصْفِ

فَيُقَالُ زَانٍ وَزَانِيَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَحُدَّ لِلزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ فِي الشَّرْعِ، لَا كُلَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ زِنًا فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا فَإِنَّهَا زَانِيَةٌ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ وَكَذَا تَمْكِينُهَا كَافِرًا مِنْ نَفْسِهَا وَانْظُرْ الْبِسَاطِيَّ فَإِنَّهُ قَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ أَيْضًا لِدُخُولِ وَطْءِ الرَّجُلِ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ مُطَرِّفٌ: كَانَ مَالِكٌ يَرَى فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَغُلَامًا مِنْ دَارٍ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى تَغَيَّبَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ فَلَا يَدْرِي مَا فَعَلَ أَنْ يَضْرِبَ الثَّلَاثَمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا وَكَانَ الْحُكَّامُ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَشُورَةِ مَالِكٍ.

ص (لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) ش: هُوَ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ التَّمَلُّكُ الشَّرْعِيُّ أَوْ شِبْهِهِ اهـ. فَيَدْخُلُ فَرْجُ مَمْلُوكِهِ الذَّكَرُ لِأَنَّهُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى فَرْجِهِ فِي الشَّرْعِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ وَطْءُ الرَّجُلِ جَارِيَةَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ وَنَحْوَهُ.
قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ الزِّنَا الشَّامِلُ لِلِّوَاطِ مَغِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آخَرَ دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٌ عَمْدًا فَتَخْرُجُ الْمُحَلَّلَةُ وَوَطْءُ الْأَبِ أَمَةَ ابْنِهِ لَا زَوْجَتَهُ.
اهـ. ص (تَعَمُّدًا) ش تَصَوُّرُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي سُورَةِ النُّورِ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ إذَا اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا الْحَدُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا زِنًى فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ انْتَهَى.
ص (بِاتِّفَاقٍ) ش: مُخْرِجٍ لِلْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلِوَطْئِهِ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِإِبَاحَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ شَاذًّا أَوْ ضَعِيفًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ عَلَى الْمَعْرُوفِ.

ص (أَوْ مُحَرَّمَةً بِصِهْرٍ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِ بِالصِّهْرِ يُحَدُّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا تَزَوَّجَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَيْهِ بِالصِّهْرِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ يَخْرُجُ الْحَلَالُ وَالْحَائِضُ وَالْمُحَرَّمَةُ وَالصَّائِمَةُ وَالْمَمْلُوكَةُ الْمُحَرَّمَةُ بِنَسَبٍ لَا بِعِتْقٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ عِدَّةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ وَلِمُتَزَوِّجِهَا هُوَ فِي عِدَّتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ قَالَ أَمَّا لَوْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ مَنْ يُعْتَق عَلَيْهِ أَوْ نَكَحَ مُحَرَّمَةً بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ مُؤَبَّدٍ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ قَالَ: فِي التَّوْضِيحِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ اهـ.

وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِيمَا إذَا وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ الْمُحَرَّمَةَ بِنَسَبٍ لَا بِعِتْقٍ أَوْ بِصِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، نَعَمْ يُؤَدَّبُ.
وَإِذَا حَمَلَتْ مِنْهُ مَنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ.
وَفِي سَمَاعِ عِيسَى لَا تُعْتَقُ وَأَمَّا إنْ لَمْ تَحْمِلْ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تُبَاعُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُعَاوِدَ زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.

ص (أَوْ مَرْهُونَةً) ش: أَطْلَقَ هُنَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَمُرَادُهُ إنْ وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الرَّهْنِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَا فِي الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي ذَلِكَ صَارَتْ مُحَلَّلَةً

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ مَبْتُوتَةً وَإِنْ بِعِدَّةٍ، وَهَلْ وَإِنْ بَتَّ فِي مَرَّةٍ؟ تَأْوِيلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَلْبَتَّةَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ.
يُرِيدُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا إنْ كَانَ يَجْهَلُ التَّحْرِيمَ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ، أَوْ الْحُكْمَ إنْ جَهِلَ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُحَدُّ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُ أَعْنِي رُجُوعَهُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا بِلَا عَقْدٍ فَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ وَلَا يَرْجِعُ لِمَسْأَلَةِ الْمَبْتُوتَةِ.

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَمَّا لَوْ وَطِئَ بِالْمِلْكِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْ نَكَحَ الْمُحَرَّمَةَ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ مُؤَبَّدٍ وَطِئَهَا أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَطِئَهَا بِغَيْرِ تَزْوِيجٍ أَوْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ: أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا.
ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ أَوْ الْبَتَّةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّلَاثُ مُجْتَمِعَاتٍ أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْبَتَّةِ لَا يُحَدُّ؛ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْبَتَّةِ هَلْ هِيَ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا؟ وَقَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا مِثْلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَاهِلِ لَا يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا وَتَأَوَّلَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ قَوْلَهُ فِي الثَّلَاثِ عَلَى أَنَّهَا مُتَفَرِّقَاتٌ قَالَ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَلَا حَدَّ؛ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ عَلَى أَصْبَغَ، ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الثَّلَاثِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُفْتَرِقَاتٍ أَوْ مُجْتَمِعَاتٍ لِضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِإِلْزَامِهِ الْوَاحِدَةَ فِي الثَّلَاثِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا الْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ فَلَا كَمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَتَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا مُتَفَرِّقَاتٍ ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ أَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ التَّطْلِيقَاتُ مُجْتَمِعَاتٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَتَأْوِيلُ عَبْدِ الْحَقِّ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَأَنَّ قَوْلَهُ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا وَاحِدَةٌ إذَا كَانَتْ فِي كَلِمَةٍ فَتَكُونُ كَالْمُطَلَّقَةِ الْوَاحِدَةِ الرَّجْعِيَّةِ فَلَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُؤَلِّفُ وَتَأْوِيلُ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُحَدُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا تَلَفَّظَ بِالثَّلَاثِ.
وَأَمَّا إنْ تَلَفَّظَ بِالْبَتَّةِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الْحَدِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يُحَدُّ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.

قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ إذْ لَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَثُبُوتُ النَّسَبِ انْتَهَى.

ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يُبِتُّهَا مِنْهُ إلَّا الثَّلَاثَ فَلَهَا صَدَاقٌ وَاحِدٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا عُذِرَ بِجَهْلٍ

. وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَالَ ظَنَنْت ذَلِكَ يَحِلُّ لِي فَإِنْ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُحَدَّ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَعُذِرَ بِالْجَهَالَةِ فِي التَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي النِّكَاحِ (أَوْ مَبْتُوتَةً) قَبْلَ زَوْجٍ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا.
وَأَمَّا الْحَدُّ وَعَدَمُهُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَيَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ (الثَّانِي) قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْبَتَّةُ بَعْدَ الثَّلَاثِ زَائِدٌ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِلْحَاقِ الْمَسَائِلُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ وَلُحُوقُ الْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ تَجْدِيدِ عَقْدٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ وَيَكُونُ مِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا دُونَ عَقْدٍ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ وَنَصُّهَا أَيْضًا فِي اخْتِصَارِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ النَّسَبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ غَيْرَ الْأُخْتِ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاحِدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ فَإِنْ ادَّعَى فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْجَهَالَةَ بِالتَّحْرِيمِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ مَثَلُ الْأَعْجَمِيِّ وَشِبْهِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ حُدَّ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا دَرَأْت فِيهِ الْحَدَّ أَلْحَقْت فِيهِ الْوَلَدَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلَّتِي وَطِئَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَوْ الْعِتْقِ الْمُبْتَلِّ صَدَاقٌ مُؤْتَنَفٌ.
وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ كَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ حِنْثِهِ مِنْهَا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحِنْثِهِ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الرَّجْمِ.
وَانْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ تُخَالَعُ عَلَى أَنَّهَا إنْ طَلَبَتْ مَا أَعْطَتْهُ عَادَتْ زَوْجَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (أَوْ مُعْتَدَّةً) ش: سَوَاءٌ وَطِئَهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْمَشْهُورِ

ص (أَوْ مُكْرَهَةً) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الطِّرَازِ فِي أَوَاخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ فِي تَرْجَمَةِ تَفْسِيرِ الطَّلَاقِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَلْفَاظِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ وَيُقَالُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى سُئِلَ عَنْ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَوَّجَهَا فَابْتَنَى بِهَا زَوْجُهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: إنِّي كُنْتُ نَائِمَةً فَانْتَبَهْت لِبَلَلِ بَيْنَ فَخْذَيَّ وَذَكَرَ الزَّوْجُ أَنَّهُ وَجَدَهَا عَذْرَاءَ فَأَجَابَ فِيهَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْعَفَافِ وَحُسْنِ الْحَالِ.
وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا إلَّا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ بِالْحَمْلِ، وَغَرَّتْ فَلَهَا قَدْرُ مَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا انْتَهَى مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ اهـ. كَلَامُ الطِّرَازِ.

