مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 249-288
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 249-288
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حِصَّتِهِ بِشَيْءٍ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ الرُّشْدِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَنَّ شَهَادَةَ السَّفِيهِ لَا تَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ، وَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَفِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هُنَا، وَفِي بَابِ الشَّرِكَةِ وَفِي الْمِدْيَانِ وَفِي الْوَصَايَا الْأُوَلِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: عَدْلٌ رَشِيدٌ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ بِشَهَادَتِهِ عَكْسُهُ سَفِيهٌ مَسْخُوطٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَفِيهٌ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْخُوطٌ عَدْلٌ سَفِيهٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَهَلْ يُؤْخَذُ بِهِ قَوْلَانِ.
رَشِيدٌ غَيْرُ عَدْلٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى.
كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّفِيهِ لَا تَجُوزُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يَقُولُ يَأْخُذُ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ نَصِيبِ الْمُقِرِّ إذْ لَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا مَعَ الْوَرَثَةِ إذَا حَلَفَ وَإِنْ نَكَلَ كَانَ شَرِيكًا لِلْمُقِرِّ وَهَذَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْجُزْءِ وَأَمَّا بِالْعَدَدِ فَكَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كِتَابَ الْوَصَايَا مِنْ النَّوَادِرِ وَآخِرَ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ عَقَدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا لِإِقْرَارِ الْوَارِثِ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَوْصَى بِكَذَا أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
ص (فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَهُنَّ أَحْرَارٌ) ش يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إقْرَارِ الْوَرَثَةِ إنْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَالَ: إحْدَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ابْنَتِي، وَلَمْ يُسَمِّهَا فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا، ثُمَّ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ، فَلَا يَرِثُهُ وَوَقَفَ مَالِهِ) ش: هَكَذَا قَالَ فِي رَسْمِ يُوصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي قَوْلِهِ، وَوَقَفَ نَظَرٌ وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مِيرَاثِهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَهُمْ لَا حَقَّ لَهُ مَعَهُمْ فِيهِ؛ وَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَهُ فَلَا مَعْنَى لِتَوْقِيفِهِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِرُجُوعِهِ إلَى اسْتِلْحَاقِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ثُبُوتُهُ عَلَى إنْكَارِهِ إلَى أَنْ مَاتَ (تَنْبِيهٌ) : فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ الْمُسْتَلْحِقُ قَبْلَ الِابْنِ وَرِثَهُ الِابْنُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي سَبَقَ، وَلَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ اسْتِلْحَاقِهِ، ثُمَّ إنْ مَاتَ الِابْنُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرِثَهُ عَصَبَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الْمُسْتَلْحِقِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَنَصُّ ابْنِ بَطَّالٍ: وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَلْحِقُ الْأَبُ قَبْلَ الْمُسْتَلْحَقِ، وَوَرِثَهُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَالِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي سَبَقَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ بَعْدَ الِاسْتِلْحَاقِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ الْمُسْتَلْحِقُ الْأَبُ لَوْ قَدَّمَ الْأَبَ، فَقَالَ الْأَبُ الْمُسْتَلْحِقُ لَكَانَ أَوْضَحَ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُقْنِعِ: وَإِنْ اسْتَلْحَقَ الرَّجُلُ رَجُلًا لَحِقَ بِهِ نَسَبًا أَوْلَادُ الْمُسْتَلْحِقِ، وَمَنْ نَفَى وَلَدَهُ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ انْتَهَى.
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى) : يَجْتَمِعُ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَالْحُرِّ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْأَمَةُ، فَتَلِدُ مِنْهُ، فَيُقِرُّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَنَّهُ غَصَبَهَا، فَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى قَطْعِ نَسَبِهِ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، الثَّانِيَةُ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَوَلَدَتْ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ حُرَّةً وَوَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الثَّالِثَةُ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي إحْدَاهُمَا، فَأَقَرَّ أَنَّهُ اخْتَارَ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الرَّابِعَةُ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَوَطِئَهَا فَخَاصَمَهُ رَبُّهَا، فَقَالَ ادْفَعْ ثَمَنَ جَارِيَتِي الَّتِي بِعْت مِنْك، فَيَقُولُ الْوَاطِئُ إنَّمَا تَرَكْتهَا عِنْدِي أَمَانَةً وَدِيعَةً، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الْخَامِسَةُ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَتَلِدُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ انْتَهَى مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ.

وَذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ الْعَالِمُ وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، وَلَا نَسَبَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْدَهَا: وَلَيْسَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، فَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْهُ، وَكُلُّ حَدٍّ لَازِمٌ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فَالنَّسَبُ مَعَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَصْلُهَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا مَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَهُ فِي الرَّجْمِ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَزَادَ بَعْدَهُ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ فِي مَحَلِّ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ وَهُوَ سِيَاقُ كَلَامِهِ انْتَهَى، وَزَادَ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ، وَعَدَّهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ ثَمَانِيَةً نَاقِلًا لَهَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْهَا الْخَمْسَ الْمَذْكُورَةَ وَالسَّادِسَةُ الرَّجُلُ يَشْتَرِي جَارِيَةً فَيُوَلِّدُهَا، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهَا مِمَّنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَوَقْتَ الْوَطْءِ.
السَّابِعَةُ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ الثَّامِنَةُ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيُوَلِّدُهَا، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّ لَهُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ سِوَاهَا، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ حَرَامٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ: وَهِيَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ أُمَّ امْرَأَتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَتَلِدُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدِي إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا بَعْدَ تَزْوِيجِهَا، وَأَمَّا لَوْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ قَبْلَ نِكَاحِهِ إيَّاهَا، فَهُوَ زِنًا مَحْضٌ لَا يُلْحَقُ مَعَهُ الْوَلَدُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْهَا سِتَّ مَسَائِلَ: نَاقِلًا لَهَا عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ عَدَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَالْخَامِسَةَ وَالثَّامِنَةَ وَالسَّادِسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَكْسَ الرَّابِعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهَا، وَالسَّيِّدُ مُنْكِرٌ، وَلَا بَيِّنَةَ قَالَ: فَيُحَدُّ هُوَ وَالْجَارِيَةُ إنْ أَقَامَ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَارِهِ وَعَبَّرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيُقِرَّ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا عَالِمًا أَنَّهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ (الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) : قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَمُرُورِهِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ مِنْ الْأَوْلَادِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَتَابَتْ أُمُّهُ فَأَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ لِغَيْرِ رُشْدَةٍ لِيَسْتَعْفِفَ عَنْ مِيرَاثِهِمْ وَيَكُفَّ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ شَرَّ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي ابْنِ الزِّنَا أَنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ عَلَى وُجُوهٍ هَذَا أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ انْتَهَى.
وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْ إذَا عَمِلَ بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ وَفِي آخِرِ بَابِ الزِّنَا مِنْ النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلَدُ الزِّنَا خَيْرُ الثَّلَاثَةِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ قِيلَ لَهُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ قَالَ هَذَا شَيْءٌ قَالَهُ كَعْبٌ لَوْ كَانَ شَرَّ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَنْتَظِرْ بِأُمِّهِ وِلَادَتُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنَّمَا قِيلَ شَرُّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ شَرَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَا انْتَظَرَ بِأُمِّهِ أَنْ تَضَعَ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَكْرِمُوا وَلَدَ الزِّنَا وَأَحْسِنُوا إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ إنْ أَحْسَنَ جُوزِيَ وَإِنْ أَسَاءَ عُوقِبَ وَقَالَ عُمَرُ: أَعْتِقُوا أَوْلَادَ الزِّنَا، وَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ اهـ. وَانْظُرْ حَاشِيَتِي عَلَى مَنَاسِكِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِ وَلَدِ الزِّنَا

[بَابٌ الْإِيدَاعُ]

ص (بَابٌ) الْإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْوَدِيعَةُ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ، فَيَدْخُلُ إيدَاعُ الْوَثَائِقِ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ حِفْظُ الْإِيصَاءِ وَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لِأَزْيَدَ مِنْهُمَا وَحِفْظُ

الرَّبْعِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ كَابْنِ شَاسٍ تَابِعَيْنِ لِلْغَزَالِيِّ اسْتِنَابَةً فِي حِفْظِ مَالٍ كَخُرُوجِهِ وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ مَا دَخَلَ وَطَرْدُهُ مَا خَرَجَ وَبِمَعْنَى لَفْظِهَا مُتَمَلَّكٌ: نُقِلَ مُطْلَقُ حِفْظِهِ، يُنْقَلُ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ ابْنِ شَاسٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ يُنْقَلُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ مُتَمَلَّكٌ وَلَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ لَكَانَ أَبْيَنَ وَيَدْخُلُ فِي حَدِّهِ اسْتِئْجَارُ حَارِسٍ لِمَتَاعٍ، وَنَحْوِهِ وَإِخْرَاجُهُ حِفْظَ الرَّبْعِ مِنْ الْوَدِيعَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا قُلْت قَبَضْت وَبِعْت فِي الْأَرْضِ الْغَائِبَةِ لَمْ يَكُنْ حَوْزًا وَذَلِكَ كَالْإِشْهَادِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَوْزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي يَدَيْك أَرْضٌ أَوْ دَارٌ أَوْ رَقِيقٌ بِكِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، وَذَلِكَ بِبَلَدٍ آخَرَ فَوَهَبَك ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَكَ قَبِلْت حَوْزٌ انْتَهَى.
وَبِهَذَا رَدَّ الْوَانُّوغِيُّ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ فَقَالَ هَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي مُخْتَصَرِهِ رَدَّا عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ حِفْظَ الرَّبْعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَنْتَقِلُ يَبْطُلُ طَرْدُ حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ: وَدَعْوَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَعِيدٌ اهـ. وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَجْهُ النَّقْضِ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ أَوْ وَدِيعَةٍ رَاجِعٌ إلَى الْأَرْضِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فَصَحَّ كَوْنُ الرَّبْعِ عِنْدَهُ مِمَّا يَصِحُّ إيدَاعُهُ، فَبَطَلَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُودَعِ مِمَّا يُنْقَلُ، فَيَكُونُ إذْ ذَاكَ مُرَادُ الدُّخُولِ لَا مُرَادَ الْخُرُوجِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ، وَدَعْوَى الرَّدِّ إلَى آخِرِهِ، فَهُوَ اسْتِبْعَادٌ لِدَفْعٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ النَّقْضِ، وَقَوْلُكُمْ إنَّ وَدِيعَةً رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْكَلَامُ فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ فَقَوْلُهُ عَارِيَّةٍ رَاجِعٌ إلَى الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ أَوْ وَدِيعَةٍ رَاجِعٌ إلَى الرَّقِيقِ وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا إلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ كَمَا قَالَ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَلَا دَلِيلَ يَصْرِفُ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ إخْرَاجَ الْعَقَارِ مِنْ حُكْمِ الْوَدِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَحُكْمُهَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لِلْفَاعِلِ وَالْقَابِلِ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهَا كَخَائِفٍ فَقْدَهَا لِمُوجِبِ هَلَاكِهِ أَوْ فَقْدِهِ إنْ لَمْ يُودِعْهَا مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا وَحُرْمَتِهَا كَمُودِعِ شَيْءٍ غَصَبَهُ، وَلَا يَقْدِرُ الْقَابِلُ عَلَى جَحْدِهَا أَوْ رَدِّهَا لِرَبِّهَا أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ مُسْتَغْرِقَ الذِّمَّةِ وَلِذَا ذَكَرَ عِيَاضٌ فِي مَدَارِكِهِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرِقِ ذِمَّةٍ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ضَمِنَهَا لِلْفُقَرَاءِ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ سَأَلَ قَبُولَ وَدِيعَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ (قُلْت) : مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ قَبُولُهَا بِهَلَاكِهَا إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى حِفْظِهَا كَرُفْقَةٍ فِيهَا مَنْ يَحْتَرِمُهُ مَنْ أَغَارَ عَلَيْهَا أَوْ ذِي حُرْمَةٍ بِحَاضِرَةٍ تَعَرَّضَ ظَالِمٌ لِبَعْضِ أَهْلِهَا وَنَدَبَهَا حَيْثُ يُخْشَى مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقِهِ وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يُخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقِهِ انْتَهَى، وَانْظُرْ الذَّخِيرَةَ وَفِي مَسَائِلِ الْقَابِسِيِّ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُمِيسِيِّ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِ يُشَاوِرُهُ أَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ يَعْنِي الْوُلَاةَ أَوْ الْغُصَّابَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُمِيسِيِّ يَا أَخِي إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى غُرْمِهَا فَتَأْخُذْهَا مِنْهُ وَتَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَإِنْ سَأَلَك فِيهَا غَرَمْتَهَا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَصْحَابَ سَحْنُونٍ سُئِلُوا فِي كَائِنَةِ تُونُسَ أَنَّ رَجُلًا ذَهَبَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ، وَذَهَبَ لَهُ فِيهَا ذَهَبٌ وَثَوْبٌ دِيبَاجٌ فَرَآهُ يَوْمًا فِي يَدِ جُنْدِيٍّ فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِسَبْعِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ مَضَى بِالثَّوْبِ، فَلَمَّا فَتَحَهُ إذَا هُوَ غَيْرُ ثَوْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَرَجَعَ إلَى الْجُنْدِيِّ فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّمَا ظَنَنْت أَنَّهُ ثَوْبِي، فَلِذَلِكَ اشْتَرَيْتُهُ فَقَالَ لَهُ لَا عَلَيْك وَرَدَّ الْجُنْدِيُّ يَدَهُ إلَى مِنْطَقَتِهِ فَصَبَّ مِنْهَا دَنَانِيرَ فَعَدَّ مِنْهَا سَبْعَةً فَأَعْطَاهَا لَهُ وَانْصَرَفَ قَالَ: فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّنَانِيرِ وَبِقِيمَةِ الثَّوْبِ أَيْضًا قَالَ الشَّيْخُ:؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الثَّوْبَ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : يَجِبُ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ مِنْ التَّلَفِ، وَلَوْ أَذِنَ رَبُّهَا فِي التَّلَفِ، وَيَضْمَنُ إنْ فَعَلَ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا قَالَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ: أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ أَوْ فِي النَّارِ فَفَعَلَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ كَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي أَوْ وَلَدِي انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ فِي

الْحُرْمَةِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ دُخُولُ الْخِلَافِ فِيهِ لِإِذْنِ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ كَمَنْ أَذِنَ لِرَجُلٍ فِي قَطْعِ يَدِهِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا، ثُمَّ أَوْدَعَهُ، فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُودَعِ، فَلَيْسَ لِرَبِّهِ تَضْمِينُ الْمُودَعِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى انْتَهَى.

[تَنْبِيهٌ أَرْكَان الْوَدِيعَة]

(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي اللُّبَابِ: أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ الصِّيغَةُ وَالْمُودِعُ وَالْمُودَعُ أَمَّا الصِّيغَةُ، فَهِيَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي حِفْظِ الْمَالِ انْتَهَى.
مِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَفْتَقِرُ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَالْوَكَالَةِ وَأَصْلُنَا يَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ فِيهِمَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْبَيْعِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ فِيهِمَا أَيْ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَنَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ جَالِسًا، فَجَاءَ إنْسَانٌ، فَوَضَعَ أَمَامَهُ مَتَاعًا، ثُمَّ ذَهَبَ فَقَامَ الْجَالِسُ وَتَرَكَهُ، فَذَهَبَ الْمَتَاعُ فَالظَّاهِرُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ حِينَ وُضِعَ الْمَتَاعُ يَدُلُّ عَلَى قَبُولِهِ لِلْوَدِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُودِعُ مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ بِمِلْكٍ أَوْ تَفْوِيضٍ أَوْ وِلَايَةٍ كَالْقَاضِي فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُودَعُ مَنْ يُظَنُّ حِفْظُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ شَرْطَهَا بِاعْتِبَارِ جَوَازِ فِعْلِهَا وَقَبُولِهَا حَاجَةَ الْفَاعِلِ، وَظَنِّ صَوْنِهَا مِنْ الْقَابِلِ، فَتَجُوزُ مِنْ الصَّبِيِّ الْخَائِفِ عَلَيْهَا إنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُودِعَا مَا خِيفَ تَلَفُهُ بِيَدِ مُودِعِهِ إنْ ظَنَّ صَوْنَهُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لِاحْتِرَامِهِمَا وَثِقَتِهِمَا كَأَوْلَادِ الْمُحْتَرَمِينَ وَعَبِيدِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ بَعْضِ الظَّلَمَةِ بِبَعْضِ الْبِلَادِ وَلِقَاءِ الْأَعْرَابِ الْقَوَافِلَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ الرَّأْفَةُ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ وَالنَّهْيُ عَنْ إضَاعَتِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ انْتَهَى.

ص (إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ وَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ) ش: قَوْلُهُ كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ شَامِلٌ لِحِفْظِ كُلِّ جِنْسٍ بِجِنْسِهِ الْمُمَاثِلِ لَهُ حَتَّى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِمِثْلِهَا، وَهِيَ الصُّورَةُ الْأُولَى مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمُسْتثْنتَيْنِ مِنْ الضَّمَانِ بِخَلْطِ الْوَدِيعَةِ وَالثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ وَهِيَ إذَا خَلَطَ الْجِنْسَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ مَيْزُهُ بِسُهُولَةٍ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: الثَّالِثُ مِنْ أَسْبَابِ التَّقْصِيرِ فِي الْوَدِيعَةِ خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مُمَاثِلٍ لَهُ كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَشِبْهِهِ فَأَمَّا خَلْطُهَا بِجِنْسِهَا الْمُمَاثِلِ لَهَا جُودَةً وَرَدَاءَةً كَحِنْطَةٍ بِمِثْلِهَا أَوْ ذَهَبٍ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ وَلَا يَخْتَلِطُ بِهِ كَذَهَبٍ بِوَرِقٍ فَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَوْدَعْتَهُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا، ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ ضَاعَ بَعْضُهُ كَانَ مَا ضَاعَ وَمَا بَقِيَ بَيْنَكُمَا؛ لِأَنَّ دَرَاهِمَكَ لَا تُعْرَفُ مِنْ دَرَاهِمِهِ وَلَوْ عُرِفَتْ بِعَيْنِهَا كَانَتْ مُصِيبَةُ دَرَاهِمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ وَلَا يُغَيِّرُهَا الْخَلْطُ وَإِنْ أَوْدَعْتَهُ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِحِنْطَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا وَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا عَلَى الْإِحْرَازِ وَالدَّفْعِ، فَهَلَكَ الْجَمِيعُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً ضَمِنَ، وَكَذَلِكَ إنْ خَلَطَ حِنْطَتَكَ بِشَعِيرٍ، ثُمَّ ضَاعَ الْجَمِيعُ، فَهُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَفَاتَهَا بِالْخَلْطِ قَبْلَ هَلَاكِهَا انْتَهَى.
ص (لِلْإِحْرَازِ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيهَا أَصْلًا انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: وَهُوَ خَاصٌّ أَيْضًا بِبَعْضِ أَفْرَادِ الصُّورَةِ الْأُولَى، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَمُشَابِهَاتُهَا، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْإِحْرَازُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: وَمَنْ أَوْدَعْتَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَخَلَطَهَا يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَازِ وَالدَّفْعِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ فِي الطَّعَامِ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَيُعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ فِي الطَّعَامِ بَعْدَهُ أَنَّ أَبَا عِمْرَانَ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الطَّعَامِ وَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَازِ قَالَ: وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ كَذَلِكَ فَعَلَ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَنَصُّهُ: قَوْلُهُ فِي خَلْطِ الْحِنْطَةِ إذَا خَلَطَهَا عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ لِلْإِحْرَازِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) : إنْ خَلَطَهُ بِمَا يُخْلَطُ إنَّمَا يَضْمَنُهُ إذَا كَانَ لِهَذَا وَشِبْهِهِ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ جَمْعَهَا أَحْرَزُ لَهَا مِنْ تَفْرِيقِهَا وَأَرْفَقُ بِهَا مِنْ شُغْلِ مَخْزَنَيْنِ بِذَلِكَ وَكِرَائِهِمَا وَحِفْظِهِمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ

بِالدَّفْعِ وَإِنَّ الْخَلْطَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ هَذَا مِنْ تَعَدٍّ أَوْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ أَنَّهُ فِيهِ ضَامِنٌ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الطَّعَامِ وَالدَّرَاهِمِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ دَرَاهِمَ هَذَا تُعْرَفُ مِنْ دَرَاهِمِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَإِنْ خَلَطَ الدَّرَاهِمَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا يَضْمَنُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَمَيَّزُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ لَوْ خَلَطَ دَنَانِيرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً بِدَرَاهِمَ فِي كِيسٍ لَمْ يَضْمَنْ، فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَازَ قَيْدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ إنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَبَيْنَكُمَا إلَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ) ش يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِذَا خَلَطَ الدَّرَاهِمَ أَوْ الطَّعَامَ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ ضَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْبَاقِي عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَتَّفِقُ فِي هَذَا مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ قَبْلَ الضَّيَاعِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَخِلَافُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ الْمُشَارُ لَهُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَنَصُّهُ قَالَ وَمَنْ اخْتَلَطَ لَهُ دِينَارٌ مَعَ مِائَةِ دِينَارٍ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ ضَاعَ مِنْ الْجُمْلَةِ دِينَارٌ، فَهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ صَاحِبُ الدِّينَارِ بِجُزْءٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَجُزْءٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ سَلَمَةَ: لِصَاحِبِ الْمِائَةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقْتَسِمَانِ الدِّينَارَ الْبَاقِيَ ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ إلَّا دِينَارٌ وَاحِدٌ لَقُسِمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى قَوْلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ

الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ: وَكَذَلِكَ الشَّاةُ تَخْتَلِطُ بِغَنَمٍ فَتُبْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَالثَّانِيَةُ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً مِنْ أَلْغَازِ ابْنِ فَرْحُونٍ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا يَجُوزُ خَلْطُهَا بِهِ]

(فَرْعٌ) : إذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا يَجُوزُ خَلْطُهَا بِهِ وَقُلْنَا يَضْمَنُ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا إذَا تَلِفَتْ بَلْ يَضْمَنُهَا بِمُجَرَّدِ الْخَلْطِ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَنَصُّهُ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَتَانِ قَمْحٌ وَشَعِيرٌ، فَخَلَطَهُمَا ضَمِنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَ مَا خَلَطَ لَهُ انْتَهَى.
ص (وَبِانْتِفَاعِهِ بِهَا) ش: اُنْظُرْ إذَا انْتَفَعَ بِهَا، وَرَدَّهَا سَالِمَةً هَلْ يَلْزَمُهُ كِرَاءُ مِثْلِهَا أَمْ لَا؟ وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْكِرَاءَ فَرَاجِعْهُ.
ص (وَحَرُمَ سَلَفُ مُقَوَّمٍ وَمُعْدَمٍ وَكُرِهَ النَّقْدُ وَالْمِثْلِيُّ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ وَكَالْمُقَوَّمِ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إذَا كَانَ يَكْثُرُ اخْتِلَافُهُ، وَلَا يَتَحَصَّلُ أَمْثَالُهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمُودِعِ فَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُودَعِ أَوْ مَعَهُ كَرْمُ طَبْعٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُجِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ الدَّفْعِ أَوْ قَالَ لَا حَرَجَ عَلَيْكَ إنْ تَسَلَّفْتَهَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ كُرِهَ ذَلِكَ انْتَهَى

[فَرْعٌ وَإِنْ بَاعَ الْوَدِيعَةَ وَهِيَ عَرَضٌ]

(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَإِنْ بَاعَ الْوَدِيعَةَ وَهِيَ عَرَضٌ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْمِثْلِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ: وَلَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ طَعَامًا أَوْ سِلْعَةً فَرَبُّ الْوَدِيعَةِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَغْرَمَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ وَقِيمَةَ سِلْعَتِهِ إنْ فَاتَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ أَخَذَهُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مَا أَخَذَ فِيهَا مِنْ ثَمَنٍ أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَالتِّجَارَةِ وَالرِّبْحِ لَهُ) ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ: أَيْ وَكَذَا تَحْرُمُ التِّجَارَةُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا فَإِنْ تَجِرَ فَرَبِحَ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَحْوُهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا هُوَ الْكَرَاهَةُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ فِي الْكَبِيرِ وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَسَطِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَوْدَعْتَهُ مَالًا فَتَجِرَ بِهِ فَالرِّبْحُ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ، وَيُكْرَهُ التِّجَارَةُ الْوَدِيعَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَتَّجِرُ بِمَالِ الْأَيْتَامِ إنَّ الرِّبْحَ لَهُ بِخِلَافِ الْمُبْضِعِ مَعَهُ وَالْمُقَارِضِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُبْضِعَ مَعَهُ وَالْمُقَارِضُ إنَّمَا دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِمَا عَلَى طَلَبِ الْفَضْلِ فِيهِ، فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَجْعَلَا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمَا دُونَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُودِعُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى طَلَبِ الْفَضْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حِفْظَهَا لَهُ، فَلَهُ أَصْلُ الْمَالِ دُونَ الرِّبْحِ صَحَّ مِنْ النُّكَتِ الشَّيْخُ وَالْوَصِيُّ أَيْضًا إنَّمَا عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِ الْيَتِيمِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَبْضَعَ مَعَهُ بِبِضَاعَةٍ يَشْتَرِي بِهَا شَيْئًا، فَتَجِرَ فِيهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُبْضِعَ طَلَبَ الرِّبْحَ فَلَيْسَ لِلْمُبْضِعِ مَعَهُ قَطْعُهُ عَنْهُ وَنَقْلُهُ إلَى مِلْكِهِ فَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَ بِتَعَدِّيهِ وَالْمُودِعُ إنَّمَا قَصَدَ الْحِفْظَ فَقَطْ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَفِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْ الْمُنْتَقَى مَا نَصُّهُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمُبْضِعَ مَعَهُ الْمَالُ يَبْتَاعُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا ابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ يُضَمِّنَهُ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْهُ فِي عَرَضِهِ وَابْتِيَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِمَا ابْتَاعَهُ، وَهَذَا إذَا ظَفِرَ بِالْأَمْرِ قَبْلَ بَيْعِ مَا ابْتَاعَهُ فَإِنْ فَاتَ مَا ابْتَاعَهُ بِهِ، فَإِنَّ رِبْحَهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَخَسَارَتَهُ عَلَى الْمُبْضِعِ مَعَهُ انْتَهَى.

ص (وَبَرِئَ إنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ) ش: هُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِذَا تَسَلَّفَ مَالًا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ، ثُمَّ رَدَّ مَكَانَهَا مِثْلَهَا، فَتَلِفَ الْمِثْلُ بَرِئَ عَلَى الْمَشْهُورِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا لَا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمَكْرُوهُ، وَيَخْرُجَ مِنْهُ الْعَرَضُ، وَتَسَلُّفُ الْمُعْدَمِ لِلْعَيْنِ، وَفِي خُرُوجِ الْمُعْدَمِ

مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا إنَّمَا يَكْرَهُ تَسَلُّفَهَا لِلْمُعْدَمِ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَرُدَّهَا أَوْ يَرُدَّهَا بِعُسْرٍ فَإِنْ رَدَّهَا، فَقَدْ انْتَفَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا مُنِعَ مِنْ تَسَلُّفِهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ كَانَتْ أَيْ الْوَدِيعَةُ ثِيَابًا فَلَبِسَهَا حَتَّى بَلِيَتْ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ انْتَهَى.
أَبُو الْحَسَنِ مَفْهُومُهُ لَوْ رَدَّ الْقِيمَةَ لَبَرِئَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ سَوَاءٌ أَوْقَفَ الْقِيمَةَ أَوْ الْمِثْلَ انْتَهَى، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَبْرَأُ، وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ ثَالِثُهَا: يَبْرَأُ إنْ رَدَّهَا بِإِشْهَادٍ وَرَابِعُهَا: يَبْرَأُ إنْ كَانَتْ مَنْثُورَةً وَلَوْ كَانَتْ مَصْرُورَةً ضَمِنَهَا وَلَوْ رَدَّهَا.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينٍ قَالَهُ أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى بَرَاءَتِهِ فِي تَصْدِيقِهِ فِي رَدِّهَا دُونَ يَمِينٍ أَوْ بِهَا ثَالِثُهَا: إنْ تَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ صُدِّقَ دُونَ يَمِينٍ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ لِقَوْلِ الشَّيْخِ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَمِينًا مَعَ قَوْلِ الْبَاجِيُّ ظَاهِرُهَا نَفْيُهَا وَالشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَنْثُورَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ الثَّالِثَ اخْتِيَارًا لَهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِ الْمُعْدَمِ مِنْ الْبَرَاءَةِ إذَا تَلِفَ النَّقْدُ وَالْمِثْلِيُّ، وَرَدَّهُ إلَّا مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُ.
ص (إلَّا إنْ زَادَ قُفْلًا) ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاقْفِلْ وَاحِدًا فَقَفَلَ اثْنَيْنِ قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَوْلُ بِنَفْيِ الضَّمَانِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْجَوَاهِرِ وَزَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِهِ إغْرَاءٌ لِلِصٍّ فَيَضْمَنُ، وَالْقَوْلُ بِالضَّمَانِ مَالَ إلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ، وَلَا أَعْلَمُهُ مَنْصُوصًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَبِقُفْلٍ نَهَاهُ عَنْهُ وَاخْتِيرَ سُقُوطُهُ لَا إنْ لَمْ يَنْهَهُ أَوْ زَادَ قُفْلًا إلَّا فِي حَالِ إغْرَاءِ اللِّصِّ

ص (وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا إلَى قَوْلِهِ لَا إنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَوَقَعَتْ) ش: هُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا إذَا نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقِيلَ سَوَاءٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُحْتَمَلُ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي الْأُولَى مَنْصُوصًا نَعَمْ خَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ الْمُودِعِ مِائَةَ دِينَارٍ، فَيَدَّعِيهَا رَجُلَانِ، وَنَسِيَ أَيُّهُمَا أَوْدَعَهُ، وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ بِالْخِيَارِ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَاخْتَلَطَا، وَلَمْ يَدْرِ لِمَنْ الْجَيِّدُ مِنْهُمَا، فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ يَضْمَنُ لَهُمَا أَوْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؟ اللَّخْمِيُّ وَالْعُذْرُ بِالنِّسْيَانِ أَبْيَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ بِالنِّسْيَانِ مُفْرِطًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سَوَاءٌ أَيْ فِي الضَّمَانِ لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ بِالضَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَمُطَرَّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ الْمُتَقَدِّمَ، وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ مَا نَصُّهُ، وَلَوْ أَوْدَعَهُ بِالطَّرِيقِ فَمَضَى لِحَاجَةٍ قَبْلَ إحْرَازِهَا، فَضَاعَتْ ضَمِنَ وَلَوْ جَعَلَهَا فِي كُمِّهِ

مُلْقَاةً لَمْ يَكُنْ حَوْزًا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا نَقَلَ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قَوْلُهُ فِي سُقُوطِهَا مِنْ كُمِّهِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّاهِي وَبِهِ يُفَسَّرُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَحَلِّ إيدَاعِهَا ضَمِنَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، ثُمَّ قَالَ: لَا إنْ نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ، فَسَقَطَتْ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لَمَّا عَدَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُوجِبُ الضَّمَانَ، السَّابِعُ: النِّسْيَانُ فَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي أَخَذَهَا فِيهِ ضَمِنَ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَسِيَهَا، فَجَعَلَهَا فِي كُمِّهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا لَهُ، فَتَلِفَتْ، فَهُوَ ضَامِنٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا نَسِيَهَا فِي مَجْلِسِهِ، فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ قَالَ: وَهَذَا الْأَصْلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ نِسْيَانَهُ جِنَايَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ اُنْظُرْ الْجَوَاهِرَ انْتَهَى كَلَامُهُ وَنَظَرْت الْجَوَاهِرَ فَلَمْ أَرَ فِيهَا شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبِإِيدَاعِهَا وَإِنْ بِسَفَرٍ) ش: يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهَا مَحْمَلًا مَعَهُ إلَّا أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَهَا أَنَّهُ لَا يَجِدُ لَهَا مَحْمَلًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجِدْ لَهَا مَحْمَلًا مَعَهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَفِيهِ مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَوْدَعَ مَعَهُ وَدِيعَةً لِبَلَدٍ، فَعَرَضَتْ لَهُ إقَامَةٌ فِي الطَّرِيقِ قَصِيرَةٌ كَالْأَيَّامِ أَوْ طَوِيلَةٌ كَالسَّنَةِ أَوْ مُتَوَسِّطَةٌ كَالشَّهْرَيْنِ، فَإِنْ بَعَثَهَا فِي الْقَصِيرَةِ ضَمِنَهَا وَإِنْ حَبَسَهَا فِي الطَّوِيلَةِ ضَمِنَهَا، وَهُوَ فِي الْمُتَوَسِّطَةِ مُخَيَّرٌ هَذَا الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أَقْوَالِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَرَاجِعْهَا وَانْظُرْ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ وَابْنَ يُونُسَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ لَمْ أَجِدْ الرَّجُلَ فَرَدَدْت إلَيْك الْمَالَ صُدِّقَ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا لَمْ يَجِدْهُ إيدَاعُهَا اُنْظُرْ بَقِيَّةَ الْمَسْأَلَةِ وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ أَبْضَعَ مَعَهُ بِبِضَاعَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ، وَلَا أَنْ يَبْعَثَ بِهَا مَعَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ تَحْدُثَ لَهُ إقَامَةٌ فِي بَلَدٍ، وَلَا يَجِدَ صَاحِبَهَا وَيَجِدَ مَنْ يَخْرُجُ إلَى حَيْثُ أَمَرَ صَاحِبُهَا فَلَهُ تَوْجِيهُهَا، ثُمَّ قَالَ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَوْ قَالَ الْآمِرُ: قَدْ أَمَرْتُكَ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ يَدِكَ، وَلَا تَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِكَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ فَالْمَأْمُورُ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَقَالَ: قَالَ مُطَرِّفٌ فِيهِ: وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي أَنَّهُ أَمِينٌ، فَإِذَا هُوَ غَيْرُ أَمِينٍ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَنَصَّ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الرُّهُونِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْمَأْمُورَ مُصَدَّقٌ، فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَالْقَوْلُ لَكَ إنْ ادَّعَى الْإِذْنَ أَوْ صِفَةً لَهُ، وَقَدْ نَصَّ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ.
وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَمْ يَحْكِيَا خِلَافًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لِغَيْرِ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ اُعْتِيدَتَا بِذَلِكَ) ش: يَعْنِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَعَكْسُ الْمَسْأَلَةِ نَصَّ عَلَيْهِ

الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَنَصُّهُ قَوْلُهُ، فَدَفَعَهُ لِزَوْجَتِهِ اُنْظُرْ الْعَكْسَ قَالَ الْوَانُّوغِيُّ: قَالَ عِيَاضٌ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ يُفْتِي بِعَدَمِ ضَمَانِهَا إذَا ضَاعَتْ عِنْدَهُ كَمَا لَا يَضْمَنُ هُوَ مَا ضَاعَ عِنْدَهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ تَضْمَنُ هِيَ وَلَا يَضْمَنُ هُوَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَشَذَّالِيُّ مَا حَكَاهُ الْوَانُّوغِيُّ عَنْ عِيَاضٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد الصَّوَّافُ مِنْ عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ انْتَهَى، وَأَشَارَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ إلَى هَذَا (فَرْعٌ) : رَجُلٌ طَلَعَ إلَى سَقْفٍ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَانُوتِ: احْبِسْ لِي هَذَا الْفَرْوَ حَتَّى أَهْبِطَ، فَاحْتَاجَ صَاحِبُ الْحَانُوتِ إلَى الْقِيَامِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ اُنْظُرْ الْحَانُوتَ وَالْفَرْوَ حَتَّى آتِيَ فَضَاعَ الْفَرْوُ فَأَجَابَ الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ عَلَى صَاحِبِ الْحَانُوتِ الضَّمَانُ، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى الْوَدِيعَةِ إذَا أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ أَنَّهُ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ إرَادَةِ سَفَرٍ قَالَهُ فِي مَسَائِلِ ابْنِ الْحَاجِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْهَا.
(فَرْعٌ) : مِنْهَا رَجُلٌ حَمَلَ بِضَاعَةً لِرَجُلٍ، فَجَاءَ إلَى مَوْضِعِ خَوْفٍ فِي الطَّرِيقِ، فَحَبَسَهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ نَزَلَ يَبُولُ فَوَضَعَهَا فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ وَنَسِيَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَرَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ، فَلَمْ يَجِدْهَا أَوْ لَا يَدْرِي أَيْنَ وَضَعَهَا فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: أَفْتَيْت أَنَا وَابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَذَكَرَ لِي عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِإِنْزَائِهِ عَلَيْهَا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَوْ خَتَنَ الْمُودَعُ عِلْجًا أَسْلَمَ عِنْدَهُ وَهُوَ يُطِيقُهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَعَدٍّ اتِّفَاقًا وَسَوَاءٌ قُلْنَا الْخِتَانُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ قَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِي انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَبِمَوْتِهِ وَلَمْ يُوصِ بِهَا وَلَمْ تُوجَدْ إلَّا لِكَعَشْرٍ سِنِينَ) ش: هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْوَدِيعَةُ بِإِشْهَادٍ مَقْصُودٍ بِهِ التَّوَثُّقُ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، فَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِطُولِ الزَّمَانِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاعْتَرَضَ عَلَى إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَلَى سُكُوتِ شَارِحِيهِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَأَخَذَهَا إنْ ثَبَتَ بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ إنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ الْمَيِّتِ) ش: فَاعِلُ ثَبَتَ هُوَ قَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ وَبِكِتَابَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذِهَا وَلَوْ أَخَّرَهُ لَكَانَ أَبْيَنَ وَتَقْدِيرُهُ وَأَخَذَهَا بِكِتَابَةٍ عَلَيْهَا أَنَّهَا لَهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّهُ أَوْ خَطُّ الْمَيِّتِ.
ص (وَبِدَفْعِهَا مُدَّعِيًا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِهِ وَحَلَفْت وَإِلَّا حَلَفَ وَبَرِئَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْآمِرِ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ

أَوْدَعْتَهُ وَدِيعَةً، فَادَّعَى أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِدَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ فَفَعَلَ وَأَنْكَرْت أَنْتَ أَنْ تَكُونَ أَمَرْتَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَكَ بَيِّنَةٌ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَيَحْلِفُ رَبُّهَا فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُودِعُ وَبَرِئَ قَالَ أَشْهَبُ: سَوَاءٌ أَوْدَعْتَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ صَحَّ مِنْ عِيَاضٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ إنْ لَمْ يَشْهَدْ رَبُّهَا عَلَيْهَا بِهَا صَدَّقَ الرَّسُولُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيَحْلِفُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ إنَّ الرَّسُولَ مُصَدَّقٌ بِكُلِّ حَالٍ كَانَ دَيْنًا أَوْ صِلَةً أَنْكَرَهُ الْقَابِضُ أَوْ أَقَرَّ بِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ اقْضِ عَنِّي فُلَانًا دَيْنَهُ عَلَيَّ فَيَضْمَنُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : فَلَوْ مَاتَ الْمُودِعُ وَادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَيَحْلِفُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْعِلْمِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَلَوْ دَفَعْت فِي الصِّحَّةِ مَالًا لِمَنْ يُفَرِّقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ مِتَّ أَنْتَ قَبْلَ إنْفَاذِهِ فَإِنْ أَشْهَدْت فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَا فَاتَ وَمَا بَقِيَ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ فَالْبَاقِي لِوَرَثَتِك، وَلَوْ فَرَّقَ بَاقِيهِ بَعْدَ مَوْتِكَ ضَمِنَ الْبَقِيَّةَ لِوَارِثِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَرَثَةَ مُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وَلَوْ نَازَعُوهُ لَضَمِنَ مَا فَرَّقَ، وَمَا بَقِيَ إنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي عِلْمَهُ مِمَّنْ يَظُنُّ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَيْ نَازَعُوهُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْوَدِيعَةِ بِأَمَارَةٍ أَوْ بِكِتَابَةٍ فَإِنْ فَعَلَ، وَجَاءَ الْمُودِعُ فَأَنْكَرَ حَلَفَ مَا أَمَرَهُ وَلَا كَتَبَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَضَمِنَهَا مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُودِعُ عَلَى الْقَابِضِ مِنْهُ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ وَشَهَادَتُهُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ ثَانٍ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُحَالُ عَلَيْهِمْ وَالْوَكِيلُ حُكْمُهُمْ كَذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُوا بِالدَّفْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْمُرْسِلِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا وَنَصُّهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُودَعِ أَنْ يُسَلِّمَ الْوَدِيعَةَ بِأَمَارَةِ الْمُودِعِ وَلَا بِكِتَابَتِهِ وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُودِعُ أَنَّهُ خَطُّهُ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الرَّسُولُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ خَطُّ الْمُودِعِ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يَجِبْ لَهُ أَخْذُهَا حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ بِمَا يَبْرَأُ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ حَقِّهِ الْإِبْرَاءَ وَإِشْهَادَهُ عَلَى الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إذَا جَحَدَ الْمُودِعُ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُودِعُ أَنَّهُ رَضِيَ لِصَاحِبِهَا بِتَسْلِيمِهَا بِذَلِكَ أَوْ رَضِيَ الْآنَ بِتَسْلِيمِهَا، فَيَلْزَمُ مَا رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ رَضِيَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الرَّسُولِ بِغَيْرِ إمَارَةٍ وَلَا كِتَابٍ الْوَدِيعَةُ عَيْنٌ وَالْمُودِعُ مُوسِرٌ جَازَ رِضَاهُ، وَأُلْزِمَ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُودِعُ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ قَامَ الْمُودِعُ بِالْمِثْلِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِهَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَإِنْ كَانَتْ عَرَضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقْضَى عَلَى مُتْلِفِهِ بِالْمِثْلِ أَوْ عَيْنًا وَالْمُودِعُ مُعْسِرٌ لَمْ يَجُزْ، وَرُدَّ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى صَاحِبِهَا إنْ قَالَ: لَمْ أَبْعَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ثِقَةً مَأْمُونًا مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، فَيُمَكِّنُ مِنْ قَبْضِهَا، وَيَلْزَمُ الْآخَرَ مَا رَضِيَ بِهِ وَإِنْ أَوْقَعَ الدَّفْعَ بِأَمَارَةٍ أَوْ بِكِتَابٍ مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ أَوْ بِقَوْلِ الرَّسُولِ خَاصَّةً، ثُمَّ قَدِمَ الْمُودِعُ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ بَعَثَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْهُ وَلَا كَتَبَ، ثُمَّ يَكُونُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ الرَّسُولُ أَوْ الْمُودِعُ فَإِنْ غَرِمَ الرَّسُولُ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْمُودِعِ وَاخْتُلِفَ إذَا أَغْرَمَهَا الْمُودِعُ هَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الرَّسُولِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا صَدَّقَ الرَّسُولَ وَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ وَغَرِمَ الْمُودَعُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الرَّسُولِ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ: لَا يَرْجِعُ بِهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إذَا دَفَعَ بِالْكِتَابِ أَوْ بِأَمَارَةٍ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُودِعُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ وَإِنْ قَالَ الْمُودِعُ: أَمَرْتنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَى فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُ فِي خُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَغْرَمُهَا أَيُّهُمَا أَحَبُّ فَإِنْ رَجَعَ صَاحِبُهَا عَلَى مُتْلِفِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ الْغَارِمُ عَلَى الرَّسُولِ وَاخْتُلِفَ إذَا رَجَعَ صَاحِبُهَا عَلَى الرَّسُولِ هَلْ يَرْجِعُ

الرَّسُولُ عَلَى مَنْ قَبَضَهَا مِنْهُ فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَرْجِعُ، وَأَرَى الرُّجُوعَ فِي هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ الْأَرْبَعَةِ مُفَرَّعًا، فَيَسْقُطُ رُجُوعُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَعْتَرِفُ الْمُودِعُ أَنَّ الْقَابِضَ قَبَضَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ، وَأَنَّ الْمُودِعَ ظَالِمٌ فِي إغْرَامِهِ، وَيَرْجِعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ مِنْ الْقَابِضِ عَلَى شَكٍّ هَلْ قَبَضَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ أَمْ لَا فَإِذَا كَانَ دَفَعَهُ بِخَطِّ الْمُودِعِ أَوْ بِأَمَارَةٍ أَوْ بِقَوْلِهِ ادْفَعْهَا صَدَقَةً عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ بِقَوْلِ الْقَابِضِ أَرْسَلَنِي إلَيْك رَجَعَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ حَمَلْت قَوْلَكَ عَلَى أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لَكَ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ الْمُودِعَ يُخَالِفُكَ لَمْ أَدْفَعْ إلَيْكَ شَيْئًا انْتَهَى.

ص (وَإِنْ بَعَثْت إلَيْهِ بِمَالٍ فَقَالَ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيَّ وَأَنْكَرْت فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ تَأْوِيلَانِ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَعَثْت إلَيْهِ بِمَالٍ فَقَالَ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيَّ وَصَدَّقَهُ الرَّسُولُ وَأَنْتَ مُنْكِرٌ لِلصَّدَقَةِ، فَالرَّسُولُ شَاهِدٌ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الْمَالُ صَدَقَةً عَلَيْهِ قَالَ كَيْفَ يَحْلِفُ وَلَمْ يَحْضُرْ؟ قَالَ كَمَا يَحْلِفُ الصَّبِيُّ إذَا كَبُرَ مَعَ شَاهِدِهِ فِي دَيْنِ أَبِيهِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ كَيْفَ يَحْلِفُ نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ قِيلَ لِمَالِكٍ كَيْفَ يَحْلِفُ وَانْظُرْ جَعَلَهُ يَحْلِفُ هُنَا، وَهَلْ هِيَ يَمِينٌ غَمُوسٌ أَوْ إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَوْدَعَك وَدِيعَةً فَشَهِدْت عَلَيْهِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا حَلَفَ فُلَانٌ مَعَ شَهَادَتِك وَاسْتَحَقَّهَا إنْ كَانَ حَاضِرًا وَإِنْ غَابَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُك إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ تَنْتَفِعُ أَنْتَ فِي مِثْلِهَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَةً لَا تَنْتَفِعُ فِي مِثْلِهَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ لِارْتِفَاعِ التُّهْمَةِ انْتَهَى.
قَالَ فِي النُّكَتِ سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا فَقُلْت أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لِلسُّلْطَانِ خُذْهَا مِنْ يَدِي لَا أُرِيدُ إمْسَاكَهَا فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ حِينَ أَتَى يَشْهَدُ قَالَ لِلْحَاكِمِ إنَّ فُلَانًا أَوْدَعَنِي كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ فَخُذْهُ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ شَهِدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى يَقُولُ هَذَا فَيُتَّهَمُ أَنْ يَقُولَ هَذَا لِيَنْفِيَ الظِّنَّةَ عَنْهُ الَّتِي قَدْ أَبْطَلَتْ شَهَادَتَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ، فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ بِشَهَادَتِهِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رُدَّتْ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ انْتَهَى

ص (وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِكَ) ش قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْوَارِثِ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَأْتَمِنَاهُ كَالْيَتِيمِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْمُودَعُ وَرَبُّ الْوَدِيعَةِ مَعًا وَادَّعَى وَارِثُ الْمُودَعِ رَدَّ الْوَدِيعَةِ إلَى وَارِثِ رَبِّهَا انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّيْخِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ قَالَ الْمُودَعُ أَوْ الْعَامِلُ رَدَدْنَا الْمَالَ لِوَصِيِّ الْوَارِثِ لِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ لَمْ يُصَدَّقَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ الْوَصِيِّ، وَلَوْ كَانَ قَبْضُهُمَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا دَفَعَا لِغَيْرِ مَنْ قَبَضَا مِنْهُ انْتَهَى.
وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا دَعْوَى الرَّدِّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ كَدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِ الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودِعِ عَلَى الْمِلْكِ تَفْتَقِرُ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَسَوَاءٌ قَبَضَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ انْتَهَى

ص (أَوْ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ الْمُنْكِرِ) ش: قَالَ

فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: دَفَعْته لَهُ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الدَّافِعُ بِبَيِّنَةٍ ضَمِنَ ذَلِكَ قَبَضَ ذَلِكَ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَوْ شَرَطَ الرَّسُولُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ أَمَرْتَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالدَّفْعِ إذَا ثَبَتَ هَذَا الشَّرْطُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ مَفْهُومُهُ لَوْ أَقَرَّ أُبْرِئَ الدَّافِعُ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ وَمَنْ بَعَثَ مَعَهُ بِمَالٍ لِيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ صَدَقَةً أَوْ صِلَةً أَوْ سَلَفًا أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ لِيَبْتَاعَ لَكَ بِهَا سِلْعَةً فَقَالَ دَفَعْتُهُ وَكَذَّبَهُ الرَّجُلُ لَمْ يَبْرَأْ الرَّسُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ، فَأَكْذَبَهُ أَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ أُبْرِئَ وَظَاهِرُهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الصُّوَرِ، وَذَكَرَ فِيهَا السَّلَفُ وَفِيهِ مِنْ أَمَانَةٍ إلَى ذِمَّةٍ أَمَّا إنْ كَانَ قَائِمَ الذِّمَّةِ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَبْرَأُ وَإِنْ كَانَ خَرِبَ الذِّمَّةِ، فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى الصِّلَةِ أَوْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ يُشِيرُ إلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مُلَخَّصًا وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بَعْدَ هَذَا وَإِنْ بِعْت مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا وَبَعَثْت مَعَهُ عَبْدَك أَوْ أَجِيرَك لِيَقْبِضَ الثَّمَنَ فَقَالَ قَبَضْتُهُ وَضَاعَ مِنِّي فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ بِالدَّفْعِ إلَى رَسُولِكَ ضَمِنَ بِخِلَافِ مَنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ، فَقَالَ دَفَعْتُهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَصَدَّقَهُ الرَّجُلُ هَذَا لَا يَضْمَنُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ قَبْضُ ذَلِكَ إلَى أَمَانَةٍ أَوْ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ عِيَاضٌ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ: إنَّ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمَبْعُوثُ، فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَالرَّسُولُ بَرِيءٌ سَوَاءٌ كَانَ الْقَابِضُ لَهَا قَبَضَهَا مِنْ حَقٍّ أَوْ وَدِيعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ أَكْثَرُهُمْ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَالَ حَمْدِيسٌ: إنَّمَا يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهِ أَوْ عَلَى وَدِيعَةٍ هِيَ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ، وَأَمَّا الَّتِي أَقَرَّ بِقَبْضِهَا، وَادَّعَى تَلَفَهَا أَوْ جَحَدَ الْقَبْضَ، فَلَا يَبْرَأُ الرَّسُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الدَّفْعِ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ نُظَّارِ الْأَنْدَلُسِ وَلَفْظُهُ فِي الْكِتَابِ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَقٍّ أَوْ وَدِيعَةٍ انْتَهَى وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عَنْ عِيَاضٍ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: مَنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى غَيْرِ الْيَدِ الَّتِي دَفَعْتُهَا إلَيْهِ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنْ الْإِشْهَادِ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ إذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ، وَلَا أَحْفَظُ فِي هَذَا الْوَجْهِ نَصَّ خِلَافٍ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ بَعَثَ بِبِضَاعَةٍ إلَى رَجُلٍ مَعَ رَجُلٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ فِي دَفْعِهَا إلَيْهِ وَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَابِضُ كَانَتْ دَيْنًا أَوْ صِلَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ بِالْمَعْنَى فِي مَسْأَلَةِ اللُّؤْلُؤِ الْوَاقِعَةِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ، وَادَّعَى التَّلَفَ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ إلَى أَمَانَةٍ أَوْ إلَى ذِمَّةٍ، فَإِنْ كَانَ قَبَضَ إلَى أَمَانَةٍ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ فِيهَا مَرَّةً: يَبْرَأُ الدَّافِعُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ وَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْآمِرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ مَرَّةً: لَا يَبْرَأُ الدَّافِعُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّفْعِ أَوْ يَأْتِي الْقَابِضُ بِالْمَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَمَّا إنْ قَبَضَ إلَى ذِمَّةٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ ادْفَعْ الْوَدِيعَةَ الَّتِي لِي عِنْدَكَ إلَى فُلَانٍ سَلَفًا أَوْ تَسْلِيفًا فِي سِلْعَةٍ أَوْ إلَى صَانِعٍ يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلًا، فَإِنْ كَانَتْ الذِّمَّةُ قَائِمَةً فَإِنَّ الدَّافِعَ يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الذِّمَّةُ خَرِبَةً فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قِيلَ إنَّ الدَّافِعَ يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ، وَهِيَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ تَصْدِيقِهِ إيَّاهُ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ (فَصْلٌ) : وَهَذَا التَّقْسِيمُ كُلُّهُ فِي دَفْعِ الْأَمَانَةِ وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى أَمَانَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ، وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُعَايَنَةِ الدَّفْعِ أَوْ يَأْتِي قَابِضُ الْمَالِ بِهِ هَذَا نَصُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا أَعْرِفُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَإِنْ دَفَعَ إلَى ذِمَّةٍ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ كَانَتْ خَرِبَةً، فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الدَّفْعِ هَذَا الَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي عَلَى مَذَاهِبِهِمْ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصَّ خِلَافٍ

إلَّا أَنْ يَدْخُلَهَا الْخِلَافُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَانَةِ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ دَافِعٌ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَمِنْ أَمَانَةٍ إلَى أَمَانَةٍ وَمِنْ ذِمَّةٍ إلَى أَمَانَةٍ وَمِنْ أَمَانَةٍ إلَى ذِمَّةٍ انْتَهَى مُخْتَصَرًا لَكِنَّهُ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إذَا دَفَعَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أَمَانَةٍ لَا يَبْرَأُ بِتَصْدِيقِ الْقَابِضِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي غَيْرِ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا لَوْ لَمْ يَمُتْ وَأَكْذَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ فِي قَبْضِهَا مِنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُرِيدُ، فَلَوْ لَمْ يَمُتْ الرَّسُولُ أَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، وَضَاعَتْ وَأَنْكَرَ رَبُّهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي دَفْعِهَا إلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مُعَايَنَةِ الدَّفْعِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا ضَمِنَ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ فِي قَبْضِهَا مِنْهُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْمُنْكِرُ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لَا يَضْمَنُ وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا نَسَبَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا وَتَرَكَ مَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ لِقُوَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَا مُنَافَاةَ عَلَى هَذَا بَيْنَ مَا قَالَ هُنَا وَبَيْنَ مَا قَالَهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ قَبَضْت وَتَلِفَ بَرِئَ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ فِي الْوَكَالَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ الدَّفْعُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أَمَانَةٍ الَّذِي صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْغَرِيمُ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ هُنَاكَ يُرِيدُ إذَا قَالَ الْوَكِيلُ الْمَخْصُوصُ قَبَضْت ثَمَنَ مَا بِعْت إلَخْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَعْوَى الرَّدِّ مُسَامَحَةٌ وَإِنَّمَا فِيهَا دَعْوَى إيصَالِ الْأَمَانَةِ.
(تَنْبِيهٌ) ثَانٍ قَالَ فِي النُّكَتِ اعْلَمْ أَنَّ الرَّسُولَ إذَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَى مَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ يَنْفَعُهُ، وَإِذَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهَا حِينَ وُجُوبِ مُتَعَلِّقِهَا، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ سُقُوطَ أَمْرٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ بِخِلَافِ شَرْطِهِ تَرْكَ الْإِشْهَادِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَا أَرَاهُ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ هَذَا فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الرُّهُونِ مَسْأَلَةُ الْمُرْتَهِنِ يَأْخُذُ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ وَضَعَهُ، وَيُصَدِّقُهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَدْلُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَيُصَدَّقُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت اُنْظُرْ هَذَا مَعَ الْقَوْلِ بِالْوَفَاءِ بِشَرْطِ دَعْوَى التَّصْدِيقِ فِي دَعْوَى عَدَمِ الْقَضَاءِ انْتَهَى.
وَسَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ (تَنْبِيهٌ) : إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي الضَّمَانِ مَعَ عَدَمِ الْإِشْهَادِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعُرْفُ عَدَمَ الْإِشْهَادِ صُدِّقَ الْمُودِعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ تَصْدِيقَ رَبِّ الْمَالِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ مَعَ عَدَمِ الْإِشْهَادِ، وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ قِرَاضِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَتَأَمَّلْهُ وَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ مَنْ بَعَثْت مَعَهُ بِمَالٍ مَا نَصُّهُ وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرْتَهُ بِصَدَقَةٍ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَإِنْ صَدَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضُهُمْ ضَمِنَ حِصَّةَ مَنْ كَذَّبَهُ، وَلَوْ أَمَرْتَهُ بِصَدَقَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ انْتَهَى.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ إذَا كَانَ مُتَّهَمًا وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ بَعَثْت بِمَالٍ إلَى رَجُلٍ بِبَلَدٍ فَقَدِمَهَا الرَّسُولُ، ثُمَّ مَاتَ بِهَا وَزَعَمَ الرَّجُلُ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَكَ فِي تَرِكَةِ الرَّسُولِ وَلَكَ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لِذَلِكَ سَبَبًا، وَلَوْ مَاتَ الرَّسُولُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَلَدِ، فَلَمْ يُوجَدْ لِلْمَالِ أَثَرٌ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ انْتَهَى زَادَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، فَإِنْ نَكَلُوا غَرِمُوا، وَقَالَ فِيهِ فَإِنْ مَاتَ الْمَبْعُوثُ بِهَا إلَيْهِ بَعْدَ وُصُولِ الْمَبْعُوثِ بِهَا مَعَهُ إلَى الْبَلَدِ وَادَّعَى دَفْعَهَا إلَى الرَّجُلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَى دَفْعِهَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ وَصَلَ الْمَبْعُوثُ بِهَا مَعَهُ إلَى الْبَلَدِ، وَلَمْ يُوصِلْهَا إلَى الْمَبْعُوثِ بِهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا ذِكْرًا حَتَّى رَجَعَ إلَى رَبِّهَا، وَادَّعَى تَلَفَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الْبِضَاعَةِ مِنْهُ وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مُطَرِّفٌ: عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ أَبْضَعَ مَعَ رَجُلٍ بِضَاعَةً وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى آخَرَ، وَأَشْهَدَ

الْآمِرَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَالْبِضَاعَةُ دَيْنٌ عَلَى الْآمِرِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، فَعَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الدَّافِعِ، وَإِلَّا ضَمِنَ إذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ غَايَاتِ الْأُمُورِ انْتَهَى

ص (كَعَلَيْكَ إنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ) ش قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ بِبَيِّنَةٍ، فَادَّعَى الْمُودَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا ضَمِنَ بَعْدَ يَمِينِ رَبِّهَا، وَلِرَبِّهَا رَدُّ الْيَمِينِ انْتَهَى، وَفِي وَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَإِنْ زَعَمَ الْمُسْتَوْدَعُ عِنْدَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَى رَبِّهَا، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِمَا زَعَمَهُ، وَلَا يُبَرِّئُهُ قَوْلُهُ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى رَبِّهَا، فَإِنْ حَلَفَ رَبُّهَا أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا غَرِمَهَا الْمُودَعُ عِنْدَهُ وَإِنْ نَكَلَ رَبُّهَا عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُودَعِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُودِعُ أَنَّهُ قَصَدَ الْمُودَعَ بِالْبَيِّنَةِ التَّوَثُّقَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَوْلُهُ يَعْنِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةَ الِاسْتِرْعَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ الَّذِي حَرَّرَ هَذَا اللَّفْظَ فِي رِسَالَتِهِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ ابْنُ يُونُسَ مَنْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ بِمَحْضَرِ قَوْمٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ إشْهَادَهُمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَقَبْضِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ حَتَّى يَقْصِدَ الْإِشْهَادَ عَلَى نَفْسِهِ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ الْقَبْضُ بِبَيِّنَةٍ لِيَكُونَ الرَّدُّ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إنْ كَانَ الْإِشْهَادُ خَوْفَ الْمَوْتِ لِيَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ قَالَ الْمُودِعُ: أَخَافُ أَنْ يَقُولَ هِيَ سَلَفٌ فَأَشْهَدَنِي أَنَّهَا وَدِيعَةٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التَّوَثُّقَ مِنْ الْقَابِضِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي رَدِّهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَوْ تَبَرَّعَ الْمُودِعُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ زَرْبٍ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ حُكْمَ الْإِشْهَادِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: هُوَ مُصَدَّقٌ انْتَهَى.
.

ص (وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِالتَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ) ش: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالرَّدِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْبَيَانِ: يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا هِيَ عِنْدَهُ، وَلَقَدْ رَدَّهَا إلَيْهِ أَوْ تَلِفَتْ وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ أَصْبَغُ: إذَا قَالَ لَا أَدْرِي أَضَاعَتْ أَوْ رَدَدْتُهَا وَالْقَبْضُ بِبَيِّنَةٍ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ ضَمَانٍ وَإِنَّمَا أُمِنَ عَلَى الْحِفْظِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبَرِّئُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَوْ قَالَ لَكَ إنْ أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا، فَقَدْ ضَاعَ وَقَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا يَمِينُهُ لِجَزْمِهِ بِانْحِصَارِ الطَّارِئِ فِي الضَّيَاعِ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ) ش: هَذَا فِيمَا إذَا ادَّعَى

التَّلَفَ، وَلَمْ يُحَقِّقْ رَبُّهَا عَلَيْهِ الدَّعْوَى إنَّهَا بَاقِيَةٌ انْتَهَى اُنْظُرْ كِتَابَ ابْنِ حَارِثٍ فِي بَابِ الْأُمَنَاءِ وَابْن جُزَيٍّ فِي بَابِ الضَّمَانِ بِالتَّعَدِّي وَالْغَصْبِ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ، وَلَا يَرُدُّ الْيَمِينَ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ، وَأَمَّا فِي دَعْوَى الرَّدِّ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحَيْثُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ بِيَمِينٍ، وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: وَبِاشْتِمَالِ كِتَابِهِ عَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَ مُحَقِّقُو شُيُوخِنَا يُنْكِرُونَ كِتَابَ ابْنِ الْحَاجِبِ الْفِقْهِيَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِمَنْعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ تَكُنْ بِبَيِّنَةٍ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ

كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: قَالَا وَمَنْ أَوْدَعْتَهُ وَدِيعَةً، ثُمَّ أَقْرَرْت أَنَّهَا لِزَيْدٍ الْغَائِبِ، ثُمَّ طَلَبْت قَبْضَهَا فَلَكَ ذَلِكَ بِالْحُكْمِ، وَلَيْسَ إقْرَارُكَ أَنَّهَا لِزَيْدٍ يَمْنَعُك مِنْ قَبْضِهَا فِي غَيْبَةِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّكَ الَّذِي أَوْدَعْتَهَا، وَكَذَلِكَ مَا أَوْدَعْتَهُ عِنْدَ سَفَرِكَ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ مَالٍ أَنْتَ فِيهِ وَكِيلٌ وَأَنْتَ مُقِرٌّ أَنَّ ذَلِكَ لِفُلَانٍ فَلَكَ أَخْذُهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَنْتَ وَكِيلٌ عَلَى بَيْعِهِ فَبِعْتُهُ فَلَكَ قَبْضُ الثَّمَنِ، فَلَوْ قَدِمَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ فَطَلَبَ أَخْذَهَا مِنْكَ وَأَنْتَ مُقِرٌّ أَنَّ مَنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَكَ ذَكَرَ أَنَّهَا لِهَذَا الطَّالِبِ، فَلَكَ مَنْعُهَا مِنْ رَبِّهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ مُودِعَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّكَ لَا تَبْرَأُ مِنْهُ إنْ جَحَدَهَا إلَّا بِهَذَا أَوْ يَقُومُ شَاهِدٌ مَعَك فَيَقْضِي لَهُ السُّلْطَانُ بِهَا أَوْ بِشَاهِدِ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِ طَالِبِهَا فَإِنْ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَدِمَ مَنْ أَوْدَعَكَهَا وَقَدْ

غَابَ رَبُّهَا فَعَلَيْكَ دَفْعُهَا إلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمْت أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ دَارًا، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَهَدَمَهَا، وَأَتْلَفَ نَقْضَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْك إنْ جَاءَ رَبُّهَا؛ لِأَنَّكَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيمَا فَعَلْت، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقْرَرْت أَنَّهُ أَمَرَك بِدَفْعِهَا إلَيْهِ أَوْ بِدَفْعِ حَقٍّ لَهُ عَلَيْك، وَمَرَّ هَذَا فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ وَكِتَابِ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ فِي بَابٍ مِنْ إقْرَارِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِفُلَانٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ انْتَهَى.
(الثَّانِي) : قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ إذَا دَعَا الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَةٍ وَدَعَاهَا مَنْ لَهُ عِنْدَهَا وَدِيعَةٌ فَالزَّوْجُ مُقَدَّمٌ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا إلَخْ) ش: قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فِي وَصِيٍّ دَفَعَ مَرْكَبًا لَهُ لِمَوْلَى عَلَيْهِ فِي حِجْرِهِ وَصَرَفَهُ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَمَضَى بِهِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ، فَعَطِبَ فِي رُجُوعِهِ، فَقَالَ الْوَصِيُّ إنَّمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تَسِيرَ بِهِ، وَتُبْقِيَهُ فَغَرَرْت وَرَجَعْتَ، فَعَلَيْكَ الضَّمَانُ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ يَدَ سَفِيهٍ عَلَى مَالِهِ أَوْ رِبَاعِهِ أَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً فَتَعَدَّى السَّفِيهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ جِنَايَةُ الصَّبِيِّ لَازِمَةٌ لَهُ إلَّا فِيمَا أَطْلَقَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَالْوَصِيُّ يَقُولُ: إنَّمَا أَطْلَقْت يَدَهُ فِي الْوُصُولِ فَقَطْ، فَبِنَفْسِ الْوُصُولِ انْقَطَعَ تَسْلِيطِي عَلَيْهِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: هَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا قُلْت، فَهُوَ قَدْ بَقِيَ بِيَدِهِ كَأَنْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ حَتَّى يَبِيعَهُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ جَعَلَ لِلسَّفِيهِ جُعْلًا فِي آبِقٍ، فَبَاعَهُ إلَى آخِرِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ مَسَائِلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى.

