ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَإِنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، وَذَكَرَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ رَدَّ التَّفْرِقَةَ الْمَذْكُورَةَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَعُرْفٍ جَرَى بَيْنَهُمْ، وَنَصُّ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ فَارَقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ دُونَ إيجَابٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ يَلْزَمُهُ مَا أَعْطَى بَعْدَ الِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا فَارَقَهُ فِي الْمُزَايَدَةِ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ الْبَيْعَ الْمَازِرِيُّ لَا وَجْهَ لِلتَّفْرِقَةِ إلَّا الرُّجُوعَ لِلْعَوَائِدِ، وَلَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا يُلْتَزَمُ الشِّرَاءُ فِي الْحَالِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ، أَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ لُزُومَهُ لَهُ أَوْ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَى غَيْرِهِ أَمَدًا مَعْلُومًا أَوْ فِي حُكْمٍ مَعْلُومٍ لَزِمَ الْحُكْمُ بِالشَّرْطِ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ وَالْمُزَايَدَةِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا لِلْعَادَةِ حَسْبَمَا عَلَّلَ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الْمَازِرِيُّ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْقُضَاةِ أَلْزَمَ بَعْضَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ الِافْتِرَاقَ عَلَى غَيْرِ إيجَابٍ اغْتِرَارًا بِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَحِكَايَةِ غَيْرِهِ فَنَهَيْتُهُ عَنْ هَذَا لِأَجْلِ مُقْتَضَى عَوَائِدِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت: وَالْعَادَةُ عِنْدنَا اللُّزُومُ مَا لَمْ يَطُلْ زَمَنُ الْمُبَايَعَةِ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ قَدْرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَالْأَمْرُ وَاضِحٌ إنْ بَعُدَ وَالسِّلْعَةُ لَيْسَتْ فِي يَدِ الْمُبْتَاعِ، فَإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِ وَمَوْقُوفَةً فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ اللُّزُومُ، كَقَوْلِهَا: إنْ بَعُدَ زَمَنُ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَالسِّلْعَةُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ لَا حَقَّ فِيهَا لِلْمُبْتَاعِ إلَّا إنْ عَرَفْنَا فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ، وَلَوْ طَالَ مُكْثُهَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ إلَّا بِنَصِّ إمْضَائِهِ اهـ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ إذَا وَقَعَ النِّدَاءُ وَأُعْطِيَ عَلَى السِّلْعَةِ فِيهَا ثَمَنًا لَزِمَهُ وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ انْتَقَلَ اللُّزُومُ لِلثَّانِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ تَطُلْ غَيْبَتُهُ، وَرَأَيْتُ لِلْأَبْيَانِيِّ أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَلْزَمُهُ إذَا زَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي اللُّبَابِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الْأَبْيَانِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: انْتَقَلَ اللُّزُومُ لِلثَّانِي أَيْ مَعَ مُشَارَكَةِ الْأَوَّلِ لَهُ فِي اللُّزُومِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ كَلَامَ الْأَبْيَانِيِّ مُخَالِفًا لَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْأَبْيَانِيِّ رَأَيْتُهُ فِي مَسَائِلِ السَّمَاسِرَةِ لَهُ، وَهُوَ كِتَابٌ مُفِيدٌ نَحْوَ كَرَاسٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
[مَسْأَلَةً بَاعَ رَقِيقًا بَيَّنَ أَنَّهُ صَحِيحٌ يَصِيحُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ]
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَسْأَلَةً وَقَعَتْ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهَا بِاخْتِصَارٍ مُجْحِفٍ، فَأَذْكُرُهَا بِاخْتِصَارِهِ مَعَ زِيَادَةِ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْهَا، وَنَصُّهُ: وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ مَنْ بَاعَ رَقِيقًا بَيَّنَ أَنَّهُ صَحِيحٌ يَصِيحُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلزِّيَادَةِ إنْ أُمْضِيَ الْبَيْعُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ بِيَوْمَيْنِ وَشَبَهِهِمَا لَزِمَ الْمُبْتَاعَ وَبَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةٍ لَا يَلْزَمُهُ ابْنُ رُشْدٍ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَحِيحَةٌ لِقَوْلِهَا فِي الْبَيْعِ عَلَى خِيَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَلْزَمُ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يَصِيحُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلزِّيَادَةِ، فَكُلُّ مَنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لَزِمَهُ الشِّرَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ تَنْقَضِ أَيَّامُ الصِّيَاحِ فَلِصَاحِبِ الْعَبِيدِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ، وَإِنْ انْقَضَتْ أَيَّامُ الصِّيَاحِ مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ السِّلْعَةَ بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْزَمَهُ الشِّرَاءُ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ الصِّيَاحِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُصَاحُ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ مِمَّا الْعُرْفُ فِيهِ أَنْ يُمْضِيَ أَوْ يَرُدَّ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَصِيحَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ بَعْدَ أَنْ يَنْقَلِبَ بِالسِّلْعَةِ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْمُزَايَدَةَ فَيَزِيدُ ثُمَّ يُصَاحُ عَلَيْهِ فَيَنْقَلِبُ بِهَا أَهْلُهَا ثُمَّ يَأْتُونَهُ مِنْ الْغَدِ فَيَقُولُونَ لَهُ خُذْهَا بِمَا زَادَتْ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَمَّا مُزَايَدَةُ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ مَتَاعُ النَّاسِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا انْقَلَبُوا بِالسِّلْعَةِ أَوْ تَرَكُوهَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَاعُوا بَعْدَهَا أُخْرَى.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ الَّذِي يُبَاعُ عَلَى أَنْ يُسْتَشَارَ السُّلْطَانُ، فَيَلْزَمُهُ إمْضَاؤُهُ إذَا أَمْضَاهُ السُّلْطَانُ، وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ بِخَطِّ أَبِي عُمَرَ الْإِشْبِيلِيِّ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ اهـ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ إذَا أَمْضَاهُ السُّلْطَانُ يُرِيدُ مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ ذَلِكَ عَلَى مَا مَضَى
مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الصِّيَاحِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ فَلِرَبِّهَا أَنْ يُلْزِمَهُ إيَّاهَا بِمَا زَادَ إلَّا أَنْ يَسْتَرِدَّ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ وَيَبِيعَ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُمْسِكَهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ اللُّزُومَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ، أَوْ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الْبَيْعُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُرْفِ بِمِقْدَارِ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّرْطِ فِي الْأَيَّامِ الْمَشْرُوطَةِ وَبَعْدَهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ إلَّا مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ فَلَهُ شَرْطُهُ وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ، وَتَحَصَّلَ أَيْضًا أَنَّ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ وَلَوْ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْأَبْيَانِيِّ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ فِي مَكَّةَ وَكَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَبْيَانِيُّ، وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ لِرَبِّهَا أَنْ يُلْزِمَ كُلَّ مَنْ زَادَ وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلَافِهِ وَجَرَتْ الْعَادَةُ أَيْضًا بِمَكَّةَ أَنَّ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَرْعٌ أَوْقَفَ الْمُنَادِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ عَلَى التَّاجِرِ وَشَاوَرَ صَاحِبَهَا فَأَمَرَهُ بِالْبَيْعِ ثُمَّ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ: وَلَوْ أَوْقَفَ الْمُنَادِي السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ عَلَى التَّاجِرِ وَشَاوَرَ صَاحِبَهَا فَأَمَرَهُ بِالْبَيْعِ ثُمَّ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ قَالَهُ الْأَبْيَانِيُّ اهـ. قُلْت مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْأَبْيَانِيِّ هُوَ فِي مَسَائِلِ السَّمَاسِرَةِ لَهُ وَزَادَ فِيهَا فَقَالَ: وَسَوَاءٌ تَرَكَ السِّمْسَارُ الثَّوْبَ عِنْدَ التَّاجِرِ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَجَاءَ بِهِ إلَى رَبِّهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: بِعْهُ ثُمَّ زَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ قَالَ: وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ لَمَّا شَاوَرَهُ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَرَجَعَ السِّمْسَارُ وَنَوَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ التَّاجِرِ فَزَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَيَقْبَلُ الزِّيَادَةَ إنْ شَاءَ وَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالنِّيَّةِ اهـ. قُلْت وَهَذَا إذَا لَمْ تُحَصَّلْ الزِّيَادَةُ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ رَبِّهِ أَمْرِهِ السِّمْسَارَ بِالْبَيْعِ، وَأَمَّا لَوْ زَادَهُ فِيهِ شَخْصٌ قَبْلَ مُشَاوَرَةِ رَبِّ السِّلْعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهِ السَّابِعِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُخْبِرُ رَبَّ السِّلْعَةِ بِالزِّيَادَةِ وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مِنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الرُّكُونِ وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ هُنَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ إنْ كَانَ يَمِيلُ إلَى الْبَيْعِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ أَمْ لَا، وَقَدْ كَرِهَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ الزِّيَادَةَ وَقَالَ: بِئْسَمَا صَنَعَ إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخْبِرَ بِالزِّيَادَةِ صَاحِبَ السِّلْعَةِ وَهَذَا حُكْمُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ.
، وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ وَمَا صَرَفَهُ عَلَيْهَا وَيَقُولَ لَهُ الْمُشْتَرِي أُرْبِحُكَ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ كَذَا كَذَا، فَإِذَا رَضِيَ رَبُّ السِّلْعَةِ بِذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ بِحَيْثُ يُعَدُّ كَلَامُ أَحَدِهِمَا جَوَابًا لِلْآخِرِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا إعْرَاضٌ عَمَّا كَانَا فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَرْضَى؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ وَالْمُرَاوَضَةَ عَلَى الرِّبْحِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ الشِّرَاءَ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَا أَرْضَى وَيُعَدُّ ذَلِكَ نَدَمًا، وَأَمَّا بَيْعُ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْنِي كَمَا تَبِيعُ النَّاسَ فَإِذَا أَعْطَاهُ الْبَائِعُ مِثْلَ مَا يَبِيعُ النَّاسَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَبَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه حُكْمَ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ]
(التَّاسِعُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ وَقَدْ انْجَرَّ الْكَلَامُ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا إلَى ذِكْرِهِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) إذَا تَأَخَّرَ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمُخْتَارُ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ.
(الثَّانِي) إجَازَةُ مَنْ لَهُ الْإِجَازَةُ فِي الْبَيْعِ كَالْوَلِيِّ يُجِيزُ بَيْعَ السَّفِيهِ وَالْوَصِيِّ وَيُجِيزُ بَيْعَ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْفَوْزُ فِي الْقَبُولِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى، وَيُشِيرُ بِالْفَرْعَيْنِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ أَشَارَ إلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ جَوَازُ تَأْخِيرِ مَا تَأَخَّرَ، وَنَصُّ كَلَامِهِ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فَرْعٌ.
إذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ فَهَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ أَمْ لَا أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَبَسِهِ إلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ مَا تَأَخَّرَ، وَفِي
شَرْحِ الْجَلَّابِ الْمَنْسُوبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ للشارمساحي مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْقُرْبِ قَالَ فِيهِ: وَإِذَا نَادَى السِّمْسَارُ عَلَى السِّلْعَةِ فَأَعْطَى فِيهَا تَاجِرٌ ثَمَنًا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ ثُمَّ لَمْ يَزِدْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ تَطُولَ غِيبَتُهُ، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُجِبْهُ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ أَنَّ لِوَصِيِّهِ الْإِجَازَةَ وَإِنْ طَالَ الْأَمَدُ، وَلَمْ يَحْصُلْ غَيْرُ الْإِيجَابِ مِنْ الْمَحْجُورِ مَعَ قَبُولِ الْمُبْتَاعِ، وَإِيجَابُ الْمَحْجُورِ كَالْعَدَمِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْفُضُولِيِّ يَقِفُ الْقَبُولُ عَلَى رِضَا رَبِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ طَالَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حَصَلَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَنَظَرَ الْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ أَمْرًا جَرَتْ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ اهـ كَلَامُ ابْنِ رَاشِدٍ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
(قُلْت:) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَحْجُورِ وَالْفُضُولِيِّ فَلَا دَلِيلَ فِيهِمَا لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كَمَا قَالَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَلَامُ الشَّارْمَسَاحِيِّ فَهُوَ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يُلْزِمَهُ إيَّاهَا، وَإِنْ زَادَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَرِدَّ سِلْعَتَهُ فَيَبِيعُ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُمْسِكُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ، وَتَقَدَّمَ مَا للإبياني فِي ذَلِكَ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبَحْثِ، وَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي نَقْلِ التَّوْضِيحِ إلَّا أَنَّ فِيهِ سَقْطًا، وَلَفْظُ الْمُقَدِّمَاتِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْخِيَارِ مِنْهَا لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ التَّفْرِقَةَ بِالْأَقْوَالِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ مِنْ الْمُتَسَاوِمَيْنِ لِصَاحِبِهِ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي الْمَجْلِسِ مَا لَمْ يُجِبْهُ صَاحِبُهُ بِالْقَبُولِ فِيهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَاَلَّذِي يَأْتِي عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَزِمَهُ إنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَجْلِسِ بِالْقَبُولِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ، وَلَهُ نَحْوُهُ فِي الْبَيَانِ فِي أَوَاخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، وَنَصُّهُ: إذَا قَالَ الْبَائِعُ قَدْ بِعْتُك بِكَذَا وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْتُ مِنْك بِكَذَا وَكَذَا فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِالْإِمْضَاءِ وَالْقَبُولِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ اهـ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.
قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ الَّتِي نَادَى عَلَيْهَا وَبَاعَ بَعْدَهَا أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي الْبَيْعُ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إذَا أَجَابَهُ فَإِنَّمَا يَكُونُ جَوَابًا فِي الْعُرْفِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ كَمَا رَأَيْتُهُ فِيهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ: وَمُوجِبُهُ لُزُومُهُ أَوَّلَ عَاقِدِهِ قُرْبَ قَبُولِهِ الْآخَرَ ابْنُ رُشْدٍ:
لَوْ قَالَ: أَبِيعَكَ سِلْعَتِي بِعَشْرَةٍ إنْ شِئْت فَلَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهَا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَفِي الْقَبَسِ الْإِيجَابُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الْيَسِيرُ مِنْ الزَّمَانِ، وَقِيلَ: الْكَثِيرُ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ لِمَا لَا يُبْطِلُ كَوْنَهُ جَوَابًا وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ اهـ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ عَنْهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَلَوْ حَصَلَ الْقَبُولُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَالطُّول، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اتِّفَاقًا، وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ عِنْدِي مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا أَجَابَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِمَا يَقْتَضِي الْإِمْضَاءَ وَالْقَبُولَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ لَزِمَهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ حَتَّى
انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ حَتَّى لَا يَكُونَ كَلَامُهُ جَوَابًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَمِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ: إنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَصْلٌ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَا يُقَالُ: كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهِ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ إنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ اللُّزُومِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ اللُّزُومِ نَفْيُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا مُوجِبَ هُنَا لِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي حَقِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا إلَّا كَوْنَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الْبَيْعُ لِعَدَمِ إجَابَةِ صَاحِبِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فِي وَقْتٍ يَكُونُ كَلَامُهُ جَوَابًا لِكَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ بَيْعِ الْمُزَايَدَة وَبَيْعِ الْمُرَابَحَةِ وَبَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ وَالِاسْتِرْسَالِ
[تَنْبِيه رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الْآخَرُ]
(الْعَاشِرُ) فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الْآخَرُ لَمْ يُفِدْهُ رُجُوعُهُ إذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بَعْدُ بِالْقَبُولِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ فِي الْمَذْهَبِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ الْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه قَالَ أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِعَشْرَةٍ إنْ شِئْت فَلَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهَا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ]
(الْحَادِيَ عَشَرَ) مِنْ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ قَالَ أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِعَشْرَةٍ إنْ شِئْت فَلَمْ يَقُلْ أَخَذْتُهَا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ أَجَابَهُ بِمَا يَقْتَضِي الْقَبُولَ فِي الْمَجْلِسِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِعْتُك سِلْعَتِي إنْ شِئْت وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ (قُلْتُ) كَتَبَ مُوَثِّقٌ بَيْعَ مُسَافِرٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِعْتُ مَوْضُوعَ كَذَا مِنْ زَوْجَتِي فُلَانَةَ بِكَذَا إنْ قَبِلَتْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسَافَةُ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مُدَّةَ قَضَائِهِ: لَا أُجِيزُ هَذَا الْبَيْعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَبُدِّلَتْ الْوَثِيقَةُ بِحَذْفِ إنْ قَبِلَتْ فَقَبِلَهَا، فَلَعَلَّهُ رَأَى الْأَوَّلَ خِيَارًا وَالثَّانِي وَقْفًا اهـ. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَقْفًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يُجِزْ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ إلَى أَمَدٍ بَعِيدٍ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ إقْرَارُ بَيْعٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ) ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْعَاقِدُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ عَاقِدُهُ مُمَيِّزًا هَذَا أَقْرَبُ إلَى لَفْظِهِ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ عَاقِدِ الْبَيْعِ التَّمْيِيزُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا، وَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ عَطْفِهِ عَلَيْهِ شَرْطَ اللُّزُومِ، وَإِذَا كَانَ شَرْطُ عَاقِدِهِ التَّمْيِيزَ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ وَلَا شِرَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ لِسُكْرٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَفِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ تَرَدُّدٌ إذْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَرْطُهُ التَّمْيِيزُ وَقِيلَ: إلَّا السَّكْرَانَ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَقْلُ فَيَدْخُلُ الصَّبِيُّ وَيَخْرُجُ السَّكْرَانُ لِوُجُودِ التَّمْيِيزِ فِي الصَّبِيِّ وَفَقْدِهِ مِنْ السَّكْرَانِ وَالْعَقْلُ مَفْقُودٌ مِنْهُمَا اهـ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ بَيْعِ الْعَاقِدِ وَشِرَائِهِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَلَا شِرَاؤُهُ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ، وَلَا إشْكَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَ ابْنُ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَمِنْ الْغَرَرِ بَيْعُ السَّكْرَانِ وَابْتِيَاعُهُ إذَا كَانَ سُكْرُهُ مُتَيَقَّنًا، وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا عَقَلَ حِينَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ:
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْغَرَرِ اهـ.
(قُلْت) : نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ: فِيهَا الرُّكْنُ الثَّانِي الْعَاقِدُ وَشَرْطُهُ التَّمْيِيزُ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ إذَا كَانَ سُكْرُهُ مُتَحَقِّقًا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَعَ ذَلِكَ مَا عَقَلَ حِينَ فَعَلَ ثُمَّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَنْعَقِدُ بَيْعُ السَّكْرَانِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فِي الْمَذْهَبِ إنَّ بَيْعَ السَّكْرَانِ الْمُحَقَّقِ السُّكْرِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَنْعَقِدُ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَصَاحِبُ الْإِكْمَالِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ عُقُودُهُ، وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي نِكَاحِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَا أَرَاهُ لَازِمًا أَنَّهُ فَاسِدٌ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يُقَالُ فِي بَيْعِ السَّكْرَانِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ اهـ.
كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدُّدٌ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ أَيْ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بِسُكْرٍ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَفِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ تَرَدُّدٌ أَيْ طَرِيقَانِ فَطَرِيقَةُ ابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ وَطَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ الْإِكْمَالِ أَنَّهُ مُنْعَقِدٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ ذَكَرَ فِيهَا الْكَلَامَ الْأَوَّلَ، وَالثَّانِيَ، وَالثَّالِثَ إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي السَّكْرَانِ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي السَّكْرَانِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ السَّكْرَانُ قِسْمَانِ سَكْرَانُ لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَأَقْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ النَّاسِ إلَّا فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَات فَقِيلَ إنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا، وَالثَّانِي السَّكْرَانُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فَلَا يُحَدُّ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلَا عِتْقٌ، وَلَا طَلَاقٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا فَعَلَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ تَلْزَمُهُ الْأَفْعَالُ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْأَقْوَالُ فَيُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَ وَيُحَدُّ فِي الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَلَا يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالرَّابِعُ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ، وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ، وَالْحُدُودُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارَاتُ، وَالْعُقُودُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ مِنْ الْإِقْرَارَاتِ، وَالْعُقُودِ إذَا لَمْ يَلْزَمْ السَّفِيهَ وَالصَّبِيَّ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِمَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَ السَّكْرَانَ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَسْقُطُ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ تَلْزَمُهُ، وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ فِي نِكَاحِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ إنَّمَا مَعْنَاهُ لَا أَرَاهُ جَائِزًا عَلَيْهِ، وَلَا لَازِمًا لَهُ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا عَقَدَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ سُكْرِهِ، وَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لَهُ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ.
وَأَمَّا إنْ أَنْكَرَهُ فَلَا يُصَدَّقُ، وَيَلْزَمُهُ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ، وَاخْتُلِفَ إنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا رَأَتْ مِنْهُ اخْتِلَاطًا وَلَمْ تَثْبُتْ الشَّهَادَةُ بِسُكْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَلَا يَلْزَمُهُ النِّكَاحُ، وَرَوَاهُ زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهِ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ
السُّنَّةِ، وَالْأَيْمَانِ، وَالطَّلَاقِ (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْيَمِينِ، وَيَلْزَمُهُ النِّكَاحُ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَقَوْلُ سَحْنُونٍ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ إذَا مَا أَفَاقَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ الْكِتَابَةُ، وَالتَّدْبِيرُ كَالْعِتْقِ وَالْحُدُودِ فِي لُزُومِهِ إيَّاهُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَمَّا، وَصِيَّتُهُ بِالْعِتْقِ، وَغَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ لِأَنَّ حُكْمَ وَصِيَّتِهِ حُكْمُ مَا عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْبَيْعِ، وَغَيْرِهِ.
وَلَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ إذَا مَا أَفَاقَ مِنْ سُكْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي وَصِيَّتِهِ حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ أَنْ تُنَفَّذَ كَمَا تُنَفَّذُ وَصِيَّةُ الصَّحِيحِ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ غَلَطٌ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
وَأَكْثَرُهُ بِاللَّفْظِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ أَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى مَنْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ قَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: مِنْ الْمُعَلَّمِ: وَأَمَّا بِيَاعَاتُهُ فَفِيهَا عِنْدَنَا قَوْلَانِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِسُكْرِهِ نَقَصَ مَيْزُهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْمَصَالِحِ كَالسَّفِيهِ وَالسَّفِيهُ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ تَلْزَمُهُ بِيَاعَاتُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُوَطَّإِ بِلُزُومِ السَّكْرَانِ طَلَاقُهُ، وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ السَّكْرَانَ الْمَذْكُورَ لَا يَذْهَبُ عَقْلُهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ مَعَ صِحَّةِ قَصْدِهِ إلَى مَا يَقْصِدُهُ، وَأَمَّا إنْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ جُمْلَةً فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ نُطْقٌ إذَا بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَلَا يَتَهَيَّأُ مِنْهُ ضَرْبٌ، وَلَا قَصْدٌ إلَى قَتْلٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سُكْرِ الْخَمْرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالْجُنُونِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْعُقُلُ تَغَيُّرَا يَجْتَرِئُ عَلَى مَعَانٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا صَاحِيًا كَالسَّفِيهِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ إلَى حَدِّ الْإِغْمَاءِ لَمَا أَقْتُصَّ مِنْهُ، وَلَا لَزِمَهُ طَلَاقٌ، وَلَا غَيْرُهُ كَسَائِرِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ السَّكْرَانَ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ كَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقًا.
وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ، وَنَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْبَاجِيُّ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَكَالْمَجْنُونِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ فَالْقَوْلَانِ أَيْ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ لَا فِي انْعِقَادِهِ.
وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَيَشْكُلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي انْعِقَادِ بَيْعِ السَّكْرَانِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ تُحْكَى عَنْ الْمَذْهَبِ أَوْ عَنْ الْمَشْهُورِ فِيهِ أَنَّ بَيْعَهُ مُنْعَقِدٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ طَرِيقَةَ الْبَاجِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، وَطَرِيقَةَ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ حِكَايَةَ اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ هَلْ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنَّهُ خِلَافُ عَادَتِهِ وَلَا كَبِيرَ فَائِدَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ كِتَابِهِ بَيَانُ الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ.
وَلَا يُقَالُ يَصِحُّ التَّرَدُّدُ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَحْكِي الْخِلَافَ فِي بَيْعِ السَّكْرَانِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ، وَغَيْرِهِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
وَنَقَلَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ هُنَا عَنْ اللَّخْمِيّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا حَكَى اللَّخْمِيّ وَابْنُ بَشِيرٍ الْخِلَافَ فِي اللُّزُومِ لَا فِي الِانْعِقَادِ ثُمَّ إنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ انْعِقَادِ بَيْعِ السَّكْرَانِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَوْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ إلَّا بِسُكْرٍ فَتَرَدَّدَ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَخْصَرَ وَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَالشَّاذُّ انْعِقَادُ بَيْعِهِ وَلُزُومُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ الْمُمَيِّزُ فَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الطُّرُقُ فِي لُزُومِهِ فَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَ وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ، وَعَزَاهُ فِي الْمُعَلِّمِ لِجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَى طَرِيقِ ابْنِ شَعْبَانَ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ لَا خِلَافَ فِي
لُزُومِهِ.
(قُلْت) : وَفِي عَزْوِهِ ذَلِكَ لِلْقَاضِي عِيَاضٌ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَدَمُ اللُّزُومِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السَّكْرَانُ بِغَيْرِ خَمْرٍ كَالْمَجْنُونِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَهَذَا إذَا شَرِبَ شَيْئًا مُبَاحًا أَوْ تَدَاوَى بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُسْكِرُهُ، وَأَمَّا إذَا شَرِبَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِإِسْكَارِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ انْعِقَادِ بَيْعِ الْمَجْنُونِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدُ الْمَجْنُونِ حَالَ جُنُونِهِ يَنْظُرُ لَهُ السُّلْطَانُ بِالْأَصْلَحِ فِي إتْمَامِهِ، وَفَسْخِهِ إنْ كَانَ مَعَ مَنْ يَلْزَمُهُ عَقْدُهُ لِقَوْلِهَا مَنْ جُنَّ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ نَظَرَ لَهُ السُّلْطَانُ، وَلِسَمَاعِ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ إنْ بَاعَ مَرِيضٌ لَيْسَ فِي عَقْلِهِ فَلَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ إلْزَامُهُ الْمُبْتَاعَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا كَبَيْعِ السَّكْرَانِ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُلْزِمُهُ بَيْعَهُ اهـ.
(قُلْت) : فِي اسْتِشْهَادِهِ بِمَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ إنَّمَا طَرَأَ فِيهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعُتْبِيَّةِ فَظَاهِرُهَا شَاهِدٌ لِمَا قَالَهُ، وَهِيَ فِي رَسْمِ الْقَطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُهُ كَبَيْعِ السَّكْرَانِ تَشْبِيهٌ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي الِانْعِقَادِ، وَعَدَمِ اللُّزُومِ، وَلَيْسَ تَمْثِيلًا لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ، وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا فَاسِدًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ لِلْبَائِعِ فِيهِ الْخِيَارُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهِ كَبَيْعِ السَّكْرَانِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يُلْزِمُهُ بَيْعَهُ انْتَهَى.
وَفِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ نَحْوِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ جَعَلَ بَيْعَ الْمَجْنُونِ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَوْقُوفَةِ لِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَنَصَّهُ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِمَّا يُفْسِدُهُ لِعِلَّةٍ تَلْحَقُهُ مَا فِي عَاقِدَيْهِ عِلَّةٌ قَالَ كَالسَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ.
وَالرِّقِّ وَالسَّكْرَانِ إلَّا أَنَّ الْعَقْدَ هُنَا مَوْقُوفٌ لِإِجَازَةِ مَنْ لَهُ النَّظَرُ وَلَيْسَ بِفَاسِدٍ شَرْعًا انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.
(قُلْت) : وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ التَّنْبِيهَاتِ وَابْنِ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الِاخْتِلَاطِ كَالْمَعْتُوهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ تَشْبِيهُ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ بِبَيْعِ السَّكْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ بَيْعِ السَّكْرَانِ الَّذِي عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّمْيِيزِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِمَا يَبِيعُهُ، وَمَا يَشْتَرِيه، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ كَمَا سَيَأْتِي (فَرْعٌ) : قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِهِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْمَذْعُورَ لَا يَلْزَمُهُ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ ذُعْرِهِ مِنْ بَيْعٍ، وَإِقْرَارٍ، وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) : تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ بِسِنٍّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، وَنَحْوِهِ لِابْنِ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْسَكِهِ، وَعَنْ الْبِسَاطِيِّ أَنَّهُ الَّذِي عَقَلَ الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ أَنَّهُ إذَا كُلِّمَ بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْعُقَلَاءِ فَهِمَهُ، وَأَحْسَنَ الْجَوَابَ عَنْهُ لَا أَنَّهُ إذَا دُعِيَ أَجَابَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ) ش: لَمَّا ذَكَرَ مَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ ذَكَرَ مَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ
لِعَاقِدِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْعِقَادِ الْبَيْعِ لُزُومُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ عَاقِدُهُ مُكَلَّفًا، فَلَوْ بَاعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ أَوْ اشْتَرَى انْعَقَدَ بَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ وَلِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي إمْضَائِهِ، وَرَدِّهِ بِمَا يَرَاهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ بَيْعَ السَّفِيهِ الْبَالِغِ، وَالْعَبْدِ الْبَالِغِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَالْمُفْلِسِ لَازِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَصَرُّفُهُمْ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلِوَلِيِّ السَّفِيهِ وَالسَّيِّدِ، وَالْغُرَمَاءِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ ابْنَ الْحَاجِبِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَّا أَنْ يُقَالَ إذَا أَخَذَ التَّكْلِيفَ مَأْخَذَ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ هُنَا انْتَهَى.
قُلْتُ: وَجْهُ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عَادَةَ الْفُقَهَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ شُرُوطِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَوُجُوهِ الْأَسْبَابِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا وُجِدَ جَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا وُجِدَ الْمَشْرُوطُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالضَّابِطِ لِلْمُتَعَلِّمِينَ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ بِالتَّكْلِيفِ هُنَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ هُنَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِأَحْكَامِ الْبَيْعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الرُّشْدِ، وَالطَّوْعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ، وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: عَبَّرَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِالتَّكْلِيفِ عَنْ الرُّشْدِ وَالطَّوْعِ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بَلْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَفْسَخَ وَكَذَلِكَ مَنْ أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ يَعْنِي إذَا أُجْبِرَ جَبْرًا حَرَامًا ثُمَّ قَالَ خَلِيلٌ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ الْمُلْجِئَ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْبَيْعِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِهِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ قِيلَ يُحْتَمَلُ، وَلَوْ قُلْنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْبَيْعِ إذْ لَا نَقُولُ بِإِمْضَائِهِ لِلْحَجْرِ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
قُلْت: أَمَّا كَوْنُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْبَيْعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِهِ شَرْعًا، فَصَحِيحٌ لِعَدَمِ، وُجُودِ الرِّضَا الْمُشْتَرَطِ فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا مَا ذِكْرُهُ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْأُصُولِيِّينَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا هِيَ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ عَقْلًا، وَجَوَازُ ذَلِكَ عَقْلًا فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا، وَرَجَّحَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَذَهَبَ الْأَشَاعِرَةُ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَقْلًا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ السُّبْكِيّ آخِرًا، وَأَمَّا الشَّرْعُ، فَأَسْقَطَ التَّكْلِيفَ بِالْإِكْرَاهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْهَا الْبَيْعُ وَتَوَابِعُهُ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إسْقَاطِهِ لِلتَّكْلِيفِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لِمَدَارِكَ مَذْكُورَةٍ فِي مَحَلِّهَا لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ تَفْصِيلِهَا، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْبَيْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ الْإِلْزَامُ فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ.
وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ السَّادِس وَالْعِشْرِينَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَخِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ، وَخِطَابُ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قَاعِدَتَانِ إحْدَاهُمَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ فِي الْعَقْلِ، وَالثَّانِيَةُ أَسْبَابُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَقَدْ اشْتَرَطُوا فِيهِ عِلْمَ الْمُكَلَّفِ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ وَخِطَابَ التَّكْلِيفِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ مِمَّا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ يَجِبُ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُنْدَبُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ انْتَهَى فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ، وَقُدْرَتُهُ، وَالسَّفِيهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَصَالِحِهِ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا أُكْرِهَ
عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ وَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَمَا اسْتَظْهَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ هُنَا بِالتَّكْلِيفِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِالْعِبَادَاتِ الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ بَلْ مُرَادُهُ بِهِ هُنَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ التَّكْلِيفُ بِأَحْكَامِ الْبَيْعِ الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَى الرُّشْدِ، وَالطَّوْعِ.
وَلِهَذَا فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ فِي الْعِبَارَةِ قَلَقٌ فَإِنَّ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ، وَشَرْطُ لُزُومِ الْبَيْعِ الْإِلْزَامُ بِهِ، وَذَلِكَ دَوْرٌ فَلَوْ قَالَ: وَشَرْطُ لُزُومِهِ رُشْدٌ، وَطَوْعٌ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ لَوْ قَالَ رُشْدٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ يُوهِمُ أَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى الرُّشْدِ كَافٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ صَوَابُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْبِسَاطِيِّ حَمْلُ التَّكْلِيفِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : خَرَجَ بِاشْتِرَاطِ الرُّشْدِ كُلُّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ، وَالسَّفِيهِ، وَالْعَبْدِ الْبَالِغِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَكُلُّ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ مِنْ مُدَبَّرٍ، وَأُمِّ، وَلَدٍ، وَمُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُبَعَّضٍ إلَّا الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ، وَمَالَهُ.
(الثَّانِي) : إذَا بَاعَ السَّفِيهُ أَوْ اشْتَرَى أَوَالصَّغِيرُ فِي حَالِ حَجْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَيُوقَفُ عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ بِذَلِكَ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٍ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَيُجِيزُهُ أَوْ يَرُدُّهُ بِحَسَبِ مَا يَرَى أَنَّهُ الْأَصْلَحُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلِيُّهُ أَوْ عَلِمَ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي ذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ السَّفِيهُ عَنْ الْحَجْرِ خُيِّرَ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ، وَرَدِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ قَدَّمَ الْقَاضِي مَنْ يَنْظُرُ فِي حَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَلَكَ أَمْرَ نَفْسِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَدِّ ذَلِكَ، وَإِجَازَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) : إذَا بَاعَ الْمَحْجُورُ أَوْ اشْتَرَى بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ وَسَكَتَ الْوَلِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: فِي تَرْجَمَةِ إنْكَاحِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ الصَّغِيرَ وَالْمَحْجُورَ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فِي مَسَائِلِهِ: كُلُّ مَا عَقَدَهُ الْيَتِيمُ عَلَى نَفْسِهِ بِعِلْمِ الْوَصِيِّ، وَشَهَادَتِهِ مِمَّا هُوَ نَظَرٌ لِلْيَتِيمِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لِلْيَتِيمِ نِكَاحًا كَانَ أَوْ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَلَا غِبْطَةٍ لِلْيَتِيمِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَصِيِّ بِتَضْيِيعِهِ، وَتَفْرِيطِهِ فِي مَنْعِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمَصْلَحَةٍ، وَقَدْ نَزَلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا فَأَشَرْنَا عَلَى الْقَاضِي بِذَلِكَ إلَّا رَجُلًا مِنَّا، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْيَتِيمِ، وَلَا لِلْوَصِيِّ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ سَقْطَةٌ مِنْ الْوَصِيِّ تُوجِبُ عَزْلَهُ عَنْ الْيَتِيمِ، وَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، وَهُوَ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ أَمِينُ، وَكُلُّ أَمِينٍ إذَا ضَيَّعَ أَمَانَتَهُ أَوْ تَعَدَّى فِيهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنْ سُكُوتَ الْوَصِيِّ إذَا رَأَى مَحْجُورَهُ يَبِيعُ، وَيَشْتَرِي لَيْسَ بِرِضًا وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ بِمَحْضَرِ أَبِيهِ.
وَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ فِي الْوَصِيِّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ السَّفِيهِ وَالْمَحْجُورِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنْ رَأَى الْوَصِيُّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَهُوَ سَاكِتٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَلْزَمُهُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فَمَنْ بَاعَ مِنْهُ، وَابْتَاعَ فَقَدْ أَتْلَفَ مَالَهُ وَلَيْسَ سُكُوتُ الْوَصِيِّ رِضًا بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَحْثُ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي بِمَحْضَرِ أَبِيهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي الطُّرَرِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي فِي تَرْجَمَةِ فَسْخِ الْوَصِيِّ نِكَاحَ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَصِيِّ كَلَامَ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَذَكَرَ فِي الْجُزْءِ التَّاسِعِ مِنْ الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ، وَثِيقَةِ تَسْجِيلِ الْقَاضِي بِالْوِلَايَةِ عَلَى رَجُلٍ كَلَامَ الْأَبْهَرِيِّ.
وَقَالَ: وَلَيْسَ سُكُوتُ الْوَصِيِّ رِضًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ، وَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَرُّفُ حَالِهِ وَذَكَرَ كَلَامَ الِاسْتِغْنَاءِ، وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَفْصِيُّ: فِي الْمَذْهَبِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ، وَلَا يَكُونُ سُكُوتُ الْوَصِيِّ حِينَ رَآهُ يَبِيعُ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ: إذَا كَانَ الْمَحْجُورُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَيَأْخُذُ، وَيُعْطِي بِرِضَا حَاجِرِهِ وَسُكُوتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ، بِذَلِكَ أَفْتَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي
ابْنَ عَرَفَةَ وَبِذَلِكَ وَقَعَ الْحُكْمُ بِتُونُسَ، وَذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ انْتَهَى فَتَحَصَّلَ فِيمَا بَاعَهُ بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ وَسُكُوتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ كَفِعْلِ الْوَلِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إبْرَاهِيمَ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ بِتُونُسَ، وَبِهِ أَفْتَيْت (وَالثَّانِي) : أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا وَمَصْلَحَةً لَزِمَ الْمَحْجُورَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَصْلَحَةٍ نَقَصَ مَا دَامَ الْمَبِيعُ قَائِمًا بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ فَاتَ مِنْ يَدِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُنْقَضْ وَرَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكَمَالِ الْقِيمَةِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْقِيَامِ بِالصَّغِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِكُلِّ، وَجْهٍ، وَكَانَ الْوَصِيُّ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَصْلَحَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا قَالَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ (الرَّابِعُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِتْقٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا بَيْعٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَرُشْدِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ، وَأَسْتَحِبُّ لَهُ إمْضَاءَهُ، وَلَا أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَعَلَى ذَلِكَ اخْتَصَرَهُ الْمُخْتَصِرُونَ، وَظَاهِرُ الْأُمَّهَاتِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَعَلَى الْجَمِيعِ اخْتَصَرَهُ الْمُخْتَصِرُونَ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْضَاءُ جَمِيعِ مَا فَعَلَهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ فِيهِ قُرْبَةٌ، وَأَمَّا مَا كَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَأَيُّ اسْتِحْبَابٍ فِي هَذَا، فَكَذَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ عَلَى مَا تَأَوَّلْنَاهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبَةٌ بِإِسْعَافِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِإِمْضَاءِ عِتْقِهِ لِغِبْطَةٍ بِهَا كَمَا تَكُونُ فِي الْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ انْتَهَى (الْخَامِس) : إذَا بَاعَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ اشْتَرَى فَلِلسَّيِّدِ رَدُّهُ، وَإِجَازَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ حَتَّى أَعْتَقَهُ مَضَى نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الدِّمَشْقِيِّ تِلْمِيذُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِ الْفُرُوقِ لَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ، وَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ بِذَلِكَ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَسَيُنَبِّهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ الْحَجْرِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ الْمَعْرُوفُ فَالْبَيْعُ أَوْلَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْجُورِ، وَالْعَبْدِ أَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ، وَقَدْ زَالَ بِالْعِتْقِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسُ) : يُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ شِرَاءُ السَّفِيهِ لِلْأُمُورِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ عَيْشِهِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ يَبْتَاعُ بِهِ لَحْمًا، وَمِثْلُ خُبْزٍ، وَبَقْلٍ، وَنَحْوِهِ يَشْتَرِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ مِمَّا يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ نَفَقَتِهِ انْتَهَى.
وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي بَابِ الْحَجْرِ، وَفِيهِ بَقِيَّةُ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَيْعِ الْمَحْجُورِ (السَّابِعُ) : يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ كَوْنُ عَاقِدِهِ رَشِيدًا أَمَّا إذَا كَانَ السَّفِيهُ، وَكِيلًا عَنْ رَشِيدٍ، فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ.
(الثَّامِنُ) : الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ فِي قَوْلِنَا إذَا بَاعَ الْمَحْجُورُ أَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي خُصُوصِيَّةِ الْعَقْدِ الْمَفْرُوضِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يَأْذَنُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ التِّجَارَةَ فَأَذِنَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَنْ يَتَّجِرَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّهُ مُوَلَّى عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بَعْضَ الْمَالِ يَخْتَبِرُهُ بِهِ فَلَحِقَهُ فِيهِ دَيْنٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ فِيمَا دَفَعَ إلَيْهِ، وَلَا فِيمَا أَبْقَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَبْدِ يَأْذَنُ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَمْنَعْهُ لِسَفَهٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَإِذَا أُذِنَ لَهُ جَازَ، وَالسَّفِيهُ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِلْكُهُ بِيَدِ أَحَدٍ، فَلَيْسَ الْإِذْنُ لَهُ مُزِيلًا لِلسَّفَهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الْيَتِيمِ الْمُخْتَبَرِ بِالْمَالِ: يَلْحَقُهُ مَا أُذِنَ فِيهِ خَاصَّةً انْتَهَى (التَّاسِعُ) : يُسْتَثْنَى مِنْ تَصَرُّفِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَا إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ شَخْصٌ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً، وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا مَاضٍ قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ:
﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] وَيُخْتَلَفُ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَحْجُورِ بِمَالٍ، وَيَشْتَرِطُ فِي صَدَقَتِهِ أَنْ يُتْرَكَ فِي يَدِهِ، وَلَا يُضْرَبَ عَلَى يَدَيْهِ فِيهَا كَمَا يُفْعَلُ بِسَائِرِ مَالِهِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ، وَفَرْضَهُ.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] انْتَهَى وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: لَوْ وَهَبَ هِبَةً لِيَتِيمٍ أَوْ سَفِيهٍ، وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نَفَذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ انْتَهَى.
(الْعَاشِرُ) : إذَا بَاعَ لِسَفِيهٍ أَوْ اشْتَرَى فَأَرَادَ وَلِيُّهُ فَسْخَ تَصَرُّفِهِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ الْبَائِعُ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ فِي عَبْدِهِ ذَكَرَهُ الرُّعَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُوجِبُ يَمِينًا مِنْ كِتَابِ التَّبْصِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا) ش يَعْنِي إذَا كَانَ شَرْطُ لُزُومِ الْبَيْعِ التَّكْلِيفُ مِمَّنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْبَيْعِ جَبْرًا حَرَامًا إمَّا بِأَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ نَفْسَهُ أَوْ يُكْرَهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ ظُلْمًا فَيَبِيعَ مَتَاعَهُ لِذَلِكَ، وَكَالذِّمِّيِّ يُضْغَطُ فِيمَا يُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ لُزُومِهِ الَّذِي هُوَ التَّكْلِيفُ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» .
وَلَمَّا كَانَ الْجَبْرُ عَلَى قِسْمَيْنِ حَرَامٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَشَرْعِيٌّ لَازِمٌ احْتَرَزَ عَنْ الثَّانِي بِقَوْلِهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَالْجَبْرُ الشَّرْعِيُّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَغَيْرِهِ كَجَبْرِ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ عَلَى الْبَيْعِ لِلْغُرَمَاءِ، وَكَجَبْرِ الْعُمَّالِ عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّلْطَانُ يَرُدُّ الْمَالَ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ كَالْمَضْغُوطِ فِي دَيْنٍ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ إغْرَامَ الْوَالِي الْعُمَّالَ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّاسِ حَتَّى فَعَلَهُ الْوَالِي، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى أَهْلِهِ فَإِذَا حَبَسَهُ، فَهُوَ ظَالِمٌ فِي حَبْسِهِ نَقَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ انْتَهَى.
وَيُعَبِّرُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمَضْغُوطِ، وَهُوَ الْمُكْرَهُ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الضُّغْطَةُ بِالضَّمِّ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالْإِكْرَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الْمَضْغُوطِ مَا هُوَ فَقَالَ: هُوَ مَنْ أَضْغَطَ فِي بَيْعِ رَبْعِهِ أَوْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي مَالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَبَاعَ لِذَلِكَ انْتَهَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِمَسْأَلَةِ الْمَضْغُوطِ خَاصٌّ بِمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ، فَبَاعَ لِذَلِكَ وَنَصُّهُ، وَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الْمَجْبُورِ عَلَى الْبَيْعِ جَبْرًا حَرَامًا.
وَيُخَيَّرُ فِيهِ الْمُكْرَهُ بَعْدَ إذْنِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ ظُلْمًا فَبَاعَ لِيُؤَدِّيَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَضْغُوطِ فَنَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ مَتَاعَهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَأَفْتَى اللَّخْمِيّ أَنَّ بَيْعَهُ مَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ السُّيُورِيِّ، وَرَأَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْهُ لِيَخْلُصَ مِنْ الْعَذَابِ مَأْجُورٌ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بِإِجْمَاعٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَيْعُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ ظُلْمًا لَا يَلْزَمُهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ وَالْأَبْهَرِيِّ إجْمَاعًا ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُشْتَرَى طَوْعًا، وَلَهُ أَخْذُ مَبِيعِهِ،.
وَلَوْ تَعَدَّدَتْ أَشْرِيَتُهُ كَمُسْتَحَقٍّ كَذَلِكَ، وَلَا يُفِيتُهُ عِتْقٌ وَلَا إيلَادٌ، وَيُحَدُّ الْمُشْتَرِي بِوَطْئِهَا انْتَهَى.
وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ فَبَاعَ لِذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِك أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ.
وَقَالَ بِهِ سَحْنُونٌ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ لَكِنَّ سَحْنُونًا وَابْنَ رُشْدٍ خَالَفَا فِي أَخْذِهِ صَاحِبَهُ بِلَا ثَمَنٍ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سُنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا الْبُرْزُلِيُّ، وَقَالَ بِهِ السُّيُورِيُّ وَاللَّخْمِيُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: عَنْ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالسُّيُورِيِّ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ السُّيُورِيِّ وَاللَّخْمِيِّ عَلَى مَا نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ
، وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ عَدَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ، فَأَخَذَ رِبَاعَهُمْ ثُمَّ فَكُّوهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَرَجَعَتْ عَلَيْهِمْ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ دَارًا مِنْهَا وَدَفَعَ ثَمَنَهَا لِلسُّلْطَانِ ثُمَّ قَامَ يُرِيدُ نَقْضَ الْبَيْعِ، وَطَلَبَ الْغَلَّةَ فَأَجَابَ بَيْعُهُ لَازِمٌ، وَلَا غَلَّةَ لَهُ وَسُئِلَ أَيْضًا عَمَّنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ فَيَسْجُنُونَهُ فَيَبِيعُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ أَوْ مَنْ يَحْتَسِبُ لَهُ رَبْعًا لِفِدَائِهِ هَلْ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَمْ لَا؟ وَكَذَا مَا أَخَذَهُ الْمُضْطَرُّ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ لِفِدَائِهِ جَائِزٌ مَاضٍ بَاعَ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ بِأَمْرِهِ.
وَكَذَا أَخْذُهُ مُعَامَلَةً أَوْ سَلَفًا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَهُ أُجِرَ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ: وَسُئِلَ اللَّخْمِيّ عَنْ يَتِيمٍ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ وَسَجَنَهُ، وَاضْطَرَّهُ إلَى بَيْعِ رَبْعِهِ فَبَاعَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ السُّلْطَانِ نَفْيٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَتَوَقَّفَ النَّاظِرُ فِي الْبَيْعِ حِينَ لَمْ يَأْذَنْ الْقَاضِي فِيهِ فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وُصِفَ مَضَى بَيْعُهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظِ، وَسُئِلَ عَنْ شَابٍّ مُرَاهِقٍ أَوْ بَالِغٍ جَنَى جِنَايَةً فَسُجِنَ وَهُوَ يَتِيمٌ كَفَلَهُ بَعْضُ أَقَارِبِهِ إلَى آخِره.
(تَنْبِيهٌ) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى دَفْعِ مَالٍ، فَيَبِيعُ لِذَلِكَ
ص (وَرَدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قُلْنَا أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَبِيعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الثَّمَنِ بَلْ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ مَالٍ ظُلْمًا، فَبَاعَ مَتَاعَهُ لِذَلِكَ فَيُرَدُّ إلَيْهِ مَتَاعُهُ بِلَا ثَمَنٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ الْمَضْغُوطَ صَرَفَ الثَّمَنَ فِي مَصَالِحِهِ، وَأَمَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَقَطْ، فَلَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ، وَرَدُّهُ فَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ رَدَّ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ
وَقَالَ: فِي الْبَيَانِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَضْغُوطٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ، وَسَوَاءٌ وَصَلَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ فَدَفَعَهُ الْمَضْغُوطُ إلَى الظَّالِمِ أَوْ جَهِلَ هَلْ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ؟ أَوْ كَانَ الظَّالِمُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ لِلْمَضْغُوطِ؟ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِمَّنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ، وَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمَضْغُوطِ عَلَى الظَّالِمِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْبَائِعَ أَدْخَلَ الثَّمَنَ فِي مَنَافِعِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إلَى الظَّالِمِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَحَكَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَضْغُوطُ هُوَ الْبَائِعُ الْقَابِضُ لِلثَّمَنِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَا بَاعَ إلَّا بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَيْعُهُ لَازِمٌ لَهُ غَيْرُ مَفْسُوخٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَجِيرٌ يُؤْجَرُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلُزُومُهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ انْتَهَى مِنْ رَسْمِ سُنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَنَصُّهُ وَلَوْ بَاعَ مَتَاعَهُ فِي مَظْلِمَةٍ ثُمَّ لَا يَدْرِي هَلْ أَوْصَلَ الثَّمَنَ إلَى الظَّالِمِ أَمْ لَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ظُلْمُهُ لَهُ، وَعَدَاؤُهُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا حَتَّى بَاعَ مَتَاعَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وَصَلَ لِلظَّالِمِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّ
الْمَضْغُوطَ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِهِ فَلَا يَصِلُ حِينَئِذٍ إلَى مَتَاعِهِ إلَّا بِدَفْعِ الثَّمَنِ.
وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِأَنَّ مَا اشْتَرَاهُ لِلْمَضْغُوطِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قِيلَ لِمُطَرِّفٍ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ كَبْلٍ يَقِفُونَ لِبَيْعِ مَتَاعِهِمْ فَإِذَا أَمْسَوْا رُدُّوا إلَى السِّجْنِ قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ حُرَّاسٌ أَوْ أُخِذَ عَلَيْهِمْ حَمِيلٌ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ أَوْ يَعْلَمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي كَبْلٍ، وَعَذَابٍ، وَمِنْهُمْ هَارِبٌ قَدْ أُخِذَ مَتَاعُهُ يُبَاعُ قَدْ أَمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ بِبَيْعِهِ قَالَ كُلُّ هَذَا سَوَاءٌ، وَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يُبَالَى بِعِلْمِ الْمُبْتَاعِ أَوْ جَهْلِهِ إلَّا أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَأْثُومٌ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: قَالُوا: وَسَوَاءٌ كَانَ عِنْدَهُ عَيْنٌ فَتَرَكَهَا وَبَاعَ خَشْيَةَ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَفْظُهُ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَ الْمَضْغُوطَ لِلْبَيْعِ مَكْبُولًا أَوْ مُوَكَّلًا بِهِ حُرَّاسٌ أَوْ أُخِذَ عَلَيْهِ حَمِيلٌ أَوْ كَانَ مُسَرَّحًا دُونَ حَمِيلٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ هَرَبَ خَالَفَهُ الظَّالِمُ إلَى مَنْزِلِهِ بِالْأَخْذِ وَالْمَعَرَّةِ فِي أَهْلِهِ كَانَ لَهُ مَالُ عَيْنٍ غَيْرُ مَا بَاعَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلِيَ الْبَيْعَ أَوْ، وَكَّلَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ، وَيَتْبَعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ الظَّالِمَ دَفَعَهُ لَهُ هُوَ أَوْ الْبَائِعُ انْتَهَى.
[فروع مَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَنْ كَانَ عَالِمًا بِحَالِ الْمَضْغُوطِ فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ كَالْغَاصِبِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَيَشْتَرِي فِي السُّوقِ فَلَا يَضْمَنُ الدُّورَ، وَالْحَيَوَانَ، وَيَضْمَنُ مَا انْتَفَعَ بِهِ بِأَكْلٍ أَوْ لُبْسٍ، وَالْغَلَّةُ لَهُ وَأَمَّا الظَّالِمُ فَلَا غَلَّةَ لَهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا انْتَهَى.
(الثَّانِي) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَكُلُّ مَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمَضْغُوطَ، وَلَهُ أَخْذُ رَقِيقِهِ مِنْ الْمُبْتَاعِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِحَالِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْقَفَ الْمُبْتَاعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَضْغُوطَ، وَقَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.:
[قَبَضَ الثَّمَنَ وَكِيلُ الظَّالِمِ مِنْ الْمُشْتَرِي]
الثَّالِثُ قَالَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ مُطَرِّفٍ: وَلَوْ قَبَضَ الثَّمَنَ، وَكِيلُ الظَّالِمِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَكِيلِ إنْ شَاءَ أَوْ عَلَى الظَّالِمِ إذَا أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ أَدَّى الْمَالَ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْصَى الْوَكِيلَ فَقَبَضَهُ، وَكِلَاهُمَا مَأْخُوذٌ بِهِ وَلَا يُبَرِّئُ الْوَكِيلَ خَوْفُهُ مِنْهُ أَوْ إكْرَاهُهُ إيَّاهُ انْتَهَى.
[وَجَدَ الْمَضْغُوطُ مَتَاعَهُ قَدْ فَاتَ]
(الرَّابِعُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَوْ وَجَدَ الْمَضْغُوطُ مَتَاعَهُ قَدْ فَاتَ فَلَهُ أَخْذُ الْأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بِيعَ بِهِ إنْ شَاءَ عَلَى الْوَكِيلِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: مِثْلَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ، وَلَا قَوْلَ لِلْوَكِيلِ إنْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرَهًا عَلَى الْقَبْضِ، وَخِفْتُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِي إنْ لَمْ أَفْعَلْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ جَمِيعَهُ وَزَادَ بَعْدَ هَذَا الْفَرْعِ، وَكَذَا كُلُّ مَا أَمَرَ بِفِعْلِهِ ظُلْمًا مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ، وَهُوَ يَخَافُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ نَزَلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا يَفْعَلُهُ فَإِنْ فَعَلَهُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَالْغُرْمُ قُلْت: هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ يُبَيِّنُ لَكَ حَالَ بَعْضِ الْقُضَاةِ فِي تَقْدِيمِهِمْ مَنْ يَعْرِفُونَ جُرْحَتَهُ شَرْعًا لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ، وَالْفُرُوجِ، وَيَعْتَذِرُونَ بِالْخَوْفِ مِنْ مُوَلِّيهِمْ الْقَضَاءَ مَعَ أَنَّهُمْ فِيمَا رَأَيْتُ لَا يَخَافُونَ مِنْهُ إلَّا عُزْلَتَهُ عَنْ الْقَضَاءِ، وَلِلَّهِ دُرُّ الشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى الصُّوفِيِّ صَالِحِ بِجَايَةَ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ الشِّيعَةَ، وَمُغَيِّرِي الشَّرِيعَةِ انْتَهَى.
[أَعْطَى الْمَضْغُوطُ حَمِيلًا فَتَغَيَّبَ فَأُخِذَ الْمَالُ مِنْ الْحَمِيلِ]
(الْخَامِسُ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَوْ أَعْطَى الْمَضْغُوطُ حَمِيلًا فَتَغَيَّبَ فَأُخِذَ الْمَالُ مِنْ الْحَمِيلِ لَمْ يَرْجِعْ الْحَمِيلُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ ضُغِطَ الْحَمِيلُ فِي مِلْكٍ لِبَيْعِ شَيْءٍ فَبَيْعُهُ بَيْعُ مَضْغُوطٍ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَ الْمَضْغُوطُ مَا أَضْغَطَ فِيهِ مِنْ رَجُلٍ سَلَفًا فَقَالَ أَصْبَغُ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَسْلَفَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ مَعْرُوفٌ قَالَ فَضْلٌ: فَعَلَى أَصْلِهِ فَيَرْجِعُ الْحَمِيلُ؛ لِأَنَّ الْحَمَّالَةَ مَعْرُوفٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ عَلَى ابْنِ دَحُونٍ يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا تَسَلَّفَ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ.
[بَيْعُ قَرِيبِ الْمَضْغُوطِ لِفِكَاكِهِ مِنْ عَذَابٍ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ]
(السَّادِسُ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَيْعُ قَرِيبِ الْمَضْغُوطِ لِفِكَاكِهِ مِنْ عَذَابٍ كَزَوْجَتِهِ، وَوَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ لَازِمٌ انْتَهَى يُرِيدُ بَيْعَهُ مَتَاعَ نَفْسِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُضْغَطُوا، وَلَوْ لَمْ يَبِيعُوا مَتَاعَهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا انْتَهَى.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَبِ، وَأَمَّا الْأَبُ إذَا عُذِّبَ وَلَدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: إنَّهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ، وَنَصُّهُ، وَسُئِلَ ابْنُ الْبَرَاءِ عَمَّنْ
أَخَذَهُ الْعُمَّالُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَبَاعَتْ أُمُّهُ وَأَخَوَاتُهُ دَارًا لَهُمْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِسَبْعِمِائَةٍ، وَقِيمَتُهَا حِينَئِذٍ أَرْبَعُمِائَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا جَبْرًا بِسَبَبِ فِدَاءِ وَلَدِهَا، وَكَانَتْ لِأَبِيهِ قَاعَةٌ فَبَاعَهَا بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ دِينَارًا ثُمَّ مَاتَ الْوَالِدَانِ، وَقَامَ الْوَرَثَة بِنَقْضِ الْبَيْعِ بِسَبَبِ الْغَبْنِ أَوْ غَيْرِهِ فَأَجَابَ إذَا ثَبَتَ الْجَوْرُ وَالْعُدْوَانُ بَطَلَ مَا يُجْرَى فِي ذَلِكَ وَالْحَاكِمُ يَنْظُرُ فِيهِ فَمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بَنَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ.
(قُلْت) : تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا بَاعَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ ابْنُهُ أَوْ قَرِيبُهُ مِنْ مَتَاعِ أَنْفُسِهِمْ فِي افْتِكَاكِهِ يَلْزَمُهُمْ بَيْعُهُ بِخِلَافِ مَتَاعِ الْمَضْغُوطِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْلَبُوا إنَّمَا بَاعُوا حِسْبَةً، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا بَاعَتْهُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ مَالِهِنَّ فَلَا مَقَالَ لَهُنَّ فِيهِ وَاسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: لَمْ يَظْهَرْ لِي صَوَابُهَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ إذَا عُذِّبَ بَيْنَ يَدَيْ، وَالِدَيْهِ فَأَيُّ إكْرَاهٍ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا، وَأَيْنَ الْحِسْبَةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: 233] قُلْت: هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ إنَّ الْإِكْرَاهَ بِسَبَبِ الْوَلَدِ كَالْإِكْرَاهِ بِالنَّفْسِ لَكِنْ يَبْقَى غَيْرُ الْوَلَدِ مِنْ الزَّوْجَةِ، وَالْإِخْوَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ يُنَصَّ فِيهَا عَلَى الْوَالِدِ، وَلَعَلَّهُ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَأَمَّا السُّؤَالُ فَفِيهِ أَنَّهُمْ بَاعُوا جَبْرًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اضْطَرَّهُ السُّلْطَانُ إلَى بَيْعِ سِلْعَتِهِ]
(السَّابِعُ) : قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: سُئِلَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَمَّنْ اضْطَرَّهُ السُّلْطَانُ إلَى بَيْعِ سِلْعَتِهِ وَقَامَ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الْإِكْرَاهَ فَأَجَابَ إذَا ثَبَتَ الْإِكْرَاهُ فِي شَيْءٍ لَا يَلْزَمُهُ مَبِيعُهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَهُ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي الْمَعْرِفَةَ بِذَلِكَ حَلَّفَهُ الْبُرْزُلِيُّ، وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ الضَّرَرَ لَا يُجَازُ، وَلَوْ طَالَتْ السُّنُونَ إذَا كَانَ أَصْلُهُ ظُلْمًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ فِيمَنْ تَسَلَّمَ بِالظُّلْمِ أَنَّ حِيَازَتَهُ لَغْوٌ، وَيُسْأَلُ مِنْ أَيْنَ تَوَصَّلَ إلَى الْمِلْكِ انْتَهَى قُلْت: وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي بَيْعِ مَضْغُوطٍ أَنَّ مَنْ أَضْغَطَ فِي الْغُرْمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأُكْرِهَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُطْلِقَ تَحْتَ الضَّمَانِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي الضُّغْطَةِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَيْعٌ مَضْغُوطٌ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي أَتَقَلَّدُهُ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ يَرُدُّ الْبَيْعَ، وَيُغَرَّمُ الثَّمَنَ الْمَقْبُوضَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُبْتَاعُ بِضَغْطَتِهِ فَيَرُدَّ الْبَيْعَ وَيَتْبَعَ الضَّاغِطَ بِالثَّمَنِ، وَلَا تَبَاعَةَ لَهُ عَلَى الْمَضْغُوطِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ هُوَ الْعَالِمُ بِالضُّغْطَةِ دُونَ مُوَكِّلِهِ فَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى وَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِلْمُ أَحَدِهِمَا بِذَلِكَ، وَأَرَادَ الْبَائِعُ تَحْلِيفَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
فَفِي هَذِهِ الْفَتْوَى مَا يَشْهَدُ لِلَّتِي قَبْلَهَا، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ عَنْ سَحْنُونٍ هُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبَيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ فِي نَوَازِلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[شَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى بَيْعِ الْمُكْرَهِ]
(الثَّامِنُ) : فِي شَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى بَيْعِ الْمُكْرَهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: فِيهَا نَظَرٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَخَافُوا عَلَيْهِ فَلِهَذَا، وَجْهٌ لَكِنَّ حَقَّهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا صِفَةَ حَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَخَافُوا عَلَيْهِ فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَشْهَدُوا فِي مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْعَزْلَ فَلَا يَشْهَدُوا لِأَنَّهَا ظُلْمٌ، وَلَوْ خَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ فَفِيهَا نَظَرٌ لِلْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى يَعْنِي فِي بَيْعِ الْمَضْغُوطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أُودِعَ مَتَاعًا فَعَدَا عَلَيْهِ]
(التَّاسِعُ) : قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ: مَنْ أُودِعَ مَتَاعًا فَعَدَا عَلَيْهِ عَادٍ فَأَغْرَمَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَتَاعِ غُرْمًا لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ شَيْءٌ مِمَّا غَرِمَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ إنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ بِمَا غَرِمَ مِنْ مَتَاعِهِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الْمَتَاعِ بِهِ، وَأَمَّا مَا عَلِمَ بِهِ مِثْلُ الْمَتَاعِ يُوَجِّهُ بِهِ الرَّجُلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مَعَ رَجُلٍ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ بِالطَّرِيقِ مَكَّاسًا يُغَرِّمُ النَّاسَ عَلَى مَا يَمُرُّونَ بِهِ مِنْ الْمَتَاعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ مَا غَرِمَ عَلَى مَتَاعِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ لِابْنِ دَحُونٍ، وَقَالَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَيُغَرِّمُهُ فَتَسَلَّفَ مَا يُغَرَّمُ فَذَلِكَ دَيْنٌ لَازِمٌ وَهُوَ حَلَالٌ لِمَنْ أَسْلَفَهُ، وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَدْ سَأَلَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْغُرْمِ انْتَهَى.
[تَعَرَّضَ لَهُمْ اللُّصُوص يُرِيدُونَ أَكْلَهُمْ فَقَامَ بَعْضُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ فَضَمِنَهُمْ]
(الْعَاشِرُ) : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي الرِّفَاقِ فِي أَرْضِ الْمَغْرِبِ تَعَرَّضَ لَهُمْ اللُّصُوصُ
فَيُرِيدُونَ أَكْلَهُمْ فَيَقُومُ بَعْضُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ فَيَضْمَنُهُمْ عَلَى مَالٍ عَلَيْهِ، وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ مَعَهُ، وَعَلَى مَنْ غَابَ مِنْ صَاحِبِ الْأَمْتِعَةِ فَيُرِيدُ مَنْ غَابَ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا عُرِفَ مِنْ سُنَّةِ تِلْكَ الْبِلَادِ أَنَّ إعْطَاءَ الْمَالِ يُخَلِّصُهُمْ وَيُنَجِّيهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِمَنْ حَضَرَ، وَلِمَنْ غَابَ مِمَّنْ لَهُ أَمْتِعَةٌ فِي تِلْكَ الرُّفْقَةِ، وَعَلَى أَصْحَابِ الظَّهْرِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنُوبُهُمْ فِي تِلْكَ الرِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ يُخَافُ أَنْ لَا يُنَجِّيَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَعْطَوْا، وَكَانَ فِيهِمْ مَوْضِعٌ لِدَفْعِ ذَلِكَ فَمَا أَوْجَبَ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، وَأَعْطَوْا عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يُرْجَعْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَابَ مِنْ صَاحِبِ الْأَمْتِعَةِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ص (وَمَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ)
ش: أَيْ، وَمَضَى الْبَيْعُ الْمُجْبَرُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي جَبْرِ السُّلْطَانِ عَامِلًا مِنْ عُمَّالِهِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَرَادَ تَوْلِيَةَ أَحَدٍ أَحْصَى مَا بِيَدِهِ فَمَا وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى مَا بِيَدِهِ، وَعَلَى مَا كَانَ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ بِجَاهِ الْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ أَخَذَهُ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ تِجَارَةٌ وَزِرَاعَةٌ، وَأَشْكَلَ مِقْدَارُ مَا اكْتَسَبَهُ بِذَلِكَ وَمَا اكْتَسَبَهُ بِجَاهِ الْوِلَايَةِ فَالْمُشَاطَرَةُ حَسَنَةٌ، وَقَدْ فَعَلَهَا سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ عُمَّالِهِ لَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ مَا اكْتَسَبُوهُ بِالْقَضَاءِ وَالْعِمَالَةِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَبُولِ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ وَالْكَلَامِ عَلَى مُشَاطَرَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ لِسَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيِّدِنَا أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ أَنَّ عُلُوَّ مَنْصِبِهِمْ، وَمَرْتَبَتِهِمْ فِي الْوَرَعِ وَالدِّينِ مَعْلُومَةٌ أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامِلُ مَشْهُورًا بِالظُّلْمِ لِلنَّاسِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ مَا ظَلَمَ النَّاسَ بِهِ وَيَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا جَبْرًا حَرَامًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَفْهُومَ شَرْطٍ، وَفِي فَهْمِهِ مِنْهُ خَفَاءٌ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ صَرَّحَ بِهِ وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي كَجَبْرِ عَامِلٍ لَكَانَ أَحْسَنُ لِيَدْخُلَ فِي كَلَامِهِ صُوَرُ الْجَبْرِ الشَّرْعِيِّ كَجَبْرِ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ عَلَى بَيْعِ مَتَاعِهِ لِلْغُرَمَاءِ، وَجَبْرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى بَيْعِ أَمْوَالِهِمْ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَجَبْرِ مَنْ لَهُ دَارٌ تُلَاصِقُ الْجَامِعَ أَوْ الطَّرِيقَ عَلَى بَيْعِهَا إذَا اُحْتِيجَ إلَى تَوْسِعَتِهِمَا بِهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ
وَكَانَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اكْتَفَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ جَبْرًا حَرَامًا، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى جَبْرِ الْعَامِلِ بِخُصُوصِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْجَبْرِ الْحَرَامِ لِكَوْنِهِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، وَلِقُرْبِهِ مِنْهُ خُصُوصًا إذَا كَانَ السُّلْطَانُ لَا يَرُدُّ الْمَالَ عَلَى أَرْبَابِهِ، وَلِهَذَا قَالَ مَضَى، وَلَمْ يَقُلْ جَازَ جَبْرُ عَامِلٍ؛ لِأَنَّ جَبْرَ السُّلْطَانِ الْعَامِلَ إنْ كَانَ لِيَرُدَّ الْمَالَ عَلَى أَرْبَابِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ لِيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مَاضٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: فِي رَسْمِ سُنَّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ إنَّ مَنْ تَصَرَّفَ لِلسُّلْطَانِ فِي أَخْذِ الْمَالِ، وَإِعْطَائِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ إذَا أَضْغَطَ فِيهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي أَخْذِ الْمَالِ، وَإِعْطَائِهِ فَلَا يَشْتَرِي مِنْهُ إذَا أَضْغَطَ فَإِنْ اشْتَرَى مِنْهُ فَلَهُ الْقِيَامُ هُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَضْغَطَ فِيمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَصَلَ عِنْدَهُ مِنْهُ فَلَمْ يُضْغَطْ إلَّا بِمَا صَارَ عِنْدَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ حَقٌّ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَزَادَ الشَّيْخُ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَالْعَامِلُ يَعْزِلُهُ الْوَالِي عَلَى سُخْطٍ أَوْ يَتَقَبَّلُ الْكُورَةَ بِمَالٍ، وَيَأْخُذُ أَهْلَهَا بِمَا شَاءَ مِنْ الظُّلْمِ فَيَعْجِزُ أَوْ يَتَقَبَّلُ الْمَعْدِنَ فَيَعْجِزُ عَمَّا عَلَيْهِ فَيُغَرِّمُهُ الْوَالِي مَالًا بِعَذَابٍ حَتَّى يُلْجِئَهُ لِبَيْعِ مَالِهِ فَبَيْعُهُ مَاضٍ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَخَذَ الْوَالِي مَالَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ رَدَّهُ عَلَى أَرْبَابِهِ كَمُكْرَهٍ أَوْ مَضْغُوطٍ فِي بَيْعٍ لِحَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ دَيْنٍ لَازِمٍ اهـ.
، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْجَبْرِ الشَّرْعِيِّ جَبْرَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْبَيْعِ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَشِبْهِهِ قَالَ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: مَالِكٌ: فِي
الَّذِي يُضْغَطُ فِي الْخَرَاجِ فَيَبِيعُ بَعْضَ مَتَاعِهِ عَلَى، وَجْهِ الضَّغْطِ أَرَى أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إذَا كَانَ بَيْعُهُ إيَّاهُ عَلَى عَذَابٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الشِّدَّةِ، وَلَا أَرَى لِمُشْتَرِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَحِلَّهُ، وَلَا يَحْبِسَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا اُشْتُرِيَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الضَّغْطِ إذَا كَانَ الَّذِي يُطْلَبُونَ وَيُضْغَطُونَ فِيهِ ظُلْمًا، وَتَعَدِّيًا أَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُوسِرُوا فَيَبِيعُ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ بَيْعُهُ كَثَوْبٍ يُسْتَرُ بِهِ، وَشِبْهِهِ فَهَذَا يَلْزَمُ مُشْتَرِيهِ رَدُّهُ فَأَمَّا إنْ بِيعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي حَقٍّ، وَاجِبٍ مِنْ جِزْيَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِزْيَتِهِ تَحْتَ الضَّغْطِ، وَالْإِكْرَاهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ سَائِغٌ لِمَنْ اشْتَرَاهُ، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَقَ بِهِمْ فِي تَقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يُعَذَّبُوا عَلَى ذَلِكَ، وَسَبِيلُ الْمَضْغُوطِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَيْعِ مَتَاعِهِ فِي غَيْرِ حَقٍّ سَبِيلُ الذِّمِّيِّ فِي حَقِّ رَدِّ مَالِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ بَلْ هُوَ فِي الْمُسْلِمِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ اهـ.، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمُ: وَكَذَا بَيْعُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمَعْتُوهِ فِيمَا عَلَيْهِمْ مِنْ جِزْيَةٍ، وَأَهْلِ الصُّلْحِ فِيمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ اهـ. يَعْنِي أَنَّهُ لَازِمٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مِنْ الْجَبْرِ الشَّرْعِيِّ جَبْرُ مَنْ لَهُ رَبْعٌ يُلَاصِقُ الْمَسْجِدَ، وَافْتُقِرَ لِتَوْسِيعِ الْمَسْجِدِ بِهِ عَلَى بَيْعِهِ لِتَوْسِيعِ الْمَسْجِدِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ أَرْضٌ تُلَاصِقُ الطَّرِيقَ بِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ، وَاحْتَجَّ عَلَى فُتْيَاهُ بِقَوْلِ سَحْنُونٍ يُجْبَرُ ذُو أَرْضٍ تُلَاصِقُ طَرِيقًا هَدَمَهَا نَهْرٌ لَا مَمَرَّ لِلنَّاسِ إلَّا فِيهَا عَلَى بَيْعِ طَرِيقٍ فِيهَا لَهُمْ بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبِفِعْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تَوْسِيعِهِ مَسْجِدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ إذَا غَلَا الطَّعَامُ، وَاحْتِيجَ إلَيْهِ أَمَرَ الْإِمَامُ أَهْلَهُ بِإِخْرَاجِهِ إلَى السُّوقِ اهـ. مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ
ص (وَمُنِعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ، وَمُصْحَفٍ وَصَغِيرٍ لِكَافِرٍ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ شَرْطَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ، وَشَرْطَ لُزُومِهِ ذَكَرَ شَرْطَ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ صِحَّةُ تَقَرُّرِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَبِيعِ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ شِرَاءُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ أَعْنِي تَقَرُّرَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ، وَالْمُصْحَفُ فَلَا يَصِحُّ تَقَرُّرُ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْبَيْعَ يَمْضِي وَيُجْبَرُ الْكَافِرُ عَلَى إخْرَاجِ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ: فَإِنْ ابْتَاعَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُعَاهَدُ مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُنْقَضْ شِرَاؤُهُ اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ الْمُشْتَرَى لَهُ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْزِعَهُ سَيِّدُهُ اهـ. وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَبِهِ صَدَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ بِأَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَصْرَانِيٌّ قَالَ: وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِيعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفْسَخْ اتِّفَاقًا ا. هـ. قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: وَيُعَاقَبُ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسْخِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَا أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَسْقَطَ مِنْهُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ: وَفِي مُبَايَعَةِ الْكَافِرِ بِالْعَيْنِ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا كَرَاهَةٌ مَالِكٌ، وَأُعَظِّمُ ذَلِكَ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَوْ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ اهـ. وَكَذَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْحَرْبِيِّينَ آلَةَ الْحَرْبِ مِنْ سِلَاحٍ أَوْ كُرَاعٍ أَوْ سُرُوجٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ نُحَاسٍ، وَخُرْثِيٍّ، وَغَيْرِهِ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ، وَخُرْثٍ وَغَيْرِهِ هُوَ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ الْمَتَاعُ الْمُخْتَلِطُ الشَّيْخُ يَعْنِي نَفْسَهُ أَثَاثُ الْخِبَاءِ، وَآلَةُ السَّفَرِ وَمَاعُونُهُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَإِنْ بِيعَ مِنْهُمْ ذَلِكَ بِيعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْلِمِ، وَالْمُصْحَفِ
اهـ. وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ فَقَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ يَجُوزُ فِي الْهُدْنَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَكَذَا يَحْرُمُ بَيْعُ الدَّارِ، وَكِرَاؤُهَا لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ وَكَذَا لِمَنْ يَجْعَلُ فِيهَا الْخَمْرَ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا بَيْعُ الْخَشَبَةِ لِمَنْ يَعْمَلُهَا صَلِيبًا، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْأَبِيُّ فِي أَوَائِلِ شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهَا خَمْرًا قَوْلَيْنِ قَالَ الْأَبِيُّ: وَالْمَذْهَبُ فِي هَذَا سَدُّ الذَّرَائِعِ كَمَا يَحْرُمُ بَيْعُ السِّلَاحِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ إثَارَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَهُمْ قَالَهُ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ، وَفِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلُ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، وَفِي مَسَائِلِ الْمِدْيَانِ، وَالتَّفْلِيسِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ قَوْمٍ عَاصِينَ يَتَسَامَحُونَ فِي الْفَسَادِ وَعَدَمِ الْغَيْرَةِ، وَهُمْ آكِلُونَ لِلْحَرَامِ وَيُطْعِمُونَهَا مِنْهُ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ اهـ.
بِ وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَرِي قَصَدَ بِالشِّرَاءِ أَمْرًا لَا يَجُوزُ، وَاَللَّه أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : أَلْحَقُوا الصَّغِيرَ الْكَافِرَ بِالْمُسْلِمِ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ لِكَافِرٍ، وَجَبْرِهِ عَلَى بَيْعِهِ إنْ اشْتَرَاهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ كَالْوُجُودِيِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ، وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ زَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ الْمَمْلُوكَةِ لِسَيِّدِهِ بِيعَ الثَّلَاثَةُ لِمَنْعِ بَيْعِ الصَّغِيرِ دُونَ أُمِّهِ يَعْنِي، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِإِسْلَامِ أَبِيهِ
ص (وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ)
ش: يَعْنِي إذَا قُلْنَا أَنَّ شِرَاءَ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَمْنُوعٌ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ إذَا وَقَعَ فَإِنَّا نُجْبِرُهُ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَوْ بِالْعِتْقِ وَلِذَا لَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلَوْ بِعِتْقٍ لَكَانَ أَحْسَنُ.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ بِالْعِتْقِ، وَالْهِبَةِ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالْبَيْعِ، وَهِبَةَ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ أَحْرَى مِنْهُمَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي نُسْخَتِهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إلَّا بِإِسْقَاطِهَا وَشَمِلَ قَوْلُهُ بِعِتْقٍ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ مِنْ تَنْجِيزٍ، وَتَدْبِيرٍ، وَتَأْجِيلٍ، وَإِيلَادٍ، وَتَبْعِيضٍ فَأَمَّا التَّنْجِيزُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا التَّدْبِيرُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَيُؤَاجَرُ عَلَى سَيِّدِهِ الْكَافِرِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مُسْلِمًا ثُمَّ دَبَّرَهُ أَوْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُدَبَّرِ بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَفِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فِي التَّدْبِيرِ إشَارَةٌ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِيلَادُ فَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِي أُمِّ، وَلَدِ الذِّمِّيِّ تُسْلِمُ هِيَ أَوْ، وَلَدُهَا بَعْدَ إسْلَامِهَا أَنَّهُ يُنَجَّزُ عِتْقُهَا إلَّا أَنْ يُسْلِمَ قَبْلَ عِتْقِهَا فَتَبْقَى لَهُ أُمَّ، وَلَدٍ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتِبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ، وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ، فَلَهُ خِدْمَتُهُ وَلِذَلِكَ أُوجِرَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا التَّبْعِيضُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْعِتْقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي شِرَاءِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ لَهُ، وَلَا صَدَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَ مَضَى، وَأُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ، وَالْوَاهِبُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا قَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَهَبَ مُسْلِمٌ عَبْدًا مُسْلِمًا لِنَصْرَانِيٍّ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ وَبِيعَ عَلَيْهِ، وَالثَّمَنُ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُهُ، وَإِنْ وَهَبَ مُسْلِمٌ يُرِيدُ أَوْ نَصْرَانِيٌّ.
وَقَوْلُهُ جَازَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ مَضَى، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَهُ ابْتِدَاءً وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَوْ
كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ اهـ.
(الثَّانِي) : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَافِرَ يَتَوَلَّى بَيْعَ الْعَبْدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إهَانَةَ الْمُسْلِمِ بَلْ يَبِيعُهُ الْإِمَامُ بِبَيِّنَةِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ بِيعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ وَهَبَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِمُسْلِمٍ لِلثَّوَابِ فَلَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُبَاعُ عَلَيْهِ أَقَامَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إذَا اشْتَرَى مُسْلِمًا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ.
وَلَا يُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: يُنْقَضُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ تَوْلِيَةَ الْبَيْعِ فِيهِ إهَانَةٌ لِلْمُسْلِمِ فَيُفْسَخُ حَتَّى يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ اهـ.
(الثَّالِثُ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمَازِرِيُّ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْكَافِرِ الْمُؤَجَّرُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فُسِخَ بَاقِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى فَسْخِ شِرَاءِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، وَعَلَى بَيْعِهِ عَلَيْهِ يُؤَاجَرُ مِنْ مُسْلِمٍ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ ابْنُ عَرَفَةَ يُفَرَّقُ بِبَقَاءِ مِلْكِ الْكَافِرِ فِي إجَارَتِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَا يُفْتَقَرُ لِبَيْعِهِ بَعْدَهَا ا. هـ. قُلْت: وَلَوْ كَانَ مُؤَاجَرًا مِنْ مُسْلِمٍ فَعَلَى مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبْلَ كَلَامِهِ هَذَا عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ، وَعَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ جَعَلَهُ مَحَلَّ نَظَرٍ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ هُنَاكَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ.
(الرَّابِعُ) : قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: يُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ فِي عَشْرَةِ مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ الْكَافِرُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، الثَّانِي عَلَى بَيْعِ الْمُصْحَفِ، الثَّالِثُ مَالِكُ الْمَاءُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ فَإِنْ تَعَذَّرَ الثَّمَنُ أُجْبِرَ مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ.
الرَّابِعُ مَنْ انْهَارَتْ بِئْرُهُ وَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ الْهَلَاكَ يُجْبَرُ جَارُهُ عَلَى سَقْيِهِ بِالثَّمَنِ، وَقِيلَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، الْخَامِسُ الْمُحْتَكِرُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ طَعَامِهِ، السَّادِسُ جَارُ الطَّرِيقِ إذَا أَفْسَدَهَا السَّيْلُ يُؤْخَذُ مَكَانُهَا بِالْقِيمَةِ، السَّابِعُ إذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ يُجْبَرُ جَارُهُ عَلَى بَيْعِ مَا يُوَسَّعُ بِهِ، الثَّامِنُ صَاحِبُ الْفَدَّانِ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى أَنْ يَتَحَصَّنُوا فِيهِ، التَّاسِعُ صَاحِبُ الْفَرَسِ أَوْ الْجَارِيَةِ يَطْلُبُهَا السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَيْهِ جَارَ عَلَى النَّاسِ، وَأَضَرَّ بِهِمْ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا لِارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، الْعَاشِرُ إذَا أُسِرَ رَجُلٌ بِيَدِ الْعَدُوِّ، وَامْتَنَعَ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ مِنْ قَبُولِ الْفِدَاءِ إلَّا أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ عَبْدُ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ فَأَبَى صَاحِبُهُ مِنْ بَيْعِهِ إلَّا بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ رُشْدٍ اهـ.
وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ سَبْعًا فَتَرَك الْأَوَّلَ، وَالثَّانِي وَالْعَاشِرَ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ عَلَى الْأَرْجَحِ)
ش: الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَتَرْجِيحُ ابْنِ يُونُسَ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ النَّصْرَانِيَّةِ يُسْلِمُ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اشْتِرَاءِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ مُسْلِمُونَ، وَأَبُوهُمْ كَافِرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ قُلْت: قَدْ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ الْوَلَدُ، وَهُوَ صَغِيرٌ.
وَقَدْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَوَلَدُهَا الْكَبِيرُ مِثْلُ الصَّغِيرِ.
ص (لَا بِكِتَابَةٍ)
ش: لَا يَكْفِي فِي إخْرَاجِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَنْ مِلْكِ الْكَافِرِ مُكَاتَبَتُهُ إيَّاهُ بَلْ تُبَاعُ كِتَابَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ عِنْدَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مُسْلِمًا ثُمَّ كَاتَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ، وَقِيلَ تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ، وَيُبَاعُ عَبْدًا قَالَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَهْنٍ)
ش: أَيْ لَا يَكْفِي فِي الْإِخْرَاجِ أَنْ يَرْهَنَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ ثُمَّ بَيَّنَ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ
ص (وَأَتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ إنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ، وَإِلَّا عَجَّلَ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدُ النَّصْرَانِيِّ فَرَهَنَهُ بِعْتُهُ عَلَيْهِ وَعَجَّلْتُ الْحَقَّ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنِ ثِقَةٍ مَكَانَ الْعَبْدِ فَيَأْخُذَ الثَّمَنَ فَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ بِمَا إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ، وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا
بِإِسْلَامِ الْعَبْدِ فَرَهَنَهُ عَلَى ذَلِكَ فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْقَيْدَيْنِ فَصَارَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ إذَا عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّهْنَ فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنِ ثِقَةٍ وَهَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِصَاحِبِ التَّقْيِيدَيْنِ.
الثَّانِي إذَا انْتَفَى الْأَمْرَانِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مُرْتَهِنُهُ بِإِسْلَامِهِ، وَعَيَّنَ الرَّهْنَ فَيُعَجَّلُ الْحَقُّ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ أَيْضًا مُوَافِقٌ لِصَاحِبِ التَّقْيِيدَيْنِ.
الثَّالِثُ إذَا انْتَفَى الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّهْنَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا تَعْجِيلُ الْحَقِّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ وَمُخَالِفٌ لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ.
الرَّابِعُ إذَا انْتَفَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ بِأَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَعَيَّنَ الرَّهْنَ فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا تَعْجِيلُ الْحَقِّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ مُحْرِزٍ، وَهَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا عَجَّلَ، وَجَعَلَ اللَّخْمِيّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الرَّهْنِ قَالَ: وَأَمَّا إنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَلَا يُعَجَّلُ اتِّفَاقًا وَتَبِعَهُ فِي الشَّامِلِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَرَادَ الْكَافِرُ أَخْذَ الثَّمَنِ وَإِلَّا فَلَوْ عَجَّلَهُ لَكَانَ ذَلِكَ لَهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
ص (كَعِتْقِهِ)
ش: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَلَيْسَ هُوَ خَاصًّا بِمَسْأَلَةِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُفَصَّلَةً فِي بَابِ الرَّهْنِ.
ص (وَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ)
ش: قَالَ فِي الْكَبِيرِ: يَعْنِي فَإِنْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ أَوْ بِيعَ عَلَيْهِ فَوُجِدَ بِهِ عَيْبٌ جَازَ لِمَنْ ابْتَاعَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ لِلْبِسَاطِيِّ، وَفَرَضَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ عَبْدًا كَافِرًا مِنْ كَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ بَعْدَ الشِّرَاءِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ وَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ الرَّدِّ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ: وَغَيْرُهُ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ.
وَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ.
ص (وَفِي خِيَارِ مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ يُمْهَلُ لِانْقِضَائِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ الْكَافِرَ لِمُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يُمْهَلُ لِانْقِضَائِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْلِمِ بِالتَّأْخِيرِ الْمَازِرِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ
ص (وَيُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ)
ش: أَيْ، وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْكَافِرِ، فَإِنَّهُ يُسْتَعْجَلُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ مُبْتَاعًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ
ص (كَبَيْعِهِ إنْ أَسْلَمَ، وَبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدِهِ)
ش: تَشْبِيهٌ فِي تَعْجِيلِ الْبَيْعِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَجَهْلُ مَوْضِعِهِ كَبُعْدِ غَيْبَتِهِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُطْمَعْ بِقُدُومِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا إنْ طُمِعَ بِقُدُومِهِ اُنْتُظِرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ انْتَهَى.
وَفُهِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الْغَيْبَةِ بِالْبَعِيدَةِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ فِي الْقَرِيبَةِ، وَيَنْتَظِرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِي غَيْرِ مَوَاضِعَ أَنَّ الْغَيْبَةَ الْقَرِيبَةَ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمَيْنِ، وَفِي الشَّهَادَةِ كَالثَّلَاثَةِ، وَفِي الْأَجْوِبَةِ الْبَعِيدَةُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ بِيعَ الْعَبْدُ ثُمَّ قَدِمَ السَّيِّدُ فَأَثْبَتَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ إسْلَامِ الْعَبْدِ]
(فَرْعٌ) : فَإِنْ بِيعَ الْعَبْدُ ثُمَّ قَدِمَ السَّيِّدُ فَأَثْبَتَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ إسْلَامِ الْعَبْدِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ عَتَقَ كَانَ لَهُ نَقْضُ الْعِتْقِ
قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ص (وَفِي الْبَائِعِ يُمْنَعُ مِنْ الْإِمْضَاءِ) ش يَعْنِي أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ الْكَافِرَ مِنْ كَافِرٍ بِخِيَارٍ، وَكَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ إمْضَاءِ الْبَيْعِ
ص (وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أَسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ)
ش: تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ، وَفِي كَلَامِ اللَّخْمِيّ مَيْلٌ لِلْجَوَازِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِقْصَاءَ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُلْزَمُ أَنْ يَبِيعَهُ بِأَوَّلِ ثَمَنٍ يُعْطَى فِيهِ سَاعَتَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ مَنْعُ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ تَأْوِيلَانِ)
ش: لَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُنَا، وَلَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَا فِيمَا يَأْتِي الصَّغِيرَ الَّذِي أَرَادَ هَلْ صَغِيرُ الْمَجُوسِ أَوْ صَغِيرُ الْكِتَابِيِّينَ؟ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي صِغَارَ الْكِتَابِيِّينَ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا هُمَا التَّأْوِيلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا عِيَاضٌ، وَهُوَ إنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِي صِغَارِ الْكِتَابِيِّينَ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الْمُتَقَدِّمُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ صِغَارَ الْكِتَابِيِّينَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ، وَيَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ، وَهَلْ مَنْعُ الصَّغِيرِ لِلْعَهْدِ وَيَكُونُ سَكَتَ عَنْ حُكْمِ صَغِيرِ الْمَجُوسِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يُفْهَمُ مِنْهُ بِالْأَحْرَوِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَجُوسَ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ صَغِيرُهُمْ، وَكَبِيرُهُمْ كَمَا سَيَأْتِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّغِيرِ الْمُتَقَدِّمِ مَا يَعُمُّ الْكِتَابِيَّ وَالْمَجُوسِيَّ لَكِنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخْصِيصِ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِيِّ، وَكَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَبِلَ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ لِلْمَسْأَلَةِ بِكَوْنِ الصَّغِيرِ الْكِتَابِيِّ لَيْسَ مَعَهُ أَبُوهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ يُمْنَعُ بَيْعُ الصَّغِيرِ مِنْ الْكِتَابِيِّينَ لِلْكَافِرِ، وَهَلْ الْمَنْعُ إذَا لَمْ يَكُنْ الصَّغِيرُ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ.
وَأَمَّا إذَا وَافَقَهُ فِي الدِّينِ فَيَجُوزُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ أَوْ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ الصَّغِيرِ مِنْ الْكِتَابِيِّينَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ عِيَاضٌ، وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ يَعْنِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الصَّغِيرِ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْكَافِرِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ أَبُوهُ فَلَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا حُكْمُ صِغَارِ الْكِتَابِيِّينَ، وَأَمَّا صِغَارُ الْمَجُوسِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنْ شِرَائِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَفِيهِمْ خِلَافٌ كَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرِ مِنْ الْمَجُوسِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَمْ لَا، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْكَبِيرِ مِنْ سَبْيِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَفِي مَعْنَى الْكَبِيرِ مَنْ عَقَلَ دِينَهُ قَالَهُ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ أَنَّ الْمَجُوسَ
يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُمْنَعُ النَّصَارَى مِنْ شِرَائِهِمْ مُطْلَقًا صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، وَنَصُّهَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: فِي الْمَجُوسِ أَنَّهُمْ إذَا مُلِكُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُمْنَعُ النَّصَارَى مِنْ شِرَائِهِمْ، وَمِنْ شِرَاءِ صِغَارِ الْكِتَابِيِّينَ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ كِبَارِ الْكِتَابِيِّينَ.
وَهَذَا فِي الْمَجُوسِ الْمَسْبِيِّينَ أَمَّا الْمَجُوسُ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى مَجُوسِيَّتِهِمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَهُ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْبَيَانِ، وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْبِيِّينَ مِنْهُمْ إنَّمَا أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْقَهُوا دِينَهُمْ، وَلَا عَقَلُوهُ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْلِ فَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الصِّغَارِ انْتَهَى.
وَلَمْ يُحْكَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَلْ قَالَ فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ
ص (وَالصَّغِيرُ عَلَى الْأَرْجَحِ)
ش: إنَّمَا كَرَّرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيُفِيدَ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَكِنْ لَوْ قَالَ عَلَى الْأَصَحِّ لَكَانَ مُشِيرًا لِتَرْجِيحِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي ابْنِ يُونُسَ فِي ذَلِكَ تَرْجِيحٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِابْنِ يُونُسَ فِي مَظِنَّتِهِ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ
ص (وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ)
ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ آخِرُ الْأَرْكَانِ، وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ، وَالْمَثْمُونُ، وَعَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ فِي الْعَاقِدِ فَأَرْكَانُ الْبَيْعِ فِي الْحَقِيقَةِ خَمْسَةٌ الدَّالُ عَلَى الرِّضَا، وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ، وَالْمَثْمُونُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ - حُكْمُهُمَا - وَاحِدًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ، فَصَارَ ثَلَاثَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَالَ الشَّارِحُ: فِي الْكَبِيرِ الْمُرَادُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَثْمُونُ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَجَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَاقِدِ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي احْتِمَالًا، وَهُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ رُكْنًا سَادِسًا فَقَالَ السَّادِسُ: نَفْسُ الْعَقْدِ، وَيَعْنِي بِهِ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ مُقَارَنَةِ الْإِيجَابِ لِلْقَبُولِ، وَصُدُورَهُمَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ، وَاحْتَرَزَ بِكُلِّ شَرْطٍ عَمَّا يُقَابِلُهُ الْأَوَّلُ الطَّهَارَةُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ النَّجَسِ، وَلَا يُرِيدُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ نَجِسٍ بَلْ مَا نَجَاسَتُهُ ذَاتِيَّةٌ كَالْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ أَوْ كَالذَّاتِيَّةِ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَشِبْهِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ عَرَضِيَّةٌ فَلَا اخْتِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ النَّجِسِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِ أَوْ تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ يَسِيرَةٌ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ أَصْلًا فَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ الْمُنَاقِضِ لِلتِّجَارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَتَى بَعْدَهُ بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ؛ لَأَنْ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُنَاقِضًا لِمَا قَبْلَهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ وَكَذَلِكَ هُنَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَمَعْنَى أَجْمَلُوهُ أَذَابُوهُ وَقَوْلُهُ حَرَّمَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: صَحَّتْ الرِّوَايَةُ بِإِسْنَادِهِ إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ تَأَدُّبًا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ فِي ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ كَمَا «رَدَّ عَلَى الْخَطِيبِ قَوْلَهُ مَنْ يَعْصِهِمَا فَقَالَ لَهُ بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ قُلْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ» اُنْظُرْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ)
ش: يَعْنِي إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِهِ الطَّهَارَةُ فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ حَاوٍ لِلشُّرُوطِ الْآتِيَةِ لَا غَيْرَ الطَّاهِرِ مِمَّا نَجَاسَتُهُ ذَاتِيَّةٌ كَزِبْلِ الدَّوَابِّ أَوْ كَالذَّاتِيَّةِ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَذَكَرَ هَذَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مُخْتَلَفًا فِيهِمَا فَيُعْلَمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِمَا الْمَنْعُ، وَلْيُنَبَّهْ عَلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ بَيْعُ النَّجِسِ الذَّاتِيِّ أَوْ الَّذِي كَالذَّاتِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِهَا خِلَافًا يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ آحَادِ الصُّوَرِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ اللَّخْمِيّ: بَيْعُ النَّجَاسَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُحَرَّمٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْجَوَازِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالتَّحْرِيمِ وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: جَائِزٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَذَلِكَ، وَأَكْلُ مَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ عَلَى، وَجْهَيْنِ: جَائِزٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فَبَيْعُ كُلِّ نَجَاسَةٍ لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهَا، وَلَا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى حَرَامٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لَحْمِهَا، وَشَحْمِهَا، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قِسْمَيْنِ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَمَا لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ بَيْعِهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاَلَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مَجْمَعًا عَلَيْهِ كَانَ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ انْتَهَى.
وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ذِكْرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَالصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا هِيَ كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَلِأَجْلِ مُرَاعَاةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ بَيْعُ النَّجِسِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا أَوْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْهَا فَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الزِّبْلُ.
وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَزِبْلٍ صُوَرٌ أُخَرُ نَجَاسَتُهَا ذَاتِيَّةٌ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مِنْهَا الْعَذِرَةُ، وَمِنْهَا عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَمِنْهَا جُلُودُ الْمَيْتَةِ، وَمِنْ الصُّوَرِ أَيْضًا الزَّيْتُ الْمُتَنَجِّسُ، وَكَافُ التَّشْبِيهِ مُقَدَّرَةٌ فِيهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مُتَنَجِّسٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ كَالسَّمْنِ الْمُتَنَجِّسِ، وَالْعَسَلِ الْمُتَنَجِّسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ أَمَّا الْعَذِرَةُ وَهِيَ رَجِيعُ بَنِي آدَمَ فَنَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ شَاسٍ لِلْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِهَا، وَاَلَّذِي فِي التَّهْذِيبِ الْكَرَاهَةُ قَالَ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ الْعَذِرَةِ لِيُزَبَّلَ بِهَا الزَّرْعُ أَوْ غَيْرُهُ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسٌ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الْعَذِرَةَ؛ لِأَنَّهَا نَجَسٌ، وَكَذَلِكَ الزِّبْلُ أَيْضًا وَأَنَا لَا أَرَى بِبَيْعِهِ بَأْسًا قَالَ أَشْهَبُ: وَالْمُبْتَاعُ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ قَالَ: الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ قَالَ وَأَمَّا الرَّجِيعُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَوَقَعَ لَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ فِي الرَّجِيعِ أَيْضًا وَيَعْنِي أَعْذَرَ: أَكْثَرَ اضْطِرَارًا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا أَعْذَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَقَالَ قَبْلَهُ الشَّيْخُ، وَكَرَاهَةُ بَيْعِ الْعَذِرَةِ عَلَى بَابِهَا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ اللَّخْمِيّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ فَانْظُرْ كَيْفَ عَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ نَعَمْ عَبَّرَ أَبُو عِمْرَانَ وَعِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ بِلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ نَسَبَ الْمَنْعَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَيَأْتِي لَفْظُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فَهِمَهُ ابْنُ بَشِيرٍ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَنْعُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيّ كَلَامَهُ بِلَفْظِ مَا عَذَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَأَمْرُهُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَعْذَرَ اللَّهُ بِالْأَلِفِ مِنْ بَابِ أَكْرَمَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ مَا قَبِلَ اللَّهُ الْعُذْرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَقَلَ اللَّخْمِيّ أَيْضًا كَلَامَ أَشْهَبَ بِلَفْظِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي الزِّبْلِ، وَالْمُشْتَرِي فِيهِ أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ، وَأَمَّا الْعَذِرَةُ فَلَا خَيْرَ فِيهَا، وَقَالَ: فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الْعَذِرَةِ بَيْعُهَا لِلِاضْطِرَارِ وَالْعُذْرِ جَائِزٌ، وَالْمُشْتَرِي أَعْذَرُهُمَا انْتَهَى فَقَوْلُ أَشْهَبَ هَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ، وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ فَاعِلَ
قَالَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَشْهَبُ، وَكَذَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَنَسَبَاهُ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لِمُحَمَّدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَوْلُهُ هُوَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ رَوَاهُ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فَتَحَصَّلَ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ لِمَالِكٍ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْكَرَاهَةُ عَلَى مَا فَهِمَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ قَالَ: فِي قَوْلِهَا وَكُرِهَ بَيْعُ الْعَذِرَةِ لِيُزَبَّلَ بِهَا الزَّرْعُ أَوْ غَيْرُهُ إلَخْ، وَكَرَاهَةُ بَيْعِ الْعَذِرَةِ عَلَى بَابِهَا انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا، وَالْجَوَازُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ فَيَجُوزُ، وَعَدَمِهِ فَيُمْنَعُ لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْجَوَازَ مِنْ إجَازَةِ الزِّبْلِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ تَخْرِيجٌ فِي الْأُصُولِ مِنْ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شِبْهُ الزِّبْلَ فِي الْمَنْعِ، وَيُمْكِنُهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْعَذِرَةِ أَنْ يَقُولَ لَا أُجِيزُهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالزِّبْلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ قَالَ: وَمَسَاقُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ حِينَ سَاوَى بَيْنَهُمَا فِي النَّجَاسَةِ ثُمَّ أَبَاحَ بَيْعَ الزِّبْلِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا الِاخْتِلَافُ فِي نَجَاسَتِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: ابْنُ عَرَفَةَ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ رَدُّهُ بِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فَارِقًا مَا صَحَّ تَخْرِيجُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعَ فِي الزِّبْلِ لِمَالِكٍ مِنْ مَنْعِهِ بَيْعَ الْعَذِرَةِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي رَدِّهِ عَائِدٌ إلَى التَّعَقُّبِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِابْنِ بَشِيرٍ لِتَقَدُّمِ الْمَازِرِيِّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَدَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَعَقَّبَ ابْنُ بَشِيرٍ بِقَوْلِهِ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، وَتَرْكُ مُرَاعَاتِهِ لَا يُوجِبُ تَخْطِئَةَ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى.
وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَصْلُحُ وَحْدَهُ دُونَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ رَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَجَازَ بَيْعَ الزِّبْلِ مَعَ كَوْنِهِ نَجِسًا، وَأَلْغَى كَوْنَ النَّجَاسَةِ مَانِعَةً مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَلَمْ يُرَاعِ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ إبَاحَةُ الْعَذِرَةِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُسَاوِيَةٌ لِلزِّبْلِ وَهَذَا لَا يَتِمُّ أَعْنِي لَمْ يُرَاعِ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الزِّبْلِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ بَلْ نَجَاسَتُهُ لَا تَمْنَعُ بَيْعَهُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ اعْتَبَرَهُ فَارِقًا فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَلْزَمَ إبَاحَةُ الْعَذِرَةِ، وَلَا جَوَابَ عَنْ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ فَارِقٌ غَيْرُ فَارِقٍ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ سِوَى أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ مَا ذَكَرَ فَارِقًا لَمَا صَحَّ لَهُ إلْزَامُ مَالِكٍ مَنْعَ بَيْعِ الزِّبْلِ مِنْ مَنْعِهِ بَيْعَ الْعَذِرَةِ، وَهُوَ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْعَذِرَةِ، وَفِي الْعَذِرَةِ ثَلَاثَةٌ فِيهَا مَنْعُهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَثَّمَ الْعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ ابْنُ مُحْرِزٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَهُ وَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إجَازَتِهِ بَيْعِ الزِّبْلِ، وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ جَوَازُهَا لِلِاضْطِرَارِ وَالْمُشْتَرِي أَعْذَرُ انْتَهَى.
وَأَمَّا الزِّبْلُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيَاسٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْعَذِرَةِ فِي الْمَنْعِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِجَوَازِهِ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ فِي الزِّبْلِ الثَّلَاثَةُ تَخْرِيجُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَشْهَبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ انْتَهَى.
وَعَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا تَكُونُ الْأَقْوَالُ فِيهِ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ، وَمَشَى الْمُؤَلِّفُ عَلَى قِيَاسِ ابْنِ الْقَاسِمِ الزِّبْلَ عَلَى الْعَذِرَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَذِرَةَ مَمْنُوعَةٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ، وَجَمَعَ ابْنُ بَشِيرٍ بَيْنَ الْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ وَحَكَى فِيهِمَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ، وَالْجَوَازُ وَجَعَلَهُمَا شَاذَّيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَذِرَةِ فَيُمْنَعُ، وَالزِّبْلِ فَيَجُوزُ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ مِنْ رَدِّ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِمَشْهُورِيَّةٍ، وَلَا تَرْجِيحٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ اللَّخْمِيُّ جَمَعَ بَيْنَ الْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ، وَحَكَى فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ
لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا خَرَّجَهُ لَهُ فِي الْعَذِرَةِ وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ، وَالْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهِيَ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّجَاسَاتِ، وَالْقَوْلَ بِالْجَوَازِ لِمُرَاعَاةِ الضَّرُورَةِ، وَمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، وَرَأَى أَنَّ أَخْذَ الثَّمَنِ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ رَأَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْجَوَازِ إنَّمَا هِيَ الِاضْطِرَارُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِهَا بِوُجُودِ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ بَيْعُ خَثَاءِ الْبَقَر وَبَعْرِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ]
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ خَثَاءِ الْبَقَرِ، وَبَعْرِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّهُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يُخَالِفُ فِيهِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَجَازَ بَيْعُ إبِلٍ، وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ عِيَاضٌ: صَوَابُهُ خِثْيُ الْبَقَرِ، وَالْجَمْعُ أَخْثَاءٌ انْتَهَى.
وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَآخِرُهُ يَاءٌ تَحْتِيَّةٌ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ قَالَ: وَالْمَصْدَرُ بِالْفَتْحِ تَقُول خَثَى الْبَقَرُ يَخْثُو خَثْيًا، وَأَمَّا عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَقُرُونُهَا، وَأَظْلَافُهَا فَفِي طَهَارَةِ ذَلِكَ، وَنَجَاسَتِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الطَّهَارَةِ وَالْمَشْهُورُ النَّجَاسَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي أَنْيَابِ الْفِيلِ فَيُمْنَع الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا، وَعِظَامُ الْمَيْتَةِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي نَابِ الْفِيلِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَلَا يُبَاعُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَتْ الْعِظَامُ أَوْ أَنْيَابُ الْفِيلِ صُلِقَتْ فَلَا يُفْسَخُ إنْ فَاتَ، وَإِنْ لَمْ تُصْلَقْ فَيُفْسَخُ، وَلَوْ فَاتَ انْتَهَى.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ إنَّهَا تَطْهُرُ بِالصَّلْقِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ الْحُكْمُ وَاحِدًا قَبْلَ الصَّلْقِ وَبَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ جُلُودُ الْمَيْتَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَإِنْ دُبِغَتْ، وَقِيلَ يَجُوزُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ لِابْنِ وَهْبٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بَعْدَ الدَّبْغِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَنَقَلَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى ابْنُ حَارِثٍ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا الثَّانِيَةُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، وَالِانْتِفَاعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ الْجَوَازُ فِيهِمَا لِابْنِ وَهْبٍ مَعَ قِيَامِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي صَابُونٍ طُبِخَ بِزَيْتٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ الثَّانِي الْمَنْعُ فِيهِمَا، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ لَا الْبَيْعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْهَا: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَيْتَةٍ، وَلَا جِلْدِهَا، وَإِنْ دُبِغَ، وَلَا يُؤَاجَرُ بِهَا عَلَى طَرْحِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَيْعٌ ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَرَى أَنْ تُشْتَرَى عِظَامُ الْمَيْتَةِ، وَلَا تُبَاعَ، وَلَا أَنْيَابُ الْفِيلِ، وَلَا يُتَّجَرُ بِهَا، وَلَا يُمْتَشَطُ، وَلَا يُدَّهَنُ بِمَدَاهِنِهَا اهـ. وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَجَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا فَمَحِلُّهُ كِتَابُ الطَّهَارَةِ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَإِنْ دُبِغَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: لَوْ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ غَنَمًا فَنَمَتْ ثُمَّ تَابَ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ لَا الْغَنَمِ عِيسَى إنْ وَجَدَ بَائِعَهُ أَوْ وَارِثَهُ رَدَّ إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقُّهُ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَالثَّمَنِ كَمَا فِي اللُّقَطَةِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ اسْتِحْسَانٌ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ، وَرِوَايَتِهِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، وَإِغْرَامُ مُسْتَهْلِكِهَا قِيمَتَهَا صَدَقَةً بِفَضْلِ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى مَتَاعِهَا بِقِيمَةِ الِانْتِفَاعِ يُقَاصُّهُ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ لَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ وَقَوْلُ عِيسَى يُرَدُّ الثَّمَنُ الصَّوَابُ فَضْلُهُ، وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي إنْ بَاعَهَا مَا لَزِمَ الْبَائِعَ (قُلْت) : لَعَلَّ قَوْلَهُ يَتَصَدَّقُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ انْتِفَاعِ الْمُبْتَاعِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ابْتِدَالِ رُءُوسِ الضَّحَايَا اهـ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ أَمْكَنَنِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُ عِيسَى لَيْسَ بِخِلَافٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ تَبْيِينٌ لَهُ كَذَا بَيَّنَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوَهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ غَيْرُ مَعْزُوٍّ
لَهُ قُلْت: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي سِوَى الْغَلَّةِ خَاصَّةً فَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي هَلْ انْتَفَعَ بِالْجِلْدِ وَاغْتَلَّهُ أَمْ لَا؟ ، وَإِنْ كَانَ انْتَفَعَ بِهِ فَمَا مِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ فَأَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرع الثَّانِي بَيْعِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ]
(الثَّانِي) : قَالَ فِي رَسْمِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ، وَهُوَ كَصُوفِ الْمَيْتَةِ كَذَلِكَ رَوَاهَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أَصْبَغَ هَذَا خَطَأٌ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَصُوفِ الْمَيْتَةِ، وَلَا حَقَّ لِبَائِعِهِ، وَهَلْ مِثْلُ الْمَيْتَةِ الْخَالِصَةِ أَوْ أَشَدُّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ حَرَامٌ حَيٌّ، وَمَيِّتٌ، وَصُوفُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا حَلَّ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ مِنْهَا، وَهِيَ حَيَّةٌ، وَشَعْرُ الْخِنْزِيرِ لَيْسَ بِحَلَالٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا، وَلَا يُبَاعُ، وَلَا يُؤْكَلُ ثَمَنُهُ.
وَلَا تَجُوزُ التِّجَارَةُ فِيهِ، وَالْكَلْبُ أَحَلُّ مِنْهُ، وَأَطْهُرُ، وَثَمَنُهُ لَا يَحِلُّ قَدْ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَهَى عَنْ ثَمَنِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الشَّعْرَ لَا تُحِلُّهُ الرُّوحُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَبَنِي آدَمَ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ وَالْقُرُودِ الَّتِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لُحُومُهَا أَوْ مِمَّا يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِهِ كَالسِّبَاعِ، فَوَجَبَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ شَعْرُ الْخِنْزِيرِ طَاهِرُ الذَّاتِ أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا تَحِلُّ الصَّلَاةُ بِهِ وَبَيْعُهُ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَقِيَاسُهُ فَاسِدٌ، وَقَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَخْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذْ يَحْرُمُ ثَمَنُهُ لِنَجَاسَتِهِ إذْ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي جُبٍّ، وَخَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ ذَلِكَ الْمَاءُ بِإِجْمَاعٍ وَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ أَثْمَانَ كَثِيرٍ مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَالْحُرِّ، وَلَحْمِ النُّسُكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَجَازَ بَيْعُ صُوفِهَا كَشَعْرِ خِنْزِيرٍ خِلَافًا لِأَصْبَغَ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الفرع الثَّالِث بَيْعُ مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ]
(الثَّالِثُ) : تَقَدَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ كَافِ التَّشْبِيهِ الْمُقَدَّرَةِ فِي قَوْلِهِ، وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ كُلُّ زَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مَا يُفْعَلُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ، وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ مَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ عَارِضَةٌ وَيُمْكِنُ زَوَالُهَا، وَأَنَّ النَّجَاسَةَ الْعَارِضَةَ لَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ تَمْثِيلِ الْمُؤَلِّفِ لِلنَّجِسِ الْمَمْنُوعِ بِالزِّبْلِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ خَرَجَ بِهِ نَحْوُ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ مِمَّا نَجَاسَتُهُ عَارِضَةٌ وَزَوَالُهَا مُمْكِنٌ، وَيَجِبُ تَبْيِينُهُ إذَا كَانَ الْغَسْلُ يُفْسِدُهُ اهـ. وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ الزَّنَانِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ لَهُ أَنَّ مِنْ عُيُوبِ الثَّوْبِ كَوْنَهُ نَجِسًا، وَهُوَ جَدِيدٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الرَّدَّ اهـ. وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْمُشْتَرِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جَدِيدًا قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَبِيسًا يَنْقُصُ بِالْغَسْلِ كَالْعِمَامَةِ وَالثَّوْبِ الرَّفِيعِ، وَالْخُفِّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَيْسَ عَيْبًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ بِثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَلَا يُصَلِّي بِلِبَاسِ كَافِرٍ قُلْت: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ التَّبْيِينِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا خَشْيَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مُشْتَرِيهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ بَائِعُهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ.
[الفرع الرَّابِع بَيْعِ قَاعَةِ الْمِرْحَاضِ]
(الرَّابِعُ) : قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْغَرَرِ: سُئِلَ الصَّائِغُ عَنْ بَيْعِ قَاعَةِ الْمِرْحَاضِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا مَا يُجْتَمَعُ فِيهِ لِحَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَهَلْ يَطِيبُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ فَأَجَابَ الْبَيْعُ فِي الْبَيْتِ لَا يُرَدُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِيهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا هُوَ الْقَاعَةُ وَلَوَاحِقُهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَالِ الْعَبْدِ، وَحِلْيَةِ السَّيْفِ الَّتِي النَّصْلُ تَبَعٌ لَهَا، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا تَابِعَةً لِأَصْلِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ شَيْخِنَا فِي بَيْعِ الْفَدَّانِ الَّذِي لَهُ مَسَاقٍ، وَلَوْلَا هِيَ لَمَا كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
قُلْت: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّفْقَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَيَمْضِي عَلَى مَا قَالَ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَكْرَى أَرْضَهُ بِمَائِهَا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِي أَحْمَالًا مِنْ الزِّبْلِ مَعْلُومَةً]
، وَفِي مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْهُ سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ أَكْرَى أَرْضَهُ بِمَائِهَا، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ أَحْمَالًا مِنْ الزِّبْلِ مَعْلُومَةً لِلْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَذِرَةً أَوْ هِيَ مَعَ غَيْرِهَا، وَعَقَدَ عَلَى الْجَمِيعِ عَقْدًا وَاحِدًا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هَذَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الزِّبْلِ، وَالْعَذِرَةِ مِمَّنْ يُجِيزُهُ أَوْ يُكْرِهُهُ فَكَذَا هُنَا وَيُحْتَمَلُ الْأَمْرُ مَعَ الْمَنْعِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا تَابِعٌ لِلْكِرَاءِ فَهُوَ أَضْعَفُ، وَهُوَ عِنْدِي ظَاهِرٌ الْمُدَوَّنَةُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُكْرِبَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَزْرَعَهَا الْكِرَابَ الرَّابِعَ جَازَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُزَبِّلَهَا إنْ كَانَ الَّذِي يُزَبِّلُهَا بِهِ شَيْئًا مَعْرُوفًا فَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ إمَّا الْجَوَازُ مُطْلَقًا أَوْ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِمَا يُبَاحُ بَيْعُهُ، وَالْعُرْفُ الْيَوْمَ عَلَى الْجَوَازِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ مِنْهَا، وَنَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَقَوْلُهُ يَكْرُبَهَا بِضَمِّ الرَّاءِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَكْرِيبُ الْأَرْضِ تَطْيِيبُهَا، وَإِثَارَتُهَا لِلْحَرْثِ وَالزِّرَاعَةِ، وَهُوَ الْكَرَابُ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَأَمَّا الزَّيْتُ النَّجِسُ، وَشِبْهُهُ فَيُمْنَعُ بَيْعُهُ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَعَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ إلَّا ابْنَ وَهْبٍ انْتَهَى قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَمُقَابِلُهُ رِوَايَةٌ وَقَعَتْ لِمَالِكٍ كَانَ يُفْتِي بِهَا ابْنُ اللَّبَّادِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ انْتَهَى.
ص (وَانْتِفَاعٌ بِهِ لَا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفُ) ش لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ شُرُوطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الشَّرْطِ الثَّانِي فَقَالَ وَانْتِفَاعٌ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُنْتَفَعِ بِهِ لَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ بِهِ، وَلَا عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَذَلِكَ كَمُحَرَّمِ الْأَكْلِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَعْيَانَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِ، وَلَا عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ بَلْ لَا يَصِحُّ مِلْكُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ شَاسٍ وَالْقَرَافِيُّ، وَمَثَّلَهُ بِالْخَشَاشِ، وَمَثَّلَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالْخُفَّاشِ، وَبَعْضِ الْعَصَافِيرِ الَّتِي لَوْ جَمَعَ مِنْهَا مِائَةً لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهَا أُوقِيَّةُ لَحْمٍ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ الثَّانِي مَا لَهُ مَنْفَعَةٌ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ: أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ مَا كَانَ جَمِيعُ مَنَافِعِهِ مُحَرَّمَةً، وَهُوَ كَاَلَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا تَمَلُّكُهُ إنْ كَانَ مِمَّا نَهَى الشَّارِعُ عَنْهُ كَالْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا، وَمَثَّلَهُ الْقَرَافِيُّ بِالْخَمْرِ، وَالْمُطْرِبَاتِ الْمُحَرَّمَةِ إلَّا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ سَهَّلَ فِي إمْسَاكِهَا لِيُخَلِّلَهَا
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ آلَةِ اللَّهْوِ شَيْئًا كَالْبُوقِ، وَغَيْرِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَأُدِّبَ أَهْلُهُ انْتَهَى.
الثَّانِي مَا كَانَ جَمِيعُ مَنَافِعِهِ مُحَلَّلَةً فَيَجُوزُ بَيْعُهُ إجْمَاعًا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ، وَالْعَقَارِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ، وَيَصِحُّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ كَالْحُرِّ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِنَفْسِهِ أَوْ حَقٌّ لِلَّهِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ فَلَا يَصِحُّ مِلْكُ ذَلِكَ، وَلَا بَيْعُهُ، وَقَدْ يَمْنَعُ تَعَلُّقُ حَقِّ الْآدَمِيِّ الْبَيْعَ دُونَ الْمِلْكِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَالْوَقْفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ الثَّالِثُ مَا فِيهِ مَنَافِعُ مُحَلَّلَةٌ، وَمَنَافِعُ مُحَرَّمَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَهُوَ الْمُشْكِلُ عَلَى الْأَفْهَامِ، وَمَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَفِيهِ تَرَى الْعُلَمَاءَ
مُضْطَرِبِينَ وَأَنَا أَكْشِفُ عَنْ سِرِّهِ لِيَهُونَ عَلَيْك اخْتِلَافُهُمْ فَإِنْ كَانَ جُلُّ الْمَنَافِعِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا مُحَرَّمًا، وَالْمُحَلَّلُ مِنْهَا تَبَعًا فَوَاضِحٌ إلْحَاقُهُ بِالْقَسَمِ الْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ تَمْثِيلُ ذَلِكَ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ فَإِنَّ جُلَّ مَنَافِعِهِ كَالْأَكْلِ، وَالِادِّهَانِ، وَعَمَلِهِ صَابُونًا وَالْإِيقَادِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إنَّمَا فِيهِ إيقَادُهُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَانْتِفَاعِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّبَعِ فَامْتَنَعَ بَيْعُهُ، وَفِي أَوَاخِرِ كَلَامِ الْمَازِرِيُّ تَمْثِيلُهُ لِذَلِكَ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ قَالَ: فَالْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ الْأَكْلُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْض الْمَنَافِعِ مُحَلَّلَةً عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قَالَ: وَيُلْحَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى بِيَاعَاتُ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ الْبَيْعُ فَتَصِيرُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَى غَيْرِ مُنْتَفَعٍ بِهِ، وَيُلْحَقُ بِالْقَسَمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا لَكِنَّ ذَلِكَ عَدَمُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ تَحْقِيقًا، وَفِي هَذَا تَقْدِيرًا، وَتَجْوِيزًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ جُلُّ الْمَنَافِعِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا مُحَلَّلًا، وَالْمُحَرَّمُ تَبَعٌ فَوَاضِحٌ إلْحَاقُهُ بِالثَّانِي، وَيُمْكِنُ تَمْثِيلُهُ بِالزَّبِيبِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ مِنْهُ الْخَمْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَلَّلٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَسَائِرُ مَنَافِعِهِ مُحَلَّلَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَهَذَا هُوَ الْمُشْكِلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْمَمْنُوعِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَقْصُودَةً يُؤْذِنُ بِأَنَّ لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَأَنَّ الْعَقْدَ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كَمَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا سِوَاهَا، وَهُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ لَا سَبِيل إلَى تَبْعِيضِهِ وَالتَّعَاوُضُ عَلَى الْمُحَرَّمِ مَمْنُوعٌ فَمُنِعَ الْكُلُّ لِاسْتِحَالَةِ التَّمْيِيزِ، وَلِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الْمَنَافِعِ يَصِيرُ ثَمَنُهُ مَجْهُولًا لَوْ قُدِّرَ جَوَازُ انْفِرَادِهِ انْتَهَى.
وَجَزَمَ ابْنُ شَاسٍ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَقْصُودَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهَا مُحَلَّلًا وَبَعْضُهَا مُحَرَّمًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَنَصُّهُ، وَإِنْ تَوَزَّعَتْ يَعْنِي الْمَنَافِعَ الْمَقْصُودَةَ فِي النَّوْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ مَا حُرِّمَ مِنْهَا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الثَّمَنِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَطَّرِدُ فِي كَوْنِ الْمُحَرَّمِ مَنْفَعَةً وَاحِدَةً مَقْصُودَةً كَمَا يَطَّرِدُ فِي كَوْنِ الْمَنَافِعِ بِأَسْرِهَا مُحَرَّمَةٌ، وَهَذَا النَّوْعُ، وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فَمِلْكُهُ صَحِيحٌ لِيَنْتَفِعَ مَالِكُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ مَنَافِعَ مُبَاحَةٍ انْتَهَى.
وَعَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ ظَاهِرٌ الْمَازِرِيِّ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فَرْعٌ لَوْ تَحَقَّقَ وُجُودُ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَوَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقِفُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ، وَلَا يُحَرِّمُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: بِأَثَرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي هَذَا النَّوْعِ مَسَائِلُ تَشْكُلُ عَلَى الْعَالِمِ فَيَخْلِطُ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِ فِكْرَتِهِ فَيَرَى الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ مُلْتَبِسًا أَمْرُهَا هَلْ هِيَ مَقْصُودَةٌ أَمْ لَا وَيَرَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مُحَلَّلَةً فَيَمْتَنِعُ مِنْ التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ كَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَنَافِعِ مُحَلَّلًا، وَلَا يَنْشَطُ لِإِطْلَاقِ الْإِبَاحَةِ لِأَجْلِ الْإِشْكَالِ فِي تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ هَلْ هِيَ مَقْصُودَةٌ أَمْ لَا فَيَقِفُ هُنَا الْمُتَوَرِّعُ، وَيَتَسَاهَلُ آخَرُ وَيَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ لِلِالْتِبَاسِ، وَلَا يُحَرِّمُ فَاحْتَفِظْ بِهَذَا الْأَصْلِ فَإِنَّهُ مِنْ مُذَهَّبَاتِ الْعِلْمِ، وَمَنْ أَتْقَنَهُ عِلْمًا هَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَفْتَى، وَهُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِ اللَّهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاحْتَرَزَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ أَشْرَفَ مِمَّا إذَا بِيعَ قَبْلَ أَنْ يُشْرِفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ كَانَ مَرَضُهُ مَخُوفًا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَحَامِلٌ مُقَرَّبٌ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ أَشْرَفَ أَنَّهُ بَلَغَ حَدَّ السِّيَاقِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُبَاعُ مَنْ فِي السِّيَاقِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مُحَرَّمٌ مِنْ مُبَاحِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِيُذَكَّى فَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِوُجُودِ الْمَنْفَعَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَتَبِعَهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت وَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ، وَنَصِّ ابْنِ مُحْرِزٍ مَنْعُ بَيْعِ مَنْ فِي السِّيَاقِ وَلَوْ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ لِلْغَرَرِ فِي حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ حَيَاتِهِ أَوْ صَيْرُورَتِهِ لَحْمًا، وَفِي حُصُولِ ذَكَاتِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ حَرَكَتِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ انْتَهَى.
فَالصَّوَابُ فِي إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ، وَلَا يُبَاعُ مَنْ فِي السِّيَاقِ، وَهُوَ أَحْسَنُ
مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَقِيلَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ مُحَرَّمًا مُشْرِفًا لَا أَعْرِفُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فروع الْأَوَّلُ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِي الْمَبِيعِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إذَا تَقَرَّرَ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فَيَكْفِي مُجَرَّدُ وُجُودِهَا وَإِنْ قُلْت، وَلَا يُشْتَرَطُ كَثْرَةُ الْقِيمَةِ فِيهَا، وَلَا عِزَّةُ الْوُجُودِ بَلْ يَصِحُّ بَيْعُ الْمَاءِ، وَالتُّرَابِ، وَالْحِجَارَةِ لِتَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَثُرَ وُجُودُهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ اهـ. وَأَجَازَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ حَيَوَانٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَبَيْعُهُ وَجَوَابُهُ الْقِيَاسُ عَلَى لَبَنِ الْأَنْعَامِ وَفَرَّقَ بِشَرَفِ الْآدَمِيِّ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ الرَّضَاعُ لِلضَّرُورَةِ كَتَحْرِيمِ لَحْمِهِ، وَيَنْدَفِعُ الْفَرْقُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا أَرْضَعَتْ كَبِيرًا فَحُرِّمَ عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى إلْغَاءِ هَذَا الْفَرْقِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ
[الفرع الثَّانِي بَيْعُ السُّمِّ]
(الثَّانِي) : السُّمُّ جَمِيعُ مَنَافِعِهِ مُحَرَّمَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ السُّمِّ وَلَا مِلْكُهُ عَلَى حَالٍ، وَالنَّاسُ مُجْمِعُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ اهـ. مِنْ الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْبُيُوعِ مِنْ النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الزِّبْلِ، وَبَيْعِ الْمَيْتَةِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْفَرْعِ الرَّابِعِ
[الفرع الثَّالِث بَيْعُ الْحُرِّ وَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ وَالْخَمْرِ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ]
(الثَّالِثُ) الْقِرْدُ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا مِلْكُهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ: مَا لَا يَصِحُّ مِلْكُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إجْمَاعًا كَالْحُرِّ، وَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ، وَالدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْجُزُولِيُّ فِي الْوَسَطِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ ثَمَنُ الْقِرْدِ حَرَامٌ كَاقْتِنَائِهِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّهُ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لَحْمَ الْقُرُودِ لَا يُؤْكَلُ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ فِي كَرَاهَتِهِ، وَحُرْمَتِهِ قَوْلَيْنِ: وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُرِّ وَالْخِنْزِيرِ، وَالْقِرْدِ، وَالْخَمْرِ، وَالدَّمِ وَالْمَيِّتَةِ، وَالنَّجَاسَةِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَخَشَاشِ الْأَرْضِ وَالْحَيَّاتِ، وَالْكِلَابِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهَا، وَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، وَآلَةِ الْمَلَاهِي، وَالْأَحْبَاسِ، وَلُحُومِ الضَّحَايَا وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَالْحَيَوَانِ الْمَرِيضِ مَرَضًا مَخُوفًا، وَالْأَمَةِ الْحَامِلِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالْحَيَوَانِ بِشَرْطِ الْحَمْلِ، وَمَا فِي بُطُونِ الْحَيَوَانِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكَةِ فِي الْمَاءِ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَالْغَائِبِ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ، وَالْبَيْعِ بِغَيْرِ تَقْلِيبٍ، وَمِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ، وَالدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ، وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَالدَّارِ بِشَرْطِ سُكْنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَالدَّابَّةِ بِشَرْطِ رُكُوبِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَإِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَفِي وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ اخْتَصَرْتُ ذَلِكَ مِنْ وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْكَلَامُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْقِرْدِ، وَبَقِيَّةُ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ كُلُّ شَيْءٍ فِي بَابِهِ لَكِنَّ جَمْعَ النَّظَائِرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَا يَخْلُو مِنْ فَائِدَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْعُ الرَّابِعُ بَيْعُ الْمَدَرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ]
(الرَّابِعُ) : الْمَدَرُ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ فِي كَرَاهَةِ أَكْلِهِ، وَمَنْعِهِ قَوْلَيْنِ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ، وَعَزَا الْقَوْلَ بِالْكَرَاهَةِ لِمُحَمَّدٍ، وَالْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ الْمَشْهُورَ التَّحْرِيمُ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى نَقْلِ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَرَاهَةِ بَيْعِهِ وَحُرْمَتِهِ ثَالِثُهَا الْوَقْفُ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يُعْجِبُنِي بَيْعُهُ وَأَرَى مَنْعَ بَيْعِهِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا مِلْكُهُ، وَنَقَلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رُشْدٍ إنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ غَيْرُ الْأَكْلِ جَازَ بَيْعُهُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ لَا الْكَرَاهَةُ، وَسُئِلَ عَنْ الْمَدَرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ أَنْ يُبَاعَ مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى النَّاسُ عَمَّا يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] أَفِي الطِّينِ مِنْ
الطَّيِّبَاتِ إنِّي لَأَرَى لِصَاحِبِ السُّوقِ مَنَعَهُمْ مِنْ بَيْعِهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: إذَا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ، وَهُوَ مُضِرٌّ بِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَجْهٌ إلَّا الْأَكْلَ، وَهُوَ مُضِرٌّ بِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ كَالسُّمِّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ الشَّرْحِ: لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَلَا مِلْكُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ فَلَا مَعْنَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ بَيْعِهِ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَيُؤْمَرُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَأْكُلُهُ وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْمَوَّازِ كَرِهَ أَكْلَهُ فَأَمَّا بَيْعُهُ فَلَا أَدْرِي قَدْ يُشْتَرَى لِغَيْرِ، وَجْهٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَكْلُهُ حَرَامٌ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ ابْنُ عَرَفَةَ اعْتَمَدَ فِيمَا نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَعْنِي قَوْلَهُ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ الشَّرْحِ: لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَلَا تَمَلُّكُهُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كَالسُّمِّ الَّذِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ عَائِدٌ عَلَى السُّمِّ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ كَلَامُ سَحْنُونٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْقَوْلَةِ وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ الْوَقْفِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالْمَدَرُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ الْأَكْلُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِيهِ مَنَافِعُ أُخَرُ مُبَاحَةٌ فَإِنْ قُصِدَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُحَرَّمَةُ مُنِعَ الْبَيْعُ، وَإِنْ قُصِدَتْ غَيْرُهَا جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَيُكْرَهُ بَيْعُ الطِّينِ لِلْأَكْلِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَكْلُهُ حَرَامٌ انْتَهَى.
[الفرع الْخَامِس شِرَاءُ الدَّوَّامَات وَشِبْهِهَا لِلصِّبْيَانِ]
(الْخَامِسُ) : قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَكُرِهَ شِرَاءُ الدَّوَّامَاتِ، وَشِبْهِهَا لِلصِّبْيَانِ وَالْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ وَنَصُّهَا سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الَّذِي يَعْمَلُ الدَّوَّامَاتِ لِلصِّبْيَانِ يَبِيعُهَا مِنْهُمْ قَالَ: أَكْرَهُهُ لَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ أَجْلِ بَيْعِهِ إيَّاهَا مِنْ الصِّبْيَانِ وَلَا يَدْرِي هَلْ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ آبَاؤُهُمْ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مُطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ لِيَسَارَةِ ثَمَنِهِ كَرِهَهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ، وَلَوْ عَلِمَ رِضَا آبَائِهِمْ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِكَرَاهَتِهِ، وَجْهٌ؛ لِأَنَّ اللَّعِبَ مُبَاحٌ لَهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ فِي يُوسُفَ أَخِيهِمْ ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12] انْتَهَى.
[الفرع السَّادِس التِّجَارَةِ فِي عِظَامٍ عَلَى قَدْرِ الشِّبْرِ]
(السَّادِسُ) : قَالَ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ التِّجَارَةِ فِي عِظَامٍ عَلَى قَدْرِ الشِّبْرِ يُجْعَلُ لَهَا وُجُوهٌ فَقَالَ الَّذِي يَشْتَرِيهَا مَا يَصْنَعُ بِهَا فَقِيلَ يَبِيعُهَا فَقَالَ مَا يَصْنَعُ بِهَا فَقِيلَ يَلْعَبُ بِهَا الْجَوَارِي يَتَّخِذْنَهَا بَنَاتٍ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الصُّوَرِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تِجَارَةِ النَّاسِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ لَا خَيْرَ فِي الصُّوَرِ إلَى آخِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ فَلَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ فَتَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ.
وَهَذَا حَدُّ الْمَكْرُوهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ صُوَرًا مُصَوَّرَةً مَخْلُوقَةً مَخْرُوطَةً مُجَسَّدَةً عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ إلَّا أَنَّهُ عُمِلَ لَهَا شِبْهُ الْوُجُوهِ بِالتَّزْوِيقِ فَأَشْبَهَ الرَّقْمَ فِي الثَّوْبِ وَإِلَى هَذَا نَحَا أَصْبَغُ فِي سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا مَا لَمْ تَكُنْ صُوَرًا مَخْرُوطَةً مَخْلُوقَةً إلَّا أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ فِيهَا نَظَرٌ فَقَالَ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى، وَلَوْ كَانَتْ فَخَّارًا أَوْ عِيدَانًا تَنْكَسِرُ، وَتَبْلَى رَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ كَالرُّقُومِ فِي الثِّيَابِ لَا بَأْسَ بِهَا، فَإِنَّهَا تَبْلَى وَتُمْتَهَنُ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا يَبْقَى أَوْ يَبْلَى مِمَّا هُوَ بِمِثَالٍ مُجَسَّدٍ لَهُ ظِلٌّ قَائِمٌ مُشَبَّهٍ بِالْحَيَوَانِ الْحَيِّ بِكَوْنِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ الرُّقُومَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمَاثِيلَ مُجَسَّدَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ رُسُومٌ لَا أَجْسَادَ لَهَا، وَلَا يَحْيَا فِي الْعَادَةِ مَا كَانَ عَلَى هَيْئَتِهَا فَالْمَخْرُوطُ مَا كَانَ عَلَى هَيْئَتِهِ بِالْحَيِّ، وَلَهُ رُوحٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
وَالْمُسْتَخَفُّ مَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْيَا فَالْمُسْتَخَفُّ مِنْ هَذَا اللَّعِبِ مَا كَانَ مُشَبَّهًا بِالصُّوَرِ وَلَيْسَ بِكَامِلِ التَّصْوِيرِ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّبَهُ قَوِيَ الْجَوَازُ لِمَا «جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِهَا بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بَلْ كَانَ يُرْسِلُ الْجَوَارِيَ إلَيْهَا» ، وَكُلُّ مَا
جَازَ اللَّعِبُ بِهِ جَازَ عَمَلُهُ، وَبَيْعُهُ قَالَ ذَلِكَ أَصْبَغُ فِي سَمَاعِهِ مِنْ الْجَامِعِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِهِنَّ قَالَ: وَهُنَّ مَخْصُوصَاتٌ مِنْ الصُّوَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَدْرِيبِ النِّسَاءِ فِي صِغَرِهِنَّ لِأَمْرِ أَنْفُسِهِنَّ وَبُيُوتِهِنَّ، وَأَوْلَادِهِنَّ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ بَيْعَهُنَّ، وَشِرَاءَهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ شِرَائِهِنَّ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ الِاكْتِسَابِ بِهَا، وَتَنْزِيهِ ذَوِي الْمُرُوآتِ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ لَا كَرَاهَةِ اللَّعِبِ قَالَ: وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِهِنَّ وَقَالَ: طَائِفَةٌ هُوَ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الصُّوَرِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي انْتَهَى مِنْ النَّوَوِيِّ.
[الْفَرْعُ السَّابِعُ صِنَاعَتُهُ عَمَلَ ثِيَابِ الْحَرِيرِ هَلْ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ عَمَلِ عَمَائِمَ مِنْهَا وَشِبْهِهَا]
(السَّابِعُ) : قَالَ: ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ، وَسُئِلَ ابْنُ غَلَّابٍ عَمَّنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ عَمَلَ ثِيَابِ الْحَرِيرِ هَلْ هُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ عَمَلِ عَمَائِمَ مِنْهَا وَشِبْهِهَا مِمَّا لَا يَلْبَسُهُ إلَّا الرِّجَالُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا رَجَلٌ وَهَلْ بَيْعُهَا مُبَاحٌ لَهُ؟ فَأَجَابَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلْبَسهُ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا مَنْ لَا يَلْبَسُهَا، وَمَنْ يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ اللِّبَاسِ، وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ مِثْلُهُ انْتَهَى.
وَيُقَيَّدُ هَذَا بِأَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَلْبَسُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُدِرّ أَنَّهُ يَبِيعُهُ مِمَّنْ لَا يَأْكُلُهُ، وَقَالَ: الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ إنَّ مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْعِنَبِ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَبَيْعَ ثِيَابِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ لَا يَلْبَسُهَا، وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَنَا انْتَهَى.، وَانْظُرْ آخِرَ الْجَامِعِ مِنْ الْبَيَانِ
ص (وَعَدَمُ نَهْيٍ لَا كَكَلْبِ صَيْدٍ)
ش: أَيْ، وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْ بَيْعِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْ بَيْعِهِ لَا مَا نُهِيَ عَنْهُ كَكَلْبِ الصَّيْدِ، وَالْمَاشِيَةِ، وَالزَّرْعِ فَأَحْرَى مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي اتِّخَاذِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَشُهِّرَ أَيْضًا الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقُوَّتِهِ إذْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَشَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَغَيْرُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ:، وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِك.
(فَرْعٌ) : وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَرَوَى أَشْهَبُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَطُولَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُفْسَخُ، وَإِنْ طَالَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَلَى الْمَنْعِ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَطُولَ، وَقِيلَ مُطْلَقًا.
ص (وَجَازَ هِرٌّ، وَسَبْعٌ لِلْجِلْدِ) ش: نَحْوُهُ فِي
كِتَابِ الضَّحَايَا مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ بَيْعَ مَا ذُكِرَ يَعْنِي مِنْ الْهِرِّ وَالسِّبَاعِ لَا لِأَخْذِ جِلْدِهِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهَا يُكْرَهُ بَيْعُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ، وَأَمَّا السِّنَّوْرُ فَقِيلَ يُكْرَهُ بَيْعُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ
ص (وَمَغْصُوبٌ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ)
ش: أَطْلَقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَنْعِ بَيْعِ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ جَازَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقٍ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا نَصُّهُ، وَلَوْ بَاعَهَا رَبُّهَا مِنْ رَجُلٍ غَيْرِ الْغَاصِبِ مِمَّنْ رَآهَا، وَعَرَفَهَا كَانَ نَقْضًا لِبَيْعِ الْغَاصِبِ أَيْ إذَا اشْتَرَاهَا شَخْصٌ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ وَظَاهِرُهُ جَوَازُ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ إلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنَّ رَبَّهَا لَمْ يَبِعْهَا مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ إلَّا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهَا، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: أَنَّ الشُّيُوخَ يَقُولُونَ أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا سَلِمَ مِنْ شِرَاءِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْجَوَازِ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَإِنْ بِيعَ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ جَازَ اتِّفَاقًا فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا عَدَا هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ يَسْتَرْوِحُ خُرُوجُ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ كَوْنِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا قُدْرَةَ لِلْبَائِعِ فِيهِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَالْفَرْضُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خِلَافُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ:، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَقْدِرُ عَلَى خَلَاصِهِ بِجَاهِهِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْجِنْسِ فَيَكُونُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْجَاهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ رَسْمَ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) :
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَانْظُرْ لَوْ اشْتَرَى الْغَاصِبُ السِّلْعَةَ مِنْ رَبِّهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ هَلْ يَكُونُ لَهُ مَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ أَوْ لَا، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِمَّنْ بَاعَهَا بِهِ لَيْسَ لَهُ رِبْحٌ؛ لِأَنَّهُ رَبِحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ أَوْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ وَلَمْ يَكُنْ الْمُتَعَدِّي فِي مَسْأَلَةِ مُحَمَّدٍ ضَامِنًا
ص (وَهَلْ إنْ رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً تَرَدُّدٌ)
ش: أَيْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ هَلْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ أَمْ لَا فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ لِلْغَاصِبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّهُ وَيَبْقَى بِيَدِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً حَدَّهَا بَعْضُهُمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَرَأَى أَنَّ بَائِعَهُ إذَا بَاعَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ مَضْغُوطٌ أَنْ يَبِيعَهُ بِبَخْسٍ مُكْرَهًا اسْتِخْلَاصًا لِبَعْضِ حَقِّهِ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى رَدِّهِ جَازَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقٍ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِلَى هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَفِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَرْجَمَةِ الَّذِي يَصْرِفُ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَصْرِفُهَا بِدَنَانِيرَ، وَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً جَازَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ وَهِيَ غَائِبَةٌ بِبَلَدٍ
آخَرَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَغَيْرِهَا جَوَازُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ غَيْرَ عَازِمٍ رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَى رَبِّهِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا، وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَقَوْلَانِ يَسْتَرْوِحُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ.
(تَنْبِيهٌ) : حَيْثُ قُلْنَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ ثَمَنًا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْلِصُ مِنْ حَقِّهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (، وَلِلْغَاصِبِ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إنْ، وَرِثَهُ لَا اشْتَرَاهُ)
ش: هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَتَصَوُّرُهَا ظَاهِرٌ وَكَذَا مَنْ تَعَدَّى عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَبَاعَهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَعَدَّى فِي مَتَاعٍ عِنْدَهُ، وَدِيعَةً فَبَاعَهُ ثُمَّ مَاتَ رَبُّهُ فَكَانَ الْمُتَعَدِّي وَارِثَهُ فَلِلْمُتَعَدِّي نَقْضُ ذَلِكَ الْبَيْعِ إذَا أَثْبَتَ التَّعَدِّيَ، وَهُوَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ انْتَهَى قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ النُّكَتِ، وَإِذَا تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا ثُمَّ، وَرِثَهَا عَنْهُ فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ، وَإِذَا تَعَدَّى عَلَى سِلْعَةِ رَجُلٍ فَبَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا لَيْسَ لَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِمَا أَنَّهُ إذَا وَرِثَهَا، فَلَمْ يَجُرَّهَا إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا جَرّهَا الْمِيرَاثُ، وَإِذَا اشْتَرَاهَا، فَهُوَ الَّذِي اجْتَرَّهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّلَ صَنِيعَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْغَرَرِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ نَحْوَ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ بَيْعِهِ بِخِلَافِ أَنْ لَوْ، وَرِثَهَا؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَمْ يَجُرَّهُ إلَى نَفْسِهِ وَالشِّرَاءَ مِنْ سَبَبِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى نَقْضِ عَقْدِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْحَالُ فِي الْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي وَاحِدَةٌ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(فَرْعٌ) : وَإِذَا قُلْنَا لَهُ نَقْضُ مَا بَاعَهُ إذَا وَرِثَهُ فَإِذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ، وَسَكَتَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَنْقُضْ الْبَيْعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَانْظُرْ هَلْ يَبْطُلُ حَقُّهُ وَلَوْ سَكَتَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَيْئًا يَسِيرًا لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إنْ سَكَتَ عَامًا بَطَلَ حَقُّهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَيْضًا الْبُطْلَانُ، وَانْظُرْ هَلْ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ أَمْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) : وَلَوْ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ فِي دَارٍ فَبَاعَ جَمِيعَهَا ثُمَّ وَرِثَ حِصَّةَ غَيْرِهِ الَّتِي تَعَدَّى عَلَيْهَا فَلَهُ نَقْضُ الْبَيْعِ فِيهَا ثُمَّ أَخْذُ حِصَّتِهِ بِالشُّفْعَةِ قَالَهُ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ، وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ.
ص (وَوَقْفٌ مَرْهُونٌ عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ) ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْقُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَكَانَ الْمَرْهُونُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَمِلْكُ الْغَيْرِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مَالِكِهِ، وَالْعَبْدُ الْجَانِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُخَالِفُ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِذَلِكَ فَبَيْعُ الْمَرْهُونِ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ يُوقَفُ عَلَى رِضَا الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ أَعْطَوْهُ دَيْنَهُ فَلَا كَلَامَ لَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ بِيعَ بِمِثْلِ حَقِّهِ عُجِّلَ لَهُ، وَإِنْ بِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ أَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَرَضًا فَلَهُ إجَازَةُ الْبَيْعِ، وَرَدُّهُ فَإِنْ أَجَازَ تَعَجَّلَ حَقَّهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ إنَّمَا أَجَازَ لِيَتَعَجَّلَ حَقَّهُ، وَهَذَا إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْبَيْعَ مَاضٍ، وَلَا مَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ إنْ فَرَّطَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَقَوْلَانِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِأَوْسَعَ مِنْ هَذَا ص (وَمِلْكُ غَيْرِهِ عَلَى رِضَاهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي) ش: قَالَ
ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا كَانَ بَائِعُهُ غَاصِبًا أَوْ مُتَعَدِّيًا انْتَهَى.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَرِيبًا مِنْ الْبَائِعِ أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ رَقِيقًا، وَبَاعَ نَفْسَهُ قَالَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ بَاعَ الْأَمَةَ رَجُلٌ أَوْ بَاعَتْ هِيَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَأَجَازَهُ السَّيِّدُ جَازَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَنَصُّهُ وَإِذَا أَنْكَحَ الْأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ لَمْ يُجْبَرْ، وَلَوْ أَجَازَهُ كَالْأَبِ، وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ عَلَى الْأَرْجَحِ وَلَوْ شَرِيكًا بِخِلَافِ بَيْعِهَا نَفْسَهَا انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: وَالْمَعْنَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَمْضِي بِإِمْضَاءِ السَّيِّدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهَا أَجْنَبِيٌّ أَوْ بَاعَتْ هِيَ نَفْسَهَا فَأَمْضَى السَّيِّدُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يَمْضِي.
[فروع بَيْعِ الْفُضُولِيِّ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّمَانِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ: هَلْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ فَفِي التَّنْبِيهَاتِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ لِعَدِّهِ إيَّاهُ مَعَ مَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ هُوَ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ انْتَهَى.
قُلْتُ: بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، وَهَذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ، وَالْجَائِزُ فِي إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إنَّمَا هُوَ الْمُبَاحُ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمَالِكِ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا الْبَيْعُ لِلْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا أَوْ قَرِيبَ الْمَكَانِ وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعِيدَ الْمَكَانِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ لِمَا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ الصَّبْرِ مِنْ الضَّرَرِ انْتَهَى.
وَهَذَا التَّقْيِيدُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَالَهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِالْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الصَّلَاةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ يُوهِمُ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[طَالَ الزَّمَانُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ قَبْلَ عِلْمِ الْمَالِكِ حَتَّى اسْتَغَلَّهُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ تَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ]
(الثَّالِثُ) : لَوْ طَالَ الزَّمَانُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ قَبْلَ عِلْمِ الْمَالِكِ حَتَّى اسْتَغَلَّهُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ تَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ؟ حَكَى الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ عَنْ الطِّرَازِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالَمٍ بِالتَّعَدِّي، وَكَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ تَنْفِي عَنْ الْبَائِعِ التَّعَدِّي لِكَوْنِهِ حَاضِنًا لِلْمَالِكِ أَوْ ادَّعَى الْوَكَالَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَالْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي كَالْغَاصِبِ وَنَحْوُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ، وَنَصُّهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ لِفُلَانٍ فَبَاعَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا دَفَعَهُ إلَيْهِ فُلَانٌ الشَّيْخُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ بَاعَ دَارًا تُعْرَفُ لِزَيْدٍ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ زَيْدًا وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِهَا ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مِنْ سَبَبِ زَيْدٍ، وَنَاحِيَتِهِ لَمْ يَغْرَمْ الْغَلَّةَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْغَلَّةَ قَالَهُ سَحْنُونٌ.
وَكَذَلِكَ الْحَاضِنَةُ تَبِيعُ عَلَى الْأَيْتَامِ الْمَنْزِلَ اُنْظُرْ كِتَابَ الْغَصْبِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ الْمَشَذَّالِيِّ قَالَ فِي الطِّرَازِ مَنْ هَلَكَ عَنْ أَطْفَالٍ، وَلَهُمْ أُمٌّ غَيْرُ وَصِيَّةٍ تَبِيعُ حَقًّا لَهُمْ مِنْ رَجُلٍ فَيَغْتَلُّهُ فَيَبْلُغُ الْأَوْلَادُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَقُومُ، وَتَحُوطُ فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: إنَّمَا كَانَتْ الْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ أَجْلِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَبْعَدَتْهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَالْغَاصِبِ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ: فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً تُعْرَفُ لِرَجُلٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ عَلَى الْبَيْعِ، وَغَابَ وَلَا يَعْرِفُ فَاشْتَرَى، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ لِلْغَائِبِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ يَقُومُ فِي الدَّارِ، وَيَنْظُرُ، وَيَعْمَلُ حَتَّى ثَبَتَتْ لَهُ شُبْهَةُ الْوَكَالَةِ فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ كَمَا قُلْنَا فَالْمُشْتَرِي كَالْغَاصِبِ اُنْظُرْ الطِّرَازَ فِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْوَكِيلِ فِي السُّدُسِ الْأَوَّلِ مِنْ الْبُيُوعِ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُونٍ حَكَاهُ عَنْهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا، وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهُ قَائِمٌ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ النَّوَادِرِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمَشَذَّالِيِّ وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: فِي بَيْعِ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ لَوْ كَانَ رَبُّ الدَّارِ غَائِبًا، وَزَعَمَ هَذَا الْبَائِعُ أَنَّ رَبَّهَا، وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِهَا، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لِلْغَائِبِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ فَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ هَذَا الْوَكِيلُ يَقُومُ عَلَى الدَّارِ، وَيَنْظُرُ إلَيْهَا حَتَّى تَثْبُتَ لَهُ شُبْهَةُ الْوَكَالَةِ فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ شُبْهَةٌ فَالْمُشْتَرِي مِنْهُ كَالْغَاصِبِ وَالْغَلَّةُ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ تَبِيعُ عَلَى الْأَطْفَالِ فَإِنْ كَانَتْ تَقُومُ عَلَيْهِمْ، وَتَحُوطُهُمْ وَتَنْظُرُ لَهُمْ فَبَاعَتْ، وَهِيَ كَذَلِكَ فَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ انْتَهَى.
[هَلْ يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ أَمْ لَا]
(الرَّابِعُ) : هَلْ يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ أَمْ لَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ اغْتَصَبَ عَبْدًا، وَبَاعَهُ وَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ أَنَّهُ إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ نَفَذَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ لَمْ يَزَلْ جَائِزًا مِنْ يَوْمِ وُقُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ، وَأَخَذَ عَبْدَهُ انْتَقَضَ الْعِتْقُ انْتَهَى.
وَانْظُرْ الْكَلَامَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فِي الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) : إنَّمَا يَكُونُ الْبَيْعُ مَوْقُوفًا عَلَى رِضَا الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِلْبَيْعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ حَاضِرَ الصَّفْقَةِ فَسَكَتَ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، وَكَانَ لَهُ الثَّمَنُ، وَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ حَتَّى مَضَى الْعَامُ، وَنَحْوُهُ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْحِيَازَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَامَ حِينَ عَلِمَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الْعَامِ، وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ انْتَهَى مِنْ رَسْمِ سَلَفٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْهُ، وَفِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ، وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ
الْبُيُوعِ وَفِي آخِرِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، وَهُوَ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ قَالَ: وَيَحْلِفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِي النِّكَاحِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ، وَمِنْهَا الرَّجُلُ يُبَاعُ عَلَيْهِ مَالُهُ، وَيَقْبِضُهُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ حَاضِرٌ لَا يُغَيِّرُ، وَلَا يُنْكِرُ ثُمَّ يَقُومُ وَيَدَّعِي الْجَهْلَ انْتَهَى اُنْظُرْ ابْنَ سَلْمُونٍ فِي الْبَيْعِ، وَمَسَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ قَالَ فِيهَا، وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ امْرَأَةٍ بَاعَ زَوْجُهَا مِلْكًا لَهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ عَالِمَةٌ بِالْبَيْعِ فَأَجَابَ إنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ فَلَهَا ذَلِكَ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا أَنَّهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ وَإِنْ بِيعَ ذَلِكَ، وَجُبِرَ عَلَيْهَا، وَبَنَى الْمُشْتَرِي، وَهَدَمَ، وَغَرَسَ، وَالْبَيْعُ مَشْهُورٌ، وَهِيَ تَعْلَمُ، وَلَا تُنْكِرُ فَالْبَيْعُ يَلْزَمُهَا، وَلَهَا الثَّمَنُ هَذَا مَعَ رُشْدِهَا، وَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَلِلْقَائِمِ نَقْضُهُ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ انْتَهَى.
(السَّادِسُ) : دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَاعَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ نِصْفَهَا عَلَى الْإِشَاعَةِ هَلْ يَقَعُ بَيْعُهُ عَلَى نِصْفِهِ فَيَنْفُذُ أَوْ يَقَعُ عَلَى نِصْفِهِ، وَنِصْفِ شَرِيكِهِ فَيَنْفُذُ فِي نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ؟ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ رَسْمَ أَوَّلِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَأَوَّلَ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَانْظُرْ ابْنَ سَلْمُونٍ فِي أَوَاخِرِ الشُّفْعَةِ وَفِيهِ إذَا بَاعَ جُزْءًا دُونَ حِصَّتِهِ.
[شِرَاءِ الْفُضُولِيِّ]
(السَّابِعُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ شِرَاءِ الْفُضُولِيِّ، وَحُكْمُهُ كَبَيْعِهِ قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ وَلَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَنْحَلَّ عَنْهُ إذَا أَجَازَ ذَلِكَ رَبُّهَا، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى لَهُ سِلْعَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ حَلُّ الصَّفْقَةِ إذَا أَخَذَهَا الْمُبْتَاعُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
فَإِنْ لَمْ يُجِزْ الشِّرَاءَ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ الْمُشْتَرِيَ الْفُضُولِيَّ، وَلَا رُجُوعَ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي أَشْهَدَ عِنْدَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى لِفُلَانٍ بِمَالِهِ، وَأَنَّ الْبَائِعَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِيَ فِيهِ أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَإِنْ أَخَذَ الْمُشْتَرَى لَهُ مَالَهُ، وَلَمْ يُجِزْ الشِّرَاءَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيمَا إذَا صَدَّقَ الْبَائِعَ، وَلَمْ يُنْتَقَضْ فِي قِيَامِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَالَ لَهُ بَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ الثَّمَنِ، وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لَهُ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَمَرَ الْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُ مَالَهُ إنْ شَاءَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيُلْزِمُهُ الشِّرَاءَ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ عَلَى الْبَائِعِ قَالَهُ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِي كِتَابِ شِرَائِهِ هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ وَأَمْرِهِ]
(الثَّامِنُ) : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا، فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فِي كِتَابِ شِرَائِهِ هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ وَأَمْرِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتَضِي تَصْدِيقَ الْبَائِعِ فِي الشِّرَاءِ لِفُلَانٍ، وَلَا فِي أَنَّ الْمَالَ لَهُ، وَلَا يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ جَاءَ فَأَنْكَرَ الْأَمْرَ بِالشِّرَاءِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِعِلْمِ الْبَائِعِ أَنَّ الْمَالَ لِفُلَانٍ أَوْ بِتَصْدِيقِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ حُجَّةِ الْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ أَخْشَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُشْتَرَى لَهُ فَيَدَّعِيَ أَنِّي عَلِمْت بِذَلِكَ أَوْ صَدَّقْتُ عَلَيْهِ فَيُلْزِمَنِي الْيَمِينَ أَوْ يُحْكَمَ لَهُ بِالرُّجُوعِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
[إقْرَارُ الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالتَّعَدِّي]
(التَّاسِعُ) : لَا يُفِيدُ إقْرَارُ الْبَائِعِ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالتَّعَدِّي فَفِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَوْ بَاعَ أَمَةً ثُمَّ أَقَرَّ بِغَصْبِهَا لَمْ يَصَدَّقْ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَغَرِمَ لِرَبِّهَا قِيمَتَهَا انْتَهَى.
ص (وَالْعَبْدُ الْجَانِي عَلَى مُسْتَحِقِّهَا) ش: لَوْ قَالَ: وَالْعَبْدُ الْجَانِي عَلَى مُسْتَحِقِّهَا إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ الْمُبْتَاعُ الْأَرْشَ، وَرَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِهِ، وَبِثَمَنِهِ إنْ كَانَ أَقَلَّ، وَحَلَفَ السَّيِّدُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْعِ ثُمَّ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ أَوْ أَخْذُ ثَمَنِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ جَنَى عَبْدُهُ جِنَايَةً: فَقَالَ: أَبِيعُهُ، وَأَدْفَعُ الْأَرْشَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَضْمَنَ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَوْ يَأْتِيَ بِضَامِنٍ ثِقَةٍ فَيُؤَخِّرَ الْيَوْمَيْنِ، وَنَحْوَهُمَا، وَإِلَّا فَدَاهُ أَوْ أَسْلَمَهُ، وَإِنْ بَاعَهُ، وَدَفَعَ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَةَ الْجُرْحِ
جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ يَضْمَنُ أَيْ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يَمُوتَ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيّ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ لِلسَّيِّدِ بَيْعَهُ قَالَ: وَهُوَ أَحْسَنُ ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ، وَإِنْ بَاعَهُ أَيْ بَادَرَ لِلْبَيْعِ، وَقَوْلُهُ جَازَ أَيْ مَضَى وَقَوْلُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ أَيْ لَمْ يَمْضِ (الثَّانِي) : قَالَ الْمَشَذَّالِيِّ: قَالَ الْوَانُّوغِيُّ: عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ سِلْعَةً، وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهَا، وَهُوَ مَلِيءٌ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ خَوْفَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي يَجْرِي الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَ مَلِيًّا جَازَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَجْرِي عِنْدِي لِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقِينَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْعَبْدِ وَلِذَا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَالثَّمَنُ بِذِمَّتِهِ انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[وَلَدَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ]
(الثَّالِثُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا، وَلَدَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ يُسَلَّمْ وَلَدُهَا مَعَهَا إذْ يَوْمُ الْحُكْمِ يَسْتَحِقُّهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَايَلَهَا الْوَلَدُ قَبْلَهُ وَلَكِنْ تُسَلَّمُ لِلْجِنَايَةِ بِمَالِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْوَلَدِ وَالْمَالِ انْتَهَى.
[جَنَى عَبْدٌ فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهِ حَتَّى جَنَى جِنَايَاتٍ عَلَى قَوْمٍ]
(الرَّابِعُ) : قَالَ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهِ حَتَّى جَنَى جِنَايَاتٍ عَلَى قَوْمٍ فَإِنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ إمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِدِيَاتِهِمْ أَجْمَعَ وَإِلَّا أَسْلَمَ إلَيْهِمْ الْعَبْدَ فَتَحَاصُّوا فِيهِ بِقَدْرِ مَبْلَغِ كُلِّ جِنَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ فَدَاهُ ثُمَّ جَنَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ ثَانِيَةً أَوْ يُسْلِمَهُ انْتَهَى.
جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهَا يَوْمَ الْحُكْمِ اللَّخْمِيُّ، وَعَلَى الْقَوْلِ إنَّهُ بِالْجِنَايَةِ الْأُولَى مِلْكٌ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا إمَّا أَسْلَمَهُ أَوْ فَدَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، وَرُدَّ لِمِلْكِهِ)
ش: أَتَى الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِأَجْلِ الْيَمِينِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِحَلِفِهِ بِالضَّرْبِ بَلْ إذَا حَلَفَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى حِنْثٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ، وَمِنْ الْوَطْءِ.
(فَرُوعٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ: لَوْ لَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ حَتَّى ضَرَبَهُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَقِيلَ يَبَرُّ وَقِيلَ لَا يَبَرُّ، وَنَقَلَهُمَا الرَّجْرَاجِيُّ بِلَفْظِ فَإِنْ مَكَّنَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الضَّرْبِ فِي مِلْكِهِ فَهَلْ يَبَرُّ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْصُوصَانِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: بَرَّ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَبَرُّ، وَيَمْضِي عَلَى كِتَابَتِهِ، وَيُوقِفُ مَا يُؤَدِّي فَإِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ تَمَّ فِيهِ الْحِنْثُ وَصَارَ حُرًّا، وَأَخَذَ كُلَّ مَا أَدَّى، وَإِنْ عَجَزَ ضَرَبَهُ إنْ شَاءَ، وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: مِثْلَهُ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ (الثَّانِي) حُكِيَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَإِنَّهُ يُوقَفُ حَتَّى يَنْظُرَ أَيَجْلِدُهُ أَمْ لَا قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّهُ أَلْفَ سَوْطٍ عَجَّلْت عِتْقَهُ قَالَ الشُّيُوخُ: قَوْلُ رَبِيعَةَ فِي الْأُولَى وِفَاقٌ أَيْضًا لِقَوْلِ مَالِكٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّهُ مِائَةً فَقَدْ أَسَاءَ وَيُتْرَكُ وَإِيَّاهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ التَّعَدِّي، وَالشُّنْعَةُ فَيُعَجَّلُ عِتْقُهُ وَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّ الْمِائَةَ مِنْ التَّعَدِّي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إنَّ السَّيِّدَ يُصَدَّقُ إنْ الْعَبْدُ حَصَلَ مِنْهُ ذَنْبٌ يَقْتَضِي الْأَدَبَ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ يَضْرِبُهُ ظُلْمًا بِغَيْرِ سَبَبٍ لَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَ عَلَيْهِ قَالَ، وَمِثْلُهُ لِلْقَابِسِيِّ.
وَتَأَوَّلَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ضَرْبِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ إذَا كَانَ يَسِيرًا قَالَ: وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ رُشْدٍ (الثَّالِثُ) : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَإِنْ تَجَرَّأَ، وَضَرَبَهُ مَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرْبًا فَظِيعًا فَيُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ (الرَّابِعُ) : حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مَا لَا يَجُوزُ، وَبَاعَهُ رُدَّ الْمَبِيعُ مِنْ بَابِ أَحْرَى إلَّا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ لِمِلْكِهِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ لِلْعِتْقِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرُدَّ الْبَيْعُ فِي لَأَضْرِبَنَّهُ، وَنَحْوِهِ، وَرُدَّ لِمِلْكِهِ إنْ أَجَازَ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَشْمَلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يُرَدُّ لِمِلْكِهِ إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ يُنْقَضُ الْبَيْعُ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَا أَنْقُضُ صَفْقَةَ مُسْلِمٍ إلَّا لِعِتْقٍ نَاجِزٍ، وَضَعْفٍ بِأَنَّا نَنْقُضُ الْبَيْعَ لِلْكِتَابَةِ، وَالتَّدْبِيرِ (الْخَامِسُ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ (السَّادِسُ) : إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ نَحْوِ إنْ ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْبَيْعِ
وَلَا مِنْ الْوَطْءِ قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ عَلَى بِرٍّ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْفِعْلِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ وَالْوَطْءِ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتَهُ عِتْقٌ، وَلَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ فَهُوَ عَلَى حِنْثٍ.
وَيُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ، وَالْوَطْءِ، وَلَا أَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ عَتَقَ رَقِيقُهُ فِي الثُّلُثِ اهـ. هُوَ حِنْثٌ وَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ انْتَهَى زَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَلَا أَمْنَعُهُ الْخِدْمَةَ، وَلَا الِاسْتِئْجَارَ (السَّابِعُ) : إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى حِنْثٍ، وَضَرَبَ أَجَلًا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ أَمَتِي حُرَّةٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا إلَى أَجَلٍ أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ فُلَانٌ كَذَا إلَى أَجَلٍ سَمَّاهُ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ فِي الْأَجَلِ وَيُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا مُرْتَهَنَةٌ فِيهِنَّ، وَلَوْ بَاعَهَا رَدَدْت الْبَيْعَ، وَلَمْ أَقْبَلْ مِنْهَا رِضَاهَا بِالْبَيْعِ، وَرُوِيَ لِمَالِكٍ يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ كَمَنْعِهِ مِنْ الْبَيْعِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَوْ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ حَنِثَ وَلَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ فَارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْيَمِينُ فِيهَا فَلَا تُرَدُّ إذْ لَا تُرَدُّ إلَى أَمْرٍ يُتَرَقَّبُ فِيهِ بِرُّهُ أَوْ حِنْثُهُ انْتَهَى.
قُلْت: وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَمَةَ وَالْعَبْدَ قَبْلَ رَدِّ الْبَيْعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَضَمَانِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ)
ش: إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى هَذِهِ، وَمَا بَعْدَهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يُقْدَرُ فِيهِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ص (إنْ انْتَفَتْ الْإِضَاعَةُ، وَأُمِنَ كَسْرُهُ)
ش: قَالَ عِيَاضٌ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنَاهُ عِنْدَ شُيُوخِنَا إنْ قُلِعَ مَأْمُونًا، وَلَوْ كَانَ يُخْشَى كَسْرُهُ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ قَالُوا إنَّمَا هَذَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ تَدْعِيمُ الْبِنَاءِ وَتَعْلِيقُهُ، وَلَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهُ إلَّا بِهَدْمِهِ لَكَانَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي لَا يَجُوزُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنْ انْتَفَتْ إضَاعَةُ الْمَالِ فَإِنَّ إضَاعَتَهُ لَا تَجُوزُ كَمَا إذَا كَانَ لَا يُقْدَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِهَدْمِ الْغُرْفَةِ الَّتِي فَوْقَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ اللَّخْمِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أُضْعِفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ أَوْ تَكُونَ الْغُرْفَةُ تَحْتَاجُ إلَى النَّقْضِ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ يَسِيرٌ انْتَهَى قُلْتُ: قَوْلُ اللَّخْمِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أُضْعِفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ شَاسٍ وَتَابِعِيهِ فِي عَزْوِهِ شَرْطَ إضَاعَةِ الْمَالِ لَلْمَازِرِي؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ اخْتِصَاصَهُ بِهِ، وَقَدْ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَذَكَرَ شَرْطَ أَمْنِ الْكَسْرِ أَيْضًا اللَّخْمِيُّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنْقَاذُهُ مَأْمُونًا جَازَ هَذَا الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي سَلَامَتَهُ بَعْدَ حَطِّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ اللَّخْمِيِّ قُلْت: وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْغَرَرَ الْمَانِعَ مَانِعٌ، وَلَوْ شَرَطَ فِيهِ سَلَامَةَ تَمَكُّنٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمَ قُلْت، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجُوزَ الْبَيْعُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ سَلَامَتَهُ بَعْدَ حَطِّهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا إزَالَةُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْبِنَاءِ وَتَهْيِئَتُهُ؛ لَأَنْ يُنْقَلَ فَكُلُّ مَا يَجْرِي بَعْدَ ذَلِكَ فَمِنْ الْمُشْتَرِي بِمُقْتَضَى التَّمْكِينِ (فَإِنْ قُلْت) لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِهِ، وَإِلَّا كَانَ إضَاعَةَ مَالٍ مِنْ الْمُشْتَرِي (قُلْت) إنْ وَجَبَ لِذَلِكَ، وَجَبَ سُقُوطُهُ خَوْفَ إضَاعَةِ الْبَائِعِ مَالَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَدًّا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجُوزَ إلَخْ مَا نَصُّهُ قُلْت يُرَدُّ بِأَنَّ مَنْعَهُ مَعَ عَدَمِ أَمْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ كَمُتَقَدِّمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَحِلُّ بَيْعُ صِعَابِ الْإِبِلِ فَلَا يَتَوَجَّهُ مَا أَوْرَدَ مِنْ سُؤَالٍ، وَجَوَابٍ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ إلَى مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُ صِعَابِ الْإِبِلِ لِلْغَرَرِ فِي أَخْذِهَا؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَطِبَتْ بِهِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ هَذَا الْبَيْعِ الْأَمْنُ مِنْ كَسْرِ الْعَمُودِ فِي إخْرَاجِهِ، وَإِنْقَاذِهِ وَإِلَّا كَانَ بَيْعَ غَرَرٍ فَيُمْنَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ مَنْ عَلَيْهِ النَّقْضُ وَالْمَنْصُوصُ
لِمَالِكٍ أَنَّهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ اسْتَبْعَدَهُ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِاسْتِبْعَادِهِ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ قُلْت فَإِنْ اشْتَرَيْت عَمُودَ رُخَامٍ عَلَيْهِ بِنَاءٌ لِلْبَائِعِ أَيَجُوزُ هَذَا الِاشْتِرَاءُ، وَأَنْقُضُ الْعَمُودَ إنْ أَحْبَبْتَ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ عَلِمْتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا بِمِصْرَ قَالَ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ: وَقَلْعُ الْعَمُودِ عَلَى الْبَائِعِ، وَحُكِيَ عَنْ الْقَابِسِيِّ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُزِيلَ مَا فَوْقَ الْعَمُودِ لِيَصِلَ الْمُبْتَاعُ إلَى قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ فُقَهَائِنَا: وَمَا أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَوَالِهِ مِنْ كَسْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ مِنْ الْمُبْتَاعِ انْتَهَى.، وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: قَوْلُهُ وَأَنْقُضُ الْعَمُودَ ظَاهِرُهُ أَنَّ نَقْضَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَقَالَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ بَائِعِ نَصْلِ السَّيْفِ الْمُحَلًّى، وَجَفْنِهِ: وَيَنْقُضُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ حِلْيَتَهُ فَجَاءَ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّقْضَ عَلَى الْبَائِعِ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ تَفْسِيرًا لِلْأُولَى، وَإِنَّ مَعْنَى الْأُولَى أَنْ يُزِيلَ الْبَائِعُ مَا عَلَيْهِ بِالتَّدْعِيمِ أَوْ الْهَدْمِ إذْ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ لِلْمُشْتَرِي، وَيَتَوَلَّى الْمُشْتَرِي بَعْدَ هَذَا قَلْعَهُ وَرَفْعَهُ، وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ قَوْلَانِ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي كَبَيْعِ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ وَالْعُلُوِّ فَوْقَ السُّفْلِ.
وَالثَّمَرَةِ فِي رُءُوس الشَّجَرِ عَلَى مَنْ جِدَادُ ذَلِكَ وَقَلْعُهُ؟ قَالُوا، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى الْبِنَاءَ الَّذِي عَلَى الْعَمُودِ أَوْ الْحِلْيَةَ الَّتِي عَلَى النَّصْلِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِبَقَاءِ حَقِّ التَّسْلِيمِ وَكَوْنِ نَقْضِ الْعُلُوِّ عَلَى الْمُشْتَرِي أَبَيْنَ لِتَخَلُّصِهَا مِمَّا تَحْتَهَا، وَكَوْنُ نَقْضِ الْحِلْيَةِ، وَالسَّيْفِ، وَالْعَمُودِ عَلَى الْبَائِعِ أَبَيْنَ لِارْتِبَاطِهَا بِمَا بَقِيَ لَهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ، وَكَوْنُ نَقْضِ الْحِلْيَةِ يُرِيدُ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ السَّيْفِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَ الْحِلْيَةَ دُونَ النَّصْلِ فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ نَقْضَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ، وَالثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ جَعَلَ النَّقْضَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَقَلْعُهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَقِيلَ إنَّمَا عَلَيْهِ نَقْضُ بِنَائِهِ فَقَطْ، وَمَا أَصَابَهُ فِي قَلْعِهِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ، وَبَيْعِ نَصْلِ سَيْفٍ دُونَ حِلْيَتِهِ، وَنَقْضُهَا عَلَى الْبَائِعِ، وَبِالْعَكْسِ عَلَى الْمُبْتَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ كَجَزِّ صُوفٍ بِيعَ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ، وَجِدَادُ ثَمَرٍ فِي رُءُوسِ نَخْلٍ جُزَافًا فِيهِمَا، وَقِيلَ عَلَى الْبَائِعِ اهـ. وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ، وَنَقَضَهُ الْبَائِعُ بِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ، وَإِزَالَةُ الْبِنَاءِ عَلَى الْبَائِعِ يُوهِمُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي (فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) : اُنْظُرْ قَوْلَهُمْ، وَمَا أَصَابَهُ فِي قَلْعِهِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ هَلْ هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَوْ هُوَ فَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ (الثَّانِي) مَنْ دَعَا فِي مَسْأَلَةِ السَّيْفِ، وَالْحِلْيَةِ إلَى تَخْلِيصِ مِلْكِهِ فَذَلِكَ لَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ التَّهْذِيبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا بِرِضَاهُمَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْهُمَا إلَى تَخْلِيصِ مِلْكِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَقَوَّى ابْنُ عَرَفَةَ مَا فِي الْأُمِّ
ص (وَهَوَاءٌ فَوْقَ هَوَاءٍ) ش: أَيْ وَجَازَ بَيْعُ هَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ فَأَحْرَى فَوْقَ بِنَاءٍ ص (إنْ وَصَفَ الْبِنَاءَ) ش: أَيْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، وَيَصِفُ بِمَاذَا يَبْنِيهِ مِنْ آجُرٍّ أَوْ حَجَرٍ
قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ: وَيَصِفُ عَرْضَ حِيطَانِ الْبِنَاءِ، وَيَبْنِيهِ بِالْمُعْتَادِ مِنْ آجُرٍّ أَوْ حَجَرٍ اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَبْيِينُ مَا يَبْنِيهِ مِنْ الْآجُرِّ وَالْحَجَرِ خِلَافَ مَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ عَادَةً، وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَادَةً قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَيَصِفُ مَصَبَّ مَاءِ الْأَعْلَى، وَمِرْحَاضَهُ، وَحَيْثُ تَصُبُّ قَنَاتُهُ، وَمَدْخَلَهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) :، وَفَرْشُ سَقْفِ الْأَسْفَلِ بِالْأَلْوَاحِ عَلَى مَنْ اُشْتُرِطَ وَإِلَّا فَعَلَى الْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ (فَرْعٌ) :، وَلَا يَجُوزُ لِمُبْتَاعِ الْهَوَاءِ بَيْعُ مَا عَلَى سَقْفِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثِّقَلَ عَلَى حَائِطِهِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا وَابْنُ عَرَفَةَ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَلَكَ مَا فَوْقَ بِنَائِهِ مِنْ الْهَوَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِحَقِّ الْبَائِعِ فِي الثِّقَلِ، وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ التَّوْضِيحِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَنْ مَلَكَ أَرْضًا أَوْ بِنَاءً مَلَكَ هَوَاءَهَا إلَى أَعْلَى مَا يُمْكِنُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَمْلِكُ بَاطِنَهَا أَوْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْمِلْكَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْمِلْكِ اهـ. وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعِيدَ الْجِدَارَ إذَا انْهَدَمَ لِيُرَكِّبَ صَاحِبُ الْجُذُوعِ جُذُوعَهُ قُلْت: وَانْظُرْ إذَا مَاتَ الْبَائِعُ أَوْ بَاعَ لِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْوَرَثَةِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَلَا كَلَامَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ الرَّدُّ إنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ: وَلَوْ طَرَأَ شَيْءٌ فِي نَفْسِ مَوْضِعِ الْحَمْلِ الْمُشْتَرَى مَعَ صِحَّةِ بِنَاءِ جَمِيعِ الْحَائِطِ لَمَا لَزِمَ رَبَّ الْحَائِطِ شَيْءٌ، وَيُقَالُ لِمَنْ لَهُ حَمْلُ الْجُذُوعِ أَصْلِحْ مَوْضِعَ حَمْلِكَ أَوْ دَعْ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَوْضِعَ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامُ الْمِلْكِ مِنْ الْهِبَةِ، وَالْمِيرَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَجَهْلٌ بِثَمَنٍ أَوْ مَثْمُونٍ، وَلَوْ تَفْصِيلًا) ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْعِوَضَيْنِ فَإِنْ جَهِلَ الثَّمَنَ أَوْ الْمَثْمُونَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْجَهْلُ بِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَسَدَ الْبَيْعُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَفِي رَسْمِ الْكَبْشِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ: لَا يَكُونُ الْبَيْعُ فَاسِدًا إلَّا إذَا جَهِلَا مَعًا قَدْرَ الْمَبِيعِ أَوْ صِفَتَهُ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا، وَعَلِمَ الْآخِرُ بِجَهْلِهِ، وَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا، وَجَهِلَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِجَهْلِهِ فَلَيْسَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ كَبَيْعِ غِشٍّ، وَخَدِيعَةٍ يَكُونُ الْجَاهِلُ مِنْهُمَا إذَا عَلِمَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مُوَرَّثَهُ مِنْ دَارٍ فَإِنْ عَرَفَا مَبْلَغَهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ، وَرِثَ رَجُلَانِ دَارَيْنِ فَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ نَصِيبَهُ فِي إحْدَاهُمَا بِنَصِيبِ الْآخَرِ فِي الْأُخْرَى فَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ، وَمَا هُوَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ فَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا مَبْلَغَ حَقِّهِ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ كَمَا لَا يَجُوزُ صُلْحُ الزَّوْجَةِ عَلَى مُوَرَّثٍ لَهَا فِي دَارٍ لَا تَعْلَمُ مَبْلَغَهُ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ: وَإِذَا وَرِثَا نَخْلًا وَكَرْمًا لَمْ يَعْرِفَاهُ، وَلَا رَأَيَاهُ أَوْ عَرَفَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا فَرَضِيَا أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْكَرْمَ، وَيَأْخُذَ الْآخِرُ النَّخْلَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَيَا ذَلِكَ أَوْ وُصِفَ لَهُمَا اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ فِي الْأُمَّهَاتِ أَوْ كِلَاهُمَا، وَنَقَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الْغَائِبِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا هَلْ هُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ أَوْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصُّبْرَةِ إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهَا دُونَ الْمُبْتَاعِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَرَى حُكْمَهُ حُكْمَ الصُّبْرَةِ، وَهَذَا عَلَى مَا فِي الْأُمَّهَاتِ إذَا جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا الشَّيْخُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، وَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصُّبْرَةِ ا. هـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي إلَّا قَوْلَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ قُلْت وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَاسِدٌ خُصُوصًا عَلَى اخْتِصَارِ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنَّهُ جَمَعَهُ مَعَ جَهْلِهِمَا مَعًا، وَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ
بِذَلِكَ وَأَشَارَ الْمَشَذَّالِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتِصَارِ أَبِي سَعِيدٍ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْعَبْدَيْنِ الْآتِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَيَكُونُ كَلَامُهُ مُوَافِقًا لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَجَزَمَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَصُّ كَلَامِ الْمَشَذَّالِيِّ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا الْمَسْأَلَةَ قُلْت وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَغَيْرُهُ، وَزَعَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَغَارِبَةِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي جَهْلِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَقُومَانِ مِنْ مَوَاضِعَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْهَا هَذِهِ وَمَسْأَلَةُ الصُّبْرَةِ اهـ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَوَاضِعُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ، وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَفِي كِتَابِ الْغَرَرِ، وَفِي السَّلَمِ.
الثَّالِثُ: نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إلَى حَمْلِهَا كُلِّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ شِرَاءِ الْغَائِبِ]
(تَنْبِيهٌ) قَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ بِأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ عَلَى الْإِلْزَامِ، وَسَكَتَا عَنْ شَرْطِ الْخِيَارِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِي يَجْهَلُ الْمَبِيعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وَقَّعَا فِي الْوَثِيقَةِ وَعَرَفَا الثَّمَنَ وَالْمَثْمُونَ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْجَهْلَ]
(فَرْعٌ) : إذَا وَقَعَا فِي الْوَثِيقَةِ، وَعَرَفَا الثَّمَنَ، وَالْمَثْمُونَ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْجَهْلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ وَلَا يَمِينٌ فَإِنْ سَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يُصَدَّقْ أَيْضًا مُدَّعِي الْجَهْلِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ صَاحِبِهِ بِجَهْلِهِ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ فَتَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إنَّهُ مَا عَلِمَ بِجَهْلِهِ فَإِنْ نَكَلَ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ حَلَفَ لَقَدْ جَهِلَ مَا بَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَهُ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَى صَاحِبِهِ بِجَهْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ نَقَلَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَابْنُ سَلْمُونٍ.
وَقَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: سُئِلَ عَمَّنْ بَاعَ أَمْلَاكَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْرِفُ قَدْرَهَا، وَكُلُّ مَنْ فِي الْمَوْضِعِ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا قَطُّ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا، وَلَا مَبْلَغَهَا، وَلَا يَحُوزُهَا قَبْلَ الِابْتِيَاعِ وَلَا بَعْدَهُ فَقَالَ: إذَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَاهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ قِيَامٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْمُبْتَاعَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ اهـ. فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ بِجَهْلِهِ وَلَوْ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ أَنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ أَوْ يُقَالُ إنَّمَا وُجِّهَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ مَعَ انْعِقَادِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْوَثِيقَةِ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ دَعْوَى خَصْمِهِ، وَهِيَ شَهَادَةُ كُلِّ مَنْ فِي الْمَوْضِعِ أَنَّهُ مَا رَآهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي الْبَابِ الثَّامِنِ، وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُتَبَايِعَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَعَلَى جَوَازِ الْأَمْنِ حَتَّى يَثْبُتَ السَّفَهُ وَعَلَى الرِّضَا حَتَّى يَثْبُتَ الْإِكْرَاهُ وَعَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ السَّقَمُ وَعَلَى الْمَلَا حَتَّى يَثْبُتَ الْفَقْرُ وَعَلَى الْحُرِّيَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ الرِّقُّ وَعَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَثْبُتَ الْكُفْرُ وَعَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْجُرْحَةُ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَالْغَائِبُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَوْتُ قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعَدَالَةِ فَالْمَشْهُورُ الثَّانِي، وَقَالَ قَبْلَهُ: النَّاسُ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ مَحْمُولُونَ عَلَى الْجَهْلِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعِلْمُ، وَعَلَى الْعُدْمِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَالُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، وَقَالَ: وَالْعَمَلُ عِنْدَ الْحُكَّامِ إنَّ مُدَّعِيَ الْعُدْمِ عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ، وَهُوَ أَصَحُّ.
[فَرْعٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلُّ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَلَمَّا نَقَدَهُ الدَّنَانِيرَ قَالَ لَا أَرْضَاهَا]
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلُّ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَلَمَّا نَقَدَهُ الدَّنَانِيرَ قَالَ: لَا أَرْضَاهَا فَلَهُ نَقْدُ الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ فِي الدَّنَانِيرِ مُخْتَلِفًا فَلَا صَرْفَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يُسَمِّيَا الدَّنَانِيرَ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ وَالدَّنَانِيرُ الَّتِي يُتَصَرَّفُ بِهَا فِي الْبَلَدِ بَيْنَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةُ السِّكَكِ كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِيمَا يُبَاعُ بِهِ ذَلِكَ أَوْ الْغَالِبُ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ مِنْهَا وَغَيْرُهُ نَادِرٌ قَلِيلٌ فَيَجُوزُ وَيُحْمَلَانِ عَلَى الْغَالِبِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فَمَا تَعَدَّدَتْ السِّكَكُ، وَكَانَ الْغَالِبُ أَحَدُهُمَا قَوْلَيْنِ قَالَ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْأَكْرِيَةِ الْجَوَازُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ اهـ.
وَنَصُّ مَا فِي أَكَرِيَةِ الدُّورِ مِنْهَا، وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا بِدَنَانِيرَ، وَلَمْ يَصِفْهَا، وَالنَّقْدُ مُخْتَلِفٌ فَإِنْ عَرَفَ لِنَقْدِ الْكِرَاءِ سِكَّةً قَضَى بِهَا، وَإِلَّا