ص (وَثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطَلِّقًا) ش: أَيْ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى مَا يُعْذَرُ بِهِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْدِيَ عُذْرًا قَالَ الشَّارِحُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالْإِطْلَاقِ فَإِنْ أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّ إنْكَارَهُ كَتَكْذِيبِ نَفْسِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الزِّنَى وَفِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحِيحٍ) ش: هَذِهِ

شُرُوطُ الرَّجْمِ وَيَعْنِي أَنَّ الرَّجْمَ إنَّمَا يَكُونُ بِشَرْطِ كَوْنِ الزَّانِي مُكَلَّفًا أَيْ عَاقِلًا بَالِغًا حُرًّا مُسْلِمًا أَصَابَ أَيْ وَطِئَ بَعْدَهُنَّ أَيْ بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ بِنِكَاحٍ أَيْ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ صَحِيحٍ يُرِيدُ إصَابَةً صَحِيحَةً فَلَا رَجْمَ عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَوْ تَزَوَّجَ وَوَطِئَ فِي نِكَاحٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَالنِّكَاحِ الَّذِي فِيهِ خِيَارٌ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ ذِي الْعَيْبِ أَوْ تَزَوَّجَ وَوَطِئَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ أَوْ تَزَوَّجَ وَوَطِئَ وَطْئًا غَيْرَ صَحِيحٍ وَهُوَ الْوَطْءُ الْمَمْنُوعُ كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَنْبِيه تَأَيَّمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ إحْصَانِهَا أَوْ الرَّجُلُ أَوْ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا]

(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِنْ تَأَيَّمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ إحْصَانِهَا أَوْ الرَّجُلُ أَوْ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْإِحْصَانُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ.
ص (وَلَمْ يَعْرِفْ بُدَاءَةً الْبَيِّنَةَ ثُمَّ الْإِمَامَ) ش: اُنْظُرْ لِمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ إلَى حُضُورِ جَمَاعَةٍ لِلْحَدِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَفِيهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ ابْنُ مُحْرِزٍ لِأَنَّهُ حُكْمُ إمَامٍ بِمَا فِيهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُحْضِرَ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَأَقَلُّهَا عِنْدَ مَالِكٍ أَرْبَعَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي آيَةِ النُّورِ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ تَوْبِيخُ الزُّنَاةِ وَالتَّغْلِيظُ عَلَيْهِمْ لِيَرْتَدِعُوا لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَتْ الطَّائِفَةُ فِي خُصُومِهِمْ كَانَ أَغْلَظَ وَاخْتُلِفَ فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ فَقَالَ الْحَسَنُ عَشْرَةٌ وَقَالَ رَبِيعَةُ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ وَرَأَى أَنَّ هَذَا كَشَهَادَةِ الزِّنَا وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ اثْنَانِ.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ يُجْزِئُ الْوَاحِدُ اهـ وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ فِي أَحْكَامِهِ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ الطَّائِفَةُ هَهُنَا أَرْبَعَةٌ يَحْضُرُونَ جَلْدَ الزَّانِي الْبِكْرِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي الزِّنَى فَإِنْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي زِنًى وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ دُونَ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ اللِّعَانِ يَحْضُرُ أَرْبَعَةٌ فَأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزِّنَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] فَيَحْضُرُونَ هُنَا بِجَامِعِ التَّغْلِيظِ وَلِأَنَّ قَطْعَ الْأَنْسَابِ وَفَسَادَ الْأَعْرَاضِ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَيُغَلَّظُ فِي سَبَبِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْضِرَ الْحَدَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحْرَارِ الْعُدُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ وَالطَّائِفَةُ أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا وَالْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قَذَفَهُ قَاذِفُهُ وَطَالَبَهُ بِحَدِّ قَاذِفِهِ أَمْكَنَ قَاذِفَهُ التَّخَلُّصُ مِنْ ذَلِكَ وَبِإِحْضَارِ مَنْ شَهِدَ حَدَّهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إحْضَارُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلْحَدِّ.
وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْجَلَّابِ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ عُيُونِ الْمَجَالِسِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْضِرَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ فِي الزِّنَى طَائِفَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وَالطَّائِفَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ هُنَا اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ إلَى أَنَّهَا عَشْرَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] قِيلَ لَا يَشْهَدُ التَّعْذِيبَ إلَّا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: رَجُلٌ فَمَا فَوْقَهُ إلَى الْأَلْفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ أَرْبَعَةٍ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، وَإِنَّ هَذَا بَابٌ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَهَذَا مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ فَرَآهَا مَوْضِعَ شَهَادَةٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثُمَّ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ هَلْ الْمَقْصُودُ بِهَا الْإِغْلَاظُ عَلَى الزُّنَاةِ وَالتَّوْبِيخُ وَالرَّدْعُ أَوْ الدُّعَاءُ لَهُمَا بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ

هَذَا وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ بُكَيْرٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنَّمَا يُطْلَبُ حُضُورُهَا فِي الْجَلْدِ لَا فِي الرَّجْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (كَلَائِطٍ مُطْلَقًا) ش: يَعْنِي أَنَّ اللَّائِطَ حُكْمُهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَإِنْ كَانَا بَالِغَيْنِ رُجِمَا مَعًا، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ بَالِغَيْنِ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ بَالِغًا وَالْمَفْعُولُ بِهِ غَيْرَ بَالِغٍ فَلْيُرْجَمْ الْفَاعِلُ، وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ غَيْرَ بَالِغٍ وَالْمَفْعُولُ بِهِ بَالِغًا فَلَا يُرْجَمُ الْفَاعِلُ وَانْظُرْ حُكْمَ الْمَفْعُولِ بِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ اُنْظُرْ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُرْجَمُ لِأَنَّ وَطْءَ غَيْرِ الْبَالِغِ كَلَا وَطْءَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَبِيرَةَ إذَا وَطِئَهَا صَغِيرٌ لَا تُحَدُّ؟ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الزِّنَا فِي التَّوْضِيحِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) يُحَدُّ اللَّائِطُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِلْكِهِ أَوْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ قَالَهُ الْجُزُولِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[فَرْعٌ لَاطَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ فَأَوْلَجَ فِي دُبُرِهِ]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَأَمَّا إنْ لَاطَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ فَأَوْلَجَ فِي دُبُرِهِ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ وَأَنَّهُ يُعَزَّرُ وَقِيلَ يُقْتَلُ كَمَا لَوْ لَاطَ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ هُوَ كَالزَّانِي فِي الْإِحْصَانِ وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يَفْعَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ فِي الْعُقُوبَةِ.
وَالنَّازِلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَوْضِعِهَا وَلَا يُتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ انْتَهَى

ص (وَتُؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيُنْتَظَرُ وَضْعُ حَمْلِهَا وَالِاسْتِبْرَاءُ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَانْظُرْ هَلْ هُوَ حَيْضَةٌ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَوْ ثَلَاثُ حِيَضٍ.
خَلِيلٌ: بَلْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ إلَّا بِثَلَاثِ حِيَضٍ انْتَهَى.
(قُلْت) قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرِّدَّةِ أَنَّ مَالِكًا نَصَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَحُكْمُ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا جَزَمَ بِذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِقَامَةُ الْحَاكِمِ وَالسَّيِّدِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسَّيِّدُ فِي رَقِيقِهِ فِي حَدِّ الزِّنَا

وَالْخَمْرِ وَالْقَذْفِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُحْتُرِزَ مِنْ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا يُقِيمُهَا إلَّا الْوَالِي قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يُمَثِّلَ بِعَبْدِهِ وَيَدَّعِي أَنَّهُ سَرَقَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ السَّيِّدُ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَحَدَّ الْخَمْرِ.
أَبُو الْحَسَنِ فِي الْحَدِيثِ «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَيُقِيمُ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَصْرَحُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا لَفْظَ الْخَبَرِ فَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ.
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ بِهِ إلْبَاسًا وَأَنَّ الْحُدُودَ لَا يُقِيمُهَا إلَّا الْإِمَامُ وَقَدْ قَالَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً وَقَدْ زَنَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يَحُدَّهَا.
مَفْهُومُهُ لَوْ زَنَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ وَاجِبًا أَنْ يَحُدَّهَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ السَّيِّدُ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً قَالَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ التُّونُسِيِّ فِيمَنْ زَنَتْ أَمَتُهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ جَوَازُ إقَامَةِ السَّيِّدِ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ لَا وُجُوبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا أَقَامَ الْحَدَّ فَيُحْضِرُ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَفِي الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ رَجُلَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ يُعْتَقَ وَيَشْهَدَ بَيْنَ النَّاسِ فَيُحَدُّ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ.
نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ.