ص (وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَيْنِ جُعِلَتْ بِيَدِ الْأَعْدَلِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلَيْنِ وَدِيعَةً أَوْ اسْتَبْضَعَهَا، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِيَدِ أَعْدَلِهِمَا كَالْمَالِ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّيْنِ عَدْلٌ خَلَعَهُمَا السُّلْطَانُ وَوَضَعَ

الْمَالَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ شَيْئًا وَأَرَاهُ مِثْلَهُ انْتَهَى قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: لَوْ اقْتَسَمَاهَا لَمْ يَضْمَنَاهَا فِي ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْخُلْعِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَدَالَةِ مُخْتَصٌّ بِالْوَصِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَلَا يُوصِي الْفَاجِرُ، وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: هُمَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّيْنِ لَا يَكُونُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُمَا وَلَا يَقْتَسِمَانِ، وَيُجْعَلَانِ حَيْثُ يَثِقَانِ بِهِ وَأَيْدِيهمَا فِيهِ وَاحِدَةٌ انْتَهَى.

[بَابُ الْعَارِيَّةِ]

ص (بَابُ الْعَارِيَّةِ) ص (صَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْجَوْهَرِيُّ الْعَارِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ وَالْعَارَةُ مِثْلُ الْعَارِيَّةِ يُقَالُ هُمْ يَتَعَوَّرُونَ لِلْعَوَارِيِّ بَيْنَهُمْ وَقِيلَ مُسْتَعَارٌ بِمَعْنَى مُتَعَاوِرٍ أَيْ مُتَدَاوَلٌ وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي الصِّحَاحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْعَارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ، فَلَيْسَ هُوَ الْوَجْهَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ، وَزْنُهَا فَعْلِيَّةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إذَا قَصَدَهُ، وَيَكُونُ وَزْنُهَا فَاعُولَةً أَوْ فَعَلِيَّةٌ عَلَى الْقَلْبِ، وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: أُنْكِرُ عَلَيْهِ كَوْنَهَا مَنْسُوبَةً إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالُوا يَتَعَيَّرُونَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ قُلْت فِي الْمُخَصَّصِ لِابْنِ سِيدَهْ مَا نَصُّهُ وَتَعَوَّرْنَا الْعَوَارِيَّ وَتَعَاوَرْنَا الشَّيْءَ تَدَاوَلْنَاهُ وَقِيلَ الْعَارِيَّةُ مِنْ الْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا عَارٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَقَدْ تَعَيَّرُوهَا بَيْنَهُمْ.
(قُلْت) وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ يَرُدُّ إنْكَارَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَتَعَيَّرُونَ وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَالْعَارِيَّةُ الْمِنْحَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا مِنْ الْعَارِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ غَرَّهُ قَوْلُهُمْ يَتَعَيَّرُونَ الْعَوَارِيَّ، وَلَيْسَ عَلَى وَضْعِهِ إنَّمَا هِيَ مُعَاقَبَةٌ مِنْ الْوَاوِ إلَى الْيَاءِ.
(قُلْت) : وَقَدْ يُرَدُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُعَاقَبَةِ انْتَهَى.
وَفِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ سِيدَهْ بِمِثْلِ هَذَا نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْهُ وَفِي الْقَامُوسِ وَالْعَارِيَّةُ مُشَدَّدَةٌ وَقَدْ تُخَفَّفُ وَالْعَارِيَّةُ مَا تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَالْجَمْعُ عَوَارِيُّ مُشَدَّدَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ انْتَهَى قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ مَصْدَرًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ فَتَدْخُلُ الْعُمْرَى وَالْإِخْدَامُ لَا الْحَبْسُ وَاسْمًا مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَيُقَالُ طَرْدَاهُمَا بِإِرْثِ مِلْكِ مَنْفَعَةِ وَارِثِهَا مِمَّنْ حَصَلَا لَهُ بِعِوَضٍ لِحُصُولِهِمَا لِلْوَارِثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ عُمُومَ نَفْيِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُخْرِجُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِعِوَضٍ لِمَالِكِ الْعَيْنِ مِنْ الْمَيِّتِ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ يُبْطِلُ طَرْدَهُ بِالْحَبْسِ وَعَكَسَهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا مَصْدَرًا وَالْعُرْفُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهَا اسْمًا، وَهِيَ الشَّيْءُ الْمُعَارُ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيَعْرِضُ وُجُوبُهَا نَعْنِي عَيْنَهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلَاكَهُ وَحُرْمَتُهَا كَكَوْنِهَا مُعِينَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ وَكَرَاهَتُهَا كَكَوْنِهَا مُعِينَةً عَلَى مَكْرُوهٍ وَتُبَاحُ لِغَنِيٍّ عَنْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَرَاهَتِهَا فِي حَقِّهِ انْتَهَى وَنَقَلَ كَلَامَهُ ابْنِ نَاجِي.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ الْغُلُولِ مَنْعُ الْكُتُبِ عَنْ أَهْلِهَا وَكَذَا غَيْرُهَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ص (بِلَا حَجْرٍ) ش: مُرَادُهُ هُنَا بِالْحَجْرِ أَعَمُّ مِنْ الْحَجْرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِهِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا مَنَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ الْإِعَارَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِعَارَةُ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ

لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لَهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِمُدَّةٍ أَوْ اكْتَرَاهُ فَلَهُ أَنْ يُعِيرَهُ لِمِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ يُكْرِيه إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
ص (لَا مَالِكَ انْتِفَاعٍ) ش: اُنْظُرْ مَا نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَانْظُرْ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ الْفَرْقِ الثَّلَاثِينَ وَآخِرِ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ النَّوَادِرِ وَانْظُرْ اللَّخْمِيَّ فِي الْوَقْفِ.
ص (لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ) ش: اُنْظُرْ مَا يُسْتَعَارُ لِيُتَجَمَّلَ بِهِ فِي الْأَعْرَاسِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَيْسَ لَهُ اُنْظُرْ الْأَبِيَّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي حَدِيثِ مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً وَانْظُرْ الْمَدْخَلَ

ص (وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يُنْقِصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ بَعْدَ يَمِينِهِ لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا انْتَهَى.
ص (لَا غَيْرُهُ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ

لَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي هَلَاكِهِ وَيَحْلِفُ مُتَّهَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ غَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا قُلْنَا لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ فَيَضْمَنُ سَرْجَهَا وَلِجَامَهَا اللَّخْمِيُّ وَلَا يَضْمَنُ الْعَبْدَ وَلَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ حَائِزٌ لِمَا عَلَيْهِ انْتَهَى.
ص (إنْ شَهِدَ لَهُ أَنَّهُ مَعَهُ فِي اللِّقَاءِ) ش: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (أَوْ ضَرَبَ بِهِ ضَرَبَ مِثْلَهُ) ش: هَذَا قَوْلٌ آخَرُ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ ضَرَبَ بِهِ فِي اللِّقَاءِ ضَرْبًا يَجُوزُ لَهُ قَالَ: وَهُوَ أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اللَّخْمِيُّ: وَأَمَّا الرَّحَى تُسْتَعَارُ لِلطَّحْنِ عَلَيْهَا فَيَأْتِي بِهَا، وَقَدْ جُفِّفَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ.
ص (وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ وَلَهُ الْإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ هُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ صَوَّبَهُ، وَقَوْلُهُ وَلَهُ الْإِخْرَاجُ وِفَاقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُهُ مُتَنَاقِضٌ، وَقَدْ عَدَّهَا ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَيْنِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ وَلَوْ قَالَ فَالْمُعْتَادُ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَفِيهَا لَهُ الْإِخْرَاجُ فِي كَبِنَاءٍ إلَخْ لَأَجَادَ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبِنَاءِ هُنَا مَشَى فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي مَسْأَلَةِ إعَارَةِ الْجِدَارِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ الَّتِي حَصَّلَهَا ابْنُ زَرْقُونٍ عَلَى مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَخْذِهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَإِنَّهُ حَصَّلَهَا فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ فَرَاجِعْهُ.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ هُنَا: فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَازِمَةٌ إلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَقَوْلُهُ، وَلَهُ الْإِخْرَاجُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِلَّا فَالْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهَا عَبَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِيلِ فَقَالَ: وَقِيلَ لِلْمُعَارِ الْإِخْرَاجُ، فَجَعَلَهُمَا قَوْلَيْنِ وَقَالَ الشَّارِحَانِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا (قُلْت) : هُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِلْمُدَوِّنَةِ، وَيُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ بِنَصِّهَا قَالَ: وَمَنْ أَذِنْت لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِكَ أَوْ يَغْرِسَ فَلَمَّا فَعَلَ أَرَدْت إخْرَاجَهُ فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يُعِيرَ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَلَيْسَ لَكَ إخْرَاجُهُ إلَّا أَنْ تُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ جَعَلَهَا لَازِمَةً إلَى الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لِلْمُعِيرِ الْإِخْرَاجَ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ، فَلَيْسَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ خِلَافٌ.
(فَإِنْ قُلْت) : فَابْنُ الْحَاجِبِ جَعَلَهُ خِلَافًا وَقَالَ الشَّارِحَانِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِمُطَرَّفٍ وَغَيْرِهِ (قُلْت) : هَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ، وَاتَّفَقَ مُطَرِّفٌ وَالْمُدَوَّنَةُ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ وَلَكِنْ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ الْإِخْرَاجُ، وَلَوْ أَعْطَى بِخِلَافِ الْمُدَوَّنَةِ فَكَانَا قَوْلَيْنِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَمَا قَالَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا فَرَّقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ أَنْ يَطْلُبَهُ بِالْقُرْبِ بَعْدَ مَا يَرَى أَنَّهُ أَعَارَ إلَى مِثْلِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ وَرَّطَهُ حَتَّى بَنَى أَمَّا لَوْ لَمْ يَبْنِ أَوْ كَانَ الْمُسْتَعَارُ مِمَّا لَا يُبْنَى فِيهِ، وَلَا يُغْرَسُ كَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ لَأَخَذَهُ صَاحِبُهُ قَرُبَ الْأَمَدُ أَوْ بَعُدَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ وَقَالَ فِي بَابٍ بَعْدَ هَذَا قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ وَإِلَّا تَرَكْتُهُ إلَى مِثْلِ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّكَ أَعَرْتَهُ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْأَمَدِ وَإِنْ أَرَدْت إخْرَاجَهُ بَعْدَ أَمَدٍ يُشْبِهُ أَنَّكَ أَعَرْتَهُ إلَى مِثْلِهِ فَلَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ مَقْلُوعًا، وَإِلَّا أَمَرْتَهُ بِقَلْعِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ إذَا قُلِعَ، وَلَا نَفْعَ فِيهِ مِنْ جَصٍّ وَنَحْوِهِ، فَلَا شَيْءَ لِلْبَانِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبْت لِعَارِيَّتِهِ أَجَلًا فَبَلَغَهُ، وَلَيْسَ لَكَ إخْرَاجُهُ هَهُنَا قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنْ أَعْطَيْتَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ قَائِمًا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَبْنِ، وَلَمْ يَغْرِسْ حَتَّى أَرَدْت إخْرَاجَهُ، فَلَيْسَ لَكَ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَوْ لَمْ تَضْرِبْ أَجَلًا كَانَ ذَلِكَ لَكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ أَجَّلْت الْعَارِيَّةُ بِزَمَنٍ أَوْ انْقِضَاءِ عَمَلٍ لَزِمَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَجَّلْ كَقَوْلِكَ أَعَرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ الدَّابَّةَ أَوْ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ الثَّوْبَ فِي صِحَّةٍ رَدَّهَا، وَلَوْ بِقُرْبِ قَبْضِهَا وَلُزُومِ قَدْرِ مَا تُعَارُ لَهُ ثَالِثُهَا إنْ أَعَارَهُ لِيَسْكُنَ، وَيَبْنِيَ، فَالثَّانِي وَإِلَّا، فَالْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مَعَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِمَا وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (إلَّا أَنْ يَأْنَفَ مِثْلُهُ عَنْهُ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعُرْفُ لَيْسَ هُوَ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَةُ الْمَالِكِ أَنْ يُكْرِيَ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا النِّزَاعُ فِيهِ بَلْ مُرَادُهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَرَفُهُ يَأْبَى الْكِرَاءَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَأْنَفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (كَدَعْوَاهُ رَدَّ مَا لَمْ يَضْمَنْ) ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ: الْأَشْيَاءُ الْمَقْبُوضَةُ مِنْ أَرْبَابِهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمِلْكِ إنْ قُبِضَتْ لِمَنْفَعَةِ الْقَابِضِ خَاصَّةً كَالْعَوَارِيِّ وَالرُّهُونِ، فَالْقَابِضُ ضَامِنٌ لِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّلَفِ، وَمُصَدَّقٌ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ تَلِفَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، وَإِنْ قُبِضَتْ لِمَنْفَعَةِ أَرْبَابِهَا خَاصَّةً كَالْبَضَائِعِ وَالْوَدَائِعِ، فَالْقَابِضُ لَهَا مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَى التَّلَفِ دُونَ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، فَيَحْلِفُ عَيْنًا كَانَ، أَوْ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا، وَإِنْ قُبِضَتْ لِمَنْفَعَتِهِمَا جَمِيعًا كَالْقِرَاضِ وَالشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُعْقِبُ مَنْفَعَةَ أَرْبَابِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مِلْكٌ لِمَتَاعِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَدْفَعْهُ، وَمَا يُصَدَّقُ فِيهِ فِي دَعْوَى التَّلَفِ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ، وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُون وَالْعَوَارِيّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ.
وَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِهِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجَرِ فِي رَدِّ مَا اسْتَأْجَرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ فِي الْقِرَاضِ الْوَدِيعَةِ، وَمَا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ فِي دَعْوَى التَّلَفِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَوَارِيّ وَالرُّهُونِ، فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، وَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْوَدِيعَةِ مِنْ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي رَدِّ الرَّهْنِ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي رَدِّ الرَّهْنِ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ كَالْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي رَدِّهِ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ كَمَا يُصَدَّقُ فِي تَلَفِهِ كَالْوَدِيعَةِ انْتَهَى، وَقَالَ فِي آخِرِ رَسْمِ الرُّهُونِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةٍ فِيهِ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ فِيهِ مِنْ الْعَوَارِيّ وَالرُّهُونِ الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ فِيهِ سَوَاءٌ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَحْفَظُهُ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا مَا وَقَعَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّهْنِ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى، وَعَلَى هَذَا، فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشْكَالٌ اُنْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَالتَّوْضِيحَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَإِنْ ادَّعَى الرَّهْنَ قُبِلَ مُطْلَقًا.
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا شَيْئًا فَوَكَّلَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ حَمَلَهُ عَلَيْهَا شَرِيكُهُ لَمْ يَضْمَنْ هُوَ، وَلَا شَرِيكُهُ بِخِلَافِ لَوْ تَعَدَّى أَجْنَبِيٌّ وَحَمَلَ

عَلَيْهَا مَا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ، فَإِنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَضْمَنُ قَالَهُ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ، ثُمَّ رَدَّهَا مَعَ عَبْدِهِ أَوْ غُلَامِهِ، فَعَطِبَتْ أَوْ ضَلَّتْ، فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ النَّاسِ عَلَى هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ضَيَاعَهَا إلَّا بِقَوْلِ الرَّسُولِ وَهُوَ مَأْمُونٌ أَوْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَلَا يَضْمَنُ.
ص (فَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ) ش: قَالَ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْعَارِيَّةِ: وَلَوْ زَعَمَ الرَّسُولُ أَنَّهُ قَدْ أَوْصَلَهُ إلَى الَّذِينَ بَعَثُوهُ وَجَحَدُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ وَيُبَرَّءُونَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَجَحَدُوهُ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ جَحَدُوا الْإِرْسَالَ وَلَوْ أَقَرُّوا بِهِ ضَمِنُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُؤْنَةُ أَخْذِهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ كَرَدِّهَا عَلَى الْأَظْهَرِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِقَالَةِ الْكَلَامُ عَلَى حَمْلِ السِّلْعَةِ الْمَقَالِ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْغَصْبِ]

ص (بَابُ الْغَصْبِ) ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْغَصْبُ لُغَةً قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا.
غَصَبَهُ مِنْهُ وَغَلَبَهُ سَوَاءٌ وَالِاغْتِصَابُ مِثْلُهُ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: التَّعَدِّي عَلَى رِقَابِ الْأَمْوَالِ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا حُكْمٌ يَخُصُّهُ وَهِيَ كُلُّهَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَهِيَ الْحِرَابَةُ وَالْغَصْبُ وَالِاخْتِلَاسُ وَالسَّرِقَةُ وَالْخِيَانَةُ وَالْإِدْلَالُ وَالْجَحْدُ، انْتَهَى.
(فَوَائِدُ) قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي خُطْبَةِ ثَانِي النَّحْرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» . فَوَرَدَ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَخَفَضَ مِنْ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ هُنَا مُنْحَطٌّ عَنْهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ بِكَثِيرٍ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الْبَلَدَ وَالشَّهْرَ وَيَحْتَقِرُونَ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ، انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، مِنْ الذَّخِيرَةِ.
وَمِنْهَا أَيْضًا فِي أَدِلَّةِ الْغَصْبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَرِدْ فِي السَّمْعِيَّاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَرَضِينَ إلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12] وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقِيلَ: الْمِثْلِيَّةُ فِي الْعِظَمِ لَا فِي الْعَدَدِ فَلَا دَلَالَةَ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ: قِيلَ: طَوْقَهُ أَيْ كُلِّفَ حَمْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا طَوْقَ التَّقْلِيدِ وَقِيلَ: تُخْسَفُ الْأَرْضُ بِهِ فَتَصِيرُ الْبُقْعَةُ الْمَغْصُوبَةُ فِي حَلْقِهِ كَالطَّوْقِ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» . انْتَهَى.
    وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ هَذَا دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى تَعَدُّدِ الْأَرَضِينَ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ: الْمِثْلِيَّةُ فِي الْعِظَمِ يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ وَلَوْ قِيلَ بِهِ فَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
    وَمِنْهَا أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» . يُرْوَى بِالتَّنْوِينِ فِي عِرْقٍ عَلَى النَّعْتِ وَبِعَدَمِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ وَفِي النُّكَتِ عِرْقُ الظَّالِمِ مَا يُحْدِثُهُ فِي الْمَغْصُوبِ.
    قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ ظَاهِرَانِ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَبَاطِنَانِ فِي الْأَرْضِ الْآبَارُ وَالْعُيُونُ، انْتَهَى.
    ص (أَخْذُ الْمَالِ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ) ش: هَذَا الرَّسْمُ نَحْوُ رَسْمِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ فِيهِ التَّرْكِيبَ فِي قَوْلِهِ بِلَا حِرَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْحِرَابَةِ وَالتَّرْكِيبُ هُوَ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ الْحُدُودِ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَا أَخَصَّ مِنْ أَعَمِّهِ وَقَدْ اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ عَرَفَةَ لَهُ.
    (الثَّانِي) أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَخْذُ الْمَنَافِعِ كَسُكْنَى رَبْعٍ وَحَرْثِهِ وَلَيْسَ غَصْبًا بَلْ تَعَدِّيًا وَهَذَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا وَحْدَهُ بِقَوْلِهِ: الْغَصْبُ أَخْذُ مَالٍ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ظُلْمًا قَهْرًا لَا بِخَوْفِ قِتَالٍ فَيَخْرُجُ أَخْذُهُ غِيلَةً؛ إذْ لَا قَهْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ مَالِكِهِ وَحِرَابَتِهِ، انْتَهَى.
    وَفِي التَّنْبِيهَاتِ الْغَصْبُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مُنْطَلِقٌ عَلَى أَخْذِ كُلِّ مِلْكٍ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ مِنْ شَخْصٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مَنَافِعَ وَكَذَلِكَ التَّعَدِّي سِرًّا أَوْ جَهْرًا أَوْ اخْتِلَاسًا أَوْ سَرِقَةً أَوْ جِنَايَةً أَوْ قَهْرًا غَيْرَ أَنَّ الْغَصْبَ اُسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ أَعْيَانِ الْمُتَمَلَّكَاتِ بِغَيْرِ رِضَا أَرْبَابِهَا وَغَيْرِ مَا يَجِبُ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَاسْتُعْمِلَ الْمُتَعَدِّي عُرْفًا فِي التَّعَدِّي عَلَى عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُتَعَدِّي فِي ذَلِكَ يَدٌ بِيَدِ أَرْبَابِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالْقِرَاضِ وَالْوَدَائِعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّنَائِعِ وَالْبَضَائِعِ وَالْعَوَارِيّ وَفَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي فِي وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِلسِّلْعَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا بِالتَّعَدِّي وَالْمُتَعَدِّي يَوْمَ التَّعَدِّي وَالْغَاصِبُ يَضْمَنُ الْفَسَادَ الْيَسِيرَ وَالْمُتَعَدِّي لَا يَضْمَنُ إلَّا الْكَثِيرَ وَعَلَى الْمُتَعَدِّي كِرَاءُ مَا تَعَدَّى عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ فِي الْغَاصِبِ: لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ اخْتِلَافٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مَعْلُومٌ، انْتَهَى.
    وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ تَعَدَّى عَلَى دَابَّةٍ وَدِيعَةٍ وَرَكِبَهَا فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْغَصْبُ رَفْعُ الْيَدِ الْمُسْتَحِقَّةِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ قَهْرًا وَقِيلَ: وَضْعُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ قَهْرًا وَيَنْبَنِي عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ الْغَاصِبَ مِنْ الْغَاصِبِ غَاصِبٌ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْفَعْ الْيَدَ الْمُسْتَحِقَّةَ، انْتَهَى.
    وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: التَّعَدِّي قَالَ الْمَازِرِيُّ: هُوَ غَيْرُ الْغَصْبِ وَأَحْسَنُ مَا مُيِّزَ بِهِ عَنْهُ أَنَّ التَّعَدِّيَ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ دُونَ قَصْدِ الرَّقَبَةِ أَوْ إتْلَافُهُ أَوْ بَعْضِهِ دُونَ قَصْدِ تَمَلُّكِهِ.
    (قُلْت) وَحَاصِلُ مَسَائِلِ التَّعَدِّي الِانْتِفَاعُ بِمَالِ الْغَيْرِ دُونَ حَقٍّ فِيهِ خَطَؤُهُ كَعَمْدِهِ أَوْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ إذْنِ قَاضٍ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لِفَقْدِهِمَا فَيَدْخُلُ تَعَدِّي الْمُقَارِضِ وَسَائِرِ الْأُجَرَاءِ وَالْأَجَانِبِ.
    ص (وَأَدَبُ مُمَيِّزٍ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَيُؤَدَّبُ، انْتَهَى.
    قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا خِلَافَ فِي تَأْدِيبِ الْبَالِغِ وَأَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يُؤَدَّبُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . وَقِيلَ: يُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ فِي الْمَكْتَبِ

انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيَجْتَمِعُ فِي الْغَصْبِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ لِحَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى الْأَدَبُ وَالسَّجْنُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ عَنْهُ عَفْوَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَالَ عَقِيبَهُ: وَمَا ذَكَرَهُ خَالَفَهُ فِيهِ الْمُتَيْطِيُّ فَقَالَ: لَا يُؤَدَّبُ إنْ عَفَا عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَنْبِيهٌ وَالْغَصْبُ بَيْنَ الْكَافِرِينَ كَالْغَصْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ]

(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْغَصْبُ بَيْنَ الْكَافِرِينَ كَالْغَصْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ابْنُ شَعْبَانَ وَكَذَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ وَفِي اغْتِصَابِ الْوَالِدِ مِنْ وَلَدِهِ خِلَافٌ وَبِهَذَا أَقُولُ، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَسْتَوِي فِي حُكْمِهِ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْلِمِينَ الْقَرَابَةِ وَالْأَجْنبِيِّينَ إلَّا الْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ وَالْجَدَّ لِلْأَبِ مِنْ حَفِيدِهِ فَقِيلَ: لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِحُكْمِ الْغَاصِبِ الْأَجْنَبِيِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ» ، انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ إثْرَ نَقْلِهِ قَوْلَ ابْنِ شَعْبَانَ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
(قُلْت) وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ الْبَاجِيُّ فِي سُنَنِ الصَّالِحِينَ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا وَأَشْعَارًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «خَيْرُ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ» . وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقُدُومُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْأَجَانِبِ مِنْ الْقَطْعِ وَالْأَيْمَانِ عِنْدَ الْإِنْكَارِ وَالْقَتْلِ فِي بَابِ التَّغْلِيظِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَحُكْمُ الْجَدِّ جَارٍ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالْأَبِ وَفِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ تَشْهَدُ لِلْقَوْلَيْنِ، انْتَهَى.
مِنْ أَوَّلِ مَسَائِلِ الْغَصْبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْهَا: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ غَصْبًا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِهَذَا عُوقِبَ الْمُدَّعِي وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا نَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ وَأَحْلَفَهُ فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ النَّاسُ فِي هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ هُدِّدَ وَسُجِنَ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا حَلَفَ.
وَفَائِدَةُ تَهْدِيدِهِ لَعَلَّهُ يُخْرِجُ عَيْنَ مَا غَصَبَ إذَا كَانَ يَعْرِفُ عَيْنَهُ وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَهْدِيدِهِ؛ إذْ لَوْ أَخْرَجَ بِالتَّهْدِيدِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ آمِنًا وَإِنْ كَانَ مِنْ وَسَطِ النَّاسِ لَا يَلِيقُ بِهِ سَرِقَةٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ وَلَا يَلْزَمُ رَامِيَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْخَيْرِ لَزِمَ الْقَائِلَ بِذَلِكَ الْأَدَبُ وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ النُّكَتِ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا: الْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَمُبْرَزٌ بِالْعَدَالَةِ وَالْفَضْلِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُؤَدَّبُ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمُتَّهَمٌ مَعْرُوفٌ بِهَذَا فَيَحْلِفُ وَيُهَدَّدُ وَيُسْجَنُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ فِيهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَرَجُلٌ مُتَوَسِّطُ الْحَالِ بَيْنَ هَذَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ كَانَ الْحُكْمُ فِي تَعَلُّقِ الْيَمِينِ وَالْعُقُوبَةِ رَاجِعًا إلَى حَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ عُوقِبَ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ وَأَشْكَلَ حَالُهُ لَمْ يُعَاقَبْ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشْبِهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ مَعْرُوفًا بِهِ حَلَفَ وَلَمْ يُعَاقَبْ الْمُدَّعِي وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّعَدِّي وَالْغَصْبِ حَلَفَ وَضُرِبَ وَسُجِنَ فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْجُحُودِ تُرِكَ وَاخْتُلِفَ إذَا اعْتَرَفَ بَعْدَ التَّهْدِيدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ وَقِيلَ: إنْ عَيَّنَ أُخِذَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُؤْخَذْ بِإِقْرَارِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ.
وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ قَالَ: وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ يُرِيدُ الْقُضَاةَ وَمَا شَابَهَهُمْ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ كَانَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْحَقِّ عُقُوبَتُهُ وَسَجْنُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَإِنَّمَا الْإِقْرَارُ الَّذِي لَا يُؤْخَذُ بِهِ مَا كَانَ ظُلْمًا أَنْ يُهَدِّدَ وَيَضْرِبَ مَنْ لَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِ وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَالسَّيْفِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ كَالطَّائِعِ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ وَلَوْ أُكْرِهَ

ذِمِّيٌّ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ إسْلَامُهُ إسْلَامًا إنْ رَجَعَ عَنْهُ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الَّتِي عُقِدَتْ لَهُمْ تَمْنَعُ مِنْ إكْرَاهِهِمْ فَإِكْرَاهُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ظُلْمٌ، انْتَهَى.
وَفِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ فِي الدَّعَاوَى بِالتُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ مَا نَصُّهُ: إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَهَذَا النَّوْعُ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ: قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْهُولَ الْحَالِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَدَبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَفِي الْوَاضِحَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ دُونَ يَمِينٍ وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْفَصْلِ الْكَلَامَ فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: وَفِي حَلِفِ الْمَجْهُولِ قَوْلَانِ.
يُشِيرُ إلَى كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامِ الْبَاجِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الْبِسَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ فِيمَنْ عُرِفَ بِالْغَصْبِ لِأَمْوَالِ النَّاسِ فَسُئِلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ غَصَبَهُ مَا يَدَّعِيهِ فَلَا يَجِدُهَا عَلَى حُضُورِ الْغَصْبِ وَمُعَايَنَتِهِ لَكِنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِي إلَى أَنْ صَارَ بِيَدِ الظَّالِمِ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ صَارَ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ كَانَ يَشْكُو إلَيْهِمْ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَوْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ جِيرَانِهِمْ أَوْ لَا يَذْكُرُونَ شَيْئًا أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ لِلْمُدَّعِي أَخْذَ حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الظَّالِمُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى اشْتِرَاءٍ صَحِيحٍ أَوْ عَطِيَّةٍ مِمَّنْ كَانَ يَأْمَنُ ظُلْمَهُ أَوْ يَأْتِيَ بِوَجْهِ حَقٍّ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى فَزَعَمَ الْبَائِعُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ كَانَ خَوْفًا مِنْ شَرِّهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْعُقُوبَةِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَتِهِ قَالَ: أَرَى أَنْ يُفْسَخَ ذَلِكَ الْبَيْعُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَوْصُوفٌ بِمَا زَعَمَ الْبَائِعُ مِنْ اسْتِطَالَتِهِ وَظُلْمِهِ وَأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ.
(قُلْت) فَإِنْ زَعَمَ الْبَائِعُ أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فِي الْعَلَانِيَةِ ثُمَّ دَسَّ إلَيْهِ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْهُ سِرًّا وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَقِيَ مِنْهُ شَرًّا قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الظَّالِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ ثُمَّ لَمْ يَرْتَجِعْهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الظَّالِمَ الْمَعْرُوفَ بِالْغَصْبِ لَا يَنْتَفِعُ بِالْحِيَازَةِ وَإِنْ طَالَتْ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَأَمَّا إنْ ثَبَتَ الشِّرَاءُ وَدَفْعُ الثَّمَنِ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ فِي السِّرِّ فَهُوَ مُدَّعٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْغَاصِبِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا عُرِفَ بِالْعَدَاءِ وَالظُّلْمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ إغْرَاقٌ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِ الثَّمَنِ وَقَالَ: إنَّمَا أَشْهَدْت لَهُ عَلَى نَفْسِي بِقَبْضِهِ تَقِيَّةً عَلَى نَفْسِي لَأَشْبَهُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْمَعْرُوفِ بِالْغَصْبِ وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُ يَحْيَى مِنْ تَصْدِيقِ الْبَائِعِ فِيمَا ادَّعَى مِنْ أَنَّهُ دَسَّ إلَيْهِ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ الثَّمَنَ فِي السِّرِّ إذَا شَهِدَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.

