...
باب حروف منفردة 1
(تقول: أخذت لذلك الأمر أهبته) 2 بضم الألف: أي عدته.
وجمعها أهب، مثل ظلمة وظلم.
وتأهبت للأمر: أي استعددت له.
(وأبعد الله الأخر قصيرة الألف) 3 مكسورة الخاء، ومعناه: الغائب البعيد المتأخر، ويقال: هذا عند شتم الإنسان من يخاطبه، لكنه نزهه بذلك، نحو أن يكون بين رجلين كلام فيقول أحدهما لصاحبه: إن كنت كاذبا فأبعد الله الأخر، وهو يريد أبعدك الله، لكنه نزهه وكره مواجهته بالكاف، فكنى عنها بالأخر4، أي أبعد الله الغائب
الأبعد.
ولا يثنى هذا ولا يجمع، لأنه كالمثل، ولم يسمع إلا في هذا الموضع.
(والشيء منتن) 1 بضم الميم: للخبيث الريح، وجمعه منتنات مناتن ومناتين.
وهو مفعل من أنتن ينتن إنتانا فهو منتن، والاسم النتن.
(وهي البكرة بسكون الكاف [144/ب] : للتي يستقى عليها) 2.
وجمعها بكرات بالفتح، مثل جفنة وجفنات.
(وهي الحلقة من الناس، ومن الحديد بسكون اللام) 1: وهي معروفة مستديرة منهما2 جميعا.
وجمعها حلق بفتح الحاء واللام، مثل فلكة وفلك، وحلق أيضا بكسر الحاء، مثل بضعة وبضع3، وحلقات بفتحها في أدنى العدد، مثل بكرة وبكرات.
(ودرهم بهرج) 4: أي رديء، وهو فارسي معرب5.
وجمعه بهارج.
(وستوق) 1 بفتح أوله: أي رديء أيضا، زيف.
وجمعه ستاتيق.
(ونظرت يمنة وشأمة) 2: أي جانب اليمين وجانب الشمال، وهما فعلة من اليمين والمشأمة، ولم يسمع لهما بجمع، وقياس ذلك يمنات وشأمات بفتح الميم والهمزة، مثل جفنة وجفنات، (ولا تقل: شملة) 3، وإن كان القياس يوجب أن يقال ذلك، فتكون فعلة من الشمال، لكنها لو قيلت لألبست بالشملة التي هي كساء يشتمل به، أي يتغطى به، فعدلوا عن الكلام بذلك لأجل الإلباس4.
(وتقول: الثوب سبع في ثمانية، لأن الذراع أنثى والشبر مذكر) 5، فأراد أن الثوب طوله سبع أذرع وعرضه ثمانية أشبار، فلم يأت بالهاء في سبع، لأن العدد لمؤنث، وأتى بها في ثمانية، لأن العدد لمذكر، [والعدد إذا كان لمؤنث فإن الهاء تسقط منه من ثلاثة إلى عشرة، وإذا كان
لمذكر] 1 أثبتت فيه من ثلاثة إلى عشرة.
ومنه قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوما﴾ 2 فحذف الهاء من سبع، لأنها لليالي [145/أ] لأن واحدتها ليلة، وأثبتها في ثمانية، لأنها للأيام، لأن واحدها بوم.
(ودرع الحديد: مؤنثة) 3 لأنه يراد حلقة، ولذلك قالوا: درع سابغة4، فأنثوا صفتها، (وأما درع المرأة فمذكر) 5 لأنه يراد به قميصها أو ثوبها.
وجمعهما في القلة أدرع وأدراع، وفي الكثرة دروع.
(وتقول لهذا الطائر: قارية) بتخفيف الياء، (والجمع
قوار، ولا تقل: قارور) 1. وقال أبو عبيد: هو القصير الرجل، الطويل المنقار، الأخضر الظهر، تحبه الأعراب وتتيمن به، ويشبهون الرجل السخي [به] 2. قال الشاعر3: أمن ترجيع قارية تركتم ... سباياكم وأبتم بالعناق أي الخيبة.
والطائر: واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه﴾ 1 وجمعه طير، كراكب وركب، وأطيار وطيور وطوائر. فالطائر يقال للذكر، والأنثى بغير هاء، تقول: هذا طائر حسن، وهذه طائر حسنة، وبعض العرب يقول: هذه طائرة حسنة، فيزيد الهاء في المؤنث، قال يونس: وهي قليلة في كلام العرب2.