[فَرْعٌ قَالَ السَّيِّدُ لَا أرضى إلَّا بِإِقَامَةِ الْإِمَامِ الْحَدَّ]

(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: وَالْقَذْفُ ظَاهِرُهُ.
وَلَا مَقَالَ لِلْمَقْذُوفِ إنْ قَالَ السَّيِّدُ لَا أَرْضَى إلَّا بِإِقَامَةِ الْإِمَامِ الْحَدَّ.
وَتَرْجَمَ فِيهِ الشَّيْخُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْأَحْرَارِ إلَّا السُّلْطَانُ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ قَالَتْ زَنَيْت مَعَهُ وَادَّعَى الْوَطْءَ وَالزَّوْجِيَّةَ أَوْ وُجِدَا بِبَيْتٍ وَأَقَرَّا بِهِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ أَوْ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ وَوَلِيُّهَا وَقَالَا لَمْ نَشْهَدْ حَدًّا) ش: جَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ (حَدًّا) وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ.
وَالْمَسْأَلَتَانِ الْأُولَيَانِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ: وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ زَنَيْت مَعَ هَذَا الرَّجُلِ وَقَالَ الرَّجُلُ هِيَ زَوْجَتِي قَدْ وَطِئْتهَا أَوْ وُجِدَا بِبَيْتٍ فَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ فَإِنْ لَمْ يَأْتِيَا بِبَيِّنَةٍ حُدَّا انْتَهَى أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا لَمْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ وَأَمَّا الْأُولَى فَسَوَاءٌ كَانَا طَارِئَيْنِ أَمْ لَا انْتَهَى.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْأُولَى لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْءٍ إلَّا فِي نِكَاحٍ وَتُحَدُّ هِيَ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إذَا وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ وَادَّعَى نِكَاحَهَا، لَا

أَقَرَّ فَهُوَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا ابْنُ الْقَاسِمِ.
قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَهُ أَيْضًا أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَنَصُّهَا: وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً وَادَّعَى نِكَاحَهَا وَصَدَّقَتْهُ هِيَ وَوَلِيُّهَا وَقَالُوا عَقَدْنَا النِّكَاحَ وَلَمْ نُشْهِدْ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُشْهِدَ الْآنَ فَعَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْحَدُّ إلَّا أَنْ يُقِيمَا بَيِّنَةً غَيْرَ الْوَلِيِّ وَإِنْ حَدَّدَتْهُمَا وَهُمَا بِكْرَانِ فَأَرَادَ أَنْ يُحْدِثَا إشْهَادًا عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ وَيُقِيمَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ وَيُجَدِّدَا نِكَاحًا فَإِنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ وَيُرِيدُ الْمُؤَلِّفُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فُشُوٌّ أَمَّا إذَا حَصَلَ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْحَدَّ كَمَا قَالَ فِي بَابِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ هُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَا بَيِّنَةً غَيْرَ الْوَلِيِّ لِلتُّهْمَةِ وَإِنْ جُلِدَا انْتَفَى النِّكَاحُ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ انْتَهَى.
وَلَا أَدْرِي مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَأْتَنِفَا نِكَاحًا جَدِيدًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَاب القذف]

بَابٌ (قَذْفُ الْمُكَلَّفِ حُرًّا مُسْلِمًا بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَذْفُ الْأَعَمُّ: نِسْبَةُ آدَمِيٍّ غَيْرَهُ لِزِنَا أَوْ قَطْعُ نَسَبِ مُسْلِمٍ وَالْأَخَصُّ بِإِيجَابِ الْحَدِّ نِسْبَةُ آدَمِيٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرَهُ حُرًّا عَفِيفًا مُسْلِمًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ لِزِنَا أَوْ قَطْعِ نَسَبِ مُسْلِمٍ فَيَخْرُجُ قَذْفُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ انْتَهَى.
. (قُلْت) حَدُّهُ الْأَخَصُّ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ قَذْفِ الْمَجْنُونِ فِيهِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَ مَجْنُونًا إذَا كَانَ جُنُونُهُ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ إلَى حِينِ قَذْفِهِ وَلَا يَتَخَلَّلُهُ إفَاقَةٌ.
اللَّخْمِيُّ لِأَنَّهُ لَا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ لَوْ صَحَّ فِعْلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَمَّا إنْ بَلَغَ صَحِيحًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنَّ قَاذِفَهُ يُحَدُّ وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ إذَا كَانَ جَبُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَا يَعْلَمُ كَذِبَ قَاذِفِهِ فَلَمْ تَلْحَقْهُ مَعَرَّةٌ وَإِنْ كَانَ جَبُّهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ حُدَّ وَكَذَلِكَ الْحَصُورُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ آلَةُ النِّسَاءِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا فِي أَوَائِلِ الرَّجْمِ وَيُحَدُّ قَاذِفُ الْمَجْنُونِ وَكَانَ يَجْرِي لَنَا مُنَاقَضَتُهَا بِقَوْلِهَا فِي الْقَذْفِ كُلُّ مَا لَا يُقَامُ فِيهِ الْحَدُّ لَيْسَ عَلَى مَنْ رَمَى بِهِ رَجُلًا حَدُّ الْفِرْيَةِ وَيُجَابُ بِحَمْلِ قَوْلِهَا فِي الرَّجْمِ عَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانَا انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُحَدُّ قَاذِفُ الْمَجْنُونِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ بَلَغَ صَحِيحًا ثُمَّ جُنَّ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَفَى عَبْدًا عَنْ نَفْسِهِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِيهَا وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ لَسْت لِأَبَاكَ ضُرِبَ سَيِّدُهُ الْحَدَّ فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْعَبْدِ مَاتَا وَلَا وَارِثَ لَهُمَا أَوْ لَهُمَا فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحُدَّ سَيِّدَهُ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ خِلَافٌ فِيهَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ لَسْت لِأَبِيكَ وَأَبُوهُ مُسْلِمٌ وَأُمُّهُ كَافِرَةٌ أَوْ أَمَةٌ فَتَوَقَّفَ فِيهَا مَالِكٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَنَا أَرَى أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ حَمَلَ أَبُوهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ.

[فَرْعٌ قَذَفَ حُرَّانِ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَطَلَبَ الْعَبْدُ تَعْزِيرَ قَاذِفِهِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إذَا قَذَفَ حُرَّانِ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَطَلَبَ الْعَبْدُ تَعْزِيرَ قَاذِفِهِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي مِثْلِ هَذَا تَعْزِيرٌ وَيُنْهَى قَاذِفُهُ أَنْ لَا يُؤْذِيَهُ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَاحِشًا مَعْرُوفًا بِالْأَذَى عُزِّرَ وَأُدِّبَ عَنْ أَذَى الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ يُؤَدَّبُ قَاذِفُ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ لِإِذَايَتِهِ لَهُ

[مَسْأَلَة قَالَ الشَّخْصُ لِوَلَدِهِ لَسْت بِوَلَدِي]

(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ الشَّخْصُ لِوَلَدِهِ لَسْت بِوَلَدِي فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ فِي قِلَّةِ طَاعَتِهِ لَهُ لَيْسَ كَالْأَوْلَادِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ عَنْ النَّسَبِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَكِلَ وَأَرَادَ نَفْيَ نَسَبِهِ كَانَ فِي كَلَامِهِ قَطْعُ نَسَبِ الْوَلَدِ وَقَذْفٌ لِأُمِّهِ فَأَمَّا قَطْعُ نَسَبِ الْوَلَدِ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِوَلَدِهِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قَالَ لِبَنِيهِ لَيْسُوا بِوَلَدٍ لَهُ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَى الْأَبِ حَدًّا فِيمَا إذَا انْتَفَى مِنْ حَمْلِ أَمَتِهِ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْبَابِ وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ أَنَّهُ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ

الضَّعِيفِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِ وَلَدِهِ وَيَفْسُقُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُ وَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَأَمَّا قَذْفُ الْأُمِّ فَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً كَانَ لَهَا الْقِيَامُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً كَانَ لِوَلَدِهَا الْقِيَامُ بِهِ فَإِذَا قَامَ بِهِ الْوَلَدُ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ.

وَتَأَمَّلْ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ فِيمَنْ نَفَى عَبْدًا عَنْ نَسَبِهِ وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ أَبَوَاهُ عَبْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا (فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ الْقِيَامُ إلَّا بِطَلَبٍ مِنْ الْأُمِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ لَهُ حَدٌّ مِنْ قَذْفٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَبِ اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ.

. وَمَنْ آذَى مُسْلِمًا أُدِّبَ.
ص (وَلَا إنْ نُبِذَ) ش: قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ التَّنْبِيهَاتِ اللَّقِيطُ هُوَ الْمُلْتَقَطُ حَيْثُ وُجِدَ وَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ وُجِدَ فِي صِغَرِهِ وَالْمَنْبُوذُ الَّذِي وُجِدَ مَنْبُوذًا لِأَوَّلِ مَا يُولَدُ وَقِيلَ اللَّقِيطُ هُوَ مَا اُلْتُقِطَ مِنْ الصِّغَارِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْغَلَاءِ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ وَعَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَذَفَ اللَّقِيطَ بِأَبِيهِ حُدَّ وَمَنْ قَذَفَ بِذَلِكَ الْمَنْبُوذَ لَمْ يُحَدَّ وَقَالَ مَالِكٌ مَا نَعْلَمُ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَى وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ وَأَرَادَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنْ يُخَرِّجَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الَّذِي اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا فِي النَّادِرِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَوَّلًا فِي هَذِهِ عَلَى نَازِلَةٍ وَقَعَتْ شَهِدَتْ لَهَا دَلَائِلُ وَإِلَّا فَالْغَالِبُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَعَلَى قَائِلِهَا لِغَيْرِهِ الْحَدُّ يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا مَنْبُوذُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَعَلَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ اللَّخْمِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اللَّقِيطِ وَأَمَّا نَسَبُهُ فَإِنَّ مَحْمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ وَإِنَّهُ لِرَشْدَةٍ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَإِنْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ لَا أَبَ لَكَ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَى حُدَّ لَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ رَجُلٌ فَقَالَ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ حُكْمُ الْمَنْبُوذِ حُكْمُ الْمَلْقُوطِ اللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ وَاخْتُلِفَ فِي النَّسَبِ فَجَعَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِلزَّنْيَةِ لَا نَسَبَ لَهُ وَقَالَ مَنْ قَذَفَ الْمَنْبُوذَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ لَمْ يُحَدَّ وَقَدْ قِيلَ الْمَنْبُوذُ مَنْ نُبِذَ عِنْدَمَا وُلِدَ وَالشَّأْنُ إنَّمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ وُلِدَ عَنْ زِنًى وَاللَّقِيطُ مَا طُرِحَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْجَدْبِ وَلَيْسَ عِنْدَمَا يُولَدُ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا مَنْبُوذُ قَالَ مَا نَعْلَمُ مَنْبُوذًا إلَّا وَلَدَ الزِّنَى وَأَرَى عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَدُّ وَكُلُّ هَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ اسْتَلْحَقَ لَقِيطًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَهَذَا إنَّمَا يُفْعَلُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ بَابِ اللُّقَطَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى اللَّقِيطِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ ابْنُ شَعْبَانَ لَفْظَ مَنْبُوذٍ وَتَرْجَمَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الْمُوَطَّإِ بِالْقَضَاءِ فِي الْمَنْبُوذِ وَفِي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ الْمَنْبُوذُ: اللَّقِيطُ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَنْبُوذَ هُوَ مَنْ طُرِحَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَأَنَّ اللَّقِيطَ مَنْ طُرِحَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى اللَّقِيطِ أَنَّهُ مَنْبُوذٌ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَلَا إنْ نُبِذَ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ بَقِيَ مَنْبُوذًا عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ إذْ لَا نَسَبَ لَهُ هَذَا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَسْت ابْنَ فُلَانٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَبَ لَكَ أَوْ يَا وَلَدَ زِنَى فَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُحَشِّي فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا قَالَ لِلْمَنْبُوذِ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ فَبَعِيدٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي النَّفْيِ عَنْ النَّسَبِ لَا فِي قَذْفِ أَبِي الْمَنْبُوذِ أَوْ أُمِّهِ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِلْمَنْبُوذِ لَيْسَ لَكَ أَبٌ أَوْ يَا وَلَدَ الزِّنَى فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ وَالْعِلَّةُ

فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ وَلَدَ زَانِيَةٍ لِأَنَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي اللَّقِيطِ وَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ الزَّانِي وَيَا ابْنَ الزَّانِيَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَا نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِي الْمَحْمُولَيْنِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَلَا فِي اللَّقِيطِ وَلَا غَيْرِهِ فَانْظُرْهُ.
ص (أَوْ زَنَى) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.

[فَرْعٌ قَذَفَهُ بِالزِّنَى ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ الصِّبَا أَوْ فِي حَالِ الْكُفْرِ]

(فَرْعٌ) لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَى ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ الصِّبَا أَوْ فِي حَالِ الْكُفْرِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ اسْمُ زِنَى بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّ اسْمَ الزَّانِي لَازِمٌ لَهُ.
نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَ (عَفَّ عَنْ وَطْءٍ) يُوجِبُ الْحَدَّ وَيَخْرُجُ بِهِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ بَهِيمَةً.

[فَرْعٌ قَذَفَ رَجُلًا فَارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ]

(فَرْعٌ) فَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ وَلَوْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَى فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عَلَى الْمَقْذُوفِ زِنًى فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَوْ قَذَفَهُ بِزِنَى غَيْرِ الزِّنَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ.

ص (وَعَفَّ) ش: أَيْ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ عَفِيفًا وَلَمْ يُفَسِّرْ الشَّارِحُ الْعَفَافَ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَفَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِيَانِ وَمَوَاضِعِ الْفَسَادِ وَالزِّنَى، بِخِلَافِ السَّارِقِ وَالشَّارِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَكَذَا نَقَلَ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْأُسْتَاذِ فَقَالَ وَمَعْنَى الْعَفَافِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِيَانِ وَمَوَاضِعِ الْفَسَاد وَالزِّنَى، فَلَوْ قَذَفَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَالْقَذْفِ يُحَدُّ لَهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا رَمَى بِهِ فَإِنْ ثَبَتَ أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَمُقْتَضَى مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حُدَّ فِي الزِّنَى أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ لَهُ وَاخْتُلِفَ إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِشَاهِدَيْنِ أَمْ لَا انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَفَافُ الْمَقْذُوفِ الْمُوجِبُ حَدَّ قَاذِفِهِ فِي مَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاضِحَةٌ بِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ فِعْلِ الزِّنَى قَبْلَ قَذْفِهِ وَبَعْدَهُ وَمِنْ ثُبُوتِ حَدِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إيَّاهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَظَاهِرُ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّيْخُ خَلِيلٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَسْقُطُ الْإِحْصَانُ بِثُبُوتِ كُلِّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ عَدْلًا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ الْإِحْصَانُ الْمُشْتَرَطُ هُنَا لَا فِي الرَّجْمِ (بِثُبُوتِ كُلِّ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ) فَيَخْرُجُ وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَوَطْءُ الشُّبْهَةِ قَبْلَ الْقَذْفِ وَبَعْدَهُ أَيْ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا يَعُودُ إلَيْهِ الْإِحْصَانُ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَعُودُ الْعَفَافُ أَبَدًا وَلَوْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ وَقَوْلُهُ (بِثُبُوتِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْعَفَافَ فَانْظُرْهُ انْتَهَى.
وَعَلَيْهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّخْصَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَفَافِ حَتَّى يُثْبِتَ عَلَيْهِ الْقَاذِفُ أَنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ فِي تَعْرِيفِ الْعَفَافِ مَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَقْذُوفَ إذَا حُدَّ فِي زِنَى أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ زِنَى لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَوْ قَذَفَهُ بِغَيْرِ الزِّنَى الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي بَابِ الْمَقْذُوفِ يُرَدُّ الْجَوَابُ عَلَى الْقَاذِفِ وَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ قَذَفَ مَنْ جُلِدَ فِي زِنَى لَمْ يُحَدَّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُؤَدَّبُ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا مَنْ قَذَفَ إنْسَانًا ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ حُدَّ

فَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَبِهِ لِإِذَايَتِهِ لِلْمَقْذُوفِ انْتَهَى

ص (وَإِنْ مُلَاعَنَةً) ش: قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَمَنْ قَالَ لِابْنِ مُلَاعَنَةٍ: لَسْت لِأَبِيك الَّذِي لَاعَنَ أُمَّك.
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ يَا مَنْفِيُّ يَا ابْنَ مُلَاعَنَةٍ يَا ابْنَ مَنْ لُوعِنَتْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مِنْ النَّوَادِرِ وَقَالَ: إنَّهُ يُعَزَّرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ كَيَا قَحْبَةُ) ش: قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْقَحْبُ الْمُسِنُّ وَالْعَجُوزُ قَحْبَةٌ وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ السُّعَالُ وَقَدْ قَحَبَ يَقْحُبُ كَنَصَرَ قَحْبًا أَوْ قُحَابًا وَقَحَّبَ تَقْحِيبًا وَسُعَالٌ قَاحِبٌ شَدِيدٌ وَالْقَحْبَةُ الْفَاسِدَةُ الْجَوْفِ مِنْ دَاءٍ وَالْفَاجِرَةُ لِأَنَّهَا تَسْعُلُ وَتَتَنَحْنَحَ أَيْ تَرْمُزُ بِهِ وَبِهِ قَحْبَةٌ أَيْ سُعَالٌ انْتَهَى.
وَفِي الصِّحَاحِ الْقُحَابُ سُعَالُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَرُبَّمَا جُعِلَ لِلنَّاسِ وَالْقَحْبَةُ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ انْتَهَى وَفِي كِتَابِ الْأَفْعَالِ لِأَبِي مَرْوَانَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ طَرِيفٍ الْقُرْطُبِيِّ الْمَشْهُورُ: قَحَبَ الشَّيْءُ قُحَابًا سَعَلَ وَمِنْهُ سُعَالٌ قَاحِبٌ وَقَحَبَ الْكَلْبُ وَالْبَعِيرُ سَعَلَا وَأَصْلُ الْقُحَابِ فَسَادُ الْجَوْفِ فَقَدْ يَكُونُ اشْتِقَاقُ الْقَحْبَةِ مِنْ الْقُحَابِ الَّذِي هُوَ فَسَادُ الْجَوْفِ وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا مِنْ الْقُحَابِ الَّذِي هُوَ السُّعَالُ كَأَنَّهَا تَسْتَعْمِلُ السُّعَالَ عَلَامَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّذِي يُسَافِحُهَا، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْمَرْأَةَ الْمُسِنَّةَ قَحْبَةً انْتَهَى.

ص (أَوْ مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْقَذْفِ وَقَالَ يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فِي مُشَاتَمَةٍ: مَا أَعْرِفُ أَبَاكَ وَهُوَ يَعْرِفُهُ ضُرِبَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَبُوهُ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ فَقَدْ قَطَعَ نَسَبَهُ وَنَفَاهُ عَنْهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ بَعْدَهُ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا أَعْرِفُ أَبَاكَ فَمَا أَنْكَرَ مَا قَالَ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَوْ قَالَ: مَا يُعْرَفُ أَبُوكَ لَحُدَّ انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَمَا أَنْكَرَ مَا قَالَ وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ مَا أَرَدْت بِذَلِكَ قَذْفًا وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ أَبَاهُ حَقِيقَةً.

سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِشَرِيفٍ مَا أَنْتَ شَرِيفٌ وَأَنَا سَمِعْت جَدَّك يَقُولُ مَا أَنَا شَرِيفٌ فَأَظْهَرَ الْمُدَّعِي مَثْبُوتًا بِالشَّرَفِ فَأَجَبْت بِأَنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالشَّرَفِ وَلَمْ يَكُنْ عُلِمَ بِثُبُوتِ شَرَفِهِ.
وَقَالَ مَا قَالَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَا سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَكَانَ الْجَوَابُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِاللِّسَانِ وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ وَأَسْقَطَ الْمُدَّعِي حَقَّهُ مِنْ الْيَمِينِ وَاصْطَلَحُوا.
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ شَرِيفَةً مَشْهُورَةً بِالشَّرَفِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فَقِيلَ لَهُ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ: تَفْعَلُ هَذَا بِشَرِيفَةٍ مِنْ أَهْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَ الزَّوْجُ: هِيَ شَرِيفَةٌ بِالنَّسَبِ وَأَنَا شَرِيفٌ بِالْحَسَبِ وَأَنَا أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَبِي أَحْسَنُ مِنْ أَبِيهَا وَجَدِّي أَحْسَنُ مِنْ جَدِّهَا وَبَلَدِي أَحْسَنُ مِنْ بَلَدِهَا.
وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِمَقَالَتِهِ وَاعْتَرَفَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فَسُئِلَ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَالَ إنَّ أَبِي كَانَ خَطِيبًا وَجَدِّي كَانَ خَطِيبًا وَأَبُوهَا وَجَدُّهَا لَيْسَا كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَيُؤَدَّبُ وَمُوجِبُ الْقِيَاسِ أَنَّ قَوْلَهُ جَدِّي أَحْسَنُ مِنْ جَدِّكِ يُوجِبُ ظَاهِرُهُ قَتْلَ قَائِلِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى التَّنْقِيصِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ لَكِنْ يُوجِبُ إلْغَاءَ إيجَابِهِ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ لَفْظِهِ عَلَى جَدٍّ لَا يُوجِبُ صِدْقَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَالِاحْتِمَالُ فِي النَّازِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا بَيَّنَهُ مِنْ خِطَابَةِ جَدِّهِ دُونَ جَدِّهَا إنْ كَانَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ صَادِقًا فَدَلِيلُ أَدَبِهِ وَاضِحٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ انْتَهَى (فَائِدَةٌ) أَوَّلُ مَا حَدَثَ تَمْيِيزُ الْأَشْرَافِ بِالشَّطْبَةِ الْخَضْرَاءِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ أَمَرَ بِذَلِكَ السُّلْطَانُ الْأَشْرَفُ شَعْبَانُ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْأَنْبَاءِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ السَّخَاوِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْأَشْرَافِ لَهُ قَالَ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرْ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي كَرِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنْ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ (وَقَالَ غَيْرُهُ) أَطْرَافُ تِيجَانٍ أَتَتْ مِنْ سُنْدُسٍ ... خُضْرٍ بِأَعْلَامٍ عَلَى الْأَشْرَافِ وَالْأَشْرَفُ السُّلْطَانُ خَصَّهُمْ بِهَا ... شَرَفًا لِتَعْرِفَهُمْ مِنْ الْأَطْرَافِ وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَامَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ شَطْبَةً سَوْدَاءَ ثُمَّ تُرِكَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَفِي: يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ، أَوْ الْأَزْرَقِ.
إنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ كَذَلِكَ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ يَا ابْنَ الْيَهُودِيِّ أَوْ يَا ابْنَ الْمَجُوسِيِّ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي آبَائِهِ أَحَدٌ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُنَكَّلُ.
قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقَذْفِ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ وَلَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يُنَكَّلُ إذَا كَانَ فِي آبَائِهِ أَحَدٌ كَذَلِكَ وَذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وَلَكِنْ يَتَعَيَّنُ ذِكْرُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَذَفَ عَبْدًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أُدِّبَ وَمَنْ قَذَفَ ذِمِّيًّا زُجِرَ عَنْ أَذَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَمَنْ قَذَفَ نَصْرَانِيَّةً وَلَهَا بَنُونَ مُسْلِمُونَ أَوْ زَوْجٌ مُسْلِمٌ نُكِّلَ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ

أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ هَلْ رَاعَى حَقَّ النَّصْرَانِيَّةِ؟ أَوْ إنَّمَا رَاعَى إذَايَةَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَيُزَادُ فِي النَّكَالِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَهُ فِي بَابِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ يُنَكَّلُ نَكَالًا أَشَدَّ مِنْ نَكَالِ مَنْ لَا وَلَدَ لَهَا وَلَا زَوْجَةَ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالنَّكَالُ قَدْرُ مَا يَرَى الْإِمَامُ وَحَالَاتُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ وَتَقَدَّمَ عَنْ النَّوَادِرِ فِي بَابِ الْمَقْذُوفِ يُرَدُّ الْجَوَابُ عَلَى قَاذِفِهِ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ قَذَفَ مَنْ جُلِدَ فِي زِنًى لَمْ يُحَدَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُؤَدَّبُ بِإِذَايَةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ آذَى مُسْلِمًا أُدِّبَ قَالَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ.

ص (وَأُدِّبَ فِي: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ إلَى آخِرِهِ) ش: وَمِثْلُ ذَلِكَ يَا خَائِنُ يَا ثَوْرُ يَا آكِلَ الرِّبَا يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا يَهُودِيُّ يَا نَصْرَانِيُّ يَا مَجُوسِيُّ أَوْ يَا سَارِقُ يَا مُرَائِي قَالَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ إذَا قَالَ لَهُ يَا آكِلَ الرِّبَا أَوْ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا انْتَهَى

[فائده مِقْدَارِ الْأَدَبِ فِي أَلْفَاظٍ وَأَفْعَالٍ مُوجِبَةٍ لِلْأَدَبِ]

(فَائِدَةٌ) تَتَضَمَّنُ بَيَانَ مِقْدَارِ الْأَدَبِ فِي أَلْفَاظٍ وَأَفْعَالٍ مُوجِبَةٍ لِلْأَدَبِ قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ قَالَ فِي الْمُفِيدِ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا مُجْرِمُ.
ضُرِبَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي عَالِمٍ بِمَا لَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ بِمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ.
وَكُلُّ مَنْ آذَى مُسْلِمًا بِلَفْظٍ يَضُرُّهُ وَيَقْصِدُ بِهِ أَذَاهُ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْأَدَبُ الْبَالِغُ الرَّادِعُ لَهُ وَلِمِثْلِهِ يُقَنَّعُ رَأْسُهُ بِالسَّوْطِ أَوْ يُضْرَبُ بِالدَّرَّةِ ظَهْرُهُ.
وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْقَائِلِ أَوْ سَفَاهَتِهِ وَقَدْرِ الْمَقُولِ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يُنْصِفْ النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ لَمْ يُنْصِفْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَيْك.
فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ.
إلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ خَصْمُهُ قَالَهُ فِي الدُّرَرِ الْمُلْتَقَطَةِ لِلدَّمِيرِيِّ وَهَذَا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا شَتَمَ الْأَخُ أَخَاهُ فَإِنْ كَانَ الْأَخُ كَبِيرًا وَكَانَ شَتْمُهُ لِأَخِيهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ لَمْ يُحَدَّ مِنْ الطُّرَرِ قَالَ: وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ شَاتِمِ عَمِّهِ أَوْ خَالِهِ فَقَالَ لَا أَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فَرَاجِعْهَا فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الْمُفِيدِ أَيْضًا وَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فِي أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْهُ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ وَيُسْجَنُ شَهْرًا وَمَنْ خَالَفَ مَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي وَلَمْ يَرْضَ بِالْحُكْمِ عُوقِبَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْجَوْرُ.
وَمَنْ خَالَفَ أَمِيرًا أَوْ كَسَّرَ دَعْوَتَهُ لَزِمَتْهُ الْعُقُوبَةُ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَمَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ، ضُرِبَ أَرْبَعِينَ.
وَإِذَا ارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي ضُرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ دُونَ النِّصَابِ ضُرِبَ خَمْسِينَ، وَمَنْ تَغَامَزَ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ تَضَاحَكَ مَعَهَا ضُرِبَا عِشْرِينَ، عِشْرِينَ إذَا كَانَتْ طَائِعَةً، فَإِنْ قَبَّلَهَا طَائِعَةً ضُرِبَا خَمْسِينَ، وَإِنْ لَمْ تُطِعْهُ ضُرِبَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ، وَمَنْ حَبَسَ امْرَأَةً ضُرِبَ أَرْبَعِينَ فَإِنْ طَاوَعَتْهُ ضُرِبَتْ مِثْلَهُ.
وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً ضُرِبَ مِائَةً وَمَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ وَكَانَ السَّيْفُ فَيْئًا وَقِيلَ يُقْتَلُ إنْ سَلَّهُ عَلَى وَجْهِ الْحِرَابَةِ وَمَنْ سَلَّ سِكِّينًا فِي جَمَاعَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ ضُرِبَ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ ثُمَّ قَالَ وَمَنْ سَلَّ سَيْفًا عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فِي جَمَاعَةٍ يُهَدِّدُهُمْ بِهِ فَقَدْ أَحْفَى وَيُضْرَبُ عِشْرِينَ سَوْطًا انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ فِي السِّكِّينِ أَمْ لَا وَهَذَا الظَّاهِرُ وَانْظُرْ الْبَيَانَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ:

يَا كَلْبُ.
فِي رَسْمِ الْأَشْرِبَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْقَذْفِ وَفِيهِ بَيَانُ ذِي الْهَيْئَةِ، وَفِي الرَّسْمِ الَّذِي بَعْدَهُ مَسْأَلَةٌ: قَوْلُهُ: كَذَبْت وَأَثِمْت وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَابْنِ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ شَتْمَ الْمُؤَدِّبِ وَالْقَاضِي وَالشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَقْسِيمِ الْأَوْلَادِ

