الفصاحة بنحو قوله: "هذه أفصح اللغات"1، "وهما لغتان جيدتان"2، " ... لغتان جيدتان جاء بهما القرآن"3، "وهي لغة للعرب فصيحة"4، "وهي لغة للعرب، لكن الأفصح والأكثر فيها ما اختاره ثعلب"5، "وهي قليلة في كلام العرب"6، "بل هي لغة صحيحة جارية على قياس كلام العرب.... وليست بخطأ7، "وليس ذلك بمختار عند الفصحاء"8.
3- الاشتقاق:
من المسائل اللغوية التي عرض لها الشارح في هذا الكتاب مسألة الاشتقاق، وقد أشار إلى نوعين منه:
الاشتقاق الأصغر أو الاشتقاق الصرفي، هو أكثر أنواع الاشتقاق ورودا في هذا الكتاب، وستأتي أمثلة لهذا النوع _ إن شاء الله – في حديثنا عن المسائل الصرفية9.
والاشتقاق اللغوي، وهو ذلك النوع الذي يقوم على أساس إرجاع
الألفاظ المشتقة إلى معنى عام واحد، وأشهر من زاول هذا النوع من الاشتقاق أحمد بن فارس في معجمه "مقاييس اللغة".
وقد أولى الشارح هذا النوع من الاشتقاق عناية كبيرة لا تقل عن عنايته بالنوع الأول، فأشار إلى تطور دلالة كثير من الكلمات ذاكرا الأصول التي اشتقت منها والمعنى العام الذي يجمعها بالأصل المشتق منه، فمن ذلك قوله: "والكتاب مشتق من الكتب، وهو الجمع والضم"1، وقوله: "اشتقاق الناس من الأنسة، وهي الاستئناس، لأن بعضهم يأنس ببعض ولا يأنس بغيرهم من الحيوان"2.
وقوله: "الجنة: البستان.... وأصلها من الستر، لأن الموضع لا يسمى جنة حتى تستتر أرضه بالشجر أو النخل أو الكرم، وغير ذلك من الأشجار ... "3. وقوله: "والبهيمة ... مأخوذة من الإبهام، وهو اشتباه الشيء، فلا يدرى وجهه"4.
وقوله: "وجمع المنقار مناقير، وهو مأخوذ من النقر، وهو النقد والحفر، وجمع المنسر مناسر، وهو مأخوذ من النسر، وهو نتف اللحم وقلعه"5.
وأعاد جميع الألفاظ الواردة في أحد أبواب الفصيح6 إلى أصل واحد فقال: "أصل هذا الباب كله من التغطية والستر"7.
4- تعليل التسمية:
ومما يتصل ببحثه السابق في الاشتقاق عنايته بتعليل أصول التسميات لكثير من الألفاظ المشروحة، ومن ذلك:
قوله عن ريح الصبا: "وتسمى القبول بفتح القاف، لأنها تقابل باب الكعبة، وتقابل قبلة العراق"1.
وقوله: "والشام ... إنما سميت بذلك، لأنها عن مشأمة الكعبة أي يسارها مما يلي المئزاي والحجر"2.
وعلل سبب تسمية الفلاة مفازة بقوله: "والمفازة: واحدة المفاوز، وسميت بذلك على طريق التفاؤل لها بالسلامة والفوز"3.
وعلل سبب قولهم عن الرجلة: "البقلة الحمقاء" بقوله: "وإنما سميت حمقاء، لأنها تنبت في كل موضع. وقيل سميت بذلك لأنها تنبت في مسيل الماء"4.
وقال في تعليل العارية: "وسميت بذلك لأنها من المعاورة، وهي المناولة"5.
5- المعرب:
أشار إلى كثير من الألفاظ الأعجمية المعربة، وبلغ ما ذكره منها نحو اثنين وأربعين لفظا، وقد جرى في تناوله لهذه المعربات على أساليب مختلفة، منها:
أن يذكر اللفظ المعرب ويشير إلى اللغة التي عرب منها، وأصل نطقه في تلك اللغة ومعناه، وسار على هذا النهج في شرح أكثر الألفاظ المعربة، ومن ذلك قوله: "وأما كسرى فمعناه: الملك الأكبر من ملوك الفرس خاصة ... وأصله في كلام الفرس "خسرو" بخاء مضمومة، وواو في آخره، والراء قبلها مضمومة أيضا، وقيل: أصله عندهم: "خسره" بهاء بدل الواو ... "1. وقوله: "وهو الزئبق ... وهو فارسي معرب، واسمه بالفارسية جيفه"2.
وقوله: "يقال: هي بغداد.... وهي فارسية معربة، وأصلها "باغ داذ" ف"باغ" اسم البستان بالفارسية، و"داذ" اسم رجل، فكأنهم أرادوا بستان هذا الرجل3.
وقوله في البأج: "وهي معربة، وأصلها فارسية، وهي كلمة يؤتى بها في أواخر أسماء الطبيخ، كما يؤتى باللون بالعربية في أوائلها، فيقولون: "سكباج" ف"سك" بالفارسية اسم الخل، وباج أصله بالفارسية: "واه"، فلما عربت نقلت الواو والهاء إلى الباء والجيم وهمزت
العرب ألفها"1.
وقوله: "وهي الأبلة.... وهي نبطية معربة، وأصلها بالنبطية "هوب ليكا"2.
وهذه المرة الوحيدة التي ذكر فيها لفظا، معربا من النبطية.
1- أن يكتفي بذكر اللفظ المعرب واللغة التي عرب منها، ولا يذكر شيئا عن أصله، كقوله: "وهو الخوان: للذي يوضع عليه الطعام، وهو فارسي معرب"3.
وقوله: "وهو الجص: لحجارة تحرق ويبنى به، وتجصص به الدور. وهو فارسي معرب"4.
وقوله: "فأما الصولجان: فمعروف.. وهو فارسي معرب"5.
2- أ، يشير إلى اللفظ الأعجمي المعرب من غير ذكر اللغة التي عرب منها، كقوله: "وهو الفلفل: لهذا الحب المعروف من الأباريز.... وهو أعجمي معرب"6، وقوله: "وهي صعفوق: لخول باليمامة. وقيل: إنها أعجمية معربة"7.
وذكر أن الإجانة فارسية معربة8، ولم تذكرها كتب المعربات،
وذكر ابن دريد أنها عربية معروفة 1.
وأشار في تفسير بعض الألفاظ المعربة إلى ما يقابلها من مفردات عربية، فذكر في مقابل الرصاص الصرفان2، وفي مقابل الشهريز العجوة3، وفي مقابل التوت الفرصاد4، وفي مقابل الزئبق الزاووق5، وفي مقابل الإسوار الفارس6.
وفعل عكس ذلك في بعض الألفاظ العربية، فذكر مقابلها الأعجمي، فذكر في مقابل الجد البخت7، وفي مقابل الرجلة الفرفخ8، وفي مقابل الطلاوة الخرمية9.
وقد ينص على عربية بعض الألفاظ دفعا لتوهم أنها معربة، كقوله:" وأما المنديل فعربي معروف ... وكذلك القنديل عربي أيضا"10، وقوله: " وهو السكين: عربي معروف"11.
ومما يتصل بهذا الموضوع إشارته إلى خلاف البصريين والكوفيين في حركة الكاف من كسرى حيث يقول: "والكوفيون يختارون كسر الكاف من كسرى، والبصريون يختارون فتحها"1.
6- الفروق:
عنى أبو سهل ببيان الفروق بين الألفاظ التي قد تتشابه فيظن كثير من الناس أنها بمعنى واحد.
وإذا استثنينا الباب الذي عقده ثعلب لبعض الفروق اللغوية، نجد أن أبا سهل أشار في سواه إلى عدد من الفروق اللغوية، من ذلك قوله: "وربض الكلب وغيره يربض ... ربضا وربوضا، وهو في السباع كالجلوس من الإنسان، والبروك من الجمل، والجثوم من الطائر"2 وقوله: "وهو الخوان: للذي يوضع عليه الطعام ... فإذا وضع الطعام عليه فهو مائدة"3.
وقوله: "والظل للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشي"4.
وقد اتسعت دائرة الفروق عنده لتشمل النوع السابق، والفرق بالحركة والحرف والمصدر أيضا.
وقد احتلت الحركة قدرا كبيرا من اهتمامه فنبه على دورها الهام في التفريق بين المعاني في غير موضع من الشرح، من ذلك قوله: "فجعلت
العرب اختلاف الحركات في أوائل الكلم وأوساطها دليلا على اختلاف معانيها، ولولا ذلك لالتبس بعضها ببعض"1.
وقوله: "وإنما فتحت العين للمبالغة والدلالة على الكثرة، وإذا سكنت دل ذلك على قلته، وجعلوا السكون فرقا بينهما، ويجعلون أيضا فتح العين في هذا دليلا على الفاعل، وسكونها دليلا على المفعول كما قالوا في لُعَنة ولُعْنة"2.
وقوله أيضا: "ولولا طلب الفرق بمخالفة الحركات لكان الكسر يجوز في كل ذلك ... "3.
والأمثلة التطبيقية للتفريق بالحركات جد كثيرة، تناول الشارح معظمها في أثناء شرح الأبواب التي عقدها ثعلب للتفريق بين الأبنية بالحركات، ومن أمثلة ذلك في الأفعال قوله: "وملَلت الشيء في النار بفتح اللام ... إذا دفنته في الملة.... وملِلت من الشيء بكسر اللام، وكذلك ملِلت الشيء: إذا سئمته"4.
ومن أمثلته في الأسماء قوله: "والحمل بكسر الحاء: ما كان على ظهر الإنسان أو الدابة ... والحمل بفتح الحاء: حمل المرأة، وهو جنينها الذي في بطنها"5.
وقوله: "والعجم بفتح الجيم: حب الزبيب والنوى ... والعجم بسكون الجيم العض"6.
والفرق بالحركة يعني المخالفة في ضبط أوائل الكلمات وثوانيها، وأما ضبط أواخر الكلمات للفرق، فقد ورد في حالات نادرة كقولهم: "إيه وإيها" قال أبو سهل: فأما إيه بكسر الهمزة، والهاء، فهي أمر واستدعاء حديث ومعناها: زد، وهي منونة، لأنها استدعاء لحديث منكور ... فإذا حذفت التنوين، فهو أمر واستدعاء لحديث معروف معهود.... وأما إذا أردت أن يقطع حديثه، قلت: إيها كف عنا، والهاء مفتوحة منونة، لأنها للزجر والنهي عن إرادة حديث، ونونت، لأنها للنكرة أيضا، فإذا حذف التنوين كانت نهيا وزجرا عن حديث معروف"1.
وأما الفرق بالحرف فيعني اختلاف معنى الكلمة بزيادة حرف أو مقصانه.
ومن أمثلة هذا النوع قوله في شرح باب فعلت وأفعلت: "وأعجمت الكتاب بالألف ... إذا نقطته فأوضحته وأبنته من العجمة ... وعجمت العود ونحوه: إذا عضضته لتعرف صلابته من رخاوته"2.
وذكر أن العامة لا تفرق بين "فعل وأفعل" وقد تقدم قوله هذا فيما سبق3.
ومن ذلك أيضا قوله: "وامرأة حامل: إذا أردت حبلى ... فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهرا، قلت: حاملة بالهاء"4.
ومن أنواع الفرق بالحرف أيضا، جعل حرف مكان حرف
آخر، ومن ذلك قوله: "ورجل نشوان من الشراب بالواو.... ورجل نشيان للخبر بالياء ... وأصل الياء في نشيان هاهنا واو، وإنما تكلموا بها في هذا المعنى بالياء ليفرقوا بين هذا وبين السكران"1.
وقوله: "وبينهما بون بعيد بالواو، وبين أيضا بالياء: أي مسافة ومقدار في الأرض ... والأجود أن يكون البين بالياء، للفراق، والبعد في كل شيء، ولا يقال البون بالواو إلا في قولهم: بين الرجلين والشيئين بون إذا لم يتفقا"2.
ومن هذا النوع أيضا تفريقه بين "خمدت النار، وهمدت" بقوله: "وخمدت النار وغيرها.....إذا سكن لهبه وذهب ضوؤها، ولم يطفأ جمرها، فإذا طفئ جمرها، وذهب حرها، فهي هامدة"3.
وفرق كذلك بين الخضم والقضم، فخص الخضم بأكل الرطب، والقضم بأكل اليابس كالشعير ونحوه4.
وقد نبه على هذا النوع من الفرق الخليل5 وسيبويه6، وخصه ابن جني بباب سماه: "باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني" ومما مثل به "
الخضم والقضم" واستشهد بالمثل المشهور: "قد يدرك الخضم بالقضم"1 قال: "أي قد يدرك الرخاء بالشدة، واللين بالشظف.... فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث"2.
وأما الفرق بالمصدر، فأشار إليه في غير موضع، فعند قول ثعلب: "وجدت في المال وجدا وجدة. ووجدت الضالة وجدانا ... ووجدت في الحزن وجدا ... ووجد على الرجل موجدة" قال أبو سهل: "واختلفت هذه المصادر مع اتفاق أفعالها لاختلاف معانيها"3.
وقد يكون التفريق بين المعاني بصيغة الفعل والمصدر، فيشير إلى ذلك أيضا، فعند قول ثعلب: "وتقول: قذت عينه تقذي قذيا: إذا ألقت القذى، وقذيت تقذي قذى: إذا صار فيها القذى، وأقذيتها إقذاءا: إذا ألقيت فيها القذى، وقذيتها تقذية: إذا أخرجت منها القذى" قال: "واختلفت هذه المصادر وأفعالها، لاختلاف معانيها، وإن كانت كلها رجعة إلى القذى، وهو كل ما وقع في العين من شيء يؤذيها"4.
كما يرى أن المبالغة في الوصف نوع من الفرق أيضا، فيقول: "روجل طويل وطوال بضم الطاء، وهما ضد القصير، وكأن فُعالا من
أبنية المبالغة، كما يقولون: رجل جسيم للعظيم الجسم، فإذا قالوا: جسام كان أعظم جسما من الجسيم. ومن الناس من لا يفرق بين فعيل وفعال في هذا، ويجعلهما لمعنى واحد"1.
ولعل مثل هذا التدقيق في الفروق أوقفه على ظاهرة أخرى، وهي تلك العلاقة الوثيقة بين المبنى والمعنى، وإن الزيادة في المبنى تقتضي غالبا زيادة في المعنى حين قال: "وفعيل – بتشديد العين في أوصاف – من أبنية المبالغة"2.
وحين قال أيضا: "فكما أن في آخر الداهية والبهيمة هاء، كذلك أتوا بها (أي بالهاء) في وصف الإنسان المذكر الممدوح والمذموم3 تشبيها بهما، فإذا مدحوه وبالغوا في ذلك شبهوه بالداهية ... وكذلك أيضا إذا ذموه وبالغوا في ذلك شبهوه بالبهيمة ... جعلوا زيادة اللفظ دليلا على زيادة ما يقصدونه من مدح وذم"4.
7- الترادف:
بالرغم من اهتمام أبي سهل بذكر الفروق بين كثير من الألفاظ، إلا أنه كان – مع ذلك- ممن المقرين بظاهرة الترادف في اللغة، وهو وإن لم يصرح بالمصطلح، فقد عبر عن مفهومه من خلال شرح بعض ألفاظ
الفصيح بمثل قوله: "والعقوبة والعذاب بمعنى واحد"1.
وقوله: "حرى ... وقمن ... بمعنى واحد، بمعنى حقيق وخليق وجدير"2 وقوله:"والعام والحول والسنة: بمعنى واحد"3 وقوله: "وهزئت به ... مثل سخرت منه في الوزن والمعنى"4.
وقوله:" والمرء بمعنى الرجل سواء لا فرق بينهما"5.
وقوله: "وعضضت الشيء ... مثل كدمت سواء، إذا قبضت عليه بأسنانك"6.
8- المشترك اللفظي والتضاد:
ومما يتصل يشرحه لدلالة الألفاظ الإشارة إلى ما فيها من اشتراك لفظي أو تضاد.
ومن حديثه عن المشترك اللفظي تصريحه بأن " الخال " لفظ يشترك فيه معان كثيرة، حيث قال: "والخال: أخو الأم، أي أنه صحيح في نسبه، ظاهر ذلك لا على ما شركه في اللفظ، لأن الخال في كلام العرب على وجوه عدة، فمنها: الكبر، وهو مثل الخيلاء، ومنها نكتة سوداء تكون في جسد الإنسان، وقد استقصيت ذكر الخال في الكتاب المثلث"7.
وقد يشير للمشترك عرضا دون النص عليه، كقوله: "وقلت من القائلة ... أي نمت نصف النهار ... والقائلة: النوم ذلك الوقت، والقائلة أيضا: الظهيرة"1.
وقد أدرك أبو سهل – رحمه الله – أن بعض أنواع المشترك اللفظي ناتج عن تطور الأصل الدلالي لكثير من ألفاظ اللغة بسبب الاستعمال المجازي، فأشار في شرح بعض المفردات إلى ذلك النوع من المشترك بقوله: "ومعنى قوله: بين الأبوة: أي أنه أب على الحقيقة، لمن قد ولد وهو ظاهر الصحة في ذلك لا على المجاز والتشبيه، وذلك لأنهم يسمون الصاحب للشيء، والمالك له، والقيم عليه أبا على الاستعارة والتشبيه، نحو قولهم لصاحب المنزل: أبو المنزل، وللقيم على القوم المدبر لأمورهم: أبوهم"2.
وقوله: "فأما الشفة للإنسان: فمعروفة، وهي غطاء أسنانه.... وقد تقال أيضا لغير الإنسان على طريق الاستعارة والتشبيه، فتقال للصنم، والصورة في الثوب والحائط، ولحرف الكوز والجرة والزق، وغير ذلك"3.
وقوله: "ومن الأعضاء ما أشركت العرب في التسمية بها بين بعض أنواع الحيوان وغيره وبين بعضها، ومنها ما استعارت بعضها لبعض على
طريق التشبيه، أو المدح، أو الذم والعيب، فمن ذلك أنهم قالوا للإنسان مشفر أيضا، وذلك إما على طريق الضخم والغلظ، أو على طريق العيب والذم، كما قال الفرزدق:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ المشافر
فجعل للإنسان مشفرا، لأجل غلظ شفته"1.
وإذا كان المشترك اللفظي يعني دلالة اللفظ على معنيين فأكثر، فإن التضاد فرع له، فقد ورد في اللغة ألفاظ أخرى يدل الواحد منها على معنيين أيضا، ولكنهما على التضاد، واصطلح العلماء على تسمية هذه الألفاظ الواردة بالأضداد2.
وقد ذكر أبو سهل ألفاظا يسيرة من الأضداد من غير أن ينص على المصطلح، مما يدل على أنه كان من المقرين بظاهرة التضاد في اللغة غير المنكرين لها، ومن ذلك قوله: "الأيم: هي المرأة التي لا زوج لها، وسواء كانت بكرا أو ثيبا"3.
وقوله: "والمفازة: واحدة المفاوز، وسميت بذلك على طريق التفاؤل لها بالسلامة والفوز، من فاز يفوز فوزا، إذا نجا، لأنها مهلكة، كما قالوا للديغ: سليم"4.
9- الإبدال:
عرض أبو سهل في هذا الكتاب لنوعين من الإبدال: الإبدال الصرفي أو ما يسمى بالإبدال المطرد، والإبدال اللغوي غير المطرد.
فأما النوع الأول فسيأتي الحديث عنه في بحث المسائل الصرفية في الكتاب.
وأما النوع الآخر، وهو الإبدال اللغوي، فقد ورد في ثنايا الكتاب عدد من الألفاظ التي تندرج تحت هذه الظاهرة، وسلك المصنف في عرضها الطرق التالية:
1- النص على أصل اللفظ المبدل منه، ومن ذلك قوله: "الهاء من هرقت أصلها همزة، وهي مبدلة منها للتخفيف وكثرة الاستعمال، والأصل أرقت، كما قالوا في القسم: هيم الله وأيم الله، وهياك وإياك"1.
النص على أصل اللفظ المبدل منه مع ترجيح الأصل وتعليل ذلك، نحو "حلك الغراب وحنكه: بمعنى واحد، لسواده، والنون فيه بدل من اللام، كما قالوا للثياب التي يجلل لها الهودج: السدول، والسدون، إلا أن اللام أكثر لدورها في متصرفات هذه الكلمة، لأنهم قالوا: حُلْكُوك وحَلَكُوك ومُحْلَوْلَك، وقد احْلَوْلَك ولم يقولوا شيئا من
ذلك بالنون"1.
3- النص على الأصل ونسبة الفرع المبدل إلى لحن العامة نحو قوله في "حجزة السراويل": "والعامة لا تخطئ في أول هذا الفصل، وإنما تخالف العرب في الجيم فتقلبها زايا، فتقول: حُزََة"2.
4- ذكر لفظين متلاحقين دون النص على الأصل المبدل منه، نحو:
- الإكاف والوكاف3.
- الصيدناني والصيدلاني4.
- بسر قريثاء ووكريثاء5.
- فلق الصبح وفرق الصبح6.
الإشارة إلى الإبدال في لغتين، نحو قوله: "البزاق بالزاي للبصاق، وهي لغة أيضا عن العرب"7.
وقوله: "لزقت ولسقت بالزاي والسين، وهما لغتان للعرب أيضا"8.
وقوله:"وهي الطس....
والطست بالتاء لغة للعرب أيضا"1.
6- الاستشهاد بالشعر على الصيغ المبدلة.
ومن ذلك استشهاده على إبدال الباء والميم في "لازب ولازم" بقول النابغة:
فلا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب.
وبقول كثير:
فما ورق الدنيا بباق لأهله ... ولا شدة البلوى بضربة لازم2
واستشهاده أيضا على إبدال النون واللام في "الصيدناني والصيدلاني" بقول الأعشى:
وزورا ترى في مرفقيه تجانفا ... نبيلا كدوك الصيدناني دامكا3.
10- الإتباع والمزاوجة، والمثنيات اللغوية:
وأشار – فيما أشار إليه من مسائل اللغة – إلى ظاهرة الإتباع والمزاوجة، والمثنيات اللغوية، فأشار إلى ظاهرة الأولى في موضعين، حيث قال: "وهو شتان مفتوحة على طريق إتباع الفتح الفتح، إذ كانت الألف من جنس الفتحة، ولا يكون ما قبلها إلا فتحة"4.
وقال: "وإذا أفردت حدث ونطقت به وحده فقلت: حدث الشيء كانت الدال مفتوحة لا غير، فإذا قرنته مع قدم فقلت: قدم وحدث، ضممت الدال منه، على طريق الإتباع والمزاوجة1.
أما المثنيات اللغوية فأشار إلى لفظ واحد منها دون أن ينص على أنه من المثنيات اللغوية التي اصطلح عليها في العربية على سبيل التغليب بمعناها الأعم، وذلك حين قال: "فإذا اجتمع الوالدان، قيل: أبوان، ولم يقولوا: أمان، لأنهم غلبوا المذكر على المؤنث"2.
ثانيا: المسائل الصرفية:
1- الفعل:
اهتم أبو سهل بأبنية الأفعال اهتماما كبيرا فأشار إلى معانيها وتصاريفها ومشتقاتها، واهتم بصفة خاصة بذكر المصادر، وأسماء الفاعلين والمفعولين، كما شرط على نفسه في مقدمة الكتاب، فالتزم بشرطه هذا إلى حد كبير، وكان يشير في أثناء ذلك إلى لغات الفعل إن وجدت والمصادر إن تعددت.
فمن ذلك قوله: "وشمِمْت الشيء أشمه شما وشميما، فأنا شام، وهو مشموم"3.
وقوله: "وأخفرته بالألف، أخفره إخفارا.... فأنا مخفر بكسر الفاء، وهو مخفر بفتحها"1.
وقوله: "وفسد الشيء يفسد ويفسد بالضم والكسر، فسادا وفسودا.... وهو خلاف صلح يصلح صلاحا وصلوحا ... فهو فاسد وصالح"2.
وقوله: "ونبح الكلب ينبح وينبح بالكسر والفتح نبحا ومبيحا ونبوحا ونباحا ونباحا إذا صاح، فهو نابح"3.
وغالبا ما كان ينص في أثناء تصريف الفعل على المصطلحات كالفعل الماضي والمضارع والأمر والمصدر، واسم الفاعل والمفعول، وعبر عنها جميعا بالمصطلح البصري ما عدا الفعل المضارع، فقد عبر عنه بالمستقبل، على اصطلاح الكوفيين4.
فمن ذلك قوله: "والمستقبل من ذبل يذبل بالضم، ومصدره ذبل وذبول، واسم الفاعل ذابل"5.
وقوله: "ترادف..... فعل مستقبل، والماضي رادفت، والمصدر
مردفة بفتح الدال، والدابة مرادفة بكسرها"1.
وقوله: "وقد بارى الريح جودا، وهو يباريها مباراة.... واسم الفاعل مبار بكسر الراء والمفعول مبارى بفتحها"2.
وأشار إلى أثر حروف الحلق في حركة العين من الفعل المضارع، فقال: فأما أربعهم وأسبعهم وأتسعهم، فإنك تفتح الباء والسين منها، لأجل العين التي في آخر الفعل الماضي، لأنها من حروف الحلق، فيفتحون الحرف الذي قبلها من المستقبل لخفة الفتح"3.
وأشار إلى بعض الأفعال المهملة وبعض مشتقاتها كقوله: "وتقول: ذر ذا ودعه: أي اتركه، وهو يذر ويدع، واستعمل هذان الفعلان في الأمر والمستقبل لا غير، ولا يقال: وذرته ولا وردعته، ولكن تركته، ولا واذر ولا وادع، ولكن تارك، استغنوا عن الماضي واسم الفاعل من هذا بترك وتارك"4.
كما أشار إلى بعض المصادر التي أهملت العرب استعمال أفعالها، فقال: "والأبوة مصدر تركت العرب استعمال الفعل منه"5.
وقال: "والعمومة مصدر العم، ولا يستعمل منه فعل أيضا"1.
وأشار إلى لزوم بعض الأفعال وتعديها، فقال: "وعمر الرجل منزله..... وقد عمر المنزل.... يستوي في هذا الفعل اللازم والمتعدي"2.
وقال: "رعيت المال أرعاه رعيا، إذا أخرجته إلى الكلأ ليرعاه، أي يأكله، وكذلك رعى المال نفسه يرعى رعيا: إذا أكل النبات، لفظ اللازم والمتعدي في هذا سواء"3.
ووافق الجمهور على التسوية بين الهمزة والباء في تعدية الفعل، فقال: "وذهبت به.... وأذهبته بالألف بمعناه"4.
وقال: "وأدخلته الدار، ودخلت به الدار: ومعناهما واحد"5.
وأشار إلى ما لا يتصرف من الأفعال، وذكر علة ذلك، فقال: "ومنعوا عسى التصرف، فلا يقال منه: يفعل، ولا فاعل، لا يقال: يعسى، لا عاس، ولا مصدر له أيضا، لأنه وقع بلفظ الماضي، ونقل معناه عن المضي، ووضع موضع الإخبار عن حال صاحبه التي هو مقيم عليها، كما فعل مثل ذلك بليس، لأن لفظها لفظ الماضي، وهي الحال الثابتة، وأجريت في منع التصرف مجرى حروف المعاني الجامدة، إذ
كانت الحروف لا تصرف لها"1.
وقال أيضا: "وتقول: ما حك هذا الأمر في صدري بتشديد الكاف: أي ما أثر ... ولا يصرف هذا الفعل لأنه جاء كالمثل"2
وذكر أن من الأفعال ما لا يستعمل إلا في النفي، أو يغلب استعماله في النفي. وذلك نحو قوله: "ما عجت كلامه: أي ما باليت به ولا اكترثت.... ولا يستعمل إلا في النفي"3.
وقوله: "وما أكلت أكالا: أي شيئا يؤكل، ولا يستعمل إلا مع النفي"4.
وقال أيضا: "أبالي مثل أكترث في المعنى، وهو مستقبل باليت، وأكثر ما يستعمل في الجحد"5.
وذك أيضا أن من الأفعال ما لا يقع إلا من اثنين، كقوله: "وتقول: دابة لا ترادف....وهذا الفعل لا يقع إلا من اثنين ... وتقول: هذا لا يساوي ألفا.... وهذا أيضا لا يكون إلا من اثنين"6.
-الميزان الصرفي:
الميزان الصرفي لفظ وضعه العلماء لمعرفة أصول حروف الكلمة وترتيبها، وبيان ما يطرأ عليها من تغيير سواء أكان بالزيادة أم بالنقص، أو اختلاف حركاتها وسكناتها. وجعلوه مكونا من ثلاثة أحرف أصول هي: "ف ع ل"، وكل حرف منها يقابل الحرف الأصلي في الكلمة الموزونة1.
وقد عني أبو سهل في أثناء الشرح بأوزان الألفاظ، فأشار إلى كثير منها، موضحا بها أصول الألفاظ الموزونة وحركاتها، وما اعترى بعضها من علل صرفية.
فمن ذلك قوله: "وعمت ... وزنه على الأصل قبل النقل فعلت بفتح الفاء والعين، وكان أصله عيمت، على مثال ضربت، ثم نقل إلى فعلت بكسر العين، فقالوا: عيمت"2.
وقد يكتفي بذكر وزن الكلمة ليدل به على أصل بنائها قبل الإعلال، كقوله: "ووزن غرت فعلت بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل.... وأما غار الرجل يغور.... فوزنه فعل يفعل بفتح العين في الماضي وضمها في المستقبل ووزن غار الماء وغارت عينه فعل بفتح العين، والمستقبل يفعل كالفصل الذي قبلهما، وهي ثلاثتها من ذوات الواو ... وأما غار الرجل أهله ... فإنها من ذوات الياء، ووزنها فعل يفعل بفتح
العين من الماضي وكسرها من المستقبل"1.
وقد يكون غرضه من ذكر الميزان الصرفي الدلالة على الحرف الأصلي والزائد في بناء الكلمة، كقوله: "وهي الثندؤة بضم الثاء وبالهمز، ووزنها فعللة، والثندوة بفتح الثاء غير مهموز، ووزنها فعلوة"2.
وقوله: "وهم المطوعة.... من خفف الطاء فإنه يجعل وزنه مفعلا ويأخذ من قولهم: طاع له يطوع طوعا، فهو طائع ... وأما من شدد الطاء، فإنه يجعل وزنه متفعلة"3.
وقوله: "الفنطيسة ... فنعيلة من الفطس"4.
وقوله: "وشويت اللحم فانشوى بنون قبل الشين، لأن انفعل للمطاوعة"5.
وقوله: "والاستعمال: استفعال من العمل"6.
وذكر من أوزان الأدواء (فعال) كالعطاس، والزكام والصداع، والفلاج7.
وأشار إلى أوزان بعض صيغ المبالغة السماعية والقياسية، فذكر
منها:
1- فعول، وزان كسوب وصبور وشكور1.
2- فعال، وزان مذاء2.
3- فعيل، وزان حريص وطويل وعليم ورحيم3.
4- فعال، وزان طوال4.
5- فعول، وزان سبوح وقدوس5.
6- فعيل، وزان شريب، وسكير وخمير6.
7- مفعال، وزان معطار ومذكار ومئناث7.
8- فعلة، وزان لعنة وضحكة وهزأة وسخرة وخدعة8.
كما أشار إلى أوزان بعض الصيغ المتبادلة، ومن ذلك:
1- فعل بمعنى مفعول، كقوله: "والمصدر يكون بمعنى المفعول،
كقولهم: درهم ضرب، وماء سكب، أي مضروب ومسكوب"1.
2- فعل بمعنى فعيل، كقوله: "فالهدي على فعل، مثل ظبي، والهدي فعيل، مثل صبي، بمعنى واحد"2.
3- فعولة بمعنى مفعولة، كقوله: "وأكولة الراعي بالواو ... وهي الشاة التي يعدها الراعي للأكل، وهي فعولة بمعنى مفعولة، مثل الحلوبة التي تحلب والركوبة التي تركب"3.
4- فعول بمعنى فاعل، كقوله: "امرأة صبور وشكور ونحو ذلك بغير هاء، لأنه عدل عن فاعل إلى فعول"4.
5- فعيل بمعنى مفعول، كقوله: "والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة، إذا فصل عن أمه، وهو فعيل في معنى مفعول"5.
وقوله: "وأهديت الهدية أهديها إهداء: إذا أرسلتها..... وهي فعيلة بمعنى مفعولة"6.
وقوله: "وتقول: ملحفة جديد ... وفي فعيل في تأويل مفعولة
بمعنى مجدودة، وهي المقطوعة"1.
ولعل أهم ما تناوله في حديثه عن الأوزان الصرفية صياغة بعضها على شكل قواعد كلية، أو قواعد تعليمية، يسهل حفظها وتطبيقها. ومن أمثلة ذلك قوله:
"جميع ما جاء من فصول هذا الباب على وزن فعل، فإن أول حروف الماضي منها يكون مضموما، وهو فاء الفعل، والحرف الثاني منها يكون مكسورا، وهو عين الفعل، فإذا كان مستقبلا فتحت عين الفعل منه"2.
"كل ما كان ماضيه على أفعل بالألف، فإن مستقبله يجيء على يفعل بضم الياء وسكون الفاء وكسر العين ومصدره إفعال واسم الفاعل منه مفعل بكسر العين، واسم المفعول مفعل بفتحها، نحو أكرم يكرم إكراما، فهو مكرم، والمفعول به مكرم"3.
"كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس، فإن الضم فيهما أكثر، وقد يفتحان"4.
"كل اسم على فعلول، فهو مضموم الأول، لأنه ليس في كلام
العرب فعلول بفتح الفاء وسكون العين إلا كلمة واحدة، وهي صعفوق لخول باليمامة"1.
"أفعلاء لا يكاد يوجد في الواحد"2.
"كل ما كان على "فعلة" بفتح الفاء وسكون العين، إذا جمعتها بالألف والتاء فإنك تفتح العين منها كالبكرة والبكرات، إلا أن تكون وصفا، أو تكون معتلة العين، فإنك تتركها على حال السكون، فتقول في جمع جوزة: جوزات، وفي جمع خدلة: خدلات بسكون الواو والدال"3.
3- الإعلال والإبدال والإدغام:
توقف أبو سهل عند عدد من الألفاظ المشروحة، وأشار إلى ما طرأ عليها من إعلال، أو إبدال، أو إدغام، وذلك على النحو التالي:
أ- الإعلال:
1- الإعلال بالنقل أو التسكين، كقوله: "أعيم بكسر العين وسكون الياء، وكان أصله أعيم بسكون العين وكسر الياء، على مثال ضربت أضرب، فاستثقلت كسرة الياء، فنقلت إلى العين التي قبلها،
فصار أعيم"1.
2- الإعلال بالقلب، وأشار إليه في عدد من الألفاظ كما يلي:
- قلب الواو ألفا، نحو قوله: "أصل الماء: موه بفتح الميم والواو فقلبوا الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها"2.
- قلب الواو ياء، نحو قوله: "وهو الحائط.... وجمعه حيطان، وأصله حوطان بالواو، فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها"3.
- قلب الياء ألفا، نحو قوله: "لقاة وزنها فعلة بفتح العين، لأن أصلها لقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار لقاة"4.
- قلب الياء واوا، نحو قوله: "فأما حوران بالواو، فإنه جمع على فعلان بضم الفاء، وكان أصله حيران بياء ساكنة وقبلها ضمة، فانقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها، وذلك أن أصل هذه الكلمة الياء، لأنه من التحير"5.
3- الإعلال بالنقل والقلب.
نحو قوله: "والأصل في دير يدار: دور يدور، على مثلا ضرب يضرب"6.
4- الإعلال بالحذف، نحو قوله: "يلغ ... الأصل فيه يولغ، فحذفت الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة"1.
وقوله: "تكن هو فعل مستقبل، وأصله تكون، إلا أنه جزم بلم سكنت النون، فالتقى ساكنان، وهما الواو والنون، فحذفوا الواو لالتقاء الساكنين، فبقي تكن"2.
5- الإعلال بالقلب والحذف، نحو قوله: "أصل الشاة: شوهة، بفتح الشين، على فعلة، فحذفت منها الهاء الأصلية، وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت شاة"3.
ب- الإبدال4:
1- إبدال الواو تاء، نحو قوله: "ومنه تقول: هي التخمة.... والتاء فيه بدل من الواو، لأنها من الشيء الوخيم، مثل التقى، وهذه التاء مبدلة من الواو أيضا، لأنه من الوقاية"5.
2- إبدال التاء دالا، نحو قوله: "وادلجت.. أصله ادتلجت، بتاء بعد الدال، فأبدلوا من التاء دالا، ثم أدغموا الدال في الدال"6.
- إبدال التاء طاء، نحو قوله: "ويقال: التخ عليهم أمرهم.... والطخ بالطاء، فهو يلطخ الطخاخا.... والطاء في هذا بدل من التاء لقرب مخرجيهما"1.
4- إبدال الواو والباء ياء على غير قياس، نحو قوله: "وهو الديوان والديباج.... فأما الديوان: فمعروف.... وأصله عند العرب لما تكلمت به دوان تشديد الواو، فاستثقلوا ذلك، فأبدلوا من الواو الأولى ياء، ولذلك قالوا في الجمع: دواوين على الأصل، ولم يقولوا: دياوين. وأما الديباج: فمعروف....وأصله عند العرب لما تكلمت به دباج بشديد الباء، فاستثقلوا التشديد أيضا، فأبدلوا من الباء الأولى ياء اتباعا للكسرة التي قبلها، ولذلك قالوا في الجمع: ديابيج بياء معجمة"2.
ج- الإدغام: أشار أبو سهل إلى هذه الظاهرة في ألفاظ قليلة، ومما أشار إليه: إدغام المثلين، نحو قوله: "ويوم قار وقر بالفتح: أي بارد، وليلة قارة وقرة: أي باردة.
وأصل قار قارر، على مثال بارد، وأصل قر قرر بكسر الراء على مثال حذر المكسور الذال، وأصل قرة قررة بكسر الراء أيضا"3.
فإشارة أبي سهل إلى أصل هذه المادة إدراك منه لعلة الإدغام.
2- إدغام المتقاربين، نحو قوله: "ادلجت.... أصله ادتلجت بتاء بعد الدال، فأبدلوا من التاء دالا، ثم أدغموا الدال في الدال"1.
وقوله في "المطوعة" تشديد الطاء والواو: وزنه متفعلة، وكان الأصل متطوعة، فأدغمت التاء في الطاء لتقارب مخرجيهما"2.
وقوله عند شرح قول ثعلب: "مما يجري في كلام الناس": "وصلت من هنا بما في الخط، لأجل إدغام النون في الميم لقرب مخرجيهما"3.
4- المذكر والمؤنث:
عقد ثعلب أربعة أبواب في فصيحه تدور حول ظاهرة التذكير والتأنيث، ولم يقصر الشارح حديثه على الألفاظ الواردة في هذه الأبواب، بل أشار إلى عدد من الألفاظ التي تندرج تحت هذه الظاهرة في مواضع أخرى من الكتاب، ويمكن إجمال كل ما أشار إليه فيما يلي:
ألفاظ سماعية مؤنثة لا غير كالإصبع4، والكبد5، والفخذ6،
والذراع1، والرحى2.
2- ألفاظ سماعية تذكر وتؤنث، كالسراويل3، والسكين4، والعنق5، والهدى6.
3- ألفا أو صيغ مشتقة لا تلحقها علامة التأنيث، لأنها صفات أو أسماء خاصة بالمؤنث نحو: امرأة طالق وحائض7، وناقة سرح8، ورخل9، وعجوز10، أو لاستغنائها بذكر الاسم الموصوف عن علامة التأنيث نحو: امرأة قتيل وصبور وشكور11.
4- ألفاظ يشترك فيها المذكر والمؤنث، ولا يجوز تأنيثها لأنها مصادر وصف بها نحو: خصم12، وضيف13، ودنف14.
5-ألفاظ جاءت بالتاء في وصف المؤنث والمذكر للمبالغة، نحو ملولة، وصرورة وهذرة1.
6- ألفاظ جاءت بالتاء في وصف المذكر للمبالغة، نحو: رجل راوية، وعلامة، ونسابة2.
7- ألفاظ الهاء فيها أصلية وليست للتأنيث، نحو: مياه، وشياه، وعضاه3.
8- ألفاظ تلحقها تاء التأنيث للفرق بين الواحد من الجنس وجمعه، وذكر من ذلك ألفاظا كثيرة، نحو: نواة، وتمرة، وبضعة، وحمامة، وسماناة، وأيكة، وريطة4.
9- ألفاظ مؤنثة على غير قياس، وذكر منها لفظا واحدا، وهو: إحدى بمعنى واحدة5.
وقد وضح بعض الأحكام الخاصة بالتذكير والتأنيث، فأشار إلى حكم دخول الهاء على "فعيل" إن كان اسما، وسقوطه منه إن كان صفة، فقال: "وكذلك امرأة قتيل بغير هاء أيضا: بمعنى مقتولة، لأنك ذكرت امرأة قبل هذا النعت، فاستغنيت بذكرها عن إتيان الهاء في نعتها،
وكذلك جميع ما أتى من النعوت على فعيل بمعنى مفعول وقد تقدمها ذكر الأسماء المنعوتة، فإنها تجري في حذف الهاء هذا المجرى، نحو: كف خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين، وإنما لم يثبتوا الهاء في هذا، لأنه معدول عن جهته، لأنهم عدلوا من مفعول إلى فعيل.... وإذا أفردت النعت من المنعوت جئت بالهاء، فقلت: رأيت قتيلة، ولم تذكر امرأة، وأدخلت فيه الهاء، لتفرق بها بينها وبين المذكر، وكذلك إذا أضفت، فتقول: قتيلة بني فلان"1.
وعن دخول الهاء في الاسم يقول: "وهي أكيلة السبع بالياء: وهي اسم الشاة التي أكلها، فلذلك دخلتها هاء التأنيث، لأنها اسم وليست بصفة، ولو كانت صفة لم تدخلها الهاء"2.
وأشار إلى قاعدة تذكير العدد وتأنيثه في عدة مواضع، قال في أحدها: "والعدد إذا كان لمؤنث فإن الهاء تسقط منه من ثلاثة إلى عشرة، وإذا كان لمذكر أثبتت فيه من ثلاثة إلى عشرة.
ومنه قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ 3 فحذف الهاء من سبع، لأنها الليالي، لأن واحدتها ليلة، وأثبتها في ثمانية، لأنها للأيام، لأن واحدها يوم"4.
كما أشار إلى أن تأنيث أفعل التفضيل "يكون على فعلى، مثل أحسن وحسنى، وأول وأولى، وآخر وأخرى"1.
ولعل أبرز ما أشار إليه مما يتصل بهذا الموضوع بعض مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. ومما أشار إليه خلافهم في صفة المؤنث إذا كان على زنة فاعل نحو: امرأة طالق وحائض وطاهر وطامث، بإسقاط الهاء، فذكر أن الكوفيين يرون أن الهاء إنما سقطت من هذه الأوصاف، "لأنها نعوت تخص المؤنث ولا حظ للمذكر فيها فلم يحتاجوا إلى الهاء، لأن الهاء إنما تدخل فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث، مثل قائم وقائمة، ليفرق بينهما بها، فلما لم يكن في هذه النعوت للمذكر حظ لم يحتاجوا إلى الفرق"2.
أما البصريون فنقل عنهم في هذه المسألة رأيين، أحدهما للخليل والآخر لسيبويه.
فالخليل يرى أنهم "أسقطوا الهاء من هذه النعوت، وجاءوا بها على لفظ المذكر، لأنهم أجروها مجرى النسب، كأنهم قالوا: امرأة ذات طلاق، وذات حيض، وذات طهر، وذات طمث، ولم يجعلوها جارية على الفعل بمعنى طلقت فهي طالقة.... فإن جعلوها جارية على أفعالها أثبتوا فيها الهاء علامة للتأنيث، فقالوا: طَلُقت فهي طالقة.."3.
وأما سيبويه "فإن مذهبه في هذه النعوت التي أسقطت منها علامة التأنيث وجعلت بلفظ المذكر، أنها جاءت أوصافا لمذكر، وإن المراد بها شيء طالق، وشيء حائض، وطاهر، وطامث، وكذلك أشباههما"1.
وأشار إلى خلاف الفريقين في قولهم: "ملحفة جديد وخلق".
فالكوفيون يرون أنها: "فعيل في تأويل مفعولة بمعنى مجدودة، وهي المقطوعة"2.
أما البصريون فيقولون: "إنما حذفوا الهاء من ملحفة جديد وخلق على غير القياس، وليس جديد من المعدول عن المفعول، لأنه لا يجوز فيهما مفعول، وكان القياس أن تثبت فيهما الهاء، كما تثبت في صغيرة وكبيرة ومريضة، ولكنهما جاءا شاذين، ولا يقال في شيء من الأشياء: جديدة ولا خلقة، وإنما هو جديد وخلق بغير هاء للمذكر والمؤنث ... "3.
كما تطرق إلى خلافهم في علامة التأنيث التي تلحق المذكر، نحو قولهم في المدح: رجل علامة ونسابة، وفي الذم: رجل هلباجة وفقاقة، فالكوفيون يرون أن الهاء جاءت في وصف المذكر الممدوح
والمذموم تشبيها بالداهية والبهيمة، فكأنهم "إذا مدحوه وبالغوا في ذلك شبهوه بالداهية، وأردوا أن أمره وفعله منكر زائد على غيره كالداهية، وكذلك أيضا إذا ذموه وبالغوا في ذلك شبهوه بالبهيمة التي لا تنطق بشيء يفهم، ولا تفرق بين الفعل القبيح والحسن..
أما البصريون فإنهم قالوا: الهاء في هذا الباب للمبالغة في الوصف الذي يمدح به أو يذم"1.
ولم يبد المصنف رأيا في مسائل الخلاف هذه، ولم يتعصب لأحد الفريقين، لكنه كان يبدأ بعرض رأي الكوفيين أولا، فإذا انتهى منه نسبه إليهم، كقوله بعد عرض رأيهم في المسألة الأخيرة: "هذا هو معنى قول الكوفيين وطريقتهم". ثم يعقب بعرض رأي البصريين مبتدئا بنسبته إليهم قبل عرضه، كما يلاحظ أيضا في المسألة الأخيرة.
أما في غير هذه المسائل فقد أخذ برأي الخليل في جعل فاعل في صفة المؤنث على النسب، فقال في تفسير "سفرت المرأة، وهي سافر": "أي هي ذات سفور"2.
وقال في قولهم: "تحسبها حمقاء وهي باخس": "أي أنها ذات بخس ... كما قالوا: طالق، أي ذات طلاق"3.
5- الجمع:
عرض أبو سهل لجمع عدد كبير من الألفاظ المشروحة، وبين كثيرا من الأحكام المتصلة بهذه الجموع.
وكان له عناية خاصة بالإشارة إلى جموع القلة والكثرة، ووضح في غير موضع القاعدة العامة لهذه الجموع، كقوله: "وثلاثة أجد، وكذلك إلى العشرة، وهذا هو الجمع القليل، فإذا زادوا على العشرة، فهو جمع كثير، تقول فيه: الجداء بكسر الجيم والمد"1.
وقوله: "ومياه جمع كثير، ويقال في القليل: أمواه، بإظهار الهاء أيضا، والكثير ما زاد على العشرة، والقليل من الثلاثة إلى العشرة"2.
وكثيرا ما كان يشير إلى الجمع القليل والكثير للكلمة مع النص على ذلك، نحو قوله: "والضرع جمعه القليل أضرع، والكثير الضروع"3.
وقوله: "النعمة.... جمعها القليل أنعم، والكثير نعم"4.
وفي حالات أخرى كثيرة أيضا يذكرهما دون النص على القلة والكثرة، نحو قوله: "والخيط من النعام..... والجمع خيطان وأخياط"5.