(وتقول: عندي زوجان من الحمام، تعني ذكرا وأنثى، وكذلك كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه) ، فكل واحد منهما زوج الآخر، نحو الخفين [145/ب] والنعلين.
والعامة تغلط في هذا فتسمي الاثنين زوجا، والواحد فردا3، وإنما الزوج للواحد، والزوجان للاثنين، فالرجل4 زوج المرأة، والمرأة زوج الرجل، وكل اثنين مقترنين زوجان، كل واحد منهما زوج.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْن﴾ 5 وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ 6. وجمع
الزوج أزواج وزوجة.
(وتقول: هم المسودة والمبيضة والمحمرة) 1 بتشديد الواو والياء وكسرها.
فالمسودة: هم الذين يلبسون الثياب السود من الناس، وهم أعوان الشرط والجند ونحوهم، وهم أيضا من الأمراء والجند الذين يجعلون أعلامهم وراياتهم سودا، كبني العباس ومن يرى رأيهم.
والمبيضة: هم الذين يبيضون ذلك، وهم قوم من شيعة آل علي رضوان الله عليه.
وأما المحمرة: فهم الذين يحمرون ذلك، وهم الذين يتولون محمد بن الحنفية2، وهو ابن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما، وإنما نسب إلى الحنفية، لأن عليا - رضوان الله عليه – كان سباها من بني حنيفة لما قاتلهم مع أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – بعد وفاة النبي صلوات الله عليه3.
(و) هم (المطوعة) 1 بتشديد الواو وكسرها وتخفيف الطاء.
هكذا رأيته في نسخ كثيرة من الكتاب، ورأيت في [146/أ] نسخ أخر مشدد الطاء والواو جميعا2، وهم الذين يتبرعون من أنفسهم ويخرجون إلى الجهاد مع الجند من غير أن يأمرهم السلطان بذلك.
فأما من خفف الطاء فإنه يجعل3 وزنه مفعلا، ويأخذه من قولهم: طاع له يطوع طوعا فهو طائع، إذا انقاد وتابع من غير إكراه، ومنه يقال: جاء فلان طائعا غير مكره.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيه﴾ 4 فكأن المطوعة هم الذين ينقادون إلى الجهاد من غير إكراه السلطان إياهم.
وأما من شدد الطاء فإنه يجعل وزنه متفعلة، وكان الأصل متطوعة، فأدغمت التاء في الطاء لتقارب مخرجيهما فصار مطوعة بتشديد الطاء والواو.
ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ 5 وأصله المتطوعين.
(وتقول: كان ذاك عاما أول يا فتى) ، فتنصب عاما على الظرف، أي في عام، وتنصب أول، لأنه صفة له، تريد عاما أول من عامنا هذا، (وإن شئت) قلت: كان ذاك (عام الأول) 1 بالإضافة،، وتقديره: كان ذاك عام الحديث الأول وعام الزمان الأول2.
والعام والحول والسنة: بمعنى واحد، ويأتي كل واحد منها على شتوة وصيفة3.
(وهو المعسكر بفتح الكاف) 4: وهو موضع العسكر.
والعسكر:
الجيش، وهو فارسي [146/ب] معرب1، وقيل: معسكر القوم: مجمعهم، والمعسكر موضع النزول والاجتماع. والجمع المعسكرات2.
(وأطعمنا خبز ملة، وخبزة مليلا، ولا تقل: أطعمنا ملة، لأن الملة الرماد والتراب الحار) 3، فخبز الملة: هو خبز يدفن في رماد حار أو تراب حار حتى ينضج.
وقوله: (خبزة مليلا) أراد مملولا، أي مدفونا في الملة.
وقد مللت الخبز أمله ملا فهو مملول ومليل، إذا دفنته في الملة4 لينضج، فمليل هو فعيل بمعنى مفعول5، ولم تقل مليلة6 بالهاء، لأن قبله خبزة وهي
مؤنثة، فاستغنوا بتأنيثها عن تأنيث صفتها، كما قالوا: امرأة قتيل، ولحية دهين وأشباههما.
وجمع الملة ملات، وجمع المليل مليلات وملائل.
(وتقول: نظر إلي بمؤخر عينه) 1 بسكون الهمزة وكسر الخاء: وهو الجانب الذي يلي الصدغ، ويقال له أيضا: اللحاظ2.
وجمعه مآخر، على مثال مطفل ومطافل.
وأما مقدم العين وسكون القاف وكسر الدال وتخفيفها: فهو جانبها الذي يلي الأنف، ويقال له أيضا: الماق والموق بالضم، ومنه يخرج الدمع3.
(وبينهما بون بعيد) 4 بالواو، وبين أيضا بالياء: أي مسافة ومقدار في5 الأرض.
وقيل [147/أ] : فرق.
والأجود أن يكون البين
بالياء، للفراق والبعد في كل شيء، ولايقال البون بالواو، إلا في قولهم: بين الرجلين والشيئين بون، إذا لم يتفقا. ولا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر1.
(وتقول رجل آدر) بالمد وتخفيف الراء، (مثل آدم) 2: وهو العظيم الخصيتين، وهما البيضتان. وجمعه أدر، مثل أحمر وحمر. وقد أدر الرجل بفتح الألف وكسر الدال، يأدر أدرا بفتح الدال، وأدرة، مثل حمرة: إذا انتفخت خصيتاه، وهي الأدرة بفتح الألف والدال: للخصية المنتفخة3.
(وهي القازوزة) بزاي بعد الألف، (والقازوزة) بقاف بعدها، على فاعولة، وهما بمعنى واحد، وهما معربان4، (ولا تقل قاقزة) 5 بالقاف وتشديد الزاي: وهي شيء تجعل فيها الخمر.
وقيل: هي قدح
طويل ضيق الأسفل1.
وجمعها قوازيز وقواقيز.
ومنه قول الشاعر2:
فنى تلادي وما جمعت من نشب ... قرع القواقيز أفواه الأباريق
(وتقول: الحب ملآن ماء) 3 بالهمز، على وزن فعلان أي ممتلئ، وهو معروف المعنى.
(والجرة ملأى ماء) 4 بالهمز أيضا، على وزن فعلى، (وكذلك ما أشبههما) من المذكر والمؤنث، مثل عطشان وعطشى، والجمع ملاء بكسر الميم والمد، على مثال عطاش [147/ب] .
والحب: إناء معروف من فخار يجعل فيه الماء، وهو الخابية عند أهل الشأم، وأهل مصر يسمونه الزير.
والجرة: إناء آخر للماء أيضا، أصغر من الحب، وهي على غير شكله.
وجمعهما حباب وجرار.
(وتقول: هي الكرة) بضم الكاف: معروفة مخيطة من جلد أو خرق مستديرة، كهيئة الحنظلة في المقدار والتدوير، تضرب بالصولجان، ويلعب بها الصبيان، وجمعها كرات وكرون في الرفع، وكرين في
النصب والجر.
والعامة تزيد في أولها ألفا وتسكن الكاف، فتقول: "أكرة"1، وهو خطأ، لأن الأكرة الحفرة في الأرض، وجمعها أكر، مثل غرفة وغرف.
(وهو الصولجان والطيلسان، وهي السيلحون: لهذه القرية) بفتح اللام في هذه الثلاثة2.
فأما الصولجان: فمعروف3، وهو العصا المعقفة الرأس، تضرب بها الكرة، وهو فارسي معرب4، وجمعه صوالجة5.
وأما الطيلسان: فمعروف، وهو الرداء المقور6 أحد جانبيه،
يشتمل به الرجل على كتفيه وظهره، وهو فارسي معرب أيضا1، وجمعه طيالسة2، وقد يكون من صوف أزوق أو أسود، ولذلك قال الشاعر3:
وليل فيه تحسب كل نجم ... بدا لك من خصاصة طيلسان
[148/أ] خصاصته: فرجته4 التي بين سلوكه.
وأما السيلحون: فإن النون فيها مضمومة في أكثر النسخ، ورأيتها في بعضها مفتوحة، وهو أصوب، لأنها مشبهة بالنون التي في آخر الجمع السالم، كالزيدين والعمرين5.
والعامة تقول: هي السالحون لهذه القرية6، وهو خطأ، وهي قرية من قرى النبط بقرب الكوفة7، وفيها قال الأعشى8:
وتجبى إليه السيلحون وعنده
صريفون في أنهارها والخورنق
ويروى: "ودونها صريفون".
(وهو التوت) بالتاء معجمة بنقطتين، وهو فارسي معرب أيضا1، والعامة تقوله بالثاء2 معجمة بثلاث نقط، والعجم تقوله بالذال المعجمة، وبعضهم يقوله بالثاء معجما بثلاث نقط، كما تقوله العامة3، وهو ثمر شجر معروف يؤكل، حلو الطعم إذا انتهى نضجه، وإذا لم ينضج كان حامضا شديد الحموضة، وإذا انتهى في النضج كان له ماء يحمر اليد وغيرها، والعرب تسميه الفرصاد4، ولذلك قال الأسود بن يعفر5:
يسعى بها ذو تومتين منطق ... قنأت أنامله من الفرصاد
قنأت: أي احمرت، ويروى: "مشمر".
وإذا اختلفت أنواعه جمع فقيل: أتوات وتيتان، مثل أحوات وحيتان.
(وهو يوم الأربعاء) 1 بفتح أوله وكسر الباء والمد، على وزن الأولياء، وجمعه [148/ب] أربعاوات وأرابع. وقال الجبان: وهو غريب في معناه: لأن أفعلاء لا يكاد يوجد في الواحد2.
(وتقول: ماء ملح، ولا تقل: مالح) 3. ومنه قوله تعالى: {هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاج} 1 فكأنهم لما وصفوا الماء بالملوحة، وبالغوا في ذلك وصفوه باسم الملح المعروف نفسه. ويقال: ماءان ملح، ومياه ملح أيضا. (وسمك ممولح ومليح) ، وهو فعيل بمعنى مفعول، إذا جعل عليه الملح، (ولا تقل: مالح) أيضا، وقد جاء عن بعض العرب أنه قال: سمك مالح2.
ومنه قول الراجز3:
بصرية تزوجت بصريا
يطعمها المالح والطريا
والعامة على هذه اللغة، وليس ذلك بمختار عند الفصحاء4.
(وتقول: رجل يمان: من أهل اليمن، وشآم) بوزن شعام: (من أهل الشام) ساكن الهمزة على وزن شعم، (وتهام) بفتح التاء: (من أهل تهامة) 1. وكان القياس فيمن نسب إلى اليمن والشأم أن يقال: يمني وشأمي بتسكين الهمزة، بوزن شعمي، وبياء مشددة في آخره للنسب، لكن لما كثر استعمالهما في الكلام وجب تخفيفهما فحذفوا إحدى ياءي النسب من آخرهما وعوضوا منها ألفا قبل النون والميم2، فصار يماني وشآمي بفتح الهمزة وياء خفيفة، ثم لما أدخلوا التنوين على الياء حذفوها لئ
لا يجتمع [149/أ] ساكنان، فقيل: يمان وشآم.
وقال الشاعر3:
هاتيك النجوم وهن خرس
ينخن على معاوية الشآمي
وأما تهام بفتح التاء: فهو منسوب إلى تهامة، وهي اسم لمكة ومن والاها. وقال الرياشي: سمعت الأعراب يقولون: إذا انحدرت من ثنايا ذات عرق فقد اتهمت. وقال أيضا: والغور تهامة1.
وتهامة مكسورة التاء، والأصل في النسب إليها تهامي بكسر التاء وتشديد الياء، فلما أرادوا تخفيفه أيضا حذفوا إحدى ياءي النسب منه، وأرادوا أن يعوضوا منها ألفا كما عملوا بيمان وشآم، فلم يمكنهم ذلك لكون الألف قبل الميم، فلو زادوا ألف التعويض لاجتمع ألفان سامنان، فكان يجب أن يحذفوا أحدهما فعدلوا عن هذا إلى فتح التاء، ونابت هذه الفتحة عن ألف التعويض، فصار تهامي بياء خفيفة، ثم لما أدخلوا التنوين حذفوا الياء لالتقاء الساكنين، فصار تهام، على لفظ يمان وشآم2.
وأنشد سيبويه3:
وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهام وما النجدي والمتغور
وتقول في جمعها في حال الرفع هؤلاء رجال يمانون وشآمون وتهامون، وفي حال النصب والجر1 يمانين وشآمين وتهامين.
(وفعلت ذاك من أجلك وإجلك) بفتح أوله وكسره [149/ب] (ومن جراك) 2 بالقصر، ومن جللك3 بفتح الجيم واللام الأولى، أربع لغات، وكلها بمعنى واحد: أي من حالك وبسببك، ولا تجمع لأنها مصادر وكالأمثال4.
(وتقول: جئنا من رأس عين) بغير ألف في عين، وهو موضع بالجزيرة، وهو من قرى نصيبين5، ومنه قول
الشاعر1:
نصيبين بها إخوان صدق
ولم أنس الذين برأس عين
والعامة تقول: رأس العين2، فتزيد فيه الألف واللام، [وأنكر أهل العلم بالنحو واللغة ذلك، وقالوا] 3: لا يجوز ذلك، لأنه هاهنا اسم علم معرفة لموضع بعينه، فلا يجوز تعريفه بالألف واللام4، وهذا معنى قولهم.
قال أبو سهل: والذي أراه أن رأس عين اسمان جعلا اسما واحدا، فلا يدخلون في الثاني الألف واللام، كما لم يدخلوها في بعل بك5، وقالي قلا6، ورام هرمز7، وأشباهها8.
(و) كذلك (عبرت دجلة بغير ألف ولام) 1 أيضا، لأنه علم معرفة، كحمزة وطلحة، فلم تدخله الألف واللام، وهو النهر المعروف الذي ينحدر إلى بغداد2.
(وتقول: أسود سالخ، ولا تضف) 3، فسالخ منون مرفوع هاهنا، لأنه صفة لأسود، ولو نصبت أسود أو جررته لنصبت سالخا وجررته أيضا مع التنوين، لكونه صفة له.
والأسود: ضرب من الحيات معروف، وهو العظيم منها، وفيه سواد.
والجمع الأساود، لأنه اسم له، وليس بصفة، ولو كان صفة لقيل في جمعه: سود.
وقال الشاعر4 [150/أ] :
فألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسم الأساود
وقال النضر بن شميل: الأسود: الشديد السواد، وهو أخبث الحيات، وأعظمها، وأنكرها، لا ينجو سليمه1.
قال أبو سهل: وإنما وصفوا أسود بسالخ، لأنه يسلخ جلده كل عام2، أي يخرجه عن جسمه ويقلعه، ويقال لذلك الجلد: سلخ بكسر السين وسكون اللام. واختلفوا في جمع سالخ، فقال أبو حاتم السجستاني: يقال: أساود سلخ وسوالخ وسالخة3.
وقال الجبان: الجميع سالخات وسلخ وسوالخ4، وأنكر التميمي النحوي5 ذلك، وقال: يقال في الاثنين: أسودان سالخ، وسود سالخ، ولا يقال: سالخان، ولا يجمع في الجمع6.
وقال ثعلب –رحمه الله -:
(والأنثى أسودة، ولا توصف بسالخة) .
قال أبو سهل: فأنكر ابن درستويه أسودة1، وكذلك أنكره أيضا الجبان، وقال: هذا شيء من قبل الكوفيين، لأن أسود إن كان وصفا فتأنيثه سوداء، وإن كان اسما غير وصف فلا لفظ منه لمؤنثه مختص2.
وهذا الذي أنكراه على ثعلب – رحمه الله – لا يقدح فيما رواه عن علماء الكوفيين، ولو لم يصح له سماع ذلك منهم لما أثبته في كتابه، وإذا ورد الشيء المسموع عن من3 يوثق به تقبل ذلك، وإن كان خارجا عن القياس، ومع هذا فإن غيره من أهل اللغة أيضا قد حكى: رأيت أسودات كثيرة، أي حيات4، فجمع أسودة على أسودات.
وأما قولهم: "ولا توصف بسالخة" [150/ب] فإنه لما كانت أسودة لا تقال إلا لأنثى الأسود من الحيات خاصة دون غيرها استغنوا بتخصيصها بهذه التسمية عن وصفها بسالخة.
وأما الأسود فإنه لما كان
اسما مشتركا يسمى به الحية الذكر1، ويوصف به كل مذكر سواه مما لونه السواد، فلما سموه به الحية2 لم يكن بد من وصفه ليزول بصفته الإشكال ويرتفع اللبس، ولما جمعوه فقالوا فيه: أساودة، وخصصوا بهذا الجمع الحيات دون غيرها، مما يجوز في سواها أن يوصف بالسواد، استغنوا عن جمع صفته أيضا فقالوا: أساود سالخ.
وأما من جمع وصفها فقال فيها: أساود سوالخ وأخواتها3، فإنهم4 أجروا الصفة في الجمع مجرى الموصوف في جميع أحواله، في إفراده وجمعه، فلذلك جمع وصفها كجمعها.
(وتقول: ما رأيته مذ أول من أمس) 5 برفع "أول"، هكذا في نسخ عدة، وفي نسخ أخر: (مذ أول) بالنصب، والأجود بالرفع، لأن مذ بغير نون ترفع ما مضى، من الزمان على تقدير الابتداء والخبر، وتقديره: مبدأ انقطاع رؤيتي له أول من أمس، وأول ذلك أول من أمس، وأما من فتح اللام من أول فإنه يجعل أول في موضع خفض بمذ، ويجعل
مذ بمنزلة من ويفتح اللام، وكان سبيلها أن تكون مخفوضة، لأن أول لا ينصرف لاجتماع علتين فيه وهما وزن الفعل والوصف، فأول وزنه أفعل، وهو صفة اليوم1، وتقديره: ما رأيته مذ يوم أول من أمس2.
وأمس: هو اسم لليوم الذي قبل [151/أ] يومك، وبني على الكسر لسكون ما قبل آخره.
وأول هاهنا: هو اسم لليوم الذي قبل أمس، وأمس يتلوه.
قال ثعلب – رحمه الله -: (فإن أردت يومين قبل ذلك قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس، ولم تجاوز ذلك) يعني: أنه لا يقال: إلا ليومين قبل أمس، فإن أردت ثلاثة أيام، أو أكثر قبل أمس، لم تنطق بشيء من ذلك، لأن العرب لم تتكلم به لطوله.
وأما أول الذي بعد مذ هاهنا فيجوز في لامه الضم والفتح3 على ما ذكرته من التفسير، وأما الذي بعد من فلا يجوز في لامه إلا الفتح لا غير، لأن أول في موضع خفض بمن، وإنما فتحت اللام لأنه لا ينصرف على ما ذكرته.
(والظل للشجرة بالغداة، والفيء بالعشي) 1، لأنه ظل يفيء2 من جانب إلى جانب، أي يرجع3 (كما قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي نذوق
هذا البيت لحميد بن ثور الهلالي4.
والضحى: بضم الضاد والقصر: من النهار بعد الضحوة، والضحوة: بعد طلوع الشمس ثم بعدها الضحى، وهي حين تشرق الشمس، ثم بعد ذلك الضحاء مفتوح ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى5.
وأما العشي: فإنه من زوال الشمس إلى غروبها.
وقوله: "نستطيعه" بالنون، معناه: نطيقه.
ونذوق بالنون أيضا معناه: ننال.
ووصف حميد سرحة، وهي ضرب من الشجر1، وكنى [151/ب] بها عن امرأة، يقول: فلا2 ننال خيرها على حال من الأحوال، لأنا لا نستطيع بها في الضحى، ولا نجلس في فيئها بالعشي.
قال ثعلب – رحمه الله –: (أخبرت عن أبي عبيدة أنه قال: قال رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفيء، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل) 3. وجمعه أظلال في القليل، وظلال في الكثير، وجمع الفيء أفياء وفيوء.
(وتقول للأمة إذا شتمتها: يا لكاع، يا غدار، يا فجار، يا دفار، يا فساق، يا خباث، بفتح أولها وكسر آخره) 4.
(وتقولِ للرجل: يا لكع، يا غدر، يا فسق) 5 بضم آخره.
فهذه الأسماء على مثال عمر وزفر.
فاللكع: الوسخ، وقيل: هو اللئيم1.
وقيل: هو الذليل2.
ويقال للمؤنث: لكاع، على مثال قطام وحذام.
وقوله: "ياغدر" أراد يا غادر، وهو الذي لا يفي بما يضمن، ولا يفعل ما يقوله ويعد به، بل يفعل ضده، وغدر معدول عن غادر، وللمؤنث يا غدار بكسر الراء أيضا.
ويا فجار بكسر آخره أيضا، للمؤنث، تريد يا فاجرة، أي يا زانية.
والفجور: هو الزناء والانبعاث في المعاصي.
ويا دفار بكسر آخره أيضا: أي يا منتنة الريح.
والدفر بسكون الفاء وبدال غير معجمة: النتن خاصة.
وقوله: يا فسق، تريد يا فاسق، وهو الذي قد خرج3 عن أمر ربه، وللمؤث يا فساق بكسر القاف أيضا.
ويا خبث [152/أ] : أي يا خبيث، وهو الرديء، ويقال للمرأة: يا خباث بكسر آخره.
(وإذا قيل لك: ادن فتغد، فقل ما بي تغد، وفي العشاء: ما بي تعش) ، فتجيب بمصدر الفعل الذي دعيت إليه، لأنك تقول: تغديت وتعشيت تغديا وتعشيا، (ولا تقل: ما بي غداء ولا عشاء، لأنه الطعام بعينه) 4. والغداء: هو الطعام غدوة، وغدوة: هي ما بين طلوع الصبح
إلى طلوع الشمس، وجمعها غدوات وغدوات بضم الدال وسكونها.
والعشاء: هو الطعام عشية، والعشية: هي من صلاة المغرب1 إلى العتمة2، وجمعها عشيات وعشايا.
(وإذا قيل لك: ادن فاطعم، فقل: ما بي طعم، ومن الشراب: ما بي شرب) 3 بضم أولهما لا غير، لأنك أيضا تجيب بمصدر الفعل الذي دعيت إليه، لأنك تقول: طعمت الطعام، وشربت الشراب بكسر العين والراء، فأنا أطعم وأشرب بفتحهما، والمصدر طعم وشرب بسكونهما وضم الطاء والشين.
(وإذا قيل لك: ادن فكل، فقل: ما بي أكل بفتح الألف) 4 لا غير، لأنك أيضا تجيب بمصدر الفعل الذي دعيت إليه، وهو أكل.
وادن معناه: اقرب، وتكون ألفه مضمومة إذا ابتدأت بها، فإن وصلتها بكلام قبلها كانت ساكنة وساقطة في اللفظ5، وتقول منه: دنا يدنو دنوا بالواو، إذا قرب، العامة تقول [152/ب] في مستقبله: يدني بالياء6، وهو غلط.
(وتقول: عصا معوجة بضم الميم) 1 وسكون العين وتخفيف الواو تشديد الجيم: إذا زالت عن جهة الاستقامة، وكانت غير معتدلة، وهي فاعلة، لأنك تقول: اعوجت العصا تعوج اعوجاجا فهي معوجة، مثل احمرت تحمر احمرارا فهي محمرة، والعصا مقصورة مؤنثة2، وجمعها أعص في العدد القليل، وعصي في الكثير3.
(وتقول رجل صنع اليد واللسان) 4 بفتح الصاد والنون: إذا كان جيد الصنعة عمالا بهما5 حاذقا بما يعمل بيده، أو يقوله بلسانه، يضع الكلام في مواضعه، ويحتج بما يقطع به حجة صاحبه.
وجمعه صنعون
وأصناع1.
وقيل: معنى رجل صنع اليد: أي رفيق اليد بكل عمل يراه فيعمل مثله2.
(وامرأة صناع اليد) 3 على فعال بفتح أوله: أي حاذقة رفيقة بما تعمله.
وجمعها صنع بضم الصاد والنون، مثل حصان وحصن.
(وتقول: سير مضفور) 4 بالضاد: أي منسوج، كما يسف الخوص والشعر وغيرهما على ثلاث قوى أو أكثر.
(وللمرأة ضفيرتان) 5 بالضاد أيضا، (وقد ضفرت رأسها) : أي سفت شعره ونسجته وجعلته [153/أ] ضفيرتين أو أكثر. وجمع الضفيرة ضفائر6.
(وتقول: لقيته لقية) بفتح اللام وبالياء: أي صادفته واجتمعت به مرة واحدة من اللقاء، وهو الاجتماع، (و) يقال أيضا: (لقاءة) 7 بالهاء والمد وكسر اللام، بمعنى لقية، (ولا تقل: لقاة) بفتح اللام مع
القصر، (فإنه خطأ) 1، ووجه خطئه أن المرة2 الواحدة تكون على فعلة بسكون العين، ولقاة وزنها فعلة بفتح العين، لأن أصلها لقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار لقاة.
(وهي عائشة بالألف والهمز) 3: اسم امرأة، وهي فاعلة من عاشت تعيش عيشا فهي عائشة، إذا حييت.
(وهو الحائر) بالألف أيضا: (للذي تسميه العامة الحير) 4،
وهو مجتمع الماء، وهو المكان الواسع الذي تسيل إليه الأمطار، وربما ذهب الماء منه ويبس، ويبقى اسم الحائر عليه، كما بقي على حائر الحجاج بالبصرة1، وبهذا سمي الموضع الذي بناحية الكوفة الذي دفن فيه الحسين بن علي – رضوان الله عليهما ورحمته وبركاته – الحائر2.
والعامة تسميه الحير.
وقال العجاج3:
سقاه ريا حائر روي
(وجمعه حوران وحيران) 4، فأما حوران بالواو، فإنه جمع على فعلان بضم الفاء، وكان أصله [153/ب] حيران بياء ساكنة وقبلها ضمة، فانقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها، وذلك أن أصل هذه الكلمة الياء، لأنه من التحير، كأن الماء يتحير في هذا الموضع، ومن جمعه على حيران بالياء، فإنه جمع5 على فعلان بكسر الفاء، كجان وجنان، فترك الياء على أصلها، ولم يقلبها واوا، لأن قبلها كسرة.
(وهو الحائط) : للجدار بالألف، (ولا تقل حيط) 6، وهو فاعل
أيضا من حاط بالمكان يحوط حوطا فهو حائط، أي أحذق به وصانه.
وجمعه حيطان1، وأصله حوطان بالواو، فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
(ورجل عزب) 2 بفتح العين والزاي: للذي لا امرأة له، ورجال عزبون وأعزاب، وقول العامة عزاب خطأ، لأن عزابا جمع عازب، كعابد وعباد3.
(وامرأة عزبة) 4 بالفتح أيضا مع الهاء: للتي لا زوج لها.
وجمعها عزبات بفتح الزاي أيضا.
(وأعسر يسر) 1 بفتح السين والياء من يسر وحذف الألف: وهو الذي يعمل بيديه جميعا، يعمل بيده اليسرى كما يعمل بيده اليمنى، ويقال له أيضا إذا كان كذلك: أضبط.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان أعسر يسرا"2، وفي [154/أ] رواية أخرى: "كان أضبط"3.
والأعسر على الانفراد: هو الذي يعمل بيده اليسرى لا غير، وجمعه أعسر، مثل أحمر وحمر، وجمع يسر يسرون وأيسار.
(وهي ريطة: اسم امرأة، بمنزلة الريطة من الثياب) 4، وهي كل ملاءة عريضة لم تكن لفقين، أي قطعتين قد خيطت إحداهما بالأخرى5، وتجمع المرأة والملاءة ريطات ورياطا، فإن جمعت الريطة من الثياب وأردت الجنس قلت: ريط، مثل تمرة وتمر.
(وهي فيد: لهذه القرية) 1، وهي معرفة لا تدخل عليها الألف واللام، ولا تزاد فيها ألف، وهي منزل في طريق حاج العراق2.
وقال لبيد3:
مرية حلت بفيد وجاورت ... أهل الحجاز فأين منك مرامها
(وتقول: قرط وثلاثة قرطة، وجحر وثلاثة جحرة، وجرز وثلاثة جرزة) 4.
قال أبو سهل: قرطة وجحرة وجرزة من أبنية الجمع الكثير، وثلاثة يكون للجمع القليل، لكنه أراد ثلاثة من قرطة، وثلاثة من جحرة، وثلاثة من جزرة.
وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 5 وقروء جمع كثير، فأراد
جل وعز ثلاثة من قروء 1 [154/ب] . والقرط: ما يجعل في أسفل أذن الجارية والغلام، في شحمتها من خرز، أو ذهب، أو غير ذلك، ويقال لما يجعل في أعلاها شنف