ص (وَإِنْ قَالَتْ: بِكَ (جَوَابًا) لِزَنَيْت.
حُدَّتْ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ: بِكَ.
حُدَّتْ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ إلَّا أَنْ تَرْجِعَ عَنْ الزِّنَا فَتُحَدُّ لِلْقَذْفِ فَقَطْ وَلَا يُحَدُّ الرَّجُلُ لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ انْتَهَى قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَجْنَبِيَّةٌ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ كِتَابِ الْقَذْفِ وَحَرَّرَ الْقَوْلَ فِيهَا وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ إقْرَارٌ بِالزِّنَا فَتُحَدُّ لَهُ إلَّا أَنْ تَرْجِعَ وَقَذْفٌ لِلرَّجُلِ فَتُحَدُّ لَهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا أَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْ الْقَذْفَ وَإِنَّمَا قَصَدَتْ الْمُجَاوَبَةَ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهَا بِالزِّنَا وَلَا قَذْفًا لِلزَّوْجِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ إصَابَةَ النِّكَاحِ وَذَكَرَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافًا قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَسَبَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ مَسْأَلَةَ الزَّوْجَةِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَتْ فِيهَا وَلَعَلَّ فِي نُسْخَتِهِ لِامْرَأَتِهِ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَعَلَى مَا فِي نُسْخَتِهِ مَشَى فِي شَامِلِهِ فَجَعَلَ الْأَصَحَّ أَنَّ الزَّوْجَةَ كَغَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

[فَرْعٌ قَالَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ زَنَيْت بِفُلَانَةَ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ.
فَإِنْ أَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ حُدَّ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حُدَّ لِلْقَذْفِ وَسَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْعَفْوُ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ فِي حَدِّ الْإِمَامِ لَهُ لِلْقَذْفِ هَلْ هُوَ إذَا طَلَبَهُ الْمَقْذُوفُ أَوْ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ؟

[مَسْأَلَة قَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ يَا زَانِيَهُ بِالْهَاءِ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي سُورَةِ النُّورِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ إذَا قَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ يَا زَانِيَهُ بِالْهَاءِ وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْأَجْنَبِيِّ فَلَسْت أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَلَكِنَّهُ عِنْدِي يَكُونُ قَذْفًا وَعَلَى قَائِلِهِ الْحَدُّ وَقَدْ زَادَ حَرْفًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يَكُونُ قَذْفًا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ يَا زَانٍ أَنَّهُ قَذْفٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ إذَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَاهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ أَوْ عَرَبِيٍّ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَنَيْت بِفَتْحِ التَّاءِ كَانَ قَذْفًا؟ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ يُفْهَمُ مِنْهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُخَاطِبَ الْمُؤَنَّثَ بِخِطَابِ الْمُذَكَّرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: 30] صَلَحَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَا زَانٍ لِلْمُؤَنَّثِ قَذْفًا وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَنِّثَ فِعْلَ الْمُذَكَّرِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِخِطَابِهِ بِالْمُؤَنَّثِ حُكْمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَ مِنْ تَفْسِيرِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4]

ص (وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ) ش: هَذَا الْقَوْلُ عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ لِرِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَاتِ وَنَصُّهُ وَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ وَأَنْ يُحَلِّفَهُ وَأَنْ يَحُدَّهُ وَيَكُونَ عَاقًّا بِذَلِكَ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْعُقُوقَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٌ أَنَّهُ لَا يَقْضِي لَهُ بِتَحْلِيفِهِ أَيْضًا وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مِنْ أَنْ يَحُدَّهُ فِي حَدٍّ يَقَعُ لَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُقُوقِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْيَمِينِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَفِي الْحَدِّ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَقَالَ فِي هَذَا الرَّسْمِ إنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ خُصُومَةٌ أَنْ يُحَلِّفَهُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَاقًّا بِتَحْلِيفِهِ إذْ لَا مَأْثَمَ فِي فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْيَمَانِيَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي الْمَبْسُوطِ انْتَهَى فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ أَبَاهُ إلَّا الْمُنْقَلِبَةَ وَالْمُتَعَلِّقَةَ

بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَمَشَى هُنَاكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَشَى هُنَا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَقَدْ اسْتَثْنَى ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا الْمُنْقَلِبَةَ وَالْمُتَعَلِّقَةَ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَإِخْرَاجَهَا مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَالْقِيَامُ بِهِ وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ) ش يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَذْفِ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ وَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ مَا قَذَفَهُ بِهِ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ صَوْنًا لِعِرْضِهِ وَسِتْرًا عَلَى نَفْسِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَإِنْ عَلِمَ الْمَقْذُوفُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ زَنَى فَحَلَالٌ لَهُ أَنْ يَحُدَّهُ انْتَهَى.

[فَرْعٌ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَقْذُوفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزَانٍ انْتَهَى.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ فَإِنْ نَكَلَ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقْذُوفَ شَيْءٌ وَوَافَقُونَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[فَرْعٌ لَمْ يَعْلَمْ الْمَقْذُوفُ بِقَاذِفِهِ حَتَّى مَاتَ]

ص (كَوَارِثِهِ) ش: (فَرْعٌ) لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَقْذُوفُ بِقَاذِفِهِ حَتَّى مَاتَ قَامَ بِذَلِكَ وَارِثُهُ إلَّا أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الزَّمَانِ مَا يَرَى أَنَّهُ تَارِكٌ فَلَا قِيَامَ لِلْوَارِثِ فِيهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَالْعَفْوُ قِبَلَ الْإِمَامِ) ش: وَهَذَا بِخِلَافِ التَّعَازِيرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا الشَّفَاعَةُ وَالْعَفْوُ وَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرَعٌ عَفْوِ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ بَعْد بُلُوغِ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ]

(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ عَفْوِ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ عَنْ جَدِّهِ لِأَبِيهِ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَالتَّوْضِيحَ

[فَرْعٌ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ]

(الثَّانِي) قَالَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ عَفَا عَنْ قَاذِفِهِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُومَ بِحَدِّهِ وَإِنْ رَفَعَ الْقَاذِفُ إلَى الْإِمَامِ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْمَقْذُوفِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُحَدُّ بِهِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا صَاحِبُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ وَلَا يَقُومُ بِالْحَدِّ إلَّا الْمَقْذُوفُ.

وَإِنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا وَفُلَانٌ يُكَذِّبُهُمْ وَيَقُولُ مَا قَذَفَنِي لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الَّذِي أَتَى بِهِمْ وَادَّعَى ذَلِكَ ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ بَعْدَ أَنْ شَهِدُوا عِنْدَ السُّلْطَانِ وَقَالَ مَا قَذَفَنِي فَإِنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لَا يُزِيلُهُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ عَفْوِهِ عَنْهُ وَيُضْرَبُ الْقَاذِفُ الْحَدَّ انْتَهَى.

. ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْحَدُّ مَا شَهِدْنَا إلَّا بِزُورٍ دَرَأَ الْحَدَّ انْتَهَى.

[فَرْعٌ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا غَائِبًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَمَعَهُ شُهُودٌ]

(الثَّالِثُ) إنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا غَائِبًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَمَعَهُ شُهُودٌ قَالَ فِي كِتَابِ الْقَطْعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَقَامَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
فَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ بَعْدَ طَلَبِ الْمَقْذُوفِ وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ يُقِيمُهُ فِي غَيْبَتِهِ اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنَ عَرَفَةَ وَأَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ فِي مَسْأَلَةِ سَمَاعِ الْإِمَامِ الْقَذْفَ.
قَالَ وَتَأْوِيلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَحْسَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ صَالَحَ مَنْ قَذَفَ عَلَى شِقْصٍ أَوْ مَالٍ]

(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ صَالَحَ مَنْ قَذَفَ عَلَى شِقْصٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَجُزْ وَرُدَّ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْ لَا اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ عَلَى الْعَرْضِ مَالًا.

ص (بَابٌ) (تُقْطَعُ الْيُمْنَى وَتُحْسَمُ بِالنَّارِ) ش: هَذَا يُسَمَّى بَابُ السَّرِقَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالسَّرِقَةُ أَخْذُ

الْمَالِ خُفْيَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ سَرِقَةِ غَيْرِ الْمَالِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السَّرِقَةُ أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرٍّ لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزٍ بِقَصْدٍ وَأُخِذَ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ.
فَيَخْرُجُ أَخْذُ غَيْرِ الْأَسِيرِ مَالَ حَرْبِيٍّ وَمَا اجْتَمَعَ بِتَعَدُّدِ إخْرَاجٍ وَقَصْدٍ، وَالْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ وَالْمُضْطَرِّ فِي الْمَجَاعَةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَتُحْسَمُ بِالنَّارِ اُنْظُرْ هَلْ الْحَسْمُ بِالنَّارِ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَقَدْ صَرَّحَ الْآبِي عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ بِحَقِّ الْمُدَاوَاةِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ بِحَقٍّ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْمُدَاوَاةِ وَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى مَاتَ فَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَتْلِ النَّفْسِ بِخِلَافِ مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ظُلْمًا فَلَهُ تَرْكُ الْمُدَاوَاةِ حَتَّى يَمُوتَ وَإِثْمُهُ عَلَى قَاطِعِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْحَسْمَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ آثِمٌ إنْ تَعَمَّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص. (إلَّا لِشَلَلٍ) ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ لِابْنِ وَهْبٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ شَلَلًا بَيِّنًا وَأَمَّا لَوْ كَانَ شَلَلًا خَفِيفًا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ إنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ كَانَ الشَّلَلُ بَيِّنًا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ.
اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ تُقْطَعُ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا انْتَهَى.

[تَنْبِيهٌ عَلَيْهِ حَدٌّ وَهُوَ أَعْسَرُ]

(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ وَلَوْ كَانَ أَعْسَرَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَعَ وُجُودِ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا الَّتِي

سَرَقَتْ فَإِنَّهُ غَرِيبٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ

ص (أَوْ جَارِحًا لِتَعْلِيمِهِ) ش: يُرِيدُ غَيْرَ الْكَلْبِ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ.
ص (لَا أَنْ تُكْمَلَ بِمِرَارٍ فِي لَيْلَةٍ) ش: هَذَا قَوْلُ

ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ فِي السَّارِقِ يَدْخُلُ الْبَيْتَ فِي لَيْلَةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ يَخْرُجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِقِيمَةِ دِرْهَمٍ أَوْ دِرْهَمَيْنِ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فَإِنَّهُ قَالَ

يُقْطَعُ إذَا اجْتَمَعَ مِمَّا خَرَجَ بِهِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ سَحْنُونٌ فِي أَنَّهَا سَرِقَاتٌ مُفْتَرِقَاتٌ إذَا كَانَتْ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَصَدَّقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَوْلُهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ قَالَ وَهَذَا فِيمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَادَ فِيهِ لِسَرِقَةٍ أُخْرَى وَأَمَّا مِثْلُ الْقَمْحِ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمَتَاعِ الَّذِي يَجِدُهُ مُجْتَمِعًا وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُخْرِجَهُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَيَنْقُلُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَهَذِهِ سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ فَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهَا سَرِقَةٌ أُخْرَى بِنِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.

[فَرْعٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَحِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ النِّصَابِ]

(فَرْعٌ) مَنْ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ مَالِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، وَحِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دُونَ النِّصَابِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَجِبُ الْقَطْعُ فِي النِّصَابِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ؛ سَرَقَهُ وَاحِدٌ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ جَمَاعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إذَا تَعَاوَنُوا فِي إخْرَاجِهِ لِحَاجَتِهِمْ إلَى التَّعَاوُنِ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا اخْتِلَافَ أَحْفَظُهُ فِي سَرِقَةِ الْوَاحِدِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُشْتَرِكِينَ أَنَّهُ يُقْطَعُ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا وَأَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزَيْنِ قَدْرَ نِصَابٍ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزَيْنِ قَدْرَ رُبْعِ دِينَارٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِرَجُلَيْنِ انْتَهَى.

ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي غَرَائِرَ بِالسُّوقِ مُجْتَمِعَةٍ لِلْبَيْعِ فَسَرَقَ رَجُلٌ مِنْ كُلِّ غِرَارَةٍ شَيْئًا حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ.
فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَسْرِقَ مِنْ كُلِّ غِرَارَةٍ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ غِرَارَةٍ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا، وَشَاوَرَ الْأَمِيرُ فِيهَا مَنْ حَضَرَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَأَفْتَوْا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ.
وَأَفْتَى مَالِكٌ بِمَا ذَكَرْنَا فَرَجَعُوا إلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَجَعَ إلَيْهِ رَبِيعَةُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي الْمَدَارِكِ وَقَالَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهَا فَضْلُ مَالِكٍ

ص (أَوْ أَزَالَ بَابَ الْمَسْجِدِ أَوْ سَقْفَهُ وَأَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أَوْ حُصْرَهُ أَوْ بُسُطَهُ إنْ تُرِكَتْ فِيهِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَزَالَ بَابَ الْمَسْجِدِ عَنْ مَوْضِعِهِ

خُفْيَةً عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَسَوَاءٌ خَرَجَ بِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ إذَا أَزَالَ خَشَبَةً مِنْ سَقْفِهِ عَنْ مَوْضِعِهَا خُفْيَةً عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ سَوَاءٌ خَرَجَ بِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ ثَابِتٍ فِي الْمَسْجِدِ وَمُثَبَّتٍ بِهِ وَمُسَمَّرٍ فِيهِ كَحُصْرِهِ الْمُسْتَتِرَةِ فِيهِ الْمَخِيطُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَكَذَلِكَ بَلَاطُهُ الْمَبْنِيَّةُ وَسَلَاسِلُ قَنَادِيلِهِ الْمُسَمَّرَةُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَزَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُتَشَبِّثٍ بِهِ وَلَا مُسَمَّرٍ فِيهِ كَقَنَادِيلِهِ الْمُعَلَّقَةِ فِيهِ وَحُصْرِهِ الَّتِي لَمْ تُسَمَّرْ فِيهِ وَلَمْ يُخَطْ بَعْضُهَا إلَى

بَعْضٍ فَاخْتُلِفَ فِيمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ هَلْ يُقْطَعُ أَمْ لَا؟ فَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْطَعُ.
وَإِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْمَسْجِد.
وَأَمَّا بُسُطُ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ مَتْرُوكَةً فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَهِيَ كَالْحُصْرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تُحْمَلُ وَتُرَدُّ فَلَا قَطْعَ فِيهَا.
قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْبَيَانِ مَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ مُتَشَبِّثٌ بِهِ كَجَائِزَةٍ مِنْ جَوَائِزِهِ أَوْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ أَوْ تَرِيَّةٍ مِنْ تِرْيَانِهِ الْمُعَلَّقَةِ بِهِ الْمُتَشَبِّثَةِ أَوْ حَصِيرٍ قَدْ سُمِّرَ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِهِ أَوْ خِيطَ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُصْرِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ فَلَا اخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَهُوَ مُتَشَبِّثٌ بِهِ وَأَمَّا مَا سَرَقَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَشَبِّثٍ بِهِ كَقَنَادِيلَ مَوْضُوعَةٍ فِي تِرْيَاتِهَا أَوْ حُصْرٍ مَوْضُوعَةٍ فِي مَوَاضِعِهَا فَقِيلَ إنَّ مَوْضِعَهَا حِرْزٌ لَهَا يُقْطَعُ وَإِنْ أَخَذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مِنْ الْمَسْجِد وَقِيلَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ نَقْدِهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي رَسْمِ نَقْدِهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ سَرَقَ حُصْرَ الْمَسْجِدِ قُطِعَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي لَا أَبْوَابَ لَهُ وَلَيْسَتْ الْأَبْوَابُ بِاَلَّتِي تُحْرِزُ وَمَنْ سَرَقَ الْأَبْوَابَ أَيْضًا قُطِعَ وَمَنْ سَرَقَ الْقَنَادِيلَ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُقْطَعَ سَرَقَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ وَلَهُ بَنُونَ صِغَارٌ فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ حُصْرِ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ سَرِقَتُهُ نَهَارًا لَمْ أَرَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
وَإِنْ كَانَ تَسَوَّرَ عَلَيْهَا لَيْلًا بَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ فَأَخْرَجَ مِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا فِي الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدٍ لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْقَنَادِيلِ وَفِي الْحُصْرِ؛ كَانَ عَلَى الْمَسْجِدِ غَلْقٌ أَمْ لَا لِمَالِكٍ وَسَوَّى بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَالَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قُلْنَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ أَوْ حُصْرَهُ أَوْ بُسُطَهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً وَلَا مَخِيطَةً فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْرُجَ بِذَلِكَ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا يَتَبَادَرُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ أَعْنِي قَوْلَهُ أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أَوْ حُصْرَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا اعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي أَنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَبَابِهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالصَّوَابُ لَوْ قَالَ: وَمَوْضِعُ الْبَابِ وَالسَّقْفِ حِرْزٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الْبَلَاطِ وَالْحُصْرِ وَالْقَنَادِيلِ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَطْعِ فِي قَنَادِيلِهِ وَحُصْرِهِ وَيُقْطَعُ فِي الْقَنَادِيلِ وَالْحُصْرِ وَالْبَلَاطِ وَإِنْ أُخِذَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَحِرْزُهَا مَوَاضِعُهَا وَكَذَلِكَ الطِّنْفِسَةُ يَبْسُطُهَا الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ لِجُلُوسِهِ إذَا كَانَتْ تُتْرَكُ فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا كَالْحَصِيرِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَمَّا الطَّنَافِسُ تُحْمَلُ وَتُرَدُّ فَرُبَّمَا نَسِيَهَا صَاحِبُهَا وَتَرَكَهَا فَلَا يُقْطَعُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَسْجِدِ غَلْقٌ لِأَنَّ الْغَلْقَ لَمْ يُجْعَلْ مِنْ أَجْلِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ بُسُطِ الْمَسْجِدِ الَّتِي تُطْرَحُ فِيهِ فِي رَمَضَانَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ صَاحِبُهُ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ الْبُسُطَ الَّتِي لَا تُتْرَكُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَلْقٌ يُرِيدُ إذَا لَمْ يَسْرِقْهَا بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهَا وَأَمَّا إذَا سَرَقَهَا بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ السَّابِقِ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أَوْ حُصْرَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا لَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَحَمَلَ الْبِسَاطِيُّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَ الْقَنَادِيلَ وَالْحُصْرَ وَالْبُسُطَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ ثَمَّ قَوْلٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَحُصْرِهِ وَقَنَادِيلِهِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَطْعِ

فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ (الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ فِي سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَبَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ السَّابِقِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ مُتَشَبِّثًا بِالْمَسْجِدِ وَلَا مُسَمَّرًا فِيهِ فَالْمُتَشَبِّثُ بِهِ وَالْمُسَمَّرُ فِيهِ أَحْرَى بِذَلِكَ وَكَلَامُهُ فِي الْمُتَشَبِّثِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَهُ بَلْ فِيهِ أَيْضًا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِمُجَرَّدِ سَرِقَتِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَوَقَّفَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِب الْبَيَانِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(الثَّالِثُ) هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا سُرِقَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَمَّا مَا سُرِقَ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ فِي الْمَسْجِدِ كَبَيْتٍ لِلْقَنَادِيلِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ بِالشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ مِنْ الْبَيْتِ الْمُغْلَقِ فَيُقْطَعُ حِينَئِذٍ وَلَوْ أُخِذَ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَأَمَّا إنْ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ مَنْ سَرَقَ مَنْ عَلَى الْكَعْبَةِ الدَّاخِلُ فِيهَا الْمُغْلَقَ عَلَيْهِ بَابُهَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَرَقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَرَقَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ إلَى مَحِلِّ الطَّوَافِ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْبَيَانِ قَالَ: لِأَنَّ حُكْمَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي لَا يُدْخَلُ إلَّا بِإِذْنٍ فِيمَا سُرِقَ مِنْهُ حُكْمُ الْبَيْتِ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يُخْتَزَنُ فِيهِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ زَيْتِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَحُصْرِهِ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ دَخَلَهُ بِإِذْنٍ فَسَرَقَ مِنْهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ.

(الرَّابِعُ) أَمَّا حُلِيُّ الْكَعْبَةِ الَّذِي فِي بَابِهَا وَفِي جِدَارِهَا مِنْ خَارِجٍ كَالْحُلِيِّ الَّذِي عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا كَانَ مُسَمَّرًا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ الْقَطْعَ فِي حُلِيِّ بَابِ الْكَعْبَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ حُكْمُ الرَّصَاصِ الَّذِي فِي أَرْضِ الْمَطَافِ وَاَلَّذِي فِي أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ الظَّاهِرَةِ حُكْمُ مَا هُوَ مُسَمَّرٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمُتَشَبِّثٌ بِهِ وَأَمَّا الْكِسْوَةُ الدَّاخِلَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ حُلِيِّهَا الْمُغْلَقِ عَلَيْهِ بَابُهَا وَكَذَلِكَ حُكْمُ كِسْوَةِ الْمَقَامِ وَالْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ فِيهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْبُسُطِ أَنْ تَكُونَ لِلْمَسْجِدِ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لِشَخْصٍ وَلَكِنَّهَا مَتْرُوكَةٌ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلًا وَنَهَارًا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُصْرَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْقَنَادِيلُ بِالْإِضَافَةِ لِلْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إنَّمَا هِيَ لِكَوْنِ الْمَسْجِدِ ظَرْفًا لَهَا وَالْإِضَافَةُ يُكْتَفَى فِيهَا بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَا إنْ نَقَبَ) ش مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ ظَاهِرٌ وَقَدْ أَشَارَ فِي التَّوْضِيحِ إلَى بَعْضِهِ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَاعَدَةَ فِي الْحِرْزِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ نَعَمْ قَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا إذَا الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ، وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا رَبَطَهُ الدَّاخِلُ وَجَذَبَهُ الْخَارِجُ لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَأَشْبَهَ مَا إذَا حَمَلَا شَيْئًا لَا يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَمْلِهِ فَإِنَّهُمَا يُقْطَعَانِ.
ص (إلَّا الرَّقِيقَ لِسَيِّدِهِ) ش: فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَرَامَتَانِ ذَهَابُ مِلْكِهِ وَإِتْلَافُ عَبْدِهِ وَلَوْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ لَمْ يُقْطَعُ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ إلَّا حَيْثُ أَمَرَ الشَّرْعُ بِهِ.

ص (وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ) ش: حَيْثُ تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ

بِالسَّرِقَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا وَفِي الْمُتَوَسِّطِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوَجُّهِهَا عَلَيْهِ.
ص (وَسَقَطَ الْحَدُّ إنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَمَاوِيٍّ) ش قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ ابْنُ شَاسٍ وَلَوْ سَرَقَ وَلَا يَمِينَ لَهُ سَقَطَ الْحَدُّ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ شَاسٍ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يُمْنَاهُ بِآفَةٍ سَقَطَ الْحَدُّ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ لَا يَمِينَ لَهُ فَقَالَ فِيهَا: وَلَوْ كَانَ لَا يَمِينَ لَهُ فَسَرَقَ وَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ وَفِي الْأُولَى تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى انْتَهَى.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَمَحَى لِيَدِهِ الْيُسْرَى وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ نَحْوُ مَا فِي الْوَسَطِ وَأَمَّا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فَذَكَرَ عِبَارَةً عَنْ ابْنِ شَاسٍ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَدَاخَلَتْ إنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ كَقَذْفٍ وَشُرْبٍ وَإِلَّا تَكَرَّرَتْ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَذَفَ وَشَرِبَ خَمْرًا، سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ جُلِدَ حَدًّا وَاحِدًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اُنْظُرْ لَوْ جُلِدَ فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْآخَرَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ وَضَرْبَ الْحَدِّ لَهُ ثُمَّ ثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ قَبْلَ شُرْبِهِ فَإِنْ ضَرَبَهُ لِلْخَمْرِ يُجْزِئُ وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ فَضُرِبَ لَهُ الْحَدَّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَضْرِبُ لَهُ ثَانِيَةً وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَقَالَ هُوَ الصَّوَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ.
انْتَهَى كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كِتَابِ الشُّرْبِ وَكَلَامُ ابْنِ يُونُسَ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ الْقَذْفِ

[فَرْعٌ حَدٍّ لِلَّهِ أَوْ قِصَاصٍ اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ حَدٍّ لِلَّهِ أَوْ قِصَاصٍ اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الْمَقْتُولَ وَأَنَّهُ يُحَدُّ ثُمَّ يُقْتَلُ كَغَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقُومُوا بِحَدِّ الْمَقْذُوفِ فَيُحَدَّ ثُمَّ يُقْتَلُ لِلْقِصَاصِ.
اهـ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْقَتْلَ يَدْخُلُ فِيهِ حَدٌّ غَيْرُ الْقَذْفِ وَلَوْ كَانَ قِصَاصًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِهِمْ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: مَنْ لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَقُتِلَ فَالْقَتْلُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا فِي الْقَذْفِ فَلْيُحَدَّ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ مَا نَصُّهُ ظَاهِرُهُ

وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ قَوَدًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا تَكَرَّرَتْ) ش: كَالزِّنَى وَالشُّرْبِ وَكَالزِّنَى وَالْقَذْفِ وَقِيلَ يُكْتَفَى بِالْأَكْثَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[بَاب الْمُحَارَب]

ص (بَابٌ الْمُحَارِبُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ سُلُوكٍ أَوْ أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْحِرَابَةُ الْخُرُوجُ لِإِخَافَةِ سَبِيلٍ بِأَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ بِمُكَابَرَةِ قِتَالٍ أَوْ خَوْفِهِ أَوْ ذَهَابِ عَقْلٍ أَوْ قَتْلٍ خُفْيَةً أَوْ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ، لَا لِإِمْرَةٍ وَلَا لِنَائِرَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ، فَيَدْخُلُ قَوْلُهَا وَالْخَنَّاقُونَ وَاَلَّذِينَ يَسْقُونَ النَّاسَ السَّيْكَرَانِ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ مُحَارِبُونَ انْتَهَى.
وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ وَمَنَعَهُمْ مِنْ السُّلُوكِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ قَوْلَهُ أَوْ آخِذُ الْمَالِ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ وَأَمَّا إذَا قُرِئَ بِسُكُونٍ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لِمَنْعِ سُلُوكٍ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَارِبَ هُوَ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لِمَنْعِ السُّلُوكِ أَوْ مَنْ قَطَعَهَا لِأَخْذِ الْمَالِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَنْ قَاتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَخَلَ دَارًا أَوْ زُقَاقًا أَوْ قَاتَلَ لِيَأْخُذَ الْمَالَ وَمُسْقِي السَّيْكَرَانِ وَمُخَادِعُ الصَّبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحِرَابَةُ كُلُّ فِعْلٍ يُقْصَدُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ عَادَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأْمِنٍ.
إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَتَعَذَّرُ مَعَهُ الِاسْتِغَاثَةُ.
فَإِنَّ الْمَسْلُوبَ يَسْتَغِيثُ وَجَدَ مُغِيثًا أَمْ لَا فَهُوَ لَا تَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِاسْتِغَاثَةُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) يَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ بِمَا يُشْعِرُ بِخُرُوجِ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَأَخْذِ مَالِهِ.
فَيُقَالُ مَثَلًا: الْمُحَارِبُ قَاطَعَ الطَّرِيقَ لِمَنْعِ سُلُوكِ غَيْرِ حَرْبِيٍّ أَوْ أَخْذِ مَالٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ مَعْصُومٍ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَكَأَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِي) اُنْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ التَّكْلِيفُ؟ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصَّبِيُّ إنْ حَارَبَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ وَلَا أَنْبَتَ عُوقِبَ وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ.
قَالَ وَالْمَجْنُونُ يُعَاقَبُ لِيَنْزَجِرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بِهِ الْأَمْرُ الْخَفِيفُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ انْتَهَى وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا: وَأَمَّا الصِّبْيَانِ فَلَا يَكُونُونَ مُحَارِبِينَ حَتَّى يَحْتَلِمُوا.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ حَتَّى يَبْلُغُوا ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَقِبَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَإِنْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ إلَى مَدِينَتِهِمْ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا فَهُمْ مُحَارِبُونَ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا رَاجِعٌ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا إلَى الصِّبْيَانِ انْتَهَى.

ص (فَيُقَاتَلُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ) ش: أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذَرَ مِنْ سَمَاعِ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل