مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 169-208
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 169-208
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وَبِالْمَدِّ وَتُسَهَّلُ فَيُقَالُ مِيتَاءُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ مَعْنَاهُ كَثِيرُ السُّلُوكِ عَلَيْهِ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ الْمِيتَاءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ مُثَنَّاةٍ وَمَدٍّ بِوَزْنِ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ الْمِيتَاءُ أَعْظَمُ الطُّرُقِ وَهِيَ الَّتِي يَكْثُرُ مُرُورُ النَّاسِ بِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعَةُ وَقِيلَ الْعَامِرَةُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ سَهْوٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بِوَزْنِ مِفْعَالٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَرَأَيْته فِي الْبَيَانِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ عَرَفَةَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْمِيمِ مِنْ بَابِ التَّاءِ الْمِيتَاءُ الْأَرْضُ السَّهْلَةُ وَالْجَمْعُ مَيِّتٌ مِثْلَ هَيْفَاءَ وَهِيفٍ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا.

(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهِنْدِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ: وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى ضِيقِ الطَّرِيقِ مُجْمَلًا دُونَ تَحْدِيدٍ يُذْرَعُ مَا حَدَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، وَأَمَّا أَنْ يَشْهَدُوا فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا تَعْمَلُ شَهَادَتُهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِهَا وَرُوِيَ فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَمَا نَقَصَ مِنْهَا فَهِيَ ضَيِّقَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الطَّرِيقُ الْمِيتَاءُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَقَدْ حَضَرَتْ الْفُتْيَا بِذَلِكَ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْوَاسِعَةُ ثَمَانِيَةُ أَشْبَارٍ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْرَاءَ فِي وَثَائِقِهِ: الزُّقَاقُ الْوَاسِعَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرُ، وَالضَّيِّقُ مَا دُونَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْهِنْدِيِّ الْأَخِيرَ أَعْنِي قَوْلَهُ، وَقَدْ: حَضَرْت الْفُتْيَا بِذَلِكَ وَذَكَرَ كَلَامَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ حَدِيثُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ: فِي سَنَدِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَمْ يَزِدْ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ هُوَ مِنْ أَكْبَرِ عُلَمَاءِ الشِّيعَةِ وَثَّقَهُ شُعْبَةُ وَتَرَكَهُ جَمَاعَةٌ وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَالسُّفْيَانَانِ انْتَهَى.
(قُلْت:) قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَقْرِيبِهِ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ الْجُعْفِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ رَافِضِيٌّ مِنْ الْخَامِسَةِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَيُتْرَكُ مِنْهَا لِلطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي هُوَ مُصَيَّرٌ مِنْهُ يَعْنِي مِنْ الْبُخَارِيِّ إلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَقَدْ وَافَقَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي يُرَادُ ابْتِدَاؤُهَا إذَا اخْتَلَفَ مَنْ يُرِيدُ ابْتِدَاءَهَا فِي قَدْرِهَا كَبَلَدٍ يَفْتَحُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِيهَا طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ، وَكَمَوَاتٍ يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ لِمَنْ يُحْيِيهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْمَارَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الطَّرِيقِ إذَا تَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا جُعِلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ تَشَاجَرُوا تَفَاعَلُوا مِنْ الْمُشَاجَرَةِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ أَيْ تَنَازَعُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ وَلِمُسْلِمٍ إذَا اخْتَلَفْتُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَتِهِ الْمِيتَاءَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ مَحْفُوظَةً فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا بِهَا إلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ فَاجْعَلُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: " قَضَى

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ " فَذُكِرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَرْضِ الْمِيتَاءِ الَّتِي تُؤْتَى مِنْ كُلِّ مَكَان " فَذَكَرَهُ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ مَقَالٌ وَقَوْلُهُ: سَبْعَةَ أَذْرُعٍ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ قَدْرُ ذِرَاعِ الْآدَمِيِّ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَدِلِ وَقِيلَ ذِرَاعُ الْبُنْيَانِ الْمُتَعَارَفِ انْتَهَى.
وَالْمُسْتَمْلِي أَحَدُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ (قُلْت:) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّابَاطِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَانِيَانِ الْمُتَقَابِلَانِ فِي الْفَحْصِ فِيمَا يُجْعَلُ لِلطَّرِيقِ، أَوْ تَشَاحَّا فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقَرِّبَ جِدَارَهُ مِنْ جِدَارِ صَاحِبِهِ جَعَلَا الطَّرِيقَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ بِالذِّرَاعِ الْمَعْرُوفَةِ بِذِرَاعِ الْبُنْيَانِ فَإِذَا بَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا بَنَى مِيزَابًا لِلْمَطَرِ عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يُمْنَعْ انْتَهَى.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إثْبَاتُ التَّاءِ فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ حَذْفُهَا؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: ذِرَاعُ الْيَدِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.

(الثَّانِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا كَانَتْ دَارٌ لِرَجُلَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا دَارٌ تُلَاصِقُهَا فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَى دَارِهِ فَلِلشَّرِيكِ مَنْعُهُ لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ فَإِنْ قَسَمَا فَقَالَ اجْعَلُوا نَصِيبِي إلَى جَنْبِ دَارِي حَتَّى أَفْتَحَ فِيهَا بَابًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَقُسِّمَتْ الدَّارُ بِالْقِيمَةِ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ قَسَّمَا هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَرَى أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ رَجُلٌ يُلَاصِقُ دَارِهِ فَفَتَحَ إلَى النَّصِيبِ مِنْ دَارِهِ بَابًا وَجَعَلَ يَمُرُّ مِنْ دَارِهِ إلَى طَرِيقِ هَذَا النَّصِيبِ هُوَ وَمَنْ اكْتَرَى مِنْهُ، أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ ارْتِفَاقًا، وَلَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ كَسِكَّةٍ نَافِذَةٍ لِمَمَرِّ النَّاسِ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَيَخْرُجُونَ كَالزُّقَاقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فَلِلشَّرِيكِ مَنْعُهُ لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ مَفْهُومُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِيهِ شَرِيكٌ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ فَتَحَ فِي حَائِطِ نَفْسِهِ لِيَدْخُلَ مِنْهُ فِي دَارِ الشَّرِكَةِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَقَبِلَهُ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ عَلَى دَارِ الشَّرِكَةِ بَابًا مِنْ دَارِهِ فَقَدْ يَطُولُ الْأَمْرُ فَيَظُنُّ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ حَقٌّ عَلَى دَارِ الشَّرِكَةِ وَذَلِكَ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا حَقُّ فَتْحِ بَابٍ مِنْ دَارٍ أُخْرَى انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَالظَّاهِرُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ الْجِدَارُ لَهُ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ وَقُسِّمَتْ الدَّارُ بِالْقِيمَةِ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُهُ أَخَذَهُ زَادَ ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ وَقَعَ بِجَنْبِ دَارِهِ فَتَحَ فِيهِ بَابًا إنْ شَاءَ ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فَاشْتَرَى أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ رَجُلٌ يُلَاصِقُ دَارِهِ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ ارْتِفَاقًا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ مَا لَمْ يُغْلِقْ بَابَ الدَّارِ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَفْظُ أَبِي إِسْحَاقَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا أَحْدَثَ بَابًا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى بَابِ دَارِهِ فَقَدْ خَفَّفَ عَنْ صَاحِبِ النَّصِيبِ الْآخَرِ بَعْضَ الْمُرُورِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ سُكْنَى النَّصِيبِ الَّذِي صَارَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ بِأَهْلِهِ ثُمَّ يَمُرُّ مِنْهُ عَلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَصَارَ يَمُرُّ عَلَيْهِ تَارَةً وَتَارَةً يَخْرُجُ مِنْ بَابِ دَارِهِ فَذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَمَّا لَوْ عَطَّلَ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَجَعَلَ عِيَالَهُ وَحَشَمَهُ الَّذِينَ فِي الدَّارَيْنِ جَمِيعًا يَمُرُّونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي عَلَى شَرِيكِهِ لَكَانَ لِشَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ مُتَكَلَّمٌ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ عِيَالِ دَارٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ مِثْلَ ضَرَرِ دَارَيْنِ إذَا قَطَعَ الْمَمَرَّ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَيَصِيرُ شَبِيهًا بِمَا مُنِعَ مِنْهُ مِنْ السِّكَّةِ النَّافِذَةِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ.

(الثَّالِثَ عَشَرَ) فِيمَنْ فِي أَرْضِهِ طَرِيقٌ فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَضَاءِ فِي الطَّرِيقِ يَشُقُّ أَرْضَ رَجُلٍ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ وَالطَّرِيقُ يَشُقُّهَا فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ الطَّرِيقَ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَرْضِهِ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَقَالَ لَيْسَ

ذَلِكَ لَهُ، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يُحَوِّلَ طَرِيقًا عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَا هُوَ دُونَهَا، وَلَا إلَى مَا فَوْقَهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فِي السُّهُولَةِ وَأَسْهَلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَى، أَوْ وَرِثَ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، وَإِنْ رَضِيَ لَهُ بِذَلِكَ مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى إذَا كَانَ ذَلِكَ طَرِيقَ عَامَّةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إذْنُ بَعْضِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَرِيقَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَأْذَنُونَ لَهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَرَى أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُ تِلْكَ الطَّرِيقِ إلَى الْإِمَامِ فَيَكْشِفُ عَنْ حَالِهَا فَإِنْ رَأَى تَحْوِيلَهَا عَنْ حَالِهَا مَنْفَعَةً لِلْعَامَّةِ وَلِمَنْ جَاوَرَهَا وَحَوَّلَهَا فِي مِثْلِ سُهُولَتِهَا، أَوْ أَسْهَلَ وَفِي مِثْلِ قُرْبِهَا، أَوْ أَقْرَبَ فَأَرَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَضَرَّةً بِأَحَدٍ مِمَّنْ جَاوَرَهَا، أَوْ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ فَحَوَّلَ الطَّرِيقَ دُونَ رَأْيِ الْإِمَامِ وَإِذْنِهِ نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ النَّاظِرُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَكَانُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْمَرَافِقِ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ.

(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ: قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْت لَهُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا فِي جَوْفِ دَارٍ، الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ وَالْخَارِجَةُ لِغَيْرِهِمْ وَمَمَرُّ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْخَارِجَةِ فَأَرَادَ أَهْلُ الْخَارِجَةِ أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَ دَارِهِمْ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَقَالَ: إنْ كَانُوا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى جَنْبِ الْبَابِ الْقَدِيمِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الدَّاخِلَةِ رَأَيْت أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ فِي غَيْرِ قُرْبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (قُلْت:) فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ أَنْ يُضَيِّقُوا بَابَ الدَّارِ فَقَالَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ.

(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا الزُّقَاقُ غَيْرُ النَّافِذِ الَّذِي فِيهِ أَزِقَّةٌ فَكُلُّ زُقَاقٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَذِنَ أَهْلُ زُقَاقٍ فِي فَتْحِ بَابٍ بِزُقَاقِهِمْ الْمُسْتَقِلِّ بِهِمْ فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ كَلَامٌ بِذَلِكَ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي الْقَدِيمِ عَلَى مَا بَلَغَنِي مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى.
وَقَاعِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ بِهِ إلَى ابْنِ عَرَفَةَ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ أَنَّ حَبِيبًا سَأَلَ سَحْنُونًا عَنْ دَرْبٍ كَبِيرٍ غَيْرِ نَافِذٍ فِيهِ زَابِعَةٌ فِي نَاحِيَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّابِعَةِ فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الدَّرْبِ قَالَ: لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَلَا يُحَرِّكُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الدَّرْبِ، وَقَالَ نَحْوَهُ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ، وَالزَّوَابِعُ وَكُلُّ مُشْتَرَكٍ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَهْلِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصْوَبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُشَاعَةِ لَا يَتَمَيَّزُ حَظُّ أَحَدِهِمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَمَا يُفْتَحُ بِهِ مُشْتَرَكٌ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ وَالدُّورُ فِي الزَّوَابِعِ وَالدُّرُوبِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ مُتَمَيِّزَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْنَعَ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يَعْنِي بِالزَّابِعَةِ الزُّقَاقَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ يُرْشِدُ لِذَلِكَ وَنَصُّهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: الدَّرْبُ الْكَبِيرُ غَيْرُ النَّافِذِ مِثْلُ الزَّنْقَةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الدَّرْبِ الْكَبِيرِ زَنْقَةٌ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّنْقَةِ قَالَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَلَا يُحَرِّكُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا جَمِيعِ أَهْلِ الدَّرْبِ فَمَا ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَشْهُورِ فِي مَنْعِ فَتْحِ الْبَابِ إلَّا بِرِضَا جَمِيعِ أَهْلِ السِّكَّةِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الدَّرْبِ لَهُمْ الْمَنْعُ، وَلَوْ رَضِيَ أَهْلُ الزَّنْقَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي، فَتَأَمَّلْهُ وَسَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ عَنْ الْوَقَارِ مَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ.

(السَّادِسَ عَشَرَ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ: سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ

لِرَجُلٍ فِيهَا دَارٌ نَقْضُهَا لَهُ وَقَاعَتُهَا لِغَيْرِهِ فَأَرَادَ أَهْلُ السِّكَّةِ أَنْ يُقِيمُوا فِيهَا سِرْبًا فَمَنَعَهُمْ صَاحِبُ النَّقْضِ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَعِيبُ الْمَوْضِعَ، وَلِصَاحِبِ الْقَاعَةِ ذَلِكَ أَيْضًا انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(السَّابِعَ عَشَرَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَسَدُّ كَوَّةٍ فُتِحَتْ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَالْمَشَذَّالِيِّ أَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِسَدِّ بَابٍ فُتِحَ لِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ أَنْ تُقْلَعَ الْعَتَبَاتُ، وَالْعَضَائِدُ حَتَّى لَا يَبْقَى هُنَاكَ أَثَرُ بَابٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَنَصُّهُ تَنْبِيهٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَإِذَا سُدَّ بَابٌ لِلضَّرَرِ فَلَا يَكُونُ سَدُّهُ بِغَلْقِهِ، وَتَسْمِيرِهِ وَلَكِنْ يُنْزَعُ الْبَابُ، وَعَضَائِدُهُ وَعَتَبَتُهُ وَتُغَيَّرُ آثَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَسُدَّ بِالطُّوبِ، وَبَقِيَتْ الْعَضَائِدُ، وَالْعَتَبَةُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِقُرْطُبَةَ، وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ يَكُونُ لَهُ شَاهِدًا وَحُجَّةً وَلَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّمَا سَدَدْته لِأَفْتَحَهُ مَتَى شِئْت فَلِذَلِكَ أَلْزَمُوهُ بِتَغَيُّرِ مَعَالِمِهِ وَرُسُومِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَرَوْشَنٌ وَسَابَاطٌ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ) ش: قَوْلُهُ: لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ رَاجِعٌ إلَى السَّابَاطِ وَحْدَهُ لَا إلَى الرَّوْشَنِ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْعَسَاكِرِ، وَالرَّوَاشِنِ، وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ السَّابَاطِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَارٌ مُجَاوِرَةٌ لِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ أَنْ يُخْرِجَ فِي أَعْلَى الْحَائِطِ خَشَبًا وَيُسَقِّفَهَا، وَيَبْنِيَ عَلَيْهَا مَتَى شَاءَ إذَا رَفَعَ ذَلِكَ عَنْ رُءُوسِ الْمَارَّةِ رَفْعًا بَيِّنًا وَهُوَ الَّذِي عَنَى بِالرَّوْشَنِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَارَانِ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُلْقِيَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبًا كَذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي عَنَى بِالسَّابَاطِ فَقَوْلُهُ: لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّابَاطِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ نَفَذَتْ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَنْفُذْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْبَاقِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَصْلُ التَّفْصِيلِ بَيْنَ النَّافِذَةِ، وَغَيْرِهَا لِأَبِي عُمَرَ فِي كَافِيهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَالْمُصَنِّفُ وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ لِأَقْدَمَ مِنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَظَاهِرُ سَمَاعِ أَصْبَغَ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْأَقْضِيَةِ خِلَافُهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ ابْنُ رُشْدٍ بِالطَّرِيقِ النَّافِذَةِ، فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ لَمْ أَجِدْهَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ بَلْ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
قُلْت: ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْكَلَإِ وَالْآبَارِ وَالْأَوْدِيَةِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ إحْدَاثِ الْعَسَاكِرِ وَالرَّوَاشِنِ وَنَصُّهُ: قَالَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدُّرُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَالزَّوَابِعِ الَّتِي لَا تَنْفُذُ: ذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَرَكٌ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي فَتْحِ بَابٍ، أَوْ إخْرَاجِ عَسَاكِرَ، أَوْ حُفْرَةٍ يَحْفِرُهَا وَيَرْدِمُهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، وَنَصُّهُ: قَالَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدُّرُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَشِبْهِهَا: إنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي فَتْحِ بَابٍ، أَوْ إخْرَاجِ عَسَاكِرَ، أَوْ حُفْرَةٍ يَحْفِرُهَا، أَوْ يُوَارِيهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ أَبِي بَكْرٍ الْوَقَارِ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ أَبِي عُمَرَ فَإِنَّهُ تَفَقَّهَ بِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَنَصُّهُ: وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُشْرِعَ فِي الزُّقَاقِ بَابًا، أَوْ سَقِيفَةً، أَوْ عَسْكَرًا فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ بَعْضُهُمْ، وَأَبَى بَعْضٌ فَإِنْ كَانَ مَنْ أَذِنَ لَهُ هُمْ آخِرُ الزُّقَاقِ وَمَمَرُّهُمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ مَا يُحْدِثُ، فَإِذْنُهُمْ جَازَ، وَلَا حَقَّ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مَمَرٌّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يُحْدِثَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِطَرِيقٍ مَسْلُوكَةٍ فِي حَظٍّ لِلْمَارَّةِ نَافِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ بَابٍ يُشْرِعُهُ، وَلَا مِنْ قَنَاةِ كَنِيفٍ يُنْشِئُهَا إذَا كَانَ بِئْرُهَا

مُغَيَّبَةً فِي حَائِطِهِ، وَلَا مِنْ سَقِيفَةٍ يُعَلِّيهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُضِرَّةٍ بِمَا يَمُرُّ تَحْتَهَا مِنْ مَحْمَلٍ عَلَيْهِ قُبَّةٌ وَنَحْوُهَا، وَلَا مِنْ عَسْكَرٍ يُشْرِعُهُ إذَا أَعْلَاهُ وَلَمْ يَنَلْ الْمَارَّةَ مِنْهُ أَذًى، وَإِنْ كَانَ لَهُ جَارٌ مُحَاذِيهِ وَشَاحَّهُ فِي الْعَسْكَرِ قُسِّمَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْهَوَاءِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْوَقَارُ وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ فِي الْبَابِ إذَا أَرَادَ فَتْحَهُ فِي الزُّقَاقِ غَيْرِ النَّافِذِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُنَكَّبًا فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الزُّقَاقِ فَيُوَافِقُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ، فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ وُجِدَ النَّصُّ لِأَقْدَمَ مِنْ أَبِي عُمَرَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ أَبِي عُمَرَ لِذَلِكَ وَقَبُولَ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ لَهُ كَافٍ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) لَوْ سَقَطَ الرَّوْشَنُ، أَوْ السَّابَاطُ عَلَى أَحَدٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ بَنَاهُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ الْعَسَاكِرِ، وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهِيَ تُعْمَلُ بِالْمَدِينَةِ فَلَا يُنْكِرُونَهَا، وَاشْتَرَى مَالِكٌ دَارًا لَهَا عَسْكَرٌ قَالَ مَالِكٌ فِي جَنَاحٍ خَارِجٍ فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ بَنَاهُ قِيلَ فَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُضَمِّنُونَهُ قَالُوا: لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَأَنْكَرَ قَوْلَهُمْ قَالَ: وَمَنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَسْفَلَ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي أَوَاخِرِ الْمُنْتَخَبِ فِي أَوَاخِرِ الدِّيَاتِ نَاقِلًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَفَرَ شَيْئًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي دَارِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ حَفْرُهُ فَعَطِبَ فِيهِ إنْسَانٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (قُلْت:) وَمَا الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَحْفِرُهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: مِثْلُ بِئْرِ الْمَطَرِ، وَالْمِرْحَاضِ يَحْفِرُهُ إلَى جَنْبِ حَائِطِهِ هَذَا، وَمَا أَشْبَهُهُ انْتَهَى.
، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجِرَاحِ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ لِابْنِ أَبِي زَمَنَيْنِ فِي بَابِ مَا يُحْدَثُ فِي الطُّرُقِ، وَالْأَفْنِيَةِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قُلْت لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَالْكُنُفُ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي الطَّرِيقِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ بِلَصْقِ جِدَارِهِ ثُمَّ يُوَارِيهَا أَلَهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا إذَا وَارَاهَا وَغَطَّاهَا وَأَتْقَنَ غِطَاءَهَا وَسَوَّاهَا بِالطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَضُرَّ مَكَانُهَا بِأَحَدٍ فَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بِأَحَدٍ مُنِعَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ حَفَرَ بِلَصْقِ جِدَارِهِ كَنِيفًا فَلْيُغَطِّهِ وَيُتْقِنْ غِطَاءَهُ وَيُسَوِّهِ بِأَرْضِ الطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَضُرَّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مُنِعَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَا يُحْدِثُ النَّاسُ مِنْ آبَارِ الْكُنُفِ فِي الْأَفْنِيَةِ فِي الطَّرِيقِ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ الْحِيطَانِ إلَى دَاخِلِ الدَّارِ، وَيُخْرِجُ مِنْهَا إلَى الطَّرِيقِ قَدْرَ مَا يُدْخِلُ فِيهِ الْقُلَّةَ لِلِاسْتِقَاءِ وَيَرَى غَيْرُهُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي زَنْقَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ فِيهَا أَبْوَابٌ لِقَوْمٍ، وَدُبُرُ دَارِ رَجُلٍ إلَيْهَا، وَلَا بَابَ لَهُ فِيهَا وَبِلَصْقِ دَارِهِ فِي الزَّنْقَةِ كَنِيفٌ مَحْفُورٌ قَدِيمٌ مَطْوِيٌّ وَتَخْرُجُ إلَيْهِ مِنْ دَارِهِ قَنَاةٌ مَبْنِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا لَمْ يَجْرِ فِيهَا شَيْءٌ مُنْذُ زَمَانٍ فَأَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ فِيهَا الْعَذِرَةَ إلَى هَذَا الْبِئْرِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الزَّنْقَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَدَّعُوا فِي رَقَبَةِ الْبِئْرِ فَيَكْشِفُ عَنْ دَعْوَاهُمْ وَإِلَّا فَالْبِئْرُ لِصَاحِبِ الدَّارِ بِهَذِهِ الرُّسُومِ الظَّاهِرَةِ، وَلَوْ أَنَّ هَذَا مُشْتَرًى مِنْ غَيْرِهِ لَكَانَ مِنْ ذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ انْتَهَى.

(اسْتِطْرَادٌ) سُئِلْت عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ فَاقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا الْجَانِبَ الْأَيْسَرَ، وَمَخْزَنًا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَالدِّهْلِيزَ الَّذِي بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَخَذَ الْآخَرُ بَقِيَّةَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَعُلُوَّ الْمَخْزَنِ الَّذِي فِي الْجَانِبِ الَّذِي أَخَذَهُ صَاحِبُ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَيْسَرِ أَنْ يُرَكِّبَ عَلَى جِدَارِ الْمَخْزَنِ الَّذِي لَهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بُسْتَلًّا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ جِدَارًا، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِبِنَاءِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا أَرَادَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ الْأَسْفَلِ أَنْ يُرَكِّبَ عَلَى جِدَارِ مَخْزَنِهِ

بُسْتَلًّا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ جِدَارًا وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِبِنَاءِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْجِدَارِ سُتْرَةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْبُنْيَانِ مَا نَصُّهُ فِي جَوَابِ سَحْنُونٍ لِحَبِيبٍ إذَا كَانَ عَقْدُ الْحَائِطِ إلَى أَحَدِهِمَا، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ حِمْلُ خَشَبِ سَقْفٍ مَعْقُودَةٍ، فَالْحَائِطُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ وَلِلْآخَرِ حِمْلُ السُّقُوفِ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعَقْدِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَائِطِهِ غُرْفَةً، أَوْ غَيْرَهَا فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِحِمْلِ الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ مَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَكَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ

[فَرْعٌ غَرَسَ فِي فِنَاءِ رَجُلٍ وَرْدًا وَاسْتَغَلَّهُ فَقَامَ صَاحِبُ الْفِنَاءِ يَطْلُبُ زَوَالَ الْوَرْدِ وَقِيمَةَ مَا اغْتَلَّ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الضَّرَرِ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ غَرَسَ فِي فِنَاءِ رَجُلٍ وَرْدًا، وَاسْتَغَلَّهُ فَقَامَ صَاحِبُ الْفِنَاءِ يَطْلُبُ زَوَالَ الْوَرْدِ وَقِيمَةَ مَا اغْتَلَّ فَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْقَائِمِ عَلَى غَارِسِ الْوَرْدِ فِي الْفِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَيْسَتْ فِيهَا حَقِّيَّةُ الْأَمْلَاكِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَدَّمٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا إنْ احْتَاجَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْجَارَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَهُ إذَا قَامَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْلَعَ الْوَرْدَ عَنْ الْفِنَاءِ وَيَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ أَضَرَّ الْوَرْدُ بِجِدَارِهِ، أَوْ لَمْ يَضُرَّ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.

ص (وَأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ) ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْلِمَهُمْ لِمَوْضِعِ حَقِّ الْجِوَارِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ زَرْبٍ انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ) ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ

عَمَّنْ أَذِنَ لِجَارِهِ بِغَرْزِ خَشَبٍ فِي جِدَارِهِ فَسَقَطَ جِدَارُ الْآذِنِ، وَأَقَامَهُ فَطَلَبَ جَارُهُ أَنْ يَرُدَّ خَشَبَهُ عَلَى مَا كَانَ فِي الْإِذْنِ الْأَوَّلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَجَابَ إنْ كَانَ سُقُوطُ الْجِدَارِ بِتَوَهُّلِهِ لَا بِسَبَبٍ زِيدَ اخْتِيَارًا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِعَوْدِ الْغَرْزِ وَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ لِتَوَهُّلِهِ إنْ تَنَازَعَا عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ بِعَوْدِ الْغَرْزِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ نَحْوَ هَذَا فِي الْوَاضِحَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَلْ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ؟ لِلشُّيُوخِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ ابْنُ سَهْلٍ: أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِجَوَازِ التَّعْلِيقِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إنْ اتَّصَلَتْ بِالدُّورِ وَلَمْ يَضُرَّهَا وَجَوَازِ غَرْزِ جَارِهَا خَشَبَهُ بِحَائِطِهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ الشُّيُوخِ قَالَ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الدُّورِ بِهِ، وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِهِ جَازَ عِنْدِي وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ بِمَنْعِ الْغَرْزِ وَابْنُ مَالِكٍ بِمَنْعِهِ وَمَنْعِ التَّعْلِيقِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هُوَ الصَّوَابُ الْجَارِي عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ الشَّرِكَةِ وَابْنُ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْوَقْفِ (فَرْعٌ) فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ) ش: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا قَصَدَ الضَّرَر أَمْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِمَنْ يَبْنِي فِيهَا لَكِنْ جَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَابْنِ زَرْقُونٍ فِي مَسْأَلَةِ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ.
ص (وَفِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، أَوْ قِيمَتَهُ) ش إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا أَيْضًا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِمَنْ يَبْنِي فِيهَا وَلَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَابْنَ زَرْقُونٍ جَمَعَا مَسْأَلَةَ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ هُنَا، وَفِي الْعَارِيَّةِ.
ص (وَفِي مُوَافَقَتِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ) ش: يَأْتِي هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلُ الْمُزَارَعَةِ]

ص (فَصْلُ الْمُزَارَعَةِ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ وَبِالثَّانِي عَبَّرَ اللَّخْمِيُّ، وَغَيْرُهُ وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ كَثِيرٌ، سَمِعَ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى مُزَارَعَةٍ وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ زَرَعْت، وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِعَ هُوَ اللَّهُ» أَبُو هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 64] الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْحَرْثِ مِنْ أَعْلَى الْحِرَفِ الْمُتَّخَذَةِ لِلْمَكَاسِبِ وَيَشْتَغِلُ بِهَا الْعُمَّالُ، وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ بِهَا الْمَثَلَ قَالَ: وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي الزَّرْعَ وَفِي حَدِيثِ مَدْحِ النَّخْلِ مِنْ الرَّاسِخَاتِ فِي الْوَحْلِ وَالْمُطْعِمَاتِ فِي الْمَحْلِ قَالَ: وَالْمُزَارَعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَالٍ أُعَالِجُهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ ... وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا تَتَبَّعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا ... لَعَلَّك يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا.
ص (لِكُلٍّ فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ إنْ لَمْ يَبْذُرْ) ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُزَارَعَةُ دَائِرَةٌ بَيْنَ الشَّرِكَةِ

وَالْإِجَارَةِ فَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ فَقِيلَ تَلْزَمُ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِجَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ تَغْلِيبًا لِلشَّرِكَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَبْذُرْ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَاعِلَ يَلْزَمُهُ الْجُعْلُ بِشُرُوعِ الْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَعْمَالِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ، أَوْ الشُّرُوعِ ثَالِثُهَا بِالْبَذْرِ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا بِقُرْطُبَةَ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةٍ عَلَى مَا فِي لُزُومِ الْجُعْلِ بِالشُّرُوعِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مَعَ سَمَاعِهِ أَصْبَغَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِهَا بِابْتِدَاءِ الْعَمَلِ انْتَهَى.
ص (وَتَسَاوَيَا) ش: لَا شَكَّ فِي إغْنَائِهِ عَمَّا تَقَدَّمَ فَشَرْطُهَا شَيْئَانِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ لَا تَصِحُّ

الشَّرِكَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْلَمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَأَنْ يَعْتَدِلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ.

ص (وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ، وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي خَلْطِ الْبَذْرِ أَنْ يُخْرِجَاهُ، وَلَوْ زُرِعَ هَذَا فِي نَاحِيَةٍ، وَهَذَا فِي نَاحِيَةٍ وَزَرْعُ أَحَدِهِمَا مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا إلَى آخِرِهِ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا فِي الْمُزَارَعَةِ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ فَأَشَارَ إلَى مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَاللَّخْمِيُّ وَاخْتَلَفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَقَالَ مَرَّةً إنَّمَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا الزَّرِيعَةَ، أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ، أَوْ حَمَلَاهَا إلَى فَدَّانٍ وَنَصُّ هَذَا الثَّانِي عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَخْلِطَا فَزَرَعَ هَذَا فِي فَدَّانٍ، أَوْ فِي بَعْضِهِ وَزَرَعَ الْآخَرُ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَنْعَقِدُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ حَبُّهُ، وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ وَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ، أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ حَمَلَاهَا جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِهِ فَزَرَعَا وَاحِدَةً ثُمَّ زَرَعَا الْأُخْرَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّرِكَةَ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا سَكَتَ لِاحْتِمَالِهِ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً، أَوْ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، أَوْ لَا لَكِنَّهُ إذَا وَقَعَ مَضَى وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَفْرِيعِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: فَصْلٌ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا هَلْ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْلِطَاهُ مِنْ قَبْلِ الْحَرْثِ فَأَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ إذَا أَخْرَجَا قَمْحًا، أَوْ شَعِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطَاهُ وَهُوَ أَيْضًا أَصْلُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَاخْتَلَفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ، وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَاهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الثَّانِي بِلَوْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ مَشَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ مَا فَرَّعَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ إلَى آخِرِهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ (تَنْبِيهٌ) بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَرْطٌ آخَرُ فِي الْبَذْرِ وَهُوَ تَمَاثُلُهُمَا جِنْسًا فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا، وَالْآخَرُ شَعِيرًا، أَوْ سُلْتًا، أَوْ صِنْفَيْنِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ فَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ بَذْرُهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ ثُمَّ قَالَ: يَجُوزُ إذَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ وَالْمَكِيلَةُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَزَادَ بَعْدَهُ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مَنْ لَمْ يُجِزْ الشَّرِكَةَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارَعَةَ بِطَعَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَوْ اعْتَدَلَتْ قِيمَتُهُمَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمُنَاجَزَةِ لِبَقَاءِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى طَعَامِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ طَعَامُهُ، وَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ قَبْضًا كَالشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْعُرُوضِ لَا يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ سِلْعَةَ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ بِأَثْمَانِ السِّلَعِ الَّتِي وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَاسِدَةً انْتَهَى.

ص (وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَعَلِمَ لَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ إنْ غُرَّ إلَخْ) ش: قَالَ فِي

الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا شُرِطَ فِي الْحَبِّ الزِّرَاعَةُ فَلَمْ يَنْبُتْ وَالْبَائِعُ عَالِمٌ، أَوْ شَاكٌّ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَرَّهُ وَالشِّرَاءُ فِي أَنَّ الزِّرَاعَةَ بِثَمَنِ مَا يُزْرَعُ كَالشَّرْطِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِلْأَكْلِ فَزَرَعَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ طَعْمِهِ، أَوْ فِعْلِهِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ النَّقْصِ لَوْ اشْتَرَاهُ لِلزِّرَاعَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ شَارَكَ بِهَذَا غَيْرَهُ فَنَبَتَتْ زَرِيعَةُ الْغَيْرِ دُونَهُ فَإِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَكِيلَةِ وَنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي أَبْطَلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَمَا يَنْبُتُ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ أَصْبَغُ قَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ إلَّا فِي الْكِرَاءِ سَكَتَ عَنْهُ وَزَادَ إنْ دَلَّسَ دَفَعَ نِصْفَ الْمَكِيلَةِ زَرِيعَةً صَحِيحَةً وَدَفَعَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ نِصْفَ مَكِيلَةٍ لَا تَنْبُتُ، وَهَذَا إذَا زَالَ الْإِبَّانُ وَإِلَّا أَخْرَجَ زَرِيعَتَهُ صَحِيحَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رُجُوعِ الْمَغْرُورِ عَلَى الْغَارِّ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ إنْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمَغْرُورِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ قَالَ بَعْدَهُ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غُرَّ فِيهَا انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: قُلْت: قَوْلُهُ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا وَلَكِنْ ذَكَرَ الصَّقَلِّيُّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ زَرَعَ بِمَا لَا يَنْبُتُ فَنَبَتَ شَعِيرُ صَاحِبِهِ دُونَ شَعِيرِهِ فَإِنْ دَلَّسَ رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِ مَكِيلَتِهِ مِنْ شَعِيرٍ صَحِيحٍ وَبِنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّذِي أَبْطَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ إلَّا الْكِرَاءَ لَمْ يَذْكُرْهُ (قُلْت:) ظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ سُقُوطُ الْكِرَاءِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فِيمَنْ غَرَّ فِي إنْكَاحِ غَيْرِهِ أَمَةً أَنَّهُ يَغْرَمُ لِلزَّوْجِ الصَّدَاقَ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ مَا يَغْرَمُهُ الزَّوْجُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا سَارِقًا دَلَّسَ فِيهِ فَسَرَقَ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَرَدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْعَيْبِ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا وَأَظُنُّ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ مَنْ بَاعَ مَطْمُورَةً دَلَّسَ فِيهَا بِعَيْبِ التَّسْوِيسِ

فَخَزَّنَ فِيهَا الْمُبْتَاعُ فَاسْتَاسَ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا اسْتَاسَ فِيهَا قَالَ، وَلَوْ أَكْرَاهَا مِنْهُ لَرَجَعَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ عَدَمِ نَبَاتِ الْبَذْرِ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ فِي الْعُيُوبِ وَالْبَرْزَلِيُّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
ص (كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ وَتَسَاوَيَا غَيْرَهَا) ش: يُرِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَافِهَةً لَا خَطْبَ لَهَا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وَعَمِلَ عَلَى الْأَصَحِّ) ش: لَيْسَ مُرَادُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذَا التَّنْبِيهَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْضِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازَ إلْغَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا: قَالَ سَحْنُونٌ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْضًا لَا كِرَاءَ لَهَا، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيمَا سِوَاهَا فَأَخْرَجَ هَذَا الْبَذْرَ، وَهَذَا الْعَمَلَ وَقِيمَةُ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا كِرَاءَ لَهَا وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ عَبْدُوسٍ،، وَقَالَ إنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ إذَا تَسَاوَيَا فِي إخْرَاجِ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ غَيْرَ مُخْرِجِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ لَا كِرَاءَ لَهَا وَيَدْخُلُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَلَا تَرَى لَوْ أُكْرِيَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ) ش: يَعْنِي وَكَذَا تَفْسُدُ الشَّرِكَةُ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْبَذْرِ وَالْعَمَلِ مِنْ عِنْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ عَلَى وَاحِدٍ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ فَقَطْ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ ثُمَّ يَقُومَانِ بِمَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ وَأُجْرَةِ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ دَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ لِلْأَرْضِ وَمِنْ الْآخَرِ الْعَمَلُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَتَكُونُ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ، وَالْبَذْرُ لِآخَرَ، وَالْعَمَلُ لِآخَرَ وَتَكُونُ الشَّرِكَةُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ.
وَلَا إشْكَالَ فِي فَسَادِ الْوَجْهِ الثَّانِي لِمُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ الْبَذْرِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ فِي فَسَادِ الشَّرِكَةِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقِيَامَ بِهِ كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ صَاحِبَ الْأَرْضِ، أَوْ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ إنْ كَانَ هُوَ مُخْرِجَ الْبَذْرِ كِرَاءُ أَرْضِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُخْرِجَ الْبَذْرِ عَلَيْهِ لَهُ مِثْلُ بَذْرِهِ وَهَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الْقَوْلَ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ، وَقَالَ لَمْ نَجِدْ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْعَامِلِ دُونَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: قَالَ سَحْنُونٌ ظَاهِرُهُ أَيْضًا فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ أَرَ النَّصَّ عَنْ سَحْنُونٍ إلَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنَّ ابْنَ يُونُسَ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَذَكَرَ عَنْهُ صُورَةً أُخْرَى فَقَالَ سَحْنُونٌ

وَإِذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَنِصْفَ الْبَذْرِ وَالْآخَرُ نِصْفَ الْبَذْرِ فَقَطْ وَالثَّالِثُ الْعَمَلَ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لَمْ يَجُزْ فَإِنْ نَزَلَ فَالزَّرْعُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ وَيَغْرَمَانِ لِمُخْرِجِ نِصْفِ الْبَذْرِ مَكِيلَةَ بَذْرِهِ وَمَذْهَبُ سَحْنُونٍ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الزَّرِيعَةِ وَعَلَيْهِمَا كِرَاءُ الْأَرْضِ وَالْعَمَلُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَدْ أَخْطَئُوا وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزَّرْعَ لِمَنْ وَلِيَ الْعَمَلَ إذَا أُسْلِمَتْ الْأَرْضُ إلَيْهِ يُؤَدِّي مِثْلَ الْبَذْرِ لِمُخْرِجِهِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا انْتَهَى

[بَابُ الْوَكَالَةِ]

ش (بَابُ الْوَكَالَةِ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا وَصَاحِبِ صَلَاةٍ وَالْوَصِيَّةِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ النُّسْخَةِ الْمَنْقُولِ مِنْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ فِيهِ إمَّا لَهُ أَوْ التَّصَرُّفُ كَمَالِهِ كَمَا يَظْهَرُ هَذَا بِتَأَمُّلِ الْكَلَامِ الْآتِي مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إثْرَ مَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَالُ إنَّ النِّيَابَةَ فِي حَقِّ ذِي إمْرَةٍ وَكَالَةٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ مُجَرَّدُ فِعْلٍ لَا إمْرَةَ فِيهِ هَذَا ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ وِلَايَةَ الْأُمَرَاءِ وَكَالَةً وَنَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْوَكَالَةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي النِّيَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ عُرْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ النِّيَابَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلْوَكَالَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَتَعْرِيفُهَا بِهَا دَوْرٌ، فَيُقَالُ هِيَ جَعْلُ ذِي أَمْرٍ غَيْرَ إمْرَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُوجِبِ لُحُوقَ حُكْمِهِ لِجَاعِلِهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ إمَامِ صَلَاةٍ لِعَدَمِ لُحُوقِ فِعْلِ النَّائِبِ فِي الصَّلَاةِ الْجَاعِلَ وَالْوَصِيَّةِ لِلُحُوقِ حُكْمِ فَاعِلِهَا غَيْرَ الْجَاعِلِ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُهَا لِذَاتِهَا الْجَوَازُ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْت عَلَيْهِ وَقُلْت أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ إذَا أَتَيْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِنْ ابْتَغَى مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: فِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ رَمَاهُ مَالِكٌ بِالْكَذِبِ وَقَالَ نَحْنُ نَفَيْنَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَعْرِضُ لَهَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا كَقَضَاءِ دَيْنٍ تَعَيَّنَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى.

ص (فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَيُنْقَضُ قَوْلُهُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ بِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ لِمَرَضِهِ فِي الْحَجِّ يَرْمِي عَنْهُ انْتَهَى.
ص (وَحَوَالَةٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ

يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُحِيلُ غَرِيمَهُ عَلَى مَدِينِهِ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَتَجُوزُ فِي الْكَفَالَةِ كَالْحَوَالَةِ وَالْبَيْعِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ فِي حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ (قُلْت) : فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيمَا يَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ مُبَاشَرَتُهُ، وَكَفَالَةُ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ مُمْتَنِعَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: هُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِمَا عَلَى فُلَانٍ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ هُنَا يَصِحُّ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهِ: كَأَنْ الْتَزَمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِكَفِيلٍ بِهِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْكَفِيلِ حَقًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.

ص (وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثُ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَسْتَدْعِي عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ وَلَا عِلْمَ الْوَكِيلِ وَلَا عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ.
(قُلْت) : وَهَذَا كَضَرُورِيٍّ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَرْكٍ وَالتَّرْكُ لَا مَانِعِيَّةَ لِلْغَرَرِ فِيهِ وَلِذَا قَالَ الْغَيْرُ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ: لِأَنَّهُ يُرْسِلُ مِنْ يَدِهِ بِالْغَرَرِ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ أَوَاخِرَ رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ بِالْوَصَايَا.
ص (أَوْ وَاحِدٌ فِي خُصُومَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ عَلَى الدَّعْوَى: وَلَيْسَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ، وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ وَكِيلُهُ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي نَصِّ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ.

[تَنْبِيهَاتٌ الْخَصْمَيْنِ إذَا فَرَغَا مِنْ الْخُصُومَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَأَرَادَا أَنْ يُثْبِتَاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ]

(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ) : هُنَا مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَهِيَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا فَرَغَا مِنْ الْخُصُومَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَأَرَادَا أَنْ يُثْبِتَاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الرَّوَاحِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ تَكَبُّرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ لِعُذْرٍ فَيَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ وَكَّلَ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الدَّعْوَى وَالْإِعْذَارِ وَالثُّبُوتِ وَطَلَبِ الْحُكْمِ فَيَأْتِي الشُّهُودُ عَلَى الْوَكَالَةِ إلَى رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ وَيَشْهَدُونَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ وَشَخْصٌ آخَرُ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْآخَرِ وَيُكْمِلُونَ أَمْرَهُمْ فَهَلْ هَذَا التَّوْكِيلُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُوَكِّلُ بِقَوْلِهِ وَكَّلْت كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي إثْبَاتِ كَذَا إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ يُوَكِّلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا بِعَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَلَا مِرْيَةَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْوَجْهِ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْوَكِيلِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْكِتَابِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْوَكَالَةِ: لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْ أَحَدٍ دَعْوَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْمُوَكِّلِ وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ أَيْضًا عَيْنُ الْوَكِيلِ إمَّا بِالشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا وَإِذَا حَضَرَ الْوَكِيلُ وَالْخَصْمُ وَتَقَارَرَا عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى التَّوَاطُؤِ وَلَوْ صَدَّقَ الْخَصْمُ الْوَكِيلَ فِي الدَّعْوَى، وَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ انْتَهَى.
وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وُكَلَاءُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَيُمْكِنُ هُنَا الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ تَوْكِيلَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْخِصَامِ لَا يَجُوزُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ وَكَالَةٌ فِي دَعْوَى وَإِنْكَارٍ وَإِثْبَاتٍ وَبَحَثَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ شَرَطَ فِي ذِكْرِ حَقِّهِ وَمَنْ قَامَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فَلَا يَجُوزُ هَذَا وَلَا يُقْضَى لَهُ إلَّا بِوَكَالَةٍ انْتَهَى.

وَمَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ عَدَمِ جَبْرِهِ الْحَاكِمُ عَلَى الدَّفْعِ فِيمَا إذَا صَدَرَ، وَالْخَصْمُ الْوَكِيلُ عَلَى الدَّعْوَى فَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمَعُونَةِ وَتَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ وَمُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ وَنَصُّهُ مَسْأَلَةٌ فِي الْمَطْلُوبِ يُوَافِقُ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا وَإِذَا قَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي مَهْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ دَيْنِ رَجُلٍ وَادَّعَى وَكَالَةَ صَاحِبِ ذَلِكَ الْحَقِّ فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ أَوْ الْمَهْرِ وَاعْتَرَفَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ قَضَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي عَلَيْهِ أَوَّلًا بِإِقْرَارِهِ، وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَلَهُ فِي الْبَابِ السَّبْعِينَ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمَارَاتِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُوَافِقُ مَا لَهُ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ وَعَزَاهُ لِلْمُتَيْطِيَّةِ وَنَصُّهُ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ حَكَى عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا قَالَهُ لِرَجُلٍ وَكَّلَنِي فُلَانٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْك وَعَدَدُهُ كَذَا فَصَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّفْعُ إلَيْهِ فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ غَرِمَ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ انْتَهَى.
وَفِيهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْفَصْلِ الْخَامِسِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ ادَّعَى شَرِيكَانِ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَقَالَا لِلْقَاضِي مَنْ حَضَرَ مِنَّا خَاصِمْهُ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ مَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَقَالَ فِي وَرَثَةٍ ادَّعَوْا مَنْزِلًا فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يُخَاصِمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يُقَدِّمُونَ رَجُلًا يُخَاصِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلَيْنِ يُخَاصِمَانِ عَنْهُ إنْ غَابَ أَحَدُهُمَا خَاصَمَ لَهُ الْآخَرُ وَكَذَا لَمْ يَجُزْ لِمَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ إسَاءَةِ خَصْمِهِ لَهُ، فَحَلَفَ لَا خَاصَمَهُ أَوْ يَظْهَرُ مِنْ وَكِيلِهِ مَيْلٌ لِخَصْمِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا انْتَهَى هَذَا السَّمَاعُ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الثَّالِثُ) : قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَعْرِفَةِ الْوَكَالَةِ وَلَمْ يُبَيِّنَا فِي شَهَادَتِهِمَا أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَشْهَدَهُمَا بِهَا فَشَهَادَتُهُمَا سَاقِطَةٌ وَلَا يُعْمَلُ بِهَا انْتَهَى.

(الرَّابِعُ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى: مَسْأَلَةٌ وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ فِي قَضِيَّةٍ فَخَاصَمَ عَنْهُ وَانْقَضَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْخِصَامِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ مُبْهَمَةً لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى مُخَاصَمَةِ فُلَانٍ أَوْ فِي أَمْرِ كَذَا وَكَذَا إنْ اتَّصَلَ بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَيَّامٌ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ إذَا لَمْ يُقْصِرْهُ عَلَى مَطْلَبٍ سَمَّاهُ كَمَا قَدَّمْنَا فَأَمَّا إذَا قَصَرَهُ عَلَى مَطْلَبٍ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ بَيْنَ الْمَطْلَبَيْنِ الْأَشْهَرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ إلَّا فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ وَيُسْتَحْسَنُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ التَّوْكِيلَ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ انْتَهَى.

(الْخَامِسُ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى مُخَاصَمَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سِنِينَ وَقَدْ أُنْشِبَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَمْ يُنْشِبْ الْخُصُومَةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي شَيْءٍ حَتَّى مَرَّتْ السَّنَتَانِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا: يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ يُجَدِّدُ الْوَكَالَةَ؟ قَالَ سَحْنُونٌ: يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى الْمُوَكِّلِ لِيَسْأَلَهُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَوْ خَلَعَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ الْوَكَالَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنَاصَفِ: أَمَّا إذَا خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ، وَطَالَ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتْهُ الْأُولَى انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الِانْعِزَالِ بِطُولِ مُدَّةِ التَّوْكِيلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَبَقَائِهِ قَوْلُ ابْنِ سَهْلٍ رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَ الْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ

التَّوْكِيلِ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْإِنْكَاحِ إنْ سَقَطَ مِنْ رَسْمِهِ لَفْظُ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَطَالَ أَمْرُ التَّوْكِيلِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ سَقَطَتْ إلَّا بِتَوْكِيلٍ ثَانٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَنْ قَامَ بِتَوْكِيلٍ عَلَى خُصُومَةٍ بَعْدَ سِنِينَ وَقَدْ أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُنْشِبْهَا بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ سَأَلَ الْحَاكِمُ مُوَكِّلَهُ عَلَى بَقَاءِ تَوْكِيلِهِ أَوْ عَزَلَهُ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ ابْنُ فَتُّوحٍ إنْ خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ سِنِينَ لَمْ يَحْتَجْ لِتَجْدِيدِ تَوْكِيلٍ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْوَكِيلِ تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ لَمْ يُنْشِبْ خُصُومَةً، ثُمَّ يَقُومُ بِهَا فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا سُئِلَ أَهْوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي نَفْسَهُ وَرَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ عَنْ الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ انْتَهَى وَلَعَلَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ هُوَ الْغَرْنَاطِيُّ فَإِنَّ الْبُرْزُلِيَّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْقُلْ كَلَامَ سَحْنُونٍ وَلَا غَيْرَهُ وَنَصُّهُ قَالَ يَعْنِي الْغَرْنَاطِيَّ: وَإِذَا مَضَى لِتَارِيخِ الْخِصَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ مُتَكَلِّمٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ اتَّصَلَ خِصَامُهُ مَعَهُ وَلَوْ طَالَتْ سَنِيُّهُ (قُلْت) : أَوْ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَا تَنْقَضِي إلَّا بِتَمَامِهَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ انْتَهَى.