ص (وَضَمِنَ بِالِاسْتِيلَاءِ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ غَصَبَ بَعِيرًا أَوْ سَرَقَهُ ثُمَّ إنَّهُ ضَلَّ مِنْهُ فَجَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ شَخْصٌ فَأَخَذَهُ وَغَابَ فَهَلْ لِرَبِّ الْجَمَلِ مُطَالَبَةُ الَّذِي أَتَى بِالْجَمَلِ بَعْدَ هُرُوبِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَصَبَهُ أَوْ سَرَقَهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ يَتَعَدَّى وَيُوَكِّلُ غَيْرَهُ فَحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ ذَبَحَ شَاةً) ش: قَالَ

ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا لَمْ يَشْوِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مَعَ أَرْشِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إلَّا قِيمَتُهَا وَبَعْدَ ذَبْحِهَا أَفَاتَهُ مُطْلَقًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا أَوْ أَخْذِهَا بِعَيْنِهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْجَلَّابُ: مَنْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَكَانَ لَهُ أَكْلُهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: لِرَبِّهَا أَخْذُهَا وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مَذْبُوحَةً وَحَيَّةً ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ثُمَّ قَالَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ذَبْحَهَا فَوْتٌ يُوجِبُ قِيمَتَهَا لَا أَعْرِفُهُ فِي الذَّبْحِ نَصًّا بَلْ تَخْرِيجًا مِمَّا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ فِيمَنْ طَحَنَ الْقَمْحَ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ نَصًّا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي رَسْمِ الصُّبْرَةِ وَذُكِرَ فِيهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ ثُمَّ قَالَ قَبْلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا وَلَا ذَكَرَ فِي أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا مَذْبُوحَةً خِلَافًا، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ صَحِيحٌ فَقَدْ شَرَحَ التِّلْمِسَانِيُّ كَلَامَ الْجَلَّابِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَجْوِبَتِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْجَامِعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا عَلَى مُعَامَلَةِ مَنْ مَالُهُ حَرَامٌ أَوْ بَعْضُهُ أَنَّ رَبَّ الشَّاةِ مُخَيَّرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا مِنْ الْغَاصِبِ وَحَصَّلَ هُنَاكَ قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ مَا فَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلَا خِلَافٍ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَمَا كَانَ فِي فَوَاتِهِ خِلَافٌ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْفَوَاتِ ضَعِيفٌ فَيُكْرَهُ وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ وَمَا كَانَ فِي فَوْتِهِ خِلَافٌ قَوِيٌّ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَكَذَا مَا كَانَ رَبُّهُ مُخَيَّرًا فِي أَخْذِهِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ذَلِكَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْغَصْبِ، وَكَلَامُ ابْنِ نَاجِي فِي شَرْحِ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ أَكْرَهَ غَيْرَهُ عَلَى التَّلَفِ) ش اُنْظُرْ

نَوَازِلَ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ وَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ حَمَلَ صَبِيًّا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَكِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي النَّوَادِرِ وَكَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فِي أَوَائِلِ الْوَدِيعَةِ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا وَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَالْعِلْمُ فَلَا فَرْقَ فِي الْإِتْلَافِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْجَاهِلِ وَالْعَامِدِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِلضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّهْدِيدِ وَالْإِكْرَاهِ فِي مَالِ نَفْسِهِ يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَ ظَالِمٌ يَطْلُبُ إنْسَانًا مُخْتَفِيًا لِيَقْتُلَهُ أَوْ يَطْلُبُ وَدِيعَةً لِإِنْسَانٍ لِيَأْخُذَهَا غَصْبًا فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إخْفَاؤُهُ وَانِكَارُ الْعِلْمِ بِهِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ أَنَّ الْكَذِبَ الْوَاجِبَ هُوَ الَّذِي لِإِنْقَاذِ مُسْلِمٍ أَوْ مَالِهِ، انْتَهَى.

ص (الْمِثْلِيِّ وَلَوْ بِغَلَاءٍ بِمِثْلِهِ) ش هَذَا إذَا فَاتَ أَمَّا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا وَأَرَادَ رَبُّهُ أَخْذَهُ وَأَرَادَ الْغَاصِبُ إعْطَاءَ مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ نَوَازِلِهِ:

إذَا كَانَ الْحَرَامُ عِنْدَ آخِذِهِ لَمْ يَفُتْ رُدَّ بِعَيْنِهِ إلَى رَبِّهِ وَمَالِكِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ حَلَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْنِي لِلْغَاصِبِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ عَرْضًا وَلَا يُبَايِعُهُ فِيهِ إنْ كَانَ عَيْنًا وَلَا يَأْكُلُهُ إنْ كَانَ طَعَامًا وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا هِبَةً وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ فِي حَقٍّ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَالِمٌ كَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْغَاصِبِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَكَذَا إنْ فَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَلَمْ يَذْهَبْ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ بِجِنَايَةٍ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ تَخْيِيرَ صَاحِبِهِ أَخْذَهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَفَاتَهُ الْغَاصِبُ إفَاتَةً لَا تَقْطَعُ تَخْيِيرَ صَاحِبِهِ فِي أَخْذِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ شَاةً فَيَذْبَحَهَا أَوْ بُقْعَةً فَيَبْنِيَهَا دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَيَخِيطَهُ أَوْ يَصْبُغَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَوْ أَفَاتَهُ إفَاتَةً تَلْزَمُهُ بِهَا الْقِيمَةُ أَوْ الْمِثْلُ فِيمَا لَهُ الْمِثْلُ وَيَسْقُطُ خِيَارُ رَبِّهَا فِي أَخْذِهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَالْفِضَّةِ يَصُوغُهَا حُلِيًّا وَالصُّفْرِ يَفْعَلُ مِنْهُ قَدَحًا وَالْخَشَبِ يَصْنَعُ مِنْهُ تَوَابِيتَ وَأَبْوَابًا وَالصُّوفِ وَالْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ يَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ ثِيَابًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَا جَازَ أَيْضًا لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَلَا أَنْ يَسْتَوْهِبَهُ بِخِلَافِ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ لِرَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَأْخُذَ الْفِضَّةَ مَصُوغَةً وَالصُّفْرَ مَعْمُولًا وَالْخَشَبَ مَصْنُوعًا وَالثِّيَابَ مَنْسُوجَةً دُونَ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ كَانَ مَالُهُ حَرَامًا أَوْ كَانَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ فَإِذَا أَرَادَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ أَخْذَ عَيْنِ دَنَانِيرِهِ وَدَرَاهِمِهِ مِنْ الْغَاصِبِ الَّذِي مَالُهُ حَرَامٌ أَوْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ الِاتِّفَاقَ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ الْجَلَّابِ وَمَنْ غَصَبَ دَرَاهِمَ فَوَجَدَهَا رَبُّهَا بِعَيْنِهَا وَأَرَادَ أَخْذَهَا وَأَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يَرُدَّهَا وَأَرَادَ رَدَّ مِثْلِهَا فَذَلِكَ لِلْغَاصِبِ دُونَ رَبِّهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
(قُلْت) ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ شَاسٍ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْغَاصِبُ إعْطَاءَ رَبِّهَا غَيْرَ عَيْنِهَا فَإِنْ افْتَرَقَا فِي الْحِلِّ وَالتَّحْرِيمِ أَوْ الشُّبْهَةِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ عَيْنِهَا اتِّفَاقًا وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ كَذَلِكَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ ذَكَرَهُ هُوَ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَقَالَ بَعْدَهُ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ ذَلِكَ لِرَبِّهَا دُونَ غَاصِبِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْغَصْبِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِهَا وَاقِعٌ عَلَى صِفَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ لِعَيْنِهَا وَلَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَغْصُوبُ فَلَهُ غَرَضٌ فِي أَخْذِ عَيْنِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ وَمَالُ الْغَاصِبِ حَرَامٌ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ عَلَيْهِ فِي هَذَا قَوْلَهُ فِي الْبَيْعِ وَلَا شُبْهَةَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ التَّوْضِيحِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ وَالْقَرَافِيُّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِرَبِّهَا أَخْذَهَا وَاَلَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْبَيْعِ هُوَ مَا فِي كِتَابِ السَّلَمِ فِيمَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَقَالَكَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَدَرَاهِمُك فِي يَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كُنْتَ شَرَطْت اسْتِرْجَاعَهَا بِعَيْنِهَا، انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يَحْبِسَ الْمِثْلِيَّ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ مُفَوِّتٌ وَلَمْ يَدْفَعْ مِثْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ مَعِيبًا زَالَ وَقَالَ: أَجَزْت لِظَنِّ بَقَائِهِ) ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ غَصَبَ أَمَةً بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَبَاعَهَا ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَأَجَازَ رَبُّهَا الْبَيْعَ ثُمَّ عَلِمَ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ فَقَالَ: إنَّمَا أَجَزْتُ الْبَيْعَ وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ وَأَمَّا الْآنَ فَلَا أُجِيزُهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ وَانْظُرْ قَوْلَهُ ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَمَفْهُومُهُ لَوْ ذَهَبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ لَكَانَ الْحُكْمُ خِلَافَ هَذَا ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: لَوْ ذَهَبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَأَجَازَ الْبَيْعَ لَانْبَغَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَكَلِّمٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا فَيَقُولُ إنَّمَا أَجَزْتُ الْبَيْعَ عَلَى مَا كُنْتُ أَعْرِفُ ابْنُ يُونُسَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّمَا أَجَزْت بَيْعَ جَارِيَةٍ عَوْرَاءَ بِهَذَا الثَّمَنِ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ بَيَاضَهَا قَدْ زَالَ قَبْلَ الْبَيْعِ مَا بِعْتُهَا بِمِثْلِ هَذَا الثَّمَنِ وَأَمَّا الَّتِي بِيعَتْ عَوْرَاءَ فَقَدْ بِيعَتْ عَلَى مَا كَانَ يَعْرِفُ فَقَدْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ ابْنُ يُونُسَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ اسْتَثْبَتَ وَلَمْ يَعْجَلْ وَهِيَ حُجَّةُ مَالِكٍ فِي الْأُولَى وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقَوْلُ مَالِكٍ لَوْ شَاءَ لَمْ يَعْجَلْ يَعُمُّ الْوَجْهَيْنِ، انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ.

ص (وَعَصِيرٌ تَخَمَّرَ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ مَنْ تَعَدَّى عَلَى جَرَّةِ عَصِيرٍ فَكَسَرَهَا فَإِنْ دَخَلَهُ عَرَقُ خَلٍّ وَلَمْ يَتَخَلَّلْ غَرِمَ قِيمَتَهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ خَمْرٌ وَلَمْ يَدْخُلْهُ عَرَقُ خَلٍّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَسَرَهُ فِي حِينِ لَوْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ إمْسَاكُهُ، انْتَهَى.

ص (وَإِنْ صُنِعَ كَغَزْلٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ مِثْلِيٍّ) ش: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ رَأَى خَطَّ الْمُؤَلِّفِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَشَارَ بِهِ

إلَى أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا غَصَبَ غَزْلًا ثُمَّ ضَاعَ ذَلِكَ الْغَزْلُ إمَّا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْغَاصِبِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ غُرْمُ قِيمَتِهِ وَهَذَا الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ إذَا غَصَبَهُ وَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمُ قِيمَتِهِ وَنَبَّهَ بِالْغَزْلِ وَالْحُلِيِّ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمِثْلِيِّ إذَا دَخَلَتْهُ الصَّنْعَةُ أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْمِثْلِيُّ الْجُزَافُ يَعْنِي بِهِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ إذَا كَانَ لَا يُبَاعُ بِكَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا عَدَدٍ وَإِنَّمَا يُبَاعُ جُزَافًا فَغَصَبَهُ أَحَدٌ وَتَلِفَ كَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ حَيْثُ لَمْ يُحْصَرْ مِمَّا ذُكِرَ.
ص (فَقِيمَتُهُ يَوْمَ غَصَبَهُ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَغْصُوبَ الْمُقَوَّمَ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِيهِ يَوْمَ الْغَصْبِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ أَشْهَبُ: تَلْزَمُهُ أَعْلَى قِيمَةٍ مَضَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَصْبِهِ إلَى يَوْمِ تَلَفِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ.

ص (وَلَوْ قَتَلَهُ بِعَدَاءٍ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِعَدَاءٍ بِبَاءِ الْجَرِّ الدَّاخِلَةِ عَلَى عَدَاءٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ تَعَدِّيًا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ، وَيَعْنِي أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمُقَوَّمَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصَبَهُ وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ قَتَلَ الْمَغْصُوبَ تَعَدِّيًا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَتْلِ كَالْأَجْنَبِيِّ.

ص (وَغَلَّةِ مُسْتَعْمَلٍ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ

يَضْمَنُ غَلَّةَ مَا اُسْتُعْمِلَ مِنْ رِبَاعٍ وَحَيَوَانٍ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ: إنَّهُ لَا يَرُدُّ غَلَّةَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَقَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: وَلَا يَرُدُّ غَلَّةَ الْحَيَوَانِ مُطْلَقًا وَمَا مَشَى عَلَيْهِ

الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: صَرَّحَ الْمَازِرِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعِينِ بِتَشْهِيرِهِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(فَرْعٌ) مَنْ غَصَبَ مَنْفَعَةَ دَارٍ وَاسْتَأْجَرَ مِنْهُ رَجُلٌ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ فَلِرَبِّهَا أَخْذُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا كَمَا لَوْ غَصَبَ طَعَامًا وَبَاعَهُ وَاسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَلِرَبِّ الطَّعَامِ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ الرَّقَبَةَ وَأَكْرَاهَا قَالَهُ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ.

ص (وَهَلْ إنْ أَعْطَاهُ فِيهِ مُتَعَدَّدَ عَطَاءٍ فِيهِ أَوْ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ تَرَدُّدٌ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ أَوْ سِلْعَةٌ أَوْ شَيْءٌ تَسَوَّقَ بِهِ فَأَعْطَاهُ فِيهِ نَاسٌ مُتَعَدِّدُونَ ثَمَنًا ثُمَّ تَعَدَّى عَلَيْهِ شَخْصٌ فَغَصَبَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَاسْتَهْلَكَهُ فَهَلْ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ لِرَبِّ الْمَتَاعِ ذَلِكَ الثَّمَنَ الَّذِي أُعْطِيَ فِيهِ أَوْ يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْهُ وَمِنْ الْقِيمَةِ؟ تَرَدُّدٌ هَذَا حَلُّ كَلَامِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ وَنَصُّهَا: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَسَوَّقَ فَيُعْطِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ثَمَنًا ثُمَّ يَعْدُو عَلَيْهِ رَجُلٌ فَيَسْتَهْلِكُهَا قَالَ: أَرَى أَنْ يَضْمَنَ مَا كَانَ يُعْطَى بِهَا وَلَا يُنْظَرُ فِي قِيمَتِهَا قَالَ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ عَطَاءً قَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَبِيعَ بِهِ بَاعَ.
(فَرْعٌ) وَلَا يَضْمَنُ إلَّا قِيمَتَهَا قَالَ عِيسَى: يَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ، انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْعُتْبِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْتَهْلِكَ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا أُعْطِيَ فِيهَا سَوَاءٌ زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ أَوْ نَقَصَ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافُهُ فَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِهِمْ فِي فَهْمِ كَلَامِ مَالِكٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ وَجَدَ غَاصِبَهُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرِ مَحَلِّهِ فَلَهُ تَضْمِينُهُ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ وَجَبَتْ قَنَاطِرُ مِنْ كَتَّانٍ مِنْ عَدَاءٍ عَلَى رَجُلٍ بِتُونُسَ وَكَانَ تَعَدِّيهِ عَلَيْهَا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَوَقَعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ

بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي تُونُسَ لِتَعَذُّرِ الطَّرِيقِ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة عَنْ قُرْبٍ بَرٍّ أَوَبَحْرً وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ الطَّرِيقُ لَمْ يُقْضَ إلَّا بِمِثْلِهَا فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَهِيَ مِثْلُ مَا حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ سَلَّفَ طَعَامًا لِأَسِيرٍ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ أَوْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَخَذَهَا الْعَدُوُّ أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهَا فَقِيلَ: يُقْضَى بِقِيمَتِهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ إنْ وَجَدَهُ وَقِيلَ: لَا يُقْضَى إلَّا بِمِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ يَجُوزُ وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهُ فِي قَرْيَةِ الْأَسِيرِ وَهِيَ تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ هَلْ هُوَ اسْتِهْلَاكٌ أَوْ قَرْضٌ؟ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْكَتَّانُ جُزَافًا أَوْ الطَّعَامُ كَذَلِكَ لَمْ يُقْضَ إلَّا بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَدَاءِ وَأَنَّهُ يَأْخُذُهَا حَيْثُ وَجَدَهَا، انْتَهَى.

ص (أَوْ خَصَاهُ فَلَمْ يُنْقَصْ) ش قَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ ابْنُ غَازِيٍّ بِمَا يُغْنِي وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا أَنَّ الْخِصَاءَ لَيْسَ بِمُثْلَةٍ وَلَوْ كَانَ مُثْلَةً لَعَتَقَ عَلَى الْغَاصِبِ وَغَرِمَ لِرَبِّهِ قِيمَتَهُ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا مَنْ تَعَدَّى عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ قَطَعَ لَهُ جَارِحَةً أَوْ جَارِحَتَيْنِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَسَادًا فَاحِشًا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ دَلَّ لِصًّا) ش: اُنْظُرْ كَيْفَ مَشَى هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَعَ أَنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَمَلَ صَبِيًّا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَمَا سَيَأْتِي فَتَأَمَّلْهُ.
وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّهُ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ عَلَى الصَّيْدِ فَتَأَمَّلْهُ.
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَ فِيهَا الْقَوْلَيْنِ بِالتَّضْمِينِ وَعَدَمِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ وَنَقَلَ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ ابْنُ يُونُسَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَنَا أَقُولُ بِتَضْمِينِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ التَّغْرِيرِ وَكَذَا نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْتَى بِالضَّمَانِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَسَائِلَ جُمْلَةً فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ وَذَكَرَ مِنْهَا مَسْأَلَةَ الصَّيْرَفِيِّ يَغُرُّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يَقُولُ فِي الرَّدِيءِ إنَّهُ جَيِّدٌ وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِي آخِرِ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا فِي كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَانْظُرْ الْغُرُورَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي ابْنِ عَرَفَةَ، وَفِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَسْأَلَةٌ مِنْ أَجْوِبَةِ الْقَرَوِيِّينَ فِي الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ بِعْ سِلْعَتَكَ مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ

ثِقَةٌ مَلِيءٌ فَيَجِدُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَغْرَمُ إلَّا أَنْ يَغُرَّهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ، انْتَهَى.

ص (كَكَسْرِهِ) ش: هَذَا التَّشْبِيهُ رَاجِعٌ إلَى مَا لَا يَغْرَمُ فِيهِ الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ فِيهِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ لَكِنْ يُؤْخَذُ هُنَا أَيْضًا قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ كَسَرَهُ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ الصِّيَاغَةِ وَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ هُنَا عَنْهُ لِوُضُوحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ نَقَصَتْ لِلسُّوقِ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِجَرِّ السُّوقِ فَاللَّامُ التَّعْلِيلِ أَيْ نَقَصَتْ السِّلْعَةُ لِأَجْلِ تَغَيُّرِ سُوقِهَا لَا لِشَيْءٍ فِي بَدَنِهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نَقَصَتْ السُّوقُ أَيْ نَقَصَ سُوقُهَا وَعَلَى هَاتَيْنِ النُّسْخَتَيْنِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا لَا ضَمَانَ فِيهِ بِمَا قَبْلَهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ نَقَصَتْ لَا لِسُوقٍ بِإِدْخَالِ لَا النَّافِيَةِ عَلَى السُّوقِ الْمُنَكَّرِ الْمَجْرُورِ بِاللَّامِ وَالْمَعْنَى أَنَّ السِّلْعَةَ الْمَغْصُوبَةَ نَقَصَتْ فِي بَدَنِهَا لَا لِأَجْلِ سُوقِهَا وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا يَضْمَنُ فِيهِ الْقِيمَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَلَى غَيْرِهَا فَقِيمَتُهُ كَكَسْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ رَجَعَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ وَلَوْ بَعُدَ كَسَارِقٍ) ش: هَذَا مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَغَلَّةِ مُسْتَعْمِلٍ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ الْغَاصِبِ لَيْسَ بِفَوْتٍ يُوجِبُ تَخْيِيرَ رَبِّهَا فِيهَا وَفِي قِيمَتِهَا وَلِيُبَيِّنَ أَنَّهُ يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ التَّعَدِّي كَالْمُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ لَا كِرَاءَ عَلَى الْغَاصِبِ فَلَيْسَ مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ وَمَنْ يَحْمِلْهُ عَلَى نَفْيِ الْكِرَاءِ عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُقَيِّدَ مَا تَقَدَّمَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَمَّا أَنْ عَدَّ بَعْضَ مَا يَكُونُ فَوْتًا يُوجِبُ تَخْيِيرَ رَبِّ السِّلْعَةِ فِيهَا وَفِي قِيمَتِهَا مَا نَصُّهُ: وَلَوْ رَجَعَ بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ بِحَالِهَا لَمْ يَلْزَمْ سِوَاهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ تَعَدِّي الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ وَفِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: سَتَأْتِي مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ هَذَا، انْتَهَى.
وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ اسْتَغَلَّ وَاسْتَعْمَلَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ: ثُمَّ هَذَا الْحَصْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يَلْزَمْ سِوَاهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ كِرَاءٌ فِي سَفَرِهِ عَلَى الدَّابَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي يَكُونُ رَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرًا فِيهَا فِي التَّعَدِّي لَا كِرَاءِ الدَّابَّةِ، انْتَهَى.
وَلَمَّا أَنْ كَانَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَذْكُرُ الْأَقْوَالَ فِي الْغَلَّةِ قَالَ فِي كَلَامِهِ هُنَا يَحْتَمِلُ وَيَحْتَمِلُ فَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلًا إلَّا الْمَشْهُورَ وَهُوَ ضَمَانُ غَلَّةِ

الْمَغْصُوبِ الْمُسْتَعْمِلِ مُطْلَقًا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَيُقَيَّدَ فَيَصِحَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ فِي تَعَدِّي كَمُسْتَأْجِرِ كِرَاءِ الزَّائِدِ إنْ سَلِمَتْ وَإِلَّا خُيِّرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهَا وَقْتَهُ) ش: فَسَّرَ الشَّارِحُ مِثْلُ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُسْتَعِيرِ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا سَلِمَتْ فِي تَعَدِّي الْمُسْتَأْجِرِ وَشَبَهِهِ كَالْمُسْتَعِيرِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا كِرَاءُ الزَّائِدِ فَقَطْ وَلَا تَخْيِيرَ لَهُ وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ مَعَ عَدَمِ السَّلَامَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً وَلَا يُخَيَّرُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الْعَارِيَّةِ وَفِي فَصْلِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَفَصْلِ الْوَدِيعَةِ وَخِلَافٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا الْمُكْتَرِي أَوْ الْمُسْتَعِيرُ يَتَعَدَّى الْمَسَافَةَ تَعَدِّيًا يَحْبِسُهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَمْ يَرْكَبْهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي أَوْ يَأْخُذُهَا مَعَ كِرَاءِ حَبْسِهِ إيَّاهَا بَعْدَ الْمَسَافَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ رَجَعَ بِالدَّابَّةِ مِنْ سَفَرٍ بَعِيدٍ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَاهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ تَعَدِّي الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ وَفِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِخِلَافِ الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ يَزِيدَانِ فِي الْمَسَافَةِ زِيَادَةً بَعِيدَةً ثُمَّ يَرُدَّانِ الدَّابَّةَ عَلَى حَالِهَا فَلِرَبِّ الدَّابَّةِ أَخْذُهَا وَلَهُ تَرْكُهَا وَأَخْذُ الْقِيمَةِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِخِلَافِ تَعَدِّي الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ إذَا زَادَ فِي الْمَسَافَةِ زِيَادَةً بَعِيدَةً فَإِنَّ رَبَّهَا بِالْخِيَارِ فَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهَا وَكِرَاءَهَا مِنْ مَوْضِعِ التَّعَدِّي إلَى غَايَتِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَخَذَ قِيمَةَ دَابَّتِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى عَلَيْهِ وَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ فِي الْكِرَاءِ ثُمَّ قَالَ: وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ: سَفَرٌ بَعِيدٌ، أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى الْمُسْتَعِيرُ وَالْمُكْتَرِي مَوْضِعًا قَرِيبًا أَوْ زَمَنًا قَرِيبًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ تَضْمِينُ الدَّابَّةِ وَفِي الْبَاجِيِّ إذَا أَمْسَكَهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً زَائِدَةً عَلَى أَيَّامِ الْكِرَاءِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَهُ الْكِرَاءُ فِي أَيَّامِ التَّعَدِّي مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَوْ زَادَ الْمُؤَلِّفُ مَعَ قَوْلِهِ إنْ سَلِمَتْ لَفْظَ وَقَرُبَتْ يَعْنِي مَسَافَةَ التَّعَدِّي لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ سَلِمَتْ لَا يُوَافِقُ الْمَنْصُوصَ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَلَامَتِهَا وَعَدَمِ سَلَامَتِهَا إلَّا مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَسْطُرٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا زَادَ الْمُكْتَرِي لِلدَّابَّةِ أَوْ الْمُسْتَعِيرُ فِي الْمَسَافَةِ مِيلًا أَوْ أَكْثَرَ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ وَخُيِّرَ رَبُّهَا فَإِمَّا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ وَإِمَّا ضَمَّنَهُ كِرَاءَ الزِّيَادَةِ فَقَطْ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَتِهَا وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا وَالزِّيَادَةُ يَسِيرَةٌ مِثْلُ الْبَرِيدِ أَوْ الْيَوْمِ وَشِبْهِهِ لَمْ تَلْزَمْ قِيمَتُهَا وَلَا يَضْمَنُ إلَّا كِرَاءَ الزِّيَادَةِ فَقَطْ، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (خُيِّرَ فِيهِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ يُرِيدُ وَفِي قِيمَتِهِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ، الْأُولَى: إذَا تَعَيَّبَتْ بِسَمَاوِيٍّ، الثَّانِيَةُ: إذَا تَعَيَّبَتْ بِجِنَايَةٍ، الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَيَّبَتْ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهُ بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ أَخْذُ الْقِيمَةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا أَصَابَ السِّلْعَةَ بِيَدِ الْغَاصِبِ مِنْ عَيْبٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهَا مَعِيبَةً أَوْ تَضْمِينِهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَأَصَابَهَا عِنْدَهُ عَوَرٌ أَوْ عَمًى أَوْ ذَهَابُ يَدٍ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَمَا نَقَصَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ إنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا نَاقِصَةً أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ وَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُلْزِمَ رَبَّهَا أَخْذَهَا وَيُعْطِيَهُ مَا نَقَصَهَا إذَا اخْتَارَ رَبُّهَا أَخْذَ قِيمَتِهَا، انْتَهَى.
وَذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْجَانِي أَوْ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ الْقِيمَةَ وَيَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ بِسَطْرَيْنِ: وَلَوْ قَطَعَ يَدَهَا أَيْ الْجَارِيَةِ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَخْذُ الْغَاصِبِ بِمَا نَقَصَهَا وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ ثُمَّ لِلْغَاصِبِ اتِّبَاعُ الْجَانِي بِمَا جَنَى عَلَيْهَا وَإِنْ شَاءَ رَبُّهَا أَخَذَهَا وَاتَّبَعَ الْجَانِيَ بِمَا نَقَصَهَا دُونَ الْغَاصِبِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَهَا

أَيْضًا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا خِلَافًا.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُخَيَّرُ أَيْضًا بَيْنَ أَخْذِهَا مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ الْجَارِيَةِ فَلِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَمَا نَقَصَهَا أَوْ يَدَعَهَا وَيَأْخُذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ ابْنُ يُونُسَ.
قَوْلُهُ: وَمَا نَقَصَهَا، يُرِيدُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَعَزَا هَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا بِغَيْرِ أَرْشٍ أَوْ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ هَذَا الثَّانِيَ هُوَ الْمَذْهَبَ وَنَصُّهُ: وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ فِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا وَيَتَّبِعَ الْأَجْنَبِيَّ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي السَّمَاوِيِّ وَفِي جِنَايَةِ الْغَاصِبِ، انْتَهَى.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا عَلِمْنَا وَلَمْ أَرَ مَنْ رَجَّحَ الثَّانِيَ وَلَا مَنْ شَهَرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَشْهَبُ: إنْ غَصَبَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً فَنَقَصَتْ فِي يَدِهِ فَلِرَبِّهَا تَضْمِينُهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ أَخْذُهَا نَاقِصَةً وَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِنَقْصِهِ وَقِيمَةُ بَاقِيهَا، انْتَهَى.

ص (كَصَبْغِهِ فِي قِيمَتِهِ وَأَخْذِ ثَوْبِهِ وَدَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا صُبِغَ الثَّوْبُ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَالثَّوْبِ وَيَدْفَعُ قِيمَةَ الصَّبْغِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الصَّبْغِ أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي إذَا صَبَغَ الْغَاصِبُ الثَّوْبَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِيمَا ذُكِرَ ثُمَّ قَالَ: وَيَدُلُّكَ عَلَى مَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّ الثَّوْبَ زَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ لَمْ تَنْقُصْ قَوْلُهُ فِي قَسِيمِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا لَوْ نَقَصَتْ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فَكَانَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَوْلُ التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ، إلَخْ.
نَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِذَا كَانَ عَيْبًا فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَغْرَمَ الْغَاصِبُ الْأَرْشَ إذَا اخْتَارَ فِي الثَّوْبِ أَخْذَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَيْبَ مِنْهُ حَدَثَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ تَغْرِيمُهُ الْأَرْشَ مَعَ أَخْذِ السِّلْعَةِ إذَا كَانَ مِنْ الْغَاصِبِ فَتَأَمَّلْهُ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الصَّبْغِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِزِيَادَةِ الصَّبْغِ وَلَا بِنَقْصِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ الْبِسَاطِيُّ: فَإِنْ قُلْت أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَقُيِّدَتْ الْمَسْأَلَةُ بِمَا إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ فَهَلْ لَهُ وَجْهٌ؟ قُلْت: الْمَسْأَلَةُ مُتَأَوَّلَةٌ كَمَا ذَكَرْت وَإِطْلَاقُ الْمُؤَلِّفِ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَقَصَتْ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ سَوَاءً فَكَذَلِكَ، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ سَوَاءً فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلتَّوْضِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْهَا: وَلَكَ

أَخْذُ مَا خَاطَهُ الْغَاصِبُ بِلَا غُرْمِ أَجْرِ الْخِيَاطَةِ لِتَعَدِّيهِ.
(قُلْت) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ بِإِدْخَالِ صَنْعَةٍ فِي الْمَغْصُوبِ فَأَشْبَهَ الْبِنَاءَ وَالْخِيَاطَةُ مُجَرَّدُ عَمَلٍ فَأَشْبَهَ التَّزْوِيقَ، انْتَهَى.

ص (كَحُرٍّ بَاعَهُ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ) ش: قَالَ فِي مَسَائِلِ أَبِي عِمْرَانَ الْقَابِسِيِّ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ وَكِتَابِ الْفُضُولِ فِيمَنْ بَاعَ حُرًّا مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ يُحَدُّ أَلْفَ جَلْدَةٍ وَيُسْجَنُ سَنَةً فَإِذَا أَيِسَ مِنْهُ وَدَى دِيَتَهُ إلَى أَهْلِهِ، انْتَهَى.

ص (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمَغْرَمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظُلِمَ أَوْ الْجَمِيعُ أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ) ش: الْقَوْلُ الْأَخِيرُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَانْظُرْ إذَا شَكَا شَخْصٌ رَجُلًا لِحَاكِمٍ جَائِرٍ لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ فَضَرَبَ الْمَشْكُوَّ حَتَّى مَاتَ هَلْ يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ .

ص (وَلَوْ غَابَ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِيهَا لَوْ نَقَلَ الْجَارِيَةَ لِبَلَدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ وَقَالَ أَشْهَبُ: بِشَرْطِ أَنْ تُعْرَفُ الْقِيمَةُ وَيَبْذُلُ مَا يَجُوزُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِ السَّلَامَةِ وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ ابْنُ عَرَفَةَ.
إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْأَصْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاضِحٌ إذَا اُعْتُبِرَ الْقَوْلَانِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُمَا لَا مِنْ حَيْثُ قَائِلُهُمَا وَإِجْرَاؤُهُمَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ قَائِلُهُمَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ يَقُولُ: الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَوُجُوبُ الْقِيمَةِ لَا يَتَأَتَّى أَنْ يُجْرَى عَلَيْهِ اعْتِبَارُ أَصْلِ السَّلَامَةِ وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ أَصْلِ السَّلَامَةِ عَلَى الْقَوْلِ فِي النَّقْلِ إنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ فِي الْمَغْصُوبِ أَخْذُ شَيْئِهِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَالثَّانِي عَزَاهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَشْهَبَ وَقَوْلُهُ فِي نَقْلِ الْمَغْصُوبِ إنَّ رَبَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ أَوْ قِيمَتِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ إلَّا ابْنُ الْقَاسِمِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ لِلَّخْمِيِّ، انْتَهَى.
ص (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةٍ أَخْفَاهَا)

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل