ِ الْخِتَانُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الرعيني، الحطاب
- الكتاب
- مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
- المؤلف
- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- الثالثة، 1412هـ - 1992م
- عدد الأجزاء
- 6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ بِالْفِرَاقِ مِنْهُ بِالْوَاجِبِ، وَالشُّهُودُ غَيْرُ الْمَقْبُولِينَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ.
وَالْقَوْلُ عَلَى إقْرَارِهَا، وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ.
(قُلْت) الْأَصْلُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ تَبْعِيضُ الدَّعْوَى وَإِجْمَالُهَا فَابْنُ الْقَاسِمِ يُبَعِّضُ الدَّعْوَى فَيُصَيِّرُهُ مُقِرًّا مُدَّعِيًا وَأَشْهَبُ لَا يُؤَاخِذُهُ وَلَا بِجُمْلَةِ كَلَامِهِ، وَسُئِلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ الْمَدِينَةَ مَعَ الْحَاجِّ وَتَقُولُ خِفْت الْعَنَتَ وَأَرَدْتُ التَّزْوِيجَ، وَلَا يُعْلَمُ هَلْ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا إلَّا مِنْ قَوْلِهَا، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقَدْرِ وَالْأَوْلِيَاءِ هَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ أَمْ لَا.؟ فَأَجَابَ تُزَوَّجُ، وَلَا تُطْلَبُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا لَا زَوْجَ لَهَا إذَا كَانَتْ غَرِيبَةً بَعِيدَةَ الْوَطَنِ، وَأُحِبُّ السُّؤَالَ لِأَهْلِ مَعْرِفَتِهَا وَبَلَدِهَا مِمَّنْ مَعَهَا فِي الرُّفْقَةِ سُؤَالًا مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفِ شَهَادَةٍ، فَإِنْ اسْتَرَابَ تَرَكَ تَزْوِيجَهَا وَإِلَّا زَوَّجَهَا وَلَيْسَتْ كَمَنْ مَكَانُهَا قَرِيبٌ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامُ ابْنِ حَبِيبٍ أَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِمَا يُتَّقَى مِنْ زَوْجٍ يَكُونُ لَهَا، فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُ قَوْلِهَا لَمْ يُزَوِّجْهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: الرَّجُلُ يَأْتِي بِامْرَأَةٍ وَمَعَهُ صَدَاقٌ فَيَقُولُ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الصَّدَاقِ أَنَّهُ حَقٌّ قِبَلِي لِزَوْجَتِي هَذِهِ، وَقَدْ ضَاعَ صَدَاقُهَا، فَقَالَ مَالِكٌ إنْ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى أَصْلِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَلْيُشْهِدْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَيْ لَا يَكُونَ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْغُرَبَاءِ، قَالَهُ مَالِكٌ فِي الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الْوَاضِحَةِ، وَقَالَ فِيهَا: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقُومُ مَعَ الْحَاجِّ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى آخِرِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَيْسَتْ هَذِهِ كَالْحَضَرِيَّةِ، وَلَا الَّتِي مَكَانُهَا قَرِيبٌ، انْتَهَى.
وَمِنْ الْبُرْزُلِيِّ قَالَ الْغَرْنَاطِيُّ فِي وَثَائِقِهِ فِي تَجْدِيدِ الصَّدَاقِ: يَذْكُرُ إشْهَادَ الزَّوْجِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ زَوْجَتَهُ ذَكَرَتْ لَهُ تَلَفَ صَدَاقِهَا وَسَأَلَتْهُ تَجْدِيدَهُ وَأَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِقْرَارُهُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِيهِ وَتَضْمَنُهُ مَعْرِفَةُ الزَّوْجِيَّةِ وَاتِّصَالُهَا إلَى حِينِ الْإِشْهَادِ فِي غَيْرِ الْغَرِيبِينَ، وَيَذْكُرُ إشْهَادَ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي التَّالِفِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ.
وَسُئِلَ أَبُو عِمْرَانَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَقْدُمُ بَلَدًا، وَلَا يُدْرَى مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ قَدِمَتْ، وَلَا مَنْ هِيَ، وَتَطْلُبُ التَّزْوِيجَ فَهَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ إثْبَاتٍ مُوجِبٍ.؟ وَكَذَا لَوْ زَعَمَتْ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ مَاتَ عَنْهَا أَوْ طَلَّقَهَا.؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا كَتَبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا يَتَعَذَّرُ وُصُولُ الْجَوَابِ أَوْ يَكُونُ بَعْدَ أَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تُرِيدُهُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهَا، وَسُئِلَ الصَّائِغُ عَنْ طَارِئَةٍ عَلَى بَلَدٍ تَأْتِي لِقَاضِيهِ فَتَذْكُرُ أَنَّ لَهَا زَوْجًا غَابَ عَنْهَا فِي بَلَدِهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَأَخْرَجَتْ صَدَاقَهَا مَجْهُولَ الشُّهُودِ وَاسْمَ زَوْجٍ مَجْهُولٍ، وَلَا يَعْرِفُ صِدْقَهَا مِنْ كَذِبِهَا، وَقَدْ شَكَتْ الضَّيْعَةَ وَأَنَّهَا إنْ بَقِيَتْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَحَالُهَا الْفَقْرُ فَهَلْ تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ.؟ جَوَابُهَا لِلْمَازِرِيِّ كَذَا فِي هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي اخْتَصَرْت مِنْهُ قَالَ: يَنْظُرُ فِي حَالِهَا وَيَتَثَبَّتُ فِيهِ وَيَتَلَوَّمُ حَتَّى يُؤْنِسَ مَعْرِفَةَ صِدْقِهَا أَوْ كَذِبِهَا مِنْ حَالِ الزَّوْجِ وَمَكَانِهِ وَلَا مَالَ لَهُ، أَوْ يَثْبُتُ كَوْنُهَا طَارِئَةً مِنْ مَكَان بَعِيدٍ يَتَعَذَّرُ كَشْفُ حَالِ زَوْجِهَا فَتَحْلِفُ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ فِي هَذَا، وَعَلَى صِدْقِهَا مِمَّا ذَكَرَتْ وَيُوقِعُ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ لِي، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطِ صِدْقِ الْمُدَّعِي مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ فِي الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ، قَالَ: سُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ طَارِئَةٍ عَلَى بَلَدٍ قَامَتْ عَلَى قَاضِيهِ فَذَكَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا غَابَ عَنْهَا فِي بَلَدِهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَهَا مِنْ كَذِبِهَا، وَشَكَتْ الضَّيْعَةَ فَمَا تَرَى فِي أَمْرِهَا هَلْ تَطْلُقُ وَتُزَوَّجُ أَمْ لَا.؟
فَأَجَابَ تَثَبَّتَ فِي أَمْرِهَا حَتَّى يُؤَيِّسَ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى صِدْقِهَا مِنْ كَذِبِهَا أَوْ تُثْبِتَ كَوْنَهَا طَارِئَةً مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ فَتُسْتَحْلَفُ حِينَئِذٍ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَنَّهَا صَادِقَةٌ فِيمَا ذَكَرَتْ، وَيُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا وَيَكْتُبُ لَهَا الْحَاكِمُ أَنَّهُ أَوْقَعَ
عَلَيْهَا الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَتْ اهـ. فَانْظُرْ هَذَا كُلَّهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ إذَا تَعَذَّرَتْ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ طَارِئَةً وَأَنَّ سَفَرَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا حِينَ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً لَا يَكُونُ نُشُوزًا، وَأَمَّا لَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَكَانَ نُشُوزًا، وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَبَهَا بِالسَّفَرِ مَعَهُ وَكَانَ صَالِحَ الْحَالِ مَعَهَا فَامْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نُشُوزًا، قَالَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي كَلَامِهِ عَلَى النَّفَقَةِ وَغَيْرُهُ وَانْظُرْ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَالْجُزُولِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يُدْعَى إلَى الدُّخُولِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ النِّكَاحِ فِي تَعَدُّدِ الْأَوْلِيَاءِ فَحَاكِمٌ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الْمَرْأَةِ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتُثْبِتُ عِنْدَ الْعُدُولِ مَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْقَاضِي]
(فَرْعٌ) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ؛ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ لِلْعُدُولِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ فِي خُرُوجِ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ لَهُمَا وَأُعْذِرَ إلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ يَكْفِي الْإِشْهَادُ مَا نَصَّهُ جَعَلَ هُنَا جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ السُّلْطَانِ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سُلْطَانٌ، وَمِثْلُهُ فِي أَوَاخِرِ النُّذُورِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِينَ إلَى أَجَلِ كَذَا، وَمِثْلُهُ فِي الرَّوَاحِلِ فِي هُرُوبِ الْجِمَالِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ مُغِيثٍ فِي الْمَرْأَةِ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْعُدُولِ مَا تُثْبِتُ عِنْدَ الْقَاضِي فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا، وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ مُغِيثٍ تَعَذُّرَ تَنَاوُلِ السُّلْطَانِ الْمَشَذَّالِيِّ هَكَذَا وَقَعَ هَذَا كَمَا رَأَيْت، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ هُوَ إنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُغِيثٍ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عِمْرَانَ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ فِي الْمُحَارِبِ وَفِي الْقِصَاصِ إنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ تَنَاوُلُ السُّلْطَانِ الْمَشَذَّالِيِّ، وَهُوَ كَلَامٌ وَاضِحٌ يُوَضِّحُ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ، انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ فَسْخُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ اُنْظُرْ شَرْحَ ابْنِ جَمَاعَةَ وَكَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا بَعَثَ لِسَيِّدِهِ بِكِتَابَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الرِّقِّ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلْيَشْهَدْ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ الشَّيْخُ.
اُنْظُرْ جَعْلَ أَبِي عِمْرَانَ هَذَا الْإِشْهَادَ مَقَامَ الْحُكْمِ وَكَذَلِكَ فِي الْمُحَارِبِ وَكَذَلِكَ فِي الدِّيَاتِ، وَإِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَعَصَبَةً فَاخْتَلَفَا، وَلَا إمَامَ، وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الْحَمَّالَةِ أَنَّ جَمَاعَةَ الْعُدُولِ تَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ غَابَ إلَى مِصْرٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ لَمْ يَخْلُفْ لَهَا نَفَقَةً إلَّا مَا لَا يَفِي بِصَدَاقِهَا وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ أَمِيرٌ مِنْ قِبَلِهِ فَحَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي طَلَاقٍ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَ الْبَلَدِ وَالْأَمِيرِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَالْخَوْفُ بَيْنَهُمْ عَامٌّ، وَرُبَّمَا انْجَلَى الْخَوْفُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَهَلْ تَقُومُ الْجَمَاعَةُ مَقَامَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ يَجِبُ عَلَى أَمِينِهِ أَنْ يُحْنِثَ نَفْسَهُ وَيَحْكُمُ أَمْ لَا.؟ جَوَابُهَا إذَا تَحَرَّجَ النَّاسُ لِعَدَمِ الْقُضَاةِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عُدُولٍ فَجَمَاعَتُهُمْ كَافِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْته، وَفِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الدِّينِ وَالْفَضْلِ فَيَقُومُونَ مَقَامَ الْقَاضِي فِي ضَرْبِ الْآجَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت: تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْقَاضِي مَعَ فَقْدِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهَا، انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَسَائِلَ السَّلَمِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ وَالْجِهَادِ مِنْ الْمَشَذَّالِيِّ، وَقَدْ ذُكِرَ بَعْضُ كَلَامِهِ فِي الْوَصَايَا.
وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَةٌ قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَتَطَوَّعَ بِهَا مُتَطَوِّعٌ فَذَكَرَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَوْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِأَدَائِهَا لَمْ يُفْسَخْ.
(قُلْت) وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا مَعَ ابْنِ الْكَاتِبِ رَأَيْنَا هُنَا فِي حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَصُّهَا: سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ فَقَامَتْ الْمَرْأَةُ وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا زَوْجُهَا شَيْئًا وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ وَأَرَادَتْ الْفِرَاقَ إذَا لَمْ يَتْرُكْ لَهَا زَوْجُهَا نَفَقَةً ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ
قَالَ لَهَا: أَنَا أُؤَدِّي عَنْهُ النَّفَقَةَ، وَلَا سَبِيلَ لَكِ إلَى فِرَاقِهِ، فَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: لَهَا أَنْ تُفَارِقَ؛ لِأَنَّ الْفِرَاقَ قَدْ وَجَبَ لَهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا مَقَالَ لَهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّفَقَةِ الَّذِي أَوْجَبَ لَهَا الْقِيَامَ قَدْ انْتَفَى.
(قُلْت) وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ الْمُنَاصَفِ إلَى هَذَا فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: قِيَامُ الزَّوْجَةِ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِتَرْجِعَ بِمَا تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَفَائِدَتُهُ قَبُولُ قَوْلِهَا مِنْ حِينِ الدَّفْعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي لِتُطَلِّقَ نَفْسَهَا لِعَدَمِ الْإِنْفَاقِ، فَإِذَا أَثْبَتَتْ الزَّوْجِيَّةَ وَالْمَغِيبَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا شَيْئًا وَلَمْ يَخْلُفْ مَا يُعَدَّى فِيهِ وَلَمْ يَتَطَوَّعْ بِالنَّفَقَةِ عَنْهُ وَدَعَتْ إلَى الطَّلَاقِ إلَى آخِرِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّطَوُّعَ بِإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ يُسْقِطُ مَقَالَهَا كَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْمُدَوَّنَةُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ، انْتَهَى بِلَفْظِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ فِي مَسَائِلِ الْغَائِبِ مَا نَصُّهُ: مَمْلُوكَةٌ غَابَ سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ عَدَمَهُ فِي مِلْكِهِ لَهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ عِنْدَهَا شَيْئًا، وَلَا بَعَثَهُ إلَيْهَا، وَلَا مَالَ لَهَا تُنْفِقُهُ، وَلَا لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ فِي عِلْمِ مَنْ شَهِدَ بِذَلِكَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ بِأَمْرِ الْقَاضِي بِبَيْعِهَا وَيُقْبَضُ ثَمَنُهَا لِلْغَائِبِ وَيُوقِفُهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أُمُورٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَلَا لَهَا مَالٌ تُنْفِقُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا خَرَاجٌ عَلَيْهَا الْأَكْلُ مِنْهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ وَتَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهَا، وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ الْمُتَقَدِّمِ مَا نَصُّهُ: تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُكَلِّفَهَا أَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِثْلُهَا لِتُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَ ابْن عَتَّابٍ مِثْلَهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا، وَالْمَمْلُوكَةُ أَحْرَى، انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ.
[فَرْعٌ أُمَّ وَلَدٍ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ مَغِيبَهُ]
فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَّ وَلَدٍ غَابَ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَأَثْبَتَتْ مَغِيبَهُ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَتَلَوَّمُ لِسَيِّدِهَا الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يُنْجِزُ عِتْقَهَا عَلَى الْغَائِبِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ وَالْقُرَشِيُّ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ زِيَادٍ، وَقَالَ ابْنُ الشَّقَّاقِ وَابْنُ الْعَطَّارِ لَا تُعْتَقُ وَتَسْعَى فِي مَعَاشِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ: وَتَبْقَى حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُ سَيِّدِهَا أَوْ يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِ أَشْهَبَ إذَا عَجَزَ الرَّجُلُ عَنْ نَفَقَاتِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ أَهُنَّ بِمَنْزِلَةِ أَزْوَاجِهِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِأَمْرِهِنَّ فَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ شَهْرٌ وَنَحْوُهُ؛ فَإِنْ وَجَدَ لَهُنَّ أَدْنَى مَا يَكْفِي وَإِلَّا أُعْتِقْنَ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ، قُلْتُ لِابْنِ عَتَّابٍ هَلْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ إذَا حُكِمَ بِعِتْقِهَا، قَالَ: تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، قُلْت: وَهَلْ عَلَيْهَا يَمِينٌ أَنَّ سَيِّدَهَا لَمْ يَخْلُفْ عِنْدَهَا شَيْئًا، وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهَا شَيْئًا كَمَا يَلْزَمُ زَوْجَةُ الْغَائِبِ، قَالَ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ أَفْتَيْتُ لِطُولِ أَمَدِ الْمَغِيبِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ أُمِّ وَلَدِهِ فَقِيلَ تُزَوَّجُ وَلَا تُعْتَقُ، وَقِيلَ: تُعْتَقُ، وَكَذَا إنْ غَابَ سَيِّدُهَا وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً وَانْظُرْ تَمَامَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ: إنْ لَمْ يَكُنْ فِي خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ مَا يَكْفِيهِ فِي نَفَقَةٍ أَوْ أَعْسَرَ السَّيِّدُ بِهَا عَتَقَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا حُكْمُ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِالرَّجْعَةِ مَعَ عَدَمِ الْيَسَارِ]
ص (وَلَهُ الرَّجْعَةُ إنْ وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ يَسَارًا)
ش: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ، فَلَوْ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِالرَّجْعَةِ مَعَ عَدَمِ الْيَسَارِ كَانَتْ رَجْعَةً، قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي السُّلَيْمَانِيَّة لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ، انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ ابْنُ الْحَاجِبِ لِقَدْرِ الزَّمَانِ الَّذِي إنْ أَيْسَرَ بِهِ كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ أَيْسَرَ بِنَفَقَةِ الشَّهْرِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيِّنٍ قُوتُ نِصْفِ شَهْرٍ فَأَكْثَرَ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إذَا وَجَدَ مَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوَّلًا لَمْ يُطَلَّقْ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَتَنَزَّلَ هَذِهِ الْأَقْوَالُ عَلَى مَا إذَا ظَنَّ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مُدَاوَمَةِ النَّفَقَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْبَيَانِ: إذَا قَدَرَ أَنْ يُجْرِيَهَا مُيَاوَمَةً وَكَانَ يُجْرِيهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ كَذَلِكَ فَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ كَانَ يُجْرِيهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ مُشَاهَرَةً فَاخْتُلِفَ
فِي ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَقِيلَ: لَا، انْتَهَى
ص (وَفَرَضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: قَالَ فِيهَا يَعْنِي الْمُدَوَّنَةَ: وَلَا يُفْرَضُ عَلَى الْغَائِبِ النَّفَقَةُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُعَدَّى فِيهِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ يُعَدَّى، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: وَالِاسْتِعْدَاءُ طَلَبُ النُّصْرَةِ، وَقِيلَ: طَلَبُ الْإِعَانَةِ وَمَعْنَاهُ يُحْكَمُ، انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَقَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ مَالٌ يُعَدَّى فِيهِ لَا يَفْرِضُ الْحَاكِمُ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَلِيءٌ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُوسِرٌ فِي غَيْبَتِهِ فَرَضَ لَهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ عَلِمَ عُسْرَهُ أَوْ جَهِلَ أَمْرَهُ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَهُوَ رَسْمُ أَوَّلِ عَبْدٍ ابْتَاعَهُ، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ أَهْلِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي حِجْرِ أُمِّهِمْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، فَإِذَا قَدِمَ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ، وَهِيَ أُمُّهُمْ أَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ يَبْرَأُ بِمِثْلِ مَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ نَفَقَتِهَا إذَا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهَا إلَيْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ.؟
قَالَ حَالُهَا فِيمَا تَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا تَدَّعِي أَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا إذَا لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يَقْدُمَ لَمْ تُصَدَّقْ.
وَإِنْ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَرَضَ لَهَا وَلَهُمْ وَحَسَبَهُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَفْرِضُهُ وَكَانَ لَهَا دَيْنًا تُتْبَعُ بِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ الرَّجُلَ يَبْرَأُ مِنْ نَفَقَةِ وَلَدِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ أُمِّهِمْ بِمَا يَبْرَأُ مِنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ رَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَرَضَ لَهَا وَلَهُمْ، قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ إذَا عُرِفَ مُلَاؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مَغِيبِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْمَلَا (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ الْعُدْمِ (وَالثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مَجْهُولَةً إذَا كَانَ مَعْرُوفَ الْمَلَا؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تُفْرَضُ لَهَا عَلَيْهِ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ مِلْئِهِ فَتَتْبَعُهُ بِذَلِكَ دَيْنًا ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُنَا وَنَصُّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِيهَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ فِي فِرَاقِهِ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا فِي الْمَجْهُولِ الْحَالِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ فَتُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَا لَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ عَنْهَا عَلَى مَا مَضَى فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي رَسْمِ شَهِدَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْرُوفَ الْعُدْمِ، فَلَا يَفْرِضُ لَهَا السُّلْطَانُ إذْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْدَمِ لِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَيُفَرِّقُ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّلَوُّمِ، وَإِنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ كَتَبَ لَهَا كِتَابًا بِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَنَّهَا قَامَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ طَالِبَةً لِنَفَقَتِهَا؛ فَإِنْ قَدِمَ وَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ خَلَفَ عِنْدَهَا أَوْ بَعَثَ إلَيْهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ مِلْؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عَدَمِهِ فَقَالَ: فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ السُّلْطَانَ لَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً عَلَى زَوْجِهَا فِي مَغِيبِهِ حَتَّى يَقْدُمَ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَرَضَ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ لِمِثْلِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ إنَّهَا إنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ لَهَا السُّلْطَانُ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيئًا فِي غَيْبَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ فَرِيضَةُ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ، وَسَيَأْتِي فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الْقَوْلُ فِي فَرْضِ نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَبِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْفِيقُ اهـ كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِاخْتِصَارٍ وَنَصُّهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِيعَ وَفُرِضَ مِنْهُ.
[فَرْعٌ أَحَبَّتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفْرَضَ لَهَا النَّفَقَةُ]
(فَرْعٌ) وَإِنْ أَحَبَّتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفْرَضَ لَهَا النَّفَقَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، فَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَقْدُمَ إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ أَوْ جُهِلَ أَمْرُهُ، وَفِي الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا أَحَبَّتْ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَشْهَدَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيًّا فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ فَرِيضَةَ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ أَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُوسِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةَ مِثْلِهَا، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَتَدَايَنَ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَالَةَ الثَّالِثَةَ فَقَطْ
وَهِيَ مَا إذَا جَهِلَتْ حَالَةً فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا عُرِفَ مِلْؤُهُ أَوْ عُدْمُهُ فَنَقَلَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَحَكَى عَنْهُ فِيمَا إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ قَوْلَيْنِ وَنَصُّ كَلَامِهِ: وَفِيهَا لَا يُفْرَضُ عَلَى الْغَائِبِ النَّفَقَةُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ.
(قُلْت) ظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يُفْرَضْ، وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَلِيءٌ فِي غَيْبَتِهِ فَرَضَ لَهَا الْقَاضِي نَفَقَةَ مِثْلِهَا وَكَانَ دَيْنًا لَهَا عَلَيْهِ تُحَاصُّ بِهِ غُرَمَاءَهُ، وَإِذَا قَدِمَ أَخَذَتْهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا فِي غَيْبَتِهِ فَالْمَشْهُورُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا، وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تَدَايَنَ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا.
(قُلْت:) فَهَذَا يُؤَدِّي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُعْسِرِ.
(قُلْت:) وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ إنْ جُهِلَ مِلْؤُهُ مِنْ عُدْمِهِ فَفِيهَا لَا يَفْرِضُ لَهَا السُّلْطَانُ عَلَيْهِ نَفَقَةً حَتَّى يَقْدُمَ؛ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَرَضَ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَحَبَّتْ الصَّبْرَ أَشْهَدَ لَهَا السُّلْطَانُ إنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجُ فُلَانَةَ الْيَوْمَ مَلِيًّا فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَوْجَبْنَا لَهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةَ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا تَتَدَايَنُ عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهَا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عُلِمَ عُدْمُهُ فِي غَيْبَتِهِ وَجَعْلُهُ قَوْلًا ثَانِيًا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ الْمَذْكُورَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَوْلِ بِفَرْضِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا عُلِمَ مِلْؤُهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِهَذَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: قُلْت: هَذَا يُؤَدِّي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُعْسِرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ وَتَسْلِيمِ ابْنِ رُشْدٍ لَهُ بِمَا شَرَحَهُ بِهِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ تُفْرَضُ عَلَى الْوَالِدِ فِي غَيْبَتِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْقَوْلِ فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَأَنَّهُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِ لِيُسْتَفَادَ بِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ حُكْمُ فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ لِلزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْأَبَوَيْنِ وَنَصُّهُ: قَالَ أَصْبَغُ سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الَّذِي يَغِيبُ وَيَحْتَاجُ أَبَوَاهُ أَوْ امْرَأَتُهُ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَيَرْفَعَانِهِ إلَى السُّلْطَانِ، قَالَ يُبَاعُ مَالُهُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِنَّ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَيُؤْمَرَانِ أَنْ يَتَدَايَنَا عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهُمَا بِذَلِكَ.؟ قَالَ: أَمَّا الزَّوْجَةُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْأَبَوَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ فَأَقَرَّ لَهُمْ جَمِيعًا بِذَلِكَ غَرِمَ لِلْمَرْأَةِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ ذَلِكَ لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ مُوسِرَةً كَانَتْ أَوْ مُعْسِرَةً، وَالْمَرْأَةُ تُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ إذَا رَفَعَتْ ذَلِكَ وَكَانَ يَوْمَ أَنْفَقَتْ مُوسِرَةً وَالْأَبَوَانِ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَقَالَ أَصْبَغُ فَنَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ لَا تَجِبُ إلَّا بِفَرِيضَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ حَتَّى يَجِدَهُمَا يَسْتَحِقَّانِهَا وَيَجِدَ لَهُ مَالًا يُعَدِّيهِمَا فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: إنَّ مَالَ الْغَائِبِ يُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ هُوَ مِثْلُ مَا فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ الشُّيُوخُ يُفْتُونَ أَنَّ أُصُولَ الْغَائِبِ لَا تُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ، بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَيَتَأَوَّلُونَ الْمُرَادَ بِمَالِ الْغَائِبِ الَّذِي يُبَاعُ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ عُرُوضُهُ لَا أُصُولُهُ
وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَنَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ سُقُوطُهَا وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ سَاقِطَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُجُوبُهَا بِمَعْرِفَةِ حَيَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تُبَاعَ عَلَيْهِ أَيْضًا عُرُوضُهُ فِي مَغِيبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حِينَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَيِّتًا وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ عُرُوضَهُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ اسْتِحْسَانٌ، بِهَذَا الْمَعْنَى فَرَّقُوا أَيْضًا بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ فِي أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يُفْرَضُ لَهُمَا النَّفَقَةُ عَلَيْهِ فِي مَغِيبِهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، وَلَا يُؤْمَرَانِ أَنْ يَتَدَايَنَا عَلَيْهِ؛ فَإِنْ فَعَلَا لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيَلْزَمُ عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَوْ كَانَتْ النَّفَقَةُ قَدْ فُرِضَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَغِيبِهِ فَغَابَ وَتَرَكَ أُصُولَهُ أَنْ تُبَاعَ عَلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِمَا، وَقَوْلُهُ إنَّ الْمَرْأَةَ تُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا أَنْفَقَتْ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ إذَا كَانَ يَوْمَ أَنْفَقَتْ مُوسِرًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُحَاصُّ إلَّا فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَحْدَثِ، مِثْلُ قَوْلِ سَحْنُونٍ فِي رَسْمِ
بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ.
وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى نَقْلِ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ فَقَطْ، وَأَتَى بِهِ اسْتِشْهَادًا عَلَى مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ، وَهِيَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَلَهُ إخْوَةٌ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى إخْوَتِهِ بِمَا يَنُوبُهُمْ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُمَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَلْ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ الْإِرْثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي الْقَضَاءِ فِي مَسَائِلِ الْغَائِبِ: رَجُلٌ غَابَ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا وَأَثْبَتَ أَبُوهُ أَنَّهُ فَقِيرٌ عَدِيمٌ وَأَنَّ لَهُ دَارًا وَدَعَا أَنْ تُبَاعَ وَيُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَأَفْتَى ابْنُ عَاتٍ لَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ بِسَبَبِ الْأَبِ الطَّالِبِ لِلنَّفَقَةِ، وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَكَانَ ابْنُ مَالِكٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ قَدْ مَاتَا وَأَفْتَى غَيْرُهُ يَجِبُ بِأَنْ يَحْلِفَ الْأَبُ مَا لَهُ مَالٌ مَعْلُومٌ وَأَنَّهُ لَفَقِيرٌ عَدِيمٌ وَتُبَاعُ الدَّارُ وَيُنْفَقُ مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى الْأَبِ وَزَوْجَتِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَمِينُ الْأَبِ فِي هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ أَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ أَفْتَى بِهَذَا ثُمَّ تَكَلَّمْتُ فِيهَا مَعَ ابْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ لِي: هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ كُلُّهَا خَطَأٌ، وَلَا نَفَقَةَ لِلْأَبِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ حَيَاةِ الِابْنِ وَبِتَيَقُّنِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا أَوْ مِدْيَانًا.
قَالَ: وَلَا حُجَّةَ بِمَا فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ إيجَابَةِ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ مَنْ فُقِدَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَبَنِيهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانَتْ لَزِمَتْ الْمَفْقُودَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، فَلَا تَرْتَفِعُ عَنْهُ إلَّا بِصِحَّةِ وَفَاتِهِ، وَلَوْ بَاعَ الْحَاكِمُ دَارَ الْغَائِبِ قَبْلَ صِحَّةِ حَيَاتِهِ وَأَنْفَقَ عَلَى الْأَبِ ثَمَنَهَا لَزِمَهُ الْغُرْمُ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَإِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُكْرَى الدَّارَ وَيُعْطَى لِلْأَبِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ اسْتِحْبَابًا عَلَى سَبِيلِ السَّلَفِ وَيَخُصُّ ذَلِكَ بِالتَّسْجِيلِ اهـ، وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَنْكِحَةِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ يَعْنِي كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ فَأَجَابَ إنَّمَا حَكَى ذَلِكَ يَعْنِي ابْنَ سَهْلٍ عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَتَّابٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ قَدْ كَانَتْ سَاقِطَةً عَنْهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَهُمَا حَتَّى يَطْلُبَاهُ بِهَا، فَإِذَا غَابَ عَنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُمَا عَلَيْهِ فِي مَغِيبِهِ، وَتُبَاعُ عَلَيْهِ فِيهَا أُصُولُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَدْ مَاتَ أَوْ قَدْ اسْتَدَانَ مِنْ الدُّيُونِ مَا يَسْتَغْرِقُهَا أَوْ يَكُونَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ نَفَقَتِهِمَا، وَذَلِكَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ سَاقِطَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُجُوبُهَا بِمَعْرِفَةِ حَيَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ حَتَّى يُعْلَمَ سُقُوطُهَا بِمَعْرِفَةِ مَوْتِهِ أَوْ اسْتِغْرَاقُ ذِمَّتِهِ بِالدُّيُونِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ يَجْرِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ، مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ أَوْ شَاكًّا فِي الْغُرُوبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَهُ، وَبَيْنَ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَفْقُودِ يَمُوتُ بَعْضُ وَلَدِهِ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ أَنْ يُفْقَدَ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ يُعْتَقَ بَعْدَ أَنْ فُقِدَ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْحَاكِمَ يَضْمَنُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَتَّابٍ قَدْ قَالَهُ فَإِنَّمَا قَالَهُ انْحِرَافًا لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَفْتَى بِبَيْعِ أُصُولِ الْغَائِبِ فِي نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ شُذُوذٌ خَارِجٌ عَنْ الْأُصُولِ وَمَا فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْهَا وَسَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ بَيْعِ مَالِ الْغَائِبِ وَنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْأُصُولِ اسْتِحْسَانًا أَيْضًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ لَا يُنْفَقَ عَلَيْهِمَا فِي مَغِيبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ أَوْ قَدْ اسْتَدَانَ مِنْ الدُّيُونِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالُوا إنَّ الْغَائِبَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ النَّاضِّ الزَّكَاةُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ وَابْنِ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ هُوَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْحُكْمَيْنِ بِأَسْطُرٍ
وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَنَفَقَةَ الْأَوْلَادِ وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ: وَيُعَدَّى عَلَى الْغَائِبِ فِي بَيْعِ مَالِهِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ، وَسُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَمَّنْ أَثْبَتَتْ غَيْبَةَ زَوْجِهَا وَعَدَمَ نَفَقَتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ سِوَى رَبْعٍ وَأُمِرَتْ بِالْيَمِينِ فَحَلَفَتْ وَنُودِيَ عَلَى الرَّبْعِ وَاسْتَقَرَّ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ، فَهَلْ يُعَدَّى لَهَا بِالنَّفَقَةِ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ أَوْ مِنْ الْحُكْمِ بِالْبَيْعِ.؟ فَأَجَابَ الْإِعْدَاءُ بِالنَّفَقَةِ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ لَا مِنْ يَوْمِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ، انْتَهَى.
وَكَرَّرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَالَ عَقِيبَهَا: قُلْت: تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُفْرَضُ لَهَا مِمَّا ذَكَرْتُ أَنَّهُ بِيَدِهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، انْتَهَى.
ص (وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ)
ش: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يَحْتَجْ لِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَسَحْنُونٌ إنَّهُ لَا يَقْضِي لَهَا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقِرُّ لِلْغَائِبِ بِالدَّيْنِ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ خِلْطَةً ثُمَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: إذَا أَرَادَ الْمُوَثِّقُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ هَذَا فَيَكْتُبْ أُقِرُّ لِفُلَانٍ بِدَيْنٍ بِغَيْرِ مَحْضَرِهِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهِ عَلَى إثْبَاتِ فُصُولِ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ بِالدَّيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَنَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: أَقَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ تَدَّعِي عَلَيْهِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ لِلْغَائِبِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ حَاضِرٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَتْ الْعَقْدَ الْمَكْتُوبَ عَلَى الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ فَحَضَرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، وَأَثْبَتَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ غَيْبَةَ غَرِيمِهَا فَأَفْتَى ابْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَتَّابٍ أَنَّ إقْرَارَ غَرِيمِ الْغَائِبِ لَا يُكْتَفَى بِهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُ الْمَرْأَةَ الْقَائِمَةَ بِإِثْبَاتِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَمْرُهَا بِالْحَلِفِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَحْلِفَ وَيَتَقَاضَى يَمِينَهَا مِنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ أَمَرَ غَرِيمَ الْغَائِبِ بِإِحْضَارِ مَا عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ حَقَّهَا وَتُرْجَى الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ، انْتَهَى.
وَمَا أَفْتَيَا بِهِ وَنُقِلَ عَنْ سَحْنُونٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِيعَتْ دَارُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفُرِضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ التَّفْلِيسِ: يَجِبُ عَلَى مَنْ قَامَ عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ إثْبَاتُ الدَّيْنِ، وَمِلْكُ الْغَائِبِ وَحِيَازَتُهُ عَنْ أَمْرِ الْقَاضِي وَثُبُوتُ الْحِيَازَةِ عِنْدَهُ وَغَيْبَةُ الْمَطْلُوبِ وَأَنَّهُ بَعِيدٌ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ ثُمَّ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ دَيْنَهُ، ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِبَيْعِ الْمِلْكِ وَيَقْضِي دَيْنَهُ وَتُرْجَى الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، فَإِذَا قَدِمَ وَأَثْبَتَ أَنَّهُ قَضَاهُ، فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِ مَبِيعِ الْمِلْكِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الطَّالِبِ بِمَا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ، وَحَكَى التُّونُسِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ يُنْقَضُ الْبَيْعُ وَيُدْفَعُ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي، وَفِي الْعِتْقِ مِنْ الْوَاضِحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أُعْتِقَ لَهُ شِرْكًا فِي عَبْدٍ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ.
(قُلْت:) وَمِثْلُ الْأَوَّلِ لِلَّخْمِيّ فِي كِتَابِ التَّخْيِيرِ، قَالَ يَنْفُذُ الْبَيْعُ إذَا فَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ إلَّا عَلَى الذِّمَّةِ، وَفِي الطُّرَرِ إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ دَفَعَ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ التَّصْدِيقُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الدَّفْعِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الرَّاهِنُ لَقَدْ
أَوْفَاهُ وَسَقَطَ الدَّيْنُ وَنَفَذَ الْبَيْعُ، وَيَدْفَعُ الْمُرْتَهِنُ الثَّمَنَ إلَى الرَّاهِنِ، وَإِنْ اشْتَرَطَ التَّصْدِيقَ فِي الْعَقْدِ فَلَهُ شَرْطُهُ وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ، قَالَهُ ابْنُ فَتْحُونٍ، قَالَ، وَهُوَ مِثْلُ مَا ذَكَرَ التُّونُسِيُّ وَخِلَافُهُ مَا ذَكَرَ اللَّخْمِيّ، انْتَهَى.
ص (وَإِنْ تَنَازَعَا فِي عُسْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ اُعْتُبِرَ حَالُ قُدُومِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ تَنَازَعَا فِي عُسْرِهِ فِي الْغَيْبَةِ، وَلَا بَيِّنَةَ فَثَالِثُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ قَدِمَ مُعْسِرًا صُدِّقَ وَإِلَّا صُدِّقَتْ، انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَانْظُرْ رَسْمَ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ تَنَازَعَ الزَّوْجَيْنِ فِي إرْسَالِ النَّفَقَةِ]
ص (وَفِي إرْسَالِهَا بِالْقَوْلِ قَوْلُهَا إنْ رَفَعَتْ مِنْ يَوْمَئِذٍ لِحَاكِمٍ)
ش: يَعْنِي وَإِنْ تَنَازَعَا فِي إرْسَالِ النَّفَقَةِ؛ فَإِنْ رَفَعَتْ الْمَرْأَةُ أَمْرَهَا لِحَاكِمٍ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مِنْ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ الثَّالِثُ يَعْنِي مِنْ الْأَقْوَالِ الْمَشْهُورَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: إنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الْكِسْوَةِ حُكْمُ النَّفَقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَهَذَا فِيمَنْ هِيَ فِي الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى.
ص (لَا لِعُدُولٍ وَجِيرَانٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ قُضَاةِ بَلَدِنَا أَنَّ الرَّفْعَ إلَى الْعُدُولِ كَالرَّفْعِ إلَى السُّلْطَانِ، وَالرَّفْعَ إلَى الْجِيرَانِ لَغْوٌ.
ص (كَالْحَاضِرِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مُطْلَقًا.
ص (وَحَلَفَ لَقَدْ قَبَضْتهَا)
ش: رَاجِعٌ إلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَيَعْتَمِدُ فِي يَمِينِهِ عَلَى كِتَابِهَا أَوْ رَسُولِهَا، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِلْعُرْفِ حَكَى فِي الْبَيَانِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْيَمِينِ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْكَافِي، وَفِي الطُّرَرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا يُصَدَّقُ الرَّجُلُ أَنَّهُ دَفَعَ النَّفَقَةَ إذَا ادَّعَى بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا أَوْ كَانَ يَدْفَعُ إلَيْهَا نَفَقَتَهَا أَوْ مَا تُنْفِقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَوْ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا مِائَةَ دِينَارٍ عَنْ نَفَقَتِهَا فِيمَا مَضَى وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ فَلَا
يُصَدَّقُ إجْمَاعًا، وَحَكَى ابْنُ زَرْبٍ خِلَافَهُ وَخَطَّأَهُ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
ص (وَفِيمَا فَرَضَهُ فَقَوْلُهُ إنْ أَشْبَهَ وَإِلَّا فَقَوْلُهَا إنْ أَشْبَهَ)
ش: فَاعِلُ فَرَضَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْحَاكِمِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمُهَا هُوَ الْفَارِضُ أَوْ حَاكِمُ غَيْرِهِ، كَذَا ارْتَضَاهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا فِيمَا مَضَى، وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ فَالْحُكْمُ فِيهِ اسْتِئْنَافُ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرِ قَوْلِ مُدَّعِي الْأَشْبَهِ أَوْ هَذَا الْحُكْمُ مُطْلَقًا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَفِي حَلِفِ مُدَّعِي الْأَشْبَهِ تَأْوِيلَانِ)
ش: التَّأْوِيلُ بِلُزُومِ الْيَمِينِ رَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا بِأَنَّ الْحَاكِمَ فَرَضَ بَيْنَهُمَا كَذَا وَكَذَا فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، هَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ الثَّانِي ابْنُ رُشْدٍ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[فَصْلٌ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمِلْكِ]
ص (فَصْلٌ إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى وَإِلَّا بِيعَ)
ش: الْحَصْرُ رَاجِعٌ إلَى النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمِلْكِ، وَقَوْلُهُ: تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ يُرِيدُ وَكِسْوَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَهُ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَنَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ الْعَبْدُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» قِيلَ لِمَالِكٍ أَفَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ عَلَى مَالِكِهِ وَلَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ.؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُونَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ الْمُوَطَّإِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَى بِالْمَعْرُوفِ أَيْ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا إقْتَارٍ عَلَى قَدْرِ سَعَةِ السَّيِّدِ، وَمَا يُشْبِهُ حَالَ الْعَبْدِ أَيْضًا، فَلَيْسَ الْوَغْدُ الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ لِلْخِدْمَةِ وَالْحَرْثِ كَالنَّبِيلِ التَّاجِرِ الْفَارِهِ فِيمَا يَجِبُ لَهُمَا عَلَى سَيِّدِهِمَا مِنْ الْكِسْوَةِ سَوَاءً، وَيُقْضَى لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ إنْ قَصَّرَ عَمَّا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي نَحْرِ نَاقَةِ الْمُزَنِيِّ يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ لَا يُجِيعَ رَقِيقَهُ عَنْ شِبَعِهِمْ الْوَسَطِ أَوْ يَبِيعَهُمْ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْمَعْرُوفِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ الرَّجُلَ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ مِنْهُمَا عَلَى الرَّغْبَةِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ لَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا إذْ لَمْ يَقُلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
أَطْعِمُوهُمْ مِثْلَ مَا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِثْلَ مَا تَكْتَسُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِمَّا تَأْكُلُونَ وَمِمَّا تَلْبَسُونَ، فَإِذَا أَطْعَمَهُ وَكَسَاهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ بَعْضِ مَا يَأْكُلُ مِنْ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ وَيَلْبَسُ مِنْ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي مَطْعَمِهِ وَمَلْبَسِهِ، وَامْتَثَلَ بِذَلِكَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَإِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ مَلْبَسُهُ مِثْلَ مَلْبَسِهِ وَمَطْعَمُهُ مِثْلَ مَطْعَمِهِ سَوَاءٌ فَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْآثَارُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهَا تَعَارُضٌ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ أَيَصْلُحُ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ مِنْ طَعَامٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ عِيَالُهُ وَرَقِيقُهُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا لَا يَكْسُوهُمْ مِثْلَهَا، قَالَ إي وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ الْقُوتُ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَدَوَابِّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى يُرِيدُ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَرْعَى يَكْفِيهَا، قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَيَجِبُ عَلَى رَبِّ الدَّوَابِّ عَلَفُهَا أَوْ رَعْيُهَا إنْ كَانَ فِي رَعْيِهَا مَا يَقُومُ بِهَا، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَرْعَى يَكْفِيهَا؛ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْعَاهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مَا يُخَالِفُهُ وَنَاقَشَهُ فِي ذَلِكَ وَاسْتَصْوَبَ مَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَصْلِهِ وَمُنَاقَشَةَ ابْنِ عَرَفَةَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْعَبْدِ: وَيُقْضَى لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ إنْ قَصَّرَ عَمَّا يَجِبُ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي مَطْعَمِهِ وَمَلْبَسِهِ، بِخِلَافِ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ الْبَهَائِمِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ عَنْهَا، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِعَلَفِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الرَّجُلِ بِعَلَفِ دَابَّتِهِ كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ عَبْدِهِ لِمَا جَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ حَائِطَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَّ لَهُ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرْوَهُ وَذِفْرَيْهِ حَتَّى سَكَنَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ» وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا فَكَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ يُقْضَى لَهُ، وَالدَّابَّةُ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَقٌّ، وَلَا يَلْزَمُهَا جِنَايَةٌ فَكَمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهَا لَا يُقْضَى لَهَا، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ بِلَفْظِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِرُمَّتِهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْت: تَعَذُّرُ شَكْوَى الدَّابَّةِ يُوجِبُ أَحْرَوِيَّةَ الْقَضَاءِ لَهَا، وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي الْعَبْدِ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَعْلِفَ دَابَّتَهُ أَوْ يَرْعَاهَا إنْ كَانَ فِي رَعْيِهَا مَا يَكْفِيهَا أَوْ يَبِيعَهَا أَوْ يَذْبَحَ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ، وَلَا يُتْرَكُ يُعَذِّبُهَا بِالْجُوعِ، قُلْت: وَلَازِمُ هَذَا الْقَضَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَتَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ وَاجِبُ الْقَضَاءِ بِهِ، وَهَذَا أَصْوَبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَوْلُهُ: مَسَحَ سَرْوَهُ أَيْ ظَهْرَهُ (الْجَوْهَرِيُّ) سَرَاةُ كُلِّ شَيْءٍ ظَهْرُهُ وَوَسَطُهُ، وَالْجَمْعُ سَرَوَاتٌ، وَالذَّفَرُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (الْجَوْهَرِيُّ) هُوَ الْمَوْضِعُ خَلْفَ أُذُنِ الْبَعِيرِ أَوَّلُ مَا يَعْرَقُ مِنْهُ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ وَإِلَّا بِيعَ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَى رَقِيقِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُبَاعُونَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ إلَّا الْحَيَوَانَ الْمَأْكُولَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الذَّبْحِ وَالْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي عُمَرَ، وَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَنَصُّ الْجَوَاهِرِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: فَإِنْ أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَلَفُ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْ أُمِرَ بِأَنْ يَذْبَحَهَا أَوْ يَبِيعَهَا إنْ كَانَتْ يَجُوزُ أَكْلُهَا، وَلَا يُتْرَكُ وَتَعْذِيبَهَا بِالْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ كَالْمُشْتَرَكِ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ كَالْقِنِّ، وَالْمُخْدِمُ الْمَشْهُورُ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ، وَقِيلَ: عَلَى سَيِّدِهِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ يَسِيرَةً فَعَلَى السَّيِّدِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اُخْتُلِفَ فِي الْأَمَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ تَكُونُ حَامِلًا مِمَّنْ
اُسْتُحِقَّتْ مِنْهُ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ نَفَقَتُهَا عَلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بَلْ هِيَ عَلَى مَنْ هِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، وَقَوْلُ يَحْيَى هَذَا جَيِّدٌ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ حُرٌّ.
(قُلْتُ:) الْأَظْهَرُ إنْ كَانَ فِي خِدْمَتِهَا قَدْرُ نَفَقَتِهَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفَ بْنُ عُمَرَ مَنْ كَانَ لَهُ شَجَرٌ ضَيَّعَهَا بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ فِيهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُ مَأْثُومٌ وَلَمْ نَسْمَعْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِبَيْعِ ذَلِكَ إذَا فَرَّطَ فِيهِ، انْتَهَى.
وَقَالَهُ الْجُزُولِيُّ أَيْضًا وَزَادَ: وَيُقَالُ لَهُ ادْفَعْهَا لِمَنْ يَخْدُمُهَا مُسَاقَاةً لِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ كَمَا يُبَاعُ عَلَيْهِ رَقِيقُهُ وَدَوَابُّهُ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ يُبَاعُونَ عَلَيْهِ إذَا كَلَّفَهُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَقَوْلُهُ مَا لَا يُطِيقُ يُرِيدُ مَا لَا يُطِيقُهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْمُعْتَادِ لَا مَا لَا يُطِيقُهُ أَصْلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَا يُكَلَّفُ الْعَبْدُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا صَنْعَةَ لَهُ الْخَرَاجَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يَخْدُمُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَسْرِقَ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ تَسْعَى بِفَرْجِهَا، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُثْمَانَ كَذَا قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَقَالَ أَيْضًا: وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَبْدَهُ لِلطَّحْنِ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: إذَا كَانَ يَخْدُمُ بِالنَّهَارِ، فَلَا يَنْبَغِي لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقِيمَهُ بِاللَّيْلِ لِيَطْحَنَ إلَّا الشَّيْءَ الْخَفِيفَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْدُمُ بِالنَّهَارِ يَجُوزُ ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ لَا يَخْدُمُ بِاللَّيْلِ إلَّا مَا خَفَّ مِنْ الْأَعْمَالِ، انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْأَجِيرِ يُفْسَخُ إجَارَتُهُ فِي غَيْرِهَا، وَنَصُّهَا: وَمَنْ أَجَّرَ أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مِنْ خِدْمَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَمُنَاوَلَتِهِ إيَّاهُ ثَوْبَهُ أَوْ الْمَاءَ فِي لَيْلَةٍ، وَلَيْسَ مِمَّا يَمْنَعُهُ النَّوْمَ إلَّا فِي أَمْرٍ يُفْرَضُ مَرَّةً بَعْدَ الْمَرَّةِ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ بَعْضَ لَيْلَةٍ، كَمَا لَا يَنْبَغِي لِأَرْبَابِ الْعَبِيدِ إجْهَادُهُمْ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ فِي نَهَارِهِ مَا يُجْهِدُهُ، فَلَا يُسْتَطْحَنُ فِي لَيْلَةٍ إلَّا أَنْ يَخِفَّ عَمَلُ نَهَارِهِ فَلْيَسْتَطْحِنْهُ لَيْلَهُ إنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ إقْدَاحٍ، وَيُكْرَهُ مَا أَجْهَدَ أَوْ قَلَّ مِنْهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: لَا يَتَعَيَّنُ مَا يُضْرَبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ خَرَاجٍ، بَلْ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: كَتَكْلِيفِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمَمْلُوكِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَرْعٌ إذَا تَبَيَّنَ ضَرَرُهُ بِعَبْدِهِ فِي تَجْوِيعِهِ وَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِيعَ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ هُوَ نَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِعْفَافُهُ بِزَوْجَةٍ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ غَائِبًا حُكْمُ مَا إذَا أَعْسَرَ السَّيِّدُ بِنَفَقَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ أَوْ غَابَ وَتَرَكَهُمْ، وَأَمَّا إنْ أَضَرَّ بِهِمْ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ، وَقَالَ يَعْنِي أَشْهَبَ فِي مُدَبَّرٍ أَضَرَّ بِهِ سَيِّدُهُ وَيُؤَدِّبُهُ، قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ وَيُؤَاجَرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ إنَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَيْهِ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ فِي ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ، وَنَصُّهَا: وَسُئِلَ يَعْنِي أَشْهَبَ عَنْ الْمُدَبَّرِ يُضِرُّ بِهِ سَيِّدُهُ وَيُؤَدِّبُهُ، قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ وَيُؤَاجَرُ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يُبَاعُ عَلَى حَالٍ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا تَنْقُضُ الضَّرُورَةُ التَّدْبِيرَ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى مُدَبَّرِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ أَنَّهُ يُؤَاجَرُ، وَلَا يُبَاعُ كَمَا يُبَاعُ عَلَيْهِ عَبْدُهُ إذَا أَسْلَمَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلِ مِثْلِهِ وَانْظُرْ أُمَّ الْوَلَدِ هَلْ تُؤَاجَرُ أَوْ تُعْتَقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الدَّوَابُّ فَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ التَّعَالُجِ: وَيُرْتَفَقُ بِالْمَمْلُوكِ: وَالرِّفْقُ بِسَائِرِ الْحَيَوَانِ أَيْضًا مَطْلُوبٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَمِّلَ دَابَّتَهُ مَا لَا تُطِيقُ، وَلَا يُعَرِّيَ ظَهْرَهَا؛ فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّ الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إنْ لَمْ تَقُمْ بِحَقِّهَا وَإِلَّا تُبَاعُ عَلَيْكَ اهـ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْجَوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَا يُتْرَكُ وَتَعْذِيبَهَا بِالْجُوعِ وَنَحْوِهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ فِي
الْوَجْهِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَيَجُوزُ رُكُوبُهَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي الْبَقَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي رُكُوبِهَا هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا.؟ قَوْلَانِ (الشَّيْخُ) وَإِنَّمَا كَرِهَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا لَمَّا رَأَى بَعْضَ النَّاسِ حَمَلَ عَلَى بَقَرَةٍ فَقَالَتْ لَهُ: أَلِهَذَا خُلِقْت اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الزَّنَاتِيُّ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ لِسَيِّدِهِ يَا سَيِّدِي وَيَا مَوْلَايَ، وَلَا يَقُولُ رَبِّي اهـ
ص (وَبِالْقَرَابَةِ عَلَى الْمُوسِرِ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ)
ش: يُرِيدُ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ كَانَ هُوَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى سَوَاءٌ رَضِيَ الزَّوْجُ أَوْ أَبَى، قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْحُكْمَيْنِ بِأَسْطُرٍ، وَيَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمَلِيءَ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، وَالْوَلَدُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى كَانَتْ الْبِنْتُ مُتَزَوِّجَةً أَمْ لَا وَأَنْكَرَ زَوْجُ الِابْنَةِ اهـ. وَقَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرَوَى ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَجِبُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ لِفَقْرِهِ عَلَى وَلَدِهِ لِيُسْرِهِ، وَالْكُفْرُ وَالصِّحَّةُ وَالصِّغَرُ وَزَوْجُ الْبِنْتِ وَزَوْجُ الْأُمِّ الْفَقِيرُ لَغْوٌ ابْنُ حَارِثٍ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ لَا نَفَقَةَ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ الْمُتَيْطِيُّ بِالْأَوَّلِ الْعَمَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ اهـ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) فَإِنْ كَانَ لِلْوَالِدِ مَالٌ فَوَهَبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ طَلَبَ الِابْنَ بِالنَّفَقَةِ فَلِلْوَالِدِ أَنْ يَرُدَّ فِعْلَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى أَحَدِ وَلَدَيْهِ لَكَانَ لِلْوَلَدِ الْآخَرِ أَنْ يَرُدَّ فِعْلَهُ، قَالَهُ اللَّخْمِيّ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيّ وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ صَنْعَةٌ تَكْفِيهِ وَزَوْجَتُهُ جُبِرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَفَتْ بَعْضُ نَفَقَتِهِ أَكْمَلَهَا وَلَدُهُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ تَلْزَمُ الْوَلَدَ، وَلَوْ قَوِيَا عَلَى الْعَمَلِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَهُمَا: قُلْت: قَوْلَا اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيِّ كَالْقَوْلَيْنِ فِي الْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْعَمَلِ هَلْ يُعْطَى الزَّكَاةَ أَمْ لَا اهـ. وَاقْتَصَرَ فِي الْجَوَاهِرِ عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيّ فَقَالَ فِي نَفَقَةِ الْقَرَابَةِ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحَقِّ الْفَقْرُ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّكَسُّبِ وَيُخْتَصُّ الْأَوْلَادُ بِزِيَادَةِ شَرْطِ الصِّغَرِ اهـ. وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ قِيَاسًا عَلَى الْوَالِدِ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ الْعَجْزُ عَنْ التَّكَسُّبِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مَنْ اسْتَلْحَقَهُ رَجُلَانِ وَأَنْفَقَا عَلَيْهِ حَتَّى كَبُرَ ثُمَّ افْتَقَرَ أَلَزِمَهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ يَقْتَسِمَانِهَا، وَإِنْ افْتَقَرَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ نِصْفُ ذَلِكَ اهـ.
ص (وَأَثْبَتَا الْعُدْمَ بِلَا يَمِينٍ)
ش: لَوْ قَالَ: وَلَا يَمِينَ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَالْأَوَّلُ صَوَابٌ، وَتَرَدَّدَ ابْنُ رُشْدٍ فِي لُحُوقِ الْيَمِينِ، وَاسْتَظْهَرَ الْحُكْمَ بِوُجُوبِهَا، ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ الِابْنُ إنْ طُولِبَ بِالنَّفَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَلْءِ أَوْ الْعُدْمِ قَوْلَانِ) ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفَرَضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ فِي قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ هُنَاكَ فَنَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ لَا تَجِبُ إلَّا بِفَرِيضَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ حَتَّى يَجِدَهُمَا يَسْتَحِقَّانِهَا وَيَجِدَ لَهُمَا مَا لَا يُعَدِّيهِمَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا، وَقَوْلُهُ: وَيَجِدَ لَهُمَا مَا لَا يُعَدِّيهِمَا فِيهِ مِثْلُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُدْمِ حَتَّى يَثْبُتَ مُلَاؤُهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْهِنْدِيِّ خِلَافَ مَا ذَهَبَ
إلَيْهِ ابْنُ الْعَطَّارِ اهـ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيِّ إثْرَ نَقْلِهِ الْقَوْلَيْنِ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ سِوَاهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَى الِابْنِ الْمُدَّعِي الْعُدْمَ إثْبَاتُ عُدْمِهِ لِحَقِّ أَخِيهِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِعْفَافُهُ بِزَوْجَةٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعِدَّةِ لَا يُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى إحْجَاجِ أَبِيهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي وَعَلَى الْفَوْرِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ لِغُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْوَلَدُ فَقَالَ: اللَّخْمِيّ وَقَوْلُ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى الْأَبِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَةِ وَلَدِهِ وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى زَوْجَةِ الْأَبِ أَنَّ عَلَى الِابْنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الِابْنَ أَحْوَجُ إلَى الزَّوْجَةِ مِنْهُ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْت: يَرُدُّ بِأَنَّ نَفَقَةَ الِابْنِ تَسْقُطُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ فُرِضَ كَوْنُهُ بَلَغَ زَمِنًا فَالزَّمَانَةُ مَظِنَّةُ عَدَمِ الْحَاجَةِ لِلزَّوْجَةِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ إذَا شَكَيَا الْعُزْبَةَ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ النِّكَاحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَجَبْرُ الْمَالِكِ عَبْدًا وَأَمَةً بِلَا إضْرَارٍ لَا عَكْسَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا تَتَعَدَّدُ إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ) ش فَأَحْرَى إنْ لَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّف لَوْ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقَتِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيّ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ وَنَفَقَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ فَدَعَا الْأَبُ لِلَّتِي نَفَقَتُهَا أَكْثَرُ وَخَالَفَ الْوَلَدُ، فَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا، وَمُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَبِ إنْ كَانَتْ مِنْ مَنَاكِحِهِ اهـ.
ص (وَهَلْ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ الْإِرْثِ أَوْ الْيَسَارِ أَقْوَالٌ)
ش: ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا عَلَى قَدْرِ الْمَلَأِ فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْدَمِ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى إخْوَتِهِ الْأَمْلِيَاءِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَ لَيْسَ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُحْمَلُ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى التَّطَوُّعِ، بَلْ لَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى إخْوَتِهِ بِمَنَابِهِمْ لَمَا وَجَبَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ حَتَّى يُطْلَبُوا بِهَا، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ.
(قُلْت:) وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ: مَنْ يَغِيبُ وَيَحْتَاجُ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ، وَلَا مَالَ لَهُ خَاصٌّ أَيُؤْمَرُ أَنْ يَتَدَايَنُوا عَلَيْهِ وَيَقْضِي لَهُمْ بِذَلِكَ، قَالَ أَمَّا الزَّوْجَةُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْأَبَوَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ حَتَّى يَقْدُمَ فَيُقِرُّ لَهُمْ غَرِمَ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلْأَبَوَيْنِ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ إذَا أَنْفَقُوا ثُمَّ طَلَبُوا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَنْفَقُوا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَيَقُومُ مِنْ هُنَا مِثْلُ مَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ فِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ وَلَهُ إخْوَةٌ، فَأَرَادَا الرُّجُوعَ عَلَى إخْوَتِهِ بِمَا يَنُوبُهُمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَشْهَدَ، إذْ لَا تَجِبُ لِلْأَبِ النَّفَقَةُ حَتَّى يَبْتَغِيَهَا اهـ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لِأَنَّهَا سَاقِطَةٌ عَنْهُمْ حَتَّى يُطْلَبُوا بِهَا اُنْظُرْ لَوْ طُلِبُوا بِهَا وَفَرَضَهَا الْحَاكِمُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَيَحْلِفُ وَيَرْجِعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ
ص (وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَالْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ زَوْجُهَا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ بِالْقَرَابَةِ أَيْضًا عَلَى الْأَبِ الْحُرِّ إذَا كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ
وَقُوتِ زَوْجَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا كَسْبٌ بِصَنْعَةٍ لَا تَلْحَقُهُ فِيهَا مَعَرَّةٌ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ صَنْعَةٌ لَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ الْوَلَدُ أَوْ تَكْسُدُ صَنْعَتُهُ فَتَعُودُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِفَايَةٌ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ التَّكْمِيلُ وَتَسْتَمِرُّ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ أَوْ يَحْدُثَ لَهُ مَالٌ أَوْ صَنْعَةٌ، وَحُكْمُ الْأُنْثَى كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهَا تَسْتَمِرُّ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا يُرِيدُ أَوْ يُدْعَى إلَى الدُّخُولِ، وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَهُوَ بَالِغٌ، وَلَوْ قَالَ: حَتَّى تَجِبَ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ كَمَا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: السَّبَبُ الثَّانِي الْقَرَابَةُ وَالْمُسْتَحِقُّ بِهَا أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَانِ، وَلَا يَتَعَدَّى الِاسْتِحْقَاقُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ، وَلَا لِلْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحِقِّ فَقْرُهُ وَعَجْزُهُ عَنْ التَّكَسُّبِ، وَيَخْتَصُّ الْأَوْلَادُ بِشَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الصِّغَرُ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ يُسْرُهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى حَاجَتِهِ، وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ عَبْدُهُ وَعَقَارُهُ إذَا لَمْ يَفْضُلَا عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْكَسْبُ لِأَجْلِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الدِّينِ بَلْ يُنْفِقُ الْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ وَالْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَتَسْتَمِرُّ النَّفَقَةُ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِحُدُوثِ مَالٍ، وَفِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ لِبُلُوغِهِ صَحِيحًا، وَفِي الْأُنْثَى حَتَّى تَتَزَوَّجَ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا، فَمَنْ بَلَغَ وَبِهِ زَمَانَةٌ تَمْنَعُهُ السَّعْيَ لَمْ تَسْقُطْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: تَسْقُطُ، انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحِقِّ عَجْزُهُ عَنْ التَّكَسُّبِ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقَدَّمَا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَقَدَرَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجَةِ، فَلَا إدْرَاكَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ النِّكَاحِ وَزَادَ عَنْ الْقَابِسِيِّ، وَالْوَلَدُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الَّذِي يَرْضَعُ فَعَلَى أُمِّهِ رَضَاعُهُ فِي عُسْرِ أَبِيهِ مَعَ قِيَامِهِ بِنَفَقَتِهَا، انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ لِابْنِ رُشْدٍ، وَفِيهِ أَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ كُنَّ أَحَقَّ مِنْ وَالِدَتِهِ وَوَلَدِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ نَفَقَةُ الْأَبِ فِيمَا فَضَلَ لِلْوَلَدِ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ وَلَدٌ فَقِيلَ: يَتَحَاصُّ الْجَدُّ وَوَلَدُ الْوَلَدِ، وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: يَبْدَأُ الِابْنُ وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ الِابْنُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَهْتَدِي لِنَفْعِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ صَحِيحًا أَوْ زَمِنًا، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا تَرَجَّحَ الْقَوْلَانِ، وَكَذَا الْوَلَدُ أَنْ يَبْدَأَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْأُنْثَى عَلَى الذِّكْرِ، وَكَذَا الْأَبَوَانِ تَبْدَأُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ أَيْضًا، وَفِي آخِرِ بَابِ النَّفَقَاتِ مِنْ التَّوْضِيحِ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ اللَّخْمِيّ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ رَشَّدَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا بِتَرْشِيدِهِ وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
ص (وَتَسْقُطُ عَنْ الْمُوسِرِ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ إلَّا لِقَضِيَّةٍ أَوْ يُنْفِقُ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ) ش: أَيْ وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا بِمُضِيِّ الزَّمَنِ عَنْ قَرِيبِهِ، فَلَوْ تَحَيَّلَ
فِي الْإِنْفَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ لِسَدِّ الْخَلَّةِ، فَإِذَا أَنْسَدَّتْ الْخَلَّةُ زَالَ الْوُجُوبُ، وَهَذَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، فَلَا تَسْقُطُ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْقَرِيبِ فَتَسْقُطُ إلَّا لِقَضِيَّةٍ أَيْ إلَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي قَدْ فَرَضَهَا، فَلَا تَسْقُطُ وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُنْفِقُ، وَلَوْ مَضَى زَمَنُهَا أَوْ يُنْفِقُ عَلَى الْقَرِيبِ شَخْصٌ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَسْقُطُ عَنْ الْمُوسِرِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ إلَّا أَنْ يَفْرِضَهَا الْحَاكِمُ أَوْ يُنْفِقَ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ نَفَقَةَ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ كَحُكْمِ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا يُقْضَى لِلْمُنْفِقِ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا، قَالَ إلَّا أَنْ يَفْرِضَهَا فَيَقْضِي بِهَا لَهُمَا أَوْ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ لَكَانَ أَصْوَبَ.
الشَّيْخُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: إذَا رَفَعَ الْأَبَوَانِ إلَى السُّلْطَانِ فِي مَغِيبِ الِابْنِ، وَلَا مَالَ لَهُ حَاضِرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمَا أَنْ يَتَسَلَّفَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ إذْ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا إلَّا بِالْحُكْمِ، انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ إثْرَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا أَنْ يَفْرِضَهَا الْحَاكِمُ أَوْ يُنْفِقَ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ يَعْنِي إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ وَجَبَتْ بَعْدَ تَوَجُّهِ مُوجِبِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَفَرَضَهَا لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ، وَتَعَذَّرَ أَخْذُهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِغَيْبَةٍ وَشَبَهِهَا أَوْ لَمْ تَتَعَذَّرْ فَأَنْفَقَ عَلَى الْأَبِ أَوْ عَلَى الْوَلَدِ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَى التَّبَرُّعِ، بَلْ قَصَدَ الرُّجُوعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وَفَرَضَهَا الْقَاضِي عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ فِي الْأَبَوَيْنِ، وَالْوَلَدُ إذَا أَنْفَقُوا ثُمَّ طَلَبُوا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَنْفَقُوا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَقَالَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي: وَإِذَا أَنْفَقَتْ يَعْنِي الزَّوْجَةَ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ مِنْ مَالِهَا أَوْ سَلَفًا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ فَلَهَا اتِّبَاعُهُ إنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَفَقَتِهَا مُوسِرًا، فَجَمَعُوا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الزَّكَاةِ قَبْلَ فَرْضِ الْقَاضِي وَمَا فِي النِّكَاحِ بَعْدَ فَرْضِهِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ هَذَا بِرُمَّتِهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْتُ: فِي زَكَاتِهَا مِثْلُ مَا فِي نِكَاحِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيُعَدِّي الْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ بِمَا تَسَلَّفَاهُ فِي يُسْرِهِ مِنْ النَّفَقَةِ، انْتَهَى.
فَأَوَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى قَوْلِهِ: فَلَهُ الرُّجُوعُ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّ إنْفَاقَ غَيْرِ الْمُتَبَرِّعِ عَلَى الْأَبِ وَالْوَلَدِ كَانَ بَعْدَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ تَوَجُّهِ مُوجِبِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَفَرْضُهَا لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ ظَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَبِيعِ عَقَارِ الْغَائِبِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى أَبَوَيْهِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَفَرَضَ فِي مَالِ الْغَائِبِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ بَلْ قَدْ نَقَلَ هُوَ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالنِّكَاحِ أَنَّهُ يُعَدِّي الْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ بِمَا تَسَلَّفَا فِي يُسْرِهِ مِنْ النَّفَقَة.
وَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى الصَّغِيرِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُنْفِقَ عَلَى الصَّغِيرِ لَا يَرْجِعُ إلَّا إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ أَوْ لِأَبِيهِ، وَإِنْ رَأَى الْوَلَدُ كَمَالَهُ وَأَنَّ رُجُوعَهُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْفَقَ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَالَ الْيَتِيمِ أَوْ يُسْرَ الْأَبِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ زَكَاةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِي الزَّكَاةِ الْأَوَّلُ، وَفِي آخِرِ بَابِ الْمِدْيَانِ بَعْدَ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ نِكَاحِهَا الثَّانِي هُوَ فِي أَوَاخِرِهِ فِي بَابِ زَكَاةِ مَا يُبَاعُ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ، وَهُوَ نَصُّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْهَا هُوَ نَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِرُمَّتِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَهُوَ بَعْضُ كَلَامِ أَشْهَبَ وَلِتَرْكِهِ كَلَامَ الْكِتَابَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مِنْ الْأُمِّ بِلَفْظِهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ، قَالَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي: قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى وَلَدِهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ ثُمَّ طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا.
قَالَ ذَلِكَ لَهَا إنْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى أَوْلَادِهَا مِنْهُ إذَا كَانُوا صِغَارًا أَوْ جَوَارِيَ أَبْكَارًا حِضْنَ أَوْ لَمْ يَحِضْنَ وَهَذَا رَأْيِي، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ بَعْدَ قَوْلِهِ: قُلْت: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَعَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ نَفَقَةُ شَهْرٍ لِامْرَأَتِهِ قَدْ كَانَ فَرَضَهَا الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَفْرِضْهَا ثُمَّ اتَّبَعَتْهُ بِنَفَقَةِ الشَّهْرِ، وَعِنْدَ الزَّوْجِ هَذِهِ
الْعِشْرُونَ دِينَارًا فَقَالَ: تَأْخُذُ نَفَقَتَهَا، وَلَا يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ فِيهَا زَكَاةٌ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي وَصَفْت لَكَ إنَّمَا هِيَ نَفَقَةُ وَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ، فَقَالَ: لَا تَكُونُ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ دَيْنًا أَبْطَلَ بِهِ الزَّكَاةَ عَنْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدَ إنَّمَا تَلْزَمُ النَّفَقَةُ لَهُمْ إذَا اتَّبَعُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْفَقُوا ثُمَّ طَلَبُوهُ بِمَا أَنْفَقُوا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَنْفَقُوا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا تَلْزَمُهُ مَا أَنْفَقَتْ قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهُ بِالنَّفَقَةِ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَدْ فَرَضَ لِلْأَبَوَيْنِ نَفَقَةً مَعْلُومَةً فَلَمْ يُعْطِهِمْ ذَلِكَ شَهْرًا، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَا عِنْدَ الرَّجُلِ بَعْدَ هَذَا الشَّهْرِ أَتَجْعَلُ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ هَاهُنَا دَيْنًا فِيمَا فِي يَدَيْهِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي.؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ أَحُطُّ بِهِ عَنْهُ الزَّكَاةَ وَأُلْزِمُهُ ذَلِكَ إذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهُمَا إنَّمَا تَكُونُ إذَا طَلَبَا ذَلِكَ، وَلَا يُشْبِهَانِ الْوَلَدَ، وَيَرْجِعُ الْوَلَدُ عَلَى الْأَبِ بِمَا تَدَايَنَ الْوَلَدُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَيَحُطُّ ذَلِكَ عَنْهُ الزَّكَاةَ كَانَ بِفَرِيضَةٍ مِنْ الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُمْ عَنْ الْوَلَدِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ أَوَّلِ مَا كَانُوا حَتَّى يَبْلُغُوا وَالْوَالِدَانِ قَدْ كَانَتْ نَفَقَتُهُمَا سَاقِطَةً؛ فَإِنَّمَا تَرْجِعُ نَفَقَتُهُمَا بِالْقَضِيَّةِ وَالْحُكْمِ مِنْ السُّلْطَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْفَقُوا ثُمَّ طَلَبُوا لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَنْفَقُوا اُنْظُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تُنَاقِضُ مَسْأَلَةَ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ فِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى لَقِيطٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ بِالنَّفَقَةِ فَيَقُومُ مِمَّا فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، مِثْلُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ تُسْقِطُ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ قَضِيَّةٍ ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ اللَّخْمِيّ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشُّيُوخِ، وَمَا قَالُوهُ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْإِشَارَةُ إلَى مُعَارَضَةِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا بِكَلَامِهِ الَّذِي فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَمَا وَفَّقَ بِهِ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَاسْتَمَرَّتْ إنْ دَخَلَ زَمِنَةً ثُمَّ طَلَّقَ لَا إنْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ)
ش: أَيْ وَاسْتَمَرَّتْ النَّفَقَةُ إنْ دَخَلَ الزَّوْجُ بِالْبِنْتِ حَالَ كَوْنِهَا زَمِنَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ الزَّمِنِ مَالٌ ثُمَّ ذَهَبَ؛ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَعُودُ عَلَى الْأَبِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَوْلُهُ: لَا إنْ عَادَتْ بَالِغَةً، أَيْ لَا إنْ زُوِّجَتْ الْبِنْتُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَعَادَتْ إلَى الْأَبِ بَالِغَةً؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَعُودُ عَلَى الْأَبِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ لَوَجَبَ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا يُسْقِطُهَا بُلُوغُهَا، بَلْ حَتَّى تَتَزَوَّجَ زَوْجًا آخَرَ وَيَدْخُلَ بِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَعُودُ أَصْلًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَعُودُ إلَى أَنْ تَبْلُغَ فَتَسْقُطَ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُتَيْطِيُّ فَقَالَ: وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِتَرْشِيدِهِ إيَّاهَا، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ ذَلِكَ عَنْهُ أَيْضًا وَعَنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَنَّهَا إنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ إلَى أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْوَلَدُ زَمِنًا وَقُلْنَا اسْتَمَرَّتْ نَفَقَتُهُ، فَإِذَا صَحَّ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ؛ فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ الزَّمَانَةُ لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ، وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى الْأُمِّ الْمُتَزَوِّجَةِ وَالرَّجْعِيَّةِ)
ش: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّجْعِيَّةِ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرَّضَاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، فَمَا صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سَعْدٍ فِي الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا لِعُلُوِّ قَدْرٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ لِذَاتِ الشَّرَفِ رَضَاعُهُ بِأَجْرٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي
التَّوْضِيحِ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَفْتَى بَعْضُ أَشْيَاخِ شَيْخِي بِأَنَّ الشَّرِيفَةَ إذَا تَوَاضَعَتْ لِلْإِرْضَاعِ لَا أَجْرَ لَهَا لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا، وَلَا كَبِيرَ مُؤْنَةٍ عَلَيْهَا فِي لَبَنِهَا.
ص (أَوْ يَعْدَمُ الْأَبَ)
ش: يُرِيدُ وَلَا مَالَ لِلصَّبِيِّ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ وَلَهَا ابْنٌ وَمَالٌ كَانَتْ مُخَيَّرَةً بَيْنَ أَنْ تُرْضِعَهُ أَوْ تَسْتَرْضِعَهُ إلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا فَتُجْبَرُ عَلَى رَضَاعِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ أُجْبِرَتْ عَلَى أَنْ تَسْتَرْضِعَ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ ثُمَّ قَالَ: وَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَى مَنْ أَيْسَرَ مِنْ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ أَوْ اسْتَرْضَعَتْ لَهُ مِنْ مَالِهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ عَنْهُمَا ذَلِكَ بِعُدْمِهِمَا، انْتَهَى.
ص (وَلَوْ وُجِدَ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهُ مَجَّانًا)
ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ: إذَا أَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا؛ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَأْجِرُ لَهُ مَنْ تُرْضِعُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أُمِّهِ، وَأَمَّا إنْ وَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ بَاطِلًا أَوْ بِدُونِ مَا طَلَبَتْهُ الْأُمُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْضِعَهُ عِنْدَ أُمِّهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَضَانَتِهَا، انْتَهَى.
[تَنْبِيه حَضَانَةُ الذَّكَرِ لِلْبُلُوغِ وَالْأُنْثَى]
ص (وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ لِلْبُلُوغِ وَالْأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ لِلْأُمِّ)
ش: الْحَضَانَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحِضْنِ، وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبِطِ إلَى الْكَشْحِ، وَنَوَاحِي كُلِّ شَيْءٍ وَجَوَانِبُهُ أَحْضَانُهُ، وَكَأَنَّ الصَّبِيَّ ضُمَّ إلَى جَوَانِبِ الْمَحْضُونِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْحَضَانَةُ هِيَ مَحْصُولُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ حِفْظُ الْوَلَدِ فِي مَبِيتِهِ وَمُؤْنَتِهِ وَطَعَامِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَضْجَعِهِ وَتَنْظِيفِ جِسْمِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيُّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ كَفَالَةِ الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهُ خَلْقٌ ضَعِيفٌ يَفْتَقِرُ لِكَافِلٍ يُرَبِّيهِ حَتَّى يَقُومَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ قَامَ بِهِ قَائِمٌ سَقَطَ عَنْ الثَّانِي لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ فِي حَوْلِي رَضَاعَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا مَالَ أَوْ كَانَ، وَلَا يُقْبَلُ غَيْرُهَا، انْتَهَى.
وَالْكَشْحُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إلَى الضِّلْعِ الْخَلْفِ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّكَرِ الْبُلُوغُ، وَفِي الْأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الذَّكَرِ كَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْحَضَانَةِ أَنَّهَا تَنْقَطِعُ فِي الذُّكُورِ بِالْبُلُوغِ، وَلَوْ كَانَ زَمِنًا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ أَنَّ الْبِنْتَ إذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَنَّ الْحَضَانَةَ تَعُودُ لِلْأُمِّ، وَقَالَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَوْلُهُ: لِلْأُمِّ ظَاهِرُ التَّصَوُّرِ
[مَسْأَلَةٌ الْتَزَمَتْ الْمَرْأَةُ حَضَانَةَ ابْنَتِهَا فَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَضَانَةِ]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا الْتَزَمَتْ الْمَرْأَةُ حَضَانَةَ ابْنَتِهَا فَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَضَانَةِ فُسِخَ نِكَاحُهُ حَتَّى يَتِمَّ أَمَدُ الْحَضَانَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ وَأَرَاهُ أَرَادَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ شَرْطٌ بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ، وَتَتَزَوَّجُ إنْ أَحَبَّتْ تَأَمَّلْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ التَّخْيِيرِ، انْتَهَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ تَرَكَتْ حَضَانَة وَلَدِهَا]
ص (وَلَوْ أَمَةً عَتَقَ وَلَدُهَا)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ (قُلْتُ:) ذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَسَرَّرْهَا سَيِّدُهَا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ (مَسْأَلَةٌ) إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ تَرَكَتْ حَضَانَةَ
وَلَدِهَا فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهَا، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ تُصَالِحُ الزَّوْجَ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَلَدِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو زَيْدٍ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ كَالْحُرَّةِ، انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي الْقَضَاءِ بِالْحَضَانَةِ.
وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ، وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْعِتْقِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، وَالْقَوْلُ بِاللُّزُومِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَانْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلِلْأَبِ تَعَاهُدُهُ وَأَدَبُهُ وَبَعْثُهُ لِلْمَكْتَبِ)
ش: هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْأَبِ تَعَاهُدُ وَلَدِهِ عِنْدَ أُمِّهِ وَأَدَبُهُ وَبَعْثُهُ لِلْمَكْتَبِ، وَلَا يَبِيتُ إلَّا عِنْدَ أُمِّهِ، انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْت) يَجِبُ كَوْنُ الظَّرْفِ الَّذِي هُوَ: عِنْدَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ لِلَّفْظِ: تَعَاهُدُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ لِاتِّصَالِهِ بِمُطَلَّقَتِهِ مَعَ زِيَادَةِ ضَرَرِ زَوْجِهَا بِذَلِكَ.
(قُلْت) إذَا تَزَوَّجَتْ سَقَطَتْ، وَلِذَلِكَ شُرِطَ فِي الْجَدَّةِ الَّتِي لَا تَكُونُ عِنْدَ أُمِّهِ الَّتِي سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَنَّ لِلْأَبِ تَعَاهُدَهُمْ عِنْدَ الْأُمِّ وَأَدَبَهُمْ، فَإِذَا سَكَنَتْ الْحَاضِنَةُ مَعَ أُمِّهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ تَعَاهُدُهُمْ لِسَبَبِ مَا يَحْدُثُ بِذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَيَقُومُ مِنْ هُنَا أَنَّ الْأَبَ لَهُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ أُمُورِ وَلَدِهِ يَخْتِنُهُ وَيَصْنَعُ الصَّنِيعَ، وَلَهُ أَنْ يَخْتِنَهُ فِي دَارِهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ لِأُمِّهِ، وَلَوْ تَنَازَعَ الْأَبَوَانِ فِي زِفَافِ الْبِنْتِ عِنْدَ أَيِّهِمَا يَكُونُ، فَظَاهِرُ النَّقْلِ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْأُمِّ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَفِيهِ حَقٌّ لِلْأَبِ وَحَقٌّ لِلْأُمِّ، انْتَهَى.
وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَنِكَاحُ الْأُنْثَى وَدُخُولُهَا: أَخَذَ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ تُزَفُّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْأُمِّ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
ص (ثُمَّ جَدَّةُ الْأُمِّ)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَتْ جَدَّتُهَا لِأُمِّهَا أَوْ لِأَبِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيُّ قَالَ: فَإِنْ اجْتَمَعَا فَأُمُّ أُمِّهَا أَحَقُّ مِنْ أُمِّ أَبِيهَا؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَأُمُّ أُمِّ أُمِّهَا، أَوْ أَمُّ أُمِّ أَبِيهَا، أَوْ أُمُّ أَبِي أَبِيهَا، أَوْ أُمُّ أَبِي أُمِّهَا؛ فَإِنْ اجْتَمَعَ الْأَرْبَعُ فَأُمُّ أُمِّ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَأُمُّ أُمِّ الْأَبِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي أُمِّ الْأَبِ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أُمَّهَاتُهُنَّ مَا عَلَوْنَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَأُخْتُ الْأُمِّ الشَّقِيقَةُ، انْتَهَى وَقَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ جَدَّتَانِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَمَنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَارٌ قِيمَتُهَا عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ نَحْوُهَا، فَقَالَتْ أُمُّ الْأَبِ: أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِي وَيَكُونُ مَعِي وَتَبْقَى لَهُ دَارُهُ رِفْقًا بِهِ، وَأَرَادَتْ جَدَّةُ الْأُمِّ بَيْعَهَا لِتُنْفِقَ ثَمَنَهَا، فَجَدَّةُ الْأُمِّ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ الْمُوَثِّقِينَ، وَزَادَ: وَقَالَ الْمُشَاوِرُ: يَنْظُرُ إلَى الْأَرْفَقِ بِالصَّبِيِّ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قُلْت) فِي كَوْنِ الْحَضَانَةِ حَقًّا لِلْحَاضِنِ أَوْ لَلْمَحْضُونِ.
ثَالِثُهَا لَهُمَا لِرِوَايَتَيْ الْقَاضِي وَاخْتِيَارِ الْبَاجِيِّ مَعَ ابْنِ مُحَمَّدٍ فَعَلَى الثَّانِي تُقَدَّمُ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ، انْتَهَى.
وَالْمُشَاوِرُ هُوَ ابْنُ الْفَخَّارِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هُنَا.
ص (ثُمَّ جَدَّةُ الْأَبِ)
ش: يُرِيدُ أُمَّ الْأَبِ ثُمَّ أُمَّ أُمِّهِ ثُمَّ أُمَّ أَبِيهِ.
ص (ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الْأَخِ أَوْ الْأُخْتِ أَوْ الْأَكْفَأُ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَقْوَالٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَلْحَقُ
بِنْتَ الْأَخِ، وَفِي تَقْدِيمِهَا عَلَى بِنْتِ الْأُخْتِ.
ثَالِثُهَا هُمَا سَوَاءٌ، يُرَجَّحُ بِقُوَّةِ الْكَفَاءَةِ لِابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَنَقْلِ ابْنُ رُشْدٍ اهـ، وَقَدْ حَكَاهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
ص (لَا جَدَّ لِأُمٍّ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ اللَّخْمِيّ لَمْ أَرَ لِلْجَدِّ لِلْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ نَصًّا وَأَرَى لَهُ فِي ذَلِكَ حَقًّا لِأَنَّ لَهُ حَنَانًا، وَلِذَا غُلِّظَتْ الدِّيَةُ فِيهِ وَأُسْقِطَ عَنْهُ الْقَوَدُ، وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا اجْتَمَعَ الْجَدَّانِ فَالْجَدُّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ لِلْأُمِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ وَنَصَّ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ اهـ.
(قُلْت:) ذَكَرَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحَاضِنَةِ إذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِمَحْرَمٍ وَإِنَّ حَضَانَتَهَا لَا تَسْقُطُ قَالَ: سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ كَالْعَمِّ وَالْجَدِّ لِلْأَبِ أَوْ مِمَّنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ كَالْخَالِ وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيّ قُلْت: قَوْلُ ابْنِ الْهِنْدِيِّ الْجَدُّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ لِلْأُمِّ بِدَلِيلِ حَضَانَتِهِ، انْتَهَى.
ص (وَفِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِالصِّيَانَةِ وَالشَّفَقَةِ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ اللَّخْمِيّ إنْ عُلِمَ جَفَاءُ الْأَحَقِّ لِقَسْوَتِهِ أَوْ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَرَأْفَةُ الْأَبْعَدِ قُدِّمَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْتُ: إنْ كَانَتْ قَسْوَتُهُ يَنْشَأُ عَنْهَا إضْرَارُ الْوَلَدِ قُدِّمَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْقِيقِ الْحِكْمَةِ، انْتَهَى.
ص (وَحِرْزُ الْمَكَانِ فِي الْبِنْتِ يُخَافُ عَلَيْهَا) ش هَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ
فِي التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الذَّكَرِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِمَا، وَهُوَ فِي الْبِنْتِ حِينَ يُخَافَ عَلَيْهَا أَوْ كَذَا انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَسْكُتَ الْعَامَ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ مَنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَضَانَةِ: وَأَمَّا إذَا عَلِمَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ بِتَزْوِيجِ الْأُمِّ فَقَامَ بَعْدَ طُولِ مُدَّةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْوَلَدِ وَحْدُ الطُّولِ سَنَةٌ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا كَمَرَضٍ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَسْكُتَ الْعَامَ ذُكِرَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا وَصِيَّ الطِّفْلِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ لَمْ تُرْضِعْهُ الْمُرْضِعَةُ عِنْدَ أُمِّهِ)
ش: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ صَوَابٌ وَأَنَّ هُنَا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ عِنْدَ بَدَلِ أُمِّهِ، وَهِيَ مَنْ
صَارَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمَّ إذَا تَزَوَّجَتْ يَلْزَمُ الْأَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمُرْضِعَةِ تُرْضِعُهُ عِنْدَ أُمِّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحَضَانَةَ لِلْأُمِّ قَالَ: إلَّا أَنْ تَتَزَوَّجَ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ صَغِيرٌ يَرْضَعُ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا انْتَزَعَهُ مِنْهَا لَا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يُرَدُّ إلَيْهَا إذَا طَلُقَتْ.
ص (وَلَا تَعُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوْ فَسْخِ الْفَاسِدِ)
ش: وَأَمَّا إذَا سَافَرَ وَلِيُّ الْمَحْضُونِ سَفَرَ نُقْلَةٍ وَأَخَذَ الْوَلَدَ ثُمَّ رَجَعَ، فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَعُودُ إلَى الْأُمِّ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ سَافَرَتْ هِيَ ثُمَّ رَجَعَتْ.
قَالَ: إنْ كَانَ سَفَرُهَا اخْتِيَارًا لَمْ تَعُدْ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا عَادَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ لَحِقَتْهَا ضَرُورَةٌ إلَى التَّزْوِيجِ.
قَالَ: تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا، انْتَهَى.
ص (أَوْ الْإِسْقَاطِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَاضِنَةَ إذَا أَسْقَطَتْ حَضَانَتَهَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَضَانَةِ، وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَتَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ: قَالَ لِي ابْنُ عَرَفَةَ الْفَتْوَى عِنْدَنَا فِيمَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَنْ تُسْقِطَ هِيَ وَأُمُّهَا الْحَضَانَةَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ فِي الْجَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ مَا لَمْ يَجِبْ لَهَا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ قَالَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ الشِّرَاءِ اشْتَرِ لِي فَقَدْ أَسْلَمْتُ لَكَ الشُّفْعَةَ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ فَلَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ، قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى مَا بَلَغَنِي يُؤْخَذُ مِنْهَا مَا بِهِ الْفَتْوَى أَنَّ مَنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى إنْ أَسْقَطَتْ هِيَ وَأُمُّهَا الْحَضَانَةَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ فِي الْجَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ مَا لَمْ يَجِبْ لَهَا وَفِيهَا خِلَافٌ، انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ ذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ فِي عَقْدِ تَسْلِيمِ الْأُمِّ ابْنَهَا إلَى أَبِيهِ: وَعَلَى إنْ سَلَّمَتْ إلَيْهِ ابْنَهَا مِنْهُ وَأَسْقَطَتْ حَضَانَتَهَا فِيهِ وَقَطَعَتْ أُمُّهَا فُلَانَةُ أَوْ أُخْتُهَا فُلَانَةُ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ رَاجِعًا إلَيْهَا مِنْ حَضَانَتِهَا، وَانْتَقَدَ ذَلِكَ ابْنُ الْفَخَّارِ وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: ثُمَّ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا فِيمَا كَانَ رَاجِعًا إلَيْهَا مِنْ حَضَانَتِهَا، فَيَدُلُّ هَذَا اللَّفْظُ أَنَّ الْجَدَّةَ قَطَعَتْ حُجَّتَهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَ لَهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تُفِيدُ رُتْبَةً فَكَأَنَّهَا قَطَعَتْ حُجَّتَهَا قَبْلَ وُجُوبِ الْحَضَانَةِ لَهَا، فَلَا يَلْزَمُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ وَتَفْرِقَةُ ابْنِ الْفَخَّارِ بَيْنَ الْعَاطِفَيْنِ ضَعِيفَةٌ فِي الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ كِتَابٍ مِنْهَا، انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي إسْقَاطِ الْحَضَانَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَدَمُ اللُّزُومِ، وَأَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ أَنْ يُسْقِطَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْأُمِّ حَضَانَتَهُ قَبْلَ وُجُوبِهَا كَالْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ مَثَلًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ إسْقَاطُ الْأُمِّ حَقَّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، وَأَيْضًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأُمَّ لَا حَضَانَةَ لَهَا فِي حَالِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ لَهَا الْحَضَانَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَأَحْرَى فِي حَالَةِ الْعِصْمَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْحَضَانَةِ وَمُسْتَحِقِّهَا وَأَبُو الْوَلَدِ زَوْجًا لَهَا، وَفِي افْتِرَاقِهِمَا أَصْنَافٌ: الْأَوَّلُ الْأُمُّ إلَخْ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَجَازَ لِلْأَبِ أَخْذَ وَلَدِهِ مِنْ أُمِّهِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ بَلْ ذَكَرَ اللَّخْمِيّ فِي الشُّرُوطِ النَّاقِضَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ عِنْدَهُمَا، وَأَنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَصَحَّ بَعْدَهُ وَسَقَطَ الشَّرْطُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ صَحِيحٌ إذَا كَانَ لِلْوَلَدِ مَنْ يَحْضُنُهُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ بَابِ النَّفَقَاتِ، حَيْثُ قَالَ: كَوَلَدٍ صَغِيرٍ لِأَحَدِهِمَا إنْ كَانَ لَهُ حَاضِنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَهَذَا الْخِلَافُ يَعْنِي فِيمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْحَضَانَةِ
قَبْلَ وُجُوبِهَا كَالْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ مَثَلًا إنَّمَا هُوَ إذَا حَضَرَتْ الْجَدَّةُ أَوْ الْخَالَةُ وَأَشْهَدَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِإِسْقَاطِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهَا بِذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثِّقِينَ: إنَّ الْأُمَّ إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فِي الْحَضَانَةِ بِشَرْطٍ فِي عَقْدِ الْمُبَارَأَةِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الْجَدَّةِ أَوْ الْخَالَةِ، وَقَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّ الْجَدَّةِ بِتَرْكِ الْأُمِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ يَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّ الْجَدَّةِ وَالْخَالَةِ وَلَا كَلَامَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إمْضَاءِ نَقْلِ ذِي حَضَانَةٍ إيَّاهَا لِغَيْرِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ مَعَ أَخْذِهِ مِنْ قَوْلِهَا: إنْ صَالَحَتْ زَوْجَهَا عَلَى كَوْنِ الْوَلَدِ عِنْدَهُ جَازَ وَكَانَ أَحَقَّ بِهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ جَدَّةٌ، وَنَقَلَهُ قَائِلًا: كَالشُّفَعَاءِ لَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ تَسْلِيمُهَا لِشَرِيكِ غَيْرِهِ أَحَقِّ بِهَا مِنْهُ.
اللَّخْمِيّ إنْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ أَخَذَتْهُ الْجَدَّةُ ثُمَّ أَحَبَّتْ أَنْ تُسَلِّمَهُ لِأُخْتِهِ لِأَبِيهِ فَلَهُ مَنْعُهَا؛ لِأَنَّهُ أُقْعَدُ مِنْهَا، وَإِنْ أَمْسَكَتْهُ ثُمَّ طَلُقَتْ الْأُمُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ رَدِّهِ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ.
(قُلْت:) إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى أَنَّ تَزْوِيجَ الْأُمِّ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا دَائِمًا، بَلْ مَا دَامَتْ زَوْجَةً، انْتَهَى.
ص (إلَّا لِكَمَرَضٍ)
ش: أَيْ فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ تَتْرُكَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ سَنَةً وَنَحْوَهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ، وَحَكَى فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا خِلَافًا فِيمَا إذَا مَاتَ هَلْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ مِمَّنْ تَصِيرُ إلَيْهِ الْحَضَانَةُ بَعْدَهُ أَمْ لَا، وَنَصُّ كَلَامِهِ: (مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْت مَالِكًا قَالَ فِي امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَرَدَّتْهُ عَلَيْهِ اسْتِثْقَالًا لَهُ ثُمَّ طَلَبَتْهُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهَا إذَا رَدَّتْهُ إلَيْهِ اسْتِثْقَالًا لَهُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فِي حَضَانَتِهِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَضَانَةَ مِنْ حَقِّ الْمَحْضُونِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَوْ كَانَتْ إنَّمَا رَدَّتْهُ إلَيْهِ مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ انْقِطَاعِ لَبَنِهَا لَكَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ إذَا صَحَّتْ أَوْ عَادَ إلَيْهَا اللَّبَنُ عَلَى مَا وَقَعَ لِمَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَلَوْ تَرَكَتْهُ بَعْدَ أَنْ زَالَ الْعُذْرُ حَتَّى طَالَ الْأَمَدُ السَّنَةَ وَشَبَهَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ، وَاخْتُلِفَ إنْ مَاتَ هَلْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ مِمَّنْ تَصِيرُ إلَيْهِ الْحَضَانَةُ بَعْدَهُ، قَالَ فِي آخِرِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى تَرْكَهَا إيَّاهُ عِنْدَ أَبِيهِ إسْقَاطًا مِنْهَا لَحَقِّهَا فِي حَضَانَتِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لَهُ عِنْدَ أَبِيهِ إنَّمَا يُحْمَلُ مِنْهَا عَلَى إسْقَاطِ حَضَانَتِهَا لِلْأَبِ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْجَدَّةُ بَعْدَ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَرَضَ عَلَيْهَا فَأَبَتْ مِنْ أَخْذِهِ، وَهَذَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ كَالْإِقْرَارِ وَالْإِذْنِ أَمْ لَا، وَهُوَ أَصْلٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ص (وَلِلْحَاضِنِ قَبْضُ نَفَقَتِهِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلِمَنْ الْوَلَدُ فِي حَضَانَتِهِ مِنْ أُمٍّ وَغَيْرِهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَلَدُ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغِطَاءٍ وَوِطَاءٍ، وَإِنْ قَالَ الْأَبُ: هُوَ يَأْكُلُ عِنْدِي ثُمَّ يَعُودُ إلَيْكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْوَلَدِ وَعَلَى الْحَاضِنَةِ إذْ الْأَطْفَالُ يَأْكُلُونَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَكَتَبَ شَبْحَرَةُ لِسَحْنُونٍ فِي الْخَالَةِ الْحَاضِنَةِ إذَا قَالَ الْأَبُ: إنَّهَا تَأْكُلُ مَا أُعْطِيهِ، وَطَلَبَ الْأَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ عِنْدَهُ وَيُعَلِّمُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْأَبِ، فَجَعَلَ لِلْحَاضِنَةِ أَنْ يَأْوِيَ إلَيْهَا فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَعَلَّهُ ظَهَرَ صِدْقُهُ فِي السُّؤَالِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا التَّفْصِيلَ نَصًّا فِي الْعُتْبِيَّةِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَحْنُونٍ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ أَيْضًا فِي
الْمُنْتَقَى فِي الْقَضَاءِ بِالْحَضَانَةِ وَنَصُّهُ: وَإِنْ شَكَا الْأَبُ ضَيَاعَ نَفَقَةِ ابْنِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَهُ فَقَدْ كَتَبَ إلَى سَحْنُونٍ شَبْحَرَةُ فِي الْخَالَةِ تَجِبُ لَهَا الْحَضَانَةُ، فَيَقُولُ الْأَبُ يَكُونُ وَلَدِي عِنْدِي لِأُعَلِّمَهُ وَأُطْعِمَهُ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تَأْكُلُ مَا أَرْزُقُهُ، وَهِيَ تُكَذِّبُهُ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُطْعِمَهُ وَيُعَلِّمَهُ وَتَكُونُ الْحَضَانَةُ لِلْخَالَةِ، فَجَعَلَ الْحَضَانَةَ أَنْ يَأْوِيَ إلَيْهَا وَتُبَاشِرَ سَائِرَ أَحْوَالِهِ مِمَّا لَا يَغِيبُ عَلَيْهَا مِنْ نَفَقَتِهِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ يُشِيرُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِي رَسْمِ الطَّلَاقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ وَطَلَاقِ السُّنَّةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ فَيَقُولُ: مَا عِنْدِي مَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا أَرْسِلِيهَا إلَيَّ تَأْكُلُ مَعِي فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا بِهَا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِيمَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ أَمْرًا غَالِبًا مَعْرُوفًا قِيلَ لَهَا أَرْسِلِيهَا تَأْكُلُ مَعَ أَبِيهَا وَتَأْتِيكِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ لِلرَّجُلِ الْمُوسِرِ أَنْ تَأْكُلَ ابْنَتُهُ عِنْدَهُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ نَفَقَتَهَا إلَى أُمِّهَا الْحَاضِنَةِ لَهَا؛ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ نُظِرَ فِي حَالِهِ؛ فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُ قَوْلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ الضَّرَرَ بِمَا دَعَا إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَلَدُهُ عِنْدَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا، وَقَالَ بَعْدَهُ: (قُلْت:) وَنَقَلَهُ ابْنُ فَتُّوحٍ غَيْرَ مُعْزٍ وَكَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلِابْنِ زُرَّقُونَ عَنْ الْبَاجِيِّ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْخَالَةِ وَنَقَلَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ الْمُتَقَدِّمَ بِرُمَّتِهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: (قُلْت:) كَذَا فِي النَّوَادِرِ.
وَهُوَ خِلَافُ الرِّوَايَاتِ أَنَّ طَعَامَ الْمَحْضُونِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ حَاضِنَتِهِ مَنْ كَانَتْ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْبَاجِيِّ وَابْنِ زُرَّقُونَ فِي قَبُولِهِمَا هَذَا، وَتَصْدِيقُ الْأَبِ عَلَى الْخَالَةِ أَنَّهَا تَأْكُلُ رِزْقَهُمْ وَيَأْتِي لِلشَّعْبِيِّ نَحْوُ هَذَا، انْتَهَى.
ص (وَالسُّكْنَى بِالِاجْتِهَادِ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَى الْأَبِ السُّكْنَى، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: تَكُونُ السُّكْنَى عَلَى حَسَبِ الِاجْتِهَادِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ عَلَى قَدْرِ الْجَمَاجِمِ، وَرَوَى لَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا، وَقِيلَ: إنَّهَا عَلَى الْمُوسِرِ مِنْ الْأَبِ وَالْحَاضِنَةِ، وَحَكَى ابْنُ بَشِيرٍ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأُمِّ مِنْ السُّكْنَى، وَرَأَى اللَّخْمِيّ أَنَّ الْأَبَ إنْ كَانَ فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ أَوْ بِكِرَاءٍ، وَلَوْ كَانَ وَلَدُهُ مَعَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَنْدُوحَةٍ عَنْ دَفْعِ الْأُجْرَةِ فِي سُكْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ يُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ أَوْ عَلَيْهَا هِيَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِمَّا يُزَادُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لِأَجْلِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَا زِيدَ عَلَيْهَا أَقَلَّ أَخَذَتْهُ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي أَضَرَّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مَا يُزَادُ عَلَيْهِ غَرِمَهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ.
وَفِي الطُّرَرِ لَا سُكْنَى لِلرَّضِيعِ عَلَى أَبِيهِ مُدَّةَ الرَّضَاعِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الرَّضَاعَةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهُ خَلِيلٌ، وَلَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الرَّضِيعِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسَائِلَ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ لَا.
فَقَالَ: (فَائِدَةٌ) فِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ لَا، مِنْهَا هَذِهِ يَعْنِي أُجْرَةَ الْمَسْكَنِ الَّذِي فِيهِ الْمَحْضُونُ، وَمِنْهَا أُجْرَةُ كَاتِبِ الْوَثِيقَةِ، وَمِنْهَا كَنْسُ الْمِرْحَاضِ، وَمِنْهَا حَارِسُ الْأَنْدَرِ، وَمِنْهَا أُجْرَةُ الْقَاسِمِ، وَمِنْهَا التَّقْوِيمُ عَلَى الْمُعْتِقِينَ، وَمِنْهَا الشُّفْعَةُ إذَا وَجَبَتْ لِلشُّرَكَاءِ هَلْ هِيَ عَلَى الشُّرَكَاءِ أَوْ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ، وَمِنْهَا الْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمِنْهَا النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، وَمِنْهَا إذَا أَرْسَلَ أَحَدُ الصَّائِدَيْنِ كَلْبَهُ وَالْآخَرُ كَلْبَيْنِ، وَمِنْهَا إذَا أَوْصَى بِمَجَاهِيلَ مِنْ أَنْوَاعٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ
[فَرْعٌ لِلْحَاضِنَةِ الْإِخْدَامُ]
(فَرْعٌ) وَلِلْحَاضِنَةِ الْإِخْدَامُ إنْ كَانَ الْأَبُ مَلِيًّا وَاحْتَاجَ الْمَحْضُونُ لِمَنْ يَخْدُمُهُ، قَالَ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا أَخَذَ الْوَلَدَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ فَعَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ وَسُكْنَاهُمْ مَا بَقَوْا فِي الْحَضَانَةِ وَيَخْدُمُهُمْ إنْ احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ وَكَانَ الْأَبُ مَلِيًّا وَلِحَاضِنَتِهِمْ قَبْضُ نَفَقَتِهِمْ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا إخْدَامَ عَلَى الْأَبِ نَقَلَهُ عَنْهُ اللَّخْمِيّ وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ كَلَامَ اللَّخْمِيّ، وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ اللَّخْمِيّ وَاخْتُلِفَ فِي خِدْمَتِهِ فَفِيهَا إنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ
خَادِمٍ لِضَعْفِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْأَبُ يَقْوَى عَلَى إخْدَامِهِمْ، وَلِابْنِ وَهْبٍ لَا خِدْمَةَ عَلَيْهِ، بِهِ قَضَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ، وَأَرَى أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْخِدْمَةِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِسْكَانِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ وَأَرَى أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْخِدْمَةِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ اللَّخْمِيّ رَأَى أَنْ يُفَصِّلَ فِي الْخِدْمَةِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي السُّكْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَلَا شَيْءَ لِحَاضِنٍ لِأَجْلِهَا)
ش: وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَادُ يَتَامَى كَانَ لِلْأُمِّ أَجْرُ الْحَضَانَةِ إذَا كَانَتْ فَقِيرَةً وَالْأَوْلَادُ مَيَاسِيرُ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِمْ وَلَوْ لَمْ تَحْضُنْهُمْ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ مُوسِرَةً فَقَالَ مَالِكٌ لَا نَفَقَةَ لَهَا.
وَمَرَّةً قَالَ: لَهَا النَّفَقَةُ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وَفَاةِ الْأَبِ، وَقَالَ أَيْضًا: تُنْفِقُ بِقَدْرِ حَضَانَتِهَا إذَا كَانَتْ لَوْ تَرَكَتْهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ حَاضِنٍ، فَجَعَلَ لَهَا فِي هَذَا الْقَوْلِ الْآخَرِ دُونَ النَّفَقَةِ، وَأَرَى إنْ هِيَ تَأَيَّمَتْ لِأَجْلِهِمْ وَكَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ وَالْقَائِمَةَ بِأَمْرِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْهُمْ وَتَزَوَّجَتْ أَتَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فَكَانَ مِنْ النَّظَرِ لِلْوَلَدِ كَوْنُهُمْ فِي نَظَرِهَا وَخِدْمَتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَأَيَّمَتْ لِأَجْلِهِمْ أَوْ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ لَا يَتَزَوَّجُ كَانَ لَهَا الْأُجْرَةُ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ نَفَقَتِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَنْ يَخْدُمُهُمْ أَوْ اسْتَأْجَرَتْ مِنْ يَقُومُ بِخِدْمَتِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ نَاظِرَةٌ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْوَلَدِ فَقَطْ لَمْ أَرَ لَهَا شَيْئًا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْبُيُوعِ]
(كِتَابُ الْبُيُوعِ) هَذَا أَوَّلُ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ طَرِيقَةَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ النِّكَاحَ وَتَوَابِعَهُ فِي الرُّبْعِ الثَّانِي وَالْبَيْعَ وَتَوَابِعَهُ فِي الرُّبْعِ الثَّالِثِ، وَالْمَعْنَى: هَذَا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ الْبَيْعُ وَأَحْكَامُهُ.
وَبَابُ الْبَيْعِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ الِاهْتِمَامُ بِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ إذْ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهِ، وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: يَكْفِي رُبْعُ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّكَاحِ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْقَبَسِ عَنْ الْقَاضِي الزَّنْجَانِيِّ أَنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ عَقْدَانِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجًا إلَى الْغِذَاءِ وَمُفْتَقِرًا إلَى النِّسَاءِ وَخَلَقَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شَاءَ بِاخْتِيَارِهِ إلَى آخِرِهِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ثُمَّ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ الْعَمَلُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَرِزُ مِنْ إهْمَالِ ذَلِكَ فَيَتَوَلَّى أَمْرَ شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ بِمُشَاوَرَتِهِ، وَلَا يَتَّكِلُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ أَوْ يَعْرِفُهَا وَيَتَسَاهَلُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ وَعُمُومِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ.
قَالَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَضْلِ خُرُوجِ الْعَالِمِ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ: يَنْبَغِي لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا اُضْطُرَّ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي السُّوقِ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ أَتَى بِالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِهَا وَبَرِئَ - مِنْ الْكِبْرِ،.
وَإِنْ عَاقَهُ عَائِقٌ اسْتَنَابَ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ وَلْيَحْذَرْ مِنْ هَذِهِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ، فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ يَبْحَثُ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي الدَّرْسِ وَيَسْتَدِلُّ وَيُجِيزُ وَيَمْنَعُ وَيُكَرِّهُ، فَإِذَا قَامَ أَرْسَلَ إلَى السُّوقِ مَنْ يَقْضِي لَهُ الْحَاجَةَ صَبِيًّا صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي السُّوقِ مَا قَدْ عَلِمَ مِنْ جَهْلِ أَكْثَرِ الْبَيَّاعِينَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا، انْتَهَى.
وَالْبَيْعُ لُغَةً: مَصْدَرُ بَاعَ الشَّيْءَ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ أَوْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 20] أَيْ بَاعُوهُ، وَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] .
وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» أَيْ لَا يَشْتَرِ عَلَى شِرَائِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَضْدَادِ: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: 16] مَعْنَاهُ بَاعُوا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، وَذَكَرَ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ اسْتِعْمَالُ بَاعَ إذَا أَخْرَجَ وَاشْتَرَى إذَا أَدْخَلَ، قَالَ: وَهِيَ أَفْصَحُ، وَعَلَى ذَلِكَ اصْطَلَحَ الْعُلَمَاءُ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ، وَأَمَّا شَرَى فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى بَاعَ فَفَرْقٌ بَيْنَ شَرَى وَاشْتَرَى، وَالشِّرَاءُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَالْبَيِّعَانِ وَالْمُتَبَايِعَانِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّعٌ وَبَائِعٌ وَمُشْتَرٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ، وَنَصُّهُ: الْبَيِّعَانِ تَثْنِيَةُ بَيِّعٍ، وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي كَمَا يُقَالُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، انْتَهَى.
وَعَرَّفَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ لُغَةً بِأَنَّهُ: إعْطَاءُ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ، أَوْ مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَيُقَالُ: بَاعَ الشَّيْءَ يَبُوعُهُ بَوْعًا إذَا قَاسَهُ بِالْبَاعِ.
وَهُوَ قَدْرُ مَدِّ الْيَدَيْنِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَهَذَا وَاوِيُّ الْعَيْنِ، وَالْبَيْعُ يَائِيُّ الْعَيْنِ، وَأَبَعْتُ الشَّيْءَ عَرَّضْتُهُ لِلْبَيْعِ وَاسْتَبْتَعْتُهُ الشَّيْءَ أَيْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنِّي، وَيُقَالُ بَايَعْتُهُ مِنْ الْبَيْعِ، وَمِنْ الْبَيْعَةِ هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ ضَرُورِيَّةٌ حَتَّى لِلصِّبْيَانِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ لِلْبَاجِيِّ.
(قُلْتُ:) وَمَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَاجِيُّ فَقَالَ: إنَّ الْأَقْرَبَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، فَلَا تَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ وَلِهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يُعَرِّفْهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَاجِيِّ فَقَالَ: قُلْت: الْمَعْلُومُ ضَرُورَةُ وُجُودِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عِلْمُ حَقِيقَتِهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجِّ، انْتَهَى.
(قُلْت:) وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ: دَفْعُ عِوَضٍ فِي مُعَوَّضٍ، قَالَ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ.
وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا يَنْبَغِي تَعْرِيفُ الصَّحِيحِ مِنْهَا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَمَعْرِفَتُهُ تَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ الْفَاسِدِ أَوْ أَكْثَرَهُ، فَقَالَ: نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ، وَيَعْتَقِدُ قَائِلُ هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا يَنْقُلُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ، انْتَهَى.
وَلَفْظَةُ الْعِوَضِ فِي التَّعْرِيفَيْنِ تُوجِبُ خَلَلًا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْبَيْعِ أَوْ مَا هُوَ مَلْزُومٌ لِلْبَيْعِ، انْتَهَى.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِوَضَ هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ النَّوْعِ عَلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمَلْزُومٌ وَمَعْرِفَةُ أَحَدِهِمَا لَازِمٌ لِمَعْرِفَةِ الْآخَرِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَلْزُومٌ لِلْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَعْقُودُ لَزِمَ وُجُودُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ عَقْدَيْنِ، فَتَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ الْعِوَضِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَيْعِ أَوْ مَعْرِفَةِ مَا هُوَ مَلْزُومٌ لِلْبَيْعِ، وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْبَيْعِ تَوَقَّفَتْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ فِي حَدِّهِ فَجَاءَ الدَّوْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْإِيرَادِ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ لِأَحَدِ نَقْلَيْ اللَّخْمِيّ أَنَّ الْبَيْعَ التَّعَاقُدُ وَالتَّقَابُضُ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ التَّعَقُّبَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ، وَالتَّعْرِيفُ الثَّانِي لِلْمَازِرِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ وَتَعَقَّبَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ لَازِمٌ لِلْبَيْعِ وَأَعَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِغَيْرِهِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ، وَكَوْنُهُ بِعِوَضٍ يُخَصِّصُهُ بِالْبَيْعِ عَنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَا يُصَيِّرُهُ نَفْسَ الْبَيْعِ، قَالَ وَيَدْخُلُ فِيهِ النِّكَاحُ وَالْإِجَارَةُ، وَفِي تَتِمَّاتِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: أَبِيعُكَ سُكْنَى دَارِي سَنَةً فَذَلِكَ غَلَطٌ فِي اللَّفْظِ.
وَهُوَ كِرَاءٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: الْعِوَضُ أَخَصُّ مِنْ الْبَيْعِ يُرَدُّ بِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ لِثُبُوتِهِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ لِابْنِ بَشِيرٍ النِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى الْبُضْعِ بِعِوَضٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْعِوَضُ الْبَدَلُ وَنَحْوُهُ، قَالَ الزُّبَيْدِيُّ: يُقَالُ: أَصَبْتُ مِنْهُ الْعِوَضَ، وَقَسَّمَ النُّحَاةُ التَّنْوِينَ أَقْسَامًا أَحَدُهَا تَنْوِينُ الْعِوَضِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ، انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
(قُلْت:) وَالتَّعْرِيفُ الثَّانِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السَّلَمِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فَقَالَ: نَقْلُ الْمِلْكِ عَلَى عِوَضٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فَقَطْ قَالَ عَنْهُ: وَهُوَ يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ الْمِلْكَ
قَالَ: وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَنْقُلُهُ لَمْ يَشْمَلْهُ لَكِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَكُونُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُمْ صَحِيحَةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ حُكْمِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ خَلِيلٌ، وَإِنْ أَرَدْتُ إخْرَاجَهُ بِوَجْهٍ لَا شَكَّ فِيهِ فَزِدْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
(قُلْت:) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا تَخْصِيصَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَيْعٌ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعُمُومِ الَّذِي يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَيْعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ إبَاحَةَ كُلِّ بَيْعٍ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ بَيْعٍ فِيهِ تَفَاضُلٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ التَّفَاضُلَ الْمَمْنُوعَ مِنْ الْجَائِزِ، وَقِيلَ: إنَّ الْإِجْمَالَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيمُ بَعْضِ الْبُيُوعِ فَصَارَتْ الْآيَةُ مُحْتَاجَةً إلَى بَيَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَهَا، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ مِنْ الِاعْتِذَارِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْفَاسِدِ بَيْعًا عِنْدَ الْعَرَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ أَسْئِلَةٌ وَأَصْلُهَا لِابْنِ رَاشِدٍ وَعَنْهُ نَقَلَهَا الشَّارِحُ الْكَبِيرُ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْبَيْعَ عِلَّةٌ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ يُقَالُ: انْتَقَلَ الْمِلْكُ لِمُشْتَرِي الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَهَا، وَالْعِلَّةُ مُغَايِرَةٌ لِلْمَعْلُولِ فَلَا يُمْكِنُ حَدُّ الْبَيْعِ بِالنَّقْلِ.
الثَّانِي أَنَّ النَّقْلَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ مَجَازٌ فِي الْمَعَانِي، وَالْمَجَازُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحُدُودِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمِلْكَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا هُوَ التَّصَرُّفُ اُنْتُقِضَ بِتَصَرُّفِ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ؛ فَإِنَّهُمَا غَيْرُ مَالِكَيْنِ وَهُمَا يَتَصَرَّفَانِ.
وَقَدْ يُوجَدُ الْمِلْكُ وَلَا تَصَرُّفَ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُوجَدَانِ مَعًا فِي الْمَالِكِ الرَّشِيدِ، وَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ مَجْهُولَةً فَيَكُونُ قَدْ عَرَّفَ الْبَيْعَ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ اهـ.
(قُلْت:) السُّؤَالُ الْأَوَّلُ قَرِيبٌ مِنْ الْإِيرَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالْحَدِّ التَّامِّ أَوْ النَّاقِصِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالرَّسْمِ الَّذِي يَكْفِي فِيهِ التَّعْرِيفُ بِلَازِمِ الشَّيْءِ، وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْهُ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَقْتَضِي التَّغَايُرَ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَدٍّ مَعَ مَحْدُودِهِ تَقُولُ: هَذَا إنْسَانٌ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَيُجَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي بِأَنَّ النَّقْلَ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فِي الْمَعْنَى فَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَيُجَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّالِثِ بِنَحْوِ مَا أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ بَلْ يَكْفِي تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ مَا، وَقَدْ عَرَّفَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْمُوفِي ثَمَانِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ فَقَالَ: قَاعِدَةُ التَّصَرُّفِ وَقَاعِدَةُ الْمِلْكِ اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ ضَبْطُهُ؛ فَإِنَّهُ عَامٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ وَلَا يَتَصَرَّفُ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التَّوْضِيحِ.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْأَعَمِّ مِنْ وَجْهٍ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ يَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ وَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي صُورَةٍ، وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ أَنَّهُ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يُقَدَّرُ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَقْتَضِي تَمْكِينَ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ.
أَمَّا أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ، وَأَمَّا أَنَّهُ مُقَدَّرٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مُتَعَلِّقِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَالتَّعَلُّقُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَيْسَ وَصْفًا حَقِيقِيًّا، بَلْ يُقَدَّرُ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُفِيدَةِ فِي الْمِلْكِ، وَقَوْلُنَا: فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ بِالْبَيْعِ، وَالْمَنَافِعَ بِالْإِجَارَةِ، وَقَوْلُنَا: يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ لِيُخْرِجَ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَالْقَاضِي، وَقَوْلُنَا: الْعِوَضُ عَنْهُ لِيُخْرِجَ الْإِبَاحَةَ فِي الضِّيَافَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَلِتُخْرِجَ أَيْضًا
الِاخْتِصَاصَاتُ بِالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَمَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ وَمَقَاعِدِ السُّوقِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا مَعَ التَّمَكُّنِ الشَّرْعِيِّ مِنْ التَّصَرُّفِ.
وَقَوْلُنَا: مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ لِمَانِعٍ كَالْحَجْرِ وَالْوَقْفِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى مِلْكِ وَاقِفِهِ.
ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعُ دُونَ الْمَنْفَعَةِ كَبُيُوتِ الْمَدَارِسِ تَرْجِعُ إلَى الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الضِّيَافَةِ فَهِيَ مَأْذُونٌ فِيهَا لِمَنْ قَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، وَلَا مِلْكَ فِيهَا لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْجَامِكِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ مُحَصَّلٌ فِيهَا لِمَنْ حَصَلَ لَهُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَلَا جَرَمَ صَحَّ أَخْذُ الْعِوَضِ بِهَا وَعَنْهَا
، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ الْمِلْكُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.؟ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَأَنَّهُ إبَاحَةٌ خَاصَّةٌ فِي تَصَرُّفَاتٍ خَاصَّةٍ وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ الْمَمْلُوكِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَرَّرَتْ قَوَاعِدُ الْمُعَاوَضَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ وَشُرُوطُهَا وَأَرْكَانُهَا، وَخُصُوصِيَّاتُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّعَلُّقُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ مِنْ بَابِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ بَلْ فِي الْأَذْهَانِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَنَا أَنْ نُغَيِّرَ الْحَدَّ فَنَقُولُ: الْمِلْكُ إبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ صَاحِبِهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَأَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ، فَبِهَذَا اللَّفْظِ اسْتَقَامَ الْحَدُّ وَظَهَرَ أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي هُوَ نَصْبُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ هُوَ سَبَبًا لِلِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ سَبَبٌ لِمُسَبِّبَاتٍ كَثِيرَةٍ كَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ اهـ. (قُلْت:) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَالْوَضْعِ مَعًا، وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ أَنَّهُمَا قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ الْقَرَافِيِّ فِي حَدِّ الْمِلْكِ، وَقَالَ: إنَّهُ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ، وَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي حَدِّهِ أَنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ، هَذَا إنْ قُلْت: إنَّ الضِّيَافَةَ وَنَحْوَهَا لَا يَمْلِكُهَا مَنْ سُوِّغَتْ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُهَا زِدْنَا فِي الْحَدِّ بَعْدَ قَوْلِنَا: وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ، فَقُلْنَا: أَوْ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً اهـ. وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ وَأَطَالَ فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَيَدْخُلُ فِيهِ النِّكَاحُ وَالْإِجَارَةُ لَيْسَ هُوَ اعْتِرَاضًا عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ النِّكَاحُ وَالْإِجَارَةُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْتَرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى الْبَيْعِ الْأَعَمِّ، وَلَا عَلَى الْمَازِرِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إدْخَالَهُمَا فِيهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُعَلِّمِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ لِبَلَاغَتِهَا وَحِكْمَتِهَا وَحِرْصِهَا عَلَى تَأْدِيَةِ الْمَعْنَى لِلْإِفْهَامِ بِأَدْنَى عِبَارَةٍ تَخُصُّ كُلَّ مَعْنًى بِعِبَارَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا لِلْآخَرِ فِي أَكْثَرِ وُجُوهِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ الْأَمْلَاكُ تَنْتَقِلُ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ سَمَّوْا الْأَوَّلَ بَيْعًا فَحَقِيقَتُهُ نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ، وَلَكِنَّ الْمُعَاوَضَةَ إنْ كَانَتْ عَلَى الرِّقَابِ خَصُّوهَا بِتَسْمِيَةِ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَنَافِعِ خَصُّوهَا بِتَسْمِيَةِ الْإِجَارَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ فُرُوجٍ فَخَصُّوهَا أَيْضًا بِتَسْمِيَتِهَا نِكَاحًا.
، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ التَّنْبِيهِ: الْبَيْعُ بِالْقَوْلِ الْكُلِّيِّ يُطْلَقُ عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ، لَكِنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنَافِعَ أَوْ عَيْنًا، وَنَعْنِي بِالْعَيْنِ كُلَّ ذَاتٍ مُشَارٍ إلَيْهَا، وَالْمَنَافِعُ إنْ كَانَتْ أَبْضَاعَ النِّسَاءِ سُمِّيَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا نِكَاحًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ سُمِّيَ أَيْضًا عَلَى الْإِطْلَاقِ إجَارَةً اهـ. وَقَدْ أَطْلَقَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ وَغَيْرُهُ الْبَيْعَ عَلَى الْإِجَارَةِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ أَبِيعُكَ سُكْنَى دَارِي سَنَةً فَذَلِكَ غَلَطٌ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ كِرَاءٌ صَحِيحٌ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ لِلْبَيْعِ إطْلَاقَيْنِ أَعَمَّ وَأَخَصَّ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. فَالْأَعَمُّ يَشْمَلُ النِّكَاحَ وَالصَّرْفَ وَالسَّلَمَ وَالْإِجَارَةَ وَهِبَةَ الثَّوَابِ، وَالْأَخَصُّ لَا يَشْمَلُ إلَّا الْبَيْعَ، وَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْإِطْلَاقِ الْأَخَصِّ غَلَطَ فِي
الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ عَلَى الْكِرَاءِ فِي اللَّفْظِ وَجَعَلَهُ كِرَاءً صَحِيحًا بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى الْأَعَمِّ، لَكِنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ غَالِبًا فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ ابْنُ عَرَفَةَ النِّكَاحَ وَالْإِجَارَةَ مِنْ حَدِّ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ فَقَالَ: الْبَيْعُ الْأَعَمُّ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ، فَتَخْرُجُ الْإِجَارَةُ وَالْكِرَاءُ وَالنِّكَاحُ وَتَدْخُلُ هِبَةُ الثَّوَابِ وَالصَّرْفِ وَالْمُرَاطَلَةِ وَالسَّلَمِ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الْمُبَادَلَةُ وَالْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ فِي الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى أَعْنِي تَوْلِيَةَ الْبَعْضِ، وَالْقِسْمَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ كَالشَّرِكَةِ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ لِصِدْقِ حَدِّ الْبَيْعِ الْأَعَمِّ عَلَيْهَا، وَلَا تَدْخُلُ الشُّفْعَةُ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّهَا اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ أَخْذَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الَّتِي بَاعَهَا بِثَمَنِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَالْغَالِبُ عُرْفًا أَخَصُّ مِنْهُ بِزِيَادَةِ ذِي مُكَايَسَةٍ أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرَ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ مُعَيَّنٌ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ فَتَخْرُجُ الْأَرْبَعَةُ، وَيَعْنِي بِالْأَرْبَعَةِ هِبَةَ الثَّوَابِ وَالصَّرْفِ وَالْمُرَاطَلَةِ وَالسَّلَمِ، فَتَخْرُجُ مِنْهُ هِبَةُ الثَّوَابِ بِقَوْلِهِ: ذُو مُكَايَسَةٍ، وَالْمُكَايَسَةُ: الْمُغَالَبَةُ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: كَايَسْتُهُ فَكِسْتُهُ أَيْ غَلَبْتُهُ، وَهُوَ يُكَايِسُهُ فِي الْبَيْعِ اهـ. وَالْمُمَاكَسَةُ قَرِيبٌ مِنْ الْمُكَايَسَةِ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: تَمَاكَسَ الْمُتَبَايِعَانِ تَشَاحَّا اهـ. وَيَخْرُجُ الصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ بِقَوْلِهِ: أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرَ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَيَخْرُجُ السَّلَمُ بِقَوْلِهِ: مُعَيِّنٌ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ فِي السَّلَمِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا، بَلْ إنَّمَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي حَدِّهِ لِلْبَيْعِ سَلَمُ الْعِوَضِ فِي عَرَضٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ الَّذِي هُوَ الْعِوَضَانِ لَمْ يَتَعَيَّنَا، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ فَصَدَقَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ غَيْرُ الْعَيْنِ أَيْ جَمِيعُهُ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ بَعْضُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَدَفْعُ عِوَضٍ فِي مَعْلُومٍ قَدْرِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ غَيْرِ مَسْكُوكٍ لِأَجَلٍ سَلَمٌ لَا بَيْعٌ لِأَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَنْفَسِخْ بَيْعُهُ، وَلَوْ بِيعَ مُعَيَّنًا انْفَسَخَ بَيْعُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ اهـ.
(قُلْت:) اُنْظُرْ هَذِهِ الصُّورَةَ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا سَلَمٌ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي حَدِّهِ لِلْبَيْعِ فَتَأَمَّلْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:؛ " لِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّ " عَائِدٌ عَلَى الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِي حَدِّهِ لِلْبَيْعِ السَّلَمُ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى سَلَمًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ بَعْضُ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ كَمَا لَوْ صَالَحَ عَنْ دَيْنٍ لَهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِعِوَضٍ يُسَاوِي ذَلِكَ أَوْ يُقَارِبُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا مُتْعَةَ لَذَّةٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ ظَاهِرُ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَأَجْوِبَتِهَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتِه فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، وَحَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ فَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَهُوَ الْعَالِمُ بِمَا يُحَصِّلُهَا، وَالْمَطْلُوبُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ مَا يُمَيِّزُهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَمَّا يُشَارِكُهَا فِي بَعْضِ حَقَائِقِهَا حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهَا مَا يَسْرِي إلَى النَّفْسِ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: مَا الْإِنْسَانُ، فَيُقَالُ: مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ فَيَحْصُلُ تَمْيِيزُهُ عَنْ بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُسْرِعُ إلَى النَّفْسِ دُخُولُهَا لَا كُلُّ حَقِيقَةٍ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَائِطُ وَالْعَمُودُ وَكُلُّ مُنْتَصِبِ الْقَامَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي هَذَا الْكَلَامِ لَمْ يَقَعْ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، قَالَ بَعْضُ حُذَّاقِ الْمَنْطِقِيِّينَ: وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا مَا يَقَعُ مِنْ حُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَصْدُهُمْ التَّمْيِيزَ عَلَى مَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ فِي النَّفْسِ، وَلَوْ بِأَدْنَى خَاصِّيَّةٍ فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ الْمُتَأَخِّرُونَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ، وَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَكَذَلِكَ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْبَنَّاءِ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ فِي بَعْضِ رُسُومِ التَّلْخِيصِ فَكُلُّ مَنْ عَرَّفَ الْبَيْعَ بِمَا عَرَّفَهُ بِهِ إنَّمَا هُوَ تَصَوَّرَ مَعْرِفَتَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا تَحْصُلُ مَعْرِفَتُهُ بِجَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَبَعْضُهُمْ يُقَسِّمُ الْبَيْعَ الْأَعَمَّ وَيَزِيدُ فِي التَّفْصِيلِ فِي بَيْعِ الْمَنَافِعِ فَيَقُولُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْعَ أَعْيَانٍ أَوْ بَيْعَ مَنَافِعَ، وَالْمَنَافِعُ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَنَافِعُ جَمَادٍ وَهُوَ الْمُتَرْجَمُ لَهُ بِأَكْرِيَةِ الدُّورِ
وَالْأَرْضِينَ، وَمَنَافِعُ حَيَوَانٍ.
وَالْحَيَوَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ: حَيَوَانٌ لَا يَعْقِلُ وَهُوَ الْمُتَرْجَمُ لَهُ بِأَكْرِيَةِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ، وَحَيَوَانٌ يَعْقِلُ.
وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْفُرُوجِ، وَهُوَ النِّكَاحُ وَالْخُلْعُ أَوْ بِغَيْرِ الْفُرُوجِ، وَهُوَ الْجُعْلُ وَالْإِجَارَةُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى اصْطِلَاحِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ التَّرَاجِمَ الْمَذْكُورَةَ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْسِيمِ مَنَافِعُ الْعَرْضِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ غَالِبًا إجَارَةً، وَبَيْعُ الْأَعْيَانِ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَيْثِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَيَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ تَأْجِيلُ أَحَدِ عِوَضَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَأْجِيلٌ فَهُوَ بَيْعُ النَّقْدِ، وَإِنْ تَأَجَّلَا مَعًا ابْتِدَاءً فَهُوَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَإِنْ تَأَجَّلَ الثَّمَنُ فَقَطْ فَهُوَ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ، وَإِنْ تَأَجَّلَ الْمَثْمُونُ فَقَطْ فَهُوَ السَّلَمُ، وَيَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ أَحَدِ عِوَضَيْهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ، وَبَيْعُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ، وَبَيْعُ الْعَرْضِ بِالْعَيْنِ.
وَيَنْقَسِمُ بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ جِنْسُ الْعِوَضَيْنِ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَعَكْسِهِ فَهُوَ الصَّرْفُ، وَإِنْ اتَّحَدَا فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِالْوَزْنِ فَهُوَ الْمُرَاطَلَةُ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَدَدِ فَهُوَ الْمُبَادَلَةُ، وَيَنْقَسِمُ الْبَيْعُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ رُؤْيَةِ الْمُثَمَّنِ وَعَدَمِ رُؤْيَتِهِ إلَى قِسْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَرْئِيًّا أَوْ فِي حُكْمِ الْمَرْئِيِّ فَهُوَ بَيْعُ الْحَاضِرِ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعٌ غَائِبٌ، وَيَنْقَسِمُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ بَتِّ عَقْدِهِ وَعَدَمِ بَتِّهِ إلَى قِسْمَيْنِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِصَاحِبِهِ خِيَارًا فَهُوَ بَيْعٌ بَتٌّ، وَالْبَتُّ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطَعَ خِيَارَ صَاحِبِهِ، وَإِنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ أَوْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ الْخِيَارَ فَهُوَ بَيْعُ الْخِيَارِ، وَيَنْقَسِمُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَرَتُّبِ الثَّمَنِ فِيهِ عَلَى ثَمَنٍ سَابِقٍ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُتَرَتِّبًا عَلَى ثَمَنٍ سَابِقٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: اُذْكُرْ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَيْتَ بِهِ سِلْعَتَكَ وَأَرْبَحَكَ كَذَا فَهُوَ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مُتَرَتِّبًا عَلَى ثَمَنٍ سَابِقٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُزَايَدَةٍ، وَبَيْعُ اسْتِئْمَانٍ وَاسْتِرْسَالٍ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُفْسِدُهُ إلَى قِسْمَيْنِ: صَحِيحٍ، وَفَاسِدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مُبَايِنٌ لِقَسِيمَيْهِ وَأَعَمُّ مِنْ قَسِيمِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِلَى بَعْضِ هَذِهِ التَّقَاسِيمِ أَشَارَ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَحُصُولُ عَارِضِ تَأْجِيلِ عِوَضِهِ لِلْعَيْنِ، وَرُؤْيَةُ عِوَضِهِ غَيْرُ الْعَيْنِ حِينَ عَقْدِهِ وَبَتِّهِ، وَعَدَمُ تَرَتُّبِ ثَمَنِهِ عَلَى ثَمَنٍ سَابِقٍ وَصِحَّتِهِ، وَمُقَابِلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِعَدَدِهِ الْمُؤَجَّلِ، وَنَقْدُ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ وَبَتٍّ وَخِيَارٍ وَمُرَابَحَةٍ وَغَيْرِهَا، وَصِحَّةُ وَفَسَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُبَايِنٌ لِمُقَابِلِهِ وَأَعَمُّ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ اهـ. وَانْظُرْ الْقَوَانِينَ فِي تَقْسِيمِ الْمَكَاسِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَكُونُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَكُونُ عَلَى الْمَنَافِعِ أَنَّ الْمِلْكِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، وَقَالَ الْقَرَافِيِّ فِي الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: إنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ الْمِلْكُ فِي الْبَيْعِ يَحْصُلُ فِي الْأَعْيَانِ وَالْإِجَارَةِ فِي الْمَنَافِعِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلْ الْأَعْيَانُ كُلُّهَا لَا يَمْلِكُهَا إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُوَ التَّصَرُّفُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَصَرُّفُ الْخَلْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنَافِعِ فَقَطْ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَتَحْقِيقُ الْمِلْكِ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ فَهُوَ الْإِجَارَةُ وَفُرُوعُهَا مِنْ الْمُسَاقَاةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ عَلَى أَنْ لَا يَرُدَّ الْعَيْنَ بَلْ يُبْدِلُهَا بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ فَهُوَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ اهـ وَقَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ إلَّا قَوْلَهُ: إنَّ الْمِلْكَ التَّصَرُّفُ، فَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا قَرَّرَ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي الْقَرَافِيَّ قَبْلَ هَذَا وَعِنْدِي فِي هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَقْتَضِي تَمْكِينَ صَاحِبِهَا
مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ إلَى آخِرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا حَاصِلٌ فِي الْعَيْنِ وَلَيْسَ هُوَ التَّصَرُّفُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ التَّصَرُّفُ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَخْصُوصٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ كَهَدْمِ الدَّارِ وَبُنْيَانِهَا وَزَرْعِ الْأَرْضِ وَحَرْثِهَا وَتَقْطِيعِ الثِّيَابِ وَخِيَاطَتِهَا وَطَحْنِ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ وَذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ وَكُلِّ شَيْءٍ أُذِنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُ بِهِ تَصَرُّفٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وَالْفَاعِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُتَصَرِّفُ التَّصَرُّفَ الْحَقِيقِيَّ الْمُطْلَقَ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَمَّا تَصَرُّفُ الْعِبَادِ وَأَفْعَالُهُمْ؛ فَإِنَّمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَادَةَ بِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ خَلَقَ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ عِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكْمُ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْجَوَازُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَمَا أَنَّ حَقِيقَتَهُ مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ النَّاسِ فَحُكْمُهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَالِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ وَالْمَجَالِسِ إنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ التَّبَرُّكِ بِذِكْرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ مَعَ تَمْرِينِ الطَّلَبَةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ اهـ، وَدَلِيلُهُ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] وَمِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْ بَيْعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشِرَائِهِ وَإِذْنِهِ فِي الْبَيْعِ وَوُقُوعِهِ بِحَضْرَتِهِ، وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَادِيثَ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَمْ مَنَعُوهُ» وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» وَهَذَا مَوْضِعُ الدَّلِيلِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالْبَيْعُ الْمَبْرُورُ الَّذِي بَرَّ فِيهِ صَاحِبُهُ فَلَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيهِ وَلَا بِهِ وَلَا مَعَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَعَزَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالنَّدْبُ كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا فَيُنْدَبُ إلَى إجَابَتِهِ؛ لِأَنَّ إبْرَارَ الْمُقْسِمِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ، وَتَعْرِضُ لَهُ الْكَرَاهَةُ كَبَيْعِ الْهِرِّ وَالسِّبَاعِ لَا لِأَخْذِ جُلُودِهَا، وَالتَّحْرِيمُ كَالْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الرِّفْقُ بِالْعِبَادِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى حُصُولِ الْمَعَاشِ وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ احْتِكَارِ مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ، قَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ مَالِكٌ وَالْحُكْرَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ عُصْفُرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَمَا كَانَ احْتِكَارُهُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ مُنِعَ مُحْتَكِرُهُ مِنْ الْحُكْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ وَلَا بِالْأَسْوَاقِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: «لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ» هَذَا الْحَدِيثُ بِحُكْمِ إطْلَاقِهِ أَوْ عُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِكَارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ قَدْ يُقَيَّدُ وَالْعُمُومَ قَدْ يُخَصَّصُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنَّهُ قَدْ ادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا يَدَّخِرُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْ قُوتٍ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ جَائِزٌ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِذَا مَقْصُودُ هَذَا مَنْعُ التُّجَّارِ مِنْ الِادِّخَارِ، ثُمَّ هَلْ يُمْنَعُونَ مِنْ ادِّخَارِ كُلِّ شَيْءٍ، وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ هَذَا فِيمَنْ اشْتَرَى فِي الْأَسْوَاقِ، فَأَمَّا مَنْ جَلَبَ طَعَامًا؛ فَإِنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ احْتَكَرَ إلَّا إنْ نَزَلَتْ حَاجَةٌ فَادِحَةٌ أَوْ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ بِسِعْرِ وَقْتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُجْبِرَ عَلَى
ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْمُهَجِ وَإِبْقَاءً لِلرَّمَقِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْأَسْوَاقِ وَاحْتَكَرَ وَأَضَرَّ بِالنَّاسِ فَيَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ بِالسِّعْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «كَانَ يُنْفِقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ» فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ادِّخَارِ قُوتِ الْعِيَالِ سَنَةً، وَلَا خِلَافَ فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ غَلَّةِ الْمُدَّخَرِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ السُّوقِ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ إذَا أَضَرَّ بِالنَّاسِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الِادِّخَارِ مُطْلَقًا، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الِاشْتِرَاءِ مِنْ السُّوقِ، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي وَقْتِ ضِيقِ الطَّعَامِ فَلَا يَجُوزُ، بَلْ يَشْتَرِي مَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَقُوتِ أَيَّامٍ أَوْ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ سَعَةٍ اشْتَرَى قُوتَ سَنَةٍ كَذَا نَقَلَ الْقَاضِي هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ قَوْمٍ إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا، قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الِاحْتِكَارِ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ كَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ إنْسَانٍ وَاضْطُرَّ النَّاسُ إلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِلْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ الصِّيغَةُ الثَّانِي الْعَاقِدُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خَمْسَةٌ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي يَشْتَرِكَانِ فِي الشُّرُوطِ عَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظِ الْعَاقِدِ وَكَذَا الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ:
ص (يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ)
ش: وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَرْكَانِ فِي الْوُجُودِ ثُمَّ بَعْدَهُ يَحْصُلُ تَقَابُضُ الْعِوَضَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: الْعَاقِدُ سَابِقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ كَلَامٌ أَوْ فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنْهُ وَهُمَا صِفَةٌ لَهُ وَصِفَةُ الشَّيْءِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إذَا أَمْعَنْتَ النَّظَرَ وَجَدْتُ الْعَاقِدَ مَحَلَّ الرُّكْنِ وَمَحَلَّ الْمَاهِيَّةِ أَوْ مَحَلَّ رُكْنِهَا كَمَا يَكُونُ رُكْنًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، فَالْعَاقِدُ إنَّمَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ مِنْهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَعْنِي أَنَّ الرُّكْنَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْبَائِعِ وَيُسَمَّى الْإِيجَابَ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُسَمَّى الْقَبُولَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّالُّ قَوْلًا كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُكَ وَأَعْطَيْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ بِكَذَا وَشَبَهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْتُ وَابْتَعْتُ وَقَبِلْتُ وَشَبَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ فِعْلًا كَالْمُعَاطَاةِ وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ، قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ هِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ فَيُعْطِيَهُ الْمُثَمَّنَ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ، وَلَا اسْتِيجَابٍ، انْتَهَى.
لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا عُرْفًا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ أَخْذُ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ بِعِوَضٍ تَرْضَاهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْقَوْلُ وَيَكْفِي الْفِعْلُ كَالْمُعَاطَاةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الرِّضَا رُكْنٌ فِي الْبَيْعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الرِّضَا الْمُسَمَّى بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ تَارَةً يَكُونُ قَوْلًا فَلَا كَلَامَ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِهِ كَمَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِكَذَا، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِالْإِمْضَاءِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَتَارَةً يَكُونُ فِعْلًا وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجَمَاعَةٌ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالْقَوْلِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى انْعِقَادِهِ بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الرِّضَا وَاخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِهِ بِالْمُعَاطَاةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى انْعِقَادِهِ بِهَا مُطْلَقًا وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ بِهَا فِي الْمُحَقَّرَاتِ خَاصَّةً وَإِلَيْهِ مَالَ الْغَزَالِيُّ، انْتَهَى.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَا دَلَالَةَ لَهُ بِالْوَضْعِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَفْعَالَ، وَإِنْ انْتَفَتْ مِنْهَا الدَّلَالَةُ الْوَضْعِيَّةُ فَفِيهَا دَلَالَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وَهِيَ كَافِيَةٌ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ التِّجَارَةِ إنَّمَا هُوَ أَخْذُ مَا فِي يَدِ غَيْرِكَ بِدَفْعِ عِوَضٍ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمَا فَتَكْفِي دَلَالَةُ الْعُرْفِ
فِي ذَلِكَ عَلَى طِيبِ النَّفْسِ وَالرِّضَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُعَاطَاةً وَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ مُخْتَلِفًا فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِهِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ يَعْنِي أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الرِّضَا يَكْفِي فِيهَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ دَلَالَةً عُرْفِيَّةً، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُعَاطَاةً وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ الْمَحْضَةِ الْعَارِي عَنْ الْقَوْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُضُورِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، وَلِذَا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَثْنَاءَ كَلَامِهِ فِي بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَبِيَاعَاتُ زَمَانِنَا فِي الْأَسْوَاقِ إنَّمَا هِيَ بِالْمُعَاطَاةِ فَهِيَ مُنْحَلَّةٌ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَوْلِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنْ بَابِ أَحْرَى وَسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَبِالْإِشَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْمُعَاطَاةِ؛ لِأَنَّهَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كَلَامٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ مُعَاطَاةً فِي حَمَالَتِهَا مَا فُهِمَ أَنَّ الْأَخْرَسَ فَهِمَهُ مِنْ كَفَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ الْبَاجِيُّ كُلُّ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ مِنْهَا الْبَيْعُ، انْتَهَى.
(قُلْت:) وَغَيْرُ الْأَخْرَسِ كَالْأَخْرَسِ، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ وَنَصَّهُ وَكَذَا غَيْرُ الْأَخْرَسِ إذَا فُهِمَ عَنْهُ بِالْإِشَارَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَخْرَسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ غَيْرُهَا، انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ وَنَصُّهُ فِي الْمُنْتَقَى وَكُلُّ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهَا الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِبِعْنِي
ص (وَبِبِعْنِي فَيَقُولُ بِعْتُك)
ش: هُوَ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ وَيَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا إذَا قَالَ لَهُ الْبَائِعُ بِعْتُك يُرِيدُ أَوْ صَدَرَ مِنْهُ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا عَلَى فَائِدَتَيْنِ الْأُولَى مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْأَقْوَالِ كَوْنُهَا دَالَّةً عَلَى الرِّضَا فِي الْعُرْفِ.
وَلَوْ كَانَتْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ فِيهَا احْتِمَالٌ لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِمَنْ بِيَدِهِ سِلْعَةٌ بِعْنِي سِلْعَتَك بِعَشْرَةٍ لَا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ إمَّا آمِرٌ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ مُلْتَمِسٌ مِنْهُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِهِ أَوْ غَيْرَ رَاضٍ بِهِ لَكِنَّ الْعُرْفَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ طَالِبٌ وَمَرِيدٌ لِلْبَيْعِ وَرَاضٍ بِهِ؛ لِأَنَّ بِعْنِي صَرِيحٌ فِي أَمْرِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالْبَيْعِ وَاسْتِدْعَائِهِ مِنْهُ وَطَلَبِهِ لَهُ وَإِرَادَتِهِ إيَّاهُ وَحُصُولِ مَطْلُوبٍ يَصِيرُ بِهِ مُبْتَاعًا، فَإِذَا أَجَابَهُ الْبَائِعُ بِحُصُولِ مَطْلُوبِهِ فَقَدْ تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَهُ مِنْ وُجُودِ الْبَيْعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَجَابَهُ الْبَائِعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَلَوْ، قَالَ الْبَائِعُ بَعْدَ بِعْتُك لَا أَرْضَى؛ لِأَنِّي لَمْ أُرِدْ إيجَابَ الْبَيْعِ وَيُعَدُّ، قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ لَا أَرْضَى نَدَمًا وَلَيْسَتْ كَمَسْأَلَةِ السَّوْمِ الْآتِيَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْمَعْهَا مَعَهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي كِتَابِ ابْنِ مُزَيْنٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَجَّحَهُ وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَرَجَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَنَصُّهُ الْبَيْعُ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ وَيَلْزَمُ بِوُجُودِهِمَا بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَإِذَا، قَالَ بِعْنِي فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِعْتُك فَحَكَى أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ الْمُشْتَرِي بَعْدُ اشْتَرَيْتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقَلُوهُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إيجَابًا وَقَبُولًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ.
وَكُلُّ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ فُهِمَ مِنْهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَزِمَ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ إلَّا أَنَّ فِي الْأَلْفَاظِ مَا هُوَ صَرِيحٌ مِثْلُ بِعْتُك بِكَذَا فَيَقُولُ قَبِلْتُ أَوْ ابْتَعْتُ مِنْكَ فَيَقُولُ بِعْتُ فَهَذَا يَلْزَمُهَا، وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُحْتَمَلَةُ، فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ
بِهَا بِمُجَرَّدِهَا حَتَّى يَتَنَزَّلَ بِهَا عُرْفٌ أَوْ عَادَةٌ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيْعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَاعُ بِكَمْ فَيَقُولُ الْبَائِعُ بِدِينَارٍ فَيَقُولُ قَبِلْت فَيَقُولُ الْبَائِعُ لَا أَبِيعُكَ؛ فَإِنْ كَانَ فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَرَوَى أَشْهَبُ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ، انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ مَلْزُومُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَرْضَى هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ فَإِنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُسَاوَمَةِ الْآتِيَةِ، قَالَ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ؛ فَإِنْ، قُلْت: لِرَجُلٍ بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ قَدْ فَعَلْت فَقُلْت لَا أَرْضَى، قَالَ، قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَقَفَ سِلْعَةً لِلسَّوْمِ فَقُلْت لَهُ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِعَشَرَةٍ فَقُلْت قَدْ رَضِيتُ، فَقَالَ: لَا أَرْضَى أَنَّهُ يَحْلِفُ مَا سَاوَمْتُكَ عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ، انْتَهَى.
وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ وَعَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى ضَعْفِ قِيَاسِ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا، قَالَ بِعْنِي فَقَدْ طَلَبَ ذَلِكَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ كَمَا تَقَدَّمَ
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَوْقَفَهَا لِلْبَيْعِ أَوْ لِيَعْلَمَ الْمِقْدَارَ الَّذِي تُسَاوِيهِ ثُمَّ لَا يَبِيعُهَا أَوْ يَبِيعُهَا مِنْ آخَرَ طَلَبَهَا مِنْهُ، فَإِذَا، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: بِكَمْ؟ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ عَنْهُ بِكَمْ تَبِيعُهَا أَوْ بِكَمْ اشْتَرَيْتهَا، فَإِذَا، قَالَ لَهُ السَّائِلُ قَدْ رَضِيتهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ جَوَابِ الْبَائِعِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا صَرِيحًا أَوْ ظَاهِرًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ مُحْتَمَلًا حَلَّفَهُ مَالِكٌ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ وَأَلْزَمَهُ غَيْرُهُ الْبَيْعَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالِاحْتِمَالُ إنَّمَا قَوِيَ فِي كَلَامِهِ مِنْ جِهَةِ وَقْفِ السِّلْعَةِ لِلْبَيْعِ وَهِيَ قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْقَرِينَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى مَقَالِيَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِعَشَرَةٍ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَقْوَى مِنْ الْقَرِينَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَلَعَلَّ مَالِكًا لَوْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَبِلَ فِيهَا مِنْ الْمُشْتَرِي يَمِينًا، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلِذَلِكَ اخْتَصَرَهَا الْبَرَاذِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا كَانَ جَوَابُ ابْنِ الْقَاسِمِ يُوهِمُ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ لِلسُّؤَالِ أَوْ قِيَاسُهُ مُشْكِلًا، وَإِنْ سَلِمَتْ مِنْ ذَلِكَ ذَكَرُوهَا بِلَفْظٍ مُخْتَصَرٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجْمَعْهَا مَعَ مَسْأَلَةِ السَّوْمِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَوْ قُلْنَا مَشَى عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَنَقُولُ: تَكَلَّمَ عَلَى مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ إنْكَارٌ، وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ تَكَلَّمَ فِيهَا عَلَى مَا إذَا وَقَعَ إنْكَارٌ لَكِنَّ الْمَحْمَلَ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيهٌ الصِّيغَةُ فِي الْبَيْعِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ الْبَائِعُ اشْتَرِ مِنِّي هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا أَوْ خُذْهَا فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ أَوْ قَبِلْت أَوْ فَعَلْت وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا فَيَقُولُ: لَهُ الْبَائِعُ بِعْتُك، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَكَبِعْنِي لَكَانَ أَحْسَنَ.
(الثَّانِي) إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي: أَتَبِيعُ سِلْعَتَكَ بِكَذَا.؟ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: نَعَمْ أَوْ بِعْتُكهَا فَقَالَ: الْمُشْتَرِي مَا أَرَدْتُ الشِّرَاءَ فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ السَّوْمِ الْآتِيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَكَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمَا بَلْ هِيَ أَحْرَى بِعَدَمِ اللُّزُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَصُّ كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: بِعْنِي فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ بِعْنِي لَفْظُ إيجَابٍ فَلَعَلَّهُ إنَّمَا فَهِمَ مِنْهُ أَتَبِيعُنِي عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ مَسْأَلَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِمَّا يُعَارِضُهَا الْمُذَاكِرُونَ وَيَقُولُونَ لَا تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ مَالِكٍ قِيلَ لِلْبَائِعِ: بِكَمْ تَبِيعُ فَقَالَ: بِكَذَا فَتَقْدِيرُهَا أَبِيعُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَنْ قَالَ يَبِيعُهَا فِي
الْمُسْتَقْبَلِ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بَيْعًا، بِخِلَافِ بِعْنِي فَإِنَّهُ لَفْظُ إيجَابٍ، وَسُئِلَ عَنْهَا ابْنُ الْكَاتِبِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: أَتَبِيعُنِي أَبُو الْحَسَنِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْكَاتِبِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلَالَةٍ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَقُولُ بِعْتُك يُرِيدُ أَوْ أَعْطَيْتُكَ أَوْ خُذْهَا أَوْ قَبِلْتُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ لَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فَيَقُولُ فَعَلْتُ، انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: دُونَكَهَا بِعَشَرَةٍ وَبُورِكَ لَكَ فِيهَا أَوْ سَلَّمْتُهَا إلَيْكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: خُذْهَا بِعَشَرَةٍ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ كَلَامُ التَّوْضِيحِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبَيْنَ النِّكَاحِ فِي أَنَّهُ فِي النِّكَاحِ يَلْزَمُ بِقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي فَيَقُولُ فَعَلْتُ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لَا أَرْضَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِابْتَعْتُ أَوْ بِعْتُكَ وَيَرْضَى الْآخَرُ فِيهِمَا)
ش: هُوَ أَيْضًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ فِي قَوْلِ الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ مِنْك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا أَوْ اشْتَرَيْتُهَا أَوْ أَخَذْتُهَا إذَا صَدَرَ مِنْ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ الْبَائِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّالُّ عَلَى رِضَاهُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا كَأَنْ يُعْطِيَهُ الْمَبِيعَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ: بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا أَوْ أَعْطَيْتُكهَا أَوْ مَلَّكْتُكَهَا بِكَذَا إذَا صَدَرَ مِنْ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، بِأَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ بِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ مِنْ أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ وَفِعْلٍ مِنْ الْآخَرِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ: وَيَرْضَى الْآخَرُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: الْآخَرُ أَيْ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فِيهِمَا لِلصُّورَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُ الْمُتَكَلِّمَ أَوَّلًا، وَلَوْ قَالَ الْآخَرُ بَعْدَ مَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مَا أَرَدْتُ الشِّرَاءَ أَوْ مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا أَوْ أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَوْ نَحْوَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُقَرِّبِهِ وَمُنْتَخَبِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا الْآتِيَتَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمَاضِي أَوْ الْمُضَارِعِ وَحَكَمَ بِاللُّزُومِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَوْ، قَالَ الْآخَرُ: لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ وَلَمْ أُرِدْ الشِّرَاءَ وَسَاقَهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ، وَنَقَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَرْبَعَ عَنْهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوا كَلَامَهُ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا بَعْدَ مَسْأَلَةِ السَّوْمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ: فَلَوْ قُلْت لَهُ: أَخَذْتُ مِنْكَ غَنَمَكَ هَذِهِ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ: ذَلِكَ لَكَ فَقَدْ لَزِمَكَ الْبَيْعُ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَلَفَ وَإِلَّا لَزِمَ إنْ قَالَ: أَبِيعُكَهَا بِكَذَا أَوْ أَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَنْعَقِدُ فِيهِمَا الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ أَوْ مَا أَرَدْتُ الشِّرَاءَ ذَكَرَ مَا يَنْعَقِدُ فِيهِ الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ أَوْ مَا أَرَدْتُ الشِّرَاءَ؛ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ جِهَتِهِ مُحْتَمِلًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ وَهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعَ مَسْأَلَةِ السَّوْمِ الْآتِيَةِ.
أَمَّا هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ فَالْأُولَى مِنْهُمَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُكَ سِلْعَتِي بِكَذَا أَوْ أُعْطِيكَهَا بِكَذَا فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَقَالَ: الْبَائِعُ لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِهَا أَوْ كُنْتُ مَازِحًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَبِيعُكَهَا إيجَابَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا ذَكَرَ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ، وَقَوْلُنَا فَأَجَابَهُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وَقَوْلُنَا: فَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: حَلَفَ وَإِلَّا لَزِمَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ إنْكَارٌ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي
لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ: أَنَا أَشْتَرِي مِنْك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا أَوْ أَبْتَاعُهَا أَوْ آخُذُهَا فَأَجَابَهُ الْبَائِعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي مَا أَرَدْتُ الشِّرَاءَ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْأُولَى فَفَاعِلُ حَلَفَ.
وَقَالَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ: أَبِيعُكَهَا، وَالْمُشْتَرِي إنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهَا، وَفَاعِلُ لَزِمَ يَعُودُ إلَى الْبَيْعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ مَعَ الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَوْقَهُمَا، وَعَنْهُ نَقَلَهُمَا ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُمْ وَقَبِلُوهُ، وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي مُنْتَخَبِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ السَّوْمِ الْآتِيَةَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَأَيْتُ فِيمَا أَمْلَاهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَهَا بِكَذَا أَوْ قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا بِكَذَا أَوْ قَدْ أَخَذْتُهَا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَبَى الْبَائِعُ وَقَالَ: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ لَمْ يَنْفَعْهُ وَلَزِمَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ ابْتَعْتُ مِنْكَ سِلْعَتَكَ بِكَذَا أَوْ قَدْ أَخَذْتُهَا مِنْكَ بِكَذَا فَرَضِيَ الْبَائِعُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ، وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ أَنَا: إمَّا أَبِيعُكَهَا أَوْ أُعْطِيكَهَا بِكَذَا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ فَذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أَشْتَرِيهَا أَوْ آخُذُهَا مِنْكَ بِكَذَا فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الْبَائِعُ: لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ فَذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ فَافْهَمْ افْتِرَاقَ هَذِهِ الْوُجُوهِ اهـ. وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مُقَرِّبِهِ وَزَادَ بَعْدَهُ وَهِيَ كُلُّهَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَرِيقَةُ فُتْيَاهُ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي الْمُقَرِّبِ: لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنَا أَفْعَلُ وَعْدٌ وَعَدَهُ إيَّاهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ فَعَلْتُ إيجَابٌ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَافْتَرَقَا، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي الْمُقَرِّبِ: وَحَاصِلُهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمَاضِي فَتَلْزَمُ أَوْ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَيَحْلِفُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمَاضِي لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ رُجُوعٌ، وَإِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ عَلَى مَا أَرَادَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ الْمُعْتَبَرَ فِي صِيَغِ عُقُودِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ: إنَّمَا هُوَ أَلْفَاظُ الْإِنْشَاءِ وَجَرَى الْعُرْفُ فِيهَا بِاسْتِعْمَالِ صِيغَةِ الْمَاضِي وَلَمْ يَجْرِ بِالْمُضَارِعِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَوْ جَرَى الْأَمْرُ فِيهَا بِالْعَكْسِ لَانْعَكَسَ الْأَمْرُ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ هُوَ صَحِيحٌ اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] الْبَيْعُ قَوْلٌ وَإِيجَابٌ بِاللَّفْظِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبِلِ فَالْمَاضِي فِيهِ حَقِيقَةٌ وَالْمُسْتَقْبَلُ كِنَايَةٌ وَيَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَبِالْكِنَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا نَقْلُ الْمِلْكِ اهـ. وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْخِلَافَ الْآتِي فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ يَدْخُلُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْآتِيَةَ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَعْنِي قَوْلَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أَشْتَرِيهَا بِكَذَا، وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهَا يَدْخُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَفِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَمِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَسُومُ بِالدَّابَّةِ فَيَقُولُ لَهُ رَجُلٌ: تَبِيعُنِي بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: لَا أَفْعَلُ إلَّا بِكَذَا فَيَقُولُ لَهُ الْمُشْتَرِي: أَنْقِصْنِي دِينَارًا فَيَقُولُ: لَا أُنْقِصُ فَيَقُولُ لَهُ الْمُشْتَرِي: قَدْ أَخَذْتُهَا بِمَا قُلْت: أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ الْبَيْعُ الْبَائِعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا إذْ تَبَيَّنَ بِتَرَدُّدِ الْمُمَاكَسَةِ أَنَّهُ مُجِدٌّ فِي السَّوْمِ غَيْرَ لَاعِبٍ اهـ. وَنَقَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَابْنِ يُونُسَ وَنَصُّهُ: قُلْتُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ:
مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: تَبِيعُنِي دَابَّتَكَ بِكَذَا فَيَقُولُ: لَا إلَّا بِكَذَا فَيَقُولُ: أَنْقِصْنِي دِينَارًا فَيَقُولُ: لَا فَيَقُولُ أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ لَزِمَ الْبَائِعَ الْبَيْعُ ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا لِدَلَالَةِ تَرَدُّدِ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَاعِبٍ.
(قُلْت:) مُقْتَضَى تَبِيعُنِي جَوَابُهُ بَايَعْتُكَ فَإِلْزَامُهُ الْبَيْعَ يُعَارِضُهُ نَقْلُ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ أَوْ يُقَيِّدُهُ بِغَيْرِ الْمُمَاكَسَةِ اهـ.
(قُلْت:) تَأَمَّلْ قَوْلَهُ: مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَبِيعُنِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ أَبِيعُكَ؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ السُّؤَالُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ أَوْ الْمَاضِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَلَا شَكَّ أَنَّ تَرَدُّدَ الْمُمَاكَسَةِ فِيهَا يَنْفِي احْتِمَالَ عَدَمِ إرَادَةِ الْبَيْعِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، فَلِذَلِكَ لَزِمَ فِيهَا الْبَيْعُ، فَيُقَيَّدُ كَلَامُ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ بِأَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِالْكَلَامِ مَا يَنْفِي احْتِمَالَ عَدَمِ إرَادَةِ الْبَيْعِ، وَلَوْلَا تَرَدُّدُ الْمُمَاكَسَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَكَانَتْ كَمَسْأَلَةِ السَّوْمِ الْآتِيَةِ أَوْ أَحْرَى كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُمَاكَسَةُ هِيَ الْكَلَامُ فِي مُنَاقَصَةِ الثَّمَنِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَكْسِ، وَهُوَ مَا يُنْقِصُهُ الظَّالِمُ وَيَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ النَّاسِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ تَسَوَّقَ بِهَا فَقَالَ: بِكَمْ؟ فَقَالَ: بِمِائَةٍ فَقَالَ: أَخَذْتُهَا)
ش: هَذِهِ مَسْأَلَةُ السَّوْمِ الْمُتَقَدِّمَةُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْعَقِدُ فِيهَا الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُنْكِرُ لِإِرَادَةِ الْبَيْعِ وَهُوَ الْبَائِعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ: تَسَوَّقَ بِهَا أَيْ أَوْقَفَهَا فِي السُّوقِ لِلسَّوْمِ، وَفَاعِلُ تَسَوَّقَ ضَمِيرٌ يَعُودُ لِلْبَائِعِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا يَعُودُ لِلسِّلْعَةِ، وَفَاعِلُ قَالَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ يَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَفَاعِلُ قَالَ الثَّانِي يَعُودُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَخَذْتُهَا وَهِيَ فَقَالَ صَاحِبُهَا: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَحَلَفَ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَمِيعُ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ وَيُفَرِّقُهُ ذِهْنُ السَّامِعِ، وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ أَوْقَفَ سِلْعَتَهُ فِي السُّوقِ لِلسَّوْمِ فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: بِكَمْ تَبِيعُهَا فَقَالَ: صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِمِائَةٍ مَثَلًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَخَذْتُهَا بِهَا فَقَالَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ: مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِهَا أَوْ كُنْتُ لَاعِبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إيجَابَ الْبَيْعِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ وَمَا سَاوَمَهُ إلَّا عَلَى كَذَا لِلْأَمْرِ الَّذِي يَذْكُرُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ وَلِمَالِكٍ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى، وَنَصُّهُ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ قَدْ وَقَفَ عَبْدَهُ لِلْبَيْعِ بِكَمْ عَبْدُك هَذَا فَيَقُولُ: بِعِشْرِينَ دِينَارًا فَيَقُولُ: أَخَذْتُهُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ مُجِيبًا مَكَانَهُ: لَا أَبِيعُهُ بِذَلِكَ أَتَرَى الْبَيْعَ لَازِمًا لَهُ.؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ السَّائِمُ: أَنَا آخُذُهُ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: الْبَائِعُ قَدْ بِعْتُك بِذَلِكَ فَقَالَ: السَّائِمُ: لَا آخُذُهُ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ، هَذَا خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ بَيْعِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ وَلَا الْمُشْتَرِيَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مُبْنَى مِنْهُ عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا لِأَمْرٍ يَذْكُرُهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إنْ كَانَ الَّذِي سَمَّى قَدْرَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ وَكَانَتْ تُبَاعُ بِمِثْلِهِ لَزِمَهُمَا الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ثَمَنَهَا حَلَفَ أَنَّهُ لَاعِبٌ وَلَمْ يَلْزَمْهُ، انْتَهَى.
فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ وَهَكَذَا نَقَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَصُّ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَنْ قَالَ لِمَنْ وَقَفَ سِلْعَتَهُ لِلْبَيْعِ بِكَمْ هِيَ فَقَالَ: بِكَذَا فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِهِ فَقَالَ: لَا أَرْضَى فَفِي لُزُومِ الْبَيْعِ لِمَنْ أَوْقَفَهَا وَلَغْوِهِ إنْ حَلَفَ مَا سَاوَمَهُ عَلَى الْإِيجَابِ، ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الثَّمَنُ ثَمَنَهَا أَوْ مَا تُبَاعُ بِهِ وَإِلَّا فَالثَّانِي لِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، وَلَهُمَا وَلِابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ ابْنُ رُشْدٍ وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّائِمُ أَنَا آخُذُهَا بِكَذَا فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكهَا بِهِ فَقَالَ:
لَا أَرْضَى، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ أَوْ مَا تُبَاعُ بِهِ لَعَلَّهُ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْبَيَانِ بِأَوْ، وَأَمَّا الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ: وَكَانَتْ تُبَاعُ بِالْوَاوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ: وَقَوْلُ أَشْهَبَ وَهَذَا لَعَمْرِي الْأَشْبَهُ إذَا كَانَ عَادَةُ مَنْ يُسَاوِمُ إنَّمَا يَذْكُرُ مَا يَبِيعُ بِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ عُذْرٌ ظَاهِرٌ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ السَّائِمُ: أَنَا آخُذُهَا بِكَذَا فَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُكَهَا بِذَلِكَ فَقَالَ السَّائِمُ: لَا آخُذُهَا بِذَلِكَ هِيَ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ الْمُتَقَدِّمَةُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ هَذِهِ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِذَا دَخَلَ فِيهَا فَلَا شَكَّ فِي دُخُولِهِ فِي أُخْتِهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ مِنْ شَرْحِ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ مَنْقُولٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهَا مِثْلُهَا سَوَاءٌ، وَالثَّالِثَةُ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيهَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ أَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَرِيقُ فُتْيَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ إنَّمَا هِيَ فِي السِّلْعَةِ الْمَوْقُوفَةِ لِلسَّوْمِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً لِلسَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّهَا إنَّهُ كَانَ لَاعِبًا وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ صِدْقُ قَوْلِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ، وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي السِّلْعَةِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا إنْ لَقِيَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي غَيْرِ السُّوقِ فَقَالَ: بِكَمْ عَبْدُك هَذَا أَوْ ثَوْبُكَ هَذَا أَوْ لِشَيْءٍ لَمْ يُوقِفْهُ لِلْبَيْعِ فَقَالَ: بِكَذَا فَقَالَ: أَخَذْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: رَبُّهُ لَا أَرْضَى إنَّمَا أَنَا لَاعِبٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ صِدْقُ قَوْلِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ قَوْلًا وَاحِدًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ فِي هَذَا الرَّسْمِ بِعَيْنِهِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ مَوْقُوفَةً لِلْبَيْعِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ السِّلْعَةَ كَانَتْ مَوْقُوفَةً، وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عَدَمُ اللُّزُومِ وَإِنْ وَقَفْتَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاللُّزُومُ وَإِنْ لَمْ تُوقِفْ عَلَى مَا فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا الْمَذْكُورُ.
(الثَّالِثُ) الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً أَوْ لَا عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْبُيُوعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ مَوْقُوفَةً لِلْبَيْعِ فَذَهَابُ الْمُشْتَرِي بِهَا لِيَسْتَشِيرَ فِيهَا بِإِذْنِ الْبَائِعِ يُخْرِجُهَا مِنْ الْخِلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِاخْتِصَارٍ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلُهُ (قُلْت:) وَيَتَبَيَّنُ صِدْقُ قَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ قَبْلَ الْمُسَاوِمَةِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ كَذَا أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، نَصُّ مَا فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي بَعْضَ النَّخَّاسِينَ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الرَّقِيقَ وَالدَّوَابَّ فَيَسُومُهُ بِالرَّأْسِ أَوْ الدَّابَّةِ فَيَقُولُ لَهُ السَّائِمُ بِثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ فَيُمَاكِسُهُ حَتَّى يَقِفَ عَلَى ثَمَنٍ لَا يَزِيدُهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ، وَلَا يَقُولُ لَهُ الْبَائِعُ إنْ رَضِيتَ فَخُذْ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ: هِيَ بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ السَّائِمُ: أَذْهَبُ بِهَا فَأَسْتَشِيرُ فِيهَا فَيَقُولُ: نَعَمْ فَاذْهَبْ وَاسْتَشِرْ، وَلَا يَزِيدُهُ السَّائِمُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ فَيَرْضَى بِهَا وَيَأْتِيهِ بِالثَّمَنِ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: قَدْ بَدَا لِي وَمَا كَانَ بَيْنَنَا إلَّا مُسَاوَمَةٌ، أَوْ يَقُولُ: زِيدَ عَلَيْكَ فَبِعْتُهَا لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَأَرَاهُ بَيْعًا نَافِذًا عَلَيْهِ إنْ رَضِيَهُ الَّذِي سَاوَمَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يَدْخُلَهُ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لَيْسَتْ بِخِلَافٍ لِمَا فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا لِمَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ هَذَا
الْكِتَابِ وَمِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ: اذْهَبْ بِهَا فَاسْتَشِرْ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَ الْخِيَارَ فِيهَا لِلْمُبْتَاعِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: قُلْت: فَكَوْنُ الْبَائِعِ نَخَّاسًا وَهُوَ الدَّلَّالُ قَائِمٌ مَقَامَ وَقْفِهَا لِلْبَيْعِ، انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَالسِّلْعَةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ فِيهَا أَنَّ الْبَائِعَ يَحْلِفُ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَالظَّاهِرُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ: اذْهَبْ وَاسْتَشِرْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ الْبَيْعَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرْضَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْخِلَافِ فَتَأَمَّلْهُ، وَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي تَرْجَمَةِ مَا يَلْزَمُ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ التَّسَاوُمِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّ الْبَائِعَ نَخَّاسٌ، وَنَصُّهُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ سَاوَمَ سِلْعَةً فَمَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى وَقَفَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ثَمَنٍ فَلَمْ يَزِدْهُ الْبَائِعُ عَلَى هَذَا وَلَا قَالَ لَهُ: إنْ رَضِيتَ فَخُذْ، وَإِنَّمَا قَالَ: هِيَ بِكَذَا فَيَقُولُ السَّائِمُ: أَذْهَبُ بِهَا فَأُشَاوِرُ فَيَقُولُ: افْعَلْ فَيَذْهَبُ بِهَا الْمُشَاوِرُ ثُمَّ يَرْضَى وَيَأْتِي بِالثَّمَنِ فَيَبْدُو لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُهَا مِمَّنْ زَادَ عَلَيْكَ، وَيَقُولُ: إنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَوْمٌ فَالْبَيْعُ تَامٌّ إنْ رَضِيَهُ الْمُبْتَاعُ وَلَيْسَ مَنْ سَاوَمَ بِشَيْءٍ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ: قَدْ أَخَذْتُهَا فَيَبْدُو لِلْبَائِعِ كَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَمَنِ سِلْعَةٍ وَدَفَعَهَا إلَى الْمُبْتَاعِ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ الْمُبْتَاعُ، وَإِنْ هَلَكَ ذَلِكَ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ قَبْلَ أَنْ يَرْضَى بِهِ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ، انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْبُيُوعِ قَالَ أَشْهَبُ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَتَبِيعُنِي سِلْعَتَكَ هَذِهِ فَيَقُولُ: نَعَمْ بِكَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: قَدْ أَخَذْتُهَا فَيَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ: مَا أَرَدْتُ بَيْعَهَا وَإِنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِهَا فَقَالَ لِي: سَوَاءٌ، أَمَّا الَّذِي يُوقِفُ سِلْعَتَهُ بِالسُّوقِ فَأَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ إبَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا وَكَانَ ذَلِكَ مَكَانَهُمَا وَكَانَتْ مُنَاكَرَتُهُمَا مِنْ سَاعَتِهِمَا، وَأَمَّا الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لَاعِبًا وَلَا يُرِيدُ بَيْعَ سِلْعَتِهِ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ جَائِزًا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي يَسُومُ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ وَقَدْ أَوْقَفَهَا لِلْبَيْعِ فِي السُّوقِ هَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ السَّوْمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ اخْتِبَارَ ثَمَنِهَا وَأَنَّهُ كَانَ لَاعِبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي يَلْقَى الرَّجُلَ فِي غَيْرِ السُّوقِ فَيُسَاوِمُهُ فِي سِلْعَتِهِ فَيَقُولُ هِيَ بِكَذَا، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُهُ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُجِدًّا بَلْ لَاعِبًا وَيَحْلِفُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُجِدًّا غَيْرَ لَاعِبٍ إمَّا بِتَرَدُّدِ الْمُمَاكَسَةِ كَرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ الْوَاقِعَةِ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَتَرَدَّدْ الْمُمَاكَسَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْخِلَافَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ مَا مَضَى فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ عَلَى مَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ هُنَا، وَقَدْ مَضَى تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْعُيُوبِ، فَمَنْ أَحَبَّ الشِّفَاءَ فِيهَا تَأَمَّلَهُ هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: وَكَانَتْ مُنَاكَرَتُهُمَا مِنْ سَاعَتِهِمَا مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مُنَاكَرَتُهُمَا مِنْ سَاعَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ مُنَاكَرَتُهُمَا مِنْ سَاعَتِهِمَا، انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَوْقَفَهَا فِي السُّوقِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ أَشْهَبَ هُوَ الَّذِي رَوَى لُزُومَ الْبَيْعِ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ وَفِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فَرِوَايَتُهُ الْأُولَى الَّتِي فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ إنَّمَا رَوَاهَا فِي السِّلْعَةِ الْمَوْقُوفَةِ وَرِوَايَتُهُ الثَّانِيَةُ فَرَّقَ فِيهَا بَيْنَ الْمَوْقُوفَةِ فَيُلْزِمُ وَغَيْرُهَا فَلَا يُلْزِمُ فَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ اللُّزُومَ فِي غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ مِنْ ظَاهِرِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَيْهَا.
وَالْقَوْلُ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِلْأَبْهَرِيِّ لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَنْ أَوْقَفَ شَاةً فِي السُّوقِ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسُومُهُ فَقَالَ: أَخَذْتهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَأَرْبَحَهُ دِرْهَمًا فَبَاعَهُ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ قَالَ: وَهَمْت وَإِنَّمَا ابْتَعْتهَا بِثَمَانِيَةٍ وَأَنَا آتِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَقَالَ:
أَرَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْبَيْعَ، قِيلَ لِمَالِكٍ فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا كُنْتُ لَاعِبًا وَإِنَّمَا هِيَ عَلَيَّ بِعَشْرَةٍ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: يُنْظَرُ فِيهَا حِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ لَا يُبَاعُ مِثْلُهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ حَلَفَ مَا كُنْتُ إلَّا مَازِحًا، وَمَا أَرَدْتُ بَيْعَهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ مِثْلُهَا بِذَلِكَ رَأَيْتُ بَيْعَهَا مَاضِيًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَسَدَتْ السِّلْعَةُ فَيَرْضَى بِهِ وَتُبَاعُ بِالنُّقْصَانِ، انْتَهَى.
أَمَّا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ مَا إذَا وَهِمَ فِي الثَّمَنِ فَمَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمُرَابَحَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَأْخُذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَرَبِحَهُ، وَأَمَّا آخِرُهَا فَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الْأَبْهَرِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ تَسَوَّقَ بِهَا لَا مَفْهُومَ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ الْبَيْعُ مَعَ التَّسَوُّقِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا بِالْبَيْعِ فَأَحْرَى إذَا لَمْ يَتَسَوَّقْ بِهَا فَهُوَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَسَوَّقْ بِهَا يَحْلِفْ وَلَا يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا عَلَى مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، فَقَصَدَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ حُكْمِ الْوَجْهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ الْحُكْمُ فِي الْوَجْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ: الْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمُتَقَدِّمِ: إنَّهُ إذَا لَقِيَهُ فِي غَيْرِ السُّوقِ أَنَّهُ يَحْلِفُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنُ صِدْقُ قَوْلِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. فَأُسْقِطَ عَنْهُ الْيَمِينُ إذَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ مَعَ عَدَمِ التَّسَوُّقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ مَعَ التَّسَوُّقِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْيَمِينَ يَمِينُ تُهْمَةٍ وَأَنَّهَا لَا تَنْقَلِبُ وَاذَا كَانَتْ يَمِينَ تُهْمَةٍ فَإِنَّهَا تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُتَّهَمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاذَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ فَلَا تُهْمَةَ حِينَئِذٍ، فَلَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْوَجْهَيْنِ سَوَاءٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) تَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَى تَسَوَّقَ بِهَا أَوْقَفَهَا لِلسَّوْمِ فِي السُّوقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّوقِ سُوقُ تِلْكَ السِّلْعَةِ، وَأَمَّا سُوقُ غَيْرِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِ السُّوقِ، وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ قَالَ فِيهَا: فَإِنْ كَانَ فِي سُوقِ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَرَوَى أَشْهَبُ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ مَا سَاوَمَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا يَلْزَمُهُ، انْتَهَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ: لَا أَرْضَى لِأَنِّي مَا أَرَدْتُ الْبَيْعَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ سَوَاءٌ تَسَوَّقَ بِسِلْعَتِهِ أَوْ لَمْ يَتَسَوَّقْ بِهَا، وَسَوَاءٌ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ اخْتِبَارَ ثَمَنِ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ كُنْتُ لَاعِبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ صِدْقُ قَوْلِهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ، وَيَتَبَيَّنُ صِدْقُ قَوْلِهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَ قَبْلَ الْمُسَاوَمَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ كَذَا وَكَذَا وَلَا يُرِيدُ الْبَيْعَ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا إذَا أَنْكَرَ الْبَيْعَ كَأَنَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ سَكَتَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي: أَخَذْتُهَا سُكُوتًا يَقْتَضِي رِضَاهُ بِالْبَيْعِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ كَمَا فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي تَرَدُّدٌ فِي الْمُمَاكَسَةِ؛ لِأَنَّ تَرَدُّدَ الْمُمَاكَسَةِ يَقْتَضِي رِضَاهُ بِالْبَيْعِ وَيُلْزِمُهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا وَقَعَ مِنْهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الرِّضَا بِالْبَيْعِ كَقَوْلِهِ: اذْهَبْ فَاسْتَشِرْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ، وَلَكِنْ قَالَ: بَدَا لِي الْآنَ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَكُلُّ هَذَا أَيْضًا يَجْرِي فِي قَوْلِ الْمُشْتَرِي: أَنَا آخُذُهَا بِكَذَا وَأَنَا أَشْتَرِيهَا بِكَذَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي التَّنْبِيهِ الْأَوَّلِ، وَيَجْرِي أَيْضًا فِي قَوْلِ الْبَائِعِ أَبِيعُكَهَا بِكَذَا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْآتِي فِي التَّنْبِيهِ السَّابِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْمِ الْمَحْكِيُّ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي جَوَابِ قَوْلِ الْبَائِعِ بِعَشْرَةٍ إنَّمَا هُوَ رَضِيتُ، وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ بِلَفْظِ أَخَذْتُهَا، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ، قَالَ الْوَانُّوغِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قُلْت: لِمَ نَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْمُدَوَّنَةِ أَخَذْتُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَاوَمَةِ وَتَرَكَ الرِّضَا الْمَذْكُورَ فِيهَا.؟ قُلْت: لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمَا
سَوَاءٌ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَرْكُ نَقْلِهِ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَلِذَلِكَ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَا دَرْكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسِبْ الْمَسْأَلَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ، بِخِلَافِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ نَسَبَهَا لِلْمُدَوَّنَةِ
[تَنْبِيه بَاعَ سِلْعَةً بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى مُؤَامَرَةِ صَاحِبِهَا وَهُوَ وَكِيلٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ عِنْدِي زِيَادَةٌ]
(السَّابِعُ) قَالَ فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعِشْرِينَ دِينَارًا عَلَى مُؤَامَرَةِ صَاحِبِهَا وَهُوَ وَكِيلٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: عِنْدِي زِيَادَةٌ فَهَلْ يُخْبِرُ صَاحِبَهَا بِذَلِكَ.؟ قَالَ مَالِكٌ نَعَمْ أَرَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُ صَاحِبُهَا الزِّيَادَةَ وَلَكِنْ يُبَيِّنُ لَهُ فَرُبَّ رَجُلٍ لَوْ زَادَهُ لَمْ يَبِعْهُ يَكْرَهُ مُخَالَطَتَهُ.
قِيلَ لَهُ: إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ زَادَهُ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا.؟ قَالَ أَرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْبَيْعُ.
قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا.؟ قَالَ يَلْزَمُهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، فَتَكَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ أَوَّلًا فِي جَوَازِ إخْبَارِ صَاحِبِهَا بِالزِّيَادَةِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ كَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّامِنِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فَهُوَ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُسَاوِمَيْنِ الْمَبِيعُ لَا الْبَائِعَ بِمَا بُذِلَ لَهُ فِي سِلْعَتِهِ، وَلَا الْمُبْتَاعَ بِمَا أَعْطَى، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا كُنْتُ لَاعِبًا غَيْرَ مُجِدٍّ وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ، وَمِثْلُ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعُيُوبِ أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً لِلْبَيْعِ، انْتَهَى.
(قُلْت:) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ الْوَانُّوغِيِّ إنَّهُ قَالَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ تَقَدَّرَ فِيهَا الثَّمَنُ سَابِقًا عَلَى الزِّيَادَةِ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى اللُّزُومِ وَعَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بِالزِّيَادَةِ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْمُسَاوَمَةِ لِمَنْ زَادَ، وَلَمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ ثَمَنٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ حُمِلَ عَلَى الْمُسَاوَمَةِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ بَعْدَهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ كَانَ هَازِلًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَا حَاجَةَ: لِي بِهَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ جَادًّا فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ نَدِمَ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا، وَهَذَا مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْإِلْزَامِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اللُّزُومُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اللُّزُومِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْفَرْقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، انْتَهَى.
(قُلْت:) لَا شَكَّ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ مُغَايِرَةٌ لِمَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالْفَرْقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، فَإِنَّ فِي كَلَامِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَهَا بِالزِّيَادَةِ وَيُشَاوِرَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِذَلِكَ فَأَمْرُهُ لِلْوَكِيلِ بِذَلِكَ يَقْتَضِي رِضَاهُ بِالْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي: اذْهَبْ وَاسْتَشِرْ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَلْزَمُ الْمُسَاوِمَيْنِ الْبَيْعُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ يُرِيدُ إذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ فِيهِ احْتِمَالٌ، كَمَا إذَا قَالَ: بِكَمْ فَقَالَ: بِمِائَةٍ فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: آخُذُهَا مِنْك بِالْمِائَةِ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: رَضِيتُ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَرْضَى، وَأَمَّا إذَا أَتَى أَحَدُهُمَا بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْبَيْعِ كَقَوْلِ الْمُشْتَرِي فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ: رَضِيتُ أَوْ أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ أَوْ اشْتَرَيْتُهَا بِذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَمْ أُرِدْ الْبَيْعَ لَمْ يُفِدْهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ]
(الثَّامِنُ) هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ حُكْمُ بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ، وَهُوَ إيقَافُ الرَّجُلِ سِلْعَتَهُ لِيُسَاوِمَهُ فِيهَا مَنْ أَرَادَهَا، وَأَمَّا بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْقِطْعَانِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْجُعْلِ وَالْإِجَارَةِ: الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ لَزِمَتْهُ بِمَا زَادَ فِيهَا إنْ أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يُمْضِيَهَا لَهُ مَا لَمْ يَسْتَرِدَّ سِلْعَتَهُ فَيَبِيعُ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُمْسِكُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُمْضِيَهَا لِمَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ أَعْطَى فِيهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ قَدْ زَادَ عَلَيْهِ، هَذَا الَّذِي أَحْفَظُ فِي هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ رِزْقٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ مِنْ حَقِّ صَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَهُ إيَّاهَا إنْ أَبَى وَقَالَ: بِعْهَا مِمَّنْ زَادَكَ أَنَا لَا أُحِبُّ مُعَامَلَةَ الَّذِي زَادَنِي وَلَيْسَ طَلَبِي الزِّيَادَةَ، وَإِنْ وَجَدْتُهَا إبْرَاءً مِنِّي إلَيْكَ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الشَّخْصِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