ص (وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ) ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارُ بِرِضَا الْخَصْمِ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ فِي حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ وَفِي غَيْبَتِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: أَيْضًا، وَكَمَا لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِ الْخَصْمِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِ فِي إثْبَاتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَهَى.
بَلْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ لِمُخَاصَمَةِ خَصْمٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ لَا تُعْلَمُ غَايَتُهَا فَاعْتُبِرَ جِنْسُهَا خَاصَّةً انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي تَبْصِرَتِهِ مَسْأَلَةً وَلَيْسَ فِي التَّوْكِيلِ أَعْذَارٌ وَلَا آجَالٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ قَالَ: لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدِهِمْ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ يَسْمَعَ مِنْ الطَّالِبِ، وَيَنْظُرَ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَأَمَّا إذَا دَعَا إلَى أَنْ يُؤَجَّلَ فِي الدَّفْعِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ السِّيرَةُ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الْمَطْلَبِ انْتَهَى

[فَرْعٌ الْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ]

(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إثْرَ كَلَامِ ابْنِ زِيَادٍ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيُّ: فِي وَثَائِقِهِ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: كَانَ الْإِعْذَارُ بِالشَّأْنِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَإِنَّمَا تَرَكَ الْإِعْذَارَ مَنْ تَرَكَهُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْحُكْمِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْإِعْذَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ ثَبَتَ لِلْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا قَبْلَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ التَّوْكِيلِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ ابْنُ عَتَّابٍ كَانَ الشَّأْنُ فِي الْقَدِيمِ الْإِعْذَارُ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ وَيُعْذِرُ أَيْضًا فِي الْمَوْتِ وَالْوِرَاثَةِ ابْنُ مَالِكٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُقِرُّ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَيَلْزَمُهُ ابْنُ بَشِيرٍ إنَّمَا تُرِكَ الْإِعْذَارُ فِي الْمَوْتِ وَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ هَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ إذْ لَا بُدَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ وَيُوَكِّلُ عَلَى الْخِصَامِ عِنْدَ الْقَاضِي إنْ شَاءَ وَحَيْثُمَا وَكَّلَ، فَهُوَ جَائِزٌ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ: عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشُّهُودِ عَلَى الْوَكَالَةِ لَا يَكُونُونَ إلَّا عُدُولًا، وَيُحْتَاطُ فِيهِمْ بِمَا يُحْتَاطُ فِي الشُّهُودِ عَلَى غَيْرِ الْوَكَالَةِ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَمَّا وَكَالَةُ الْفَاسِقِ فَتَصِحُّ كَمَا يُؤْخَذُ

ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ يَحْصُلُ الْإِبْرَاءُ بِالدَّفْعِ لِلْوَكِيلِ الْفَاسِقِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْت (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَصَرَّحَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ بِاسْمِ الْحَاكِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكَلُّمُ عِنْدَ حَاكِمٍ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا، فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ حَيْثُ شَاءَ انْتَهَى.

[فَرْعٌ عَزْل الْوَكِيل]

(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَمَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِخَصْمِهِ فَأَبَى الْأَوَّلُ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ خُصُومَاتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ، وَيَتَوَكَّلُ لَهُ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ انْتَهَى.
زَادَ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَعَدُوِّهِ وَلَا يُوَكَّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَلَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ عَلَى الْمُتَّهَمِ يَدَّعِي الْبَاطِلَ وَلَا الْمُجَادَلَةَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] إنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطِلِ الْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 106] انْتَهَى.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَيَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِدِينِهِ وَأَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إلَّا فِي مَطْلَبٍ يَقْبَلُ فِيهِ يَقِينُهُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ فِيهِ عَلَى حَقٍّ فَقَدْ جَاءَ فِي جَامِعِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَمَنْ تَوَكَّلَ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا لَمْ يَزَلْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى الْخُصُومَةِ وَقَالَ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قَحْمًا يَعْنِي اقْتِحَامَ الْمَهَالِكِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصْلُحُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخِصَامِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ الْخُصُومَاتِ لِذِي الْهَيْئَاتِ]

(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِذِي الْهَيْئَاتِ الْخُصُومَاتِ قَالَ مَالِكٌ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ الْخُصُومَةَ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهَا وَكَانَ إذَا نَازَعَهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ قَالَ لَهُ: إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لِي فَهُوَ لَكَ وَإِنْ كَانَ لَك فَلَا تَحْمَدْنِي عَلَيْهِ قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَيْءٌ لَمْ يُخَاصِمْهُ وَكَانَ يَقُولُ الْمَوْعِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسَبُ فِيهِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يُوَفَّوْنَ حُقُوقَهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَطِبْ بِذَلِكَ نَفْسًا فَإِنَّ الْأَمْرَ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلَّا خُرُوجَ رُوحِكَ حَتَّى تَنْسَى ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى كَأَنَّك مَا كُنْتَ فِيهِ وَلَا عَرَفْتُهُ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُخَاصِمُ رَجُلُ سُوءٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِك ظَالِمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ أَبَاهُ لِيَطْلُبَ لَهُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِالْأَبِ

ص (لَا إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ وَحِلْفٍ فِي كَسَفَرٍ) ش: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا خَاصَمَ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَاعَدَ خَصْمَهُ أَيْضًا ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَانْعَقَدَتْ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ خَصْمًا يَتَوَكَّلُ عَنْهُ إذَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُسَافِرَ سَفَرًا وَيَعْرِفَ ذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعُ الْخَصْمَانِ مِنْ السَّفَرِ، وَلَا مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عِنْدَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَتَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُبَحْ لَهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ خَصْمُهُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْن الْفَخَّارِ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ إذَا شَاتَمَهُ خَصْمُهُ، وَأَحْرَجَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ بِنَفْسِهِ قَالَ ابْن الْفَخَّار: فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ دُونَ عُذْرٍ يُوجِبُ الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ حَاوٍ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ لِلسَّفَرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّهَا كَأَيْمَانِ التُّهَمِ وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: قُلْت فِي عَطْفِ شَاتَمَهُ عَلَى أَحْرَجَهُ بِالْوَاوِ أَوْ بِأَوْ اخْتِلَافُ نُسَخٍ

انْتَهَى.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَثَلَاثٍ يَعْنِي فَأَكْثَرُ وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي كَسَفَرٍ مَا مِثْلُ السَّفَرِ (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَنْ وَكَّلَ ابْتِدَاءً ضَرَرًا لِخَصْمِهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِيهَا أَيْضًا: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ: كُلُّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي وَكَالَةٍ وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ اللَّدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ فَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ وَكَالَةً عَلَى أَحَدٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْوَكَالَةُ عَلَى الْخِصَامِ لِمَرَضِ الْمُوَكِّلِ أَوْ سَفَرِهِ أَوْ كَوْنِهِ امْرَأَةً لَا يَخْرُجُ مِثْلُهَا جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا الْمُتَيْطِيُّ وَكَذَا الْعُذْرُ يَشْغَلُ الْأَمِيرَ أَوْ خُطَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَتَهَا كَالْحِجَابَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي جَوَازِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ثَالِثُهَا لِلطَّالِبِ لَا لِلْمَطْلُوبِ لِلْمَعْرُوفِ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَنَقَلَهُ عَنْ سَحْنُونٍ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَاضِي قُرْطُبَةَ وَفَعَلَهُ وَعَلَى الْمَعْرُوفِ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَهُمَا مَا يَكُونُ مِنْ دَعْوَى إقْرَارٍ نَقْلًا ابْنِ سَهْلٍ قَائِلًا وَذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَمُرَادُهُ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ مَا فِيهِ تَشْغِيبٌ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمِنْ الْمُحَاضِرِ لِابْنِ حَارِثٍ وَإِنْ أَرَادَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسَا فِيهِ التَّوْكِيلَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُمَا أَوْ لَأَحَدِهِمَا وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْعَطَّارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ بَعْدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى: وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَسْأَلَةٌ وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى خَصْمِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَهَلْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوَى بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ؟ فَقِيلَ إنَّهُ لَا يُمَكَّن مِنْ التَّوْكِيلِ حَتَّى يُجِيبَ فَإِنْ لَمْ يُجِبْ حَمَلَهُ الْحَاكِمُ عَلَى جَوَابٍ بِالْأَدَبِ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يُوَكِّلَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِالْحَضْرَةِ فَيُجَاوِبُ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ الْأَدَبِ قُلْ الْآنَ مَا كُنْتَ تَأْمُرُ بِهِ وَكِيلَكَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ عَنْكَ فَإِنْ أَبَى عَلِمَ أَنَّهُ مُلِدٌّ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمُتَيْطِيَّةِ أَتَمُّ وَنَصُّهُ وَإِذَا سَأَلَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا الْقَاضِيَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ تَقَدَّمَا إلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ فِي مُحَاضَرَةٍ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ رَأْيِ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلِ الْقُضَاةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مَا يَكُونُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَاَلَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ فِي مَجْلِسِهِ إذَا كَانَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ قَرِيبَ الْمَعْنَى يَتَبَادَرُ فَهْمُهُ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَتَكَلَّمَ حَمَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْأَدَبَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ أَصَحُّ أَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ التَّوْكِيلُ، فَإِذَا أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ التَّوْكِيلُ فَخَصْمُهُ مَكَانَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُحْدِثَ كَلَامًا يَكُونُ فِيهِ تَشْغِيبٌ عَلَى صَاحِبِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْعَطَّارِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهَذَا إذَا لَمْ يُوَكِّلَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَتَّى حَضَرَا عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا لَوْ وَكَّلَا أَوَّلًا، فَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ مُرَادَهُمْ مَا لَمْ يَجْلِسَا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَهَى.

ص (وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ) ش: يَعْنِي لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ بَعْدَ

مُنَاشَبَتِهِ لِلْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا أَعْلَنَ بِعَزْلِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ سِرًّا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا فَعَلَهُ الْوَكِيلُ وَمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِمَا وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْوَكِيلِ إذَا قُيِّدَتْ عَلَيْهِ مَقَالَةٌ بِإِقْرَارِهِ عَلَى وَكِيلِهِ الَّذِي وَكَّلَهُ فَلَمَّا طَلَبَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ اسْتَظْهَرَ مُوَكِّلُهُ بِعُزْلَةِ عَزْلِهِ إيَّاهَا قَبْلَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَسْقُطُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ مَا يُقَيَّدُ عَلَى الْوَكِيلِ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهُ قَبْلَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ عَزْلًا أَعْلَنَ بِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ أَوْ قَبْلَهُ سِرًّا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَشْهَدَ فِي السِّرِّ بِعَزْلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ إشْهَادِهِ سِرًّا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُهُ فَقَطْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبَقِيَّةُ الْجَوَابِ فِي نَوَازِلِهِ مَا نَصُّهُ: إذْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ أَنْ يَعْزِلَهُ بَعْدَ أَنْ نَاشَبَ خَصْمَهُ فِي الْخِصَامِ وَقَاعَدَهُ فِيهِ وَلَا قَبْلَ ذَلِكَ سِرًّا إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عَنْ الْمُخَاصَمَةِ عَنْهُ وَيُشْهِدُ فِي السِّرِّ عَلَى عَزْلِهِ إلَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنْ قَضَى لَهُ سَكَتَ وَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ كُنْتُ عَزَلْتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: هَذَا الَّذِي أَقُولُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ سِوَاهُ عَلَى أُصُولِهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ لَا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ إقْرَارُ وَكِيلِ وَصِيِّهِ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ إقْرَارُ الْوَصِيِّ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَكَّلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَمَا يُقَيَّدُ عَلَى وَكِيلِ الْخِصَامِ مِنْ الْمَقَالَاتِ لَازِمٌ لِمَنْ وَكَّلَهُ مَا لَمْ يَعْزِلْهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي وَكَّلَهُ عِنْدَهُ عَلَى الْخِصَامِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ وَيُفَاصِلَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَذَهَبَ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَفَاصَلَ وَبَاعَ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ اسْتَظْهَرَ بِأَنْ عَزَلَهُ بَعْدَ أَنْ وَكَّلَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذِهِ الْعُزْلَةِ، وَيَنْفُذُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ الْوَكِيلُ إلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِعُزْلَتِهِ أَوْ بِعَزْلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَا يَمْضِي عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ عَزْلَهُ فِي السِّرَّ مِنْ الْخُدْعَةِ وَالْقَصْدِ إلَى الْغِشِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ انْتَهَى.
مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورِينَ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ وَإِنَّمَا يَنْعَزِلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ انْعِزَالِهِ بِعَزْلِهِ سِرًّا وَيُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ فَلَا يَنْعَزِلُ وَلَوْ بِحُضُورِهِمَا قَالَ لَمَّا ذَكَرَ الْعَزْلَ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ الْعَزْلَ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ أَصْرَحُ مِنْهُ وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَلَّابِ إذَا وَكَّلْت وَكِيلًا فِي بَيْعِ رَهْنٍ لَيْسَ لَكَ عَزْلُ الْوَكِيلِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَكَ الْعَزْلُ كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى فَإِذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ فَسْخَ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَهُ ذَلِكَ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ أَوْ اشْتِرَائِهَا أَوْ سَمَّى لَهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا هَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ؟ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ أَوْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَازِرِيُّ وَعَدَّهَا الْأَشْيَاخُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُشْتَرِيَ وَسَمَّى لَهُ الثَّمَنَ وَقَالَ لَهُ: شَاوِرْنِي أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ وَلَا قَالَ لَهُ: شَاوِرْنِي فَهَذَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ وَالِاضْطِرَابِ وَاخْتُلِفَ إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُمَلِّكَ زَوْجَتَهُ أَمْرَهَا فَهَلْ لَهُ

أَنْ يَعْزِلَهُ؟ فَرَأَى اللَّخْمِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالُوا: بِخِلَافِ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ فَإِنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَرَأَى غَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَاسْتَشْكَلَ الْمَازِرِيُّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُوَكِّلِ فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا جَعَلَ لَهُ تَمْلِيكَ زَوْجَتِهِ صَارَ كَالْمُلْتَزِمِ لِذَلِكَ الْتِزَامًا لَا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ فَفِي مَنْعِ الْعَزْلِ بِمُجَرَّدِ انْتِشَاب الْخِصَامِ أَوْ بِمُقَاعَدَتِهِ ثَلَاثًا ثَالِثُهَا بَعْدَ مُقَاعَدَتِهِ مُقَاعَدَةً يَثْبُتُ فِيهَا الْحُكْمُ وَرَابِعُهَا مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ وَخَامِسُهَا عَلَى الْحُكْمِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَهُ عَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْبَغَ وَثَانِيهمَا مُحَمَّدٍ انْتَهَى (تَنَبُّهَات الْأَوَّلُ) : مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنْ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي الْخُصُومَةِ وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصِمِ لَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَهُ عَزْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ مُنَاشَبَتِهِ لِلْخِصَامِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَاشَبَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي خُصُومَتِهِ وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصَمِ لَهُ، فَلَهُ عَزْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِأَمْرٍ فَظَهَرَ غِشُّهُ كَانَ عَيْبًا، وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْوَكَالَةَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ ظَهَرَ مِنْ الْوَكِيلِ تَفْرِيطٌ أَوْ مَيْلٌ مَعَ الْخَصْمِ أَوْ مَرِضَ فَلِمُوَكِّلِهِ عَزْلُهُ انْتَهَى (الثَّانِي) : مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ لَكَانَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ وَلِلْوَكِيلِ عَزْلُ نَفْسِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِابْنِ رُشْدٍ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَنْخَلَّ عَنْ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقًا إلَّا فِي وَكَالَةِ الْخِصَامِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ انْتَشَبَ الْخِصَامُ وَالْمُفَوَّضُ إلَيْهِ وَالْمَخْصُوصُ سَوَاءً انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهِيَ مَعْرُوفٌ مِنْ الْوَكِيلِ يَلْزَمُهُ إذَا قَبِلَ، وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِي الْخِصَامِ، وَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَا مُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ، وَيَكُونُ فِي عَزْلِهِ نَفْسَهُ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ إجَارَةٌ تَلْزَمُهُمَا بِالْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ التَّخَلِّي وَتَكُونُ بِعِوَضٍ مُسَمًّى وَإِلَى أَجَلٍ مَضْرُوبٍ وَفِي عَمَلٍ مَعْرُوفٍ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِهِ وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ، فَلَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ، تَرَدُّدٌ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ لَازِمَةٌ كَالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ أَشْبَعَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ (الثَّالِثُ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ دِينَارٌ وَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَآجَرَ رَجُلًا فِي تَقَاضِيهِ الْخَمْسَةَ الدَّرَاهِمَ، وَقَالَ لَهُ فَإِذَا قَبَضْت ذَلِكَ فَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ فَلَمَّا قَدِمَ كَلَّمَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ بِلَا مُؤْنَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِالدِّينَارِ وَيُرْسِلُ بِالْخَمْسَةِ دَرَاهِمَ إلَى رَبِّهَا انْتَهَى.

ص (وَلَا الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ أَوْ يَجْعَلْ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْإِقْرَارُ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُفَوِّضًا إلَيْهِ أَوْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ لَهُ مُوَكِّلَهُ أَنْ يُقِرَّ عَنْهُ وَنَصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهِ وَلَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ

وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ: أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ فَقَطْ لَا تَشْمَلُ صُلْحًا وَلَا إقْرَارًا وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ أَحَدُهُمَا إلَّا بِنَصٍّ مِنْ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْكَافِي: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا عَنْ الْكَافِي وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: وَلَك أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ حَضَرْت أَوْ غِبْت وَلَا يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ تُفَوِّضَ إلَيْهِ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّكَ سَلَّمْتَهَا، فَهُوَ كَشَاهِدٍ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْت أَنْتَ وَأَخَذْت فَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ عَلَى طَلَبِ شُفْعَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَإِذَا وَكَّلْتُهُ عَلَى طَلَبِ شُفْعَةٍ فَسَلَّمَ الْوَكِيلُ فَإِنَّ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ بِذَلِكَ يُلْزِمُكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفَوَّضًا لَمْ يُلْزِمْك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَا: وَإِنْ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِكَ فَهُوَ شَاهِدٌ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُبْتَاعُ، وَيَلْزَمُكَ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْت أَنْتَ وَبَرِئْت قِيلَ لِأَشْهَبَ فَيَطْلُبُ لِي شُفْعَتِي وَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِالتَّسْلِيمِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ أَنْ يَطْلُبَ لَكَ شُفْعَةً يَزْعُمُ أَنَّ طَلَبَهَا لَا يَجُوزُ فَإِنْ تَمَادَى فَلْيَسْمَعْ مِنْهُ الْإِمَامُ وَيَقْضِي بِهِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) : ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ فَهُوَ لَازِمٌ لِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبْلَهُ ابْنُ عَاتٍ وَقَالَ قَبْلَهُ وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ نَصًّا وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إثْرَ نَقْلِهِ قَوْلَ أَصْبَغَ هَذَا مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى آخِرِ كَلَامِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمُتَقَدِّمِ إنَّهُ خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ أَصْبَغَ نَصَّ فِيهَا عَلَى تَوْكِيلِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَلْزُومٌ لَجَعْلِهِ قَوْلَهُ وَمَسْأَلَةَ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ فَهُوَ لَازِمٌ فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ حَسْبَمَا يَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إقْرَارُ الْوَكِيلِ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وَكَّلَهُ عَلَيْهَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ الْمُتَيْطِيِّ قَالَ فُقَهَاءُ طُلَيْطِلَة: مَنْ وَكَّلَ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِ وَالْمُخَاصِمَةِ عَنْهُ وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَإِقْرَارُ مُوَكِّلِهِ بِأَنَّهُ وَهَبَ دَارِهِ لِزَيْدٍ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ مِائَةُ دِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَتَّابٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وَكَّلَ عَلَيْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ شُفْعَتِهِ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ سَلَّمَهَا فَهُوَ شَاهِدٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُضَعِّفًا لِاسْتِدْلَالِهِ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَغْوِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى الشُّفْعَةِ لَغْوُ إقْرَارِ مَنْ جُعِلَ لَهُ الْإِقْرَارُ لِعَدَمِ صِدْقِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عَلَى إقْرَارِهِ بِإِسْقَاطِهَا وَصِدْقِ مُطْلَقِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْهِبَةِ انْتَهَى.
(قُلْت) : لَا شَكَّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ هُوَ الظَّاهِرُ وَأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ضَعِيفٌ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَتَخَصَّصُ وَتَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ وَجَعَلَ لِوَكِيلِهِ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ إنَّمَا أَرَادَ الْإِقْرَارَ فِيمَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وَكَّلَ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ قَالَ أَقَرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ) ش: هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ وَنَصُّهُ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَفِي كَوْنِهِ إقْرَارًا مِنْ الْآمِرِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقِرَّ عَنِّي فَأَضَافَ قَوْلَ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا وَجَعَلَهُ فِي الْإِقْرَارِ عَنْهُ كَنَفْسِهِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ يَلْزَمُ بِهِ مُوَكِّلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ كَذَلِكَ فِي أَقِرَّ عَنِّي.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ كَبِيرُ شَاهِدٍ يَرُدُّ بِأَنَّهُ

مَحْضُ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فِي مُقَابَلَةِ مُسْتَدِلٍّ عَلَيْهِ وَاسْتِشْهَادُ الْمَازِرِيِّ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ وَبَيْنَ جَعْلِهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِيَدِهِ كَقَوْلِهِ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ جَعَلْت بَيْعَهُ بِيَدِكَ هَذَا إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ الْمَازِرِيِّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ حَاصِلُهُ لُزُومَ إقْرَارِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ مَا وَكَّلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقِرَّ عَنِّي وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ شَاسٍ مِنْهُ إنَّ قَوْلَهُ أَقِرَّ عَنِّي بِكَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ كَبِيرُ شَاهِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمَعْصِيَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبْطَلَهُ ابْنُ هَارُونَ بِالنِّيَابَةِ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَقَتْلِ الْعُدْوَانِ وَغَرَّهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: وَلَا تَصِحُّ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَيُرَدُّ بِمَنْعِ صِدْقِيَّةِ النِّيَابَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ وَالِاسْتِعْمَالَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ النِّيَابَةِ اسْتِحْقَاقُ جَاعِلِهَا فِعْلَ مَا وَقَعَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ إنَّ الْوَكَالَةَ تَعْرِضُ لَهَا الْحُرْمَةُ، وَمَثَّلَهُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ فَتَأَمَّلْهُ.

ص (بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا) ش: اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ أَرْبَعَةٌ: الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شُرُوطِهِمَا فِي بَابِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّالِثُ مَا فِيهِ التَّوْكِيلُ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ وَالرَّابِعُ الصِّيغَةُ وَأَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِي الْعُرْفِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهَا لَفْظٌ مَخْصُوصٌ قَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّوْكِيلِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ كَقَوْلِهِ وَكَّلْتُكَ أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَصَرَّفْ عَنِّي فِي هَذَا أَوْ كَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) ، وَهَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ وَيُطْلَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ فِي اللُّبَابِ: إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ فَإِنْ تَرَاخَى قَبُولُهُ بِالتَّوْكِيلِ الطَّوِيلِ فَيُخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ انْتَهَى.
وَأَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَزَادَ فِيهِ عَنْ الْجَوَاهِرِ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَالَ وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْعَادَةِ هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ جَوَابُهُ

عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا بُدَّ فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْقَبُولِ فَإِنْ وَقَعَ بِالْفَوْرِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَفِي لَغْوِهِ قَوْلَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي لَغْوِ التَّخْيِيرِ بِانْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ الْمَازِرِيُّ التَّحْقِيقُ الرُّجُوعُ لِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ وَالْعَادَةُ هَلْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ عَاجِلًا؟ أَوْ وَلَوْ كَانَ مُتَأَخِّرًا؟ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَحَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ مَعْلُومًا بِالْعُرْفِ، وَهَذَا مُسْتَغْنًى بِقَوْلِهِ حَتَّى يُفَوِّضَ، ثُمَّ قَوْلُهُ أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ وَتُخَصَّصُ وَتُقَيَّدُ بِالْعُرْفِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَلْجَأَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُكَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَعْنَاهُ مَعَ حَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَالتَّقْدِيرُ، وَصَحَّتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عُرْفًا وَلَيْسَ مُطْلَقُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا كَافِيًا فِي ذَلِكَ إذْ قَدْ يَصْدُقُ الْمُطْلَقُ مَعَ التَّفْوِيضِ وَالتَّعْيِينِ وَالْأَعَمُّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ انْتَهَى.
بَعْضُهُ بِالْمَعْنَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا أَيْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الْمُوَكِّلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالرُّكْنِ الثَّالِثِ أَعْنِي الْمُوَكَّلَ فِيهِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالرُّكْنِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُكَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: يَعْنِي لَيْسَ لِلْوَكَالَةِ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ بَلْ كُلُّ مَا دَلَّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفُ اللُّغَةَ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ انْتَهَى.
وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعُرْفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) مِنْ الْعُرْفِ فِي الْوَكَالَةِ الْوَكَالَةُ بِالْعَادَةِ كَمَا إذَا كَانَ رُبْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الْأَخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ دَفَعَهُ لِأُخْتِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَصَدَقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ وَتَصَرُّفُ الرَّجُلِ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّعَدِّي قَالَهُ مَالِكٌ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَرَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ.
(الثَّالِثُ) : عَدَّ بَعْضُهُمْ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ ثَلَاثَةً، وَجَعَلَ الْوَكِيلَ وَالْمُوَكِّلَ رُكْنًا وَاحِدًا مِنْهُمْ الْمَشَذَّالِيُّ وَنَصُّهُ وَأَرْكَانُ الْوَكَالَةِ ثَلَاثَةٌ: الْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ فَالْعَاقِدَانِ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ، وَشَرْطُ الْمُوَكِّلِ: جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا وَكَّلَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ مِنْ الرَّشِيدِ مُطْلَقًا وَمِنْ الْمَحْجُورِ فِي الْخُصُومَةِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) : تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ أَنَّ وَكَالَةَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَفِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ طَرِيقَانِ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الرَّابِعِ فِي تَرْجَمَةِ عِتْقِ عَبْدِهِ عَلَى مَالٍ: وَإِذَا وَكَّلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ لَزِمَتْهُ الْوَكَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ انْتَهَى.

ص (بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ فَيُمْضِيَ النَّظَرَ إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَغَيْرُ نَظَرٍ إلَّا الطَّلَاقَ وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ وَعَبْدِهِ) ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْقَرِينَةِ أَوْ بِالْعَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ لَمْ يُفِدْ حَتَّى يُقَيَّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ فَلَوْ قَالَ: بِمَا لِي مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَضَى فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إذَا كَانَ نَظَرًا إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَغَيْرُ نَظَرٍ قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ إطْلَاقَ التَّوْكِيلِ لَا يُفِيدُ حَتَّى يُقَيَّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ، وَهَذَا الْفَرْعُ مِثَالٌ لِلتَّفْوِيضِ وَشَرَطَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْمِيمِ فَيَقُولَ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لِلْإِبَاحَةِ وَبِهَا يَتِمُّ تَعْمِيمُ الْوَكَالَةِ وَقَدْ جَرَى عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْجِهَاتِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا فِي بَيْعِ دَارِ سُكْنَى مُوَكِّلِهِ وَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ

قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا الطَّلَاقَ وَمَا بَعْدَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: وَغَيْرَ نَظَرٍ وَجَعَلَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ مُطْلَقِ الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُثْنِيَتْ مِنْهَا مَعَ وُجُوبِ هَذَا الْقَيْدِ فِيهَا، فَأَحْرَى أَنْ تُسْتَثْنَى مَعَ عَدَمِهِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَاهَا مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِ فَيَمْضِي النَّظَرُ اقْتَضَى قَوْلُهُ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ نَظَرٍ أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ هَذَا الْقَيْدُ لَا تَكُونُ مُسْتَثْنَاةٌ وَإِنَّمَا تَمْضِي وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْهُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَظَرًا أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ فَقَالَ: شَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ غَيْرِهِ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَقُولَ نَظَرًا وَغَيْرَ نَظَرٍ خَلِيلٍ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِي السَّفَهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ إذْ لَا يَحِلُّ لَهُمَا ذَلِكَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ بَشِيرٍ وابْنَ شَاسٍ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ مَنْعُ التَّوْكِيلِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ فَسَادٌ وَفِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ تَقْيِيدُ بَيْعِ التَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَنْعَ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ انْتَهَى.
وَفَهِمَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ إثْرَهُ هَذَا مِثَالٌ لِوَكَالَةِ التَّفْوِيضِ، وَلَفْظُ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ بِمَا إلَيَّ تَعَاطِيهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَقَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا جَازَ فِعْلُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَعَكْسُهُ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ افْعَلْ مَا رَأَيْت كَانَ نَظَرًا عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ افْعَلْ مَا شِئْت وَإِنْ كَانَ سَفَهًا كَمَا فَهِمَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ انْتَهَى.
(قُلْت) : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّظَرَ هَهُنَا فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالثَّانِي: مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ وَعَدَمُ تَضْمِينِهِ، فَأَمَّا جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ بِمَا هُوَ سَفَهٌ عِنْدَ الْوَكِيلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ فِيمَا يَرَاهُ الْوَكِيلُ صَوَابًا وَإِنْ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ سَفَهًا فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَعْلُومَ السَّفَهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ جَازَ، وَأَمَّا مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ، وَعَدَمُ تَضْمِينِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَفْعَالَهُ مَاضِيَةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّل أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قَالُوا فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ فِيمَنْ أَذِنَ لِإِنْسَانٍ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَقَطَعَهَا أَنَّهُ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لَإِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَالْمَالُ أَحْرَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَضَى أَيْ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ هُنَا وَجْهٌ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُ كَلَامُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا صَنَعَهُ مُفَوَّضٍ إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ وَكِيلٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَلْزَمْ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ وَيُرَدُّ صَنِيعُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ، فَيَضْمَنُهُ الْمُوَكِّلُ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يُمْضِي النَّظَرَ أَيْ مَا فِيهِ مُصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ لَا التَّبَرُّعَاتِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً وَأَذِنْت لَكَ أَنْ تَفْعَلَ جَمِيعَ مَا تَرَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةً تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَمْضِي التَّبَرُّعَاتُ وَلَا يُقْضَى فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا سَفَهٌ أَوْ فَسَادٌ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجَ عَنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(الثَّانِي) : عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ مَمْنُوعٌ

مِنْ التَّبَرُّعِ فَأَحْرَى غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ وَأَنْ يَهْضِمَ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَفِعْلُهُ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَإِذَا بَانَ تَعَدِّيهِ أَوْ فَسَادُهُ ضَمِنَ وَمَا خَالَفَ فِيهِ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلِمُوَكِّلِهِ تَضْمِينُهُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) : يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ يَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ كَمَا قَالُوا فِي الشَّرِيكِ إنَّ ذَلِكَ يَمْضِي إذَا قُصِدَ بِهِ الِاسْتِئْلَافُ وَإِلَّا كَانَ كَلَامُ الْكَافِي مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ لَا يُنَافِيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) : قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ بَيْعُ دَارِ السُّكْنَى وَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَبَيْعُ الْعَبْدِ الْقَائِمِ بِأُمُورِ الْوَكِيلِ وَزَوَاجُ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُوَكِّلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: أَنَّهُ إنْ وَكَّلَهُ عَلَى الطَّلَاقِ مُعَيَّنًا لَزِمَهُ قَالَ وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ جَمِيعَ أُمُورِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ مَعْزُولٌ عُرْفًا عَنْ طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَبَيْعِ دَارِ السُّكْنَى وَتَزْوِيجِ الْبِنْتِ وَعِتْقِ الْعَبْدِ انْتَهَى (الْخَامِسُ) قَالَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَزَوَّجَ أُخْتَهُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَبِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْأَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنًا فَوَّضَ إلَيْهِ جَمِيعَ أَمْرِهِ وَجَمِيعَ شَأْنِهِ، فَيَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ فِي أَمَةِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ يُقِيمُهُ هَذَا الْمَقَامَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النِّكَاحِ: وَإِنْ أَجَازَ مُجْبَرٌ فِي ابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ انْتَهَى فَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ هُنَا أَنَّ الْوَكَالَةَ الْمُفَوَّضَةَ لَا تَشْمَلُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا هُنَا أَنَّهُ لَا يَمْضِي بَلْ يُوقَفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ اتَّفَقَا نَعَمْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ: قَوْلُهُ فَوَّضَ لَهُ يَعْنِي بِالْعَادَةِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِالصِّيغَةِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةِ الْأَبِ لِأَنَّ الْوَكِيلِ لَهُ أَنْ يُنْكِحَ وَيُطَلِّقَ وَيُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ انْتَهَى فَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالُوهُ هُنَا إنَّ الْوَكَالَةَ الْمُفَوَّضَةَ لَا تَشْمَلُ تَزْوِيجًا وَلَا طَلَاقَ الزَّوْجَةِ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ اللُّبَابِ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مُوَكِّلُهُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (السَّادِسُ) : إذَا اُبْتُدِئَتْ الْوَكَالَةُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ قَالَ فِي تَوْكِيلِهِ إنَّهُ وَكَّلَهُ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ النَّظَرَ بِمَا يَرَاهُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ التَّفْوِيضُ لِمَا سَمَّاهُ وَلَا يَتَعَدَّى الْوَكِيلُ مَا سَمَّى لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا سَمَّاهُ، وَيُعَادُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَكَّلْته وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، فَهَذَا تَوْكِيلٌ تَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْوَكَالَةِ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ قَالَ: وَإِنْ قَالَ: وَكَالَةٌ مُفَوَّضَةٌ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ التَّوْكِيلِ وَمَعَانِيهِ كَانَ أَبْيَنَ فِي التَّفْوِيضِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَهُوَ وَكِيلٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ سَمَّى بَيْعًا أَوْ ابْتِيَاعًا أَوْ خِصَامًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَكُونُ وَكِيلًا إلَّا فِيمَا سَمَّى وَإِنَّمَا قَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: وَكَالَةً مُفَوَّضَةً لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا سَمَّى خَاصَّةً، وَهَذَا قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ إذَا طَالَتْ قَصُرَتْ، وَإِذَا قَصُرَتْ طَالَتْ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: قَالَ ابْنُ عَاتٍ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَأَفْتَى بِهِ الشُّيُوخُ أَنَّهُ

مَتَى انْعَقَدَ فِي وَثِيقَةِ التَّوْكِيلِ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا سَمَّى وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَذَكَرَ التَّفْوِيضَ التَّامَّ، فَهُوَ تَفْوِيضٌ تَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْوَكَالَةِ وَكُلَّمَا فُعِلَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ رِوَايَةُ مُطَرِّفٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى مِنْ مَسَائِلِ الْوَكَالَاتِ.

ص (وَتَعَيَّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكَالَةَ إمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفْوِيضِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ أَوْ يُعَيِّنُ الْمُوَكِّلُ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَعَدَّاهُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ وَكَّلْت رَجُلًا يَقْبِضُ مَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَجَحَدَهُ فَحَلَّفَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ لَقِيتَهُ أَنْتَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تُحَلِّفَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ يَمِينَهُ لِوَكِيلِكَ يَمِينٌ لَكَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى خِصَامٍ أَوْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْوَكَالَةَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُوَكَّلًا عَلَى الْقَبْضِ مُجَرَّدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ بَعْدَ خِصَامِهِ وَتَحْلِيفِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَفُهِمَ مِنْهُ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى الْقِيَامِ بِعَيْبٍ فِي سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ بَاعَ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَرَدَّهَا عَلَى الْغَائِبِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِ مَنْ بَاعَ مِنْهُ السِّلْعَةَ أَوْ سَمَّى رَجُلًا غَائِبًا بُعَيْدَ الْغَيْبَةِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ لَدَدُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حَمِيلٌ بِالثَّمَنِ إلَى أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيَحْلِفُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ أَوْ بَعِيدَهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ عَلَى قَبْضِ الدَّيْنِ يُقِرُّ بِهِ الْغَرِيمُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَضَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقِرٌّ لِلْغَائِبِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا أَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ أَوْ إيقَافُهُ، فَلَا أَرَاهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ بَعْدَ شَيْءٍ انْتَهَى.
ص (وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ) ش: فَاعِلُ تَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ أَوْ عَلَى لَفْظِ الْمُوَكِّلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَفْظُ الْوَكِيلِ عَامًّا، فَإِنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِالْعُرْفِ كَمَا إذَا قَالَ: وَكَّلْتُكَ عَلَى بَيْعِ دَوَابِّي وَكَانَ الْعُرْفُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ، فَإِنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَهُ وَكَّلْتُكَ عَلَى بَيْعِ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَامٌّ فِي بَيْعِهَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ، فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ إنَّمَا تُبَاعُ فِي سُوقٍ مَخْصُوصٍ أَوْ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يُخَصِّصُ ذَلِكَ الْعُمُومَ، وَكَذَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ لَفْظُ الْمُوَكَّلِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي عَبْدِي، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ.
وَالْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ الصَّالِحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، وَالْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ.
ص (إلَّا عَلَى بَيْعٍ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ) ش: هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ وَقَبْضَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْبَيْعِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ وَقَبْضُهُ لِذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) : قَوْلُهُ: فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ تَرْكَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلِذَلِكَ، لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ (الثَّانِي) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ التَّرْكَ فَقَدْ نَصَّ أَبُو عِمْرَانَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ فِي الرِّبَاعِ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَهُ قَبْضُ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ إلَّا لِعَادَةٍ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ: مَسْأَلَةٌ وَالْوَكِيلُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ إذَا أَرَادَ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ فِي الدَّارِ وَالْعَقَارِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍّ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّ مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ فَيُجْزِئُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ فَإِنَّ لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ انْتَهَى

(الثَّالِثُ) لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ لَا غِنَى عَنْ قَوْلِهِ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ قَبْضَ الْمَبِيعِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَفِي قَبُولِهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ التَّفْصِيلِ، فَحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ يَجِبُ لَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ، وَحَيْثُ لَا يَجِبُ لَا يَجِبُ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي فَرَّقُوا بِهَا بَيْنَ وُجُوبِ قَبْضِ الْوَكِيلِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ، وَعَدَمِ صِحَّةِ قَبْضِ وَلِيِّ الْبِنْتِ نَقْدَ وَلِيَّتِهِ دُونَ تَوْكِيلٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي الْبَيْعِ هُوَ مُسَلِّمُ الْمَبِيعِ لِمُبْتَاعِهِ وَلَيْسَ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ فِيهِ قَبْضُ الثَّمَنِ.
ص (وَرَدُّ الْمَعِيبِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ) ش إذَا عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرَاةَ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ اتِّفَاقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ أَوْ يَغْتَفِرُهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ لِغَرَضِهِ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِمُخَالَفَةِ الصِّفَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ رَدَّ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّدَّ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا إنْ فَاتَتْ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَإِذَا كَانَ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِإِمْسَاكِهِ السِّلْعَةَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَرُدُّهُ لَهَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَالْحِيلَةُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُ أَنْ يَرْفَعَ لِلْحَاكِمِ فَيَحْكُمَ لَهُ بِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا قَالَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَخْفَى، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ انْتَهَى، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا التَّقْيِيدَ وَلَا صَاحِبُ الشَّامِلِ.
ص (إلَّا الْمُفَوِّضَ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا لِأَشْتَرِيَ مِنْك) ش: أَيْ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ فَلْيَتْبَعْ أَيَّهمَا شَاءَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْآمِرُ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْمَأْمُورِ فَيَحْلِفَ وَيَبْرَأَ وَيَتْبَعَ الْمَأْمُورَ.
ص (وَبِالْعُهْدَةِ) ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا أَقْرَرَتْ أَنَّ وَكِيلًا لَك بَاعَ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِمِائَةٍ وَفُلَانٌ مُصَدِّقٌ وَالْوَكِيلُ مُنْكِرٌ، فَالْعَبْدُ يَلْزَمُ فُلَانًا بِمِائَةٍ وَالْعُهْدَةُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ قَوْلُ سَيِّدِ الْعَبْدِ انْتَهَى.

ص (وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ إلَى آخِرِهِ) ش: هَذَا

كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُبَيِّنَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ وَالْأَخِيرُ.
ص (وَثَمَنُ الْمِثْلِ) ش: أَيْ وَتَعَيَّنَ أَيْضًا ثَمَنُ الْمِثْلِ إذَا أَطْلَقَ لَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ، وَأَمَّا إنْ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا، فَيَتَعَيَّنُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَفِي كَوْنِ التَّسْمِيَةِ لِلثَّمَنِ مُسْقِطَةً عَنْ الْوَكِيلِ النِّدَاءَ وَالشُّهْرَةَ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا ابْنُ بَشِيرٍ لَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَبَاعَهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إمْضَاؤُهُ وَالثَّانِي: رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَمُ نَقْصِ الثَّمَنِ وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَحَدُ الْقَصْدَيْنِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ أَوْ اشْتِرَاؤُهُ بِأَكْثَرَ كَثِيرًا) ش: أَيْ، وَكَذَا يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الشَّيْءَ الْمُوَكَّلَ عَلَى بَيْعِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا سَمَّى لَهُ أَوْ اشْتَرَى مَا وُكِّلَ عَلَى شِرَائِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَإِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ، وَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ هُنَا أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا (فَرْعٌ) : قَالَ فِي النَّوَادِرِ: عَنْ أَشْهَبَ إذَا وَضَعَ الْوَكِيلُ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالْآمِرُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ قَالَ: وَلَوْ تَحَاكَمَا لِبَعْضِ قُضَاةِ الْمَشْرِقِ فَحَكَمَ بِالْوَضِيعَةِ عَلَى الْوَكِيلِ لَأَنْفَذْت ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ عَلَى الْمُبْتَاعِ شَيْئًا وَنَزَلْت بِأَشْهَبَ وَهُوَ الْمُبْتَاعُ فَحُكِمَ لَهُ بِالْوَضِيعَةِ عَلَى الْوَكِيلِ فَصَالَحَ أَشْهَبُ الْبَائِعَ عَلَى نِصْفِ الْوَضِيعَةِ وَصَارَ لَهُ انْتَهَى وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ.
ص (إلَّا كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا خَالَفَ فِي الِاشْتِرَاءِ فَإِنَّهُ يُخَيِّرُ

الْمُوَكِّلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ زِيَادَةً يَسِيرَةً كَالدِّينَارَيْنِ فِي الْأَرْبَعِينَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا كَدِينَارَيْنِ بِلَا النَّافِيَةِ بَدَلَ إلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّة وَهِيَ أَحْسَنُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَتَخْصِيصُهُ اغْتِفَارَ الْمُخَالَفَةِ بِالْيَسِيرِ بِالِاشْتِرَاءِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظَائِرِ اغْتِفَارَ الْمُخَالَفَةِ بِالْيَسِيرِ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَنُصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اغْتِفَارِ الْيَسِيرِ إلَّا فِي الشِّرَاءِ وَمِثْلُهُ كَالثَّلَاثَةِ فِي الْمِائَةِ، وَكَالِاثْنَيْنِ فِي الْأَرْبَعِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اغْتِفَارِ الْيَسِيرِ فِي الشِّرَاءِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُذَاكِرِينَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ: وَالْيَسِيرُ فِي الْمِائَةِ الدِّينَارَانِ وَالثَّلَاثَةُ التُّونُسِيُّ لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي قَلِيلِ الثَّمَنِ مَقْصُورَةً عَلَى هَذَا الْحِسَابِ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَا زَادَ فِي مِثْلِهِ عَادَةً، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا هَذَا إذَا زَادَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَلَوْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَبِعْهَا رَبُّهَا بِالْمُسَمَّى كَانَتْ لَهُ إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّفَ مَنْ وَكَّلَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمَأْمُورِ لِلْآمِرِ مَا يَدْفَعُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ بِهَا فَلَا يَتِمُّ لَهُ شِرَاؤُهَا لِنَفْسِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ مَالِكًا لِقَدْرِ الزِّيَادَةِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ التَّوْكِيلَ عَلَى شِرَائِهَا الْتِزَامٌ مِنْهُ لِلَوَازِمِ شِرَائِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ أَمَرَ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ بِسِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ أَبَى الْبَائِعُ بَيْعَهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَاشْتَرَيْتُهَا لِنَفْسِي بِسِتَّةَ عَشَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَانَتْ لَهُ قَالَ أَصْبَغُ أَرَى أَنْ يَحْلِفَ وَأَسْتَحْسِنُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَخْذِهَا بِالْخِيَارِ.
ابْنُ رُشْدٍ اسْتِحْسَانُهُ بَعِيدٌ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ الزِّيَادَةَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَائِهِ لَزِمَهُ إنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ) ش: تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمُوَكِّلَ مُخَيَّرٌ فِي الرِّضَا بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَى، وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، وَهَذِهِ تَقَدَّمَتْ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ، وَهَذِهِ مِنْ هُنَا اُسْتُفِيدَتْ وَأَتَى الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْكَلَامِ لِأَجْلِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) : مَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ فَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ اُتُّهِمَ وَإِنْ دَفَعَ لَهُ الْآمِرُ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّانِي السِّلْعَةُ لِلْآمِرِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ أَمْ لَمْ يُشْهِدْ حَتَّى يَرْجِعَ الْأَمْرُ إلَى الْآمِرِ فَيَبْرَأُ مِنْ وَعْدِهِ بِالشِّرَاءِ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ أَمْ لَا وَالرَّابِعُ أَنَّهَا لِلْآمِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ.
وَكَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُ.
ص (كَذِي عَيْبٍ إلَّا أَنْ يَقِلَّ وَهُوَ فُرْصَةٌ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشِرَاؤُهُ مَعِيبًا تَعَمُّدًا عَدَاءٌ إلَّا مَا يُغْتَفَرُ عُرْفًا فِيهَا إنْ أَمَرْتَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ فَابْتَاعَهَا مَعِيبَةً فَإِنْ كَانَ عَيْبًا خَفِيفًا يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ، وَقَدْ يَكُونُ شِرَاؤُهَا بِهِ فُرْصَةً لَزِمَتْكَ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا لَمْ تَلْزَمْكَ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْمَأْمُورِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مُغْتَفَرًا بِعُمُومِ النَّاسِ وَحَالُ الْآمِرِ لَا يَقْتَضِي اغْتِفَارَهُ هَلْ يَلْزَمُ الْآمِرَ أَمْ لَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْغَصْبِ فِي أَثَرِ الْعَدَاءِ إذَا كَانَ يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَغَيْرُ يَسِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ هَلْ يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْيَسِيرِ أَوْ الْكَثِيرِ؟ وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ وَلَا رَدَّ إلَّا فِي الْيَسِيرِ.
(قُلْت) : اسْتِثْنَاؤُهُ إلَّا فِي الْيَسِيرِ يَسْتَحِيلُ رَدُّهُ لِمَنْطُوقِ مَا قَبْلَهُ، وَلَهُمَا يَسْتَقِيمُ رَدُّهُ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ لَا يَنْبَغِي فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ يُسْرِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَزِمَهُ لَا الْآمِرُ إلَّا فِي الْيَسِيرِ انْتَهَى.
(قُلْت) : وَاقْتَصَرَ

الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّعَدِّي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْكَثِيرِ.
ص (أَوْ فِي بَيْعٍ فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ) ش: هَذَا مُسْتَفَادٌ مِمَّا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ أَعَادَهُ لِيُكْمِلَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رِبَوِيًّا، وَبِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَغَيْرُهُ وَالْمَعْنَى، وَحَيْثُ خَالَفَ فِي بَيْعٍ فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِهِ سِلْعَتَهُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ السِّلْعَةَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ، وَيَحْلِفُ عَلَى التَّعَدِّي كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا بَيْعَ بِعَرَضٍ وَلَا نَسِيئَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) : وَلَا يُعَدُّ الْوَكِيلُ بِتَعَدِّيهِ مُلْتَزِمًا لِمَا سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ رِبَوِيًّا يُمَثِّلُهُ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الْأَحْسَنِ) ش: هَذَا رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ مَعْنَاهُ مُخْتَلِفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسْأَلَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ الزَّائِدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى لَهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ الزَّائِدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ.
ص (أَوْ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهَا وَعَكْسُهُ) ش: هَكَذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِشَرْطٍ مَا لَا يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ أَمَّا إنْ ظَهَرَ لِاشْتِرَاطِ الْمُوَكِّلِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ نَصَّ الْمَازِرِيُّ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَهَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ لِلشَّافِعِيَّةِ فِيهَا كَلَامًا، ثُمَّ قَالَ النُّكْتَةُ عِنْدِي غَرَضُ الْمُوَكِّلِ إنْ ظَهَرَ فِيمَا رَسَمَ غَرَضٌ فَمُخَالَفَتُهُ عَدَاءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ إلَّا تَحْصِيلَ السِّلْعَةِ فَلَيْسَ بِعَدَاءٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ دَفَعَ لَهُ الدَّنَانِيرَ وَدِيعَةً فَدَفَعَهَا الْوَكِيلُ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إذَا قِيلَ بِتَعْيِينِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ لِلْآمِرِ بِعَيْنِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ إمَّا لِشُبْهَةٍ فِيهَا، فَلَا يَجِبُ فَوْتُهَا بِالشِّرَاءِ بِهَا حَتَّى يَنْظُرَ فِي إصْلَاحِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ أَوْ لِتَحْقِيقِ طِيبِ كَسْبِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا لِقُوتِهِ لَا لِتِجَارَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُهُ النَّاسُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِحُكْمِ التَّعَدِّي بِقَيْدِ كَوْنِ

الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، فَمُسْلَمٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ التَّعَدِّي مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالتَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِتَعَدِّيهِ غُرْمُ مِثْلِ دَنَانِيرِ الْآمِرِ وَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ غُرْمُ مِثْلِهَا، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ انْتَهَى.
ص (وَالْأَخِيرُ فِي الثَّانِيَةِ) ش: يَعْنِي وَإِنْ أَمْكَنَ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَتَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَيُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَهَا أَوْ يَرُدَّهَا، وَيَأْخُذَ مَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ هَذَا إنْ اشْتَرَاهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا فِي عَقْدَيْنِ فَالْأَوْلَى لِلْمُوَكِّلِ وَيُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ خُيِّرَ فِي الثَّانِيَةِ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
ص (وَفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ وَعَكْسِهِ قَوْلَانِ) ش: قَالَ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْقَوْلُ بِالْإِمْضَاءِ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ وَتَأَوُّلُ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ وَأَشَارَ فِي الشَّامِلِ لِتَصْحِيحِهِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَصُّ الشَّامِلِ وَمَضَى فِي بَيْعِهِ بِذَهَبٍ فَبَاعَ بِوَرِقٍ وَعَكْسِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْمُؤَوَّلِ

ص (وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لَا أَفْعَلُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ) ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيَدُ الْوَكِيلِ كَيَدِ مُوَكِّلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ عَلَيْهِ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا، فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ، فَقَدْ بَرِئَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَلِيَ هُوَ الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَفِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُدْخِلَ دَارِهِ سِلْعَةَ كَذَا فَأَدْخَلَهَا أَخُوهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهَا انْتَهَى.

ص (وَمُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ) ش: كَذَا فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ لَا يَجُوزُ قَالَ: كَذَلِكَ عَبْدُك النَّصْرَانِيُّ ابْنُ يُونُسَ لَا تَأْمُرُهُ بِبَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا اقْتِضَاءٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : مُنَاقَشَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ لِابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ فِيهَا لَا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ فِي عَزْوِهِ لِلْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ عَلَى مُسْلِمٍ لَا فِي تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَازِرِيُّ لَوْ وَقَعَ تَفَاوُضُ الذِّمِّيِّ بِوَكَالَتِهِ فِي خَمْرٍ تَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ، وَفِي الرِّبَا بِالزِّيَادَةِ فَقَطْ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ حُرْمَتَهُ وَعَدَمَ إرَادَةِ الْمُسْلِمِ ذَلِكَ غَرِمَ لَهُ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا عَمِلَ

فِي الْخَمْرِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ، وَإِذَا عَمِلَ بِالرِّبَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالزَّائِدِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الشَّرِكَةِ يَعْنِي إذَا شَارَكَ الذِّمِّيُّ وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ عَمِلَ بِالرِّبَا أَوْ فِي الْخَمْرِ، وَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ قَالَهُ فِي الشَّرِكَةِ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْوَكَالَةِ وَقَالَ فِي الشَّرِكَةِ: وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالرِّبَا وَلَا فِي الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَعَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ) ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُبَاحُ لِأَحَدٍ تَوْكِيلُ عَدُوِّ خَصْمِهِ عَلَى الْخِصَامِ وَلَا عَدُوِّ الْمُخَاصِمِ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيِّنٌ اهـ. وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ فَوَكَّلَ وَكِيلُهُ وَكِيلًا آخَرَ وَبَيْنَ أَحَدِ الْمُوَكِّلَيْنِ وَاَلَّذِي وَكَّلَ الْآخَرُ عَدَاوَةٌ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ تَوْكِيلِهِ فَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ فِي هَذَا أَنْ لَا يُبَاحَ لِأَحَدٍ تَوْكِيلُ عَدُوِّ خَصْمِهِ عَلَى الْخِصَامِ وَلَا عَدُوِّ الْمُخَاصِمِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيِّنٌ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَزَادَ عَلَى مَا ذَكَرْت أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ دَعْوَاهُ الْبَاطِلَ لِأَجْلِ عَدَاوَتِهِ لِخَصْمِهِ ابْنُ الْحَاجِّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ نَفْسِهِ عَدُوَّهُ بِخِلَافِ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إلَّا أَنْ يُسْرِعَ لِأَذَاهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُقَالُ لَهُ وَكِّلْ غَيْرَك بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْيَهُودِيِّ مُخَاصَمَةُ الْمُسْلِمِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ أَشَدُّ عَدَاوَةً انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : اُنْظُرْ هَلْ الْمَنْعُ مِنْ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِأَجْلِ حَقِّهِ فَإِذَا رَضِيَ الْعَدُوُّ بِذَلِكَ جَازَ لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ مُصَنِّفُ الْإِرْشَادِ فِي شَرْحِ الْمُعْتَمَدِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فِي أَذَاهُ، فَلَا يَجُوزُ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ مُصَنِّفُهُ فِي

شَرْحِ الْمُعْتَمَدِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي مُخَاصَمَةٍ جَازَ ذَلِكَ كَانَ خَصْمُهُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَصْمِ وَالْوَكِيلِ عَدَاوَةٌ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُهُ عَنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ انْتَهَى.
فَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ حَقِّهِ، فَإِذَا رَضِيَ الْعَدُوُّ بِذَلِكَ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فِي إذَايَةٍ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ غَيْرِ مَا لِصَاحِبِ الْإِرْشَاد فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَتَوْكِيلُهُ إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يُكْثِرَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ إلَّا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوَكَّلُ فِيهِ لَا يَلِيقُ بِالْوَكِيلِ تَعَاطِيهِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَعَاطَاهُ أَوْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ كَثِيرًا يَعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْعَادَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُعِينُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ تُسَوِّغُ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِوَكِيلٍ وَلَا تُسَوِّغُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ وَكِيلًا أَوْ وُكَلَاءَ يَنْظُرُونَ فِيمَا كَانَ يَنْظُرُ فِيهِ وَالْقَرِينَةُ الْأُولَى تُسَوِّغُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ الْأَعْلَى النَّظَرُ عَلَى مَنْ تَحْتَهُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي الْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ أَمَّا الْمُفَوَّضُ فَلَهُ التَّوْكِيلُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْوَكِيلُ بِالتَّعْيِينِ لَا يُوَكِّلُ إلَّا فِيمَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَلَا يَسْتَقِلُّ لِكَثْرَتِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اُحْتُرِزَ بِالتَّعْيِينِ مِنْ الْمُفَوَّضِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ قَوْلًا إنَّهُ لَا يُوَكِّلُ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَحَلَّهُ مَحَلَّ نَفْسِهِ فَكَانَ كَالْوَصِيِّ انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَنَصُّهُ: لَا اخْتِلَافَ أَحْفَظُهُ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا أَحْفَظُ فِي أَنَّهُ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ لَا؟ قَوْلًا مَنْصُوصًا لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَكَانَ الشُّيُوخُ الْمُتَأَخِّرُونَ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِلَا خِلَافٍ، وَيُوَكِّلَ، الْوَكِيلُ الْمَخْصُوصُ وَمُقَدِّمُ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُوَكِّلَا بِلَا خِلَافٍ وَالْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا شَكَّ فِيهِ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الشُّيُوخِ إذَا عَلِمَ الْمُوَكِّلُ بِجَلَالَةِ الْوَكِيلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إلَى عِلْمِهِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ: اُنْظُرْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ فَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَضْمَنَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَرِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يُوصِيَ بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فَإِنْ فَعَلَ وَتَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْكِفَايَةِ فَلَا ضَمَانَ انْتَهَى.
وَمَشَى فِي الْبَيَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ التُّونُسِيِّ وَنَصُّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَاخْتُلِفَ إنْ فَعَلَ هَلْ يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَلِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُورُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ

عَلِمَ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي مَا وُكِّلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُوَكِّلُ بِأَنَّهُ لَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا قَدْ عُرِفَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِذَلِكَ فَرِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى، وَهَذَا مُتَعَدٍّ بِالْوَكَالَةِ وَضَامِنٌ لِلْمَالِ وَرَبُّ الْمَالِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى الْوَكِيلُ وَوَكَّلَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَإِنْ عَلِمَ وَكِيلُهُ بِالتَّعَدِّي، فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْبَيْعِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَا إذَا قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ ضَعْ الرَّهْنَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِ عَدْلٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَيْرِ وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي مَسَائِلِ الْوَكَالَةِ.
(تَنْبِيهٌ) : حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَكِّلُ إلَّا أَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (فَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ) ش: يَعْنِي فَإِذَا أَجَزْنَا لَهُ التَّوْكِيلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْوَكِيلِ عَنْ الْأَصْلِ إذْ أَنَّا لَا نُجِيزُ لَهُ الْوَكَالَةَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَنَحْوُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا فَلَا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الْأَوَّلِ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَأَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَزْلِهِ وَمَوْتِهِ وَرَآهُ مَنْصُوصًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ لَا يَنْعَزِلُ إذَا عَزَلَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَتَخَرَّجُ فِي هَذَا الْفَرْعِ خِلَافٌ مِنْ وَكِيلِ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي أَوْ عَنْ وَالِدِ الْمَيِّتِ؟ وَتَقْدِيمُ الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ جُبْرَانٌ لِمَا أَهْمَلَهُ الْمَيِّتُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي قَدَّمَ نَاظِرًا عَلَى الْمَيِّتِ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ عَزْلًا لِذَلِكَ النَّاظِرِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ: (قُلْت) : فِي هَذَا الْكَلَامِ تَنَافٍ بَيَانُهُ أَنَّهُ نَقَلَ أَوَّلًا الْقَوْلَ بِأَنَّ نَاظِرَ الْيَتِيمِ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي لَا عَنْ الْأَبِ وَلَازِمُ هَذَا انْعِزَالُ النَّاظِرِ بِمَوْتِ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ: بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْقَاضِي لَمْ يَنْعَزِلْ النَّاظِرُ وَظَاهِرُهُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ خِلَافٌ لَازِمٌ، كَوْنُهُ نَائِبًا عَنْ الْقَاضِي، وَالْقَوْلُ بِانْعِزَالِ نَاظِرِ الْيَتِيمِ بِمَوْتِ الْقَاضِي ثَابِتٌ فِي الْمَذْهَبِ حَسْبَمَا يُذْكَرُ فِي الْأَقْضِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَعْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْ هَذَا التَّنَافِي، فَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ فَرْقٌ مَانِعٌ مِنْ التَّخْرِيجِ كَمَا زَعَمَ هُوَ أَنَّ نَاظِرَ الْقَاضِي نَائِبٌ عَنْهُ فِي قَوْلٍ وَوَكِيلُ الْوَكِيلِ نَائِبٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ لَا عَنْ الْوَكِيلِ، وَهَذَا يُرَدُّ بِمَنْعِ انْحِصَارِ نِيَابَةِ وَكِيلِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَاسْتِقْلَالُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا عَنْهُ لَمَا صَحَّ عَزْلُهُ إيَّاهُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ نِيَابَةَ الْقَاضِي عَنْ الْأَبِ إنَّمَا هِيَ بِأَمْرٍ عَامٍّ، وَهُوَ وِلَايَتُهُ الصَّالِحَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَنِيَابَةُ الْوَكِيلِ عَنْ الْمُوَكِّلِ إنَّمَا هِيَ بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ، فَهِيَ كَدَلَالَةِ الْخَاصِّ عَلَى نَفْسِ مَدْلُولِهِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعَامِّ اتِّفَاقًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْصِ أَثَرِ الْأَضْعَفِ نَقْصُ أَثَرِ الْأَقْوَى اهـ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَرْعٌ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيلِ عَزْلَ وَكِيلِهِ اتِّفَاقًا وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ فَرْعًا آخَرَ وَنَصُّهُ: (فَإِنْ قُلْت) : رَجُلٌ غَيْرُ الْحَاكِمِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَ رَجُلٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُوَكِّلُ فِي عَزْلِهِ، وَلَا عَلَّقَ عَزْلَهُ عَلَى شَيْءٍ.
(قُلْت) : إذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ وَكِيلًا وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا فَلِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ عَزْلُ وَكِيلِ وَكِيلِهِ اهـ. وَهَذَا الْفَرْعُ وَفَرْعُ ابْنِ عَرَفَةَ فَرْعَانِ عَزِيزَانِ (فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الَّذِي وَكَّلَهُ، وَيَنْعَزِلَانِ مَعًا بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ انْتَهَى.

[فَرْعٌ قَبَضَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِ مُوَكِّلِهِ]

(فَرْعٌ) : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: مَا قَبَضَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ

مِنْ مَالِ مُوَكِّلِ مُوَكِّلِهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَنْ أَرَادَ قَبْضَهُ مِنْهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَمِنْ صَاحِبِ الْمَالِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَالَ لَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْ الْوَكِيلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُمَا، يُبَيِّنُ هَذِهِ مَسْأَلَةُ كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهِيَ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ لَهُ فِي طَعَامٍ، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَتَى الْآمِرُ، وَأَرَادَ قَبْضَ السَّلَمِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةُ سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِيهَا: وَلَك قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي رِضَاهُ إنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلَانِ) ش: أَيْ، وَفِي جَوَازِ رِضَا الْمُوَكِّلِ يُرِيدُ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ الثَّانِي إنْ كَانَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ مُتَعَدِّيًا بِتَوْكِيلِهِ تَأْوِيلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا يُسْلِمُ لَهُ فِي طَعَامٍ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ لِلْآمِرِ فَسْخَهُ وَإِجَازَتَهُ، وَحَمَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ رِضَا الْآمِرِ بِمَا يَعْمَلُ وَكِيلُ وَكِيلِهِ، إذْ بِتَعَدِّيهِ صَارَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ دَيْنًا لِلْآمِرِ فَلَا يَفْسَخُهُ فِي سَلَمِ الْوَكِيلِ الثَّانِي إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلَّ وَقَبَضَهُ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ انْتَهَى فَيُقَيِّدُ ذَلِكَ بِالسَّلَمِ كَمَا قَيَّدَهُ ابْنُ غَازِيٍّ

ص (كَرِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ) ش: الْبَاءُ فِي بِمُسَمَّاهُ بِمَعْنَى فِي، أَيْ وَمَنَعَ رِضَاهُ فِي السَّلَمِ بِمُخَالَفَتِهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، فَالْمُخَالَفَةُ هُنَا فِي الْمُسَمَّى، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَإِنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ دَرَاهِمُ لِيُسْلِمَهَا لَكَ فِي ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ فَأَسْلَمَهَا فِي بِسَاطِ شَعْرٍ أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَك بِهَا ثَوْبًا فَأَسْلَمَهَا لَكَ فِي طَعَامٍ أَوْ فِي غَيْرِ مَا أَمَرْتَهُ بِهِ أَوْ زَادَ فِي الثَّمَنِ مَا لَا يُزَادُ عَلَى مِثْلِهِ، فَلَيْسَ لَك أَنْ تُجِيزَ فِعْلَهُ وَتُطَالِبَ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ تَرْفَعَ إلَيْهِ مَا زَادَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمَّا تَعَدَّى عَلَيْهَا الْمَأْمُورُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا فَفَسَخَتْهَا فِيمَا لَا تَتَعَجَّلُهُ، وَذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَيَدْخُلُ فِي أَخْذِك لِلطَّعَامِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ مَا ذَكَرْنَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ وَجَبَ لِلْمَأْمُورِ بِالتَّعَدِّي، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَسَلَمُ الْمَأْمُورِ لَازِمٌ لَهُ، وَلَا لَهُ وَلَا لَك فَسْخُهُ، وَلَا شَيْءَ لَكَ أَنْتَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا لَكَ عَلَى الْمَأْمُورِ مَا دَفَعْت إلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ لَمْ تَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ وَأَمَرْتَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَكَ مِنْ عِنْدِهِ فِي قَمْحٍ أَوْ فِي جَارِيَةٍ أَوْ فِي ثَوْبٍ وَلَمْ تَصِفْهَا لَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَا أَمَرْتَهُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ فِيمَا لَا يُشْتَرَى لِمِثْلِك مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ ثَوْبٍ، فَلَكَ أَنْ تَتْرُكَهُ وَلَا يَلْزَمُك الثَّمَنُ أَوْ تَرْضَى بِهِ وَيَدْفَعُ إلَيْكَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ يَجِبْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَفَسَخْتَهُ وَكَأَنَّهُ وَلَّاك، وَلَا يَجُوزُ هَهُنَا أَنْ يُؤَخِّرَكَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ تَرَاضَيْتُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْكَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ إلَّا بِرِضَاكَ، فَكَأَنَّهُ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ لِدَيْنٍ لَهُ وَتَوْلِيَةٍ فَتَأْخِيرُ الثَّمَنِ فِيهِ دَيْنٌ بِدَيْنٍ انْتَهَى، وَتَفْرِيقُ الْمُصَنِّفِ لِذَلِكَ مُشَوَّشٌ، فَلَوْ جَمَعَهُمَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (أَوْ بِدَيْنٍ إنْ فَاتَ) ش هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى قَوْلِهِ بِمُسَمَّاهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ بِالنَّقْدِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا فَبَاعَهَا بِدَيْنٍ فَإِنَّ الْوَكِيلَ مُتَعَدٍّ فِي بَيْعِهِ بِالدَّيْنِ وَسَوَاءٌ سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ قَدْرَ رَأْسِ الثَّمَنِ أَمْ لَا، ثُمَّ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ أَوْ قَبْلَ فَوَاتِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَرْضَى بِالثَّمَنِ

الْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّسْمِيَةُ إنْ كَانَ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا أَوْ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ فَرِضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَوْ التَّسْمِيَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ الْغَالِبُ لَزِمَ مِنْهُ بَيْعُ قَلِيلٍ بِأَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا، وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِالْمُؤَجَّلِ، وَقِيلَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُلْزِمَ الْوَكِيلَ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ يُسَمِّ أَوْ التَّسْمِيَةَ إنْ سَمَّى، وَيَبْقَى الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ لِأَجَلِهِ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ إنْ فَاتَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ رِضَاهُ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ حِينَئِذٍ كَإِنْشَاءِ عُقْدَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَفِي إجَازَتِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَفِي رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَخْذِ سِلْعَتِهِ وَسَوَاءٌ سَمَّى لَهُ الثَّمَنَ الْوَكِيلُ أَمْ لَا وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْوَكِيلَ لَمَّا بَاعَ بِالدَّيْنِ مُتَعَدِّيًا، فَإِذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَالْمُوَكِّلُ مُخَيَّرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَجَازَ لَهُ الرِّضَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ عُقْدَةٍ.
ص (وَبَيْعٌ فَإِنْ وَفَّى بِالْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ وَإِلَّا غَرِمَ) ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْوَكِيلَ الْقِيمَةَ أَوْ التَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَاعَ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، فَإِذَا بِيعَ فَإِنْ وَفَّى بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ إنْ كَانَ سَمَّى لَهَا ثَمَنًا فَلَا كَلَامَ وَقَوْلُهُ، وَإِلَّا غَرِمَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ مَا بِيعَ بِهِ الدَّيْنُ بِالْقِيمَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَغْرَمُ لِلْمُوَكِّلِ مَا نَقَصَ فَإِنْ بِيعَ بِأَكْثَرَ أَخَذَ الْمُوَكِّلُ الْجَمِيعَ إذْ لَا رِبْحَ لِلْمُتَعَدِّي

ص (وَإِنْ سَأَلَ غُرْمَ التَّسْمِيَةِ وَيَصْبِرَ لِيَقْبِضَهَا أَوْ يَدْفَعُ الْبَاقِي جَازَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا فَأَقَلَّ) ش: يَعْنِي فَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ أَنَا أَغْرَمُ جَمِيعَ التَّسْمِيَةِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ سَمَّى لَهَا ثَمَنًا، وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ أَغْرَمُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ وَأَصْبَرَ فِي الصُّورَتَيْنِ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، فَآخُذَ مِنْهُ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ الَّتِي دَفَعْتُهَا وَمَا زَادَ عَلَى مَا دَفَعْتَهُ أَعْطِهِ لِلْمُوَكِّلِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الدَّيْنِ إذَا بِيعَ الْآنَ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ، فَأَقَلَّ إذَا لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمُوَكِّلِ إذَا بِيعَ بِالدَّيْنِ مَا بِيعَ بِهِ إنْ وَفَّى بِالْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ أَوْ تَكْمِلَةُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوَفِّ، فَإِذَا طَاعَ الْوَكِيلُ بِدَفْعِ ذَلِكَ الْآنَ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ بِدَفْعِ مَا كَانَ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةٍ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا، فَأَقَلَّ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ التَّسْمِيَةِ إنْ كَانَ سَمَّى أَوْ الْقِيمَةِ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ قِيمَةَ الدَّيْنِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ التَّسْمِيَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، فَكَأَنَّهُ فَسَخَ الزَّائِدَ فِي بَقِيَّةِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ اثْنَيْ عَشَرَ وَالتَّسْمِيَةُ أَوْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ عَشْرَةً وَالدَّيْنُ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَسَأَلَ الْوَكِيلُ أَنْ يَدْفَعَ الْعَشَرَةَ الَّتِي هِيَ التَّسْمِيَةُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَيَصْبِرَ حَتَّى يَحِلَّ الدِّينُ الْمُؤَجَّلُ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعَشَرَةَ الَّتِي دَفَعَهَا، وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ لِلْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْآنَ قِيمَةَ الدَّيْنِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشَرَ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الدِّينَارَيْنِ؛ لِيَأْخُذَ عَنْهُمَا خَمْسَةً، وَقِيمَةُ الدَّيْنِ تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ أَقَلَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَسَأَلَ الْوَكِيلُ غَرِمَ أَحَدُهُمَا، وَيَصْبِرَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَيْ الدَّيْنُ مِثْلَهَا أَيْ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ، فَأَقَلَّ، وَقَوْلُهُ وَيَصْبِرَ لِيَقْبِضَهَا مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٌ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْعَاطِفَةِ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالْفِعْلِ وَيَقْبِضَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي الْمُضَارِعِ وَتُفْتَحُ فِي الْمَاضِي وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِيَقْبِضَهَا رَاجِعٌ لِلتَّسْمِيَةِ الَّتِي عَرَفَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ أَمَرَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ وَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ وَاسْتُؤْنِيَ فِي الطَّعَامِ لِأَجْلِهِ وَغَرِمَ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةُ لَكَ) ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَمَرْتَهُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً فَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أَغْرَمْتُهُ الْآنَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ تُسَمِّ، ثُمَّ اُسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ فَإِذَا حَلَّ أَجَلُهُ اسْتَوْفَى، ثُمَّ بِيعَ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ لَكَ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
وَانْظُرْ مَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الطَّعَامِ مِقْدَارَ الْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي لَزِمَتْهُ وَالزَّائِدُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ لِلْآمِرِ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ هُوَ الْوَكِيلُ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ أَمَرْتَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي عَرَضٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ فَإِنْ أَدْرَكَ الْبَيْعَ فُسِخَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ بِيعَ الْعَرَضِ بِعَيْنٍ نَقْدًا أَوْ بِيعَتْ الدَّنَانِيرُ بِعَرَضٍ نَقْدًا، ثُمَّ بِيعَ الْعَرَضُ بِعَيْنٍ نَقْدًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ، فَأَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ لَكَ، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ الْمَأْمُورُ، وَلَوْ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ هَذَا لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَضَمِنَ إنْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُشْهِدْ) ش: يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ مَفْعُولِ أَقْبَضَ، فَيَعُمُّ الدَّيْنَ وَالْمَبِيعَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ، وَهَذِهِ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الرَّجْرَاجِيِّ قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ: فَإِنْ جَحَدَهُ الثَّمَنَ جُمْلَةً هَلْ يُصَدَّقُ أَمْ لَا؟ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ فِي تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْوَكِيلِ فِي الْمَبْعُوثِ مَعَهُ الْمَالُ لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْيَوْمَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَابْنُ الْقَاسِمِ يُضَمِّنُهَا فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ ضَمِنَ، وَلَوْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ، فَكَذَلِكَ وَقِيلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ التَّرْكَ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هُوَ قَوْلٌ ثَانٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ انْتَهَى.
وَالطَّرِيقَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالْأَمْرَيْنِ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ تَرْكَ الْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا الْإِشْهَادَ وَعَدَمَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْوَكِيلَ ضَامِنٌ وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الدَّفْعِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ فَفِي كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْهَا، وَإِذَا دَفَعَ الْعَامِلُ ثَمَنَ سِلْعَةٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، وَحَبَسَ السِّلْعَةَ فَالْعَامِلُ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ، فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، فَهُوَ ضَامِنٌ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَغْرَمَهَا وَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ بِقَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ جَحَدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَطِيبُ لَهُ مَا يُقْضَى لَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا فِي نُسَخِ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ هُنَا فِي التَّوْضِيحِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْبَيَانِ نَحْوُهُ.

ص (أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لَا يُبَاعُ بِهِ وَادَّعَى الْإِذْنَ فَنُوزِعَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ الَّتِي وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهَا بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَكَانَتْ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا تُبَاعُ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ

وَنَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَلَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ وَهَلْ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَوْ مَعَ فَوَاتِهَا؟ وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً خُيِّرَ الْمُوَكِّلُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخَذَ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ نُقِضَ الْبَيْعُ وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ وَإِنْ فَاتَتْ خُيِّرَ فِي أَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ تَضْمِينِ الْوَكِيلِ قِيمَتَهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَاعَ الْمَأْمُورُ سِلْعَةً بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرْتَنِي وَأَنْكَرَ الْآمِرُ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِذَلِكَ ضَمِنَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً لَمْ يَضْمَنْ الْمَأْمُورُ وَخُيِّرَ الْآمِرُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ يَضْمَنُ الْوَكِيلُ قِيمَتَهَا وَيُسْلِمُ ذَلِكَ إلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ ضَمِنَ ظَاهِرُهُ فَاتَتْ السِّلْعَةُ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ضَمِنَ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ فَقَوْلُ الْغَيْرِ وِفَاقٌ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ضَمِنَ أَيْ ضَمِنَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يُرِيدُ مَعَ فَوَاتِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً.
فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ، وَرَدِّهِ وَذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ الْآتِي هُنَا وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَقْدًا اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا بَاعَ بِذَلِكَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَلَا أَخْذُ الْقِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا لِغَيْرِهِ وَاحْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ وَالْخِصَامُ فِيهِ هَلْ هُوَ فَوْتٌ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ فَوْتٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ وَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا إشْكَالَ فِيهِ إذَا أَعْلَمَ الْمَأْمُورُ الْمُشْتَرِيَ بِتَعَدِّيهِ انْتَهَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَادَّعَى الْإِذْنَ فَنُوزِعَ فَأَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مُنَازَعَتَهُ فِي الْإِذْنِ وَمُخَاصَمَتَهُ فِي ذَلِكَ وَتَوْجِيهُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ هَلْ السِّلْعَةُ قَائِمَةٌ أَوْ فَاتَتْ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَائِدَةٌ فَإِنَّهَا: مُسْتَفَادَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) : قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: لِلْمُوَكِّلِ رَدُّ الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ الْقِيمَةَ إنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ انْتَهَى.
مِنْ الْجَزِيرِيِّ انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ فَرْعٌ: قَالَ عَلِيٌّ الْبَصْرِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ رَدَّ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِعَزْلِهِ عَنْ ذَلِكَ عَادَةً وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَجَوَابُهُ عُمُومُهُ مُقَيَّدٌ بِالْعَادَةِ، كَذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْعَهُ بِالدَّيْنِ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
.

ص (وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَتْ بِالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ أَوْ قَبَضَ ثَمَنَ مَا وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهِ، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ قَالَ: تَلِفَ أَوْ رَدَدْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ كَالْمِدْيَانِ يُنْكِرُ الدَّيْنَ فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ادَّعَى قَضَاءَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَنْكَرَ حَقًّا فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَادَّعَى الْقَضَاءَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ فِي هَذَا: الْأَصْلُ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا أَعْنِي فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مَسَائِلَ وَجَزَمَ فِيهَا بِأَنَّهَا لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ هَذَا الْأَصْلَ وَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا وَذَكَرَ ابْنُ زَرْقُونٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ تَنْفَعُهُ وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَمِدْ تَشْهِيرَهُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ وَفِي بَابِ الْقِرَاضِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَا الْخِلَافَ فِيمَنْ أَنْكَرَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ مِنْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَمَّا إنْ أَنْكَرَ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَوْ أَنْكَرَ الدَّعْوَى فِي الرَّبْعِ أَوْ فِيمَا يُفْضِي إلَى الْحُدُودِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إنْكَارِهِ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لِابْنِ نَافِع يُقْبَلُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الثَّانِي لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
الثَّالِثُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا الرَّابِعُ: يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ مِنْ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا مِنْ الْمُتَمَوِّلَاتِ وَهُوَ قَوْلُ

ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ.
وَنَصُّهُ أَمَّا إنْ أَنْكَرَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ رُبَعٍ أَوْ مَا يُفْضِي إلَى حَدٍّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إنْكَارِهِ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَنْفَعُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالثَّانِي مُقَابِلُهُ قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَحْرَى غَيْرُهَا، الثَّالِثُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلِابْنِ كِنَانَةَ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرُّبَعِ وَالْحُدُودِ.
الرَّابِعُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الْحُدُودِ ا. هـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَنَصُّهُ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا فَجَحَدَهُ، ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَيْهِ قَالَ: لَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِوَجْهٍ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ قَالَ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَرْضًا فِي يَدَيْهِ قَدْ حَازَهَا عَشْرَ سِنِينَ، فَأَنْكَرَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا لَهُ فَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ، فَجَاءَ هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَجَوْت أَنَّ حِيَازَتِي تَكْفِينِي، وَلَيْسَ هَذَا كَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْقِرَاضِ وَفِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَفِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ وَفِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ: قِيلَ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَقِيلَ إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْأُصُولِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُقُوقِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَرْضًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي أَرْضٌ، وَمَا عَلِمْت لَك أَرْضًا قَطُّ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَرْضُهُ وَأَثْبَتَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ وَاَللَّهِ أَرْضُكَ وَلَكِنْ قَدْ اشْتَرَيْتُهَا مِنْك وَأَقَامَ بِشِرَائِهِ بَيِّنَةً فَإِنَّ اشْتِرَاءَهُ لِذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَتَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ كَانَ وَاَللَّهِ حَوْزِي يَنْفَعُنِي أَصْنَعُ بِالْأَرْضِ مَا شِئْت فَأَبَيْت أَنْ أُقِرَّ أَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ عَلَيَّ الْعَمَلُ فَكَرِهْت أَنْ أُعَنَّتَ فِي ذَلِكَ فَإِذْ قَدْ احْتَجْت إلَى شِرَائِي بَعْدَ أَنْ أَثْبَتهَا فَهَذَا شِرَائِي قَالَا فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ مِثْلَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ الْحَقَّ، فَجَحَدَهُ وَأَدْخَلَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ.
وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَسَوَاءٌ أَقَامَ بَيِّنَةً بِشِرَاءٍ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَجَوْت أَنَّ حِيَازَتِي تَكْفِينِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ الْمَدِينِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا فِي اللِّعَانِ إنْ ادَّعَى رُؤْيَةً بَعْدَ إنْكَارِهِ الْقَذْفَ، وَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ اللِّعَانَ مِنْ الْحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي اللِّعَانِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا فِي اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ فِي اللِّعَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَقْبَلَهُ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الدُّيُونِ وَالْأُصُولِ وَالثَّانِي: أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَالثَّالِثُ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُدُودِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ فِي الْأُصُولِ أَوْ الْحُدُودِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ مِنْ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي الْأَمْوَالِ، فَأَحْرَى أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَقَالَ تَمَامُهَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْقِرَاضِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ الشَّيْخُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالْأَخَوَيْنِ مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ جَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَامَ بِرَدِّهَا بَيِّنَةً أَنَّهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ بِجَحْدِهَا يُرِيدُ إنْ قَالَ مَا أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا وَلَوْ قَالَ مَا لَك عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ شَيْءٌ نَفَعَتْهُ بَيِّنَتُهُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَنْ

اللَّخْمِيِّ وَإِنْ قَالَ أَوْدَعْتنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْبِضْهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ أَوْدَعْتَنِي يَدُلُّ عَلَى الْقَبْضِ وَالشِّرَاءُ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) : مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ مَا أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَا لَك عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ شَيْءٌ فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَالْخَمْسِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَتِهِ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا مِنْ سَلَفٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَقَرَّ، وَادَّعَى فِيهِ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا زَعَمَ أَخِيرًا؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ أَوَّلًا أَكْذَبَ الْبَيِّنَةَ فَلَا تُسْمَعُ وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا.
(تَنْبِيهٌ) : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَكِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَأَقَامَ هُوَ بَيِّنَةً أَيْضًا عَلَى رَدِّ السَّلَفِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْقِرَاضِ أَوْ الْبِضَاعَةِ أَوْ الرِّسَالَةِ أَوْ عَلَى هَلَاكِ ذَلِكَ فَلَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ مُكَذِّبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ هَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ أَجْمَعِينَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
(فَرْعٌ) : وَأَمَّا إنْ قَالَ: مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ وَلَا ثَمَنُ سِلْعَةٍ وَلَا لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَلَا قِرَاضٌ وَلَا بِضَاعَةٌ فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ قَبْلَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ وَالسِّلْعَةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ ادَّعَى هَلَاكَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، فَهَهُنَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا لَكَ شَيْءٌ يُرِيد فِي وَقْتِي هَذَا، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إذَا قَالَ: مَا أَسْلَفْتَنِي وَلَا أَوْدَعْتَنِي فَلَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ هُنَا مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ الرُّوَاةِ إلَّا أَنِّي رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ السَّمَاعِ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا وَأَظُنُّ لَهُ وَجْهًا يُصَحِّحُ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بُعِثَ مَعَهُ رَجُلٌ بِعِشْرِينَ دِينَارًا يُبْلِغُهَا إلَى الْجَارِ وَالْجَارُ مَوْضِعٌ وَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ فَحَمَلَ الْكِتَابَ وَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَهُ سَأَلَهُ عَنْ الذَّهَبِ، فَجَحَدَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُ الَّذِي أَرْسَلَ مَعَهُ الذَّهَبَ، وَقَالَ لَهُ إنِّي أَشْهَدْت عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ: إنْ كُنْتَ دَفَعْت إلَيَّ شَيْئًا فَقَدْ ضَاعَ فَقَالَ مَالِكٌ مَا أَرَى عَلَيْهِ إلَّا يَمِينَهُ وَأَرَى هَذَا مِنْ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْكَارَ يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُعْذَرُ مِنْ كِتَابِ الرُّعَيْنِيِّ انْتَهَى كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الرُّعَيْنِيِّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ غَيْرَ أَنَّ الرُّعَيْنِيَّ زَادَ بَعْدَهُ وَرَأَيْت لِابْنِ مُزَيْنٍ لَفْظَةَ أَنَّهُ قَبِلَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَإِنْ جَحَدَهُ وَقَالَ مَا أَسْلَفْتَنِي قَطُّ شَيْئًا وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِي مَسَائِلِ الْعُيُوبِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِيمَنْ قُيِّمَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، فَأَنْكَرَ الْبَيْعَ فَلَمَّا ثَبَتَ عَلَيْهِ زَعَمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اعْتَمَرَ، وَعَرَضَ لِلْبَيْعِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَقَالَ هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٌ هَذَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ طُولِبَ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَهُ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَأَتَى بِحُجَّةٍ تُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ وَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ اللِّعَانِ وَالتَّخْيِيرِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) : فَيَتَحَصَّلُ مِمَّا تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ، ثُمَّ أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَادَّعَى مَا يُسْقِطُ ذَلِكَ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةً عَادِلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ وَلَا وَدِيعَةٌ أَوْ لَا قِرَاضٌ أَوْ قَالَ مَا لَكَ عِنْدِي حَقٌّ، ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَادَّعَى مَا يُسْقِطُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَوْ بَيِّنَتُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ، فَقَالَ وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا قَالَهُ الرُّعَيْنِيُّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْكَارَ

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل